{"pages":[{"id":1,"text":"زاد المسير فى علم التفسير لابن الجوزي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الحمد لله الذي شرفنا على الأمم بالقرآن المجيد ودعانا بتوفيقه على الحكم الى الأمر الرشيد وقوم به نفوسنا بين الوعد والوعيد وحفظه من تغيير الجهول وتحريف العنيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد \r\n أحمده على التوفيق للتحميد وأشكره على التحقيق فى التوحيد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يبقى ذخرها على التأبيد وأن محمدا عبده ورسوله أرسله الى القريب والبعيد بشيرا للخلائق ونذيرا وسراجا فى الأكوان منيرا ووهب له من فضله خيرا كثيرا وجعله مقدما على الكل كبيرا ولم يجعل له من أرباب جنسه نظيرا ونهى أن يدعى باسمه تعظيما له وتوقيرا وأنزل عليه كلاما قرر صدق قوله بالتحدي بمثله تقريرا فقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا الاسراء88 فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه وأشياعه وسلم تسليما كثيرا \r\n لما كان القرأن العزيز أشرف العلوم كان الفهم لمعانيه أوفى الفهوم لأن شرف العلم بشرف المعلوم وإنى نظرت فى جملة من كتب التفسير فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه وصغير لا يستفاد كل المقصود منه والمتوسط منها قليل الفوائد عديم الترتيب وربما أهمل فيه المشكل وشرح غير الغريب فأتيتك بهذا المختصر اليسير منظويا على العلم الغزير ووسمته ب ","part":1,"page":3},{"id":3,"text":" زاد المسير فى علم التفسير \r\n وقد بالغت فى اختصار لفظه فاجتهد وفقك الله فى حفظه والله المعين على تحقيقه فما زال جائدا بتوفيقه \r\n فصل في فضيلة علم التفسير \r\n روى أبو عبد الرحمن السلمى عن ابن مسعود قال كنا نتعلم من رسول الله صلى الله عليه و سلم العشر فلا نجاوزها الى العشر الآخر حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل \r\n وروى قتادة عن الحسن أنه قال ما أنزل الله آية إلا أحب أن أعلم فيم أنزلت وماذا عنى بها \r\n وقال إياس بن معاوية مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أو لا يعلم مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلهم لمجئ الكتاب روعة لا يدرون ما فيه فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه \r\n فصل \r\n اختلف العلماء هل التفسير والتأويل بمعنى أم يختلفان فذهب قوم يميلون الى العربية إلى أنهما بمعنى وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين وذهب قوم يميلون الى الفقه الى اختلافهما فقالوا التفسير إخراج الشيء من مقام الخفاء الى مقام التجلى والتأويل نقل الكلام عن وضعه فيما يحتاج فى إثباته الى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ فهو مأخوذ من قولك آل الشيء الى كذا أي صار إليه ","part":1,"page":4},{"id":4,"text":" فصل فى مدة نزول القرأن \r\n روى عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فى ليلة القدر الى بيت العزة ثم انزل بعد ذلك فى عشرين سنة \r\n وقال الشعبى فرق الله تنزيل القرأن فكان بين أوله وآخره عشرون سنة \r\n وقال الحسن ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة انزل عليه بمكة ثمانى سنين \r\n فصل \r\n واختلفوا فى أول ما نزل من القرأن فأثبت المنقول أن أول ما نزل إقرأ باسم ربك العلق 1 رواه عروة عن عائشة وبه قال قتادة وأبوا صالح \r\n وروي عن جابر به عبد الله أن أول ما نزل يا أيها الدثر المدثر 1 والصحيح أنه لما نزل عليه إقرأ باسم ربك رجع فتدثر فنزل يا أيها المدثر يدل عليه ما أخرج فى الصحيحين من حديث جابر قال سمعت النبى صلى الله عليه و سلم وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثتت منه رعبا فرجعت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى يا أيها الدثر ومعنى جثتت فرقت يقال رجل مجؤوث ومجثوث وقد صحفه بعض الرواة فقال جبنت من الجبن والصحيح الأول وروي عن الحسن وعكرمة أن أول ما نزل بسم الله الرحمن الرحيم ","part":1,"page":5},{"id":5,"text":" فصل \r\n واختلفوا في آخر ما نزل فروى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس قال آخر آية أنزلت على النبى صلى الله عليه و سلم آية الربا وفي أفراد مسلم عنه آخر سورة نزلت جميعا إذا جاء نصر الله والفتح النصر 1 وروى الضحاك عن ابن عباس قال آخر آية أنزلت واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله البقرة 281 وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي صالح وروى أبو إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة النساء 176 وآخر سورة نزلت براءة وروي عن أبي بن كعب أن آخر آية نزلت لقد جاءكم رسول من أنفسكم التوبة 138 الى آخر السورة \r\n فصل \r\n لما رأيت جمهور كتب المفسرين لا يكاد الكتاب منها يفي بالمقصود كشفه حتى ينظر للآية الواحدة فى كتب فرب تفسير أخل فيه بعلم الناسخ والمنسوخ أو ببعضه فان وجد فيه لم يوجد أسباب النزول أو أكثرها فان وجد لم يوجد بيان المكي من المدني وإن وجد ذلك لم توجد الإشارة الى حكم الآية فان وجد لم يوجد جواب إشكال يقع فى الآية الى غير ذلك من الفنون المطلوبة \r\n وقد أدرجت فى هذا الكتاب من هذه الفنون المذكورة مع ما لم أذكره مما ","part":1,"page":6},{"id":6,"text":" لا يستغني التفسير عنه ما أرجو به وقوع الغناء بهذا الكتاب عن أكثر ما يجانسه \r\n وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الإشارة ولم أغادر من الأقوال التى أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ فاذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين إما أن يكون قد سبق وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج الى تفسير \r\n وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التفاسير فأخذ منها الأصح والأحسن والأصون فنظمه فى عبارة الاختصار وهذا حين شروعنا فيما ابتدأنا له والله الموفق \r\n فصل في الاستعاذة \r\n قد أمر الله عز و جل بالاستعاذة عند القراءة بقوله تقالى فاذا قرأت القرأن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم النحل 98 ومعناه إذا أردت القراءة ومعنى أعوذ ألجأ وألوذ \r\n فصل فى \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قال ابن عمر نزلت في كل سورة وقد اختلف العلماء هل هي آية كاملة أم لا وفيه عن أحمد روايتان واختلفوا هل هي من الفاتحة أم لا فيه عن أحمد روايتان أيضا فأما من قال إنها من الفاتحة فانه يوجب قرائتها في الصلاة إذا قال فوجوب الفاتحة وأما من لم يرها من الفاتحة فإنه يقول قراءتها في الصلاة سنة ما عدا مالكا فانه لا يستحب قراءتها في الصلاة \r\n واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به فنقل جماعة عن أحمد أنه لا يسن الجهر بها وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر ","part":1,"page":7},{"id":7,"text":" وابن مغفل وابن الزبير وابن عباس وقال به من كبراء التابعين ومن بعدهم الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة وعمر بن عبد العزيز والأعمش وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأبو عبيد في آخرين \r\n وذهب الشافعي إلى أن الجهر مسنون وهو مروي عن معاوية بن أبي سفيان وعطاء وطاووس ومجاهد \r\n فأما تفسيرها \r\n فقوله بسم الله اختصار كانه قال أبدأ بسم الله أو بدأت باسم الله وفي الإسم خمس لغات إسم بكسر الألف وأسم بضم الألف إذا ابتدات بها وسم بكسر السين وسم بضمها وسما قال الشاعر ... والله أسماك مباركا ... آثرك الله به إيثاركا ... \r\n وأنشدوا ... باسم الذي في كل سورة سمه ... \r\n قال الفراء بعض قيس يقولون سمه يريدون اسمه وبعض قضاعة يقولون سمه أنشدني بعضهم ... وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه ... \r\n والقرضاب القطاع يقال سيف قرضاب \r\n واختلف العلماء في اسم الله الذي هو الله \r\n فقال قوم مشتق وقال آخرون إنه علم ليس بمشتق وفيه عن الخليل ","part":1,"page":8},{"id":8,"text":" روايتان إحداهما أنه ليس بمشتق ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما يجوز من الرحمن والثانية رواها عنه سيبويه انه مشتق وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض العلماء أن أصله في الكلام مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع إليه من أمر نزل به فأله أي أجاره وأمنه فسمي إلها كما يسمى الرجل إماما وقال غيره أصله ولاه فأبدلت الواو همزة فقيل إله كما قالوا وسادة ووشاح وإشاح \r\n واشتق من الوله لأن قلوب العباد توله نحوه كقوله تعالى ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون النحل 53 وكان القياس أن يقال مألوه كما قيل معبود إلا أنهم خالفوا به البناء ليكون علما كما قالوا للمكتوب كتاب وللمحسوب حساب وقال بعضهم أصله من أله الرجل يأله إذا تحير لأن القلوب تتحير عند التفكر في عظمته \r\n وحكي عن بعض اللغويين أله الرجل يأله إلاه بمعنى عبد يعبد عبادة \r\n وروي عن ابن عباس انه قال ويذرك وءالهتك الأعراف 127 أي عبادتك قال والتأله التعبد قال رؤبة ... لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي ... \r\n فمعنى الإله المعبود \r\n فأما الرحمن \r\n فذهب الجمهور الى أنه مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة التي لا نظير له فيها وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة فانهم يقولون للشديد الامتلاء ملآن وللشديد الشبع شبعان \r\n قال الخطابي في الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم وعمت المؤمن والكافر \r\n والرحيم خاص للمؤمنين قال عز و جل وكان بالمؤمنين رحيما الاحزاب 43 والرحيم بمعنى الراحم ","part":1,"page":9},{"id":9,"text":" سورة الفاتحة \r\n روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وقرأ عليه أبي بن كعب أم القرأن فقال والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته \r\n فمن أسمائها الفاتحة لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة ومن أسمائها أم القرأن وأم الكتاب لأنها أمت الكتاب بالتقدم ومن أسمائها السبع المثاني وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في الحجر إن شاء الله \r\n واختلف العلماء في نزولها على قولين أحدهما أنها مكية وهو مروي عن علي بن أبي طالب والحسن وأبي القالية وقتادة وأبي ميسرة \r\n والثاني أنها مدنية وهو مروي عن أبي هريرة ومجاهد وعبيد بن عمير وعطاء الخراسانى وعن ابن عباس كالقولين \r\n فصل \r\n فأما تفسيرها \r\n ف الحمد رفع بالابتداء و لله الخبر والمعنى الحمد ثابت لله ومستقر له والجمهور على كسر لام لله وضمها ابن عبلة قال الفراء هي لغة بعض ","part":1,"page":10},{"id":10,"text":" بني ربيعة وقرأ ابن السميفع الحمد بنصب الدال لله بكسر اللام وقرأ أبو نهيك بكسر الدال واللام جميعا \r\n واعلم أن الحمد ثناء على المحمود ويشاركه الشكر إلا أن بينهما فرقا وهو أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة وقيل لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر فتقيدره قولوا الحمد لله \r\n وقال ابن قتيبة الحمد الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة وأشباه ذلك والشكر الثناء عليه بمعروف أولاكه وقد يوضع الحمد موضع الشكر فيقال حمدته على معروفه عندي كما يقال شكرت له على شجاعته \r\n فأما الرب فهو المالك ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا بالاضافة فيقال هذا رب الدار ورب العبد وقيل هو مأخوذ من التربية \r\n قال شيخنا أبو منصور اللغوي يقال رب فلان صنيعته يربها ربا إذا أتمها وأصلحها فهو رب وراب \r\n قال الشاعر ... يرب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمما ... \r\n قال والرب يقال على ثلاثة أوجه أحدها المالك يقال رب الدار والثاني المصلح يقال رب الشيء والثالث السيد المطاع قال تعالى فيسقى ربه خمرا يوسف 41 والجمهور على خفض باء رب وقرأ أبو الغاليه وابن السميفع وعيسى ابن عمر بنصبها وقرأ أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبو عمران الجوني برفعها ","part":1,"page":11},{"id":11,"text":" فأما العالمين فجمع عالم وهو عند أهل العربية اسم للخلق من مبدئهم الى منتهاهم وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما \r\n فقال الحطيئة ... تنحي فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا ... \r\n فأما أهل النظر فالعلم عندهم اسم يقع على الكون الكلي المحدث من فلك وسماء وأرض وما بين ذلك \r\n وفي اشتقاق العالم قولان أحدهما أنه من العلم وهو يقوي قول أهل اللغة \r\n والثاني أنه من العلامة وهو يقوي قول أهل النظر فكأنه إنما سمي عندهم بذلك لانه دال على خالقه \r\n وللمفسرين في المراد ب العالمين هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدهما الخلق كله السموات والارضون وما فيهن وما بينهن رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n الثاني كل ذي روح دب على وجه الأرض رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنهم الجن والإنس روي ايضا عن ابن عباس وبه قال مجاهد ومقاتل \r\n والرابع أنهم الجن والإنس والملائكة نقل عن ابن عباس أيضا واختاره ابن قتبية \r\n والخامس أنهم الملائكة وهو مروي عن ابن عباس أيضا \r\n قوله تعالى الرحمن الرحيم \r\n قرأ أبو العاليه وابن السميفع وعيسى بن عمر بالنصب فيهما وقرأ أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبوا عمران الجوني بالرفع فيهما ","part":1,"page":12},{"id":12,"text":" قوله تعالى مالك يوم الدين \r\n قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب مالك بألف وقرأ إبن السميفع وابن أبي عبلة كذلك إلا أنهما نصبا الكاف وقرأ أبو هريرة وعاصم الجحدري ملك باسكان اللام من غير الألف مع كسر الكاف وقرأ أبو عثمان النهدي والشعبي ملك بكسر اللام ونصب الكاف من غير ألف وقرأ سعد بن أبي وقاص وعائشة ومورق العجلي ملك مثل ذلك إلا أنهم رفعوا الكاف وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء العطاردي مليك بيياء بعد اللام مكسورة الكاف من غير ألف وقرأ عمرو بن العاص كذلك إلا أنه ضم الكاف وقرأ أبو حنيفة وأبو حيوة ملك على الفعل الماضي ويوم بالنصب \r\n وروى عبد الوارث عن أبي عمرو إسكان اللام والمشهور عن أبي عمور وجمهور القراء ملك بفتح الميم مع كسر اللام وهو أظهر في المدح لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا \r\n وفي الدين هاهنا قولان \r\n أحدهما انه الحساب قاله ابن مسعود \r\n والثاني الجزاء قاله ابن عباس ولما أقر الله عز و جل رب العالمين أنه مالك الدنيا دل بقوله مالك يوم الدين على أنه مالك الأخرى وقيل إنما خص يوم الدين لأنه ينفرد يومئذ بالحكم في خلقه ","part":1,"page":13},{"id":13,"text":" قوله تقالى إياك نعبد \r\n وقرأ الحسن وأبو المتوكل وأبو مجلز يعبد بضم الياء وفتح الباء قال ابن الأنباري المعنى قل يا محمد إياك يعبد والعرب ترجع من الغيبة الى الخطاب ومن الخطاب الى الغيبة كقوله تقالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم يونس 32 وقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء يونس 22 وقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء الدهر 21 22 \r\n وقال لبيد ... باتت تشكى الي النفس مجهشة ... وقد حمتلك سبعا بعد سبعينا ... \r\n وفي المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنها بمعنى التوحيد روي عن علي وابن عباس في آخرين \r\n والثاني أنها بمعنى الطاعة كقوله لا تعبدوا الشيطان يس 60 \r\n الثالث أنهما بمعنى الدعاء كقوله إن الذين يستكبرون عن عبادتي غافر 60 قوله تعالى إهدنا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها ثبتنا قاله علي وأبي والثاني أرشدنا والثالث وفقنا والرابع ألهمنا رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس \r\n و الصراط الطريق \r\n ويقال إن أصله بالسين لأنه من الاستراط وهو الا بتلاع فالسراط كأنه يسترط المارين عليه فمن قرأ السين كمجاهد وابن محيصن ويعقوب فعلى أصل الكلمة ومن قرأ بالصاد كأبي عمرو والجمهور فلأنها اخف على اللسان ومن قرأ بالزاي كرواية الأصمعي عن أبي عمرو واحتج بقول العرب سقر وزقر وروي ","part":1,"page":14},{"id":14,"text":" عن حمزة إشمام السين زايا وروي عنه أنه تلفظ بالصراط بين الصاد والزاي \r\n قال الفراء اللغة الجيدة بالصاد وهي لغة قريش الأولى وعامة العرب يجعلونها سينا وبعض قيس يشمون الصاد فيقول السراط بين الصاد والسين وكان حمزة يقرأ الزراط بالزاي وهي لغة لعذرة وكلب وبني القين يقولون في أصدق أزدق \r\n وفي المراد بالصراط هاهنا أربعة اقوال \r\n أحدها أنه كتاب الله رواه علي عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنه دين الاسلام قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن و أبوالعالية في آخرين \r\n والثالث أنه الطريق الهادي الى دين الله رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والرابع أنه طريق الجنة نقل عن ابن عباس أيضا فان قيل ما معنى سؤال المسلمين الهداية وهم مهتدون ففيه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أن المعنى إهدنا لزوم الصراط فحذف اللزوم قاله ابن الأنباري \r\n والثاني أن المعنى ثبتنا على الهدى تقول العرب للقائم قم حتى آتيك أي اثبت على حالك \r\n والثالث أن المعنى زدنا هدى \r\n قوله تقالى الذين أنعمت عليهم \r\n قال ابن عباس هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وقرأ ","part":1,"page":15},{"id":15,"text":" الأكثرون عليهم بكسر الهاء وكذلك لديهم و إليهم وقرأهن حمزة بضمها وكان ابن كثير يصل ضم الميم بواو وقال ابن الأنباري حكى اللغويون في عليهم عشر لغات قرئ بعامتها عليهم بضم الهاء وإسكان الميم وعليهم بكسر الهاء وإسكان الميم وعليهمي بكسر الهاء والميم وإلحاق يا بعد الكسرة وعليهمو بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة وعليهمو بضم الهاء والميم وإدخال واو بعد الميم وعليهم بضم الهاء والميم من غير زيادة واو وهذه الأوجه الستة مأثورة عن القراء وأوجه أربعة منقولة عن العرب عليهمي بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء وعليهم بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء وعليهم بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو و عليهم بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم \r\n فأما المغضوب عليهم فهم اليهود والضالون النصارى \r\n رواه عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n قال ابن قتيبة والضلال الحيرة والعدول عن الحق \r\n فصل \r\n ومن السنة في حق قارىء الفاتحة ان يعقبها ب آمين قال شيخنا أبو الحسن علي ابن عبيد الله وسواء كان خارج الصلاة أو فيها لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال من خلفه آمين فوافق ذلك قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه ","part":1,"page":16},{"id":16,"text":" وفي معنى آمين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معنى آمين كذلك يكون حكاه ابن الأنباري عن ابن عباس والحسن \r\n والثاني أنها بمعنى اللهم استجب قاله الحسن والزجاج \r\n والثالث أنه اسم من أسماء الله تعالى قاله مجاهد وهلال بن يساف وجعفر ابن محمد \r\n وقال ابن قتيبة معناها يا أمين أجب دعاءنا فسقطت يا كما سقطت في قوله يوسف أعرض عن هذا يوسف 29 تأويله يا يوسف ومن طول الألف قال آمين أدخل ألف النداء على ألف أمين كما يقال آزيد أقبل ومعناه يا زيد قال ابن الأنباري وهذا القول خطأ عند جميع النحويين لأنه إذا أدخل يا على آمين كان منادى مفردا فحكم آخره الرفع فلما أجمعت العرب على فتح نونه دل على أنه غير منادى وإنما فتحت نون آمين لسكونها وسكون الياء التي قبلها كما تقول العرب ليت ولعل قال وفي آمين لغتان أمين بالقصر وآمين بالمد والنون فيهما مفتوحة \r\n أنشدنا أبو العباس عن ابن الاعرابي ... سقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر ... أمين وأدى الله ركبا إليهم ... بخير ووقاهم حمام المقادر ... \r\n وأنشدنا أبو العباس أيضا ... تباعد مني فطحل وابن أمه ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا ","part":1,"page":17},{"id":17,"text":" وأنشدنا أبو العباس أيضا ... يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا ... \r\n وأنشدني أبي ... أمين ومن اعطاك مني هوداة ... رمى الله في أطرافه فاقفعلت ... \r\n وأنشدني أبي ... فقلت له قد هجت لي بارح الهوى أصاب حمام الموت أهوننا وجدا ... أمين وأضناه الهوى فوق ما به أمين ولاقى من تباريحه جهدا ... \r\n فصل \r\n نقل الأكثرون عن احمد أن الفاتحه شرط في صحة الصلاة فمن تركها مع القدرة عليها لم تصح صلاته وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تتعين وهي رواية عن أحمد ويدل على الرواية الأولى ما روي في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \r\n والله تعالى أعلم بالصواب ","part":1,"page":18},{"id":18,"text":" سورة البقرة \r\n فصل في فضيلتها \r\n روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر فان البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان \r\n وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فانهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف اقرؤوا البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة \r\n والمراد بالزهراوين المنيرتين يقال لكل مير زاهر والغيايه كل شيء أظل الانسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة يقال غايا القوم فوق رأس فلان بالسيف كأنهم أظلوه به \r\n قال لبيد \r\n ... فتدليت عليه قافلا ... وعلى الأرض غيايات الطفل ... \r\n ومعنى فرقان قطعتان والفرق القطعة من الشيء قال عز و جل فكان كل فرق كالطود العظيم الشعراء 63 والصواف المصطفة المتضامة لنظل قارئها والبطلة السحرة \r\n فصل في نزولها \r\n قال ابن عباس هي أول ما نزل بالمدينة وهذا قول الحسن ومجاهد وعكرمة ","part":1,"page":19},{"id":19,"text":" وجابر بن زيد وقتادة ومقاتل وذكر قوم أنها مدنية سوى آية وهي قوله عز و جل واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله البقرة 281 فانها أنزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع \r\n فصل \r\n وأما التفسير فقوله ألم اختلف العلماء فيها وفي سائر الحروف المقطعة في أوائل السور على ستة أقوال \r\n أحدها أنها من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لله عز و جل في كل كتاب سر وسر الله في القرأن أوائل السور وإلى هذا المعنى ذهب الشعبي وأبو صالح وابن زيد \r\n والثاني أنها حروف من أسماء فاذا ألفت ضربا من التأليف كانت أسماء من أسماء الله عز و جل قال علي بن أبي طالب هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها علموا اسم الله الذي إذا دعي به أجاب \r\n وسئل ابن عباس عن آلر وحم و نون فقال اسم الرحمن على الجهاء و الى نحو هذا ذهب أبو العالية والربيع بن أنس \r\n والثالث أنها حروف أقسم الله بها قاله ابن عباس وعكرمة قال ابن قتيبة ويجوز أن يكون أقسم بالحروف المقطعة كلها واقتصر على ذكر بعضها كما يقول القائل تعلمت أ ب ت ث وهو يريد سائر الحروف وكما يقول قرأت الحمد يريد فاتحة الكتاب فيسميها بأول حرف منها وإنما أقسم بحروف المعجم لشرفها ولأنها مباني كتبه المنزلة وبها يذكر ويوحد قال ابن الانباري وجواب القسم محذوف تقديره وحروف المعجم لقد بين الله لكم السبيل وأنهجت لكم الدلالات بالكتاب المنزل وإما ","part":1,"page":20},{"id":20,"text":" حذف لعلم المخاطبين به ولأن في قوله ذلك الكتاب لا ريب فيه دليلا على الجواب \r\n والرابع انه أشار بما ذكر من الحروف الى سائرها والمعنى أنه لما كانت الحروف أصولا للكلام المؤلف أخبر أن هذا القرأن إنما هو مؤلف من هذه الحروف قاله الفراء وقطرب \r\n فإن قيل فقد علموا أنه حروف فما الفائدة في أعلامهم بهذا \r\n فالجواب أنه نبه بذلك على إعجازه فكأنه قال هو من هذه الحروف التي تؤلفون منها كلامكم فما بالكم تعجزون عن معارضته فاذا عجزتم فاعلموا أنه ليس من قول محمد عليه السلام \r\n والخامس أنها أسماء للسور روي عن زيد بن أسلم وابنه وأبي فاختة سعيد ابن علاقة مولى أم هانىء \r\n والسادس أنها من الرمز الذي نستعمله العرب في كلامها يقول الرجل للرجل هل تا فيقول له بلى يريد هل تأتي فيكتفي بحرف من حروفه وأنشدوا ... قلنا لها قفي لنا فقالت قاف ... لا تحسبى أنا نسينا الإيجاف ... \r\n أراد قالت أقف ومثله ... نادوهم ألا الجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلهم ألا فا ... \r\n يريد ألا تركبون قالوا بلى فاركبوا ومثله ... بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا ... \r\n معناه وإن شرا فشر ولا أريد الشر إلا أن تشاء و الى هذا القول ذهب الأخفش والزجاج وابن الأنباري \r\n وقال أبو روق عطية بن الحارث الهمداني كان النبي صلى الله عليه و سلم يجهر بالقراءة في الصلوات ","part":1,"page":21},{"id":21,"text":" كلها وكان المشركون يصفقون ويصفرون فنزلت هذه الحروف المقطعة فسمعوها فبقوا متحيرن وقال غيره إنما خاطبهم بما لا يفهمون ليقبلوا على سماعه لأن النفوص تطلع الى ما غلب عنها معناه فإذا أقبلوا إليه خاطبهم بما يفهمون فصار ذلك كالوسيلة الى الإبلاغ إلا أنه لا بد له من معنى يعلمه غيرهم أو يكون معلوما عند المخاطبين فهذا الكلام يعم جميع الحروف \r\n وقد خص المفسرون قوله آلم بخمسة أقوال \r\n أحدها أنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه الا الله عز و جل وقد سبق بيانه \r\n والثاني ان معناه أنا الله أعلم رواه أبوا الضحى عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود وسعيد بن جبير \r\n والثالث أنه قسم رواه أبو صالح عن ابن عباس وخالد الحذاء عن عكرمة \r\n والرابع أنها حروف من أسماء ثم فيها قولان أحدهما أن الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد قاله ابن عباس \r\n فان قيل إذا كان قد تنوول من كل اسم حرفه الأول اكتفاء به فلم أخذت اللام من جبريل وهي أخر الإسم \r\n فالجواب أن مبتدأ القرآن من الله تعالى فدل على ذلك بابتداء أول حرف من اسمه وجبريل انختم به التنزيل والإقرأء فتنوول من اسمه نهاية حروفه و محمد مبتدأ في الإقرأء فتنوول أول حرف فيه والقول الثاني أن الألف من الله تعالى واللام من لطيف والميم من مجيد قاله أبو العالية \r\n والخامس أنه اسم من أسماء القرآن قاله مجاهد والشعبي وقتادة وابن جريج ","part":1,"page":22},{"id":22,"text":" قوله تعالى ذلك فيه قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى هذا وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والكسائي وأبي عبيدة والأخفش واحتج بعضهم بقول خفاف بن ندبة ... اقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا ... \r\n أي أنا هذا وقال ابن الأنباري إنما أراد أنا ذلك الذي تعرفه \r\n والثاني أنه إشارة الى غائب \r\n ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أراد به ما تقدم إنزاله عليه من القرآن \r\n والثانى أنه أراد به ما وعده أن يوحيه إليه في قبوله سنلقي عليك قولا ثقيلا المزمل 5 \r\n والثالث أنه أراد بذلك ما وعد به أهل الكتب السالفة لأنهم وعدوا بنبي وكتاب \r\n والكتاب القرآن وسمي كتابا لأنه جمع بعضه الى بعض ومنه الكتيبة سميت بذلك لاجتماع بعضها الى بعض ومنه كتبت البغلة \r\n قوله تقالى لا ريب فيه الريب الشك والهدى الإرشاد والمتقون المحترزون مما اتقوه \r\n وفرق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع فقال التقوى أخذ عدة والورع دفع شبهة فالتقوى متحقق السبب والورع مظنون المسبب \r\n واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن ظاهرها النفي ومعناها النهى وتقديرها لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه ومثله ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ يوسف 38 أي ما ينبغي لنا ومثله فلا رفت ولا فسوق البقرة 196 وهذا مذهب الخليل وابن الأنباري ","part":1,"page":23},{"id":23,"text":" والثاني أن معناها لا ريب فيه أنه هدى للمتقين قاله المبرد \r\n والثالث أن معناها لا ريب فيه أنه من عند الله قاله مقاتل في آخرين \r\n فان قيل فقد ارتاب به قوم \r\n فالجواب انه حق في نفسه فمن حقق النظر فيه علم قال الشاعر ... ليس في الحق يا أمامة ريب ... إنما الريب ما يقول الكذوب ... \r\n فان قيل فالمتقى مهتد فما فائدة اختصاص الهداية به \r\n فالجواب من وجهين أحدهما أنه أراد المتقين والكافرين فاكتفى بذكر كر أحد الفريقين كقوله تقالى سرابيل تقيكم الحر النحل 81 أراد والبرد \r\n والثاني أنه خص المتقين لانتفاعهم به كقوله إنما انت منذر من يخشاها النازعات 45 وكان منذرا لمن يخشى ولمن لا يخشى \r\n قوله تقالى الذين يؤمنون بالغيب الايمان في اللغة التصديق والشرع أقره على ذلك وزاد فيه القول والعمل وأصل الغيب المكان المطمئن الذي يستتر فيه لنزوله عما حوله فسمي كل مستتر غيبا \r\n وفي المراد بالغيب هاهنا ستة اقوال \r\n أحدها أنه الوحي قاله ابن عباس وابن جريج \r\n والثاني القرأن قاله أبو رزين العقيلي وزر بن حبيش \r\n والثالث الله عز و جل قاله عطاء وسعيد بن جبير \r\n والرابع ما غاب عن العياد من أمر الجنة والنار ونحو ذلك مما ذكر في القرأن رواه السدي عن أشياخه وإليه ذهب أبو العالية وقتادة ","part":1,"page":24},{"id":24,"text":" والخامس أنه قدر الله عز و جل قاله الزهري \r\n والسادس أنه الايمان بالرسول في حق من لم يره قال عمرو بن مرة قال أصحاب عبد الله له طوبى لك جاهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وجالسته فقال إن شان رسول الله صلى الله عليه و سلم كان مبينا لمن رآه ولكن أعجب من ذلك قوم يجدون كتابا مكتوبا يؤمنون به ولم يروه ثم قرأ الذين يؤمنون بالغيب \r\n قوله تقالى ويقيمون الصلاة الصلاة في اللغة الدعاء وفي الشريعة أفعال وأقوال على صفات مخصوصة وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها سميت بذلك لرفع الصلا وهو مغرز الذنب من الفرس \r\n والثاني أنها من صليت العود إذا لينته فالمصلي يلين ويخشع \r\n والثالث أنها مبنية على السؤال والدعاء والصلاة في اللغة الدعاء وهي في هذا المكان اسم جنس \r\n قال مقاتل أراد بها هاهنا الصلوات الخمس \r\n وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به روي عن ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها قاله قتادة ومقاتل \r\n والثالث إدامتها والعرب تقول في الشيء الراتب قائم وفلان يقيم أرزاق الجند قاله ابن كيسان \r\n قوله تقالى ومما رزقناهم أي أعطيناهم ينفقون أي يخرجون وأصل الإنفاق الإخراج يقال نفقت الدابة إذا خرجت روحها ","part":1,"page":25},{"id":25,"text":" وفي المراد بهذه النفقة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها النفقة على الأهل والعيال قاله ابن مسعود وحذيفة \r\n والثاني أنها الزكاة المفروضة قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثالث أنها الصدقات النوافل قاله مجاهد والضحاك \r\n والرابع أنها النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة ذكره بعض المفسرين وقالوا إنه كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار كفايته يومه وليلته ويفرق باقيه على الفقراء فعلى قول هؤلاء الآية منسوخة بآية الزكاة وغير هذا القول أثبت واعمل أن الحكمة في الجمع بين الإيمان بالغيب وهو عقد القلب وبين الصلاة وهي فعل البدن وبين الصدقة وهو تكليف يتعلق بالمال أنه ليس في التكليف قسم رابع إذ ما عدا هذه الأقسام فهو ممتزج بين أثنين منهما كالحج والصوم ونحوهما \r\n قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه رواه الضحاك عن أبن عباس واختاره مقاتل \r\n والثاني أنها نزلت في العرب الذي آمنوا بالنبي وما أنزل من قبله رواه صالح عن ابن عباس قال المفسرون الذي أنزل إليه القرأن وقال شيخنا علي بين عبيد الله القرآن وغيره مما أوحي إليه \r\n قوله تقالى وما أنزل من قبلك يعني الكتب المتقدمة والوحي فأما الآخرة فهي اسم لما بعد الدنيا وسميت آخرة لأن الدنيا قد تقدمتها وقيل سميت آخرة لأنها نهاية الأمر ","part":1,"page":26},{"id":26,"text":" قوله تعالى تقالى يوقنون اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر وهو أبلغ علم مكتسب \r\n قوله تعالى أولئك على هدى أي على رشاد وقال ابن عباس على نور واستقامة قال ابن قتبية المفلحون الفائزون ببقاء الأبد وأصل الفلاح البقاء ويشهد لهذا قول لبيد ... نحل بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير ... \r\n يريد البقاء وقال الزجاج المفلح الفائز بما فيه غاية صلاح حاله قال ابن الأنباري ومنه حي على الفلاح معناه هلموا الى سبيل الفوز ودخول الجنة \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا في نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في قادة الأحزاب قاله أبو العالية \r\n والثاني أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته قاله الضحاك \r\n الثالث انها نزلت في طائفة من إليهود ومنهم حيي بن أخطب قاله ابن السائب \r\n والرابع أنها نزلت في مشركي العرب كأبي جهل وأبي طالب وأبي لهب وغيرهم ممن لم يسلم \r\n قال مقاتل فأما تفسيرها فالكفر في اللغة التغطية تقول كفرت الشيء إذا غطيته فسمي الكافر كافرا لأنه يغطي الحق \r\n قوله تعالى سواء عليهم أي متعادل عندهم الانذار وتركه والإنذار إعلام مع تخويف وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا \r\n قال شيخنا على بن عبيد الله هذه الآية وردت بلفظ العموم والمراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن وقد آمن كثير من الكفار عند ","part":1,"page":27},{"id":27,"text":" إنذارهم ولو كانت على ظاهرها في العموم لكان خبر الله لهم خلاف مخبره ولذلك وجب نقلها الى الخصوص \r\n قوله تعالى ختم الله على قلوبهم الختم الطبع والقلب قطعة من دم جامدة سوداء وهو مستكن في الفؤاد وهو بين النفس ومسكن العقل وسمي قلبا لتقلبه وقيل لأنه خالص البدن وإنما خصه بالختم لأنه محل الفهم \r\n قوله تعالى وعلى سمعهم يريد على أسماعهم فذكره بلفظ التوحيد ومعناه الجمع فاكتفى بالواحد عن الجميع ونظيره قوله تعالى ثم يخرجكم طفلا الحج 5 \r\n وأنشدوا من ذلك ... كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فان زمانكم زمن خميص ... \r\n أي في أنصاف بطونكم ذكر هذا القول أبو عبيدة والزجاج وفيه وجه آخر وهو أن العرب تذهب بالسمع مذهب المصدر والمصدر يوحد تقول يعجبني حديثكم ويعجبني ضربكم فأما البصر والقلب فهما اسمان لا يجريان مجرى المصادر في مثل هذا المعنى ذكره الزجاج وابن القاسم وقد قرأ عمرو بن العاص وأبن أبي عبلة وعلى أسماعهم \r\n قوله تعالى وعلى أبصارهم غشاوة الغشاوة الغطاء \r\n قال الفراء أما قريش وعامة العرب فيكسرون الغين من غشاوة وعكل يضمون الغين وبعض العرب يفتحها وأظنها لربيعة وروى المفضل عن عاصم غشاوة بالنصب على تقدير جعل على أبصارهم غشاة فأما العذاب فهو الألم المستمر وماء عذب إذا استمر في الحلق سائغا \r\n قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله اختلفوا فيمن نزلت على قولين ","part":1,"page":28},{"id":28,"text":" أحدهما أنها في المنافقين ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس وبه قال أبو العالية وقتادة وابن زيد \r\n والثاني أنها في منافقي أهل الكتاب رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن سيرين كانوا يتخوفون من هذه الآية وقال قتادة هذه الآية نعت المنافق يعرف بلسانه وينكر بقلبه و يصدق بلسانه ويخالف بعمله ويصبح على حالة ويمسي على غيرها ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها \r\n قوله تعالى يخادعون الله \r\n قال ابن عباس كان عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن القيس إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ونشهد أن صاحبكم صادق فاذا خلوا لم يكونوا كذلك فنزلت هذه الآية \r\n فأما التفسير فالخديعة الحيلة والمكر وسميت خديعة لأتها تكون في خفاء والمخدع بيت داخل البيت تختفي فيه المرأة ورجل خادع إذا فعل الخديعة سواء حصل مقصوده أو لم يحصل فاذا حصل مقصوده قيل قد خدع وانخدع الرجل استجاب للخادع سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها والعرب تسمي الدهر خداعا لتلونه بما يخفيه من خير وشر \r\n وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال \r\n أحدها انهم كانوا يخادعون المؤمنين فكأنهم خادعوا الله روي عن ابن عباس واختاره ابن قتيبة \r\n والثاني انهم كانوا يخادعون نبي الله فأقام الله نبيه مقامه كما قال إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله الفتح 10 قاله الزجاج ","part":1,"page":29},{"id":29,"text":" والثالث أن الخادع عند العرب الفاسد وأنشدوا ... أبيض اللون لذيذ طعمه ... طيب الريق إذا الريق خدع ... \r\n أي فسد رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن الاعرابي قال ابن القاسم فتأويل يخادعون الله يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر \r\n والرابع أنهم كانوا يفعلون في دين الله مالو فعلوه بينهم كان خداعا \r\n والخامس أنهم كانوا يخفون كفرهم ويظهرون الإيمان به \r\n قوله تعالى وما يخدعون إلا أنفسهم قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وما يخادعون وقرأ الكوفيون واين عامر يخدعون والمعنى أن وبال ذلك الخداع عائد عليهم \r\n ومتى يعود وبال خداعهم عليهم فيه قولان \r\n أحدهما في دار الدنيا وذلك بطريقين أحدهما بالاستدراج والإمهال الذي يزيدهم عذابا باطلاع النبي والمؤمنين على أحوالهم التي أسروها \r\n والقول الثاني ان عود الخداع عليهم في الآخرة وفي ذلك قولان \r\n أحدهما أنه يعود عليهم عند ضرب الحجاب بينهم وبين المؤمنين وذلك قوله قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب الحديد 13 \r\n والثاني أنه يعود عليهم عند اطلاع أهل الجنة عليهم فاذا رأوهم طمعوا في نيل راحة من قبلهم فقالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله الأعراف 50 فيجيبونهم إن الله حرمهما على الكافرين الأعراف 51 ","part":1,"page":30},{"id":30,"text":" قولهتعالي وما يشعرون أي وما يعلمون وفي الذي لم يشعروا به قولان \r\n أحدهما انه إطلاع الله نبيه على كذبهم قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه إسرارهم بأنفسهم بكفرهم قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى في قلوبهم مرض المرض ها هنا الشك قاله عكرمة وقتادة فزادهم الله مرضا هذا الإخبار من الله تعالى أنه فعل بهم ذلك و الأليم بمعنى المؤلم والجمهور يقرؤون يكذبون بالتشديد وقرأ الكوفيون سوى أبان عن عاصم بالتخفيف مع فتح الياء \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم لآتفسدوا في الأرض اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قول الجمهور منهم ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني أن المراد بها قوم لم يكونوا خلقوا حين نزولها قاله سلمان الفارسي وكان الكسائي يقرأ بضم القاف من قيل والحاء من حيل والغين من غيض والجيم من جئ والسين من سئ و سيئت وكان ابن عامر يضم من ذلك ثلاثة حيل و سبق و سئ وسئيت وكان نافع يضم سئ و سيئت ويكسر البواقي والآخرون يكسرون جميع ذلك \r\n وقال الفراء أهل احجاز من قريش ومن جاورهم من بني كنانة يكسرون القاف في قيل ودجئ وغيض وكثير من عقيل ومن جاورهم وعامة أسد يشمون الى الضم من قيل وجئ ","part":1,"page":31},{"id":31,"text":" وفي المراد بالفساد ها هنا خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الكفر قاله ابن عباس \r\n والثاني العمل بالمعاصي قاله أبو الغالية ومقاتل \r\n والثالث أنه الكفر والمعاصي قاله السدي عن أشياخه \r\n والرابع انه ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهي قاله مجاهد \r\n والخامس أنه النفاق الذي صادفوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين ذكره شيخنا علي بن عبيد الله \r\n قوله تعالى أنما نحن مصلحون فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أن معناه إنكار ماعرفوا به وتقديره ما فعلنا شيئا يوجب الفساد \r\n والثاني أن معناه إنا نقصد الإصلاح بين المسلمين والكافرين والقولان عن ابن عباس \r\n والثالث انهم أرادوا مصافاة الكفار صلاح لا فساد قاله مجاهد وقتادة \r\n والرابع أنهم أرادوا أن فعلنا هذاهو الصلاح وتصديق محمد هو الفساد قاله السدي \r\n والخامس أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح في الدنيا لا في الدين لأنهم اعتقدوا أن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه و سلم فقد أمنوه بمبايعته وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم ذكره شيخنا \r\n قوله تعالى ألا إنهم هم المفسدون قال الزجاج ألا كلمة يبتدأ بها ينبه بها المخاطب تدل على صحة ما بعدها وهم تأكيد للكلام ","part":1,"page":32},{"id":32,"text":" وفي قوله تعالى ولكن لا يشعون قولان \r\n أحدهما لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم \r\n والثاني لا يشعرون أن ما فعلون فساد لا صلاح \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا في المقول لهم قولان \r\n أحدهما أنهم إليهود قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني المنافقون قاله مجاهد وابن زيد وفي القائلين لهم قولان \r\n أحدهما انهم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس ولم يعين أحدا من الصحابة \r\n والثاني أنهم معينون وهم سعد بن معاذ وأبو لبابة وأسيد ذكره مقاتل \r\n وفي الإيمان الذي دعوا إليه قولان \r\n أحدهما أنه التصديق بالنبي وهو قول من قال هم إليهود والثاني أنه العمل بمقتضى ما أظهروه وهو قول من قال هم المنافقون \r\n وفي المراد بالناس ها هنا ثلاثة أقوال أحدها جميع الصحابة قاله ابن عباس \r\n والثاني عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من اليهود قاله مقاتل والثالث معاذ بن جبل وسعد بن معاد وأسيد بن حضير وجماعة من وجوه الأنصار عدهم الكلبي وفيمن عنوا بالسفهاء ثلاثة أقوال أحدها جميع الصحابة قاله ابن عباس والثاني النساء والصبيان قاله الحسن والثالث ابن سلام وأصحابة قاله مقاتل وفيما عنوه بالغيب من إيمان الذين زعموا انهم السفهاء ثلاثة أقوال أحدها انهم أرادوا دين الإسلام قاله ابن عباس والسدي والثاني أنهم أرادوا البعث والجزاء قاله مجاهد والثالث أنهم عنوا مكاشفة الفريقين بالعداوة من غير نظر في عاقبة وهذا الوجه والذي قبله يخرج على أنهم المنافقون والأول يخرج على أنهم إليهود قال ابن قتيبة والسفهاء الجهلة ","part":1,"page":33},{"id":33,"text":" يقال سفه فلان رأيه إذا جهله ومنه قيل للبذاء سفه لأنه جهل قال الزجاج وأصل السفه في اللغة خفة الحلم ويقال ثوب سفيه إذا كان رقيقا باليا وتسفهت الريح الشجر إذا مالت به قال الشاعر ... مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعإليها مر الرياح النواسم ... \r\n قوله تعالى ولكن لا يعلمون \r\n قال مقاتل لا يعلمون أنهم هم السفهاء \r\n قوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلو الى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون \r\n اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه قاله ابن عباس والثاني أنها نزلت في المنافقين وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا يظهرون للنبي صلى الله عليه و سلم من الإيمان ما يلقون رؤساءهم بضده قاله الحسن \r\n فأما التفسير ف لى بمعنى مع كقوله تعالى من أنصاري الى الله أي مع الله والشياطين جمع شيطان قال الخليل كل متمرد عند العرب شيطان وفي هذا الاسم قولان أحدهما أنه من شطن أي بعد عن الخير فعلى هذا تكون النون أصلية \r\n قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان عليه السلام ... أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال ... \r\n عكاه أوثقه وقال النابغة ","part":1,"page":34},{"id":34,"text":" نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين \r\n والثاني أنه من شاط يشيط إذا التهب واحترق فتكون النون زائدة وأنشدوا ... وقد يشيط على أرماحنا البطل ... \r\n أي يهلك \r\n وفي المراد بشياطينهم ثلاثة أقوال أحدها انهم رؤوسهم في الكفر قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن والسدي والثاني إخوانهم من المشركين قاله أبو العالية ومجاهد والثالث كهنتهم قاله الضحاك والكلبي \r\n قوله تعالى إنا معكم \r\n قيه قولان احدهما أنهم أرادوا إنا معكم على دينكم والثاني إنا معكم على النصرة والمعاضدة والهزء السخرية \r\n قوله تعالى الله يستهزئ بهم \r\n اختلف العلماء في المراد باستهزاء الله بهم على تسعة أقوال \r\n أحدها أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون فيغلق فيضحك منهم المؤمنون روي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النار لهم كما تجمد الإهالة في القدر فيمشون فتنخسف بهم روي عن الحسن البصري \r\n والثالث أن الاستهزاء بهم إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة فيقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا الحديد 13 قاله مقاتل ","part":1,"page":35},{"id":35,"text":" والرابع أن المراد به يجازيهم على استهزائهم فقوبل اللفظ بمثله لفظا وإن خالفه معنى فهو كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى 40 وقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 وقال عمرو بن كلثوم ... ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ... \r\n أراد فنعاقبه بأغلط من عقوبته \r\n والخامس أن الاستهزاء من الله التخطئة لهم والتجهيل فمعناه الله يخطئ فعلهم ويجهلم في الإقامة على كفرهم \r\n والسادس أن استهزاءة استدراجه إياهم \r\n والسابع أنه إيقاع استهزائهم بهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم ذكر هذا الأقوال محمد بن القاسم الأنباري \r\n والثامن أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية الذل ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان 49 ذكره شيخنا في كتابه \r\n والتاسع أنه لما أظهروا من أحكام إسلامهم في الدنيا خلاف ما أبطن لهم في الآخرة كان كالاستهزاءبهم \r\n قوله تعالى ويمدهم في طغيانهم يعمهون \r\n فيه أربعة أقوال أحدها يمكن لهم قاله ابن مسعود والثاني يملي لهم قاله ابن عباس والثالث يزيدهم قاله مجاهد والرابع يمهلهم قاله الزجاج \r\n والطغيان الزيادة على القدر والخروج عن حيز الاعتدال في الكثرة يقال طغى البحر إذا هاجت أمواجه وطغى السيل إذا جاء بماء كثير وفي المراد بطغاينهم قولان أحدهما أنه كفرهم قاله الجمهور والثاني أنه عتوهم وتكبرهم قاله ابن قتيبة ويعمهون بمعنى يتحيرون يقال رجل عمه وعامه أي متحير ","part":1,"page":36},{"id":36,"text":" قال الراجز ... ومخفق من لهله ولهله ... من مهمه يجتبنه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه ... \r\n وقال ابن قبية يعمهون يركبون رؤوسهم فلا يبصرون \r\n قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى \r\n في نزولها ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في جميع الكفار قاله ابن مسعود وابن عباس والثاني أنها في أهل الكتاب قاله قتادة والسدي ومقاتل والثالث أنها في المنافقين قاله مجاهد واشتروا بمعنى استبدلوا والعرب تجعل من آثر شيئا على شئ مشتريا له وبائعا للآخر والضلالة والضلال بمعنى واحد \r\n وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال \r\n أحدها ان المارد هاهنا الكفر والمراد بالهدى الإيمان روي عن الحسن وقتادة والسدي \r\n والثاني أنها الشك والهدى اليقين \r\n والثالث أنها الجهل والهدى العلم \r\n وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال أحدها أنهم آمنوا ثم كفروا قاله مجاهد والثاني أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه فلما بعث كفروا به ","part":1,"page":37},{"id":37,"text":" قاله مقاتل والثالث ان الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي من الهدى فردوه واختاروا الضلال كانو كمن أبدل شيئا بشئ ذكره شيخنا علي بن عبيد الله \r\n قوله تعالى فما ربحت تجارتهم \r\n من مجاز الكلام لأن التجارة لا تربح وإنما يربح فيها ومثله قوله تعالى بل مكر الليل والنهار سبأ 33 يريد بل مكرهم في الليل والنهار ومثله فاذا عزم الأمر محمد 21 أي عزم عليه وأنشدوا ... حارث قد فرجت عني همي ... فنام ليلي وتجلى غمي ... \r\n والليل لا ينام بل ينام فيه وإنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه الإشكال ويعلم مقصود قائله فأما إذا أضيف الى ما يصلح أن يوصف به وأريد به ما سواه لم يجز مثل أن تقول ربح عبدك وتريد ربحت في عبدك و الى هذا المعنى ذهب الفراء وابن قبية والزجاج \r\n قوله تعالى وما كانوا مهتدين \r\n فيه خمسة أقوال أحدها وما كانوا في العلم بالله مهتدين والثاني وما كانوا مهتدين من الضلالة والثالث وما كانوا مهتدين الى تجارة المؤمنين والرابع وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة والخامس أنه قد لا يربح التاجر ويكون على هدى من تجارته غير مستحق للذم فيما اعتمده فنفى الله عز و جل عنهم الأمرين مبالغة في ذمهم \r\n قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا \r\n هذه الآية نزلت في المنافقين والمثل بتحريك الثاء ما يضرب ويوضع لبيان النظائر في الاحوال وفي قوله تعالى استوقد قولان ","part":1,"page":38},{"id":38,"text":" أحدهما أن السين زائدة وأنشدوا ... وداع دعا يا من يجيب الى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب ... \r\n أراد فلم يجبه وهذا قول الجمهور منهم الاخفش وابن قتيبة \r\n والثاني ان السين داخلة للطلب أراد كمن طلب من غيره نارا \r\n قوله تعالى فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في طلمات لا يبصرون \r\n وفي أضاءت قولان أحدهما أنه من الفعل المتعدي قال الشاعر ... أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ... \r\n وقال آخر ... أضاءت لنا النار وجها أغر ... ملتبسا بالفؤاد التباسا ... \r\n والثاني أنه من الفعل اللازم قال أبو عبيد يقال أضاءت النار وأضاءها غيرها وقال الزجاج يقال ضاء القمر وأضاء \r\n وفي ما قولان أحدهما أنها زائدة تقديره أضاءت حوله والثاني أنها بمعنى الذي وحول الشئ ما دار من جوانبه والهاء عادة على المستوقد فان قيل كيف وحد فقال كمثل الذي استوقد ثم جمع فقال ذهب الله بنورهم فالجواب أن ثعلبا حكى عن الفراء أنه قال إنما ضرب المثل للفعل لا لأعيان الرجال وهو مثل للنفاق وإنما قال ذهب الله بنورهم لأن المعنى ذاهب الى المنافقين فجمع لذلك قال ثعلب وقال غير الفراء معنى الذي الجمع وحد اولا للفظه وجمع بعد لمعناه كما قال الشاعر ","part":1,"page":39},{"id":39,"text":" فان الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم با أم خالد ... \r\n فجعل الذي جمعا \r\n فصل \r\n اختلف العلماء في الذي ضرب الله تعالى له هذا المثل من أحوال المنافقين على قولين أحدهما أنه ضرب بكلمة الإسلام التي يلفظون بها ونورها صيانة النفوس وحقن الدماء فاذا ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وهذا المعنى موي عن ابن عباس والثاني أنه ضرب لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول فذهاب نورهم إقبالهم على الكافرين والضلال وهذا قول مجاهد \r\n وفي المراد ب الظلمات ها هنا أربعة أقوال أحدها العذاب قاله ابن عباس والثاني ظلمة الكفر قاله مجاهد والثالث ظلمة يلقيها الله عليهم بعد الموت قاله قتادة والرابع أنها نفاقهم قاله السدي \r\n فصل \r\n وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم \r\n إحداها أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه فاذا ذهبت تلك النار بقي في طلمة فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم كان نور إيمانهم كالمستعار \r\n والثانية أن ضياء النار يحتاج في دوامه الى مادة الحطب فهو له كغذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج الى مادة الاعتقاد ليدوم ","part":1,"page":40},{"id":40,"text":" والثانية أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد معها ضياء فشبه حالهم بذلك \r\n قوله تعالى صم بكم عمي \r\n الصمم انسداد منافذ السمع وهو أشد من الطرش وفي البكم ثلاثة أقوال أحدها أنه الخرس قاله مقاتل وأبو عبيد وابن فارس والثاني أنه عيب في اللسان لا يتمكن معه من النطق وقيل إن الخرس يحدث عنه والثالث أنه عيب في الفؤاد يمنعه ان يعي شيئا فيفهمه فيجمع بين الفساد في محل الفهم ومحل النطق ذكر هذين القولين شيخنا \r\n قوله تعالى فهم لا يرجعون \r\n فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يرجعون عن ضلالتهم قاله قتادة ومقاتل والثاني لا يرجعون الى الإسلام قاله السدي والثالث لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى وإنما أضاف الرجوع إليهم لأنهم انصرفوا باختيارهم لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة ولكونهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به كانوا كالصمم البكم والعرب تسمي المعرض عن الشئ أعمى والملتفت عن سماعه أصم قال مسكين الدارمي ... ما ضر جارا لي أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر ... أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر ... وتصم عما بينهم أذني ... حتى يكون كأنه وقر ... \r\n قوله تعالى أو كصيب من السماء أو حرف مردود على قوله مثلهم كمثل الذي استوقد نارا البقرة 17 واختلف العلماء فيه على ستة أقوال ","part":1,"page":41},{"id":41,"text":" أحدها انه داخل ها هنا للتخيير تقول العرب جالس الفقهاء أو النحويين ومعناه انت مخير في مجالسة أي الفريقين شئت فكأنه خيرنا بين أن نضرب لهم المثل الأول او الثاني \r\n والثاني انه داخل للابهام فيما قد علم الله تحصيله فأبهم عليهم مالا يطلبون تفصيله فكأنه قال مثلهم كأحد هذين ومثله قوله تعالى فهي كالحجارة أو أشد قسوة البقرة 74 والعرب تبهم ما لا فائدة في تفصيله قال لبيد ... تمنى ابتناي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا ألا من ربيعة أو مضر ... \r\n أي هل أنا إلا من أحد هذين الفريقين وقد فنيا فسبيلي أن أفنى كما فنيا \r\n والثالث أنه بمعنى بل وأنشد الفراء ... بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها او انت في العين أملح ... \r\n والرابع أنه للتفصيل ومعناه بعضهم يشبه بالذي استوقد نارا وبعضهم بأصحاب الصيب ومثله قوله تعالى كونوا هودا أو نصارى البقرة 135 معناه قال بعضهم وهم إليهود كونوا هودا وقال النصارى كونوا نصارى وكذا قوله فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون الأعراف 4 معناه جاء بعضهم بأسنا بياتا وجاء بعضهم بأسنا وقت القائلة \r\n والخامس انه بمعنى الواو ومثله قوله تعالى أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم النور 61 قال جرير ... نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر ... 4 \r\n السادس أنه للشك في حق المخاطبين إذ الشك مرتفع عن الحق عز و جل ومثله قوله تعالى وهو أهون عليه الروم 37 يريد فالإعادة أهون من الابتداء فيما تظنون ","part":1,"page":42},{"id":42,"text":" فأما التفسير لمعنى الكلام او كأصحاب صيب فأضمر الأصحاب لأن في قوله يجعلون أصابعهم في آذانهم دليلا عليه والصيب المطر قال ابن قبية هو فيعل من صاب يصوب إذا نزل من السماء وقال الزجاج كل نازل من علو الى استفال فقد صاب يصوب قال الشاعر ... كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب ... \r\n وفي الرعد ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه صوت ملك يزجر السحاب وقد روي هذا المعنى مرفوعا الى النبي صلى الله عليه و سلم وبه قال ابن عباس ومجاهد وفي رواية عن مجاهد أنه صوت مل يسبح وقال عكرمة هو ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الابل \r\n والثاني أنه ريح تختنق بين السماء والأرض وقد روي عن أبي الجلد أنه قال الرعد الريح واسم أبي الحلد جيلان بن أبي فروة البصري وقد روى عنه قتادة \r\n والثالث انه اصطكاك أجرام السحاب حكاه شيخنا علي بن عبيد الله \r\n وفي البرق ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه مخاريق يسوق بها الملك السحاب روي هذا المعنى مرفوعا الى النبي صلى الله عليه و سلم وهو قول علي بن أبي طالب وفي رواية عن علي قال هو ضربة بمخراق من حديد وعن ابن عباس أنه ضربة بسوط من نور قال ابن الانباري المخاريق ثياب تلف ويضرب بها الصبيان بعضهم بعضا فشبه السوط الذي يضرب به السحاب بذلك المخراق ","part":1,"page":43},{"id":43,"text":" قال عمرو بن كلثوم ... كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا ... \r\n وقال مجاهد البرق مصع ملك والمصع الضرب والتحريك \r\n الثاني ان البرق الماء قاله أبو الجلد وحكى ابن فارس أن البرق تلألؤ الماء \r\n والثالث أنه نار تتقدح من اصطكاك اجرام السحاب لسيره وضرب بعضه لبعض حكاه شيخنا \r\n والصواعق جمع صاعقة وهي صوت شديد من صوت الرعد يقع معه قطعة من نار تحرق ما تصيبه وروي عن شهر بن حوشب أن الملك الذي يسوق السحاب إذا اشتد غضبه طار من فيه النار فهي الصواعق وقال غيره هي نار تنقدح من اصطكاك اجرام السحاب قال ابن قتيبة وإنما سميت صاعقة لأنها أصابت قتلت يقال صعقتهم أي قتلتهم \r\n قوله تعالى والله محيط بالكافرين \r\n فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لا يفوته أحد منهم فهو جامعهم يوم القيامة ومثله قوله تعالى أحاط بكل شئ علما الطلاق 12 قاله مجاهد \r\n والثاني أن الإحاطة الإهلاك مثل قوله تعالى وأحيط بثمره الكهف 42 \r\n والثالث أنه لا يخفى عليه ما يفعلون \r\n قوله تعالى يكاد البرق يخطف أبصارهم يكاد بمعنى يقارب وهي كلمة إذا أثبتت انتفى الفعل وإذا نفيت ثبت الفعل وسئل بعض المتأخرين فقيل له ... أنحوي هذا العصر ماهي كلمة ... جرت بلساني جرهم وثمود ... إذا نفيت والله يشهد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود ","part":1,"page":44},{"id":44,"text":" ويشهد للاثبات عند النفي قوله تعالى لا يكادون يفقهون حديثا النساء 87 وقوله إذا أخرج يده لم يكد يراها النور 40 ومثله ولا يكاد يبين الزخرف 52 ويشهد للنفي عند الإثبات قوله تعالى يكاد البرق البقرة 20 و يكاد سنا برقه النور 43 و يكاد زيتها يضئ النور 35 وقال ابن قتيبة كاد بمعنى هم ولم يفعل وقد جاءت بمعنى الإثبات قال ذو الرمة ... ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كاد يبرق ... \r\n أي لو تعرضت له لبرق أي دهش وتحير \r\n قلت وقد قال ذو الرمة في المنفية ما يدل على أنها تستعمل أنها تستعمل للاثبات وهو قوله ... اذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح ... \r\n أراد لم يبرح \r\n قوله تعالى يخطف أبصارهم \r\n قرأ الجمهور بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الطاء وقرأ أبان بن تغلب وأبان ابن يزيد كلاهما عن عاصم بفتح الياء وسكون الخاء وكسر الطاء مخففا ورواه الجعفي عن أبي بكر عن عاصم بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الطاء وهي قرأءة الحسن كذلك إلا أنه كسر الياء وعنه فتح الياء والخاء مع كسر الطاء المشددة \r\n ومعنى يخطف يستلب وأصل الاختطاف الاستلاب ويقال لما يخرج به الدلو خطاف لأنه يختطف ما علق به قال النابغة ... خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع ... \r\n والحجن المتعقفة وجمل خيطف سريع المر وتلك السرعة الخطفى ","part":1,"page":45},{"id":45,"text":" قوله تعالى كلما أضاه لهم \r\n قال الزجاج يقال ضاء الشئ يضوء وأضاء يضئ وهذه اللغة الثانية هى المختارة \r\n فصل \r\n واختلف العلماء ما الذي يشبه الرعد مما يتعلق بأحوال المنافقين على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التخويف الذي في القرآن قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه ما يخافون أن يصيبهم من المصائب إذا علم النبي والمؤمنون بنفاقهم قاله مجاهد والسدي \r\n والثالث انه ما يخافونه من الدعاء الى الجهاد وقتال من يبطنون مودنه ذكره شيخنا \r\n واختلفوا ما الذي يشبه البرق من أحوالهم على ثلاثة أقوال أحدهما أنه ما يتبين لهم من مواعظ القرأن وحكمه \r\n والثاني أنه ما يشئ لهم من نور إسلامهم الذي يظهرونه والثالث انه مثل لما ينالونه بإظهار الإسلام من حقن دمائهم فانه بالإضافة الى ما ذخر لهم في الأجل كالبرق \r\n واختلفوا في معنى قوله يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق على قولين أحدهما أنهم كانوا يفرون من سماع القرآن لئلا يأمرهم بالجهاد مخالفة الموت قاله الحسن والسدي والثاني أنه مثل لإعراضهم عن القرآن كراهية له قاله مقاتل \r\n واختلفوا في معنى كلما أضاء لهم مشوا فيه على أربعة أقوال \r\n أحدها أن معناه كلما أتاهم القرأن بما يحبون تابعوه قاله ابن عباس والسدي ","part":1,"page":46},{"id":46,"text":" والثاني أن إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامة نفوسهم وأموالهم فيسرعون الى متابعته قاله قتادة \r\n والثالث انه تكلمهم بالاسلام ومشيهم فيه اهتداؤهم به فاذا تركواذلك وقفوا في ضلالة قاله مقاتل \r\n والرابع أن إضاءته لهم تركهم بلا ابتلاء ولا امتحان ومشيهم فيه إقامتهم على المسالمة باظهار ما يظهرونه ذكره شيخنا \r\n فأما قوله تعالى وإذا أظلم عليهم فمن قال إضاءته إتيانه إياهم بما يحبون قال إظلامه إتيانه إياهم بما يكرهون وعلى هذا سائر الأقوال التي ذكرناها بالعكس \r\n ومعنى قاموا وقفوا \r\n قوله تعالى ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم قال مقاتل معناه لو شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم عقوبة لهم قال مجاهد من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في نعت المنافقين \r\n قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون \r\n اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب على أربعة أقوال أحدها أنه عام في جميع الناس وهو قول ابن عباس \r\n والثاني أنه خطاب لليهود دون غيرهم قاله الحسن ومجاهد والثالث أنه خطاب للكفار من مشركي العرب وغيرهم قاله السدي والرابع أنه خطاب للمنافقين وإليهود قاله مقاتل والناس اسم للحيوان الآدمي وسموا بذلك لتحركهم في مراداتهم والنوس الحركة وقيل سموا أناسا لما يعتريهم من النسيان ","part":1,"page":47},{"id":47,"text":" وفي المراد بالعبادة هاهنا قولان أحدهما التوحيد والثاني الطاعة رويا عن ابن عباس والخلق والإيجاد وإنما ذكر من قبلهم لأنه أبلغ في التذكير وأقطع للجحد وأحوط في الحجة وقيل إمنا ذكر من قبلهم لينبههم على الاعتبار بأحوالهم من إثابة مطيع ومعاقبة عاص \r\n وفي لعل قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى كي وأنشدوا في ذلك ... وقلتم لنا كفوا الحروب لعنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق ... فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق ... \r\n يريد لكي نكف و الى هذا المعنى ذهب مقاتل وقطرب وابن كيسان \r\n والثاني أنها بمعنى الترجي ومعناها اعبدوا الله راجين للتقوى ولآن تقوا أنفسكم بالعبادة عذاب ربكم وهذا قول سيبويه قال ابن عباس لعلكم تتقون الشرك وقال الضحاك لعلكم تتقون النار وقال مجاهد لعلكم تطيعون \r\n قوله تقالى الذي جعل لكم الأرض فراشا \r\n إنما سميت الأرض أرضا لسعتها من قولهم أرضت القرحة إذا اتسعت \r\n وقيل لانحطاطها عن السماء وكل ما سفل أرض وقيل لأن الناس يرضونها بأقدامهم وسميت السماء سماء لعلوها قال الزجاج وكل ما علا على الأرض فاسمه بناء وقال ابن عباس البناء هاهنا بمعنى السقف \r\n قوله تعالى وأنزل من السماء يعني من السحاب \r\n ماء معنى المطر ","part":1,"page":48},{"id":48,"text":" فلا تجعلوا لله أندادا يعني شركاء أمثالا يقال هذا ند هذا ونديده وفيما أريد بالأنداد هاهنا قولان أحدهما الأصنام قاله ابن زيد والثاني رجال كانوا يطيعونهم في معصية الله قاله السدي \r\n قوله تعالى وأنتم تعلمون \r\n فيه ستة أقوال \r\n أحدهما وأنتم تعلمون أنه خلق السماء وأنزل الماء وفعل ما شرحه في هذه الآيات وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة و مقاتل \r\n الثاني وانتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابكم التوراة والانجيل روي عن ابن عباس أيضا وهو يخرج على قول من قال الخطاب لأهل الكتاب \r\n والثالث وأنتم تعلمون انه لا ند له قاله مجاهد \r\n والرابع أن العلم هاهنا بمعنا العقل قاله ابن قتبية \r\n والخامس وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه ذكره شيخنا علي بن عبيد الله \r\n والسادس وأنتم تعلمون أنها حجارة سمعته من الشسيخ أبي محمد بن الخشاب \r\n قوله تعالى وإن كنتم في ريب \r\n سبب نزلوها أن إليهود قالوا هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه فنزلت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس ومقاتل و إن ها هنا لغير شك لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون ولكن هذا عادة العرب يقول الرجل لابنه إن كنت ابني فأطعني وقيل إنها هاهنا بمعنى إذ قال أبو زيد ومنه قوله تعالى وذروا ما بقي من الربى إن كنتم مؤمين البقرة 278 ","part":1,"page":49},{"id":49,"text":" قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله قال ابن قتيبة السورة تهمز و لا تهمز فمن همزها جعلها من أسأرت يعني أفضلت لأنها قطعة من القرآن ومن لم يهمزها جلعها من سورة البناء أي منزلة بعد منزلة قال النابغة في النعمان ... ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب ... \r\n والسورة في هذا البيت سورة المجد وهي مستقارة من سورة البناء وقال ابن الأنباري قال أبو عبيدة إنما سميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها من منزلة الى منزلة مثل سورة البناء معنى أعطاك سورة أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منازل الملوك قال ابن القاسم ويجوز أن تكون سميت سورة لشرفها تقول العرب له سورة في المجد أي شرف وارتفاع او لأنها قطعة من القرآن من قولك أسأرت سؤرا أي أبقيت بقية وفي هاء مثله قولان أحدهما أنها تعود على القرآن المنزل قاله قاله قتادة والفراء و مقاتل والثاني أنها تعود على النبي صلى الله عليه و سلم فيكون التقدير فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي ذكره أبو عبيدة والزجاج وابن القاسم فعلى هذا القول تكون من لا بتداء الغاية وعلى الأول تكون زائدة \r\n قوله تعالى وادعوا شهداءكم من دون الله \r\n فيه قولان أحدهما أن معناه اسعينوا من المعونة قاله السدي والفرء والثاني استغيثوا من الاستغانة وأنشدوا ... فلما التقت فرساننا ورجالهم ... دعوا يال كعب واعتزينا لعامر ... \r\n وهذا قول ابن قتيبة ","part":1,"page":50},{"id":50,"text":" وفي شهدائهم ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنهم آلهتم قاله ابن عباس والسدي و مقاتل والفراء قال ابن قتيبة وسموا شهداء لأنهم يشهدونهم ويحضرونهم وقال غيره لأنهم عيدوهم ليشهدوا لهم عند الله \r\n و الثاني أنهم أعوانهم روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أن معناه قأتوا بناس يشهدون ما تأتون به مثل القرأن روي عن مجاهد \r\n قوله تعالى إن كنتم صادقين أي في قولكم إن هذا القرأن ليس من عند الله قاله ابن عباس \r\n قوله تعالى فان لم تفعلوا في هذه الآية مضمر مقدر يقتضي الكلام تقديمه وهو انه لما تحداهم بما في الآية الماضية من التحدي فسكتوا عن الإجابة قال فان لم تفعلوا وفي قوله تعالى ولن تفعلوا أعظم دلالة على صحة نبوة نبينا لأنه أخبر أنهم لا يفعلون ولم يفعلوا \r\n قوله تعالى فأتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين \r\n والوقود بفتح الواو الحطب وبضمها التوقد كالوضوء بالفتح الماء وبالضم المصدر وهو اسم حركات المتوضئ وقرأ الحسن و قتادة وقودها بضم الواو والاختيار الفتح والناس أو قدوا فيها بطريق العذاب والحجارة لبيان قوتها وشدتها إذ هي محرقة للحجارة وفي هذه الحجارة قولان احدهما أنها أصنامهم التي عبدوها قاله الربيع بن أنس والثاني أنها حجارة الكبريت وهي أشد الأشياء حرا إذا أحميت يعذبون بها ومعنى اعدت هيئت وإنما خوفهم بالنار إذا لم يأتوا بمثل القرآن لأنهم إذا كذبوه وعجزوا عن الاتيان بمثله ثبتت عليهم الحجة وصار الخلاف عنادا وجزاء المعاندين النار ","part":1,"page":51},{"id":51,"text":" قوله تعالى وبشر الذين آمنوا \r\n البشارة أول خبر يرد على الإنسان وسمي بشارة لأنه يؤثر في بشرته فان كان خيرا أثره المسرة والإنبساط وإن شرا أثر الانجماع والغم والأغلب في عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير وقد تستعمل في الشر ومنه قوله تعالى بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما النساء 138 \r\n قوله تقالى وعملوا الصالحات \r\n يشمل كل عمل صالح وقد روي عن عثمان بن عفان أنه قال أخلصوا الأعمال \r\n وعن على رضي الله عنه أنه قال أقاموا الصلوات المفروضات فأما الجنات فجمع جنة وسميت الجنة جنة لاستتار أرضها بأشجارها وسمي الجن جنا لاستتارهم والجنين من ذلك والدرع جنة وجن الليل إذا ستر وذكر عن المفضل أن الجنة كل بستان فه نخل وقال الزجاج كل نبت كثف وكثر وستر بعضه بعضا فهو جنة \r\n قوله تعالى تجري من تحتها أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها \r\n قوله تعالى هذا الذي رزقنا من قبل فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ان معناه هذا الذي طعمنا من قبل فرزق الغداة كرزق العشيء روي عن ابن عباس والضحاك و مقاتل \r\n والثاني هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا قاله مجاهد وابن زيد \r\n والثالث أن ثمر الجنة إذا جني خلفه مثله فاذا لأوا ما خلف الجنى اشتبه عليهم فقالوا هذا الذي رزقنا من قيل قاله يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة ","part":1,"page":52},{"id":52,"text":" قوله تعالى وأتوا به متشابها \r\n فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه متشابه في المنظر واللون مختلف في الطعم قاله مجاهد وابو العالية والضحاك والسدي و مقاتل \r\n والثاني انه متشابه في جودته لا ردئ فيه قاله الحسن وابن جريج \r\n والثالث أنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم غير أنه أحسن في المنظر والطعم قاله قتادة وابن زيد فان قال قائل ما وجه الامتنان بمتشابهه وكلما تنوعت المطاعم واختلفت الوانها كان أحسن فالجواب أنا إن قلنا إنه متشابه المنظر مختلف الطعم كان أغرب عند الخلق وأحسن فانك لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفاكهة كان نهاية في العجب وإن قلنا إنه متشابه في الجودة جاز اختلافه في الألوان والطعوم وإن قلنا إنه يشبه صورة ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني كان اطرف وأعجب وكل هذه مطالب مؤثرة \r\n قوله تعالى ولهم فيها أزواج مطهرة أي في الخلق فانهن لا يحصن ولا يبلن ولا يأتين الخلاء وفي الخلق فانهن لا يحسدن و لايغرن ولا ينظرن الى غير أزواجهن \r\n قال ابن عباس نقية عن القذى والأذى قال الزجاج ومطهرة أبلغ من طاهرة لأنه للتكثير والخلود البقاء الدائم الذي لا انقطاع له \r\n قوله تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا \r\n في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه نزل قوله تعالى ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له الحج 73 ونزل قوله كمثل العنكبوت ","part":1,"page":53},{"id":53,"text":" اتخذت بيتا العنكبوت 41 قالت إليهود وما هذا من الأمثال فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والحسن وقتادة و مقاتل والفراء \r\n والثاني انه لما ضرب الله المثلين المتقدمين وهما قوله تقالى كمثل الذي استوقد نارا البرقة 17 وقوله أو كصيب من السماء البقرة 19 قال المنافقون الله أجل وأعلى من ان يضرب هذه الأمثال فنزلت هذه الآية رواه السدي عن أشياخه وروي عن الحسن و مجاهد نحوه \r\n والحياء بالمد الانقباض والاحتشام غير أن صفات الحق عز و جل لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم إن ربكم حيي كريم وقيل معنى لا يستحيي لا يترك وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا يستحيي لا يخشى ومثله وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه الأحزاب 37 أي تستحيي منه فالاستحياء والخشية ينوب كل واحد منهما عن الآخر وقرأ مجاهد وابن محيصن لا يستحي بياء واحدة وهي لغة \r\n قوله تعالى أن يضرب مثلا \r\n قال ابن عباس أن يذكر شبها واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له الأمر الذي ضرب لأجله فينجلي غامضه \r\n قوله تعالى ما بعوضه \r\n ما زائدة وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين وانشدوا للنابغة ... قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... الى حمامتنا أو نصفه فقد ... \r\n وذكر ابو جعفر الطبري أن المعنى ما بين بعوضة الى ما فوقها ثم حذف ذكر بين و الى إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في ما الثانية دلالة عليهما كما قالت ","part":1,"page":54},{"id":54,"text":" العرب مطرنا مازبالة فالثعلبية وله عشرون ما ناقة فجملا وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون ما بين قرنها الى قدمها وقال غيره نصب البعوضة على البدل من المثل \r\n وروى الأصمعي عن نافع بعوضة بالرفع على إضمار هو والبعوضة صفيرة البق \r\n قوله تعالى فما فوقها فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه فما فوقها في الكبر قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والفراء \r\n والثاني فما فوقها في الصغر فيكون معناه فما دونها قاله أبو عبيدة \r\n قال ابن قتيبة وقد يكون الفوق بمعنى دون وهو من الأضداد ومثله الجون يقال للأسود والأبيض والصريم الصبح والليل والسدفة الظلمة والضوء والحلل الصغير والكبير والناهل العطشان والريان والمائل القائم واللاطئ بالأرض والصارخ المغيث والمستغيث والهاجد المصلي بالليل والنائم والروهة الارتفاع والانحدار والتلعة ما ارتفع من الارض وما انهبط من الارض والظن يقين وشك والاقرأء الحيض والاطهار والمفرع في الجبل المصعد والمنحدر والوراء خلفا وقداما وأسررت الشئ أخفيته وأعلنته وأخفيت الشئ اظهرته وكتمته ورتوت الشئ شددته وأرخيته وشعبت الشئ جمعته وفرقته وبعت الشئ بمعنى بعته واشتريته وشربت الشئ اشتريته وبعته والحي خلوف غيب ومختلفون \r\n واختلفوا في قوله يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا هل هو من تمام قول الذين قالوا ماذا أراد الله بهذا مثلا البقرة 26 أو هو مبتدأ من كلام الله عز و جل على قولين ","part":1,"page":55},{"id":55,"text":" أحدهما أنه تمام الكلام الذي قبله قاله الفراء وابن قتيبة قال الفراء كأنهم قالوا ماذا اراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله فقال الله وما يضل به إلا الفاسقين البقرة 26 \r\n والثاني أنه مبتدأ من قول الله تعالى قاله السدي ومقاتل \r\n فأما الفسق فهو في اللغة الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها فالفاسق الخارج عن طاعة الله الى معصيته \r\n وفي المراد بالفاسقين هاهنا ثلاثة أقوال احدها أنهم إليهود قاله أبن عباس ومقاتل والثاني المنافقون قاله أبو العالية والسدي والثالث جميع الكفار \r\n قوله تعالى الذين ينقضون عهد الله \r\n هذه صفة للفاسقين وقد سبقت فيهم الأقوال الثلاثة والنقض ضد الإبرام ومناه حل الشئ بعد عقده وينصرف النقض الى كل شئ بحسبه فنقض البناء تفريق جمعه بعد إحكامه ونقض العهد الإعراض عن المقام على أحكامه \r\n وفي هذا العهد ثلاثة أقوال \r\n احدها أنه ما عهد الى أهل الكتاب من صفة محمد صلى الله عليه و سلم والوصية باتباعه قاله ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني أنه ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا قاله السدي \r\n والثالث أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره قاله الزجاج ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد فقد ثتب بخبر الصادق فيجب الايمان به \r\n وفي من قولان أحدهما أنها زائدة والثاني أنها لابتداء الغاية كأنه قال ابتداء نقض العهد من بعد ميثاقه وفي هاء ميثاقه قولان أحدهما أنها ترجع الى الله تعالى والثاني أنها ترجع الى العهد فتقديره بعد إحكام التوفيق فيه ","part":1,"page":56},{"id":56,"text":" وفي الذي أمر الله أن يوصل ثلاثة أقوال أحدها الرحم والقرابة قاله ابن عباس وقتادة والسدي والثاني أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قطعوه بالتكذيب قاله الحسن والثالث الإيمان بالله وأن لا يفرق بين أحد من رسله فآمنوا ببعض وكفروا بعض قاله مقاتل \r\n وفي فسادهم في الأرض ثلاثة أقوال أحدها أنه استدعاؤهم الناس الى الكفر قاله ابن عباس والثاني أنه العمل بالمعاصي قاله السدي و مقاتل والثالث أنه قطعهم الطريق على من جاء مهاجرا الى النبي صلى الله عليه و سلم ليمنعوا الناس من الاسلام \r\n والخسران في اللغة لنقصان \r\n قوله تعالى كيف تكفرون بالله في كيف قولان \r\n أحدهما أنه استفهام في معنى التعجب وهذا التعجب للمؤمنين أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون وقد ثبتت حجة الله عليهم قاله ابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ تقديره ويحكم كيف تكفرون بالله قال العجاج ... أطربا وأنت قنسري ... والدهر بالانسان دواري ... \r\n أراد أتطرب وأنت يشخ كبير قاله ابن الانباري \r\n قوله تعالى وكنتم أمواتا \r\n قال الفراء أي وقد كنتم أمواتا ومثله أو جاؤوكم حصرت صدورهم النساء 90 أي قد حصرت ومثله إن كان قميصه قد من دبر فكذبت يوسف 26 أي فقد كذبت ولولا إضمار قد لم يجز مثله في الكلام \r\n وفي الحياتين والموتتين اقوال أصحها أن الموتة الأولى كونهم نطفا وعلقا ","part":1,"page":57},{"id":57,"text":" ومضغا فأحياهم في الأرحام ثم يميتهم بعد خروجهم الى الدنيا ثم يحييهم للبعث يوم القيامة وهذا قول ابن عباس وقتادة و مقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الانباري \r\n قوله تعالى هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا أي لأجلكم فبعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار \r\n ثم استوى الى السماء أي عمد الى خلقها والسماء لفظها لفظ الواحد ومعناها معنى الجمع بدليل قوله فسواهن \r\n وأيها أسبق في الخلق الأرض ام السماء فيه قولان أحدهما الأرض قاله مجاهد والثاني السماء قاله مقاتل \r\n واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها فقال ابن عباس بدأ بخلق الارض في يومين ثم خلق السموات في يومين وقدر فيها أقواتها في يومين وقال الحسن و مجاهد جمع خلق الارض وما فيها في أربعة أيام متوالية ثم خلق السماء في يومين \r\n والعليم جاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم \r\n قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة \r\n كان أبوا عبيدة يقول إذ ملغاة وتقدير الكلام وقال ربك وتابعه ابن قتيبة وعاب ذلك عليهما الزجاج وابن القاسم وقال الزجاج إذ معناها الوقت فكأنه قال ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة \r\n والملائكة من الألوك وهي الرسالة قال لبيد ... وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل ... \r\n وواحد الملائكة ملك والاصل فيه ملأك وأنشد سيبويه ","part":1,"page":58},{"id":58,"text":" فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب ... \r\n قال أبو إسحاق ومعنى ملأك صاحب رسالة يقال مألكة ومألكة وملأكة ومآلك جمع مألكة قال الشاعر ... أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري ... \r\n وفي هؤلاء الملائكة قولان أحدهما أنهمن جميع الملائكة قاله السدي عن أشياخه والثاني أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أهبط الى الأرض ذكره أبو صالح عن ابن عباس \r\n ونقل أنه كان في الأرض قبل آدم خلق فأفسدوا فبعث الله إبليس في جماعة من الملائكة فأهلكوهم \r\n واختلفوا ما المقصود في إخبار الله عز و جل الملائكة بخلق آدم على ستة أقوال \r\n أحدها أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرا فأحب أن يطلع الملائكة عليه وأن يظهر ما سبق عليه في علمه رواه الضحاك عن ابن عباس والسدي عن أشياخه \r\n والثاني أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة قاله الحسن \r\n والثالث أنه لما خلق النار خافت الملائكة فقالوا ربنا لمن خلقت هذه قال لمن عصاني فخافوا وجود المعصية منهم وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم فقال لهم إني جاعل في الأرض خليفة البقرة 30 قاله ابن زيد \r\n والرابع أنه أراد إظهار عجزهم عن الإحاطة بعلمه فأخبرهم حتى قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها فاجابهم إني أعلم ما لا تعلمون \r\n والخامس أنه أراد تعظيم آدم بذكره بالخلافة قبل وجوده ليكونوا معظمين له إن أوجده ","part":1,"page":59},{"id":59,"text":" والسادس أنه أراد إعلامهم بانه خلقه ليسكنه الارض وإن كانت ابتداء خلقه في السماء \r\n والخليفة هو القائم مقام غيره يقال هذا خلف فلان وخليفته قال ابن الانباري والاصل في الخيلفة خليف بغير هاء فدخلت الهاء للمبالغة في مدحه بهذا الوصف كما قالوا علامة ونسابة وراوية وفي معنى خلافة آدم قولان \r\n أحدهما انه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه ودلائل توحيده والحكم في خلقه وهذا قول ابن مسعود و مجاهد \r\n والثاني انه خلف من سلف في الارض قبله وهذا قول ابن عباس والحسن \r\n قوله تعالى أتجعل فيها من يفسد فيها \r\n فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن ظاهر الالف الاستفهام دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق قال جرير ... ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ... \r\n معناه أنتم خير من ركب المطايا \r\n والثاني انهم قالوه لاستعلام وجه الحكمةة لا على وجه الاعتراض ذكره الزجاج \r\n والثالث أنهم سألوا عن حال أنفسهم فتقديره أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك أم لا \r\n وهل علمت الملائكة أنهم يفسدون بتوقيف من الله تعالى أم قاسوا على حال من قبلهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه بتوقيف من الله تعالى قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن و مجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة وروى السدي عن أشياخه أنهم قالوا ربنا وما يكون ","part":1,"page":60},{"id":60,"text":" ذلك الخليفة قال يكون له ذرية يفسدون في الارض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فقالوا اتجعل فيها من يفسد فيها \r\n والثاني أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية و مقاتل \r\n قوله تعالى ويسفك الدماء \r\n قرأ الجمهور بكسر الفاء وضمها ابن مصرف وابراهيم بن أبي عبلة وهما لغتان وروي عن طلحة وابن مقسم ويسفك بضم الياء وفتح السين وتشديد الفاء مع كسرها وهي لتكثير الفعل وتكريره وسفك الدم صبه وإراقته وسفحه وذلك مستعمل في كل مضيع إلا أن السفك يختص الدم والصب والسفح والإراقة يقال في الدم وفي غيره \r\n وفي معنى تسبيحهم أربعة أقوال أحدها أنه الصلاة قاله ابن مسعود وابن عباس والثاني انه قوله سبحان الله قاله مقتادة والثالث أنه التعظيم والحمد قاله أبو صالح والرابع انه الخضوع والذل قاله محمد بن القاسم الانباري \r\n قوله تعالى ونقدس لك \r\n القدس الطهارة وفي معنى تقديسهم ثلاثة أقوال أحدها أن معناه نتطهر لك من أعمالهم قاله ابن عباس والثاني نعظمك ونكبرك قاله مجاهد والثالث نصلي لك قاله قتادة \r\n قوله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون \r\n فيه أربعة أقوال أحدها ان معناه أعلم ما في نفس إبليس من البغى والمعصية قاله ابن عباس و مجاهد والسدي عن أشياخه والثاني أعلم أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ","part":1,"page":61},{"id":61,"text":" وصالحون قاله قتادة والثالث أعلم أني أملأ جهنم من الجنة والناس قاله ابن زيد \r\n والرابع أعلم عواقب الامور فانا أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء الى المعصية كابليس ومن تظنون به المعصية فيطيع قاه الزجاج \r\n الإشارة الى خلق آدم عليه السلام \r\n روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله عز و جل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض منهم الاحمر والأبيض والاسود وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والخبيث والطيب قال الترمذي هذا حديث صحيح وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خلق الله تعالى آدم طوله ستون ذراعا وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي ص - أنه قال خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة ما بين العصر الى الليل قال ابن عباس لما نفخ فيه الروح أتته النفخة من قبل رأسه فجعلت لا تجري منه في شئ إلا صار لحما ودما \r\n قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها \r\n في تسمية آدم قولان أحدهما لأنه خلق من أديم الارض قاله ابن عباس وابن جبير و الزجاج والثاني انه من الأدمة في اللون قاله الضحاك والنضر بن شميل وقطرب \r\n وفي الاسماء التي علمه قولان أحدهما أنه علمه كل الاسماء وهذا قول ابن عباس ","part":1,"page":62},{"id":62,"text":" وسعيد بن جبير و مجاهد وقتادة والثاني انه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة ثم فيها أربعة أقوال احدها أنه علمه أسماء الملائكة قاله أبو القالية والثاني أنه علمه أسماء الاجناس دون أنواعها كقولك إنسان وملك وجني وطائر قاله عكرمة والثالث انه علمه أسماء ما خلق من الارض من الدواب والهوام والطير قال الكلبي و مقاتل وابن قتيبة والرابع أنه علمه أسماء ذريه قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى ثم عرضهم \r\n يريد أعيان الخلق على الملائكة قال ابن عباس الملائكة هاهنا هم الذين كانوا مع إبليس خاصة \r\n قوله تعالى أنبئوني أخبروني \r\n قوله تعالى إن كنتم صادقين \r\n فيه قولان أحدهما إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقا هو أفضل منكم وأعلم قاله الحسن والثاني أني أجعل فيها من يفسد فيها قاله السدي عن أشياخه \r\n قوله تعالى قالوا سبحانك \r\n قال الزجاج لا اختلاف بين أهل اللغة أن التسبيح هو التنزيه لله تعالى عن كل سوء والعليم بمعنى العالم جاء على بناء فعيل للمبالغة وفي الحكيم قولان أحدهما أنه بمعنى الحاكم قاله ابن قتيبة والثاني المحكم للأشياء قاله الخطابي \r\n قوله تعالى قال يا آدم أنبئهم أي أخبرهم وروي عن ابن عباس أنبئهم بكسر الهاء قال أبو علي قرأءة الجمهور على الأصل لأن أصل هذا الضمير أن تكون الهاء مضمومة فيه ألا ترى أنك تقول ضربهم وأبناءهم وهذا لهم ومن كسر أتبع كسر الهاء التي قبلها وهي كسرة الباء والهاء والميم تعود على الملائكة وفي الهاء والميم ","part":1,"page":63},{"id":63,"text":" من أسمائهم قولان أحدهما أنها تعود على المخلوقات التي عرضها قاله الاكثرون \r\n والثاني أنها تعود على الملائكة قاله الربيع بن أنس \r\n وفي الذي أبدوه قولان أحدهما أنه قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ذكره السدي عن أشياخه والثاني أنه ما أظهروه من السمع والطاعة لله حيث مروا على جسد آدم فقال إبليس إن فضل هذا عليكم ما تصنعون فقالوا نطيع ربنا فقال إبليس في نفسه لئن فضلت عليه لأهلكنه ولئن فضل علي لأعصينه قاله مقاتل \r\n وفي الذي كتموه قولان أحدهما أنه اعتقاد الملائكة أن الله تعالى لا يخلق خلقا أكرم منهم قاله الحسن وأبو العالية وقتادة والثاني أنه ما أسره إبليس من الكبر والعصيان وراه السدي عن أشياخه وبه قال مجاهد وابن جبير و مقاتل \r\n قوله تعالى وإذا قلنا للملائكة اسجدوا \r\n عامة القرأء على كسر التاء من الملائكة وقرأ أبو جعفر والأعمش بضمها في الوصل قال الكسائي هي لغة أزدشنوءة \r\n وفي هؤلاء الملائكة قولان أحدهما أنهم جميع الملائكة قاله السدي عن أشياخه والثاني أنهم طائفة من الملائكة روي عن ابن عباس والاول أصح \r\n والسجود في اللغة التواضع والخضوع وأنشدوا ... ساجد المنخر ما يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع ... \r\n وفي صفة سجودهم لآدم قولان أحدهما أنه على صفة سجود الصلاة وهو الأظهر \r\n والثاني أنه الانحناء والميل المساوي للركوع ","part":1,"page":64},{"id":64,"text":" قوله تعالى إلا إبليس \r\n في هذا الاستثناء قولان \r\n أحدهما أنه استثناء من الجنس فهو على هذا القول من الملائكة قاله ابن مسعود في رواية وابن عباس وقد روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة ثم مسخه الله تعالى شيطانا والثاني أنه من غير الجنس فهو من الجن قاله الحسن والزهري قال ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة وكان يدير أمر السماء الدنيا فإن قيل كيف استثني وليس من الجنس فالجواب أنه أمر بالسجود معهم فاستثي منهم لأنه لم يسجد وهذا كما تقول أمرت عبدي وإخوتي فأطاعوني إلا عبدي هذا قول الزجاج \r\n وفي إبليس قولان أحدهما اسم أعجمي ليس بمشتق ولذلك لا يصرف هذا قول أبي عبيدة و الزجاج وابن الانباري والثاني انه مشتق من الإبلاس وهو اليأس روي عن أبي صالح وذكره ابن قتيبة وقال إنه لم يصرف لآنه لا سمي له فاستثقل قال شيخنا أبو منصور اللغوي والأول أصح لأنه لو كان من الإبلاس لصرف ألا ترى أنك لو سميت رجلا بإخريط وإجفيل لصرف في المعرفة \r\n قوله تعالى أبى معناه امتنع واستكبر استفعل من الكبر وفي وكان قولان أحدهما انها بمعنى صار قاله قتادة والثاني أنها بمعنى الماضي فمعناه كان في علم الله كافرا قاله مقاتل وابن الانباري \r\n قوله تعالى وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة زوجه حواء قال الفراء أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل زوج ويجمعونها الازواج وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون زوجة ويجمعونها زوجات ","part":1,"page":65},{"id":65,"text":" قال الشاعر ... فان الذي يسعى يحرش زوجتي ... كماش الى أسد الشرى يستبيلها ... \r\n وانشدني أبو الجراح ... يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل اذا انحلت عرى الذنب ... \r\n وفي الجنة التي أسكنها آدم قولان أحدهما جنة عدن والثاني جنة الخلد \r\n والرغد الرزق الواسع الكثير يقال أرغد فلان إذا صار في خصب وسعة \r\n قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة أي بالاكل لا بالدنو منها \r\n في الشجرة ستة أقوال \r\n احدها أنها السنبلة وهو قول ابن عباس وعبد الله بن سلام وكعب الاحبار ووهب بن منبه وقتادة وعطية العوفي ومحارب بن دثار و مقاتل \r\n والثاني أنها الكرم روي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة وبن هبير \r\n والثالث أنها التين روي عن الحسن وعطاء بن أبي رباح وابن جريج \r\n والرابع أنها شجرة يقال لها شجرة العلم قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والخامس انها شجرة الكافور نقل عن علي بن أبي طالب \r\n والسادس انها النخلة روي عن أبي مالك \r\n وقد ذكروا وجها سابعا عن وهب بن منبه أنه قال هي شجرة الخلد وإنما الكلام على جنسها ","part":1,"page":66},{"id":66,"text":" قوله تعالى فتكونا من الظالمين \r\n قال ابن الانباري الظلم وضع الشئ في غير موضعه ويقال ظلم الرجل سقاءه اذا سقاه قبل أن يخرج زبده وقال الشاعر ... وصاحب صدق لم تربني شكاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر ... \r\n أراد بالصاحب وطب اللبن وظلمه إياه أن يسقيه قبل أن يخرج زبده \r\n والعرب تقول هو أظلم من حية لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفرة فتسكنه ويقال قد ظلم الماء الوادي إذا وصل منه الى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى فان قيل ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي فالجواب أنه ابتلاء من الله تعالى بما أراد وقال أبوا العالية كان لها ثقل من بين أشجار الجنة فلما أكل منها قيل اخرج الى الدار التي تصلح لما يكون منك \r\n قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه \r\n أزلهما بمعنى استزلهما وقرأ حمزة فأزالهما أراد نحاهما قال أبو علي الفارسي لما كان معنى اسكن أنت وزجك الجنة اثبتا فيها فثبتا قابل حمزة الثبات بالزوال الذي يخالفه ويقوي قرأءته فأخرجهما \r\n والشيطان إبليس وأضيف الفعل إليه لأنه السبب وفي هاء عنها ثلاثة أقوال أحدها أنها تعود الى الجنة والثاني ترجع الى الطاعة والثالث ترجع الى الشجرة فمعناه فأزلهما بزلة صدرت عن الشجرة \r\n وفي كيفية إزلاله لهما ثلاثة أقوال أحدها أنه احتال حتى دخل إليهما الجنة وكان الذي أدخله الحية قاله ابن عباس والسدي والثاني انه وقف على باب الجنة وناداهما قاله الحسن والثالث أنه وسوس إليهما وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ","part":1,"page":67},{"id":67,"text":" ولا مشاهدة قاله ابن إسحاق وفيه بعد قال الزجاج الأجود ان يكون خاطبها لقوله وقاسمهما \r\n واختلف العلماء في معصية آدم بالاكل فقال قوم إنه نهي عن شجرة بعينها فأكل من جنسها وقال آخرون تأول الكراهة في النهي دون التحريم \r\n قوله تعالى وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين الهبوط بضم الهاء الانحدار من علو وبفتح الهاء المكان الذي يهبط فيه والى من انصرف هذا الخطاب فيه ستة اقوال أحدها أنه انصرف الى آدم وحواء والحية قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الى آدم وحواء وإبليس والحية حكاه السدي عن ابن عباس والثالث الى آدم وإبليس قاله مجاهد والرابع الى آدم وحواء وإبليس قاله مقاتل والخامس الى آدم وحواء وذريتهما قاله الفراء والسادس الى آدم وحواء فحسب ويكون لفظ الجمع واقعا على التثنية كقوله وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 ذكره ابن الانباري وهو العلة في قول مجاهد أيضا \r\n واختلف العلماء هل أهبطو جملة أو متفرقين على قولين \r\n أحدهما أنهم أهبطوا جملة لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة قاله كعب ووهب \r\n والثاني أنهم أهبطوا متفرقي نهبط إبليس قبل آدم وهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بالأبلة قاله مقاتل وروي عن ابن عباس أنه قال أهبطت الحية بنصيبين قال وأمر الله تعالى جبريل باخراج آدم فقبض على ناصيته وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه فقال أيها الملك ارفق بي قال جبريل إني لا أرفق بمن عصى الله فارتعد آدم واضطرب وذهب كلامه وجبريل يعاتبه في معصيته ويعدد نعم الله عليه قال ","part":1,"page":68},{"id":68,"text":" وأدخل الجنة ضحوة واخرج منها بين الصلاتين فمكث فيها نصف يوم خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا \r\n وفي العداوة المذكرة هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن ذرية بعضهم أعداء لبعض قاله مجاهد والثاني أن إبليس عدو لآدم وحواء وهما له عدو قاله مقاتل والثالث أن إبليس عدو للمؤمنين وهم أعداؤه قاله الزجاج \r\n وفي المستقر قولان أحدهما أن المراد به القبور حكاه السدي عن ابن عباس والثاني موضع الاسقرار قاله أبو العالية وابن زيد و الزجاج وابن قتيبة وهو أصح \r\n والمتاع المنفعة والحين الزمان قال ابن عباس الى حين أي الى فناء الأجل بالموت \r\n قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم \r\n تلقى بمعنى أخذ وقبل قال ابن قتبية كأن الله تعالى أوحى إليه ان يستغفره وسيتقبله بكلام من عنده ففعل ذلك آدم فتاب عليه وقرأ ابن كثير فتلقى آدم بالنصب كلمات بالرفع على أن الكلمات هي الفاعلة \r\n وفي الكلمات أقوال \r\n أحدها أنها قوله تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين الأعراف 23 قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير و مجاهد وعطاء الخارساني وعبيد بن عمير وأبي بن كعب وابن زيد \r\n والثاني أنه قال أي رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال ألم تسبق رحمتك الي قبل غضبك قال بلى قال ألم ","part":1,"page":69},{"id":69,"text":" تسجد لي ملائكتك وتسكني جنتك قال بلى قال أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت الى الحنة قال نعم حكاه السدي عن ابن عباس \r\n والثالث أنه قال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني فأنت خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وقد ذكرت أقوال من كلمات الاعتذار تقارب هذا المعنى \r\n قوله تعالى فتاب عليه \r\n أصل التوبة الرجوع فالتوبة من آدم رجوعه عن المعصية وهي من الله تقالى رجوعه عليه بالرحمة والثواب الذي كلما تكررت توبة العبد تكرر قبوله وإنما لم تذكر حواء في التوبة لأنه لم يجر لها ذكر لا أن توبتها لم تقبل وقال قوم إذا كان معنى قعل الاثنين واحد جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما كقوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه التوبة 63 وقوله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى طه 117 \r\n قوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكما مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n في إعادة ذكر الهبوط وقد تقدم قولان \r\n أحدهما أنه أعيد لأن آدم أهبط إهباطين احدهما من الجنة الى السماء والثاني من السماء الى الأرض وأيهما الاهباط المذكور في هذه الآية فيه قولان \r\n والثاني أنه إنما كرر الهبوط توكيدا ","part":1,"page":70},{"id":70,"text":" قوله تعالى فاما قال الزجاج هذه إن التي للجزاء ضمت إليها ما والأصل في اللفظ إن ما مفصولة ولكنها مدغمة وكتبت على الإدغام فاذا ضمت ما لى إن لزم الفعل النون الثقيلة أو الخفيفة وإنما تلزمه النون لأن ما تدخل مؤكدة ودخلت النون مؤكدة أيضا كما لزمت اللام النون في القسم في قولك والله لتفعلن وجواب الجزاء الفاء \r\n وفي المراد بالهدى هاهنا قولان أحدهما أنه الرسول قاله ابن عباس و مقاتل والثاني الكتاب حكاه بعض المفسرين \r\n قوله تعالى فلا خوف علهم \r\n وقرأ يعقوب فلا خوف بفتح الفاء من غير تنوين وقرأ ابن محيصن بضم الفاء من غير تنوين والمعنى فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب ولا هم يحزنون عند الموت والخوف لأمر مستقبل والحزن لأمر ماض \r\n قوله تعالى والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون في معنى الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها العلامة فمعنى آية علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها والذي بعدها قال الشاعر ... ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما ... \r\n وقال النابغة ... توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع ... \r\n وهذا اختيار أبي عبيد \r\n والثاني أنها سميت آية لأنها جماعة حروف من القرأن وطائفة منه قال أبو عمرو الشيباني يقال خرج القوم بآياتهم أي بجماعتهم وأنشدوا ... خرجنا من النقبين لا حي مثلنا ... بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا ","part":1,"page":71},{"id":71,"text":" والثالث أنها سميت آية لأنها عجب وذلك أن قارئها يستدل إذا قرأها على مباينتها كلام المخلوقين وهذا كما تقول فلان آية من الآيات أي عجب من العجائب ذكره ابن الانباري \r\n في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال \r\n أحدها آيات الكتب التي تتلى والثاني معجزات الأنبياء والثالث القرأن والرابع دلائل الله في مصنوعاته وأصحاب النار سكانها سموا أصحابا لصحتبهم إياها بالملازمة \r\n قوله تعالى يا بني اسرائيل اذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم واوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون \r\n اسرائيل هو يعقوب وهو اسم أعجمي قال ابن عباس ومعناه عبد الله وقد لفظت به العرب على اوجه فقالت إسرائل واسرال والسرائيل واسرائين \r\n قال أمية ... إنني زارد الحديد على الناس ... دروعا سوابغ الأذيال ... لا أرى من يعينني في حياتي ... غير نفسي إلا بني إسرال ... \r\n وقال أعرابي صاد ضبا فإتى به أهله ... يقول أهل السوق لما جينا ... هذا ورب البيت إسرائينا ... \r\n أراد هذا مما مسخ من بني اسرائيل \r\n والنعمة المنة مثلها النعماء والنعمة بفتح النون التنعم وأراد بالنعمة النعم فوحدها لأنهم يكتفون بالواحد من الجميع كقوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم أي ظهراء \r\n وفي المراد بهذه النعمة ثلاثة أقوال أحدها أنها ما استوعدهم من التوراة التي ","part":1,"page":72},{"id":72,"text":" فيها صفة رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس والثاني أنها ما أنعم به على أبائهم وأجدادهم إذ أنجاهم من آل فرعون وأهلك عدوهم واعطاهم التوراة ونحو ذلك قاله الحسن و الزجاج \r\n وإنما من عليهم بما أعطى آباءهم لأن فخر الآباء فخر للأبناء وعار الآباء عار على الأبناء والثالث انها جمع نعمة على تصريف الأحوال \r\n والمراد من ذكرها شكرها إذ من لم يشكر فما ذكر \r\n قوله تعالى وأوفوا \r\n قال الفراء أهل الحجاز يقولون اوفيت واهل نجد يقولون وفيت بغير ألف \r\n قال الزجاج يقال وفى بالعهد واوفى به وأنشد ... أما ابن طوق فقد اوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها ... \r\n وقال ابن قتيبة يقال وفيت بالعهد وأوفيت به واوفيت الكيل لا غير وفي المراد بعهده اربعة أقوال أحدها انه لما عهده إليهم في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه و سلم رواه ابو صالح عن ابن عباس والثاني أنه امتثال الأوامر واجتناب النواهي رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أنه الإسلام قاله أبو العالية والرابع أنه العهد المذكور في قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا المائدة 13 قاله قتادة \r\n قوله تعالى أوف بعهدكم قال ابن عباس أدخلكم الجنة \r\n قوله تعالى وإياي فارهبون أي خافون \r\n قوله تعالى وآمنوا بما أنزلت يعني القرآن مصدقا لما معكم يعني التوراة او الانجيل فان القرأن يصدقهما أنهما من عند الله ويوافقهما في صفة النبي صلى الله عليه و سلم ","part":1,"page":73},{"id":73,"text":" ولا تكونوا اول كافر به \r\n إنما قال أول كافر لأن المتقدم الى الكفر أعظم من الكفر بعد ذلك إذ المبادر لم يتأمل الحجة وإنما بادر بالعناد فحاله أشد وقيل ولاتكونوا أول كافر به بعد أن آمن والخطاب لرؤساء إليهود \r\n وفي هائه قولان أحدهما انها تعود الى المنزل قاله ابن سعود وابن عباس \r\n والثاني أنها تعود على ما معهم لأنهم اذا كتموا وصف النبي صلى الله عليه و سلم وهو معهم فقد كفروا به ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون \r\n أي لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا وفيه ثلاثة أقوال أحدها انه ما كانوا يأخذون من عرض الدنيا والثاني بقاء رئاستهم عليهم والثالث أخذ الأجرة على تعليم الدين \r\n قوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون \r\n تلبسوا بمعنى تخلطوا يقال لبست الأمر عليهم ألبسه إذا عميته عليهم وتخليطهم أنهم قالوا إن الله عهد إلينا أن نؤمن بالنبي الأمي ولم يذكر أنه من العرب \r\n وفي المراد بالحق قولان أحدهما انه امر النبي صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس ومجاهد و قتادة وأبوا العالية والسدي و مقاتل والثاني أنه الإسلام قاله الحسن \r\n قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة \r\n يريد الصلوات الخمس وهي هاهنا اسم جنس والزكاة مأخوذه من الزكاء وهو النماء والزيادة يقال زكا الزرع يزكو زكاء وقال ابن الأنباري معنى الزكاة في كلام العرب الزيادة والنماء فسميت زكاة لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه من الآفات ويقال هذا أزكى من ذاك أي أزيد فضلا منه ","part":1,"page":74},{"id":74,"text":" قوله تعالى واركعوا مع الراكعين \r\n أي صلوا مع المصلين قال ابن عباس يريد محمد صلى الله عليه و سلم والصحابة رضى الله عنهم وقيل إنما ذكر الركوع لأنه ليس في صلاتهم ركوع والخطاب لليهود وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع وهي إحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه \r\n قوله تعالى أنأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون قال ابن عباس نزلت في إليهود كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر اثبت على ما أنت عليه فانه حق والالف في أتأمرون ألف الاستفهام ومعناه التوبيخ \r\n وفي البر هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه التمسك بكتابهم كانوا يامرون باتباعه ولا يقومون به والثاني اتباع محمد صلى الله عليه و سلم روي القولان عن ابن عباس والثالث الصدقة كانوا يأمرون بها ويبخلون ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى وتنسون أي تتركون وفي الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة قاله الجمهور والثاني أنه القرآن فلا يكون الخطاب على هذا القول لليهود \r\n قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الأصل في الصبر الحبس فالصابر حابس لنفسه عن الجزع وسمي الصائم صابرا لحبسه نفسه عن الأكل والشرب والجماع والمصبورة البهيمة تتخذ غرضا وقال مجاهد \r\n الصبر هاهنا الصوم \r\n وفيما امروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال أحدها أنه أداء الفرائض قاله ابن عباس و مقاتل والثاني أنه ترك المعاصي قاله قتادة والثالث عدم الرئاسة وهو خطاب لأهل الكتابين ووجه الاستعانة بالصلاة أنه يتلى فيها ما يرغب في الآخرة ويزهد في الدنيا ","part":1,"page":75},{"id":75,"text":" قوله تعالى وإنها في المكنى عنها ثلاثة أقوال احدها أنه الصلاة قاله ابن عباس والحسن و مجاهد والجمهور والثاني أنها الكعبة والقبلة لأنه لما ذكر الصلاة دلت على القبلة ذكره الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثالث انها الاستعانة لأنه لما قال واستعينوا دل على الاستعانة ذكره محمد ابن القاسم النحوي \r\n قوله تعالى لكبيرة قال الحسن والضحاك الكبيرة الثقيلة مثل قوله تعالى كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الشورى 13 أي ثقل والخشوع في اللغة التطامن والتواضع وقيل السكون \r\n قوله تعالى الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون \r\n الظن هاهنا بمعنى اليقين وله وجوه قد ذكرناها في كتاب الوجوه والنظائر \r\n قوله تعالى يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين يعني على عالمي زمانهم قاله ابن عباس وابو العالية و مجاهد وابن زيد قال ابن قتيبة وهو من العام الذي اريد به الخاص \r\n قوله تعالى واتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخد منها عدل و لا هم ينصرون \r\n قال الزجاج كانت إليهود تزعم أن آباءها الأنبياء تشفع لهم يوم القيامة فآيسهم الله بهذه الآية من ذلك \r\n قوله تعالى واتقوا يوما فيه إضمار تقديره اتقوا عذاب يوم أو ما في يوم والمراد باليوم يوم القيامة وتجزي بمعنى تقضي قال ابن قتيبة يقال جزى الأمر عني يجزي بغير همز أي قضى عني وأجزأني بجزئني مهموز أي كفاني \r\n قوله تعالى نفس عن نفس قالوا المراد بالنفس هاهنا النفس الكافرة فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص ","part":1,"page":76},{"id":76,"text":" قوله تعالى ولا تقبل منها شفاعة \r\n قرأ ابن كثير وأبوا عمرو بالتاء وقرأ الباقون بالياء إلا أن قتادة فتح الياء ونصب الشفاعة ليكون الفعل لله تعالى قال ابو علي من قرأ بالتاء فلأن الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث فيلزم أن يلحق المسند أيضا علامة التأنيث ومن قرأ بالياء فلأن التأنيث في الاسم الذي أسند إليه الفعل ليس بحقيقي فحمل على المعنى كما أن الوعظ والموعظة بمعنى واحد وفي الآية إضمار تقديره لا يقبل منها فيه شفاعة والشفاعة مأخوذة من الشفع الذي يخالف الوتر وذلك أن سؤال الشفيع يشفع سؤال المشفوع له \r\n فأما العدل فهو الفداء وسمي عدلا لأنه يعادل المفدى واختلف اللغويون هل العدل و العدل بفتح العين وكسرها يختلفان أم لا فقال الفراء العدل بفتح العين ما عادل الشئ من غير جنسه والعدل بكسرها ما عادل الشئ من جنسه فهو المثل تقول عندي عدل غلامك بفتح العين إذا أردت قيمته من غير جنسه وعندي عدل غلامك بكسر العين إذا كان غلام يعدل غلاما وحكى الزجاج عن البصريين أن العدل والعدل في معنى المثل وأن المعنى واحد سواء كان المثل من الجنس او من غير الجنس \r\n قوله تعالى ولا هم ينصرون أي يمنعون من عذاب الله \r\n قوله تعالى وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم تقديره واذكروا إذ نجيناكم وهذه النعم على آبائهم كانت وفي آل فرعون ثلاثة أقوال أحدها أنهم أهل مصر قاله مقاتل والثاني أهل بيته خاصة قاله أبو عبيدة والثالث أتباعه على دينه قاله الزجاج وهل الآل والاهل بمعنى أو يختلفان فيه قولان وقد شرحت معنى الآل في كتاب النظائر وفرعون اسم أعجمي وقيل هو لقبه وفي اسمه أربعة أقوال أحدها الوليد بن ","part":1,"page":77},{"id":77,"text":" مصعب قاله الأكثرون والثاني فيطوس قاله مقاتل والثالث مصعب بن الريان حكاه ابن جرير الطبري والرابع مغيث ذكره بعض المفسرين \r\n قوله تعالى يسومونكم أي يولونكم يقال فلان يسومك خسفا أي يوليك ذلا واستخفافا وسوء العذاب شديده وكان الزجاج يرى أن قوله يذبحون أبناءكم تفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب وأبى هذا بعض أهل العلم فقال قد فرق الله بينهما في موضع آخر فقال يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ابراهيم 6 وإنما سوء العذاب استخدامهم في أصعب الأعمال وقال الفراء الموضع الذي طرحت فيه الواو تفسير لصفات العذاب والموضع الذي فيه الواو يبين أنه قد مسهم من العذاب غير الذبح فكأنه قال يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح \r\n قوله تعالى ويستحيون نساءكم أي يستبقون نساءكم أي بناتكم وإنما استبقوا نساءهم للاستذلال والخدمة \r\n وفي البلاء ههنا قولان أحدهما انه بمعنى النعمة قاله ابن عباس و مجاهد وأبو مالك وابن قتيبة و الزجاج والثاني انه النقمة رواه السدي عن أشياخه فعلى هذا القول يكون ذا في قوله تعالى ذلكم عائدا على سومهم سوء العذاب وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم وعلى القول الاول يعود على النجاة من آل فرعون قال أبو العالية وكان السبب في ذبح الأنباء أن الكهنة قالت لفرعون سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه فقتل الأبناء قال الزجاج فالعجب من حمق فرعون إن كان الكاهن عنده صادقا فما ينفع القتل وإن كان كاذبا فما معنى القتل \r\n قوله تعالى وإذا فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون الفرق الفصل بين الشيئين وبكم بمعنى لكم وإنما ذكر آل فرعون دونه لأنه ","part":1,"page":78},{"id":78,"text":" قد علم كونه فيهم وفي قوله تعالى وأنتم تنظرون قولان احدهما أنه من نظر العين معناه وأنتم ترونهم يغرقون والثاني أنه بمعنى العلم كقوله تعالى ألم تر الى ربك مكيف مد الظل الفرقان 45 قاله الفراء \r\n الاشارة الى قصتهم \r\n روى السدي عن أشياخه ان الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل وألقى على القبط الموت فمات بكر كل رجل منهم فأصبحوا يدفنونه فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس قال عمرو بن ميمون فلما خرج موسى بلغ ذلك فرعو فقال لا تتبعوهم حتى يصيح الديك ليلتئذ قال أبو السليل لما انتهى موسى الى البحر قال هيه أبا خالد فأخذه أفكل يعني رعدة قال مقاتل تفرق الماء يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين وفيهما كوى ينظر كل سبط الى الآخر قال السدي فلما رآه فرعون متفرقا قال ألا ترون البحر فرق مني فانفتح لي فأتت خيل فرعون فأبت أن تقتحم فنزل جبريل على ماذيانة فتشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في إثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم \r\n قوله تعالى وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة \r\n قرأ ابو جعفر وأبوا عمرو وعدنا بغير ألف هاهنا وفي الأعراف و طه ووافقهما أبان عن عاصم في البقرة خاصة وقرأ الباقون واعدنا بألف ووجه القرأءة الأولى إفراد الوعد من الله تعالى ووجه الثانية أنه لما قبل موسى وعد الله عز و جل صار ذلك مواعدة بين الله تعالى وبين موسى ومثله لا تواعدوهم سرا البقرة 235 \r\n ومعنى الآية وعدنا موسى تتمة أربعن ليلة او انقضاء أربعين ليلة وموسى اسم أعجمي اصله بالعبرانية موشا فمو هو الماء وشا هو الشجر لأنه وجد عند ","part":1,"page":79},{"id":79,"text":" الماء والشجر فعرب بالسين ولماذا كان هذا الوعد فيه قولان أحدهما لأخذ التوراة والثاني للتكليم وفي هذه المدة قولان أحدهما أنها ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذا قول من قال كان الوعد لإعطاء التوراة والثاني أنها ذو الحجة وعشر من المحرم وهو قول من قال كان الوعد للتكليم وإنما ذكرت الليالي دون الأيام لأن عادة العرب التأريخ بالليالي لأن أول شهر ليله واعتماد العرب على الأهلة فصارت الأيام تبعا لليالي وقال أبو بكر النقاش إنما ذكر الليالي لأنه امره أن يصوم هذا الأيام ويواصلها بالليالي فلذلك ذكر الليالي وليس بشئ \r\n قوله تقالى ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون من بعده أي من بعد انطلاقه الى الجبل \r\n الاشارة الى اتخاذهم العجل \r\n روى السدي عن أشياخه أنه لما انطلق موسى واسختلف هارون قال هارون يا بني اسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلي القبط غنيمة فاجمعوه واحفروا له حفيرة فادفنوه فان أحله موسى فخذوه وإلا كان شيئا لم تأكلوه ففعلوا قال السدي وكان جبريل قد أتى الى موسى ليذهب به الى ربه فرأه السامري فأنكره وقال إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس فقفها في الحفيرة فظهر العجل وقيل إن السامري أمرهم بالقاء ذلك الحلي وقال إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما معكم من الحلي فاحفورا لها حفيرة وقربوه الى الله يبعث لكم نبيكم فإنه كان عارية ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n وفي سبب اتخاذ السامري عجلا قولان أحدهما أن السامري كان من قوم يعبدون البقر فكان ذلك في قلبه قاله ابن عباس والثاني أن بني إسرائيل لما مروا على قوم ","part":1,"page":80},{"id":80,"text":" يعكفون على أصنام لهم أعجبهم ذلك فلما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها وأنكر عليهم أخرج السامري لهم في غيبته عجلا لما رأى من اسحسانهم ذلك قاله ابن زيد \r\n وفي كيفية اتخاذ العجل قولان أحدهما أن السامري كان صواغا فصاغه وألقى فيه القبضة قاله علي وابن عباس والثاني أنهم حفروا حفيرة وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزها عنها فألقى السامري القبضة من التراب فصار عجلا روي عن ابن عباس أيضا قال ابن عباس صار لحما ودما وجسدا فقال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى قد جاء وأخطأ موسى الطريق فعبدوه وزفنوا حوله \r\n قوله تعالى وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون الكتاب التوراة وفي الفرقان خمسة أقوال أحدها أنه النصر قاله ابن عباس وابن زيد والثاني أنه ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل فيكون الفرقان نعتا للتوراة قاله أبو العالية والثالث أنه الكتاب فكرره بغير اللفظ قال عدي بن زيد ... فألقى قولها كذبا ومينا ... \r\n وقال عنترة ... أقوى وأفقر بعد أم الهيثم ... \r\n هذا قول مجاهد واختيار الفراء و الزجاج والرابع أنه فرق البحر لهم ذكره الفراء و الزجاج وابن القاسم والخامس أنه القرأن ومعنى الكلام لقد آتينا موسى الكتاب ومحمد الفرقان ذكره الفراء وهو قول قطرب \r\n قوله تعالى إذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ","part":1,"page":81},{"id":81,"text":" القوم اسم للرجال دون النساء قال الله تعالى لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء الحجرات 11 وقال زهير ... وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء ... \r\n وإنما سموا قوما لأنهم يقومون بالأمور \r\n قوله تعالى فتوبوا الى بارئكم قال أبو علي كان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يكسرون الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف وروى اليزيدي وعبد الوارث عن أبي عمرو بارئكم بجزم الهمزة روى عنه العباس بن الفضل بارئكم مهموزة غير مثقلة وقال سيبويه كان أبو عمر يختلس الحركة في بارئكم و يأمركم وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات فيرى من سمعه أنه قد أسكن ولم يسكن \r\n والبارئ الخالق ومعنى فاقتلوا أنفسكم ليقتل بعضكم عضا قاله ابن عباس و مجاهد \r\n واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال أحدها أنه خطاب للكل قاله السدي عن أشياخه والثاني أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد قاله مقاتل والثالث أنه خطاب للعابدين فحسب أمروا أن يقتل بعضهم بعضا قاله أبو سليمان الدمشقي وفي الاشارة بقوله ذا في ذلكم قولان أحدهما أنه يعود الى القتل والثاني أنه يعود الى التوبة \r\n الإشارة الى قصتهم في ذلك \r\n قال ابن عباس قالوا لموسى كيف يقتل الآباء والإخوة الإخوة فأنزل الله عليهم ظلمة لا يرى بعضهم بعضا فقالوا فما آية توبتنا ","part":1,"page":82},{"id":82,"text":" قال أن يقوم السلاح فلا يقتل وترفع الظلمة فقتلوا حتى خاضوا في الدماء وصاح الصبيان يا موسى العفو العفو فبكى موسى فنزلت التوبة وقام السلاح وارتفعت الظلمة قال مجاهد بلغ القتلى سبعين ألفا قال قتادة جعل القتل للقتيل شهادة وللحي توبة \r\n قوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون \r\n في القائلين لموسى ذلك قولان أحدهما أنهم السبعون المختارون قاله ابن مسعود وابن عباس والثاني جميع بني اسرائيل إلا من عصم الله منهم قاله ابن زيد قال وذلك أنه أتاهم بكتاب الله فقالوا والله لا نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول هذا كتابي وفي جهرة قولان أحدهما أنه صفة لقولهم أي جهروا بذلك القول قاله ابن عباس وابوعبيدة والثاني أنها الرؤية البينة أي ارناه غير مستتر عنا بشئ يقال فلان يتجاهر بالمعاصي أي لا يستتر من الناس قاله الزجاج ومعنى الصاعقة ما يصعقون منه أي يموتون ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تقالى ثم بعثناكم هذا قول الأكثرين وزعم قوم أنهم لم يموتوا واحتجوا بقوله تعالى وخر موسى صعقا وهذا قول ضعيف لأن الله تعالى فرق بين الموضعين فقال هناك فلما أفاق وقال هاهنا ثم بعثناكم والإفاقة للمغشي عليه والبعث للميت \r\n قوله تعالى وأنتم تنظرون فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه ينظر بعضكم الى بعض كيف يقع ميتا والثاني ينظر بعضكم الى إحياء بعض والثالث تنظرون العذاب كيف ينزل بكم وهو قول من قال نزلت نار فأحرقتهم \r\n قوله تعالى وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ","part":1,"page":83},{"id":83,"text":" الغمام السحاب سمي غماما لأنه يغم السماء أي يسترها وكل شئ غطيته فقد غممته وهذا كان في التيه وفي المن ثمانية أقوال أحدها أنه الذي يقع على الشجر فيأكله الناس قاله ابن عباس والشعبي والضحاك والثاني أنه الترنجبين روي عن ابن عباس أيضا وهو قول مقاتل والثالث أنه صمغه قاله مجاهد والرابع انه يشبه الرب الفليظ قاله عكرمة والخامس أنه شراب قاله أبو العالية والربيع بن أنس والسادس أنه خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي قاله وهب والسابع أنه عسل قاله ابن زيد والثامن أنه الزنجبيل قاله السدي \r\n وفي السلوى قولان أحدهما أنه طائر قال بعضهم يشبه السماني وقال بعضهم هو السماني والثاني أنه العسل ذكره ابن الانباري وانشد ... وقاسمها بالله جهدا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها ... \r\n قوله تعالى وما ظلمونا قال ابن عباس ما نقصونا وضرونا بل ضروا أنفسهم \r\n قوله تعالى واذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم وغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين \r\n في القائل لهم قولان أحدهما أنه موسى بعد مضى أربعين سنة والثاني أنه يوشع بن نون بعد موت موسى والقرية مأخوذة من الجمع ومنه قريت الماء في الحوض والمقراة الحوض يجمع فيه الماء وفي المراد ب هذه القرية قولان أحدهما أنها بيت المقدس قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي وروي عن ابن عباس أنها أريحا قال السدي واريحا هي أرض بين المقدس والثاني أنها قرية من أداني قرى الشام قاله وهب ","part":1,"page":84},{"id":84,"text":" قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا قال ابن عباس وهو أحد أبواب بيت المقدس وهو يدعى باب حطة وقوله سجدا أي ركعا قال وهب أمروا بالسجود شكرا لله تعالى إذ ردهم إليها \r\n قوله تعالى وقولوا حطة وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة حطة بالنصب \r\n وفي معنى حطة ثلاثة أقوال أحدها أن معناه استغفروا قاله ابن عباس ووهب قال ابن قتيبة وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار من حططت أي حط عنا ذنوبنا \r\n والثاني أن معناها قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم ذكره الضحاك عن ابن عباس والثالث أن معناهالا إله إلا الله قاله عكرمة قال ابن جرير الطبري فيكون المعنى قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم وهو قول لاإله إلا الله \r\n ولماذا أمروا بدخول القرية فيه قولان أحدهما أن ذلك لذنوب ركبوها فقيل ادخلوا القرية وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطايكم قاله وهب والثاني أنهم ملواالمن والسلوى فقيل اهبطوا مصرا فكان أول ما لقيهم أريحا فأمروا بدخولها \r\n قوله تعالى نغفر لكم خطاياكم \r\n قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي نغفر لكم بالنون مع كسر الفاء وقرأ نافع وأبان عن عاصم يغفر بياء مضمومة وفتح الفاء وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة مع فتح الفاء \r\n قوله تعالى فيدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون \r\n اعلم ان الله عز و جل أمرهم في دخولهم بفعل وقول فالفعل السجود والقول حطة فغير القوم الفعل والقول ","part":1,"page":85},{"id":85,"text":" فأما تغيير الفعل ففيه خمسة أقوال \r\n أحدها انهم دخلوا متزحفين على أوراكهم رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم والثاني أنهم دخلوا من قبل أستاههم قاله ابن عباس وعكرمة والثالث أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم قاله ابن مسعود والرابع أنهم دخلوا على حروف عيونهم قاله مجاهد والخامس انهم دخلوا مستلقين قاله مقاتل \r\n وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال \r\n أحدها انهم قالوا مكان حطة حبة في شعرة رواه أبوا هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني انهم قالوا حنطة قاله ابن عباس وعكرمة و مجاهد ووهب وابن زيد والثالث انهم قالوا حنطة حمراء فيها شعرة قاله ابن مسعود والرابع أنهم قالوا حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء قاله السدي عن أشياخه والخامس أنهم قالوا سنبلاثا قاله أبو صالح \r\n فاما الرجز فهو العذاب قاله الكسائي و ابو عبيدة و الزجاج وأنشدوا لرؤية ... حتى وقمنا كيدة بالرجز ... \r\n وفي ماهية هذا العذاب ثلاثة أقوال احدها أنه ظلمة وموت مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا وهلك سبعون ألفا عقوبة قاله ابن عباس والثاني أنه أصابهم الطاعون عذبوا به أربعين ليلة ثم ماتوا قاله وهب بن منية والثالث انه الثلج هلك به منهم سبعون ألفا قاله سعيد بن جبير ","part":1,"page":86},{"id":86,"text":" قوله تعالى وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعضاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشروا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين \r\n استسقى بمعنى استدعى ذلك كقولك استنصر \r\n وفي الحجر قولان \r\n احدهما انه حجر معروف عين لموسى قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة وعطية وابن زيد و مقاتل واختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال احدها أنه كان حجرا مربعا قاله ابن عباس والثاني كان مثل رأس الثور قاله عطية والثالث مثل راس الشاة قاله ابن زيد وقال سعيد بن جبير هو الذي ذهب بثياب موسى فجاءه جبريل فقال إن الله تعالى يقول لك ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة فكان اذا احتاج الى الماء ضربه \r\n والقول الثاني أنه أمر بضرب أي حجر كان والأول أثبت \r\n قوله تعالى فانفجرت منه \r\n تقدير معناه فضرب فانفجرت فلما عرف بقوله فانفجرت انه قد ضرب اكتفى بذلك عن ذكر الضرب ومثله أن اضرب بعصاك البحر فانفلق الشعراء 63 قاله الفراء ولما كان القوم اثني عشر سبطا أخرج الله لهم اثني عشرة عينا ولأنه كان فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه \r\n قوله تعالى ولا تعثوا \r\n العثو أشد الفساد يقال عثي وعثا وعاث قال ابن الرقاع ... لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم ","part":1,"page":87},{"id":87,"text":" قوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون \r\n هذا قولهم في التيه وعنوا بالطعام الواحد المن والسلوى قال محمد بن القاسم كان المن يؤكل بالسلوى والسلوى بالمن فلذلك كانا طعاما واحدا والبقل هاهنا اسم جنس وعنوا به البقول وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال تذهب العامة الى أن البقل ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لايحتاج في أكله الى طبخ وليس كذلك إنما البقل العشب وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم يقال بقلت الارض وأبقلت لغتان فصيحتان إذا أنبت البقل وابتقلت الإبل إذا رعت قال أبو النجم يصف الإبل ... تبقلت في أول التبقل ... وبين رماحي مالك ونهشل ... \r\n وفي القثاء لغتان كسر القاف وضمها والكسر أجود وبه قرأ الجمهور وقرأ ابن مسعود و أبو رجاء وقتادة وطلحة بن مصرف والأعمش بضم القاف قال الفراء الكسر لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم وبعض بني أسد \r\n وفي الفوم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الحنطة قاله ابن عباس والسدي عن أشياخه والحسن وأبو مالك قال الفراء هي لغة قديمة يقول أهلها فوموا لنا أي اختبزوا لنا ","part":1,"page":88},{"id":88,"text":" والثاني أنه الثوم وهو قرأءة عبد الله وابي وثومها واختاره الفراء وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله والفاء تبدل من الثاء كما تقول العرب الجدث والجدف للقبر والأثافي والاثاثي للحجارة التي توضع تحت القدر ومغافير والمغاثير لضرب من الصمغ وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس و مقاتل والكسائي والنضر بن شميل وابن قتيبة \r\n والثالث أنه الحبوب ذكره ابن قتيبة و الزجاج \r\n قوله تعالى أتستبدلون الذي هو أدنى أي أرادأ بالذي هو خير أي أعلى يريد أن المن والسلوى اعلى ما طلبتم \r\n قوله تعالى اهبطوا مصر فيه قولان أحدهما أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين قاله ابن مسعود و ابن عباس وقتادة وابن زيد وإنما أمروا بالمصر لأن الذي طلبوه في الأمصار والثاني أنه أراد البلد المسمى بمصر وفي قرأءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش مصر بغير تنوين قال أبو صاح عن ابن عباس أراد مصر فرعون وهذا قول أبوالعالية والضحاك واختاره الفراء واحتج بقرأءة عبد الله قال وسئل عنها الاعمش فقال هى مصر التي عليها صالح بن على وقال مفضل الضبي سميت مصرا لأنها أخر حدود المشرق وأول حدود المغرب فهى حد بينهما والمصر الحد وأهل هجر يكتبون في عهدهم اشترى فلان الدار بمصورها أي بحدودها وقال عدي ... وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا ","part":1,"page":89},{"id":89,"text":" وحكى ابن فارس ان قوما قالوا سميت بذلك لقصد الناس إياها كقولهم مصرت الشاة إذا حلبتها فالناس يقصدونها ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها \r\n قوله تعالى وضربت عليهم الذلة أي ألزموها قال الفراء الذلة والذل بمعنى واحد وقال الحسن هى الجزية وفي المسكنة قولان \r\n أحدهما انها الفقر والفاقة قاله أبوالعالية والسدي وابو عبيدة وروي عن السدي قال هي فقر النفس \r\n والثاني الخضوع قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وباؤوا أي رجعوا وقوله تعالى ذلك إشارة الى الغضب \r\n وقيل الى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرها \r\n قوله تعالى ويقتلون النبيين \r\n كان نافع يهمز النبيين والانبياء والنبوة وما جاء من ذلك إلا في موضعين في الاحزاب لاتدخوا بيوت النبي 53 إن وهبت نفسها للنبي 50 وإنما ترك الهمز في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد وباقي القرأء قولان أحدهما يهمزون جميع المواضع قال الزجاج الأجود ترك الهمز واشتقاق النبي من نبأ وأنبأ أي أخبر ويجوز ان يكون من نبا ينبو إذا ارتفع فيكون بغير همز فعيلا من الرفعة قال عبد الله بن مسعود كانت بنو اسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار \r\n قوله تعالى بغير الحق فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه بغير جرم قاله ابن الانباري والثاني أنه توكيد كقوله تعالى ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والثالث أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم فهو كقوله تعالى ","part":1,"page":90},{"id":90,"text":" رب احكم بالحق فوصف حكمه بالحق ولم يدل على انه يحكم بغير الحق \r\n قوله تعالى وكانوا يعتدون العدوان أشد الظلم وقال الزجاج الاعتداء مجاوزة القدر في كل شئ \r\n قوله تعالى ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى إن الذين آمنوا فيهم خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس والثاني أنهم الذين آمنوا بموسى وعملوا بشريعته الى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا بشريعته الى أن جاء محمد وهذا قول السدي عن أشياخه والثالث انهم المنافقون قاله سفيان الثوري والرابع أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام كقس بن ساعدة وبحيرا وورقة بن نوفل وسلمان والخامس أنهم المؤمنون من هذه الأمة \r\n قوله تعالى والذين هادوا قال الزجاج أصل هادوا في اللغة تابوا وروي عن ابن مسعود أن اليهود سموا بذلك لقول موسى هدنا إليك والنصارى لقول عيسى من أنصاري الى الله وقيل سموا النصارى لقرية نزلها المسيح اسمها ناصرة وقيل لتناصرهم \r\n فأما الصابئون فقرأ الجمهور بالهمز في جيمع القرآن وكان نافع لايهمز كل المواضع قال الزجاج معنى الصابئين الخارجون من دين الى دين يقال صبأ فلان إذا خرج من دينه وصبأت النجوم إذا طلعت وصبأ نابه إذا خرج \r\n وفي الصابئين سبعة أقوال ","part":1,"page":91},{"id":91,"text":" احدها أنه صنف من النصارى ألين قولا منهم وهم السائحون المحلقة اوساط رؤوسهم روي عن ابن عباس \r\n والثاني انهم قوم بين النصارى والمجوس ليس لهم دين قاله مجاهد \r\n والثالث أنهم قوم بين اليهود والنصارى قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع قوم كالمجوس قاله الحسن والحكم \r\n والخامس فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور قاله أبوالعالية \r\n والسادس قوم يصلون الى القبلة ويعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور قاله قتادة \r\n والسابع قوم يقولون لاإله إلا الله فقط وليس لهم عمل ولاكتاب ولانبي قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى من آمن في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال احدها أنه لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله من آمن إليهم والثاني أن المعنى من أقام على إيمانه والثالث أن الايمان الأول نطق المنافقين بالإسلام والثاني اعتقاد القلوب \r\n قوله تعالى وعمل صالحا \r\n قال ابن عباس أقام الفرائض \r\n فصل \r\n وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة فيه قولان \r\n احدهما أنها محكمة قاله مجاهد والضحاك في آخرين وقدروا فيها إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا والثاني أنها منسوخة بقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ذكره جماعة من المفسرين ","part":1,"page":92},{"id":92,"text":" قوله تعالى واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون \r\n الخطاب بهذه الآية لليهود والميثاق مفعال من التوثق ييمين او عهد او نحو ذلك من الأمور التي تؤكد القول \r\n وفي هذا الميثاق ثلاثة أقوال أحدها انه اخذ ميثاقهم ان يعملوا بما في التوراة فكرهوا الإقرأر بما فيها فرفع عليهم الجبل قاله مقاتل قال ابو سليمان الدمشقي اعطوا الله عهدا ليعملن بما في التوراة فلما جاء بها موسى قرأوا ما فيها من التثقيل امتنعوا من اخذها فرفع الطور عليهم والثاني انه ما اخذه الله تعالى على الرسل وتابعيهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم ذكره الزجاج والثالث ذكره الزجاج أيضا فقال يجوز ان يكون الميثاق يوم أخذ الذرية من ظهر آدم \r\n قوله تعالى ورفعنا فوقكم الطور قال ابو عبيدة الطور في كلام العرب الجبل وقال ابن قتيبة الطور الجبل بالسريانية وقال ابن عباس ما أنبت من الجبال فهو طور وما لم ينبت فليس بطور \r\n وأي الجبال هو فيه ثلاثة اقوال احدها جبل من جبال فلسطين قاله ابن عباس والثاني جبل نزلوا بأصله قاله قتادة والثالث الجبل الذي تجلى له ربه قاله مجاهد \r\n وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة وقال السدي لإبائهم خول الأرض المقدسة \r\n قوله تعالى خذوا ما آتيناكم بقوة \r\n وفي المراد بالقوة أربعة أقوال احدها الجد والاجتهاد قاله ابن عباس وقتادة والسدي والثاني الطاعة قاله أبوالعالية والثالث العمل بما فيه قاله مجاهد والرابع الصدق قاله ابن زيد ","part":1,"page":93},{"id":93,"text":" قوله تعالى واذكرا ما فيه فيه قولان أحدهما اذكروا ما تضمنه من الثواب والعقاب قاله ابن عباس والثاني معناه ادرسوا ما فيه قاله الزجاج \r\n قوله تعالى لعلكم تتقون قال ابن عباس تتقون العقوبة \r\n قوله تعالى ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين \r\n قوله تعالى ثم توليتم أي اعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء المواثيق لتأخذنه بجد فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين بالعقوبة \r\n قوله تعالى ولقد علمتم الذني اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين السبت اليوم المعروف قاله ابن الانباري ومعنى السبت في كلام العرب القطع يقال قد سبت رأسه إذا حلقه وقطع الشعر منه ويقال نعل سبتية اذا كانت مدبوغة بالقرظ محلوقة الشعر فسمي السبت سبتا لأن الله تعالى ابتدأ الخلق فيه وقطع فيه بعض خلق الارض او لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بقطع الأعمال وتركها قال وقال بعضهم سمي سبتا لأن الله تعالى أمرهم بالاستراحة فيه من الأعمال وهذا خطأ لأنه لايعرف في كلام العرب سبت بمعنى استراح \r\n وفي صفة اعتدائعهم في السبت قولان أحدهما أنهم أخذوا الحيتان يوم السبت قاله الحسن و مقاتل والثاني انهم حبسوها يوم السبت واخذوها يوم الأحد وذلك أن الرجل كان يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا الى البحر فاذا كان يوم السبت فتح النهر وقد حرم الله عليه العمل يوم السبت فيقبل الموج بالحيتان حتى يلقيها في الحفيرة فيريد الحوت الخروج فلا يطيق فيأخذها يوم الأحد قاله السدي ","part":1,"page":94},{"id":94,"text":" الإشارة الى قصة مسخهم \r\n روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال نودي الدين اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات نودوا با أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان فقال الله لهم كونوا قردة خاسئين فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون يا فلان ألم ننهكم فيقولون برؤوسهم بلى قال قتادة فصار القوم قردة تعاوي لها أذناب بعدما كانوا رجالا ونساء \r\n وفي رواية عن قتادة صار الشبان قردة والشيوخ خنازير وما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم وقال غيره كانوا نحوا من سبعين ألفا وعلى هذا القول العلماء غير مجاهد روي عن مجاهد أنه قال مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم وهو قول بعيد قال ابن عباس لم يحيوا على الارض إلا ثلاثة أيام ولم يحيا مسخ في الأرض فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة ايام وماتوا في اليوم الثامن وهذا كان في زمان داود عليه السلام \r\n قوله تعالى خاسئين الخاسئ في اللغة المبعد يقال للكلب اخسأ أي تباعد \r\n قوله تعالى فجعناها نكالا لم بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين \r\n في المكمنى عنها أربعة أقوال احدها انها الخطيئة رواه عطية عن ابن عباس والثاني العقوبة رواه الضحاك عن ابن عباس وقال الفراء الهاء كناية عن المسخة التي مسخوها والثالث انها القرية والمراد أهلها قاله قتادة وابن قتيبة والرابع أنها الأمة التي مسخت قاله الكسائي و الزجاج \r\n وفي النكال قولان أحدهما أنه العقوبة قاله مقاتل والثاني العبرة قاله ابن قتيبة و الزجاج \r\n قوله تعالى لما بين يديها وما خلفها فيه ثلاثة أقوال أحدها لما بين يديها ","part":1,"page":95},{"id":95,"text":" من القرى وما خلفها رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني لما بين يديها من الذنوب ووما خلفها ما عملوا بعدها رواه عطية من ابن عباس والثالث لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي وما خلفها ما كان بعدهم في بني اسرائيل لئلا يعملوا بمثل أعمالهم قاله عطية \r\n وفي المتقين قولان أحدهما انه عام في كل متق الى يوم القيامة قاله ابن عباس والثاني ان المراد بهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي عن أشياخه وذكره عطية وسفيان \r\n قوله تعالى وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك بين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لافارض ولابكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون \r\n ذكر السبب في أمرهم بذبح البقرة \r\n روى ابن سيرين عن عبيدة قال كان في بني اسرائيل رجل عقيم لايولد له وله مال كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله واحتمله ليلا فأتى به حيا آخر فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يديعه حتى تسلحوا وركب بعضهم الى بعض فأتوا موسى فذكروا له ذلك فأمرهم بذبح البقرة \r\n وروى السدي عن أشياخه أن رجلا من بني اسرائيل كانت له بنت وابن اخ فقير فخطب اليه ابنته فأبى فغضب وقال والله لآقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ذيته فأتاه فقال قد قدم تجار في بعض أسباط بني اسرائيل فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي اصيب فيها ربحا فخرج معه فلما بلغا ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه لا يدري أين هو فاذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه فأمسكهم وقال قتلتم عمي وجعل يبكي ","part":1,"page":96},{"id":96,"text":" وينادي واعماه قال أبوالعالية والذي سأل موسى أن يسأل الله البيان القاتل وقال غيره بل القوم اجتمعوا فسألوا موسى فلما أمرهم بذبح بقرة قالوا اتتخذنا هزوا وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر والكسائي هزؤا بضم الهاء والزاي والهمزة وقرأ حمزة و إسماعيل وخلف في اختياره والفراء عن عبد الوارث والمفضل هزءا باسكان الزاي ورواه حفص بالضم من غير همز وحكى ابو علي الفارسي ان كل اسم على ثلاثة أحرف اوله مضموم فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه نحو العسر واليسر \r\n قوله تعالى قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين \r\n وانما انتفى من الهزء لأن الهازئ جاهل لاعب فلما تبين لهم أن الأمر من عند الله قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال الزجاج وانما سألوا ما هي لأنهم لايعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت \r\n فأما الفارض فهي المسنة يقال فرضت البقرة فهي فارض إذا أسنت والبكر الصغيرة التي لم تلد والعوان دون المسنة وفوق الصغير يقال حرب عوان إذا لم تكن اول حرب وكانت ثانية \r\n قوله تعالى قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون \r\n في الصفراء قولان أحدهما أنه من الصفرة وهو اللون المعروف قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن قتيبة و الزجاج والثاني أنها السوداء قال الحسن البصري ورده جماعة فقال ابن قتيبة هذا غلط في نعوت البقر وإنما يكون ذلك في نعوت الإبل يقال بعير أصفر أي أسود لآن السوداء من الإبل يشوب سوادها صفرة ","part":1,"page":97},{"id":97,"text":" ويدل على ذلك قوله تعالى فاقع لونها والعرب لاتقول أسود فاقع وإنما تقول أسود حالك وأصفر فاقع \r\n قال الزجاج وفاقع نعت للأصفر الشديد الصفرة يقال أصفر فاقع وأحمر قانئ وأخضر ناضر وأبيض يقق وأسود حالك وحلكوك ودجوجي فهذه صفات المبالغة في الألوان \r\n ومعنى تسر الناظرين تعجبهم قال ابن عباس شدد القوم فشدد الله عليهم وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لولا أن بني اسرائيل استثنوا لم يعطوا الذي أعطوا يعني بذلك قولهم \r\n وإنا إن شاء الله لمهتدون \r\n وفي المراد باهتدائهم قولان احدهما أنهم أرادوا المهتدون الى البقرة وهو قول الأكثرين والثاني الى القاتل ذكره ابو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة لاذلول تثير الأرض ولاتسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون \r\n قوله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة لاذلول قال قتادة لم يذلها العمل فتثير الأرض قال ابن قتيبة يقال في الدواب دابة ذلول بينة الذل بكسر الذال وفي الناس رجل ذليل بين الذل بضم الذال \r\n تثير الأرض تقلبها للزراعة ويقال للبقرة المثيرة قال الفراء لاتقفن على ذلول لأن المعنى ليست بذلول فتثير الأرض وحكى ابن القاسم أن أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول ثم أنكره عليه جدا وعلل بأن التي تثير الأرض لايعدم منها سقي الحرث ومتى أثارت الأرض كانت ذلوللا ومعنى ولا تسقي الحرث لايستقي عليها الماء لسقي الزرع ","part":1,"page":98},{"id":98,"text":" قوله تعالى مسلمة فيه أربعة أقوال \r\n احدها مسلمة من العيوب قاله ابن عباس و أبوالعالية وقتادة و مقاتل والثاني مسلمة من العل قاله الحسن وابن قتيبة والثالث مسلمة من الشية قاله مجاهد وابن زيد والرابع مسلمة القوائم والخلق قاله عطاء الخراساني \r\n فأما الشية فقال الزجاج الوشي في اللغة خلط لون بلون ويقال وشيت الثوب أشيه شية ووشيا كقولك وديت فلانا ادية دية ونصب لاشية فيها على النفي ومعنى الكلام ليس فيها لون يفارق سائر لونها وقال عطاء الخراساسني لونها لون واحد \r\n قوله تعالى الآن جئت بالحق قال ابن قتيبة الآن هو الوقت الذي أنت فيه وهو حد الزمانين حد الماضي من آخره وحد المستقبل من أوله ومعنى جئت بالحق بنيت لنا \r\n قوله تعالى وماكادوا يفعلون فيه قولان أحدهما لغلاء ثمنها قاله ابن كعب القرظي والثاني لخوف الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم قاله وهب قال ابن عباس مكثوا يطلبون البقرة أربعن سنة حتى وجدوها عند رجل فأبى ان يبيعها الا بملء مسكها ذهبا وهذا قول مجاهد وعكرمة وعبيدة ووهب وابن زيد والكلبي و مقاتل في مقدار الثمن فأما السبب الذي لأجله غلا ثمنها فيحتمل وجهين أحدهما انهم شددوا فشدد الله عليهم والثاني لإكرام الله عز و جل صاحبها فإن كان برا بوالديه فذكر بعض المفسرين أنه كان شاب من بني اسرائيل برا بأبيه فجاء رجل يطلب سلعة هي عنده فانطلق ليبيعه إياها فاذا مفاتيح حانوته مع أبيه وأبوه نائم فلم يوقظه ورد المشتري فأضعف له المشتري الثمن فرجع الى أبيه فوجده نائما فعاد الى المشتري فرده فأضعف له الثمن فلم يزل ذلك دابها حتى ذهب المشتري فأثابه الله على بره بأبيه أن نتجت له بقرة من بقرة تلك البقرة ","part":1,"page":99},{"id":99,"text":" وروي عن وهب بن منبه في حديث طويل أن فتى كان برا بوالديه وكان يحتطب على ظهره فاذا باعه تصدق بثلثه واعطى أمه ثلثه وأبقى لنفسه ثلثه فقالت له يوما إني ورثت من أبيك بقرة فتركتها في البقر على اسم الله فاذا أتيت البقر فادعها باسم إله ابراهيم فذهب فصاح بها فأقبلت فأنطقها الله فقالت اركبني يا فتى فقال الفتى إن أمي لم تأمرني بهذا فقالت أيها البر بأمه لو ركبتني لم تقدر على فانطلق فلوا أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لانقلع لبرك بأمك فلما جاء بهاا قالت أم بعها بثلاثة دنانير على رضى مني فبعث الله ملكا فقال بكم هذه قال بثلاثة دنانير على رضى من أمي قال لك ستة ولا تستأمرها فأبى وعاد الى أمه فأخربها فقالت بعها بستة على رضى مني فجاء الملك فقال خذ اثني عشر ولاتستأمرها فأبى وعاد الى أمه فأخرها فقالت يا بني ذاك ملك فقل له بكم تأمرني أن أبيعها فجاء اليه فقال له ذلك فقال يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل في بني اسرائيل \r\n وذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون \r\n قوله تعالى وإذ قتلتم نفسا هذه الآية مؤخرة في التلاوة مقدمة في المعنى لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس فتقدير الكلام وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فسألتم موسى فقال إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ونظيرها قوله تعالى ولم يجعل له عوجا قيما الكهف 1 أراد أنزل الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا فأخر المقدم وقدم المؤخر لأنه من عادة العرب قال الفرزدق ... إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا ... \r\n أراد طالت الأوعال وقال جرير ... طاف الخيال وأين منك لماما ... فارجع لزورك بالسلام سلاما ","part":1,"page":100},{"id":100,"text":" أراد طاف الخيال لماما وأين هو منك وقال الآخر ... خير من القوم العصاة أميرهم ... يا قوم فاسحيوا النساء الجلس ... \r\n أراد خير من القوم العصاة النساء فاستحيوا من هذا \r\n ومعنى قوله فادارأتم اختلفتم قاله ابن عباس و مجاهد وقال الزجاج ادارأتم بمعنى تدارأتم أي تدافعتم وألقى بعضكم على بعض تقول درأت فلانا إذا دفعته وداريته إذا لاينته ودريته إذا ختلته فأدغمت التاء في الدال لأنهما من مخرج واحد فأما الذي كتموه فهو أمر القتيل \r\n قوله تعالى فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون \r\n من قال أقاموا في طلبها أربعين سنة قال ضربوا قبره ومن لم يقل ذلك قال ضربوا جسمه قبل دفنه وفي الذي ضرب به ستة أقوال \r\n أحدها أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف رواه عكرمة عن ابن عباس قال ابو سليمان الدمشقي وذلك العظم هو أصل الأذن وزعم قوم أنه لايكسر ذلك العظم من احد فيعيش قال الزجاج الغضروف في الأذن وهو ما أشبه العظم الرقيق من فوق الشحمة وجميع أعلى صدفة الأذن وهو معلق الشنوف فأما العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن فيقال لهما الخشاوان والخششاوان واحدهما خشاء وخششاء \r\n والثاني انه ضرب بالفخذ روي عن ابن عباس أيضا وعكرمة و مجاهد وقتادة وذكر عكرمة و مجاهد انه الفخذ الأيمن \r\n والثالث أنه البضعة التي بين الكتفين رواه السدي عن أشياخه \r\n والرابع أنه الذنب رواه ليث عن مجاهد ","part":1,"page":101},{"id":101,"text":" والخامس أنه عجب الذنب وهو عظم بني عليه البدن روي عن سعيد بن جبير \r\n والسادس أنه اللسان قاله الضحاك \r\n وفي الكلام اختصار تقديره فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا فضربوه فيحي فقام فأخبر بقاتله \r\n وفي قاتله أربعة أقوال أحدها بنو أخيه رواه عطية عن ابن عباس والثاني ابنا عمه رواه أبو صالح عن ابن عباس وهذان القولان يدلان على أن قاتله أكثر من واحد والثالث ابن أخيه قال السدي عن أشياخه وعبيدة والرابع أخوه قاله عبد الرحمن بن زيد \r\n قوله تعالى كذلك يحيي الله الموتى فيه قولان \r\n احدهما انه خطاب لقوم موسى والثاني لمشركي قريش احتج عليهم إذ جحدوا البعث بما يوافق عليه أهل الكتاب قال ابو عبيدة وآياته عجائبه ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون \r\n قوله تعالى ثم قست قولبكم قال ابراهيم بن السري قست في اللغة غلظت ويبست وعست فقسوة القلب ذهاب اللين والرحمة والحشوع منه والقاسي والعاسي الشديد الصلابة وقال ابن قتيبة قست وعست وعتت واحد أي يبست \r\n وفي المشار إليهم بها قولان احدهما جميع بني اسرائيل والثاني القاتل قال ابن عباس قال الذين قتلوه بعد أن سمى قاتله والله ما قتلناه وفي كاف ذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه إشارة الى إحياء الموتى فيكون الخطاب لجميع بني اسرائيل والثاني ","part":1,"page":102},{"id":102,"text":" الى كلام القتيل فيكون الخطاب للقاتل ذكرهما المفسرون والثالث الى ما شرح من الآيات من مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وانبجاس الماء وإحياء القتيل ذكره الزجاج \r\n وفي أو أقوال هي بعينها مذكروة في قوله تعالى أو كصيب وقد تقدمت \r\n قوله تعالى وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار قال مجاهد كل حجر ينفجر منه الماء وينشق عن ماء او يتردى من رأس جبل فمن خشية الله \r\n قوله تعالى أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون \r\n في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال احدها انه النبي صلى الله عليه و سلم خاصة قاله ابن عباس و مقاتل والثاني انه المؤمنون تقديره أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم قاله أبوالعالية وقتادة والثالث أنهم الأنصار فانهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم ذكره النقاش قال الزجاج وألف أفتطمعون ألف استخبار كأنه آيسهم من الطمع في إيمانهم \r\n وفي سماعهم لكلام الله قولان احدهما أنهم قرؤوا التوراة فحرفوها هذا قول مجاهد والسدي في آخرين فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم وتحريفهم تغيير ما فيها والثاني أنهم السبعون الذين اختارهم موسى فسمعوا كلام الله كفاحا عند الجبل فلما جاؤوا الى قومهم قالوا قال لنا كذا وكذا وقال في آخر قوله إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه فافعلوا ما تستطيعون هذا قول مقاتل والأول أصح وقد أنكر بعض أهل العلم منهم الترمذي صاحب النوادر هذا القول إنكار شديد وقال إنما خص ","part":1,"page":103},{"id":103,"text":" بالكلام موسى وحده وإلا فأي ميزة وجعل هذا من الأحاديث لتي رواها الكلبي وكان كذابا \r\n ومعنى عقلوه سمعوه ووعوه \r\n وفي قوله تعالى وهم يعلمون قولان أحدهما وهم يعلمون أنهم حرفوه والثاني وهم يعلمون عقاب تحريفه \r\n قوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالواآمنا وإذا خلا بعضهم الى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ومت يعلنون \r\n هذه الآية نزلت في نفر من اليهود كنوا إذا لقوا النبي والمؤمنين قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم الى بعض قالوا اتحدثونهم بما فتح الله عليكم هذا قول ابن عباس وأبي العالية و مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد و مقاتل \r\n وفي معنى بما فتح الله عليكم قولان أحدهما بما قضى الله عليكم والفتح القضاء ومنه قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق الاعراف 89 قال السدي عن أشياخه كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن احب الى الله منكم واكرم على الله منكم والثاني أن معناه بما علمكم الله قال ابن عباس و أبوالعالية وقتادة الذي فتحه عليهم ما أنزله من التوراة في صفة محمد صلى الله عليه و سلم وقال مقاتل كان المسلم يلقى حليفه أو أخاه من الرضاعة من اليهود فيسأله اتجدون محمدا في كتابكم فيقولون نعم إنه لحق فسمع كعب بن الأشرف وغيره فقال لليهود في السر اتحدثون أصحاب محمد بما فتح الله عليكم أي بما بين لكم في التوراة من أمر ممد ليخاصموكم به عند ربكم باعترافكم أنه نبي أفلا تعقلون أن هذا حجة عليكم ","part":1,"page":104},{"id":104,"text":" قوله تعالى عند ربكم فيه قولان احدهما انه بمعنى في حكم ربكم كقوله تعالى فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13 والثاني انه أراد يوم القيامة \r\n ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني وإن هم إلا يظنون \r\n قوله تعالى ومنهم أميون يعنى اليهود والأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ قاله مجاهد وفي تسميته بالأمي قولان أحدهما لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب فهو على جبلته قاله الزجاج والثاني انه ينسب الى أمه لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء وقيل لأنه على ما ولدته أمه \r\n قوله تعالى لايعلمون الكتاب قال قتادة لايدرون ما فيه \r\n قوله تعالى إلا أماني جمهور القرأء على تشديد الياء وقرأ الحسن وأبو جعفر بتخفيف الياء وكذلك تلك أمانيهم البقرة 111 و ليس بأمانيكم ولاأماني أهل الكتاب النساء 123 في أمنيته الحج 52 غرتكم الأماني الحديد 14 كله بتخفيف الياء وكسر الهاء من أمانيهم ولا بخلاف في فتح ياء الأماني \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الأكاذيب قال ابن عباس إلا أماني يريد إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا وهذا قول مجاهد واختيار الفراء وذكر الفراء أن بعض العرب قال لابن دأب وهو يحدث اهذا شئ رويته أم شئ تمنيته يريد افتلعته \r\n والثاني أن الأماني التلاوة فمعناه لايعلمون فقه الكتاب إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم قال الشاعر ... تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمني داود الزبور على رسل ... \r\n وهذا قول الكسائي و الزجاج ","part":1,"page":105},{"id":105,"text":" والثالث أنها أمانيهم على الله قاله قتادة \r\n قوله تعالى وإن هم إلا يظنون قال مقاتل ليسوا على يقين فان كذب الرؤساء أو صدقوا تابعوهم \r\n قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيدهم وويل لهم مما يكسبون \r\n هذا الآية نزلت في أهل الكتاب الذين بدلوا التوراة وغيروا صفة النبي صلى الله عليه و سلم فيها وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسفيان فأما الويل فروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ويل واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره وقال الزجاج الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة ويستعملها هو أيضا وأصلها في اللفة العذاب والهلاك قال ابن الانباري ويقال معنى الويل المشقة من العذاب ويقال أصله وي لفلان أي حزن لفلان فكثر الاستعمال للحرفين فوصلت اللام ب وي وجعلت حرفا واحدا ثم خبر عن ويل بلام أخرى وهذا اختاير الفراء والكتاب هاهنا التوراة وذكر الأيدي توكيد والثمن القليل ما يفنى من الدنيا \r\n وفيما يكسبون قولان أحدهما أنه عوض ما كتبوا والثاني إثم ما فعلوا \r\n وقالوا لن تسمنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون \r\n قوله تعالى وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وهم اليهود وفيما عنوا بهذه الأيام قولان ","part":1,"page":106},{"id":106,"text":" احدهما انهم أرادوا أربعن يوما قاله ابن عباس وعكرمة و أبوالعالية وقتادة والسدي \r\n ولماذا قدروها بأربعين فيه ثلاثة أقوال \r\n احدها أنهم قالوا بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم ثم ينقضي العذاب وتهلك النار قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم قالوا عتب علينا ربنا في أمر فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة ثم يدخلنا الجنة فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم وهذا قول الحسن و أبي العالية \r\n والثالث أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل قاله مقاتل \r\n والقول الثاني أن الأيام المعدودة سبعة أيام وذلك لآن عندهم أن الدنيا سبة ألاف سنة والناس يعذبون لكل ألف سنة يوما من أيام الدنيا ثم ينقطع العذاب قاله ابن عباس \r\n قل أتخذتم عند الله عهدا أي عهد إليكم أنه لايعذبكم إلا هذا المقدار \r\n يلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب انار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى بلى من كسب سيئة بلى بمنزلة نعم إلا أن بلى جواب النفي ونعم جواب الإيجاب قال الفراء إذا قال الرجل لصاحبه مالك علي شئ فقال الآخر نعم كان تصديقا أن لاشئ له عليه ولو قال بلى كان ردا لقوله قال ابن الانباري وإنما صارت بلى تتصل بالجحد لأنها رجوع عن الجحد الى التحقيق فهي بمنزلة بل وبل سبيلها أن تأتي بعد الجحد كقولهم ما قام أخوك بل أبوك وإذا قال الرجل للرجل ألا تقوم فقال له بلى أراد بل أقوم فزاد الألف على بل ليحسن السكوت عليها لأنه لو قال بل كان يتوقع كلاما بعد بل فزاد الألف ليزول هذا التوهم عن المخاطب ","part":1,"page":107},{"id":107,"text":" ومعنى بلي من كسب سيئة بل من كسب قال الزجاج بلى رد لقولهم لن تمسنا النار إلا أيما معدودة والسيئة هاهنا الشرك في قول ابن عباس وعكرمة وابي وائل و أبي العالية و مجاهد وقتادة و مقاتل \r\n وأحاطت به أي أحدقت به خطيئته وقرأ نافع خطيئاته بالجمع قال عكرمة مات ولم يتب منها وقال ابو وائل الخطيئة صفة للشرك قال أبو علي إما أن يكون المعنى أحاطت بحسنته خطيئته أي أحبطتها من حيث أن المحيط أكثر من الماط به فيكون كقوله وإن جهنم لمحيطة بالكافرين التوبة 49 وقوله احاط بهم سرادقها الكهف 29 اويكون معنى أحاطت به أهلكته كقوله إلا أن يحاط بكم يوسف 66 \r\n وإذا أخذنا ميثاق بني اسرائيل لاتعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون \r\n قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل هذا الميثاق مأخوذ علهم في التوراة \r\n قوله تعالى لاتعبدون وقرأ عاصم ونافع وابو عمرو وابن عامر بالتاء على الخطاب لهم وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الإخبار عنهم \r\n قوله تعالى وبالوالدين احسانا أي ووصيناهم بآبائهم وأمهاتهم خيرا قال الفراء والعرب تقول أوصيك به خيرا وآمرك به خيرا والمعنى آمرك أن تفعل به ثم تحذف أن فيوصل الخير بالوصية والأمر قال الشاعر ... عجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا ... خيرا بها كأننا جافونا ... \r\n وأما الإحسان الى الوالدين فهو برهما قال ابن عباس لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار وقالت عائشة ما بر والده من شد النظر اليه وقال عروة لا تمتنع عن شئ أحباه ","part":1,"page":108},{"id":108,"text":" قوله تعالى وذي القربى أي ووصييناهم بذي القربى أن يصلوا أرحامهم واما اليتامى فجمع يتيم قال الاصمعي اليتم في الناس من قبل الأب وفي غير الناس من قبل الأم قال ابن الانباري قال ثعلب اليتم معناه في كلام العرب الانفراد فمعنا صبي يتيم منفرد عن أبيه وأنشدنا ... أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء يتيم ... \r\n قال يروى يتيم ويئيم فمن روى يتيم بالتاء أراد كل النساء ضعيف منفرد ومن روى بالياء أراد كل النساء يموت عنهن اوزاجهن وقال انشدنا ابن الاعرابي ... ثلاثة احباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل ... \r\n قال فقلنا له زدنا فقال البيت يتيم أي منفرد وقرأت على شيخنا ابي منصور اللغوي قال إذا بلغ الصبي زال عنه اسمه اليتم يقال منه يتم ييتم يتما ويتما وجمع اليتيم يتامى وأيتام وكل منفرد عند العرب يتيم ويتيمة قال وقيل أصل اليتم الغفلة وبه سمي اليتيم لأنه يتغافل عن بره والمرأة تدعى يتيمة مالم تزوج فاذا تزوجت زال عنها اسم اليتم وقيل لا يزول عنها اسم اليتم أبدا وقال ابو عمرو اليتم الإبطاء ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطئ عنه والمساكين جمع مسكين وهو اسم مأخوذ من السكون كأن المسكين قد اسكنه الفقر \r\n قوله تعالى وقولوا للناس حسنا قرأ ابن كثير وابو عمر ونافع وعاصم وابن عامر حسنا بضم الحاء والتخفيف وقرأ حمزة والكسائي حسنا بفتح الحاء والتثقيل قال ابو علي من قرأ حسنا فجائز ان يكون الحسن لغة في الحسن كالبخل والبخل والرشد والرشد وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم ألا تراهم قالوا العرب والعرب ويجوز ان يكون الحسن مصدرا كالكفر والشكر والشغل وحذف المضاف معه كأنه ","part":1,"page":109},{"id":109,"text":" قال قولوا قولا ذا حسن ومن قرأ حسنا جعله صفة والتقدير عنده قولوا للناس قولا حسنا فحذف الموصوف \r\n واختلفوا في المخاطب بهذا على قولين \r\n احدهما انهم اليهود قاله ابن عباس وابن جبير وابن جريج ومعناه اصدقوا وبينوا صفة النبي \r\n والثاني انهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم قال أبوالعالية قولوا للناس معروفا وقال محمد ابن علي بن الحسين كلموهم بما تحبون أن يقولوا لكم و زعم قوم ان المراد بذلك مساهلة الكفار في دعائهم الى الإسلام فعلى هذا تكون منسوخة بآية السيف \r\n قوله تعالى ثم توليتم أي اعرضتم الا قليلا منكم وفيهم قولان احدهما انهم اولهم الذين لم يبدلوا والثاني انهم الذين آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم في زمانه وإذأخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وأن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون بعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون \r\n قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم أي لا يسفك بعضكم دم بعض ولا يخرج بعضكم بعضا من داره قال ابن عباس ثم أقررتم يومئذ بالعهد وأنتم اليوم تشهدون على ذلك فالإقرأر على هذا متوجه الى سلفهم والشاهدة متوجهة الى خلفهم ثم أنتم هؤلاء تقتلون انفسكم أي يقتل بعضكم بعضا روى السدي عن أشياخه قال كانت قريظة خلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج فكانوا يقاتلون في حرب سمير فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءها وكانت ","part":1,"page":110},{"id":110,"text":" النضير تقاتل قريظة وحلفاءها فيغلبونهم ويخربون الديار ويخرجون منها فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه فتعيرهم العرب بذلك فتقول كيف تقاتلونهم وتفدونهم فيقولون أمرنا أن نفديهم حرم علينا قتلهم فتقول العرب فلم تقاتلونهم فيقولون نستحيي أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله عز و جل فقال \r\n ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم الى قوله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فكان إيمانهم ببعضه فداءهم الأسارى وكفرهم قتل بعضهم بعضا \r\n قوله تعالى تظاهرون قرأ عاصم وحمزة والكسائي تظاهرون وفي التحريم تظاهرا بتخفيف الظاء وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر بتشديد الظاء مع إثبات الألف قال أبو علي من قرأ تظاهرون بتشديد الظاء أدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها فخفف بالإدغام ومن قرأ تظاهرون خفيفة حذف التاء التي أدغمها أولئك من اللفظ فخفف بالحذف والتاء التي أدغمها ابن كثير هي التي حذفها عاصم وروي عن الحسن وابي جعفر تظهرون بتشديد الظاء من غير ألف فالتظاهر التعاون قال ابن قتيبة وأصله من الظهر فكأن التظاهر أن يجعل كل واحد من الرجلين أو من القوم الآخر ظهرا له يتقوى به ويستند اليه قال مقاتل والإثم المعصية والعدوان الظلم \r\n قوله تعالى وأن يأتوكم أسارى تفادهم أصل الأسر الشد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أسارى وقرأ الاعمش وحمزة أسرى قال الفراء أهل الحجاز يجمعون الأسير أسارى وأهل نجد اكثر كلامهم أسرى وهو أجود الوجهين في العربية لأنه بمنزلة قولهم جريح وجرحى وصريع وصرعى وروى الأصمعي عن أبي عمرو قال الاسارى ما شدوا والاسرى في ايديهم إلا انهم لم يشدوا وقال الزجاج فعلى جمع لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم وعقولهم يقال هالك وهلكى ومريض مرضى وأحمق ","part":1,"page":111},{"id":111,"text":" وحمقى وسكران وسكرى فمن قرأ أسارى فهى جمع الجمع تقول اسير واسرى واسارى جمع اسرى \r\n قوله تعالى تفادهم قرأ ابن كثير وابو عمر وابن عامر تفدوهم وقرأ نافع وعاصم والكسائي تفادوهم بألف والمفاداة إعطاء شئ وأخذ شئ مكانه أفتؤمنون ببعض الكتاب وهو فكاك الأسرى وتكفرون ببعض وهو الإخراج والقتل وقال مجاهد تفديه في يد غيرك وتقتله أنت بيدك \r\n وفي المراد بالخزي قولان احدهما انه الجزية قاله ابن عباس والثاني قتل قريظة ونفي النضير قاله مقاتل قوله تعالى اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة قال ابن عباس هم اليهود وقال مقاتل باعوا الآخرة بما يصيبونه من الدنيا \r\n ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يريد التوراة وقفينا أتبعنا قال ابن قتيبة وهو مأخوذ من القفا يقال قفوت الرجل إذا سرت في أثره والبينات الآيات والواضحات كابراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وأيدناه قويناه والأيد القوة \r\n وفي روح القدس ثلاثة أقوال \r\n احدها أنه جبريل والقدس الطهارة وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي في آخرين وكان ابن كثير يقرأ بروح القدس ساكنة الدال قال ابو علي التخفيف والتثقيل فيه حسنان نحو العنق والعنق والطنب والطنب \r\n وفي تأييده به ثلاثة أقوال ذكرها الزجاج احدها أنه أيد به لاظهار حجته وأمر دينه ","part":1,"page":112},{"id":112,"text":" والثاني لدفع بني اسرائيل عنه إذ أرادوا قتله والثالث انه أيد به في جميع أحواله \r\n والقول الثاني انه الاسم الذي كان يحيي به الموتى رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث انه الإنجيل قاله ابن زيد \r\n وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون \r\n قوله تعالى وقالوا قلوبنا غلف قرأ الجمهور باسكان اللام وقرأ قوم منهم الحسن وابن محيصن بضمها قال الزجاج قرأ غلف بتسكين اللام فمعناه ذوات غلف فكأنهم قالوا قلوبنا في أوعية ومن قرأ غلف بضم اللام فهو جمع غلاف فكأنهم قالوا قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم وهي اوعية للعلم فعلى الأول يقصدون إعراضه عنهم كأنهم يقولون مانفهم شيئا وعلى الثاني يقولون لو كان قولك حقا لقبلته قلوبنا \r\n قوله تعالى فقليلا ما يؤمنون فيه خمسة أقوال \r\n أحدها فقليل من يؤمن منهم قاله ابن عباس وقتادة والثاني ان المعنى قليل ما يؤمنون به قال معمر يؤمنون بقيل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره والثالث أن المعنى فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ذكره ابن الانباري وقال هذا على لغة قوم من العرب يقولون قلما رأيت مثل هذا الرجل وهم يريدون ما رأيت مثله والرابع فيؤمنون قليلا من الزمان كقوله تعالى آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ذكره ابن الانباري ايضا والخامس أن المعنى فايمانهم قليل ذكره ابن جرير الطبري وحكى في ما قولين أحدهما انها زائدة والثاني ان ما تجمع جميع الأشياء ثم تخص بعض ما عمته بما يذكر بعدها \r\n ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ","part":1,"page":113},{"id":113,"text":" قوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله يعني القرأن ويستفتحون يستنصرون وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبي الله محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى بئس ما اشتروا به أنفسهم بئس كلمة مستوفية لجميع الذم ونقيضها نعم واشتروا بمعنى باعوا والذي باعوها به قليل من الدنيا \r\n قوله تعالى بغيا قال قتادة حسدا ومعنى الكلام كفروا بغيا لأن نزل الله الفضل على النبي صلى الله عليه و سلم \r\n وفي قوله تعالى بغضب على غضب خمسة أقوال احدها ان الغضب الاول لاتخاذهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد حكاه السدي عن ابن مسعود و ابن عباس والثاني ان الاول لتكذيبهم رسول الله والثاني لعداوتهم لجبريل رواه شهر عن ابن عباس والثالث أن الاول حين قالوا يد الله مغلولة المائدة 64 والثاني حني كذبوا نبي الله رواه ابو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء والرابع ان الاول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل والثاني لتكذيبهم بمحمد والقرأن قاله الحسن والشعبي وعكرمة و أبوالعالية وقتادة و مقاتل والخامس ان الأول لتبديلهم التوراة والثاني لتكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد والمهين المذل \r\n وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا بما أزل الله يعني القرأن قالوا نؤمن بما أنزل علينا يعنون التوراة \r\n وفي قوله ويكفرون بما وراءه قولاان أحدهما أنه اراد بما سواه ومثله وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 قاله الفراء و مقاتل والثاني بما بعد الذي أنزل عليهم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وهو الحق يعود على ما وراءه \r\n فلم تقتلون أنبياء الله هذا جواب قولهم نؤمن بما انزل علينا فان الأنبياء ","part":1,"page":114},{"id":114,"text":" وتقتلون بمعنى قتلتم فوضع المستقبل في موضع الماضي لأت الوهم لا يذهب الى غيره وانشدوا في ذلك ... شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر ... \r\n اراد يشهد \r\n ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى ولد جاءكم موسى بالبينات فيها قولان احدهما ما في الألواح من الحلال والحرام قاله ابن عباس والثاني الآيات التسع قاله مقاتل \r\n وفي هاء بعده قولان أحدهما انها تعود الى موسى فمعناه من بعد انطلاقه الى الجبل قاله ابن عباس و مقاتل والثاني أنها تعود الى المجيء لأن جاءكم يدل على المجيء وفي ذكر عبادتهم العجل تكذيب لقولهم نؤمن بما انزل علينا \r\n قوله تعالى قالوا سمعنا وعصينا قال ابن عباس كانوا إذا نظروا الى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا وإذا نظروا الى الكتاب قالوا سمعنا وعصينا \r\n قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل أي سقوا حب العجل فحذف المضاف وهو الحب وأقام المضاف اليه مقامه ومثله قوله الحج اشهر معلومات البقرة 197 أي وقت الحج وقوله أجعلتم سقاية الحاج التوبة 19 أي اجعلتم صاحب سقاية الحاج وقوله واسئلوا القرية يوسف 82 أي أهلها وقوله إذا لأذقناك ضعف الحياة الاسراء 75 أي ضعف عذاب الحياة وقوله لهدمت صوامع وبيع وصلوات الحج 40 أي بيوت صلوات وقوله بل مكر الليل والنهار سبأ 30 أي مكركم فيهما وقوله فليدع نادية العلق 17 أي أهله ","part":1,"page":115},{"id":115,"text":" ومن هذا قول الشاعر ... أنبئت أن النار بعدك اوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس ... \r\n أي أهل المجلس وقال الآخر ... وشر المنايا ميت بين أهله ... \r\n أي وشر المنايا منية ميت بين اهله \r\n قوله تعالى قل بئسما يامركم به إيمانكم أي أن تكذبوا المرسلين وتقتلوا النبيين بغير حق وتكتموا الهدى \r\n قوله تعالى إن كنتم مؤمنين في إن قولان أحدهما انها بمعنى الجحد فالمعنى ما كنتم مؤمنين إذ عصيتم الله وعبدتم العجل والثاني أن تكون إن شرطا معلقا بما قبله فالمعنى إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمان يأمركم بعبادة العجل وقتل الانبياء ذكرهما ابن الأنباري \r\n قل ان كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم احرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يودأحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون \r\n قوله تعالى قل إن كانت لكم الدار الآخرة كانت اليهود تزعم ان الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده فنزلت هذه الآية ومن الدليل على علمهم بان النبي صلى الله عليه و سلم صادق انهم ما تمنوا الموت واكبر دليل على صدقه أنه أخير أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى ولن يتمنوه فما تمناه أحد منهم والذي قدمته أيديهم قبل الأنبياء وتكذيبهم وتبديل التوراة \r\n قوله تعالى ولتجدنهم اللام لام القسم والنون توكيد له والمعنى ولتجدن اليهود في حال دعائهم الى تمني الموت أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا وفي الذين أشركوا قولان أحدهما أنهم المجوس قاله ابن عباس وابن قتيبة ","part":1,"page":116},{"id":116,"text":" و الزجاج والثاني مشركو العرب قاله مقاتل \r\n قوله تعالى يود أحدهم في الهاء والميم من احدهم قولان أحدهما انها تعود على الذين أشركوا قاله الفراء والثاني ترجع الى اليهود قال مقاتل قال الزجاج وإنما ذكر ألف سنة لأنها نهاية ما كانت المجوس تدعوبها لملوكها كان الملك يحيا بأن يقال له عش ألف نيروز وألف مهرجان \r\n قوله تعالى وما هو فيه قولان ذكرهما الزجاج احدهما انه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره تقديره وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره والثني ان يكون هو كناية عما جرى من التعمير فيكون المعنى وما تعميره بمزحزخه من العذاب ثم جعل ان يعمر مبينا عنه كأنه قال ذلك الشئ الدني ء ليس بمزحزحه من العذاب \r\n قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون \r\n قوله تعالى قل من كان عدوا لجبير قال ابن عباس أقبلت اليهود الى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا من يأتيك من الملائكة قال جبريل فقالوا ذاك ينزل بالحرب والقتال ذاك عدونا فنزلت هذه الآية والتي تليها \r\n وفي جبريل إحدى عشرة لغة \r\n إحداها جبريل بكسر الجيم والراء من غير همز وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ ابن عامر وابو عمرو قال ورقة بن نوفل ... و جبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل ","part":1,"page":117},{"id":117,"text":" وقال عمران بن حطان ... والروح جبريل فيهم لاكفاء له ... وكان جبريل عند الله مأمونا ... \r\n وقال حسان ... و جبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء ... \r\n واللغة الثانية جبريل بفتح الجيم وكسر الراء وبعدها ياء ساكنة من غير همز على وزن فعليل وبها قرأ الحسن البصري وابن كثير وابن محيصن وقال الفراء لا أشتهيها لأنه ليس في الكلام فعليل ولا أرى الحسن قرأها إلا وهو صواب لأنه اسم اعجمي \r\n والثالثة جبرئيل بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة على وزن جبرعيل وبها قرأ الأعمش وحمزة والكسائي قال الفراء وهي لغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد وقال الزجاج هي أجود اللغات وقال جرير ... عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا ... \r\n والرابعة جبرئل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء اللازم مكسورة من غير مد على وزن جبرعل رواها ابو بكر عن عاصم \r\n والخامسة جبرئل بفتح الجيم وكسر الهمزة وتشديد اللام وهى قرأءة أبان عن عاصم ويحيى بن يعمر \r\n والسادسة جبرائيل بهمزة مكسورة بعدها ياء مع الألف \r\n والسابعة جبراييل بيائين بعد الألف أولهما مكسورة \r\n والثامنة جبرين بفتح الجيم ونون مكان اللام \r\n والتاسعة جبرين بكسر الجيم وبنون قال الفراء هي لغة بني أسد وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن الانباري قال في جبريل تسعة لغات فكرهن ","part":1,"page":118},{"id":118,"text":" وذكر ابن الانباري في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان جبرائل بفتح الجيم وإثبات الالف مع همزة مكسورة ليس بعدها ياء وجبرئين بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها يا ونون \r\n فأما ميكائيل ففيه خمس لغات \r\n إحداهن ميكال مثل مفعال بغير همز وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ ابو عمرو وحفص عن عاصم \r\n والثانية ميكائيل باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة مثل ميكاعيل وهي لغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد وبها قرأ ابن عامر وابن وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم \r\n والثالثة ميكائل بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء مثل ميكاعل وبها قرأ نافع وابن شنبوذ وابن الصباح جميعا عن قنبل \r\n والرابعة ميكئل على وزن ميكعل وبها قرأ ابن محيصن \r\n والخامسة ميكائين بهمزة معها ياء ونون بعد الالف ذكرها ابن الانباري \r\n قال الكسائي جبريل وميكائيل اسمان لم تكن العرب تعرفهما فلما جاءا عربتهما قال ابن عباس جبريل وميكائيل كقولك عبد الله وعبد الرحمن ذهب الى أن إيل اسم الله واسم الملك جبر وميكا وقال عكرمة معنى جبريل عبد الله ومعنى ميكائيل عبيد الله وقد دخل جبريل وميكائيل في الملائكة لكنه أعاد ذكرهما لشرفهما كقوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن 68 وإنما قال فان الله عدو للكافرين ولم يقل لهم ليدل على أنهم كافرون بهذه العداوة \r\n اوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ","part":1,"page":119},{"id":119,"text":" قوله تعالى او كلما عاهدوا عهدا الواو واو العطف أدخلت عليها ألف الاستفهام قال ابن عباس و مجاهد والمشار اليهم اليهود وقيل العهد الذي عاهدوه انهم قالوا والله لئن خرج محمد لنؤمنن به وروي عن عطاء انها العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبينهم فنقضوها كفعل قريظة والنضير ومعنى نبذه رفضه \r\n قوله تعالى نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والكتاب التوراة وفي قوله تعالى كتاب الله قولان أحدهما القرأن والثاني انه التوراة لأن الكافرين بمحمد صلى الله عليه و سلم قد نبذوا التوراة \r\n واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يقرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون \r\n قوله تعالى واتبعوا ماتتلو الشياطين \r\n في سبب نزولها قولان \r\n احدهما ان اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شئ من التوراة إلا أجابهم فسألوه عن السحر وخاصموه به فنزلت هذه الآية قاله أبوالعالية والثاني انه لما ذكر سليمان في القرأن قالت يهود المدينة ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا فنزلت هذه الآية قاله ابن اسحاق \r\n وتتلوا بمعنى تلت و على بمعنى في قاله المبرد قال الزجاج وقوله على ملك سليمان أي على عهد سليمان \r\n وفي كيفية ما تلت الشياطين على ملك سليمان ستة أقوال ","part":1,"page":120},{"id":120,"text":" احدها انه لما خرج سليمان عن ملكه كتبت الشياطين السحر ودفنته في مصلاه فلما توفي استخرجوه وقالوا بهذا كان يملك الملك ذكر هذا المعنى ابو صالح عن ابن عباس وهو قول مقاتل \r\n والثاني ان آصف كان يكتب ما يأمر به سليمان ويدفنه تحت كرسيه فلما مات سليمان استخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكذبا وأضافوه الى سليمان رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث ان الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان ثم اضافته اليه قاله عكرمة \r\n والرابع ان الشياطين ابتدعت السحر فأخذه سليمان فدفنه تحت كرسيه لئلا يتعمله الناس فلما قبض استخرجته فعلمته الناس وقالوا هذا علم سليمان قاله قتادة \r\n والخامس ان سليمان أخذ عهود الدواب فكانت الدابة إذا أصابت إنسانا طلب إليها بذلك العهد فتخلي عنه فزاد السحرة السجع والسحر قاله ابو مجلز \r\n والسادس ان الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع فتسمع من كلام الملائكة ما يكون في الارض من موت او غيث او أمر فيأتون الكهنة فيخبرونهم فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب وفشا في بني اسرائيل أن الجن تعلم الغيب فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع ان يدنو من الكرسي إلا احترق وقال لا أسمع أحدا يذكر ان الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه فلما مات سليمان جاء شيطان الى نفر من بني اسرائيل فدلهم على تلك الكتب وقال إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا ففشا في الناس أن سليمان كان ساحرا واتخذ ","part":1,"page":121},{"id":121,"text":" بنوا اسرائيل تلك الكتب فلما جاء محمد صلى الله عليه و سلم خاصموه بها هذا قول السدي \r\n وسليمان اسم عبراني وقد تكلمت به العرب في الجاهلية وقد جعله النابغة سليما ضرورة فقال ... ونسج سليم كل قضاء ذائل ... \r\n واضطر الحطيئة فجعله سلاما فقال ... فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمة من نسج سلام ... \r\n وارادا جميعا داود ابا سليمان فلم يستقم لهما الشعر فجعلاه سليمان وغيراه \r\n كذلك قرأته على شيخنا ابي منصور اللغوي وفي قوله وما كفر سليمان دليل على كفر الساحر لأنهم نسبوا الى السحر لا الى الكفر \r\n قوله تعالى ولكن الشياطين كفروا \r\n وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم بتشديد نون ولكن ونصب نون الشياطين وقرأ ابن عامر و حمزة والكسائي بتخفيف النون من لكن ورفع نون الشياطين \r\n قوله تعالى وما أنزل على الملكين وقرأ ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والزهري الملكين بكسر اللام وقرأءة الجمهور أصح \r\n وفي ما قولان احدهما انها معطوفة على ما الأولى فتقديره واتبعوا ما تتلو الشياطين وما أنزل على الملكين والثاني انها معطوفة على السحر فتقديره يعلمون الناس السحر ويعملونهم ما أنزل على الملكين فإن قيل إذا كان السحر نزل على الملكين فلماذا كره فالجواب من وجهين ذكرهما ابن السري احدهما انهما كانا يعلمان الناس ما السحر ويأمران باجتنابه وفي ذلك حكمة لأن سائلا لو قال ما الزني لوجب ","part":1,"page":122},{"id":122,"text":" أن يوقف عليه ويعلم انه حرام والثاني أنه من الجائز ان يكون الله تعالى امتحن الناس بالملكين فمن قبل التعلم كان كافرا ومن لم يقبله فهو مؤمن كما امتحن بنهر طالوت \r\n وفي الذي انزل على الملكين قولان احدهما انه السحر روي عن ابن مسعود والحسن وابن زيد والثاني انه التفرقة بين المرء وزوجه لا السحر روي عن مجاهد وقتادة و عن ابن عباس كالقولين قال الزجاج وهذا من باب السحر ايضا \r\n الإشارة الى قصة الملكين \r\n ذكر العلماء ان الملكين انما انزلا الى الارض لسبب وهو انه لما كثرت خطايا بني آدم دعت عليهم الملائكة فقال الله تعالى لو انزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم لفعلتم مثل ما فعلوا فحدثوا انفسهم أنهم إن ابتلوا اعتصموا فأوحى الله إليهم ","part":1,"page":123},{"id":123,"text":" أن اختاروا من أفضلكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت وهذا مروي عن ابن مسعود و ابن عباس \r\n واختلف العلماء ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال احدها أنهما زنيا وقتلا وشربا الخمرة قاله ابن عباس والثاني انهما جارا في الحكم قاله عبيد الله بن عتبة والثالث انهما هما بالمعصية فقط ونقل عن علي رضي الله عنه ان الزهرة كانت امرأة جميلة وانها خاصمت الى المللكين هاروت وماروت فراودها كل واحد منهما على نفسها ولم يعلم صاحبه وكانا يصعدان السماء آخر النهار فقالت لهما بم تهبطان وتصعدان قالا باسم الله الأعظم فقالت ما أما بمواتيتكما الى ما تريدان حتى تعلمانيه فعلماها إياه فطارت الى السماء فمسخها الله كوكبا \r\n وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه و سلم لعن الزهرة وقال إنها فتنت ملكين إلا أن هذه الأشياء بعيد عن الصحة وتأول بعضهم هذا فقال إنه لما رأى الكوكب ذكر تلك المرأة ","part":1,"page":124},{"id":124,"text":" لاأن المرأة مسخت نجما \r\n واختلف العلماء في كيفيفة عذابهما فروي عن ابن مسعود أنهما معلقان بشعورهما الى يوم القيامة وقال مجاهد إن جبا ملئ نارا فجعلا فيه \r\n فأما بابل فروي عن الخليل ان ألسن الناس تبلبلت بها واختلفوا في حدها على ثلاثة اقوال احدها انها الكوفة وسوادها قاله ابن مسعود والثاني انها من نصيبين الى رأس العين قاله قتادة والثالث انها جبل في وهذه من الأرض قاله السدي \r\n قوله تعالى إنما نحن فتنة أي اختبار وابتلاء \r\n قوله تعالى إلا باذن الله يريد بقضائه ولقد علموا إشارة الى اليهود لمن اشتراه يعني اختاره يريد السحر واللم لام اليمين فأما الخلاق فقال الزجاج هو النصيب والوافر من الخير \r\n قوله تعالى ولبئس ما شروا به أنفسهم أي باعوها به لو كانوا يعلمون العقاب فيه ","part":1,"page":125},{"id":125,"text":" فصل \r\n اختلف الفقهاء في حكم الساحر فمذهب إمامنا أحمد رضي الله عنه يكفر بسحره قتل به او لم يقتل وهل تقبل توبته على روايتين وقال الشافعي لا يكفر بسحره فان قتل بسحره وقال سحري يقتل مثله وتعمدت ذلك قتل قودا وإن قال قد يقتل قد يخطئ لم يقتل وفيه الدية فأما ساحر أهل الكتاب فانه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين فيقتل لنقض العهد وسواء في ذلك الرجل والمرأة وقال أبو حنيفة حكم ساحر أهل الكتاب حكم ساحر المسلمين في ايجاب القتل فأما المراة الساحرة فقال تحبس ولا تقتل \r\n ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم \r\n قوله تعالى ولو أنهم آمنوا يعني الهيود والمثوبة الثواب لو كانوا يعلمون قال الزجاج أي يعلمون بعلمهم \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوالا تقولوا راعنا قرأ الجمهور بلا تنوين وقرأ الحسن والأعمش وابن محيصن بالتنوين وراعنا بلا تنوين من راعيت وبالتنوين من الرعونة قال ابن قتيبة راعنا بالتنوين هو اسم مأخوذ من الرعن و الرعونة أراد لا تقولوا جهلا ولا حمقا وقال غيره كان الرجل إذا أراد استنصات صاحبه قال أرعني سمعك فكان المنافقون يقولون راعنا يريدون انت أرعن وقوله انظرنا بمعنى انتظرنا وقال مجاهد انظرنا اسمع منا وقال ابن زيد لا تعجل علينا \r\n ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختفص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب \r\n قال ابن عباس هم يهود المدينة ونصارى نجران فالمشركون مشركو اهل مكة ان ينزل عليكم أي على رسولكم من خير من ربكم أراد النبوة والإسلام ","part":1,"page":126},{"id":126,"text":" وقال أبو سليمان الدمشقي أراد بالخير العلم والفقه والحكمة \r\n والله يختص برحمته من يشاء \r\n في هذه الرحمة قولان احدهما انها النبوة قاله علي بن أبي طالب ومحمد بن علي بن الحسين و مجاهد و الزجاج والثاني انها الاسلام قاله ابن عباس و مقاتل \r\n ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله علي كل شئ قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات والارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير \r\n قوله تعالى ما ننسخ من آية \r\n سبب نزولها ان اليهود قالت لما نسخت القبلة إن محمدا يحل لأصحابه إذا شاء ويحرم عليهم إذا شاء فنزلت هذه الآية \r\n قال الزجاج النسخ في اللغة إبطال شئ وإقامة آخر مقامه تقول العرب نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وفي المراد بهذا النسخ ثلاثة أقوال احدها رفع اللفظ والحكم والثاني تبديل الآية بغيرها رويا عن ابن عباس والأول قول السدي والثاني قول مقاتل والثالث رفع الحكم مع بقاء اللفظ رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود وبه قال أبوالعالية وقرأ ابن عامر ما ننسخ بضم النون وكسر السيد قال ابو علي أي ما نجده منسوخا كقولك احمدت فلانا أي وجدته محمودا وإنما يجده منسوخا بنسخه إياه \r\n قوله تعالى او ننسها قرأ ابن كثير وابو عمرو ننسأها بفتح النون مع ","part":1,"page":127},{"id":127,"text":" الهمزة والمعنى نؤخرها قال أبو زيد نسأت الإبل عن الحوض فأنا انسأها إذا اخرتها ومنه النسيئة في البيع وفي معنى نؤخرها ثلاثة أقوال احدها نؤخرها عن النسخ فلا ننسخها قاله الفراء والثاني نؤخر إنزالها فلا ننزلها البتة والثالث نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها حكاهما ابو علي الفارسي وقرأ سعد بن ابي وقاص تنسها بتاء مفتوحة ونون وقرأ سعيد بن المسيب والضحاك تنسها بضم التاء وقرأ نافع أوننسها بنونين الأولى مضمومة والثاينة ساكنة أراد أو ننسكها من النسيان \r\n قوله تعالى نأت بخير منها قال ابن عباس بألين منها وأيسر على الناس \r\n قوله تعالى او مثلها أي في الثواب والمنفعة فتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار ألم تعلم لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التوقيف والتقرير والملك في اللغة تمام القدرة واستحكامها فالله عز و جل يحكم بما يشاء على بعاده وبغير ما يشاء من أحكام \r\n أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل \r\n قوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم \r\n في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها ان رافع بن حريملة ووهب بن زيد قالا لرسول الله ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا وفجر لنا أنهارا حتى نتبعك فنزلت الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن قريشا سألت النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا فقال هو لكم كالمائدة لبني اسرائيل إن كفترتم فأبوا قاله مجاهد ","part":1,"page":128},{"id":128,"text":" والثالث ان رجلا قال يا رسول الله لو كانت كفارتنا ككفارات بني اسرائيل فقال النبي صلى الله عليه و سلم اللهم لا نبغيها ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني اسرائيل كانوا إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها فان كفرها كانت له خزينا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة فقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني اسرائيل فقال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء 110 وقال الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة كفارة لما بينهن فنزلت هذه الآية قال أبوالعالية \r\n والرابع أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي اتى النبي صلى الله عليه و سلم في رهط من قريش فقال يا محمد والله لا أؤمن بك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا فنزلت هذه الآية ذكره ابن السائب \r\n والخامس أن جماعة من المشركين جاؤوا الى النبي صلى الله عليه و سلم فقال بعضهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا وقال آخر ان اؤمن لك حتى تسير لنا جتال مكة وقال عبد الله بن أبي أمية لن أؤمن لك حتى تأتي بكتاب من السماء فيه من الله رب العالمين الى بن أبي أمية اعلم أني قد ارسلت محمدا الى الناس وقال آخر هلا جئت بكتابك مجتمعا كما جاء موسى بالتوراة فنزلت هذه الآية ذكره محمد بن القاسم الأنباري \r\n وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قريش قاله ابن عباس و مجاهد والثاني اليهود قاله مجاهد والثالث جميع العرب قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":1,"page":129},{"id":129,"text":" وفي إم قولان \r\n احدهما انها بمعنى بل تقول العرب هل لك علي حق ام انت معروف بالظلم يريدون بل أنت وأنشدوا ... بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح ... \r\n ذكره الفراء و الزجاج \r\n والثاني بمعنى الاستفهام فان اعترض معترض فقال إنما تكون للاستفهام إذا كانت مردودة على استفهام قبلها فأين الاستفهام الذي تقدمها فعنه جوابان أحدهما انه قد تقدمها استفهام وهو قوله ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ذكره الفراء وكذلك قال ابن الأنباري هي مردودة على الألف في ألم تعلم فإن اعترض على هذا الجواب فقيل كيف يصح العطف ولفظ ألم تعلم ينبىء عن الواحد و تريدون عن جماعة فالجواب أنه إنما رجع الخطاب من التوحيد الى الجمع لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه و سلم فقد خوطبت به أمته فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى ثم أظهر المعنى في المخاطبة الثانية ومثل هذا قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 ذكر هذا الجواب ابن الأنباري فأما الجواب الثاني عن أم فهو أنها للاستفهام وليست مردودة على شيء قال الفراء إذا توسط الاستفهام الكلام ابتدىء بالألف وبأم وإذا لم يسبقه كلام لم يكن إلا بالألف أو بهل وقال ابن الانباري أم جارية مجرى هل غير أن الفرق بينهما أن هل استفهام مبتدأ لا يتوسط ولا يتأخر و أم استفهام متوسط لا يكون إلا بعد كلام \r\n فأما الرسول هاهنا فهو محمد صلى الله عليه و سلم والذي سئل موسى من قبل قولهم أرنا الله جهرة النساء 153 وهل سألوا ذلك نبيا أم لا فيه قولان أحدهما أنهم سألوا ذلك فقالوا لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا الاسراء 92 قاله ابن عباس والثاني انهم بالغوا في المسائل ","part":1,"page":130},{"id":130,"text":" فقيل لهم بهذه الآية لعلكم تريدون أن تسألوا محمدا أن يريكم الله جهرة قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n والكفر الجحود والإيمان التصديق وقال أبوالعالية المعنى ومن يتبدل الشدة بالرخاء وسواء السبيل وسطه \r\n ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير \r\n قوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب \r\n في سبب نزولها ثلاثة أقوال احدها أن حيي بن أخطب وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني أن كعب بن الأشرف كان يهجوا النبي ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله حين قدمها فأمر النبي بالصفح عنهم فنزلت هذه الآية قاله عبد الله بن كعب بن مالك والثالث أن نفرا من اليهود دعوا حذيفة وعمارا الى دينهم فأبيا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n ومعنى ود احب وتمنى وأهل الكتاب اليهود قال الزجاج من عند أنفسهم موصول ب ود كثير لا بقوله حسدا لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من عند نفسه والمعنى مودتهم لكفركم من عند أنفسهم لا أنه عندهم الحق فأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها وتفارقه الغبطة فانها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط وحد بعضهم الحسد فقال هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار ولا يجوز أن يكون الفاضل حسودا لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل ","part":1,"page":131},{"id":131,"text":" وقال بعض الحكماء كل أحد يمكن ان ترضيه إلا الحاسد فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك وقا الأصمعي سمعت اعرابيا يقول ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد حزن لازم ونفس دائم وعقل هائم وحسرة لا تنقضي \r\n قوله تعالى حتى يأتي الله بأمره قال ابن عباس فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي وفي قريظة بالقتل والسبي \r\n فصل \r\n وقد روي عن ابن مسعود و ابن عباس و أبي العالية وقتادة رضي الله عنهم ان العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الىخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله التوبة 29 وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقا وإنما أمر به الى غاية وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر يحتاج الى حكم آخر \r\n واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى تجدوه أي تجدوا ثوابه \r\n وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصاري ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ","part":1,"page":132},{"id":132,"text":" قوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى \r\n قال ابن عباس اختصم يهود المدينة و نصارى نجران عند النبي صلى الله عليه و سلم فقالت اليهود ليست النصارى على شيء ولا يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وكفروا بالإنجيل وعيسى وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وكفروا بالتوراة وموسى فقال الله تعالى تلك أمانيهم \r\n واعلم أن الكلام في هذه الآية مجمل ومعناه قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا والهود جمع هائد تلك أمانيهم أي ذاك شئ يتمنونه وظن يظنونه هذا معنى قول ابن عباس و مجاهد قال هاتوا برهانك أي حجتكم إن كنتم صادقين بأن الجنة لا يدخلها الى من كان هودا أو نصارى ثم بين تعالى بأنه ليس كما زعموا فقال بلى من أسلم وجهه وأسلم بمعنى اخلص وفي الوجه قولان أحدهما أنه الدين والثاني العمل \r\n قوله تعالى وهو محسن أي في عمله فله أجره قال الزجاج يريد فهو يدخل الجنة \r\n قوله تعالى وهم يتلون الكتاب أي كل منهم يتلوا كتابه بتصديق ما كفر به قاله السدي وقتادة كذلك قال الذي لا يعلمون وفيهم قولان احدهما انهم مشركوا العرب قاله لمحمد وأصحابه لستم على شيء قاله السدي عن أشياخه والثاني انهم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى كقوم نوح وهود و صالح قاله عطاء \r\n قوله تعالى فالله يحكم بينهم يوم القيامة قال الزجاج يريد حكم الفصل بينهم فيريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا فأما الحكم بينهم في العقد فقد بينه لهم في الدنيا بما اقام على الصواب من الحجج \r\n ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها أسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم \r\n قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين ","part":1,"page":133},{"id":133,"text":" أحدهما أنها نزلت في الروم كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس من أجل أن بني اسرئيل قتلوا يحيى بن زكريا فخرب وطرحت الجيف فيه قاله ابن عباس في آخرين والثاني أنها في المشركين الذين حالوا بين رسول الله وبين مكة يوم الحديبة قاله ابن زيد وفي المراد بخرابها قولان أحدهما أنه نقضها والثاني منع ذكر الله فيها \r\n قوله تعالى اوئلك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين فيه قولان أحدهما أنه إخبار عن احوالهم بعد ذلك قال السدي لا يدخل رومي بيت المقدس إلا وهو خائف أن يضرب عنقه أو قد أخيف بأداء الجزية والثاني أنه خبر في معنى الأمر تقديره عليكم بالجد في جهادهم كي لا يدخلها احد إلا وهو خائف \r\n لهم في الدنيا خزي فيه ثلاثة أقوال أحدها أن خزيهم الجزية قاله ابن عباس والثاني أنه فتح القسطنطينية قاله السدي والثالث أنه طردهم عن المسجد الحرام فلا يدخله مشرك أبدا ظاهرا قاله ابن زيد \r\n ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم \r\n قوله تعالى ولله المشرق والمغرب \r\n في نزولها اربعة أقوال أحدها أن الصحابة كانوا مع رسول الله في غزوة في ليلة مظلمة فلم يعرفوا القبلة فجعل كل واحد منهم مسجدا بين يديه وصلى فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله تعالى هذه الآية رواه عامر ابن ربيعه والثاني أنها نزلت في التطوع بالنافلة قاله ابن عمر والثالث أنه لما نزل قوله تعالى ادعوني استجب لكم غافر 60 قالوا الى أين فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n والرابع أنه لما مات النجاشي وأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بالصلاة عليه قالوا أنه كان لا يصلي الى القبلة فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n قوله تعالى فثم وجه الله فيه قولان أحدهما فثم الله يريد علمه معكم اين كنتم ","part":1,"page":134},{"id":134,"text":" وهو ابن عباس و مقاتل والثاني فثم قبلة الله قاله عكرمة و مجاهد والواسع الذي وسع غناه مفاقر عباده ورزقه جميع خلقه والسعة في كلام العرب الغني \r\n فصل \r\n وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير القبلة وفي صلاة المتطوع على الراحلة والخائف وقد ذهب قوم إلى نسخها فقالوا إنها لما نزلت توجه رسول الله إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك بقوله وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة 144 \r\n وهذا مروي عن ابن عباس قال شيخنا علي بن عبيد الله وليس في القرآن أمر خاص بالصلاة إلى بيت المقدس وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله ليس صريحا بالأمر بالتوجه إلى بيت المقدس بل فيه ما يدل على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها فإذا ثبت هذا دل على أنه وجب التوجه إلى بيت المقدس بالسنة ثم نسخ بالقرآن \r\n وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون \r\n قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا \r\n اختلفوا فيمن نزلت على اربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله قاله ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا عيسى ابن الله قاله مقاتل \r\n والثالث أنها في النصارى ومشركي العرب لأن النصارى قالت عيسى ابن الله والمشركين قالوا الملائكة بنات الله ذكره إبراهيم بن السري \r\n والرابع أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب ذكره الثعلبي \r\n فأما القنوت فقال الزجاج هو في اللغة بمعنيين أحدهما القيام والثاني الطاعة والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت الدعاء في القيام فالقانت القائم بأمر الله ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنه إن لم يكن قيام على الرجلين فهو قيام بالنية وقال ابن قتيبة لا أرى أصل القنوت ","part":1,"page":135},{"id":135,"text":" إلا الطاعة لأن جيمع الخلال من الصلاة والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون عنها \r\n وللمفسرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الطاعة قاله ابن عباس وابن جبير و مجاهد وقتادة والثاني أنه الإقرار بالعبادة قاله عكرمة والسدي والثالث القيام قاله الحسن والربيع \r\n وفي معنى القيام قولان أحدهما أنه القيام له بالشهادة بالعبودية والثاني أنه القيام بين يديه يوم القيامة فإن قيل كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع فعنه ثلاثة اجوبة أحدها أن يكون ظاهرها ظاهر العموم ومعناها معنى الخصوص والمعنى كل أهل الطاعة له قانتون والثاني أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات فنسب القنوت إليهم بذلك والثالث أن كل مخلوق قانت هل بأثر صنعه فيه وجري أحكامه عليه فذلك دليل على ذله للرب ذكرهن ابن الانباري \r\n بديع السموات والأرض و إذا قضى امرا فإنما يقول له كن فيكون \r\n قوله تعالى بديع السموات \r\n البديع المبدع وكل من أنشأ شيئا لم يسبق إليه قيل له أبدعت قال الخطابي البديع فعيل بمعنى مفعل ومعناه أنه فطر الخلق مخترعا له لا على مثال سبق \r\n قوله تعالى و إذا قضى أمرا قال ابن عباس معنى القضاء الإرادة وقال مقاتل إذا قضى أمرا في علمه فانما يقول له كن فيكون والجمهور على ضم نون فيكون بالرفع على القطع والمعنى فهو يكون وقرأ ابن عامر بنصب النون قال مكي ابن أبي طالب النصب على الجواب لكن فيه بعد \r\n فصل \r\n وقد استدل أصحابنا على قدم القرآن بقوله كن فقالوا لو كانت كن مخلوقة لافتقرت إلى إيجادها بمثلها وتسلسل ذلك والمتسلسل محال فإن قيل هذا خطاب لمعدوم ","part":1,"page":136},{"id":136,"text":" فالجواب أنه خطاب تكوين يظهر أثر القدرة ويستحيل أن يكون المخاطب موجودا لأنه بالخطاب كان فامتنع وجوده قبله أو معه ويحقق هذا أن ما سيكون متصور للعلم فضاهى بذلك الموجود فجاز خطابه لذلك \r\n وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون \r\n قوله تعالى وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله فيهم ثلاثة أقوال أحدها انهم اليهود قاله ابن عباس والثاني النصارى قاله مجاهد والثالث مشركو العرب قاله قتادة والسدي عن أشياخه و لولا بمعنى هلا \r\n وفي الذين من قبلهم ثلاثة أقوال أحدها انهم اليهود قاله ابن عباس و مجاهد والثاني اليهود والنصارى قاله السدي عن أشياخه والثالث اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار قاله قتادة \r\n تشابهت قلوبهم أي في الكفر \r\n إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم \r\n قوله تعالى إنا أرسناك بالحق \r\n في سبب نزولها قولان أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوما ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه القرآن قاله ابن عباس والثاني الإسلام قاله ابن كيسان و الثالث الصدق \r\n قوله تعالى ولا تسأل عن الأكثرون بضم التاء على الخبر والمعنى لست بمسؤول عن اعمالهم وقرأ نافع ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام على النهي عن السؤال عنهم ","part":1,"page":137},{"id":137,"text":" وجوز أبو الحسن الأخفسشأن يكون معنى هذه القراءة لا تسأل عنهم فانهم في أمر عظيم فيكون ذلك على وجه التعظيم لما هم فيه فأما الجحيم فقال الفراء الجحيم النار والجمر على الجمر وقال أبو عبيدة الجحيم النار المستحكمة المتلظية وقال الزجاج الجحيم النار الشديدة الوقود وقد جحم فلان النار إذا شدد وقودها ويقال لعين الأسد جحمة لشدة توقدها ويقال لوقود الحرب وهو شدة القتال فيها جاحم وقال ابن فارس الجاحم المكان الشديد الحر قال الأعشى ... يعدون للهيجاء قبل لقائها ... غداة اختضار البأس والموت جاحم ... \r\n ولذلك سميت الجحيم وقال ابن الأنباري قال أحمد بن عبيد إنما سميت النار جحيما لأنها أكثر وقودها من قول العرب جحمت النار أجحمها إذا أكثرت لها الوقود \r\n قال عمران بن حطان ... يرى طاعة الله الهدى وخلافه ... الضلالة يصلي أهلها جاحم الحمر ... \r\n ولن رضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير \r\n قوله تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى \r\n في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه و سلم إلى قبلتهم فلما صرف إلى الكعبة يئسوا منه فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني انهم دعوه إلى دينهم فنزلت قاله مقاتل والثالث انهم كانو يسألونه الهدنه ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه فنزلت ذكر معناه الزجاج \r\n قال الزجاج والملة في اللغة السنة والطريقه قال ابن عباس و هدى الله هاهنا الإسلام وفي الذي جاءه من العلم اربعة اقوال أحدها أنه التحول إلى الكعبة قاله ابن عباس والثاني أنه البيان بأن دين الله الإسلام والثالث أنه القرآن والرابع ","part":1,"page":138},{"id":138,"text":" العلم بضلالة القوم مالك من الله من ولي ينفعك ولا نصير يمنعك من عقوبته \r\n الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم و أني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين \r\n قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب \r\n اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على قولين أحدهما أنها نزلت في الذين آمنوا من اليهود قاله ابن عباس والثاني في المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قاله عكرمة وقتادة وفي الكتاب قولان أحدهما أنه القرآن قاله قتادة والثاني أنه التوراة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى يتلونه حق تلاوته أي يعملون به حق عمله قاله مجاهد \r\n قوله تعالى أولئك يؤمنون به في هاء به قولان أحدهما أنها تعود على الكتاب والثاني على النبي محمد صلى الله عليه و سلم وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات والابتلاء الاختبار وفي إبراهيم ست لغات أحدها إبراهيم وهي اللغة الفاشية والثانية إبراهم والثالثة ابراهم والرابعة إبراهم ذكرهن الفراء والخامسة إبراهام والسادسة إبرهم قال عبد المطلب ... عذت بما عاذ به إبرهم ... مستقبل الكعبة وهو قائم ... \r\n وقال أيضا ... نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد إبرهم ... \r\n وفي الكلمات خمسة أقوال \r\n أحدها أنها خمس في الرأس وخمس في الجسد أما التي في الرأس فالفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق ","part":1,"page":139},{"id":139,"text":" العانة ونتف الإبط والاستطابة بالماء والختان رواه طاووس عن ابن عباس \r\n والثاني أنها عشر ست في الإنسان وأربع في المشاعر فالتي في الإنسان حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب والسواك والغسل من الجنابة والغسل يوم الجمعة والتي في المشاعر الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمرة ورمي الجمار والإفاضة رواه حنش بن عبد الله عن ابن عباس \r\n والثالث أنها المناسك رواه قتادة عن ابن عباس \r\n والرابع أنه ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر والهجرة والنار وذبح ولده والختان قاله الحسن \r\n والخامس أنها كل مسألة في القرآن مثل قوله رب اجعل هذا البلد آمنا إبراهيم 35 ونحو ذلك قاله مقاتل فمن قال هي أفعال فعلها قال معنى فأتمهن عمل بهن ومن قال هي دعوات ومسائل قال معنى فأتمهن أجابه الله إليهن وقد روي عن أبي حنيفة أنه قرأ إبراهيم رفع الميم ربه بنصب الباء على معنى اختبر ربه هل يستجيب دعاءه ويتخذه خليلا أم لا \r\n قوله تعالى ومن ذريتي في الذرية قولان أحدهما أنها فعلية من الذر لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر والثاني أن أصلها ذرورة على وزن فعلولة ولكن لما كثر التضعيف أبدل من الراء الأخيرة ياء فصارت ذروية ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية ذكرهما الزجاج وصوب الأول \r\n وفي العهد هاهنا سبعة أقوال أحدها أنه الإمامة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والثاني أنه الطاعة رواه الضحاك عن ابن عباس ابن عباس والثالث الرحمة قاله عطاء وعكرمة والرابع الدين قاله أبوالعالية والخامس ","part":1,"page":140},{"id":140,"text":" النبوة قاله السدي عن أشياخه والسادس الأمان قاله أبو عبيدة والسابع الميثاق قاله ابن قتيبة والأول أصح \r\n وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان أحدهما أنهم الكفار قاله ابن جبير والسدي والثاني العصاة قاله عطاء \r\n وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود \r\n قوله تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس البيت هاهنا الكعبة والألف واللام تدخل للمعهود أو للجنس فلما علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس انصرف إلى المعهود قال الزجاج والمثاب والمثابة واحد كالمقام والمقامة قال ابن قتيبة والمثابة المعاد من قولك ثبت إلى كذا أي عدت إليه وثاب إليه جسمه بعد العلة إذا عاد فأراد أن الناس يعودون إليه مرة بعد مرة \r\n قوله تعالى وأمنا قال ابن عباس يريد أن من أحدث حديثا في غيره ثم لجأ إليه فهو آمن ولكن ينبغي لأهل مكة أن لا يبايعوه ولا يطعموه ولا يسقوه ولا يؤووه ولا يكلم حتى يخرج فاذا خرج أقيم عليه الحد قال قال القاضي أبو يعلي وصف البيت بالأمن والمراد جميع الحرم كما قال هديا بالغ الكعبة والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام وهذا على طريق الحكم لا على وجه الخبر فقط \r\n وفي مقام إبراهيم ثلاثة أقوال أحدها أنه الحرم كله قاله ابن عباس والثاني عرفة والمزدلفة والجمار قاله عطاء وعن مجاهد كالقولين وقد روي عن ابن عباس وعطاء و مجاهد قالوا الحج كله مقام إبراهيم والثالث الحجر قاله سعيد بن جبير وهو الأصح قال عمر بن الخطاب قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ","part":1,"page":141},{"id":141,"text":" وفي سبب وقوف إبراهيم على الحجر قولان أحدهما أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل فلم يجده فقالت له زوجته انزل فأبى فقالت فدعني اغسل رأسك فأتته بحجر فوضع رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته وقد غابت رجله فيه فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله فيه فجعله الله من شعاره ذكره السدي عن ابن مسعود و ابن عباس والثاني أنه قام على الحجر لبناء البيت وإسماعيل يناوله الحجارة قاله سعيد بن جبير \r\n قرأ الجمهور منهم ابن كثير و أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي واتخذوا بكسر الخاء على الأمر وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر قال ابن زيد قال النبي صلى الله عليه و سلم أين ترون أن نصلي فقال عمر إلى المقام فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقال أبو علي وجه فتح الخاء أنه معطوف على ما أضيف إليه كأنه قال وإذ اتخذوا ويؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر وهو قوله وعهدنا \r\n قوله تعالى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أي أمرناهما وأوصنياهما وإسماعيل اسم أعجمي وفيه لغتان إسماعيل و اسماعين وأنشدوا ... قال جواري الحي لما جينا ... هذا ورب البيت إسماعينا ... \r\n قوله تعالى أن طهرا بيتي قال قتادة يريد من عبادة الأوثان والشرك وقول الزور فان قيل لم يكن هناك بيت فما معنى أمرهما بتطهيره فعنه جوابان أحدهما أنه كانت هناك أصنام فامرا باخراجها قاله عكرمة والثاني أن معناه ابنياه مطهرا قاله السدي والعاكفون المقيمون يقال عكف يعكف ويعكف عكوفا إذا أقام ومنه الاعتكاف وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله تعالى ينزل في ","part":1,"page":142},{"id":142,"text":" كل ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين \r\n وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير \r\n قوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا البلد صدر القرى والبالد المقيم بالبلد والبلدة الصدر ووضعت الناقة بلدتها إذا بركت والمراد بالبلد هاهنا مكة ومعنى آمنا ذا أمن وأمن البلدة مجاز والمراد أمن من فيه وفي المراد بهذا الأمن ثلاثة أقوال أحدها انه سأله الأمن من القتل والثاني من الخسف والقذف والثالث من القحط والجدب قال مجاهد قال إبراهيم لمن آمن فقال الله عز و جل ومن كفر فسأرزقه \r\n قوله تعالى فأمتعه وقرأ ابن عامر فأمتعه بالتخفيف من امتعت وقرأ الباقون بالتشديد من متعت والإمتاع إعطاء ما تحصل به المتعة والمتعة أخذ الحظ من لذة ما يشتهي وبماذا يمتعه فيه قولان أحدهما بالأمن والثاني بالرزق والأضطرار الإلجاء إلى الشيء والمصير ما ينتهي إليه الأمر \r\n وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ","part":1,"page":143},{"id":143,"text":" قوله تعالى وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل \r\n القواعد أساس البيت واحدها قاعدة فأما قواعد النساء فواحدتها قاعد وهي العجوز ربنا تقبل منا أي يقولان ربنا فحذف ذلك كقوله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم الرعد 25 أراد يقولون و السميع بمعنى السامع لكنه ابلغ لأن بناء فعيل للمبالغة قال الخطابي ويكون السماع بمعنى القبول والاجابة كقول النبي صلى الله عليه و سلم أعوذ بك من دعاء لا يسمع أي لا يستجاب وقول المصلي سمع الله لمن حمده أي قبل الله حمد من حمده وأنشدوا ... دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول ... \r\n الإشارة إلى بناء البيت \r\n روى أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم وقال ابن عباس لما أهبط آدم قال الله تعالى يا آدم اذهب فابن لي بيتا فطف به واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي فأقبل يسعى حتى انتهى إلى البيت الحرام وبناه من خسمة أجبل من لبنان وطور سيناء وطورزيتا والجودي وحراء فكان آدم أول من أسس البيت وطاف به ولم يزل كذلك حتى بعث الله الطوفان فدرس موضع البيت فبعث الله إبرهيم واسماعيل وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء الببيت ضاق به ذرعا ولم يدر كيف يصنع فأنزل الله عليه كهيئة السحابة فيها رأس يتكلم فقال يا إبراهيم علم على ظلي فلما علم ارتفعت وفي رواية أنه كان يبني عليها كل يوم قال وحفر إبراهيم من تحت السكينة فأبدى عن قواعد ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلا فلما بلغ موضع الحجر قال لإسماعيل ","part":1,"page":144},{"id":144,"text":" التمس لي حجرا فذهب يطلب حجرا فذهب يطلب حجرا فجاء جبريل بالحجر الأسود فوضعه فلما جاء إسماعيل قال من جاءك بهذا الحجر قال جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك وقال ابن عباس وابن المسيب و أبوالعالية رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك وقال السدي لما أمره الله ببناء البيت لم يدر أين يبني فبعث الله له ريحا فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان \r\n قوله تعالى ربنا واجعلنا مسلمين لك قال الزجاج المسلم في اللغة الذي قد استسلم لأمر الله وخضع والمناسك المتعبدات فكل متعبد منسك ومنسك ومنه قيل للعابد ناسك وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله عز و جل النسيكة وكأن الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى \r\n قوله تعالى وارنا مناسكنا أي مذابحنا قاله مجاهد وقال غيره هي جميع أفعال الحج وقرأ ابن كثير وأرنا بجزم الراء و رب أرني الاعراف 143 و أرنا الذين أضلانا فصلت 29 وقرأ نافع وحمزة والكسائي أرنا بكسر الراء في جميع ذلك وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر كذلك إلا أنهما أسكنا الراء من أرنا اللذين وحدها قال الفراء أهل الحجاز يقولون ارنا وكثير من العرب يجزم الراء فيقول أرنا مناسكنا وقرأ بها بعض الثقات وأنشد بعضهم ... قالت سليمى اشتر لنا دقيقا ... واشتر فعجل خادما لبيقا ... \r\n وأنشدني الكسائي ... ومن يتق فان الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي ... \r\n قال قتادة أراهما الله مناسكهما الموقف بعرفات والإفاضة من جمع ورمي الجمار والطواف والسعي وقال أبو مجلز لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل فأراه الطواف ","part":1,"page":145},{"id":145,"text":" ثم أتى به جمرة العقبة فعرض له الشيطان فاخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبعا وقال له ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان ثم أتى به جمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان فإخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات فقال ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان ثم أتى به الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات فقال له ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان ثم أتى به منى فقال هاهنا يحلق الناس رؤوسهم ثم أتى به جمعا فقال هاهنا يجمع الناس ثم أتى به عرفة فقال اعرفت قال نعم قال فمن ثم سميت عرفات \r\n قوله تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم في الهاء والميم من فيهم قولان أحدهما أنها تعود على الذرية قاله مقاتل والفراء والثاني على أهل مكة في قوله وارزق أهله والمراد بالرسول محمد صلى الله عليه و سلم وقد روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قيل يا رسول الله ما كان بدء أمرك قال دعوة أبي إبراهيم وبشري عيسى ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام والكتاب القرآن والحكمة السنة قاله ابن عباس وروي عنه الحكمة الفقه والحلال والحرام ومواعظ القرأن وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع من الجهل \r\n وفي قوله تعالى ويزكيهم ثلاثة أقوال أحدها أن معناه يأخذ الزكاه منهم فيطهرهم بها قاله ابن عباس والفراء والثاني يطهرهم من الشرك والكفر قاله مقاتل والثالث يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء ","part":1,"page":146},{"id":146,"text":" قوله تعالى إنك أنت العزيز قال الخطابي العز في كلام العرب على ثلاثة أوجه أحدها بمعنى الغلبة يقولون من عزبز أي من غلب سلب يقال منه عز يعز بضم العين من يعز ومنه قوله تعالى وعزني في الخطاب ص28 والثاني بمعنى الشدة والقوة يقال منه عز يعز بفتح العين من يعز والثالث أن يكون بمعنى نفاسة القدر يقال منه عز يعز بكسر العين من يعز ويتناول معنى العزيز على أنه الذي لا يعادله شيء ولا مثل له \r\n ومن يرغب من ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون \r\n قوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم \r\n سبب نزولها أن عبد الله بن سلام دعا ابني اخيه مهاجرا وسلمة إلى الإسلام فأسلم سلمة ورغب عن الإسلام مهاجر فنزلت هذه الآية قاله مقاتل قال الزجاج و من لفظها لفظ الاستفهام ومعناها التقرير والتوبيخ والمعنى ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نسفه ويقال رغبت في الشئ إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته وملة إبراهيم دينه \r\n قوله تعالى إلا من سفه نفسه فيه أربعة أقوال أحدها أن معناه إلا من سفه نفسه قاله الأخفش ويونس قال يونس ولذلك تعدي إلى النفس فنصبها وقال الأخفش نصبت النفس لإسقاط حرف الجر لأن المعنى إلا من سفه في نفسه ","part":1,"page":147},{"id":147,"text":" قال الشاعر ... نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور ... \r\n والثاني إلا من أهلك نفسه قاله أبو عبيدة والثالث الا من سفهت نفسه كما يقال غبن فلان رأية وهذا مذهب الفراء وابن قتيبة قال الفراء نقل الفعل عن النفس إلى ضمير من ونصبت النفس على التشبيه بالتفسير كما يقال ضقت بالأمر ذرعا يريدون ضاق ذرعي به ومثله واشتعل الرأس شيبا مريم 4 والرابع إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها وهو اختيار الزجاج \r\n قوله تعالى وإنه في الآخرة لمن الصالحين قال ابن الانباري لمن الصالحي الحال عند الله تعالى وقال الزجاج الصالح في الآخرة الفائز \r\n قوله تعالى إذ قال له ربه أسلم وذلك حين وقوع الاصطفاء قال ابن عباس لما رأى الكوكب والقمر والشمس قال له ربه أسلم أي أخلص \r\n قوله تعالى ووصى قرأ بان عباس وأهل المدينة وأوصى بألف مع تخفيف الصاد والباقون بغير ألف مشددة الصاد وهذا لاختلاف المصاحف اخبرنا أبن ناصر قال أخبرنا ثابت قال أخبرنا ابن قشيش قال اخبرنا ابن حيويه قال حدثنا ابن الانباري قال أخبرنا ثعلب قال أملى علي خلف بن هشام البزار قال اختلف مصحفا أهل المدينة وأهل العراق في اثني عشر حرفا كتب اهل المدينة وأوصى وأهل العراق ووصى وكتب أهل المدينة سارعوا إلى مغفرة من ربكم آل عمران 133 بغير واو وأهل العراق وسارعوا وكتب اهل المدينة يقول الذين آمنوا المائدة 56 وأهل العراق ويقول وكتب أهل المدينة من يرتدد المائدة 57 وأهل العراق من يرتد وكتب أهل المدينة الذين اتخذوا مسجدا التوبة 108 و أهل العراق والذين وكتب أهل المدينة خيرا منهما منقلبا الكهف 37 و أهل ","part":1,"page":148},{"id":148,"text":" العراق منها وكتب أهل المدينة فتوكل على العزيز الرحيم الشعراء 217 و أهل العراق وتوكل وكتب أهل المدينة وأن يظهر في الأرض الفساد المؤمن 26 وأهل العراق أو أن يظهر وكتب أهل المدينة في حم عسق بما كسبت أيديكم بغير فاء و أهل العراق فبما وكتب أهل المدينة ما تشتهيه الأنفس الزخرف 71 بالهاء و أهل العراق ما تشتهي وكتب أهل المدينة فان الله الغني الحميد الحديد 26 و اهل العراق إن الله هو الغني الحميد وكتب أهل المدينة فلا يخاف عقباها الشمس 15 و أهل العراق ولا يخاف \r\n ووصى أبلغ من اوصى لأنها تكون لمرات كثيرة وهاء بها تعود على المسألة قاله عكرمة و الزجاج قال مقاتل وبنوه أربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن وذكر غير مقاتل أنهم ثمانية \r\n قوله تعالى فلاتموتن إلا و انتم مسلمون يريد الزموا الإسلام فاذا أدرككم الموت صادفكم عليه \r\n أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت \r\n سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه يوم مات باليهودية فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى تلك أمة قد خلت أي مضت يشير إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه \r\n وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ","part":1,"page":149},{"id":149,"text":" والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون \r\n قوله تعالى وقالوا كونوا هودا \r\n معناه قالت اليهود كونوا هودا وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا \r\n بل ملة إبراهيم حنيفا المعنى بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته وفي الحنيف قولان أحدهما أنه المائل إلى العبادة قال الزجاج الحنيف في اللغة المائل إلى الشئ أخذ من قولهم رجل أحنف وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها قالت أم الأحنف ترقصه ... والله لولا حنف برجله ... ودقة في ساقه من هزله ... ما كان في فتيانكم من مثله ... \r\n والثاني أنه المستقيم ومنه قيل للأعرج حنيف نظرا له إلى السلامة هذا قول ابن قتيبة وقد وصف المفسرون الحنيف بأوصاف فقال عطاء هو المخلص وقال ابن سائب هو الذي يحج وقال غيرهما هو الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل الكعبة \r\n فأما الأسباط فهم بنوا يعقوب وكانوا اثني عشر رجلا قال الزجاج السبط في اللغة الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد والسبط في اللغة الشجرة لها قبائل فالسبط الذين هم من شجرة واحدة \r\n فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم \r\n قوله تعالى فان آمنوا يعني أهل الكتاب \r\n قوله تعالى بمثل ما آمنتم به ثلاثة أقوال أحدها أن معناه مثل إيمانكم ","part":1,"page":150},{"id":150,"text":" فزيدت الباء للتوكيد كما زيدت في قوله وهزي إليك بجذع النخلة مريم 24 قاله ابن الانباري والثاني أن المراد هاهنا الكتاب وتقديره فان آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم قاله أبو معاذ النحوي والثالث أن المثل هاهنا صلة والمعنى فان آمنوا بما آمنتنم به ومثله قوله ليس كمثله شيء الشورى 11أي ليس كهو شيء وانشدوا ... يا عاذلي دعني من عذلكا ... مثلي لا يقبل من مثلكا ... \r\n أي أنا لا أقبل منك فأما الشقاق فهو المشاقة والعداوة ومنه قولهم فلان قد شق عصا المسلمين يريدون فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إمامهم فكأنه صار في شق غير شقهم \r\n قوله تعالى فسيكفيكهم الله هذا ضمان لنصر النبي صلى الله عليه و سلم \r\n صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون \r\n قوله تعالى صبغة الله سبب نزولها أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام صبغوه في ماء لهم يقال له المعمودية ليطهروه بذلك ويقولون هذا طهور مكان الختان فاذا فعلوا ذلك قالوا صار نصرانيا حقا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس قال ابن مسعود و ابن عباس و أبوالعالية و مجاهد والنخعي وابن زيد صبغة الله دينه قال الفراء صبغة الله نصب مردودة على الملة وقرأ ابن عبلة صبغة الله بالرفع على معنى هذه صبغة الله و كذلك قرأ ملة إبراهيم بالرفع ايضا على معنى هذه ملة إبراهيم قال ابن قتيبة المراد بصبغة الله الختان فسماه صبغة لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون هذا طهرة لهم كالختان للحنفاء فقال الله تعالى صبغة الله أي الزموا صبغة الله لاصبغة النصارى اولادهم وأراد بها ملة ابراهيم وقال غيره إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على الإنسان كظهور الصبغ على الثوب ","part":1,"page":151},{"id":151,"text":" قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون \r\n قوله تعالى أتحاجوننا في الله قال ابن عباس يريد يهود المدينة ونصارى نجران والمحاجة المخاصمة في الدين فان اليهود قالت نحن أهل الكتاب الأول وقيل ظاهرت اليهود عبدة الأوثان فقيل لهم تزعمون انكم موحدون ونحن نوحد فلم ظاهرتم من لا يوحد \r\n قوله تعالى ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم قال أكثر المفسرين هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة ثم نسخ بآية السيف \r\n أم تقولون إن إبرايهم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل الآية \r\n سبب نزولها أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للمؤمنين إن أنبياء الله كانوا منا من بني إسرائيل وكانوا على ديننا فنزلت هذه الأية قاله مقاتل ومعنى الآية إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء و لاأحد أعلم به منه قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية ابي بكر وأبو عمور أم يقولون بالياء على وجه الخبر عن اليهود وقرا بن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم تقولون بالتاءلأن قبلها مخاطبة وهي أتحاجوننا وبعدها قل أأنتم أعلم \r\n وفي الشهادة التي كتموها قولان أحدهما أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة لإبراهيم ومن ذكر معه انهم كانوا مسلمين فكتموها قاله الحسن وزيد بن أسلم والثاي انهم كتموا الإسلام وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبي دينه الإسلام قاله أبوالعالية و قتادة ","part":1,"page":152},{"id":152,"text":" سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم \r\n قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس \r\n فيهم ثلاثة أقوال أحدها انهم اليهود قاله البراء بن عازب و مجاهد وسعيد ابن جبير والثاني انهم أهل مكة رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث انهم المنافقون ذكره السدي عن اين مسعود وابن عباس وقد يمكن أن يكون الكل قالوا ذلك والاية نزلت بعد تحويل القبلة والسفهاء الجهلة ما ولاهم أي صرفهم عن قبلتهم يريد قبلة المقدس \r\n واختلف العلماء في مدة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيت المقدس بعد قدومة إلى المدينة على ستة أقوال أحدها أنه ستة عشر شهرا او سبعة عشر قاله البراء به عازب والثاني سبعة عشر شهرا قاله ابن عباس والثالث ثلاثة عشر شهرا قاله معاذ بن جبل والرابع تسعة اشهر أو عشرة أشهر قاله أنس بن مالك والخامس ستة عشر شهرا والسادس ثمانية عشر شهرا روي القولان عن قتادة \r\n وهل كان استقباله إلى بيت المقدس برأيه أو عن وحي فيه قولان أحدهما أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه قاله ابن عباس وابن جريج والثاني أنه كان باجتهاده ورأيه قاله الحسن و أبوالعالية وعكرمة والربيع وقال قتادة كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا بقوله ولله المشرق والمغرب البقرة 115 ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس وفي سبب اختياره بيت المقدس قولان أحدهما ليتألف أهل الكتاب ذكره بعض المفسرين والثاني لامتحان العرب بغير ما ألفوه قاله الزجاج ","part":1,"page":153},{"id":153,"text":" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقيبه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم \r\n قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا \r\n سبب نزولها أن اليهود قالوا قبلتنا قبلة الانبياء ونحن عدل بين الناس فنزلت هذه الآية قاله مقاتل والأمة الجماعة والوسط العدل قاله ابن عباس وابو سعيد و مجاهد وقتادة وقال ابن قتيبة الوسط العدل الخيار ومنه قوله تعالى قال أوسطهم القلم 28 أي أعدلهم وخيرهم قال الشاعر ... هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم ... \r\n وأصل ذلك أن خير الأشياء أوساطها والغلو والتقصير مذمومان وذكر ابن جرير الطبري أنه من التوسط في الفعل فان المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود فانهم قتلوا الأنباء وبدلوا كتاب الله ولم يغلوا كالنصارى فانهم زعموا أن عيسى ابن الله وقال أبو سليمان الدمشقي في هذا الكلام محذوف ومعناه جعلت قبلتكم وسطا بين القبلتين فان اليهود يصلون نحوالمغرب والنصارى نحو المشرق وانتم بينهما \r\n قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس فيه قولان أحدهما أن معناه لتشهدوا للأنبياء على أممهم روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان ويجيءالنبي ومعه أكثر من ذلك فيقال لهم أبلغكم هذا فيقولون لا فيقال للنبي أبلغتهم فيقول نعم فيقال من يشهد لك قال محمد وأمته فيشهدون أن الرسل قد بلغوا فيقال ما علمكم فيقولون ","part":1,"page":154},{"id":154,"text":" أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه فذلك قوله لتكونوا شهداء على الناس وهذا مذهب عكرمة وقتادة والثاني أن معناه لتكونوا شهداء لمحمد صلى الله عليه و سلم على الأمم اليهود والنصارى والمجوس قاله مجاهد \r\n قوله تعالى ويكون الرسول عليكم شهيدا يعني محمدا صلى الله عليه و سلم وبماذا يشهد عليهم في ثلاثة أقوال بأعمالهم قاله ابن عباس و أبو سعيد الخدري وابن زيد والثاني بتبليغهم الرسالة قاله قتادة و مقاتل و الثالث بايمانهم قاله أبوالعالية فيكون على هذا علكيم بمعنى لكم قال عكرمة لا يسأل عن هذه الأمة إلا نبيها \r\n قوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها يريد قبلة بيت المقدس إلا لنعلم فيه اربعة أقوال أحدها لنرى والثاني لنميز رويا عن ابن عباس والثالث لنعلمه واقعا إذ علمه قديم قاله جماعة من أهل التفسير وهو يرجع إلى قول ابن عباس لنرى والرابع أن العلم راحع إلى المخاطبين والمعنى لتعلموا انتم قاله الفراء \r\n قوله تعالى ممن ينقلب على عقبية أي يرجع الى الكفر قاله ابن زيد و مقاتل \r\n قوله تعالى وإن كانت لكبيرة في المشار إليها قولان أحدهما أنه التولية إلى الكعبة قاله ابن عباس و مجاهد وقتادة و مقاتل والثاني أنها قبلة بيت المقدس قبل التحول عنها قاله أبوالعالية و الزجاج \r\n قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم نزل على سبب وهو أن المسلمين قالوا يا رسول الله أرأيت إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم والإيمان المذكور هاهنا أريد به الصلاة في قول الجماعة وقيل إنما سمي ","part":1,"page":155},{"id":155,"text":" الصلاة إيمانا لاشتمالها على قول ونية وعمل قال الفراء وإنما أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين والمعنى فيمن مات من المسلمين قبل أن تحول القبلة لأنهم داخلون معهم في الملة قوله تعالى لرؤوف قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم لرؤوف على وزن لرعوف في جميع القرآن ووجهها أن فعولا اكثر في كلامهم من فعل فباب ضروب وشكور أوسع من باب حذر ويقظ وقرا أبو عمروا وحمزة والكسائي و أبو بكر عن عاصم لرؤف على وزن رعف ويقال هو الغالب على أهل الحجاز قال جرير ... ترى للمسلمين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم ... \r\n والرؤوف بمعنى الرحيم هذا قول الزجاج وذكر الخطابي عن بعض أهل العلم أن الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها قال ويقال الرأفة أخص والرحمة أعم \r\n قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون \r\n قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء \r\n سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يحب أن يوجه إلى الكعبة قاله البراء واين ابن عباس وابن المسيب و أبوالعالية وقتادة وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس واختلفوا في سبب اختيار النبي الكعبة علي بيت المقدس على قولين أحدهما أنها كانت قبلة إبراهيم روى عن ابن عباس والثاني لمخالفة اليهود قاله مجاهد ومعنى تقلب وجهه نظره إليها يمينا وشمالا و في بمعنى إلى و ترضاها بمعنى تحبها والشطر النحو من غير خلاف قال إبن عمر أتى الناس ","part":1,"page":156},{"id":156,"text":" آت وهم في صلاة الصبح بقباء فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا وهم في صلاتهم \r\n فصل \r\n اختلف العلماء أي وقت حولت القبلة على ثلاثة اقوال أحدها أنها حولت في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله المدينة قاله البراء بن عازب و معقل بن يسار والثاني أنها حولت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة قاله قتادة والثالث انها حولت في جمادى الآخرة حكاه إبن سلامة المفسر عن إبراهيم الحربي \r\n وفي الذين أوتوا الكتاب قولان أحدهما اليهود قاله مقاتل والثاني اليهود والنصارى قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ليعلمون أنه الحق يشير إلى ما أمر به من التوجه إلى الكعبة ثم توعدهم بباقي الآية على كتمانهم ما علموا ومن أين علموا أنه الحق فيه أربعة أقوال أحدها أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها قاله أبوالعالية والثاني يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم والثالث أن في كتابهم أن محمدا رسول صادق فلا يأمر إلا بحق والرابع انهم يعلمون جواز النسخ \r\n ولئن أتيت أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ","part":1,"page":157},{"id":157,"text":" قوله تعالى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية \r\n سبب نزولها أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للنبي ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ما تبعوا قبلتك يريد الكعبة وما بعضهم بتابع قبلة بعض لأن اليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق ولئن أتبعت أهواءهم فصليت إلى قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم قال مقاتل يريد بالعلم البيان \r\n الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون \r\n قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه في هاء يعرفونه قولان أحدهما أنها تعود على النبي صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس والثاني تعود على صرفه إلى الكعبة قاله أبوالعالية وقتادة والسدي و مقاتل وروي عن ابن عباس أيضا وفي الحق الذي كتموه قولان أحدهما أنه النبي صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد والثاني أنه التوجه إلى الكعبة قاله السدي و مقاتل في آخرين \r\n وفي قوله وهم يعلمون قولان أحدهما وهم يعلمون أنه حق والثاني وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب \r\n الحق من ربك فلا تكونن من الممترين \r\n قوله تعالى الحق من ربك \r\n قال الزجاج أي هذا الحق من ربك والممترون الشاكون والخطاب عام \r\n ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ","part":1,"page":158},{"id":158,"text":" قوله تعالى ولكل وجهة \r\n أي لكل أهل دين وجهة المراد بالوجهة القبلة قاله ابن عباس في آخرين قال الزجاج يقال جهة ووجهة وفي هو ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الله تعالى فالمعنى الله موليها إياهم أي أمرهم بالتوجه إليها والثاني ترجع إلى المتولى فالمعنى هو موليها نفسه فيكون هو ضمير كل والثالث يرجع إلى البيت قاله مجاهد أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة والجمهور يقرؤون موليها وقرا ابن عامر والوليد عن يعقوب هو مولاها بألف بعد اللام فضمير هو لكل ومعنى القراءتين متقارب \r\n قوله تعالى فاستبقوا الخيرات أي بادروها وقال قتادة لا تغلبوا على قبلتكم أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا قال ابن عباس وغيره هذا في يوم القيامة فأما إعادة قوله ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما \r\n الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون \r\n قوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام فانه تكرير تأكيد ليحسم طمع أهل الكتاب في رجوع المسلمين أبدا إلى قبلتهم \r\n قوله تعالى لئلا يكون للناس في الناس قولان أحدهما انهم أهل الكتاب قاله ابن عباس و أبو العالية وقتادة و مقاتل والثاني مشركوا العرب رواه السدي عن أشياخه فمن قال بالأول قال احتجاج أهل الكتاب انهم قالوا للنبي مالك تركت قبلة بيت المقدس إن كانت ضلالة فقد دنت بها الله وإن كانت هدى فقد نقلت عنها وقال قتادة قالوا اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه ومن قال بالثاني قال احتجاج المشركين ","part":1,"page":159},{"id":159,"text":" أنهم قالوا قد رجع إلى قبلتكم ويوشك أن يعود إلى دينكم \r\n وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به كقوله تعالى حجتهم داحضة عند ربهم الشورى 16 وقوله فرحوا بما عندهم من العلم غافر 83 \r\n قوله تعالى إلا الذين ظلموا منهم قال الزجاج معناه إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له كما تقول مالك علي حجة إلا الظلم أي إلا أن تظلمني أي مالك علي البتة ولكنك تظلمني قال ابن عباس فلا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة واخشوني في تركها \r\n كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون \r\n قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم قال الزجاج كما لا تصلح أن تكون جوابا لما قبلها والأجود أن تكون معلقة بقوله فاذكروني وقد روي معناه عن علي و ابن عباس و مجاهد مقاتل والآية خطاب لمشركي العرب وفي قوله ويزكيهم ثلاثة أقوال قد سبق ذكرها في قصة إبراهيم والكتاب القرآن والحكمة السنة \r\n فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون \r\n قوله تعالى فاذكروني \r\n قال ابن عباس وابن جبير اذكروني بطاعتي اذكركم بمغفرتي وقال ابراهيم بن السري كما أنعمت عليكم بالرسالة فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي قال فان قيل كيف يكون جواب كما أرسلنا فاذكروني فان قوله فاذكروني أمر وقوله أذكركم جزاؤه فالجواب أن المعنى إن تذكروني أذكركم \r\n قوله تعالى واشكروا لي الشكر الاعتراف بحق المنعم مع الثناء عليه ","part":1,"page":160},{"id":160,"text":" يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين \r\n قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا اسعينوا بالصبر والصلاة \r\n سبب نزولها أن المشركين قالوا سيرجع محمد إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا فنزلت هذه الآية قاله قتادة وقال ابن عباس استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض بالصلاة وقد سبق الكلام في الصبر وبيان الاستعانة به وبالصلاة \r\n ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل احياء ولكن لا تشعرون قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات \r\n سبب نزولها أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد مات فلان ببدر مات فلان بأحد فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس ورفع الأموات باضمار مكنى من أسمائهم أي لا تقولوا هم اموات ذكر نحوه الفراء فان قيل فنحن نراهم موتى فما وجه النهي فالجواب أن المعنى لا تقولوا هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء بل هم أحياء أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة فهم أحياء من هذه الجهة وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الأرواح ذكره ابن الانباري فان قيل أليس جميع المؤمنين منعمين بعد موتهم فلم خصصتم الشهداء فالجواب أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم منعم بما دون ذلك ذكره إبن جرير الطبري \r\n ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ","part":1,"page":161},{"id":161,"text":" قوله تعالى ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال \r\n قال الفراء من تدل على أن لكل صنف منها شيئا مضمرا فتقديره بشىء من الخوف وشىء من الجوع و شيء من نقص الأموال \r\n وفيمن أريد في هذه الآية اربعة أقوال أحدها انهم أصحاب النبي خاصة قاله عطاء والثاني انهم أهل مكة والثالث أن هذا يكون في آخر الزمان قال كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا ثمرة والرابع أن الآية على عمومها \r\n فأما الخوف فقال ابن عباس وهو الفزع في القتال والجوع المجاعة التي اصابت أهل مكة سبع سنين ونقص من الأموال ذهاب أموالهم والأنفس بالموت والقتل الذي نزل بهم والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج وحكى أبو سليمان الدمشقي عن بعض أهل العلم أن الخوف في الجهاد والجوع في فرض الصوم ونقص الأموال ما فرض فيها من الزكاة والحج ونحو ذلك والأنفس ما يستشهد منها في القتال والثمرات ما فرض فيها من الصدقات وبشر الصابرين على هذه البلاوي بالجنة \r\n واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم ليوطنوا أنفسهم على الصبر فيكون ذلك أبعد بهم من الجزع قالوا إنا لله يريدون نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء وإنا إليه راجعون يريدون نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا والثواب على صبرنا قال سعيد بن جبير لقد أعطيت هذه الامة عند المصيبة شيئا لم يعطه الأنبياء قبلهم الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب ألم تسمع إلى قوله يا أسفى على يوسف قال الفراء وللعرب في المصيبة ثلاث لغات مصيبة ومصابة ومصوبة زعم الكسائي أنه سمع أعرابيا يقول جبر الله مصوبتك ","part":1,"page":162},{"id":162,"text":" أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون \r\n قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم \r\n قال سعيد بن جبير الصلوات من الله المغفرة وأولئك هم المهتدون بالاسترجاع قال عمر بن الخطاب نعم العدلان ونعمت العلاوة أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون \r\n إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون \r\n قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله \r\n في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رجالا من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم كان بين مكة والمدينة قالوا يا رسول الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما فنزلت هذه الآية رواه عروة عن عائشة \r\n والثاني أن المسلمين كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة لأنه كان على الصفا تماثيل وأصنام فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وقال الشعبي كان وثن على ","part":1,"page":163},{"id":163,"text":" الصفا يدعى إساف ووثن على المروة يدعى نائلة وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحونهما فلما جاء الإسلام كفوا عن السعي بينهما فنزلت هذه الآية \r\n والثالث أن الصحابة قالت للنبي صلى الله عليه و سلم إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة وإن الله تعالى ذكر الطواف بالبيت ولم يذكره بين الصفا والمرة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما فنزلت هذه الآية رواه الزهري عن ابي بكر بن بعد الرحمن عن جماعة من أهل العلم قال إبراهيم بن السري الصفا في اللغة الحجارة الصلبة الصلدة التي لا تنبت شيئا وهو جمع واحدة صفاة وصفا مثل حصاة وحصى والمروة الحجارة اللينة وهذان الموضعان من شعائر الله أي من اعلام متعبداته وواحد الشعائر شعيرة والشعائر كل ما كان من موقف أو سعي أو ذبح والشعائر من شعرت بالشىء إذا علمت به فسميت الاعلام التي هي متعبدات الله شعائر الله والحج في اللغة القصد وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره والجناح الإثم أخذ من جنح إذا مال وعدل وأصله من جناح الطائر وإنما اجتنب المسلمون الطواف بينهما لمكان الأوثان فقيل لهم إن نصب الأوثان بينهما قبل الإسلام لا يوجب اجتنابهما فأعلم الله عز و جل أنه لا جناح في التطوف بهما وأن من تطوع بذلك فان الله شاكر عليم والشكر من الله المجازاة والثناء الجميل والجمهور قرؤوا ومن تطوع بالتاء ونصب العين منهم ابن كثير ونافع وعاصم و أبو عمرو وابن عامر وقرأ حمزة والكسائي يطوع بالياء وجزم العين وكذلك خلافهم في التي بعدها بآيات \r\n فصل \r\n اختلفت الرواية عن إمامنا احمد في السعي بين الصفا والمروة فنقل الأثرم أن من ترك السعي لم يجزه حجه ونقل أبو طالب لا شيء في تركه عمدا أو سهوا ولا ينبغي أن يتركه ونقل الميموني أنه تطوع ","part":1,"page":164},{"id":164,"text":" قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في رؤساء اليهود كتموا ما أنزل الله في التوراة من البينات والهدى فالبينات الحلال والحرام والحدود والفرائض والهدى نعت النبي وصفته من بعد ما بيناه للناس قال مقاتل لبني إسرائيل وفي الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة وهو قول ابن عباس والثاني التوراة والإنجيل قاله قتادة أولئك إشارة إلى الكاتمين يلعنهم الله قال ابن قتية أصل اللعن في اللغة الطرد ولعن الله إبليس أي طرده ثم انتقل ذلك فصار قولا قال الشماخ وذكر ماء ... ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين ... \r\n أي الطريد وفي اللاعنين اربعة أقوال أحدها أن المراد بهم دواب الأرض رواه البراء عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو قول مجاهد و عكرمة قال مجاهد يقولون إنما منعنا القطر بذنوبكم فيلعنونهم والثاني انهم المؤمنون قاله عبد الله بن مسعود والثالث انهم الملائكة والمؤمنون قاله أبوالعالية وقتادة والرابع انهم الجن والإنس وكل دابة قاله عطاء \r\n فصل \r\n وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة كانت أو مستنبطة وتدل على امتناع جواز اخذ الأجرة على ذلك إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما يجب فعله وقد روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال إنكم تقولون أكثر أبو هريرة على النبي صلى الله عليه و سلم ","part":1,"page":165},{"id":165,"text":" والله الموعد وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا بشيء أبدا ثم تلا إن الذين يكتمون ما أنزلنا إلى آخرها \r\n إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم \r\n قوله تعالى إلا الذين تابوا \r\n قال ابن مسعود إلا الذين تابوا من اليهود وأصلحوا أعمالهم وبينوا صفة رسول الله في كتابهم \r\n فصل \r\n وقد ذهب قوم إلى أن الآية التي قبل هذه منسوخة بالاستثناء في هذه وهذا ليس ينسخ لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ وذلك يقتضي التخصيص دون النسخ ومما يحقق هذا أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثى منه \r\n إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار \r\n إنما شرط الموت على الكفر لأن حكمه يستقر بالموت عليه فان قيل كيف قال والناس أجمعين وأهل دينه لا يلعنونه فعنه ثلاثة اجوبة أحدها انهم يلعنونه في الآخرة قال الله عز و جل ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ","part":1,"page":166},{"id":166,"text":" العنكبوت 25 وقال كلما دخلت أمة لعنت أختها الأعراف 38 والثاني أن المراد بالناس هاهنا المؤمنون قاله ابن مسعود وقتادة و مقاتل فيكون على هذا من العام الذي أريد به الخاص والثالث أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل \r\n خالدين فيها لا يخفف عنهم الذاب ولا هم ينظرون \r\n قوله تعالى خالدين فيها في هاء الكناية قولان أحدهما أنها تعود إلى اللعنة قاله ابن مسعود و مقاتل والثاني أنها ترجع إلى النار و إن لم يجر لها ذكر فقد علمت \r\n وإلهكم إله واحد لا إله هو الرحمن الرحيم \r\n قوله تعالى وإلهكم إله واحد \r\n قال ابن عباس إن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فنزلت ههذ الآية وسورة الإخلاص والإله بمعنى المعبود \r\n إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون \r\n قوله تعالى إن في خلق السموات والارض \r\n في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن المشركين قالوا للنبي اجعل لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا فنزلت هذه الآية حكاه السدي عن ابن مسعود و ابن عباس والثاني انهم لما قالوا انسب لنا ربك وصفه فنزلت وإلهكم إله واحد قالوا فأرنا آية ذلك فنزلت إن في خلق السموات والأرض إلى قوله يعقلون رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنه لما نزلت وإلهكم إله واحد قال كفار قريش كيف يسع الناس إله واحد فنزلت هذه الآية قاله عطاء ","part":1,"page":167},{"id":167,"text":" فأما السموات فتدل على صانعها إذ هي قائمة بغير عمد وفيها من الآيات الظاهرة ما يدل يسيره على مبدعه وكذلك الأرض في ظهور ثمارها وتمهيد سهولها وإرساء جبالها الى غير ذلك واختلاف الليل والنهار كل واحد منهما حادث بعد أن لم يكن وزائل بعد أن كان والفلك السفن قال ابن قتيبة الواحد والجمع بلفظ واحد وقال اليزيدي واحدة فلكة ويذكر ويؤنث وقال الزجاج الفلك السفن ويكون واحدا ويكون جمعا لأن فعل وفعل جمعهما واحد ويأتيان كثيرا بمعنى واحد يقال العجم والعجم والعرب والعرب والفلك والفلك والفلك يقال لك شيء مستدير أو فيه استدارة و البحر الماء العزير بما ينفع الناس من المعايش وما أنزل الله من السماء من ماء يعني المطر والمطر ينزل على معنى واحد وأجزاء الأرض والهواء على معنى واحد والانواع تختلف في النبات والطعوم الألوان والأشكال المختلفات وفي ذلك رد على من قال إن انه من فعل الطبيعة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتفق موجبها إذ المتفق لا يوجب المختلف وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في قوله يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل الرعد 4 \r\n قوله تعالى وبث أي فرق \r\n قوله تعالى وتصريف الرياح قرأ ابن كثير الرياح على الجمع في خمسة مواضع هاهنا وفي الحجر 22 وأرسلنا الرياح لوقح وفي الكهف 46 تذروه الرياح وفي الروم 46 الحرف الأول الرياح وفي الجاثية 4 وتصريف الرياح وقرأ باقي القرآن الريح وقرأ أبو جعفر الرياح في خسمة عشر موضعا في البقرة وفي الأعراف 56 يرسل الرياح وفي إبراهيم 18 اشتدت به الرياح وفي الحجر 22 الرياح لواقح وفس سبحان 19 وفي الكهف 45 تذروه الرياح وفي الأنبياء 81 ","part":1,"page":168},{"id":168,"text":" وفي الفرقان 48 أرسل الرياح وفي النمل والثاني من الروم 48 وفي سبأ 12 وفي صلى الله عليه و سلم 36 وفي عسق 33 يسكن الرياح وفي الجاثية 5 وتصريف الرياح تابعه نافع إلا في سبحان ورياح سليمان الأنبياء 81 وتابع نافعا أبو عمرو إلا في حرفين الريح في إبراهيم وعسق ووافق أبا عمرو وعاصم وابن عامر وقرا حمزة الرياح جمعا في موضعين في الفرقان والحرف الأول من الروم وباقيهن على التوحيد وقرا الكسائي مثل حمزة إلا إنه زاد عليه في الحجر 22 الرياح لواقح ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام فمن جمع فكل ريح تساوي اختها في الدلالة على التوحيد والنفع ومن وحد أراد الجنس \r\n ومعنى تصريف الرياح تقلبها شمالا مرة وجنوبا مرة ودبورا اخرى وصبا اخرى وعذابا ورحمة والسحاب المسخر المذلل والآية فيه من أربعة اوجه ابتداء كونه وانتهاء تلاشيه وقيامه بلا دعامة ولا علاقة وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى لآيات الاية العلامة أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أخبرنا عاصم قال أخبرنا ابن بشران قال أخبرنا ابن صفوان قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني هارون قال حدثني عفان عن مبارك بن فضاله قال سمعت الحسن يقول كانوا يقولون يعني أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف لقال الشاك في الله لو كان لهذا الخلق رب لحادثه وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات أنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيه سكنا ونجوما وقمرا منيرا و إذا شاء بنى بناء جعل فيه المطر والبرق والرعد والصواعق ما شاء و إذا شاء صرف ذلك و إذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس و إذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ ","part":1,"page":169},{"id":169,"text":" أنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة \r\n ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا بحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا و أن الله شديد العذاب \r\n قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا \r\n وفي الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة وفي قوله يحبونهم كحب الله قولان \r\n أحدهما أن معناه يحبونهم كحب الذين آمنوا لله هذا قول ابن عباس وعكرمة و أبي العالية و ابن زيد و مقاتل و الفراء \r\n والثاني يحبونم كمحبتهم لله أي يسوون بين الأوثان وبين الله تعالى في المحبة هذا اختيار الزجاج قال والقول والاول ليس بشيء والدليل على نقضه قوله والذين آمنوا أشد حبا لله قال المفسرون أشد حبا لله من أهل الأوثان لأوثانهم \r\n قوله تعالى ولو يرى الذين ظلموا قرأ أبو عمرو و ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي يرى بالياء ومعناه لو يرون عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله جيمعا وقرا نافع وابن عامر و يعقوب ولو ترى بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد به جميع الناس وجوابه محذوف تقديره لرأيتم أمر عظيما كما تقول لو رأيت فلانا والسياط تأخذه وإنما حذف الجواب لأن المعنى واضح بدونه قال أبو علي وإنما قال إذ ولم يقل إذا وإن كانت إذ لما مضى لإرادة تقريب الأمر فأتى بمثال الماضي وإنما حذف جواب لو لأنه أفخم لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد وقرا أبو جعفر إن القوة لله و إن الله بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف كأنه يقول ","part":1,"page":170},{"id":170,"text":" فلا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم إن القوة لله جميعا قال ابن عباس القوة القدرة والمنعة \r\n إذ تبرأ الذي اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار \r\n قوله تعالى من الذين اتبعوا فيهم قولان أحدهما انهم القادة والرؤساء قاله ابن عباس و أبوالعالية و قتادة و مقاتل و الزجاج والثاني انهم الشياطين قاله السدي \r\n قوله تعالى ورأؤا العذاب يشمل الكل وتقطعت بهم الأسباب أي عنهم مثل قوله فسئل به خبيرا الفرقان 59 وفي الأسباب أربعة أقوال أحدها أنها المودات و إلى نحوه ذهب ابن عباس و مجاهد وقتادة والثاني أنها الأعمال رواه السدي عن ابن مسعود و ابن عباس وهو قول ابي صالح وابن زيد والثالث أنها الأرحام رواه أبن جريج عن ابن عباس والرابع أنها تشمل جميع ذلك قال ابن قتيبة هي الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا فأما تسميتها بالأسباب فالسبب في اللغة الحبل ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى المقصود سبب والكرة الرجعة إلى الدنيا قاله ابن عباس وقتادة في آخرين فنتبرأ منهم يريدون من القادة كما تبرؤوا منا في الآخرة كذلك يريهم الله أعمالهم قال الزجاج أي كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم لأن أعمال الكافر لا تنفعه وقال ابن الأنباري يريهم الله أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم قال ويجوز أن يكون كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم الصالحة وجزاءها فخذق ! الجزاء ","part":1,"page":171},{"id":171,"text":" وأقام الأعمال مقامه قاله ابن فارس والحسرة التلهف على الشيء الفائت وقال غيره الحسرة أشد الندامة \r\n يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين \r\n قوله تعالى يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا نزلت في ثقيف و خزاعة وبني عامر بن صعصعة فيما حرموا على انفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والحام قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى ولا تتبعوا خطوات الشيطان قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم خطوات مثقلة وقرا نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم وحمزة خطوات ساكنة الطاء خفيفة وقرا الحسن و أبو الجوزاء خطوات بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز وقرا أبو عمران الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز قاله ابن قتيبة خطواته سبيله ومسلكه وهي جمع خطوة والخطوة بضم الخاء ما بين القدمين وبفتحها الفعلة الواحدة واتباعهم خطواته أنهم كانوا يحرمون أشياء قد احلها الله ويخلون أشياء قد حرمها الله \r\n قوله تعالى إنه لكم عدو مبين أي بين وقيل أبان عداوته بما جرى له مع آدم \r\n إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون \r\n قوله تعالى إنما يأمركم بالسوء السوء كل إثم وقبح قال ابن عباس وإنما سمي سوءا لأنه تسوء عواقبه وقيل لأنه يسوء إظهاره والفحشاء من فحش الشيء إذا جاز قدره وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال أحدها أنها كل معصية لها حد في الدنيا ","part":1,"page":172},{"id":172,"text":" والثاني أنها ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والثالث أنها البخل وهذه الاقوال الثلاثة منقولة عن ابن عباس والرابع أنها الزنى قاله السدي والخامس المعاصي قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أي أنه حرم عليكم ما لم يحرم \r\n و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون \r\n قوله تعالى و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله \r\n اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها في الذين قيل لهم كلوا مما في الارض حلالا طيبا فعلى هذا تكون الهاء والميم عائدة عليهم وهذا قول مقاتل والثاني أنها نزلت في اليهود وهي قصة مستأنفة فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور ذكره ابن اسحاق عن ابن عباس والثالث في مشركي العرب وكفار قريش فتكون الهاء والميم عائدة إلى قوله ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا فعلى القول الأول يكون المراد بالذي أنزل الله تحليل الحلال وتحريم الحرام وعلى الثاني يكون الإسلام وعلى الثالث التوحيد والإسلام و ألفينا بمعنى وجدنا \r\n قوله تعالى أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون له أيتبعونهم ايضا في خطئهم وافترائهم \r\n ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ياأيهاالذين آمنونا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون \r\n قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ","part":1,"page":173},{"id":173,"text":" في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناها ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي وهذا قول الفراء وثعلب قالا جميعا أضاف المثل إلى الذين كفروا ثم شبههم بالراعي ولم يقل كالغنم والمعنى ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت فلو قال لها الراعي ارعي أو اشربي لم تدر ما يقول لها فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن وإنذار الرسول فأضيف التشبيه إلى الراعي والمعنى في المرعي وهو ظاهر في كلام العرب يقولون فلان يخافك كخوف الأسد والمعنى كخوفه الأسد لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف قال الشاعر ... كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم ... \r\n والمعنى كما كان الرجم فريضة الزنى \r\n والثاني أن معناها ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق والمنعوق به فحذف ومثلنا اختصارا إذ كان في الكلام ما يدل عليه وهذا قول ابن قتيبة و الزجاج \r\n والثالث ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتم التي يعبدون كمثل الذي ينعق هذا قول ابن زيد والذي ينعق هو الراعي يقال نعق بالغنم ينعق نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا قال ابن الانباري والفاشي في كلام العرب أنه لا يقال نعق إلا في الصياح بالغنم وحدها فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى صم بكم إنما وصفهم بالصم والبكم أنهم لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون يمنزلة من لا يسمع وكذلك في النطق والنظر وقد سبق شرح هذا المعنى \r\n إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ","part":1,"page":174},{"id":174,"text":" قوله تعالى إنما حرم عليكم الميتة \r\n قرأ أبو جعفر الميتة هاهنا وفي المائدة والنحل و بلدة ميتا ق11 بالتشديد حيث وقع والميتة في عرف الشرع اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة وقيل إن الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث أذى للآكل وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال ميتة حكما لأن حكمه حكم الميتة كذبيحة المرتد فأما الدم فالمحرم منه المسفوح لقوله تعالى أو دما مسفوحا الأنعام 145 قال القاضي أبو يعلى فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق فهو مباح \r\n فأما لحم الخنزير فالمراد جملته و إنما خص اللحم لأنه معظم المقصود قال الزجاج الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى ومعنى وما أهل به لغير الله البقرة 173 ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله ومثله الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية \r\n قوله تعالى فمن اضطر أي ألجيء بضرورة وقرا أبو جعفر فمن اضطر بكسر الطاء حيث كان وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء \r\n قوله تعالى غير باغ قال الزجاج البغي قصد الفساد يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد وفي قوله غير باغ ولا عاد اربعة أقوال أحدها أن معناه غير باغ على الولاة ولا عاد يقطع السبيل هذا قول سعيد بن جبير و مجاهد والثاني غير باغ في أكله فوق حاجته ولا متعد بأكلها وهو يجد غيرها هذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والربيع والثالث غير باغ أي مستحل ولا عاد غير مضطر روي عن سعيد بن جبير و مقاتل والرابع غير باغ شهوته بذلك ولا عاد بالشبع منه قاله السدي \r\n فصل \r\n معنى الضرورة في إباحة الميتة ان يخاف على نفسه أو بعض أعضائه سئل أحمد ","part":1,"page":175},{"id":175,"text":" رضي الله عنه عن المضطر إذا لم يأكل الميتة فذكر عن مسروق أنه قاله من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار فأما مقدار ما يأكل فنقل حنبل يأكل مقدار ما يقيمه عن الموت ونقل ابن منصور يأكل بقدر ما يستغني فظاهر الأولى أنه لا يجوز له الشبع وهو قول ابي حنيفة والشافعي وظاهر الثانيه جواز الشبع وهو قول مالك \r\n إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب \r\n قال ابن عباس نزلت في اليهود كتموا اسم النبي صلى الله عليه و سلم وغيروه في كتابهم والثمن القليل ما يصيبونه من اتباعهم من الدنيا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار قال الزجاج معناه إن الذين يأكلونه يعذبون به فكأنهم يأكلون النار ولا يكلمهم هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم \r\n قوله تعالى ولا يزكيهم فيه ثلاثة أقوال احدها لا يزكي اعمالهم قاله مقاتل والثاني لا يثني عليهم قاله الزجاج والثالث لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم قاله ابن جرير \r\n أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار \r\n قوله تعالى أولئك الذين اشرتوا الضلالة أي اختاروها على الهدى \r\n قوله تعالى فما أصبرهم على النار فيه أربعة أقوال أحدها أن معناه فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار قاله عكرمة والربيع والثاني ما أجرأهم على النار قاله الحسن و مجاهد وذكر الكسائي أن أعرابيا حلف له رجل كاذبا فقال الأعرابي ما أصبرك على الله يريد ما أجرأك والثالث ما أبقاهم في النار كما تقول ما أصبر فلانا على الحبس ","part":1,"page":176},{"id":176,"text":" أي ما أبقاه فيه ذكره الزجاج والرابع أن المعنى فأي شيء صبرهم على النار قاله ابن الأنباري وفي ما قولان أحدهما أنها للاستفهام تقديرها ما الذي أصبرهم قاله عطاء والسدي وابن زيد و أبو بكر بن عياش والثاني أنها للتعجب كقولك ما أحسن زيدا وما أعلم عمرا وقال ابن الانباري معنى الآية التعجب والله يعجب المخلوقين ولا يعجب هو كعجبهم \r\n قوله تعالى ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الوعيد بالعذاب فتقديره ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به واختلفوا فيه وفي الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة والثاني القرآن وفي الحق قولان أحدهما أنه العدل قاله ابن عباس والثاني أنه ضد الباطل قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وإن الذين اختلفوا في الكتاب فيه قولان \r\n أحدهما أنه التوراة ثم في اختفلاهم فيها ثلاثة أقوال أحدها أن اليهود والنصارى اختلفوا فيها فادعى النصارى فيها صفة عيسى وأنكر اليهود ذلك والثاني انهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه و سلم والثالث انهم خالفوا سلفهم في التمسك بها \r\n والثاني أنه القرآن فمنهم من قال شعر ومنهم من قال إنما يعلمه بشر \r\n والشقاق معاداة بعضهم لبعض وفي معنى بعيد قولان أحدهما أن بعضهم متباعد في مشاقة بعض قاله الزجاج والثاني أنه بعيد من الهدى \r\n ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم ","part":1,"page":177},{"id":177,"text":" إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرآء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون \r\n قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم \r\n قال قتادة ذكر لنا أن رجلا سأل عن البر فأنزلت هذه الآية فدعاه رسول الله فتلاها عليه وفيمن خوطب بها قولان أحدهما انهم المسلمون والثاني اهل الكتابين فعلى القول الاول معناها ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما في هذه الآية وهذا المعنى مروي عن ابن عباس و مجاهد وعطاء والضحاك وسفيان وعلى القول الثاني معناها ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق ولكن البر ما في هذه الآية وهذا قول قتادة والربيع وعوف الأعرابي و مقاتل \r\n وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ليس البر بنصب الراء وقرا الباقون برفعها قال أبو علي كلاهما حسن لأن كل واحد من الاسمين اسم ليس وخبرها معرفة فاذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبرا كما تتكافأ النكرتان \r\n وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال أحدها الإيمان والثاني التقوى والثالث العمل الذي يقرب إلى الله \r\n قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله فيه قولان أحدهما أن معناه ولكن البر بر من آمن بالله والثاني ولكن ذا البر من آمن بالله حكاهما الزجاج وقرأ نافع وابن عامر ولكن البر بتخفيف نون لكن و رفع البر وإنما ذكر اليوم الآخر لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث وفي المراد بالكتاب هاهنا قولان احدهما أنه القرآن والثاني أنه بمعنى الكتب فيدخل في هذا اليهود لتكذيبهم بعض النبيين وردهم القرآن \r\n قوله تعالى وآتى المال على حبه في هاء حبه قولان أحدهما أنها ترجع إلى المال والثاني إلى الإيتاء وكان الحسن إذا قرأها قال سوى الزكاة المفروضة ","part":1,"page":178},{"id":178,"text":" قوله تعالى ذوي القربى يريد قرابة المعطي وقد شرحنا معنى اليتامى والمساكين عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة فأما ابن السبيل ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الضيف قاله سعيد بن جبير والضحاك و مقاتل و الفراء وابن قتيبة و الزجاج والثاني أنه الذي يمر بك مسافرا قاله الربيع بن أنس وعن مجاهد وقتادة كالقولين وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال هو المنقطع به يريد بلدا آخر وهذا اختيار ابن جرير الطبري وأبي سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى ويحققه أن السبيل الطريق وابنه صاحبه الضارب فيه فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا ولعل اصحاب القول الأول أشاروا إلى هذا لأنه إن كان مسافرا فانه ضيف لم ينزل والقول الثالث أنه الذي يريد سفرا ولا يجد نفقة ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي \r\n قوله تعالى وفي الرقاب أي في فك الرقاب ثم فيه قولان أحدهما انهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو مروي عن علي بن أبي طالب والحسن وابن زيد والشافعي والثاني انهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مالك بن أنس و أبو عبيد وأبو ثور وعن أحمد كالقولين \r\n فأما البأساء فهي الفقر والضراء المرض وحين البأس القتال قاله الضحاك أولئك الذين صدقوا قال أبوالعالية تكلموا بالإيمان وحققوه بالعمل \r\n يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ","part":1,"page":179},{"id":179,"text":" روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة فقتل عبدهم عبد قوم آخرين قالوا لن نقتل به إلا حرا تعززا لفضلهم على غيرهم و إذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين قالوا لن نقتل بها إلا رجل فنزلت هذا الآية ومعنى كتب فرض قاله ابن عباس وغيره والقصاص مقابلة الفعل بمثله مأخوذ من قص الأثر فان قيل كيف يكون فرضا والولى مخير بينه وبين العفو فالجواب أنه فرض على القاتل للولي لا على الولي \r\n قوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء أي من دم أخيه أي ترك له القتل ورضي منه بالدية ودل قوله من أخيه على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام فاتباع بالمعروف أي مطالبته بالمعروف بأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقة فيها وأداء إليه بإحسان يأمر المطالب بان لا يبخس ولا يماطل ذلك تخفيف من ربكم قال سعيد بن جبير كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه دية فرخص الله لأمة محمد فان شاء ولي المقتول عمدا قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية \r\n قوله تعالى فمن اعتدى أي ظلم فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية فله عذاب أليم قال قتادة يقتل ولا تقبل منه الدية \r\n فصل \r\n ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ لأنه لما قال الحر بالحر اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر وكذلك لما قال والأنثى بالأنثى اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب وذلك منسوخ بقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال شيخنا علي بن عبد الله وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ لأن الفقهاء يقولون دليل الخطاب حجة مالم يعراضه دليل دليل أقوى منه ","part":1,"page":180},{"id":180,"text":" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون \r\n قوله تعالى ولكم في القصاص حياة \r\n قال الزجاج إذا علم الرجل أنه إن قتل قتل أمسك عن القتل فكان في ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه لأنه من أجل القصاص امسك وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال ... أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام ... \r\n يريد انهم إذا تعاتبوا أصلح من بينهم العتاب والألباب العقول وإنما خصهم بهذا الخطاب و إن كان الخطاب عاما لأنهم المنتفعون بالخطاب لكونهم يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه \r\n قوله تعالى لعلكم تتقون قال ابن عباس لعلكم تتقون الدماء وقال ابن زيد لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به \r\n فصل \r\n نقل أين منصور عن أحمد إذا قتل رجل رجلا بعصى أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر يقتل مثل الذي قتل به فظاهر هذا أن القصاص يكون بغير السيف ويكون بمثل الآلة التي قتل لها وهو قول مالك والشافعي ونقل عنه حرب إذا قتله بخشبة قبل بالسيف ونقل أبو طالب إذا خنقه قتل بالسيف فظاهر هذا أنه لا يكون القصاص إلا بالسيف وهو قول ابي حنيفة رحمه الله \r\n كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين \r\n قوله تعالى كتب علكيم إذا حضر أحدكم الموت \r\n قال الزجاج المعنى وكتب عليكم إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف ","part":1,"page":181},{"id":181,"text":" بالواو وعلم أن معناه معنى الواو وليس المراد كتب عليكم أن يوصي احدكم عند الموت لأنه في شغل حينئذ وإنما المعنى كتب علكيم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية فيقول الرجل إذا أنا مت فلفلان كذا فأما الخير هاهنا فهو المال في قول الجماعة \r\n وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصيه فيه ستة أقوال أحدها أنه ألف درهم فصاعدا روي عن علي وقتادة والثاني أنه سبعمائة درهم فما فوقها رواه طاووس عن ابن عباس والثالث ستون دينار فما فوقها رواه عكرمة عن ابن عباس والرابع أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال قالت عائشة لرجل سألها إني أريد الوصية فقالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال أربعة قالت هذا شيء يسير فدعه لعيالك والخامس أنه من ألف درهم إلى خمسمائة قاله إبراهيم النخعي والسادس أنه القليل والكثير رواه معمر عن الزهري فأما المعروف فهو الذي لا حيف فيه \r\n فصل \r\n وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة فيه قولان أحدهما أنها كانت ندبا والثاني أنها كانت فرضا وهو أصح لقوله تعالى كتب ومعناه فرض قال ابن عمر نسخت هذه الآية بآية الميرات وقال ابن عباس نسختها للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون النساء 7 والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون هل تجب الوصية لهم على قولين اصحهما أنها لا تجب لأحد \r\n فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم \r\n قوله تعالى فمن بدله قال الزجاج من بدل أمر الوصية بعد سماعه إياها فانما إئمه ","part":1,"page":182},{"id":182,"text":" على مبدله لا على الموصي ولا على المصى له إن الله سميع لما قد قاله الموصي عليم بما يفعله المصى إليه \r\n فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى فمن خاف من موص قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم موص ساكنة الواو وقرا حمزة والكسائي و أبو بكر عن عاصم موص مفتوحة الواو مشددة الصاد وفي المراد بالخوف هاهنا قولان أحدهما أنه العلم والثاني نفس الخوف فعلى الأول يكون الجور قد وجد وعلى الثاني يخشى وجوده وال الجنف الميل عن الحق قال الزجاج جنفا أي ميلا أو إثما أي قصد الإثم وقال ابن عباس الجنف الخطأ والإثم العمد قال أبو سليمان الدمشقي الجنف الخروج عن الحق وقد يسمى به الممطىء والعامد ألا أن المفسرين عقلوا الجنف على الممطئ والإثم على العامد \r\n وفي توجيه هذه الآية قولان أحدهما أن معناه من حضر رجلا يموت فأسرف في وصيته أو قصر عن حق فليأمره بالعدل هذا قول مجاهد والثاني أن معناه من اوصى بجور فرد وليه وصيته أو ردها إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه فلا إثم عليه وهذا قول قتادة \r\n قوله تعالى فأصلح بينهم أي بين الذين أوصى لهم ولم يجر لهم ذكر غير أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له وأنشد الفراء ... وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني ... أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني ... \r\n فكنى في البيت الاول عن الشر بعد ذكره الخير وحده لما في مفهوم اللفظ من الدلالة ","part":1,"page":183},{"id":183,"text":" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام \r\n الصيام في اللغة الإمساك في الجملة يقال صامت الخيل إذا امسكت عن السير وصامت الريح إذا امسكت عن الهبوب والصوم في الشرع عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال أحدها انهم أهل الكتاب رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وهو قول مجاهد والثاني انهم النصارى قاله الشعبي والربيع والثالث انهم جميع أهل الملل ذكره أبو صالح عن ابن عباس \r\n وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان أحدهما أن التشبيه في حكم الصوم وصفته لا في عددة قال سعيد بن جبير كتب عليهم إذا نام احدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله احل لكم ليلة الصيام الرفث البقرة 187 فانها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين والثاني أن التشبيه في عدد الايام ثم في ذلك قولان أحدهما أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر وقد كان ذلك فرضا على من قبلهم قال عطية عن ابن عباس في قوله تعالى كما كتب على الذين من قبلكم قال كان ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ برمضان قال معمر عن قتادة كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن والثاني أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه قال ابن عباس فقدم النصارى يوما ثم يوما واخروا يوما ثم قالوا نقدم عشرا ونؤخر عشرا وقال السدي عن أشياخه اشتد على النصارى صوم رمضان فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف فلما رأوا ذلك اجتمعوا ","part":1,"page":184},{"id":184,"text":" فجلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف وقالوا نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة \r\n قوله تعالى لعلكم تتقون لأن الصيام وصلة إلى التقى إذ هو يكف النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي وقيل لعلكم تتقون محظورات الصوم \r\n أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وان تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون \r\n قوله تعالى أياما معدودات قال الزجاج نصب أياما على الظرف كأنه قال كتب عليكم الصيام في هذه الأيام والعامل فيه الصيام كأن المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودوات وفي هذه الايام ثلاثة أقوال أحدها أنها ثلاثة أيام من كل شهر والثاني أنها ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء والثالث أنها شهر رمضان وهو الأصح وتكون الآية محكمة في هذا القول وفي القولين قبله تكون منسوخة فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام فيه إضمار فأفطر \r\n فصل \r\n وليس المرض والسفر على الإطلاق فان المريض إذا لم يضر به الصوم لم يجز له الإفطار وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم واتفق العلماء أن السفر مقدر واختلفوا في تقديره فقال احمد ومالك والشافعي أقله مسيرة ستة عشر فرسخا يومان وقال أبو حنيفة وأصحابه أقله مسيرة ثلاثة أيام مسيرة اربعة وعشرين فرسخا وقال الأوزاعي أقله مرحلة يوم مسيرة ثمانية فراسخ وقيل إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف يقال سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح إذا أضاء فسمي الخروج إلى المكان البعيد سفرا لأنه يكشف عن أخلاق المسافر ","part":1,"page":185},{"id":185,"text":" قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين نقل عن ابن مسعود ومعاذ بن جبل وابن عمر و ابن عباس وسلمة بن الأكوع وعلقمة والزهري في آخرين في هذه الآية انهم قالوا كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى يطعم عن كل يوم مسكينا حتى نزلت فمن شهد منكم الشهر فليصمه فعلى هذا يكون معنى الكلام وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه فدية ثم نسخت وروي عن عكرمة أنه قال نزلت في الحامل والمرضع وقرا أبو بكر الصديق و ابن عباس وعلى الذين يطوقونه بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو قال ابن عباس هو الشيخ والشيخة \r\n قوله تعالى فدية طعام مسكين قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي فدية منون طعام المسكين موحد وقرأ نافع وابن عامر فدية بغير تنوين طعام بالخفض مساكين بالجمع قال أبو علي معنى القراءة الأولى على كل واحد طعام مسكين ومثله فاجلدوهم ثمانين النور 4 أي اجلدوا كل واحد ثمانين قال أبو زيد أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة وأعطانا كلنا مئة أي فعل ذلك بكل واحد منا قال فأما من أضاف الفدية إلى الطعام فكاضافة البعض إلى ما هو بعض له وذلك أنه سمى الطعام الذي يفدى به فدية ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها فهو على هذا من باب خاتم حديد \r\n قوله تعالى فمن تطوع خيرا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه من أطعم مسكينين قاله ابن عباس و مجاهد والثاني أن التطوع إطعام مساكين قاله طاووس والثالث أنه زيادة المسكين على قوته وهو مروي عن مجاهد وفعله أنس بن مالك لما كبر وأن تصوموا خير لكم عائد إلى من تقدم ذكره من الأصحاء المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام على ما حكينا في اول الآية عن السلف ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين والحامل والمرضع اذ الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم وقد نهوا عن تعريض أنفسهم للتلف وهذا يقوي قول القائلين بنسخ الآية ","part":1,"page":186},{"id":186,"text":" شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون \r\n قوله تعالى شهر رمضان \r\n قال الأخفش شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام كانه لما قال أياما معدودات فسرها فقال هي شهر رمضان قال أبو عبيد وقرا مجاهد شهر رمضان بالنصب وأراه نصبه على معنى الإغراء عليكم شهر رمضان فصوموه كقوله ملة أبيكم وقوله صبغة الله قلت وممن قرأ بالنصب معاوية والحسن وزيد بن علي وعكرمة ويحيى بن يعمر قال ابن فارس الرمض حر الحجارة من شدة حر الشمس ويقال شهر رمضان من شدة الحر لأنهم لما نقلوا اسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ويجمع على رمضانات وأرمضاء وأرمضة \r\n قوله تعالى الذي انزل فيه القران فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا قاله ابن عباس والثاني أن معناه أنه انزل القرآن بفرض صيامه روي عن مجاهد والضحاك والثالث أن معناه إن القرآن ابتدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه و سلم قاله ابن إسحاق وابو سليمان الدمشقي قال مقاتل والفرقان المخرج في الدين من الشبهة والضلالة \r\n قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه أي من كان حاضرا غير مسافر فان قيل ما الفائدة في اعادة ذكر المرض والسفر في هذه الآية وقد تقدم ذلك قيل لأن في الآية المتقدمة منسوخا فأعاده لئلا يكون مقرونا بالمنسوخ ","part":1,"page":187},{"id":187,"text":" قوله تعالى يريد الله بكم اليسر قال ابن عباس و مجاهد وقتادة والضحاك اليسر الإفطار في السفر والعسر الصوم فيه وقال عمر بن عبد العزيز أي ذلك كان أيسر عليك فافعل الصوم في السفر أو الفطر \r\n قوله تعالى ولتكملوا العدة قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي ولتكملوا باسكان الكاف خفيفة وقرا أبو بكر عن عاصم بتشديد الميم وذلك مثل وصى و أوصى وقال ابن عباس ولتكملوا عدة ما افطرتم وقال بعضهم المراد به لا تزيدوا على ما افترض كما فعلت النصارى ولا تنقلوه عن زمانه كما نقلته ولتكبروا الله على ما هداكم قال ابن عباس حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا لله حتى يفرغوا من عيدهم فان قيل ما وجه دخول الواو في قوله ولتكملوا العدة ولتكبروا الله وليس هناك ما يعطف عليه فالجواب أن هذه الواو عطفت اللام التي بعدها على لام محذوفة والمعنى ولا يريد بكم العسر ليسعدكم ولتكملوا العدة فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها ذكره ابن الانباري \r\n فصل \r\n ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر وإذا غدوا إلى المصلى واختلفت الرواية عن أحمد رضي الله عنه متى يقطع في عيد الفطر فنقل عنه حنبل يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة ونقل الأثرم إذا جاء المصلى قطع قال القاضي أبو يعلى يعني إذا جاء المصلى وخرج الإمام \r\n و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ","part":1,"page":188},{"id":188,"text":" قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني \r\n في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال أقريب ربنا فنناجيه ام بعيد فنناديه فنزلت هذه الآية رواه الصلت بن حكيم عن ابيه عن جده \r\n والثاني أن يهود المدينة قالوا يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تتزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام فنزلت هذه الآية رواه ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث انهم قالوا يا رسول الله لو نعلم آية ساعة أحب إلى الله أن ندعو فيها دعوانا فنزلت هذه الآية قاله عطاء \r\n والرابع أن أصحاب النبي قالوا له اين الله فنزلت هذه الآية قاله الحسن \r\n والخامس أنه لما حرم في الصوم الاول على المسلمين بعد النوم الأكل والجماع أكل رجل منهم بعد أن نام ووطى رجل بعد أن نام فسألوا كيف التوبة مما عملوا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الكلام إذا سألوك عني فأعلمهم اني قريب \r\n وفي معنى أجيب قولان أحدهما اسمع قاله الفراء وابن القاسم والثاني أنه من الإجابة فليستجيبوا لي أي فليجيبوني قال الشاعر ... وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب ... \r\n أراد فلم يجبه وهذا قول ابي عبيدة وابن قتبية و الزجاج لعلهم يرشدون قال أبوالعالية يعني يهتدون \r\n فصل \r\n إن قال قائل هذه الآية تدل على أن الله تعلى يجيب أوعيه الداعين وترى كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم ","part":1,"page":189},{"id":189,"text":" فالوجواب أن أبا سعيد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم الا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة و إما أن يدفع عنه من السوء مثلها \r\n و جواب آخر وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله ومنها أكل الحلال فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء ومنها حضور القلب ففي بعض الحديث يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه \r\n وجواب آخر وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل وقد لا تكون المصلحة في ذلك فيجاب إلى مقصوده الأصلي وهو طلب المصلحة وقد تكون المصلحة في التأخير أو في المنع \r\n أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون \r\n قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث \r\n سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع حرما عليه ","part":1,"page":190},{"id":190,"text":" إلى أن يفطر فجاء شيخ من الأنصار وهو صائم إلى اهله فقال عشوني فقالوا حتى نسخن لك طعاما فوضع رأسه فنام فجاؤوا بالطعام فقال قد كنت نمت فبات يتقلب ظهرا لبطن فلما أصبح اتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله إني أردت أهلي الليلة فقالت إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها فأخبرتني أنها قد نامت فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وأنزل الله في الانصاري وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر هذا قول جماعة من المفسرين واختلفوا في اسم هذا الانصاري على اربعة أقوال أحدها قيس بن صرمة قاله البراء والثاني صرمة بن أنس قاله القاسم بن محمد وقال عبد الرحمن بن ابي ليلى صرمة بن مالك والثالث ضمرة بن أنس والرابع أبو قيس بن عمر وذكر القولين أبو بكر الخطيب فأما الرفث فقال ابن عمر وابن عباس و مجاهد وعطاء والحسن وابن جبير في آخرين هو الجماع \r\n قوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن \r\n فيه قولان أحدهما أن اللباس السكن ومثله جعل لكم الليل لباسا الفرقان 47 أي سكنا وهذا قول ابن عباس وابن جبير و مجاهد وقتادة والثاني انهن بمنزلة اللباس لإفضاء كل واحد ببشرته إلى بشرة صاحبه فكنى عن اجتماعهما متجردين باللباس قال الزجاج والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا قال النابغة الجعدي ... إذا ماالضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباسا ","part":1,"page":191},{"id":191,"text":" وقال غيره ... ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري ... \r\n يريد بالإزار امرأته \r\n قوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون انفسكم قال ابن قتيبة يريد تخونونها بارتكاب ما تحرم عليكم قال ابن عباس وعنى بذلك فعل عمر فإنه أتى اهله فلما اغتسل اخذ يلوم نفسه ويبكي فالآن باشروهن أصل المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة وقال ابن عباس المراد بالمباشرة هاهنا الجماع وابتغوا ما كتب الله لكم فيه اربعة اقوال أحدها أنه الولد قاله ابن عباس والحسن و مجاهد في آخرين قال بعض أهل العلم لما كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع اباحهم الجماع الذي يكون من مثله الولد فقال وابتغوا ما كتب الله لكم يريد الولد والثاني أن الذي كتب لهم الرخصة وهو قول قتادة وابن زيد والثالث أنه ليلة القدر رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والرابع أنه القرآن فمعنى الكلام اتبعوا القرآن فما أبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى وهذا اختيار الزجاج \r\n قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض قال عدي بن حاتم لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين ابيض واسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الاسود من الابيض فلما أصبحت غدوة على رسول الله فأخبرته فضحك وقال إن كان وسادك إذا لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل وقال سهل بن سعد نزلت بن سعد نزلت هذه الآية حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الاسود ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط احدهم في رجليه الخيط الاسود ","part":1,"page":192},{"id":192,"text":" والخيط الابيض فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما فأنزل الله بعد ذلك من الفجر فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار \r\n فصل \r\n إذا شك في الفجر فهل يدع السحور ام لا فظاهر كلام احمد يدل على أنه لا يدع السحور بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر وقال مالك أكره له أن يأكل إذا شك في طلوع الفجر فان أكل فعليه القضاء وقال الشافعي لا شيء عليه \r\n قوله تعالى ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد في هذه المباشرة قولان أحدهما أنها المجامعة وهو قول الاكثرين والثاني أنها ما دون الجماع من اللمس والقبلة قاله ابن زيد وقال قتادة كان الرجل المعتكف إذا خرج من المسجد فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك فوعظهم الله في ذلك \r\n فصل \r\n الاعتكاف في اللغة اللبث يقال فلان معتكف على كذا وعاكف وهو فعل مندوب إليه إلا أن ينذره الإنسان فيجب ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه الجماعات ولا يشترط في حق المرأة مسجد تقام فيه الجماعة إذ الجماعة لا تجب عليها وهل يصح بغير صوم فيه عن أحمد روايتان \r\n قوله تعالى تلك حدود الله قال ابن عباس يعني المباشرة فلا تقربوها قال الزجاج الحدود ما منع الله من مخالفتها فلا يجوز مجاوزتها وأصل الحد في اللغة المنع ومنه حد الدار وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها والحداد في اللغة الحاجب والبواب وكل من منع شيئا فهو حداد قال الأعشى ... فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها ","part":1,"page":193},{"id":193,"text":" أي عند ربها الذي يمنعها الا بما يريده واحدت المرأة على زوجها وحدت فهي حاد ومحد إذا قطعت الزينة وامتنعت منها واحددت النظر إلى فلان إذا منعت نظرك من غيره وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع به الأعداء \r\n قوله تعالى كذلك يبين الله أي مثل هذا البيان الذي ذكر \r\n ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون \r\n قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل \r\n سبب نزولها أن امرؤ القيس بن عابس وعبدان الحضرمي اختصما في ارض وكان عبدان هو الطالب ولا بينة له فأراد امرؤ القيس أن خلف فقرأ عليه النبي صلى الله عليه و سلم إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا آل عمران 77 فكره أن خلف ولم يخاصم في الأرض فنزلت هذه الآية هذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير ومعنى الآية لا يأكل بعضكم أموال بعض كقوله فاقتلوا أنفسكم قال القاضي أبو يعلي والباطل على وجهين أحدهما أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة والغصب والخيانة والثاني أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر وقال الزجاج الباطل الظلم وتدلوا أصله في اللغة من أدليت الدلو إذا أرسلتها لتملأها ودلوتها إذا أخرجتها ومعنى أدلى فلان بحجته أرسلها وأتى بها على صحة فمعنى الكلام تعملون على ما يوجبه إدلاء الحجة وتخونون في الأمانة وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن \r\n وفي ها بها قولان أحدهما أنها ترجع إلى الاموال كأنه قال لا تصانعوا ببعضها جورة الحكام والثاني أنها ترجع إلى الخصومة فان قيل كيف أعاد ذكر ","part":1,"page":194},{"id":194,"text":" الأكل فقال ولا تأكلوا لتأكلوا فالجواب أنه وصل اللفظة الاولى بالباطل والثانية بالإثم فأعادها للزيادة في المعنى ذكره ابن الانباري \r\n يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تاتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى يسئلونك عن الأهلة \r\n هذه الآية من اولها إلى قوله والحج نزلت على سبب وهو أن رجلين من الصحابة قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد ويمتليء حتى يستدير ويستوي ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان فنزلت يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج هذا قول ابن عباس \r\n ومن قوله تعالى وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى آخرها يدل على سبب آخر وهو انهم كانوا إذا حجوا ثم قدموا المدينة لم يدخلوا من باب ويأتون البيوت من ظهورها فنسي رجل فدخل من باب فنزلت وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها هذا قول البراء بن عازب \r\n وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله اربعة أقوال أحدها انهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام قاله ابن عباس و أبوالعالية والنخعي وقتادة وقيس النهشلي والثاني لأجل دخول الشهر الحرام قاله البراء بن عازب والثالث أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم احدهم بالشىء فاحتبس عنه لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان ","part":1,"page":195},{"id":195,"text":" هم به قاله الحسن والرابع أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك رواه عثمان بن عطاء عن أبيه \r\n فأما التفسير فانما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها فأخبرهم انها مقادير لما يحتاج الناس اليه في صومهم وحجهم وغير ذلك والأهلة جمع هلال وكم يبقى الهلال على هذه التسمية فيه للعرب اربعة أقوال أحدها أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر والثاني لثلاث ليال ثم يسمى قمرا والثالث إلى أن يحجر وتحجيره أن يسير بخطة دقيقة وهو قوال الأصمعي والرابع إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل حكى هذه الاقوال ابن السري واختار الأول قال واشتقاق الهلال من قولهم استهل الصبي إذا بكى حين يولد و أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية فسمي هلالا لأنه حين يرى يهل الناس بذكره \r\n قوله تعالى ولكن البر من اتقى مثل قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله وقد سبق بيانه واختلف القراء في البيوت وما أشبهها فقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي بكسر باء البيوت وعي العيون وغين الغيوب وروي عن نافع أنه ضم باء البيوت وعين العيون وغين الغيوب وجيم الجيوب وشين الشيوخ وروى عنه قالون أنه كسر باء البيوت وقرا أبو عمر و أبو جعفر بضم الأحرف الخمسة وكسرهن جميعا حمزة واختلف عن عاصم قال الزجاج من ضم البيوت فعلى أصل الجمع بيت وبيوت مثل قلب وقلوب وفلس وفلوس ومن كسر فانما كسر للياء التي بعد الباء وذلك عند البصريين ردىء لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء وسمعت شيحنا أبا منصور اللغوي يقول إذا كان الجمع على فعول وثانيه ياء جاز فيه الضم والكسر تقول بيوت وبيوت وشيوخ وشيوخ وقيود وقيود ","part":1,"page":196},{"id":196,"text":" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين \r\n قوله تعالى وقاتلوا فس سبيل الله الذين يقاتلونكم \r\n سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما صد عن البيت ونحر هديه بالحديبية وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل رجع فلما تجهز في العام المقبل خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك و أن يصدوهم ويقاتلوهم وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n قوله تعالى ولا تعتدوا أي ولا تظلموا وفي المراد بهذا الاعتداء اربعة أقوال أحدها أنه قتل النساء والولدان قاله ابن عباس و مجاهد والثاني أن معناه لا تقاتلوا من لم يقاتلكم قاله سعيد بن جبير و أبوالعالية و ابن زيد والثالث أنه إتيان ما نهوا عنه قاله الحسن والرابع أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام قاله مقاتل \r\n فصل \r\n اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا على قولين \r\n أحدهما أنها منسوخة واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين أحدهما أنه اولها وهو قوله وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قالوا وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار ولا يباح في حق من لم يقاتل وهذا منسوخ بقوله واقتلوهم حيث ثقفتموهم والثاني أن المنسوخ منها ولا تعتدوا ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان أحدهما أنه قتل من لم يقاتل والثاني أنه ابتداء المشركين بالقتال وهذا منسوخ بآية السيف \r\n والقول الثاني أنها محكمة ومعناها عند ارباب هذا القول وقاتلوا في سبيل الله ","part":1,"page":197},{"id":197,"text":" الذين يقاتلونكم وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال فأما من ليس بمعد نفسه للقتال كالرهبان والشيوخ الفناة والزمنى والمكافيف والمجانين فان هؤلاء لا يقاتلون وهذا حكم باق غير منسوخ \r\n فصل \r\n واختلف العلماء في اول اية نزلت في إباحة القتال على قولين أحدهما أنها قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الحج 39 قاله أبو بكر الصديق و ابن عباس وسعيد بن جبير والزهري والثاني أنها هذه الآية وقاتلوا في سبيل الله قاله أبوالعالية و ابن زيد \r\n واقتلوهم حيث تقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين \r\n قوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفثموهم \r\n أي وجدتموهم يقال ثقفته أثقفه إذا وجدته قال القاضي ابو يعلى قوله تعالى واقتلوهم حيث تقفثموهم عام في جميع المشركين الا من كان بمكة فانهم أمروا باخراجهم منها الا من قاتلهم فإنهم أمروا بقتالهم يدل على ذلك قوله في نسق الآية ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه رو وكانوا قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم أما الفتنة ففيها قولان أحدهما أنها الشرك قاله ابن مسعود و ابن عباس وابن عمر وقتادة في آخرين والثاني أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان قاله مجاهد فيكون معنى الكلام على القول الأول شرك القوم أعظم ","part":1,"page":198},{"id":198,"text":" من قتلكم إياهم في الحرم وعلى الثاني ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا \r\n قوله تعالى ولا تقاتلوهم قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو وعاصم ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم وقرا حمزة والكسائي وخلف ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فان قتلوكم بحذف الألف فيهن وقد اتفق الكل على قوله فاقتلوهم واحتج من قرأ بالألف بقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة واحتج من حذف الألف بقوله فاقتلوهم \r\n فصل \r\n واختلف العلماء في قوله ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه هل هو منسوخ ام لا فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه محكم وانه لا يقاتل فيه الا من قاتل ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خطب يوم فتح مكة فقال يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة فبين صلى الله عليه و سلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص لا على وجه النسخ فثبت بذلك خطر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيدفعون دفعا وهذا أمر مستمر والحكم غير منسوخ وقد ذهب قتادة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 فأمر بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال وذهب الربيع ابن أنس و ابن زيد إلى أنه منسوخ بقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وزعم ","part":1,"page":199},{"id":199,"text":" مقاتل أنه منسوخ بقوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم البقرة 191 والقول الأول أصح \r\n قوله تعالى فإن قاتلوكم فاقتلوهم قال مقاتل أي فقاتلوهم \r\n فان انتهوا فإن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى فإن انتهوا \r\n فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم والثاني عن كفرهم والثالث عن قتالكم دون كفرهم فعلى القولين الأولين تكون الآية محكمة ويكون معنى فان الله غفور رحيم غفور لشركهم وجرمهم وعلى القول الأخير يكون في معنى قوله غفور رحيم قولان أحدهما غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم والثاني أن معناه يأمركم بالغفران والرحمة لهم فعلى هذا تكون الآية منسوخة باية السيف \r\n وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين \r\n قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة \r\n قال ابن عباس والحسن و مجاهد وقتادة في آخرين الفتنة هاهنا الشرك \r\n قوله تعالى ويكون الدين لله قال ابن عباس أي يخلص له التوحيد والعدوان الظلم وأريد به هاهنا الجزاء فسمي الجزاء عدوانا مقابلة للشئ بمثله كقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والظالمون هاهنا المشركون قاله عكرمة و قتادة في آخرين ","part":1,"page":200},{"id":200,"text":" فصل \r\n وقد روي عن جماعة من المفسرين منهم قتادة أن قوله تعالى فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين منسوخ بآية السيف وإنما يستقيم هذا إذا قلنا إن معنى الكلام فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم فأما إذا قلنا إن معناه فإن انتهوا عن دينهم فالآية محكمة \r\n الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين \r\n قوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام \r\n هذه الآية نزلت على سبب واختلفوا فيه على قولين أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم أقبل هو و أصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي فصدهم المشركون فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم يعود في العام المقبل فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها بسلاح ولا يخرج بأحد من أهل مكة فلما كان العام المقبل أقبل هو وأصحابه فدخلوها فافتخر المشركون عليه إذ ردوه يوم الحديبة فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ردوه فيه فقال الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص والى هذا المعنى ذهب ابن عباس و مجاهد وعطاء و أبوالعالية وقتادة في آخرين والثاني أن مشركي العرب قالوا للنبي عليه السلام انهيت عن قتالنا في الشهر الحرام قال نعم وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فيه فنزلت هذه الآية يقول إن استحلوا منكم شيئا في الشهر الحرام فاستحلوا منهم مثله هذا قول الحسن واختاره إبراهيم ابن السري و الزجاج فأما أرباب القول الأول فيقولون معنى الآية الشهر الحرام ","part":1,"page":201},{"id":201,"text":" الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول والحرمات قصاص اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة وقال الزجاج الشهر الحرام أي قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام فأعلم الله تعالى أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا ثم نسخ ذلك بآية السيف وقيل إنما جمع الحرمات لأنه اراد الشهر الحرام بالبلد الحرام وحرمة الإحرام \r\n قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه قال ابن عباس من قاتلكم في الحرم فقاتلوه وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء لأن صورة الفعلين واحدة و إن كان أحدهما طاعة والآخر معصية قال الزجاج والعرب تقول ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه وجهل فلان علي فجهلت عليه وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة \r\n قوله تعالى واتقوا الله قال سعيد بن جبير واتقوا الله ولا تبدؤوهم بقتال في الحرم \r\n وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا إن الله يحب المحسنين وأتموا التحج والعمرة لله فان أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب \r\n قوله تعالى وأنفقوا في سبيل الله \r\n هذه الآية نزلت على سبب وفيه قولان ","part":1,"page":202},{"id":202,"text":" أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر بالتجهز إلى مكة قال ناس من الأعراب يا رسول الله بماذا نتجهز فوالله مالنا زاد ولا مال فنزلت قاله ابن عباس \r\n والثاني أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدقون فأصابتهم سنة فأمسكوا فنزلت قاله أبو جبيرة بن الضحاك والسبيل في اللغة الطريق و إنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين والتهلكة بمعنى الهلاك يقال هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة قال المبرد وأراد بالأيدي الأنفس فعبر بالبعض عن الكل وفي المراد بالتهلكة هاهنا اربعة أقوال أحدها أنها ترك النفقة في سبيل الله قاله حذيفة و ابن عباس والحسن وابن جبير وعكرمة و مجاهد وقتادة والضحاك والثاني أنها القعود عن الغزو شغلا بالمال قاله أبو أيوب الانصاري والثالث أنها القنوط من رحمة الله قاله البراء والنعمان بن بشير وعبيدة والرابع أنها عذاب الله رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى وأحسنوا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه أحسنوا الإنفاق وهو قول أصحاب القول الأول والثاني أحسنوا الظن بالله قاله عكرمة وسفيان وهو يخرج على قول من قال التهلكة القنوط والثالث أن معناه أدوا الفرائض رواه سفيان عن ابي إسحاق ","part":1,"page":203},{"id":203,"text":" قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله قال ابن فارس الحج في اللغة القصد والاعتمار في الحج أصله الزيارة قال ثعلب الحج بفتح الحاء المصدر وبكسرها الاسم قال وربما قال الفراء هما لغتان وذكر ابن الانباري في العمرة قولين أحدهما الزيارة والثاني القصد وفي إتمامها اربعة أقوال احدهها أن معنى إتمامها أن يفصل بينهما فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج قاله عمر بن الخطاب والحسن وعطاء والثاني أن يحرم الرجل من دويرة اهله قاله علي بن ابي طالب وطاووس وابن جبير والثالث أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم قاله ابن عباس والرابع أنه فعل ما أمر الله فيهما قاله مجاهد وجمهور القراء على نصب العمرة بايقاع الفعل عليها وقرا الأصمعي عن نافع والقزاز عن ابي عمرو والكسائي عن ابي جعفر برفعها وهي قراءة ابن مسعود و ابي رزين والحسن والشعبي وقراءة الجمهور تدل على وجوبها وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة علي وابن عمر و ابن عباس والحسن وابن سيرين وعطاء وطاووس وسعيد ابن جبير و مجاهد و أحمد والشافعي وروي عن ابن مسعود و جابر والشعب وإبراهيم و ابي حنيفة ومالك أنها سنة وتطوع \r\n قوله تعالى فإن أحصرتم قال ابن قتيبة يقال أحصره المرض والعدو إذا منعه من السفر ومنه هذه الآية وحصره العدو إذا ضيق عليه وقال الزجاج يقال للرجل إذا حبس قد حصر فهو محصور وللعلماء في هذا الإحصار قولان أحدهما أنه لا يكون إلا بالعدو ولا يكون المريض محصرا وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس و أنس ومالك والشافعي و أحمد ويدل عليه قوله فاذا أمنتم والثاني أنه يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر وهو قول عطاء و مجاهد وقتادة وابي حنيفة وفي الكلام اختصار وحذف والمعنى فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم فعليكم ","part":1,"page":204},{"id":204,"text":" ما استيسر من الهدي ومثله أو به أذى من رأسه ففدية تقديره فحلق ففدية والهدي ما أهدي إلى البيت وأصله هدي مشدد فخفف قاله ابن قتيبة وبالتشديد يقرأ الحسن و مجاهد و في المراد بما استيسر من الهدي ثلاثة أقوال أحدها أنه شاة قاله علي بن أبي طالب و ابن عباس والحسن وعطاء وابن جبير وإبراهيم وقتادة و الضحاك والثاني أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير قاله ابن عمر وعائشة والقاسم والثالث أنه على قدر الميسرة رواه طاووس عن ابن عباس وروي عن الحسن وقتادة قالا اعلاه بدنه وأوسطه بقرة وأخسه شاة وقال أحمد الهدي من الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ومالك والشافعي رحمهما الله \r\n قوله تعالى حتى يبلغ الهدي محله قال ابن قتيبة المحل الموضع الذي يحل به نحره وهو من حل يحل وفي المحل قولان أحدهما أنه الحرم قاله ابن مسعود والحسن وعطاء وطاووس و مجاهد وابن سيرين والثوري وابو حنيفة والثاني أنه الموضع الذي أحصر به فيذبحه ويحل قاله مالك والشافعي و أحمد \r\n قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية هذا نزل على سبب وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه فنزلت هذه الآية فيه فكان يقول في نزلت خاصة \r\n فصل \r\n قال شيخنا علي بن عبيد الله اقتضى قوله ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله تحريم حلق الشعر سواء وجد به الأذى أو لم يجد حتى نزل فمن كان منكم ","part":1,"page":205},{"id":205,"text":" مريضا أو به أذى من رأسه ففدية فاقتضى هذا إباحة حلق الشعر عند الأذى مع الفدية فصار ناسخا لتحريمه المتقدم \r\n ومعنى الآية فمن كان منكم أي من المحرمين محصرا كان أو غير محصر مريضا واحتاج إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام ففعله أو به أذى من رأسه فحلق ففدية من صيام وفي الصيام قولان أحدهما أنه ثلاثة ايام روي في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو قول الجمهور والثاني أنه صيام عشرة ايام روي عن الحسن وعكرمة ونافع وفي الصدقة قولان أحدهما أنه إطعام ستة مساكين روي في حديث كعب وهو قول من قال الصوم ثلاثة ايام والثاني أنها إطعام عشرة مساكين وهو قول من أوجب صوم عشرة ايام والنسك ذبح شاة يقال نسكت لله أي ذبحت له وفي النسك لغتان ضم النون والسين وبها قرأ الجمهور وضم النون مع تسكين السين وهي قراءة الحسن \r\n قوله تعالى فاذا أمنتم أي من العدو إذ المرض لا تؤمن معاودته وقال علقمة في آخرين فاذا امنتم من الخوف والمرض فمن تمتع بالعمرة إلى الحج معناه من بدأ بالعمرة في أشهر الحج وأقام الحج من عامه ذلك فعليه ما استيسر من الهدي وهذا قول ابن عمر وابن المسيب وعطاء والضحاك وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج قال الحسن هي قبل التروية بيوم و يوم التروية ويوم عرفة وهذا قول عطاء والشعبي و أبي العالية وابن جبير وطاووس وابراهيم وقد نقل عن علي رضي الله عنه وقد روي عن الحسن وعطاء قالا في أي العشر شاء صامهنى ونقل عن طاووس و مجاهد وعطاء انهم قالوا في أي اشهر الحج شاء فليصمهن ونقل عن ابن عمر أنه قال من حين يحرم إلى يوم عرفة ","part":1,"page":206},{"id":206,"text":" فصل \r\n فإن لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة ايام قبل يوم النحر فماذا يصنع قال عمر بن الخطاب و ابن عباس و ابن جبير وطاووس و ابراهيم لا يجزئه إلا الهدي ولا يصوم وقال ابن عمر وعائشة يصوم ايام منى ورواه صالح عن أحمد وهو قول مالك وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم ايام التشريق بل يصوم بعدهن روي عن علي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول الشافعي \r\n فصل \r\n فان وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة أيام لم يلزمه الخروج منه وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه الخروج وعليه الهدي وقال عطاء إن صام يومين ثم أيسر فعليه الهدي وإن صام ثلاثة ايام ثم أيسر فليصم السبعة ولا هدي عليه وفي معنى قوله في الحج قولان أحدهما أن معناه في أشهر الحج والثاني في زمان الإحرام بالحج وفي قوله تعالى وسبعة إذا رجعتم قولان أحدهما إذا رجعتم إلى أمصاركم قاله ابن عباس والحسن و أبوالعالية والشعبي وقتادة والثاني إذا رجعتم من حجكم وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وأبي حنيفة ومالك قال الأثرم قلت لأبي عبيد الله يعني أحمد بن حنبل فصيام السبعة أيام إذا رجع متى يصومهن أفي الطريق ام في اهله قال كل ذلك قد تأوله الناس قيل لأبي عبد الله ففرق بينهن فرخص في ذلك \r\n قوله تعالى تلك عشرة كاملة فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أن معناه كاملة في قيامها مقام الهدي والى هذا المعنى ذهب ابن عباس والحسن قال القاضي أبو يعلى وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب فأعلمنا الله تعالى أن العشرة بكمالها هي القائمة مقامه ","part":1,"page":207},{"id":207,"text":" والثاني أن الواو قد تقوم مقام او في مواضع منها قوله فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فأزال الله عز و جل احتمال التخيير في هذه الآية بقوله بلك عشرة كاملة والى هذا المعنى ذهب الزجاج \r\n والثالث أن ذلك للتوكيد وأنشدوا للفرزدق ... ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمامي ... \r\n وقال آخر ... هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا ... \r\n وقال آخر ... كم نعمة كانت له كم كم وكم ... \r\n والقرآن نزل بلغة العرب وهي تكرر الشىء لتوكيده \r\n والرابع أن معناه تلك عشرة كاملة في الفصل و إن كانت الثلاثة في الحج والسبعة بعد لئلا يسبق إلى وهم احد أن السبعة دون الثلاثة قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والخامس أنها لفظة خبر ومعناها الأمر فتقديره تلك عشرة فأكملوها \r\n قوله تعالى ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام في المشار إليه بذلك قولان أحدهما أنه التمتع بالعمرة إلى الحج والثاني أنه الجزاء بالنسك والصيام واللام من لمن في هذا القول بمعنى على فأما حاضروا المسجد الحرام فقال ابن عباس وطاووس و مجاهد هم أهل الحرم وقال عطاء من كان منزله دون المواقيت قال ابن الانباري ومعنى الآية إن هذا الفرض لمن كان من الغرباء وإنما ذكر اهله وهو المراد بالحضور لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث اهله ساكنون \r\n الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ","part":1,"page":208},{"id":208,"text":" الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فان خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب \r\n قوله تعالى الحج أشهر معلومات \r\n في الحج لغتات فتح الحاء وهي لأهل الحجاز وبها قرأ الجمهور وكسرها وهي لتميم وقيل لأهل نجد وبها قرأ الحسن قال سيبويه يقال حج حجا كقولهم ذكر ذكرا وقالوا حجة يريدون عمل سنة قال الفراء المعنى وقت الحج هذه الأشهر وقال الزجاج معناه أشهر الحج أشهر معلومات \r\n وفي أشهر الحج قولان أحدهما أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة قاله ابن مسعود وابن عمر و ابن عباس وابن الزبير والحسن وابن سيرين وعطاء والشعبي وطاووس والنخعي وقتادة ومكحول و الضحاك والسدي و أبوحنيفة و أحمد بن حنبل والشافعي رضي الله عنهم والثاني أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة وهو مروي عن ابن عمر ايضا وعطاء وطاووس و مجاهد و الزهري والربيع ومالك ابن أنس قال ابن جرير الكبري إنما أراد هؤلاء أن هذه الأشهر أن ليست أشهر العمرة إنما هي للحج و إن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء منى وقد كانوا يستحبون أن يفعلوا العمرة في غيرها قال ابن سيرين ما أحد من أهل العلم شك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج وإنما قال الحج أشهر وهي شهران وبعض الآخر على عادة العرب قال الفراء تقول العرب له اليوم يومان لم اره وانما هو يوم وبعض آخر وتقول زرتك العام وأتيتك اليوم وإنما وقع الفعل في ساعة وذكر ابن الانباري في هذا قولين أحدهما أن العرب توقع الجمع على التثنية كقوله تعالى أولئك مبرؤون مما يقولون وإنما يريد عائشة وصفوان وكذلك قوله وكنا لحكمهم شاهدين يريد ","part":1,"page":209},{"id":209,"text":" داود وسليمان والثاني أن العرب توقع الوقت الطويل على الوقت القصير فيقولون قتل ابن الزبير أيام الحج وانما كان القتل في أقصر وقت \r\n فصل \r\n اختلف العلماء فيمن احرم بالحج قبل أشهر الحج فقال عطاء وطاووس و مجاهد والشافعي لا يجزئه ذلك وجعلوا فائدة قوله الحج أشهر معلومات أنه لا ينعقد الحج إلا فيهن وقال أبو حنيفة ومالك والثوري والليث بن سعد و أحمد بن حنبل يصح الإحرام بالحج قبل أشهر فعلى هذا يكون قوله الحج أشهر معلومات أي معظم الحج يقع في هذه الأشهر كما قال النبي صلى الله عليه و سلم الحج عرفة \r\n قوله تعالى فمن فرض فيهن الحج قال ابن مسعود هو الإهلال بالحج والاحرام به وقال طاووس وعطاء هو أن يلبي وروي عن علي وابن عمر و مجاهد والشعبي في آخرين أنه إذا قلد بدنته فقد أحرم وهذا محمول على أنه قلدها ناويا للحج ونص الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في رواية الأثرم أن الإحرام بالنيبة قيل له يكون محرما بغير تلبية قال نعم إذا عزم على الإحرام وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي وسوقه \r\n قوله تعالى فلا رفث قرأ ابن كثير وابو عمرو وابو جعفر فلا رفث ولا فسوق بالضم والتنوين وقرا نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير تنوين ولم يرفع احد منهم لام جدال إلا أبو جعفر قال أبو علي حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق كقوله لا ريب ","part":1,"page":210},{"id":210,"text":" فيه فاذا رفع ونون كان النفي لواحد منه وإنما فتحوا لام الجدال ليتناول النفي جميع جنسه فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبل وحجة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرفث وقد يكون اللفظ واحدا والمراد بالمعنى الجميع \r\n وفي الرفث ثلاثة أقوال أحدها أنه الجماع قاله ابن عمر والحسن وعكرمة و مجاهد وقتادة في آخرين والثاني أنه الجماع وما دونه من التعريض به وهو مروي عن ابن عمر ايضا و ابن عباس وعمرو بن دينار في آخرين والثالث أنه اللغو من الكلام قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي وفي الفسوق ثلاثة أقوال أحدها أنه السباب قاله ابن عمر و ابن عباس و إبراهيم في آخرين والثاني أنه التنابز بالألقاب مثل أن تقول لأخيك يا فاسق يا ظالم رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أنه المعاصي قاله الحسن وعطاء وطاووس و مجاهد وقتادة في آخرين وهو الذي نختاره لأن المعاصي تشمل الكل ولأن الفاسق الخارج من الطاعة إلى المعصية \r\n قوله تعالى ولا جدال في الحج الجدال المراء وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أن معناه لا يمارين أحدا أحدا فيخرجه المراء إلى الغضب وفعل مالا يليق بالحج و إلى هذا المعنى ذهب ابن عمر و ابن عباس وطاووس وعطاء وعكرمة والنخعي وقتادة و الزهري و الضحاك في آخرين \r\n والثاني أن معناه لا شك في الحج ولا مراء فانه قد استقام أمره وعرف وقته وزال النسيء عنه قال مجاهد كانوا يحجون في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين ثم حجوا في صقر عامين وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافقت حجة أبي بكر ","part":1,"page":211},{"id":211,"text":" الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه و سلم بسنة ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة فذلك حين قال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض والى هذا المعنى ذهب السدي عن أشياخه والقاسم بن محمد \r\n قوله تعالى وتزودوا فان خير الزاد التقوى قال ابن عباس كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فيسألون الناس فأنزل الله تعالى وتزودوا فان خير الزاد التقوى قال الزجاج أمروا أن يتزودوا وأعلموا أن خير ما تزودوا تقوى الله عز و جل \r\n ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرم واذكروه كما هداكم و إن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم \r\n قال ابن عباس كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم ويقولون أيام ذكر فنزلت هذه الآية والابتغاء الالتماس والفضل هاهنا التماس الرزق بالتجارة والكسب قال ابن قتيبة أفضتم بمعنى دفعتم وقال الزجاج معناه دفعتم بكثرة يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه و أكثروا التصرف \r\n وفي تسمية عرفات قولان ","part":1,"page":212},{"id":212,"text":" أحدهما أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به فلما أتى عرفات قال قد عرفت فسميت عرفة قاله علي رضي الله عنه \r\n والثاني أنها سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء وتعارفهما بها قاله الضحاك \r\n قاله الزجاج والمشعر المعلم سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء من معالم الحج وهو مزدلفة وهي جمع يسمى بالاسمين قال ابن عمر و مجاهد المشعر الحرام المزدلفة كلها \r\n قوله تعالى واذكروه كما هداكم أي جزاء هدايته لكم فان قيل ما فائدة تكرير الذكر قيل فيه اربعة أجوبة أحدها أنه كرره للمبالغة في الأمر به والثاني أنه وصل بالذكر الثاني ما لم يصل بالذكر الأول فحسن تكريره فالمعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته والثالث أنه كرره ليدل على مواصلته والمعنى اذكروه ذكرا بعد ذكر ذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم النحوي والرابع أن الذكر في قوله فاذكروا الله عند المشعر الحرام هو صلاة المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة والذكر في قوله كما هداكم هو الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع حكاه القاضي أبو يعلى \r\n قوله تعالى وإن كنتم من قبله في هاء الكناية ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الإسلام قاله ابن عباس والثاني أنها ترجع إلى الهدى قاله مقاتل و الزجاج والثالث أنها ترجع إلى القرآن قاله سفيان الثوري \r\n قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قالت عائشة كانت قريش ومن يدين بدينها وهم الحمس يقفون عشية عرفة بالمزدلفة يقولون نحن قطن البيت وكان بقية ","part":1,"page":213},{"id":213,"text":" العرب والناس يقفون بعرفات فنزلت هذه الآية قال الزجاج سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا والحماسة الشدة في كل شيء \r\n وفي المراد بالناس هاهنا اربعة أقوال أحدها انهم جميع العرب غير الخمس ويدل عليه حديث عائشة وهو قول عروة و مجاهد وقتادة والثاني أن المراد بالناس هاهنا إبراهيم الخليل عليه السلام قاله الضحاك بن مزاحم والثالث أن المراد بالناس آدم قاله الزهري وقد قرأ أبو المتوكل وأبو نهيك ومورق العجلي الناسي باثبات الياء والرابع انهم أهل اليمن وربيعة فانهم كانوا يفيضون من عرفات قاله مقاتل \r\n وفي المخاطبين بذلك قولان أحدهما أنه خطاب لقريش وهو قول الجمهور والثاني أنه خطاب لجميع المسلمين وهو يخرج على قول من قال الناس آدم أو إبراهيم والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى صبيحة النحر إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك كيف يقال فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ثم أفيضوا من عرفات غير اني اقول وجه الكلام على ما قال أهل التفسير أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله \r\n والغفور من أسماء الله عز و جل وهو من قولك غفرت الشىء إذا غطيته فكأن الغفور هو الساتر لعبده برحمته أو الساتر لذنوب عباده والغفور هو الذي يكثر المغفرة لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة كقولك صبور وضروب وأكول \r\n فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس ","part":1,"page":214},{"id":214,"text":" من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ا اولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا انكم إليه تحشرون \r\n قوله تعالى فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله \r\n في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم وأنسابهم في الجاهلية فتفاخروا بذلك فنزلت هذه الآية وهذا المعنى مروي عن الحسن وعطاء و مجاهد \r\n والثاني أن العرب كانوا إذا حدثوا أو تكلموا يقولون وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا فنزلت هذه الآية وهذا مروي عن الحسن ايضا \r\n والثالث انهم كانوا إذا قضوا مناسكهم قام الرجل بمنى فقال اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ذكل فلا يذكر الله إنما يذكر أباه ويسأل أن يعطى في دنياه فنزلت هذه الآية هذا قول السدي \r\n والمناسك المتعبدات وفي المراد بها هاهنا قولان أحدهما أنها جميع أفعال الحج قاله الحسن والثاني أنها إراقة الدماء قاله مجاهد وفي ذكرهم آبائهم اربعة أقوال أحدها أنه إقرارهم بهم والثاني أنه حلفهم بهم والثالث أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم فانهم كانوا يذكرونهم وينسون إحسان الله إليهم والرابع أنه ذكر الأطفال الآباء لأنهم اول نطقهم بذكر آبائهم روي هذا المعنى عن عطاء و الضحاك وفي أو قولان أحدهما أنها بمعنى بل والثاني بمعنى الواو و الخلاق قد تقدم ذكره ","part":1,"page":215},{"id":215,"text":" وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال أحدها أنها المرأة الصالحة قاله علي والثاني أنها العبادة رواه سفيان بن حسين عن الحسن والثالث أنها العلم والعبادة رواه هشام عن الحسن والرابع المال قاله أبو وائل والسدي وابن زيد والخامس العافية قاله قتادة والسادس الرزق الواسع قاله مقاتل والسابع النعمة قاله ابن قتيبة \r\n وفي حسنة الآخرة ثلاثة اقوال أحدها أنها الحور العين قاله علي رضي الله عنه والثاني الجنة قاله الحسن والسدي و مقاتل والثالث العفو والمعافاة روي عن الحسن والثوري \r\n قوله تعالى أولئك لهم نصيب مما كسبوا قال الزجاج معناه دعاؤهم مستجاب لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء وهذه الآية متعلقة بما قبلها إلا أنه قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب اخواتها فروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله مات أبي ولم يحج أفأحج عنه فقال لو كان علي ابيك دين قضيته اما كان ذلك يجزيء عنه قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى قال فهل لي من أجر فنزلت هذه الآية \r\n وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال أحدها أنه قلته قاله ابن عباس والثاني انه قرب مجيئه قال مقاتل والثالث أنه لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه كان سريع الحساب لذلك والرابع أن المعنى والله سريع المجازاة ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج والخامس أنه لا يحتاج إلى فكر وروية كالعاجزين قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":1,"page":216},{"id":216,"text":" قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات في هذا الذكر قولان أحدهما أنه التكبير عند الجمرات وأدبار الصلوات وغير ذلك من أوقات الحج والثاني أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات واختلف ارباب هذا القول في الوقت الذي يبتدىء فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال أحدها أنه يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق قاله علي وابو يوسف ومحمد والثاني أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر قاله ابن مسعود وابو حنيفة والثالث من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام التشريق قاله ابن عمر وزيد بن ثابت و ابن عباس وعطاء والرابع أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر وهو الثاني من أيام التشريق قاله الحسن والخامس أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق قاله مالك بن أنس وهو أحد قولي الشافعي والسادس أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وهذا قول للشافعي ومذهب إمامنا أحمد أنه كان محلا كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الفجر يوم عرفة وآخرها العصر من آخر أيام التشريق وان كان محرما كبر عقيب سبعة عشر صلاة اولها الظهر من يوم النحر وآخرها العصر من آخر أيام التشريق \r\n وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة ام لا فيه عن أحمد روايتان إحداهما يختص بمن صلاها في جماعة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والثانية يختص بالفريضة وإن صلاها وحده وهو قول الشافعي \r\n وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال أحدها أنها أيام التشريق قاله ابن عمر وابن ","part":1,"page":217},{"id":217,"text":" عباس والحسن وعطاء و مجاهد وقتادة في آخرين والثاني أنها يوم النحر ويومان بعده روي عن علي وابن عمر والثالث أنها أيام العشر قاله سعيد بن جبير والنخعي قال الزجاج ومعدودات يستعمل كثيرا للشىء القليل كما يقال دريهمات وحمامات \r\n قوله تعالى فمن تعجل في يومين أي فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى فلا إثم عليه ومن تأخر إلى النفر الثاني وهو اليوم الثالث من أيام منى فلا إثم عليه فان قيل إنما يخاف الإثم المتعجل فما بال المتأخر ألحق به والذي أتى به أفضل فعنه اربعة أجوبة أحدها أن المعنى لا إثم على المتعجل والمتأخر مأجور فقال لا إثم عليه لتوافق اللفظة الثانية الاولى كقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والثاني أن المعنى فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة والثالث أن المعنى قد زالت آثام المتعجل والمتأخر التي كانت عليها قبل حجهما والرابع أن المعنى طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى \r\n وفي معنى لمن اتقى ثلاثة أقوال أحدها لمن اتقى قتل الصيد قاله ابن عباس والثاني لمن اتقى المعاصي في حجه قاله قتادة وقال ابن مسعود إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه والثالث لمن اتقى فيما بقي من عمره قاله أبوالعالية و إبراهيم \r\n ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام \r\n قوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا \r\n اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في الأخنس ابن شريق كان لين الكلام كافر القلب يظهر للنبي الحسن ويحلف له أنه يحبه ويتبعه على ","part":1,"page":218},{"id":218,"text":" دينه وهو يضمر غير ذلك هذا قول ابن عباس والسدي و مقاتل والثاني أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه وهذا قول الحسن وقتادة وابن زيد والثالث أنها نزلت في سرية الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو بالمدينة إنا قد اسلمنا فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا فبعث صلى الله عليه و سلم خبيب بن عدي ومرثدا الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت فساروا نحو مكة فنزلوا بين مكة والمدينة ومعهم تمر فأكلوا منه فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت إلى قومها وقالت قد سلك هذا الطريق أهل يثرب فركب سبعون منهم حتى احاطوا بهم فحاربوهم فقتلوا مرثدا وخالدا وابن طارق ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم ثم قال اللهم اني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار ثم احاطوا به فقتلوه وأرادوا حز رأسه يبيعوه من سلافة بنت سعد وكان قتل بعض اهلها فنذرت لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فأرسل الله تعالى رجلا من الدبر وهي الزنابير فحمته فلم يقدروا عليه فقال دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة فأمطرت كالعزالي فبعث الله الوادي فاحتمله فذهب به وأسروا خبيبا وزيدا فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ليقتلوه لأنه قتل آباءهم فلما خرجوا به ليقتلوه قال دعوني أصلي ركعتين فتركوه فصلى ركعتين ثم قال لولا أن تقولوا جزع خبيب لزدت وأنشأ يقول ","part":1,"page":219},{"id":219,"text":" ولست أبالي حين اقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي ... وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ... \r\n فصلبوه حيا فقال اللهم إنك تعلم أنه ليس احد حولي يبلغ رسولك سلامي فجاءه رجل منهم يقال له أبو سروعة ومعه رمح فوضعه بين يدي خبيب فقال له خبيب اتق الله فما زاده ذلك إلا عتوا وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فجاءه سفيان بن حرب حين قدم ليقتله فقال يا زيد أنشدك الله أتحب أن محمدا مكانك وأنك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي ثم قتل وبلغ النبي الخبر فقال أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله الجنة فقال الزبير انا وصاحبي المقداد فخرجا يمشيان بالليل ويمكثان بالنهار حتى وافيا المكان و إذا حول الخشبة أربعون مشركا نيام نشاوى و إذا هو رطب يتثنى لم يتغير فيه شيء بعد أربعين يوما فحمله الزبير على فرسه وسار فلحقه سبعون منهم فقذف الزبير خبيبا فابتلعته الارض وقال الزبير ما جرأكم علينا يا معشر قريش ثم رفع العمامة عن رأسه وقال انا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد اسدان رابضان يدفعان عن شبلهما فان شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم فانصرفوا وقدما على رسول صلى الله عليه و سلم و جبريل عنده فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك \r\n وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب ويح هؤلاء المقتولين لا في بيوتهم قعدوا ولا رسالة صاحبهم أدوا فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية وثلاث آيات بعدها وهذا الحديث بطوله مروي عن ابن عباس ","part":1,"page":220},{"id":220,"text":" قوله تعالى ويشهد الله على ما في قلبه فيه قولان أحدهما أنه يقول إن الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي والثاني أنه يقول اللهم اشهد علي بهذا القول وقرأ ابن مسعود ويستشهد الله بزيادة سين وتاء وقرا الحسن وطلحة بن مصرف وابن محيصن وابن عبلة ويشهد بفتح الياء الله بالرفع \r\n قوله تعالى وهو ألد الخصام الخصام جمع خصم يقال خصم وخصام وخصوم قال الزجاج والألد الشديد الخصومة واشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتا العنق ومناه أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة غلبه في ذلك \r\n وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد \r\n قوله تعالى وإذا تولى فيه اربعة أقوال أحدها أنه بمعنى غضب روي عن ابن عباس وابن جريج والثاني أنه الانصراف عن القول الذي قاله قاله الحسن والثالث أنه من الولاية فتقديره إذا صار واليا قاله مجاهد و الضحاك والرابع أنه الانصراف بالبدن قاله مقاتل وابن قتيبة \r\n وفي معنى سعى قولان أحدهما أنه بمعنى عمل قاله ابن عباس و مجاهد والثاني أنه من السعي بالقدم قاله أبو سليمان الدشقي وفي الفساد قولان أحدهما أنه الكفر والثاني الظلم والحرث الزرع والنسل نسل كل شيء من الحيوان هذا قول ابن عباس وعكرمة في آخرين وحكى الزجاج عن قوم أن الحرث النساء والنسل الأولاد قال وليس هذا بمنكر لأن المرأة تسمى حرثا \r\n وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة أقوال أحدها أنه اهلاك ذلك بالقتل والإحراق والافساد قاله الأكثرون والثاني أنه إذا ظلم كان الظلم سببا لقطع القطر ","part":1,"page":221},{"id":221,"text":" فيهلك الحرث والنسل قاله مجاهد وهو يخرج على قول من قال إنه من التولي والثالث أنه إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك حكاه بعض المفسرين \r\n قوله تعالى والله لا يحب الفساد قال ابن عباس لا يرضى بالمعاصي وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية فأجاب أصحابنا بأجوبة منها أنه لا يحبه دينا ولا يريده شرعا فأما أنه لم يرده وجودا فلا والثاني أنه لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين والثالث أن الارادة معنى غير المحبة فان الانسان قد يتناول المر ويريد بط الجرح ولا يحب شيئا من ذلك و إذا بان في المعقول الفرق بين الأرادة والمحبة بطل ادعاؤهم التساوي بينهما وهذا جواب معتمد وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ولايرضى لعباده الكفر الزمر 7 \r\n و إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد \r\n قوله تعالى أخذته العزة قال ابن عباس هي الحمية وأنشدوا ... أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر ... \r\n ومعنى الكلام حملته الحمية على الفعل بالإثم وفي جهنم قولان ذكرهما ابن الانباري أحدهما أنها أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة والثاني أنها اسم عربي ولم يجر للتأنيث والتعريف قال رؤبة ... ركبة جهنام بعيدة القعر ... \r\n وقال الأعشي ... دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنام جدعا للهجين المذمم ... \r\n فترك صرفه يدل على أنه اسم أعجمي معرب \r\n وفي المعنى الكلام قولان أحدها فحسبه جهنم جزاء عن إثمه والثاني فحسبه ","part":1,"page":222},{"id":222,"text":" جهنم ذلا من عزة والمهاد الفراش ومهدت لفلان إذا وطأت له ومنه مهد الصبي \r\n ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد \r\n قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على خمسة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو معنى قول قمر وعلي رضي الله عنهما والثاني أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته وقد شرحنا القصة وهذا قول ابن عباس و الضحاك والثالث أنها نزلت في صهيب الرومي واختلفوا في قصته فروي أنه أقبل مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه و سلم فاتبعه نفر من قريش فنزل فانتثل كنانته وقال عد علمتم اني من ارماكم بسهم وايم الله لا تصلون الي حتى ارميكم بكل سهم معي ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء فان شئتم دللتكم على مالي قالوا فدلنا على مالك نخل عنك فعاهدهم على ذلك فنزلت فيه هذه الآية فلما رآه النبي صلى الله عليه و سلم قال ربح البيع أبا يحيى وقرأ عليه القرآن هذا قول سعيد بن المسيب وذكر نحوه أبو صالح عن ابن عباس وقال إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق وذكر مقاتل أنه قال للمشركين انا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم ولي عليكم حق لجواري فخذوا مالي غير راحلة واتركوني وديني فاشترط أن لا يمنع عن صلاة ولا هجرة فأقام ما شاء الله ثم ركب راحلته فأتى المدينة مهاجرا فلقيه أبو بكر فبشره وقال نزلت فيك هذه الآية وقال عكرمة نزلت في صهيب وابي ذر الغفاري فأما صهيب فأخذه أهله فافتدى بماله واما أبو ذر فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا والرابع أنها نزلت في المجاهدين ","part":1,"page":223},{"id":223,"text":" في سبيل الله قاله الحسن وابن زيد في آخرين والخامس أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ظهروا هذا قول قتادة و بشري كلمة من الأضداد يقال شري بمعنى باع وبمعنى اشترى فمعناها على قول من قال نزلت في صهيب معنى يشتري وعلى بقية الأقوال بمعنى يبيع \r\n يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فان زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر و إلى الله ترجع الأمور \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة اقوال أحدها أنها نزلت فيمن اسلم من أهل الكتاب كانوا بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل وأشياء يتقيها أهل الكتاب رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم أمروا بالدخول في الإسلام روي عن ابن عباس ايضا وبه قال الضحاك والثالث أنها نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها قاله مجاهد وقتادة \r\n وفي السلم ثلاث لغات كسر السين وتسكين اللام وبها قرأ أبو عمرو وابن عامر في البقرة وفتحا السين في الأنفال وسورة محمد وفتح السين مع تسكين اللام وبها قرأ ابن كثير ونافع والكسائي في المواضع الثلاثة وفتح السين واللام وبها قرأ الأعمش في البقرة خاصة ","part":1,"page":224},{"id":224,"text":" وفي معنى السلم قولان أحدهما أنه الإسلام قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة و الضحاك والسدي وابن قتيبة و الزجاج في آخرين والثاني أنها الطاعة روي عن ابن عباس ايضا وهو قول أبي العالية والربيع وقال الزجاج كافة بمعنى الجميع وهو في اشتقاق اللغة ما يكف الشىء في آخره من ذلك كفه القميص وكل مستطيل فحرفه كفه بضم الكاف ويقال في كل مستدير كفه بكسر الكاف نحو كفة الميزان ويقال إنما سميت كفة الثوب لأنها تمنعه ان ينتشر وأصل الكف المنع وقيل لطرف اليد كف لأنها تكف بها عن سائر البدن ورجل مكفوف قد كف بصره أن ينظر واختلفوا هل قوله كافة يرجع إلى السلم أو إلى الداخلين فيه على قولين أحدهما أنه راجع إلى السلم فتقديره ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وهذا يخرج على القول الاول الذي ذكرناه في نزول الآية والثاني أنه يرجع إلى الداخلين فيه فتقديره ادخلوا كلكم في الإسلام وبهذا يخرج على القول الثاني وعلى القول الثالث يحتمل قوله كافة ثلاثة أقوال أحدها أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم والثاني أن يكون امر للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه و الثالث أن يكون أمرا لهم بالثبات عليه كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا النساء 136 و خطوات الشيطان المعاصي وقد سبق شرحها و البينات الدلالات الواضحات وقال ابن جريج هي الإسلام والقرآن و وينظرون يمعنى ينتظرون \r\n قوله تعالى إلا أن يأتيهم الله كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال المراد به قدرته وأمره قال وقد بينه في قوله تعالى أو يأتي أمر ربك الانعام 158 ","part":1,"page":225},{"id":225,"text":" قوله تعالى في ظلل من الغمام أي بظلل والظلل جمع ظلة و الغمام السحاب الذي لا ماء فيه قال الضحاك في قطع من السحاب ومتى يكون مجىء الملائكة فيه قولان أحدهما أنه يوم القيامة وهو قول الجمهور والثاني أنه عند الموت قاله قتادة وقرا الحسن بخفض الملائكة قضي الأمر فرغ منه و إلى الله ترجع الامور أي تصير قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم ترجع بضم التاء وقرا ابن عامر وحمزة والكسائي بفتحها فان قيل فكأن الأمور كانت إلى غيره فعنه اربعة أجوبه أحدها أن المراد به إعلام الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب قاله الزجاج والثاني أنه لما عبد قوم غيره ونسبوا أفعاله إلى سواه ثم انكشف الغطاء يوم القيامة ردوا إليه ما أضافوه إلى غيره و الثالث أن العرب تقول قد رجع علي من فلان مكروه إذا صار إليه منه مكروه و إن لم يكن سبق قال الشاعر ... فان تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب ... \r\n ذكرهما ابن الانباري ومما يشبه هذا قول لبيد ... وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ... \r\n أراد يصير رمادا لا أنه كان رمادا وقال أمية بن أبي الصلت ... تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ... \r\n أي صار والرابع أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق ثم أوجدهم فملكهم بعضها رجعت إليه بعد هلاكهم فان قيل قد جرى ذكر اسمه تعالى في قوله أن يأتيهم الله فما ","part":1,"page":226},{"id":226,"text":" الحكمة في أنه لم يقل و إليه ترجع الامور فالجواب أن إعادة اسمه أفخم و أعظم والعرب إذا جرى ذكر شيء يفخم أعادوا لفظه وأنشدوا ... لا أرى الموت يسبق الموت شيئا ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ... \r\n فأعادوا ذكر الموت لفخامته في صدورهم ذكره الزجاج \r\n سل بني اسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب \r\n قوله تعالى سل بني اسرائيل الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمعنى له وللمؤمنين قال الفراء أهل الحجاز يقولون سل بغير همز وبعض تميم يقول اسأل بالهمز وبعضهم يقول إسل بالألف وطرح الهمز والأولى أغربهن وبها جاء الكتاب وفي المراد بالسؤال قولان أحدهما أنه التقرير والإذكار بالنعم والثاني التوبيخ على ترك الشكر \r\n والاية البينة العلامة الواضحة كالعصا والغمام والمن والسلوى والبحر وفي المراد بنعمة الله قولان أحدهما أنها الآيات التي ذكرناها قاله قتادة والثاني أنها حجج الله الدالة على أمر النبي صلى الله عليه و سلم قاله الزجاج \r\n وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال أحدها أنه الكفر بها قاله أبوالعالية ومجاهد والثاني تغيير صفة النبي صلى الله عليه و سلم في التوراة قاله أبو سليمان الدمشقي والثالث تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة \r\n زين للذين كفورا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب ","part":1,"page":227},{"id":227,"text":" قوله تعالى زين للذين كفروا الحياة الدنيا في نزولها ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه قاله ابن عباس والثاني نزلت في علماء اليهود قاله عطاء والثالث في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين قاله مقاتل قال الزجاج وانما جاز في زين لفظ التذكير لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد \r\n و إلى من يضاف هذا التزيين فيه قولان أحدهما أنه يضاف إلى الله وقرأ أبي بن كعب والحسن و مجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة زين بفتح الزاي والياء على معنى زينها الله لهم والثاني أنه يضاف إلى الشيطان روي عن الحسن قال شيخنا علي ابن عبيد الله والتزيين من الله تعالى هو التركيب الطبيعي فانه وضع في الطبائع محبة المحبوب لصورة فيه تزينت للنفس وذلك من صنعه وتزيين الشيطان باذكار ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو لى نفسه لزينته فالله تعالى يزين بالوضع والشيطان يزين بالإذكار \r\n وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين فيه ثلاثة أقوال أحدها انهم سخروا منهم للفقر والثاني لتصديقهم بالآخرة و الثالث لاتباعهم للنبي ص - وقيل إنهم كانوا يوهمونهم أنكم على الحق سخرية منهم بهم \r\n وفي معنى كونهم فوقهم ثلاثة أقوال أحدها أن ذلك على أصله لأن المؤمنين في عليين والكفار في سجين والثاني أن حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين فهم المنصورون و الثالث في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق نعيم الكافرين في الدنيا \r\n قوله تعالى والله يرزق من يشاء بغير حساب فيه قولان أحدهما أنه يرزق ","part":1,"page":228},{"id":228,"text":" من يشاء رزقا واسعا غير ضيق والثاني يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة \r\n كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم \r\n قوله تعالى كان الناس أمة واحدة في المراد بالناس هاهنا ثلاثة أقوال أحدها جميع بني آدم وهو قول الجمهور والثاني آدم وحده قاله مجاهد قال ابن الانباري وهذا الوجه جائز لأن العرب توقع الجمع على الواحد ومعنى الآية كان آدم ذا دين واحد فاختلف ولده من بعده و الثالث آدم وأولاده كانوا على الحق فاختلفوا حين قتل قابيل وهابيل ذكره ابن الانباري والأمة هاهنا الصنف والواحد على مقصد واحد \r\n وفي ذلك المقصد الذي كانوا عليه قولان أحدهما أنه الإسلام قاله أبي بن كعب وقتادة والسدي و مقاتل والثاني أنه الكفر رواه عطية عن ابن عباس \r\n ومتى كان ذلك فيه خمسة أقوال أحدها أنه حين عرضوا على آدم وأقروا بالعبودية قاله أبي بن كعب والثاني في عهد ابراهيم كانوا كفارا قاله ابن عباس والثالث بين آدم و نوح وهو قول قتادة والرابع حين ركبوا السفينة كانوا على الحق قاله مقاتل والخامس في عهد آدم ذكره ابن الانباري فبعث الله النبيين مبشرين بالجنة و منذرين بالنار هذا قول الأكثرين وقال بعض السلف مبشرين لمن آمن ","part":1,"page":229},{"id":229,"text":" بك يا محمد ومنذرين لمن كذبك وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس والكتاب اسم جنس كما تقول كثر الدرهم في أيدي الناس وذكر بعضهم أنه في التوراة \r\n وفي المراد بالحق ههنا قولان أحدهما أنه بمعنى الصدق والعدل والثاني أنه القضاء فيما اختلفوا فيه ليحكم بين الناس في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الله تعالى والثاني أنه النبي الذي انزل عليه الكتاب و الثالث الكتاب كقوله تعالى هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق الجاثية 29 وقرأ أبو جعفر ليحكم بضم الياء وفتح الكاف وقرا مجاهد لتحكم بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى فيما اختلفوا فيه يعني الدين \r\n قوله تعالى وما اختلف فيه في هذه الهاء ثلاثة أقوال أحدها أنها تعود إلى محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن مسعود والثاني إلى الدين قاله مقاتل والثالث إلى الكتاب قاله أبو سليمان الدمشقي فأما هاء أوتوه فعائدة على الكتاب من غير خلاف وقال الزجاج ونصب بغيا على معنى المفعول له فالمعنى لم يوقعوا الاختلاف الا للبغي لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم وقال الفراء في اختلافهم وجهان أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض والثاني تبديل ما بدلوا \r\n قوله تعالى فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه أي لمعرفة ما اختفلوا فيه أو تصحيح ما اختلفوا فيه \r\n وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال أحدها أنه الجمعة جعلها اليهود السبت والنصارى الأحد فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن ","part":1,"page":230},{"id":230,"text":" رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة يبد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا واوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى والثاني أنه الصلاة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب والثالث أنه إبراهيم قالت اليهود كان يهوديا وقالت النصارى كان نصرانيا والرابع أنه عيسى جعلته اليهود لفرية وجعلته النصارى إلها والخامس أنه الكتب آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها والسادس أنه الدين وهو الأصح لأن جميع الاقوال داخلة في ذلك \r\n قوله تعالى باذنه قال الزجاج إذنه علمه وقال غيره أمره قال بعضهم توفيقه \r\n أن حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا إن نصر الله قريب \r\n قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر فنزلت هذا الآية ذكره السدي عن أشياخه وهو قول قتادة والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم لما دخل المدينة هو وأصحابه اشتد بهم الضر فنزلت هذه الآية قاله عطاء و الثالث أن المنافقين قالوا للمؤمنين لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم القتل فأجابوهم من قتل منا دخل الجنة فقالوا لم تمنون انفسكم بالباطل فنزلت هذه ","part":1,"page":231},{"id":231,"text":" الآية قاله مقاتل وزعم أنها نزلت يوم احد قال الفراء أم حسبتم بمعنى أظننتم وقال الزجاج أم بمعنى بل وقد شرحنا أم فيما تقدم شرحا كافيا والمثل بمعنى الصفة و زلزلوا خوفوا وحركوا بما يؤذي وأصل الزلزلة في اللغة من زل الشىء عن مكانه فاذا قلت زلزلته فتأويله كررت زلزلته من مكانه وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل تقول أقل فلان الشىء إذا رفعه من مكانه فاذا كرر رفعه ورده قيل قلقله فالمعنى أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف قاله ابن عباس البأساء الشدة والبؤس والضراء البلاء والمرض وكل رسول بعث إلى أمته يقول متى نصر الله والنصر الفتح والجمهور على فتح لام حتى يقول وضمها نافع \r\n فصل \r\n ومعنى الآية أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطؤوا النصر لشدة البلاء وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء قالت عائشة ما شبع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله وقال حذيفة اقر أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي فيشكون الي الحاجة قيل ولم ذلك قال لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام أخبرنا أبو بكر الصوفي قال أخبرنا أبو سعيد ابن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي قال سمعت ابا الطيب ابن الفرخان يقول سمعت الجنيد يقول دخلت على سري السقطي وهو يقول ","part":1,"page":232},{"id":232,"text":" وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محله العبد الذليل ... وأغضيت الجفون على قذاها ... وصنت النفس عن قال وقيل ... \r\n يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتمامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم \r\n قوله تعالى يسئلونك ماذا ينفقون في سبب نزولها قولان أحدهما أنها نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري وكان له مال كثير فقال يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق فنزلت هذا الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم إن لي دينار فقال أنفقه على نفسك فقال إن لي دينارين فقال انفقها على أهلك فقال إن لي ثلاثة فقال أنفقها على خادمك فقال إن لي اربعة فقال أنفقها على والديك فقال إن لي خمسة فقال لأنفقها على قرابتك فقال إن لي ستة فقال أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس \r\n قال الزجاج ماذا في اللغة على ضربين أحدهما أن تكون ذا بمعنى الذي و ينفقون صلته فيكون المعنى يسألونك أي شيء الذي ينفقون والثاني أن تكون ما مع ذا اسما واحدا فيكون المعنى يسألونك أي شيء ينفقون قال وكأنهم سألوا على من ينبغي أن يفضلوا وما وجه الذي ينفقون لأنهم يعلمون ما المنفق ","part":1,"page":233},{"id":233,"text":" وأعلمهم الله أن اولى من أفضل عليه الوالدان والأقربون والخير المال قاله ابن عباس في آخرين وقال ومعنى فللوالدين فعلى الوالدين \r\n فصل \r\n وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة قال ابن مسعود نسختها آية الزكاة وذهب الحسن إلى إحكامها وقال ابن زيد هي في النوافل وهذا الظاهر منم الآية لأن ظاهرها يقتضي الندب ولا يصح أن يقال إنها منسوخة إلا أن يقال إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها \r\n كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكروهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون \r\n قوله تعالى كتب عليكم القتال قال ابن عباس لما فرض الله على المسلمين الجهاد شق عليهم وكرهوه فنزلت هذه الآية و كتب بمعنى فرض في قول الجماعة قال الزجاج يقال كرهت الشىء أكرهه كرها وكرها وكراهة وكراهية وكل ما في كتاب الله من الكره فالفتح فيه جائز إلا أن ابا عبيد ذكر أن الناس مجتمعون على ضم هذا الحرف الذي فيه هذه الآية وإنما كرهوه لمشقته على النفوس لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى وقال الفراء الكره والكره لغتان وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تكره عليه فاذا أكرهت على الشىء استحبوا كرها بالفتح وقال ابن قتيبة الكره بالفتح معناه الإكراه والقهر وبالضم معناه المشقة ومن نظائر هذا الجهد الطاقة والجهد المشقة ومنهم من يجعلهما واحدا وعظم الشىء أكبره ","part":1,"page":234},{"id":234,"text":" وعظمه نفسه وعرض الشىء إحدى نواحيه وعرضه خلاف طوله والأكل مصدر أكلت والأكل المأكول وقال أبو علي هما لغتان كالفقر والفقر والضعف والضعف والدف والدف والشهد والشهد \r\n قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا قال ابن عباس يعنى الجهاد وهو خير لكم فتح وغنيمة أو شهادة وعسى أن تحبوا شيئا وهو القعود عنه وهو شر لكم لا تصيبون فتحا ولا غنيمة ولا شهادة والله يعلم أن الجهاد خير لكم وأنتم لا تعلمون حين أحببتم القعود عنه \r\n فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها من المحكم الناسخ للعفو عن المشركين والثاني أنها منسوخة لأنها أوجبت الجهاد على الكل فنسخ ذلك بقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 والثالث أنها ناسخة من وجه منسوخة من وجه \r\n وقالوا إن الحال في القتال كانت على ثلاث مراتب الاولى المنع من القتال ومنه قوله تعالى الم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم النساء 77 والثانية أمر الكل بالقتال ومنه قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا التوبة 41 ومثلها هذه الآية والثالثة كون القتال فرضا على الكفاية وهو قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 فيكون الناسخ منها ايجاب القتال بعد المنع منه والمنسوخ منه وجوب القتال على الكل ","part":1,"page":235},{"id":235,"text":" يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونك حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث رهطا واستعمل عليهم ابا عبيدة فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فبعث مكانه عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا وقال لا تكرهن احدا من أصحابك على المسير معك فلما صار إلى المكان قرأ الكتاب واسترجع وقال سمعا وطاعة لأمر الله ولرسوله فخبرهم الخبر وقرا عليهم الكتاب فرجع رجلان من أصحابه ومضى بقيتهم فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه فلم يدروا ذلك اليوم أمن رجب أو من جمادى الآخرة فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فحدثوه الحديث فنزلت هذه الآية فقال بعض المسلمين لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر فنزلت إن الذين آمنوا والذين هاجروا إلى قوله رحيم البقرة 218 قال الزهري اسم ابن الحضرمي عمرو واسم الذي قتله عبد الله بن واقد الليثي قال ابن عباس كان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يظنون تلك الليلة من جمادى وكانت اول رجب \r\n وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين أحدهما هذا والثاني ","part":1,"page":236},{"id":236,"text":" دخول النبي صلى الله عليه و سلم مكة في شهر حرام يوم الفتح حين عاب المشركون عليه القتال في شهر حرام \r\n وفي السائلين النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك قولان أحدهما انهم المسلمون سألوه هل أخطؤوا ام أصابوا قاله ابن عباس وعكرمة و مقاتل والثاني انهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين قاله الحسن وعروة و مجاهد \r\n والشهر الحرام شره رجب وكا يدعى الأصم لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيما له قتال فيه أي يسألونك عن قتال فيه قل قتال فيه كبير قال ابن مسعود و ابن عباس لا يحل قال القاضي أبو يعلى كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الاشهر فأعلمهم الله تعالى في هذه الآية ببقاء التحريم \r\n فصل \r\n اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم هل هو باق ام نسخ على قولين \r\n أحدهما أنه باق روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله ما يحل للناس الآن أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزوا وما نسخت \r\n والثاني أنه منسوخ قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار القتال جائز في الشهر الحرام وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 وبقوله تعالى قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر التوبة 19 وهذا قول فقهاء الأمصار ","part":1,"page":237},{"id":237,"text":" قوله تعالى وصد عن سبيل الله هو مرفوع بالابتداء وخبر هذه الأشياء أكبر عند الله وفي المراد ب سبيل الله هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه الحج لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مكة قاله ابن عباس والسدي عن أشياخه \r\n والثاني أنه الإسلام قاله مقاتل وفي هاء الكناية في قوله وكفر به قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله السدي عن أشياخه وقتادة و مقاتل وابن قتبية والثاني أنها تعود إلى السبل قاله ابن عباس قال ابن قتيبة وخفض المسجد الحرام نسقا على قوله سبيل الله كأنه قال وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام \r\n قوله تعالى وإخراج أهله منه لما آذوا رسول الله وأصحابه اضطروهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل كافر والفتنة هاهنا بمعنى الشرك قاله ابن عمر و ابن عباس و مجاهد وابن جبير وقتادة والجماعة والفتنة في القرآن على وجوه كثيرة قد ذكرتها في كتاب النظائر ولا يزالون يعني الكفار يقاتلونكم يعني المسلمين و حبطت بمعنى بطلت \r\n إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرمي قال بعض المسلمين ما لهم أجر فنزلت هذه الآية وقد ذكرنا هذا في ","part":1,"page":238},{"id":238,"text":" سبب نزول قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام عن جندب بن عبد الله \r\n والثاني أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا فقالوا يا رسول الله انطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال هاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في طاعة الله ابن الحضرمي وأصحابه و رحمة الله مغفرته وجنته قال ابن الأنباري الهجرة عند العرب من هجران الوطن والأهل والولد والمهاجرون معناهم المهاجرون الاولاد والأهل فعرف مكان المفعول فأسقط قال الشعبي اول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش واول مغنم قسم في الإسلام مغنمه \r\n يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون \r\n قوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر في سبب نزولها قولان أحدهما أن عمر بن الخطاب قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية والثاني أن جماعة من الانصار جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وفيهم عمر ومعاذ فقالوا أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية \r\n وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال أحدها أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه والثاني لأنها تخمر العقل أي تستره والثالث لأنها تخمر أي تغطي ذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم وقال الزجاج الخمر في اللغة ما ستر على العقل يقال دخل فلان في خمار الناس أي في الكثير الذي يستتر فيهم وخمار المرأة قناعها سمي خمارا لأنه يغطي ","part":1,"page":239},{"id":239,"text":" قال والخمر هاهنا هي المجمع عليها وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له خمر و أن يكون في التحريم بمنزلتها لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله حرام وإنما ذكر الميسر من بينه وجعل كله قياسا على الميسر والميسر إنما يكون قمارا في الجزر خاصة فأما الميسر فقال ابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير و مجاهد وقتادة في آخرين هو القمار قال ابن قتيبة يقال يسرت إذا ضربت بالقداح ويقال للضارب بالقداح ياسر و ياسرون ويسر وأيسار \r\n وكان أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون جزورا ويجزئونها أجزاء ثم يضربون عليها القداح فاذا قمر القامر جعل ذلك لذوي الحاجة والمسكنة وهو النفع الذي ذكره الله وكانوا يتمادحون بأخذ القداح ويتسابون بتركها ويعيبون من لا ييسر \r\n قوله تعالى قل فيهما إثم كبير قرأ الأكثرون كبير بالباء وقرا حمزة والكسائي بالثاء \r\n وفي إثم الخمر ثلاثة أقوال أحدها أن شربها ينقص الدين قاله ابن عباس والثاني أنه إذا شرب سكر وآذى الناس رواه السدي عن أشياخه و الثالث أنه وقوع العداوة والبغضاء وتغطية العقل الذي يقع به التمييز قاله الزجاج \r\n وفي إثم الميسر قولان أحدهما أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة قاله ابن عباس والثاني أنه يدعوا إلى الظلم ومنع الحق رواه السدي عن أشياخه وجائز أن يراد جميع ذلك ","part":1,"page":240},{"id":240,"text":" وأما منافع الخمر فمن وجهين أحدهما الربح في بيعها والثاني انتفاع الأبدان مع التذاذ النفوس وأما منافع الميسر فاصابة الرجل المال من غير تعب \r\n وفي قوله تعالى وإثمهما أكبر من نفعها قولان أحدهما أن معناه وإثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم قاله سعيد بن جبير و الضحاك و مقاتل والثاني وإثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم ايضا لأن الإثم الذي يحدث في اسبابها أكبر من نفعهما وهذا منقول عن ابن جبير ايضا واختلفوا بماذا كانت الخمرة مباحة على قولين أحدهما بقوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا النحل 67 قاله ابن جبير والثاني بالشريعة الاولى وأقر المسلمون على ذلك حتى حرمت \r\n فصل \r\n اختلف العلماء هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا على قولين أحدهما أنها تقتضي ذمها دون تحريمها رواه السدي عن أشياخه وبه قال سعيد بن جبير و مجاهد وقتادة و مقاتل وعلى هذا القول تكون هذه الآية منسوخة \r\n والقول الثاني أن لها تأثيرا في التحريم وهو أن الله تعالى أخبر أن فيها إثما كبيرا والإثم كله محرم بقوله والإثم والبغي الأعراف 33 هذا قول جماعة من العلماء وحكاه الزجاج واختاره القاضي أبو يعلى للعلة التي بيناها واحتج لصحته بعض أهل المعاني فقال لما قال الله تعالى قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وقع التساوي بين الأمرين فلما قال وإثمهما أكبر من نفعهما صار الغالب الإثم وبقي النفع مستغرقا في جنب الإثم فعاد الحكم للغالب المستغرق فغلب جانب الخطر ","part":1,"page":241},{"id":241,"text":" فصل \r\n فأما الميسر فالقول فيه مثل القول في الخمر إن قلنا إن هذه الآية دلت على التحريم فالميسر حكمها حرام ايضا و إن قلنا إنها دلت على الكراهة فأقوم الاقوال أن نقول إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم الميسر \r\n قوله تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون قال ابن عباس إن الذي سأله عن ذلك عمرو ابن الجموح قال ابن قتيبة والمراد بالنفقة هاهنا الصدقة والعطاء \r\n قوله تعالى قل العفو قرأ أبو عمرو برفع واو العفو وقرا الباقون بنصبها قال أبو علي ماذا في موضع نصب فجوابه العفو بالنصب كما تقول في جواب ماذا انفقت اى انفقت درهما هذا وجه نصب العفو ومن رفع جعل ذا بمنزلة الذي ولم يجعل ماذا اسما واحدا فاذا قال قائل ماذا أنزل ربكم فكانه قال ما الذي أنزل ربكم فجوابه قرآن قال الزجاج العفو في اللغة الكثرة والفضل يقال قد عفا القم إذا كثروا و العفو ما اتى بغير كلفة وقال ابن قتيبة العفو الميسور يقال خذ ما عفاك أي ما أتاك سهلا بلا إكراه ولا مشقة \r\n وللمفسرين في المراد بالعفو هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدها أنه ما يفضل عن حاجة المرء وعياله رواه مقسم عن ابن عباس والثاني ما تطيب به أنفسهم من قليل وكثير رواه عطية عن ابن عباس والثالث أنه القصد بين الإسراف والإقتار قاله الحسن وعطاء وسعيد بن جبير والرابع أنه الصدقة المفروضة قاله مجاهد والخامس أنه مالا يتبين عليهم مقداره من قولهم عفا الأثر إذا خفي ودرس حكاه شيخنا عن طائفة من المفسرين ","part":1,"page":242},{"id":242,"text":" فصل \r\n وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذا الآية فروى السدي عن أشياخه أنها نسخت بالزكاة وأبي نسخها آخرون وفصل الخطاب في ذلك أنا متى قلنا إنه فرض عليهم بهذه الآية التصدق بفاضل المال أو قلنا إنه أوجبت عليهم هذه الآية صدقة قبل الزكاة فالآية منسوخة بآية الزكاة ومتى قلنا إنها محمولة على الزكاة المفروضة كما قال مجاهد أو على الصدقة المندوب إليها فهي محكمة \r\n قوله تعالى كذلك يبين الله قال الزجاج إنما قال كذلك وهو يخاطب جماعة لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قال كذلك يا أيها القبيل وجائز أن تكون الكفا للنبي صلى الله عليه و سلم كأنه قال كذلك يا أيها النبي لأن الخطاب له مشتمل على خطاب أمته وقال ابن الأنباري الكاف في كذلك إشارة إلى ما بين من الإنفاق فكأنه قال مثل ذلك الذي بينه لكم في الانفاق يبين الآيات ويجوز أن يكون كذلك غير إشارة إلى ما قبله فيكون معناه هكذا قاله ابن عباس لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل ما بينهما فتعملون للباقي منهما \r\n ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى ويسئلونك عن اليتامى في سبب نزولها قولان أحدهما أنه لما أنزل الله تعالى ولا تقربوا مال اليتمي إلا بالتي هي أحسن الاسراء 34 و إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 9 انطلق من كان عنده مال يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشىء من طعامه فيحبس له حتى ","part":1,"page":243},{"id":243,"text":" يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروه للنبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير و قتادة و مقاتل والثاني أن العرب كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه في قصعته ولا يستخدمون له خادما فسألوا النبي صلى الله عليه و سلم عن مخالطتهم فنزلت هذه الآية ذكره السدي عن اشياخه وهو قول الضحاك \r\n وفي السائلين للنبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك قولاان أحدهما أن الذي سأله ثابت بن رفاعة الأنصاري قاله مقاتل والثاني عبد الله بن رواحة قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى قل إصلاح لهم خير قال ابن قتيبة معناه تثمير أموالهم والتنزه عن أكلها لمن وليها خير وإن تخالطوهم فاخوانكم أي فهم أخوانكم في ذلك حكم إخوانكم قال ابن عباس والمخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه ويأكل في قصعتك وتأكل في قصعته والله يعلم المفسد من المصلح يريد المتعمد اكل مال اليتيم من المتحرج الذي لا يألو إلا الإصلاح ولو شاء الله لأعنتكم قال ابن عباس أي لأحرجكم ولضيق عليكم وقال ابن الأنباري أصل العنت التشديد تقول العرب فلان يتعنت فلانا ويعنته أي يشدد عله ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه قال ثم نقلت إلى معنى الهلاك واشتقاق الحرف من قول العرب أكمة عنوت إذا كانتت شديدة شاقة المصعد فجعلت هذه اللفظة مستعملة في كل شدة \r\n ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولبعد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم اولئك يدقون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ","part":1,"page":244},{"id":244,"text":" قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن رجلا يقال له مرثد بن أبي مرثد بعثه النبي صلى الله عليه و سلم إلى مكة ليخرج ناسا من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم اعرض عنها فأتته فقالت ويحك يا مرثد ألا تخلو فقال إن الإسلام قد حال بيني وبينك ولكن إن شئت تزوجتك إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم استأذنته في ذلك فقالت له أبي تتبرم واستغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة رجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسأله أتحل لي أن أتزوجها فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وذكر مقاتل بن سليمان أنه أبو مرثد الغنوي \r\n والثاني أن عبد الله بن رواحه كانت له أمة سوداء و أنه غضب عليها فلطمها ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما هي يا عبد الله فقال ","part":1,"page":245},{"id":245,"text":" يا رسول الله هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال يا عبد الله هذه مؤمنة فقال والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فعابه ناس من المسلمين وقالوا أنكح أمة وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن فنزلت هذه الآية رواه السدي عن أشياخه وقد ذكر بعض المفسرين أن قصة عناق وأبا مرثد كانت سببا لنزول قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وقصة ابن رواحه كانت سببا لنزول قوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة \r\n فأما التفسير فقال المفضل أصل النكاح الجماع ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد نكاح وقد حرم الله عز و جل نكاح المشركات عقدا ووطءا \r\n وفي المشركات هاهنا قولان أحدهما أنه يعم الكتابيات وغيرهن وهو قول الأكثرين والثاني أنه خاص في الوثنيات وهو قول سعيد بن جبير والنخعي وقتادة \r\n وفي المراد بالأمة قولان أحدهما أنها المملوكة وهو قول الأكثرين فيكون المعنى ولنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة والثاني أنها المرأة وإن لم تكن مملوكة كما يقال هذه أمة الله وهذا قول الضحاك والأول أصح \r\n وفي قوله ولو اعجبتكم قولان أحدهما بجمالها وحسنها والثاني بحسبها ونسبها \r\n فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية فقال القائلون بأن المشركات الوثنيات هي محكمة وزعم بعض من نصر هذا القول أن اليهود والنصارى ليسوا بمشركين بالله وإن حجدوا بنبوة نبينا قال شيخنا وهو قول فاسد من وجهين أحدهما أن حقيقة الشرك ثابتة في حقهم حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله والثاني أن كفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم يوجب أن يقولوا إن ما جاء به ليس من عند اله وإضافة ذلك إلى ","part":1,"page":246},{"id":246,"text":" غير الله شرك فأما القائلون بأنها عامة في جميع المشركات فلهم في ذلك قولان أحدهما أن بعض حكمها منسوخ بقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 6 وبقي الحكم في غير أهل الكتاب محكما والثاني أنها ليست منسوخة ولا ناسخة بل هي عامة في جميع المشركات وما أخرج عن عمومها من اباحة كافرة فلدليل خاص وهو قوله تعالى والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 6 فهذه خصصت عموم تلك من غير نسخ وعلى هذا عامة الفقهاء وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة منهم عثمان وطلحة وحذيفة وجابر و ابن عباس \r\n قوله تعالى ولا تنكحوا المشركين أي لا تزوجوهم بمسلمة حتى يؤمنوا والكلام في قوله تعالى ولعبد مؤمن وفي قوله تعالى ولو أعجبكم مثل الكلام في أول الآية \r\n قوله تعالى والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة باذنه قرأ الجمهور بخفض المغفرة وقرأ الحسن والقزاز عن أبي عمرو برفعها \r\n يسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فاذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين \r\n قوله تعالى ويسألونك عن المحيض روى ثابت عن أنس قال كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهن لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت فسئل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك فنزلت هذه الآية فأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويكونوا معهن في البيوت وأن يفعلوا كل شيء ما عدا النكاح وقال ابن عباس جاء ","part":1,"page":247},{"id":247,"text":" رجل يقال له ابن الدحداحة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال كيف نصنع بالنساء إذا حضن فنزلت هذه الآية وفي المحيض قولان أحدهما أنه اسم للحيض قال الزجاج يقال قد حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا وقال ابن قتيبة المحيض الحيض والثاني أنه اسم لموضع الحيض كالمقيل فانه موضع القيلولة والمبيت موضع البيتوتة وذكر القاضي أبويعلى أن هذاظاهر كلام أحمد فأما أرباب القول الأول فأكدوه بإن في اللفظ ما يدل على قولهم وهو أنه وصفه بالأذى وذلك صفة لتفسير الحيض لا لمكانه واما أرباب القول الثاني فقالوا لا يمتنع أن يكون المحيض صفة للموضع ثم وصفه بما قاربه وجاوره كالعقيقة فإنها اسم لشعر الصبي وسميت بها الشاة التي تذبح عند حلق رأسه مجازا والرواية اسم للجمل وسميت المزادة راوية مجازا والأذى يحصل للواطىء بالنجاسة ونتن الريح وقيل يورث جماع الحائض علة بالغة في الألم فاعتزلوا النساء في المحيض المراد به اعتزال الوطء في الفرج لأن المحيض نفس الدم أو نفس الفرج ولا تقربوهن أي لا تقربوا جماعهن وهو تأكيد لقوله فاعتزلوا النساء \r\n قوله تعالى حتى يطهرن قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم حتى يطهرن خفيفة وقرأ حمزة والكسائي وخلف و أبو بكر عن عاصم يطهرن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما قال ابن قتيبة يطهرن ينقطع عنهن الدم يقال طهرت المرأة وطهرت إذا رأت الطهر وإن لم تغتسل بالماء ومن قرأ يطهرن ","part":1,"page":248},{"id":248,"text":" بالتشديد أراد يغتسلن بالماء والأصل يتطهرن فأدغمت التاء في الطاء قال ابن عباس و مجاهد حتى يطهرن من الدم فاذا تطهرن اغتسلن بالماء \r\n قوله تعالى فأتوهن إباحة من حظر لا على الوجوب \r\n قوله تعالى من حيث أمركم الله فيه اربعة أقوال \r\n أحدها أن معناه من قبل الطهر لا من قبل الحيض قاله ابن عباس وأبو رزين وقتادة والسدي في آخرين \r\n والثاني أن معناه فأتوهن من حيث أمركم الله أن لا تقربوهن فيه وهو محل الحيض قاله مجاهد وقال من نصر هذا القول إنما قال أمركم الله والمعنى نهاكم لأن النهي أمر بترك المنهي عنه و من بمعنى في كقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الجمعة 9 \r\n والثالث فأتوهن من قبل التزويج الحلال لا من قبل الفجور قاله ابن الحنفية والرابع أن معناه فاتوهن من الجهات التي يحل أن تقرب فيها المرأة ولا تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كن صائمات أو معتكفات أو محرمات وهذا قول الزجاج وابن كيسان وفي قوله تعالى إن الله يحب التوابين قولان أحدهما التوابين من الذنوب قاله عطاء و مجاهد في آخرين والثاني التوابين من إتيان الحيض ذكره بعض المفسرين \r\n وفي قوله تعالى ويحب المتطهرين ثلاثة أقوال أحدها المتطهرين من الذنوب قاله مجاهد وسعيد بن جبير و أبوالعالية والثاني المتطهرين بالماء قاله عطاء و الثالث المتطهرين من إيتيان أدبار النساء روي عن مجاهد ","part":1,"page":249},{"id":249,"text":" فصل \r\n أقل الحيض يوم وليلة في إحدى الروايتين عن أحمد والثانية يوم وقال أبو حنيفة أقله ثلاثة أيام وقال مالك وداود ليس لأقله حد وفي أكثره روايتان عن أحمد احداهما خمسة عشر يوما وهو قول مالك والشافعي والثانية سبعة عشريوما وقال أبو حنيفة أكثره عشرة أيام \r\n والحيض مانع من عشرة أشياء فعل الصلاة ووجوبها وفعل الصوم دون وجوبه والجلوس في المسجد والاعتكاف والطواف وقراءة القرآن وحمل المصحف والاستمتاع فى الفرج وحصول نية الطلاق \r\n نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين \r\n قوله تعالى نساؤكم حرث لكم في سبب نزلها ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن اليهود أنكرت جواز إتيان المرأة إلا من بين يديها وعابت من يأتيها على غير تلك الصفة فنزلت هذه الآية روي عن جابر والحسن وقتادة والثاني أن حيا من قريش كانوا يتزوجون النساء بمكة ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار فذهبوا ليفعلوا ذلك فأنكرنه وانتهى الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه مجاهد عن ابن عباس والثالث أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال هلكت حولت رحلي الليلة فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن ","part":1,"page":250},{"id":250,"text":" عباس والحرث المزدرع وكنى به هاهنا عن الجماع فسماهن حرثا لأنهن مزدرع الأولاد كالأرض للزرع فان قيل النساء جمع فلم لم يقل حروث فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن القاسم الانباري النحوي أحدها أن يكون الحرث مصدرا في موضع الجمع فلزمه التوحيد كما تقول العرب إخوتك صوم وأولادك فطر يريدون صائمين ومفطرين فيؤدي المصدر بتوحيده عن اللفظ المجموع والثاني أن يكون أراد حروث لكم فاكتفى بالواحد من الجمع كما قال الشاعر ... كلوا في نصف بطونكم تعيشوا ... \r\n أي في أنصاف بطونكم والثالث أنه إنما وحد الحرث لأن النساء شبهن به ولسن من جنسه والمعنى نساؤكم مثل حروث لكم \r\n قوله تعالى أنى شئتم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه بمعنى كيف شئتم ثم فيه قولان أحدهما أن المعنى كيف شئتم مقبلة أو مدبرة وعلى كل حال إذا كان الإتيان في الفرج وهذا قول ابن عباس و مجاهد وعطية والسدي و ابن قتيبة في آخرين والثاني أنها نزلت في العزل قاله سعيد بن المسيب فيكون المعنى إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا ","part":1,"page":251},{"id":251,"text":" والقول الثاني أنه بمعنى إن شئتم ومتى شئتم وهو قول ابن الحنفية و الضحاك وروي عن ابن عباس أيضا و الثالث أنه بمعنى حيث شئتم وهذا محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس وهو فاسد من وجوه أحدها أن سالم بن عبد الله لما بلغه أن نافعا تحدث بذلك عن ابن عمر قال كذب العبد إنما قال عبد الله يؤتون في فروجهن من أدبارهن و اما أصحاب مالك فانهم ينكرون صحته عن مالك والثاني أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ملعون من أتى النساء في أدبارهن فدل على أن الآية لا يراد بها هذا \r\n والثالث أن الآية نبهت على أنه محل الولد بقوله فأتوا حرثكم وموضع الزرع هو مكان الولد قال ابن الأنباري لما نص الله على ذكر الحرث والحرث به يكون النبات والولد مشبه بالنبات لم يجز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه ولد ","part":1,"page":252},{"id":252,"text":" والرابع أن تحريم إتيان الحائض كان لعلة الأذى والأذى ملازم لهذا المحل لا يفارقه \r\n قوله تعالى وقدموا لأنفسكم فيه اربعة أقوال أحدها أن معناه وقدموا لأنفسكم من العمل الصالح رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني وقدموا التسمية عند الجماع رواه عطاء عن ابن عباس والثالث وقدموا لأنفسكم في طلب الولد قاله مقاتل والرابع وقدموا طاعة الله واتباع أمره قاله الزجاج \r\n ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم \r\n قوله تعالى ولا تجلعوا الله عرضة لأيمانكم في سبب نزولها اربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان بينه وبين ختنة شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه وجعل يقول قد حلفت بالله فلا يحل لي إلا أن تبر يميني فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس فنزلت هذه الآية قاله الربيع بن أنس \r\n والثالث أنها نزلت في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح قاله ابن جريج والرابع نزلت في أبي بكر حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم قاله المقاتلان ابن حيان وابن سليمان \r\n قال الفراء والمعنى ولا تجعلوا الله معترضا لأيمانكم وقال أبو عبيد نصبا لأيمانكم ","part":1,"page":253},{"id":253,"text":" كأنه يعني انكم تعترضونه في كل شيء فتحلفون به وفي معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها أن معناها لا تحلفوا بالله أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس هذا قول ابن عباس و مجاهد وعطاء وابن جبير و إبراهيم و الضحاك وقتادة والسدي و مقاتل و الفراء و ابن قتيبة و الزجاج في آخرين والثاني أن معناها لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم وتصلحوا بينهم بالكذب روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس والثالث أن معناها لا تكثروا الحلف بالله و إن كنتم بارين مصلحين فان كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه هذا قول ابن زيد \r\n لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم \r\n قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال الزجاج اللغو في كلام العرب ما أطرح ولم يعقد عليه أمر ويسمى ما لا يعتد به لغوا وقال ابن فارس اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعتد به من اولاد الإبل في الدية وغيرها لغوا يقال منه لغا يلغو وتقول لغي بالأمر إذا لهج به وقيل إن اشتقاق اللغة منه أي يلهج صاحبها بها وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال أحدها أن يحلف على الشىء يظن أنه كما حلف ثم يتبين له أنه بخلافه والى هذا المعنى ذهب أبو هريرة و ابن عباس والحسن وعطاء والشعبي وابن جبير و مجاهد وقتادة والسدي عن أشياخه ومالك و مقاتل والثاني أنه لا والله وبلى والله من غير قصد لعقد اليمين وهو قول عائشة وطاووس وعروة والنخعي ","part":1,"page":254},{"id":254,"text":" والشافعي واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وكسب القلب عقدة وقصده وهذان القولان منقولان عن الإمام أحمد روى عنه ابنه عبد الله أنه قال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك ولا كفارة والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء فلا كفارة والثالث أنه يمين الرجل وهو غضبان رواه طاووس عن ابن عباس والرابع أنه حلف الرجل على معصية فليحنث وليكفر ولا إثم عليه قاله سعيد بن جبير والخامس أن يحلف الرجل على شيء ثم ينساه قاله النخعي وقول عائشة أصح الجميع قال حنبل سئل أحمد عن اللغو فقال الرجل يحلف فيقول لا والله وبلى والله لا يريد عقد اليمين فاذا عقد على اليمين لزمته الكفارة \r\n قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلبوكم والله غفور حليم قال مجاهد أي ما عقدت عليه قلوبكم والحليم ذو الصفح الذي لا يستفزه غضب فيعجل و يستخفه جهل جاهل مع قدرته على العقوبة قال أبو سليمان الخطابي ولا يستحق اسم الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة إنما الحليم الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة وقد أنعم بعض الشعراء أبياتا في هذا المعنى فقال ... لا يدرك المجد أقوام و إن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ... ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام ... \r\n قال ويقال حلم الرجل يحلم حلما يضم اللام في الماضي والمستقبل وحلم في النوم بفتح اللام يحلم حلما اللام في المستقبل والحاء في المصدر مضمومتان \r\n فصل \r\n الأيمان على ضربين ماض ومستقبل فالماضي على ضربين يمين محرمة وهي ","part":1,"page":255},{"id":255,"text":" اليمين الكاذبة وهي أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو لقد فعلت وما فعل ويمين مباحة وهي أن يكون صادقا في قوله ما فعلت أو لقد فعلت والمستقبلة على خمسة اقسام أحدها يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة وحلها معصية مثل أن يحلف لأصلين الخمس ولأصومن رمضان أو لاشربت الخمر والثاني عقدها معصية والمقام عليها معصية وحلها طاعة وهي عكس الاولى والثالث يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة وحلها مكروه مثل أن يحلف ليفعلن النوافل من العبادات والرابع يمين عقدها مكروه والمقام عليها مكروه وحلها طاعة وهي عكس التي قبلها والخامس يمين عقدها مباح والمقام عليها مباح وحلها مباح مثل أن يحلف لادخلت بلدا فيه من يظلم الناس ولا سلكت طريقا مخوفا ونحو ذلك \r\n للذين يؤلون من نسائهم تربص اربعة اشهر فان فاؤوا فان الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم قال ابن عباس كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه حلف أن لا يقربها السنة والسنتين والثلاث فيدعها لا أيما ولا ذات بعل فلما كان الإسلام جعل الله ذلك اربعة أشهر فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد بن المسيب كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية وكان الرجل لا يريد المراة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر وأنزل هذه الآية قال ابن قتيبة يؤلون أي يحلفون يقال آليت من امرأتي اولى إيلاء إذا حلف لا يجامعها والاسم الألية وقال الزجاج يقال من الإيلاء آليت أولى إيلاء وألية وألوة وألوة وإلوة وهي بالكسر أقل اللغات قال كثير ... قيل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت ","part":1,"page":256},{"id":256,"text":" وحكي ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال من بمعنى في أو على والتقدير يحلفون على وطء نسائهم فحذف الوطء وأقام النساء مقامه كقوله تعالى ما وعدتنا على رسلك آل عمران 194 أي على ألسنة رسلك وقيل في الكلام حذف تقيرده يؤلون يعتزلون من نسائهم والتربص الانتظار ولا يكون مؤليا إلا إذا حلف بالله أن لا يصيب زوجته أكثر من اربعة أشهر فان حلف على أربعة أشهر فما دون ذلك لم يكم مؤليا وهذا قول مالك و أحمد والشافعي وفاؤوا رجعوا ومعناه رجعوا إلى الجماع قاله علي و ابن عباس وابن جبير ومسروق والشعبي و إذا كان للمؤلي عذر لايقدر معه على الجماع فانه يقول متى قدرت جامعتها فيكون ذلك من قوله فيئة فمتى قدر فلم يفعل أمر بالطلاق فان لم يطلق طلق الحاكم عليه \r\n قوله تعالى فان الله غفور رحيم قال علي و ابن عباس غفور لإثم اليمين \r\n وإن عزموا الطلاق فان الله سميع عليم \r\n قوله تعالى وإن عزموا الطلاق أي حققوه وفي عزم الطلاق قولان \r\n أحدهما أنه إذا مضت الأربعة الأشهر استحق عليه أن يفيء أو يطلق وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وسهل بن سعد وعائشة وطاووس و مجاهد والحكم وابي صالح وحكاه أبو صالح عن اثني عشر رجلا من الصحابة وهو قول مالك و أحمد والشافعي \r\n والثاني أنه لا يفيء حتى يمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك من غير أن يتكلم بطلاق واختلف أرباب هذا القول فيما يلحقها من الطلاق على قولين أحدهما طلقة بائنة روي عن عثمان وعلي و ابن عمر و زيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب والثاني طلقة رجعية روي عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن شبرمة ","part":1,"page":257},{"id":257,"text":" قوله تعالى فان الله سميع عليم فيه قولان أحدهما سميع لطلاقه عليم بنيته والثأني سميع ليمينه عليم بها \r\n والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهم أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرؤء سبب نزولها أن المرأة كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها قالت انا حبلى وليست حبلى لكي يراجعها وإن كانت حبلى وهي كارهة قالت لست بحبلى لكي لا يقدر على مراجعتها فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا فنزل قوله تعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة الطلاق 1 ثم نزلت والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n فأما التفسير فالطلاق التخلية قال ابن الأنباري هي من قول العرب أطلقت الناقة فطلقت إذا كانت مشدودة فأزلت الشد عنها وخليتها فشبه ما يقع للمرأة بذلك لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل وكانت الأسباب كالشد لها فلما طلقها قطع الأسباب ويقال طلقت المرأة وطلقت وقال غيره الطلاق من أطلقت الشئ من يدي إلا انهم لكثرة استعمالهم اللفظتين فرقوا بنهما ليكون التطليق مقصورا في الزوجات وأما القروء فيراد بها الأطهار ويراد بها الحيض يقال أقرأت المرأة إذا حاضت وأقرأت إذا طهرت قال النبي صلى الله عليه و سلم في المستحاضة تقعد أيام أقرائها يريد أيام حيضها وقال الأعشى ","part":1,"page":258},{"id":258,"text":" وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها غزيم عزائكا ... مورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا ... \r\n أراد بالقروء الأطهار لأنه لما خرج عن نسائه أضاع أطهارهن واختلف أهل اللغة في أصل القروء على قولين أحدهما أن أصله الوقت يقال رجع فلان لقرئه أي لوقته الذي كان يرجع فيه ورجع لقارئه أيضا قال الهذلي ... كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح ... \r\n فالحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت هذا قول ابن قتيبة والثاني أن أصله الجمع وقولهم قرأت القرآن أي لفظت به مجموعا والقرء اجتماع الدم في البدن وذلك إنما يكون في الطهر وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم وكلاهما حسن هذا قول الزجاج \r\n واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين أحدهما أنها الحيض روي عن عمر وعلي وابن مسعود و أبي موسى وعبادة بن الصامت و أبي الدرداء وعكرمة و الضحاك والسدي و سفيان الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح و أبي حنيفة و أصحابه و أحمد بن حنبل رضي الله عنه فانه قال قد كنت أقول القروء الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض والثاني أنها الأطهار روي عن زيد بن ثابت وابن عمر ","part":1,"page":259},{"id":259,"text":" وعائشة والزهري وأبان بن عثمان ومالك بن أنس والشافعي وأومأ إليه أحمد \r\n ولفظ قوله تعالى والمطلقات يتربصن لفظ الخبر ومعناه الأمر كقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وقد يأتي لفظ الأمر في معنى الخبر كقوله تعالى فليدد له الرحمن مدا مريم 75 والمراد بالمطلقات في هذه الآية البالغات المدخول بهن غير الحوامل \r\n قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الحمل قاله عمر و ابن عباس و مجاهد وقتادة و مقاتل و ابن قتيبة و الزجاج والثاني أنه الحيض قاله عكرمة وعطية والنخعي والزهري والثالث الحمل والحيض قاله ابن عمر وابن زيد \r\n قوله تعالى إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر خرج مخرج الوعيد لهن والتوكيد قال الزجاج وهو كما تقول للرجل إن كنت مؤمنا فلا تظلم وفي سبب وعيدهم بذلك قولان احدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة قاله ابن عباس والثاني لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة وقيل كانت المرأة إذا رغبت في زوجها قالت إني حائض وقد طهرت و إذا زهدت فيه كتمت حيضها حتى تغتسل فتفوته \r\n والبعولة الأزواج و ذلك إشارة إلى العدة قاله مجاهد والنخعي وقتادة في آخرين وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم اوله ولا يوجب تخصيصه لأن قوله تعالى والمطلقات يتربصن عام في المبتوتات والرجعيات وقوله ","part":1,"page":260},{"id":260,"text":" تعالى وبعولتهن أحق بردهن خاص في الرجعيات \r\n قوله تعالى إن أرادوا إصلاحا قيل إن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة وتكرها فاذا قارب انقضاء عدتها راجعها ثم تركها مدة ثم طلقها فنهوا عن ذلك وظاهر الآية يقتضي أنه إنما يملك الرجعة على غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها غير أنه قد دل قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا على صحة الرجعة وإن قصد الضرار لأن الرجعة لو لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ضالما بفعلها \r\n قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وهو المعاشرة الحسنة والصحبة الجميلة روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل عن حق المرأة على الزوج فقال أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت وقال ابن عباس إني احب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية \r\n قوله تعالى وللرجال عليهن درجة قال ابن عباس بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال وقال مجاهد بالجهاد والميراث وقال أبو مالك يطلقها وليس لها من الأمر شيء وقال الزجاج تنال منه من اللذة كما ينال منها وله الفضل بنفقته وروى أبو هريرة ","part":1,"page":261},{"id":261,"text":" عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وقالت ابنة سعيد بن المسيب ما كنا نكلم ازواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم \r\n فصل \r\n اختلف العلماء في هذه الآية هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا على قولين أحدهما أنها تدخل في ذلك واختلف هؤلاء في المنسوخ منها فقال قوم المنسوخ منها قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقالوا فكان يجب على كل مطلقة أن تعتد بثلاثة قروء فنسخ حكم الحامل بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها الطلاق 1 وهذا مروي عن ابن عباس و الضحاك في آخرين وقال قوم أولها محكم والمنسوخ قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن قالوا كان الرجل إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها سواء كان الطلاق ثلاثا أو دون ذلك فنسخ بقوله تعالى فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والقول الثاني أن الآية كلها محكمة فأولها عام والآيات الواردة في العدد خصت ذلك من العموم وليس بنسخ و اما ما قيل في الارتجاع فقد ذكرنا أن معنى قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك أي في العدة قبل انقضاء القروءالثلاثة وهذا القول هو الصحيح \r\n الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هن الظالمون ","part":1,"page":262},{"id":262,"text":" قوله تعالى الطلاق مرتان سبب نزولها أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ليس لذلك شيء ينتهي إليه فقال رجل من الأنصار لامرأته والله لا أؤيك الي أبدا ولا أدعك تحلين مني فقالت كيف ذلك قال أطلقك فاذا دنا أجلك راجعتك فذهبت إلى النبي صلى الله عليه و سلم تشكو إليه ذلك فنزلت هذه الآية فاستقبلها الناس جديدا من كان طلق ومن لم يكن طلق رواه هشام بن عروة عن أبيه \r\n فأما التفسير ففي قوله تعالى الطلاق مرتان قولان أحدهما أنه بيان لسنة الطلاق و أن يوقع في كل قرء طلقة قاله ابن عباس و مجاهد والثاني أنه بيان للطلاق الذي يملك معه الرجعة قاله عروة وقتادة و ابن قتيبة و الزجاج في آخرين \r\n قوله تعالى فامساك بمعروف معناه فالواجب عليكم إمساك بمعروف وهو ما يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة وقال عطاء و مجاهد و الضحاك والسدي المراد بقوله تعالى فامساك بمعروف الرجعة بعد الثانية وفي قوله تعالى أو تسريح باحسان قولان أحدهما أن المراد به الطلقة الثالثة قاله عطاء و مجاهد و مقاتل والثاني أنه الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها قاله الضحاك والسدي قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وهذا هو الصحيح أنه قال عقيب الآية فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والمراد بهذه الطلقة الثالثة بلا شك فيجب إذن أن يحمل قوله تعالى أو تسريح باحسان على تركها حتى تنقضي عدتها لأنه إن حمل على الثالثة وجب أن يحمل قوله تعالى فان طلقها على رابعة وهذا لا يجوز ","part":1,"page":263},{"id":263,"text":" فصل \r\n الطلاف على أربعة أضرب \r\n واجب ومندوب إليه ومحظور ومكروه فالواجب طلاق المؤلي بعد التربص إذا لم يفيء وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين إذا رأيا الفرقة والمندوب إذا لم يتفقا واشتد الشقاق بينهما ليتخلصا من الإثم والمحظور في الحيض إذا كانت مدخولا بها وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر والمكروه إذا كانت حالهما مستقيمة وكل واحد منهما قيم بحق صاحبه \r\n قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا نزلت في ثابت بن قيس بن شماس أتت زوجته إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم أتردين عليه حديقته قالت نعم فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يأخذها ولا يزداد رواه عكرمة عن ابن عباس واختلفوا في اسم زوجته فقال ابن عباس جميلة ونسبها يحيى ابن أبي كثير فقال جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول وكناها مقاتل فقال أم حبيبة بنت عبد الله بن أبي وقال آخرون إنما هي جميلة أخت عبد الله بن أبي وروى يحيى بن سعيد عن عمرة روايتين إحداهما أنها حبيبة بنت سهل والثانية سهلة بنت حبيب ","part":1,"page":264},{"id":264,"text":" وهذا الخلع اول خلع كان في الإسلام والخوف في الآية بمعنى العلم قال أبو عبيد معنى قوله ألا يخافا يوقنا والحدود قد سبق بيان معناها \r\n ومعنى الآية أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه وخاف الزوج أن يعتدي عليها لا متناعها عن طاعته جاز له أن يأخذ منها الفدية إذا طلبت ذلك هذا على قراءة الجمهور في فتح ياء يخافا وقرأ الحسن و مجاهد وابو جعفر وحمزة والأعمش يخافا بضم الياء \r\n قوله تعالى فان خفتم قال قتادة هو خطاب للولاة فلا جناح عليها على المرأة فيما افتدت به وعلى الزوج فيما أخذ لأنه ثمن حقه وقال الفراء يجوز أن يراد الزوج وحده وإن كانا قد ذكرا جميعا كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن 22 و إنما يخرج من أحدهما وقوله نسيا حوتهما الكهف 61 و إنما نسي أحدهما \r\n فصل \r\n وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها فيه قولان أحدهما يجوز وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي و ابن عباس والحسن و مجاهد و النخعي و الضحاك ومالك والشافعي والثاني لا يجوز وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وطاووس وابن جبير والزهري واحمد بن حنبل وقد نقل عن علي والحسن أيضا وهل يجوز الخلع دون السلطان قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر وطاووس وشريح والزهري يجوز وهو قول جمهور العلماء وقال الحسن وابن سيرين وقتادة لا يجوز إلا عند السلطان ","part":1,"page":265},{"id":265,"text":" فان طلقه فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون \r\n قوله تعالى فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النضيري وقي زوجها رفاعة بن عبد الرحمن القرظي وقال غير مقاتل إنها عائشة بن عبد الرحمن بن عتيك كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها ثلاثا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها فأتت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت إني كنت عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \r\n قوله تعالى فان طلقها يعني الزوج المطلق مرتين قال ابن عباس و مجاهد وقتادة هي الطلقة الثالثة واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية بعد الكلام في حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق \r\n قوله تعالى فان طلقها يعني الثاني فلا جناح عليهما يعني المرأة والزوج الأول إن ظنا أن يقيما حدود الله قال طاووس ما فرض الله على كل واحد منهما من حسن العشرة والصحبة \r\n قوله تعالى وتلك حدود الله يبينها قراءة الجمهور يبينها بالياء وقرأ الحسن و مجاهد والمفضل عن عاصم بالنون لقوم يعلمون قال الزجاج يعلمون أن أمر الله حق ","part":1,"page":266},{"id":266,"text":" و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعدتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم \r\n قوله تعالى و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن قال ابن عباس كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها يفعل ذلك يضارها ويعضلها بذلك فنزلت هذه الآية والأجل هاهنا زمان العدة ومعنى البلوغ هاهنا مقاربة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه يقال بلغت المدينة إذا قاربتها وبلغتها إذا دخلها و إنما حمل العلماء هذا البلوغ على المقاربة لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة \r\n قوله تعالى فأمسكوهن بمعروف قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة \r\n قوله تعالى وسرحوهن بمعروف وهو تركها حتى تنقضي عدتها والمعروف في الإمساك القيام بما يجب لها من حق والمعروف في التسريح أن لا يقصد إضرارها بأن يطيل عدتها بالمراجعة وهو معنى قوله ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا قاله الحسن و مجاهد وقتادة في آخرين وقال الضحاك إنما كنوا يضارون المرأة لتفتدي ومن يفعل ذلك الاعتداء فقد ظلم نفسه بارتكاب الإثم \r\n قوله تعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا فيه قولان أحدهما أنه الرجل يطلق أو يراجع أو يعتق ويقول كنت لاعبا روي عن عمر و أبي الدرداء والحسن والثاني أنه المضار بزوجته في تطويل عدتها بالمراجعة والطلاق قاله مسروق و مقاتل ","part":1,"page":267},{"id":267,"text":" واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به قال ابن عباس احفظوا منته عليكم بالإسلام قال والكتاب القرآن والحكمة الفقه واتقوا الله في الضرار واعلموا أن الله بكل شيء به وبغيره عليم \r\n واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون \r\n قوله تعالى و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن في سبب نزولها قولان أحدهما ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج اخته من رجل من المسلمين فكانت عنده ما كانت فطلقها تطليقة ثم تركها ومضت العدة فكانت أحق بنفسها فخطبها مع الخطاب فرضيت أن ترجع إليه فخطبها إلى معقل فغضب معقل وقال أكرمتك بها فطلقتها لا والله لا ترجع إليك آخر ما عليك قال الحسن فعلم الله عز و جل حاجة الرجل إلى امرأته وحاجة المرأة إلى بعلها فنزلت هذه الآية فسمعها معقل فقال سمعا لربي وطاعة فدعا زوجها فقال أزوجك وأكرمك ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي أنه سمى هذه المرأة فقال جميلة بنت يسار والثاني أن جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة فانقضت عدتها ثم رجع يريد رجعتها فأبى جابر وقال طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية وكانت المرأة تريد زوجها قد راضته فنزلت هذه الآية قال السدي ","part":1,"page":268},{"id":268,"text":" فأما بلوغ الأجل في هذه الآية فهو انقضاء العدة بخلاف التي قبلها قال الشافعي رضي الله عنه دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين \r\n قوله تعالى فلا تعضلوهن خطاب للأولياء قال ابن عباس وابن جبير و ابن قتيبة في آخرين معناه لا تحبسوهن والعرب تقول تقول للشدائد معضلات وداء عضال قد أعيا قال أوس بن حجر ... وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولي ويرضيك مقبلا ... ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا ... \r\n وقالت ليلى الأخيلية ... إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها ... شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها ... \r\n قال الزجاج وأصل العضل من قولهم عضلت الدجاجة فهي معضل إذا احتبس بيضها ونشب فلم يخرج وعضلت الناقة أيضا إذا احتبس ولدها في بطنها \r\n قوله تعالى إذا تراضوا بينهم بالمعروف قال السدي و ابن قتيبة معناه إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح قال الشافعي وهذه الآية أبين آية في أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي \r\n قوله تعالى ذلك يوعظ به قال مقاتل الإشارة إلى نهي الولي عن المنع قال الزجاج إنما قال ذلك ولم يقال ذلكم وهو يخاطب جماعة لأن لفظ الجماعة لفظ الواحد والمعنى ذلك أيها القبيل ","part":1,"page":269},{"id":269,"text":" قوله تعالى ذلكم أزكى لكم يعني رد النساء إلى أزواجهن أفضل من التفرقة بينهم و وأطهر أي أنقى لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك نوع محبة فيجتمعان على غير وجه صلاح \r\n قوله تعالى والله يعلم وأنتم لا تعلمون فيه قولان أحدهما أن معناه يعلم ود كل واحد منهما لصحابه قاله ابن عباس و الضحاك والثاني يعلم مصالحكم عاجلا وآجلا قاله الزجاج في آخرين \r\n والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر كقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقال القاضي أبو يعلى و هذا الأمر انصرف إلى الآباء لأن عليهم الاسترضاع لا إلى الوالدات بدليل قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وقوله تعالى فآتوهن أجورهن النساء 24 فلو كن متحتما على الوالدة لم تستحق الأجرة وهل هذا عام في جميع الوالدات فيه قولان أحدهما أنه خاص في المطلقات قاله سعيد بن جبير و مجاهد و الضحاك والسدي و مقاتل في آخرين والثاني أنه عام في الزوجات والمطلقات ولهذا نقول لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها سواء كانت مع الزوج أو مطلقة قاله القاضي أبو يعلى وأبو سليمان الدمشقي في آخرين والحول السنة وفي قوله كاملين قولان أحدهما أنه دخل للتوكيد ","part":1,"page":270},{"id":270,"text":" كقوله تعالى تلك عشرة كاملة البقرة 196 والثاني أنه لما جاز أن يقول حولين ويريد أقل منهما كما قال فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه البقرة 203 ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض آخر وتقول العرب لم أر فلانا منذ يومين و إنما يريدون يوما وبعض آخر قال كاملين لتبيين أنه لا يجوز أن ينقص منهما وهذا قول الزجاج والفراء \r\n فصل \r\n واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية فقال بعضهم هو محكم والمقصود منه بيان مدة الرضاع ويتعلق به أحكام منها أنه كمال الرضاع ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدة الحولين والجبره الحاكم على ذلك ومنها أنه يثتب تحريم الرضاع في مدة الحولين ولا يثبت فيما زاد ونقل عن قتادة والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله تعالى فان أرادا فصالا عن تراض منهما قال شيخنا علي بن عبيد الله وهذا قول بعيد لأن الله تعالى قال في اولها لمن أراد أن يتم الرضاعة فلما قال في الثاني فان أرادا فصالا عن تراض منهما خير يين الإرادتين وذلك لا يعاض المدة المقدرة في التمام \r\n قوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة أي هذا التقدير بالحولين لمريدي إتمام الرضاعة وقرأ مجاهد بتاءين أن تتم الرضاعة وبالرفع وهي رواية الحلبي عن عبد الوارث وقد نبه ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين وأكثر القراء على فتح راء الرضاعة وقرأ طلحة بن مصرف وابن أبي عبلة و أبو رجاء بكسرها قال الزجاج يقال الرضاعة بفتح الراء وكسرها والفتح اكثر ويقال ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح ها هنا لا غير ","part":1,"page":271},{"id":271,"text":" قوله تعالى وعلى المولود له يعني الأب رزقهن وكسوتهن يعني المرضعات وفي قوله بالمعروف دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه ولا الموسر النزر الطفيف وفي الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث إذ لا يتوصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن إذ هو معتبر بالعادة \r\n قوله تعالى لا تكلف نفس إلا وسعها أي إلا ما تطيقه لا تضار والدة بولدها قرأ ابن كثير و أبو عمرو و أبان عن عاصم لا تضار برفع الراء وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بنصبها قال أبو علي من رفع فلأجل المرفوع قبله وهو لا تكلف فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ ومن نصب جعله أمرا وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف قال ابن قتيبة معناه لا تضارر فأدغمت الراء في الراء وقال سعيد بن جبير لا يحملن المطقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده وقال مجاهد لا تأبى أن ترضعه ضرارا بأبيه ولا يضار الوالد بولده فيمنع امه أن ترضعه ليحزنها بذلك وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي في آخرين إذا رضيت بما يرضى به غيرها فهي أحق به وقرأ أبو جعفر لا تضار بتخفيفها وإسكانها \r\n قوله تعالى وعلى الوارث فيه أربعة أقوال أحدها أنه وارث المولود وهو قوال عطاء و مجاهد و سعيد بن جبير وابن أبي ليلى وقتادة والسدي والحسن بن صالح و مقاتل في آخرين واختلف أرباب هذا القول فقال بعضهم هو وارث المولود من عصبته كائنا من كان وهذا مروي عن عمر وعطاء والحسن و مجاهد و إبراهيم وسفيان وقال بعضهم هو وارث المولود على الإطلاق من الرجال والنساء روي عن ابن أبي ليلى وقتادة والحسن بن صالح واسحاق و أحمد بن حنبل وقال آخرون ","part":1,"page":272},{"id":272,"text":" هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود روي عن أبي حنيفة وابي يوسف ومحمد والقول الثاني أن المراد بالوارث هاهنا وارث الوالد روي عن الحسن والسدي والثالث أن المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر روي عن سفيان والرابع أنه أريد بالوارث الصبي نفسه والنفقة عليه فان لم يملك شيئا فعلي عصبته قاله الضحاك وقبيصة بن ذؤيب قال شيخنا علي بن عبيد الله وهذا القول لا ينافي قول من قال المراد بالوارث وارث الصبي لأن النفقة تجب للموروث على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه وفي قوله تعالى مثل ذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة روي عن عمر وزيد بن ثابت والحسن وعطاء و مجاهد وابراهيم وقتادة وقبيصة بن ذؤيب والسدي واختاره ابن قتيبة والثاني أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار روي عن ابن عباس والشعبي والزهري واختاره الزجاج والثالث أنه إشارة إلى جميع ذلك روي عن سعيد بن جبير و مجاهد و مقاتل وابي سليمان الدمشقي واختاره القاضي أبو يعلى ويشهد لهذا أنه معطوف على ما قبله وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة و أن لا يضار فيجب أن يكون قوله مثل ذلك مشيرا إلى جميع ما على المولود له \r\n قوله تعالى فان أرادا فصالا عن تراض الفصال الفطام قال ابن قتيبة يقال فصلت الصبي أمه إذا فطمته ومنه قيل للحوار إذا قطع عن الرضاع فصيل لأنه فصل عن امه وأصل الفصل التفريق قال مجاهد التشاور فيما دون الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى فليس لها و إن أراد هو ولم ترد فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور يقول غير مسيئين إلى أنفسهما و إلى صبيهما \r\n قوله تعالى و إن أردتم أن تسترضعوا أولادكم قال الزجاج أي لأولادكم قال مقاتل إذا لم ترض الأم بما يرضى به غيرها فلا حرج على الأب أن سترضع لولده ","part":1,"page":273},{"id":273,"text":" وفي قوله تعالى إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف قولان أحدهما إذا سلمتم ايها الآباء إلى أمهات الأولاد أجور ما أرضعن قبل امتناعهن قاله مجاهد والسدي والثاني إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف قاله سعيد بن جبير و مقاتل وقرأ ابن كثير ما أتيتم بالقصر قال أبو علي وجهه أن يقدر فيه ما أتيتم نقده أو سوقه فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فكأن التقدير ما آتيتموه ثم حذف الضمير من الصلة كما تقول أتيت جميلا أي فعلته \r\n والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فاذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير \r\n قوله تعالى والذين يتوفون منكم أي يقبضون بالموت وقرأ المفضل عن عاصم يتوفون بفتح الياء في الموضعين قال ابن قتيبة هو من استيفاء العدد واستيفاء الشيء أن نستقصيه كله يقال توفيته واستوفيته كما يقاله تيقنت الخير واستنيقنته هذا الأصل ثم قيل للموت وفاة وتوف ويتربصن ينتظرن وقال الفراء و إنما قال وعشرا ولم يقل عشرة لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي و الأيام غلبو على الليالي حتى انهم ليقولون صمنا عشرا من شهر رمضان لكثرة تفليبهم الليالي على الايام فاذا أظهروا مع العدد تفسيره كانت الإناث بغير هاء والذكور بالهاءكقوله تعالى سخرها عليهم سبع ليال ","part":1,"page":274},{"id":274,"text":" وثمانية أيام حسوما الحاقة 7 فان قيل ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة فالجواب أنه يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه قاله سعيد بن المسيب و أبوالعالية ويشهد له الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم إن خلق احدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نظفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضفة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح \r\n فصل \r\n وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها وهي تأتي بعد آيات وهي قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول البقرة 240 لأن تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة وسنذكر ما يتعلق بها هنالك إن شاء الله فأما التي نحن في تفسيرها فقد روي عن ابن عباس أنه قال نسختها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاف 4 والصحيح أنها عامة دخلها التخصيص لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا سواء كانت حاملا أو غير حامل غير أن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن خص أولات الحمل وهي خاصة أيضا في الحرائر فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص \r\n قوله تعالى فاذا بلغن أجلهن يعني انقضاء العدة \r\n ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله انكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا ","part":1,"page":275},{"id":275,"text":" عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذوره واعلموا أن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ولا جناح عليكم فيه قولان أحدهما أن معناه فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك والثاني فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن قال أبو سليمان الدمشقي وهو خطاب لأوليائهن \r\n قوله تعالى فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فيه قولان أحدهما أنه التزين والتشوف للنكاح قاله الضحاك و مقاتل والثاني أنه النكاح قاله الزهري والسدي والخبير من أسماء الله تعالى ومعناه العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته والخبير في صفة المخلوقين إنما يتسعمل في نوع من العلم وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببدائه العقول وعلم الله تعالى سواء فيما غمض ولطف وفيما تجلى وظهر \r\n قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدة والتعريض الإيماء والتلويح من غير كشف فهو إشارة بالكلام إلى ماليس له في الكلام ذكر والخطبة بكسر الخاء طلب النكاح والخطبة بضم الخاء مثل الرسالة التي لها اول وآخر قال ابن عباس التعريض أن يقول إني أريد أن أتزوج وقال مجاهد ان يقول إنك لجميلة و إنك لحسنة وإنك لإلى خير \r\n قوله تعالى أو أكننتم في أنفسكم قال الفراء فيه لغتان كننت الشيء و أكننته ","part":1,"page":276},{"id":276,"text":" وقال ثعلب أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك وكنتته إذا سترته بشيء وقال ابن قتيبة أكننت الشيء إذا سترته ومنه هذه الآية وكننته إذا صنته ومنه قوله تعالى كأنهن بيض مكنون الصافات 49 قال بعضهم يجعل كننته وأكننته بمعنى \r\n قوله تعالى علم الله أنكم ستذكرونهن قال مجاهد ذكره إياها في نفسه \r\n قوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا فيه أربعة أقوال أحدها أن المراد بالسر ها هنا النكاح قاله ابن عباس وأنشد بيت امرىء القيس ... ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي ... \r\n وفي رواية يشهد اللهو قال الفراء ونرى أنه مما كنى الله عنه كقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط النساء 43 وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر الإفضاء بالنكاح المحرم وأنشد ... ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع ... \r\n قال ابن قتيبة استعير السر للنكاح لأن النكاح يكون سرا فالمعنى لا تواعدوهن ","part":1,"page":277},{"id":277,"text":" بالتزويج وهن في العدة تصريحا إلا أن تقولوا قولا معروفا لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا والثاني أن المواعدة سرا أن يقول لها إني لك محب وعاهديني أن لا تتزوجي غيري روي عن ابن عباس أيضا والثالث أن المراد بالسر الزنى قاله الحسن وجابر بن زيد و أبو مجلز و إبراهيم و قتادة و الضحاك والرابع أن المعنى لا تنكحوهن في عدتهن سرا فاذا حلت أظهرتم ذلك قاله ابن زيد وفي القول المعروف قولان أحدهما أنه التعريض لها وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطا والقاسم بن محمد والشعبي و مجاهد و إبراهيم وقتادة والسدي والثاني أنه إعلام وليها برغبته فيها وهو قول عبيدة \r\n قوله تعالى و لاتعزموا عقدة النكاح قال الزجاج معناه لا تعزموا على عقدة النكاح وحذفت على استخفافا كما قالوا ضرب زيد الظهر والبطن معناه على الظهر والبطن حتى يبلغ الكتاب أجله أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله قال ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الفرض كقوله تعالى كتب عليكم الصيام البقرة 183 فيكون المعنى حتى يبلغ الفرض أجله قال ابن عباس و مجاهد والشعبي وقتادة والسدي بلوغ الكتاب أجله انقضاء العدة \r\n قوله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم قال ابن عباس من الوفاء فاحذروه أن تخالفوه في أمره والحليم قد سبق بيانه ","part":1,"page":278},{"id":278,"text":" لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة و متعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين \r\n قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر و أبو عمرو تمسوهن بغير الف حيث كان وبفتح التاء وقرأ حمزة والكسائي وخلف تماسوهن بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب ثالث قال أبو علي وقد يراد بكل واحد من فاعل وفعل ما يراد بالآخر نقول طارقت النعل وعاقبت اللص قال مقاتل بن سليمان نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا فطلقها قبل أن يسمها فقال النبي صلى الله عليه و سلم هل متعتها بشيء قال لا قال متعها ولو بقلنسوتك ومعنى الآية ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة وقد تكون أو بمعنى الواو كقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا الدهر 24 \r\n والمس النكاح والفريضة الصداق وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح بغير تسمة مهر ومتعوهن أي اعطوهن ما يتمتعن به من اموالكم على قدر أحوالكم في الغنى والفقر والمتاع اسم لما ينتفع به فذلك معنى قوله تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وقرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو قدره باسكان الدال في الحرفين وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي بتحريك الحرفين وعن عاصم كالقرائتين وهما لغتان ","part":1,"page":279},{"id":279,"text":" فصل \r\n وهل هذه المتعة واجبة أم مستحبة فيه قلان أحدهما واجبة واختلف أرباب هذا القول لأي المطلقات تجب على ثلاثة اقوال أحدها أنها واجبة لكل مطلقة روي عن علي والحسن و أبوالعالية والزهري والثاني انها تجب لكل مطلقة إلا المطقلة التي فرض لها صداقا ولم يمسها فإنه يجب لها نصف ما فرض روي عن ابن عمر والقاسم ابن محمد وشريح و إبراهيم والثالث أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا فان دخل بها فلا متعة ولها مهر المثل روي عن الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة و أحمد بن حنبل والثاني أن المتعة مستحبة ولا تجب على احد سواء سمي للمرأة أو لم يسم دخل بها أو لم يدخل وهو قول مالك والليث بن سعد والحكم وابن أبي ليلى واختلف العلماء في مقدار المتعة فنقل عن ابن عباس وسعيد بن المسيب أعلاها خادم وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها وري عن حماد وأبي حنيفة أنه قدر نصف صداق مثلها وعن الشافعي و أحمد أنه قدر يساره وإعساره فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم ونقل عن أحمد المتعة بقدر ما تجزيء فيه الصلاة من الكسوة وهو درع وخمار وقواه تعالى متاعا بالمعروف أي بقدر الإمكان والحق الواجب وذكر المحسنين والمنفقين ضرب من التأكيد \r\n وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح و أن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن أي قبل الجماع وقد فرضتم ","part":1,"page":280},{"id":280,"text":" لهن أي أوجبتم لهن شيئا التزمتم به وهو المهر إلا أن يعفون يعني النساء وعفو المرأة ترك حقها من الصداق الوفي الذي بيده عقدة النكاح ثلاثة أقوال أحدها أنه الزوج وهو قول علي و ابن عباس وجبير بن مطعم وابن المسيب وابن جبير و مجاهد وشريح وجابر بن زيد و الضحاك ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس وابن شبرمة والشافعي و أحمد رضي الله عنهم في آخرين والثاني أنه الولي روي عن ابن عباس والحسن وعلقمة و طاووس والشعبي وابراهيم في آخرين والثالث أنه أبو البكر روي عن ابن عباس والزهري والسدي في آخرين فعلى القول الأول عفو الزوج أن يكمل لها الصداق وعلى الثاني عفو الولي ترك حقها إذا أبت روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء وعلى الثالث يكون قوله إلا أن يعفون يختص بالثيبات وقوله أو يعفو يختص أبا البكر قاله الزهري والأول أصح لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي فصارت بيد الزوج والعفو إنما يطلق على ملك الانسان وعفو الولي عفو عما لا يملك و لأنه قال ولا تنسوا الفضل بينكم والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره \r\n قوله تعالى و أن تعفوا أقرب للتقوى فيه قولان أحدهما أنه خطاب للزوجين جميعا روي عن ابن عباس و مقاتل والثاني أنه خطاب للزوج وحده قاله الشعبي وكان يقرأ وأن يعفو بالياء \r\n قوله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم خطاب للزوجين قال مجاهد هو إتمام الرجل الصداق وترك المرأة شطرها \r\n حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين \r\n قوله تعالى حافظوا على الصلوات المحافظة المواظبة والمداومة والصلوات بالألف واللام ينصرف إلى المعهود والمراد الصلوات الخمس ","part":1,"page":281},{"id":281,"text":" قوله تعالى والصلاة الوسطى قال الزجاج هذه الواو إذا جاءت مخصصة فهي دالة على فضل الذي تخصصه كقوله تعالى و جبريل وميكال البقرة 97 قال سعيد بن المسيب كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه ثم فيها خمسة أقوال أحدها أنها العصر روى مسلم في أفراده من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا وروى ابن مسعود وسمرة وعائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنها صلاة العصر وروى مسلم في أفراده من حديث البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فقراناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وأبي أيوب وابن عمر في رواية وسمرة بن جندب و أبي هريرة وابن عباس في رواية عطية و أبي سعيد الخدري وعائشة في رواية وحفصة والحسن وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء في رواية وطاووس و الضحاك والنخعي وعبيد ابن عمير وزر بن حبيش وقتادة وأبي حنيفة و مقاتل في آخرين وهو مذهب أصحابنا ","part":1,"page":282},{"id":282,"text":" والثاني انها الفجر روي عن عمر وعلي في رواية و أبي موسى ومعاذ وجابر بن عبدالله وابي أمامة و ابن عمر في رواية مجاهد و زيد بن أسلم و ابن عباس في رواية أبي رجاء العطاردي وعكرمة وجابر بن زيد و أنس بن مالك وعطاء وعكرمة وطاووس في رواة ابنه وعبد الله بن شداد و مجاهد و مالك والشافعي وروى أبوالعالية قال صليت مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الغداة فقلت لهم أيما الصلاة الوسطى فقالوا التي صليت قبل والثالث أنها الظهر روي عن ابن عمر و زيد بن ثابت و أسامة بن زيد و أبي سعيد الخدري وعائشة في رواية وروى ضميرة عن علي رضي الله عنه قال هي صلاة الجمعة وهي سائر الايام الظهر والرابع أنها المغرب روي عن ابن عباس وقبيصة بن ذؤيب والخامس أنها العشاء الأخيرة ذكره علي بن أحمد النيسابوري في تفسيره وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال أحدها أنها اوسط الصلوات محلا والثاني اوسطها مقدارا والثالث أفضلها ووسط الشيء خيره وأعدله ومنه قوله تعالى وكذلك جعناكم أمة وسطا البقرة 142 فان قلنا إن الوسطى بمعنى الفضلى جاز أن يدعي هذا كل ذي مذهب فيها و إن قلنا إنها أوسطها مقدارا فهي المغرب لأن أقل المفروضات ركعتان وأكثرها أربعا وإن قلنا إنها أوسطها محلا فللقائلين إنها العصر أن يقولوا قبلها صلاتان في النهار وبعدها صلاتان في الليل فهي الوسطى ومن قال هي الفجر فقال عكرمة هي وسط بين الليل والنهار وكذلك قال ابن الأنباري هي وسط بين الليل والنهار وقال وسمعت ابا العباس يعني ثعلبا يقول النهار عند العرب اوله طلوع الشمس قاله ابن الأنباري فعلى هذا صلاة الصبح من صلاة الليل قال وقال آخرون بل هي من صلاة النهار لأن أول وقتها اول وقت الصوم قال والصواب عندنا أن نقول الليل المحض خاتمته طلوع الفجر والنهار المحض أوله طلوع الشمس والذي بين طلوع الفجر وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهارا ويجوز ","part":1,"page":283},{"id":283,"text":" أن يسمى ليلا لما يوجد فيه من الظلمة والضوء فهذا قول يصح به المذهبان قال ابن الأنباري ومن قال هي الظهر قال هي وسط النهار فأما من قال هي المغرب فاحتج بأن أول صلاة فرضت الظهر فصارت المغرب وسطى ومن قال هي العشاء فانه قال هي بين صلاتين لاتقصران \r\n قوله تعالى وقوموا لله قانتين المراد بالقيام هاهنا القيام في الصلاة فأما القنوت فقد شرحناه فيما تقدم وفي المراد به هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الطاعة قاله ابن عباس والحسن و مجاهد وابن جبير والشعبي وطاووس و الضحاك وقتادة في آخرين والثاني أنه طول القيام في الصلاة روي عن ابن عمر والربيع بن أنس وعن عطاء كالقولين والثالث أنه الإمساك عن الكلام في الصلاة قال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت الآية وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام \r\n فان خفتم فرجالا أو ركبانا فاذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون \r\n قوله تعالى فان خفتم فرجالا أي خفتم عدوا فصلوا رجالا وهو جمع راجل والركبان جمع راكب وهذا يدل على تأكيد أمر الصلاة لأنه أمر بفعلها على كل حال وقيل إن هذه الآية انزلت بعد التي في سورة النساء لإن الله تعالى وصف لهم صلاة الخوف في قوله و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة النساء 102 ثم نزلت هذه الآية فان خفتم أي خوفا أشد من ذلك فصلوا عند المسايفة كيف قدرتم فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه صلى يوم ","part":1,"page":284},{"id":284,"text":" الخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق فالجواب أن أبا سعيد روى أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى فان خفتم فرجالا أو ركبانا قال أبو بكر الأثرم فقد بين الله أن ذلك الفعل الذي كان يوم الخندق منسوخ \r\n قوله تعالى فاذا أمنتم فاذكروا الله في هذا الذكر قولان أحدهما أنه الصلاة فتقديره فصلوا كما كنتم تصلون آمنين والثاني أنه الثناء على الله والحمد له \r\n والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فان خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا روى ابن حيان أن هذه الآية نزلت في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة ومعه أبواه وامرأته وله أولاد فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه و سلم أبويه وألاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا \r\n قوله تعالى وصية لأزواجهم قرأ أبو عمرو وحمزة و ابن عامر وصية بالنصب وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وصية بالرفع وعن عاصم كالقراءتين قال أبو علي من نصب حمله على الفعل أي ليوصوا وصية ومن رفع فمن وجهين ","part":1,"page":285},{"id":285,"text":" أحدهما أن يجعل الوصية مبتدأ والخبر لأزواجهم والثاني أن يضمر له خبرا تقديره فعليهم وصية والمراد من قارب الوفاة فليوص لأن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى \r\n قوله تعالى متاعا إلى الحول أي متعوهن إلى الحول ولا تخرجوهن والمراد بذلك نفقة السنة وكسوتها وسكناها فان خرجن أي من قبل أنفسهن فلا جناح عليكم يعني أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من معروف يعني التشوف إلى النكاح وفي ماذا رفع الجناح عن الرجال فيه قولان أحدهما أنه في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والثاني في ترك منعهن من الخروج لأنه لم يكن مقامها الحول واجبا عليها بل كانت مخيرة في ذلك \r\n فصل \r\n ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات احدهم مكثت زوجته في بيته حولا ينفق عليها من ميراثه فاذا تم الحول خرجت إلى باب بيتها ومعها بعرة فرمت بها كلبا وخرجت بذلك من عدتها وكان معنى رميها بالعبرة أنها تقول مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة ثم جاء الإسلام فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية ثم نسخ ذلك بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية وهي قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يترصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ","part":1,"page":286},{"id":286,"text":" ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه \r\n وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين \r\n قوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف قد سبق الكلام في المتعة بما فيه كفاية \r\n كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون \r\n قوله تعالى كذلك يبين الله لكم آياته أي كما بين الذي تقدم من الأحكام يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون أي يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما بين لكم وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة ألا ترى إلى قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة النساء 17 و إنما سموا جهالا لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه الحق \r\n ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم معناه ألم تعلم قال ابن قتيبة وهذا على جهة التعجب كما تقول ألا ترى إلى ما يصنع فلان ","part":1,"page":287},{"id":287,"text":" قوله تعالى وهم ألوف فيه قولان أحدهما أن معناه وهم مؤتلفون قاله ابن زيد والثاني أنه من العدد وعليه العلماء واختلفوا في عددهم على سبعة أقوال أحدها انهم كانوا أربعة آلاف والثاني أربعين ألف والقولان عن ابن عباس والثالث تسعين ألفا قاله عطاء بن أبي رباح والرابع سبعة آلاف قاله أبو صالح والخامس ثلاثين ألفا قاله أبو مالك والسادس بضعة وثلاثين ألفا قاله السدي والسابع ثمانية آلاف قاله مقاتل وفي معنى حذرهم من الموت قولان أحدهما انهم فروا من الطاعون وكان قد نزل بهم قاله الحسن والسدي والثاني انهم أمروا بالجهاد ففروا منه قاله عكرمة و الضحاك وعن ابن عباس كالقولين \r\n الاشارة إلى قصتهم \r\n روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال كانت أمة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع خرج أغنياؤهم وأقام فقراؤهم فمات الذين أقاموا ونجا الذين خرجوا فقال الأشراف لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا وقال الفقراء لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعا فظعنوا فماتوا وصاروا عظاما تبرق فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم فمر بهم نبي من الأنبياء فقال يا رب لو شئت أحييتهم فعبدوك وولدوا أولادا يعبدونك ويعمرون بلادك قال أو أحب إليك أن أفعل قال نعم فقيل له تكلم بكذا وكذا فتكلم به فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى التي هي منها ثم قيل له تكلم بكذا وكذا فتكلم به فنظر إلى العظام تكسى لحما وعصبا ثم قيل له تكلم بكذا وكذا فنظر فاذا هم قعود يسبحون الله ويقدسونه وأنزل الله فيهم هذه الآيه وهذا الحديث يدل على بعد المدة التي مكثوا فيها أمواتا وفي بعض الأحاديث أنهم بقوا أمواتا سبعة أيام وقيل ثمانية أيام ","part":1,"page":288},{"id":288,"text":" وفي النبي الذي دعا لهم قولان أحدهما أنه حزقيل والثاني أنه شمعون فإن قيل كيف أميت هؤلاء مرتين وقد قال الله تعالى إلا الموتة الاولى الدخان 56 فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن اعمارهم فكان كقوله تعالى والتي لم تمت في منامها الزمر 42 وقيل كان إحياؤهم آية من آيات نبيهم وآيات الأنبياء نوادر لا يقاس عليها فيكون تقدير قوله تعالى إلا الموتة الاولى التي ليست من آيات الأنبياء ولا لأمر نادر وفي هذه القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم بأمر لم يشاهدوه وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث فدلهم عليه باحياء الموتى في الدنيا ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري \r\n قوله تعالى إن الله لذو فضل على الناس نبه عز و جل بذكر فضله على هؤلاء على فضله على سائر خلقه مع قلة شكرهم \r\n وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم \r\n قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله في المخاطبين بهذا قولان أحدهما انهم الذين أماتهم الله ثم أحياهم قاله الضحاك والثاني خطاب لأمة محمد صلى الله عليه و سلم فمعناه لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء فما ينفعكم الهرب واعملوا أن الله سميع لأقوالكم عليم بما تنطوي عليه ضمائركم \r\n من ذا يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط و إلي ترجعون \r\n قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قال الزجاج أصل القرض ما يعطيه الرجل أو يفعله ليجازى عليه وأصله في اللغة القطع ومنه أخذ المقراض فمعنى أقرضته قطعت له قطعة يجازيني عليها فإن قيل ما وجه تسمية الصدقة قرضا فالجواب من ثلاثة أوجه ","part":1,"page":289},{"id":289,"text":" أحدهما لأن هذا القرض يبدل بالجزاء والثاني لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة والثالث لتأكيد استحقاق الثواب به إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به فأما اليهود فانهم جهلوا هذا فقالوا أيستقرض الله منا وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله وبادروا إلى معامتله قال ابن مسعود لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح و إن الله ليريد منا القرض فقال النبي صلى الله عليه و سلم نعم قال أرني يدك قال إني أقرضت ربي حائطي قال وحائطه فيه ستمائة نخلة ثم جاء إلى الحائط فقال يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فقد أقرضته ربي وفي بعض الألفاظ فعمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواهم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح وفي معنى القرض الحسن ستة أقوال أحدها أنه الخالص لله قاله الضحاك والثاني أن يخرج عن طيب نفس قاله مقاتل والثالث أن يكون حلالا قاله ابن المبارك والرابع أن يحتسب عند الله ثوابه والخامس أن لا يتبعه منا ولا أذى والسادس أن يكون من خيار المال \r\n قوله تعالى فيضاعفه له قرأ أبو عمرو فيضاعفه بألف مع رفع الفاء كذلك في جميع القرآن إلا في سورة الأحزاب يضعف لها العذاب ضعفين وقرأ نافع وحمزة والكسائي جميع ذلك بالألف مع رفع الفاء وقرأ ابن كثير فيضعفه برفع الفاء من غير ألف في جميع القرآن وقرأ ابن عامر فيضعفه بغير ألف مشددة في جميع القرآن ووافقه عاصم على نصب الفاء في فيضاعفه إلا أنه أثبت الألف في جميع القرآن قال أبو علي للرفع وجهان أحدهما أن يعطفه على ما في الصلة وهو يقرض والثاني أن يستأنفه ومن نصب حمل الكلام على المعنى لأن المعنى أيكون قرض فحمل عليه فيضاعفه وقال ومعنى ضاعف وضعف واحد والمضاعفة الزيادة على الشيء ","part":1,"page":290},{"id":290,"text":" حتى يصير مثلين أو أكثر وفي الأضعاف الكثير قولان أحدهما أنها لا يحصى عددها قاله ابن عباس والسدي وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال إن الله يكتب للمؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة وقرأ هذه الآية ثم قال سمعت رسول صلى الله عليه و سلم يقول إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة والثاني أنها معلومة المقدار فالدرهم بسبعمائة كما ذكر في الآية التي بعدها قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى والله يقبض ويبسط قرأ ابن كثير و أبو عمرو وحمزة والكسائي يبسط و بسطة بالسين وقرأهما نافع بالصاد وفي معنى الكلام قولان أحدهما أن معناه يقتر على من يشاء في الرزق ويبسطه على من يشاء قاله ابن عباس والحسن وابن زيد والثاني يقبض يد من يشاء عن الإنفاق في سبيله ويبسط يد من يشاء بالإنفاق قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين \r\n ألم تر إلى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل قال الفراء الملأ الرجال في كل ","part":1,"page":291},{"id":291,"text":" القرآن لا يكون فيهم امرأة وكذلك القوم والنفر والرهط وقال الزجاج الملأ هم الوجوه وذوو الرأي و إنما سموا ملأ لأنهم مليؤون بما يحتاج إليه منهم وفي نبيهم ثلاثة أقوال أحدها أنه شمويل قاله ابن عباس ووهب والثاني أنه يوشع بن نون قاله قتادة والثالث أنه نبي يقال له سمعون بالسين المهملة سمته امه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها غلاما فسمع دعاؤها فيه فسمته هذا قول السدي \r\n وسيب سؤالهم ملكا أن عدوهم غلب عليهم \r\n قوله تعالى نقاتل قراءة الجمهور بالنون والجزم و قرأ ابن أبي عبلة بالياء والرفع كناية عن الملك \r\n قوله تعالى هل عسيتم قراءة الجمهور بفتح السين وقرأ نافع بكسرها هاهنا وفي سورة محمد وهي لغتان \r\n قوله تعالى إن كتب عليكم القتال أي فرض ألا تقاتلوا أي لعلكم تجبنون \r\n قوله تعالى وقد أخرجنا من ديارنا يعنون أخرج بعضنا وهم الذين سبوا منهم وقهروا فظاهره العموم ومعناه الخصوص \r\n قوله تعالى تولوا أي أعرضوا عن الجهاد إلا قليلا وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم \r\n وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالون ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ","part":1,"page":292},{"id":292,"text":" قوله تعالى وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن وقيل له إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا ومتى دخل عليك رجل فنشق الدهن فهو ملك فادهن به رأسه وملكه على بني إسرائيل فقاس القوم أنفسهم بالعصا فلم يكونوا على مقدارها قال عكرمة والسدي كان طالوت سقاء يسقي على حمار له فضل حماره فخرج يطلبه وقال وهب بل كان دباغا يعمل الأدم فضلت حمر لأبيه فأرسل مع غلام له في طلبها فمرا يبيت شمويل النبي صلى الله عليه و سلم فدخلا ليسألاه عن ضالتهما فنشق الدهن فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا وكان على مقدارها فدهنه ثم قال له أنت ملك بني إسرائيل فقال طالوت أما علمت أن وسطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوتهم قال بلى قال فبأية آية قال بآية انك ترجع وقد وجد ابوك حمره فكان كما قال \r\n قال الزجاج طالوت وجالوت وداود لا تصرف لأنها أسماء أعجمية وهي معارف فاجتمع فيها التعريف والعجمة \r\n ومعنى قوله تعالى أنى له الملك من أي جهة يكون له الملك علينا قال ابن عباس انما قالوا ذلك لأنه كان في بني اسرائيل سبطان في أحدهما النبوة وفي الآخر الملك فلم يكن هو من أحد السبطين قال قتادة كانت النبوة في سبط لاوي والملك في سبط يهوذا \r\n قوله تعالى ولم يؤت سعة من المال أي لم يؤت ما يتملك به الملك قال إن الله اصطفاه عليكم أي اختاره وهو افتعل من الصفوة والبسطة السعة قاله ابن قتيبة هو من قولك بسطت الشيء إذا كان مجموعا ففتحته ووسعته قال ابن عباس كان ","part":1,"page":293},{"id":293,"text":" طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك أم أحدثت له بعد الملك فيه قولان أحدهما قبل الملك قاله وهب والسدي والثاني بعد الملك قاله ابن زيد والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة إذ العادة أن من كان أعظم جسما كان أكثر قوة والواسع الغني \r\n وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى وقال لهم نبيهم إن أية ملكه الآية العلامة فمعناه علامة تمليك الله إياه أن يأتيكم التابوت وهذا من مجاز الكلام لأن التابوت يؤتى به ولا يأتي ومثله فاذا عزم الأمر و إنما جاز مثل هذا لزوال اللبس فيه كما بينا في قوله تعالى فما ربحت تجارتهم البقرة 16 وروي عن ابن مسعود و ابن عباس انهم قالوا لنبيهم إن كنت صادقا فأتنا بآية تدل على أنه ملك فقال لهم ذلك وقال وهب خيرهم أي آية يريدون فقالوا أن يرد علينا التابوت قال ابن عباس كان التابوت من عود الشمشار عليه صفائح الذهب وكان يكون مع الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموه بين أيديهم يستنصرون به وفيه السكينة وقال وهب بن منبه كان نحوا من ثلاث أذرع في ذراعين قال مقاتل فلما تفرقت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط الله عليهم عدوهم فغلبوهم عليه وفي السكينة سبعة أقوال أحدها أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان رواه أبو الأحوص عن علي رضي الله عنه والثاني أنها دابة بمقدار الهر لها عينان لها شعاع وكانوا إذا التقى الجمعان أخرجت يدها ونظرت إليهم فيهزم الجيش من الرعب رواه الضحاك عن ابن عباس وقال مجاهد السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان والثالث أنها طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء رواه أبو مالك عن ","part":1,"page":294},{"id":294,"text":" ابن عباس والرابع أنها روح من الله تتكلم كانوا إذا اختلفوا في شيء كلمتهم وأخبرتهم ببيان ما يريدون رواه عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه والخامس أن السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها رواه ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وذهب إلى نحوه الزجاج فقال السكينة من السكون فمعناه فيه ما تسكنون إليه إذا أتاكم والسادس أن السكنية معناها هاهنا الوقار رواه معمر عن قتادة والسابع أن السكينة الرحمة قاله الربيع بن أنس \r\n وفي البقية تسعة أقوال أحدها أنها رضاض الألواح التي تكسرت حين ألقاها موسى وعصاه قاله ابن عباس وقتادة والسدي والثاني أنها رضاض الألواح قاله عكرمة ولم يذكر العصا وقيل إنما اتخذ موسى التابوت ليجمع رضاض الألواح فيه والثالث أنها عصا موسى والسكينة قاله وهب والرابع عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ولوحان من التوراة والمن قاله أبو صالح والخامس أن البقية العلم والتوراة قاله مجاهد وعطاء بن أبي رباح والسادس أنها رضاض الألواح وقفيز من من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامته قاله مقاتل والسابع أنه قفيز من من ورضاض ","part":1,"page":295},{"id":295,"text":" الألواح حكاه سفيان الثوري عن بعض العلماء والثامن أنها عصا موسى والنعلان ذكره الثوري أيضا عن بعض أهل العلم والتاسع أن المراد بالبقية الجهاد في سبيل الله وبذلك أمروا قاله الضحاك \r\n والمراد بآل موسى و آل هارون موسى وهارون وأنشد أبو عبيدة ... ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة ... علي وعباس وآل بكر ... \r\n يريد ابا بكر نفسه \r\n قوله تعالى تحمله الملائكة قرأ الجمهور تحمله بالتاء وقرأ الحسن و مجاهد والأعمش بالياء وفي المكان الذي حملته منه الملائكة إليهم قولان أحدهما أنه كان مرفوعا مع الملائكة بين السماء والأرض منذ خرج عن بني اسرائيل قاله الحسن والثاني أنه كان في الارض \r\n وفي أي مكان كان فيه قولان \r\n أحدهما أنه كان في أيدي العمالقة قد دفنوه قال ابن عباس أخذ التابوت قوم جالوت فدفنوه في متبرز لهم فأخذه الباسور فهلكوا ثم أخذه أهل مدينة أخرى فأخذهم بلاء فهلكوا ثم أخذه غيرهم كذلك حتى هلكت خمس مدائن فأخرجوه على بقرتين ووجهوهما إلى بني إسرائيل فساقتهما الملائكة \r\n والثاني أنه كان في برية التيه خلفه فيها يوشع ولم يعلموا بمكانه حتى جاءت به الملائكة قاله قتادة \r\n وفي كيفية مجيء الملائكة به قولان \r\n أحدهما أنها جاءت به بأنفسها قال وهب قالوا لنبيهم اجعل لنا وقتا يأتينا فيه ","part":1,"page":296},{"id":296,"text":" فقال الصبح فلم يناموا ليلتهم ووافت به الملائكة مع الفجر فسمعوا حفيف الملائكة تحمله بين السماء والارض \r\n والثاني أن الملائكة جاءت به على عجلة وثورين ذكر عن وهب أيضا فعلى القول الأول يكون معنى تحمله تقله وعلى الثاني يكون معنى حملها إياه تسببها في حمله قال الزجاج ويجوز في اللغة أن يقال حملت الشيء إذا كنت سببا في حمله \r\n قوله تعالى إن في ذلك لآية لكم أي علامة تدل على تمليك طالوت قال المفسرون فلما جاءهم التابوت وأقروا له بالملك تأهب للخروج فأسرعوا في طاعته وخرجوا معه فذلك قوله تعالى \r\n فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني إلا من إغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون انهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين \r\n قوله تعالى فلما فصل طالوت بالجنود أي خرج وشخص وفي عدد من خرج معه ثلاثة أقوال أحدها سبعون ألفا قاله ابن عباس والثاني ثمانون ألفا قاله عكرمة والسدي والثالث مائة ألف قاله مقاتل قال وساروا في حر شديد فابتلاهم الله بالنهر والابتلاء الاختبار وفي النهر لغتان إحداهما تحريك الهاء وهي قراءة الجمهور والثاني تسكينها وبها قرأ الحسن و مجاهد وفي هذا النهر قولان أحدهما أنه نهر فلسطين قاله ابن عباس والسدي والثاني نهر بين الاردن وفلسطين قاله عكرمة وقتادة والربيع بن أنس ووجه الحكمة في ابتلائهم به أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم ومن ليس له نية ","part":1,"page":297},{"id":297,"text":" قوله تعالى ليس مني أي ليس من أصحابي \r\n قوله تعالى إلا من اغترف غرفة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو غرفة بفتح الغين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بضمها قال الزجاج من فتح الغين اراد المرة الواحدة باليد ومن ضمها اراد ملء اليد وزعم مقاتل أن الغرفة كان يشرب منها الرجل ودابته وخدمه ويملأ قربته وقال بعض المفسرين لم يرد به غرفة الكف و إنما اراد المرة الواحدة بقربة أو جرة أو ما أشبه ذلك وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان أحدهما انهم أربعة آلاف قاله عكرمة والسدي والثاني ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وهو الصحيح لما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قاله لأصحابه يوم بدر انتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا \r\n قوله تعالى لا طاقة لنا أي لا قوة لنا قال الزجاج يقال أطقت الشيء إطاقة وطاقة وطوقا مثل قولك أطعته إطاعة وطاعة وطوعا واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال أحدها انهم الذين شربوا أكثر من غرفة فانهم انصرفوا ولم يشهدوا وكانوا أهل شك ونفاق قاله ابن عباس والسدي والثاني انهم الذين قلت بصائرهم من المؤمنين قاله الحسن وقتادة وابن زيد والثالث أنه قول الذين جاوزوا معه و إنما قال ذلك بعضهم لبعض لما رأوا من قلتهم وهذا اختيار الزجاج \r\n قوله تعالى قال الذين يظنون في هذا الظن قولان أحدهما أنه بمعنى اليقين قاله السدي في آخرين والثاني أنه الظن الذي هو التردد فان القوم توهموا لقلة عددهم ","part":1,"page":298},{"id":298,"text":" أنهم سيقتلون فيلقون الله قاله الزجاج في آخرين وفي الظانين هذا الظن قولان أحدهما انهم الثلاثمائة والثلاثة عشر قالوا للراجعين كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة قاله السدي والثاني انهم أولو العزم والفضل من الثلاثمائة والثلاثة عشر والفئة الفرقة قال الزجاج وإنما قيل لهم فئة من قولهم فأوت رأسه بالعصا و فأيته إذا شققته \r\n قوله تعالى باذن الله قال الحسن بنصر الله \r\n قوله تعالى والله مع الصابرين أي بالنصر والاعانة \r\n ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين \r\n قوله تعالى ولما برزوا أي صاروا بالبراز من الارض وهو ما ظهر واستوى و أفرغ بمعنى اصبب وثبت أقدامنا أي قو قلوبنا لتثبيت أقدامنا و إنما تثبت الأقدام عند قوة القلوب قال مقاتل كان جالوت وجنوده يعبدون الأوثان \r\n فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين \r\n قوله تعالى فهزموهم أي كسروهم وردوهم قال الزجاج أصل الهزم في اللغة كسر الشيء وثني بعضه على بعض يقال سقاء منهزم ومهزم إذا كان بعضه قد ثني على بعض مع جفاف وقصب منهزم قد كسر وشقق والعرب تقول هزمت على زيد أي عطفت عليه \r\n قال الشاعر ... هزمت عليك اليوم يا ابنة مالك ... فجودي علينا بالنوال و أنعمي ","part":1,"page":299},{"id":299,"text":" ويقال سمعت هزمة الرعد قال الأصمعي كأنه صوت فيه تشقق \r\n ودواد هو نبي الله أبو سليمان وهو اسم أعجمي وقيل إن إخوة داود كانوا مع طالوت فمضى دواد لينظر إليهم فنادته أحجار خذني فأخذها وجاء إلى طالوت فقال مالي إن قتلت جالوت فقال ثلث ملكي وانكحك ابنتي فقتل جالوت \r\n قوله تعالى وآتاه الله الملك يعني آتى داود ملك طالوت وفي المراد بالحكمة هاهنا قولان أحدهما أنها النبوة قاله ابن عباس والثاني الزبور قاله مقاتل قوله تعالى وعلمه مما يشاء فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها صنعة الدروع والثاني الزبور والثالث منطق الطير \r\n قوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض قرأ الجمهور دفع الله بغير ألف هاهنا وفي الحج وقرأ نافع ويعقوب وأبان ولولا دفاع بألف فيهما قال أبو علي المعنيان متقاربان قال الشاعر ... ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فاذا المنية أقبلت لا تدفع ... \r\n وفي معنى الكلام قولان أحدهما أن معناه لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عمن عصاه كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه لهلك العصاة بسرعة العقوبة قاله مجاهد والثاني أن معناه لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون على الارض فقتلوا المسلمين وخربوا المساجد قاله مقاتل ومعنى لفسدت الارض لهلك أهلها \r\n تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين \r\n قوله تعالى تلك آيات الله نتلوها عليك أي نقص عليك من أخبار المتقدمين ","part":1,"page":300},{"id":300,"text":" وإنك لمن المرسلين حكمك حكمهم فمن صدقك فسبيله سبيل من صدقهم ومن عصاك فسبيله سبيل من عصاهم \r\n الجزء الثالث تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد \r\n قوله تعالى منهم من كلم الله يعني موسى عليه السلام وقرأ أبو المتوكل و أبو نهيك وابن السميفع منهم من كالم الله بألف خفيفة اللام ونصب اسم الله وفي المراد بقوله ورفع بعضهم درجات قولان أحدهما عنى بالمرفوع درجات محمدا صلى الله عليه و سلم فإنه بعث إلى الناس كافة وغيره بعث الى أمته خاصة هذا قول مجاهد والثاني أنه عنى تفضيل بعضهم على بعض فيما آتاه الله هذا قول مقاتل قال ابن جرير الطبري والدرجات حمع درجة وهي المرتبة وأصل ذلك مراقي السلم ودرجه ثم يستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب وقد تقدم تفسير البينات و روح القدس \r\n قوله تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم أي من بعد الأنبياء وقال قتادة من بعد موسى وعيسى عليهما السلام قال مقاتل وكان بينهما ألف نبي \r\n قوله تعالى ولكن اختلفوا يعني الأمم \r\n يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم هذه الآية تحث على الصدقات والإنفاق في وجوه الطاعات وقال الحسن أراد الزكاة المفروضة ","part":1,"page":301},{"id":301,"text":" قوله تعالى من قبل أن يأتي يوم يعني يوم القيامة لا بيع فيه قرأ ابن كثير و أبو عمرو لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة بالنصب من غير تنوين ومثله في إبراهيم لا بيع فيه وفي الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي جميع ذلك بالرفع والتنوين قال ابن عباس لا فدية فيه وقيل إنما ذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة و أخذ البدل والخلة الصداقة وقيل إنما نفى هذه الأشياء لأنه عنى عن الكافرين وهذه الأشياء لا تنفعهم ولهذا قال والكافرون هم الظالمون \r\n الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الارض من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم \r\n قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم روى مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم قال قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال فضرب صدري وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر قال أبو عبيدة القيوم الذي لا يزول لاستقامة وصفه بالوجود حتى لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه وقال الزجاج القيوم القائم بتدبير أمر الخلق وقال الخطابي القيوم هو القائم الدائم بلا زوال وزنه فيعول من القيام وهو نعت للمبالغة للقيام على الشيء ويقال هو القائم على كل شيء بالرعاية يقال قمت بالشيء إذا وليته بالرعاية والمصلحة وفي القيوم ثلاث لغات القيوم وبه قرأ الجمهور والقيام وبه قرأ عمر بن الخطاب وابن ","part":1,"page":302},{"id":302,"text":" مسعود وابن أبي عبلة والأعمش والقيم وبه قرأ أبو رزين وعلقمة وذكر ابن الانباري أنه كذلك في مصحف ابن مسعود قال وأصل القيوم القيووم فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة وأصل القيام القوام قال الفراء و أهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال فيقولون للصواغ صياغ فأما السنة فهي النعاس من غير نوم ومنه الوسنان قال ابن الرقاع ... وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم ... وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم ... \r\n قوله تعالى له ما في السموات وما في الارض قال بعض العلماء إنما لم يقل والأرضين لأنه قد سبق ذكر الجمع في السموات فاستغنى بذلك عن إعادته ومثله وجعل الظلمات والنور ولم يقل الأنوار \r\n قوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه فيه رد على من قال ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر 3 \r\n قوله تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ظاهر الكلام يقتضي الإشارة إلى جميع الخلق وقال مقاتل المراد بهم الملائكة وفي المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ثلاثة أقوال أحدهما أن الذي بين أيديهم أمر الآخرة والذي خلفهم أمر الدنيا روي عن ابن عباس وقتادة والثاني أن الذي بين أيديهم الدنيا والذي خلفهم الآخرة قاله السدي عن أشياخه و مجاهد وابن جريج والحكم بن عتيبة والثالث ما بين ايديهم ما قبل خلقهم وما خلفهم ما بعد خلقهم قاله مقاتل ","part":1,"page":303},{"id":303,"text":" قوله تعالى ولا يحيطون بشئ قال الليث يقال لكل من أحرز شيئا لو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به والمراد بالعلم هاهنا المعلوم وسع كرسيه أي احتمل وأطاق وفي المراد بالكرسي ثلاثة أقوال أحدها أنه كرسي فوق السماء السابعة دون العرش قال النبي صلى الله عليه و سلم ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في ارض فلاة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والثاني ان المراد بالكرسي علم الله تعالى رواه ابن جبير عن ابن عباس والثالث أن الكرسي هو العرش قاله الحسن \r\n قوله تعالى ولا يؤوده أي لا يثقله يقال آده الشيء يؤوده أودا وإيادا والأود الثقل وهذا قول ابن عباس وقتادة والجماعة والعلي العالي القاهر فعيل بمعنى فاعل وقال الخطابي وقد يكون من العلو الذي هو مصدر علا يعلوا فهو عال كقوله تعالى الرحمن على العرش استوى طه 5 ويكون ذلك من علاء المجد والشرف يقال منه علي يعلى علاء ومعنى العظيم ذو العظمة والجلال والعظم في حقه تعالى منصرف إلى عظم الشأن وجلال القدر دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام \r\n لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ","part":1,"page":304},{"id":304,"text":" قوله تعالى لا إكراه في الدين في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن المرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لها ولد تحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه فلما أجليت يهود بني النضير كان فيهم ناس من أبناء الأنصار فقال الأنصار يا رسول الله أبناؤنا فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وقال الشعبي قالت الأنصار والله لنكرهن أولادنا على الإسلام فإنا إنما جعلناهم في دين اليهود إذ لم نعلم دينا أفضل منه فنزلت هذه الآية والثاني أن رجلا من الأنصار تنصر لهو ولدان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه و سلم ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصموا إلى النبي ص - فنزلت هذه الآية هذا قول مسروق والثالث أن ناسا كانوا مسترضعين في اليهود فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بني النضير قالوا والله ليذهبن معهم ولنذهبن بدينهم فمنعهم أهلوهم وأرادوا إكراهمم على الإسلام فنزلت هذه الآية والرابع أن رجلا من الانصار كان له غلام اسمه صبيح كان يكرهه على الإسلام فنزلت هذه الآية والقولان عن مجاهد \r\n فصل \r\n واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية فذهب قوم إلى أنه محكم وانه من العام المخصوص فانه خص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون على الإسلام بل يخيرون بينه وبين أداء الجزية وهذا معنى ما روي عن ابن عباس و مجاهد وقتادة ","part":1,"page":305},{"id":305,"text":" وقال ابن الأنباري معنى الآية ليس الدين ما تدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه ولم يشهد به القلب وتنطوي عليه الضمائر إنما الدين هو المنعقد بالقلب وذهب قوم إلى أنه منسوخ وقالوا هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال فعلى قولهم يكون منسوخا بآية السيف وهذا مذهب الضحاك والسدي وابن زيد والدين هاهنا أريد به الإسلام والرشد الحق والغي الباطل وقيل هو الإيمان والكفر فاما الطاغوت فهو اسم مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد قال ابن قتيبة الطاغوت واحد وجمع ومذكر ومؤنث قال الله تعالى أولياؤهم الطاغوت وقال والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها الزمر 17 والمراد بالطاغوت هاهنا خمسة أقوال أحدها أنه الشيطان قاله عمر و ابن عباس و مجاهد والشعبي والسدي و مقاتل في آخرين والثاني أنه الكاهن قاله سعيد بن جبير و أبوالعالية والثالث أنه الساحر قاله محمد بن سيرين والرابع أنه الأصنام قاله اليزيدي و الزجاج والخامس أنه مردة أهل الكتاب ذكره الزجاج أيضا \r\n قوله تعالى فقد استمسك بالعروة الوثقى هذا مثل للإيمان شبه التمسك به بالتمسك بالعروة الوثيقة وقال الزجاج معنى الكلام فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا والانفصام كسر الشيء من غير إبانه \r\n الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى الله ولي الذين آمنوا أي متولي أمورهم يهديهم وينصرهم ويعينهم والظلمات الضلالة والنور الهدى والطاغوت الشياطين هنا قول ابن عباس وعكرمة في آخرين وقال مقاتل الذين كفروا هم اليهود والطاغوت كعب بن ","part":1,"page":306},{"id":306,"text":" الأشرف قال الزجاج والطاغوت هاهنا واحد في معنى جماعة وهذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة قال الشاعر \r\n بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض و أما جلدها فصليب ... \r\n اراد جلودها فان قيل متى كان المؤمنون في ظلمة ومتى كان الكفار في نور فعنه ثلاثة أجوبه أحدها أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال إخراج لهم من ظلام الكفر وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به عن الهدى إخراج لهم من نور الهدى و الإخراج مستعار هاهنا وقد يقال للممتنع من الشيء خرج منه وإن لم يكن دخل فيه قال تعالى إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله يوسف 37 وقال ومنكم من يرد إلى أرذل العمر النحل 70 وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى وإلى الله ترجع الأمور البقرة 210 والثاني أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نور لهم وكفرهم به بعد أن ظهر خروج إلى الظلمات والثالث أنه لما ظهرت معجزات رسول الله صلى الله عليه و سلم كان المخالف له خارجا من نور قد علمه والموافق له خارجا من ظلمات الجهل إلى نور العلم \r\n ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتيه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال انا أحيي و أميت قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لايهدي القوم الظالمين \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه قد سبق معنى الم تر وحاج بمعنى خاصم وهو نمروذ في قول الجماعة قال ابن عباس ملك الارض شرقها وغربها ","part":1,"page":307},{"id":307,"text":" مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين والكافران نمروذ وبختنصر قال ابن قتيبة معنى الآية حاج إبراهيم لأن الله آتاه الملك فأعجب بنفسه وملكه \r\n قوله تعالى إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال بعضهم هذا جواب سؤال سابق غير مذكور تقديره أنه قال له من ربك فقال ربي الذي يحيي ويميت قال نمروذ انا أحيي وأميت قال ابن عباس يقول أترك من شئت و أقتل من شئت فان قيل لم انتقل إبراهيم إلى حجة اخرى وعدل عن نصرة الأولى فالجواب أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا على ضعف فهمه فانه عراض اللفظ بمثله ونسي اختلاف الفعلين فانتقل إلى حجة أخرى قصدا لقطع المحاج لا عجزا عن نصرة الأولى \r\n قوله تعالى فبهت الذي كفر أي انقطعت حجته فتحير وقرأ أبو رزين العقيلي وابن السميفع فبهت بفتح الباء والهاء وقرأ أبو الجوزاء ويحيى بن يعمر و أبو حيوة فبهت بفتح الباء وضم الهاء قال الكسائي ومن العرب من يقول بهت وبهت بكسر الهاء وضمها والله لا يهدي القوم الظالمين يعني الكافرين قال مقاتل لا يهديهم إلى الحجة وعنى بذكل نمروذ \r\n أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى أو كالذي مر على قرية قال الزجاج هذا معطوف على معنى الكلام الذي قبله معناه أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية وفي المراد بالقرية قولان أحدهما أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر قاله وهب وقتادة والربيع بن ","part":1,"page":308},{"id":308,"text":" أنس والثاني أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت قاله ابن زيد وفي الذي مر عليها ثلاثة أقوال أحدها أنه عزير قاله علي بن أبي طالب و أبوالعالية وعكرمة وسعيد ابن جبير وناجية بن كعب وقتادة و الضحاك والسدي و مقاتل والثاني أنه أرمياء قاله وهب و مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير والثالث أنه رجل كافر شك في البعث نقل عن مجاهد أيضا والخاوية الخالية قاله الزجاج وقال ابن قتيبة الخاوية الخراب والعروش السقوف و أصل ذلك أن تسقط السقوف ثم تسقط الحيطان عليها قال أنى يحيي هذه الله أي كيف يحييها فان قلنا إن هذا الرجل نبي فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة أو يستهو لها فيعظم قدرة الله وإن قلنا إنه كان رجلا كافرا فهو كلام شاك والأول أصح \r\n قوله تعالى فأماته الله مائة عام ثم بعثه \r\n الاشارة إلى قصته \r\n روى ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه قال خرج عزير نبي الله من مدينته وهو رجل شاب فمر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وأول ما خلق الله منه عيناه فجعل ينظر إلى عظامه ينظم بعضها إلى بعض ثم كسيت لحما ونفخ فيها الروح قال الحسن قبضه الله اول النهار وبعثه آخر النهار بعد مائة سنة قال مقاتل ونودي من السماء كم لبثت قال قتادة فقال لبثت يوما ثم نظر فرأى بقية من الشمس فقال او بعض يوم فهذا يدل على أنه عزير وقال وهب بن منبه أقام أرميا بأرض مصر فأوحى الله إليه أن الحق بأرض إيلياء فركب حماره وأخذ معه سلة من عنب وتين ومعه سقاء جديد فيه ماء فلما ","part":1,"page":309},{"id":309,"text":" بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى والمساجد نظر إلى خراب لا يوصف فلما رأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ثم نزل منها منزلا وربط حماره وعلق سقاءه فألقى الله عليه النوم ونزع روحه مئة عام فلما مر منها سبعون عاما أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس عظيم فقال إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أعمر ما كانت فقال الملك أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل ولما يصلحه من أداة العمل فأنظره ثلاثة أيام فانتدب ثلاثمئة قهرمان ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل فسار إليها قهارمته ومعهم ثلاثمئة ألف عامل فلما وقعوا في العمل رد الله روح الحياة في عيني أرميا وآخر جسده ميت فنظر اليها تعمر فلما تمت بعد ثلاثين سنة رد الله إليه الروح فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه ونظر إلى حماره واقفا كهئيته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة وقد أتى على ذلك ريح مائة عام وبرد مائة عام وحر مائة عام لم تتغير ولم تنتقص شيئا وقد نحل جسم أرميا من البلى فأنبت الله له لحما جديدا ونشز عظامه وهو ينظر فقال له الله انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شيء قدير وزعم مقاتل أن هذه القصة كانت بعد رفع عيسى عليه السلام \r\n قوله تعالى كم لبثت قرأ ابن كثير ونافع وعاصم لبثت و لبثتم في كل القرآن باظهار التاء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام لبت قال أبو علي الفارسي من بين لبثت فلتباين المخرجين وذلك أن الظاء والذال والثاء من حيز ","part":1,"page":310},{"id":310,"text":" والطاء والتاء والدال من حيز فلما تباين المخرجان واختلف الحيزان لم يدغم ومن أدغمها أجراها مجرى المثلين لاتفاق الحرفين في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا واتفاقهما في الهمس ورأى الذي بينهما من الاختلاف يسيرا فأجراهما مجرى المثلين فأما طعامه وشرابه فقال وهب كان معه مكتل فيه عنب وتين وقله فيها ماء وقال السدي كان معه تين وعنب وشرابه من العصير لم يحمض التين والعنب ولم يختمر العصير \r\n قوله تعالى لم يتسنه قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو وعاصم وابن عامر يتسنة و اقتده و ما أغنى عني ماليه و سلطانيه و وماهيه باثبات الهاء في الوصل وكان حمزة يحذفهن في الوصل ووافقه الكسائي في حذف موضعين يتسنه و اقتده وكلهم يقف على الهاء ولم يختلفوا في كتابيه و حسابيه أنها بالهاء وصلا ووقفا فأما معنى لم يتسنه فقال ابن عباس والحسن وقتادة في آخرين لم يتغير وقال ابن قتيبة لم يتغير بمر السنين عليه واللفظ مأخوذ من السنه يقال سانهت النخلة إذا حملت عاما وحالت عاما \r\n قوله تعالى وانظر إلى حمارك قال مقاتل انظر إليه وقد ابيضت عظامه وتفرقت أوصاله فأعاده الله \r\n قوله تعالى ولنجعلك آية للناس اللام صلة لفعل مضمر تقديره فعلنا بك ذلك لنريك قدرتنا ولنجعلك آية للناس أي علما على قدرتنا فأضمر الفعل لبيان معناه قال ابن عباس مات وهو ابن أربعين سنة وابنه ابن عشرين سنة ثم بعث وهو ابن أربعين وابنه ابن عشرين ومائة ثم أقبل حتى اتى قومه في بيت المقدس فقال لهم انا عزير فقالوا ","part":1,"page":311},{"id":311,"text":" حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات بأرض بابل فقال لهم انا هو أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم وكانت قد ذهبت وليس منهم احد يقرؤها فأملاها عليهم \r\n قوله تعالى وانظر إلى العظام قيل أراد عظام نفسه وقيل عظام حماره وقيل هما جميعا \r\n قوله تعالى كيف ننشزها قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو ننشرها بضم النون الأولى وكسر الشين وراء مضمومة ومعناه نحييها يقال أنشز الله الميت فنشرهم وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ننشزها بضم النون مع الزاي وهو من النشز الذي هو الارتفاع والمعنى نرفع بعضها إلى بعض للاحياء وقرأ الأعمش ننشزها بفتح النون ورفع الشين مع الزاي وقرأ الحسن وأبان عن عاصم ننشرها بفتح النون مع الراء كأنه من النشر عن الطي فكأن الموت طواها والإحياء نشرها \r\n قوله تعالى فلما تبين له أي بان له إحياء الموتى قال أعلم قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم وابن عامر أعلم مقطوعة الألف مضمومة الميم والمعنى قد علمت ما كنت أعلمه غيبا مشاهدة وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف وسكون الميم على معنى الأمر والابتداء على قراءتهما بكسر الهمزة وظاهر الكلام أنه أمر من الله له وقال أبو علي نزل نفسه منزلة غيره فأمرها وخاطبها وقرأ الجعفي عن أبي بكر قال أعلم بكسر اللام على معنى الأمر باعلام الغير \r\n وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ","part":1,"page":312},{"id":312,"text":" قوله تعالى و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى في سبب سؤاله هذا أربعة أقوال أحدها أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع فسأل هذا السؤال وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة و الضحاك وعطاء الخراساني وابن جريج و مقاتل وما الذي كانت هذه الميتة فيه ثلاثة أقوال أحدها كان رجلا ميتا قاله ابن عباس والثاني كان جيفة حمار قاله ابن جريج و مقاتل والثالث كان حوتا ميتا قاله ابن زيد والثاني أنه لما بشر باتخاذ الله له خليلا سأل هذا السؤال ليعلم صحة البشارة ذكره السدي عن ابن مسعود و ابن عباس وروي عن سعيد بن جبير أنه لما بشر بذلك قال ما علامة ذلك قال أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك فسأل هذا السؤال والثالث أنه سأل ذلك ليزيل عوارض الوسواس وهو قول عطاء ابن أبي رباح والرابع أنه لما نازعه نمرود في إحياء الموتى سأل ذلك ليرى ما أخبر به عن الله وهذا قول محمد بن اسحاق \r\n قوله تعالى أو لم تؤمن أي أولست قد آمنت أني أحيي الموتى وقال ابن جبير ألم توقن بالخلة \r\n قوله تعالى بلى ولكن ليطمئن قلبي اللام متعلقة بفعل مضمر تقديره ولكن سألتك ليطمئن أو أرني ليطمئن قلبي ثم في المعنى أربعة أقوال أحدها لأعلم انك تجيبني إذا دعوتك قاله ابن عباس والثاني ليزداد قلبي يقينا قاله سعيد بن جبير وقال الحسن كان إبراهيم موقنا ولكن ليس الخبر كالمعاينة والثالث ليطمئن قلبي بالخلة روي عن ابن جبير أيضا والرابع أنه كان قلبه متعلقا برؤية إحياء الموتى فأراد ليطمئن قلبه بالنظر قاله ابن قتيبة وقال غيره كنت نفسه تائقة إلى رؤية ذلك وطالب الشيء قلق إلى أن يظفر بطلبته يدل على أنه لم يسأل لشك أنه قال أرني كيف تحيي الموتى وما قال هل تحيي الموتى ","part":1,"page":313},{"id":313,"text":" قوله تعالى فخذ أربعة من الطير في الذي أخذ سبعة أقوال أحدها أنها الحمامة والديك والكركي والطاووس رواه عبد الله بن هبيرة عن ابن عباس والثاني أنها الطاووس والديك والدجاجة السندية والأوزة رواه الضحاك عن ابن عباس وفي لفظ آخر رواه الضحاك مكان الدجاجه السندية الرأل وهو فرخ النعام والثالث أنها الشعانين وكانت قرباهم يومئذ رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع أنها الطاووس والنسر والغراب والديك نقل عن ابن عباس أيضا والخامس أنها الديك والطاووس والغراب والحمام قاله عكرمة و مجاهد وعطاء وابن جريج وابن زيد والسادس أنها ديك وغراب وبط وطاووس رواه ليث عن مجاهد والسابع أنها الديك والبطة والغراب والحمامة قاله مقاتل وقال عطاء الخراساني اوحى الله إليه أن خذ بطة وغرابا أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمر \r\n قوله تعالى فصرهن إليك قرأ الجمهور بضم الصاد والمعنى أملهن إليك يقال صرت الشيء فانصار أي أملته فمال وأنشدوا ... الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور ... \r\n فمعنى الكلام اجمعهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا فيه إضمار قطعهن قال ابن قتيبة أضمر قطعهن واكتفى بقوله ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا عن قوله قطعهن لأنه يدل عليه وهذا كما تقول خذ هذا الثوب واجعل على كل رمح عندك منه علما يريد قطعه وافعل ذلك وقرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ","part":1,"page":314},{"id":314,"text":" والمفضل عن عاصم فصرهن إليك بكسر الصاد قال اليزيدي هما واحد وقال ابن قتيبة الكسر والضم لغتان قال الفراء أكثر العرب على ضم الصاد وحدثني الكسائي أنه سمع بعض بني سليم يقول صرته فأنا أصيره وروي عن ابن عباس ووهب وابي مالك وابي الأسود الدؤلي والسدي أن معنى المكسورة الصاد قطعهن وروي عن أبي عبيدة أنه قال معناه بالضم اجمعهن وبالكسر قطعهن \r\n قوله تعالى ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا قال الزجاج معناه اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا وروي عوف عن الحسن قال اذبحهن ونتفهن ثم قطعهن أعضاءا ثم خلط بينهن جميعا ثم جزئها أربعة أجزاء وضع على كل جبل جزءا ثم تنحى عنهن فدعاهن فجعل يعدو كل عضو الى صاحبه حتى استوين كما كن ثم أتينه يسعين وقال قتادة أمسك رؤوسها بيده فجعل العظم يذهب إلى العظم والريشة إلى الريشة والبضعة إلى البضعة وهو يرى ذلك ثم دعاهن قأقبلن على أرجلهن يلقي لكل طائر رأسه وفي عدد الجبال التي قسمن عليها قولان أحدهما أنه قسمهن على أربعة أجبل قاله ابن عباس والحسن وقتادة وروي عن ابن عباس قال جعلهن أربعة أجزاء في أرباع الارض كأنه يعني جهات الإنسان الأربع والثاني أنه قسمهن سبعة أجزاء على سبعة أجبل قاله ابن جريج والسدي \r\n قوله تعالى ثم ادعهن يأتينك سعيا قال ابن قتيبة يقال عدوا ويقال مشيا على أرجلهن ولا يقال لطير إذا طار سعى واعلم أن الله عزيز أي منيع لا يغلب حكيم فيما يدبر ويزعم مقاتل أن هذه القصة جرت لإبراهيم بالشام قبل أن يكون له ولد وقبل نزول الصحف عليه وهو ابن خمس وسبعين سنة \r\n مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ","part":1,"page":315},{"id":315,"text":" قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله حدثنا عن ثعلب أنه قال إنما المثل والله أعلم للنفقة لا للرجال ولكن العرب إذا دل المعنى على ما يريدون حذفوا مثل قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل فأضمره الحب لأن المعنى معلوم فكذلك هاهنا أراد مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم ونحو هذا قوله تعالى و لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم آل عمران 18 يريد بخل الباخلين فحذف البخل وفي المراد ب سبيل الله قولان أحدهما أنه الجهاد والثاني أنه جميع ابواب البر قال أبو سليمان الدمشقي والآية مردودة على قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم وقد أعلم الله عز و جل بضرب هذا المثل أن الحسنة في النفقة في سبيله تضاعف بسبعمائة ضعف وقال الشعبي نفقة الرجل على نفسه وأهل بيته تضاعف سبعمائة ضعف قال ابن زيد والله يضاعف لمن يشاء أي يزيد على السبعمائة \r\n والذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قال ابن السائب و مقاتل نزلت في عثمان بن عفان في نفقته في غزوة تبوك وشرائه بئر رومة ركية بالمدينة تصدق بها على المسلمين وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق بأربعة آلاف درهم وكانت ","part":1,"page":316},{"id":316,"text":" نف ماله وأما المن ففيه قولان أحدها أنه المن على الفقير ومثل أن يقول قد أحسنت إليك ونعشتك وهو قول الجمهور والثاني أنه المن على الله بالصدقة روي عن ابن عباس فان قيل كيف مدحهم بترك المن ووصف نفسه بالمنان فالجواب أنه يقال من فلان على فلان إذا أنعم عليه فهذا الممدوح قال الشاعر ... فمني علينا بالسلام فانما ... كلامك ياقوت ودر منظم ... \r\n أراد بالمن الإنعام وأما الوجه المذموم فهو أن يقال من فلان على فلان إذا استعظم ما أعطاه وافتخر بذلك قال الشاعر في ذلك ... أنلت قليلا ثم أسرعت منة ... فنيلك ممنون كذاك قليل ... \r\n ذكر ذلك أبو بكر الانباري وفي الأذى قولان أحدهما أنه مواجهة الفقير بما يؤذيه مثل أن يقول له أنت أبدا فقير وقد بليت بك وأراحني الله منك والثاني ","part":1,"page":317},{"id":317,"text":" أن يخبر باحسانه إلى الفقير من يكره الفقير إطلاعه على ذلك وكلا القولين يؤذي الفقير وليس من صفة المخلصين في الصدقة ولقد حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله ثم يعتقهم جميعا ولا يتعرف اليهم ولا يخبرهم من هو \r\n قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم \r\n قوله تعالى قول معروف أي قول جميل للفقير مثل أن يقول له يوسع الله عليك ومغفرة أي يستر على المسلم خلته وفاقته وقيل أراد بالمغفرة التجاوز عن السائل إن استطال على المسؤول وقت رده خير من صدقة يتبعها أذى وقد سبق بيانه \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين \r\n قوله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم أي لا تبطلوا ثوابها كما تبطل ثواب صدقة المرائي الذي لا يؤمن بالله وهو المنافق فمثله أي مثل نفقته كمثل صفوان قال ابن قتيبه الصفوان الحجر والوابل أشد المطر والصلد الأملس وقال الزجاج الصفوان الحجر الأملس وكذلك الصفا وقال ثعلب الصلد النقي وروي عن ابن عباس وقتادة فتركه صلدا قالا ليس عليه شيء وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق \r\n ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضاة الله أي طلبا لرضاه وفي معنى التثبيت قولان أحدهما أنه الإنفاق على يقين وتصديق وهذا قول الشعبي وقتادة ","part":1,"page":318},{"id":318,"text":" والسدي في آخرين والثاني أنه التثبيت لارتياد محل الإنفاق فهم ينظرون اين يضعونها وهذا قول الحسن و مجاهد وابي صالح \r\n قوله تعالى كمثل جنة الجنة البستان وقرأ مجاهد وعاصم الجحدري حبة بالحاء والربوة ما ارتفع وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحمزة والكسائي بربوة بضم الراء وقرأ عاصم وابن عامر بفتح الراء وقرأ الحسن والأعمش بكسر الراء وقرأ ابن عباس وابو رزين برباوة بزيادة ألف وفتح الراء وقرأ أبي بن كعب وعاصم الجحدري كذلك إلا أنهما ضما الراء وكذلك خلافهم في المؤمنين قال الزجاج يقال ربوة وربوة وربوة ورباوة والموضع المرتفع من الارض إذا كان له ما يرويه من الماء فهو أكثر ريعا من السفل وقال ابن قتيبة الربوة الارتفاع وكل شيء ارتفع وزاد فقد ربا ومنه الربا في البيع \r\n قوله تعالى فآتت أكلها قرأ ابن كثير ونافع أكلها والأكل بسكون الكاف حيث وقع ووافقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مؤنث مثل أكلها دائم فأما ما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل أكل خمط فثقله أبو عمرو وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي جيمع ذلك مثقلا وأكلها أي ثمرها ضعفين أي مثلين فأما الظل فقال ابن قتيبة هو أضعف المطر وقال الزجاج هو المطر الدائم الصغار القطر الذي لا تكاد تسيل منه المثاعب قال ثعلب وهذا لفظ مستقبل وهو لأمر ماض فمعناه فان لم يكن أصابها وابل فطل ومعنى هذا المثل أن صاحب ","part":1,"page":319},{"id":319,"text":" هذه الجنة لا يخيب فإنها إن أصابها الطل حسنت وإن أصابها الوابل أضعفت فكذلك نفقة المؤمن المخلص والبصير من أسماء الله تعالى معناه المبصر قال الخطابي وهو فعيل بمعنى مفعل كقولهم أليم بمعنى مؤلم \r\n أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون \r\n قوله تعالى أيود أحدكم هذه الآية متصلة بقوله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم ومعنى أيود أيحب و إنما ذكر النخيل والأعناب لأنهما من أنفس ما يكون في البساتين وخص ذلك بالكبير لأنه قد يئس من سعي الشباب في اكسابهم \r\n قوله تعالى وله ذرية ضعفاء أي ضعاف و إذا ضعفت الذرية كان أحنى عليهم وأكثر إشفاقا فأصابها يعني الجنة إعصار وهي ريح شديدة تهب بشدة فترفع إلى السماء ترابا كانه عمود \r\n قال الشاعر ... إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ... \r\n أي لاقيت أشد منك فان قيل كيف جاز في الكلام أن يكون له جنة فأصابها ولم يقل فيصيبها أفيجوز أن يقال أتود أن يصيب مالا فضاع والمراد فيضيع فالجواب أن ذلك جائز في وددت لأن العرب تلقاها مرة أن ومرة لو ","part":1,"page":320},{"id":320,"text":" فيقولون وددت لو ذهبت عنا وددت أن تذهب عنا قاله الفراء وثعلب \r\n فصل \r\n وهذا الآية مثل ضربه الله تعالى في الحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة وفيمن قصد به ثلاثة أقوال أحدها أنه مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره قاله ابن عباس والثاني أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى حتى يموت قاله مجاهد والثالث أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه قاله السدي \r\n يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما اخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم في سبب نزولها قولان أحدهما أن الأنصار كانوا إذا جذوا النخل جاء كل رجل بشيء من ذلك فعلقه في المسجد فيأكل منه فقراء المهاجرين وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو فيه الحشف والشيص ","part":1,"page":321},{"id":321,"text":" فيعلقه فنزلت هذه الآية هذا قول البراء بن عازب والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بزكاة الفطر فجاء رجل بتمر رديء فنزلت هذه الآية هذا قول جابر بن عبد الله وفي المراد بهذه النفقة قولان أحدهما أنها الصدقة المفروضة قاله عبيدة السلماني في آخرين والثاني أنها التطوع وفي المراد بالطيب هاهنا قولان أحدهما أنه الجيد الأنفس قاله ابن عباس والثاني أنه الحلال قاله أبو معقل في آخرين \r\n قوله تعالى ولا تيمموا أي لا تقصدوا والتيمم في اللغة القصد قال ميمون ابن قيس الأعشى ... تيممت قيسا وكم دونه ... من الارض من مهمه ذي شزن ... \r\n وفي الخبيث قولان أحدهما أنه الرديء قاله الأكثرون وسبب الآية يدل عليه والثاني أنه الحرام قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه قال ابن عباس لو كان بعضكم يطلب من بعض حقا له ثم قضاه ذلك ولم يأخذه إلى أن يرى أنه قد أغمض عن بعض ","part":1,"page":322},{"id":322,"text":" حقه وقال ابن قتيبة أصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخص إغماضا ومنه قول الناس للبائع أغمض أي لا تشخص وكن كأنك لا تبصر وقال غيره لما كان الرجل إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى جميع ما يكره جعل التجاوز والمساهلة في كل شيء إغماضا \r\n قوله تعالى واعلموا أن الله غني قال الزجاج لم يأمركم بالتصدق عن عوز لكنه بلا أخباركم فهو حميد على ذلك يقال قد غني زيد يغنى غنى مقصورا إذا استغنى وقد غني القوم إذا نزلوا في مكان يغنيهم والمكان الذي ينزلون فيه مغنى والغواني النساء قيل إنما سمين بذلك لأنهن غنين بجمالهن وقيل بأزواجهن فأما الحميد فقال الخطابي هو بمعنى المحمود فعيل بمعنى مفعول \r\n الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم \r\n قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر قال الزجاج يقال وعدته أعده وعدا وعدة وموعدا وموعدة وموعودا ويقال الفقر والفقر ومعنى الكلام يحملكم على أن تؤدوا في الصدقات الرديء يخوفكم الفقر بإعطاء الجيد ومعنى يعدكم الفقر أي بالفقر وحذفت الباء قال الشاعر ... أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب ... \r\n وفي الفحشاء قولان أحدهما البخل والثاني المعاصي قال ابن عباس والله يعدكم مفغرة لفحشائكم وفضلا في الرزق ","part":1,"page":323},{"id":323,"text":" يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب \r\n قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء في المراد بهذه الحكمة احد عشر قولا أحدها أنها القرآن قاله ابن مسعود و مجاهد و الضحاك و مقاتل في آخرين والثاني معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره ونحو ذلك رواه على بن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث النبوة رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع الفهم في القرآن قاله أبوالعالية وقتادة و إبراهيم والخامس العلم والفقه رواه ليث عن مجاهد والسادس الإصابه في القول رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والسابع الورع في دين الله قاله الحسن والثامن الخشية لله قاله الربيع بن أنس والتاسع العقل في الدين قاله ابن زيد والعاشر الفهم قاله شريك والحادي عشر العلم والعمل لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ومن يؤت الحكمة قرأ يعقوب بكسر تاء يؤت ووقف عليها بهاء والمعنى ومن يؤته الله الحكمة وكذلك هي في قراءة ابن مسعود بهاء بعد التاء \r\n قوله تعالى وما يذكر قال الزجاج أي وما يتفكر فكرا يذكره به ما قص من آيات القرآن إلا ذوو العقول قال ابن قتيبة أولو بمعنى ذوو وواحد اولو ذو وأولات ذات \r\n وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه وما للظالمين من أنصار \r\n قوله تعالى أو نذرتم من نذر النذر ما اوجبه الإنسان على نفسه وقد يكون مطلقا ويكون معلقا بشرط فان الله يعلمه قال مجاهد يحصيه وقال الزجاج يجازى عليه وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان أحدهما انهم المشركون قاله مقاتل الثاني ","part":1,"page":324},{"id":324,"text":" المنفقون بالمن والأذى والرياء والمنذرون في المعصية قاله أبو سليمان الدمشقي والأنصار المانعون فمعناه مالهم مانع يمنعهم من عذاب الله \r\n إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير \r\n قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي قال ابن السائب لما نزل قوله تعالى وما أنفقتم من نفقة قالوا يا رسول الله صدقة السر أفضل أم العلانية فنزلت هذه الآية قال الزجاج يقال بدا الشيء يبدو إذا ظهر وأبديته إبداء إذا أظهرته وبدا لي بداء إذا تغير رأيي عما كان عليه \r\n قوله تعالى فنعما هي في نعم اربع لغات نعم بفتح النون وكسر العين مثل علم ونعم بكسرها ونعم بفتح النون وتسكين العين ونعم بكسر النون وتسكين العين وأما قوله فنعما هي فقرا نافع في غير رواية ورش وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل فنعما بكسر النون والعين ساكنة وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ونافع في رواية ورش ويعقوب بكسر النون والعين وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فنعما بفتح النون وكسر العين وكلهم شددوا الميم وكذلك خلافهم في سورة النساء قال الزجاج ما في تأويل الشيء أي فنعم الشيء هي وقال أبو علي نعم الشيء إبداؤها وقوله تعالى فهو خير لكم يعني الإخفاء واتفق العلماء على أن إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها وفي الفريضة قولان أحدهما أن إظهارها ","part":1,"page":325},{"id":325,"text":" أفضل قاله ابن عباس في آخرين واختاره القاضي أبو يعلى وقال الزجاج كان إخفاء الزكاة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن فأما اليوم فالناس يسيؤون الظن فاظهارها أحسن والثاني إخفاؤها أفضل قاله الحسن وقتادة و يزيد بن أبي حبيب وقد حمل أرباب القول الأول الصدقات في الآية على الفريضة وحملوا وإن تخفوها على النافلة وهذا قول عجيب و إنما فضلت صدقة السر لمعنيين أحدهما يرجع إلى المعطي وهو بعده عن الرياء وقربه من الإخلاص والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية والثاني يرجع إلى المعطى وهو دفع الذل عنه باخفاء الحال لأنه في العلانية ينكسر \r\n قوله تعالى ويكفر عنكم من سيئاتكم قرأ ابن كثير و أبو عمر وابو بكر عن عاصم ونكفر عنك بالنون والرفع والمعنى ونحن نكفر عنكم ويجوز أن يكون مستأنفا وقرأ نافع وحمزة والكسائي ونكفر بالنون وجزم الراء قال أبو علي وهذا على حمل الكلام على موضع قوله فهو خير لكم لأن قوله فهو خير لكم في موضع جزم ألا ترى أنه لو قال وإن تخفوها يكون أعظم لأجركم لجزم ومثله لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن المنافقون 10 حمل قوله و أكن على موضع فأصدق وقرأ ابن عامر ويكفر بالياء والرفع وكذلك عن حفص عن عاصم على الكناية عن الله عز و جل وقرأ أبان عن عاصم وتكفر بالتاء المرفوعة وفتح الفاء مع تسكين الراء \r\n قوله تعالى من سيئاتكم في من قولان أحدهما أنها زائدة والثاني أنها داخلة للتبعيض قال أبو سليمان الدمشقي ووجه الحكمة في ذلك أن يكون العباد على خوف ووجل \r\n ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ","part":1,"page":326},{"id":326,"text":" قوله تعالى ليس عليك هداهم في سبب نزولها قولان أحدهما أن المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين فنزلت هذه الآية هذا قول الجمهور والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير والخير في الآية اريد به المال قاله ابن عباس و مقاتل ومعنى فلأنفسكم أي فلكم ثوابه \r\n قوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله قال الزجاج هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم أن مرادهم ما عنده و إذا أعلمهم بصحة قصدهم فقد أعلمهم بالجزاء عليه \r\n قوله تعالى يوف إليكم أي توفون أجره ومعنى الآية ليس عليك أن يهتدوا فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام فان تصدقتم عليهم أثبتم و الآية محمولة على صدقة التطوع إذ لا تجوز أن يعطى الكافر من الصدقة المفروضة شيئا \r\n للفقراء الذين احصورا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فان الله به عليم \r\n قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لما حثهم على الصدقات والنفقات دلهم على خير تصدق عليه وقد تقدم تفسير الإحصار عند قوله فان أحصرتم البقرة11 وفي المراد ب الذين أحصروا أربعة أقوال أحدها انهم أهل الصفة حبسوا انفسهم على طاعة الله ولم يكن لهم شيء قاله ابن عباس و مقاتل والثاني انهم فقراء المهاجرين قاله مجاهد ","part":1,"page":327},{"id":327,"text":" والثالث انهم قوم حبسوا انفسهم على الغزو فلا يقدرون على الاكتساب قاله قتادة والرابع انهم قوم أصابتهم جراحات مع النبي صلى الله عليه و سلم فصاروا زمنى قاله سعيد بن جبير واختاره الكسائي وقال أحصروا من المرض ولو أراد الحبس لقال حصروا و إنما الإحصار من الخوف أو المرض والحصر الحبس في غيرهما وفي سبيل الله قولان أحدهما أنه الجهاد والثاني الطاعة وفي الضرب في الارض قولان أحدهما أنه الجهاد لم يمكنهم لفقرهم نقل عن ابن عباس والثاني الكسب قاله قتادة وفي الذي منعهم من ذلك ثلاثة أقوال أحدها الفقر قاله ابن عباس والثاني أمراضهم قاله ابن جبير و ابن زيد والثالث التزامهم بالجهاد قاله الزجاج \r\n قوله تعالى يحسبهم الجاهل قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو والكسائي يحسبهم و يحسبن بكسر السين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وابو جعفر بفتح السين في الكل قاله أبو علي فتح السين أقيس لأن الماضي إذا كان على فعل نحو حسب كان المضارع على يفعل مثل فرق يفرق وشرب يشرب والكسر حسن لموضع السمع قاله ابن قتيبة لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل إنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبر فكأنه قال يحسبهم من لا يخبر أمرهم والتعفف ترك السؤال يقال عف عن الشيء وتعفف والسيما العلامة التي يعرف بها الشيء وأصله من السمة وفي المراد بسيماهم ثلاثة أقوال أحدها تجملهم قاله ابن عباس والثاني خشوعهم قاله مجاهد والثالث أثر الفقر عليهم قاله السدي والربيع بن أنس وهذا يدل على أن للسيما حكما يتعلق بها قال إمامنا أحمد في الميت يوجد في دار ","part":1,"page":328},{"id":328,"text":" الحرب ولا يعرف أمره ينظر إلى سيماه فان كان عليه سيما الكفار من عدم الختان حكم له بحكمهم فلم يدفن في مقابر المسلمين ولم يصل عليه و إن كان عليه سيما المسلمين حكم هل بحكمهم وأما الإلحاف فهو الإلحاح قال ابن قتيبة يقال ألحف في المسألة إذا ألح وقال الزجاج معنى ألحف شمل بالمسألة ومنه اشتقاق اللحاف لأنه يشمل الانسان بالتغطية فان قيل فهل كانوا يسألون غير ملحفين فالجواب أن لا و إنما معنى الكلام أنه لم يكن منهم سؤال فيكون إلحاف \r\n قال الأعشى ... لا يغمز الساق من أين ولا وصب ... ولا يعض على شرسوفه الصفر ... \r\n معناه ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزها لذلك قال الفراء ومثله أن تقول قلما رأيت مثل هذا الرجل ولعلك لم تر قليلا ولا كثيرا من أشباهه فهم لا يسألون الناس إلحافا ولا غير إلحاف و إلى نحو هذا ذهب الزجاج و ابن الأنباري في آخرين \r\n الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله عز و جل رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس ","part":1,"page":329},{"id":329,"text":" وهو قول أبي الدرداء و ابي أمامه ومكحول والأوزاعي في آخرين والثاني نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه فانه كان معه أربعة دراهم فأنفق في الليل درهما وبالنهار درهما وفي السر درهما وفي العلانية درهما رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد و ابن السائب و مقاتل والثالث أنها نزلت في علي وعبد الرحمن بن عوف فان عليا بعث بوسق من تمر إلى أهل الصفة ليلا وبعث عبد الرحمن إليهم بدنانير كثيرة نهارا رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى الذين يأكلون الربا الربا أصله في اللغة الزيادة ومنه الربوة والرابية و أربى فلان على فلان زاد وهذا الوعيد يشمل الآكل والعامل به و إنما خص الآكل بالذكر لأنه معظم المقصود وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه \r\n قوله تعالى لا يقومون قال ابن قتيبة أي يوم البعث من القبور والمس الجنون يقال رجل ممسوس فالناس إذا خرجوا من قبورهم اسرعوا كما قال تعالى يوم يخرجون من الأجداث سراعا المعارج 43 إلا أكله الربا فانهم يقومون ويسقطون لأن الله أربى الربا في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإسراع وقال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة ","part":1,"page":330},{"id":330,"text":" قوله تعالى ذلك أي هذا الذي ذكر من عقابهم بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وقيل إن ثقيفا كانوا اكثر العرب ربا فلما نهوا عنه قالوا إنما هو مثل البيع \r\n قوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه قال الزجاج كل تأنيث ليس بحقيقي فتذكيره جائز ألا ترى أن الوعظ والموعظة معبران عن معنى واحد \r\n قوله تعالى فله ما سلف أي ما أكل من الربا \r\n وفي قوله تعالى وأمره إلى الله قولان أحدهما أن الهاء ترجع إلى المربي فتقديره إن شاء عصمه منه وإن شاء لم يفعل قاله سعيد بن جبير و مقاتل والثاني أنها ترجع إلى الربا فمعناه يعفو الله عما شاء منه ويعاقب على ما شاء منه قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ومن عاد قاله ابن جبير من عاد إلى الربا مستحلا محتجا بقوله تعالى إنما البيع مثل الربا \r\n يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى يمحق الله الربا فيه قولان أحدهما أن معنى محقه تنقيصه واضمحلاله ومنع محاق الشهر لنقصان الهلال فيه روي هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والثاني أنه إبطال ما يكون منه من صدقة ونحوها رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ويربي الصدقات قال ابن جبير يضاعفها والكفار الذي يكثر فعل ما يكفر به والأثيم المتمادي في ارتكاب الإثم المصر عليه ","part":1,"page":331},{"id":331,"text":" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا في نزولها ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف وفي بني المغيرة من بني مخزوم وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف فلما وضع الله الربا طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم فنزلت هذه الآية والتي بعدها هذا قول ابن عباس والثاني أنها نزلت في عثمان بن عفان والعباس كانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال صاحب التمر إن أخذتما مالكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فنهاهما فنزلت هذه الآية هذا قول عطاء وعكرمة والثالث أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية وكانا يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه و سلم ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس هذا قول السدي قال ابن عباس وعكرمة والضحاك إنما قال ما بقي من الربا لأن كل ربا كان قد ترك فلم يبق إلا ربا ثقيف وقال قوم الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه وقبض بعضه في كفره ثم أسلم فيجب عليه أن يترك ما بقي ويعفى له عما مضى فأما المراباة بعد الإسلام فمردوده فيما قبض ويسقط ما بقي ","part":1,"page":332},{"id":332,"text":" فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون \r\n قوله تعالى فان لم تفعلوا فأذنوا قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو وابن عامر فأذنوا مقصورة مفتوحة الذال وقرأ حمزة و أبو بكر عن عاصم فآذنوا بمد الألف وكسر الذال قال الزجاج من قرأ فأذنوا بقصر الألف وفتح الذال فالمعنى أيقنوا ومن قرأ بمد الألف وكسر الذال فمعناه أعلموا كل من لم يترك الربا أنه حرب قال ابن عباس يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب ","part":1,"page":333},{"id":333,"text":" قوله تعالى و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون أي التي أقرضتموها لا تظلمون فتأخذون أكثر منها ولا تظلمون فتنقصون منها والجمهور على فتح تاء تظلمون الأولى وضم تاء تظلمون الثانية وروى المفضل عن عاصم ضم الأولى وفتح الثانية \r\n وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة و أن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون \r\n قوله تعالى و إن كان ذو عسرة ذكر ابن السائب و مقاتل أنه لم نزل قوله تعالى وذروا ما بقي من الربا قال بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة هاتوا رؤوس أموالنا وندع لكم الربا فشكا بنو المغيرة العسرة فنزلت هذا الآية فأما العسرة فهي الفقر والضيق والجمهور على تسكين السين وضمها أبو جعفر هاهنا وفي ساعة العسرة وقرأ الجمهور بفتح سين الميسرة وضمها نافع وتابعه زيد عن يعقوب على ضم السين إلا أنه زاد فكسر الراء وقلب التاء هاء ووصلها بباء قال الزجاج ومعنى و إن كان وإن وقع والنظرة التأخير فأمرهم بتأخير رأس المال بعد إسقاط الربا إذا كان المطالب معسرا وأعلمهم أن الصدقة عليه بذلك أفضل بقوله تعالى وان تصدقوا والأكثرون على تشديد الصاد وخففها عاصم مع تشديد الدال وسكنها ابن أبي عبلة مع ضم الدال فجعله من الصدق \r\n وإن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون \r\n قوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله قرأ أبو عمرو بفتح تاء ترجعون وضمها الباقون قاله ابن عباس و أبو سعيد الخدري وسعيد بن جبير وعطية و مقاتل في آخرين هذه آخر آية نزلت من القرآن قال ابن عباس وتوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدها بأحد وثمانين ","part":1,"page":334},{"id":334,"text":" يوما وقال ابن جريج توفي بعدها بتسع ليال وقال مقاتل بسبع ليال قوله تعالى ثم توفي كل نفس ما كسبت أي تعطى جزاء ما كسبت \r\n يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ","part":1,"page":335},{"id":335,"text":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين قال الزجاج يقال داينت الرجل إذا عاملته فأخذت منه بدين وأعطيته \r\n قال الشاعر ... داينت أروى والديون تقضى ... فماطلت بعضا وأدت بعضا ... \r\n والمعنى إذا كان لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى فاكتبوه فأمر الله تعالى بكتابة الدين وبالإشهاد حفظا منه للأموال وللناس من الظلم لأن من كانت عليه البينة قل تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في السلم خاصة فان قيل ما الفائدة في قوله بدين وتداينتم يكفي عنه فالجواب أن تداينتم يقع على معنيين أحدهما المشاراة والمبايعة والإقراض والثاني المجازاة بالأفعال فالأول يقال فيه الدين بفتح الدال والثاني يقال منه الدين بكسر الدال قال تعالى يسألون أيان يوم القيامة الذاريات12 أي يوم الجزاء \r\n وأنشدوا ... دناهم كما دانوا ","part":1,"page":336},{"id":336,"text":" فدل قوله بدين على المراد بقوله تداينتم ذكره ابن الأنباري فأما العدل فهو الحق قال قتادة لا تدعن حقا ولا تزيدن باطلا \r\n قوله تعالى ولا يأب كاتب أي يمتنع أن يكتب كما علمه الله وفيه قولان أحدهما كما علمه الله الكتابة قاله سعيد بن جبير وقال الشعبي الكتابة فرض على الكفاية كالجهاد والثاني كما أمره الله به الحق قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق قال سعيد بن جبير يعني المطلوب يقول ليمل ما عليه من حق الطالب على الكاتب ولا يبخس منه شيئا أي لا ينقص عند الإملاء قال شيخنا أبو منصور اللغوي يقال أمللت أمل وأمليت أملي لغتان فأمليت من الإملاء وأمللت من الملل والملال لأن المحل يطيل قوله على الكاتب ويكرره \r\n قوله تعالى فان كان الذي عليه الحق سفيها في المراد بالسفيه هاهنا أربعة أقوال أحدها أنه الجاهل بالأموال والجاهل بالإملاء قاله مجاهد وابن جبير والثاني أنه الصبي والمرأة قاله الحسن والثالث أنه الصغير قاله الضحاك والسدي والرابع أنه المبذر قاله القاضي أبو يعلى وفي المراد بالضعيف ثلاثة أقوال أحدها أنه العاجر والأخرس ومن به حمق قاله ابن عباس وابن جبير والثاني أنه الأحمق قاله مجاهد والسدي والثالث أنه الصغير قاله القاضي أبو يعلى \r\n قوله تعالى أو لا يستطيع أن يمل هو قاله ابن عباس لا يستطيع لعيه وقال ابن جبير لا يحسن أن يمل ما عليه وقال القاضي أبو يعلى هو المجنون \r\n قوله تعالى فليملل وليه في هاء الكناية قولان أحدها أنها تعود إلى الحق فتقديره فليملل ولي الحق هذا قول ابن عباس وابن جبير والربيع بن أنس و مقاتل ","part":1,"page":337},{"id":337,"text":" واختاره ابن قتيبة والثاني أنها تعود إلى الذي عليه الحق وهذا قول الضحاك وابن زيد واختاره الزجاج وعاب قول الأولين فقال كيف يقبل قول المدعي وما حاجته إلى الكتاب والإشهاد والقول قوله وهذا اختيار القاضي أبي يعلى أيضا والعدل الإنصاف وقي قوله تعالى من رجالكم قولان أحدهما أنه يعني الأحرار قاله مجاهد والثاني أهل الإسلام وهذا اختيار الزجاج والقاضي أبي يعلى ويدل عليه أنه خاطب المؤمنين في أول الآية \r\n قوله تعالى فان لم يكونا رجلين أراد فان لم يكن الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان ولم يرد به إن لم يوجد رجلان \r\n قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء قال ابن عباس من أهل الفضل والدين قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ذكر الزجاج أن الخليل وسيبويه وسائر النحويين الموثوق بعلمهم قالوا معناه استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحداهما الأخرى ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى وقرأ حمزة إن تضل بكسر الألف والضلال هاهنا النسيان قاله ابن عباس و الضحاك والسدي والربيع و مقاتل و أبو عبيدة و ابن قتيبة وأما قوله فتذكر فقرأ ابن كثير و أبو عمرو بالتخفيف مع نصب الراء وقرأ حمزة بالرفع مع تشديد الكاف وقرأ الباقون بالنصب وتشديد الكاف فمن شدد أراد الإدكار عند النسيان وفي قراءة من خفف قولان أحدهما أنها بمعنى المشددة أيضا وهذا قول الجمهور قال الضحاك والربيع بن أنس والسدي ومعنى القراءتين واحد والثاني أنها بمعنى تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر وهذا مذهب سفيان بن عيينة وحكى الأصمعي عن أبي عمرو نحوه واختاره القاضي أبو يعلى وقد رده جماعة منهم ابن قتيبة قال أبو علي ليس مذهب ابن عيينة بالقوي لأنهن لو بلغن ما بلغن لم تجز شاهدتهن إلا أن يكون معهن رجل ولأن الضلال هاهنا النسيان فينبغي أن يقابل بما يعادله وهو التذكير ","part":1,"page":338},{"id":338,"text":" قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا قال قتادة كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه منهم احد فنزلت هذه الآية و إلى ماذا يكون هذا الدعاء فيه ثلاثة أقوال أحدها إلى تحمل الشهادة و إثباتها في الكتاب قاله ابن عباس وعطية وقتادة والربيع والثاني إلى إقامتها وأدائها عند الحكام بعد أن تقدمت شهادتهم بها قاله سعيد بن جبير وطاووس و مجاهد وعكرمة وعطاء والشعبي وأبو مجلز و الضحاك وابن زيد ورواه الميموني عن أحمد ابن حنبل والثالث إلى تحملها و إلى أدائها روي عن ابن عباس والحسن واختاره الزجاج قال القاضي أبو يعلى إنما يلزم الشاهد أن لا يأبى إذا دعي لإقامة الشهادة إذا لم يوجد من يشهد غيره فأما إن كان قد تحملها جماعة لم تتعين عليه وكذلك في حال تحملها لأنه فرض على الكفاية كالجهاد فلا يجوز لجميع الناس الامتناع منه \r\n قوله تعالى ولا تسأموا أي لا تملوا وتضجروا أن تكتبوا القليل والكثير الذي قد جرت العادة بتأجيله إلى أجله أي إلى محل أجله ذلكم أقسط عند الله أي أعدل وأقوم للشاهدة لأن الكتاب يذكر الشهود جميع ما شهدوا عليه وأدنى أي أقرب ألا ترتابوا أي لا تشكوا إلا أن تكون الأموال تجارة أي إلا أن تقع تجارة وقرأ عاصم تجارة بالنصب على معنى إلا أن تكون الأموال تجارة حاضرة وهي البيوع التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل فأباح ترك الكتاب فيها توسعة لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في مأكول أو مشروب \r\n قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم الإشهاد مندوب إليه فيما جرت العادة بالإشهاد عليه ","part":1,"page":339},{"id":339,"text":" فصل \r\n وهذا الآية تتضمن الأمر باثبات الدين في كتاب وإثبات شهادة في البيع والدين واختلف العلماء هل هذا أمر وجوب أم على وجه الاستحباب فذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب فعلى هذا هو محكم وذهبت طائفة إلى أن الكتاب والإشهاد واجبان روي عن ابن عمر وابي موسى و مجاهد وابن سيرين وعطاء و الضحاك و أبي قلابة والحكم وابن زيد ثم اختلف هؤلاء هل هذا الحكم باق أم منسوخ فذهب أكثرهم إلى أنه محكم غير منسوخ وذهبت طائفة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته \r\n قوله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من يضار وسكونها وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أن معناه لا يضار بأن يدعي وهو ","part":1,"page":340},{"id":340,"text":" مشغول هذا قول ابن عباس و مجاهد وعكرمة والسدي والربيع بن أنس والفراء و مقاتل وقال الربيع كان احدهم يجيء إلى الكاتب فيقول اكتب لي فيقول إني مشغول فيلزمه ويقول إنك قد أمرت بالكتابه فيضاره ولا يدعه وهو يجد غيره وكذلك يفعل الشاهد فنزلت ولا يضار كاتب ولا شهيد والثاني أن معناه النهي للكاتب أن يضار من يكتب له بان يكتب غير ما يمل عليه وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه هذا قول الحسن وطاووس وقتادة وابن زيد واختاره ابن قتيبة و الزجاج واحتج الزجاج على صحته بقوله تعالى وإن تفعلوا فانه فسوق بكم قال ولا يسمى من دعا كاتبا ليكتب وهو مشغول أو شاهد فاسقا إنما يسمى من حرف الكتاب أو كذب في الشهادة فاسقا والثالث أن معنى المضارة امتناع الكاتب أن يكتب والشهادة أن يشهد وهذا قول عطاء في آخرين \r\n قوله تعالى وإن تفعلوا يعني المضارة \r\n وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم \r\n قوله تعالى وإن كنتم على سفر إنما خص السفر لأن الأغلب عدم الكاتب والشاهد فيه ومقصود الكلام إذا عدمتم التوثق بالكتاب والاشهاد فخذوا الرهن \r\n قوله تعالى فرهان قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعبد الوارث فرهن بضم الراء والهاء من غير ألف وأسكن الهاء عبد الوارث ووجهه التخفيف وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزه والكسائي فرهان بكسر الراء وفتح الهاء وإثبات ","part":1,"page":341},{"id":341,"text":" الألف قال ابن قتيبة من قرأ فرهان أراد جمع رهن ومن قرأ فرهن أراد جمع رهان فكأنه جمع الجمع \r\n قوله تعالى مقبوضة يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض وقبض الرهن أخذه من راهنه منقولا فان كان مما لا ينقل كالدور والأرضين فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه \r\n قوله تعالى فان أمن بعضكم بعضا أي فان وثق رب الدين بأمانة الغريم فدفع ماله بغير كتاب ولا شهود ولا رهن فليؤد الذي اؤتمن وهو المدين أمانته وليتق الله ربه أن يخون من ائتمنه \r\n قوله تعالى فانه آثم قلبه قال السدي عن أشياخه فانه فاجر قلبه قال القاضي أبو يعلى إنما أضاف الإثم إلى القلب لأن المآثم تتعلق بعقد القلب وكتمان الشهادة إنما هو قد النية لترك أدائها \r\n لله ما في السموات وما في الارض و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه بحاسبكم به الله فيفغر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اما إبداء ما في النفس فانه العمل بما أضمره العبد أو النطق وهذا مما يحاسب عليه العبد ويؤاخذ به وأما ما يخفيفه في نفسه فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين أحدهما أنه عام في جميع المخفيات وهو قول الاكثرين واختلفوا هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذه أم منسوخ على قولين أحدهما أنه منسوخ بقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 هذا قول ابن مسعود و أبي هريرة وابن عباس في رواية والحسن والشعبي وابن سيرين ","part":1,"page":342},{"id":342,"text":" وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد و مقاتل والثاني أنه ثابت في المؤاخذه على العموم فيؤاخذ به من يشاء ويغفره لمن يشاء وهذا مروي عن ابن عمر والحسن واختاره أبو سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال هذه الآية لم تنسخ ولكن الله عز و جل إذا جمع الخلائق يقول لهم اني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفرلهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله تعالى يحسابكم به الله يقول يخبركم به الله و أما أهل الشرك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله تعالى فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ","part":1,"page":343},{"id":343,"text":" والأكثرون على تسكين راء فيغفر وباء يعذب منهم ابن كثير ونافع وابو عمرو وحمزة والكسائي و إنما جزموا لإتباع هذا ما قبله وهو يحاسبكم وقرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب برفع الراء والباء فيهما فهؤلاء قطعوا الكلام عن الأول قال ابن الأنباري وقد ذهب قوم إلى أن المحاسبة هاهنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه في الدنيا ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء قال والذي نختاره أن تكون الآية محكمة لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي وقد روي عن عائشة أنها قالت أما ما أعلنت فالله يحاسبك به وأما ما أخفيت فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا والقول الثاني أنه أمر خاص في نوع من المخفيات ولأرباب هذا القول فيه قولان أحدهما أنه كتمان الشهادة قاله ابن عباس في روايه وعكرمة والشعبي والثاني أنه الشك واليقين قاله مجاهد فعلى هذا المذكور تكون الآية محكمة \r\n آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكتة وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير \r\n قوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه قال أبو بكر النقاش معناه كفتاه عن قيام الليل ","part":1,"page":344},{"id":344,"text":" وقيل إنهما نزلتا على سبب وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال لما أنزل اله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحسابكم به الله اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم جثوا على الركب فقالوا قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها آمن الرسول قال الزجاج لما ذكر ما تشتمل عليه هذه السورة من القصص والأحكام ختمها بتصديق نبيه والمؤمنين وقرأ ابن ابن عباس وكتابه فقيل له في ذلك فقال كتاب أكثر من كتب ذهب به إلى اسم الجنس كما تقول كثر الدرهم في أيدي الناس وقد وافق ابن عباس وفي قراءته حمزة والكسائي وخلف وكذلك في التحريم وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وكتبه هاهنا بالجمع وفي التحريم بالتوحيد وقرأ أبو عمرو بالجمع في الموضعين \r\n قوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى على حرفين مثل رسلنا و رسلكم باسكان السين وثقل ما عدا ذلك وعنه في قوله تعالى على رسلك روايتان التخفيف والتثقيف وقرأ الباقون كل ما في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل ومعنى قوله لا نفرق بين احد من رسله أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض وكفروا ببعض وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء وفتح الراء \r\n قوله تعالى غفرانك أي نسألك غفرانك والمصير المرجع ","part":1,"page":345},{"id":345,"text":" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين \r\n قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الوسع الطاقة قاله ابن عباس وقتادة ومعناه لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته كتكليف الزمن السعي والأعمى النظر فأما تكليف ما يستحيل من المكلف لالفقد الآلات فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن الإيمان فالآية محمولة على القول الأول ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا كان السؤال عبثا وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم وان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا الكهف 57 وقال ابن الأنباري المعنى لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وان كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه فخاطب العرب على حسب ما تعقل فان الرجل منهم يقول للجل يبغضه ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك لكنه يثقل عليه ومثله قوله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع \r\n قوله تعالى لها ما كسبت قال ابن عباس لها ما كسبت من طاعة وعليها ما اكتسبت من معصية قال أبو بكر النقاش فقوله لها دليل على الخير و عليها دليل على الشر وقد ذهب قوم إلى أن كسبت لمرة ومرات و اكتسبت لا يكون إلا لشيء بعد شيء وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد كقوله عز و جل فمهل الكافرين أمهلهم رويدا الطارق 17 \r\n قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا هذا تعليم من الله للخلق أن يقولوا ذلك قال ابن ","part":1,"page":346},{"id":346,"text":" الأنباري والمراد بالنسيان هاهنا الترك مع العمد لأن النسيان الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته والخطأ أيضا هاهنا من جهة العمد لا من جهة السهو يقال أخطأ الرجل إذا تعمد كما يقال أخطأ إذا غفل وفي الإصر قولان أحدهما أنه العهد قاله ابن عباس و مجاهد و الضحاك والسدي و الثاني الثقل أي لا تثقل علينا من الفروض ما ثقلته على بني اسرائيل قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به فيه خمسة أقوال أحدهما أنه ما يصعب ويشق من الأعمال قاله الضحاك والسدي وابن زيد والجمهور والثاني أنه المحبة ","part":1,"page":347},{"id":347,"text":" رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم والثالث الغلمة قاله مكحول والرابع حديث النفس ووساوسها والخامس عذاب النار \r\n قوله تعالى أنت مولانا أي أنت ولينا فانصرنا أي أعنا وكان معاذ إذا فرغ من هذه السورة قال آمين ","part":1,"page":348},{"id":348,"text":" سورة آل عمران \r\n ذكر أهل التفسير أنها مدنية و أن صدرا من اولها نزل في وفد نجران قدموا النبي صلى الله عليه و سلم في ستين راكبا فيهم العاقب والسيد فخاصموه في عيسى فقالوا إن لم يكن ولد الله فمن أبوه فنزلت فيهم صدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه و أنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفقران \r\n قوله تعالى نزل عليك الكتاب يعني القرآن بالحق يعني العدل مصدقا لما بين يديه من الكتب وقيل إنما قال في القرآن نزل بالتشديد وفي التوراة والانجيل أنزل لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة و أنزل القرآن في مرات كثيرة فأما التوراة فذكر ابن قتيبة عن الفراء أنه يجلعها من وري الزند يرى إذا خرجت ناره وأوريته يريد أنها ضياء قال ابن قتيبة وفيه لغة اخرى ورى يري ويقال وريت بك زنادي والانجيل من نجلت الشيء إذا أخرجته وولد الرجل نجله كأنه هو استخرجه يقال قبح الله ناجليه أي والديه وقيل للماء يقطر من البئر نجل يقال قد استنجل الوادي إذا ظهر نزوزه وإنجيل إفعيل من ذلك كأن الله أظهر به عافيا من الحق دارسا قال شيخنا أبو منصور اللغوي والانجيل أعجمي معرب قاله وقال بعضهم إن كان عربيا فاشتقاقه من النجل وهو ظهور الماء على وجه الارض واتساعه ونجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم وقيل هو إفعيل من النجل وهو الأصل فالإنجيل أصل لعلوم وحكم وفي الفرقان ","part":1,"page":349},{"id":349,"text":" هاهنا قولان أحدهما أنه القرآن قاله قتادة والجمهور قال أبو عبيدة سمي القرآن فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل والمؤمن والكافر والثاني أنه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا فيه قاله أبو سليمان الدمشقي وقال السدي في الآية تقديم وتأخير تقديره وأنزل التوراة والانجيل والفقران فيه هدى للناس \r\n إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا بآيات الله قال ابن عباس يريد وفد نجران النصارى كفروا بالقرآن وبمحمد والانتقام المبالغة في العقوبة \r\n إن الله لايخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء قال أبو سليمان الدمشقي هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه من كيد النبي صلى الله عليه و سلم وذكر التصوير في الأرحام تنبيه على أمر عيسى \r\n هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ريتا وما يذكر إلا أولو الألباب \r\n قوله تعالى منه آيات محكمات المحكم المتقن المبين وفي المراد به هاهنا ثمانية أقوال أحدها أنه الناسخ قاله ابن مسعود و ابن عباس وقتادة والسدي في آخرين والثاني أنه الحلال والحرم روي عن ابن عباس و مجاهد والثالث أنه ما علم العلماء تأويله روي عن جابر بن عبد الله والرابع أنه الذي لم ينسخ قاله الضحاك والخامس أنه مالم تتكرر ألفاظه قاله ابن زيد والسادس أنه ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان ذكره ","part":1,"page":350},{"id":350,"text":" القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد وقال الشافعي و ابن الأنباري هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والسابع أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة والثامن أنه الامر والنهي والوعد والوعيد والحلال والحرام ذكر هذا والذي قبله القاضي أبو يعلى و أم الكتاب أصله قاله ابن عباس وابن جبير فكأنه قال هن أصل الكتاب اللواتي يعمل عليهن في الاحكام ومجمع الحلال والحرام وفي المتشابه سبعة أقوال أحدها أنه المنسوخ قاله ابن مسعود و ابن عباس وقتادة والسدي في آخرين والثاني أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة روي عن جابر بن عبد الله والثالث أنه الحروف المقطعة كقوله ألم ونحو ذلك قاله ابن عباس والرابع أنه ما اشتبهت معانيه قاله مجاهد والخامس أنه ما تكررت ألفاظه قاله ابن زيد والسادس أنه ما احتمل من التأويل وجوها وقال ابن الأنباري المحكم ما لا يحتمل التأويلات ولا يخفى على مميز والمتشابه الذي تعتوره تأويلات والسابع أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى فإن قيل فما فائدة إنزال المتشابه والمراد بالقرآن البيان والهدى فعنه أربعة أجوبه أحدها أنه لما كان كلام العرب على ضربين أحدهما الموجز الذي لا يخفى على سامعه ولا يحتمل غير ظاهره والثاني المجاز والكنايات ولإشارات والتلويحات وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب والبديع في كلامهم أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الاتيان بمثله فكأنه قال عارضوه بأي الضربين شئتم ولو نزل كله محكما واضحا لقالوا هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو تعريض أو تشبيه كان أفصح وأغرب ","part":1,"page":351},{"id":351,"text":" قال امرؤ القيس ... وما ذرفت عيناك إلا لنضر بي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل ... \r\n فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه فحلا هذا عند كل سامع ومنشد وزاد في بلاغته وقال امرؤ القيس أيضا ... رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أننصر ... \r\n وقال أيضا ... فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا ونا ء بكلكل ... \r\n فجعل لليل صلبا وصدرا على جهة التشبيه نحسن بذلك شعره وقال غيره ... من كميت أجادها طابخاها لم تمت كل موتها في القدور ... \r\n أراد بالطابخين الليل والنهار على جهة التشبيه وقال آخر ... تبكي هاشما في كل فجر ... كما تبكي على الفنن الحمام ","part":1,"page":352},{"id":352,"text":" قاله آخر ... عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفتح بمنطقها فما ... \r\n فجعل لها غناء وفما على جهة الاستعارة والجواب الثاني أن الله تعالى انزله مختبرا به عباده ليقف المؤمن عنده ويرده إلى عالمه فيعظم بذلك ثوابه ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلاهم بنهر طالوت والثالث أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما يثابون على سائر عباداتهم ولو جعل القرآن كله محكما لاستوى فيه العالم والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر و إنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم وقد قال الحكماء عيب الغنى أنه يورث البلادة وفضل الفقر أنه يبعث على الحيلة لأنه إذا احتاج احتال والرابع أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلمون ويمرنوهم على انتزاع الجواب لأنهم إذا قدروا على الغامض كانوا على الواضح أقدر فلما كان ذلك حسنا عند العلماء جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة و ابن الأنباري \r\n قوله تعالى فأما الذين في قلبوهم زيغ في الزيغ قولان أحدهما أنه الشك قاله مجاهد والسدي والثاني أنه الميل قاله أبو مالك وعن ابن عباس كالقولين وقيل هو الميل عن الهدى وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال أحدها انهم الخوارج قاله الحسن والثاني المنافقون قاله ابن جريج والثالث وفد نجران من النصارى قاله الربيع والرابع اليهود طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى فيتبعون ما تشابه منه قال ابن عباس يحيلون المحكم على المتشابه ","part":1,"page":353},{"id":353,"text":" والمتشابه على المحكم ويلبسون وقال السدي يقولون مابال هذه الآية عمل بها كذا وكذا ثم نسخت وفي المراد بالفتنة ها هنا ثلاثة أقوال أحدها أنها الكفر قاله السدي والربيع و مقاتل و ابن قتيبة والثاني الشبهات قاله مجاهد والثالث إفساد ذات البين قاله الزجاج وفي التأويل وجهان أحدهما أنه التفسير والثاني العاقبة المنتظرة والراسخ الثابت يقال رسخ يرسخ رسوخا وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا فيه قولان أحدهما انهم لا يعلمونه و انهم مستأنفون وقد روى طاووس عن ابن عباس أنه قرأ ويقول الراسخون في العلم آمنا به و إلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود و أبي بن كعب و ابن عباس وعروة وقتادة وعمر بن عبد العزيز و الفراء وابو عبيدة وثعلب و ابن الأنباري والجمهور قال ابن الأنباي في قراءةعبد الله إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم وقي قراءة أبي و ابن عباس ويقول الراسخون وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء استأثر بعلمها كقوله تعالى قل إنما علمها عند الله الأعراف 187 وقوله تعالى وقرونا بين ذلك كثيرا الفرقان 38 فأنزل الله تعالى المجمل ليؤمن به المؤمن فيسعد ويكفر به الكافر فيشقى والثاني انهم يعلمون فهم داخلون في الاستثناء وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال أنا ممن يعلم تأويله وهذا قول مجاهد والربيع و اختاره ابن قتيبة وابو سليمان الدمشقي قال ابن الأنباري الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد \r\n ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه أن الله لا يخلف الميعاد \r\n قوله تعالى ربنا لا تزغ قلوبنا أي يقولون ربنا لا تمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ هديتنا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن يعمر والجحدري لا تزغ بفتح التاء قلوبنا برفع الباء ولدنك بمعنى عندك والوهاب الذي يجود بالعطاء من غير ","part":1,"page":354},{"id":354,"text":" استثابة والمخلوقون لا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم ولا ولدا لعقيم والله تعالى قادر على أن يهب جميع الأشياء \r\n إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار \r\n قوله تعالى لن تغني عنهم أموالهم أي لن تدفع لأن المال يدفع عن صاحبه في الدنيا وكذلك الأولاد فأما في الآخرة فلا ينفع الكافر ماله ولا ولده و قوله تعالى من الله أي من عذابه \r\n كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب \r\n قوله تعالى كدأب آل فرعون في الدأب قولان أحدهما أنه العادة فمعناه كعادة آل فرعون يريد كفر اليهود ككفر من قبلهم قاله ابن قتيبة وقال ابن الأنباري و الكاف في كدأب متعلقة بفعل مضمر كأنه قال كفرت اليهود ككفر آل فرعون والثاني أنه الاجتهاد فمعناه أن دأب هؤلاء وهو اجتاهدهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي صلى الله عليه و سلم كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام قاله الزجاج \r\n قل للذين كفروا ستفلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد \r\n قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ستغلبون وتحشرون بالتاء و يرونهم بالياء وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء وقرأهن حمزة \r\n والكسائي بالياء وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن يهود المدينة ","part":1,"page":355},{"id":355,"text":" لما رأوا وقعة بدر هموا بالإسلام وقالوا هذا هو النبي الذي نجده في كتابنا لا ترد له راية ثم قال بعضهم لبعض لا تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى فلما كانت أحد شكوا وقالوا ما هو به ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبي وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة فقالوا تكون كلمتنا واحدة فنزلت هذا الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في قريش قبل وقعة بدر فحقق الله وعده يوم بدر روي عن ابن عباس و الضحاك والثالث أن أبا سفيان في جماعة من قومه جمعوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم بعد وقعة بدر فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب \r\n قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله و اخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار \r\n قوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين التقتا في المخاطبين بهذا ثلاثة أقوال أحدها انهم المؤمنون روي عن ابن مسعود والحسن والثاني الكفار فيكون معطوفا على الذي قبله وهو يتخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا والثالث انهم اليهود ذكره الفراء و ابن الأنباري وابن جرير فان قيل لم قال قد كان لكم ولم يقل قد كانت لكم فالجواب من وجهين أحدهما أن ما ليس بمؤنث حقيقي يجوز تذكيره والثاني أنه رد المعنى إلى البيان فمعناه قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ وأنشدوا ... إن امرءا غره فنكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور ... \r\n وقد سبق معنى الآية والفئة وكل مشكل تركت شرحه فانك تجده فيما سبق والمراد بالفئتين النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه ومشركو قريش يوم بدر قاله قتادة ","part":1,"page":356},{"id":356,"text":" والجماعة وفي قوله تعالى يرونهم مثليهم قولان أحدهما يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله الفراء واحتج بأنك إذا قلت عندي ألف دينار و أحتاج إلى مثليه فانك تحتاج إلى ثلاثة آلاف والثاني أن معناه يرونهم ومثلهم قال الزجاج وهو الصحيح \r\n قوله تعالى رأي العين أي في رأي العين قال ابن جرير جاء هذا على مصدر رأيته يقال رأيته يقال رأيته رأيا ورؤية واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة أقوال هي التي ذكرناها في قوله تعالى قد كان لكم آية فان قلنا إن الفئة الرائية المسلمون فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين فرأوهم على ما هم عليه ثم نصرهم الله وكذلك إن قلنا إنهم اليهود وإن قلنا إنهم المشركون فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر وقد قرأ نافع ترونهم بالتاء قال ابن الأنباري ذهب إلى أن الخطاب لليهود قال الفراء ويجوز لمن قرأ يرونهم بالياء أن يجعل الفعل لليهود وإن كان قد خاطبهم في قوله تعالى قد كان لكم آية لأن العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب وقد شرحنا هذا في الفاتحة وغيرها فان قيل كيف يقال إن المشركين استكثروا والمسلمين وان المسلمين استكثروا المشركين وقد بين قوله تعالى وإذ بريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم الأنفال 44 أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى فالجواب انهم استكثروهم في حال واستقلوهم في حال فان ","part":1,"page":357},{"id":357,"text":" قلنا إن الفئة الرائية المسلمون فانهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ماهم عليه ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترأوا عليهم فنصرهم الله بذلك السبب قال ابن مسعود نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا وقال في رواية اخرى لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال أراهم مئة فأسرنا منهم رجلا فقلت كم كنتم قال ألفا وإن قلنا إن الفئة الرائية المشركون فانهم استقلوا المسلمين في حال فاجترؤوا عليهم واستكثروهم في حال فكان ذلك سبب خذلانهم وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ قالوا للمسلمين كم كنتم قالوا كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر قالوا ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا \r\n قوله تعالى والله يؤيد أي يقوي إن في ذلك في الإشارة قولان أحدهما أنها ترجع إلى النصر والثاني إلى رؤية الجيش مثليهم والعبرة الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدية إلى العلم وهي من العبور كأنه طريق يعبر به ويتوصل به إلى المراد وقيل العبرة الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم والأبصار العقول والبصائر \r\n زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب \r\n قوله تعالى زين للناس حب الشهوات قرأ أبو رزين العقيلي وابو رجاء العطاردي و مجاهد وابن محيصن زين بفتح الزاي حب بنصب الباء وقد سبق في البقرة بيان التزيين والقناطير جمع قنطار قال ابن دريد ليست النون فيه أصليه وأحسب أنه معرب واختلف العلماء هل هو محدود أم لا فيه قولان أحدهما أنه محدود ثم فيه ","part":1,"page":358},{"id":358,"text":" أحد عشر قولا أحدها أنه ألف ومئتا أوقيه رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه و سلم وبه قال معاذ بن جبل وابن عمر وعاصم بن أبي النجود والحسن في رواية والثاني أنه اثنا عشر ألف اوقية رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن أبي هريرة كالقولين وفي رواية عن أبي هريرة أيضا اثنا عشر أوقية والثالث أنه ألف ومئتا دينار ذكره الحسن ورواه العوفي عن ابن عباس والرابع أنه اثنا عشر الف درهم أو ألف دينار رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عن الحسن و الضحاك كهذا القول والذي قبله والخامس أنه سبعون الف دينار روي عن ابن عمر و مجاهد والسادس ثمانون ألف درهم أو مئة رطل من الذهب روي عن سعيد بن المسيب وقتادة والسابع أنه سبعة آلاف دينار قاله عطاء والثامن ثمانية آلاف مثقال قاله السدي والتاسع أنه ألف مثقال ذهب أو فضة قاله الكلبي والعاشر أنه ملء مسك ثور ذهبا قاله أبو نضرة وابو عبيدة والحادي عشر القنطار رطل من الذهب أو الفضة حكاه ابن الأنباري والقول الثاني أن القنطار ليس بمحدود وقال الربيع بن أنس القنطار المال الكثير بعضه على بعض وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحد وهذا اختيار ابن جرير الطبري قاله ابن الأنباري قال بعض اللغويين القنطار العقدة الوثيقة المحكمه من المال وفي معنى المقنطرة تسعة ثلاثة أقوال أحدها أنها المضعفة قال ابن عباس القناطير ثلاثة والمقنطرة وهذا قول الفراء والثاني أنها المكملة كما تقول مبدرة وألف مؤلفة وهذا قول ابن قتيبة والثالث أنها المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم قاله السدي وفي المسومة ثلاثة أقوال ","part":1,"page":359},{"id":359,"text":" أحدها أنها الراعية رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير و مجاهد في رواية و الضحاك والسدي والربيع و مقاتل قال ابن قتيبة يقال سامت الخيل وهي سائمة إذا رعت و أسمتها وهي مسامة وسومتها فهي مسومة إذا رعيتها والمسومة في غير هذا المعلمة في الحرب بالسومة وبالسيماء أي بالعلامة والثاني أنها المعلمة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة واختاره الزجاج وعن الحسن كالقولين وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال أحدها أنها معلمة بالشية وهو اللون الذي يخالف سائر لونها روي عن قتادة والثاني بالكي روي عن المؤرج والثالث أنها البلق قاله ابن كيسان والثالث أنها الحسان قاله ابن عكرمة و مجاهد فأما الأنعام فقال ابن الأنباري هي الإبل والبقر والغنم واحدها نعم وهو جمع لا واحد له من لفظه والمآب المرجع وهذه الأشياء المذكورة قد تحسن نية العبد بالتلبس بها فيثاب عليها و إنما يتوجه الذم إلى سوء القصد فيها وبها \r\n قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد \r\n قوله تعالى قل أؤنبكئم بخير من ذلك روى عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال لما نزل قوله تعالى زين للناس حب الشهوات قال عمر يارب الآن حين زينتها فنزلت قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ووجه الآية أنه خبر أن ما عنده خير مما في الدنيا و إن كان محبوبا ليتركوا ما يحبون لما يرجون فأما الرضوان فقرأ عاصم إلا حفصا و أبان بن يزيد عنه برفع الراء في جميع القرآن واستثنى يحيى والعليمي كسر الراء في المائدة في قوله تعالى من اتبع رضوانه المائدة 16 وقرأ الباقون بكسر الراء والكسر لغة قريش قال الزجاج يقال رضيت الشيء أرضاه رضى ومرضاة ورضوانا ورضوانا والله بصير بالعباد يعلم من يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا فهو يجازيهم على أعمالهم ","part":1,"page":360},{"id":360,"text":" الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار \r\n قوله تعالى الصابرين أي على طاعة الله عز و جل وعن محارمه والصادقين في عقائدهم وأقوالهم والقانتين بمعنى المطيعين لله والمنفقين في طاعته وقال ابن قتيبة يعني بالنفقة الصدقة وفي معنى استغفارهم قولان أحدهما أنه الاستغفار المعروف باللسان قاله ابن مسعود والحسن في آخرين والثاني أنه الصلاة قاله مجاهد وقتادة و الضحاك و مقاتل في آخرين فعلى هذا إنما سميت الصلاة استغفارا لأنهم طلبوا بها المغفرة فأما السحر فقال إبراهيم بن السري السحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر فوصفهم الله بهذه الطاعات ثم وصفهم بأنهم لشدة خوفهم يستغفرون \r\n شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو سبب نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشام قدما النبي صلى الله عليه و سلم فلما أبصرا المدنية قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على النبي صلى الله عليه و سلم عرفاه بالصفة فقالا أنت محمد قال نعم قالا وأحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فان أخبرتنا بها آمنا ","part":1,"page":361},{"id":361,"text":" بك وصدقناك فقال سلاني فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت هذه الآية فأسلما قاله ابن السائب وقال غيره هذه الآية رد على نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى عليه السلام وقد سبق ذكر خبرهم في أول السورة وقال سعيد بن جبير كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما وكان لكل حي من العرب صنم أو صنمان فلما نزلت هذا الآية خرت الأصنام سجدا وفي معنى شهد الله قولان أحدهما أنه بمعنى قضى وحكم قاله مجاهد و الفراء و أبو عبيدة والثاني بمعنى بين قاله ثعلب و الزجاج قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب و أموره المحكمات عند خلقه أنه لا إله إلا هو وسئل بعض الأعراب ما الدليل على وجود الصانع فقال إن البعرة تدل على البعير وآثار القدم تدل على المسير فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على الصانع الخبير وقرأ ابن مسعود و أبي بن كعب وابن السميفع وعاصم الجحدري شهداء الله بضم الشين وفتح الهاء والدال وبهمزة مرفوعة بعد المد وخفض الهاء من اسم الله تعالى قائما بالقسط أي بالعدل قال جعفر الصادق و إنما كرر لا إله إلا هو لأن الأولى وصف وتوحيد والثاني رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو \r\n إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فان الله سريع الحساب \r\n قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام الجمهور على كسر إن إلا الكسائي فانه فتح الألف وهي قراءة ابن مسعود و ابن عباس وأبي رزين و أبي العالية وقتادة قال أبو سليمان الدمشقي لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية نزلت هذه الآية قال الزجاج الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه و أن يكون ","part":1,"page":362},{"id":362,"text":" عادتهم وبه يجزيهم وقال شيخنا علي بن عبيد الله الدين ما التزمه العبد لله عز و جل قال ابن قتيبة و الإسلام الدخول في السلم أي في الانقياد والمتابعة ومثله الاستسلام يقال سلم فلان لأمرك واستسلم وأسلم كما تقول أشتي الرجل أي دخل في الشتاء وأربع دخل في الربيع وفي الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال أحدها انهم اليهود قاله الربيع والثاني انهم النصارى قاله محمد بن جعفر بن الزبير والثالث انهم اليهود والنصارى قاله ابن السائب وقيل الكتاب هاهنا اسم جنس بمعنى الكتب وفي الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال أحدها دينهم والثاني أمر عيسى والثالث دين الإسلام وقد عرفوا صحته والرابع نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وقد عرفوا صفته \r\n قوله تعالى إلا من بعد ما جاءهم العلم أي الإيضاح لما اختلفوا فيه بغيا بينهم قال الزجاج معناه اختلفوا للبغي لا لقصد البرهان وقد ذكرنا في البقرة معنى سريع الحساب \r\n فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فانما عليك البلاغ والله بصير بالعباد \r\n قوله تعالى فان حاجوك أي جادلوك وخاصموك قال مقاتل يعني اليهود وقال ابن جرير يعني نصارى نجران في أمر عيسى وقال غيرهما اليهود والنصارى فقل أسلمت وجهي لله قال الفراء معناه أخلصت عملي وقال الزجاج قصدت بعبادتي إلى الله \r\n قوله تعالى ومن اتبعن أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة والبصرة وابن شنبوذ عن قنبل ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء قال الزجاج والأحب إلى اتباع المصحف وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى ومن اتبعن و لئن أخرتن و ربي أكرمن و ربي أهانن فهو على ضربين أحدهما ما كان مع النون فان ","part":1,"page":363},{"id":363,"text":" كان رأس آية فأهل اللغة يجيزون حذف الياء ويسمون أواخر الآي الفواصل كما اجازوا ذلك في الشعر \r\n قال الأعشى ... ومن شانيء كاسف باله ... إذا ما انتسبت له أنكرن ... وهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين ... \r\n فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية فالأكثر إثبات الياء وحذفها جيد أيضا خاصة مع النونات لأن أصل اتبعني اتبعي ولكن النون زيدت لتسلم فتحة العين فالكسرة مع النون تنوب عن الياء فاما إذا لم تكن النون نحو غلامي وصاحبي فالأجود إثباتها وحذفها عند عدم النون جائز على قلته تقول هذا غلام قد جاء غلامي وغلامي بفتح الياء وإسكانها فجاز الحذف لأن الكسرة تدل عليها \r\n قوله تعالى وقل للذين أوتوا الكتاب يريد اليهود والنصارى والأميين بمعنى مشركي العرب وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم \r\n قوله تعالى ءأسلمتم قال الفراء هو استفهام ومناه الأمر كقوله تعالى فهل أنتم منتهون المائدة 91 ","part":1,"page":364},{"id":364,"text":" فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية فذهبت طائفة إلى أنها محكمة و أن المراد بها تسكين نفس النبي صلى الله عليه و سلم عند امتناع من لم يجبه لأنه كان يحرص على إيمانهم ويتألم من تركهم الإجابة وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الاقتصار على التبليغ وهذا منسوخ بآيه السيف \r\n إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين \r\n قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله قال أبو سليمان الدمشقي عنى بذلك اليهود والنصارى قال ابن عباس والمراد بآيات الله محمد والقران وقد تقدم في البقرة شرح قتلهم الأنبياء والقسط والعدل وقرأ الجمهور ويقتلون الذين يأمرون بالقسط وقرأ حمزة ويقاتلون بألف وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني اسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا ","part":1,"page":365},{"id":365,"text":" في آخر النهار فهم الذين ذركهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم و إنما وبخ بهذا اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه و سلم لأنهم تولوا أولئك ورضوا بفعلهم فبشرهم بمعنى أخبرهم وقدتقدم شرحه في البقرة ومعنى حبطت بطلت \r\n ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال رجلان منهم على أي دين أنت فقال على ملة إبراهيم قالا فانه كان يهوديا قال فهلموا إلى التوراة فأبيا عليه فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أن رجلا من اليهود وامرأة زنيا فكرهوا رجمهما لشرفهما فرفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه و سلم رجاء أن يكون عنده رخصة فحكم عليها بالرجم فقالوا جرت علينا يا محمد ليس علينا الرجم فقال بيني وبينكم التوراة فجاء ابن صوريا فقرأ من التوراة فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها فقال ابن سلام قد جاوزها ثم قام فقرأها فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم باليهوديين فرجما فغضب اليهود فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا اليهود إلى الإسلام فقال نعمان بن أبي ","part":1,"page":366},{"id":366,"text":" أوفى هلم نحاكمك إلى الأحبار فقال بل إلى كتاب الله فقال بل إلى الأحبار فنزلت هذه الآية قاله السدي والرابع أنها نزلت في جماعة من اليهود دعاهم النبي صلى الله عليه و سلم إلى الإسلام فقالوا نحن أحق بالهدى منك وما أرسل الله نبيا إلا من بني اسرائيل قال فأخرجوا التوارة فإني مكتوب فيها أني نبي فأبوا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل بن سليمان \r\n فأما التفسير فالنصيب الذي أوتوه العلم الذي علموه من التوراة وفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان أحدهما أنه التوراة رواه عكرمة عن ابن عباس وهو قول الأكثرين والثاني أنه القرآن رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول الحسن وقتادة وفي الذي أريد أن يحكم الكتاب بينهم فيه أربعة أقوال أحدها ملة إبراهيم والثاني حد الزنى رويا عن ابن عباس والثالث صحة دين الإسلام قاله السدي والرابع صحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل فان قيل التولي هو الإعراض فما فائدة تكريره فالجواب من أربعة أوجه أحدها التأكيد والثاني أن يكون المعنى يتولون عن الداعي ويعرضون عما دعا إليه والثالث يتولون بأبدانهم ويعرضون عن الحق بقلوبهم والرابع أن يكون الذين تولوا علماءهم والذين أعرضوا أتباعهم قاله ابن الأنباري ","part":1,"page":367},{"id":367,"text":" ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا يعني الذي حملهم على التولي والإعراض انهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وقد ذكرناها في البقرة و يفترون يختلقون وفي الذي اختلقوه قولان أحدهما أنه قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات قاله مجاهد و الزجاج والثاني قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه قاله قتادة و مقاتل \r\n فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى فكيف إذا جمعناهم معناه فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم أي لجزاء يوم أو لحساب يوم وقيل اللام بمعنى في \r\n قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى قل اللهم مالك الملك في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فتح مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود هيهات فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وأنس بن مالك والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فنزلت هذه الآية حكاه قتادة والثالث أن اليهود قالوا والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني اسرائيل إلى غيرهم فنزلت هذه الآية قاله أبو سليمان الدمشقي فأما التفسير فقال الزجاج قال الخليل وسيبويه وجميع النحويين الموثوق بعلمهم اللهم بمعنى يا الله والميم المشددة زيدت عوضا من ياء لأنهم لم يجدوا ","part":1,"page":368},{"id":368,"text":" يا مع هذه الميم في كلمة ووجدوا اسم الله عز و جل مستعملا ب يا إذا لم تذكر الميم فعلموا أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها والضمة التي في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد قال ابو سليمان الخطابي ومعنى مالك الملك أنه بيده يؤتيه من يشاء قال وقد يكون معناه مالك الملوك ويحتمل أن يكون معناه وارث الملك يوم لا يدعيه مدع كقوله تعالى الملك يومئذ الحق للرحمن الفرقان26 \r\n قوله تعالى تؤتي الملك من تشاء في هذا الملك قولان أحدهما أنه النبوة قاله ابن جبير و مجاهد والثاني أنه المال والعبيد والحفدة ذكره الزجاج وقال مقاتل تؤتي الملك من تشاء يعني محمدا وأمته وتنزع الملك ممن تشاء يعني فارس والروم وتعز من تشاء محمدا وأمته وتذل من تشاء فارس والروم وبماذا يكون هذا العز والذل فيه ثلاثة أقوال أحدها العز بالنصر والذل بالقهر والثاني العز بالغنى والذل بالفقر والثالث العز بالطاعة والذل بالمعصية \r\n قوله تعالى بيدك الخير قال ابن عباس يعني النصر والغنيمة وقيل معناه بيدك الخير والشر فاكتفى بأحدهما لأنه المرغوب فيه \r\n تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب \r\n قوله تعالى تولج الليل في النهار أي تدخل ما نقصت من هذا في هذا وقال ابن عباس و مجاهد ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر قال الزجاج يقال ولج الشيء يلج ولوجا وولجا وولجة \r\n قوله تعالى وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبوبكر عن عاصم وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي و لبلد ميت الأعراف 57 و أو من كان ميتا الأنعام 122 و وإن يكن ميتة ","part":1,"page":369},{"id":369,"text":" الأنعام 139 و الأرض الميتة يس 33 كله بالتخفيف وقرأ نافع وحمزة والكسائي وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي و لبلد ميت و إلى بلد ميت وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف وقرأ نافع أومن كان ميتا و الأرض المية و لحم أخيه ميتا الحجرات 12 وخفف في سائر القرآن ما لم يمت وقال أبو علي الأصل التثقيل والمخفف محذوف منه وما مات ومالم يمت في هذا الباب مستويان في الاستعمال وأنشدوا ... ومنهل فيه الغراب ميت ... سقيت منه القوم واستقيت ... \r\n فهذا قد مات وقال آخر ... ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء ... \r\n فخفف ما مات وشدد مالم يمت وكذلك قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون الزمر 30 ثم في معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها أنه إخراج الإنسان حيا من النطفة وهي ميتة وإخراج النطفة من الإنسان وكذلك إخراج الفرخ من البيضة وإخراج البيضة من الطائر هذا قول ابن مسعود و ابن عباس و مجاهد وابن جبير والجمهور والثاني أنه إخراج المؤمن الحي بالإيمان من الكافر الميت بالكفر وإخراج الكافر الميت بالكفر من المؤمن الحي بالإيمان روى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء والثالث أنه إخراج السنبلة الحية من الحبة الميتة والتخلة الحية من النواة الميتة والنواة الميتة من النخلة الحية قاله السدي وقال الزجاج يخرج النبات الغض من الحب اليابس والحب اليابس من النبات الحي الناس ","part":1,"page":370},{"id":370,"text":" قوله تعالى بغير حساب أي بغير تقتير قال الزجاج يقال للذي ينفق موسعا فلان ينفق بغير حساب كأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقا \r\n لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه و إلى الله المصير \r\n قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب يا رسول الله إن معي خمسمائة من الهود وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في عبد الله بن أبي و أصحابه من المنافقين كانوا يتولون اليهود ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبي صلى الله عليه و سلم فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أن قوما من اليهود كانوا يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك وقالوا اجتنبوا هؤلاء اليهود فأبوا فنزلت هذا الآية روي عن ابن عباس أيضا والرابع أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله عز و جل عن ذلك هذا قول المقاتلين ابن سليمان و ابن حيان فأما التفسير فقال الزجاج معنى قوله تعالى من دون المؤمنين أي لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن أي لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين وهذا كلام جرى على المثل في المكان كما تقول زيد دونك ولست تريد المكان ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان والخسة كالاستفال في المكان ومعنى فليس من الله في شيء أي فالله بريء منه \r\n قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة قرأ يعقوب والمفضل عن عاصم تقية بفتح ","part":1,"page":371},{"id":371,"text":" التاء من غير ألف قال مجاهد إلا مصانعة في الدنيا قال أبوالعالية التقاة باللسان لا بالعمل \r\n فصل \r\n والتقية رخصة وليست بعزيمة قال الإمام أحمد وقد قيل إن عرضت على السيف تجيب قال لا وقال اذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق وسنشرح هذا المعنى في النحل عند قوله تعالى إلا من اكره النحل 106 إن شاء الله \r\n قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه قال ابن عباس يعني أتخاذ الكافرين أولياء \r\n يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد \r\n قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا قال الزجاج نصب اليوم بقوله ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم قال ابن الأنباري يجوز أن يكون متعلقا بالمصير والتقدير والى الله المصير يوم تجد ويجوز أن يكون متعلقا بفعل مضمر والتقدير اذكر يوم نجد وفي كيفية وجود العمل وجهان أحدهما وجوده مكتوبا في الكتاب والثاني وجود الجزاء عليه والأمد الغاية ","part":1,"page":372},{"id":372,"text":" قال الطرماح ... كل حي مستكمل عدة العم ... ومود إذا انقضى أمده ... \r\n يريد غاية أجله \r\n قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم وقف على قريش وقد نصبوا أصنامهم يسجدون لها فقال يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم فقالوا يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أن اليهود قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه فنزلت هذه الآية فعرضها النبي صلى الله عليه و سلم عليهم فلم يقبلوها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أن ناسا قالوا إنا لنحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل هذه الآية قاله الحسن وابن جريج والرابع أن نصارى نجران قالوا إنما تقول هذا في عيسى حبا لله وتعظيما له فنزلت هذه الآية ذكره ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير واختاره أبو سليمان الدمشقي \r\n قل أضيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين \r\n قوله تعالى قل أطيعوا الله والرسول في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن ","part":1,"page":373},{"id":373,"text":" عبد الله بن أبي قال لأصحابه إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم فنزلت هذا الآية هذا قول ابن عباس والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا اليهود إلى الإسلام فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه فنزلت قل إن كنتم تحبون الله ونزلت هذه الآية هذا قول مقاتل والثالث أنها نزلت في نصارى نجران قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم و آل عمران على العالمين \r\n قوله تعالى إن الله اصطفى آدم قال ابن عباس قالت اليهود نحن أبناء إبراهيم واسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فنزلت هذه الآية قال الزجاج ومعنى اصطفاهم في اللغة اختارهم فجعلهم صفوة خلقة وهذا تمثيل بما يرى لأن العرب تمثل المعلوم بالشيء المرئي فاذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهد عيانا فنحن نعاين الشيء الصافي أنه النقي من الكدر فكذلك صفوة الله من خلقه وفيه ثلاث لغات صفوة وصفوة وصفوة و صفوة تاما وأما آدم فعربي وقد ذكرنا اشتقاقه في البقرة و أما نوح فأعجمي معرب قال أبو سليمان الدمشقي اسم نوح السكن و إنما سمي نوحا لكثرة نوحه وفي سبب نوحه خمسة أقوال احدها أنه كان ينوح على نفسه قاله يزيد الرقاشي والثاني أنه كان ينوح لمعاصي اهله وقومه والثالث لمراجعته ربه في ولده والرابع لدعائه على قومه بالهلاك والخامس أنه مر بكلب مجذوم فقال اخسأ يا قبيح فأوحى الله إليه أعبتني يا نوح أم عبت الكلب وفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال أحدها أنه من كان على دينه قاله ابن عباس والحسن والثاني انهم اسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط قاله مقاتل والثالث أن المراد آل إبراهيم هو نفسه كقوله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون البقرة 248 ذكره بعض أهل التفسير وفي عمران ","part":1,"page":374},{"id":374,"text":" قولان أحدهما أنه والد مريم قاله الحسن ووهب والثاني أنه والد موسى وهارون قاله مقاتل وفي آله ثلاثة أقوال أحدها أنه عيسى عليه السلام قاله الحسن والثاني أن آله موسى وهارون قاله مقاتل والثالث أنه المراد ب آله نفسه ذكره بعض المفسرين و إنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء كلهم من نسلهم وفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال أحدها أن المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان قاله ابن عباس واختاره الفراء والدمشقي والثاني اصطفاهم بالنبوة قاله الحسن و مجاهد و مقاتل والثالث اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم والمراد ب العالمين عالمو زمانهم كما ذكرنا في البقرة \r\n ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم \r\n قوله تعالى ذرية بعضها من بعض قال الزجاج نصبها على البدل والمعنى اصطفى ذرية بعضها من بعض قال ابن الأنباري و إنما قال بعضها لأن لفظ الذرية مؤنث ولو قال بعضهم ذهب إلى معنى الذرية وفي معنى هذه البعضية قولان أحدهما أن بعضهم من بعض في التناصر والدين لا في التناسل وهو معنى قول ابن عباس وقتادة والثاني أنه في التسلسل لأن جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم ذكره بعض أهل التفسير قال أبو بكر النقاش ومعنى قوله ذرية بعضها من بعض أن الأبناء ذرية للآباء والآباء ذرية للأبناء كقوله تعالى حملنا ذريتهم في الفلك المشحون يس 41 فجعل الآباء ذرية للأبناء وإنما جاز ذلك لأن الذرية مأخوذة من ذرأ الله الخلق فسمي الولد للوالد ذرية لأنه ذرىء منه وكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن لأن ابنه ذرئ منه فالفعل يتصل به من الوجهين ومثله يحبونهم كحب الله البقرة 165 فأضاف الحب إلى الله والمعنى كحب المؤمن لله ومثله ويطعمون الطعام على حبه الدهر 8 فأضاف الحب للطعام ","part":1,"page":375},{"id":375,"text":" إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم \r\n قوله تعالى إذ قالت امرأة عمران في إذ قولان أحدهما أنها زائدة واختاره أبو عبيدة و ابن قتيبة والثاني أنها أصل في الكلام وفيها ثلاثة أقوال أحدها أن المعنى اذكر إذ قالت امرأة عمران قاله المبرد والاخفش والثاني أن العامل في إذ قالت معنى الاصطفاء فيكون المعنى اصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران واصطفاهم إذ قالت الملائكة يا مريم هذا اختيار الزجاج والثالث أنها من صلة سميع تقديره والله سميع إذ قالت وهذا اختيار ابن جرير الطبري قال ابن عباس واسم امرأة عمران حنة وهي أم مريم وهذا عمران بن ماتان وليس عمران أبي موسى وليست هذه مريم اخت موسى وبين عيسى وموسى ألف وثمانمائة سنة والمحرر العتيق قال ابن قتيبة يقال أعتقت الغلام وحررته سواء وأرادت أي نذرت أن أجعل ما في بطني محررا من التعبيد الدنيا ليعبدك وقال الزجاج كان على اولادهم فرضا أن يطيعوهم في نذرهم فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادما في متعبدهم وقال ابن اسحاق كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت فرأت طائرا يطعم فرخا له فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن اتصدق به على بيت المقدس فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل قال القاضي أبو يعلى والنذر في مثل ما نذرت صحيح في شريعتنا فانه إذا نذر الإنسان أن ينشيء ولده الصغير على عبادة الله وطاعته و أن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح النذر \r\n فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى و إني سميتها مريم و إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ","part":1,"page":376},{"id":376,"text":" قوله تعالى والله أعلم بما وضعت قرأ ابن عامر وعاصم إلا حفصا ويعقوب بما وضعت باسكان العين وضم التاء وقرأ الباقون بفتح العين وجزم التاء قال ابن قتيبة من قرأ بجزم التاء وفتح العين فيكون في الكلام تقدير و تأخير تقديره إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى والله أعلم بما وضعت ومن قرأ بضم التاء فهو كلام متصل من كلام أم مريم \r\n قوله تعالى وليس الذكر كالأنثى من تمام اعتذارها ومعناه لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس قال السدي ظنت أن ما في بطنها غلام فلما وضعت جارية اعتذرت ومريم اسم أعجمي وفي الرجيم قولان أحدهما الملعون قاله قتادة والثاني أنه المرجوم بالحجارة كما تقول قتيل بمعنى مقتول قاله أبو عبيدة فعلى هذا سمي رجيما لأنه يرمى بالنجوم \r\n فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب \r\n قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن قرأ مجاهد فتقبلها بسكون اللام ربها بنصب الباء وأنبتها بكسر الباء وسكون التاء على معنى الدعاء قال الزجاج الأصل في العربيه فتقبلها بتقبل حسن ولكن قبول محمول على قبلها قبولا يقال قبلت الشيء قبولا ويجوز قبولا إذا رضيته وأنبتها نباتا حسنا أي جعل نشوءها نشوءا حسنا وجاء نباتا على غير لفظ أنبت على معنى نبتت نباتا حسنا وقال ابن الأنباري لما كان أنبت يدل على نبت حمل الفعل على المعنى فكأنه قال وأنبتها فنبتت هي نباتا حسنا ","part":1,"page":377},{"id":377,"text":" قال امرؤ القيس ... فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي اذلال ... \r\n أراد أي رياضه فلما دل رضت على اذللت حمله على المعنى وللمفسرين في معنى النبات الحسن قولان أحدهما أنه كمال النشوء قال ابن عباس كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام والثاني أنه ترك الخطايا قال قتاده حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب كما يصيب بنو آدم \r\n قوله تعالى وكفلها قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وكفلها بفتح الفاء خفيفه وزكرياء مرفوع ممدود وروى أبو بكر عن عاصم تشديد الفاء ونصب زكرياء وكان يمد زكرياء في كل القرآن في رواية أبي بكر وروى حفص عن عاصم تشديد الفاء وزكريا مقصور في كل القرآن وكان حمزه والكسائي يشددان وكفلها ويقصران زكريا في كل القرآن فأما زكريا فقال الفراء فيه ثلاث لغات أهل الحجاز يقولون هذا زكريا قد جاء مقصور وزكرياء ممدود واهل نجد يقولون زكري فيجرونه ويلقون الألف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال زكريا اسم أعجمي يقال زكري وزكرياء ممدود وزكريا مقصور وقال غيره وزكري بتخفيف الياء فمن قال زكرياء بالمد قال في التثنيه زكرياوان وفي الجمع زكرياوون ومن قال زكريا بالقصر قال في التثنيه زكريان كما ","part":1,"page":378},{"id":378,"text":" تقول مدنيان ومن قال زكري بتخفيف الياء قال في التثنيه زكريان الياء خفيفه وفي الجمع زكرون بطرح الياء \r\n الاشارة إلى كفالة زكريا مريم \r\n قال السدي انطلقت بها أمها في خرقها وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ انا أحقكم بها عندي أختها فأبوا وخرجوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها فجرت الأقلام وثبت قلم زكريا فكفلها قال ابن عباس كانوا سبعة وعشرين رجلا فقالوا نطرح أقلامنا فمن صعد قلمه مغالبا للجرية فهو أحق بها فصعد قلم زكريا فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه وعلى قول السدي بوقوفه في جريان الماء وقال مقاتل كان يغلق عليها الباب ومعه المفتاح لا يأمن عليه أحدا وكانت اذا حاضت أخرجها إلى منزلة تكون مع أختها أم يحيى فاذا طهرت ردها إلى بيت المقدس والأكثرون على أنه كفلها منذ كانت طفلة بالقرعة وقد ذهب قوم الى أنه كفلها عند طفولتها بغير قرعة لأجل أن أمها ماتت وكانت خالتها عنده فلما بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها و إنما كان الاقتراع بعد ذلك بمدة لأجل سنة أصابتهم فقال محمد بن إسحاق كفلها زكريا إلى أن أصابت الناس سنة فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ضيق يده فقالوا ونحن أيضا كذلك فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا فخرج السهم على جريج النجار وكان فقيرا وكان يأتيها باليسير فينمي فدخل زكريا فقال ما هذا على قدر نفقة جريج فمن اين هذا قالت هو من عند الله والصحيح ما عليه الأكثرون و أن القوم تشاحوا على كفالتها لأنها كانت بنت سيدهم وإمامهم عمران كذلك قال قتادة في آخرين و أن زكريا ظهر عليهم بالقرعة منذ طفولتها فأما المحراب فقال أبو عبيدة ","part":1,"page":379},{"id":379,"text":" المحراب سيد المجالس ومقدمها وأشرفها وكذلك هو من المسجد وقال الأصمعي المحراب هاهنا الغرفة وقال الزجاج المحراب في اللغة الموضع العالي الشريف \r\n قال الشاعر ... ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما ... \r\n قوله تعالى وجد عندها رزقا قال ابن عباس ثمار الجنة فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف وهذا قول الجماعة \r\n قوله تعالى أنى لك هذا أي من اين قال الربيع بن أنس كان زكريا إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فاذا دخل وجد عندها رزقا وقال الحسن لم ترتضع ثديا قط وكان يأتيها رزقها من الجنة فيقول زكريا أنى لك هذا فتقول هو من عند الله فتكلمت وهي صفيرة وزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ظئرا وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون قوله لها أنى لك هذا لاستكثار ما يرى عندها وماعليه الجمهور أصح والحساب في اللغة التقتير والتضييق \r\n هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء \r\n قوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه قال المفسرون لما عاين زكريا هذه الآية العجيبة من رزق الله تعالى مريم الفاكهة في غير حينها طمع في الولد على الكبر و من لدنك بمعنى من عندك والذرية تقال للجمع وتقال للواحد والمراد بها هاهنا الواحد قال الفراء و إنما قال طيبة لتأنيث الذرية والمراد بالطيبة النقية الصالحة والسميع بمعنى السامع وقيل أراد مجيب الدعاء ","part":1,"page":380},{"id":380,"text":" فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين \r\n قوله تعالى فنادته الملائكة قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر فنادته بالتاء وقرأ حمزة والكسائي فناداه بألف ممالة قال ابو علي هو كقوله تعالى وقال نسوة يوسف 20 وقرأ علي وابن مسعود و ابن عباس فناداه بألف وفي الملائكة قولان أحدهما جبريل وحده قال السدي و مقاتل ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع تقول ركبت في السفن وسمعت هذا من الناس والثاني انهم جماعة من الملائكة وهو مذهب قوم منهم ابن جرير الطبري وفي المحراب قولان أحدهما أنه المسجد والثني أنه قبلة المسجد وفي تسمية محراب الصلاة محرابا ثلاثة أقوال أحدها لانفراد الإمام فيه وبعده من الناس ومنه قولهم فلان حرب لفلان إذا كان بينهما مباغضة وتباعد ذكره ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد والثاني أن المحراب في اللغة أشرف الأماكن و أشرف المسجد مقام الإمام والثالث أنه من الحرب فالمصلي محارب للشيطان \r\n قوله تعالى أن الله يبشرك بغلام قرأ الاكثرون بفتح الألف على معنى فنادته الملائكة بأن الله فلما حذف الجار منها وصل الفعل إليها فنصبها وقرأ ابن عامر وحمزة بكسر إن فأضمر القول والتقدير فنادته فقالت إن الله يبشرك وقرأ ابن كثير و أبو عمرو يبشرك بضم الياء وفتح الباء والتشديد في جميع القرآن إلا في حم عسق يبشر الله عباده الشورى 23 فأنهما فتحا الياء وضما الشين وخففاها فأما نافع وابن عامر وعاصم فشدد كل القرآن وقرأ حمزة يبشر خفيفا في كل القرآن إلا قوله تعالى فبم تبشرون الحج 54 وقرأ الكسائي يبشر مخففة في ","part":1,"page":381},{"id":381,"text":" خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكريا وقصة مريم وفي بني اسرائيل وفي الكهف وفي حم عسق قال الزجاج وفي يبشرك ثلاث لغات أحدها يبشرك بفتح الباء وتشديد الشين والثانية يبشرك باسكان الباء وضم الشين والثالثة يبشرك بضم الياء و إسكان الباء فمعنى يبشرك بالتشديد و يبشرك بضم الياء البشارة ومعنى يبشرك بفتح الياء يسرك ويفرحك يقال بشرت الرجل أبشره إذا أفرحته وبشر الرجل يبشر إلا فرح \r\n وأنشد الأخفش والكسائي ... و إذا لقيت الباهشين إلى العلى ... غبرا أكفهم بقاع ممحل ... فأعنهم وابشر بما بشروا به ... و إذا هم نزلوا بضنك فانزل ... \r\n فهذا على بشر يبشر إذا فرح وأصل هذا كله أن بشة الإنسان تنبسط عند السرور ومنه قولهم يلقاني ببشر أي بوجه منبسط وفي معنى تسميته يحيى خمسة أقوال أحدها لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه قاله ابن عباس والثاني لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان قاله قتادة والثالث لأنه أحياه بين شيخ وعجوز قاله مقاتل والرابع لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها قاله الزجاج والخامس لأن الله أحياه بالطاعة ","part":1,"page":382},{"id":382,"text":" فلم يعص ولم يهم قاله الحسن بن الفضل وفي الكلمة قولان أحدهما أنها عيسى وسمي كلمة لأنه بالكلمة كان وهي كن وهذا قول ابن عباس والحسن و مجاهد وقتادة والسدي و مقاتل وقيل إن يحيى كان أكبر من عيسى بستة أشهر وقتل يحيى قبل رفع عيسى والثاني أن الكلمة كتاب الله وآياته وهو قول أبي عبيدة في آخرين ووجهه أن العرب تقول أنشدني فلان كلمة أي قصيدة وفي معنى السيد ثمانية أقوال أحدها أنه الكريم على ربه قاله ابن عباس و مجاهد والثاني أنه الحليم التقي روي عن ابن عباس أيضا وبه قال الضحاك والثالث أنه الحكيم قاله الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء وابو الشعثاء والربيع و مقاتل والرابع أنه الفقيه العالم قاله سعيد بن المسيب والخامس أنه التقي رواه سالم عن ابن جبير والسادس أنه الحسن الخلق رواه أبو روق عن الضحاك والسابع أنه الشريف قاله ابن زيد والثامن أنه الذي يفوق قومه في الخير قاله الزجاج وقال ابن الأنباري السيد ها هنا الرئيس والإمام في الخير فأما الحصور فقال ابن قتيبة هو الذي لا يأتي النساء وهو فعول بمعنى مفعول كانه محصور عنهن أي محبوس عنهن وأصل الحصر الحبس ومما جاء على فعول بمعنى مفعول ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب وهيوب بمعنى مهيب واختلف المفسرين لماذا كان لا يأتي النساء على أربعة أقوال أحدها أنه لم يكن له ما يأتي به النساء فروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا قاله ثم دلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يده إلى الأرض فأخذ عودا صغيرا ثم قال وذلك أنه لم يكن له ماللرجال إلا مثل هذا العود ولذلك سماه الله سيدا وحصورا وقال سعيد بن المسيب كان له كالنواة ","part":1,"page":383},{"id":383,"text":" والثاني أنه كان لا ينزل الماء قاله ابن عباس و الضحاك والثالث أنه كان لا يشتهي النساء قاله الحسن وقتادة والسدي والرابع أنه كان يمنع نفسه من شهواتها ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ونبيا من الصالحين قال ابن الأنباري معناه من الصالحي الحال عند الله \r\n قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء \r\n قوله تعالى قال رب أنى يكون لي غلام أي كيف يكون \r\n قال الكميت ... أنى ومن أين آبك الطرب ... \r\n قال العلماء منهم الحسن و ابن الأنباري وابن كيسان كأنه قال من أي وجه يكون لي الولد أيكون بازالة العقر عن زوجتي ورد شبابي أم يأتي ونحن على حالنا فكان ذلك على سبيل الاستعلام لا على وجه الشك قال الزجاج يقال غلام بين الغلومية وبين الغلامية وبين الغلومة قال شيخنا أبو منصور اللغوي الغلام فعال من الغلمة وهي شدة شهوة النكاح ويقال للكهل غلام \r\n قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج ","part":1,"page":384},{"id":384,"text":" غلام إذا هز القناة سقاها ... \r\n وكأن قولهم للكهل غلام أي قد كان مرة غلاما وقولهم للطفل غلام على معنى التفاؤل أي سيصير غلاما قال وقيل الغلام الطار الشارب ويقال للجارية غلامة قال الشاعر ... يهان لها الغلامة والغلام ... \r\n قوله تعالى وقد بلغني الكبر أي وقد بلغت الكبر قال الزجاج كل شيء بلغته فقد بلغك وفي سنة يؤمئذ ستة أقوال أحدها أنه كن ابن مائة وعشرين سنة وامرأته بنت ثمان وتسعين سنة قاله ابن عباس والثاني أنه كان ابن بضع وسبعين سنة قاله قتادة والثالث ابن خمس وسبعين قاله مقاتل والرابع ابن سبعين حكاه فضيل ابن غزوان والخامس ابن خمس وستين والسادس ابن ستين حكاهما الزجاج قال اللغويون والعاقر من الرجال والنساء الذي لا يأتيه الولد و إنما قال عاقر ولم يقل عاقرة لأن الأصل في هذا الوصف للمؤنث والمذكر فيه كالمستعار فأجري مجرى طالق حائض هذا قول الفراء \r\n قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار ","part":1,"page":385},{"id":385,"text":" قوله تعالى رب اجعل لي آية أي علامة على وجود الحمل وفي علة سؤاله آية قولان أحدهما أن الشيطان جاءه فقال هذا الذي سمعت من صوت الشيطان ولو كان من وحي الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك غيره فسأل الآية قاله السدي عن أشياخه والثاني أنه إنما سأل الآية على وجود الحمل ليبادر بالشكر وليتعجل السرور لأن شأن الحمل لا يتحقق بأوله فجعل الله آية وجود الحمل حبس لسانه ثلاثة أيام فأما الرمز فقال الفراء الرمز بالشفتين والحاجبين والعينين وأكثره في الشفتين قال ابن عباس جعل يكلم الناس بيده و إنما منع من مخاطبة الناس ولم يحبس عن الذكر لله تعالى وقال ابن زيد كان يذكر الله ويشير إلى الناس وقال عطاء بن السائب اعتقل لسانه من غير مرض وجمهور العلماء على أنه إنما اعتقل لسانه آية على وجود الحمل وقال قتادة والربيع بن أنس كان ذلك عقوبة له إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة بالبشارة \r\n قوله تعالى وسبح قال مقاتل صل قال الزجاج يقال فرغت من سبحتي أي من صلاتي وسميت الصلاة تسبيحا لأن التسبيح تعظيم الله وتبرئته من السوء فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء \r\n قوله تعالى بالعشي العشي من حين نزول الشمس إلى آخر النهار والإبكار ما بين طلوع الفجر إلى وقت الضحى قال الشاعر ... فلا الظل في برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي يذوق ... \r\n قال الزجاج يقال أبكر الرجل يبكر إبكارا وبكر يبكر تبكيرا وبكر يبكر ","part":1,"page":386},{"id":386,"text":" في كل شيء تقدم فيه \r\n وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين \r\n قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك قال جماعة من المفسرين المراد بالملائكة جبريل وحده وقد سبق معنى الاصطفاء وفي المراد بالتطهير هاهنا أربعة أقوال احدها أنه التطهير من الحيض قاله ابن عباس وقال السدي كانت مريم لا تحيض وقال قوم من الحيض والنفاس والثاني من مس الرجال روي عن ابن عباس أيضا والثالث من الكفر قاله الحسن و مجاهد والرابع من الفاحشة والإثم قاله مقاتل وفي هذا الاصفاء الثاني أربعة أقوال أحدها أنه تأكيد للأول والثاني أن الأول للعبادة والثاني لولادة عيسى عليه السلام والثالث أن الاصطفاء الأول اختيار مبهم وعموم يدخل فيه صوالح من النساء فأعاد الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين والرابع أنه لما أطلق الاصطفاء الاول أبان بالثاني أنها مصطفاة على النساء دون الرجال قال ابن عباس والحسن وابن جريج اصطفاها على عالمي زمانها قال ابن الأنباري وهذا قول الاكثرين \r\n يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين \r\n قوله تعالى يا مريم اقنتي لربك قد سبق شرح القنوت في البقرة وفي المراد به ها هنا أربعة أقوال أحدها أنه العبادة قاله الحسن والثاني طول القيام في الصلاة قاله ","part":1,"page":387},{"id":387,"text":" مجاهد والثالث الطاعة قاله قتادة والسدي وابن زيد والرابع الإخلاص قاله سعيد بن جبير وفي تقديم السجود على الركوع أربعة أقوال أحدها أن الواو لا تقتضي الترتيب و إنما تؤذن بالجمع فالركوع مقدم قاله الزجاج في آخرين والثاني أن المعنى استعملي السجود في حال والركوع في حال لا أنها يجتمعان في ركعة فكأنه حث لها على فعل الخير والثالث أنه مقدم ومؤخر والمعنى اركعي واسجدي كقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي آل عمران 55 ذكرهما ابن الأنباري والرابع أنه كذلك كان في شريعتهم تقديم السجود على الركوع ذكره أبو سليمان الدمشقي قال مقاتل ومعناه اركعي مع المصلين قراء بيت المقدس قال مجاهد سجدت حتى قرحت \r\n ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين \r\n قوله تعالى ذلك من أنباء الغيب ذلك إشارة على ما تقدم من قصة زكرياء ويحيى وعيسى ومريم و الأنباء الأخبار والغيب ما غاب عنك والوحي كل شيء دللت به من كلام أو كتاب أو إشارة أو رسالة قاله ابن قتيبة والوحي في القرآن على أوجه تراها في كتابنا الموسوم ب الوجوه والنظائر مونقة وفي الأقلام ثلاثة أقوال أحدها أنها التي يكتب بها قاله ابن عباس وابن جبير والسدي والثاني أنها العصي قاله الربيع بن أنس والثالث أنها القداح وهو اختيار ابن قتيبة وكذلك قال الزجاج هي قداح جعلوا عليها علامات يعرفونها على جهة القرعة و إنما قيل للسهم ","part":1,"page":388},{"id":388,"text":" القلم لأنه يقلم أي يبرى وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء فقد قلمته ومنه القلم الذي يكتب به لأنه قلم مرة بعد مرة ومنه قلمت أظفاري قال ومعنى أيهم يكفل مريم لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم وهو الضمان للقيام بأمرها ومعنى لديهم عندهم وقد سبق شرح كفالتهم لها آنفا وفي المراد بالكلمة هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه قول الله له كن فكان قاله ابن عباس وقتادة والثاني أنها بشارة الملائكة مريم بعيسى حكاه أبو سليمان والثالث أن الكلمة اسم لعيسى وسمي كلمة لأنه كان عن الكلمة وقال القاضي أبو يعلى لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلمة من الله تعالى وفي تسميته بالمسيح ستة أقوال أحدها أنه لم يكن لقدمه أخمص والأخص ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أنه مسح بالبركة قاله الحسن وسعيد والرابع أن معنى المسيح الصديق قاله مجاهد وابراهيم النخعي وذكره اليزيدي قال أبو سليمان الدمشقي ومعنى هذا أن الله مسحه فطهره من الذنوب والخامس أنه كان يمسح الأرض أي يقطعها ذكره ثعلب وبيانه أنه كان كثير السياحة والسادس أنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن قاله أبو سليمان الدمشقي وحكاه ابن القاسم وقال ابو عبيد المسيح في كلام العرب على معنيين أحدهما المسيح الدجال والأصل فيه الممسوح لأنه ممسوح احد العينين والمسيح عيسى وأصله بالعبرانية مشيحا بالشين فلما عربته العرب أبدلت من شينه سينا كما قالوا موسى وأصله بالعبرانية موشى قاله ابن الأنباري و إنما بدأ بلقبه فقال المسيح عيسى بن مريم لأن المسيح أشهر من عيسى لأنه قل أن يقع على سمي يشتبه به وعيسى قد يقع على عدد كثير فقدمه لشهرته ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم فأما قوله عيسى بن مريم فانما نسبه إلى أمخ لينفي ما قال عنه الملحدون من النصارى إذ أضافوه إلى الله تعالى ","part":1,"page":389},{"id":389,"text":" قوله تعالى وجيها قال ابن زيد التوجيه في كلام العرب المحبب المقبول وقال ابن قتيبة الوجيه ذوالجاه وقال الزجاج هو ذو المنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة يقال قد وجه الرجل يوجه وجاهة ولفلان جاه عند الناس أي منزلة رفيعة \r\n قوله تعالى ومن المقربين قال قتادة عند الله يوم القيامة والمهد مضجع الصبي في رضاعه وهو مأخوذ من التمهيد وهو التوطئه وفي تكليمه للناس في تلك الحال قولان أحدهما لتبرئه أمه مما قذفت به والثاني لتحقيق معجزته الدالة على نبوته قال ابن عباس تكلم ساعة في مهده ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق وكهلا قال ابن ثلاثين سنة ارسله الله تعالى فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله وقال وهب بن منبه جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله قال ابن الأنباري كان عليه السلام قد زاد على الثلاثين ومن اربى علهيا فقد دخل في الكهولة والكهل عند العرب الذي قد جاوز الثلاثين و إنما سمي الكهل كهلا لاجتماع قوته وكمال شبابه وهو من قولهم قداكتهل النبات وقال ابن فارس الكهل الرجل حين وخطه الشيب فان قيل قد علم أن الكهل يتكلم فعنه ثلاثة اجوبة أحدها أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره أي أنه يبلغ الكهولة وقد روي عن ابن عباس أنه قال وكهلا قال ذلك بعد نزوله من السماء والثاني أنه أخبرهم أن الزمان يؤثر فيه و أن الايام تنقله من حال إلى حال ولو كان إلها لم يدخل عليه هذا التغير ذكره ابن جرير الطبري والثالث أن المراد بالكهل الحليم قاله مجاهد \r\n قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون \r\n قوله تعالى قالت رب أنى يكون لي ولد في علة قولها هذا قولان أحدهما أنها قالت هذا تعجبا واستفهاما لا شكا وإنكارا على ما أشرنا إليه في قصة زكريا وعلى هذا ","part":1,"page":390},{"id":390,"text":" الجمهور والثاني أن الذي خاطبها كان جبريل وكانت تظنه آدميا يريد بها سوءا ولهذا قالت أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا مريم 18 فلما بشرها لم تتيقن صحة قوله لأنها لم تعلم أنه ملك فلذلك قالت أنى يكون لي ولد قاله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ولم يمسسني أي ولم يقربني زوج والمس الجماع قاله ابن فارس وسمي البشر بشرا لظهورهم والبشرة ظاهر جلد الإنسان وأبشرت الارض أخرجت نباتها وبشرت الأديم إذا قشرت وجهه وتباشير الصبح اوائله قال يعني جبريل كذلك الله يخلق ما يشاء أي بسبب وبغير سبب وباقي الآية مفسر في البقرة \r\n ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل \r\n قوله تعالى ويعلمه الكتاب قرأ الأكثرون ونعلمه بالنون وقرأ نافع وعاصم بالياء فعطفاه على قوله يبشرك وفي الكتاب قولان أحدهما أنه كتب النبيين وعلمهم قاله ابن عباس والثاني الكتابة قاله ابن جريج و مقاتل قال ابن عباس والحكمة الفقه وقضاء النبيين \r\n ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطيين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن اله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى باذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى ورسولا قال الزجاج ينتصب على وجهين أحدهما ونجعله رسولا والاختيار عندي ويكلم الناس رسولا \r\n قوله تعالى أني أخلق قرأ الأكثرون أني بالفتح فجعلوها بدلا من آية فكأنه قال قد جئتكم بأني أخلق لكم وقرأ نافع بالكسر قال أبو علي يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مستأنفا والثاني أنه فسر الآية بقوله إني أخلق أي أصور وأقدر ","part":1,"page":391},{"id":391,"text":" قال ابن عباس أخذ طينا وصنع منه خفاشا ونفخ فيه فاذا هو يطير ويقال لم يصنع غير الخفاش ويقال إن بني إسرائيل نعتوه بذلك لأن الخفاش عجيب الخلق وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال لهم ماذا تريدون قالوا الخفاش فسألوه أشد الطير خلقا لأنه يطير بغير ريش وقال وهب كان الذي صنعه يطير ما دام الناس ينظرونه فاذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليميز فعل الخلق من فعل الخالق والأكثرون قرؤوا فيكون طيرا وقرأ نافع هاهنا وفي المائدة طائرا قال أبو علي حجة الجمهور قوله تعالى كهيئة الطير ولم يقل كهيئة الطائر ووجهة قراءة نافع أنه أراد يكون ما أنفخ فيه أو ما اخلقه طائرا وفي الأكمه أربعة أقوال أحدها أنه الذي يولد أعمى رواه الضحاك عن ابن عباس وسعيد عن قتادة وبه قال اليزيدي و ابن قتيبة و الزجاج والثاني أنه الأعمى ذكره ابن جريج عن ابن عباس ومعمر عن قتادة وبه قال الحسن والسدي وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه هو الذي يولد أعمى وهو الذي يعمى و إن كان بصيرا والثاث أنه الأعمش قاله عكرمة والرابع أنه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل قاله مجاهد و الضحاك والأبرص الذي به وضح وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام علم الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك إلا أنه ليس في الطب إبراء الأكمه والأبرص وكان ذلك دليلا على صدقه قال وهب ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا و إنما كان يداويهم بالدعاء وذكر المفسرون أنه أحيا أربعة أنفس من الموت وعن ابن عباس أن الاربعة كلهم بقي حتى ولد له إلا سام بن نوح \r\n قوله تعالى وأنبئكم بما تأكلون قال سعيد بن جبير كان عيسى إذا كان في المكتب يخبرهم بما يأكلون ويقول للغلام يا غلام إن أهلك قد هيئوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه وقال مجاهد بما أكلتم البارحة و بما خبأتم منه وعلى هذا المفسرون إلا أن ","part":1,"page":392},{"id":392,"text":" قتادة كان يقول وأنبئكم بما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم وما تدخرون منها وكان اخذ عليهم أن يأكلوا منها ولا يدخروا فلما خانوا مسخوا خنازير \r\n ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ومصدقا لما بين يدي قال الزجاج نصب مصدقا على الحال أي وجئتكم مصدقا و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قال قتادة كان قد حرم عليهم موسى الابل والثروب وأشياء من الطير فأحلها عيسى \r\n قوله تعالى و جئتكم بآية أي بآيات تعلمون بها صدقي و إنما وحد لأن الكل من جنس واحد من ربكم أي من عند ربكم \r\n فلما أحس عيسى منهم الكفر قال ن أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون \r\n قوله تعالى فلما أحس عيسى أي علم قال شيخنا أبو منصور اللغوي يقال أحسست بالشيء وحسست به وقول الناس في المعلومات محسوسات خطأ إنما الصواب المحسات فأما المحسوسات فهي المقتولات يقال حسه إذا قتله والأنصار الأعوان و إلى بمعنى مع في قول الجماعة قال الزجاج و إنما حسنت في موضع مع لأن إلى غاية و مع تضم الشئ بالشئ قال ابن الأنباري ويجوز أن ","part":1,"page":393},{"id":393,"text":" يكون المعنى من أنصاري إلى أن أبين أمر الله واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين فقا لم لما كفر به قومه وأرادوا قتله استنصر الحواريين وقال غيره لما كفروا به وأخرجوه من قريتهم استنصر الحواريين وقيل استنصرهم لإقامة الحق وإظهار الحجة والجمهور على تشديد ياء الحواريين وقرأ الجوني والجحدري و أبو حيوة الحواريون بتخفيف الياء وفي معنى الحواريين ستة أقوال أحدها انهم الخواص الأصفياء قال ابن عباس الحواريون أصفياء عيسى وقال الفراء كانوا خاصة عيسى وقال الزجاج الحواريون في اللغة الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب وكذلك الدقيق الحواري إنما سمي بذلك لأنه ينقى من لباب البر وخالصه قال حذاق اللغويين الحواريون صفوة الأنبياء الذين خلصوا وأخلصوا في تصديقهم ونصرتهم ويقال عين حوراء إذا اشتد بياضها وخلص واشتد سوادها ولا يقال امرأة حوراء إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء والثاني انهم البيض الثياب روى سعيد بن جبير عن ابن عباس انهم سموا بذلك لبياض ثيابهم والثالث انهم القصارون سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها قال الضحاك و مقاتل الحواريون هم القصارون قال اليزيدي ويقال للقصارين الحواريون لأنهم يبيضون الثيباب ومنه سمي الدقيق الحوارى والعين الحوراء النقية المحاجر والرابع الحواريون المجاهدون \r\n وأنشدوا ... ونحن أناس يملأ البيض هامنا ... ونحن حواريون حين نزاحف ","part":1,"page":394},{"id":394,"text":" جماجنا يوم اللقاء تراسنا ... إلى الموت نمشي ليس فينا تحانف ... \r\n والخامس الحواريون الصيادون والسادس الحواريون الملوك حكى هذه الاقوال الثلاثة ابن الأنباري قال ابن عباس وعدد الحواريين اثنا عشر رجلا وفي صناعتهم قولان أحدهما انهم كانوا يصطادون السمك رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني انهم كانوا يغسلون الثياب قاله الضحاك و أبو أرطاة \r\n ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين \r\n قوله تعالى ربنا آمنا بما أنزلت هذا قول الحواريين والذي أنزل الانجيل والرسول عيسى وفي المراد بالشاهدين خمسة أقوال أحدها انهم محمد صلى الله عليه و سلم وأمته من المؤمنين رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث انهم الأنبياء لأن كل نبي شاهد أمته قاله عطاء والرابع أن الشاهدين الصادقون قاله مقاتل والخامس انهم الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق فمعنى الآية صدقنا واعترفنا فاكتبنا مع من فعل فعلنا هذا قول الزجاج \r\n ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين \r\n قوله تعالى ومكروا ومكر الله قال الزجاج المكر من الخلق خبث وخداع ومن الله عز و جل المجازاة فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كقوله تعالى الله يستهزئ بهم البقرة 15 والله خير الماكرين آل عمران 54 لأن مكره مجازاة ونصر للمؤمنين قال ابن عباس ومكرهم أن اليهود أرادوا قتل عيسى فدخل خوخة فدخل رجل منهم فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى إلى السماء فلما خرج إليهم ظنوه عيسى فقتلوه ","part":1,"page":395},{"id":395,"text":" إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذي اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون \r\n قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك قال ابن قتيبة التوفي من استيفاء العدد يقال توفيت واستوفيت كما يقال تيقنت الخبر واستيقنته ثم قيل للموت وفاة وتوف وأنشد أبو عبيدة ... إن بني الأدرد ليسوا من أحد ... ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد ... ولا توفاهم قريش في العدد ... \r\n أي لا تجعلهم وفاء لعددها والوفاء التمام وفي هذا التوفي قولان أحدهما أنه الرفع إلى السماء والثاني أنه الموت فعلى القول الاول يكون نظم الكلام مستقيما من غير تقديم و لاتأخير ويكون معنى متوفيك قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن ينال منك اليهود شيئا هذا قول الحسن وابن جريج و ابن قتيبة واختاره الفراء ومما يشهد لهذا الوجه قوله تعالى فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم المائدة 117 أي ","part":1,"page":396},{"id":396,"text":" رفعتني إلى السماء من غير موت لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه لا بعد موته وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره إني رافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد ذلك هذا قول الفراء و الزجاج في آخرين فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته قال سعيد بن المسيب رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وقال مقاتل رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان وقيل عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين ويقال ماتت قبل رفعه \r\n قوله تعالى ومطهرك من الذين كفروا فيه قولان أحدهما أنه رفعه من بين اظهرهم والثاني منعهم من قبله وفي الذين اتبعوه قولان أحدهما انهم المسلمون من امة محمد صلى الله عليه و سلم لأنهم صدقوا بنبوته و أنه روح الله وكلمته هذا قول قتادة والربيع وابن السائب والثاني انهم النصارى فهم فوق اليهود واليهود مستذلون مقهورون قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى فيما كنتم فيه تخلتفون يعني الدين \r\n فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين \r\n قوله تعالى فأما الذين كفروا قيل هم اليهود والنصارى وعذابهم في الدنيا بالسيف والجزية وفي الآخرة بالنار \r\n وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين \r\n قوله تعالى فيوفيهم أجورهم قرأ الأكثرون بالنون وقرأ الحسن وقتادة وحفص عن عاصم فيوفيهم بالياء معطوفا على قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى \r\n ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ","part":1,"page":397},{"id":397,"text":" قوله تعالى ذلك نتلوه عليك يعني ما جرى من القصص من الآيات يعني الدلالات على صحة رسالتك إذ كانت أخبارا لا يعلمها أمي والذكر الحكيم قال ابن عباس هو القرآن قال الزجاج معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وإبانة الفوائد منه \r\n إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون \r\n قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم قال أهل التفسير سبب نزول هذه الآية مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبي صلى الله عليه و سلم في أمر عيسى وقد ذكرناه في أول السورة فأما تشبيه عيسى بآدم فلأنهما جميعا من غير أب \r\n قوله تعالى خلقه من تراب يعني آدم قال ثعلب وهذا تفسير لأمر آدم وليس بحال \r\n قوله تعالى ثم قال له يعني لآدم وقيل لعيسى كن فيكون أي فكان فأريد بالمستقبل الماضي كقوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين أي ماتلت الشياطين \r\n الحق من ربك فلا تكن من الممترين \r\n قوله تعالى الحق من ربك قال الزجاج الحق مرفوع على خبر ابتداء محذوف المعنى الذي أنبأتك به في قصة عيسى الحق من ربك فلا تكن من الممترين أي الشاكين والخطاب للنبي خطاب للخلق لأنه لم يشك \r\n فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ","part":1,"page":398},{"id":398,"text":" قوله تعالى فمن حاجك فيه في هاء فيه قولان أحدهما أنها ترجع إلى عيسى والثاني إلى الحق والعلم البيان والإيضاح \r\n قوله تعالى فقل تعالوا قال ابن قتيبة تعالى تفاعل من علوت ويقال للاثنين من الرجال والنساء تعاليا وللنساء تعالين قال الفراء أصلها من العلو ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة هلم حتى استجازوا أن يقولوا للرجل وهو فوق شرف تعالى أي اهبط و إنما أصلها الصعود قا المفسرون أراد بأبنائنا فاطمة والحسن والحسين وروى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي \r\n قوله تعالى وأنفسنا فيه خمسة اقوال احدها أراد علي بن أبي طالب قاله الشعبي والعرب تخبر عن ابن العم بانه نفس ابن عمه والثاني أراد الاخوان قاله ابن قتيبة والثالث أراد أهل دينه قاله أبو سليمان الدمشقي والرابع أراد الأزواج والخامس أراد القرابة القريبة ذكرهما علي بن أحمد النيسابوري فأما الابتهال فقال ابن قتيبة هو التداعي باللعن يقال عليه بهلة الله وبهلته أي لعنته وقال الزجاج معنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاء وأصله الالتعان يقال بهله الله أي لعنه وأمر بالمباهلة بعد إقامة الحجة قال جابر بن عبد الله قدم وفد نجران فيهم السيد والعاقب فذكر الحديث إلى أن قال فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه أن يفادياه فغدا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل اليهما فأبيا أن يجيباه فأقرا له بالخراج فقال ","part":1,"page":399},{"id":399,"text":" والذي يعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهم نارا \r\n إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى وما من إله إلا الله قال الزجاج دخلت من هاهنا توكيدا ودليلا على نفي جميع ما ادعى المشركون من الآلهة \r\n فان تولوا فان الله عليم بالمفسدين \r\n قوله تعالى فان تولوا فيه ثلاثة أقوال أحدها عن الملاعنة قاله مقاتل والثاني أنه عن البيان الذي أتى به النبي صلى الله عليه و سلم قاله الزجاج والثالث عن الإقرار بوحدانية الله وتنزيهه عن الصاحبة والولد قاله أبو سليمان الدمشقي وفي الفساد هاهنا قولان أحدهما أنه العمل بالمعاصي قاله مقاتل والثاني الكفر ذكره الدمشقي \r\n قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون \r\n قوله تعالى قل يا أهل الكتاب فيه ثلاثة أقوال أحدها انهم اليهود قاله قتادة وابن جريج والربيع بن أنس والثاني وفد نجران الذين حاجوا في عيسى قاله السدي و مقاتل والثالث أهل الكتابين جميعا قاله الحسن وقال ابن عباس نزلت في القسيسين والرهبان فبعث بها النبي صلى الله عليه و سلم إلى جعفر و أصحابه بالحبشة فقرأها جعفر والنجاشي جالس وأشراف الحبشة فأما الكلمة فقال المفسرون هي لا إله إلا الله فان قيل ","part":1,"page":400},{"id":400,"text":" فهذه كلمات فلم قال كلمة فعنه جوابان أحدهما أن الكلمة تعبر عن ألفاظ وكلمات قال اللغويون ومعنى كلمة كلام فيه شرح قصة وإن طال تقول العرب قال زهير في كلمته يراد في قصيدته \r\n قالت الخنساء ... وقافيه مثل حد السنا ... ن تبقى ويذهب من قالها ... تقد الذؤابة من يذبل ... أبت أن تزايل أوعالها ... نطقت ابن عمرو فسهلتها ... ولم ينطق الناس أمثالها ... \r\n فأوقعت القافية على القصيدة كلها والغالب على القافية أن تكون في آخر كلمة من البيت و إنما سميت قافية لإن الكلمة تتبع البيت وتقع آخره فسميت قافية من قول العرب قفوت فلانا إذا اتبعته و إلى هذا الجواب يذهب الزجاج وغيره والثاني أن المراد بالكلمة كلمات فاكتفى بالكلمة من كلمات كما قال علقمة بن عبدة ... بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب ... \r\n أراد وأما جلودها فاكتفى بالواحد من الجمع ذكره والذي قبله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى سواء بيننا وبينكم قال الزجاج يعني بالسواء العدل وهو من استواء الشئ ويقال للعدل سواء وسواء وسواء ","part":1,"page":401},{"id":401,"text":" قال زهير بن أبي سلمى ... أروني خطة لاضيم فيها ... يسوي بيننا فيها السواء ... فان تدعوا السواء فليس بيني ... وبينكم بني حصن بقاء ... \r\n قال وموضع أن في قوله تعالى ألا تعبدوا إلا الله خفض على البدل من كلمة المعنى تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله وجائز أن يكون أن في موضع رفع كأن قائلا قال ما الكلمة فأجيب فقيل هي ألا نعبد إلا الله \r\n قوله تعالى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فيه ثلاثة أقوال أحدها أن سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة والثاني لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله قاله ابن جريج والثالث أن نجعل غير الله ربا كما قالت النصارى في المسيح قاله مقاتل و الزجاج \r\n يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما انزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون \r\n قوله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم قال ابن عباس والحسن والسدي اجتمع عند الني صلى الله عليه و سلم نصارى نجران وأحبار اليهود فقال هؤلاء ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقال هؤلاء ما كان إلا نصارنيا فنزلت هذه الآية \r\n ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم و أنتم لا تعلمون ","part":1,"page":402},{"id":402,"text":" قوله تعالى ها أنتم قرأ ابن كثير هأنتم مثل هعنتم فأبدل من همزة الاستفهام الهاء أراد أأنتم وقرأ نافع و أبو عمرو وهانتم ممدودا استفهام بلا همزة وقرأ عاصم وابن عامر و حمزة والكسائي ها أنتم ممدودا بن يونس الأرموي ومحمد ابن عبد المنعم ومهموزا ولم يختلفوا في مد هؤلاء و أولاء \r\n قوله تعالى فيما لكم به علم فيه قولان أحدهما أنه ما راوا وعاينوا قاله قتادة والثاني ما أمروا به ونهوا عنه قاله السدي فأما الذي ليس لهم به علم فهو شأن إبراهيم عليه السلام وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة وخمس وسبعون سنة وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة وقال ابن إسحاق كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة وخمس وستون سنة وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة وقد سبق في البقرة معنى الحنيف \r\n ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين \r\n قوله تعالى إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه في سبب نزولها قولان أحدهما أن رؤساء اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك و أنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد فنزلت هذه الآية ومعناها أحق الناس بدين إبراهيم الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي صلى الله عليه و سلم على دينه قاله ابن عباس والثاني أن عمرو بن العاص أراد أن يغضب النجاشي على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقال للنجاشي إنهم ليشتمون عيسى فقال النجاشي ما يقول صاحبكم في عيسى فقالوا يقول إنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فأخذ النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين فقال والله ما زاد على ما يقول صاحبكم ما يزن هذا القذى ثم قال أبشروا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم ","part":1,"page":403},{"id":403,"text":" قال عمرو بن العاص ومن حزب إبراهيم قال هؤلاء الرهط وصاحبهم فأنزل الله يوم خصومتهم على النبي صلى الله عليه و سلم هذه الآية هذا قول عبد الرحمن بن غنم \r\n ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون \r\n قوله تعالى ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم سبب نزولها أن اليهود قالوا لمعاذ بن جبل وعمار بن ياسر تركتما دينكما واتبعتما دين محمد فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والطائفة اسم لجماعة مجتمعين على ما اجتمعوا عليه من دين ورأي ومذهب وغير ذلك و في هذه الطائفة قولان أحدهما انهم اليهود قاله ابن عباس والثاني اليهود والنصارى قاله أبو سليمان الدمشقي والضلال الحيرة وفيه هاهنا قولان أحدهما أنه الاستنزال عن الحق إلى الباطل وهو قول ابن عباس و مقاتل والثاني الإهلاك ومنه أإذا ضللنا في الأرض السجدة 10 قاله ابن جرير والدمشقي وفي قوله وما يشعرون قولان أحدهما وما يشعرون أن الله يدل المؤمنين على حالهم والثاني وما يشعرون أنهم يضلون أنفسهم \r\n يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون \r\n قوله تعالى لم تكفرون بآيات الله قال قتادة يعني محمدا والإسلام وأنتم تشهدون أن بعث محمد في كتابكم ثم تكفرون به \r\n يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون \r\n قوله تعالى لم تلبسون الحق بالباطل قال اليزيدي معناه لم تخلطون الحق بالباطل قال ابن فارس واللبس اختلاط الأمر وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح ","part":1,"page":404},{"id":404,"text":" وفي الحق والباطل أربعة أقوال أحدها أن الحق إقرارهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه و سلم والباطل كتمانهم بعض أمره والثاني الحق إيمانهم بالنبي صلى الله عليه و سلم غدوة والباطل كفرهم به عشية رويا عن ابن عباس والثالث الحق التوراة والباطل ما كتبوه فيها بأيديهم قاله الحسن وابن زيد والرابع الحق الإسلام والباطل اليهودية والنصرانية قاله قتادة \r\n قوله تعالى وتكتمون الحق قال قتادة كتموا الإسلام وكتموا محمدا صلى الله عليه و سلم وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون \r\n قوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب في سبب نزلوها قولان أحدهما أن طائفة من اليهود قالوا إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا و إذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم اعلم منا فينقلبون عن دينهم رواه عطية عن ابن عباس وقال الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبرا من اليهود فقال بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد باللسان اول النهار واكفروا آخره وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمد ليس بذلك فيشك أصحابه في دينهم ويقولون هم أهل الكتاب وهم اعلم منا فيرجعون إلى دينكم فنزلت هذه الآية و إلى هذا المعنى ذهب الجمهور والثاني أن الله تعالى صرف نبيه إلى الكعبة عند صلاة الظهر فقال قوم من علماء اليهود آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يقولون آمنوا بالقبلة التي صلوا إليها الصبح واكفروا بالتي صلوا إليها آخر النهار لعلهم يرجعون إلى قبلتكم رواه أبو صالح عن ابن عباس قال مجاهد وقتادة و الزجاج في آخرين وجه النهار أوله \r\n وأنشد الزجاج ... من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار ","part":1,"page":405},{"id":405,"text":" يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار ... \r\n ولا تؤمنوا إلا لن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى احد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم \r\n قوله تعالى و لاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال أحدها أن معناه و لا تصدقوا إلا من تبع دينكم ولا تصدقواأن يؤتى أحد مما أوتيتم من العلم وفلق البحر والمن والسلوى وغير ذلك ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم وتكون اللام في لمن صلة ويكون قوله تعالى قل إن الهدى هدى الله كلاما معترضا بين كلامين هذا معنى قول مجاهد والأخفش والثاني أن كلام اليهود تام عند قوله لمن تبع دينكم والباقي من قول الله تعالى لا يعترضه شيء من قولهم وتقديره قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى احد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد إلا أن تجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم هذا معنى قول الحسن وسعيد بن جبير قال الفراء ","part":1,"page":406},{"id":406,"text":" معنى أن يؤتى أن لا يؤتى والثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره ولا تؤمنوا أن يؤتى احد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم فأخرت أن وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير ودخلت اللام على جهة التوكيد كقوله تعالى عسى أن يكون ردف لكم النمل 72 أي ردفكم \r\n وقال الشاعر ... ما كنت أخدع للخليل بخلة ... حتى يكون لي الخليل خدوعا ... \r\n أراد ما كنت أخدع الخليل \r\n وقال الآخر ... يذمون الدنيا وهم يحلبونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل ... \r\n أراد يذمون الدنيا ذكره ابن الأنباري والرابع أن اللام غير زائدة والمعنى لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود فانكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عونا لهم على تصديقه قاله الزجاج وقال ابن الأنباري لا تؤمنوا أن محمدا وأصحابه على حق إلالمن تبع دينكم مخافة أن يطلع على عنادكم الحق ويحاجوكم به عند ربكم فعلى هذا يكون معنى الكلام لا تقروا بأن يؤتى احد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي وقرأ ابن كثير أان يؤتى بهمزتين الأولى مخففة والثانية ملينة على الاستفهام مثل أانتم أعلم قال ابو علي ووجهها أن أن في موضع رفع بالابتداء وخبره يصدقون به أو يعترفون به أو يذكرونه لغيركم ويجوز أن يكون ","part":1,"page":407},{"id":407,"text":" موضع أن نصبا فيكون المعنى أتشيعون أو أتذكرون أن يؤتى احد ومثله في المعنى أتحدثونهم بما فتح الله عليكم البقرة 76 وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف إن يؤتى بكسر الهمزة على معنى ما يؤتى وفي قوله تعالى أو يحاجوكم عند ربكم قولان أحدهما أن معناه ولا تصدقوا انهم يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم قاله قتادة والثاني أن معناه حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبد كما يقال لا يلقاه أو تقوم الساعة قاله الكسائي \r\n قوله تعالى إن الفضل بيد الله قال ابن عباس يعني النبوة والكتاب والهدى يؤتيه من يشاء لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى احد مثل ما أوتيتم \r\n يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى يختص برحمته من يشاء في الرحمة ثلاثة أقوال أحدها أنها الإسلام قاله ابن عباس و مقاتل والثاني النبوة قاله مجاهد والثالث القرآن والإسلام قاله ابن جريج \r\n ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم نم إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون \r\n قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار قال ابن عباس أودع رجل ألفا ومئتي أوقيه من ذهب عبد الله بن سلام فأداهما إليه فمدحه الله بهذا الياة وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه و أهل الكتاب اليهود وقد سبق الكلام في القنطار وقيل إن الباء في قوله بقنطار بمعنى على فأما الدينار فقرأت على ","part":1,"page":408},{"id":408,"text":" شيخنا أبي منصور اللغوي قال الدينار فارسي معرب وأصله دنار وهو وإن كان معربا فليس تعرف له العرب اسما غير الدينار فقد صار كالعربي ولذلك ذكره الله تعالى في كتابه لأنه خاطبهم بما عرفوا واشتقوا منه فعلا فقالوا رجل مدنر كثير الدنانير وبرذون مدنر أشهب مستدير النقش ببياض وسواد فان قيل لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا وأمينا والخلق على ذلك فالجواب انهم يخونون المسليمن استحلالا لذلك وقد بينه في قوله تعالى ليس علينا في الأميين سبيل فحذر منهم وقال مقاتل الأمانة ترجع إلى من أسلم منهم والخيانة إلى من لم يسلم وقيل إن الذين يؤدون الأمانة النصارى والذين لا يؤدونها اليهود \r\n قوله تعالى إلا مادمت عليه قائما قال الفراء أهل الحجاز يقولون دمت ودمتم ومت ومتم وتميم يقولون مت و دمت بالكسر ويجتمعون في يفعل يدوم و يموت وفي هذا القيام قولان أحدهما أنه التقاضي قاله مجاهد وقتادة و الفراء و ابن قتيبة و الزجاج قال ابن قتيبة والمعنى مادمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة وأصل هذا أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف والتارك له يقعد عنه قال الأعشى ... يقوم على الرغم في قومه ... فيعفوا إذا شاء أو ينتقم ... \r\n أي يطالب بالذخل ولا يقعد عنه قال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة آل عمران 113 أي علامة غير تاركة وقال تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت الرعد 33 أي آخذ لها بما كسبت والثاني أنه القيام حقيقة فتقديره إلا ما دمت قائما على رأسه فانه يعترف بأمانته فاذا ذهبت ثم جئت جحدك قاله السدي \r\n قوله تعالى ذلك يعني الخيانة والسبيل الإثم والحرج ونظيره ما على ","part":1,"page":409},{"id":409,"text":" المحسنين من سبيل التوبة 91 قال قتادة إنما استحل اليهود أموال المسلمين لأنهم عندهم ليسوا أهل كتاب \r\n قوله تعالى ويقولون على الله الكذب قال السدي يقولون قد أحل الله لنا أموال العرب \r\n قوله تعالى وهم يعلمون قولان أحدهما يعلمون أن الله قد أنزل في التوراة الوفاء وأداء الأمانة والثاني يقولون الكذب وهم يعلمون أنه كذب \r\n بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين \r\n قوله تعالى بلى رد الله عز و جل عليهم قولهم ليس علينا في الأميين سبيل بقوله بلى قال الزجاج وهو عندي وقف التمام ثم استأنف فقال من أوفى بعهده ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله بلى من أوفى والعهد ما عاهدهم الله عز و جل عليه في التوراة وفي هاء عهده قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى والثاني إلى الموفي \r\n إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن الأشعث بن قيس خاصم بعض اليهود في أرض فجحده اليهودي فقدمه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له ألك بينة قال لا قال لليهودي أتحلف فقال ","part":1,"page":410},{"id":410,"text":" الأشعث إذا يحلف فيذهب بمالي فنزلت هذه الآية أخرجه البخاري ومسلم والثاني أنها نزلت في اليهود عهد الله إليهم في التوراة تبيين صفة النبي صلى الله عليه و سلم فجحدوا وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا هذا قول عكرمة و مقاتل والثالث أن رجلا أقام سلعته في السوق اول النهار فلما كان آخره جاء رجل يساومه فحلف لقد منعها اول النهار من كذا ولولا المساء لما باعها به فنزلت هذا الآية هذا قول الشعبي و مجاهد فعلى القول الأول والثالث العهد لزوم الطاعة وترك المعصية وعلى الثاني ما عهده إلى اليهود في التوارة واليمين الحلف و إن قلنا إنها في اليهود والكفار فان الله لا يكلمهم يوم القيامة أصلا وإن قلنا إنها في العصاة فقد روي عن ابن عباس أنه قال لا يكلمهم الله كلام خير ومعنى ولا ينظر إليهم أي لا يعطف عليهم بخير مقتا لهم قال الزجاج تقول فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه معناه أنه غضبان عليه \r\n قوله تعالى ولا يزكيهم أي لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم \r\n وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون \r\n قوله تعالى وإن منهم لفريقا اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في اليهود رواه عطية عن ابن عباس والثاني في اليهود والنصارى رواه الضحاك عن ابن عباس ","part":1,"page":411},{"id":411,"text":" قوله تعالى وإن هي كلمة مؤكدة واللام في قوله لفريقا بتوكيد زائد على توكيد إن قال ابن قتيبة ومعنى يلوون ألسنتهم يقلبونها بالتحريف والزيادة والألسنة جمع لسان قال أبو عمرو واللسان يذكر ويؤنث فمن ذكره جمعه ألسنه ومن أنثه جمعه ألسنا وقال الفراء اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكرا وتقول العرب سبق من فلان لسان يعنون به الكلام فيذكرونه \r\n وأنشد ابن الأعرابي ... لسانك معسول ونفسك شحة ... وعند الثريا من صديقك مالكا ... \r\n وأنشد ثعلب ... ندمت على لسان كان مني ... فليت بأنه في جوف عكم ... \r\n والعكم العدل ودل بقوله كان مني على أن اللسان الكلام \r\n وأنشد ثعلب ... أتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر ... \r\n فأنث اللسان لأنه عنى الكلمة والرسالة \r\n ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ","part":1,"page":412},{"id":412,"text":" قوله تعالى ما كان لبشر في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن قوما من رؤساء اليهود والنصارى قالوا يا محمد أتريد أن نتخذك ربا فقال معاذالله ما بذلك بعثني فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم ألا نسجد لك قال لا فانه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله فنزلت هذه الآية قاله الحسن البصري والثالث أنها نزلت في نصارى نجران حيث عبدوا عيسى قاله الضحاك و مقاتل وفيمن عنى ب البشر قولان أحدهما محمد صلى الله عليه و سلم والكتاب القرآن قاله ابن عباس وعطاء والثاني عيسى والكتاب الإنجيل قاله الضحاك و مقاتل والحكم الفقه والعلم قاله قتادة في آخرين قال الزجاج ومعنى الآية لا يجتمع لرجل نبوة والقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله لأن الله لا يصطفي الكذبة \r\n قوله تعالى ولكن كونوا أي ولكن يقول لهم كونوا فحذف القول لدلالة الكلام عليه \r\n فأما الربانيون فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها وقال ابن عباس وابن جبير هم الفقهاء المعلمون وقال قتادة وعطاء هم الفقهاء العلماء الحكماء قاله ابن قتيبة واحدهم رباني وهم العلماء المعلمون وقال أبو عبيد أحسب الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية وذلك أن ابا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين قال ابو عبيد و إنما عرفها الفقهاء و أهل العلم قال وسمعت رجلا عالما بالكتب يقول هم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين الرباني منسوب إلى الرب لأن العلم مما يطاع الله به فدخلت الألف والنون في النسبة للمبالغة كما قالوا رجل لحياني إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية ","part":1,"page":413},{"id":413,"text":" قوله تعالى بما كنتم تعلمون الكتاب قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو تعلمون باسكان العين ونصب اللام وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي تعلمون مثقلا وكلهم قرؤوا تدرسون خفيفة وقرأ ابن مسعود و ابن عباس وابو رزين وسيعد بن جبير وطلحة بن مصرف و أبو حيوه تدرسون بضم التاء مع التشديد والدراسة القراءة قال الزجاج ومعنى الكلام ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدي العلماء والحكماء لأن العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون \r\n قوله تعال ولا يأمركم أن قرأ ابن عامر وحمزة وخلف ويعقوب وعاصم في بعض الروايات عنه وعبد الوارث عن أبي عمرو واليزيدي في اختياره بنصب الراء وقرأ الباقون برفع الراء فمن نصب كان المعنى وما كان لبشر أن يأمركم ومن رفع قطعه مما قبله قال ابن جريج ولا يأمركم محمد \r\n و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين \r\n قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبين قال الزجاج موضع إذ نصب المعنى واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله قال ابن عباس والميثاق العهد وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان أحدهما أنه تصديق محمد صلى الله عليه و سلم روي عن علي و ابن عباس وقتادة والسدي والثاني أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمنن بما جاء به الآخر منهم قاله ","part":1,"page":414},{"id":414,"text":" طاووس قال مجاهد والربيع بن أنس هذه الآية خطأ من الكتاب وهي في قراءة ابن مسعود وإذأخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب واحتج الربيع بقوله تعالى ثم جاءكم رسول وقال بعض أهل العلم إنما أخذ الميثاق على النبيين و أممهم فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع وهذا معنى قول ابن عباس و الزجاج \r\n واختلف العلماء في لام لما فقرأ الاكثرون لما بفتح اللام والتخفيف وقرأ حمزة مثلها إلا أنه كسر اللام وقرأ سعيد بن جبير لما مشددة الميم فقراءة ابن جبير معناها حين آتيتكم وقال الفراء في قراءة حمزة يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم ثم جعل قوله لتؤمنن به من الأخذ قال الفراء ومن نصب اللام جعلها زائدة و ما هاهنا بمعنى الشرط والجزاء فالمعنى لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة قال ابن الأنباري اللام في قوله تعالى لما آتيتكم على قراءة من شدد أو كسر جواب لأخذ الميثاق قال لأن أخذ الميثاق يمين وعلى قراءة من خففها معناها القسم وجواب القسم اللام في قوله لتؤمنن به و إنما خاطب فقال آتيتكم بعد أن ذكر ","part":1,"page":415},{"id":415,"text":" النبيين وهم غيب لأن في الكلام معنى قول وحكاية فقال مخاطبا لهم لما آتيتكم وقرأ نافع آتيناكم بالنون والألف \r\n قوله تعالى ثم جاءكم رسول قال علي رضي الله عنه ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وقال غيره أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا والإصر هاهنا العهد في قول الجماعة قال ابن قتيبة أصل الإصر الثقل فسمي العهد إصرا لأنه منع من الأمر الذي أخذ له وثقل وتشديد وكلهم كسر ألف إصري وروى أبو بكر عن عصام ضمة قال ابو علي يشبه أن يكون الضم لغة \r\n قوله تعالى قال فاشهدوا قال ابن فارس الشهادة الإخبار بما شوهد وفيمن خوطب بهذا قولان أحدهما أنه خطاب للنبيين ثم فيه قولان أحدهما أنه معناه فاشهدوا على أممكم قاله علي بن أبي طالب والثاني فاشهدوا على أنفسكم قاله مقاتل والثاني أنه خطاب للملائكة قاله سعيد بن المسيب فعلى هذا يكون كناية عن غير مذكور \r\n فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها و إليه يرجعون \r\n قوله تعالى أفغير دين الله يبغون قرأ ابوعمرو يبغون بالياء مفتوحة و إليه ترجعون بالتاء مضمومة وقرأها الباقون بالياء في الحرفين وروى حفص عن عاصم يبغون و يرجعون بالياء فيهما وفتح الياء وكسر الجيم يعقوب على أصله قال ابن عباس اختصم أهل الكتابين فزعمت كل فرقة أنها أولى بدين إبراهيم فقال النبي صلى الله عليه و سلم كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا وقالوا والله لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية والمراد بدين الله دين محمد صلى الله عليه و سلم وله أسلم انقاد وخضع طوعا وكرها الطوع الانقياد بسهولة والكره الانقياد بمشقة وإباء من النفس ","part":1,"page":416},{"id":416,"text":" وفي معنى الطوع والكره ستة أقوال أحدها أن إسلام الكل كان يوم الميثاق طوعا وكرها رواه مجاهد عن ابن عباس والأعمش عن مجاهد وبه قال السدي والثاني أن المؤمن يسجد طائعا والكافر يسجد ظله وهو كاره روي عن ابن عباس ورواه ابن أبي نجيح وليث عن مجاهد والثالث أن الكل أقروا له بأنه الخالق وإن أشرك بعضهم فاقراره بذلك حجة عليه في إشراكه هذا قول أبوالعالية ورواه منصور عن مجاهد والرابع أن المؤمن أسلم طائعا والكافر أسلم مخافة السيف هذا قول الحسن والخامس أن المؤمن أسلم طائعا والكافر أسلم حين رأى بأس الله فلم ينفعه في ذلك الوقت هذا قول قتادة والسادس أن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في تتجبلتهم لا يقدرأحد أن يمتنع من جبلة جبله عليها ولا على تغييرها هذا قول الزجاج وهو معنى قول الشعبي انقاد كلهم له \r\n قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \r\n قوله تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن رجلا من الانصار ارتد فلحق بالمشركين فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى إلا الذين تابوا فكتب بها قومه إليه فرجع تائبا فقبل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك منه وخلى عنه ","part":1,"page":417},{"id":417,"text":" رواه عكرمة ابن عباس وذكر مجاهد والسدي أن اسم ذلك الرجل الحارث بن سويد والثاني أنها نزلت في عشرة رهط ارتدوا فيهم الحارث بن سويد فندم فرجع رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثالث أنها في أهل الكتاب عرفوا النبي صلى الله عليه و سلم ثم كفروا به رواه عطية عن ابن عباس وقال الحسن هم اليهود والنصارى وقيل إن كيف هاهنا لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الجحد أي لا يهدي الله هؤلاء \r\n خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى خالدين فيها قال الزجاج أي في عذاب اللعنة ولا هم ينظرون أي يؤخرون عن الوقت قال ومعنى أصلحوا أي اظهروا انهم كانوا على ضلال وأصلحوا ما كانوا أفسدوه وغروا به من تبعهم ممن لا علم له \r\n فصل \r\n وهذه الآية استثنت من تاب ممن لم يتب وقد زعم قوم أنها نسخت ما تضمنته الآيات قبلها من الوعيد وليس بنسخ \r\n إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ","part":1,"page":418},{"id":418,"text":" قوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد فانهم قالوا نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون قاله ابن عباس و مقاتل والثاني أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والانجيل ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن قاله الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والثالث أنها نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد بعد إيمانهم بصفته ثم ازدادوا كفرا باقامتهم على كفرهم قاله أبو العالية قال الحسن كلما نزلت آية كفروا بها فازداوا كفرا وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال أحدها انهم ارتدوا وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم قاله ابن عباس والثاني انهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك ولم يتوبوا من الشرك قاله أبوالعالية والثالث أن معناه لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت وهو قول الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي والرابع لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر قاله مجاهد \r\n إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فتح مكة دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد حيا في الإسلام فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم كافرا قال الزجاج وملء الشيء مقدار ما يملؤه قال سيبويه والخليل والملء بفتح الميم الفعل تقول ملأت الشيء أملؤه ملأ المصدر بالفتح لا غير والملاءة التي تلبس ممدودة والملاوة من الدهر القطعة الطويلة ","part":1,"page":419},{"id":419,"text":" منه يقولون ابل جديدا وتمل حبيبا أي عش معه دهرا طويلا و ذهبا منصوب على التمييز وقال ابن فارس ربما أنث الذهب فقيل ذهبة ويجمع على الأذهاب \r\n قوله تعالى ولو افتدى به قال الفراء الواو هاهنا قد يستغنى عنها ولو حذفت كان صوابا كقوله تعالى وليكون من الموقنين الأنعام 75 قال الزجاج هذا غلط لأن فائدة الواو بينة فليست مما يلقى قال النحاس قال أهل النظر من النحويين في هذه الآية الواو ليست مقحمة وتقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا تبرعا ولو افادى افتدى \r\n لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فان الله به عليم \r\n قوله تعالى لن تنالوا البر في البر أربعة أقوال أحدها أنه الجنة قاله ابن عباس و مجاهد والسدي في آخرين قال ابن جرير فيكون المعنى لن تنالوا بر الله بكم الذي تطلبونه بطاعتكم والثاني التقوى قاله عطاء و مقاتل والثالث الطاعة قاله عطية والرابع الخير الذي يستحق به الأجر قاله ابو روق قال القاضي أبو يعلى لم يرد نفي الأصل و إنما نفي وجود الكمال فكأنه قال لن تنالوا البر الكامل \r\n قوله تعالى حتى تنفقوا مما تحبون فيه قولان أحدهما أنه نفقة العبد من ماله وهو صحيح شحيح رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم والثاني أنه الانفاق من محبوب ","part":1,"page":420},{"id":420,"text":" المال قاله قتادة والضحاك وفي المراد بهذه النفقة ثلاثة أقوال أحدها أنها الصدقة المفروضة قاله ابن عباس والحسن والضحاك والثاني أنها جميع الصدقات قاله ابن عمر والثالث أنها جميع النفقات التي يبتغي بها وجه الله تعالى سواء كانت صدقة أو لم تكن نقل عن الحسن واختاره القاضي أبو يعلى وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله عليه و سلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة فقال يا رسول الله إن الله يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي الي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها حيث أراك الله فقال صلى الله عليه و سلم بخ بخ ذاك مال رابح أو رائح شك الرواي وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه وروي عن عبد الله بن عمر أنه قرأ هذه الآية فقال لا أجد شيئا أحب إلى من جاريتي رميثه فهي حرة لوجه الله ثم قال ","part":1,"page":421},{"id":421,"text":" لولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها فأنكحها نافعا فهي أم ولده وسئل أبو ذر أي الأعمال أفضل فقال الصلاة عماد الإسلام والجهاد سنام العمل والصدقة شيء عجب ثم قال السائل يا ابا ذر لقد تركت شيئا هو اوثق عمل في نفسي لا أراك ذكرته قال ما هو قال الصيام فقال قربة وليس هناك وتلا قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال الزجاج ومعنى قوله تعالى فان الله به عليم أي يجازي عليه \r\n كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أنا على ملة إبراهيم فقالت اليهود كيف و أنت تأكل لحوم الإبل وتشرب ألبانها فقال كان ذلك حلا لإبراهيم فقالوا كل شيء نحرمه نحن فانه كان محرما على نوح و إبراهيم حتى انتهى إلينا فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم قاله أبو روق وابن السائب والطعام اسم للمأكول قال ابن قتيبة والحل الحلال ومثله الحرم والحرام واللبس واللباس وفي الذي حرمه على نفسه ثلاثة أقوال أحدها لحوم الإبل وألبانها روي عن النبي صلى الله عليه و سلم ورواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء ابن أبي رباح ","part":1,"page":422},{"id":422,"text":" و أبي العالية في آخرين والثاني أنه العروق رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وهو قول مجاهد وقتادة و الضحاك والسدي في آخرين والثالث أنه زائدتا الكبد والكليتان والشحم إلا ما على الظهر قاله عكرمة وفي سبب تحريمه لذلك أربعة أقوال أحدها أنه طال به مرض شديد فنذر لئن شفاه الله ليحرمن احب الطعام والشراب إليه روي عن النبي صلى الله عليه و سلم والثاني أنه اشتكى عرق النسا فحرم العروق قاله ابن عباس في آخرين والثالث أن الأطباء وصفوا له حين أصابه النسا اجتناب ما حرمه فحرمه رواه الضحاك عن ابن عباس والرابع أنه كان إذا أكل ذلك الطعام أصابه عرق النسا فيبيت وقيذا فحرمه قاله أبو سليمان الدمشقي واختلفوا هل حرم ذلك باذن الله أو باجتهاده على قولين واختلفوا بماذا ثبت تحريم الطعام الذي حرمه على اليهود على ثلاثة أقوال أحدها أنه حرم عليهم بتحريمه ولم يكن محرما في التوراة قاله عطية وقال ابن عباس قال يعقوب لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد والثاني انهم وافقوا اباهم يعقوب في تحريمه لا أنه حرم عليهم بالشرع ثم أضافوا تحريمه إلى الله فأكذبهم الله بقوله قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين هذا قول الضحاك والثالث أن الله حرمه عليهم بعد التوراة لا فيها وكانوا إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم عليهم به طعام طيب أو صب عليهم عذاب هذا قول ابن السائب قال ابن عباس فأتوا بالتوراة فاتلوها هل تجدون فيها تحريم لحوم الإبل وألبانها ","part":1,"page":423},{"id":423,"text":" فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون \r\n قوله تعالى فمن افترى يقول اختلق على الله الكذب من بعد ذلك أي من بعد البيان في كتبهم وقيل من بعد مجيئكم بالتوارة وتلاوتكم إياها \r\n قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين \r\n قوله تعالى قل صدق الله الصدق الإخبار بالشيء على ما هو به وضده الكذب واختلفوا أي خبر عنى بهذه الآية على قولين أحدهما أنه عنى قوله تعالى ما كان ابراهيم يهوديا قاله مقاتل وابو سليمان الدمشقي والثاني أنه عنى قوله تعالى كل الطعام كان حلا قاله ابن السائب \r\n إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين \r\n قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس قال مجاهد افتخر المسلمون واليهود فقالت اليهود بيت المقدس افضل من الكعبة وقال المسلمون الكعبة أفضل فنزلت هذه الآية وفي معنى كونه أول قولان أحدهما أنه أول بيت كان في الأرض واختلف أرباب هذا القول كيف كان أول بيت على ثلاثة أقوال أحدها أنه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الارض فخلقه قبلها بألفي عام ودحاها من تحته فروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال كانت الكعبة حشفة على وجه الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة وقال ابن عباس وضع البيت في الماء على أربعة اركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة ثم دحيت الأرض من تحت البيت وبهذا القول يقول ابن عمر وابن عمرو وقتادة و مجاهد والسدي في آخرين والثاني أن آدم استوحش حين أهبط فأوحى الله إليه أن ابن لي بيتا في الأرض فاصنع حوله نحو ما رايت ملائكتي تصنع حول عرشي فبناه رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنه أهبط مع آدم فلما ","part":1,"page":424},{"id":424,"text":" كان الطوفان رفع فصار معمورا في السماء وبنى إبراهيم على أثره رواه شيبان عن قتادة القول الثاني أنه أول بيت وضع للناس للعبادة وقد كانت قبله بيوت هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وعطاء بن السائب في آخرين فأما بكة فقال الزجاج يصلح هذا الاسم أن يكون مشتقا من البك يقال بك الناس بعضهم بعضا أي دفع واختلفوا في تسميتها بكة على ثلاثة أقوال أحدها لازدحام الناس بها قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة و الفراء و مقاتل والثاني لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله روي عن عبد الله ابن الزبير وذكره الزجاج والثالث لأنها تضع من نخوة المتجبرين يقال بككت الرجل أي وضعت منه ورددت نخوته قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي وقطرب واتفقوا على أن مكة اسم لجميع البلدة واختلفوا في بكة على أربعة أقوال أحدها أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة قاله ابن عباس و مجاهد وابو مالك وابراهيم وعطية والثاني أنها ما حول البيت ومكة ما وراء ذلك قاله عكرمة والثالث أنها المسجد والبيت ومكة اسم للحرم كله قاله الزهري وضمرة بن حبيب والرابع أن بكة هي مكة قاله الضحاك و ابن قتيبة واحتج ابن قتيبة بأن الباء تبدل من الميم يقال سمد رأسه وسبد رأسه إذا استأصله وشر لازم ولازب \r\n قوله تعالى مباركا قال الزجاج هو منصوب على الحال المعنى الذي استقر بمكة في حال بركته \r\n قوله تعالى وهدى أي وذا هدى ويجوز أن يكون هدى في موضع رفع ","part":1,"page":425},{"id":425,"text":" المعنى وهو هدى فأما بركته ففيه تغفر الذنوب وتضاعف الحسنات ويأمن من دخله \r\n وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من طاف بالبيت لم يرفع قدما ولم يضع أخرى إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة \r\n قوله تعالى وهدى للعالمين في الهدى هاهنا اربعة أقوال أحدها أنه بمعنى القبلة فتقديره وقبلة العالمين والثاني أنه بمعنى الرحمة والثالث أنه بمعنى الصلاح لأن من قصده صلحت حاله عند ربه والرابع أنه بمعنى البيان والدلالة على الله تعالى بما فيه من الايات التي لا يقدر عليها غيره حيث يجتمع الكلب والظبي في الحرم فلا الكلب يهيج الظبي ولا الظبي يستوحش منه قاله القاضي أبو يعلى \r\n فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين \r\n قوله تعالى فيه آيات بينات الجمهور يقرؤون آيات وروى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم وبها قرأ مجاهد والاية مقام إبراهيم فأما من قرأ آيات فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الآيات مقام ابراهيم و أمن من دخله فعلى هذا يكون الجمع معبرا عن التثنية وذلك جائز في اللغة كقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين الانبياء 78 وقال أبو رجاء كان الحسن يعدهن و انا أنظر إلى أصابعه مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت وقال ابن جرير في ","part":1,"page":426},{"id":426,"text":" الكلام إضمار تقديره منهم مقام إبراهيم قال المفسرون الآيات فيه كثيرة منها مقام إبراهيم ومنها أمن من دخله ومنها امتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض منها به وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخرابه إلى غير ذلك قال القاضي أبو يعلى والمراد بالبيت هاهنا الحرم كله لأن هذه الآيات موجودة فيه ومقام إبراهيم ليس في البيت والآية في مقام إبراهيم أنه قام على حجر فأثرث قدماه فيه فكان ذلك دليلا على قدرة الله وصدق إبراهيم \r\n قوله تعالى ومن دخله كان آمنا قال القاضي أبو يعلى لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر وتقديره ومن دخله فأمنوه وهو عام فيمن جنى جناية قبل دخوله وفيمن جنى فيه بعد دخوله إلا أن الإجماع انقعد على أن من جنى فيه لا يؤمن لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجا منه ثم لجأ إلى الحرم وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال احمد في رواية المروذي إذا قتل أو قطع يدا أو أتى حدا في غير الحرم ثم دخله لم يقم عليه الحد ولم يقتص منه ولكن لا يبايع ولا يشارى ولا يؤاكل حتى يخرج فان فعل شيئا من ذلك في الحرم استوفي منه وقال أحمد في رواية حنبل إذا قتل خارج الحرم ثم دخله لم يقتل وإن كانت الجناية دون النفس فانه يقام عليه الحد وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال مالك والشافعي يقام عليه جميع ذلك في النفس وفيما دون النفس \r\n وفي قوله تعالى ومن دخله كان آمنا دليل على أنه لا يقام عليه شيء من ذلك وهو مذهب ابن عمر و ابن عباس وعطاء والشعبي وسعيد بن جبير وطاووس \r\n قوله تعالى ولله على الناس حج البيت الاكثرون على فتح حاء الحج وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسرها قال مجاهد لما أنزل قوله تعالى ","part":1,"page":427},{"id":427,"text":" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه آل عمران 85 قال أهل الملل كلهم نحن مسلمون فنزلت هذه الآية فحجه المسلمون وتركه المشركون وقالت اليهود لا نحجه ابدا \r\n قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا قال النحويون من استطاع بدل من الناس وهذا بدل البعض من الكل كما تقول ضربت زيدا رأسه وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل ما السبيل فقال من وجد الزاد والراحلة \r\n قوله تعالى ومن كفر فيه خمسة أقوال أحدها أن معناه من كفر بالحج فاعتقده غير واجب رواه مقسم عن ابن عباس وابن جريج عن مجاهد وبه قال الحسن ","part":1,"page":428},{"id":428,"text":" وعطاء وعكرمة و الضحاك و مقاتل والثاني من لم يرج ثواب حجه ولم يخف عقاب تركه فقد كفر به رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد والثالث أنه الكفر بالله لا بالحج وهذا المعنى مروي عن عكرمة و مجاهد والرابع أنه إذا أمكنه الحج حتى مات وسم بين عينيه كافر هذا قول ابن عمر والخامس أنه أراد الكفر بالآيات التي انزلت في ذكر البيت لأن قوما من المشركين قالوا نحن نكفر بهذه الآيات هذا قول ابن زيد \r\n قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون \r\n قوله تعالى قل يا أهل الكتاب قال الحسن هم اليهود والنصارى فأما آيات الله فقال ابن عباس هي القرآن ومحمد صلى الله عليه و سلم وأما الشهيد فقال ابن قتيبة هو بمعنى الشاهد وقال الخطابي هو الذي لا يغيب عنه شيء كأنه الحاضر الشاهد \r\n قوله تعالى يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن قال مقاتل دعت اليهود حذيفة وعمار بن ياسر إلى دينهم فنزلت هذه الآية وفي المراد بأهل الكتاب هاهنا قولان أحدهما انهم اليهود والنصارى قاله الحسن والثاني اليهود قاله زيد بن أسلم و مقاتل قال ابن عباس لم تصدون عن سبيل الله الإسلام والحج وقال قتادة لم تصدون عن نبي الله وعن الإسلام قال السدي كانوا إذا سئلوا هل تجدون محمدا في كتبكم قالوا لا فصدوا عنه الناس \r\n قوله تعالى تبغونها قال اللغويون الهاء كناية عن السبيل والسبيل يذكر ويؤنث وأنشدوا ... فلا تبعد فكل فتى أناس ... سيصبح سالكا تلك السبيلا ","part":1,"page":429},{"id":429,"text":" ومعنى تبغونها تبغون لها تقول العرب ابغني خادما يريدون ابتغه لي فاذا أرادوا ابتغ معي واعني على طلبه قالوا ابغني ففتحوا الألف ويقولون وهبتك درهما كما يقولون وهبت لك قال الشاعر ... فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا ... \r\n أراد أصيد لم ومعنى الآية يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج ويطلبون العدول عن القصد هذا قول الفراء و الزجاج واللغويين قال ابن جرير خرج هذا الكلام على السبيل والمعنى لأهله كأن المعنى تبغون لأهل دين الله ولمن هو على سبيل الحق عوجا أي ضلالا قال أبو عبيدة العوج بكسر العين في الدين والكلام والعمل والعوج بفتحها في الحائط والجذع وقال الزجاج العوج بكسر العين فيما لا ترى له شخصا وما كان له شخص قلت عوج بفتحها تقول في أمره ودينه عوج وفي العصا عوج وروى ابن الأنباري عن ثعلب قال العوج عند العرب بكسر العين في كل ما لا يحاط به والعوج بفتح العين في كل مالا يحصل فيقال في الأرض عوج وفي الدين عوج لأن هذين يتسعان ولا يدركان وفي العصا عوج وفي السن عوج لأنهما يحاط بهما ويبلغ كنههما وقال ابن فارس العوج بفتح العين في كل منتصب كالحائط والعوج ما كان في بساط أو ارض أو دين أو معاش \r\n قوله تعالى وانتم شهداء فيه قولان أحدهما أن معناه وانتم شاهدون بصحة ما صددتم عنه وبطلان ما أنتم فيه وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة والاكثرين والثاني أن معنى الشهداء هاهنا العقلاء ذكره القاضي أبو يعلى في آخرين ","part":1,"page":430},{"id":430,"text":" يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين \r\n سبب نزولها أن الأوس والخزرج كان بينهما حرب في الجاهلية فلما جاء النبي صلى الله عليه و سلم أطفأ تلك الحرب بالإسلام فبينما رجلان أوسي وخزرجي يتحدثان ومعهما يهودي جعل اليهودي يذكرهما أيامهما والعداوة التي كانت بينهما حتى اقتتلا فنادى كل واحد منهما بقومه فخرجوا بالسلاح فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فأصلح بينهم فنزلت هذه الآية قاله مجاهد وعكرمة والجماعة قال المفسرون والخطاب بهذه الآية للأوس والخرزج قال زيد بن أسلم وعنى بذلك الفريق شاس بن قيس اليهودي وأصحابه قال الزجاج ومعنى طاعتهم تقليدهم \r\n وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ومن يعتصم بالله \r\n قال ابن قتيبة أي يمتنع وأصل العصمة المنع قال الزجاج ويعتصم جزم ب من والجواب فقد هدي \r\n يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون \r\n قال عكرمة نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا وأصلح النبي صلى الله عليه و سلم بينهم وفي حق تقاته ثلاثة أقوال أحدها أن يطاع الله فلا يعصى و أن يذكر فلا ينسى و أن يشكر فلا يكفر رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو قول ابن مسعود والحسن وعكرمة وقتادة و مقاتل والثاني أن يجاهد في الله حق الجهاد و أن لا يأخذ العبد فيه ","part":1,"page":431},{"id":431,"text":" لومة لائم وأن يقوموا له بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث أن معناه اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه قاله الزجاج \r\n فصل \r\n واختلف العلماء هل هذا الكلام محكم أو منسوخ على قولين أحدهما أنه منسوخ وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد والسدي و مقاتل قالوا لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين فنسخها قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم التغابن 16 والثاني أنها محكمة رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهو قول طاووس قال شيخنا علي بن عبد الله والاختلاف في نسخها وإحكامها يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها فالمعتقد نسخها يرى أن حق تقاته الوقوف على جميع ما يجب له ويستحقه وهذا يعجز الكل عن الوفاء به فتحصيله من الواحد ممتنع والمعتقد إحكامها يرى أن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى ما استطعتم مفسرا ل حق تقاته لا ناسخا ولا مخصصا \r\n واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون \r\n قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا قال الزجاج اعتصموا استمسكوا فأما الحبل ففيه ستة أقوال أحدها أنه كتاب الله القرآن رواه شقيق عن ابن مسعود ","part":1,"page":432},{"id":432,"text":" وبه قال قتادة و الضحاك والسدي والثاني أنه الجماعة رواه الشعبي عن ابن مسعود والثالث أنه دين الله قاله ابن عباس وابن زيد و مقاتل و ابن قتيبة وقال ابن زيد هو الإسلام والرابع عهد الله قاله مجاهد وعطاء وقتادة في رواية و أبو عبيد واحتج له الزجاج بقول الأعشى ... و إذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الاخرى إليك حبالها ... \r\n وأنشد ابن الأنباري ... فلو حبلا تناول من سليمى ... لمد بحبلها حبلا متينا ... \r\n والخامس أنه الإخلاص قاله أبوالعالية والسادس أنه أمر الله وطاعته قاله مقاتل بن حيان قال الزجاج وقوله جميعا منصوب على الحال أي كونوا مجتمعين على الاعتصام به وأصل تفرقوا تتفرقوا إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد والمحذوفة هي الثانية لأن الاولى دليلة على الاستقبال فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على الاستقبال وهو مجزوم بالنهي والأصل ولا تتفرقون فحذفت النون لتدل على الجزم \r\n قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم اختلفوا فيمن أريد بهذا الكلام على قولين أحدهما انهم مشركو العرب كان القوي يستبيح الضعيف قاله الحسن وقتادة والثاني الأوس والخزرج كان بينهم حرب شديد قاله ابن إسحاق والأعداء جمع عدو قال ابن فارس وهو من عدا إذا ظلم ","part":1,"page":433},{"id":433,"text":" قوله تعالى فأصبحتم أي صرتم قال الزجاج وأصل الأخ في اللغة أنه الذي مقصده مقصد أخيه والعرب تقول فلان يتوخى مسار فلان أي ما يسره والشفا الحرف واعلم أن هذا مثل ضربه الله لإشرافهم على الهلاك وقربهم من العذاب كأنه قال كنتم على حرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا الموت على الكفر قال السدي فأنقذكم منها محمد صلى الله عليه و سلم \r\n ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون \r\n قوله تعالى ولتكن منكم أمة قال الزجاج معنى الكلام ولتكونوا كلكم امة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف ولكن من هاهنا تدخل لتحض المخاطبين من سائر الأجناس وهي مؤكدة أن الامر للمخاطبين ومثله فاجتنبوا الرجس من الأوثان الحج 20 معناه اجتنبوا الأوثان فانها رجس ومثله قول الشاعر ... أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ... \r\n وهو النوفل الزفر لأنه وصفه باعطاء الرغائب والنوفل الكثير الإعطاء للنوافل والزفر الذي يحمل الأثقال ويدل على أن الكل أمروا بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر قال ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة لأن الدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون ","part":1,"page":434},{"id":434,"text":" إليه وليس الخلق كلهم علماء والعلم ينوب بعض الناس فيه عن بعض كالجهاد فأما الخير ففيه قولان \r\n أحدهما أنه الإسلام قاله مقاتل \r\n والثاني العمل بطاعة الله قاله أبو سليمان الدمشقي و اما المعروف فهو ما يعرف كل عاقل صوابه وضده المنكر وقيل المعروف هاهنا طاعة الله والمنكر معصيته \r\n ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم \r\n قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فيهم قولان \r\n أحدهما انهم اليهود والنصارى قاله ابن عباس والحسن في آخرين \r\n والثاني انهم الحرورية قاله أبو أمامة \r\n يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون \r\n قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قرأ أبو رزين العقيلي و أبو عمران الجوني و أبو نهيك تبيض وتسود بكسر التاء فيهما وقرأ الحسن والزهري وابن محيصن و أبو الجوزاء تبياض وتسواد بألف ومدة فيهما وقرأ أبو الجوزاء ","part":1,"page":435},{"id":435,"text":" وابن يعمر فأما الذين اسوادت وابياضت بألف ومدة قال الزجاج أخبر الله بوقت ذلك العذاب فقال يوم تبيض وجوه قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة وفي الذين اسودت وجوههم خمسة أقوال \r\n أحدها انهم كل من كفر بالله بعد إيمانه يوم الميثاق قاله أبي بن كعب \r\n والثاني انهم الحرورية قاله أبو أمامة واسحاق الهمذاني \r\n والثالث اليهود قاله ابن عباس \r\n والرابع انهم المنافقون قاله الحسن والخامس انهم أهل البدع قاله قتادة \r\n قوله تعالى أكفرتم قال الزجاج معناه فيقال لهم أكفرتم فحذف القول لأن في الكلام دليلا عليه كقوله تعالى واسماعيل ربنا تقبل منا البقرة 127 أي ويقولان ربنا تقبل منا ومثله من كل باب سلام عليكم الرعد 25 26 والمعنى يقولون سلام عليكم والألف لفظها لفظ الاستفهام ومعناها التقرير والتوبيخ فان قلنا إنهم جميع الكفار فانهم آمنوا يوم الميثاق ثم كفروا و إن قلنا إنهم الحرورية و أهل البدع فكفرهم بعد إيمانهم مفارقة الجماعة في الاعتقاد و إن قلنا اليهود فانهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه ثم كفروا بعد ظهوره وإن قلنا المنافقون فانهم قالوا بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم \r\n قوله تعالى فذوقوا العذاب أصل الذوق إنما يكون بالفم وهذا استعارة منه فكأنهم جعلوا ما يتعرف ويعرف مذوقا على وجه التشبيه بالذي يعرف عند التطعم تقول العرب قد ذقت من إكرام فلان ما يرغبني في قصده يعنون عرفت ويقولون ذق الفرس فاعرف ما عنده ","part":1,"page":436},{"id":436,"text":" قال تميم بن مقبل ... أو كاهتزاز رديني تذاوقه ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا ... \r\n وقال الآخر ... و إن الله ذاق حلوم قيس ... فلما راء خفتها قلاها ... \r\n يعنون بالذوق العلم وفي كتاب الخليل كل ما نزل بإنسان من مكروه فقد ذاقه \r\n و أما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى وأما الذين ابيضت وجوههم قال ابن عباس هم المؤمنون ورحمة الله جنته قال ابن قتيبة وسمى الجنة رحمة لأن دخولهم إياها كان برحمته وقال الزجاج معناه في ثواب رحمته قال وأعاد ذكر فيها توكيدا ","part":1,"page":437},{"id":437,"text":" تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين \r\n قوله تعالى وما الله يريد ظلما للعالمين قال بعضهم معناه لا يعاقبهم بلا جرم وقال الزجاج أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق \r\n ولله ما في السموات وما في الأرض و إلى الله ترجع الأمور كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون \r\n قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس سبب نزولها أن مالك بن الضيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة و أبي بن كعب ومعاذ بن جبل ديننا خير مما تدعونا إليه ونحن افضل منكم فنزلت هذه الآية هذا قول عكرمة و مقاتل وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال \r\n أحدها انهم أهل بدر والثاني انهم المهاجرون والثالث جميع الصحابة \r\n والرابع جميع امة محمد صلى الله عليه و سلم نقلت هذه الأقوال كلها عن ابن عباس وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى قال الزجاج وأصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ","part":1,"page":438},{"id":438,"text":" وهو يعم سائر أمته \r\n وفي قوله تعالى كنتم قولان \r\n أحدهما أنها على أصلها والمراد بها الماضي ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه كنتم في اللوح المحفوظ \r\n والثاني أن معناه خلقتم ووجدتم ذكرهما المفسرون \r\n والثالث أن المعنى كنتم مذكنتم ذكره ابن الأنباري والثاني أن معنى كنتم انتم كقوله تعالى وكان الله غفورا رحيما النساء 96 \r\n ذكره الفراء و الزجاج قال ابن قتيبة وقد ياتي الفعل على بنية الماضي وهو راهن أو مستقبل كقوله تعالى كنتم ومعناه أنتم ومثله وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 أي وإذ يقول ومثله أتى أمر الله النحل 1 أي سيأتي ومثله كيف نكلم من كان في المهد صبيا مريم 29 أي من هو في المهد ومثله وكان ","part":1,"page":439},{"id":439,"text":" الله سميعا بصيرا النساء 134 أي والله سميع بصير ومثله فتثير سحابا فسقناه فاطر 9 أي فنسوقه \r\n وفي قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قولان \r\n أحدهما أن معناه كنتم خير الناس للناس قال أبو هريرة يأتون بهم في السلاسل حتى يدخلوهم في الإسلام \r\n والثاني أن معناه كنتم خير الامم التي أخرجت \r\n وفي قوله تعالى تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر قولان \r\n أحدهما أنه شرط في الخيرية وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب ومجاهد و الزجاج \r\n والثاني أنه ثناء من الله عليهم قاله الربيع بن أنس قال أبوالعالية والمعروف التوحيد والمنكر الشرك قال ابن عباس و أهل الكتاب اليهود والنصارى \r\n قوله تعالى منهم المؤمنون من أسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه وأكثرهم الفاسقون يعني الكافرين وهم الذين لم يسلموا \r\n لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون \r\n قوله تعالى لن يضروكم إلا أذى قال مقاتل سبب نزولها أن رؤساء اليهود عمدوا إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فنزلت هذه الآية قال ابن عباس والأذى قولهم عزير ابن الله التوبة 30 و المسيح ابن الله التوبة 30 و ثالث ثلاثة المائدة 73 وقال الحسن ","part":1,"page":440},{"id":440,"text":" هو الكذب على الله ودعاؤهم المسلمين إلى الضلالة وقال الزجاج هو البهت والتحريف ومقصود الآية إعلام المسلمين بأنه لن ينالهم منهم إلا الأذى باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال وإسماعهم الكفر ثم وعدهم النصر عليهم في قوله وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار \r\n ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون \r\n قوله تعالى أين ما ثقفوا معناه أدركوا ووجدوا وذلك انهم أين نزلوا احتاجوا إلى عهد من أهل المكان وأداء جزية قال الحسن أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لنجبيهم الجزية وأما الحبل فقال ابن عباس وعطاء و الضحاك وقتادة والسدي وابن زيد الحبل العهد قال بعضهم ومعنى الكلام إلا بعهد يأخذونه من المؤمنين بإذن الله قال الزجاج وما بعد الاستثناء في قوله تعالى إلا بحبل من الله ليس من الأول و إنما المعنى انهم أذلاء إلا انهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه وقد سبق في البقرة تفسير باقي الآية \r\n ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون \r\n قوله تعالى ليسوا سواء في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم احتبس عن صلاة العشاء ليلة حتى ذهب ثلث الليل ","part":1,"page":441},{"id":441,"text":" ثم جاء فبشرهم فقال إنه لا يصلي هذه الصلاة احد من أهل الكتاب فنزلت هذه الآية قاله ابن مسعود \r\n والثاني أنه لما أسلم ابن سلام في جماعه من اليهود قال احبارهم ما آمن بمحمد إلا أشرارنا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس و مقاتل وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما ليس أمة محمد واليهود سواء هذا قول ابن مسعود والسدي \r\n والثاني ليس اليهود كلهم سواء بل فيهم من هو قائم بأمر الله هذا قول ابن عباس وقتادة وقال الزجاج الوقف التام ليسوا سواء أي ليس أهل الكتاب متساوين وفي معنى قائمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الثابتة على أمر الله قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثاني أنها العادلة قاله الحسن و مجاهد وابن جريج \r\n والثالث أنها المستقيمة قاله أبو عيبد و الزجاج قال الفراء ذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى والكلام مبني على أخرى لأن سواء لا بد لها من اثنين وقد تستجيز العرب إضمار احد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه قال أبو ذؤيب ... عصيت إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها ","part":1,"page":442},{"id":442,"text":" ولم يقل أم لا ولا أم غي لأن الكلام معروف المعنى \r\n وقال آخر ... وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير ايهما يليني ... أألخير الذي انا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني ... \r\n ومثله قوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما الزمر 9 ولم يذكر ضده لأن في قوله قل هي يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون الزمر 9 دليلا على ما أضمر من ذلك وقد رد هذا القول الزجاج فقال قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله تعالى كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله أن منهم أمة قائمة فما الحاجة إلى أن يقال وأمة غير قائمة و إنما بدأ بذكر فعل الأكثر منهم وهو الكفر والمشاقة فذكر من كان منهم مباينا لهؤلاء قال و آناء الليل ساعاته وواحد الآناء إنى قال ابن فارس يقال مضى من الليل إني وإتيان والجمع الآناء واختلف المفسرون هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا على قولين \r\n أحدهما أنها معينة ثم فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها صلاة العشاء قاله ابن مسعود و مجاهد \r\n والثاني أنها ما بين المغرب والعشاء رواه سفيان عن منصور \r\n والثالث جوف الليل قاله السدي ","part":1,"page":443},{"id":443,"text":" والثاني أنها ساعات الليل من غير تعيين قاله قتادة في آخرين \r\n وفي قوله تعالى وهم يسجدون قولان \r\n أحدهما أنه كناية عن الصلاة قاله مقاتل و الفراء و الزجاج \r\n والثاني أنه السجود المعروف وليس المراد انهم يتلون في حال السجود ولكنهم جمعوا الأمرين التلاوة والسجود \r\n يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين \r\n قوله تعالى وما يفعلوا من خير فلن يكفروه قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم تفعلوا وتكفروه بالتاء في الموضعين على الخطاب لقوله تعالى كنتم خير أمة قال قتادة فلن تكفروه لن يضل عنكم وقرأ قوم منهم حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وعبد الوارث عن أبي عمرو يفعلوا ويكفروا بالياء فيهما إخبارا عن الأمة القائمة وبقية أصحاب أبي عمرو يخبرون بين الياء والتاء \r\n إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا اولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون \r\n قوله تعالى مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا اختلفوا فيمن انزلت على أربعة أقوال ","part":1,"page":444},{"id":444,"text":" أحدها أنها في نفقات الكفار وصدقاتهم قاله مجاهد \r\n والثاني في نفقة سفلة اليهود على علمائهم قاله مقاتل \r\n والثالث في نفقة المشركين يوم بدر \r\n والرابع في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين ذكر هذين القولين أبو الحسن الماوردي وقال السدي إنما ضرب الإنفاق مثلا لأعمالهم في شركهم وفي الصر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه البرد قاله الاكثرون \r\n و الثاني أنه النار قاله ابن عباس وقال ابن الأنباري و إنما وصفت النار بأنها صر تصويتها عند الالتهاب \r\n والثالث أن الصر التصويت والحركة من الحصى والحجارة ومنه صرير النعل ذكره ابن الأنباري والحرث الزرع وفي معنى ظلموا أنفسهم قولان \r\n أحدهما ظلموها بالكفر والمعاصي ومنع حق الله تعالى \r\n والثاني بأن زرعوا في غير وقت الزرع \r\n قوله تعالى وما ظلمهم الله قال ابن عباس أي ما نقصهم ذلك بغير جرم أصابوه و إنما أنزل بهم ذلك لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه وهذا مثل ضربه الله لإبطال أعمالهم في الآخرة وحدثنا عن ثعلب قال بدأ الله تعالى هذه الآية بالريح والمعنى على الحرث كقوله تعالى كمثل الذي ينعق بما لا يسمع و إنما المعنى على المنعوق به وقريب منه قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن فخبر عن الازواج وترك الذين كأنه قال أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن فبدأ بالذين ومراده بعد الأزواج وأنشد ","part":1,"page":445},{"id":445,"text":" لعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ديان أن يتندما ... \r\n فخبر عن ابن أبي ديان وترك نفسه و إنما أراد لعل ابن أبي ديان أن يتندما إن مالت بي الريح ميلة وقد يبدأ بالشيء والمراد التأخير كقوله تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة الزمر60 والمعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة يوم القيامة \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم قال ابن عباس و مجاهد نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والجوار والرضاع والحلف فنهوا عن مباطنتهم قال الزجاج البطانة الدخلاء الذين يستبطنون أمره وينبسط إليهم يقال فلان بطانة لفلان أي مداخل له مؤانس ومعنى لا يألونكم لا يتقون غاية في إلقائكم فيما يضركم \r\n قوله تعالى ودوا ما عنتم أي ودوا عنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه وضر يقال فلان يعنت فلانا أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه وأصل هذا من قولهم أكمة عنوت إذا كانت طويلة شاقة المسلك قال ابن قتيبة ومعنى من دونكم أي من غير المسلمين والخبال الشر \r\n قوله تعالى قد بدت البغضاء من أفواههم قال ابن عباس أي قد ظهر لكم منهم ","part":1,"page":446},{"id":446,"text":" الكذب والشتم ومخالفة دينكم قال القاضي أبو يعلى وفي هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة باهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ولهذا قال أحمد لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب وروي عن عمر أنه بلغه أن ابا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة فكتب إليه يعنفه وقال لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله \r\n ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله و إذا لقوكم قالوا آمنا و إذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى ها أنتم أولاء تحبونهم قال ابن عباس كان عامة الأنصار يواصلون اليهود ويواصلونهم فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود فنزلت هذه الآية والخطاب بهذه الآية للمؤمنين قال ابن قتيبة ومعنى الكلام ها أنتم يا هؤلاء فأما تحبونهم فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن مصافاتهم وفي معنى محبة المؤمنين لهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الميل اليهم بالطباع لموضع القرابة والرضاع والحلف وهذا المعنى منقول عن ابن عباس \r\n والثاني أنها بمعنى الرحمة لهم لما يفعلون من المعاصي التي يقابلها العذاب الشديد وهذا المعنى منقول عن قتادة \r\n والثالث أنها لموضع إظهار المنافقين الإيمان روي عن أبي العالية \r\n والرابع أنها بمعنى إرادة الإسلام لهم وهم يريدون المسلمين على الكفر وهذا قول المفضل و الزجاج والكتاب بمعنى الكتب قاله الزجاج ","part":1,"page":447},{"id":447,"text":" قوله تعالى و إذا لقوكم قالوا آمنا هذه حالة المنافقين وقال مقاتل هم اليهود والأنامل أطراف الأصابع قال ابن عباس والغيظ الحنق عليكم وقيل هذا من مجاز الكلام ضرب مثلا لما حل بهم و إن لم يكن هناك عض على أنملة ومعنى موتوا بغيظكم ابقوا به حتى تموتوا و إنما كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ملتئما قال ابن جرير هذا أمر من الله تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله كمدا من الغيظ \r\n إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط \r\n قوله تعالى إن تمسسكم حسنة قال قتادة وهي الألفة والجماعة والسيئة الفرقة والاختلاف وإصابة طرف من المسلمين وقال ابن قتيبة الحسنة النعمة والسيئة المصيبة \r\n قوله تعالى وإن تصبروا فيه قولان أحدهما على أذاهم قاله ابن عباس \r\n والثاني على أمر الله قاله مقاتل \r\n وفي قوله تعالى وتتقوا قولان \r\n أحدهما الشرك قاله ابن عباس والثاني المعاصي قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لا يضركم قرأ ابن كثير ونافع و ابو عمرو يضركم بكسر الضاد وتخفيف الراء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لا يضركم بضم الضاد وتشديد الراء قال الزجاج الضر والضير بمعنى واحد فأما الكيد فقال ابن قتيبة هو المكر قال أبو سليمان الخطابي والمحيط الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه وأحاط علمه بالأشياء كلها \r\n وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ","part":1,"page":448},{"id":448,"text":" قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك قال المفسرون في هذا الكلام تقديم وتأخير تقديره ولقد نصركم الله ببدر وإذ غدوت من أهلك وقال ابن قتيبة توىء من قولك بوأتك منزلا إذا أفدتك إياه أو أسكنتكه ومعنى مقاعد للقتال المعسكر والمصاف واختلفوا في أي يوم كان ذلك على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم أحد قاله عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود و ابن عباس والزهري وقتادة والسدي والربيع وابن اسحاق وذلك أنه خرج يوم أحد من بيت عائشة إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال والثاني أنه يوم الأحزاب قاله الحسن ومجاهد ومقاتل \r\n والثالث يوم بدر نقل عن الحسن أيضا قال ابن جرير والأول أصح لقوله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم أحد \r\n قوله تعالى والله سميع عليم قال أبو سليمان الدمشقي سميع لمشاورتك إياهم في الخروج ومرادهم للخروج عليم بما يخفون من حب الشهادة \r\n إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون \r\n قوله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا قال الزجاج كنت النبوئة في ذلك الوقت وتفشلا تجبنا ويخورا والله وليهما أي ناصرهما قال جابر بن عبد الله نحن هم بنو سلمة وبنو حارثة وما نحب أن لو لم يكن ذلك لقول الله والله وليهما وقال الحسن هما طائفتان من الأنصار همتا بذلك فعصمهما الله وقيل لما رجع عبد الله ابن أبي في أصحابه يوم أحد همت الطائفتان باتباعه فعصمهما الله ","part":1,"page":449},{"id":449,"text":" فصل \r\n فأما التوكل فقال ابن عباس هو الثقة بالله وقال ابن فارس هو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك ويقال فلان وكله تكلة أي عاجز يكل أمره إلى غيره وقال غيره هو تفعل من الوكالة يقال وكلت أمري إلى فلان فتوكل به أي ضمنه وقام به وأنا متوكل عليه وقال بعضهم هو تفويض الأمر إلى الله ثقة بحسن تدبيره \r\n ولقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون \r\n قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر في تسمية بدر قولاان \r\n أحدهما أنها بئر لرجل اسمه بدر قاله الشعبي \r\n والثاني أنه اسم للمكان الذي التقوا عليه ذكره الواقدي عن أشياخه \r\n قوله تعالى وأنتم أذلة أي لقلة العدد والعدد لعلكم تشكرون أي لتكونوا من الشاكرين \r\n إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين \r\n قوله تعالى إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم قال الشعبي قال كرز بن جابر لمشركي مكة إني أمدكم بقومي فاشتد ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان \r\n أحدهما يوم بدر قاله ابن عباس وعكرمة و مجاهد وقتادة ","part":1,"page":450},{"id":450,"text":" والثاني يوم أحد وعدهم فيه بالمدد إن صبروا فلما لم يصبروا لم يمدوا روي عن عكرمة و الضحاك و مقاتل والأول أصح والكافية مقدار سد الخلة والاكتفاء الاقتصار على ذلك والإمداد إعطاء الشيء بعد الشيء \r\n قوله تعالى منزلين قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي وشددها ابن عامر \r\n بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين \r\n قوله تعالى ويأتوكم من فورهم هذا فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه من وجههم وسفرهم هذا قاله ابن عباس والحسن وقتادة و مقاتل و الزجاج \r\n والثاني من غضبهم هذا قاله عكرمة و مجاهد و الضحاك في آخرين قال ابن جرير من قال من وجههم أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر ومن قال من غضبهم أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر وأصل الفور ابتداء الأمر يؤخذ فيه يقال فارت القدر إذا ابتدأ مافيها بالغليان ثم اتصل وقال ابن فارس الفور الغليان يقال فارت القدر تفور وفار غضبه إذا جاش ويقولون فعله من فوره أي قبل أن يسكن ","part":1,"page":451},{"id":451,"text":" وفي يوم فورهم قولان \r\n أحدهما أنه يوم بدر قاله قتادة \r\n والثاني يوم أحد قال مجاهد و الضحاك كانوا غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا \r\n قوله تعالى مسومين قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم بكسر الواو والباقون بفتحها فمن فتح الواو أراد أن الله سومها ومن كسرها أراد أن الملائكة سومت أنفسها وقال الأخفش سومت خيلها وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يوم بدر سوموا فان الملائكة قد سومت ونسب الفعل اليها فهذا دليل الكسر قال ابن قتيبة ومعنى مسومين معلمين بعلامة الحرب وهو من السيماء مأخوذ والسومة العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه قال علي رضي الله عنه وكان سيماء خيل الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في أذنابها ونواصيها وقال أبو هريرة العهن الأحمر وقال مجاهد كانت أذناب خيولهم مجزوزة وفيها العهن وقال هشام بن عروة كانت الملائكة على خيل بلق وعليهم عمائم صفر وروى ابن عباس عن رجل من بني غفار قال حضرت انا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا فأقبلت سحابة فلما دنت من الخيل سمعنا فيها حمحمة الخيل وسمعنا فارسا يقول أقدم حيزوم فأما صاحبي فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم انتعشت وقال أبو داود المازني إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه ","part":1,"page":452},{"id":452,"text":" فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله \r\n وفي عدد الملائكة يوم بدر خسمة أقوال \r\n أحدها خمسة آلاف قاله الحسن وروى جبير بن مطعم عن علي رضي الله عنه قال بينا أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة وكان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة عن يمين رسول الله وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله وكنت عن يساره وهزم الله أعداءه \r\n والثاني أربعة آلاف قاله الشعبي والثالث ألف قاله مجاهد \r\n والرابع تسعة آلاف ذكره الزجاج ","part":1,"page":453},{"id":453,"text":" والخامس ثمانية آلاف ذكره بعض المفسرين \r\n وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى وما جعله الله يعني المدد إلا بشرى أي إلا بشارة تطيب أنفسكم ولتطمئن قلوبكم به فتسكن في الحرب ولا تجزع والأكثرون على أن هذا المدد يوم بدر وقال مجاهد يوم أحد وروي عنه ما يدل على أن الله أمدهم في اليومين بالملائكة جميعا غير أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر \r\n قوله تعالى وما النصر إلا من عند الله أي ليس بكثرة العدد والعدد \r\n ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين \r\n قوله تعالى ليقطع طرفا معناه نصركم ببدر ليقطع طرفا قال الزجاج أي ليقتل قطعة منهم وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان \r\n أحدهما في يوم بدر قاله الحسن وقتادة والجمهور \r\n والثاني يوم أحد قتل منهم ثمانية وعشرون قاله السدي \r\n قوله تعالى أويكبتهم فيه سبعة أقوال \r\n أحدها أن معناه يهزمهم قاله ابن عباس و الزجاج \r\n والثاني يخزيهم قاله قتادة و مقاتل \r\n والثالث يصرعهم قاله أبو عبيد واليزيدي وقال الخليل هو الصرع على الوجه \r\n والرابع يهلكهم قاله أبو عبيدة والخامس يلعنهم قاله السدي \r\n والسادس يظفر عليهم قاله المبرد ","part":1,"page":454},{"id":454,"text":" والسابع يغيظهم قاله النضر بن شميل واختاره ابن قتيبة وقال ابن قتيبة أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن دال كأن الأصل فيه يكبدهم أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة ومنه يقال فلان قد أحرق الحزن كبده وأحرقت العداوة كبده والعرب تقول العدو اسود الكبد قال الأعشى ... فما أجشمت من إتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود ... \r\n كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت ومنه يقال للعدو كاشح لأنه يخبأ العداوة في كشحه والكشح الخاصرة و إنما يريدون الكبد لأن الكبد هناك قال الشاعر ... وأضمر أضغانا علي كشوحها ... \r\n والتاء والدال متقاربتا المخرج والعرب تدغم احداهما في الاخرى وتبدل احداهما من الاخرى كقولهم هرت الثوب وهرده إذا خرقه وكذلك كبت العدو وكبده ومثله كثير \r\n قوله تعالى فينقلبوا خائبين قال الزجاج الخائب الذي لم ينل ما أمل وقال غيره الفرق بين الخيبة واليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد الامل واليأس قد يكون من غير أمل ","part":1,"page":455},{"id":455,"text":" ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون \r\n قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه فقال كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز و جل فنزلت هذه الآية أخرجه مسلم في أفراده من حديث أنس وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع \r\n والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم لعن قوما من المنافقين فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر \r\n والثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم هم بسب الذين انهزموا يوم أحد فنزلت هذه الآية فكف عن ذلك نقل عن ابن مسعود و ابن عباس \r\n والرابع أن سبعين من أهل الصفة خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم عصية وذكوان فقتلوا جميعا فدعا النبي صلى الله عليه و سلم عليهم أربعين يوما فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ابن سليمان ","part":1,"page":456},{"id":456,"text":" والخامس أن النبي صلى الله عليه و سلم لما رأى حمزة ممثلا به قال لأمثلن بكذا وكذا منهم فنزلت هذه الآية قاله الواقدي وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شيء \r\n والثاني ليس لك من النصر والهزيمة شيء وقيل إن لك بمعنى إليك \r\n قوله تعالى أو يتوب عليهم قال الفراء في نصبه وجهان إن شئت جعلته معطوفا على قوله تعالى ليقطع طرفا وإن شئت جعلت نصبه على مذهب حتى كما تقول لا أزال معك حتى تعطيني ولما نفى الأمر عن نبيه أثبت أن جميع الأمور إليه بقوله تعالى ولله ما السموات وما في الأرض \r\n ولله ما في ما السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا قال أهل التفسير هذه الآية نزلت ","part":1,"page":457},{"id":457,"text":" في ربا الجاهلية قال سعيد بن جبير كان الرجل يكون له على الرجل المال فاذا حل الأجل فيقول أخر عني وأزيدك على مالك فتلك الأضعاف المضاعفة ","part":1,"page":458},{"id":458,"text":" واتقوا النار التي أعدت للكافرين \r\n قوله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين قال ابن عباس هذا تهديد للمؤمنين لئلا يستحلوا الربا قال الزجاج والمعنى اتقوا أن تحلوا ما حرم الله فتكفروا \r\n وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين \r\n قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم كلهم أثبت الواو في وسارعوا إلا نافعا وابن عامر فانهما لم يذكراها وقال أبو علي وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام فمن قرأ بالواو عطف وسارعوا على وأطيعوا ومن حذفها فلأن الجملة الثانية متلبسة بالأولى فاستغنت عن العطف ومعنى الآية بادروا إلى ما يوجب المغفرة وفي المراد بموجب المغفرة هاهنا عشرة أقوال \r\n أحدها أنه الاخلاص قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه \r\n والثاني أداء الفرائض قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه \r\n والثالث الإسلام قاله ابن عباس ","part":1,"page":459},{"id":459,"text":" والرابع التكبيرة الاولى من الصلاة قاله أنس بن مالك \r\n والخامس الطاعة قاله سعيد بن جبير والسادس التوبة قاله عكرمة \r\n والسابع الهجره قاله أبوالعالية والثامن الجهاد قاله الضحاك \r\n والتاسع الصلوات الخمس قاله يمان والعاشر الأعمال الصالحة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وجنة عرضها السموات والأرض قال ابن قتيبة أراد بالعرض السعة ولم يرد العرض الذي يخالف الطول والعرب تقول بلاد عريضة أي واسعة وقال النبي صلى الله عليه و سلم للمنهزمين يوم أحد لقد ذهبتم فيها عريضة \r\n قال الشاعر ... كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل ... \r\n قال وأصل هذا من العرض الذي هو خلاف الطول و إذا عرض الشيء اتسع و إذا لم يعرض ضاق ودق وقال سعيد بن جبير لو ألصق بعضهن إلى بعض كانت الجنة في عرضهن \r\n الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين \r\n قوله تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء قال ابن عباس في العسر واليسر ومعنى الآية انهم رغبوا في معاملة الله فلم يبطرهم الرخاء فينسيهم ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا \r\n قوله تعالى والكاظمين الغيظ قال الزجاج يقال كظمت الغيظ إذا ","part":1,"page":460},{"id":460,"text":" أمسكت على ما في نفسك منه وكظم البعير على جرته إذا رددها في حلقه وقال ابن الأنباري الأصل في الكظم الإمساك على غيظ وغم وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى \r\n قوله تعالى والعافين عن الناس فيه قولان \r\n أحدهما أنه العفو عن المماليك قاله ابن عباس والربيع \r\n والثاني أنه على إطلاقه فهم يعفون عمن ظلمهم قاله زيد بن أسلم و مقاتل \r\n والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفورا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين \r\n قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمرا فضمها وقبلها ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس ","part":1,"page":461},{"id":461,"text":" والثاني أن أنصاريا وثقفيا آخى النبي صلى الله عليه و سلم بينها فخرج الثقفي مع النبي صلى الله عليه و سلم في بعض مغازيه فكان الأنصاري يتعهد أهل الثقفي فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فدخل ولم يستأذن فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبله ثم ندم فأدبر راجعا فقالت سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك قال فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله من ذنبه فلما قدم الثقفي أخبرته المرأة بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فندم على صنيعه فوافقه ساجدا يقول ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له يا فلان انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك مخرجا فرجع إلى المدينة فنلزت هذه الآية بتوبته رواه أبو صالح عن ابن عباس وذكره مقاتل \r\n والثالث أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم بنو إسرائيل أكرم على الله منا كان احدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه و سلم ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأ هذه الآية والتي قبلها هذا قول عطاء واختلفوا هل هذه الآية نعت للمنفقين في السراء والضراء أم لقوم آخرين على قولين \r\n أحدهما أنها نعت لهم قاله الحسن \r\n والثاني أنها لصنف آخر قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n والفاحشة القبيحة وكل شيء جاوز قدره فهو فاحش وفي المراد بها هاهنا قولان \r\n أحدهما أنها الزنى قاله جابر بن زيد والسدي و مقاتل \r\n والثاني أنها كل كبيرة قاله جماعة من المفسرين ","part":1,"page":462},{"id":462,"text":" واختلفوا في الظلم المذكور بعدها فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة وقالوا الظلم للنفس فاحشة أيضا وفرق آخرون فقالوا هو الصغائر وفي قوله تعالى ذكروا الله قولان \r\n أحدهما أنه ذكر اللسان وهو الاستغفار قاله ابن مسعود وعطاء في آخرين \r\n والثاني أنه ذكر القلب ثم فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه ذكر العرض على الله قاله الضحاك \r\n والثاني أنه ذكر السؤال عنه يوم القيامة قاله الواقدي \r\n والثالث ذكر وعيد الله لهم على ما أتوا قاله ابن جرير \r\n والرابع ذكر نهي الله لهم عنه \r\n والخامس ذكر غفران الله ذكر القولين أبو سليمان الدمشقي \r\n فأما الإصرار فقال الزجاج هو الإقامة على الشىء وقال ابن فارس هو العزم على الشىء والثبات عليه وللمفسرين في المراد بالاصرار ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه مواقعة الذنب عند الاهتمام به وهذا مذهب مجاهد \r\n والثاني أنه الثبوت عليه من غير استغفار وهذا مذهب قتادة وابن اسحاق ","part":1,"page":463},{"id":463,"text":" والثالث أنه ترك الاستغفار منه وهذا مذهب السدي وفي معنى وهم يعلمون ثلاثة أقوال \r\n أحدها وهم يعلمون أن الإصرار يضر وان تركه أولى من التمادي قاله ابن عباس والحسن \r\n والثاني يعلمون أن الله يتوب على من تاب قاله مجاهد و أبو عمارة \r\n والثالث يعلمون انهم قد أذنبوا قاله السدي و مقاتل \r\n قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ","part":1,"page":464},{"id":464,"text":" قوله تعالى قد خلت من قبلكم سنن السنن جمع سنة وهي الطريقة وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما قد مضى قبلكم أهل سنن وشرائع فانظروا ماذا صنعنا بالمكذبين منهم وهذا قول ابن عباس \r\n والثاني قد مضت قبلكم سنن الله في إهلاك من كذب من الأمم فاعتبروا بهم وهذا قول مجاهد وفي معنى فسيروا في الأرض قولان \r\n أحدهما أنه السير في السفر قاله الزجاج إذا سرتم في أسفاركم عرفتم أخبار الهالكين بتكذيبهم والثاني أنه التفكر ومعنى فانظروا اعتبروا والعاقبة آخر الأمر \r\n هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين \r\n قوله تعالى هذا بيان للناس قال سعيد بن جبير هذه الآية أول ما نزل من آل عمران وفي المشار إليه ب هذا قولان \r\n أحدهما أنه القرآن قاله الحسن وقتادة و مقاتل \r\n والثاني أنه شرح أخبار الأمم السالفة قاله ابن اسحاق والبيان الكشف عن الشىء وبان الشىء اتضح وفلان أبين من فلان اي أفصح قال الشعبي هذا بيان للناس من العمى وهدى من الضلالة وموعظة من الجهل \r\n ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا سبب نزولها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أنهزموا يوم أحد أقبل خالد بن الوليد يخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال ","part":1,"page":465},{"id":465,"text":" النبي صلى الله عليه و سلم اللهم لا يعلون علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك فنزلت هذه الآيات قاله ابن عباس قال ابن عباس و مجاهد ولا تهنوا أي ولا تضعفوا وفيما نهوا عن الحزن عليه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه قتل إخوانهم من المسلمين قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه هزيمتهم يوم أحد وقتلهم قاله مقاتل \r\n والثالث أنه ما أصاب النبي صلى الله عليه و سلم من شجه وكسر رباعيته ذكره الماوردي \r\n والرابع أنه ما فات من الغنيمة ذكره علي بن أحمد النيسابوري \r\n قوله تعالى وأنتم الأعلون قال ابن عباس يقول أنتم الغالبون فآخر لكم \r\n إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين \r\n قوله تعالى إن يمسسكم قرح قال ابن عباس أصابهم يوم أحد قرح فشكوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ما لقوا فنزلت هذه الآية فأما المس فهو الإصابة وقرأ ابن كثير و أبو عمرو وابن عامر ونافع قرح بفتح القاف وقرأ حمزة والكسائي و أبو بكر عن عاصم قرح بضم القاف واختلفوا هل معنى القراءتين واحد أم لا فقال أبو عبيد القرح بالفتح الجراح والقتل والقرح بالضم ألم الجراح وقال الزجاج هما في اللغة بمعنى واحد ومعناه الجراح وألمها قال ومعنى نداولها أي نجعل الدولة في وقت للكفار على المؤمنين إذا عصى المؤمنون فأما إذا أطاعوا فهم منصورون قال ","part":1,"page":466},{"id":466,"text":" ومعنى ليعلمه الله أي ليعلم واقعا منهم لأنه عالم قبل ذلك و إنما يجازي على ما وقع وقال ابن عباس معنى العلم هاهنا الرؤية \r\n قوله تعالى ويتخذ منكم شهداء قال أبو الضحى نزلت في قتلى أحد قال ابن جريج كان المسلمون يقولون ربنا أرنا يوما كيوم بدر نلتمس فيه الشهادة فاتخذ منهم شهداء يوم أحد قال ابن عباس والظالمون هاهنا المنافقون وقال غيره هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبي المنافق \r\n وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين \r\n قوله تعالى وليمحص الله الذين آمنوا قال الزجاج معنى الكلام جعل الله الايام مداولة بين الناس ليمحص المؤمنين ويمحق الكافرين وفي التمحيص قولان \r\n أحدهما أنه الابتلاء والاختبار وأنشدوا ... رأيت فضيلا كان شيئا ملففا ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا ... \r\n وهو قول الحسن و مجاهد والسدي و مقاتل و ابن قتيبة في آخرين \r\n والثاني أنه التنقية والتخليص وهو قول الزجاج وحكي عن المبرد قال يقال محص الحبل محصا إذا ذهب منه الوبر حتى تخلص ومعنى قولهم اللهم محص عنا ذنوبنا أذهبها عنا وذكر الزجاج عن الخليل أن التمحيص التخليص يقال محصت الشىء أمحصه محصا إذا أخلصته فعلى القول الأول التمحيص ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم وعلى الثاني هو تنقيتهم من الذنوب بذلك قال الفراء معنى الآية وليمحص الله بالذنوب عن الذين آمنوا ","part":1,"page":467},{"id":467,"text":" قوله تعالى ويمحق الكافرين فيه أربعة أقوال \r\n أحدها يهلكهم قاله ابن عباس والثاني يذهب دعوتهم قاله مقاتل \r\n والثالث ينقصهم ويقللهم قاله الفراء \r\n والرابع يحبط أعمالهم ذكره الزجاج \r\n أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه و أنتم تنظرون \r\n قوله تعالى ولقد كنتم تمنون الموت قال ابن عباس لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم بما فعل بشهداء يوم بدر من الكرامة رغبوا في ذلك فتمنوا قتالا يستشهدون فيه فيلحقون باخوانهم فأراهم الله يوم أحد فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم فنزل فيهم ولقد كنتم تمنون الموت يعني القتال من قبل أن تلقوه أي من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد فقد رأيتموه يومئذ قال الفراء و ابن قتيبة أي رأيتم أسبابه وهي السيف ونحوه من السلاح وفي معنى و وأنتم تنظرون ثلاثة أقوال \r\n أحدها تنظرون إلى السيوف قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه ذكر للتوكيد قاله الأخفش وقال الزجاج معناه فقد رأيتموه و انتم بصراء كما تقول رأيت كذا وكذا وليس في عينك علة أي رأيته رؤية حقيقة ","part":1,"page":468},{"id":468,"text":" والثالث أن معناه وأنتم تنظرون ما تمنيتم وفي الآية إضمار أي فقد رأيتموه و انتم تنظرون فلم انهزمتم \r\n وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين \r\n قوله تعالى وما محمد إلا رسول قال ابن عباس صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فقال قوم لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا ولو كان محمد حيا لم نهزم فترخصوا في الفرار فنزلت هذه الآية وقال الضحاك قال قوم من المنافقين قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية وقال قتادة قال أناس لو كان نبيا ما قتل وقال ناس من علية أصحاب رسول الله قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به فنزلت هذه الآية ومعنى الآية أنه يموت كما ماتت قبله الرسل إفان مات على فراشه أو قتل كمن قتل قبله من الأنبياء أتنقلبون على أعقابكم أي ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر وهذا على سبيل المثل يقال لكل من رجع عما كان عليه قد انقلب على عقبيه وأصله رجعة القهقرى والعقب مؤخر القدم \r\n قوله تعالى فلن يضر الله شيئا أي لن ينقص الله شيئا برجوعه و إنما يضر نفسه وسيجزي أي يثيب الشاكرين وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها انهم الثابتون على دينهم قاله علي رضي الله عنه وقال كان أبو بكر أمير الشاكرين \r\n والثاني انهم الشاكرون على التوفيق والهداية و الثالث على الدين ","part":1,"page":469},{"id":469,"text":" وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين \r\n قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله في الإذن قولان \r\n أحدهما أنه الأمر قاله ابن عباس والثاني الإذن نفسه قاله مقاتل \r\n قال الزجاج ومعنى الآية وما كانت نفس لتموت إلا باذن الله \r\n قوله تعالى كتابا مؤجلا توكيد والمعنى كتب الله ذلك كتابا مؤجلا أي كتابا ذا أجل والأجل الوقت المعلوم ومثله في التوكيد كتاب الله عليكم النساء 24 لأنه لما قال حرمت عليكم امهاتكم النساء 22 دل على أنه مفروض فأكد بقوله كتاب الله عليكم النساء 24 وكذلك قوله تعالى صنع الله النمل 88 لأنه لما قال وترى الجبال تحسبها جامدة النمل 88 دل على أنه خلق الله فأكد بقوله صنع الله \r\n قوله تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها أي من قصد بعمله الدنيا أعطي منها قليلا كان أو كثيرا ومن قصد الاخرة بعمله أعطي منها وقال مقاتل عنى بالآية من ثبت يوم أحد ومن طلب الغنيمة \r\n فصل \r\n وأكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله تعالى عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الاسراء 18 والصحيح أنه محكم لأنه لا يؤتى أحد شيئا إلا بقدرة الله ومشيئته \r\n ومعنى قوله تعالى نؤته منها أي ما نشاء وما قدرنا له ولم يقل ما يشاء هو ","part":1,"page":470},{"id":470,"text":" وكأين من نبي قاتل مع ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين \r\n قوله تعالى وكأين من نبي قرأ الجمهور وكأين في وزن كعين وقرأ ابن كثير وكائن في وزن كاعن قال الفراء أهل الحجاز يقولون كأين مثل كعين ينصبون الهمزة ويشددون الياء وتميم يقولون وكائن كأنها فاعل من كئت وأنشدني الكسائي ... وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا ... على ابن غدا منه شجاع وعقرب ... \r\n وقال آخر ... وكائن أصابت مؤمنا من مصيبة ... على الله عقباها ومنه ثوابها ... \r\n وقال ابن قتيبة كائن بمعنى كم مثل قوله وكأين من قريةعتت عن أمر ربها الطلاق 8 وفيها لغتان كأين بالهمزة وتشديد الياء وكائن على وزن قائل وبائع وقد قرىء بهما جميعا في القرآن والأكثر والأفصح تخفيفها قال الشاعر ... وكائن أرينا الموت من ذي تحية ... إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم \r\n وقال الآخر ... وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم ... \r\n قوله تعالى قاتل معه ربيون قرأ ابن كثير ونافع أبو عمرو وأبان والمفضل ","part":1,"page":471},{"id":471,"text":" كلاهما عن عاصم قتل بضم القاف وكسر التاء من غير ألف وقرأ الباقون قاتل بألف وقرأ ابن مسعود و أبورزين و أبو رجاء والحسن وابن يعمر وابن جبير وقتادة وعكرمة وأيوب ربيون بضم الراء وقرأ ابن عباس وأنس وابو مجلز و أبوالعالية والجحدري بفتحها فعلى حذف الألف يحتمل وجهين \r\n أحدهما أن يكون قتل للنبي وحده ويكون المعنى وكأين من نبي قتل ومعه ربيون فما وهنوا بعد قتله \r\n والثاني أن يكون قتل للربيين ويكون فما وهنوا لمن بقي منهم وعلى إثبات الألف يكون المعنى أن القوم قاتلوا فما وهنوا وفي معنى الربيين خمسة أقوال \r\n أحدها انهم الألوف قاله ابن مسعود و ابن عباس في رواية واختاره الفراء \r\n والثاي الجماعات الكثيرة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة و الضحاك وقتادة والسدي والربيع واختاره ابن قتيبة \r\n والثالث انهم الفقهاء والعلماء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن واختاره اليزيدي و الزجاج والرابع أنهم الاتباع قاله ابن زيد \r\n والخامس أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى قاله ابن فارس \r\n قوله تعالى فما وهنوا فيه قولان \r\n أحدهما أنه الضعف قاله ابن عباس و ابن قتيبة والثاني أنه العجز قاله قتادة \r\n قال ابن قتيبة والاستكانه الخشوع والذل ومنه أخذ المسكين وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما فما وهنوا بالخوف وما ضعفوا بنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع ","part":1,"page":472},{"id":472,"text":" والثاني فما وهنوا لقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم \r\n وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين \r\n قوله تعالى وما كان قولهم يعني الربيين إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا أي لم يكن قولهم غير الاستغفار والإسراف مجاوزة الحد وقيل أريد بالذنوب الصغائر وبالإسراف الكبائر \r\n قوله تعالى وثبت اقدامنا قال ابن عباس على القتال وقال الزجاج معناه ثبتنا على دينك فإن الثابت على دينه ثابت في حربه \r\n فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين \r\n قوله تعالى فآتاهم الله ثواب الدنيا فيه قولان \r\n أحدهما أنه النصر قاله قتادة والثاني الغنيمة قاله ابن جريج وروي عن ابن عباس أنه قال النصر والغنيمة \r\n وفي حسن ثواب الآخرة قولان احدهما أنه الجنة \r\n والثاني الأجر والمغفرة وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدو \r\n يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ","part":1,"page":473},{"id":473,"text":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا قال ابن عباس نزلت في قول ابن أبي للمسلين لما رجعوا من أحد لو كان نبيا ما أصابه الذي أصابه وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المنافقون على قول ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني أنهم اليهود والنصارى قاله ابن جريج \r\n و الثالث أنهم عبدة الأوثان قاله السدي قالوا وكانوا قد أمروا المسلمين بالرجوع عن دينهم ومعنى يردوكم على أعقابكم يصرفوكم إلى الشرك فتنقلبوا خاسرين بالعقوبة \r\n بل الله مولكم وهو خير الناصرين قوله تعالى بل الله مولاكم أي وليكم ينصركم عليهم فاستغنوا عن موالاة الكفار \r\n سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين \r\n قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب قال السدي لما ارتحل المشركون يوم أحد نحو مكة ندموا في بعض الطريق وقالوا قتلتموهم حتى إذا لم يبق الا الشرذمة تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فقذف الله في قلوبهم الرعب ونزلت هذه الآية والإلقاء القذف والرعب الخوف قرأ ابن كثير ونافع وعاصم و أبو عمرو ","part":1,"page":474},{"id":474,"text":" وحمزة الرعب ساكنة العين خفيفة وقرأ ابن عامر والكسائي ويعقول و أبو جعفر مضمومة العين مثقله أين وقعت والسلطان هاهنا الحجة في قول الجماعة والمأوى المكان الذي يؤوى إليه والمثوى المقام والثوى الإقامة قال ابن عباس والظالمون هاهنا الكافرون \r\n ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين \r\n قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده قال محمد بن كعب القرظي لما رجع النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه من أحد قال قوم منهم من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت هذه الآية وقال المفسرون وعد الله تعالىالمؤمنين النصر بأحد فنصرهم فلماخالفوا وطلبوا الغنيمة هزموا وقال ابن عباس ما نصر رسول الله صلى الله عليه و سلم في موطن ما نصر في أحد فأنكر ذلك عليه فقال بيني وبينكم كتاب الله إن الله يقول ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه فأما الحس فهو القتل قاله ابن عباس والحسن و مجاهد والسدي والجماعة وقال ابن قتيبة تحسونهم أي تستأصلونهم بالقتل يقال سنة حسوس إذا أتت على كل شيء وجراد محسوس إذا قتله البرد \r\n وفي قوله تعالى باذنه ثلاثة أقوال ","part":1,"page":475},{"id":475,"text":" أحدها بأمره قاله ابن عباس والثاني بعلمه قاله الزجاج \r\n و الثالث بقضائه قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى حتى إذا فشلتم قال الزجاج أي جبنتم وتنازعتم أي اختلفتم من بعد ما أراكم ما تحبون يعني النصرة وقال الفراء فيه تقديم وتاخير معناه حتى إذا تناعزعم في الأمر فشلتم وعصيتم وهذه الواو زائدة كقوله تعالى فلما أسلما وتله للجبين وناديناه الصافات 103 معناه ناديناه فأما تنازعهم فان بعض الرماة قال قد انهزم المشركون فما يمنعنا من الغنيمة وقال بعضهم بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فترك المركز بعضهم وطلب الغنيمة وتركوا مكانهم فذلك عصيانهم وكان النبي صلى الله عليه و سلم قد أوصاهم لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا من مكانكم \r\n قوله تعالى منكم من يريد الدنيا قال المفسرون هم الذين طلبوا الغنيمة وتركوا مكانهم ومنكم من يريد الآخرة وهم الذين ثبتوا وقال بان مسعود ما كنت أظن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى صرفكم عنهم أي ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم ليبتليكم أي ليختبركم فيبين الصابر من الجازع \r\n قوله تعالى ولقد عفا عنكم فيه قولان \r\n أحدهما عفا عن عقوبتكم قاله ابن عباس \r\n والثاني عفا عن استئصالكم قاله الحسن وكان يقول هؤلاء مع رسول الله في سبيل الله غضاب لله يقاتلون في سبيل الله نهوا عن شيء فضيعوه فما تركوا حتى غموا بهذا الغم والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ويركب كل داهية ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم ","part":1,"page":476},{"id":476,"text":" قوله تعالى والله ذو فضل على المؤمنين فيه قولان \r\n أحدهما إذ عفا عنهم قاله ابن عباس والثاني إذ لم يقتلوا جميعا قاله مقاتل \r\n إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون \r\n قوله تعالى إذ تصعدون ولا تلوون قال المفسرون إذ متعلقة بقوله تعالى ولقد عفا عنكم وأكثر القراء على ضم التاء وكسر العين من قوله تصعدون وهو من الإصعاد وروى أبان عن ثعلب عن عاصم فتحها وهي قراءة الحسن و مجاهد وهو من الصعود قال الفراء الإصعاد في ابتداء الأسفار والمخارج تقول أصعدنا من بغداد إلى خراسان فاذا صعدت على سلم أو درجة قلت صعدت ولا تقول أصعدت وقال الزجاج كل من ابتدأ مسيرا من مكان فقد أصعد فأما الصعود فهو من أسفل إلى فوق ومن فتح التاء ومعين أراد الصعود في الجبل وللمفسرين في معنى الآية قولان \r\n أحدهما أنه صعودهم في الجبل قاله ابن عباس و مجاهد \r\n والثاني أنه الإبعاد في الهزيمة قاله قتادة و ابن قتيبة و تلوون بمعنى تعرجون \r\n وقوله تعالى على أحد عام وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى الله عليه و سلم قال والنبي صلى الله عليه و سلم يناديهم من خلفهم إلى عباد الله أنا رسول الله وقرأت عائشة وأبو مجلز وأبو الجوزاء وحميد على أحد بضم الألف والحاء يعنون الجبل \r\n قوله تعالى فأثابكم أي جازاكم قال الفراء الإثابة هاهنا بمعنى عقاب ولكنه كما قال الشاعر ","part":1,"page":477},{"id":477,"text":" أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا ... \r\n المحدرجة السياط والسود فيما يقال القيود \r\n قوله تعالى غما بغم في هذه الباء أربعة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى مع والثاني بمعنى بعد \r\n و الثالث بمعنى على فعلى هذه الثلاثة الاقوال يتعلق الغمان بالصحابة وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال \r\n أحدها أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل والثاني إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم قاله ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني أن الأول فرارهم الأول والثاني فرارهم حين سمعوا أن محمد قد قتل قاله مجاهد \r\n والثالث أن الأول ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح والثاني حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه و سلم قد قتل قاله قتادة \r\n والرابع أن الأول ما فاتهم من الغنيمة والفتح والثاني إشراف أبي سفيان عليهم قاله السدي \r\n والخامس أن الأول اشراف خالد بن الوليد عليهم والثاني إشراف أبي سفيان عليهم ذكره الثعلبي ","part":1,"page":478},{"id":478,"text":" والقول الرابع أن الباء بمعنى الجزاء فتقديره غمكم كما غممتم غيركم فيكون أحد الغمين للصحابة وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين ويكون الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم وفي المراد بغيرهم قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون غموهم يوم بدر قاله الحسن \r\n والثاني أنه النبي صلى الله عليه و سلم غموه حيث خالفوه فجوزوا على ذلك بأن غمو بما أصابهم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى لكيلا تحزنوا في لا قولان \r\n أحدهما أنها باقية على أصلها ومعناها النفي فعلى هذا في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما فأثابكم غما أنساكم الحزن على ما فاتكم وما أصابكم وقد روي أنهم لما سمعوا أن النبي قد قتل نسوا ما أصابهم وما فاتهم \r\n والثاني أنه متصل بقوله ولقد عفا عنكم فمعنى الكلام عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم لأن عفوه يذهب كل غم \r\n والقول الثاني أنها صلة ومعنى الكلام لكي تحزنوا على ما فاتكم واصابكم عقوبة لكم في خلافكم ومثها قوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله الحديد 29 أي ليعلم هذا قول المفضل قال ابن عباس والذي فاتهم الغنيمة والذي أصابهم القتل والهزيمة \r\n ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله ","part":1,"page":479},{"id":479,"text":" لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة قال ابن قتيبة الأمنة الأمن يقال وقعت الأمنة في الأرض وقال الزجاج معنى الآية أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام و نعاسا منصوب على البدل من أمنة يقال نعس الرجل ينعس نعاسا فهو ناعس وبعضهم يقول نعسان قال الفراء قد سمعتها ولكني لا أشتهيها قال العلماء النعاس أخف النوم وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان \r\n أحدهما أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا فالمنة بزوال الخوف لأن الخائف لا ينام والثاني قواهم بالاستراحة على القتال \r\n قوله تعالى يغشى طائفة منكم قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو وعاصم وابن عامر يغشى بالياء مع التفخيم وهو يعود إلى النعاس وقرأ حمزة والكسائي وخلف تغشى بالتاء مع الإمالة وهو يرجع إلى الأمنةفأما الطائفة التي غشيها النوم فهم المؤمنون والطائفة الذين أهمتهم انفسهم المنافقون أهمهم خلاص أنفسهم فذهب النوم عنهم قال أبو طلحة كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه ثم يسقط وآخذه من النعاس وجعلت انظر وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حجفته ","part":1,"page":480},{"id":480,"text":" من النعاس وقال الزبير ارسل الله علينا النوم فما منا رجل إلا ذقنه في صدره فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فحفطتها منه \r\n قوله تعالى يظنون بالله غير الحق فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم كذبوا بالقدر رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n و الثالث أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل قاله مقاتل \r\n والرابع ظنوا أن أمر النبي صلى الله عليه و سلم مضمحل قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ظن الجاهلية قال ابن عباس أي كظن الجاهلية \r\n قوله تعالى يقولون هل لنا من الأمر من شيء لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الجحد تقديره ما لنا من الأمر من شيء قال الحسن قالوا لو كان الأمر إلينا ما خرجنا و إنما أخرجنا كرها وقال غيره المراد بالأمر النصر والظفر قالوا إنما النصر للمشركين قل إن الأمر كله أي النصر والظفر والقضاء والقدر لله والاكثرون قرؤوا إن الأمر كله لله بنصب اللام وقرأ أبو عمرو برفعها قال أبو علي حجة من نصب أن كله بمنزلة أجمعين في الإحاطة والعموم فلو قال إن الأمر ","part":1,"page":481},{"id":481,"text":" أجمع لم يكن إلا النصب وكله بمنزلة أجمعين ومن رفع فلآنه قد ابتدأ به كما ابتدأ بقوله تعالى وكلهم آتية \r\n قوله تعالى يخفون في أنفسهم في الذي أخفوه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قولهم لو كنا في بيوتنا ما قتلنا هاهنا \r\n والثاني أنه إسرارهم الكفر والشك في أمر الله \r\n و الثالث الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد \r\n قال أبو سليمان الدمشقي والذي قال هل لنا من الأمر من شيء عبد الله ابن أبي والذي قال لو كان لنا من الأمر من شيء معتب بن قشير \r\n قوله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم أي لو تخلفتم لخرج منكم من كتب عليه القتل ولم ينجه القعود والمضاجع المصارع بالقتل قال الزجاج ومعنى برزوا صاروا إلى براز وهو المكان المنكشف ومعنى وليبتلي الله ما في صدوركم أي ليختبره بأعمالكم لأنه قد علمه غيبا فيعلمه شهادة \r\n قوله تعالى وليمحص الله ما في قلوبكم قال قتادة أراد ليظهرها من الشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة وإظهار سرائر المنافقين وهذا التمحيص خاص للمؤمنين وقال غيره أراد بالتمحيص إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله ولرسوله وللمؤمنين فهو خطاب للمنافقين \r\n قوله تعالى والله عليم بذات الصدور أي بما فيها وقال ابن الأنباري معناه عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات فتأنيث ذات بمعنى الحقيقة كما تقول العرب لقيته ذات يوم فيؤنثون لأن مقصدهم لقيته مرة في يوم ","part":1,"page":482},{"id":482,"text":" إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم \r\n قوله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الخطاب للمؤمنين وتوليهم فرارهم من العدو والجمعان جمع المؤمنين وجمع المشركين وذلك يوم أحد واستزلهم طلب زللهم قال ابن قتيبة هو كما تقول استعجلت فلانا أي طلبت عجلته واستعملته طلبت عمله والذي كسبوا يريد به الذنوب وفي سبب فرارهم يؤمئذ قولان \r\n أحدها أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه و سلم قد قتل فترخصوا في الفرار قاله ابن عباس في آخرين \r\n و الثاني أن الشيطان أذكرهم خطاياهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها قاله الزجاج \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ","part":1,"page":483},{"id":483,"text":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا أي كالمنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق وقيل إخوانهم في النسب قال الزجاج و إنما قال إذا ضربوا ولم يقل إذ ضربوا لأنه يريد شأنهم هذا أبدا تقول فلان إذا حدث صدق و إذا ضرب صبر و إذا لما يستقبل إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا لما قد خبر منه فيما مضى قال المفسرون ومعنى ضربوا في الأرض ساروا وسافروا و غزى جمع غازي وفي الكلام محذوف تقديره إذا ضربوا في الأرض فماتوا أوغزوا فقتلوا \r\n قوله تعالى ليجعل الله ذلك قال ابن عباس ليجعل الله ما ظنوا من أنهم لو كانوا عندهم سلموا حسرة في قلوبهم أي حزنا قال ابن فارس الحسرة التلهف على الشيء الفائت \r\n قوله تعالى والله يحيي ويميت أي ليس تحرز الانسان يمنعه من أجله \r\n قوله تعالى والله بما تعملون بصير قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعملون بالياء وقرأ الباقون بالتاء قال أبو علي حجة من قرأ بالياء أن قبلها غيبة وهو قوله تعالى وقالوا لإخوانهم ومن قرأ بالتاء فحجته لا تكونوا كالذين كفروا \r\n ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون \r\n قوله تعالى ولئن قتلتم اللام في لئن لام القسم تقديره والله لئن قتلتم في الجهاد أو متم في إقامتكم قرأ ابن كثير و أبو عمرو وابن عامر و أبو بكر عن عاصم مت و متم ومتنا برفع الميم في جميع القرآن وروى حفص عن عاصم أو متم ولئن متم برفع الميم في هذين دون باقي القرآن وقرأ نافع وحمزة والكسائي كل ما في القرآن بالكسر ","part":1,"page":484},{"id":484,"text":" قوله تعالى لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون أي من أعراض الدنيا التي تتركون الجهاد لجمعها وقرأ حفص عن عاصم يجمعون بالياء ومعناه خير مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه قال ابن عباس خير مما يجمع المنافقون في الدنيا \r\n ولئن متم أو قتلتم لإلي الله تحشرون \r\n قوله تعالى ولئن متم أي في إقامتكم أو قتلتم في جهادكم لإلى الله تحشرون وهذا تخويف من القيامة والحشر الجمع مع سوق \r\n فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظنا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين \r\n قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم قال الفراء و ابن قتيبة و الزجاج ما هاهنا صلة ومثله فبما نقضهم ميثاقهم قال ابن الأنباري دخول ما هاهنا يحدث توكيدا \r\n قال النابغة ... المرء يهوى أن يعي ... ش وطول عيش ما يضره ... \r\n فأكد بذكر ما وفيمن تتعلق به هذه الرحمة قولان \r\n أحدهما أنها تتعلق بالنبي صلى الله عليه و سلم والثاني بالمؤمنين ","part":1,"page":485},{"id":485,"text":" قال قتادة ومعنى لنت لهم لأن جانبك وحسن خلقك وكثر احتمالك قال الزجاج والفظ الغليظ الجانب السىء الخلق يقال فظظت تفظ فظاظة وفظظا والفظ ماء الكرش والفرث و إنما سمي فظا لغلظ مشربه فأما الغليظ القلب فقيل هو القاسي القلب فيكون ذكر الفظاظة والغلظ وإن كانا بمعنى واحد توكيدا وقال ابن عباس الفظ في القول والغليظ القلب في الفعل \r\n قوله تعالى لانفضوا أي تفرقوا وتقول فضضت عن الكتاب ختمه إذا فرقته عنه فاعف عنهم أي تجاوز عن هفواتهم وسل الله المغفرة لذنوبهم وشاورهم في الأمر معناه استخرج آراءهم واعلم ما عندهم ويقال إنه من شرت العسل ","part":1,"page":486},{"id":486,"text":" وأنشدوا ... وقاسمها بالله حقا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها ... \r\n قال الزجاج يقال شاورت الرجل مشاورة وشورا وما يكون عن ذلك اسمه المشورة وبعضهم يقول المشورة ويقال فلان حسن الصورة والشورة أي حسن الهيئة واللباس ومعنى قولهم شاورت فلانا أظهرت ما عنده وما عندي وشرت الدابة إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها وشرت العسل إذا أخذته من مواضع النحل وعسل مشار قال الأعشى ... كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأريا مشارا ","part":1,"page":487},{"id":487,"text":" والأرى العسل واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي تام التدبير على ثلاثة أقوال \r\n أحدها ليستن به من بعده وهذا قول الحسن وسفيان بن عيينة \r\n و الثاني لتطيب قلوبهم وهو قول قتادة والربيع وابن إسحاق و مقاتل قال الشافعي رضي الله عنه نظير هذا قوله صلى الله عليه و سلم البكر تستأمر في نفسها إنما أراد استطابة نفسها فانها لو كرهت كان للأب أن يزوجها وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أمر بذبحه \r\n و الثالث للاعلام ببركة المشاورة وهو قول الضحاك ومن فوائد المشاورة أن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلم نفسه ومنها أنه قد يعزم على أمر فيبين له الصواب في قول غيره فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح قال علي رضي الله عنه الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم وقال بعض الحكماء ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ولا حصنت النعم بمثل المواساة ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر واعلم أنه إنما أمر ","part":1,"page":488},{"id":488,"text":" النبي صلى الله عليه و سلم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي وعمهم بالذكر والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم وفي الذي أمر بمشاورتهم فيه قولان حكاهما القاضي أبو يعلى \r\n أحدهما أنه أمر الدنيا خاصة والثاني أمر الدين والدنيا وهو أصح \r\n وقد قرأ ابن مسعود و ابن عباس وشاورهم في بعض الأمر \r\n قوله تعالى فإذا عزمت قال ابن فارس العزم عقد القلب على الشىء ويريد أن يفعله وقد قرأ أبو رزين و أبو مجلز و أبوالعالية وعكرمة والجحدري فاذا عزمت بضم التاء فأما التوكل فقد سبق شرحه \r\n ومعنى الكلام فاذا عزمت على فعل شيء فتوكل على الله لا على المشاورة \r\n إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون \r\n قوله تعالى إن ينصركم الله قال ابن فارس النصر العون والخذلان ترك العون وقيل الكناية في قوله من بعده تعود إلى خذلانه \r\n وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل في سبب نزولها سبعة أقوال ","part":1,"page":489},{"id":489,"text":" أحدها أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر فقال ناس لعل النبي صلى الله عليه و سلم أخذها فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n و الثاني أن رجلا غل من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n و الثالث أن قوما من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخصهم بشىء من الغنائم فنزلت هذه الآية نقل عن ابن عباس أيضا \r\n و الرابع أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث طلائعا فغنم النبي صلى الله عليه و سلم غنيمة ولم يقسم للطلائع فقالوا قسم الفيء ولم يقسم لنا فنزلت هذه الآية قاله الضحاك \r\n و الخامس أن قوما غلوا يوم بدر فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والسادس أنها نزلت في الذين تركوا مركزهم يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا نخاف أن يقول النبي صلى الله عليه و سلم من أخذ شيئا فهو له فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا أظننتم أنا نغل فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب و مقاتل \r\n والسابع أنها نزلت في غلول الوحي قاله القرظي وابن اسحاق \r\n وذكر بعض المفسرين أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وآلهتم فسألوه أن يطوي ذلك فنزلت هذه الآية ","part":1,"page":490},{"id":490,"text":" واختلف القراء في يغل فقرا ابن كثير وعاصم و أبو عمرو بفتح الياء وضم الغين ومعناها يخون وفي هذه الخيانة قولان \r\n أحدهما خيانة المال على قول الأكثرين \r\n والثاني خيانة الوحي الوحب على قول القرظي وابن اسحاق وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين ولها وجهان \r\n أحدهما أن يكون المعنى يخان ويجوز أن يكون يلفى خائنا يقال أغللت فلانا أي وجدته غالا كما يقال أحمقته وجدته أحمق وأحمدته وجدته محمودا قاله الحسن و ابن قتيبة \r\n والثاني يخون قاله الفراء وأجازه الزجاج ورده ابن قتيبة فقال لو أراد يخون لقال يغلل كما يقال يفسق ويخون ويفجر \r\n وقيل اللام في قوله لنبي منقولة ومعنى الآية وما كان النبي ليغل ومثله ما كان لله أن يتخذ من ولد مريم 36 أي ما كان الله ليتخذ ولدا \r\n وهذه الآية من الطف التعريض إذ قد ثبتت براءة ساحة النبي صلى الله عليه و سلم من الغلول فدل على أن الغلول في غيره ومثله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين سبأ 25 وقد ذكر عن السدي نحو هذا \r\n قوله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة الغلول أخذ شيء من المغنم خفية ومنه الغلالة وهي ثوب يلبس تحت الثياب والغلل وهو الماء الذي يجري بين الشجر والغل وهو الحقد الكامن في الصدر وأصل الباب الاختفاء وفي إتيانه بما غل ثلاثة أقوال ","part":1,"page":491},{"id":491,"text":" أحدها أنه يأتي بما غله يحمله ويدل عليه ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فاقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك الرغاء صوت البعير والثغاء صوت الشاة والنفس ما يغل من السبي والرقاع الثياب والصامت المال \r\n والقول الثاني أنه يأتي حاملا إثم ما غل \r\n والثالث أنه يرد عوض ما غل من حسناته والقول الأول أصح لمكان الأثر الصحيح ","part":1,"page":492},{"id":492,"text":" قوله تعالى ثم توفى كل نفس ما كسبت أي تعطى جزاء ما كسبت \r\n أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير \r\n قوله تعالى أفمن اتبع رضوان الله اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أن معناها أفمن اتبع رضوان الله فلم يغل كمن باء بسخط من الله حين غل هذا قول سعيد بن جبير و الضحاك والجمهور \r\n والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر المسلمين باتباعه يوم أحد اتبعه المؤمنون وتخلف جماعة من المنافقين فأخبر الله بحال من تبعه ومن تخلف عنه هذا قول الزجاج \r\n هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون \r\n قوله تعالى هم درجات قال الزجاج معناه هم ذوو درجات وفي معنى درجات قولان \r\n أحدهما أنها درجات الجنة قاله الحسن \r\n والثاني أنها فضائلهم فبعضهم أفضل من بعض قاله الفراء و ابن قتيبة \r\n وفيمن عنى بهذا الكلام قولان \r\n أحدهما أنهم الذين اتبعوا رضوان الله والذين باؤوا بسخط من الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب ولمن باء بسخطه العذاب هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط فانهم يتفاوتون في المنازل هذا قول سعيد بن جبير و أبي صالح و مقاتل ","part":1,"page":493},{"id":493,"text":" لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين \r\n قوله تعالى لقد من الله علىالمؤمنين أي أنعم عليهم و أنفسهم جماعتهم وقيل نسبهم وقرأ الضحاك وأبو الجوزاء من أنفسهم بفتح الفاء وفي وجه الامتنان عليهم بكونه من أنفسهم أربعة أقوال \r\n أحدها لكونه معروف النسب فيهم قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثاني لكونهم قد خبروا أمره وعلموا صدقه قاله الزجاج \r\n والثالث ليسهل عليهم التعلم منه لموافقة لسانه للسانهم قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والرابع لأن شرفهم يتم بظهور نبي منهم قاله الماوردي \r\n وهل هذه الآية خاصة أم عامة فيه قولان \r\n احدهما أنها خاصة للعرب روي عن عائشة والجمهور \r\n والثاني أنها عامة لسائر المؤمنين فيكون المعنى أنه ليس بملك ولا من غير بني آدم وهذا اختيار الزجاج وقد سبق في البقرة بيان باقي الآية ","part":1,"page":494},{"id":494,"text":" أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير أحدهما أنها خاصة للعرب روي عن عائشة والجمهور \r\n والثاني أنها عامة لسائر المؤمنين فيكون المعنى أنه ليس بملك ولا من غير نبي آدم وهذا اختيار الزجاج وقد سبق في البقرة بيان ناقي الآية أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يوم أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى قل هو من عند أنفسكم قال بأخذكم الفداء \r\n قوله تعالى أو لما قال الزجاج هذه واو النسق دخلت عليها ألف الاستفهام فبقيت مفتوحة على هيئتها قبل دخولها ومثل ذلك قول القائل تكلم فلان بكذا وكذا فيقول المجيب له أو هو ممن يقول ذلك فأما المصيبة فما أصابهم يوم أحد وكانوا قد أصابوا مثليها من المشركين يوم بدر لانهم قتل منهم سبعون فقتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وهذا قول ابن عباس و الضحاك وقتادة والجماعة إلا أن الزجاج قال قد أصبتم يوم أحد مثلها ويوم بدر مثلها فجعل المثلين في اليومين \r\n قوله تعالى أنى هذا قال ابن عباس من أين أصابنا هذا ونحن مسلمون \r\n قوله تعالى قل هو من عند أنفسكم فيه ثلاثة أقوال ","part":1,"page":495},{"id":495,"text":" أحدها أن معناه بأخذكم الفداء يوم بدر قاله عمر بن الخطاب وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك للناس فقالوا عشائرنا وإخواننا بل نأخذ منهم الفداء ويستشهد منا عدتهم فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر فعلى هذا يكون المعنى قل هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل لأنفسكم \r\n والثاني أنه جرى ذلك بمعصية الرماة يوم أحد وتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس و مقاتل في آخرين \r\n والثالث أنه بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة يوم أحد فانه أمرهم بالتحصن فيها فقالوا بل نخرج قاله قتادة والربيع قال مقاتل إن الله على كل شيء من النصر والهزيمة قدير \r\n وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون \r\n قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان الجمعان النبي وأصحابه و أبو سفيان وأصحابه وذلك في يوم أحد وقد سبق ذكر ما أصابهم ","part":1,"page":496},{"id":496,"text":" قوله تعالى فبإذن الله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أمره والثاني قضاؤه رويا عن ابن عباس والثالث علمه قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وليعلم المؤمنين أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة صبرهم قال ابن قتيبة والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع وهو جحر من جحرته يخرج منه إذا أخذ عليه الجحر الذي دخل فيه قال الزيادي عن الأصمعي ولليربوع أربعة أجحرة النافقاء وهو الذي يخرج منه كثيرا ويدخل منه كثيرا والقاصعاء سمي بذلك لأنه يخرج تراب الجحر ثم يقصع ببعضه كأنه يسد به فم الجحر ومنه يقال جرح فلان قد قصع بالدم إذا امتلأ ولم يسل والداماء سمي بذلك لأنه يخرج التراب من فم الجحر ثم يدم به فم الجحر كأنه يطليه به ومنه يقال ادمم قدرك بشحم أي اطلها به والراهطاء ولم يذكر اشتقاقه و إنما يتخذ هذه الجحر عددا فاذا أخذ عليه بعضها خرج من بعض قال أبو زيد فشبه المنافق به لأنه يدخل في الإسلام بلفظه ويخرج منه بعقدة كما يدخل اليربوع من باب ويخرج من باب قال ابن قتيبة والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام قال ابن عباس والمراد بالذين نافقوا عبد الله بن أبي وأصحابه قال موسى بن عقبة خرج النبي صلى الله عليه و سلم يوم أحد ومعه المسلمون وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف فرجع عنه ابن أبي في ثلاثمئة فأما القتال فمباشرة الحرب وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التكثير بالعدد رواه مجاهد عن ابن عباس وهو قول الحسن وعكرمة و الضحاك والسدي وابن جريج في آخرين ","part":1,"page":497},{"id":497,"text":" والثاني أن معناه ادفعوا عن أنفسكم وحريمكم رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول مقاتل والثالث أنه بمعنى القتال أيضا قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى لو نعلم قتالا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه لو نعلم أن اليوم يجري قتال ما أسلمناكم ذكره ابن اسحاق \r\n والثاني لو كنا نحسن القتال لاتبعناكم \r\n والثالث إنما معناه أن هناك قتلا وليس بقتال ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى هم للكفر أي إلى الكفر أقرب منهم للايمان أي إلى الايمان و إنما قال يومئذ لأنهم فيما قبل لم يظهروا مثل ما أظهروا فكانوا بظاهر حالهم فيما قبل أقرب إلى الايمان \r\n قوله تعالى يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيه وجهان ذكرهما المارودي \r\n أحدهما ينطقون بالإيمان وليس في قلوبهم إلا الكفر \r\n والثاني يقولون نحن أنصار وهم أعداء وذكر في الذي يكتمون وجهين \r\n أحدهما أنه النفاق والثاني العداوة \r\n الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى الذين قالوا لإخوانهم قال ابن عباس نزلت في عبد الله بن أبي وفي إخوانهم قولان \r\n أحدهما أنهم إخوانهم في النفاق قاله ابن عباس ","part":1,"page":498},{"id":498,"text":" والثاني إخوانهم في النسب قاله مقاتل فعلى الأول يكون المعنى قالوا لإخوانهم المنافقين لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا وعلى الثاني يكون المعنى قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد لو أطاعونا ما قتلوا \r\n قوله تعالى وقعدوا يعني القائلين قعدوا عن الجهاد \r\n قوله تعالى فادرؤوا أي فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين أن الحذر لا ينفع مع القدر \r\n ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون \r\n قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا قرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في شهداء أحد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول سعيد بن جبير وابي الضحى \r\n والثاني أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله تعالى وقالوا ربنا أعلم ","part":1,"page":499},{"id":499,"text":" إخواننا فنزلت هذه الآية والتي بعدها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وهو قول مقاتل \r\n و الثالث أنها نزلت في شهداء بئر معونة روى محمد بن إسحاق عن أشياخ له أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث المنذر بن عمرو في سبعين رجلا من خيار المسلمين إلى أهل نجد فلما نزلوا بئر معونة خرج حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم ينظر فيه عامر وخرج رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنب حرام حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة وقتل سائر أصحابه غير واحد منهم قال أنس بن مالك فأنزل الله تعالى فيهم بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم رفعت فنزلت هذه الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ","part":1,"page":500},{"id":500,"text":" فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم وقد ذكرناه عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا قال يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين استشهدوا فنزلت قاله مقاتل \r\n والثالث أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور فنزلت هذه الآية ذكره علي بن أحمد النيسابوري \r\n فأما التفسير فمعنى الآية لا تحسبنهم أمواتا كالأموات الذين لم يقتلوا في سبيل الله وقد بينا هذا المعنى في البقرة وذكرنا أن معنى حياتهم أن ارواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها قال مجاهد يرزقون من ثمر الجنة \r\n فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ","part":1,"page":501},{"id":501,"text":" قوله تعالى فرحين قال ابن قتيبة الفرح المسرة فأما الذي آتاهم الله فما نالوا من كرامة الله ورزقه والاستبشار السرور بالبشارة بالذين لم يحلقوا بهم من خلفهم إخوانهم من المسلمين وفي سبب استبشارهم بهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الله تعالى ما أخبر بكرامة الشهداء أخبر الشهداء بأني قد أنزلت على نبيكم واخبرته بأمركم فاستبشروا وعلموا أن إخوانهم سيحرصون على الشهادة قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني يستبشرون باخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة يقولون إن قتلوا نالوا ما نلنا من الفضل قاله قتادة \r\n والثالث أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه و وأهله وفيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا فيستبشر بقدومه كما يستبشر أهل الغائب به هذا قول السدي و الهاء والميم في قوله تعالى أن لا خوف عليهم تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم قال الفراء معناه يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا حزن وفي ماذا يرتفع الخوف والحزن عنهم فيه قولان \r\n أحدهما لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم ولا يحزنون على ما خلفوا من اموالهم \r\n والثاني لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه ولا يحزنون على مفارقة الدنيا فرحا بالآخرة \r\n يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين \r\n قوله تعالى قى يستبشرون بنعمة من الله و فضل قال مقاتل برحمة ورزق \r\n قوله تعالى وأن الله قرأ الجمهور بالفتح على معنى ويستبشرون بأن الله وقرأ الكسائي بالكسر على الاستئناف ","part":1,"page":502},{"id":502,"text":" الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم \r\n قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد ندب النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه لاتباعهم ثم خرج بمن انتدب معه فلقي أبو سفيان قوما فقال إن لقيتم محمدا فأخبروه اني في جمع كثير فلقيهم النبي صلى الله عليه و سلم فسألهم عنه فقالوا لقيناه في جمع كثير ونراك في قلة فأبى إلا أن يطلبه فسبقه أبو سفيان فدخل مكة فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أن أبا سفيان لما أراد الانصراف عن أحد قال يا محمد موعد بيننا وبينك موسم بدر فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان ثم ألقى الله في قلبه الرعب فبدا له الرجوع فلفي نعيم بن مسعود فقال إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وهذا عام جدب لا يصلح لنا فثبطهم عنا وأعلمهم أنا في جمع كثير فلقيهم فخوفهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وخرج النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه حتى أقاموا ببدر ينتظرون أبا سفيان فنزل قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول الآيات وهذه المعنى مروي عن مجاهد وعكرمة والاستجابة الإجابة وأنشدوا ","part":1,"page":503},{"id":503,"text":" فلم يستجبه عند ذاك مجيب ... \r\n أي فلم يجبه \r\n وفي المراد النبي صلى الله عليه و سلم وخروجه وندب الناس للخروج ثلاثة أقوال \r\n أحدها ليرهب العدو باتباعهم والثاني لموعد أبي سفيان \r\n و الثالث لأنه بلغه عن القوم أنهم قالوا أصبتم شوكتهم ثم تركتموهم وقد سبق الكلام في القرح \r\n قوله تعالى للذين أحسنوا منهم أي أحسنوا بطاعة الرسول واتقوا مخالفته \r\n الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل \r\n قوله تعالى الذين قال لهم الناس في المراد بالناس ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم ركب لقيهم أبو سفيان فضمن لهم ضمانا لتخويف النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاله ابن عباس وابن اسحاق \r\n والثاني أنه نعيم بن مسعود الأشجعي قاله مجاهد وعكرمة و مقاتل في آخرين ","part":1,"page":504},{"id":504,"text":" و الثالث أنهم المنافقون لما رأوا النبي صلى الله عليه و سلم يتجهمز نهوا المسلمين عن الخروج وقالوا إن أتيتموهم في ديارهم لم يرجع منكم أحد هذا قول السدي \r\n قوله تعالى إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه \r\n قوله تعالى فزادهم إيمانا قال الزجاج زادهم ذلك التخويف ثبوتا في دينهم وإقامة على نصرة نبيهم وقالوا حسبنا الله أي هو الذي يكفينا أمرهم فأما الوكيل فقال الفراء الوكيل الكافي واختاره ابن القاسم وقال ابن قتيبة هو الكفيل قال ووكيل الرجل في ماله هو الذي كفله له وقام به وقال الخطابي الوكيل الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه وحكى ابن الأنباري أن قوما قالوا الوكيل الرب \r\n فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم \r\n قوله تعالى فانقلبوا بنعمة من الله الانقلاب الرجوع وفي النعمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الأجر قاله مجاهد والثاني العافية قاله السدي ","part":1,"page":505},{"id":505,"text":" و الثالث الإيمان والنصر قاله الزجاج وفي الفضل ثلاثة أقوال \r\n أحدها ربح التجارة قاله مجاهد والسدي وهذا قول من يرى أنهم خرجوا لموعد أبي سفيان قال الزهري لما استنفر النبي صلى الله عليه و سلم المسلمين لموعد أبي سفيان ببدر خرجوا ببضائع لهم وقالوا إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا إليه وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا وكانت بدر متجرا يوافى كل عام فانطلقوا فقضوا حوائجهم واخلف أبو سفيان الموعد \r\n والثاني أنهم أصابوا سرية بالصفراء فرزقوا منها قاله مقاتل \r\n و الثالث أنه الثواب ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى لم يمسسهم سوء قال ابن عباس لم يؤذهم أحد واتبعوا رضوان الله في طلب القوم والله ذو فضل أي ذو من بدفع المشركين عن المؤمنين \r\n إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى إنما ذلكم الشيطان قال الزجاج معناه ذلك التخويف كان فعل الشيطان سوله للمخوفين \r\n وفي قوله تعالى يخوف اولياءه قولان \r\n أحدهما أن معناه يخوفكم بأوليائه قاله الفراء واستدل بقوله تعالى لينذر بأسا شديدا الكهف 4 أي ببأس وبقوله تعالى لينذر يوم التلاق غافر 15 أي بيوم التلاق وقال الزجاج معناه يخوفكم من أوليائه بدليل قوله تعالى فلا تخافوهم وخافون \r\n وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة و إبراهيم و ابن قتيبة ","part":1,"page":506},{"id":506,"text":" وأنشد ابن الأنباري في ذلك ... وايقنت التفرق يوم قالوا ... تقسم مال أربد بالسهام ... \r\n أراد أيقنت بالتفرق قال فلما أسقط الباء أعمل الفعل فيما بعدها ونصبه قال والذي نختاره في الآية أن المعنى يخوفكم أولياءه تقول العرب قد أعطيت الأموال يريدون أعطيت القوم الأموال فيحذفون القوم ويقتصرون على ذكر المفعول الثاني فهذا أشبه من ادعاء باء ما عليها دليل ولا تدعوا اليها ضرورة \r\n والثاني أن معناه يخوف أولياءه المنافقين المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين قاله الحسن والسدي وذكره الزجاج \r\n قوله تعالى فلا تخافوهم يعني اولياء الشيطان وخافون في ترك أمري وفي إن قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى إذ قاله ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني أنها للشرط وهو قول الزجاج في آخرين \r\n ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم \r\n قوله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر قرأ نافع يحزنك ليحزنني وليحزن بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن إلا في الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأنبياء 103 فانه فتح الياء وضم الزاي وقرأ الباقون كل ما في القرآن بفتح الياء وضم الزاي قال أبو علي يشبه أن يكون نافع تبع في سورة الأنبياء أثرا أو أحب أن يأخذ بالوجهين وفي الذين يسارعون في الكفر أربعة أقوال ","part":1,"page":507},{"id":507,"text":" أحدها أنهم المنافقون ورؤساء اليهود قاله ابن عباس \r\n والثاني المنافقون قاله مجاهد والثالث كفار قريش قاله الضحاك \r\n والرابع قوم ارتدوا عن الإسلام ذكره الماوردي \r\n وقيل معنى مسارعتهم في الكفر مظاهرتهم للكفار ونصرهم إياهم فان قيل كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر فالجواب لا يحزنك فعلهم فانك منصور عليهم \r\n قوله تعالى إنهم لن يضروا الله شيئا فيه قولان \r\n أحدهما لن ينقصوا الله شيئا بكفرهم قاله ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني لن يضروا أولياء الله شيئا قاله عطاء قال ابن عباس والحظ النصيب والآخرة الجنة ولهم عذاب عظيم في النار \r\n إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى إن الذين اشتروا الكفر بالايمان قال مجاهد المنافقون آمنوا ثم كفروا وقد سبق في البقرة معنى الاشتراء \r\n ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين \r\n قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها في اليهود والنصارى والمنافقين قاله ابن عباس \r\n والثاني في قريظة والنضير قاله عطاء والثالث في مشركي مكة قاله مقاتل ","part":1,"page":508},{"id":508,"text":" والرابع في كل كافر قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n وقرأ ابن كثير و أبو عمرو ونافع ولا يحسبن الذين كفروا آل عمران 178 ولا يحسبن الذين يبخلون آل عمران 180 ولا يحسبن الذين يفرحون آل عمران 188 بالياء وكسر السين ووافقهم ابن عامر غير أنه فتح السين وقرأهن حمزة بالتاء وقرأ عاصم والكسائي كل ما في هذه السورة بالتاء غير حرفين ولا يحسبن الذين كفروا ولا يحسبن الذين يبخلون فانهما بالياء إلا أن عاصما فتح السين وكسرها الكسائي ولم يختلفوا في ولا تحسبن الذين قتلوا أنها بالتاء ونملي لهم أي نطيل لهم في العمر ومثله واهجرني مليا قال ابن الأنباري واشتقاق نملي لهم من الملوة وهي المدة من الزمان يقال ملوة من الدهر وملوة وملوة وملاوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ومنه قولهم البس جديدا وتمل حبيبا أي لتطل أيامك معه \r\n قال متمم بن نويرة ... بودي لو أني تمليت عمره ... بمالي من مال طريف وتالد ... \r\n وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم \r\n قوله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه في سبب نزولها خمسة أقوال ","part":1,"page":509},{"id":509,"text":" أحدها أن قريشا قالت تزعم يا محمد أن من اتبعك فهو في الجنة ومن خالفك فهو في النار فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت هذه الآية هذا قول أبيالعالية \r\n والثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال عرضت علي أمتي وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤوا وقالوا فنحن معه ولا يعرفنا فنزلت هذه الآية هذا قول السدي \r\n والرابع أن اليهود قالت يا محمد قد كنتم راضين بديننا فكيف بكم لو مات بعضكم قبل نزول كتابكم فنزلت هذه الآية هذا قول عمر مولى غفرة \r\n والخامس أن قوما من المنافقين ادعوا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين فأظهر الله نفاقهم يوم أحد وأنزل هذه الآية هذا قول أبي سليمان الدمشقي \r\n وفي المخاطب بهذه الآية قولان \r\n أحدهما أنهم الكفار والمنافقون وهو قول ابن عباس و الضحاك \r\n والثاني أنهم المؤمنون فيكون المعنى ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق قال الثعلبي وهذا قول أكثر أهل المعاني \r\n قوله تعالى حتى يميز الخبيث من الطيب قرأ ابن كثير ونافع و أبو عمرو وابن ","part":1,"page":510},{"id":510,"text":" عامر حتى يميز و ليميز الله الخبيث بفتح الياء والتخفيف وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب يميز بالتشديد وكذلك في الأنفال 37 ليميز الله الخبيث \r\n قال أبو علي مزت وميزت لغتان قال ابن قتيبة ومعنى يميز يخلص فأما الطيب فهو المؤمن وفي الخبيث قولان \r\n أحدهما أنه المنافق قاله مجاهد وابن جريج \r\n والثاني الكافر قاله قتادة والسدي وفي الذي وقع به التمييز بينهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الهجرة والقتال قاله قتادة وهو قول من قال الخبيث الكافر \r\n والثاني أنه الجهاد وهو قول من قال هو المنافق قال مجاهد فيميز الله يوم أحد بين المؤمنين والمنافقين حيث أظهروا النفاق وتخلفوا \r\n والثالث أنه جميع الفرائض والتكاليف فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار فاذا جاءت التكاليف بان أمره هذا قول الكسائي ابن كيسان \r\n وفي المخاطب بقوله وما كان الله ليطلعكم على الغيب قولان \r\n أحدهما أنهم كفار قريش فمعناه ما كان الله ليبين لكم المؤمن من الكافر لأنهم طلبوا ذلك فقالوا أخبرنا بمن يؤمن ومن لا يؤمن هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أنه النبي صلى الله عليه و سلم فمعناه وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب قاله السدي ويجتبي بمعنى يختار قاله الزجاج وغيره فمعنى الكلام على القول الأول أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا الأنبياء الذين اجتباهم وعلى القول الثاني أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا أنه يجتبي من يشاء فيطلعه على ما يشاء \r\n ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل ","part":1,"page":511},{"id":511,"text":" هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات و الأرض والله بما تعملون خبير \r\n قوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم وهو قول ابن مسعود و أبي هريرة و ابن عباس في رواية أبي صالح والشعبي و مجاهد وفي رواية السدي في آخرين \r\n والثاني أنها في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه و سلم ونبوته رواه عطية عن ابن عباس وابن جريج عن مجاهد واختاره الزجاج \r\n قال الفراء ومعنى الكلام لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم فاكتفى بذكر يبخلون من البخل كما تقول قدم فلان فسررت به أي سررت بقدومه \r\n قال الشاعر ... إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف ... \r\n يريد جرى إلى السفه والذي آتاهم الله على قول من قال البخل بالزكاة هو المال وعلى قول من قال البخل بذكر صفة النبي صلى الله عليه و سلم هو العلم ","part":1,"page":512},{"id":512,"text":" قوله تعالى هو إشارة إلى البخل وليس مذكورا ولكنه مدلول عليه ب يبخلون وفي معنى تطويقهم به أربعة أقوال \r\n أحدها أنه يجعل كالحية يطوق بها الإنسان روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع يفر منه وهو يتبعه حتى يطوق في عنقه ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وهذا مذهب ابن مسعود ومقاتل \r\n والثاني أنه يجعل طوقا من نار رواه منصور عن مجاهد و إبراهيم \r\n و الثالث أن معنى تطويقهم به تكليفهم أن يأتوا به رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والرابع أن معناه يلزم أعناقهم إثمه قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ولله ميراث السموات والارض قال ابن عباس يموت أهل السموات وأهل الأرض ويبقى رب العالمين قال الزجاج خوطب القوم بما يعقلون لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له وقال ابن الأنباري معنى الميراث ","part":1,"page":513},{"id":513,"text":" انفراد الرجل بما كان لا ينفرد به فلما مات الخلق وانفرد عز و جل صار ذلك له وراثة \r\n قوله تعالى والله بما تعملون خبير قرأ ابن كثير و أبو عمرو يعملون بالياء إتباعا لقوله تعالى سيطوقون وقرأ الباقون بالتاء لأن قبله وإن تؤمنوا وتتقوا \r\n لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق \r\n قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل بيت مدراس اليهود فوجدهم قد اجتمعوا على رجل منهم اسمه فنحاص فقال أبو بكر اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله فقال والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك فذهب فنحاص يشكو إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأخبره أبو بكر بما قال فجحد فنحاص فنزلت هذه الآية ونزل فيما بلغ من أبي بكر من الغضب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا آل عمران 186 هذا قول ابن عباس و إلى نحوه ذهب مجاهد وعكرمة والسدي و مقاتل \r\n والثاني أنه لما نزل قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا البقرة 245 قالت اليهود إنما يستقرض الفقير من الغني فنزلت هذه الآية هذا قول الحسن وقتادة \r\n وفي الذين قالوا إن الله فقير أربعة أقوال ","part":1,"page":514},{"id":514,"text":" أحدها أنه فنحاص بن عازوراء اليهودي قاله ابن عباس و مقاتل \r\n والثاني حيي بن أخطب قاله الحسن و قتادة \r\n و الثالث أن جماعة من اليهود قالوه قال مجاهد صك أبو بكر رجلا من الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء لم يستقرضنا وهو غني \r\n والرابع أنه النباش بن عمرو اليهودي ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى سنكتب ما قالوا قرأ حمزة وحده سيكتب بياء مضمومة وقتلهم بالرفع و يقول بالياء وقرأ الباقون سنكتب ما قالوا بالنون وقتلهم بالنصب ونقول بالنون وقرأ ابن مسعود ويقال وقرأ الأعمش وطلحة و يقول \r\n وفي معنى سنكتب ما قالوا قولان \r\n أحدهما سنحفظ عليهم ما قالوا قاله ابن عباس \r\n والثاني سنأمر الحفظة بكتابته قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وقتلهم الأنبياء أي ونكتب ذلك فان قيل هذا القائل لم يقتل نبيا قط فالجواب أنه رضي بفعل متقدميه لذلك كما بينا في قوله تعالى ويقتلون النبيين بغير الحق قال الزجاج ومعنى عذاب الحريق عذاب محرق أي عذاب بالنار لأن العذاب قد يكون بغير النار \r\n ذلك بما قدمت أيديكم و أن الله ليس بظلام للعبيد \r\n قوله تعالى ذلك إشارة إلى العذاب والذي قدمت أيديهم الكفر والخطايا ","part":1,"page":515},{"id":515,"text":" الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا قال ابن عباس نزلت في كعب ابن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وجماعة من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن الله عهد إلينا أي أمرنا في التوراة أن لا نؤمن لرسول أي لا نصدق رسولا يزعم أنه رسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قال ابن قتيبة والقربان ما تقرب به إلى الله تعالى من ذبح وغيره و إنما طلبواالقربان لأنه كان من سنن الأنبياء المتقدمين وكان نزول النار علامة القبول قال ابن عباس كان الرجل يتصدق فاذا قبلت منه نزلت نار من السماء فأكلته وكانت نارا لها دوي وحفيف وقال عطاء كان بنو اسرائيل يذبحون لله فيأخذون اطايب اللحم فيضعونها في وسط البيت تحت السماء فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي الله إليه ما يشاء قال ابن عباس قل يا محمد لليهود قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات أي بالآيات وبالذي سألتم من القربان \r\n فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير \r\n قوله تعالى فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك معناه لست بأول رسول كذب قال أبو علي وقرأ ابن عامر وحده بالبينات والزبر بزيادة باء وكذلك في مصاحف أهل الشام ووجهه أن إعادة الباء ضرب من التأكيد ووجه قراءة الجمهور ","part":1,"page":516},{"id":516,"text":" أن الواو قد أغنت عن تكرير العامل تقول مررت بزيد وعمرو فتستغني عن تكرير الباء وقال الزجاج والزبر جمع زبور والزبور كل كتاب ذي حكمة \r\n قوله تعالى والكتاب المنير قال أبو سليمان يعني به الكتب النيرة بالبراهين والحجج \r\n كل نفس ذائقة الموت و إنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور \r\n قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت قال ابن عباس لما نزل قوله قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم السجدة11 قالوا يا رسول الله إنما نزل في بني آدم فأين ذكر الموت في الجن والطير والأنعام فنزلت هذه الآية وفي ذكر الموت تهديد للمكذبين بالمصير وتزهيد في الدنيا وتنبيه على اغتنام الأجل \r\n وفي قوله تعالى إنما توفون أجوركم يوم القيامة بشارة للمحسنين وتهديد للمسيئين \r\n قوله تعالى فمن زحزح قال ابن قتيبة نجي وأبعد فقد فاز قال الزجاج تأويل فاز تباعد عن المكروه ولقي ما يحب يقال لمن نجا من هلكة ولمن لقي ما يغتبط به قد فاز ","part":1,"page":517},{"id":517,"text":" قوله تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور يريد أن العيش فيها يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب قال سعيد بن جبير هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة فأما من يشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها \r\n لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور \r\n قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وعبد الله بن رواحة فغشي المجلس عجاجة الدابة فخمر ابن أبي أنفه بردائه وقال لا تغبروا علينا فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم دعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال ابن أبي إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وقال ابن رواحة اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله فانا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود فنزلت هذه الآية رواه عروة عن أسامة بن زيد ","part":1,"page":518},{"id":518,"text":" والثاني أن المشركين واليهود كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه أشد الأذى فنزلت هذه الآية قاله كعب بن مالك الأنصاري \r\n و الثالث أنها نزلت فيما جرى بين أبي بكر الصديق وبين فنحاص اليهودي وقد سبق ذكره عن ابن عباس \r\n والرابع أنها نزلت في النبي صلى الله عليه و سلم و أبي بكر الصديق قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره مقاتل وقال عكرمة نزلت في النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر الصديق وفنحاص اليهودي ","part":1,"page":519},{"id":519,"text":" والخامس أنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه في شعره وهذا مذهب الزهري \r\n قال الزجاج ومعنى لتبلون لتختبرن أي توقع عليكم المحن فيعلم المؤمن حقا من غيره و النون دخلت مؤكدة مع لام القسم وضمت الواو لسكونها وسكون النون وفي البلوى في الأموال قولان \r\n أحدهما ذهابها ونقصانها والثاني ما فرض فيها من الحقوق \r\n وفي البلوى في الأنفس أربعة أقوال \r\n أحدها المصائب والقتل والثاني ما فرض من العبادات \r\n و الثالث الأمراض والرابع المصيببة بالأقارب والعشائر \r\n وقال عطاء هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم وباعوا رباعهم وعذبوهم \r\n قوله تعالى ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والذين أشركوا مشركو العرب وإن تصبروا على الأذى وتتقوا الله بمجانبة معاصيه \r\n قوله تعالى فان ذلك من عزم الأمور أي ما يعزم عليه لظهور رشدة \r\n فصل \r\n والجمهور على إحكام هذه الآية وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور منسوخ بآية السيف \r\n وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ","part":1,"page":520},{"id":520,"text":" قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود قاله ابن عباس وابن جبير والسدي و مقاتل فعلى هذا الكتاب التوراة \r\n والثاني أنهم اليهود والنصارى والكتاب التوراة والانجيل \r\n و الثالث أنهم جميع العلماء فيكون الكتاب اسم جنس \r\n قوله تعالى لتبيننه للناس \r\n قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابو بكر والمفضل عن عاصم وزيد عن يعقوب ليبيننه للناس ولا يكتمونه بالياء فيهما وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بالتاء فيهما وفي هاء الكناية في لتبيننه وتكتمونه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى النبي محمد صلى الله عليه و سلم وهذا قول من قال هم اليهود \r\n والثاني أنها ترجع إلى الكتاب قاله الحسن وقتادة وهو أصح لأن الكتاب أقرب المذكروين و لأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد صلى الله عليه و سلم وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا \r\n قوله تعالى فنبذوه قال الزجاج أي رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به قد جعلت هذا الأمر بظهر قال الفرزدق ... تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر ولا يعيا على جوابها ","part":1,"page":521},{"id":521,"text":" معناه لا تكونن حاجتي مهملة عندك مطرحة وفي هاء فنبذوه قولان \r\n أحدهما أنها تعود إلى الميثاق والثاني إلى الكتاب \r\n قوله تعالى واشتروا به يعني استبدلوا بما أخذ الله عليهم القيام به ووعدهم عليه الجنة ثمنا قليلا أي عرضا يسيرا من الدنيا \r\n لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا وقرأ أهل الكوفة لا تحسبن بالتاء وفي سبب نزولها ثمانية أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم سأل اليهود عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره وأروه أنهم قد أخبروه به واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه فنزلت هذه الآية ","part":1,"page":522},{"id":522,"text":" والثاني أنها نزلت في قوم من اليهودفرحوا بما يصيبون من الدنيا وأحبوا أن يقول الناس إنهم علماء وهذا القول والذي قبله عن ابن عباس \r\n والثالث أن اليهود قالوا نحن على دين إبراهيم وكتموا ذكر محمد صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع أن يهود المدينة كتبت إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس بنبي فاثبتوا على دينكم فاجتمعت كلمتهم على الكفر به ففرحوا بذلك وقالوا نحن أهل الصوم والصلاة وأولياء الله فنزلت هذه الآية هذا قول الضحاك والسدي \r\n والخامس أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا نحن على رأيكم ونحن لكم ردء وهم مستمسكون بضلالتهم فأرادوا أن يحمدهم نبي لله بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والسادس أن ناسا من اليهود جهزوا جيشا إلى النبي صلى الله عليه و سلم واتفقوا عليهم فنزلت هذه الآية قاله إبراهيم النخعي \r\n والسابع أن قوما من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه و سلم ثم خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها فحمدوهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا فنزلت هذه الآية ذكره الزجاج \r\n والثامن أن رجالا من المنافقين كانوا يتخلفون عن الغزو مع النبي صلى الله عليه و سلم فاذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية قاله ","part":1,"page":523},{"id":523,"text":" أبو سعيد الخدري وهذا القول يدل على أنها نزلت في المنافقين وما قبله من الأقوال يدل على انها في اليهود \r\n وفي الذي أتوا ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق \r\n والثاني تبديلهم التوراة والثالث إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب \r\n والرابع إضلالهم الناس والخامس اجتماعهم على تكذيب النبي \r\n والسادس نفاقهم باظهار ما في قلوبهم ضده \r\n والسابع اتفاقهم على محاربة النبي صلى الله عليه و سلم وهذه أقوال من قال هم اليهود \r\n والثامن تخلفهم في الغزوات وهذا قول من قال هم المنافقون \r\n وفي قوله تعالى ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ستة أقوال ","part":1,"page":524},{"id":524,"text":" أحدها أحبوا أن يحمدوا على إجابة النبي صلى الله عليه و سلم عن شيء سألهم عنه وما أجابوه \r\n والثاني أحبوا أن يقول الناس هم علماء وليسو كذلك \r\n و الثالث أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام وهذه الاقوال الثلاثة عن ابن عباس \r\n والرابع أحبوا أن يحمدوا على قولهم نحن على دين إبراهيم وليسوا عليه قاله سعيد بن جبير \r\n والخامس أحبوا أن يحمدوا على قولهم إنا راضون بما جاء به النبي وليسوا كذلك قاله قتادة وهذه أقوال من قال هم اليهود \r\n والسادس أنهم كانوا يحلفون للمسلمين إذا نصروا إنا قد سررنا بنصركم وليسوا كذلك قاله أبو سعيد الخدري وهو قول من قال هم المنافقون \r\n قوله تعالى فلا يحسبنهم قرأ ابن كثير و أبو عمرو فلا يحسبنهم بالياء وضم الباء وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء وفتح الباء قال الزجاج إنما كررت تحسبنهم لطول القصة والعرب تعيد إذا طالت القصة حسبت وما أشبهها إعلاما أن الذي يجرى متصل بالأول وتوكيدا له فتقول لا تظنن زيدا إذا جاء وكلمك بكذا وكذا فلا تظننه صادقا \r\n قوله تعالى بمفازة قال ابن زيد و ابن قتيبة بمنجاة \r\n ولله ملك السموات والارض والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى ولله ملك السموات والارض فيه تكذيب القائلين بأنه فقير \r\n وفي قوله تعالى والله على كل شيء قدير تهديد لهم أي لو شئت لعجلت عذابهم ","part":1,"page":525},{"id":525,"text":" إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لألي الألباب \r\n قوله تعالى إن في خلق السموات والارض في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن قريشا قالوا لليهود ما الذي جاءكم به موسى قالوا عصاه ويده البيضاء وقالوا للنصارى ما الذي جاءكم به عيسى قالوا كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم وقالوا ادع ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فنزلت هذه الآية رواه ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n و الثالث أنه لما نزل قوله تعالى وإلهكم إله واحد البقرة 163 قالت قريش قد سوى بين آلهتنا إئتنا بآية فنزلت هذه الآية قاله أبو الضحى واسمه مسلم بن صبيح فأما تفسير الآية فقد سبق ","part":1,"page":526},{"id":526,"text":" الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار \r\n قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا في هذا الذكر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الذكر في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فان لم يستطع فعلى جنب هذا قول علي وابن مسعود و ابن عباس وقتادة \r\n والثاني أنه الذكر في الصلاة وغيرها وهو قول طائفة من المفسرين \r\n و الثالث أنه الخوف فالمعنى يخافون الله قياما في تصرفهم وقعودا في دعتهم وعلى جنوبهم في منامهم \r\n قوله تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض قال ابن فارس التفكر تردد القلب في الشيء قال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه \r\n قوله تعالى ربنا قال الزجاج معناه يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا أي خلقته دليلا عليك وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك ومعنى سبحانك براءة لك من السوء وتنزيها لك أن تكون خلقتهما باطلا فقنا عذاب النار فقد صدقنا أن لك جنة ونار \r\n ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ","part":1,"page":527},{"id":527,"text":" قوله تعالى ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته قال الزجاج المخزى في اللغة المذل المحقور بأمر قد لزمه وبحجة يقال أخزيته أي ألزمته حجة أذللته معها وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان \r\n أحدهما أنه يتعلق بمن يدخلها مخلدا قاله أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وابن جبير وقتادة وابن جريج و مقاتل \r\n والثاني أنه يتعلق بكل داخل إليها وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد الله واختاره ابن جرير الطبري و أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى وما للظالمين من انصار قال ابن عباس وما للمشركين من مانع يمنعهم عذاب الله تعالى \r\n ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار \r\n قوله تعالى ربنا إننا سمعنا مناديا في المنادي قولان \r\n أحدهما أنه النبي صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد ومقاتل \r\n والثاني أنه القرآن قاله محمد بن كعب القرظي واختاره ابن جرير الطبري \r\n قوله تعالى ينادي للإيمان فيه قولان \r\n أحدها أن معناه ينادي إلى الإيمان ومثله الذي هدانا لهذا الأعراف 43 بأن ربك أوحى لها الزلزلة 5 يريد هدانا إلى هذا واوحى إليها قاله الفراء \r\n والثاني بأنه مقدم ومؤخر والمعنى سمعنا مناديا للايمان ينادي قاله أبو عبيدة ","part":1,"page":528},{"id":528,"text":" قوله تعالى وكفر عنا سيئاتنا قال مقاتل امح عنا خطايانا وقال غيره غطها عنا وقيل إنما جمع بين غفران الذنوب وتكفير السيئات لأن الغفران بمجرد الفضل والتكفير بفعل الخير وتوفنا مع الأبرار قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي الأبرار والأشرار وذات قرار وما كان مثله بين الفتح والكسر وقرأ ابن كثير وعاصم بالفتح ومعنى مع الأبرار فيهم قال ابن عباس وهم الأنبياء والصالحون \r\n ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد \r\n قوله تعالى ربنا وآتنا ما وعدتنا قال ابن عباس يعنون الجنة على رسلك أي على ألسنتهم فإن قيل ما وجه هذه المسألة والله لا يخلف الميعاد فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه خرج مخرج المسألة ومعناه الخبر تقديره فآمنا فاغفر لنا لتؤتينا ما وعدتنا \r\n والثاني أنه سؤال له أن يجعلهم ممن آتاه ما وعده لا أنهم استحقوا ذلك إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار لكانت تزكية لأنفسهم \r\n و الثالث أنه سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء لأنه وعدهم نصرا غير مؤقت فرغبوا في تعجيله ذكر هذه الأجوبة ابن جرير وقال أولى الاقوال بالصواب أن هذه صفة المهاجرين رغبوا في تعجيل النصر على أعدائهم فكانهم قالوا لا صبر لنا على حلمك عن الأعداء فعجل خزيهم وظفرنا بهم \r\n فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ","part":1,"page":529},{"id":529,"text":" وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب \r\n قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فنزلت هذه الآية واستجاب بمعنى أجاب والمعنى أجابهم بأن قال لهم إني لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا كان أم أنثى \r\n وفي معنى قوله تعالى بعضكم من بعض ثلاثة أقوال \r\n أحدها بعضكم من بعض في الدين والنصرة والموالاة \r\n والثاني حكم جميعكم في الثواب واحد لأن الذكور من الإناث والإناث من الذكور والثالث كلكم من آدم وحواء \r\n قوله تعالى فالذين هاجروا أي تركوا الأوطان والأهل والعشائر وأخرجوا من ديارهم يعني المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين فهاجروا وقاتلوا المشركين وقتلوا قرأ ابن كثير وابن عامر وقاتلوا وقتلوا مشددة التاء وقرأ نافع وابو عمرو وعاصم وقاتلوا وقتلوا خفيفة وقرأ حمزة والكسائي و قتلوا وقاتلوا قال أبو علي تقديم قتلوا جائز لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى مؤخرا في اللفظ \r\n قوله تعالى ثوابا من عند الله قال الزجاج هو مصدر مؤكد لما قبله لأن معنى ","part":1,"page":530},{"id":530,"text":" لأدخلنهم جنات لأثيبنهم \r\n لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد \r\n قوله تعالى لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في اليهود ثم في ذلك قولان \r\n أحدهما أن اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم أراد أن يستسلف من بعضهم شعيرا فأبى إلا على رهن فقال النبي صلى الله عليه و سلم لو أعطاني لأوفيته إني لأمين في السماء أمين في الأرض فنزلت ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n والقول الثاني أنها نزلت في مشركي العرب كانوا في رخاء فقال بعض المؤمنين قد أهلكنا الجهد وأعداء الله فيما ترون فنزلت هذه الآية هذا قول مقاتل قال ","part":1,"page":531},{"id":531,"text":" قتادة والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره وقال غيره إنما خاطبه تأديبا وتحذيرا وإن كان لا يغتر وفي معنى تقلبهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها تصرفهم في التجارات قاله ابن عباس و الفراء وابن قتيبة و الزجاج \r\n والثاني تقلب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم قاله عكرمة و مقاتل \r\n والثالث تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم ذكره بعض المفسرين قال الزجاج ذلك الكسب والربح متاع قليل وقال ابن عباس منفعة يسيرة في الدنيا والمهاد الفراش \r\n لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار \r\n قوله تعالى لكن الذين اتقوا ربهم قرأ أبو جعفر لكن بالتشديد هاهنا وفي الزمر قال مقاتل وحدوا قال ابن عباس النزل الثواب قال ابن فارس النزل ما يهيأ للنزيل والنزيل الضيف \r\n وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب \r\n قوله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في النجاشي لأنه لما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم فقال قائل يصلي على هذا العلج النصراني وهو في أرضه فنزلت هذه الآية هذا قول جابر ابن عبد الله و ابن عباس وأنس وقال الحسن وقتادة فيه وفي أصحابه ","part":1,"page":532},{"id":532,"text":" والثاني أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثالث في عبد الله بن سلام وأصحابه قاله ابن جريج وابن زيد و مقاتل \r\n والرابع في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه و سلم قاله عطاء \r\n قوله تعالى وما أنزل إليكم يعني القرآن وما أنزل إليهم يعني كتابهم والخاشع الذليل لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أي عرضا من الدنيا كما فعل رؤساء اليهود وقد سلف بيان سرعة الحساب \r\n يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة وليس يؤمئذ غزو يرابط وفي الذي أمروا بالصبر عليه خمسة أقوال \r\n احدها البلاء والجهاد قاله ابن عباس ","part":1,"page":533},{"id":533,"text":" الثاني الدين قاله الحسن والقرظي و الزجاج \r\n والثالث المصائب روي عن الحسن أيضا والرابع الفرائض قاله سعيد بن جبير \r\n والخامس طاعة الله قاله قتادة وفي الذي امروا بمصابرته قولان \r\n أحدهما العدو قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني الوعد الذي وعدهم الله قاله عطاء والقرظي وفيما أمروا بالمرابطة عليه قولان \r\n أحدهما الجهاد للأعداء قاله ابن عباس والحسن وقتادة في آخرين قال ابن قتيبة وأصل المرابطة والرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر كل يعد لصاحبه \r\n والثاني أنه الصلاة أمروا بالمرابطة عليها قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن وقد ذكرنا في البقرة معنى لعل ومعنى الفلاح \r\n تم بعون الله تبارك وتعالى الجزء الأول من كتاب زاد المسير في علم التفسير ويليه الجزء الثاني وأوله تفسير سورة النساء ","part":1,"page":534},{"id":534,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n 4 - سورة النساء يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا \r\n اختلفوا في نزولها على قولين \r\n أحدهما أنها مكية رواه عطية عن ابن عباس وهو قول الحسن ومجاهد وجابر بن زيد وقتادة \r\n والثاني إنها مدنية رواه عطاء عن ابن عباس وهو قول مقاتل وقيل إنها مدنية إلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة فيسلمها إلى العباس وهي قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى اتقوا ربكم فيه قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الطاعة قاله ابن عباس و الثاني بمعنى الخشية قاله مقاتل \r\n و النفس الواحدة آدم وزوجها حواء و من في قوله و خلق منها للتبعيض في قول الجمهور و قال ابن بحر منها أي من جنسها \r\n و اختلفوا أي وقت خلقت له على قولين ","part":2,"page":1},{"id":535,"text":" أحدهما أنها خلقت بعد دخوله الجنة قاله ابن مسعود و ابن عباس \r\n و الثاني قبل دخوله الجنة قاله كعب الأحبار ووهب و ابن اسحاق \r\n قال ابن عباس لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم فخلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلم تؤذه بشيء و لو وجد الأذى ما عطف عليها أبدا فلما استيقظ قيل يا آدم ما هذه قال حواء \r\n قوله تعالى و بث منهما قال الفراء بث نشر ومن العرب من يقول أبث الله الخلق ويقولون بثثتك ما في نفسي و أبثثتك \r\n قوله تعالى الذي تساءلون به قرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و البرجمي عن أبي بكر عن عاصم واليزيدي و شجاع و الجعفي و عبد الوارث عن أبي عمرو تساءلون بالتشديد و قرأ عاصم و حمزة و الكسائي و كثير من أصحاب أبي عمرو عنه بالتخفيف \r\n قال الزجاج الأصل تتساءلون فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في السين لقرب مكان هذه من هذه و من قرأ بالتخفيف حذف التاء الثانية لاجتماع التاءين \r\n و في معنى تساءلون به ثلاثة أقوال \r\n أحدها تتعاطفون به قاله ابن عباس و الثاني تتعاقدون و تتعاهدون به قاله الضحاك والربيع ","part":2,"page":2},{"id":536,"text":" والثالث تطلبون حقوقكم به قاله الزجاج \r\n فأما قوله والأرحام فالجمهور على نصب الميم على معنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها و فسرها على هذا ابن عباس و مجاهد وعكرمة والسدي و ابن زيد وقرأ الحسن وقتادة و الأعمش و حمزة بخفض الميم على معنى تساءلون به وبالأرحام و فسرها على هذا الحسن و عطاء و النخعي \r\n و قال الزجاج الخفض في الأرحام خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر وخطأ في الدين لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تحلفوا بآبائكم وذهب إلى نحو هذا الفراء و قال ابن الأنباري إنما أراد حمزة الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به فالمعنى الذي كنتم تساءلون به وبالأرحام في الجاهلية قال أبو علي من جر عطف على الضمير المجرور بالباء وهو ضعيف في القياس قليل في الاستعمال فترك الأخذ به أحسن \r\n فأما الرقيب فقال ابن عباس ومجاهد الرقيب الحافظ وقال الخطابي هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ ","part":2,"page":3},{"id":537,"text":" الشيء المترصد له المتحرز عن الغفلة فيه يقال منه رقبت الشيء أرقبه رقبة و ءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلا أموالكم إنه كان حوبا كبيرا \r\n قوله تعالى و آتوا اليتامى أموالهم سبب نزولها أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب ماله فمنعه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت قاله سعيد بن جبير و الخطاب بقوله وآتوا للأولياء و الأوصياء قال الزجاج و إنما سموا يتامى بعد البلوغ بالاسم الذي كان لهم و قد كان يقال للنبي صلى الله عليه و سلم يتيم أبي طالب ","part":2,"page":4},{"id":538,"text":" قوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب قرأ ابن محيصن تبدلوا بتاء واحدة 2 ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنه إبدال حقيقة ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنه أخذ الجيد و إعطاء الرديء مكانه قاله سعيد بن المسيب و الضحاك والنخعي والزهري والسدي قال السدي كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم و يجعل مكانها المهزولة ويأخذ الدراهم الجياد ويطرح مكانها الزيوف \r\n و الثاني أنه الربح على اليتيم واليتيم غر لا علم له قاله عطاء \r\n والقول الثاني أنه ليس بابدال حقيقة وإنما هو أخذه مستهلكا ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنهم كانوا لا يورثون النساء والصغار وإنما يأخذ الميراث الأكابر من الرجال فنصيب الرجل من الميراث طيب و ما أخذه من حق اليتيم خبيث هذا قول ابن زيد \r\n والثاني أنه أكل مال اليتيم بدلا من أكل أموالهم قاله الزجاج \r\n و إلى بمعنى مع والحوب الإثم و قرأ الحسن وقتادة و النخعي بفتح الحاء \r\n قال الفراء أهل الحجاز يقولون حوب بالضم وتميم يقولونه بالفتح \r\n قال ابن الأنباري وقال الفراء المضموم الاسم والمفتوح المصدر قال ابن قتيبة وفيه ثلاث لغات حوب و حوب وحاب و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ","part":2,"page":5},{"id":539,"text":" قوله تعالى و إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى اختلفوا في تنزيلها وتأويلها على ستة أقوال \r\n أحدها أن القوم كانوا يتزوجون عددا كثيرا من النساء في الجاهلية ولا يتحرجون من ترك العدل بينهن وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى فقيل لهم بهذه الآية احذروا من ترك العدل بين النساء كما تحذرون من تركه في اليتامى وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة و السدي ومقاتل \r\n والثاني أن أولياء اليتامى كانوا يتزوجون النساء بأموال اليتامى فلما كثر النساء مالوا على أموال اليتامى فقصروا على الأربع حفظا لأموال اليتامى وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا و عكرمة \r\n والثالث أن معناها و إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات اليتامى إذا نكحتموهن فانكحوا سواهن من الغرائب اللواتي أحل الله لكم وهذا المعنى مروي عن عائشة ","part":2,"page":6},{"id":540,"text":" و الرابع أن معناها و إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في نكاحهن وحذرتم سوء الصحبة لهن وقلة الرغبة فيهن فانكحوا غيرهن وهذا المعنى مروي عن عائشة أيضا والحسن \r\n و الخامس أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فأمروا بالتحرج من الزنى أيضا وندبوا إلى النكاح الحلال وهذا المعنى مروي عن مجاهد \r\n و السادس أنهم تحرجوا من نكاح اليتامى كما تحرجوا من أموالهم فرخص الله لهم بهذه الآية وقصرهم على عدد يمكن العدل فيه فكأنه قال وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن فانكحوهن ولا تزيدوا على أربع لتعدلوا فان خفتم أن لا تعدلوا فيهن فواحدة وهذا المعنى مروي عن الحسن \r\n قال ابن قتيبة ومعنى قوله و إن خفتم أي فان علمتم أنكم لا تعدلون بين اليتامى يقال أقسط الرجل إذا عدل ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة و يقال قسط الرجل إذا جار ومنه قول الله وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وفي معنى العدل في اليتامى قولان \r\n أحدهما في نكاح اليتامى و الثاني في أموالهم \r\n قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم أي ما حل لكم \r\n قال ابن جرير وأراد بقوله ما طاب لكم الفعل دون أعيان النساء ولذلك قال ما ولم يقل من واختلفوا هل النكاح من اليتامى أو من غيرهن على قولين قد سبقا \r\n قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع ","part":2,"page":7},{"id":541,"text":" قال الزجاج هو بدل من ما طاب لكم و معناه اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا و إنما خاطب الله العرب بأفصح اللغات وليس من شأن البليغ أن يعبر في العدد عن التسعة باثنتين و ثلاث وأربع لأن التسعة قد وضعت لهذا العدد فيكون عيا في الكلام \r\n وقال ابن الأنباري هذه الواو معناها التفرق وليست جامعة فالمعنى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وانكحوا ثلاث في غير الحال الأولى وانكحوا رباع في غير الحالين \r\n وقال القاضي أبو يعلى الواو هاهنا لإباحة أي الأعداد شاء لا للجمع وهذا العدد إنما هو للأحرار لا للعبيد وهو قول أبي حنيفة والشافعي \r\n وقال مالك هم كالأحرار ويدل على قولنا أنه قال فانكحوا فهذا منصرف إلى من يملك النكاح والعبد لا يملك ذلك بنفسه وقال في سياقها فواحدة أو ما ملكت أيمانكم والعبد لا ملك له فلا يباح له الجمع إلا بين اثنتين ","part":2,"page":8},{"id":542,"text":" قوله تعالى فان خفتم فيه قولان أحدهما علمتم و الثاني خشيتم \r\n قوله تعالى أن لا تعدلوا قال القاضي أبو يعلى أراد العدل في القسم بينهن \r\n قوله تعالى فواحدة أي فانكحوا واحدة وقرأ الحسن والأعمش و حميد فواحدة بالرفع المعنى فواحدة تقنع \r\n قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم يعني السراري قال ابن قتيبة معنى الآية فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن فقصرهم على أربع ليقدروا على العدل ثم قال فان خفتم أن لا تعدلوا بين هؤلاء الأربع فانكحوا واحدة واقتصروا على ملك اليمين \r\n قوله تعالى ذلك أدنى أي أقرب وفي معنى تعولوا ثلاثة أقوال \r\n أحدهما تميلوا قاله ابن عباس والحسن ومجاهد و عكرمة وعطاء وإبراهيم وقتادة والسدي ومقاتل والفراء وقال أبو مالك وأبو عبيد تجوروا \r\n قال ابن قتيبة والزجاج تجوروا وتميلوا بمعنى واحد واحتكم رجلان من العرب إلى رجل فحكم لأحدهما فقال المحكوم عليه إنك والله تعول علي أي تميل وتجور ","part":2,"page":9},{"id":543,"text":" و الثاني تضلوا قاله مجاهد و الثالث تكثر عيالكم قال ابن زيد ورواه أبو سليمان الدمشقي في تفسيره عن الشافعي ورده الزجاج فقال جميع أهل اللغة يقولون هذا القول خطأ لأن الواحدة يعولها وإباحة ملك اليمين أزيد في العيال من أربع وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا \r\n قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة اختلفوا فيمن خوطب بهذا على قولين \r\n أحدهما أنهم الأزواج وهو قول الجمهور واحتجوا بأن الخطاب للناكحين قد تقدم وهذا معطوف عليه وقال مقاتل كان الرجل يتزوج بلا مهر فيقول أرثك وترثيني فتقول المرأة نعم فنزلت هذه الآية والثاني أنه متوجه إلى الأولياء ثم فيه قولان ","part":2,"page":10},{"id":544,"text":" أحدهما أن الرجل كان إذا زوج أيمة جاز صداقها دونها فنهوا بهذه الآية هذا قول أبي صالح واختاره الفراء وابن قتيبة \r\n والثاني أن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر فنهوا عن هذا بهذه الآية رواه أبو سليمان التيمي عن بعض أشياخه \r\n قال ابن قتيبة والصدقات المهور واحدها صدقة وفي قوله نحلة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى الفريضة قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد ومقاتل والثاني أنها الهبة والعطية قاله الفراء \r\n قال ابن الأنباري كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئا من مهورهن فلما فرض الله لهن المهر كان نحلة من الله أي هبة للنساء فرضا على الرجال \r\n وقال الزجاج هو هبة من الله للنساء قال القاضي أبو يعلى وقيل إنما سمي المهر نحلة لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع بعد النكاح في ملك المرأة ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج وإنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة لا الملك \r\n والثالث أنها العطية بطيب نفس فكأنه قال لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون قاله أبو عبيدة \r\n والرابع أن معنى النحلة الديانة فتقديره وآتوهن صدقاتهن ديانة يقال فلان ينتحل كذا أي يدين به ذكره الزجاج عن بعض العلماء ","part":2,"page":11},{"id":545,"text":" قوله تعالى فان طبن لكم يعني النساء المنكوحات وفي لكم قولان \r\n أحدهما أنه يعني الأزواج \r\n والثاني الأولياء و الهاء في منه كناية عن الصداق قال الزجاج و منه هاهنا للجنس كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان معناه فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن فكأنه قال كلوا الشيء الذي هو مهر فيجوز أن يسأل الرجل المهر كله ونفسا منصوب على التمييز \r\n فالمعنى فان طابت أنفسهن لكم بذلك فكلوه هنيئا مريئا وفي الهنيء ثلاثة أقوال أحدها أنه ما تؤمن عاقبته والثاني ما أعقب نفعا وشفاء \r\n والثالث أنه الذي لا ينغصه شيء وأما المريء فيقال مرئ الطعام إذا انهضم وحمدت عاقبته ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا \r\n قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم المراد بالسفهاء خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم النساء قاله ابن عمر \r\n والثاني النساء والصبيان قاله سعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل والفراء وابن قتيبة وعن الحسن ومجاهد كالقولين \r\n والثالث الأولاد قاله أبو مالك وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن ابن عباس وروي عن الحسن قال هم الأولاد الصغار \r\n والرابع اليتامى قاله عكرمة وسعيد بن جبير في رواية \r\n قال الزجاج ومعنى الآية ولا تؤتوا السفهاء أموالهم بدليل قوله وارزقوهم فيها ","part":2,"page":12},{"id":546,"text":" وإنما قال أموالكم ذكرا للجنس الذي جعله الله أموالا للناس وقال غيره أضافها إلى الولاة لأنهم قوامها \r\n والخامس أن القول على إطلاقه والمراد به كل سفيه يستحق الحجر عليه ذكره ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي وغيرهما وهو ظاهر الآية \r\n وفي قوله أموالكم قولان أحدهما أنه أموال اليتامى والثاني أموال السفهاء \r\n قوله تعالى التي جعل الله لكم قياما قرأ الحسن اللاتي جعل الله لكم قواما وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وأبو عمرو قياما بالياء مع الألف هاهنا وقرأ نافع وابن عامر قيما بغير ألف \r\n قال ابن قتيبة قياما وقواما بمنزلة واحدة تقول هذا قوام أمرك وقيامه أي ما يقوم به أمرك وذكر أبو علي الفارسي أن قواما وقياما وقيما بمعنى القوام الذي يقيم الشأن قال وليس قول من قال القيم هاهنا جمع قيمة بشيء \r\n قوله تعالى وارزقوهم فيها أي منها وفي القول المعروف ثلاثة أقوال \r\n أحدها العدة الحسنة قال ابن عباس وعطاء ومجاهد ومقاتل ","part":2,"page":13},{"id":547,"text":" والثاني الرد الجميل قاله الضحاك والثالث الدعاء كقولك عافاك الله قاله ابن زيد وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا \r\n قوله تعالى وابتلوا اليتامى سبب نزولها أن رجلا يقال له رفاعة مات وترك ولدا صغيرا يقال له ثابت فوليه عمه فجاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله فنزلت هذه الآية ذكر نحوه مقاتل والابتلاء الاختبار وبماذا يختبرون فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم يختبرون في عقولهم قاله ابن عباس والسدي وسفيان ومقاتل والثاني يختبرون في عقولهم ودينهم قاله الحسن وقتادة وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث في عقولهم ودينهم وحفظهم أموالهم ذكره الثعلبي قال القاضي أبو يعلى وهذا الابتلاء قبل البلوغ \r\n قوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح قال ابن قتيبة أي بلغوا أن ينكحوا النساء فان آنستم أي علمتم وتبينتم وأصل أنست أبصرت وفي الرشد أربعة أقوال \r\n أحدها الصلاح في الدين وحفظ المال قاله ابن عباس والحسن ","part":2,"page":14},{"id":548,"text":" والثاني الصلاح في العقل وحفظ المال روي عن ابن عباس والسدي \r\n والثالث أنه العقل قاله مجاهد والنخعي والرابع العقل والصلاح في الدين روي عن السدي \r\n فصل \r\n واعلم أن الله تعالى علق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين بالبلوغ والرشد وأمر الأولياء باختبارهم فإذا استبانوا رشدهم وجب عليهم تسليم أموالهم إليهم \r\n والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء الاحتلام واستكمال خمس عشرة سنة والإنبات وشيئان يختصان بالنساء الحيض والحمل ","part":2,"page":15},{"id":549,"text":" قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا خطاب للأولياء قال ابن عباس لا تأكلوها بغير حق وبدارا تبادرون أكل المال قبل بلوغ الصبي ومن كان غنيا فليستعفف بماله عن مال اليتيم وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الأخذ على وجه القرض وهذا مروي عن عمر وابن عباس وابن جبير وأبي العالية وعبيدة وأبي وائل ومجاهد ومقاتل \r\n والثاني الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة وعطاء والنخعي وقتادة والسدي \r\n والثالث أنه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا روي عن ابن عباس وعائشة وهي رواية أبي طالب وابن منصور عن أحمد رضي الله عنه \r\n والرابع أنه الأخذ عند الضرورة فان أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل وهذا قول الشعبي ","part":2,"page":16},{"id":550,"text":" فصل \r\n واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة على قولين \r\n أحدهما محكمة وهو قول عمر وابن عباس والحسن والشعبي وأبي العالية ومجاهد وابن جبير والنخعي وقتادة في آخرين وحكمها عندهم أن الغني ليس له أن يأكل من مال اليتيم شيئا فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه وتشغله رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية فله أن يأخذ قدر كفايته بالمعروف من غير إسراف \r\n وهل عليه الضمان إذا أيسر فيه قولان لهم \r\n أحدهما أنه لا ضمان عليه بل يكون كالأجرة له على عمله وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وقتادة وأحمد بن حنبل \r\n والثاني إذا أيسر وجب عليه القضاء روي عن عمر وغيره وعن ابن عباس أيضا كالقولين \r\n والقول الثاني أنها منسوخة بقوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل النساء 29 وهذا مروي عن ابن عباس ولا يصح \r\n قوله تعالى فأشهدوا عليهم قال القاضي أبو يعلى هذا على طريق الاحتياط لليتيم والولي وليس بواجب فأما اليتيم فإنه إذا كانت عليه بينة كان أبعد من أن يدعي عدم القبض وأما الولي فإن تظهر أمانته ويسقط عنه اليمين عند إنكار اليتيم للدفع وفي الحسيب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الشهيد قاله ابن عباس والسدي ومقاتل \r\n والثاني أنه الكافي من قولك أحسبني هذا الشيء أي كفاني والله حسيبي وحسيبك أي كافينا أي يكون حكما بيننا كافيا ","part":2,"page":17},{"id":551,"text":" قال الشاعر ... ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع ... \r\n أي نعطيه ما يكفيه حتى يقول حسبي قاله ابن قتيبة والخطابي \r\n والثالث أنه المحاسب فيكون في مذهب جليس وأكيل وشريب حكاه ابن قتيبة والخطابي للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا \r\n قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون سبب نزولها أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة فقام رجلان من بني عمه يقال لهما قتادة وعرفطة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه و سلم فذكرت له ذلك وشكت الفقر فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال قتادة كانوا لا يورثون النساء فنزلت هذه الآية \r\n والمراد بالرجال الذكور وبالنساء الإناث صغارا كانوا أو كبارا ","part":2,"page":18},{"id":552,"text":" والنصيب الحظ من الشيء وهو مجمل في هذه الآية ومقداره معلوم من موضع آخر وذلك مثل قوله وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 وقوله خذ من أموالهم صدقة التوبة 103 والمفروض الذي فرضه الله وهو آكد من الواجب وإذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا \r\n قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى في هذه القسمة قولان \r\n أحدهما قسمة الميراث بعد موت الموروث فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين وبهذا قال الأكثرون منهم ابن عباس والحسن والزهري \r\n والثاني أنها وصية الميت قبل موته فيكون مأمورا بأن يعين لمن لا يرثه شيئا روي عن ابن عباس وابن زيد قال المفسرون والمراد بأولي القربى الذين لا يرثون فارزقوهم منه أي أعطوهم منه وقيل أطعموهم وهذا على الاستحباب عند الأكثرين وذهب قوم إلى أنه واجب في المال فان كان الورثة كبارا تولوا إعطاءهم وإن كانوا صغارا تولى ذلك عنهم ولي مالهم فروي عن عبيدة أنه قسم مال أيتام فأمر بشاة فاشتريت من مالهم وبطعام فصنع وقال لولا هذه الآية لأحببت أن يكون من مالي وكذلك فعل محمد ابن سيرين في أيتام وليهم وكذلك روي عن مجاهد أن ما تضمنته هذه الآية واجب \r\n وفي القول المعروف أربعة أقوال \r\n أحدها أن يقول لهم الولي حين يعطيهم خذ بارك الله فيك رواه سالم الأفطس عن ابن جبير ","part":2,"page":19},{"id":553,"text":" والثاني أن يقول الولي إنه مال يتامى ومالي فيه شيء رواه أبو بشر عن ابن جبير وفي رواية أخرى عن ابن جبير قال إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم وإن كانوا صغارا قال وليهم إني لست أملك هذا المال إنما هو للصغار فذلك القول المعروف \r\n والثالث أنه العدة الحسنة وهو أن يقول لهم أولياء الورثة إن هؤلاء الورثة صغار فاذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم رواه عطاء بن دينار عن ابن جبير \r\n والرابع أنهم يعطون من المال ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق بورك فيكم وهذا القول المعروف قال الحسن والنخعي أدركنا الناس يفعلون هذا \r\n فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أنها محكمة وهو قول أبي موسى الأشعري وابن عباس ","part":2,"page":20},{"id":554,"text":" والحسن وأبي العالية والشعبي وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي والزهري وقد ذكرنا أن ما تضمنته من الأمر مستحب عند الأكثرين وواجب عند بعضهم \r\n والقول الثاني أنها منسوخة نسخها قوله يوصيكم الله في أولادكم رواه مجاهد عن ابن عباس وهو قول سعيد بن المسيب وعكرمة والضحاك وقتادة في آخرين وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ","part":2,"page":21},{"id":555,"text":" قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا اختلفوا في المخاطب بهذه الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه خطاب للحاضرين عند الموصي وفي معنى الآية على هذا القول قولان أحدهما وليخش الذين يحضرون موصيا في ماله أن يأمروه بتفريقه فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته كما لو كانوا هم الموصين لسرهم أن يحثهم من حضرهم على حفظ الأموال للأولاد وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل \r\n والثاني على الضد من هذا القول وهو أنه نهي لحاضري الموصي أي يمنعوه من الوصية لأقاربه وأن يأمروه بالاقتصار على ولده وهذا قول مقسم وسليمان التيمي في آخرين \r\n والقول الثاني أنه خطاب لأولياء اليتامى متعلق بقوله ولا تأكلوها إسرافا وبدارا فمعنى الكلام أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى كما تحبون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وابن السائب \r\n والثالث أنه خطاب للأوصياء أمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي وأن تكون الوجوه التي عينها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه البقرة 182 فأمر الوصي بهذه الآية إذا وجد ميلا عن الحق أن يستعمل قضية الشرع ويصلح بين الورثة ذكره شيخنا علي بن عبيد الله وغيره في الناسخ والمنسوخ فعلى هذا تكون الآية منسوخة وعلى ما قبله تكون محكمة ","part":2,"page":22},{"id":556,"text":" والضعاف جمع ضعيف وهم الأولاد الصغار وقرأ حمزة ضعافا بامالة العين \r\n قال أبو علي ووجهها أن ما كان على فعال وكان أوله حرفا مستعليا مكسورا نحو ضعاف وقفاف وخفاف حسنت فيه الإمالة لأنه قد يصعد بالحرف المستعلي ثم يحدر بالكسر فيستحب أن لا يصعد بالتفخيم بعد التصوب بالكسر فيجعل الصوت على طريقة واحدة وكذلك قرأ حمزة خافوا عليهم بامالة الخاء والإمالة هاهنا حسنة وإن كانت الخاء حرفا مستعليا لأنه يطلب الكسرة التي في خفت فينحو نحوها بالإمالة والقول السديد الصواب إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا \r\n قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن رجلا من غطفان يقال له مرثد بن زيد ولي مال ابن أخيه فأكله فنزلت هذه الآية قاله مقاتل بن حيان \r\n والثاني أن حنظلة بن الشمردل ولي يتيما فأكل ماله فنزلت هذه الآية ذكره بعض المفسرين وإنما خص الأكل بالذكر لأنه معظم المقصود وقيل عبر به عن الأخذ \r\n قال سعيد بن جبير ومعنى الظلم أن يأخذه بغير حق وأما ذكر البطون فللتوكيد كما تقول نظرت بعيني وسمعت بأذني وفي المراد بأكلهم النار قولان \r\n أحدهما أنهم سيأكلون يوم القيامة نارا فسمي الأكل بما يؤول إليه أمرهم كقوله أعصر خمرا يوسف 36 قال السدي يبعث آكل مال اليتيم ظلما ولهب ","part":2,"page":23},{"id":557,"text":" النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم \r\n والثاني أنه مثل معناه يأكلون ما يصيرون به إلى النار كقوله ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه آل عمران 143 أي رأيتم أسبابه \r\n قوله تعالى وسيصلون سعيرا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وسيصلون بفتح الياء وقرأ الحسن وابن عامر بضم الياء ووافقهما ابن مقسم إلا أنه شدد والمعنى سيحرقون بالنار ويشوون والسعير النار المستعرة واستعار النار توقدها \r\n فصل \r\n وقد توهم قوم لا علم لهم بالتفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة لأنهم سمعوا أنها لما نزلت تحرج القوم عن مخالطة اليتامى فنزل قوله وإن تخالطوهم فإخوانكم البقرة 220 وهذا غلط وإنما ارتفع عنهم الحرج بشرط قصد الإصلاح لا على إباحة الظلم \r\n يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين ","part":2,"page":24},{"id":558,"text":" ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما \r\n قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن جابر بن عبد الله مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال كيف أصنع في مالي يا رسول الله فنزلت هذه الآية رواه البخاري ومسلم \r\n والثاني أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم بابنتين لها فقالت يا رسول قتل أبو هاتين معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما فنزلت روي عن جابر بن عبد الله أيضا \r\n والثالث أن عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات وترك امرأة وخمس بنات فأخذ ورثته ماله ولم يعطوا امرأته ولا بناته شيئا فجاءت امرأته تشكو إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية هذا قول السدي ","part":2,"page":25},{"id":559,"text":" قال الزجاج ومعنى يوصيكم يفرض عليكم لأن الوصية منه فرض وقال غيره إنما ذكره بلفظ الوصية لأمرين \r\n أحدهما أن الوصية تزيد على الأمر فكانت آكد \r\n والثاني أن في الوصية حقا للموصي فدل على تأكيد الحال بإضافته إلى حقه وقرأ الحسن وابن أبي عبلة يوصيكم بالتشديد \r\n قوله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين يعني للإبن من الميراث مثل حظ الأنثيين ثم ذكر نصيب الإناث من الأول فقال فإن كن يعني البنات نساء فوق اثنتين وفي قوله فوق قولان \r\n أحدهما أنها زائدة كقوله فاضربوا فوق الأعناق الأنفال 13 \r\n والثاني أنهم بمعنى الزيادة قال القاضي أبو يعلى إنما نص على ما فوق الاثنتين والواحدة ولم ينص على الاثنتين لأنه لما جعل لكل واحدة مع الذكر الثلث كان لها مع الأنثى الثلث أولى \r\n قوله تعالى وإن كانت واحدة قرأ الجمهور بالنصب وقرأ نافع بالرفع على معنى وإن وقعت أو وجدت واحدة \r\n قوله تعالى ولأبويه قال الزجاج أبواه تثنية أب وأبة والأصل في الأم أن يقال لها أبة ولكن استغنى عنها بأم والكناية في قوله لأبويه عن الميت وإن لم يجر له ذكر \r\n وقوله تعالى فلأمه الثلث أي إذا لم يخلف غير أبوين فثلث ماله لأمه والباقي للأب وإنما خص الأم بالذكر لأنه لو اقتصر على قوله وورثه أبواه ظن الظان أن المال يكون بينهما نصفين فلما خصها بالثلث دل على التفضيل ","part":2,"page":26},{"id":560,"text":" وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر فلأمه و في بطون أمهاتكم الزمر6 و في أمها القصص 59 و في أم الكتاب الزخرف4 بالرفع وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وحجتهما أنهما أتبعا الهمزة ما قبلها من ياء أو كسرة \r\n قوله تعالى فإن كان له إخوة أي مع الأبوين فإنهم يحجبون الأم عن الثلث فيردونها إلى السدس واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة حجبوا فإن كانا أخوين فهل يحجبانها فيه قولان \r\n أحدهما يحجبانها عن الثلث قاله عمر وعثمان وعلي وزيد والجمهور \r\n والثاني لا يحجبها إلا ثلاثة قاله ابن عباس واحتج بقوله إخوة والأخوة اسم جمع واختلفوا في أقل الجمع فقال الجمهور أقله ثلاثة وقال قوم اثنان والأول أصح وإنما حجب العلماء الأم بأخوين لدليل اتفقوا عليه وقد يسمى الاثنان بالجمع قال الزجاج جميع أهل اللغة يقولون ","part":2,"page":27},{"id":561,"text":" إن الأخوين جماعة وحكى سيبويه أن العرب تقول وضعا رحالهما يريدون رحلي راحلتيهما \r\n قوله تعالى من بعد وصية أي هذه السهام إنما تقسم بعد الوصية والدين وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يوصى بها بفتح الصاد في الحرفين وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي يوصي فيهما بالكسر وقرأ حفص عن عاصم الأولى بالكسر والثانية بالفتح \r\n واعلم أن الدين مؤخر في اللفظ مقدم في المعنى لأن الدين حق عليه والوصية حق له وهما جميعا مقدمان على حق الورثة إذا كانت الوصية في ثلث المال و أو لا توجب الترتيب إنما تدل على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده وكذلك إن كانا ","part":2,"page":28},{"id":562,"text":" قوله تعالى آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فيه قولان أحدهما أنه النفع في الآخرة ثم فيه قولان \r\n أحدهما أن الوالد إذا كان أرفع درجة من ولده رفع إليه ولده وكذلك الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه شفاعة بعضهم في بعض رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والقول الثاني أنه النفع في الدنيا قاله مجاهد ثم في معناه قولان \r\n أحدهما أن المعنى لا تدرون هل موت الآباء أقرب فينتفع الأبناء بأموالهم أو موت الأبناء فينتفع الآباء بأموالهم قاله ابن بحر \r\n والثاني أن المعنى أن الآباء والأبناء يتفاوتون في النفع حتى لا يدري أيهم أقرب نفعا لأن الأولاد ينتفعون في صغرهم بالآباء والآباء ينتفعون في كبرهم بالأبناء ذكره القاضي أبو يعلى \r\n وقال الزجاج معنى الكلام أن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتضعون الأموال على غير حكمة إن الله كان عليما بما يصلح خلقه حكيما فيما فرض \r\n وفي معنى كان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناها كان عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدر تدبيره منها قاله الحسن \r\n والثاني أن معناها لم يزل قال سيبوبه كأن القوم شاهدوا علما وحكمة ","part":2,"page":29},{"id":563,"text":" فقيل لهم إن الله كان كذلك أي لم يزل على ما شاهدتم ليس ذلك بحادث \r\n والثالث أن لفظة كان في الخبر عن الله عز و جل يتساوى ماضيها ومستقبلها لأن الأشياء عنده على حال واحدة ذكر هذه الأقوال الزجاج ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم \r\n قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة قرأ الحسن يورث بفتح الواو وكسر الراء مع التشديد وفي الكلالة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها ما دون الوالد والولد قاله أبو بكر الصديق وقال عمر ابن الخطاب أتى على حين وأنا لا أعرف ما الكلالة فإذا هو من لم يكن له والد ولا ولد وهذا قول علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ","part":2,"page":30},{"id":564,"text":" والحسن وسعيد بن جبير وعطاء والزهري وقتادة والفراء وذكر الزجاج عن أهل اللغة أن الكلالة من قولهم تكلله النسب أي لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه قال والكلالة سوى الوالد والولد وإنما هو كالاكليل على الرأس وذكر ابن قتيبة عن أبي عبيدة أنه مصدر تكلله النسب إذا أحاط به والابن والأب طرفان للرجل فاذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالة وكأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب مأخوذ منه نحو هذا قولهم وجهت الشيء أخذت وجهه وثغرت الرجل كسرت ثغره \r\n والثاني أن الكلالة من لا ولد له رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب وهو قول طاووس \r\n والثالث أن الكلالة ما عدا الوالد قاله الحكم \r\n والرابع أن الكلالة بنو العم الأباعد ذكره ابن فارس عن ابن الأعرابي \r\n واختلفوا على ما يقع اسم الكلالة على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اسم للحي الوارث وهذا مذهب أبي بكر الصديق وعامة ","part":2,"page":31},{"id":565,"text":" العلماء الذين قالوا إن الكلالة من دون الوالد والولد فانهم قالوا الكلالة اسم للورثة إذا لم يكن فيهم ولد ولا والد قال بعض الأعراب مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم \r\n والثاني أنه اسم للميت قاله ابن عباس والسدي وأبو عبيدة في جماعة قال القاضي أبو يعلى الكلالة اسم للميت ولحاله وصفته ولذلك انتصب \r\n والثالث أنه اسم للميت والحي قاله ابن زيد \r\n وفيما أخذت منه الكلالة قولان \r\n أحدهما أنه اسم مأخوذ من الإحاطة ومنه الاكليل لإحاطته بالرأس \r\n والثاني أنه مأخوذ من الكلال وهو التعب كأنه يصل إلى الميراث من بعد وإعياء قال الأعشى ... فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تزور محمدا ","part":2,"page":32},{"id":566,"text":" قوله وله أخ أو أخت يعني من الأم باجماعهم \r\n قوله تعالى فهم شركاء في الثلث قال قتادة ذكرهم وأنثاهم فيه سواء \r\n قوله تعالى غير مضار قال الزجاج غير منصوب على الحال والمعنى يوصي بها غير مضار يعني للورثة تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم \r\n قوله تعالى تلك حدود الله قال ابن عباس يريد ما حد الله من فرائضه في الميراث ومن يطع الله ورسوله في شأن المواريث يدخله جنات قرأ ابن عامر ونافع ندخله بالنون في الحرفين جميعا والباقون بالياء فيهما ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين \r\n قوله تعالى ومن يعص الله فلم يرض بقسمه يدخله نارا فان قيل كيف قطع للعاصي بالخلود فالجواب أنه إذا رد حكم الله وكفر به كان كافرا مخلدا في النار واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا \r\n قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة قال الزجاج التي تجمع اللاتي واللواتي قال الشاعر ","part":2,"page":33},{"id":567,"text":" من اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كبرت لداتي ... \r\n وتجمع اللاتي باثبات التاء وحذفها قال الشاعر ... من اللاتي لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا ... \r\n والفاحشة الزنى في قول الجماعة وفي قوله فاستشهدوا عليهن قولان \r\n أحدهما أنه خطاب للأزواج \r\n والثاني خطاب للحكام فالمعنى اسمعوا شهادة أربعة منكم ذكرهما الماوردي قال عمر بن الخطاب إنما جعل الله عز و جل الشهور أربعة سترا ستركم به دون فواحشكم ومعنى منكم من المسلمين \r\n قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت قال ابن عباس كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت فجعل الله لهن سبيلا وهو الجلد أو الرجم \r\n واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما \r\n قوله تعالى واللذان قرأ ابن كثير واللذان بتشديد النون وهذان في طه و الحج وهاتين في القصص إحدى ابنتي هاتين وفذانك ","part":2,"page":34},{"id":568,"text":" كله بتشديد النون وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف ذلك كله وشدد أبو عمرو فذانك وحدها \r\n وقوله واللذان يعني الزانيين وهل هو عام أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنه عام في الأبكار والثيب من الرجال والنساء قاله الحسن وعطاء \r\n والثاني أنه خاص في البكرين إذا زنيا قاله أبو صالح والسدي وابن زيد وسفيان قال القاضي أبو يعلى والأول أصح لأن هذا تخصيص بغير دلالة \r\n قوله تعالى يأتيانها يعني الفاحشة قوله فآذوهما فيه قولان \r\n أحدهما أنه الأذى بالكلام والتعيير رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة والسدي والضحاك ومقاتل \r\n والثاني أنه التعيير والضرب بالنعال رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فان تابا من الفاحشة وأصلحا العمل فأعرضوا عن أذاهما وهذا كله كان قبل الحد \r\n فصل \r\n كان حد الزانيين فيما تقدم الأذى لهما والحبس للمرأة خاصة فنسخ الحكمان جميعا واختلفوا بماذا وقع نسخهما فقال قوم بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة وهذا على قول من يرى نسخ القرآن بالسنة ","part":2,"page":35},{"id":569,"text":" وقال قوم نسخ بقوله الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 قالوا وكان قوله واللذان يأتيانها للبكرين فنسخ حكمهما بالجلد ونسخ حكم الثيب من النساء بالرجم \r\n وقال قوم يحتمل أن يكون النسخ وقع بقرآن ثم رفع رسمه وبقي حكمه لأن في حديث عبادة قد جعل الله لهن سبيلا والظاهر أنه جعل بوحي لم تستقر تلاوته قال القاضي أبو يعلى وهذا وجه صحيح يخرج على قول من لم ينسخ القرآن بالسنة قال ويمتنع أن يقع النسخ بحديث عبادة لأنه من أخبار الآحاد والنسخ لا يجوز بذلك إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما \r\n قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة قال الحسن إنما التوبة التي يقبلها الله فأما السوء فهو المعاصي سمي سوءا لسوء عاقبته ","part":2,"page":36},{"id":570,"text":" قوله تعالى بجهالة قال مجاهد كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وعطاء وقتادة والسدي في آخرين إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين \r\n وقال الزجاج ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يوقع سوءا وإنما يحتمل أمرين \r\n أحدهما أنهم عملوه وهو يجهلون المكروه فيه \r\n والثاني أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعاقبة الدائمة \r\n وفي القريب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التوبة في الصحة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي وابن السائب \r\n والثاني أنه التوبة قبل معاينة ملك الموت رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال أبو مجلز \r\n والثالث أنه التوبة قبل الموت وبه قال ابن زيد في آخرين ","part":2,"page":37},{"id":571,"text":" وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما \r\n قوله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات في السيئات ثلاثة أقوال \r\n أحدها الشرك قاله ابن عباس وعكرمة والثاني أنها النفاق قاله أبو العالية وسعيد بن جبير والثالث أنها سيئات المسلمين قاله سفيان الثوري واحتج بقوله ولا الذين يموتون وهم كفار \r\n قوله تعالى حتى إذا حضر أحدهم الموت في الحضور قولان \r\n أحدهما أنه السوق قاله ابن عمر \r\n والثاني أنه معاينة الملائكة لقبض الروح قاله أبو سليمان الدمشقي وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال أنزل الله تعالى بعد هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية النساء 116 فحرم المغفرة على من مات مشركا وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة فعلى هذا تكون منسوخة في حق المؤمنين يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها سبب ","part":2,"page":38},{"id":572,"text":" نزولها أن الرجل كان إذا مات كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال في رواية أخرى كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل قام أقرب الناس منه فيلقى على امرأته ثوبا فيرث نكاحها وقال مجاهد كان إذا توفي الرجل فابنه الأكبر أحق بامرأته فينكحها إن شاء أو ينكحها من شاء وقال أبو أمامة بن سهل ابن حنيف لم توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده وكان ذلك لهم في الجاهلية فنزلت هذه الآية قال عكرمة واسم هذه المرأة كبيشة بنت معن بن عاصم وكان هذا في العرب وقال أبو مجلز كانت الأنصار تفعله وقال ابن زيد كان هذا في أهل المدينة وقال السدي إنما كان ذلك للأولياء ما لم تسبق المرأة فتذهب إلى أهلها فإن ذهبت فهي أحق بنفسها \r\n وفي معنى قوله أن ترثوا النساء كرها قولان \r\n أحدهما أن ترثوا نكاح النساء وهذا قول الجمهور \r\n والثاني أن ترثوا أموالهن كرها روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال كان يلقي حميم الميت على الجارية ثوبا فان كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها ","part":2,"page":39},{"id":573,"text":" 2 - واختلف القراء في فتح كاف الكره وضمتها في أربعة مواضع هاهنا وفي التوبة وفي الأحقاف في موضعين فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الكاف فيهن وضمهن حمزة وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح في النساء والتوبة وبالضم في الأحقاف وهما لغتان قد ذكرناهما في البقرة \r\n وفيمن خوطب بقوله ولا تعضلوهن ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه خطاب للأزواج ثم في العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الرجل كان يكره صحبة امرأته ولها عليه مهر فيحبسها ويضربها لتفتدي قاله ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي \r\n والثاني أن الرجل كان ينكح المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه ويشهد على ذلك فاذا خطبت فأرضته أذن لها وإلا عضلها قاله ابن زيد \r\n والثالث أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون كما كانت الجاهلية تفعل فنهوا عن ذلك روي عن ابن زيد أيضا وقد ذكرنا في البقرة أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يراجعها ثم يطلقها كذلك أبدا إلى غير غاية يقصد إضرارها حتى نزلت الطلاق مرتان البقرة 229 \r\n والقول الثاني أنه خطاب للأولياء ثم في ما نهوا عنه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الرجل كان في الجاهلية إذا كانت له قرابة قريبة ألقى عليها ثوبه فلم تتزوج أبدا غيره إلا بإذنه قاله ابن عباس \r\n والثاني أن اليتيمة كانت تكون عند الرجل فيحبسها حتى تموت أو تتزوج بابنه قاله مجاهد ","part":2,"page":40},{"id":574,"text":" والثالث أن الأولياء كانوا يمنعون النساء من التزويج ليرثوهن روي عن مجاهد أيضا \r\n والقول الثالث انه خطاب لورثة أزواج النساء الذين قيل لهم لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها كان الرجل يرث امرأة قريبة فيعضلها حتى تموت أو ترد عليه صداقها هذا قول ابن عباس في آخرين وعلى هذا يكون الكلام متصلا بالأول وعلى الأقوال التي قبله يكون ذكر العضل منفصلا عن قوله أن ترثوا النساء \r\n وفي الفاحشة قولان أحدهما أنها النشوز على الزوج قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة في جماعة \r\n والثاني الزنى قاله الحسن وعطاء وعكرمة في جماعة وقد روى معمر عن عطاء الخراساني قال كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ زوجها ماساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحد قال ابن جرير وهذا القول ليس بصحيح لأن الحد حق الله والافتداء حق للزوج وليس أحدهما مبطلا للآخر ","part":2,"page":41},{"id":575,"text":" والصحيح أنها إذا أتت بأي فاحشة كانت من زنى الفرج أو بذاءة اللسان جاز له أن يعضلها ويضيق عليها حتى تفتدي فأما قوله مبينة فقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم مبينة و آيات مبينات بفتح الياء فيهما جميعا وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الياء فيهما وقرأ نافع أبو عمرو مبينة كسرا و آيات مبينات فتحا وقد سبق ذكر العشرة \r\n قوله تعالى فعسى أن تكرهوا شيئا قال ابن عباس ربما رزق الله منهما ولدا فجعل الله في ولدها خيرا كثيرا وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين أحدهما أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح فرب مكروه عاد محمودا ومحمود عاد مذموما \r\n والثاني أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره فليصبر على ما يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى ... ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ... ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ","part":2,"page":42},{"id":576,"text":" وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا \r\n قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج هذا الخطاب للرجال والزوج المرأة وقد سبق ذكر القنطار في آل عمران \r\n قوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا إنما ذلك في حق من وطئها أو خلا بها وقد بينت ذلك الآية التي بعدها قال القاضي أبو يعلى وإنما خص النهي عن أخذ شيء مما أعطى بحال الاستبدال وإن كان المنع عاما لئلا يظن ظان أنه لما عاد البضع إلى ملكها وجب أن يسقط حقها من المهر أو يظن ظان أن الثانية أولى بالمهر منها لقيامها مقامها \r\n وفي البهتان قولان أحدهما أنه الظلم قاله ابن عباس وابن قتيبة \r\n والثاني الباطل قاله الزجاج ومعنى الكلام أتأخذونه مباهتين آثمين وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا قوله تعالى وكيف تأخذونه أي كيف تستجيزون أخذه وفي الإفضاء قولان \r\n أحدهما أنه الجماع قاله ابن عباس ومجاهد والسدي ومقاتل وابن قتيبة \r\n والثاني الخلوة بها وإن لم يغشها قاله الفراء \r\n وفي المراد بالميثاق هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الذي أخذه الله للنساء على الرجال الإمساك بمعروف أو التسريح باحسان هذا قول ابن عباس والحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل ","part":2,"page":43},{"id":577,"text":" والثاني أنه عقد النكاح قاله مجاهد وابن زيد والثالث أنه أمانة الله قاله الربيع ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا \r\n قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف قال ابن عباس كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين فنزلت هذه الآية وقال بعض الأنصار توفي أبو قيس بن الأسلت فخطب ابنه قيس امرأته فأتت النبي صلى الله عليه و سلم تستأذنه وقالت إنما كنت أعده ولدا فنزلت هذه الآية \r\n قال أبو عمر غلام ثعلب الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أن النكاح في أصل اللغة اسم للجمع بين الشيئين وقد سموا الوطء نفسه نكاحا من غير عقد قال الأعشى \r\n ومنكوحة غير ممهورة \r\n يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد قال القاضي أبو يعلى قد يطلق النكاح على العقد قال الله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الأحزاب 49 وهو حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه اسم للجمع والجمع إنما يكون بالوطء فسمي العقد نكاحا لأنه سبب إليه \r\n قوله تعالى إلا ما قد سلف فيه ستة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى بعد ما قد سلف فان الله يغفره قاله الضحاك والمفضل ","part":2,"page":44},{"id":578,"text":" وقال الأخفش المعنى لا تنكحوا ما نكح آباؤكم فانكم تعذبون به إلا ما قد سلف فقد وضعه الله عنكم \r\n والثاني أنها بمعنى سوى ما قد سلف قاله الفراء \r\n والثالث أنها بمعنى لكن ما قد سلف فدعوه قاله قطرب وقال ابن الأنباري لكن ما قد سلف فإنه كان فاحشة \r\n والرابع أن المعنى ولا تنكحوا كنكاح آباؤكم النساء أي كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام إلا ما قد سلف في جاهليتكم من نكاح لا يجور ابتداء مثله في الإسلام فإنه معفو لكم عنه وهذا كقول القائل لا تفعل ما فعلت أي لا تفعل مثل ما فعلت ذكره ابن جرير \r\n والخامس أنها بمعنى الواو فتقديرها ولا ما قد سلف فيكون المعنى إقطعوا ما أنتم عليه من نكاح الآباء ولا تبتدئوا قاله بعض أهل المعاني \r\n والسادس أنها للاستثناء فتقدير الكلام لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز الذي كان عقده بينهم إلا ما قد سلف منهم بالزنى والسفاح فإنهن حلال لكم قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى إنه يعني النكاح و الفاحشة ما يفحش ويقبح والمقت أشد البغض وفي المراد بهذا المقت قولان \r\n أحدهما أنه اسم لهذا النكاح وكانوا يسمون نكاح امرأة الأب في الجاهلية مقتا ويسمون الولد منه المقتي فأعلموا أن هذا الذي حرم عليهم من نكاح امرأة الأب لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم هذا قول الزجاج ","part":2,"page":45},{"id":579,"text":" والثاني أنه يوجب مقت الله لفاعله قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله وساء سبيلا قال ابن قتيبة أي قبح هذا الفعل طريقا حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما \r\n قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم قال الزجاج الأصل في أمهات أمات ولكن الهاء زيدت مؤكدة كما زادوها في أهرقت الماء وإنما أصله أرقت \r\n قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إنما سمين أمهات لموضع الحرمة \r\n واختلفوا هل يعتبر في الرضاع العدد أم لا فنقل حنبل عن أحمد أنه يتعلق التحريم بالرضعة الواحدة وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر والحسن وطاووس والشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابه ونقل محمد بن العباس عن أحمد أنه يتعلق التحريم بثلاث رضعات ونقل أبو الحارث عن أحمد لا يتعلق بأقل من ","part":2,"page":46},{"id":580,"text":" خمس رضعات متفرقات وهو قول الشافعي \r\n قوله تعالى وأمهات نسائكم أمهات النساء يحرمن بنفس العقد على البنت سواء دخل بالبنت أو لم يدخل وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وعمران بن حصين ومسروق وعطاء وطاووس والحسن والجمهور وقال علي رضي الله عنه في رجل طلق امرأته قبل الدخول له أن يتزوج أمها وهذا قول مجاهد وعكرمة \r\n قوله تعالى وربائبكم الربيبة بنت امرأة الزوج من غيره ومعنى الربيبة مربوبة لأن الرجل يربيها وخرج الكلام على الأعم من كون التربية في حجر الرجل لا على الشرط قوله وحلائل أبنائكم قال الزجاج الحلائل الأزواج وحليلة بمعنى محلة وهي مشتقة من الحلال وقال غيره سميت بذلك لأنها ","part":2,"page":47},{"id":581,"text":" تحل معه أينما كان و قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الحليل الزوج والحليلة المرأة وسميا بذلك إما لأنهما يحلان في موضع واحد أو لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي ينازله أو لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه قوله الذين من أصلابكم قال عطاء إنما ذكر الأصلاب لأجل الأدعياء و الكلام في قوله إلا ما قد سلف على نحو ما تقدم في الآية التي قبلها وقد زادوا في هذا قولين آخرين أحدهما إلا ما قد سلف من أمر يعقوب عليه السلام لأنه جمع بين أم يوسف و أختها وهذا مروي عن عطاء و السدي وفيه ضعف لوجهين \r\n أحدهما أن هذا التحريم يتعلق بشريعتنا وليس كل الشرائع تتفق ولا وجه للعفو عنا فيما فعله غيرنا والثاني أنه لو طولب قائل هذا بتصحيح نقله لعسر عليه \r\n والقول الثاني أن تكون فائدة هذا الاستثناء أن العقود المتقدمة على الأختين لا تنفسخ ويكون للانسان أن يختار إحداهما ومنه حديث فيروز الديلمي قال أسلمت وعندي أختان فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقال طلق إحداهما ذكره القاضي أبو يعلى ","part":2,"page":48},{"id":582,"text":" والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما \r\n قوله والمحصنات من النساء أما سبب نزولها فروى أبو سعيد الخدري قال أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية فاستحللناهن \r\n وأما خلاف القراء فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها وقرأ سائر القرآن بالكسر و المحصنات ومحصنات قال ابن قتيبة والإحصان أن يحمي الشيء ويمنع منه فالمحصنات من النساء ذوات الأزواج لأن الأزواج أحصنوهن ومنعوا منهن قال الله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم والمحصنات الحرائر وإن لم يكن متزوجات لأن الحرة تحصن وتحصن وليست كالأمة قال الله تعالى ومن لم ","part":2,"page":49},{"id":583,"text":" يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات النساء 25 وقال فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 يعني الحرائر والمحصنات العفائف قال الله تعالى والذين يرمون المحصنات النور 4 يعني العفائف وقال الله تعالى ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها التحريم 12 أي عفت \r\n وفي المراد بالمحصنات هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها ذوات الأزواج وهذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن وابن جبير والنخعي وابن زيد والفراء وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني العفائف فانهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وهذا قول عمر بن الخطاب وأبي العالية وعطاء وعبيدة والسدي \r\n والثالث الحرائر فالمعنى أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في أول السورة روي عن ابن عباس وعبيدة \r\n فعلى القول الأول في معنى قوله إلا ما ملكت أيمانكم قولان \r\n أحدهما أن معناه إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب وعلى هذا تأول الآية علي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس و كان هؤلاء لا يرون بيع الأمة طلاقا \r\n والثاني إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج بسبي أو غير سبي وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر وأنس وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقا وقد ذكر ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن أنهم قالوا بيع الأمة طلاقها والأول أصح ","part":2,"page":50},{"id":584,"text":" لأن النبي صلى الله عليه و سلم خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقها وبين فراقه ولم يجعل النبي صلى الله عليه و سلم عتق عائشة إياها طلاقا ولو كان طلاقا لم يكن لتخييره إياها معنى ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب نزول الآية \r\n وعلى القول الثاني العفائف حرام إلا بملك والملك يكون عقدا ويكون ملك يمين \r\n وعلى القول الثالث الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء فانهن لم يحصرن بعدد \r\n قوله تعالى كتاب الله عليكم قال الزجاج هو منصوب على التوكيد محمول على المعنى لأن معنى حرمت عليكم أمهاتكم كتب الله عليكم هذا كتابا قال ويجوز أن ينتصب على جهة الأمر ويكون عليكم مفسرا له فيكون المعنى إلزموا كتاب الله قال وأحل لكم ما وراء ذلكم أي ما بعد هذه الأشياء إلا أن السنة قد حرمت تزويج المرأة على عمتها وتزويجها على خالتها وقرأ ابن السميفع وأبو عمران كتب الله عليكم ","part":2,"page":51},{"id":585,"text":" بفتح الكاف والتاء والباء من غير ألف ورفع الهاء وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأحل بفتح الحاء وقرأ حمزة والكسائي بضم الألف \r\n فصل \r\n قال شيخنا علي بن عبيد الله وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم تحليل ورد بلفظ العموم وأنه عموم دخله التخصيص والمخصص له نهي النبي صلى الله عليه و سلم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها وليس هذا على سبيل النسخ وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث \r\n قوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم أي تطلبوا إما بصداق في نكاح أو ثمن في ملك محصنين قال ابن قتيبة متزوجين وقال الزجاج عاقدين التزويج وقال غيرهما متعففين غير زانين والسفاح الزنى قال ابن قتيبة أصله من سفحت القربة إذا صببتها فسمي الزنى سفاحا لأن يسافح يصب النطفة وتصب المرأة النطفة وقال ابن فارس السفاح صب الماء بلا عقد ولا نكاح فهو كالشيء يسفح ضياعا \r\n قوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فيه قولان ","part":2,"page":52},{"id":586,"text":" أحدهما أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور \r\n والثاني أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة ثم رجع عن ذلك وقد تكلف قوم من مفسري القراء فقالوا المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى عن متعة النساء وهذا تكلف لا يحتاج إليه لأن النبي صلى الله عليه و سلم أجاز المتعة ثم منع منها فكان قوله منسوخا بقوله وأما الآية ","part":2,"page":53},{"id":587,"text":" فانها لم تتضمن جواز المتعة لأنه تعالى قال فيها أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فدل ذلك على النكاح الصحيح قال الزجاج ومعنى قوله فما استمتعتم به منهن فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت وهو قوله محصنين غير مسافحين أي عاقدين التزويج فآتوهن أجورهن أي مهورهن ومن ذهب في الآية إلى غير هذا فقد أخطأ وجهل اللغة \r\n قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة فيه ستة أقوال \r\n أحدها أن معناه لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها ووهبته لزوجها هذا مروي عن ابن عباس وابن زيد \r\n والثاني ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من مقام أو فرقة بعد أداء الفريضة روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم أو يبرئنكم قاله أبو سليمان التيمي ","part":2,"page":54},{"id":588,"text":" والرابع لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء قاله السدي وهو يعود إلى قصة المتعة \r\n والخامس لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه قاله الزجاج \r\n والسادس أنه عام في الزيادة والنقصان والتأخير والإبراء قاله القاضي أبو يعلى \r\n ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فاذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا الطول الغنى والسعة في قول الجماعة والمحصنات الحرائر قال الزجاج والمعنى من لم يقدر على مهر ","part":2,"page":55},{"id":589,"text":" الحرة يقال قد طال فلان طولا على فلان أي كان له فضل عليه في القدرة \r\n والمراد بالفتيات هاهنا المملوكات يقال للأمة فتاة وللعبد فتى وقد سمي بهذا الاسم من ليس بمملوك قرأت على شيخنا الإمام أبي منصور اللغوي قال المتفتية الفتاة والمراهقة ويقال للجارية الحدثة فتاة وللغلام فتى قال القتيبي وليس الفتى بمعنى الشاب والحدث إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال \r\n فأما ذكر الايمان فشرط في إباحتهن ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية هذا قول الجمهور وقال أبو حنيفة يجوز \r\n قوله تعالى والله أعلم بايمانكم قال الزجاج معناه إعملوا على ظاهركم في الإيمان فانكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض قال وفي قوله بعضكم من بعض وجهان ","part":2,"page":56},{"id":590,"text":" أحدهما أنه أراد النسب أي كلكم ولد آدم ويجوز أن يكون معناه دينكم واحد لأنه ذكر هاهنا المؤمنات وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب وتفخر بالأحساب وتسمي ابن الأمة الهجين فأعلم الله عز و جل أن أمر العبيد وغيرهم مستو في باب الإيمان وإنما كره التزويج بالأمة وحرم إذا وجد إلى الحرة سبيلا لأن ولد الأمة من الحر يصيرون رقيقا ولأن الأمة ممتهنة في عشرة الرجال وذلك يشق على الزوج \r\n قال ابن الأنباري ومعنى الآية كلكم بنو آدم فلا يتداخلكم شموخ وأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة \r\n وقال ابن جرير في الكلام تقديم وتأخير تقديره ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض أي لينكح هذا فتاة هذا \r\n قوله تعالى فانكحوهن يعني الإماء باذن أهلهن أي سادتهن والأجور المهور \r\n وفي قوله بالمعروف قولان \r\n أحدهما انه مقدم في المعنى فتقديره انكحوهن باذن أهلهن بالمعروف أي بالنكاح الصحيح وآتوهن أجورهن \r\n والثاني أن المعنى وآتوهن أجورهن بالمعروف كمهور أمثالهن قال ابن عباس محصنات عفائف غير زوان ولا متخذات أخدان يعني أخلاء كان الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى ويستحلون ما خفي وقال في رواية أخرى المسافحات المعلنات بالزنى والمتخذات أخدان ذات الخليل ","part":2,"page":57},{"id":591,"text":" الواحد وقال غيره كانت المرأة تتخذ صديقا تزني معه ولا تزني مع غيره \r\n قوله تعالى فاذا أحصن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر أحصن مضمومة الألف وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر والمفضل عن عاصم بفتح الألف والصاد قال ابن جرير من قرأ بالفتح أراد أسلمن فصرن ممنوعات الفروج عن الحرام بالاسلام ومن قرأ بالضم أراد فاذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج \r\n فأما الفاحشة فهي الزنى والمحصنات الحرائر والعذاب الحد قال القاضي أبو يعلى وليس الإسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد على الأمة بل يجب وإن عدما وإنما شرط الإحصان في الحد لئلا يتوهم متوهم أن عليها نصف ما على الحرة إذا لم تكن محصنة وعليها مثل ما على الحرة إذا كانت محصنة \r\n قوله تعالى ذلك الإشارة إلى إباحة تزويج الإماء وفي العنت خمسة أقوال أحدها أنه الزنى قاله ابن عباس والشعبي وابن جبير ومجاهد والضحاك وابن زيد ومقاتل وابن قتيبة \r\n والثاني أنه الهلاك ذكره أبو عبيدة والزجاج والثالث لقاء المشقة في محبة الأمة حكاه الزجاج والرابع أن العنت هاهنا الإثم والخامس أنه العقوبة التي تعنته وهي الحد ذكرهما ابن جرير الطبري \r\n قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية تدل على إباحة نكاح الإماء المؤمنات بشرطين أحدهما عدم طول الحرة ","part":2,"page":58},{"id":592,"text":" والثاني خوف الزنى وهذا قول ابن عباس والشعبي وابن جبير ومسروق ومكحول وأحمد ومالك والشافعي وقد روي عن علي والحسن وابن المسيب ومجاهد والزهري قالوا ينكح الأمة وإن كان موسرا وهو قول أبي حنيفة وأصحابه \r\n قوله تعالى وأن تصبروا خير لكم قال ابن عباس والجماعة عن نكاح الإماء وإنما ندب إلى الصبر عنه لاسترقاق الأولاد يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى يريد الله ليبين لكم اللام بمعنى أن وهذا مذهب جماعة من أهل العربية واختاره ابن جرير ومثله وأمرت لأعدل بينكم الشورى 15 وأمرنا لنسلم الأنعام 71 يريدون ليطفئوا الصف 8 \r\n والبيان من الله تعالى بالنص تارة وبدلالة النص أخرى قال الزجاج والسنن الطرق فالمعنى يدلكم على طاعته كما دل الأنبياء وتابعيهم وقال غيره معنى الكلام يريد الله ليبين لكم سنن من قبلكم من أهل الحق والباطل لتجتنبوا الباطل وتجيبوا الحق ويهديكم إلى الحق \r\n والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما \r\n قوله تعالى والله يريد أن يتوب عليكم قال الزجاج يريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم ","part":2,"page":59},{"id":593,"text":" وفي الذين اتبعوا الشهوات أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الزناة قاله مجاهد ومقاتل والثاني اليهود والنصارى قاله السدي والثالث أنهم اليهود خاصة ذكره ابن جرير والرابع أهل الباطل قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى أن تميلوا ميلا عظيما أي عن الحق بالمعصية \r\n يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا \r\n قوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم التخفيف تسهيل التكليف أو إزالة بعضه قال ابن جرير والمعنى يريد أن ييسر لكم باذنه في نكاح الفتيات المؤمنات لمن لم يستطع طولا لحرة وفي المراد بضعف الانسان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الضعف في أصل الخلقة قال الحسن هو أنه خلق من ماء مهين والثاني أنه قلة الصبر عن النساء قاله طاووس ومقاتل والثالث أنه ضعف العزم عن قهر الهوى وهذا قول الزجاج وابن كيسان \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما \r\n قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الباطل ما لا يحل في الشرع \r\n قوله تعالى إلا أن تكون تجارة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر تجارة بالرفع وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بالنصب وقد بينا العلة في آخر البقرة \r\n قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فيه خمسة أقوال ","part":2,"page":60},{"id":594,"text":" أحدها أنه على ظاهره وأن الله حرم على العبد قتل نفسه وهذا الظاهر \r\n والثاني أن معناه لا يقتل بعضكم بعضا وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي ومقاتل وابن قتيبة \r\n والثالث أن المعنى لا تكلفوا أنفسكم عملا ربما أدى إلى قتلها وإن كان فرضا وعلى هذا تأولها عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل حيث صلى بأصحابه جنبا في ليلة باردة فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم قال له يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فقال يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة وأشفقت إن إغتسلت أن أهلك فذكرت قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":61},{"id":595,"text":" والرابع أن المعنى لا تغفلوا عن حظ أنفسكم فمن غفل عن حظها فكأنما قتلها هذا قول الفضيل بن عياض والخامس لا تقتلوها بارتكاب المعاصي \r\n ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا \r\n قوله تعالى ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما في المشار إليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قتل النفس قاله ابن عباس وعطاء والثاني أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هاهنا روي عن ابن عباس أيضا والثالث قتل النفس وأكل الأموال بالباطل قاله مقاتل \r\n إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما \r\n قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه اجتناب الشيء تركه جانبا وفي الكبائر أحد عشر قولا \r\n أحدها أنها سبع فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ","part":2,"page":62},{"id":596,"text":" أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات \r\n وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الكبائر سبع الإشراك بالله أولهن وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا والفرار من الزحف ورمي المحصنات وانقلاب إلى أعرابية بعد هجرة \r\n وروي عن علي رضي الله عنه قال هي سبع فعد هذه ","part":2,"page":63},{"id":597,"text":" وروي عن عطاء أنه قال هي سبع وعد هذه إلا أنه ذكر مكان الإشراك والتعرب شهادة الزور وعقوق الوالدين \r\n والثاني أنها تسع روى عبيد بن عمير عن أبيه وكان من الصحابة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل ما الكبائر فقال تسع أعظمهن الإشراك بالله وقتل نفس المؤمن بغير حق والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم والسحر وأكل الربا وقذف المحصنة وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا \r\n والثالث أنها أربع روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس ","part":2,"page":64},{"id":598,"text":" وروى أنس بن مالك قال ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم الكبائر أو سئل عنها فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو شهادة الزور وروي عن ابن مسعود أنه قال الكبائر أربع الإشراك بالله والأمن لمكر الله والقنوط من رحمة الله والإياس من روح الله وعن عكرمة نحوه \r\n والرابع أنها ثلاث فروى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فاحتفز قال والزور وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله فقال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت وأخرجا في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال سألت النبي صلى الله عليه و سلم أي الذنب أكبر قال أن تجعل لله تعالى ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك مخافة أن ","part":2,"page":65},{"id":599,"text":" يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك \r\n والخامس أنها مذكورة من أول السورة إلى هذه الآية قاله ابن مسعود وابن عباس \r\n والسادس أنها إحدى عشرة الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس وقتل النفس وأكل مال اليتيم وأكل الربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات وشهادة الزور والسحر والخيانة روي عن ابن مسعود أيضا \r\n والسابع أنها كل ذنب يختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثامن أنها كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة والحد في الدنيا روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والتاسع أنها كل ما عصي الله به روي عن ابن عباس وعبيدة وهو قول ضعيف \r\n والعاشر أنها كل ذنب أوعد الله عليه النار قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك في رواية والزجاج \r\n والحادي عشر أنها ثمان الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل المؤمن وقذف المحصنة والزنا وأكل مال اليتيم وقول الزور واقتطاع الرجل بيمينه وعهده ثمنا قليلا رواه محرز عن الحسن البصري ","part":2,"page":66},{"id":600,"text":" قوله تعالى نكفر عنكم سيئاتكم روى المفضل عن عاصم يكفر ويدخلكم بالياء فيهما وقرأ الباقون بالنون فيهما وقرأ نافع وأبان عن عاصم والكسائي عن أبي بكر عن عاصم مدخلا بفتح الميم هاهنا وفي الحج وضم الباقون الميم ولم يختلفوا في ضم ميم مدخل صدق و مخرج صدق الإسراء 80 قال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون المدخل مصدرا ","part":2,"page":67},{"id":601,"text":" ويجوز أن يكون مكانا سواء فتح أو ضم قال السدي السيئات هاهنا هي الصغائر والمدخل الكريم الجنة قال ابن قتيبة والكريم بمعنى الشريف ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما \r\n قوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن أم سلمة قالت يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n والثاني أن النساء قلن وددن أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فنزلت هذه الآية قاله عكرمة \r\n والثالث أنه لما نزل للذكر مثل حظ الانثيين قال الرجال إنا لنرجو ","part":2,"page":68},{"id":602,"text":" أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث وقال النساء إنا لنرج أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم فنزلت هذه الآية قاله قتادة والسدي \r\n وفي معنى هذا التمني قولان أحدهما أن يتمنى الرجل مال غيره قاله ابن عباس وعطاء والثاني أن يتمنى النساء أن يكن رجالا وقد روي عن أم سلمة أنها قالت يا ليتنا كنا رجال فنزلت هذه الآية \r\n وللتمني وجوه \r\n أحدها أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره ويزول عن الغير فهذا الحسد \r\n والثاني أن يتمنى مثل ما لغيره ولا يحب زواله عن الغير فهذا هو الغبطة وربما لم يكن نيل ذلك مصلحة في حق المتمني قال الحسن لا تمن مال فلان ولا مال فلان وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال \r\n والثالث أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا ونحو هذا مما لا يقع فليعلم العبد أن الله أعلم بالمصالح فليرض بقضاء الله ولتكن أمانيه الزيادة من عمل الآخرة ","part":2,"page":69},{"id":603,"text":" قوله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن فيه قولان \r\n أحدهما أن المراد بهذا الاكتساب الميراث وهو قول ابن عباس وعكرمة \r\n والثاني أنه الثواب والعقاب فالمعنى أن المرأة تثاب كثواب الرجل وتأثم كاثمه هذا قول قتادة وابن السائب ومقاتل واحتج على صحته أبو سليمان الدمشقي بأن الميراث لا يحصل بالاكتساب وبأن الآية نزلت لأجل التمني والفضل \r\n قوله تعالى واسألوا الله من فضله قرأ ابن كثير والكسائي وأبان وخلف في اختياره وسلوا الله فسل الذين فسل بني إسرائيل وسل من أرسلنا وما كان مثله من الأمر المواجه به وقبله واو أو فاء فهو غير مهموز عندهم وكذلك نقل عن أبي جعفر وشيبة وقرأ الباقون بالهمز في ذلك كله ولم يختلفوا في قوله وليسألوا ما أنفقوا الممتحنة 10 أنه مهموز \r\n وفي المراد بالفضل قولان أحدهما أن الفضل الطاعة قاله سعيد ابن جبير ومجاهد والسدي والثاني أنه الرزق قاله ابن السائب فيكون المعنى سلوا الله ما تتمنوه من النعم ولا تتمنوا مال غيركم ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ","part":2,"page":70},{"id":604,"text":" قوله تعالى ولكل جعلنا موالي الموالي الأولياء وهم الورثة من العصبة وغيرهم ومعنى الآية لكل إنسان موالي يرثون ما ترك وارتفاع الوالدين والأقربين على معنيين من الإعراب \r\n أحدهما أن يكون الرفع على خبر الابتداء والتقدير وهم الوالدان والأقربون ويكون تمام الكلام قوله مما ترك \r\n والثاني أن يكون رفعا على أنه الفاعل الترك للمال فيكون الوالدان هم المولى \r\n قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر عاقدت بالألف وقرأ عاصم وحمزة والكسائي عقدت بلا ألف قال أبو علي من قرأ بالألف فالتقدير والذين عاقدتهم أيمانكم ومن حذف الألف فالمعنى عقدت حلفهم أيمانكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل الحلف كان الرجل يحالف الرجل فأيهما مات ورثه الآخر فنسخ ذلك بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروى عنه عطية قال كان الرجل يلحق الرجل ","part":2,"page":71},{"id":605,"text":" في الجاهلية فيكون تابعه فاذا مات الرجل صار لأهله الميراث وبقي تابعه بغير شيء فأنزل الله والذين عاقدت أيمانكم فأعطي من ميراثه ثم نزل من بعد ذلك وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وممن قال هم الحلفاء سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة \r\n والثاني أنهم الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم المهاجرون والأنصار كان المهاجرون يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه و سلم بينهم رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن زيد \r\n والثالث أنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية هذا قول سعيد ابن المسيب فأما أرباب القول الأول فقالوا نسخ حكم الحلفاء الذين كانوا يتعاقدون على النصرة والميراث بآخر الأنفال وإليه ذهب ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة والثوري والأوزاعي ومالك وأحمد والشافعي \r\n وقال أبو حنيفة وأصحابه هذا الحكم باق غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة وذهب قوم إلى أن المراد فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة من غير ميراث وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وذهب قوم آخرون إلى أن المعاقدة إنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير والإسلام لم يغير ذلك وإنما قرره فقال النبي صلى الله عليه و سلم أيما حلف كان في الجاهلية فان الإسلام لم يزده ","part":2,"page":72},{"id":606,"text":" إلا شدة أراد النصر والعون وهذا قول سعيد بن جبير وهو يدل على أن الآية محكمة الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا \r\n قوله تعالى الرجال قوامون على النساء سبب نزولها أن رجلا لطم زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وذكر المفسرون أنه سعد بن الربيع الأنصاري قال ابن ","part":2,"page":73},{"id":607,"text":" عباس قوامون أي مسلطون على تأديب النساء في الحق وروى هشام ابن محمد عن أبيه في قوله الرجال قوامون على النساء قال إذا كانوا رجالا وأنشد ... أكل امرئ تحسبين امرءا ... ونارا توقد بالليل نارا ... \r\n قوله تعالى بما فضل الله بعضهم على بعض يعني الرجال على النساء وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل وتوفير الحظ في الميراث والغنيمة والجمعة والجماعات والخلافة والإمارة والجهاد وجعل الطلاق إليه إلى غير ذلك \r\n قوله تعالى وبما أنفقوا من أموالهم قال ابن عباس يعني المهر والنفقة عليهن \r\n وفي الصالحات قولان أحدهما المحسنات إلى أزواجهن قاله ابن عباس والثاني العاملات بالخير قاله ابن مبارك قال ابن عباس والقانتات المطيعات لله في أزواجهن والحافظات للغيب أي لغيب أزواجهن وقال عطاء ","part":2,"page":74},{"id":608,"text":" وقتادة يحفظن ما غاب عنه الأزواج من الأموال وما يجب عليهن من صيانة أنفسهن لهم \r\n قوله تعالى بما حفظ الله قرأ الجمهور برفع اسم الله وفي معنى الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها بحفظ الله إياهن قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء ومقاتل وروى ابن المبارك عن سفيان قال بحفظ الله إياها أن جعلها كذلك \r\n والثاني بما حفظ الله لهن مهورهن وإيجاب نفقتهن قاله الزجاج \r\n والثالث أن معناه حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله حكاه الزجاج وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله والمعنى بحفظهن الله في طاعته \r\n قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن في الخوف قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى العلم قاله ابن عباس والثاني بمعنى الظن لما يبدو من دلائل النشوز قاله الفراء وأنشد ... وما خفت يا سلام أنك عائبي ... \r\n قال ابن قتيبة والنشوز بغض المرأة للزوج يقال نشزت المرأة على زوجها ونشصت إذا فركته ولم تطمئن عنده وأصل النشوز الانزعاج قال الزجاج أصله من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض \r\n قوله تعالى فعظوهن قال الخليل الوعظ التذكير بالخير فيما يرق له القلب ","part":2,"page":75},{"id":609,"text":" قال الحسن يعظها بلسانه فان أبت وإلا هجرها واختلفوا في المراد بالهجر في المضجع على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه ترك الجماع رواه سعيد بن جبير وابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وبه قال ابن جبير ومقاتل \r\n والثاني أنه ترك الكلام لا ترك الجماع رواه أبو الضحى عن ابن عباس وخصيف عن عكرمة وبه قال السدي والثوري \r\n والثالث أنه قول الهجر من الكلام في المضاجع روي عن ابن عباس والحسن وعكرمة فيكون المعنى قولوا لهن في المضاجع هجرا من القول \r\n والرابع أنه هجر فراشها ومضاجعتها روي عن الحسن والشعبي ومجاهد والنخعي ومقسم وقتادة قال ابن عباس اهجرها في المضجع فان أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح وقال جماعة من أهل العلم الآية على الترتيب فالوعظ عند خوف النشوز والهجر عند ظهور النشوز والضرب عند تكرره واللجاج فيه ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز قال القاضي أبو يعلى وعلى هذا مذهب أحمد وقال الشافعي يجوز ضربها في ابتداء النشوز \r\n قوله تعالى فان أطعنكم قال ابن عباس يعني في المضجع فلا تبغوا عليهن سبيلا أي فلا تتجن عليها العلل وقال سفيان بن عيينة لا تكلفها الحب لأن قلبها ليس في يدها وقال ابن جرير المعنى فلا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل وذلك أن تقول لها وهي مطيعة لك لست لي محبة فتضربها أو تؤذيها ","part":2,"page":76},{"id":610,"text":" قوله تعالى إن الله كان عليا كبيرا قال أبو سليمان الدمشقي لا تبغوا على أزواجكم فهو ينتصر لهن منكم وقال الخطابي الكبير الموصوف بالجلال وكبر الشأن يصغر دون جلاله كل كبير ويقال هو الذي كبر عن شبه المخلوقين وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا \r\n قوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما في الخوف قولان أحدهما أنه الحذر من وجود ما لا يتيقن وجوده قاله الزجاج \r\n والثاني أنه العلم قاله أبو سليمان الدمشقي قال الزجاج والشقاق العداوة واشتقاقه من المتشاقين كل صنف منهم في شق والحكم هو القيم بما يسند إليه وفي المأمور بانفاذ الحكمين قولان أحدهما أنه السلطان إذا ترافعا إليه قاله سعيد بن جبير والضحاك والثاني الزوجان قاله السدي \r\n قوله تعالى إن يريدا إصلاحا قال ابن عباس يعني الحكمين وفي قوله يوفق الله بينهما قولان أحدهما أنه راجع إلى الحكمين قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء والسدي والجمهور والثاني أنه راجع إلى الزوجين ذكره بعض المفسرين \r\n فصل \r\n والحكمان وكيلان للزوجين ويعتبر رضى الزوجين فيما يحكمان به هذا ","part":2,"page":77},{"id":611,"text":" قول أحمد وأبي حنيفة وأصحابه وقال مالك والشافعي لا يفتقر حكم الحكمين إلى رضى الزوجين واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ","part":2,"page":78},{"id":612,"text":" قوله تعالى واعبدوا الله قال ابن عباس وحدوه \r\n قوله تعالى وبالوالدين إحسانا قال الفراء أغراهم بالإحسان إلى الوالدين \r\n قوله تعالى والجار ذي القربى فيه قولان \r\n أحدهما أنه الجار الذي بينك وبينه قرابة قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد ومقاتل في آخرين \r\n والثاني أنه الجار المسلم قاله نوف الشامي فيكون المعنى ذي القربى منكم بالإسلام \r\n قوله تعالى والجار الجنب روى المفضل عن عاصم والجار الجنب بفتح الجيم وإسكان النون قال أبو علي المعنى والجار ذي الجنب فحذف المضاف وفي الجار الجنب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك وابن زيد ومقاتل في آخرين \r\n والثاني أنه جارك عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أنه اليهودي والنصراني قاله نوف الشامي ","part":2,"page":79},{"id":613,"text":" وفي الصاحب بالجنب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الزوجة قاله علي وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى \r\n والثاني أنه الرفيق في السفر قاله ابن عباس في رواية مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن قتيبة وعن سعيد بن جبير كالقولين \r\n والثالث أنه الرفيق رواه ابن جريج عن ابن عباس وبه قال عكرمة \r\n قال ابن زيد هو الذي يلصق بك رجاء خيرك وقال مقاتل هو رفيقك حضرا وسفرا وفي ابن السبيل أقوال قد ذكرناها في البقرة \r\n قوله تعالى وما ملكت أيمانكم يعني المملوكين وقال بعضهم يدخل فيه الحيوان البهيم قال ابن عباس والمحتال البطر في مشيته والفخور المفتخر على الناس بكبره وقال مجاهد هو الذي يعد ما أعطى ولا يشكر الله ","part":2,"page":80},{"id":614,"text":" وقال ابن قتيبة المختال ذو الخيلاء والكبر وقال الزجاج المختال الصلف التياه الجهول وإنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال يأنف من ذوي قراباته ومن جيرانه إذا كانوا فقراء الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا \r\n قوله تعالى الذين يبخلون ذكر المفسرون أنها نزلت في اليهود فأما سبب نزولها فقال ابن عباس كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحري بن عمرو وحيي ابن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالا من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا يخالطونهم وينتصحون لهم فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا ","part":2,"page":81},{"id":615,"text":" في النفقة فانكم لا تدرون ما يكون فنزلت هذه الآية وفي الذي بخلوا به وأمروا الناس بالبخل به قولان أحدهما أنه المال قاله ابن عباس وابن زيد \r\n والثاني أنه إظهار صفة النبي صلى الله عليه و سلم ونبوته قاله مجاهد وقتادة والسدي \r\n قوله تعالى ويأمرون الناس بالبخل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر بالبخل خفيفا وقرأ حمزة والكسائي بالبخل محركا وكذلك في سورة الحديد وفي الذين آتاهم الله من فضله قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود أوتوا علم نعت محمد صلى الله عليه و سلم فكتموه هذا قول الجمهور \r\n والثاني أنهم أرباب الأموال بخلوا بها وكتموا الغنى ذكره الماوردي في آخرين \r\n قوله تعالى وأعتدنا قال الزجاج معناه جعلنا ذلك عتادا لهم أي مثبتا لهم والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا \r\n قوله تعالى والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس اختلفوا فيمن نزلت ","part":2,"page":82},{"id":616,"text":" على ثلاثة أقوال أحدها أنهم اليهود قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل \r\n والثاني أنهم المنافقون قاله السدي والزجاج وأبو سليمان الدمشقي والثالث مشركو مكة أنفقوا على عداوة النبي صلى الله عليه و سلم ذكره الثعلبي \r\n والقرين الصاحب المؤالف وهو فعيل من الاقتران بين الشيئين وفي معنى مقارنة الشيطان قولان أحدها مصاحبته في الفعل والثاني مصاحبته في النار وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما \r\n قوله تعالى وماذا عليهم المعنى وأي شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله لو آمنوا وفي الإنفاق المذكور هاهنا قولان أحدهما أنه الصدقة قاله ابن عباس والثاني الزكاة قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله وكان الله بهم عليما تهديد لهم على سوء مقاصدهم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وأن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما \r\n قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة قد شرحنا الظلم فيما سلف وهو مستحيل على الله عز و جل لأن قوما قالوا الظلم تصرف فيما لا يملك والكل ملكه وقال آخرون هو وضع الشيء في غير موضعه وحكمته لا تقتضي فعلا لا فائدة تحته ومثقال الشيء زنة الشيء قال ابن قتيبة يقال هذا على مثقال هذا أي على وزنه قال الزجاج وهو مفعال من الثقل \r\n وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال يظن الناس أن المثقال وزن ","part":2,"page":83},{"id":617,"text":" دينار لا غير وليس كما يظنون مثقال كل شيء وزنه وكل وزن يسمى مثقالا وإن كان وزن ألف قال الله تعالى وإن كان مثقال حبة من خردل الأنبياء 47 قال أبو حاتم سألت الأصمعي عن صنجة مثقال الميزان فقال فارسي ولا أدري كيف أقول ولكني أقول مثقال فاذا قلت للرجل ناولني مثقالا فأعطاك صنجة ألف أو صنجة حبة كان ممتثلا \r\n وفي المراد بالذرة خمسة أقوال أحدها أنه رأس نملة حمراء رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني ذرة يسيرة من التراب رواه يزيد بن الأصم عن ابن عباس والثالث أصغر النمل قاله ابن قتيبة وابن فارس والرابع الخردلة والخامس الواحدة من الهباء الظاهر في ضوء الشمس إذا طلعت من ثقب ذكرهما الثعلبي واعلم أن ذكر الذرة ضرب مثل بما يعقل والمقصود أنه لا يظلم قليلا ولا كثيرا \r\n قوله تعالى وإن تك حسنة قرأ ابن كثير ونافع حسنة بالرفع وقرأ الباقون بالنصب قال الزجاج من رفع فالمعنى وإن تحدث حسنة ومن نصب فالمعنى وإن تك فعلته حسنة \r\n قول تعالى يضاعفها قرأ ابن عامر وابن كثير يضعفها بالتشديد من غير ألف وقرأ الباقون يضاعفها بألف مع كسر العين قال ابن قتيبة يضاعفها بالألف يعطي مثلها مرات ويضعفها بغير ألف يعطي مثلها مرة ","part":2,"page":84},{"id":618,"text":" قوله تعالى من لدنه أي من قبله والأجر العظيم الجنة فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا \r\n قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد قال الزجاج معنى الآية فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة فحذف الحال لأن في الكلام دليلا عليه ولفظ كيف لفظ الاستفهام ومعناها التوبيخ والشهيد نبي الأمة وبماذا يشهد فيه أربعة أقوال ","part":2,"page":85},{"id":619,"text":" أحدها بأنه قد بلغ أمته قاله ابن مسعود وابن جريج والسدي ومقاتل \r\n والثاني بايمانهم قاله أبو العالية والثالث بأعمالهم قاله مجاهد وقتادة \r\n والرابع يشهد لهم وعليهم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وجئنا بك يعني نبينا صلى الله عليه و سلم وفي هؤلاء ثلاثة أقوال أحدها أنهم جميع أمته ثم فيه قولان أحدهما أنه يشهد عليهم والثاني يشهد لهم فتكون على بمعنى اللام والقول الثاني أنهم الكفار يشهد عليهم بتبليغ الرسالة قاله مقاتل والثالث اليهود والنصارى ذكره الماوردي يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا \r\n قوله تعالى لو تسوى بهم الأرض قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو لو تسوى بضم التاء وتخفيف السين والمعنى ودوا لو جعلوا ترابا فكانوا هم والأرض سواء هذا قول الفراء في آخرين قال أبو هريرة إذا حشر الله الخلائق قال للبهائم والدواب والطير كوني ترابا فعندها يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ","part":2,"page":86},{"id":620,"text":" وقرأ نافع وابن عامر لو تسوى بفتح التاء وتشديد السين والمعنى لو تتسوى فأدغمت التاء في السين لقربها منها قال أبو علي وفي هذه القراءة اتساع لأن الفعل مسند إلى الأرض وليس المراد ودوا لو صارت الأرض مثلهم وإنما المعنى ودوا لو يتسوون بها ثم في المعنى للمفسرين قولان \r\n أحدهما أن معناه ودوا لو تخرقت بهم الأرض فساخوا فيها قاله قتادة وأبو عبيدة ومقاتل \r\n والثاني أن معناه ودوا أنهم لم يبعثوا لأن الأرض كانت مستوية بهم قبل خروجهم منها قاله ابن كيسان وذكر نحوه الزجاج وقرأ حمزة والكسائي لو تسوى بفتح التاء وتخفيف السين والواو مشددة ممالة وهي بمعنى تتسوى فحذف التاء التي أدغمها نافع وابن عامر فأما معنى القراءتين فواحد \r\n قوله تعالى ولا يكتمون الله حديثا في الحديث قولان أحدهما أنه قولهم ما كنا مشركين هذا قول الجمهور والثاني أنه أمر النبي صلى الله عليه و سلم وصفته ونعته قاله عطاء فعلى الأول يتعلق الكتمان بالآخرة وعلى الثاني يتعلق بما كان في الدنيا فيكون المعنى ودوا أنهم لم يكتموا ذلك \r\n وفي معنى الآية ستة أقوال أحدها ودوا إذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم يكتموا الله شركهم وهذا المعنى مروي عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنهم في موطن لا يكتمونه حديثا وفي موطن يكتمون ويقولون ما كنا مشركين قاله الحسن ","part":2,"page":87},{"id":621,"text":" والرابع أن قوله ولا يكتمون الله حديثا كلام مستأنف لا يتعلق بقوله لو تسوى بهم الأرض هذا قول الفراء والزجاج ومعنى لا يكتمون الله حديثا لا يقدرون على كتمانه لأنه ظاهر عند الله \r\n والخامس أن المعنى ودوا لو سويت بهم الأرض وأنهم لم يكتموا الله حديثا \r\n والسادس أنهم لم يعتقدوا قولهم ما كنا مشركين كذبا وإنما اعتقدوا أن عبادة الأصنام طاعة ذكر القولين ابن الأنباري \r\n وقال القاضي أبو يعلى أخبروا بما توهموا إذ كانوا يظنون أنهم ليسوا بمشركين وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ","part":2,"page":88},{"id":622,"text":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى روى أبو عبدالرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال صنع لنا عبدالرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت هذه الآية وفي رواية أخرى عن أبي عبدالرحمن عن علي رضي الله عنه أن الذي قدموه وخلط في هذه السورة عبدالرحمن بن عوف \r\n وفي معنى قوله لا تقربوا الصلاة قولان أحدهما لا تتعرضوا بالسكر في أوقات الصلاة والثاني لا تدخلوا في الصلاة في حال السكر والأول أصح لأن السكران لا يعقل ما يخاطب به وفي معنى وأنتم سكارى قولان \r\n أحدهما من الخمر قاله الجمهور والثاني من النوم قاله الضحاك وفيه بعد وهذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة ثم نسخت بتحريم الخمر ","part":2,"page":89},{"id":623,"text":" قوله تعالى ولا جنبا قال ابن قتيبة الجنابة البعد قال الزجاج يقال رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب كما يقال رجل رضى وقوم رضى وفي تسمية الجنب بهذا الاسم قولان أحدهما لمجانبة مائه محله والثاني لما يلزمه من اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد \r\n قوله تعالى إلا عابري سبيل فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمموا وتصلوا وهذا المعنى مروي عن علي رضي الله عنه ومجاهد والحكم وقتادة وابن زيد ومقاتل والفراء والزجاج \r\n والثاني لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إلا مجتازين ولا تقعدوا وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة وعطاء الخراساني والزهري وعمرو بن دينار وأبي الضحى وأحمد والشافعي وابن قتيبة وعن ابن عباس وسعيد ابن ","part":2,"page":90},{"id":624,"text":" جبير كالقولين فعلى القول الأول عابر السبيل المسافر وقربان الصلاة فعلها وعلى الثاني عابر السبيل المجتاز في المسجد وقربان الصلاة دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة \r\n قوله تعالى وإن كنتم مرضى في سبب نزول هذا الكلام قولان \r\n أحدهما أن رجلا من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر له ذلك فنزلت هذه الآية وإن كنتم مرضى أو على سفر قاله مجاهد \r\n والثاني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أصابتهم جراحات ففشت فيهم وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت وإن كنتم مرضى الآية كلها قاله إبراهيم النخعي قال القاضي أبو يعلى وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي يستضر معه باستعمال المال سواء كان يخاف التلف أو لا يخاف وكذلك السفر يجوز فيه التيمم عند عدم الماء سواء كان قصيرا أو طويلا وعدم الماء ليس بشرط في جواز التيمم للمريض وإنما الشرط حصول الضرر وأما السفر فعدم الماء شرط في إباحة التيمم وليس السفر بشرط وإنما ذكر السفر لأن الماء يعدم فيه غالبا \r\n قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط أو بمعنى الواو لأنها لو لم تكن كذلك لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق ","part":2,"page":91},{"id":625,"text":" بالحدث والغائط المكان المطمئن من الأرض فكني عن الحدث بمكانه قاله ابن قتيبة وكذلك قالوا للمزادة راوية وإنما الراوية للبعير الذي يسقى عليه وقالوا للنساء ظعائن وإنما الظعائن الهوادج وكن يكن فيها وسموا الحدث عذرة لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدور \r\n قوله تعالى أو لا مستم النساء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر أو لامستم بألف هاهنا وفي المائدة وقرأ حمزة والكسائي وخلف في اختياره والمفضل عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر أو لمستم بغير ألف هاهنا وفي المائدة وفي المراد بالملامسة قولان \r\n أحدهما أنها الجماع قاله علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها الملامسة باليد قاله ابن مسعود وابن عمر والشعبي وعبيدة وعطاء وابن سيرين والنخعي والنهدي والحكم وحماد ","part":2,"page":92},{"id":626,"text":" قال أبو علي اللمس يكون باليد وقد اتسع فيه فأوقع على غيره فمن ذلك وأنا لمسنا السماء الجن 8 أي عالجنا غيب السماء ومنا من يسترقه فيلقيه إلى الكهنة ويخبرهم به فلما كان اللمس يقع على غير المباشرة باليد قال فلمسوه بأيديهم الأنعام 7 فخص اليد لئلا يلتبس بالوجه الآخر كما قال وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم النساء 23 لأن الابن قد يدعى وليس من الصلب \r\n قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا سبب نزولها أن عائشة رضي الله عنها كانت مع النبي صلى الله عليه و سلم في بعض أسفاره فانقطع عقد لها فأقام النبي صلى الله عليه و سلم على التماسه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فنزلت هذه الآية فقال أسيد ","part":2,"page":93},{"id":627,"text":" ابن حضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية أخرى أخرجها البخاري ومسلم أيضا أن عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رجالا في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء وشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت آية التيمم والتيمم في اللغة القصد وقد ذكرناه في قوله ولا تيمموا الخبيث وأما الصعيد فهو التراب قاله علي وابن مسعود والفراء وأبو عبيد والزجاج وابن قتيبة وقال الشافعي لا يقع اسم الصعيد إلى على تراب ","part":2,"page":94},{"id":628,"text":" ذي غبار وفي الطيب قولان أحدهما أنه الطاهر والثاني الحلال \r\n قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم الوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في الوضوء وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق روى عمار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال التيمم ضربة للوجه والكفين وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء ابن أبي رباح وعكرمة والأوزاعي ومكحول ومالك وأحمد وإسحاق وداود \r\n والثاني أنه إلى المرفقين روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه تيمم فمسح ذراعيه وبهذا قال ابن عمر وابنه سالم والحسن وأبو حنيفة والشافعي وعن الشعبي كالقولين ","part":2,"page":95},{"id":629,"text":" والثالث أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إلى الآباط روى عمار بن ياسر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فنزلت الرخصة في المسح فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط وهذا قول الزهري \r\n قوله تعالى إن الله كان عفوا قال الخطابي العفو بناء للمبالغة والعفو الصفح عن الذنوب وترك مجازاة المسيء وقيل إنه مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":2,"page":96},{"id":630,"text":" أحدها أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت والثاني أنها نزلت في رجلين كانا إذا تكلم النبي صلى الله عليه و سلم لويا ألسنتهما وعاباه روي القولان عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في اليهود قاله قتادة \r\n وفي النصيب الذي أوتوه قولان أحدهما أنه علم نبوة محمد النبي صلى الله عليه و سلم والثاني العلم بما في كتابهم دون العمل \r\n قوله تعالى يشترون الضلالة قال ابن قتيبة هذا من الاختصار والمعنى يشترون الضلالة بالهدى ومثله وتركنا عليه في الآخرين الصافات 78 أي تركنا عليه ثناء حسنا فحذف الثناء لعلم المخاطب \r\n وفي معنى اشترائهم الضلالة أربعة أقوال \r\n أحدها أنه استبدالهم الضلالة بالايمان قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه استبدالهم التكذيب بالنبي صلى الله عليه و سلم بعد ظهوره بايمانهم به قبل ظهوره قاله مقاتل ","part":2,"page":97},{"id":631,"text":" والثالث أنه إيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة وثبوت الرئاسة لهم قاله الزجاج \r\n والرابع أنه إعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من التكذيب بالنبي صلى الله عليه و سلم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ويريدون أن تضلوا السبيل خطاب للمؤمنين والمراد بالسبيل طريق الهدى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا \r\n قوله تعالى والله أعلم بأعدائكم فهو يعلمكم ما هم عليه فلا تستنصحوهم وهم اليهود وكفى بالله وليا لكم فمن كان وليه لم يضره عدوه قال الخطابي الولي الناصر والولي المتولي للأمر والقائم به وأصله من الولي وهو القرب والنصير فعيل بمعنى فاعل من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ","part":2,"page":98},{"id":632,"text":" قوله تعالى من الذين هادوا قال مقاتل نزلت في رفاعة بن زيد ومالك ابن الضيف وكعب بن أسيد وكلهم يهود وفي من قولان ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب فيكون المعنى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا \r\n والثاني أنها مستأنفة فالمعنى من الذين هادوا قوم يحرفون فيكون قوله يحرفون صفة ويكون الموصوف محذوفا وأنشد سيبويه ... وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح ... \r\n والمعنى فمنهما تارة أموت فيها قال أبو علي الفارسي والمعنى وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا أي إن الله ينصر عليهم \r\n فأما التحريف فهو التغيير والكلم جمع كلمة وقيل إن الكلام مأخوذ من الكلم وهو الجرح الذي يشق الجلد واللحم فسمي الكلام كلاما لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها وقيل بل لتشقيقه المعاني المطلوبة في أنواع الخطاب \r\n وفي معنى تحريفهم الكلم قولان أحدهما أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه و سلم عن الشيء فاذا خرجوا حرفوا كلامه قاله ابن عباس والثاني أنه تبديلهم التوراة قاله مجاهد ","part":2,"page":99},{"id":633,"text":" قوله تعالى عن مواضعه أي عن أماكنه ووجوهه \r\n قوله تعالى ويقولون سمعنا وعصينا قال مجاهد سمعنا قولك وعصينا أمرك \r\n قوله تعالى واسمع غير مسمع فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه اسمع لا سمعت قاله ابن عباس وابن زيد وابن قتيبة \r\n والثاني أن معناه اسمع غير مقبول ما تقول قاله الحسن ومجاهد وقد تقدم في البقرة معنى وراعنا \r\n قوله تعالى ليا بألسنتهم قال قتادة اللي تحريك ألسنتهم بذلك \r\n وقال ابن قتيبة معنى ليا بألسنتهم أنهم يحرفون راعنا عن طريق المراعاة والانتظار إلى السب بالرعونة قال ابن عباس لكان خيرا لهم مما بدلوا و أقوم أي أعدل ولكن لعنهم الله بكفرهم بمحمد \r\n قوله تعالى فلا يؤمنون إلا قليلا فيه قولان أحدهما فلا يؤمن منهم إلا قليل وهم عبدالله بن سلام ومن تبعه قاله ابن عباس ","part":2,"page":100},{"id":634,"text":" والثاني فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا قاله قتادة والزجاج قال مقاتل وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا قوما من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب ابن أسد إلى الإسلام وقال لهم إنكم لتعلمون أن الذي جئت به حق فقالوا ما نعرف ذلك فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n وفي الذين أوتوا الكتاب قولان \r\n أحدهما أنه اليهود قاله الجمهور والثاني اليهود والنصارى ذكره الماوردي وعلى الأول يكون الكتاب التوراة وعلى الثاني التوراة والإنجيل والمراد بما نزلنا القرآن وقد سبق في البقرة بيان تصديقه لما معهم \r\n قوله تعالى من قبل أن نطمس وجوها في طمس الوجوه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إعماء العيون قاله ابن عباس وقتادة والضحاك \r\n والثاني أنه طمس ما فيها من عين وأنف وحاجب وهذا المعنى مروي عن ابن عباس واختيار ابن قتيبة ","part":2,"page":101},{"id":635,"text":" والثالث أنه ردها عن طريق الهدى وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ومجاهد والضحاك والسدي وقال مقاتل من قبل أن نطمس وجوها أي نحول الملة عن الهدى والبصيرة فعلى هذا القول يكون ذكر الوجه مجازا والمراد البصيرة والقلوب وعلى القولين قبله يكون المراد بالوجه العضو المعروف \r\n قوله تعالى فنردها على أدبارها خمسة أقوال \r\n أحدها نصيرها في الأقفاء ونجعل عيونها في الأقفاء هذا قول ابن عباس وعطية \r\n والثاني نصيرها كالأقفاء ليس فيها فم ولا حاجب ولا عين وهذا قول قوم منهم ابن قتيبة \r\n والثالث نجعل الوجه منبتا للشعر كالقرود هذا قول الفراء \r\n والرابع ننفيها مدبرة عن ديارها ومواضعها وإلى نحوه ذهب ابن زيد قال ابن جرير فيكون المعنى من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها وناحيتهم التي هم بها نزول فنردها على أدبارها من حيث جاؤوا بديا من الشام \r\n والخامس نردها في الضلالة وهذا قول الحسن ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل \r\n قوله تعالى أو نلعنهم يعود إلى أصحاب الوجوه وفي معنى لعن أصحاب السبت قولان ","part":2,"page":102},{"id":636,"text":" أحدهما مسخهم قردة قاله الحسن وقتادة ومقاتل والثاني طردهم في التيه حتى هلك فيه أكثرهم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وكان أمر الله مفعولا قال ابن جرير الأمر هاهنا بمعنى المأمور سمي باسم الأمر لحدوثه عنه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما \r\n قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به قال ابن عمر لما نزلت يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا الزمر 53 قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم والشرك فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك فنزلت هذه وقد سبق معنى الإشراك \r\n والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه وفي قوله لمن يشاء نعمة عظيمة من وجهين أحدهما أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب وإن مات مصرا والثاني أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع ","part":2,"page":103},{"id":637,"text":" للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم سبب نزولها أن مرحب ابن زيد وبحري بن عون وهما من اليهود أتيا النبي صلى الله عليه و سلم بأطفالهما ومعهما طائفة من اليهود فقالوا يا محمد هل على هؤلاء من ذنب قال لا قالوا والله ما نحن إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n وفي قوله ألم تر قولان أحدهما ألم تخبر قاله ابن قتيبة والثاني ألم تعلم قاله الزجاج وفي الذين يزكون أنفسهم قولان أحدهما اليهود على ما ذكرنا عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة ومقاتل والثاني أنهم اليهود والنصارى وبه قال الحسن وابن زيد ومعنى يزكون أنفسهم يزعمون أنهم أزكياء يقال زكى الشيء إذا نما في الصلاح \r\n وفي الذي زكوا به أنفسهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم برؤوا أنفسهم من الذنوب رواه أبو صالح عن ابن عباس ","part":2,"page":104},{"id":638,"text":" والثاني أن اليهود قالوا إن أبناءنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله ويشفعون لنا رواه عطية عن ابن عباس \r\n والثالث أن اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم هذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك \r\n والرابع أن اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه المائدة 18 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى البقرة 111 هذا قول الحسن وقتادة \r\n قوله تعالى بل الله يزكي من يشاء أي يجعله زاكيا ولا يظلم الله أحدا مقدار فتيل قال ابن جرير وأصل الفتيل المفتول صرف عن مفعول إلى فعيل كصريع ودهين \r\n وفي الفتيل قولان أحدهما أنه ما يكون في شق النواة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة وعطية وابن زيد ومقاتل وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني أنه ما يخرج بين الأصابع من الوسخ إذا دلكن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وأبو مالك والسدي والفراء أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا \r\n قوله تعالى انظر كيف يفترون على الله الكذب وهو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقولهم لا ذنب لنا ونحو ذلك مما كذبوا فيه وكفى به أي وحسبهم بقيلهم الكذب إثما مبينا يتبين كذبهم لسامعيه ","part":2,"page":105},{"id":639,"text":" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن جماعة من اليهود قدموا على قريش فسألوهم أديننا خير أم دين محمد فقال اليهود بل دينكم فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أن كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب قدما مكة فقالت لهما قريش أنحن خير أم محمد فقالا أنتم فنزلت هذه الآية هذا قول عكرمة في رواية وقال قتادة نزلت في كعب وحيي ورجلين آخرين من بني النضير قالوا لقريش أنتم أهدى من محمد ","part":2,"page":106},{"id":640,"text":" والثالث أن كعب بن الأشرف وهو الذي قال لكفار قريش أنتم أهدى من محمد فنزلت هذه الآية وهذا قول مجاهد والسدي وعكرمة في رواية \r\n والرابع أن حيي بن أخطب قال للمشركين نحن وإياكم خير من محمد فنزلت هذه الآية هذا قول ابن زيد والمراد بالمذكورين في هذه الآية اليهود \r\n وفي الجبت سبعة أقوال \r\n أحدها أنه السحر قاله عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والثاني الأصنام رواه عطية عن ابن عباس وقال عكرمة الجبت صنم والثالث حيي بن أخطب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الضحاك والفراء والرابع كعب بن الأشرف رواه الضحاك عن ابن عباس وليث عن مجاهد والخامس الكاهن روي عن ابن عباس وبه قال ابن سيرين ومكحول والسادس الشيطان قاله سعيد بن جبير في رواية وقتادة والسدي والسابع الساحر قاله أبو العالية وابن زيد وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير قال الجبت الساحر بلسان الحبشة \r\n وفي المراد بالطاغوت ها هنا ستة أقوال \r\n أحدها الشيطان قاله عمر بن الخطاب ومجاهد في رواية والشعبي وابن زيد والثاني أنه اسم للذين يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها ليضلوا الناس رواه العوفي عن ابن عباس والثالث كعب بن الأشرف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الضحاك والفراء والرابع الكاهن وبه قال سعيد بن جبير وأبو العالية وقتادة والسدي والخامس أنه الصنم ","part":2,"page":107},{"id":641,"text":" قاله عكرمة وقال الجبت والطاغوت صنمان والسادس الساحر روي عن ابن عباس وابن سيرين ومكحول فهذه الأقوال تدل على أنهما اسمان لمسميين \r\n وقال اللغويون منهم ابن قتيبة والزجاج كل معبود من دون الله من حجر أو صورة أو شيطان فهو جبت وطاغوت \r\n قوله تعالى ويقولون للذين كفروا يعني لمشركي قريش أنتم أهدى من الذين آمنوا يعنون النبي وأصحابه طريقا في الديانة والاعتقاد أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك فاذا لا يؤتون الناس نقيرا \r\n قوله تعالى أم لهم نصيب من الملك هذا استفهام معناه الإنكار فالتقدير ليس لهم وقال الفراء قوله فاذا لا يؤتون الناس نقيرا جواب لجزاء مضمر تقديره ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيرا وفي النقير أربعة أقوال ","part":2,"page":108},{"id":642,"text":" أحدها أنه النقطة التي في ظهر النواة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد ومقاتل والفراء وابن قتيبة في آخرين \r\n والثاني أنه القشر الذي يكون في وسط النواة رواه التيمي عن ابن عباس وروي عن مجاهد أنه الخيط الذي يكون في وسط النواة \r\n والثالث أنه نقر الرجل الشيء بطرف إبهامه رواه أبو العالية عن ابن عباس \r\n والرابع أنه حبة النواة التي في وسطها رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الأزهري والفتيل والنقير والقطمير تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير أم يحسدون الناس على ما آتهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما \r\n قوله تعالى أم يحسدون الناس سبب نزولها أن أهل الكتاب قالوا يزعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة فأي ملك أفضل من هذا فنزلت رواه العوفي عن ابن عباس ","part":2,"page":109},{"id":643,"text":" وفي أم قولان أحدهما أنها بمعنى ألف الاستفهام قاله ابن قتيبة \r\n والثاني بمعنى بل قاله الزجاج وقد سبق ذكر الحسد في سورة البقرة والحاسدون هاهنا اليهود وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال \r\n أحدها النبي صلى الله عليه و سلم رواه عطية عن ابن عباس وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل \r\n والثاني النبي صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعمر روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه \r\n والثالث العرب قاله قتادة والرابع النبي والصحابة ذكره الماوردي \r\n وفي الذي آتاهم الله من فضله ثلاثة أقوال \r\n أحدها إباحة الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد روي عن ابن عباس والضحاك والسدي والثاني أنه النبوة قاله ابن جريج والزجاج والثالث بعثة نبي منهم على قول من قال هم العرب ","part":2,"page":110},{"id":644,"text":" قوله تعالى فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب يعني التوراة والإنجيل والزبور كله كان في آل إبراهيم وهذا النبي من أولاد إبراهيم وفي الحكمة قولان \r\n أحدهما النبوة قاله السدي ومقاتل والثاني الفقه في الدين قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n وفي الملك العظيم خمسة أقوال أحدها ملك سليمان رواه عطية عن ابن عباس والثاني ملك داود وسليمان في النساء كان لداود مائة امرأة ولسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي والثالث النبوة قاله مجاهد والرابع التأييد بالملائكة قاله ابن زيد في آخرين والخامس الجمع بين سياسة الدنيا وشرع الدين ذكره الماوردي فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا \r\n قوله تعالى فمنهم من أمن به فيمن تعود عليه الهاء والميم قولان \r\n أحدهما اليهود الذين أنذرهم نبيا محمد صلى الله عليه و سلم وهذا قول مجاهد ومقاتل ","part":2,"page":111},{"id":645,"text":" والفراء في آخرين فعلى هذا القول في هاء به ثلاثة أقوال \r\n أحدها تعود على ما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد قال أبو سليمان فيكون الكلام مبنيا على قوله على ما آتاهم الله من فضله وهو النبوة والقرآن \r\n والثاني أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه و سلم فتكون متعلقة بقوله أم يحسدون الناس يعني بالناس محمدا صلى الله عليه و سلم ويكون المراد بقوله فمنهم من آمن به عبد الله بن سلام وأصحابه والثالث أنها تعود إلى النبأ عن آل إبراهيم قاله الفراء \r\n والقول الثاني أن الهاء والميم في قوله فمنهم تعود إلى آل إبراهيم فعلى هذا في هاء به قولان أحدهما أنها عائدة إلى إبراهيم قاله السدي والثاني إلى الكتاب قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ومنهم من صد عنه وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وعكرمة وابن يعمر والجحدري من صد عنه برفع الصاد وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وأبو رجاء والجوني بكسر الصاد إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما \r\n قوله تعالى فسوف نصليهم نارا قال الزجاج أي نشويهم في نار ويروى أن يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه و سلم شاة مصلية أي مشوية وفي قوله بدلناهم جلودا غيرها قولان \r\n أحدهما أنها غيرها حقيقة ولا يلزم على هذا أن يقال كيف بدلت ","part":2,"page":112},{"id":646,"text":" جلود التذت بالمعاصي بجلود ما التذت لأن الجلود آلة في ايصال العذاب إليهم كما كانت آلة في ايصال اللذة وهم المعاقبون لا الجلود \r\n والثاني أنها هي بعينها تعاد بعد احتراقها كما تعاد بعد البلى في القبور فتكون الغيرية عائدة إلى الصفة لا إلى الذات فالمعنى بدلناهم جلودا غير محترقة كما تقول صغت من خاتمي خاتما آخر وقال الحسن البصري في هذه الآية تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فعادوا والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا \r\n قوله تعالى وندخلهم ظلا ظليلا قال الزجاج هو الذي يظل من الحر والريح وليس كل ظل كذلك فأعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل لا حر معه ولا برد فان قيل أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل فالجواب أن لا وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا مريم 62 وجواب آخر وهو أنه إشارة إلى كمال وصفها وتمكين بنائها فلو كان البرد أو الحر يتسلط عليها لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا \r\n قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":2,"page":113},{"id":647,"text":" أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فتح مكة طلب مفتاح البيت من عثمان بن أبي طلحة فذهب ليعطيه إياه فقال العباس بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس فقال النبي صلى الله عليه و سلم هات المفتاح فأعاد العباس قوله وكف عثمان فقال النبي صلى الله عليه و سلم أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فقال هاكه يا رسول الله بأمانة الله فأخذ المفتاح ففتح البيت فنزل جبريل بهذه الآية فدعا عثمان فدفعه إليه رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد والزهري وابن جريج ومقاتل \r\n والثاني أنها نزلت في الأمراء رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال زيد بن أسلم وابنه ومكحول واختاره أبو سليمان الدمشقي وقال أمر الأمراء أن يؤدوا الأمانة في أموال المسلمين \r\n والثالث أنها نزلت عامة وهو مروي عن أبي بن كعب وابن عباس والحسن وقتادة واختاره القاضي أبو يعلى واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم حكمها فانها عامة في الودائع وغيرها من الأمانات وقال ابن مسعود الأمانة في الوضوء وفي الصلاة وفي الصوم وفي الحديث وأشد ذلك في الودائع ","part":2,"page":114},{"id":648,"text":" قوله تعالى نعما يعظكم به يقول نعم الشيء يعظكم به وقد ذكرناه في البقرة يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في سبب نزولها قولان أحدهما أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه و سلم في سرية أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ","part":2,"page":115},{"id":649,"text":" والثاني أن عمار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سرية فهرب القوم ودخل رجل منهم على عمار فقال إني قد أسلمت هل ينفعني أو أذهب كما ذهب قومي قال عمار أقم فأنت آمن فرجع الرجل وأقام فجاء خالد فأخذ الرجل فقال عمار إني قد أمنته وإنه قد أسلم قال أتجير علي وأنا الأمير فتنازعا وقدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى وأطيعوا الرسول طاعة الرسول في حياته امتثال أمره واجتناب نهيه وبعد مماته اتباع سنته \r\n وفي أولي الأمر أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الأمراء قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل ","part":2,"page":116},{"id":650,"text":" والثاني أنهم العلماء رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وأبي العالية وعطاء والنخعي والضحاك ورواه خصيف عن مجاهد \r\n والثالث أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال بكر بن عبد الله المزني \r\n والرابع أنهم أبو بكر وعمر وهذا قول عكرمة \r\n قوله تعالى فان تنازعتم في شيء قال الزجاج معناه اختلفتم وقال كل فريق القول القولي واشتقاق المنازعة أن كل واحد ينتزع الحجة \r\n قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول في كيفية هذا الرد قولان \r\n أحدهما أن رده إلى الله رده إلى كتابه ورده إلى النبي رده إلى سنته هذا قول مجاهد وقتادة والجمهور قال القاضي أبو يعلى وهذا الرد يكون من وجهين أحدهما إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه والثاني الرد إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره من طريق القياس والنظائر \r\n والقول الثاني أن رده إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء الله ورسوله أعلم ذكره قوم منهم الزجاج \r\n وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال أحدها أنه الجزاء والثواب وهو قول مجاهد وقتادة والثاني أنه العاقبة وهو قول السدي وابن زيد وابن ","part":2,"page":117},{"id":651,"text":" قتيبة والزجاج والثالث أنه التصديق مثل قوله هذا تأويل رؤياي يوسف 100 قاله ابن زيد في رواية والرابع أن معناه ردكم إياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم ذكره الزجاج ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا \r\n قوله تعالى ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي انطلق بنا إلى محمد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي فأتيا النبي صلى الله عليه و سلم فقضى لليهودي فلما خرجا قال المنافق ننطلق إلى عمر بن الخطاب فأقبلا إليه فقصا عليه القصة فقال رويدا حتى أخرج إليكما فدخل البيت فاشتمل على السيف ثم خرج فضرب به المنافق ","part":2,"page":118},{"id":652,"text":" حتى برد وقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود فتنافر إليه ناس من المسلمين فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أن يهوديا ومنافقا كانت بينهما خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي لأنه لا يأخذ الرشوة ودعا المنافق إلى حكامهم لأنهم يأخذون الرشوة فلما اختلفا اجتمعا أن يحكما كاهنا فنزلت هذه الآية هذا قول الشعبي \r\n والرابع أن رجلا من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة فاختصموا فقال المنافقون منهم إنطلقوا إلى أبي بردة الكاهن فقال المسلمون من الفريقين ","part":2,"page":119},{"id":653,"text":" بل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأبى المنافقون فانطلقوا إلى الكاهن فنزلت هذه الآية هذا قول السدي \r\n والزعم والزعم لغتان وأكثر ما يستعمل في قول ما لا تتحقق صحته وفي الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله قولان أحدهما أنه المنافق والثاني أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إليه المنافق والذي زعم أنه آمن بما أنزل من قبله اليهودي والطاغوت كعب بن الأشرف قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع ومقاتل \r\n قوله تعالى وقد أمروا أن يكفروا به قال مقاتل أن يتبرؤوا من الكهنة والضلال البعيد الطويل وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله قال مجاهد هذه الآية والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهودي والمنافق والهاء والميم في لهم إشارة إلى الذين يزعمون والذي أنزل الله أحكام القرآن وإلى الرسول أي إلى حكمه فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جآؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا \r\n قوله تعالى فكيف إذا أصابتهم مصيبة أي كيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم عقوبة من الله وفي المراد بالمصيبة قولان أحدهما أنه تهديد ","part":2,"page":120},{"id":654,"text":" ووعيد والثاني أنه قتل المنافق الذي قتله عمر وفي الذي قدمت أيديهم ثلاثة أقوال أحدها نفاقهم واستهزاؤهم والثاني ردهم حكم النبي صلى الله عليه و سلم والثالث معاصيهم المتقدمة \r\n قوله تعالى إن أردنا بمعنى ما أردنا \r\n قوله تعالى إلا إحسانا وتوفيقا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لما قتل عمر صاحبهم جاؤوا يطلبون بدمه ويحلفون ما أردنا بالمطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا وما يوافق الحق في أمرنا \r\n والثاني ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا \r\n والثالث أنهم جاؤوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه و سلم من محاكمتهم إلى غيره ويقولون ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحسانا بالتقريب في الحكم وتوفيقا بين الخصوم دون الحمل على مر الحق أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا \r\n قوله تعالى أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي من النفاق والزيغ ","part":2,"page":121},{"id":655,"text":" وقال ابن عباس إضمارهم خلاف ما يقولون فأعرض عنهم ولا تعاقبهم وعظهم بلسانك وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي تقدم إليهم إن فعلتم الثانية عاقبتكم وقال الزجاج يقال بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه \r\n وقد تكلم العلماء في حد البلاغة فقال بعضهم البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ وقيل البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل البلاغة الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضجار \r\n قال خالد بن صفوان أحسن الكلام ما قلت ألفاظه وكثرت معانيه وخير الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره وقال غيره إنما يستحق الكلام اسم البلاغة إذا سابق لفظه معناه ومعناه لفظه ولم يكن لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك \r\n فصل \r\n وقد ذهب قوم إلى أن الإعراض المذكور في هذه الآية منسوخ بآية السيف وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما \r\n قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع قال الزجاج من دخلت للتوكيد والمعنى وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع وفي قوله باذن الله قولان أحدهما أنه بمعنى الأمر قاله ابن عباس والثاني أنه الاذن نفسه قاله مجاهد وقال الزجاج المعنى إلا ليطاع بأن الله أذن له في ذلك ","part":2,"page":122},{"id":656,"text":" وقوله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ذكرهما قال ابن عباس ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرسول جاؤوك فاستغفروا الله من صنيعهم فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما \r\n قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه و سلم للزبير اسق ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصار قال يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر قال الزبير فوالله ما أحسب هذه الآية نزلت إلى في ذلك أخرجه البخاري ومسلم ","part":2,"page":123},{"id":657,"text":" والثاني أنها نزلت في المنافق واليهودي اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف وقد سبقت قصتهما قاله مجاهد \r\n قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون أي لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك وقيل لا رد لزعمهم أنهم مؤمنون والمعنى فلا أي ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف فقال وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم أي فيما اختلفوا فيه \r\n وفي الحرج قولان أحدهما أنه الشك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في آخرين والثاني الضيق قاله أبو عبيدة والزجاج وفي قوله ويسلموا تسليما قولان أحدهما يسلموا لما أمرتهم به فلا يعارضونك هذا قول ابن عباس والزجاج والجمهور والثاني يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك ذكره الماوردي ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ","part":2,"page":124},{"id":658,"text":" به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما \r\n قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم سبب نزولها أن رجلا من اليهود قال والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلناها فقال ثابت بن قيس بن الشماس والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا فنزلت هذه الآية هذا قول السدي قال الزجاج لو يمتنع به الشيء لامتناع غيره تقول لو جاءني زيد لجئته والمعنى أن مجيئك امتنع لامتناع مجيئه وكتبنا بمعنى فرضنا والمعنى لو أنا فرضنا على المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم قرأ أبو عمرو أن اقتلوا أنفسكم بكسر النون أو اخرجوا بضم الواو وقرأ ابن عامر وابن كثير ونافع والكسائي أن اقتلوا أو اخرجوا بضم النون والواو وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما والمعنى لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى لم يفعله إلا قليل منهم هذه قراءة الجمهور وقرأ ابن عامر إلا قليلا بالنصب ولو أنهم يعني المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ويصدون عنك فعلوا ما يوعظون به أي ما يذكرون به من طاعة الله والوقوف مع أمره لكان خيرا لهم وأثبت لأمورهم وقال السدي وأشد تثبيتا أي تصديقا ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما \r\n قوله تعالى ومن يطع الله والرسول في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":2,"page":125},{"id":659,"text":" أحدها أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم كان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه و سلم فرآه رسول الله يوما فعرف الحزن في وجهه فقال يا ثوبان ما غير وجهك قال ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك فأذكر الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا له ما ينبغي أن نفارقك في الدنيا فانك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت هذه الآية هذا قول مسروق \r\n والثالث أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي وهو محزون فقال مالي أراك محزونا فقال يا رسول الله غدا ترفع مع الأنبياء فلا نصل إليك فنزلت هذه الآية هذا قول سعيد بن جبير قال ابن عباس ومن يطع الله في الفرائض والرسول في السنن قال ابن قتيبة والصديق الكثير الصدق كما يقال فسيق وسكير وشريب وخمير وسكيت وفجير وعشيق ","part":2,"page":126},{"id":660,"text":" وضليل وظليم إذا كثر منه ذلك ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرة أو مرتين حتى يكثر منه ذلك أو يكون عادة فأما الشهداء فجمع شهيد وهو القتيل في سبيل الله \r\n وفي تسميته بالشهيد خمسة أقوال أحدها لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة قاله ثعلب والثاني لأن ملائكة الرحمة تشهده والثالث لسقوطه بالأرض والأرض هي الشاهدة ذكر القولين ابن فارس اللغوي والرابع لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل قاله أبو سليمان الدمشقي والخامس لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل قاله شيخنا على بن عبيد الله \r\n فأما الصالحون فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته والجمهور على أن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين عام في جميع من هذه صفته ","part":2,"page":127},{"id":661,"text":" وقال عكرمة المراد بالنبيين هاهنا محمد والصديقين أبو بكر وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة \r\n قوله تعالى وحسن أولئك رفيقا قال الزجاج رفيقا منصوب على التمييز وهو ينوب عن رفقاء قال الشاعر ... بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب ... \r\n وقال آخر ... في حلقكم عظم وقد شجينا ... يريد في حلوقكم عظام ... \r\n ذلك الفضل الذي أعطى المذكورين من الله وكفى بالله عليما بالمقاصد والنيات ","part":2,"page":128},{"id":662,"text":" يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا \r\n قوله تعالى خذوا حذركم فيه قولان أحدهما احذروا عدوكم \r\n والثاني خذوا سلاحكم \r\n قوله تعالى فانفروا ثبات قال ابن قتيبة أي جماعات واحدتها ثبة يريد جماعة بعد جماعة وقال الزجاج الثبات الجماعات المتفرقة \r\n قال زهير ... وقد أغدوا على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء ... \r\n قال ابن عباس فانفروا ثبات أي عصبا سرايا متفرقين أو انفروا جميعا يعنى كلكم \r\n فصل \r\n وقد نقل عن ابن عباس أن هذه الآية وقوله انفروا خفافا وثقالا التوبة 41 ","part":2,"page":129},{"id":663,"text":" وقوله إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما التوبة 39 منسوخات بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 قال أبو سليمان الدمشقي والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإمام وليس في هذا من المنسوخ شيء وإن منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما \r\n قوله تعالى وإن منكم لمن ليبطئن اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها في المنافقين كعبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتثاقلون عن الجهاد فان لقيت السرية نكبة قال من أبطأ منهم لقد أنعم الله علي وإن لقوا غنيمة قال يا ليتني كنت معهم هذا قول ابن عباس وابن جريج \r\n والثاني أنها نزلت في المسلمين الذين قلت علومهم بأحكام الدين فتثبطوا لقلة العلم لا لضعف الدين ذكره الماوردي وغيره فعلى الأول تكون إضافتهم إلى المؤمنين بقوله منكم لموضع نطقهم بالإسلام وجريان أحكامه عليهم وعلى الثاني تكون الإضافة حقيقة قال ابن جرير اللام في لمن لام تأكيد \r\n قال الزجاج واللام في ليبطئن لام القسم كقولك إن منكم لمن أحلف بالله ليبطئن يقال أبطأ الرجل و بطؤ فمعنى أبطأ تأخر ومعنى بطؤ ثقل وقرأ أبو جعفر ليبطئن بتخفيف الهمزة وفي معنى ليبطئن قولان أحدهما ليبطئن هو بنفسه وهو قول ابن عباس والثاني ليبطئن غيره قاله ابن جريج قال ابن عباس والمصيبة النكبة والفضل من الله الفتح والغنيمة ","part":2,"page":130},{"id":664,"text":" قوله تعالى كأن لم يكن بينكم وبينه مودة قرأ ابن كثير وحفص والمفضل عن عاصم كأن لم تكن بالتاء لأن الفاعل المسند إليه مؤنث في اللفظ وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يكن بالياء لأن التأنيث ليس بحقيقي قال الزجاج يجوز أن يكون المعنى ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن بينكم وبينه مودة أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم ويجوز أن يكون هذا الكلام معترضا به فيكون المعنى ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي كأن لم يكن بينكم وبينه مودة فيكون معنى المودة أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما \r\n قوله تعالى الذين يشرون الحياة الدنيا يشرون هاهنا بمعنى يبتغون في قول الجماعة وأنشدوا ... وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه ","part":2,"page":131},{"id":665,"text":" وبرد غلام له باعه ومعنى الآية ليكن قتال المقاتلين على وجه الإخلاص وطلب الآخرة \r\n قوله تعالى فيقتل أو يغلب خرج مخرج الغالب وقد يثاب من لم يغلب ولم يقتل وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا \r\n قوله تعالى والمستضعفين من الرجال قال الفراء تقديره وفي المستضعفين وكذلك روي عن ابن عباس وقال الزجاج المستضعفون في موضع خفض والمعنى في سبيل الله وسبيل المستضعفين أي ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء قال ابن عباس وهم ناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا والقرية مكة في قول الجماعة قال الفراء وإنما خفض الظالم لأنه نعت للأهل فلما عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها تقول مررت بالرجل الواسعة داره ","part":2,"page":132},{"id":666,"text":" قوله تعالى واجعل لنا من لدنك وليا قال أبو سليمان سألوا الله وليا من عنده يلي إخراجهم منها ونصيرا يمنعهم من المشركين قال ابن عباس فلما فتح رسول الله مكة جعل الله عز و جل النبي عليه السلام وليهم واستعمل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم عتاب بن أسيد فكان نصيرا لهم ينصف الضعيف من القوي الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا \r\n قوله تعالى يقاتلون في سبيل الطاغوت الطاغوت هاهنا الشيطان وقال أبو عبيدة الطاغوت هاهنا في معنى جماعة كقوله ولحم الخنزير معناه ولحم الخنازير \r\n قوله تعالى إن كيد الشيطان يعني مكره وصنيعه كان ضعيفا حيث خذل أصحابه يوم بدر ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ","part":2,"page":133},{"id":667,"text":" قوله تعالى ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في نفر من المهاجرين كانوا يحبون أن يؤذن لهم في قتال المشركين وهم بمكة قبل أن يفرض القتال فنهوا عن ذلك فلما أذن لهم فيه كرهه بعضهم روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وهو قول قتادة والسدي ومقاتل \r\n والثاني أنها نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمان المتقدم فحذرت هذه الأمة من مثل حالهم روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس قال أبو سليمان الدمشقي كأنه يومئ إلى قصة الذين قالوا إبعث لنا ملكا وقال مجاهد هي في اليهود \r\n فأما كف اليد فالمراد به الامتناع عن القتال ذلك كان بمكة وكتب بمعنى فرض وذلك بالمدينة هذا على القول الأول \r\n قوله تعالى إذا فريق منهم في هذا الفريق ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المنافقون والثاني أنهم كانوا مؤمنين فلما فرض القتال نافقوا جبنا وخوفا والثالث أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم فنفرت ","part":2,"page":134},{"id":668,"text":" نفوسهم عن القتال \r\n قوله يخشون الناس في المراد بالناس قولان أحدهما كفار مكة والثاني جميع الكفار \r\n قوله تعالى أو أشد خشية قيل إن أو بمعنى الواو وكتبت بمعنى فرضت و لولا بمعنى هلا قال الفراء إذا لم تر بعدها اسما فهي استفهام بمعنى هلا وإذا رأيت بعدها اسما مرفوعا فهي التي جوابها اللام تقول لولا عبد الله لضربتك وقال ابن قتيبة إذا رأيتها بغير جواب فهي بمعنى هلا تقول لولا فعلت كذا ومثلها لوما فاذا رأيت ل لولا جوابا فليست بمعنى هلا إنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع غيره كقوله فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه الصافات 143 قلت فأما لولا التي لها جواب فكثيرة في الكلام وأنشدوا في ذلك ... لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت ام القاسم ... \r\n وأما التي بمعنى هلا فأنشدوا منها ","part":2,"page":135},{"id":669,"text":" تعدون عقر النبيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا ... \r\n أراد فهلا تعدون الكمي والكمي الداخل في السلاح \r\n وفي الأجل القريب قولان \r\n أحدهما أنه الموت فكأنهم قالوا هلا تركتنا نموت موتا وعافيتنا من القتل هذا قول السدي ومقاتل \r\n والثاني أنه إمهال زمان فكأنهم قالوا هلا أخرت فرض الجهاد عنا قليلا حتى نكثر ونقوى قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين \r\n قوله تعالى قل متاع الدنيا قليل أي مدة الحياة فيها قليلة \r\n قوله تعالى ولا تظلمون فتيلا قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ولا يظلمون بالياء وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم بالتاء وقد سبق ذكر المتاع والفتيل ","part":2,"page":136},{"id":670,"text":" أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا \r\n قوله تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت سبب نزولها أن المنافقين قالوا في حق شهداء أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس ومقاتل والبروج الحصون قاله ابن عباس وابن قتيبة وفي المشيدة خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الحصينة قاله ابن عباس وقتادة والثاني المطولة قاله أبو مالك ومقاتل وابن قتيبة والثالث المجصصة قاله هلال بن خباب واليزيدي والرابع أنها المبنية بالشيد وهو الجص قاله أبو سليمان الدمشقي والخامس أنها بروج في السماء قاله الربيع بن أنس والثوري وقال السدي هي قصور بيض في السماء مبنية \r\n قوله تعالى وإن تصبهم اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال أحدها أنهم المنافقون واليهود قاله ابن عباس والثاني المنافقون قاله الحسن والثالث اليهود قاله ابن السري \r\n وفي الحسنة والسيئة قولان \r\n أحدهما أن الحسنة الخصب والمطر والسيئة الجدب والغلاء رواه أبو صالح عن ابن عباس ","part":2,"page":137},{"id":671,"text":" والثاني أن الحسنة الفتح والغنيمة والسيئة الهزيمة والجراح ونحو ذلك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي قوله تعالى من عندك قولان \r\n أحدهما بشؤمك قاله ابن عباس والثاني بسوء تدبيرك قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى قل كل من عند الله قال ابن عباس الحسنة والسيئة أما الحسنة فأنعم بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها \r\n قوله تعالى فما لهؤلاء القوم وقف أبو عمرو والكسائي على الألف من فما في قوله فما لهؤلاء القوم و ما لهذا الكتاب و ما لهذا الرسول و فما للذين كفروا والباقون وقفوا على اللام فأما الحديث فقيل هو القرآن فكأنه قال لا يفقهون القرآن فيؤمنون به ويعلمون أن الكل من عند الله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا \r\n قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله في المخاطب بهذا الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنه عام فتقديره ما أصابك أيها الإنسان قاله قتادة والثاني أنه خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد به غيره ذكره الماوردي وقال ابن الأنباري ما أصابك الله من حسنة وما أصابك الله به من سيئة فالفعلان يرجعان إلى الله عز و جل وفي الحسنة والسيئة ثلاثة أقوال أحدها أن الحسنة ما فتح عليه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم أحد رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني الحسنة الطاعة والسيئة المعصية ","part":2,"page":138},{"id":672,"text":" قاله أبو العالية والثالث الحسنة النعمة والسيئة البلية قاله ابن قتيبة وعن أبي العالية نحوه وهو أصح لأن الآية عامة وروى كرداب عن يعقوب ما أصابك من حسنة فمن الله بتشديد النون ورفعها ونصب الميم وخفض اسم الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك بنصب الميم ورفع السين \r\n قوله تعالى فمن نفسك أي فبذنبك قاله الحسن وقتادة والجماعة وذكر فيه ابن الأنباري وجها آخر فقال المعنى أفمن نفسك فأضمرت ألف الاستفهام كما أضمرت في قوله وتلك نعمة أي أو تلك نعمة \r\n قوله تعالى وأرسلناك للناس رسولا قال الزجاج ذكر الرسول مؤكد لقوله وأرسلناك والباء في بالله مؤكدة والمعنى وكفى بالله شهيدا ","part":2,"page":139},{"id":673,"text":" وشهيدا منصوب على التمييز لأنك إذا قلت كفى بالله ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهما \r\n وفي المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال أحدها شهيدا لك بأنك رسوله قاله مقاتل والثاني على مقالتهم قاله ابن السائب والثالث لك بالبلاغ وعليهم بالتكذيب والنفاق قاله أبو سليمان الدمشقي فان قيل كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا إن الحسنة من عند الله والسيئة من عند النبي عليه السلام ورد عليهم بقوله قل كل من عند الله ثم عاد فقال ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فهل قال القوم إلا هكذا فعنه جوابان \r\n أحدهما أنهم أضافوا السيئة إلى النبي صلى الله عليه و سلم تشاؤما به فرد عليهم فقال كل بتقدير الله ثم قال ما أصابك من حسنة فمن الله أي من فضله وما أصابك من سيئة فبذنبك وإن كان الكل من الله تقديرا \r\n والثاني أن جماعة من أرباب المعاني قالوا في الكلام محذوف مقدر تقديره فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فيكون هذا من قولهم والمحذوف المقدر في القرآن كثير ومنه قوله ربنا تقبل منا البقرة 127 أي يقولان ربنا ومثله أو به أذى من رأسه ففدية البقرة 196 أي فحلق ففدية ومثله فأما الذين اسودت وجههم أكفرتم آل عمران 106 أي فيقال لهم ومثله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم الرعد 23 24 أي يقولون سلام ومثله أو كلم به الموتى بل لله الأمر الرعد 31 أراد لكان هذا القرآن ومثله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ","part":2,"page":140},{"id":674,"text":" وأن الله رؤوف رحيم النور 20 أراد لعذبكم ومثله ربنا أبصرنا وسمعنا السجدة 12 أي يقولون وقال النمر بن تولب ... فان المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما ... \r\n أراد أينما ذهب وقال غيره ... فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا ... \r\n أراد لرددناه ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا \r\n قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله فقال المنافقون لقد قارب هذا الرجل الشرك فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الكلام من قبل ما أتى به الرسول فانما قبل ما أمر الله به ومن تولى أي ","part":2,"page":141},{"id":675,"text":" أعرض عن طاعته وفي الحفيظ قولان أحدهما أنه الرقيب قاله ابن عباس والثاني المحاسب قاله السدي وابن قتيبة \r\n فصل \r\n قال المفسرون وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا \r\n قوله تعالى ويقولون طاعة نزلت في المنافقين كانوا يؤمنون عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ليأمنوا فاذا خرجوا خالفوا هذا قول ابن عباس قال الفراء والرفع في طاعة على معنى أمرك طاعة \r\n قوله تعالى بيت طائفة قرأ أبو عمرو وحمزة بيت بسكون التاء وإدغامها في الطاء ونصب الباقون التاء قال أبو علي التاء والطاء والدال من حيز واحد فحسن الإدغام ومن بين فلانفصال الحرفين واختلاف المخرجين قال ابن قتيبة والمعنى فاذا برزوا من عندك أي خرجوا بيت طائفة منهم غير الذي تقول أي قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا قال الشاعر ... أتوني فلم أرض ما بينوا ... وكانوا أتوني بشيء نكر ","part":2,"page":142},{"id":676,"text":" والعرب تقول هذا أمر قد قدر بليل وفرغ منه بليل ومنه قول الحارث بن حلزة ... أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء ... \r\n وقال بعضهم بيت بمعنى بدل وأنشد ... وبيت قولي عند المليك ... قاتلك الله عبدا كفورا ... \r\n وفي قوله غير الذي تقول قولان \r\n أحدهما غير الذي تقول الطائفة عندك وهو قول ابن عباس وابن قتيبة والثاني غير الذي تقول أنت يا محمد وهو قول قتادة والسدي \r\n قوله تعالى والله يكتب ما يبيتون فيه ثلاثة أقوال أحدها يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة قاله مقاتل في آخرين والثاني ينزله إليك في كتابه والثالث يحفظه عليهم ليجازوا به ذكر القولين الزجاج قال ابن عباس فأعرض عنهم فلا تعاقبهم وثق بالله عز و جل وكفى بالله ثقة لك قال ثم نسخ هذا الإعراض وأمر بقتالهم \r\n فان قيل ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة ثم قال بيت طائفة والكل منافقون فالجواب من وجهين ذكرهما أهل التفسير \r\n أحدهما أنه أخبر عمن سهر ليله ودبر أمره منهم دون غيره منهم والثاني أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه دون من علم أنه يرجع ","part":2,"page":143},{"id":677,"text":" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا \r\n قوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن قال الزجاج التدبر النظر في عاقبة الشيء والدبر النحل سمي دبرا لأنه يعقب ما ينتفع به والدبر المال الكثير سمي دبرا لكثرته لأنه يبقى للأعقاب والأدبار \r\n وقال ابن عباس أفلا يتدبرون القرآن فيتفكرون فيه فيرون تصديق بعضه لبعض وأن أحدا من الخلائق لا يقدر عليه قال ابن قتيبة والقرآن من قولك ما قرأت الناقة سلى قط أي ماضمت في رحمها ولدا وأنشد أبو عبيدة ... هجان اللون لم تقرأ جنينا ... \r\n وإنما سمي قرآنا لأنه جمع السور وضمها \r\n قوله تعالى لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التناقض قاله ابن عباس وابن زيد والجمهور والثاني ","part":2,"page":144},{"id":678,"text":" الكذب قاله مقاتل والزجاج والثالث أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام ومرذول إذ لا بد للكلام إذا طال من مرذول وليس في القرآن إلا بليغ ذكره الماوردي في جماعة وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف إذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا \r\n قوله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم لما اعتزل نساءه دخل عمر المسجد فسمع الناس يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه و سلم نساءه فدخل على النبي عليه السلام فسأله أطلقت نساءك قال لا فخرج فنادى ألا إن رسول الله لم يطلق نساءه فنزلت هذه الآية فكان هو الذي استنبط الأمر انفرد باخراجه مسلم من حديث ابن عباس عن عمر \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غلبت ","part":2,"page":145},{"id":679,"text":" تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون النبي هو المتحدث به فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n وفي المشار إليهم بهذه الآية قولان أحدهما أنهم المنافقون قاله ابن عباس والجمهور والثاني أهل النفاق وضعفة المسلمين ذكره الزجاج \r\n وفي المراد بالأمن أربعة أقوال \r\n أحدها فوز السرية بالظفر والغنيمة وهو قول الأكثرين والثاني أنه الخبر يأتي إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه ظاهر على قوم فيأمن منهم قاله الزجاج والثالث أنه ما يعزم عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الموادعة والأمان لقوم ذكره الماوردي \r\n والرابع أنه الأمن يأتي من المأمن وهو المدينة ذكره أبو سليمان الدمشقي مخرجا من حديث عمر \r\n وفي الخوف ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه النكبة التي تصيب السرية ذكره جماعة من المفسرين والثاني أنه الخبر يأتي أن قوما يجمعون للنبي صلى الله عليه و سلم فيخاف منهم قاله الزجاج والثالث ما يعزم عليه النبي من الحرب والقتال ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى أذاعوا به قال ابن قتيبة أشاعوه وقال ابن جرير والهاء عائدة على الأمر \r\n قوله تعالى ولو ردوه يعني الأمر إلى الرسول حتى يكون هو المخبر به وإلى أولي الأمر منهم وفيهم أربعة أقوال ","part":2,"page":146},{"id":680,"text":" أحدها أنهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم أبو بكر وعمر قاله عكرمة والثالث العلماء قاله الحسن وقتادة وابن جريج والرابع أمراء السرايا قاله ابن زيد ومقاتل \r\n وفي الذين يستنبطونه قولان \r\n أحدهما أنهم الذين يتتبعونه من المذيعين له قاله مجاهد والثاني أنهم أولو الأمر قاله ابن زيد والاستنباط في اللغة الاستخراج قال الزجاج أصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر يقال من ذلك قد أنبط فلان في غضراء أي استنبط الماء من طين حر والنبط سموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرض قال ابن جرير ومعنى الآية وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين بخير أو بشر أفشوه ولو سكتوا حتى يكون الرسول وذوو الأمر يتولون الخبر عن ذلك فيصححوه إن كان صحيحا أو يبطلوه إن كان باطلا لعلم حقيقة ذلك من يبحث عنه من أولى الأمر \r\n قوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ","part":2,"page":147},{"id":681,"text":" في المراد بالفضل أربعة أقوال أحدها أنه رسول الله والثاني الإسلام والثالث القرآن والرابع أولو الأمر \r\n وفي الرحمة أربعة أقوال أحدها أنها الوحي والثاني اللطف والثالث النعمة والرابع التوفيق \r\n قوله تعالى لا تبعتم الشيطان إلا قليلا في معنى هذا الاستثناء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه راجع إلى الإذاعة فتقديره أذاعوا به إلا قليلا وهذا قول ابن عباس وابن زيد واختاره الفراء وابن جرير \r\n والثاني أنه راجع إلى المستنبطين فتقديره لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا وهذا قول الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة فعلى هذين القولين في الآية تقديم وتأخير \r\n والثالث أنه راجع إلى اتباع الشيطان فتقديره لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم وهذا قول الضحاك واختاره الزجاج وقال بعض العلماء المعنى لولا فضل الله بارسال النبي إليكم لضللتم إلا قليلا منكم كانوا يستدركون بعقولهم معرفة الله ويعرفون ضلال من يعبد غيره كقس بن ساعدة فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا \r\n قوله تعالى فقاتل في سبيل الله سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما ندب الناس لموعد أبي سفيان ببدر الصغرى بعد أحد كره بعضهم ذلك فنزلت هذه ","part":2,"page":148},{"id":682,"text":" الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وفي فاء فقاتل قولان \r\n أحدهما أنه جواب قوله ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب \r\n والثاني أنها متصلة بقوله وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ذكرهما ابن السري والمراد بسبيل الله الجهاد \r\n قوله تعالى لا تكلف إلا نفسك أي إلا المجاهدة بنفسك وحرض بمعنى حضض قال الزجاج ومعنى عسى في اللغة معنى الطمع والإشفاق والإطماع من الله واجب والبأس الشدة وقال ابن عباس والله أشد عذابا قال قتادة والتنكيل العقوبة من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على شيء مقيتا ","part":2,"page":149},{"id":683,"text":" قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة في المراد بالشفاعة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها شفاعة الإنسان للانسان ليجتلب له نفعا أو يخلصه من بلاء وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد والثاني أنها الإصلاح بين اثنين قاله ابن السائب والثالث أنه الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ذكره الماوردي والرابع أن المعنى من يصر شفعا لوتر أصحابك يا محمد فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي \r\n وفي الشفاعة السيئة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها السعي بالنميمة قاله ابن السائب ومقاتل والثاني أنها الدعاء على المؤمنين والمؤمنات وكانت اليهود تفعله ذكره الماوردي والثالث أن المعنى من يشفع وتر أهل الكفر فيقاتل المؤمنين قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي قال الزجاج والكفل في اللغة النصيب وأخذ من قولهم اكتفلت البعير إذ أدرت على سنامه أو على موضع من ظهره كساء وركبت عليه وإنما قيل له كفل لأنه لم يستعمل الظهر كله وإنما استعمل نصيبا منه وفي المقيت سبعة أقوال \r\n أحدها أنه المقتدر قال أحيحة بن الجلاح ... وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا ","part":2,"page":150},{"id":684,"text":" وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وابن جرير والسدي وابن زيد والفراء وأبو عبيد وابن قتيبة والخطابي \r\n والثاني أنه الحفيظ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة والزجاج وقال هو بالحفيظ أشبه لأنه مشتق من القوت يقال قت الرجل أقوته قوتا إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته والقوت اسم الشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه على قدر الحفظ فمعنى المقيت الحافظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ قال الشاعر ... ألي الفضل أم علي إذا حو ... سبت إني على الحساب مقيت ... \r\n والثالث أنه الشهيد رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد واختاره أبو سليمان الدمشقي والرابع أنه الحسيب رواه خصيف عن مجاهد والخامس الرقيب رواه أبو شيبة عن عطاء والسادس الدائم رواه ابن جريج عن عبدالله بن كثير والسابع أنه معطي القوت قاله مقاتل بن سليمان وقال الخطابي المقيت يكون بمعنى معطي القوت قال الفراء يقال قاته وأقاته ","part":2,"page":151},{"id":685,"text":" وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا \r\n قوله تعالى وإذا حييتم بتحية في التحية قولان \r\n أحدهما أنها السلام قاله ابن عباس والجمهور والثاني الدعاء ذكره ابن جرير والماوردي فأما أحسن منها فهو الزيادة عليها وردها قول مثلها قال الحسن إذا قال أخوك المسلم السلام عليكم فرد السلام وزد ورحمة الله أو رد ما قال ولا تزد وقال الضحاك إذا قال السلام عليك قلت وعليكم السلام ورحمة الله وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله قلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وهذا منتهى السلام وقال قتادة بأحسن منها للمسلم أو ردوها على أهل الكتاب الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا \r\n قوله تعالى الله لا إله إلا هو قال مقاتل نزلت في الذين شكوا في البعث قال الزجاج وللام في ليجمعنكم لام القسم كقولك والله ليجمعنكم قال وجائز أن تكون سميت القيامة لقيام الناس من قبورهم وجائز أن تكون لقيامهم للحساب \r\n قوله تعالى ومن أصدق من الله حديثا إنما وصف نفسه بهذا لأن جميع الخلق يجوز عليهم الكذب ويستحيل في حقه فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا \r\n قوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين في سبب نزولها سبعة أقوال ","part":2,"page":152},{"id":686,"text":" أحدها أن قوما أسلموا فأصابهم وباء بالمدينة وحماها فخرجوا فاستقبلتهم نفر من المسلمين فقالوا ما لكم خرجتم قالوا أصابنا وباء بالمدينة واجتويناها فقالوا أما لكم في رسول الله أسوة فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا فنزلت هذه الآية رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما خرج إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه فافترق فيهم أصحاب رسول الله ففرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا نقتلهم فنزلت هذه الآية هذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت \r\n والثالث أن قوما كانوا بمكة تكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين ","part":2,"page":153},{"id":687,"text":" فخرجوا من مكة لحاجة لهم فقال قوم من المسلمين اخرجوا إليهم فاقتلوهم فانهم يظاهرون عدوكم وقال قوم كيف نقتلهم وقد تكلموا بمثل ما تكلمنا به فنزلت هذه الآية رواه عطية عن ابن عباس \r\n والرابع أن قوما قدموا المدينة فأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك فنزلت هذه الآية هذا قول الحسن ومجاهد \r\n والخامس أن قوما أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة فاختلف المؤمنون فيهم فنزلت هذه الآية وهذا قول الضحاك \r\n والسادس أن قوما من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة فقالوا للمؤمنين إنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة فلعلنا نخرج فنتماثل فانا كنا أصحاب بادية فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية هذا قول السدي \r\n والسابع أنها نزلت في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم وهذا قول ابن زيد \r\n وقوله تعالى فما لكم خطاب للمؤمنين والمعنى أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم والفئة الفرقة وفي معنى أركسهم أربعة أقوال \r\n أحدها ردهم رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن قتيبة ركست ","part":2,"page":154},{"id":688,"text":" الشيء وأركسته لغتان أي نكسهم وردهم في كفرهم وهذا قول الفراء والزجاج \r\n والثاني أوقعهم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث أهلكهم قاله قتادة والرابع أضلهم قاله السدي \r\n فأما الذي كسبوا فهو كفرهم وارتدادهم قال أبو سليمان إنما قال أتريدون أن تهدوا من أضل الله لأن قوما من المؤمنين قالوا إخواننا وتكلموا بكلمتنا \r\n قوله تعالى فلن تجد له سبيلا فيه قولان أحدهما إلى الحجة قاله الزجاج والثاني إلى الهدى قاله أبو سليمان الدمشقي ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا \r\n قوله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا أخبر الله عز و جل المؤمنين بما في ضمائر تلك الطائفة لئلا يحسنوا الظن بهم ولايجادلوا عنهم وليعتقدوا عداوتهم \r\n قوله تعالى فلا تتخذوا منهم أولياء أي لا توالوهم فانهم أعداء لكم حتى يهاجروا أي يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال ابن عباس فان تولوا عن الهجرة ","part":2,"page":155},{"id":689,"text":" والتوحيد فخذوهم أي ائسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل والحرم \r\n فصل قال القاضي أبو يعلى كانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة وقال الحسن \r\n فرض الهجرة باق واعلم أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب من تجب عليه وهو الذي لا يقدر على إظهار الإسلام في دار الحرب خوفا على نفسه وهو قادر على الهجرة فتجب عليه لقوله ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها والثاني من لا تجب عليه بل تستحب له وهو من كان قادرا على إظهار دينه في دار الحرب والثالث من لا تستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر على إظهار دينه ولا على الحركة كالشيخ الفاني والزمن فلم تستحب له للحوق المشقة إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ","part":2,"page":156},{"id":690,"text":" قوله تعالى إلا الذين يصلون هذا الاستثناء راجع إلى القتل لا إلى الموالاة \r\n وفي يصلون قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى يتصلون ويلجؤون قال ابن عباس كان هلال بن عويمر الأسلمي وادع رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه فكان من وصل إلى هلال من قومه وغيرهم فلهم من الجوار مثل ما لهلال \r\n والثاني أنه بمعنى ينتسبون قاله ابن قتيبة وأنشد ... إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم ... \r\n يريد إذا انتسبت قالت أبكرا أي يا آل بكر ","part":2,"page":157},{"id":691,"text":" وفي القوم المذكورين أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم بنو بكر بن زيد مناة قاله ابن عباس والثاني أنهم هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك وخزيمة بن عامر بن عبد مناف قاله عكرمة والثالث أنهم بنو مدلج قاله الحسن والرابع خزاعة وبنو مدلج قاله مقاتل قال ابن عباس والميثاق العهد ","part":2,"page":158},{"id":692,"text":" قوله تعالى أو جاؤوكم فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه أو يصلون إلى قوم جاؤوكم قاله الزجاج في جماعة \r\n والثاني أنه يعود إلى المطلوبين للقتل فتقديره أو رجعوا فدخلوا فيكم وهو بمعنى قول السدي \r\n قوله تعالى حصرت صدورهم فيه قولان أحدهما أن فيه إضمار قد \r\n والثاني أنه خبر بعد خبر فقوله جاؤوكم خبر قد تم وحصرت خبر مستأنف حكاهما الزجاج وقرأ الحسن ويعقوب والمفضل عن عاصم حصرة صدورهم على الحال وحصرت ضاقت ومعنى الكلام ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم أو يقاتلوا قومهم يعني قريشا \r\n قال مجاهد هلال بن عويمر هو الذي حصر صدره أن يقاتلكم أو يقاتل قومه \r\n قوله تعالى ولو شاء الله لسلطهم عليكم قال الزجاج أخبر أنه إنما كفهم بالرعب الذي قذف في قلوبهم وفي السلم قولان أحدهما أنه الإسلام قاله الحسن والثاني الصلح قاله الربيع ومقاتل \r\n فصل \r\n قال جماعة من المفسرين معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه الآية منسوخة بآية السيف قال القاضي أبو يعلى لما أعز الله الإسلام أمروا أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف ","part":2,"page":159},{"id":693,"text":" ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا \r\n قوله تعالى ستجدون آخرين اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أسد وغطفان كانوا قد تكلموا بالإسلام ليأمنوا المؤمنين بكلمتهم ويأمنوا قومهم بكفرهم رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في بني عبد الدار رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في قوم أرادوا أخذ الأمان من النبي صلى الله عليه و سلم وقالوا لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا قاله قتادة \r\n والرابع أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين والمشركين فينقل الحديث بين النبي عليه السلام وبينهم ثم أسلم نعيم هذا قول السدي ومعنى الآية ستجدون قوما يظهرون الموافقة لكم ولقومهم ليأمنوا الفريقين كلما دعوا إلى الشرك عادوا فيه فان لم يعتزلوكم في القتال ويلقوا إليكم الصلح و يكفوا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أي ائسروهم واقتلوهم حيث أدركتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم حجة بينة في قتلهم ","part":2,"page":160},{"id":694,"text":" فصل \r\n قال أهل التفسير والكف عن هؤلاء المذكورين في هذه الآية منسوخ بآية السيف وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما \r\n قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن عياش بن أبي ربيعة أسلم بمكة قبل هجرة رسول الله ثم خاف أن يظهر إسلامه لقومه فخرج إلى المدينة فقالت أمه لابنيها أبي جهل والحارث ابني هشام وهما أخواه لأمه والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعام ولا شرابا حتى تأتياني به فخرجا في طلبه ومعهما الحارث بن زيد حتى أتوا عياشا وهو متحصن في أطم فقالوا له انزل فان أمك لم يؤوها سقف ولو تذق طعاما ولا شرابا ولك علينا أن لا نحول بينك وبين دينك فنزل فأوثقوه وجلده كل واحد منهم مائة جلدة فقدموا به على أمه فقالت والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر فطرح موثقا في الشمس حتى أعطاهم ما أرادوا فقال ","part":2,"page":161},{"id":695,"text":" له الحارث بن زيد يا عياش لئن كان ما كنت عليه هدى لقد تركته وإن كان ضلالا لقد ركبته فغضب وقال والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك ثم أفلت عياش بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة ثم أسلم الحارث بعده وهاجر ولم يعلم عياش فلقيه يوما فقتله فقيل له إنه قد أسلم فجاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره بما كان وقال لم أشعر باسلامه فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول سعيد بن جبير والسدي والجمهور \r\n والثاني أن أبا الدرداء قتل رجلا قال لا إله إلا الله في بعض السرايا ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر له ما صنع فنزلت هذه الآية هذا قول ابن زيد \r\n قال الزجاج معنى الآية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة والاستثناء ليس من الأول وإنما المعنى إلا أن يخطئ المؤمن وروى أبو عبيدة عن يونس أنه سأل رؤبة عن هذه الآية فقال ليس له أن يقتله عمدا ولا خطأ ولكنه أقام إلا مقام الواو قال الشاعر ... وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ","part":2,"page":162},{"id":696,"text":" أراد والفرقدان وقال بعض أهل المعاني تقدير الآية لكن قد يقتله خطأ وليس ذلك فيما جعل الله له لأن الخطأ لا تصح فيه الإباحة ولا النهي وقيل إنما وقع الاستثناء على ما تضمنته الآية من استحقاق الاثم وإيجاب القتل \r\n قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة قال سعيد بن جبير عتق الرقبة واجب على القاتل في ماله واختلفوا في عتق الغلام الذي لا يصح منه فعل الصلاة والصيام فروي عن أحمد جوازه وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وهذا قول عطاء ومجاهد وروي عن أحمد لا يجزئ إلا من صام وصلى وهو قول ابن عباس في رواية والحسن والشعبي وإبراهيم وقتادة \r\n قوله تعالى ودية مسلمة إلى أهله قال القاضي أبو يعلى ليس في هذه الآية بيان من تلزمه هذه الدية واتفق الفقهاء على أنها عاقلة القاتل تحملها عنه على طريق المواساة وتلزم العاقلة في ثلاث سنين كل سنة ثلثها والعاقلة العصبات من ذوي الأنساب ولا يلزم الجاني منها شيء وقال أبو حنيفة هو كواحد من العاقلة ","part":2,"page":163},{"id":697,"text":" وللنفس ستة أبدال من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة وفي الحلل روايتان عن أحمد إحداهما أنها أصل فتكون مائتا حلة فهذه دية الذكر الحر المسلم ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك \r\n قوله تعالى إلا أن يصدقوا قال سعيد بن جبير إلا أن يتصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل \r\n قوله تعالى فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فيه قولان ","part":2,"page":164},{"id":698,"text":" أحدهما أن معناه وإن كان المقتول خطأ من قوم كفار ففيه تحرير رقبة من غير دية لأن أهل ميراثه كفار \r\n والثاني وإن كان مقيما بين قومه فقتله من لا يعلم بايمانه فعليه تحرير رقبة ولا دية لأنه ضيع نفسه باقامته مع الكفار والقولان مرويان عن ابن عباس وبالأول قال النخعي وبالثاني سعيد بن جبير وعلى الأول تكون من للتبعيض وعلى الثاني تكون بمعنى في \r\n قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فيه قولان \r\n أحدهما أنه الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ فيجب على قاتله الدية والكفارة هذا قول ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري وأبي حنيفة والشافعي ولأصحابنا تفصيل في مقدار ما يجب من الدية \r\n والثاني أنه المؤمن يقتل وقومه مشركون ولهم عقد فديته لقومه وميراثه للمسلمين هذا قول النخعي \r\n قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين اختلفوا هل هذا الصيام بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها أو بدل من الرقبة والدية فقال الجمهور عن الرقبة وحدها وقال مسروق ومجاهد وابن سيرين عنهما واتفق العلماء على ","part":2,"page":165},{"id":699,"text":" أنه إذا تخلل صوم الشهرين إفطار لغير عذر فعليه الابتداء فأما إذا تخللها المرض أو الحيض فعندنا لا ينقطع التتابع وبه قال مالك وقال أبو حنيفة المرض يقطع والحيض لا يقطع وفرق بينهما بأنه يمكن في العادة صوم شهرين بلا مرض ولا يمكن ذلك في الحيض وعندنا أنها معذورة في الموضعين \r\n قوله تعالى توبة من الله قال الزجاج معناه فعل الله ذلك توبة منه \r\n قوله وكان الله عليما أي لم يزل عليما بما يصلح خلقه من التكليف حكيما فيما يقضي بينهم ويدبره في أمورهم ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما \r\n قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا سبب نزولها أن مقيس بن صبابة وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلا في بني النجار وكان مسلما فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فأرسل رسول الله رسولا من بني فهر فقال له إيت بني النجار فأقرئهم مني السلام وقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى مقيس بن صبابة وإن لم تعلموا له قاتلا فادفعوا إليه ديته فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نعطي ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فأتى الشيطان مقيس بن صبابة فقال تقبل دية أخيك فيكون عليك سبة ما بقيت اقتل الذي معك مكان أخيك وافضل بالدية فرما الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى مكة وهو يقول ... قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع ... وأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأصنام أول راجع ","part":2,"page":166},{"id":700,"text":" فنزلت هذه الآية ثم أهدر النبي صلى الله عليه و سلم دمه يوم الفتح فقتل رواه أبو صالح عن ابن عباس وفي قوله متعمدا قولان أحدهما متعمدا لأجل أنه مؤمن قاله سعيد بن جبير والثاني متعمدا لقتله ذكره بعض المفسرين وفي قوله فجزاؤه جهنم قولان أحدهما أنها جزاؤه قطعا والثاني أنها جزاؤه إن جازاه واختلف العلماء هل للمؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا توبة أم لا فذهب الأكثرون إلى أن له توبة وذهب ابن عباس إلى أنه لا توبة له ","part":2,"page":167},{"id":701,"text":" فصل \r\n اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة فقال قوم هي محكمة واحتجوا بأنها خبر والأخبار لا تحتمل النسخ ثم افترق هؤلاء فرقتين إحداهما قالت هي على ظاهرها وقاتل المؤمن مخلد في النار والفرقة الثانية قالت هي عامة قد دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر ثم اسلم الكافر انهدرت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة فاذا ثبت كونها من العام المخصص فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به ومن أسباب التخصيص ان يكون قتله مستحلا فيستحق الخلود لاستحلاله وقال قوم هي مخصوصة في حق من لم يتب واستدلوا بقوله تعالى في الفرقان إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما الفرقان 70 وقال آخرون هي منسوخة بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 48 ","part":2,"page":168},{"id":702,"text":" يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال أشهد أن لا إله إلا الله فأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه أقتلت رجلا يشهد أن لا إله إلا الله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فلما قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم قالوا ","part":2,"page":169},{"id":703,"text":" يا رسول الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال ادعوا لي المقداد فقال يا مقداد أقتلت رجلا قال لا إله إلا الله فكيف لك ب لا إله إلا الله غدا \r\n قال فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمقداد كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا من بني سليم مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه غنم فسلم فقالوا ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منا فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس ","part":2,"page":170},{"id":704,"text":" والثالث أن قوما من أهل مكة سمعوا بسرية لرسول الله أنها تريدهم فهربوا وأقام رجل منهم كان قد أسلم يقال له مرداس وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة فلما رأى مرداس الخيل كبر ونزل إليهم فسلم عليهم فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذلك وجدا شديدا ونزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال السدي كان أسامة أمير السرية \r\n والرابع أن رسول الله بعث أبا حدرد الأسلمي وأبا قتادة ومحلم بن جثامة في سرية إلى إضم فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي فحياهم بتحية الإسلام فحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيرا وسقاء فلما قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم أخبروه فقال أقتلته بعد ما قال آمنت ونزلت هذه الآية رواه ابن أبي حدرد عن أبيه \r\n فأما التفسير فقوله إذا ضربتم في سبيل الله أي سرتم وغزوتم \r\n وقوله فتبينوا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر فتبينوا بالنون من التبيين للأمر قبل الإقدام عليه وقرأ حمزة والكسائي وخلف ","part":2,"page":171},{"id":705,"text":" فتثبتوا بالثاء من الثبات وترك الاستعجال وكذلك قرؤوا في الحجرات \r\n قوله تعالى لمن ألقى إليكم السلام قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر وحفص عن عاصم والكسائي السلام بالألف مع فتح السين قال الزجاج يجوز أن يكون بمعنى التسليم ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وخلف وجبلة عن المفضل عن عاصم السلم بفتح السين واللام من غير ألف وهو من الاستسلام وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف والسلم الصلح وقرأ الجمهور لست مؤمنا بكسر الميم وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأبو جعفر بفتح الميم من الأمان \r\n قوله تعالى تبتغون عرض الحياة الدنيا وعرضها ما فيها من مال قل أو كثر قال المفسرون والمراد به ما غنموه من الرجل الذي قتلوه \r\n قوله تعالى فعند الله مغانم كثيرة فيه قولان \r\n أحدهما أنه ثواب الجنة قاله مقاتل \r\n والثاني أنها أبواب الرزق في الدنيا قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى كذلك كنتم من قبل فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة فلا تخيفوا من قالها رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني كذلك كنتم تخفون إيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إيمانه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث كذلك كنتم من قبل مشركين قاله مسروق وقتادة وابن زيد ","part":2,"page":172},{"id":706,"text":" قوله تعالى فمن الله عليكم في الذي من به أربعة أقوال \r\n أحدها الهجرة قاله ابن عباس والثاني إعلان الإيمان قاله سعيد بن جبير والثالث الإسلام قاله قتادة ومسروق والرابع التوبة على الذي قتل ذلك الرجل قاله السدي \r\n قوله تعالى فتبينوا تأكيد للأول لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما \r\n قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين قال أبو سليمان الدمشقي نزلت هذه الآية من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود \r\n وقال زيد بن ثابت إني لقاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ غشيته السكينة ثم سري عنه فقال اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون الآية فقام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد فوالله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله السكينة ثم سري عنه فقال اقرأ فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فقال النبي صلى الله عليه و سلم غير أولي الضرر فألحقها ","part":2,"page":173},{"id":707,"text":" قوله تعالى لا يستوي القاعدون يعني عن الجهاد والمعنى أن المجاهد أفضل قال ابن عباس وأريد بهذا الجهاد غزوة بدر وقال مقاتل غزاة تبوك \r\n قوله تعالى غير أولي الضرر قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة غير برفع الراء وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وخلف والمفضل بنصبها قال أبو علي من رفع الراء جعل غير صفة للقاعدين ومن نصبها جعلها استثناء من القاعدين وفي الضرر قولان \r\n أحدهما أنه العجز بالزمانة والمرض ونحوهما قال ابن عباس هم قوم كانت تحبسهم عن الغزاة أمراض وأوجاع وقال ابن جبير وابن قتيبة هم أولو الزمانة وقال الزجاج الضرر أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا \r\n والثاني أنه العذر رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة في هؤلاء القاعدين قولان \r\n أحدهما أنهم القاعدون بالضرر قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني القاعدون من غير ضرر قاله أبو سليمان الدمشقي قال ابن جرير والدرجة الفضيلة فأما الحسنى فهي الجنة في قول الجماعة ","part":2,"page":174},{"id":708,"text":" قوله تعالى وفضل الله المجاهدين على القاعدين قال ابن عباس القاعدون هاهنا غير أولي الضرر وقال سعيد بن جبير هم الذين لا عذر لهم درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى درجات منه قال الزجاج درجات في موضع نصب بدلا من قوله أجرا عظيما وهو مفسر للأجر وفي المراد بالدرجات قولان \r\n أحدهما أنها درجات الجنة قال ابن محيريز الدرجات سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة وإلى نحوه ذهب مقاتل \r\n والثاني أن معنى الدرجات الفضائل قاله سعيد بن جبير قال قتادة كان يقال الإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة \r\n وقال ابن زيد الدرجات هي السبع التي ذكرها الله تعالى في براءة حين قال ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ إلى قوله ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم التوبة 120 121 ","part":2,"page":175},{"id":709,"text":" فان قيل ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في أول الكلام درجة وفي آخره درجات فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الدرجة الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر منزلة والدرجات تفضيل المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر منازل كثيرة وهذا معنى قول ابن عباس \r\n والثاني أن الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم والدرجات منازل الجنة ذكره القاضي أبو يعلى إن الذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأوههم جهنم وسآءت مصيرا \r\n قوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن أناسا كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فلما خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى بدر لم تدع قريش أحدا إلا أخرجوه معهم فقتل أولئك الذين أقروا بالإسلام فنزلت فيهم هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وقال قتادة نزلت في أناس تكلموا بالإسلام فخرجوا مع أبي جهل فقتلوا يوم بدر واعتذروا بغير عذر فأبى الله أن يقبل منهم ","part":2,"page":176},{"id":710,"text":" والثاني أن قوما نافقوا يوم بدر وارتابوا وقالوا غر هؤلاء دينهم وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا فنزلت فيهم هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يخرجوا معه فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي ضربت الملائكة وجهه ودبره رواه العوفي عن ابن عباس وفي التوفي قولان \r\n أحدهما أنه قبض الأرواح بالموت قاله ابن عباس ومقاتل والثاني الحشر إلى النار قاله الحسن قال مقاتل والمراد بالملائكة ملك الموت وحده \r\n وقال في موضع آخر ملك الموت وأعوانه وهم ستة ثلاثة يلون أرواح المؤمنين وثلاثة يلون أرواح الكفار قال الزجاج ظالمي أنفسهم نصب على الحال ","part":2,"page":177},{"id":711,"text":" والمعنى تتوفاهم في حال ظلمهم أنفسهم والأصل ظالمين لأن النون حذفت استخفافا فأما ظلمهم لأنفسهم فيحتمل على ما ذكر في قصتهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه ترك الهجرة والثاني رجوعهم إلى الكفر والثالث الشك بعد اليقين والرابع إعانة المشركين \r\n قوله تعالى فيم كنتم قال الزجاج هو سؤال توبيخ والمعنى كنتم في المشركين أو في المسلمين \r\n قوله تعالى قالوا كنا مستضعفين في الأرض قال مقاتل كنا مقهورين في أرض مكة لا نستطيع أن نذكر الإيمان قالت الملائكة ألم تكن أرض الله واسعة يعني المدينة فتهاجروا فيها يعني إليها وقول الملائكة لهم يدل على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا \r\n قوله تعالى إلا المستضعفين سبب نزولها أن المسلمين قالوا في حق المستضعفين من المسلمين بمكة هؤلاء بمنزلة الذين قتلوا ببدر فنزلت هذه الآية قاله مجاهد قال الزجاج المستضعفين نصب على الاستثناء من قوله مأواهم جهنم قال أبو سليمان المستضعفون ذوو الأسنان والنساء والصبيان \r\n قوله تعالى لا يستطيعون حيلة أي لا يقدرون على حيلة في الخروج من مكة ولا على نفقة ولا قوة \r\n وفيقوله تعالى ولا يهتدون سبيلا قولان ","part":2,"page":178},{"id":712,"text":" أحدهما أنهم لا يعرفون الطريق إلى المدينة قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد \r\n والثاني أنهم لا يعرفون طريقا يتوجهون إليه فان خرجوا هلكوا قاله ابن زيد وفي عسى قولان أحدهما أنها بمعنى الإيجاب قاله الحسن والثاني أنها بمعنى الترجي فالمعنى أنهم يرجون العفو قاله الزجاج ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة قال سعيد بن جبير ومجاهد متزحزحا عما يكره وقال ابن قتيبة المراغم والمهاجر واحد يقال راغمت وهاجرت وأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما أي مغاضبا لهم ومهاجرا أي مقاطعا من الهجران فقيل للمذهب مراغم وللمصير إلى النبي عليه السلام هجرة لأنها كانت بهجرة الرجل قومه قال الجعدي عزيز المراغم والمذهب \r\n وفي السعة قولان أحدهما أنها السعة في الزرق قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني التمكن من إظهار الدين قاله قتادة \r\n قوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله اتفقوا على أنه ","part":2,"page":179},{"id":713,"text":" نزل في رجل خرج مهاجرا فمات في الطريق واختلفوا فيه على ستة أقوال \r\n أحدها أنه ضمرة بن العيص وكان ضريرا موسرا فقال احملوني فحمل وهو مريض فمات عند التنعيم فنزل فيه هذا الكلام رواه سعيد بن جبير \r\n والثاني أنه العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي أمر أهله أن يحملوه على سريره فلما بلغ التنعيم مات فنزلت فيه هذه الآية رواه أبو بشر عن سعيد ابن جبير \r\n والثالث أنه ابن ضمرة الجندعي مرض فقال لبنيه أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها فقالوا أين فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة فخرجوا به فمات في الطريق فنزل فيه هذا ذكره ابن إسحاق وقال مقاتل هو جندب بن ضمرة \r\n والرابع أن اسمه سبرة فلما نزل قوله إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله مراغما كثيرا قال لأهله وهو مريض احملوني فاني ","part":2,"page":180},{"id":714,"text":" موسر ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة فلما جاوز الحرم مات فنزل فيه هذا قاله قتادة \r\n والخامس أنه رجل من بني كنانة هاجر فمات في الطريق فسخر منه قومه فقالوا لا هو بلغ ما يريد ولا أقام في أهله حتى يدفن فنزل فيه هذا قاله ابن زيد \r\n والسادس أنه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام خرج مهاجرا فمات في الطريق ذكره الزبير بن بكار وقوله وقع معناه وجب وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا \r\n قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة روى مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد قال فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر والضرب في الأرض السفر والجناح الإثم والقصر النقص والفتنة القتل وفي القصر قولان ","part":2,"page":181},{"id":715,"text":" أحدهما أنه القصر من عدد الركعات \r\n والثاني أنه القصر من حدودها وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف وليس الأمر كذلك وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه و سلم وأكثرها لم يخل عن خوف العدو وقيل إن قوله أن تقصروا من الصلاة كلام تام وقوله إن خفتم كلام مبتدأ ومعناه وإن خفتم \r\n واختلف العلماء هل صلاة المسافر ركعتين مقصورة أم لا فقال قوم ليست مقصورة وإنما فرض المسافر ذلك وهو قول ابن عمر وجابر بن ","part":2,"page":182},{"id":716,"text":" عبدالله وسعيد بن جبير والسدي وأبي حنيفة فعلى هذا القول قصر الصلاة أن تكون ركعة ولا يجوز ذلك إلا بوجود السفر والخوف لأن عند هؤلاء أن الركعتين في السفر إذا لم يكن فيه خوف تمام غير قصر واحتجوا بما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين صفا خلفه وصفا موازي العدو فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا وعن ابن عباس أنه قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة \r\n والثاني أنها مقصورة وليست بأصل وهو قول مجاهد وطاووس وأحمد والشافعي قال يعلى بن أمية قلت لعمر بن الخطاب عجبت من قصر الناس اليوم وقد أمنوا وإنما قال الله تعالى إن خفتم فقال عمر عجبت ","part":2,"page":183},{"id":717,"text":" مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \r\n فصل \r\n وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجوز له القصر في سفر المعصية فأما مدة الإقامة التي إذا نواها أتم الصلاة وإن نوى أقل منها قصر فقال أصحابنا إقامة اثنين وعشرين صلاة وقال أبو حنيفة خمسة عشر يوما وقال مالك والشافعي اربعة أيام وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ","part":2,"page":184},{"id":718,"text":" وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا \r\n قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة سبب نزولها أن المشركين لما رأوا النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قد صلوا الظهر ندموا إذ لم يكن عليهم فقال بعضهم لبعض دعوهم فان لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون العصر فاذا قاموا فشدوا عليهم فلما قاموا إلى صلاة العصر نزل جبريل بهذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى وإذا كنت فيهم خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم ولا يدل على أن الحكم مقصور عليه فهو كقوله خذ من أموالهم صدقة التوبة 103 وقال أبو يوسف لا تجوز صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه و سلم والهاء والميم من فيهم تعود على الضاربين في الأرض \r\n قوله تعالى فأقمت لهم الصلاة أي ابتدأتها فلتقم طائفة منهم معك أي لتقف ومثله وإذا أظلم عليهم قاموا البقرة 20 وليأخذوا أسلحتهم فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم الباقون قاله ابن عباس والثاني أنهم المصلون معه ذكره ابن جرير قال وهذا السلاح كالسيف يتقلده الإنسان والخنجر يشده إلى ذراعه \r\n قوله تعالى فاذا سجدوا يعني المصلين معه فليكونوا في المشار إليها قولان أحدهما أنهم طائفة التي لم تصل أمرت أن تحرس الطائفة المصلية ","part":2,"page":185},{"id":719,"text":" وهذا معنى قول ابن عباس والثاني أنهم المصلون معه أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس \r\n واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود فقال قوم إذا أتموا مع الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة ثم سلموا وانصرفوا وقد تمت صلاتهم \r\n وقال آخرون ينصرفون عن ركعة واختلف هؤلاء فقال بعضهم إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا فهي تجزئهم وقال آخرون منهم أبو حنيفة بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل وتأتي تلك الطائفة واختلفوا في الطائفة الأخرى فقال قوم إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة ثم يسلم بها وقال آخرون بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم فاذا سلم قضوا ما فاتهم وقال آخرون بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو ولا تسلم هي بل ترجع إلى وجه العدو ثم تجيء الأولى فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم وتمضي وتجيء الأخرى فتتم صلاتها وهذا مذهب أبي حنيفة ","part":2,"page":186},{"id":720,"text":" قوله تعالى وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم قال ابن عباس يريد الذين صلوا أولا وقال الزجاج يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو لأن المصلي غير مقاتل ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح لأنه أرهب للعدو وأحرى أن لا يقدموا عليهم والجناح الإثم وهو من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانبا عن القصد والمعنى أنكم إذا وضعتم أسلحتكم لم تعدلوا عن الحق \r\n قوله تعالى إن كان بكم أذى من مطر قال ابن عباس رخص لهم في وضع الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر وقال خذوا حذركم كي لا يتغفلوكم فاذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فاذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا \r\n قوله تعالى فاذا قضيتم الصلاة يعني صلاة الخوف وقضيتم بمعنى فزعتم \r\n قوله تعالى فاذكروا الله في هذا الذكر قولان \r\n أحدهما أنه الذكر لله في غير الصلاة وهذا قول ابن عباس والجمهور قالوا وهو التسبيح والتكبير والدعاء والشكر ","part":2,"page":187},{"id":721,"text":" والثاني أنه الصلاة فيكون المعنى فصلوا قياما فان لم تستطيعوا فقعودا لم تستطيعوا فعلى جنوبكم هذا قول ابن مسعود وفي المراد بالطمأنينة قولان \r\n أحدهما أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والثاني أنه الأمن بعد الخوف وهو قول السدي والزجاج وأبي سليمان الدمشقي \r\n وفي إقامة الصلاة قولان أحدهما إتمامها قاله مجاهد وقتادة والزجاج وابن قتيبة \r\n والثاني أنه إقامة ركوعها وسجودها وما يجب فيها مما قد يترك في حالة الخوف هذا قول السدي \r\n قوله تعالى كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي فرضا وفي الموقوت قولان أحدهما أنه بمعنى المفروض قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وابن والثاني أنه الموقت في أوقات معلومة وهو قول ابن مسعود وقتادة وزيد أسلم وابن قتيبة ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما \r\n قوله تعالى ولا تهنوا في ابتغاء القوم قال أهل التفسير سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر أصحابه لما انصرفوا من أحد أن يسيروا في أثر أبي سفيان وأصحابه فشكوا ما بهم من الجراحات فنزلت هذه الآية قال الزجاج ومعنى تضعفوا يقال وهن يهن إذا ضعف وكل ضعف فهو وابتغى القوم طلبهم بالحرب والقوم هاهنا الكفار إن ","part":2,"page":188},{"id":722,"text":" تكونوا تألمون أي توجعون فانهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون وأنتم مع ذلك ترجون مالا يرجون وفي هذا الرجاء قولان أحدهما أنه الأمل قاله مقاتل قال الزجاج وهو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم والثاني أنه الخوف رواه أبو صالح عن ابن عباس قال الفراء ولم يوجد الخوف بمعنى الرجاء إلا ومعه جحد فاذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف وكان الرجاء كذلك كقوله ما لكم لا ترجون لله وقارا نوح 13 وقوله لا يرجون أيام الله الجاثية 14 قال الشاعر ... لا ترتجي حين تلاقي الزائدا ... أسبعة لاقت معا أم واحدا ... \r\n وقال الهذلي ... إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل ... ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك ... ولا خفتك وأنت تريد رجوتك ","part":2,"page":189},{"id":723,"text":" قال الزجاج وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأنه أمل قد يخاف أن لا يتم فعلى القول الأول يكون المعنى ترجون النصر وإظهار دينكم والجنة وعلى الثاني تخافون من عذاب الله ما لا يخافون إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما \r\n قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة بن النعمان وكان الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتشر من خرق الجراب حتى انتهى إلى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف مالي بها علم فقال أصحابها بلى والله لقد دخل علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه فقال دفعها إلي طعمة فقال قوم طعمة إنطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وليجادل عن صاحبنا فانه بديء فأتوه فكلموه في ذلك فهم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فنزلت هذه الآيات كلها رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا من اليهود استودع طعمة بن أبيرق درعا فخانها فلما خاف اطلاعهم عليها ألقاها في دار أبو مليل الأنصاري فجادل قوم طعمة عنه وأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فسألوه أن يبرئه ويكذب اليهودي فنزلت الآيات هذا قول السدي ومقاتل ","part":2,"page":190},{"id":724,"text":" والثالث أن مشربة رفاعة بن زيد نقبت وأخذ طعامه وسلاحه فاتهم به بنو أبيرق وكانوا ثلاثة بشير ومبشر وبشر فذهب قتادة بن النعمان إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله إن أهل بيت منا فيهم جفاء نقبوا مشربة لعمي رفاعة بن زيد وأخذوا سلاحه وطعامه فقال أنظر في ذلك فذهب قوم من قوم بني أبيرق إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا يرمونهم بالسرقة وهم أهل بيت إسلام وصلاح فقال النبي لقتادة رميتهم بالسرقة على غير بينة فنزلت هذه الآيات قاله قتادة بن النعمان \r\n والكتاب القرآن والحق الحكم بالعدل لتحكم بين الناس أي لتقضي بينهم \r\n وفي قوله بما أراك الله قولان \r\n أحدهما أنه الذي علمه والذي علمه أن لا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ببرهان والثاني أنه ما يؤدي إليه اجتهاده ذكره الماوردي ","part":2,"page":191},{"id":725,"text":" قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما قال الزجاج لا تكن مخاصما ولا دافعا عن خائن واختلفوا هل خاصم عنه أم لا على قولين \r\n أحدهما أنه قام خطيبا فعذره رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه هم بذلك ولم يفعله قاله سعيد بن جبير وقتادة قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره لأن الله تعالى عاتب نبيه على مثل ذلك واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما \r\n قوله تعالى واستغفر الله في الذي أمر بالاستغفار منه قولان \r\n أحدهما أنه القيام بعذره والثاني أنه العزم على ذلك ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ","part":2,"page":192},{"id":726,"text":" قوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم أي يخونون أنفسهم فيجعلونها خائنة بارتكاب الخيانة قال عكرمة والمراد بهم طعمة بن أبيرق وقومه الذين جادلوا عنه وفي حديث العوفي عن ابن عباس قال انطلق نفر من عشيرة طعمة ليلا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن صاحبنا بديء والاستخفاء الاستتار والمعنى يستترون من الناس لئلا يطلعوا على خيانتهم وكذبهم ولا يستترون من الله وهو معهم بالعلم وكل ما فكر فيه أو خيض فيه بليل فقد بيت وجمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت قوم طعمة \r\n والذي بيتوا احتيالهم في براءة صاحبهم بالكذب وقال الزجاج هو السارق نفسه والذي بيت أنه قال أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع وأحلف أني لم أسرقها فتقبل يميني ولا تقبل يمين اليهودي ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا \r\n قوله تعالى ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم قال الزجاج ها للتنبيه وأعيدت في أوله والمعنى ها أنتم الذين جادلتم والمجادلة والجدال شدة المخاصمة والجدل شدة الفتل والكلام يعود إلى من احتج عن السارق فأما قوله عنهم فانه عائد إلى السارق وعليهم بمعنى لهم والوكيل القائم بأمر من وكله فكأنه قال من الذي يتوكل لهم منكم في خصومة ربهم ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه اختلفوا في نزولها على ثلاثة أقوال ","part":2,"page":193},{"id":727,"text":" أحدها أنها نزلت خطابا للسارق وعرضا للتوبة عليه رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال ابن زيد ومقاتل \r\n والثاني أنها للذين جادلوا عنه من قومه رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنه عنى بها كل مسيء مذنب ذكره أبو سليمان الدمشقي وإطلاقها لا يمنع أن تكون نزلت على سبب وفي هذا السوء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه السرقة والثاني الشرك والثالث أنه كل ما يأثم به وفي هذا الظلم قولان أحدهما أنه رمي البريء بالتهمة والثاني ما دون الشرك ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما \r\n قوله تعالى ومن يكسب إثما أي ومن يعمل ذنبا فانما يكسبه على نفسه يقول إنما يعود وباله عليه قاله مقاتل وهذه في طعمة أيضا ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا \r\n قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة ","part":2,"page":194},{"id":728,"text":" بقصة طعمة بن أبيرق وقد روى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله ابن أبي بن سلول إذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك \r\n وفي قوله خطيئة أو إثما أربعة أقوال \r\n أحدها أن الخطيئة يمين السارق الكاذبة والإثم سرقته الدرع ورميه اليهودي قاله ابن السائب \r\n والثاني أن الخطيئة ما بتعلق به من الذنب والإثم قذفه البريء قاله مقاتل \r\n والثالث أن الخطيئة قد تقع عن عمد وقد تقع عن خطأ والإثم يختص العمد قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي وذكر الزجاج أن الخطيئة نحو قتل الخطأ الذي يرتفع فيه الإثم \r\n والرابع أنه لما سمى الله عز و جل بعض المعاصي خطيئة وبعضها إثما أعلم أن من كسب ما يقع عليه أحد هذين الاسمين ثم قذف به بريئا فقد احتمل بهتانا ذكره الزجاج أيضا فأما قوله ثم يرم به بريئا أي يقذف بما جناه بريئا منه \r\n فان قيل الخطيئة والإثم اثنان فكيف قال به فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أنه أراد ثم يرم بهما فاكتفى باعادة الذكر على الاثم من إعادته على الخطيئة كقوله انفضوا إليها فخص التجارة والمعنى للتجارة واللهو \r\n والثاني أن الهاء تعود على الكسب فلما دل ب يكسب على الكسب كنى عنه والثالث أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإثم كأنه قال ومن يكسب ذنبا ثم يرم به ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري \r\n والرابع ان الهاء تعود على الإثم خاصة قاله ابن جرير الطبري \r\n وفي المراد بالبريء الذي قذفه هذا السارق قولان ","part":2,"page":195},{"id":729,"text":" أحدهما أنه كان يهوديا قاله ابن عباس وعكرمة وابن سيرين وقتادة وابن زيد وسماه عكرمة وقتادة زيد بن السمير \r\n والثاني أنه كان مسلما روي عن ابن عباس وقتادة بن النعمان والسدي ومقاتل واختلفوا في ذلك المسلم فقال الضحاك عن ابن عباس هو عائشة لما قذفها ابن أبي وقال قتادة بن النعمان هو لبيد بن سهل وقال السدي ومقاتل هو أبو مليل الأنصاري فأما البهتان فهو الكذب الذي يحير من عظمه يقال بهت الرجل إذا تحير قال ابن السائب فقد احتمل بهتانا برميه البريء وإثما مبينا بيمينه الكاذبة ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما \r\n قوله تعالى ولولا فضل الله عليك ورحمته في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه حيث لبسوا على النبي صلى الله عليه و سلم أمر صاحبهم هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب \r\n والثاني أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة فلم يجبهم فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك \r\n وفي المراد بفضل الله ورحمته قولان أحدهما النبوة والعصمة والثاني الإسلام والقرآن رويا عن ابن عباس ","part":2,"page":196},{"id":730,"text":" قال مقاتل لولا فضل الله عليك حيث بين لك أمر طعمة وحولك بالقرآن عن تصديق الخائن لهمت طائفة منهم أن يضلوك قال الفراء والمعنى لقد همت \r\n فان قيل كيف قال ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة وقد همت باضلاله فالجواب أنه لولا فضل الله عليك ورحمته لظهر تأثير ما هموا به فأما الطائفة فعلي رواية ابن السائب عن ابن عباس قوم طعمة وعلى رواية الضحاك وفد ثقيف \r\n وفي الإضلال قولان أحدهما التخطئة في الحكم والثاني الاستزلال عن الحق \r\n قال الزجاج وما يضلون إلا أنفسهم لأنهم يعملون عمل الضالين فيرجع الضلال إليهم فأما الكتاب فهو القرآن \r\n وفي الحكمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها القضاء بالوحي قاله ابن عباس والثاني الحلال والحرام قاله مقاتل والثالث بيان ما في الكتاب وإلهام الصواب وإلقاء صحة الجواب في الروع قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله وعلمك ما لم تكن تعلم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الشرع قاله ابن عباس ومقاتل والثاني أخبار الأولين والآخرين قاله أبو سليمان والثالث الكتاب والحكمة ذكره الماوردي \r\n وفي قوله وكان فضل الله عليك عظيما ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه المنة بالإيمان والثاني المنة بالنبوة هذان عن ابن عباس \r\n والثالث أن عام في جميع الفضل الذي خصه الله به قاله أبو سليمان لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ","part":2,"page":197},{"id":731,"text":" قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم قال ابن عباس هم قوم طعمة وقال مقاتل وكلهم يهود تناجوا في أمر طعمة وقال مجاهد هو عام في نجوى جميع الناس قال الزجاج ومعنى النجوى ما تنفرد به الجماعة أو الاثنان سرا كان أو ظاهرا ومعنى نجوت الشيء في اللغة خلصته وألقيته يقال نجوت الجلد إذا ألقيته عن البعير وغيره قال الشاعر ... فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه ... \r\n وقد نجوت فلانا إذا استنكهته قال الشاعر ... نجوت مجالدا فوجدت منه ... كريح الكلب مات قديم عهد ","part":2,"page":198},{"id":732,"text":" وأصله كله من النجوة وهو ما ارتفع من الأرض قال الشاعر يصف سيلا ... فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح ... \r\n والمراد بنجواهم ما يدبرونه بينهم من الكلام \r\n فأما قوله إلا من أمر بصدقة فيجوز أن يكون بمعنى إلا في نجوى من أمر بصدقة ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول فيكون بمعنى لكن من أمر بصدقة ففي نجواهم خير وأما قوله أمر بصدقة فالمعنى حث عليها \r\n وأما المعروف ففيه قولان ","part":2,"page":199},{"id":733,"text":" أحدهما أنه الفرض روي عن ابن عباس ومقاتل والثاني أنه عام في جميع أفعال البر وهو اختيار القاضي أبي يعلى وأبي سليمان الدمشقي ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا \r\n قوله تعالى ومن يشاقق الرسول في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه لما نزل القرآن بتكذيب طعمة وبيان ظلمه وخاف على نفسه من القطع والفضيحة هرب إلى مكة فلحق بأهل الشرك فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والسدي وقال مقاتل لما قدم مكة نزل على الحجاج بن علاط السلمي فأحسن نزله فبلغه أن في بيته ذهبا فخرج في الليل فنقب حائط البيت فعلموا به فأحاطوا البيت فلما رأوه أرادوا أن يرجموه فاستحيا الحجاج لأنه ضيفه فتركوه فخرج فلحق بحرة بني سليم يعبد صنمهم حتى مات على الشرك فنزل فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويعفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال غيره بل خرج مع تجار فسرق منهم شيئا فرموه بالحجارة حتى قتلوه وقيل ركب سفينة فسرق فيها مالا فعلم به فألقي في البحر \r\n والقول الثاني أن قوما قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلموا ثم ارتدوا فنزلت فيهم هذه الآية روي عن ابن عباس ومعنى الآية ومن يخالف الرسول في التوحيد والحدود من بعد ما تبين له التوحيد والحكم ويتبع غير دين المسلمين نوله ما تولى أي نكله إلى ما اختار لنفسه ونصله جهنم ندخله إياها ","part":2,"page":200},{"id":734,"text":" قال ابن فارس تقول صليت اللحم أصليه إذا شويته فان أردت أنك أحرقته قلت أصليته وساءت مصيرا أي مرجعا يصار إليه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا \r\n قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به في سبب نزولها قولان ","part":2,"page":201},{"id":735,"text":" أحدهما أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة ومات على الشرك وهذا قول الجمهور منهم سعيد بن جبير \r\n والثاني أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إني منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته وإني لنادم مستغفر فما حالي فنزلت هذه الآية روي عن ابن عباس فأما تفسيرها فقد تقدم إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا \r\n قوله تعالى إن يدعون من دونه إلا إناثا إن بمعنى ما ويدعون بمعنى يعبدون والهاء في دونه ترجع إلى الله عز و جل والقراءة المشهورة إناثا وقرأ سعيد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو مجلز وأبو المتوكل وأبو الجوزاء إلا وثنا بفتح الواو والثاء من غير ألف وقرأ ابن عباس وأبو رزين أنثا برفع الهمزة والنون من غير ألف وقرأ أبو العالية ومعاذ القارئ وأبو نهيك أناثا برفع الهمزة وبألف بعد الثاء وقرأ أبو السوار العدوي وأبو شيخ الهنائي أوثانا بهمزة مفتوحة بعدها واو وبألف بعد الثاء وقرأ أبو هريرة والحسن والجوني إلا أنثى على وزن فعلى وقرأ أيوب السختياني إلا وثنا برفع الواو والثاء من غير ألف وقرأ مورق العجلي أثنا برفع الهمزة والثاء من غير ألف قال الزجاج فمن قال إناثا فهو جمع أنثى وإناث ومن قال أنثا فهو جمع إناث ومن قال أثنا فهو جمع وثن والأصل وثن إلا أن الواو إذا انضمت جاز إبدالها همزة كقوله تعالى وإذا الرسل أقتت المرسلات 11 ","part":2,"page":202},{"id":736,"text":" الأصل وقتت وجائز أن يكون أثن أصلها أثن فأتبعت الضمة الضمة وجائز أن يكون أثن مثل أسد وأسد \r\n فأما المفسرون فلهم في معنى الإناث أربعة أقوال \r\n أحدها ان الإناث بمعنى الأموات قاله ابن عباس والحسن في رواية وقتادة قال الحسن كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة فهو إناث قال الزجاج والموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث تقول من ذلك الأحجار تعجبني والدراهم تنفعني \r\n والثاني أن الإناث الأوثان وهو قول عائشة ومجاهد \r\n والثالث أن الإناث اللات والعزى ومناة كلهن مؤنث وهذا قول أبي مالك وابن زيد والسدي وروى أبو رجاء عن الحسن قال لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه أنثى بني فلان فنزلت هذه الآية \r\n قال الزجاج والمعنى ما يدعون إلا ما يسمونه باسم الإناث \r\n والرابع أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بنات الله قاله الضحاك \r\n وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال \r\n أحدها شيطان يكون في الصنم قال ابن عباس في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم وقال أبي بن كعب مع كل صنم جنية \r\n والثاني أنه إبليس وعبادته طاعته فيما سول لهم هذا قول مقاتل والزجاج \r\n والثالث أنه أصنامهم التي عبدوا ذكره الماوردي فأما المريد فقال الزجاج المريد المارد وهو الخارج عن الطاعة ومعناه أنه قد مرد في الشر يقال مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة وتأويل ","part":2,"page":203},{"id":737,"text":" المرود أن يبلغ التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف وأصله في اللغة املساس الشيء ومنه قيل للانسان أمرد إذا لم يكن في وجهه شعر وكذلك يقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها وصخرة مرداء إذا كانت ملساء \r\n وفي قوله لعنة الله قولان \r\n أحدهما أنه ابتداء دعاء عليه باللعن وهو قول من قال هو الأوثان \r\n والثاني أنه إخبار عن لعن متقدم وهو قول من قال هو إبليس قال ابن جرير المعنى قد لعنه الله قاله ابن عباس معنى الكلام دحره الله وأخرجه من الجنة وقال يعني إبليس لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا وقال ابن قتيبة اي حظا افترضته لنفسي منهم فأضلهم وقال مقاتل النصيب المفروض أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار قال الزجاج الفرض في اللغة القطع والفرضة الثلمة تكون في النهر والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر والفرض فيما ألزمه الله العباد جعله حتما عليهم قاطعا \r\n ولأضلنهم ولأمنينهم ولامرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا \r\n قوله تعالى ولأضلنهم قال ابن عباس عن سبيل الهدى وقال غيره ليس له من الضلال سوى الدعاء إليه وفي قوله ولأمنينهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الكذب الذي يخبرهم به قال ابن عباس يقول لهم لا جنة ","part":2,"page":204},{"id":738,"text":" ولا نار ولا بعث والثاني أنه التسويف بالتوبة روي عن ابن عباس والثالث - أنه إيهامهم أنهم سينالون من الآخرة حظا قاله الزجاج والرابع أنه تزيين الأماني لهم قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى فليبتكن آذان الأنعام قال قتادة وعكرمة والسدي هو شق أذن البحيرة قال الزجاج ومعنى يبتكن يشققن يقال بتكت الشيء أبتكه بتكا إذا قطعته وبتكه وبتك مثل قطعه وقطع وهذا في أذن الناقة وامتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماء ولا مرعى وإذا لقيها المعيي لم يركبها سول لهم إبليس أن هذا قربة إلى الله تعالى \r\n وفي المراد بتغيير خلق الله خمسة أقوال \r\n أحدها أنه تغيير دين الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن في رواية وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والضحاك والسدي وابن زيد ومقاتل وقيل معنى تغيير الدين تحليل وتحريم الحلال \r\n والثاني أنه تغيير الخلق بالخصاء رواه عكرمة عن ابن عباس وهو مروي عن أنس بن مالك وعن مجاهد وقتادة وعكرمة كالقولين \r\n والثالث أنه التغيير بالوشم وهو قول ابن مسعود والحسن في رواية ","part":2,"page":205},{"id":739,"text":" والرابع أنه تغيير أمر الله رواه أبو شيبة عن عطاء \r\n والخامس أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة وتحريم ما حرموا من الأنعام وإنما خلق ذلك للانتفاع به قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله في المراد بالولي قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الرب قاله مقاتل \r\n والثاني من الموالاة قاله أبو سليمان الدمشقي فان قال قائل من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى قال ولأضلنهم وقال في الأعراف 17 ولا تجد أكثرهم شاكرين وقال في بني إسرائيل 62 لأحتنكن ذريته إلا قليلا فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه ظن ذلك فتحقق ظنه وذلك قوله تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه سبأ 20 قاله الحسن وابن زيد \r\n وفي سبب ذلك الظن قولان \r\n أحدهما أنه لما قال الله تعالى له لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ص 85 علم أنه ينال ما يريد والثاني أنه لما استزل آدم قال ذرية هذا أضعف منه ","part":2,"page":206},{"id":740,"text":" والثاني أن المعنى لأحرضن ولأجتهدن في ذلك لا انه كان يعلم الغيب قاله ابن الأنباري \r\n والثالث أن من الجائز أن يكون علم من جهة الملائكة بخبر من الله تعالى أن أكثر الخلق لا يشكرون ذكره الماوردي فان قيل فلم اقتصر على بعضهم فقال نصيبا مفروضا وقال ولا تجد أكثرهم شاكرين الأعراف 17 وقال إلا قليلا فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه يجوز أن يكون علم مآل الخلق من جهة الملائكة كما بينا \r\n والثاني أنه لم ينل من آدم كل ما يريد طمع في بعض أولاده وأيس من بعض \r\n والثالث انه لما عاين الجنة والنار علم أنهما خلقتا لمن يسكنهما فأشار بالنصيب المفروض إلى ساكني النار \r\n قوله تعالى يعدهم يعني الشيطان يعد أولياءه وفيما يعدهم به قولان \r\n أحدهما أنه لا بعث لهم قاله مقاتل والثاني النصرة لهم ذكره أبو سليمان الدمشقي وفيما يمنيهم قولان \r\n أحدهما الغرور والأماني مثل أن يقول سيطول عمرك وتنال من الدنيا مرادك والثاني الظفر بأولياء الله يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ","part":2,"page":207},{"id":741,"text":" قوله تعالى وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي باطلا يغرهم به فأما المحيص فقال الزجاج هو المعدل والملجأ يقال حصت عن الرجل أحيص ورووا جضت أجيض بالجيم والضاد بمعنى حصت ولا يجوز ذلك في القرآن وإن كان المعنى واحدا لأن القراءة سنة والذي في القرآن أفصح مما يجوز ويقال حصت أحوص حوصا وحياصة إذا خطت قال الأصمعي يقال حص عين صقرك أي خط عينه والحوص في العين ضيق مؤخرها ويقال وقع في حيص بيص وحاص باص إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا \r\n قوله تعالى ليس بأمانيكم في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن أهل الأديان اختصموا فقال أهل التوراة كتابنا خير الكتب ونبينا خير الأنبياء وقال أهل الإنجيل مثل ذلك وقال المسلمون كتابنا نسخ كل كتاب ونبينا خاتم الأنبياء فنزلت هذه الآية ثم خير بين ","part":2,"page":208},{"id":742,"text":" الأديان بقوله ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله رواه العوفي عن ابن عباس وإلى هذا المعنى ذهب مسروق وأبو صالح وقتادة والسدي \r\n والثاني أن العرب قالت لا نبعث ولا نعذب ولا نحاسب فنزلت هذه الآية هذا قول مجاهد \r\n والثالث أن اليهود والنصارى قالوا لا يدخل الجنة غيرنا وقالت قريش لا نبعث فنزلت هذه الآية هذا قول عكرمة \r\n قال الزجاج اسم ليس مضمر والمعنى ليس ثواب الله عز و جل بأمانيكم وقد جرى ما يدل على الثواب وهو قوله سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار وفي المشار إليهم بقوله أمانيكم قولان \r\n أحدهما أنهم المسلمون على قول الأكثرين \r\n والثاني المشركون على قول مجاهد فأما أماني المسلمين فما نقل من قولهم كتابنا ناسخ للكتب ونبينا خاتم الأنبياء وأماني المشركين قولهم لا نبعث وأماني أهل الكتاب قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وإن النار لا تمسنا إلا أياما معدودة وإن كتابنا خير الكتب ونبينا خير الأنبياء فأخبر الله عز و جل أن دخول الجنة والجزاء بالأعمال لا بالأماني وفي المراد بالسوء قولان \r\n أحدهما أنه المعاصي ومنه حديث أبي بكر الصديق أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ومن يعمل سوءا يجز به فاذا عملنا سوءا جزينا ","part":2,"page":209},{"id":743,"text":" به فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء فذلك ما تجزون به \r\n والثاني أنه الشرك قاله ابن عباس ويحيى بن أبي كثير وفي هذا الجزاء قولان أحدهما أنه عام في كل من عمل سوءا فانه يجازى به وهو معنى قول أبي بن كعب وعائشة واختاره ابن جرير واستدل عليه بحديث أبي بكر الذي قدمناه \r\n والثاني أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا فأما المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى قاله الحسن البصري وقال ابن زيد وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيآتهم ولم يعد المشركين \r\n قوله تعالى ولا يجد له من دون الله وليا قال أبو سليمان لا يجد من أراد الله أن يجزيه بشيء من عمله وليا وهو القريب ولا ناصرا يمنعه من عذاب الله وجزائه ","part":2,"page":210},{"id":744,"text":" ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا \r\n قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن قال مسروق لما نزلت ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت ومن يعمل من الصالحات الآية وهذه تدل على ارتباط الإيمان بالعمل الصالح فلا يقبل أحدهما إلا بوجود الآخر وقد سبق ذكر النقير ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا \r\n قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله قال ابن عباس خير الله بين الأديان بهذه الآية وأسلم بمعنى أخلص وفي الوجه قولان \r\n أحدهما أنه الدين والثاني العمل وفي الاحسان قولان أحدهما أنه التوحيد قاله ابن عباس والثاني القيام لله بما فرض الله قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n وفي اتباع ملة إبراهيم قولان أحدهما اتباعه على التوحيد والطاعة \r\n والثاني اتباع شريعته اختاره القاضي أبو يعلى فأما الخليل فقال ابن عباس الخليل الصفي وقال غيره المصافي وقال الزجاج هو المحب الذي ليس في محبته خلل قال وقيل الخليل الفقير فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه والخلة الصداقة لأن كل واحد يسد خلل صاحبه والخلة بفتح الخاء الحاجة سميت خلة للاختلال الذي يلحق الانسان فيما يحتاج إليه ","part":2,"page":211},{"id":745,"text":" وسمي الخل الذي يؤكل خلا لأنه اختل منه طعم الحلاوة وقال ابن الأنباري الخليل فعيل من الخلة والخلة المودة وقال بعض أهل اللغة الخليل المحب والمحب الذي ليس في محبته نقص ولا خلل والمعنى أنه كان يحب الله ويحبه الله محبة لا نقص فيها ولا خلل ويقال الخليل الفقير فالمعنى اتخذه فقيرا إليه ينزل فقره وفاقته به لا بغيره وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا قال لإطعامه الطعام \r\n والثاني أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه فلم يعطهم شيئا فقالوا لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فملؤوا الغرائر رملا ثم أتوا إبراهيم عليه السلام فأعلموه فاهتم إبراهيم لأجل الخلق فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ففتحت الغرائر فاذا دقيق حواري فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فقال من أين هذا الطعام فقالت من عند خليلك المصري فقال بل من عند خليلي الله عز و جل فيومئذ اتخذه الله خليلا رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام وجداله قومه قاله مقاتل ","part":2,"page":212},{"id":746,"text":" ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا \r\n قوله تعالى وكان الله بكل شيء محيطا أي أحاط علمه بكل شيء ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما \r\n قوله تعالى ويستفتونك في النساء في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال فلما فرض الله المواريث في هذه السورة شق ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وابن زيد \r\n والثاني أن ولي اليتيمة كان يتزوجها إذا كانت جميلة وهويها فيأكل مالها وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت فاذا ماتت ورثها فنزلت هذه ","part":2,"page":213},{"id":747,"text":" الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملك ذلك أولياؤهن فلما نزل قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة رضي الله عنها \r\n والرابع أن رجلا كانت له امرأة كبيرة وله منها أولاد فأراد طلاقها فقالت لا تفعل وأقسم لي في كل شهر إن شئت أو أكثر فقال لئن كان هذا يصلح فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر له ذلك فقال قد سمع الله ما تقول فان شاء أجابك فنزلت هذه الآية والتي بعدها رواه سالم الأفطس عن سعيد بن جبير ","part":2,"page":214},{"id":748,"text":" والخامس أن ولي اليتيمة كان إذا رغب في مالها وجمالها لم يبسط لها في صداقها فنزلت هذه الآية ونهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق ذكره القاضي أبو يعلى \r\n وقوله ويستفتونك أي يطلبون الفتوى وهي تبيين المشكل من الأحكام وقيل الاستفتاء الاستخبار قال المفسرون والذي استفتوه فيه ميراث النساء وذلك أنهم قالوا كيف ترث المرأة والصبي الصغير \r\n قوله تعالى وما يتلى عليكم في الكتاب قال الزجاج موضع ما رفع المعنى الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيهن وهو قوله وآتوا اليتامى أموالهم الآية \r\n والذي تلي عليهم في التزويج قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء النساء 3 \r\n وفي يتامى النساء قولان \r\n أحدهما أنهن النساء اليتامى فأضيفت الصفة إلى الاسم كما تقول يوم الجمعة \r\n والثاني أنهن أمهات اليتامى فأضيف إليهن أولادهن اليتامى \r\n وفي الذي كتب لهن قولان \r\n أحدهما أنه الميراث قاله ابن عباس ومجاهد في آخرين والثاني أنه الصداق ثم في المخاطب بهذا قولان ","part":2,"page":215},{"id":749,"text":" أحدهما أنهم أولياء المرأة كانوا يحوزون صداقها دونها والثاني ولي اليتيمة كان إذا تزوجها لم يعدل في صداقها وفي قوله وترغبون أن تنكحوهن قولان \r\n أحدهما وترغبون أن تنكحوهن رغبة في جمالهن وأموالهن هذا قول عائشة وعبيدة والثاني وترغبون عن نكاحهن لقبحهن فتمسكوهن رغبة في أموالهن وهذا قول الحسن \r\n قوله تعالى والمستضعفين من الولدان قال الزجاج موضع المستضعفين خفض على قوله وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء المعنى وفي الولدان قال ابن عباس يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرا من الغلمان والجواري فنهاهم الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه \r\n قوله تعالى وأن تقوموا لليتامى بالقسط قال الزجاج موضع أن خفض فالمعنى في يتامى النساء وفي أن تقوموا باليتامى بالقسط قال ابن عباس يريد العدل في مهورهن ومواريثهن وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فان الله كان بما تعملون خبيرا \r\n قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن سودة خشيت أن يطلقها رسول لله صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس ","part":2,"page":216},{"id":750,"text":" والثاني أن بنت محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج فكره منها أمرا إما كبرا وإما غيره فأراد طلاقها فقالت لا تطلقني واقسم لي ما شئت فنزلت هذه الآية رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال مقاتل واسمها خويلة \r\n والثالث قد ذكرناه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في نزول الآية التي قبلها وقالت عائشة نزلت في المرأة تكون عند الرجل فلا يستكثر منها ويريد فراقها ولعلها تكون له محبة أو يكون لها ولد فتكره فراقه فتقول له لا تطلقني وأمسكني وأنت في حل من شأني رواه البخاري ومسلم ","part":2,"page":217},{"id":751,"text":" وفي خوف النشوز قولان أحدهما أنه العلم به عند ظهوره \r\n والثاني الحذر من وجوده لأماراته قال الزجاج والنشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونفقته وقال أبو سليمان نشوزا أي نبوا عنها إلى غيرها وإعراضا عنها واشتغالا بغيرها فلا جناحا عليهما أن يصلحا بينهما قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر يصالحا بينهما بفتح الياء والتشديد والأصل يتصالحا فأدغمت التاء في الصاد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يصلحا بضم الياء والتخفيف قال المفسرون والمعنى أن يوقعا بينهما أمرا يرضيان به وتدوم بينهم الصحبة مثل أن تصبر على تفضيله وروي عن علي وابن عباس أنهما أجازا لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها بأن يجعله لغيرها وفي قوله والصلح خير قولان \r\n أحدهما خير من الفرقة قاله مقاتل والزجاج \r\n والثاني خير من النشوز والإعراض ذكره الماوردي قال قتادة متى ما رضيت بدون ما كان لها واصطلحا عليه جاز فان أبت لم يصلح أن يحبسها على الخسف \r\n قوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح أحضرت بمعنى ألزمت والشح الإفراط في الحرص على الشيء وقال ابن فارس الشح البخل مع الحرص وتشاح الرجلان على الأمر لا يريدان أن يفوتهما وفيمن يعود إليه هذا الشح من الزوجين قولان \r\n أحدهما المرأة فتقديره وأحضرت نفس المرأة الشح بحقها من زوجها هذا قاول ابن عباس وسعيد بن جبير ","part":2,"page":218},{"id":752,"text":" والثاني الزوجان جميعا فالمرأة تشح على مكانها من زوجها والرجل يشح عليها بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه هذا قول الزجاج وقال ابن زيد لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من مالها فتعطفه عليها \r\n قوله تعالى وإن تحسنوا فيه قولان \r\n أحدهما بالصبر على التي يكرهها والثاني بالإحسان إليها في عشرتها \r\n قوله تعالى وتتقوا يعني الجور عليها فان الله كان بما تعملون خبيرا فيجازيكم عليه ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فان الله كان غفورا رحيما \r\n قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء قال أهل التفسير لن تطيقوا أن تسووا بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع لأن ذلك ليس من كسبكم ولو حرصتم على ذلك فلا تميلوا إلى التي تحبون في النفقة ","part":2,"page":219},{"id":753,"text":" والقسم وقال مجاهد لا تتعمدوا الإساءة فتذروا الأخرى كالمعلقة قال ابن عباس المعلقة التي لا هي أيم ولا ذات بعل وقال قتادة المعلقة المسجونة \r\n قوله تعالى وإن تصلحوا أي بالعدل في القسمة وتتقوا الجور فان الله كان غفورا لميل القلوب وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فان لله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا \r\n قوله تعالى وإن يتفرقا يقول وإن أبت المرأة أن تسمح لزوجها بايثار التي يميل إليها واختارت الفرقة فان الله يغني كل واحد من سعته قال ابن السائب يغني المرأة برجل والرجل بامرأة ثم ذكر ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير فقال ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب وإياكم يا أهل القرآن أن اتقوا الله قيل وحدوه وإن تكفروا بما أوصاكم به فان لله ما في السموات وما في الأرض فلا يضره خلافكم وقيل له ما في السموات وما في الأرض من الملائكة فهم أطوع له منكم وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الغني الحميد وفي آل عمران معنى الوكيل إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ","part":2,"page":220},{"id":754,"text":" قوله تعالى أن يشأ يذهبكم أيها الناس قال ابن عباس يريد المشركين والمنافقين ويأت بآخرين أطوع له منكم وقال أبو سليمان هذا تهدد للكفار يقول إن يشأ يهلككم كما أهلك من قبلكم إذ كفروا به وكذبوا رسله من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا \r\n قوله تعالى من كان يريد ثواب الدنيا قيل إن هذه الآية نزلت من أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة وإنما يطلبون عاجل الدنيا ذكره أبو سليمان وقال الزجاج كان مشركو العرب يتقربون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها ولا يؤمنون بالبعث فأعلم الله عز و جل أن خير الدنيا والآخرة عنده وذكر الماوردي أن المراد بثواب الدنيا الغنيمة في الجهاد وثواب الآخرة الجنة قال والمراد بالآية حث المجاهد على قصد ثواب الله يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط في سبب نزولها قولان ","part":2,"page":221},{"id":755,"text":" أحدهما أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه و سلم فكان صغوه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت هذه الآية هذا قولا السدي \r\n والثاني أنها متعلقة بقصة ابن أبيرق فهي خطاب للذين جادلوا عنه ذكره أبو سليمان الدمشقي والقوام مبالغة من قائم والقسط العدل قال ابن عباس كونوا قوالين بالعدل في الشهادة على من كانت ولو على أنفسكم وقال الزجاج معنى الكلام قوموا بالعدل واشهدوا لله بالحق وإن كان الحق على الشاهد أو على والديه أو قريبه إن يكن المشهود له غنيا فالله أولى به وإن يكن فقيرا فالله أولى به فأما الشهادة على النفس فهي إقرار الإنسان بما عليه من حق وقد أمرت الآية بأن لا ينظر إلى فقر المشهود عليه ولا إلى غناه فان الله تعالى أولى بالنظر إليهما قال عطاء لا تحيفوا على الفقير ولا تعظموا الغني فتمسكوا عن القول فيه وممن قال إن الآية نزلت في الشهادات ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والزهري و قتادة والضحاك \r\n قوله تعالى فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن معناه فلا تتبعوا الهوى واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق قاله مقاتل \r\n والثاني ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا قاله الزجاج والثالث فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق والرابع فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى وإن تلووا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ","part":2,"page":222},{"id":756,"text":" والكسائي تلووا بواوين الأولى مضمومة واللام ساكنة \r\n وفي معنى هذه القراءة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إلى غير الحق قال ابن عباس يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها أو يعرض عنها ويتركها وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد \r\n والثاني أن يلوي الحاكم وجهه إلى بعض الخصوم أو يعرض عن بعضهم روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أن يلوي الإنسان عنقه إعراضا عن أمر الله لكبره وعتوه \r\n ويكون أو تعرضوا بمعنى وتعرضوا ذكره الماوردي وقرأ الأعمش وحمزة وابن عامر تلوا بواو واحدة واللام مضمومة والمعنى أن تلوا أمور الناس أو تتركوا فيكون الخطاب للحكام يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن عبد الله بن سلام وأسدا وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلاما وسلمة ويامين وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":223},{"id":757,"text":" فقالوا يا رسولا الله نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا فنزلت هذه الآية هذا قول مقاتل \r\n وفي المشار إليهم بقوله يا أيها الذين آمنوا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المسلمون قاله الحسن فيكون المعنى يا أيها الذين آمنوا بمحمد والقرآن اثبتوا على إيمانكم \r\n والثاني اليهود والنصارى قاله الضحاك فيكون المعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن \r\n والثالث المنافقون قاله مجاهد فيكون المعنى يا أيها الذين آمنوا في الظاهر بألسنتهم آمنوا بقلوبكم \r\n قوله تعالى والكتاب الذي نزل على رسوله قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل مضمومتين \r\n وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل مفتوحتين والمراد بالكتاب الذي نزل على رسوله القرآن والكتاب الذي أنزل من قبل كل كتاب أنزل قبل القرآن فيكون الكتاب هاهنا اسم جنس إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ","part":2,"page":224},{"id":758,"text":" قوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها في اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا بعد موسى ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعده بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه و سلم هذا قول ابن عباس وروي عن قتادة قال آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل ثم آمنوا به بعد عوده ثم كفروا بعده بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد \r\n والثاني أنها في اليهود والنصارى آمن اليهود بالتوراة وكفروا بالإنجيل وآمن النصارى بالإنجيل ثم تركوه فكفروا به ثم ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد رواه شيبان عن قتادة وروي عن الحسن قال هم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون بالإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفرا بثبوتهم على دينهم وقال مقاتل آمنوا بالتوراة وموسى ثم كفروا من بعد موسى ثم آمنوا بعيسى والإنجيل ثم كفروا من بعده ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن \r\n والثالث أنها في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم قاله مجاهد وروى ابن جريج عن مجاهد ثم ازدادوا كفرا قال ثبتوا عليه حتى ماتوا قال ابن عباس لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك ولا ليهديهم سبيلا أي لا يجعلهم بكفرهم مهتدين قال وإنما علق امتناع المغفرة بكفر بعد كفر لأن المؤمن بعد الكفر يغفر له كفره فاذا ارتد طولب بالكفر الأول بشر المنافقين بان لهم عذابا أليما \r\n قوله تعالى بشر المنافقين زعم مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في سورة ","part":2,"page":225},{"id":759,"text":" الفتح للنبي والمؤمنين قال عبد الله بن أبي ونفر معه فما لنا فنزلت هذه الآية \r\n وقال غيره كان المنافقون يتولون اليهود فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب وقال الزجاج معنى الآية اجعل موضع بشارتهم العذاب والعرب تقول تحيتك الضرب أي هذا بدل لك من التحية قال الشاعر ... وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع ... \r\n الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا \r\n قوله تعالى الذين يتخذون الكافرين أولياء قال ابن عباس يتخذون اليهود أولياء في العون والنصرة \r\n قوله تعالى أيبتغون عندهم العزة أي القوة بالظهور على محمد وأصحابه والمعنى أيتقون بهم قال مقاتل وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الزجاج أيبتغي المنافقون عند الكافرين العزة ","part":2,"page":226},{"id":760,"text":" والعزة المنعة وشدة الغلبة وهو مأخوذ من قولهم ارض عزاز قال الأصمعي العزاز الأرض التي لا تنبت فتأويل العزة الغلبة والشدة التي لا يتعلق بها إذلال قالت الخنساء ... كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا ... \r\n أي من قوي وغلب سلب ويقال قد استعز على المريض أي اشتد وجعه وكذلك قول الناس يعز علي أن يفعل أي يشتد وقولهم قد عز الشيء إذا لم يوجد معناه صعب أن يوجد والباب واحد ","part":2,"page":227},{"id":761,"text":" وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا \r\n قوله تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب وقرأ عاصم ويعقوب نزل بفتح النون والزاي قال المفسرون الذي نزل عليهم في النهي عن مجالستهم قوله في الأنعام 68 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله المسلمين عن مجالستهم وآيات الله هي القرآن والمعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها فلا تقعدوا معهم حتى يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء إنكم إن جالستموهم على ما هم عليه من ذلك فأنتم مثلهم وفي ماذا تقع الممماثلة فيه قولان \r\n أحدهما في العصيان والثاني في الرضى بحالهم لأن مجالس الكافر غير كافر وقد نبهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة قال إبراهيم النخعي إن ","part":2,"page":228},{"id":762,"text":" الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة فيرضي الله بها فتصيبه الرحمة فتعم من حوله وإن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة فيسخط الله بها فيصيبه السخط فيعم من حوله الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا \r\n قوله تعالى الذين يتربصون بكم قال أبو سليمان هذه الآية نزلت في المنافقين خاصة قال مقاتل كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائر فان كان الفتح قالوا ألم نكن معكم فاعطونا من الغنيمة وإن كان للكافرين نصيب أي دولة على المؤمنين قالوا للكفار ألم نستحوذ عليكم قال المبرد ومعنى ألم نستحوذ عليكم ألم نغلبكم على رأيكم وقال الزجاج ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم ونستحوذ في اللغة بمعنى نستولي يقال حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها وجمعتها وقال غيره ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة وقال ابن جريج ألم نبين لكم أنا على دينكم وفي قوله ونمنعكم من المؤمنين ثلاثة أقوال \r\n أحدها نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم والثاني بما نعلمكم من أخبارهم \r\n والثالث بصرفنا إياكم عن الدخول في الإيمان ومراد الكلام إظهار المنة من المنافقين على الكفار أي فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم ","part":2,"page":229},{"id":763,"text":" قوله تعالى فالله يحكم بينكم يوم القيامة يعني المؤمنين والمنافقين قال ابن عباس يريد أنه أخر عقاب المنافقين \r\n قوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة روى يسيع الحضرمي عن علي بن أبي طالب أن رجلا جاءه فقال أرأيت قول الله عز و جل ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون فقال ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا هذا مروي عن ابن عباس وقتادة \r\n والثاني أن المراذ بالسبيل الظهور عليهم يعني أن المؤمنين هم الظاهرون والعاقبة لهم وهذا المعنى في رواية عكرمة عن ابن عباس والثالث أن السبيل الحجة قال السدي لم يجعل الله عليهم حجة يعني فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار قال ابن جرير لما وعد الله المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ولا المؤمنين مدخل المنافقين لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم أنتم كنتم أعداءنا وكان المنافقون أولياءنا وقد اجتمعتم في النار ","part":2,"page":230},{"id":764,"text":" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا \r\n قوله تعالى إن المنافقين يخادعون الله أي يعملون عمل المخادع وقيل يخادعون نبيه وهو خادعهم أي مجازيهم على خداعهم وقال الزجاج لما أمر بقبول ما أظهروا كان خادعا لهم بذلك وقيل خداعه إياهم يكون في القيامة باطفاء نورهم وقد شرحنا طرفا من هذا في البقرة \r\n قوله تعالى وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى أي متثاقلين وكسالى جمع كسلان والكسل التثاقل عن الأمر وقرأ أبو عمران الجوني كسلى بفتح الكاف وقرأ ابن السميفع كسلى بفتح الكاف من غير ألف وإنما كانوا هكذا لأنهم يصلون حذرا على دمائهم لا يرجون بفعلها ثوابا ولا يخافون بتركها عقابا ","part":2,"page":231},{"id":765,"text":" قوله تعالى يراؤون الناس أي يصلون ليراهم الناس قال قتادة والله لولا الناس ما صلى المنافق وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه سمي قليلا لأنه غير مقبول قاله علي رضي الله عنه وقتادة \r\n والثاني لأنه رياء ولو كان لله لكان كثيرا قاله ابن عباس والحسن \r\n والثالث أنه قليل في نفسه لأنهم يقتصرون على ما يظهر دون ما يخفى من القراءة والتسبيح ذكره الماوردي مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا \r\n قوله تعالى مذبذبين بين ذلك المذبذب المتردد بين أمرين وأصل التذبذب التحرك والاضطراب وهذه صفة المنافق لأنه محير في دينه لا يرجع إلى اعتقاد صحيح قال قتادة ليسوا بالمشركين المصرحين بالشرك ولا بالمؤمنين المخلصين قال ابن زيد ومعنى بين ذلك بين الاسلام والكفر لم يظهروا الكفر فيكونوا إلى الكفار ولم يصدقوا الإيمان فيكونوا إلى المؤمنين قال ابن عباس ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا إلى الهدى وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيها تتبع ","part":2,"page":232},{"id":766,"text":" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا \r\n قوله تعالى لا تتخذوا الكافرين أولياء في المراد بالكافرين قولان \r\n أحدهما اليهود قاله ابن عباس \r\n والثاني المنافقون قال الزجاج ومعنى الآية لا تجعلوهم بطانتكم وخاصتكم \r\n والسلطان الحجة الظاهرة وإنما قيل للأمير سلطان لأنه حجة الله في أرضه واشتقاق السلطان من السليط والسليط ما يستضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط والعرب تؤنث السلطان وتذكره تقول قضت عليك السلطان وأمرتك السلطان والتذكير أكثر وبه جاء القرآن فمن أنث ذهب إلى معنى الحجة ومن ذكر أراد صاحب السلطان قال ابن الأنباري تقدير الآية أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بينة تلزمكم عذابه وتكسبكم غضبه إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا \r\n قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتح الراء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتسكين الراء قال الفراء وهي لغتان قال أبو عبيدة جهنم أدراك أي منازل ","part":2,"page":233},{"id":767,"text":" وأطباق فكل منزل منها درك وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال الدركات مراق بعضها تحت بعض وقال الضحاك الدرج إذا كان بعضها فوق بعض والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض وقال ابن فارس الجنة درجات والنار دركات وقال ابن مسعود في هذه الآية هم في توابيت من حديد مبهمة عليهم قال ابن الأنباري المبهمة التي لا أقفال عليها يقال أمر مبهم إذا كان ملتبسا لا يعرف معناه ولا بابه \r\n قوله تعالى ولن تجد لهم نصيرا قال ابن عباس مانعا من عذاب الله إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما \r\n قوله تعالى إلا الذين تابوا قال مقاتل سبب نزولها أن قوما قالوا عند ذكر مستقر المنافقين فقد كان فلان وفلان منافقين فتابوا فكيف يفعل بهم ","part":2,"page":234},{"id":768,"text":" فنزلت هذه الآية ومعنى الآية إلا الذين تابوا من النفاق وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة واعتصموا بالله أي استمسكوا بدينه وأخلصوا دينهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه الإسلام وإخلاصه رفع الشرك عنه قاله مقاتل \r\n والثاني أنه العمل وإخلاصه رفع شوائب النفاق والرياء منه قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى فأولئك مع المؤمنين في مع قولان \r\n أحدهما أنها على أصلها وهو الاقتران وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين فيه قولان \r\n أحدهما في الولاية قاله مقاتل والثاني في الدين والثواب قاله أبو سليمان \r\n والثاني أنها بمعنى من فتقديره فأولئك من المؤمنين قاله الفراء ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما \r\n قوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم ما حرف استفهام ومعناه التقرير ","part":2,"page":235},{"id":769,"text":" أي إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن ومعنى الآية ما يصنع الله بعذابكم إن شكرتم نعمه وآمنتم به وبرسوله والإيمان مقدم في المعنى وإن أخر في اللفظ وروي عن ابن عباس أن المراد بالشكر التوحيد \r\n قوله تعالى وكان الله شاكرا عليما أي للقليل من أعمالكم عليما بنياتكم وقيل شاكرا أي قابلا لا يحب الله الجهر بالسوء من القول في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن ضيفا تضيف قوما فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكوا قاله مجاهد ","part":2,"page":236},{"id":770,"text":" والثاني أن رجلا نال من أبي بكر الصديق والنبي صلى الله عليه و سلم حاضر فسكت عنه أبو بكر مرارا ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه و سلم فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت فقال إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فنزلت هذه الآية هذا قول مقاتل واختلف القراء في قراءة إلا من ظلم فقرأ الجمهور بضم الظاء وكسر اللام وقرأ عبد الله بن عمرو والحسن وابن المسيب وأبو رجاء وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم بفتحهما ","part":2,"page":237},{"id":771,"text":" فعلى قراءة الجمهور في معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها إلا أن يدعو المظلوم علة من ظلمه فان الله قد أرخص له قاله ابن عباس والثاني إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه قاله الحسن والسدي \r\n والثالث إلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n وروى ابن جريج عنه قال إلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه فأما قراءة من فتح الظاء فقال ثعلب هي مردودة على قوله ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم وذكر الزجاج فيها قولين \r\n أحدهما أن المعنى إلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلما \r\n والثاني إلا أن تجهروا بالسوء للظالم فعلى هذا تكون إلا في هذا المكان استثناء منقطع ومعناها لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء ولكن الظالم قد يجهر له بالسوء فاجهروا له بالسوء وقال ابن زيد إلا من ظلم أي أقام على النفاق فيجهر له بالسوء حتى ينزع ","part":2,"page":238},{"id":772,"text":" قوله تعالى وكان الله سميعا أي لما تجهرون به من سوء القول عليما بما تخفون وقيل سميعا لقوم المظلوم عليما بما في قلبه فليتق الله ولا يقل إلا الحق وقال الحسن من ظلم فقد رخص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي مثل أن يقول اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي اللهم حل بينه وبين ما يريد إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا \r\n قوله تعالى إن تبدوا خيرا قال ابن عباس يريد من أعمال البر كالصيام والصدقة وقال بعضهم إن تبدوا خيرا بدلا من السوء وأكثرهم على أن الهاء في تخفوه تعود إلى الخير وقال بعضهم تعود إلى السوء \r\n قوله تعالى فان الله كان عفوا قال أبو سليمان أي لم يزل ذا عفو مع قدرته فاعفوا أنتم مع القدرة إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا \r\n قوله تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله فيهم قولان ","part":2,"page":239},{"id":773,"text":" أحدهما أنهم اليهود كانوا يؤمنون بموسى وعزير والتوراة ويكفرون بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم اليهود والنصارى آمن اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى وآمن النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بمحمد والقرآن قاله قتادة ومعنى قوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله والإيمان برسله ولا يصح الإيمان به والتكذيب برسله أو ببعضهم ويريدون أن يتخذوا بين ذلك أي بين إيمانهم ببعض الرسل وتكذيبهم ببعض سبيلا أي مذهبا يذهبون إليه وقال ابن جريج دينا يدينون به أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى أولئك هم الكافرون حقا ذكر الحق هاهنا توكيدا لكفرهم إزالة لتوهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم الكفر يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا \r\n قوله تعالى يسألك أهل الكتاب في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":2,"page":240},{"id":774,"text":" أحدها أنهم سألوه أن ينزل كتابا عليهم خاصة هذا قول الحسن وقتادة \r\n والثاني أن اليهود والنصارى أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا لا نبايعك حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله وإلىفلان بكتاب أنك رسول الله فنزلت هذه الآية هذا قول ابن جريج هذا قول ابن جريج \r\n والثالث أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه و سلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا كما نزلت التوراة على موسى هذا قول القرظي والسدي \r\n وفي المراد بأهل الكتاب قولان أحدهما اليهود والنصارى والثاني اليهود \r\n وفي المراد بأهل الكتاب المنزل من السماء قولان \r\n أحدهما كتاب مكتوب غير القرآن \r\n والثاني كتاب بتصديقه في رسالته وقد بينا في البقرة معنى سؤالهم روية الله جهرة واتخاذهم العجل والبينات الآيات التي جاء بها موسى فان قيل كيف قال ثم اتخذوا العجل وثم تقتضي التراخي والتأخر أفكان اتخاذ العجل بعد قولهم أرنا الله جهرة فعنه أربعة أجوبة ذكرهن ابن الأنباري \r\n أحدهن أن تكون ثم مردودة على فعلهم القديم والمعنى وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة فخالفوا أيضا ثم اتخذوا العجل \r\n والثاني أن تكون مقدمة في المعنى مؤخرة في اللفظ والتقدير فقد اتخذوا العجل ثم سألوا موسى أكبر من ذلك ومثله فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون النمل 28 المعنى فألقه إليهم ثم انظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ","part":2,"page":241},{"id":775,"text":" والثالث أن المعنى ثم كانوا اتخذوا العجل فأضمر الكون \r\n والرابع أن ثم معناها التأخير في الإخبار والتقديم في الفعل كما يقول القائل شربت الماء ثم أكلت الخبز يريد شربت الماء ثم أخبركم أني أكلت الخبز بعد إخباري بشرب الماء \r\n قوله تعالى فعفونا عن ذلك أي لم نستأصل عبدة العجل والسلطان المبين الحجة البينة قال ابن عباس اليد والعصا وقال غيره الآيات التسع ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا \r\n قوله تعالى ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم أي بما أعطوا الله من العهد والميثاق ليعملن بما في التوراة \r\n قوله تعالى لا تعدوا في السبت قرأ نافع لا تعدوا بتسكين العين وتشديد الدال وروى عنه ورش تعدوا بفتح العين وتشديد الدال وقرأ الباقون تعدوا خفيفة وكلهم ضم الدال وقد ذكرنا هذا وغيره في البقرة والميثاق الغليظ العهد المؤكد ","part":2,"page":242},{"id":776,"text":" فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا \r\n قوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم ما صلة مؤكدة قال الزجاج والمعنى فبنقضهم ميثاقهم وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا ما أنزل عليهم من ذكر النبي صلى الله عليه و سلم وغيره والجالب للباء العامل فيها وقوله حرمنا عليهم طيبات أي بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم وقوله فبظلم بدل من قوله فبما نقضهم وجعل الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم وقال ابن فارس الطبع الختم و من ذلك طبع الله على قلب الكافر كأنه ختم عليه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور فلم يوفق لخير والطابع الخاتم يختم به \r\n قوله تعالى فلا يؤمنون إلا قليلا فيه قولان \r\n أحدهما فلا يؤمن منهم إلا القليل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه قاله ابن عباس والثاني المعنى إيمانهم قليل وهو قولهم ربنا الله قاله مجاهد وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما \r\n قوله تعالى وبكفرهم في إعادة ذكر الكفر فائدة وفيها قولان ","part":2,"page":243},{"id":777,"text":" أحدهما أنه أراد وبكفرهم بمحمد والقرآن قاله ابن عباس \r\n والثاني وبكفرهم بالمسيح وقد بشروا به قاله أبو سليمان الدمشقي فأما البهتان فهو في قول الجماعة قذفهم مريم بالزنى وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما \r\n قوله تعالى وقولهم إنا قتلنا المسيح قال الزجاج أي باعترافهم بقتلهم إياه وما قتلوه يعذبون عذاب من قتل لأنهم قتلوا الذي قتلوا على أنه نبي وفي قوله رسول الله قولان \r\n أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه رسول الله على زعمه \r\n والثاني أنه من قول الله لا على وجه الحكاية عنهم \r\n قوله تعالى ولكن شبه لهم أي ألقي شبهه على غيره \r\n وفيمن ألقي عليه شبهه قولان \r\n أحدهما أنه بعض من أراد قتله من اليهود روى أبو صالح عن ابن عباس أن اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى أدخله جبريل خوخة لها روزنة ودخل وراءه رجل منهم فألقى الله عليه شبه عيسى فلما خرج على أصحابه قتلوه يظنونه عيسى ثم صلبوه وبهذا قال مقاتل وأبو سليمان \r\n والثاني أنه رجل من أصحاب عيسى روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه فقال أيكم يلقى عليه ","part":2,"page":244},{"id":778,"text":" شبهي فيقتل مكاني ويكون في درجتي فقام شاب فقال أنا فقال اجلس ثم أعاد القول فقام الشاب فقال عيسى اجلس ثم أعاد فقال الشاب أنا فقال نعم أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى وجاء اليهود فأخذوا الرجل فقتلوه ثم صلبوه وبهذا القول قال وهب بن منبه وقتادة والسدي \r\n قوله تعالى وإن الذين اختلفوا فيه في المختلفين قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود فعلى هذا في هاء فيه قولان \r\n أحدهما أنها كناية عن قتله فاختلفوا هل قتلوه أم لا \r\n وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان \r\n أحدهما أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون جسده فقالوا الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره ذكره ابن السائب \r\n والثاني أنهم قالوا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى يعنون الذي دخل في طلبه هذا قول السدي \r\n والثاني أن الهاء كناية عن عيسى واختلافهم فيه قول بعضهم هو ولد زنى وقل بعضهم هو ساحر ","part":2,"page":245},{"id":779,"text":" والثاني أن المختلفين النصارى فعلى هذا في هاء فيه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى قتله هل قتل أم لا والثاني أنها ترجع إليه هل هو إله أم لا وفي هاء منه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى قتله \r\n والثاني إلى نفسه هل هو إله أم لغير رشدة أم هو ساحر \r\n قوله تعالى ما لهم به من علم إلا اتباع الظن قال الزجاج اتباع منصوب بالاستثناء وهو استثناء ليس من الأول والمعنى ما لهم به من علم إلا أنهم يتبعون الظن وإن رفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن كما تقول العرب تحيتك الضرب \r\n قوله تعالى وما قتلوه في الهاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الظن فيكون المعنى وما قتلوا ظنهم يقينا هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أنها ترجع إلى العلم أي ما قتلوا العلم به يقينا تقول قتلته يقينا وقتلته علما للرأي والحديث هذا قول الفراء وابن قتيبة قال ابن قتيبة وأصل هذا أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة يقول فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به إنما كان ظنا \r\n والثالث أنها ترجع إلى عيسى فيكون المعنى وما قتلوا عيسى حقا هذا قول الحسن وقال ابن الأنباري اليقين مؤخر في المعنى فالتقدير وما قتلوه بل رفعه الله إليه يقينا ","part":2,"page":246},{"id":780,"text":" وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا \r\n قوله تعالى وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قال الزجاج المعنى وما منهم أحد إلا ليؤمنن به ومثله وإن منكم إلا واردها مريم 71 وفي أهل الكتاب قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود قاله ابن عباس والثاني اليهود والنصارى قاله الحسن وعكرمة وفي هاء به قولان \r\n أحدهما أنها راجعة إلى عيسى قاله ابن عباس والجمهور والثاني أنها راجعة إلى محمد صلى الله عليه و سلم قاله عكرمة وفي هاء موته قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى المؤمن روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى فقيل لابن عباس إن خر من فوق بيت قال يتكلم به في الهوي قال وهي في قراءة أبي قبل موتهم \r\n وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير وروى الضحاك عن ابن عباس قال يؤمن اليهودي قبل أن يموت ولا تخرج روح النصراني حتى يشهد أن عيسى عبد وقال عكرمة لا تخرج روح اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":247},{"id":781,"text":" والثاني أنها تعود إلى عيسى روى عطاء عن ابن عباس قال إذا نزل إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد يعبد غير الله إلا اتبعه وصدقه وشهد أنه روح الله وكلمته وعبده ونبيه وهذا قول قتادة وابن زيد وابن قتيبة واختاره ابن جرير وعن الحسن كالقولين وقال الزجاج ","part":2,"page":248},{"id":782,"text":" هذا بعيد لعموم قوله وإن من أهل الكتاب والذين يبقون حينئذ شرذمة منهم إلا أن يكون المعنى أنهم كلهم يقولون إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نؤمن به ","part":2,"page":249},{"id":783,"text":" قوله تعالى ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا قال قتادة يكون عليهم شهيدا أنه قد بلغ رسالات ربه وأقر بالعبودية على نفسه فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا \r\n قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا قال مقاتل حرم الله على أهل التوراة الربا وأن يأكلوا أموال الناس ظلما ففعلوا وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد عليه السلام فحرم الله عليهم ما ذكر في قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الانعام 146 عقوبة لهم قال أبو سليمان وظلمهم نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وما ذكر في الآيات قبلها وقال مجاهد وبصدهم عن سبيل الله قال صدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق قال ابن عباس صدهم عن سبيل الله يعني الإسلام وأكلهم أموال الناس بالباطل أي بالكذب على دين الله وأخذ الرشى على حكم الله وتبديل الكتب التي أنزلها الله ليستديموا المأكل وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما \r\n قوله تعالى وأعتدنا أي أعددنا للكافرين يعني اليهود وقيل إنما قال منهم لأنه علم أن قوما منهم يؤمنون فيأمنون العذاب لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما \r\n قوله تعالى لكن الراسخون في العلم قال ابن عباس هذا استثناء ","part":2,"page":250},{"id":784,"text":" لمؤمني أهل الكتاب فأما الراسخون فهم الثابتون في العلم قال أبو سليمان وهم عبد الله بن سلام ومن آمن معه والذين آمنوا من أهل الإنجيل ممن قدم مع جعفر من الحبشة والمؤمنون يعني أصحاب رسول الله فأما قوله والمقيمين الصلاة فهم القائمون بأدائها كما أمروا \r\n وفي نصب المقيمين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه خطأ من الكاتب وهذا قول عائشة وروي عن عثمان بن عفان أنه قال إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها وقد قرأ ابن مسعود وأبي وسعيد بن جبير وعكرمة والجحدري والمقيمون الصلاة بالواو ","part":2,"page":251},{"id":785,"text":" وقال الزجاج قول من قال إنه خطأ بعيد جدا لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والقدوة فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم وقال ابن الأنباري حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا ليصلحه من بعده \r\n والثاني أنه نسق على ما والمعنى يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة فقيل هم الملائكة وقيل الأنبياء \r\n والثالث أنه نسق على الهاء والميم من قوله منهم فالمعنى لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك قال الزجاج وهذا رديء عند النحويين لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في الشعر ","part":2,"page":252},{"id":786,"text":" والرابع أنه منصوب على المدح فالمعنى اذكر المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة وأنشدوا ... لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر ... النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر ","part":2,"page":253},{"id":787,"text":" وهذا على معنى اذكر النازلين وهم الطيبون ومن هذا قولك مررت بزيد الكريم إن أردت أن تخلصه من غيره فالخفض هو الكلام وإن أردت المدح والثناء فان شئت نصبت فقلت بزيد الكريم كأنك قلت اذكر الكريم وإن شئت رفعت على معنى هو الكريم وتقول جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد على معنى اذكر المطعمين وهم المغيثون وهذا القول اختيار الخليل وسيبويه فهذه الأقوال حكاها الزجاج واختار هذا القول إنا أوحينا إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وآتينا داود زبورا \r\n قوله تعالى إنا أوحينا إليك قال ابن عباس قال عدي بن زيد وسكين يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى فنزلت هذه الآية وقد ذكرنا في آل عمران معنى الوحي وذكر هنالك \r\n وإسحاق أعجمي وإن وافق لفظ العربي يقال أسحقه الله يسحقه إسحاقا ويعقوب أعجمي فأما اليعقوب وهو ذكر الحجل وهي القبج فعربي كذلك قرأته ","part":2,"page":254},{"id":788,"text":" على شيخنا أبي منصور اللغوي وأيوب أعجمي ويونس اسم أعجمي قال أبو عبيدة يقال يونس ويونس بضم النون وكسرها وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع الكسرة والضمة والفتحة وقال الفراء يونس بضم النون من غير همز لغة أهل الحجاز وبعض بني أسد يقول يؤنس بالهمز وبعض بني عقيل يقول يونس بفتح النون من غير همز والمشهور في القراءة يونس برفع النون من غير همز وقد قرأ ابن مسعود وقتادة ويحيى بن يعمر وطلحة يؤنس بكسر النون مهموزا قرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والجحدري يونس بفتح النون من غير همز وقرأ أبو المتوكل يؤنس بفتح النون مهموزا وقرأ أبو السماك العدوي يونس بكسر النون من غير همز وقرأ عمرو بن دينار برفع النون مهموزا وهارون اسم أعجمي وباقي الأنبياء قد تقدم ذكرهم فأما الزبور فأكثر القراء على فتح الزاي وقرأ أبو رزين وأبو رجاء والأعمش وحمزة بضم الزاي قال الزجاج فمن فتح الزاي أراد كتابا ومن ضم أراد كتبا ومعنى ذكر داود أي لا تنكروا تفضيل محمد بالقرآن فقد أعطى الله داود الزبور وقال أبو علي كأن حمزة جعل كتاب داود أنحاء وجعل كل نحو زبرا ثم جمع فقال زبورا وقال ابن قتيبة الزبور فعول بمعنى مفعول كما تقول حلوب وركوب بمعنى محلوب ومركوب وهو من قولك زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا كتبته قال وفيه لغة أخرى الزبور بضم الزاي كأنه جمع ","part":2,"page":255},{"id":789,"text":" ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما \r\n قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما تأكيد كلم بالمصدر يدل على أنه سمع كلام الله حقيقة روى أبو سليمان الدمشقي قال سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول سمعت ثعلبا يقول لولا أن الله تعالى أكد الفعل بالمصدر لجاز أن يكون كما يقول أحدنا للآخر قد كلمت لك فلانا بمعنى كتبت إليه رقعة أو بعثت إليه رسولا فلما قال تكليما لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما \r\n قوله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة أي لئلا يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل لأن هذه الأشياء إنما تجب بالرسل لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا \r\n قوله تعالى لكن الله يشهد في سبب نزلها قولان ","part":2,"page":256},{"id":790,"text":" أحدهما أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود فقال إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا ما نعلم ذلك فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا يعرفونك فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك فنزلت هذه الآية هذا قول ابن السائب قال الزجاج الشاهد المبين لم يشهد به فالله عز و جل بين ذلك ويعلم مع إبانته أنه حق وفي معنى أنزله بعلمه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنزله وفيه علمه قاله الزجاج \r\n والثاني أنزله من علمه ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n والثالث أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه قاله ابن جرير \r\n قوله تعالى والملائكة يشهدون فيه قولان \r\n أحدهما يشهدون أن الله أنزله والثاني يشهدون بصدقك \r\n قوله تعالى وكفى بالله شهيدا قال الزجاج الباء دخلت مؤكدة والمعنى اكتفوا بالله في شهادته ","part":2,"page":257},{"id":791,"text":" إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قال مقاتل وغيره هم اليهود كفروا بمحمد وصدوا الناس عن الإسلام قال أبو سليمان وكان صدهم عن الإسلام قولهم للمشركين ولأتباعهم ما نجد صفة محمد في كتابنا إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا وظلموا قال مقاتل وغيره هم اليهود أيضا كفروا بمحمد والقرآن وفي الظلم المذكور هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه الشرك قاله مقاتل والثاني أنه جحدهم صفة محمد النبي صلى الله عليه و سلم في كتابهم \r\n قوله تعالى لم يكن الله ليغفر لهم يريد من مات منهم على الكفر وقال أبو سليمان لم يكن الله ليستر عليهم قبيح فعالهم بل يفضحهم في الدنيا ويعاقبهم بالقتل والجلاء والسبي وفي الآخرة بالنار ولا ليهديهم طريقا ينجون فيه \r\n وقال مقاتل طريقا إلى الهدى وكان ذلك على الله يسيرا يعني كان عذابهم على الله هينا يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليما حكيما ","part":2,"page":258},{"id":792,"text":" قوله تعالى يا أيها الناس الكلام عام وروي عن ابن عباس أنه قال أراد المشركين قد جاءكم الرسول بالحق أي بالهدى والصدق \r\n قوله تعالى فآمنوا خيرا لكم قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين إنه منصوب بالحمل على معناه لأنك إذا قلت انته خيرا لك وأنت تدفعه عن أمر فتدخله في غيره كان المعنى انته وأت خيرا لك وادخل في ما هو خير لك وأنشد الخليل وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة ... فواعديه سرحتي مالك ... أو الربا بينهما سهلا ... \r\n كأنه قال إيتي مكانا أسهل \r\n قوله تعالى وإن تكفروا فان لله ما في السماوات والأرض أي هو غني عنكم وعن إيمانكم وكان الله عليما بما يكون من إيمان أو كفر حكيما في تكليفكم مع علمه بما يكون منكم ","part":2,"page":259},{"id":793,"text":" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانة أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا \r\n قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم قال مقاتل نزلت في نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما والجمهور على أن المراد بهذه الآية النصارى وقال الحسن نزلت في اليهود والنصارى والغلو الإفراط ومجاوزة الحد ومنه غلا السعر وقال الزجاج الغلو مجاوزة القدر في الظلم وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم هو الله وقول بعضهم هو ابن الله وقول بعضهم هو ثالث ثلاثة وعلى قول الحسن غلو اليهود فيه قولهم إنه لغير رشدة وقال بعض العلماء لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدد فيه \r\n قوله تعالى ولا تقولوا على الله إلا الحق أي لا تقولوا إن الله له شريك ","part":2,"page":260},{"id":794,"text":" أو ابن أو زوجة وقد ذكرنا معنى المسيح والكلمة في آل عمران \r\n وفي معنى وروح منه سبعة أقوال \r\n أحدها أنه روح من أرواح الأبدان قال أبي بن كعب لما أخذ الله الميثاق على بني آدم كان عيسى روحا من تلك الأرواح فأرسله إلى مريم فحملت به \r\n والثاني أن الروح النفخ فسمي روحا لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع مريم ومنه قول ذي الرمة ... وقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا ... \r\n هذا قول أبي روق \r\n والثالث أن معنى وروح منه إنسان حي باحياء الله له \r\n والرابع أن الروح الرحمة فمعناه ورحمة منه ومثله وأيدهم بروح منه المجادلة 22 \r\n والخامس أن الروح هاهنا جبريل فالمعنى ألقاها الله إلى مريم والذي ألقاها روح منه ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي ","part":2,"page":261},{"id":795,"text":" والسادس أنه سماه روحا لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح ولهذا المعنى سمي القرآن روحا ذكره القاضي أبو يعلى \r\n والسابع أن الروح الوحي أوحى الله إلى مريم يبشرها به وأوحى إلى جبريل بالنفخ في درعها وأوحى إلى ذات عيسى أن كن فكان ومثله ينزل الملائكة بالروح من أمره النحل 2 أي بالوحي ذكره الثعلبي \r\n فأما قوله منه فانه إضافة تشريف كما تقول بيت الله والمعنى من أمره ومما يقاربها قوله وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه الجاثية 13 \r\n قوله تعالى ولا تقولوا ثلاثة قال الزجاج رفعه باضمار لا تقولوا آلهتنا ثلاثة إنما الله إله واحد أي ما هو إلا إله واحد سبحانه ومعنى سبحانه تبرئته من أن يكون له ولد قال أبو سليمان وكفى بالله وكيلا أي قيما على خلقه مدبرا لهم لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا \r\n قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله سبب نزولها أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد لم تذكر صاحبنا قال ومن صاحبكم قالوا عيسى قال وأي شيء أقول له هو عبد الله قالوا بل هو الله فقال إنه ليس بعار عليه أن يكون عبدا لله قالوا بلى فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس قال الزجاج معنى يستنكف ","part":2,"page":262},{"id":796,"text":" يأنف واصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته باصبعك من خدك قال الشاعر ... فبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع ... \r\n قوله تعالى ولا الملائكة المقربون قال ابن عباس هم حملة العرش فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا \r\n قوله تعالى فيوفيهم أجورهم أي ثواب أعمالهم ويزيدهم من فضله مضاعفة الحسنات وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله فيوفيهم أجورهم قال يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا ","part":2,"page":263},{"id":797,"text":" يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا \r\n قوله تعالى قد جاءكم برهان من ربكم في البرهان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الحجة قاله مجاهد والسدي والثاني القرآن قاله قتادة \r\n والثالث أنه النبي محمد صلى الله عليه و سلم قاله سفيان الثوري فأما النور المبين فهو القرآن قاله قتادة وإنما سماه نورا لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما \r\n قوله تعالى واعتصموا به أي استمسكوا وفي هاء به قولان \r\n أحدهما أنها تعود إلى النور وهو القرآن قاله ابن جريج والثاني تعود إلى الله تعالى قاله مقاتل وفي الرحمة قولان \r\n أحدهما أنها الجنة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني أنها نفس الرحمة والمعنى سيرحمهم قاله أبو سليمان وفي الفضل قولان \r\n أحدهما أنه الرزق في الجنة قاله مقاتل والثاني أنه الإحسان قاله أبو سليمان \r\n قوله تعالى ويهديهم إليه صراطا مستقيما أي يوفقهم لإصابة الطريق المستقيم وقال ابن الحنفية الصراط المستقيم دين الله يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ","part":2,"page":264},{"id":798,"text":" قوله تعالى يستفتونك في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنها نزلت في جابر بن عبد الله روى أبو الزبير عن جابر قال مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه و سلم يعودني هو وأبو بكر وهما ماشيان فوجدني قد أغمي علي فتوضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صب علي من وضوئه فأفقت وقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي تسع أخوات ولم يكن لي ولد فلم يجبني بشيء ثم خرج وتركني ثم رجع إلي وقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا وإن الله عز و جل قد أنزل في أخواتك وجعل لهن الثلثين فقرأ علي هذه الآية يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة فكان جابر يقول أنزلت هذه الآية في \r\n والثاني أن الصحابة أهمهم بيان شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله فنزلت هذه الآية هذا قول قتادة وقال سعيد بن المسيب سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف نورث الكلالة فقال أوليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قرأ إن كان رجل يورث كلالة فأنزل الله عز و جل يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ","part":2,"page":265},{"id":799,"text":" قوله تعالى إن امرؤ هلك أي مات ليس له ولد يريد ولا والد فاكتفى بذكر أحدهما ويدل على المحذوف أن الفتيا في الكلالة وهي من ليس له ولد ولا والد \r\n قوله تعالى وله أخت يريد من أبيه وأمه فلها نصف ما ترك عند انفرادها وهو يرثها أي يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن لها ولد ولا والد وهذا هو الأخ من الأب والأم أو من الأب فان كانتا اثنتين يعني أختين وسئل الأخفش ما فائدة قوله اثنتين و كانتا لا يفسر إلا باثنتين فقال أفادت العدد العاري عن الصفة لأنه يجوز في كانتا صغيرتين أو حرتين أو صالحتين أو طالحتين فلما قال اثنتين فاذا اطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه فلهما الثلثان من تركة أخيهما الميت وإن كانوا يعني المخلفين \r\n قوله تعالى يبين الله لكم أن تضلوا قال ابن قتيبة لئلا تضلوا وقال الزجاج فيه قولان \r\n أحدهما أن لا تضلوا فأضمرت لا والثاني كراهية أن تضلوا وهو قول البصريين قال ابن جريج أن تضلوا في شأن المواريث ","part":2,"page":266},{"id":800,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سورة المائدة \r\n قال ابن عباس والضحاك هي مدنية وقال مقاتل نزلت نهارا وكلها مدنية وقال أبو سليمان الدمشقي فيها من المكي اليوم أكملت لكم دينكم قال وقيل فيها من المكي يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله والصحيح أن قوله اليوم أكملت لكم دينكم نزلت بعرفه يوم عرفة فلهذا نسبت إلى مكة يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اختلفوا في المخاطبين بهذا على قولين \r\n أحدهما أنهم المؤمنون من أمتنا وهذا قول الجمهور \r\n والثاني أنهم أهل الكتاب قاله ابن جريج والعقود العهود قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والضحاك والسدي والجماعة وقال الزجاج العقود أوكد العهود \r\n واختلفوا في المراد بالعهود هاهنا على خمسة أقوال ","part":2,"page":267},{"id":801,"text":" أحدها أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحل وحرم وهذا قول ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني أنها عهود الدين كلها قاله الحسن \r\n والثالث أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم قاله قتادة \r\n والرابع أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن جريج وقد ذكرنا عنه أن الخطاب للكتابيين \r\n والخامس أنها عقود الناس بينهم من بيع ونكاح أو عقد الإنسان على نفسه من نذر أو يمين وهذا قول ابن زيد \r\n قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام في بهيمة الأنعام ثلاثة أقاويل \r\n أحدها أنها أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت الأمهات قاله ابن عمر وابن عباس والثاني أنها الإبل والبقر والغنم قاله الحسن وقتادة والسدي \r\n وقال الربيع هي الأنعام كلها وقال ابن قتيبة هي الإبل والبقر الغنم والوحوش كلها \r\n والثالث أنها وحش الأنعام كالظباء وبقر الوحش روي عن ابن عباس وأبي صالح وقال الفراء بهيمة الأنعام بقر الوحش والظباء والحمر الوحشية ","part":2,"page":268},{"id":802,"text":" قال الزجاج وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت عن أن تميز وكل حي لا يميز فهو بهيمة \r\n قوله تعالى إلا ما يتلى عليكم روي عن ابن عباس أنه قال هي الميتة وسائر ما في القرآن تحريمه وقال ابن الأنباري المتلو علينا من المحظور الآية التي بعدها وهي قوله حرمت عليكم الميتة \r\n قوله تعالى غير محلي الصيد قال أبو الحسن الأخفش أوفوا بالعقود غير محلي الصيد فانتصب على الحال وقال غيره المعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام غير مستحلي اصطيادها وأنتم حرم قال الزجاج الحرم المحرومون وواحد الحرم حرام يقال رجل حرام وقوم حرم قال الشاعر ... فقلت لها فيئي إليك فانني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب ","part":2,"page":269},{"id":803,"text":" أي ملب وقوله إن الله يحكم ما يريد أي الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء ويحرم ما يريد على من يريد يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب \r\n قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة فدخل على النبي صلى الله عليه و سلم فقال إلام تدعو فقال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال إن لي أمراء خلفي أرجع إليهم أشاورهم ثم خرج فقال النبي صلى الله عليه و سلم لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم فمر شريح بسرح لأهل المدينة فاستاقه فلما كان عام الحديبية خرج شريح إلى مكة معتمرا ومعه تجارة فأراد أهل السرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال السدي اسمه الحطم ابن هند البكري قال ولما ساق السرح جعل يرتجز ","part":2,"page":270},{"id":804,"text":" قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم ... \r\n والثاني أن ناسا من المشركين جاؤوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلين بعمرة فقال المسلمون لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم فنزل قوله ولا آمين البيت ","part":2,"page":271},{"id":805,"text":" الحرام قال ابن قتيبة وشعائر الله ما جعله الله علما لطاعته \r\n وفي المراد بها هاهنا سبعة أقوال \r\n أحدها أنها مناسك الحج رواه الضحاك عن ابن عباس وقال الفراء كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فقال الله تعالى لا تستحلوا ترك ذلك \r\n والثاني أنها ما حرم الله تعالى في حال الاحرام رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث دين الله كله قاله الحسن والرابع حدود الله قاله عكرمة وعطاء والخامس حرم الله قاله السدي \r\n والسادس الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام قاله أبو عبيدة و \r\n والسابع أنها أعلام الحرم نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا دخول مكة ذكره الماوردي والقاضي أبو يعلى ","part":2,"page":272},{"id":806,"text":" قوله تعالى ولا الشهر الحرام قال ابن عباس لا تحلوا القتال فيه \r\n وفي المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ذو القعدة قاله عكرمة وقتادة \r\n والثاني أن المراد به الأشهر الحرم قال مقاتل كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ كل سنة فيقول إلا إني قد أحللت كذا وحرمت كذا \r\n والثالث أنه رجب ذكره ابن جرير الطبري والهدي كل ما أهدي إلى بيت الله تعالى من شيء وفي القلائد قولان \r\n أحدهما أنها المقلدات من الهدي رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنها ما كان المشركون يقلدون به إبلهم وأنفسهم في الجاهلية ليأمنوا به عدوهم لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم فمن لقوة مقلدا نفسه أو بعيره أو مشعرا بدنه أو سائقا هديا لم يتعرض له قال ابن عباس كان من أراد أن يسافر في غير الأشهر الحرم قلد بعيره من الشعر والوبر فيأمن حيث ذهب وروى مالك بن مغول عن عطاء قال كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم فيأمنون به إذا خرجوا من الحرم فنزلت هذه الآية وقال قتادة كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من ","part":2,"page":273},{"id":807,"text":" السمر فلم يعرض له أحد وإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد \r\n وقال الفراء كان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر وسائر العرب يقلدون بالوبر والشعر وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا تستحلوا المقلدات من الهدي والثاني لا تستحلوا أصحاب القلائد والثالث أن هذا نهي للمؤمنين أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم فيتقلدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم رواه عبد الملك عن عطاء وبه قال مطرف والربيع بن أنس \r\n قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام الآم القاصد والبيت الحرام الكعبة والفضل الربح في التجارة والرضوان من الله يطلبونه في حجهم على زعمهم ومثله قوله وانظر إلى إلهك الذي طه 97 وقيل ابتغاء الفضل عام وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة \r\n قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا لفظه لفظ الأمر ومعناه الإباحة نظيره فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض الجمعة 10 وهو يدل على إحرام متقدم ","part":2,"page":274},{"id":808,"text":" قوله تعالى ولا يجرمنكم وروى الوليد عن يعقوب يجرمنكم بسكون النون وتخفيفها قال ابن عباس لا يحملنكم وقال غيره لا يدخلنكم في الجرم كما تقول آثمته أي أدخلته في الإثم وقال ابن قتيبة لا يكسبنكم يقال فلان جارم أهله أي كاسبهم وكذلك جريمتهم وقال الهذلي ووصف عقابا ... جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا ... \r\n والناهض فرخها يقول هي تكسب له وتأتيه بقوته والشنآن البغض يقال شنئته أشنؤه إذا أبغضته وقال ابن الأنباري الشنآن البغض والشنآن بتسكين النون البغيض واختلف القراء في نون الشنآن فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بتحريكها وأسكنها ابن عامر وروى حفص عن عاصم تحريكها وأبو بكر عنه تسكينها وكذلك اختلف عن نافع ","part":2,"page":275},{"id":809,"text":" قال أبو علي الشنان قد جاء وصفا وقد جاء اسما فمن حرك فلأنه مصدر والمصدر يكثر على فعلان نحو النزوان ومن سكن قال هو مصدر وقد جاء المصدر على فعلان تقول لويته دينه ليانا فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان واختلفوا في قوله أن صدوكم فقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالكسر وقرأ الباقون بالفتح فمن فتح جعل الصد ماضيا فيكون المعنى من أجل أن صدوكم ومن كسرها جعلها للشرط فيكون الصد مترقبا قال أبو الحسن الأخفش وقد يكون الفعل ماضيا مع الكسر كقوله إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يوسف 77 وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت وأنشد أبو علي الفارسي ... إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري بها بدا ... \r\n فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء والجزاء إنما يكون بالمستقبل فيكون المعنى إن ننتسب لا تجدني مولود لئيمة قال ابن جرير وقراءة من فتح الألف أبين لأن هذه السورة نزلت بعد الحديبية وقد كان الصد تقدم \r\n فعلى هذا في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما ولا يحملنكم بغض أهل مكة أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ","part":2,"page":276},{"id":810,"text":" تعتدوا فيه فتقاتلوهم وتأخذوا أموالهم إذا دخلتموه رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني لا يحملنكم بغض أهل مكة وصدهم إياكم أن تعتدوا باتيان ما لا يحل لكم من الغارة على المعتمرين من المشركين على ما سبق في نزول الآية \r\n قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى قال الفراء ليعن بعضكم بعضا قال ابن عباس البر ما أمرت به والتقوى ترك ما نهيت عنه فأما الإثم فالمعاصي والعدوان التعدي في حدود الله قاله عطاء \r\n فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أنها محكمة روي عن الحسن أنه قال ما نسخ من المائدة شيء وكذلك قال أبو ميسرة في آخرين قالوا ولا يجوز استحلال الشعائر ولا الهدي ","part":2,"page":277},{"id":811,"text":" قبل أوان ذبحه واختلفوا في القلائد فقال قوم يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحر وقال آخرون كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم فقيل لهم لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدوا القاصدين إلى البيت \r\n والثاني أنها منسوخة وفي المنسوخ منها أربعة أقوال \r\n أحدها أن جميعها منسوخ وهو قول الشعبي \r\n والثاني أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلدون هداياهم ويظهرون شعائر الحج من الاحرام والتلبية فنهي المسلمون بهذه الآية عن التعرض لهم ثم نسخ ذلك بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 وهذا قول الأكثرين \r\n والثالث أن الذي نسخ قوله ولا آمين البيت الحرام نسخه قوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة 38 روي عن ابن عباس وقتادة \r\n والرابع أن المنسوخ منها تحريم الشهر الحرام وآمون البيت الحرام إذا كانوا مشركين وهدي المشركين إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان قاله أبو سليمان الدمشقي حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تسقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخصمة غير متجانف لإثم فأن الله غفور رحيم ","part":2,"page":278},{"id":812,"text":" قوله تعالى حرمت عليكم الميتة مفسر في البقرة فأما المنخنقة فقال ابن عباس هي التي تختنق فتموت وقال الحسن وقتادة هي التي تختنق بحبل الصائد وغيره قلت والمنخنقة حرام كيف وقع ذلك قال ابن قتيبة والموقوذة التي تضرب حتى توقذ أي تشرف على الموت ثم تترك حتى تموت وتؤكل بغير ذكاة ومنه يقال فلان وقيذ وقد وقذته العبادة ","part":2,"page":279},{"id":813,"text":" والمتردية الواقعة من جبل أو حائط أو في بئر يقال تردى إذا سقط \r\n والنطيحة التي تنطحها شاة أخرى أو بقرة فعيلة في معنى مفعولة وما أكل السبع وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو مجلز وابن أبي ليلى السبع بسكون الباء والمراد ما افترسه فأكل بعضه إلا ما ذكيتم أي إلا ما لحقتم من هذا كله وبه حياة فذبحتموه \r\n فأما الاستثناء ففيه قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى المذكور من عند قوله والمنخنقة \r\n والثاني أنه يرجع إلى ما أكل السبع خاصة والعلماء على الأول \r\n فصل في الذكاة \r\n قال الزجاج أصل الذكاة في اللغة تمام الشيء فمنه الذكاء في السن وهو تمام السن قال الخليل الذكاء أن تأتي على قروحه سنة وذلك تمام استكمال القوة ومنه الذكاء في الفهم وهو أن يكون فهما تاما سريع القبول وذكيت النار أي أتممت إشعالها وقد روي عن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنهم قالوا ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله حلال قال القاضي أبو يعلى ومذهب أصحابنا أنه إن كان يعيش مع ما به حل بالذبح فان كان لا يعيش مع ما به نظرت فان لم تكن حياته مستقرة وإنما حركته حركة المذبوح مثل أن شق جوفه وأبينت حشوته فانفصلت عنه لم يحل أكله وإن كانت حياته مستقرة يعيش اليوم واليومين مثل أن يشق جوفه ولم تقطع الأمعاء حل أكله ومن الناس من يقول إذا كانت فيه حياة في الجملة أبيح بالذكاة والصحيح ما ذكرنا لأنه إذا لم تكن فيه حياة ","part":2,"page":280},{"id":814,"text":" مستقرة فهو في حكم الميت ألا ترى أن رجلا لو قطع حشوة آدمي ثم ضرب عنقه آخر فالأول هو القاتل لأن الحياة لا تبقى مع الفعل الأول \r\n وفي ما يجب قطعه في الذكاة روايتان \r\n إحداهما أنه الحلقوم والمريء والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء فان نقص من ذلك شيئا لم يؤكل هذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله ","part":2,"page":281},{"id":815,"text":" والثانية يجزئ قطع الحلقوم والمريء وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين وقال مالك يجزئ قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم وقال الزجاج الحلقوم بعد الفم وهو موضع النفس وفيه شعب تتشعب منه في الرئة والمريء مجرى الطعام والودجان عرقان يقطعهما الذابح \r\n فأما الآلة التي تجوز بها الذكاة فهي كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج سوى ","part":2,"page":282},{"id":816,"text":" السن والظفر سواء كانا منزوعين أو غير منزوعين وأجاز أبو حنيفة الذكاة بالمنزوعين فأما البعير إذا توحش أو تردى في بئر فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقره وقال مالك ذكاته ذكاة المقدور عليه فان رمى صيدا فأبان بعضه وفيه حياة مستقرة فذكاه أو تركه حتى مات جاز أكله وفي أكل ما بان منه روايتان \r\n قوله تعالى وما ذبح على النصب في النصب قولان \r\n أحدهما أنها أصنام تنصب فتعبد من دون الله قاله ابن عباس والفراء والزجاج فعلى هذا القول يكون المعنى وما ذبح على اسم النصب وقيل لأجلها فتكون على بمعنى اللام وهما يتعاقبان في الكلام كقوله فسلام لك الواقعة 91 أي عليك وقوله وإن أسأتم فلها الاسراء7 ","part":2,"page":283},{"id":817,"text":" والثاني أنها حجارة كانوا يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها ويعظمونها وهو قول ابن جريج وقرأ الحسن وخارجة عن أبي عمرو على النصب بفتح النون وسكون الصاد قال ابن قتيبة يقال نصب ونصب ونصب وجمعه أنصاب \r\n قوله تعالى وأن تستقسموا بالأزلام قال ابن جرير أي وأن تطلبوا علم ما قسم لكم أو لم يقسم بالأزلام وهو استفعلت من القسم قسم الرزق والحاجات قال ابن قتيبة الأزلام القداح واحدها زلم وزلم والاستقسام بها أن يضرب بها فيعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي فكانوا إذا أرادوا أن يقتسموا شيئا بينهم فأحبوا أن يعرفوا قسم كل امرئ تعرفوا ذلك منها فأخذ الاستقسام من القسم وهو النصيب قال سعيد بن جبير الأزلام حصى بيض كانوا إذا أرادوا غدوا أو رواحا كتبوا في قدحين في أحدهما أمرني ربي وفي الآخر نهاني ربي ثم يضربون بهما فأيهما خرج عملوا به وقال مجاهد الأزلام سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها وقال السدي كانت الأزلام تكون عند الكهنة وقال مقاتل في بيت الأصنام وقال قوم كانت عند سدنة الكعبة قال الزجاج ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا أو اخرج من أجل نجم كذا \r\n قوله تعالى ذلكم فسق في المشار إليه بذلكم قولان \r\n أحدهما أنه جميع ما ذكر في الآية رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ","part":2,"page":284},{"id":818,"text":" والثاني أنه الاستقسام بالأزلام رواه أبو صالح عن ابن عباس والفسق الخروج عن طاعة الله إلى معصيته \r\n قوله تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم في هذا اليوم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اليوم الذي دخل فيه رسول الله مكة في حجة الوداع قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن السائب نزلت ذلك اليوم \r\n والثاني أنه يوم عرفة قاله مجاهد وابن زيد \r\n والثالث أنه لم يرد يوما بعينه وإنما المعنى الآن يئسوا كما تقول أنا اليوم قد كبرت قاله الزجاج قال ابن الأنباري العرب توقع اليوم على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي فيقولون قد كنت في غفلة فاليوم استيقظت يريدون فالآن ويقولون كان فلان يزورنا وهو اليوم يجفونا ولا يقصدون باليوم قصد يوم واحد قال الشاعر ","part":2,"page":285},{"id":819,"text":" فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر ... \r\n أراد فزمان لنا وزمان علينا ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إليه غيره \r\n وفي معنى يأسهم قولان \r\n أحدهما أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين قاله ابن عباس والسدي \r\n والثاني يئسوا من بطلان الإسلام قاله الزجاج قال ابن الأنباري وإنما يئسوا من إبطال دينهم لما نقل الله خوف المسلمين إليهم وأمنهم إلى المسلمين فعلموا أنهم لا يقدرون على إبطال دينهم ولا على استئصالهم وإنما قاتلوهم بعد ذلك ظنا منهم أن كفرهم يبقى \r\n قوله تعالى فلا تخشوهم قال ابن جريج لا تخشوهم أن يظهروا عليكم وقال ابن السائب لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم واخشوني في مخالفة أمري \r\n قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث طارق بن شهاب قال جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية من كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال وأي آية هي قال قوله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فقال عمر إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله والساعة ","part":2,"page":286},{"id":820,"text":" التي نزلت فيها والمكان الذي نزلت فيه على رسول الله وهو قائم بعرفة في يوم جمعة وفي لفظ نزلت عشية عرفة قال سعيد بن جبير عاش رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد ذلك أحدا وثمانين يوما \r\n فأما قوله اليوم ففيه قولان \r\n أحدهما أنه يوم عرفة وهو قول الجمهور \r\n والثاني أنه ليس بيوم معين رواه عطية عن ابن عباس وقد ذكرنا هذا آنفا وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال \r\n أحدها أنه إكمال فرائضه وحدوده ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا تحريم قاله ابن عباس والسدي فعلى هذا يكون المعنى اليوم أكملت لكم شرائع دينكم \r\n والثاني أنه بنفي المشركين عن البيت فلم يحج معهم مشرك عامئذ قاله سعيد بن جبير وقتادة وقال الشعبي كمال الدين هاهنا عزه وظهوره وذل الشرك ودروسه لا تكامل الفرائض والسنن لأنها لن تزل تنزل إلى أن قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلى هذا يكون المعنى اليوم أكملت لكم نصر دينكم ","part":2,"page":287},{"id":821,"text":" والثالث أنه رفع النسخ عنه وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قبض روي عن ابن جبير أيضا \r\n والرابع أنه زوال الخوف من العدو والظهور عليهم قاله الزجاج \r\n والخامس أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها كما نسخ بها ما تقدمها وفي إتمام النعمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها منع المشركين من الحج معهم قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة \r\n والثاني الهداية إلى الإيمان قاله ابن زيد \r\n والثالث الإظهار على العدو قاله السدي \r\n قوله تعالى فمن اضطر أي دعته الضرورة إلى أكل ما حرم عليه في مخمصة أي مجاعة والخمص الجوع قال الشاعر يذم رجلا ... يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلة الهم مبهما ... \r\n وهذا الكلام يرجع إلى المحرمات المتقدمة من الميتة والدم وما ذكر معهما \r\n قوله تعالى غير متجانف لإثم قال ابن قتيبة غير مائل إلى ذلك والجنف الميل وقال ابن عباس والحسن ومجاهد غير متعمد لإثم \r\n وفي معنى تجانف لإثم قولان \r\n أحدهما أن يتناول منه بعد زوال الضرورة روي عن ابن عباس في آخرين ","part":2,"page":288},{"id":822,"text":" والثاني أن يتعرض لمعصية في مقصده قاله قتادة وقال مجاهد من بغى وخرج في معصية حرم عليه أكله قال القاضي أبو يعلى وهذا أصح من القول الأول لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الاثم مع الاضطرار وذلك إنما يصح في سفرالعاصي ولا يصح حمله على تناول الزيادة على سد الرمق لأن الاضطرار قد زال قال أبو سليمان ومعنى الآية فمن اضطر فأكله غير متجانف لإثم فان الله غفور أي متجاوز عنه رحيم إذ أحل ذلك للمضطر ","part":2,"page":289},{"id":823,"text":" يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب \r\n قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر بقتل الكلاب قال الناس يا رسول الله ماذا أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فنزلت هذه الآية أخرجه أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه و سلم وكان السبب في أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتلها أن جبريل عليه السلام استأذن على رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":290},{"id":824,"text":" فأذن له فلم يدخل وقال إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة فنظروا فاذا في بعض بيوتهم جرو \r\n والثاني أن عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله زيد الخير قالا يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فمنه ما ندرك ذكاته ومنه مالا ندرك ذكاته وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير قال الزجاج ومعنى الكلام يسألونك أي شيء أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح والتأويل أنهم سألوا عنه ولكن حذف ذكر صيد ما علمتم لأن في الكلام دليلا عليه \r\n وفي الطيبات قولان \r\n أحدهما أنها المباح من الذبائح \r\n والثاني أنها ما استطابه العرب مما لم يحرم فأما الجوارح فهي ما صيد به من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والصقر والبازي ونحو ذلك مما يقبل التعليم قال ابن عباس كل شيء صاد فهو جارح ","part":2,"page":291},{"id":825,"text":" وفي تسميتها بالجوارح قولان \r\n أحدهما لكسب أهلها بها قال ابن قتيبة أصل الاجتراح الاكتساب يقال امرأة لا جارح لها أي لا كاسب \r\n والثاني لأنها تجرح ما تصيد في الغالب ذكره الماوردي قال أبو سليمان الدمشقي وعلامة التعليم أنك إذا دعوته أجاب وإذا أسدته استأسد ومضى في طلبه وإذا أمسك أمسك عليك لا على نفسه وعلامة إمساكه عليك أن لا يأكل منه شيئا هذا في السباع والكلاب فأما تعليم جوارح الطير فبخلاف السباع لأن الطائر إنما يعلم الصيد بالأكل والفهد والكلب وما أشبههما يعلمون بترك الأكل فهذا فرق ما بينهما \r\n وفي قوله مكلبين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أصحاب الكلاب رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والسدي والفراء والزجاج وابن قتيبة قال الزجاج يقال رجل مكلب وكلابي أي صاحب صيد بالكلاب \r\n والثاني أن معنى مكلبين مصرين على الصيد وهذا مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد \r\n والثالث ان مكلبين بمعنى معلمين قال أبو سليمان الدمشقي وإنما قيل لهم مكلبين لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب قال ثعلب وقرأ الحسن وأبو رزين مكلبين بسكون الكاف يقال أكلب الرجل إذا كثرت كلابه وأمشى إذا كثرت ماشيته والعرب تدعو الصائد مكلبا \r\n قوله تعالى تعلمونهن مما علمكم الله قال سعيد بن جبير تؤدبونهن لطلب ","part":2,"page":292},{"id":826,"text":" الصيد وقال الفراء تؤدبونهن أن لا يأكلن صيدهن واختلفوا هل إمساك الصائد عن الأكل شرط في صحة التعليم أم لا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه شرط في كل الجوارح فان أكلت لم يؤكل روي عن ابن عباس وعطاء \r\n والثاني أنه ليس بشرط في الكل ويؤكل وإن أكلت روي عن سعد ابن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة وسلمان الفارسي \r\n والثالث أنه شرط في جوارح البهائم وليس بشرط في جوارح الطير وبه قال الشعبي والنخعي والسدي وهو أصح لما بينا أن جارح الطير يعلم على الأكل فأبيح ما أكل منه وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل فأبيح ما أكلت منه \r\n فعلى هذا إذا أكل الكلب والفهد من الصيد لم يبح أكله فأما ما أكل منه الصقر والبازي فمباح وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال مالك يباح أكل ما أكل منه الكلب والفهد والصقر فان قتل الكلب ولم يأكل أبيح \r\n وقال أبو حنيفة لا يباح فان أدرك الصيد وفيه حياة فمات قبل أن يذكيه فان كل ذلك قبل القدرة على ذكاته أبيح وإن أمكنه فلم يذكه لم يبح وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يباح في الموضعين \r\n فأما الصيد بكلب المجوسي فروي عن أحمد أنه لا يكره وهو قول الأكثرين وروي عنه الكراهة وهو قول الثوري لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح وهذا خطاب للمؤمنين قال القاضي أبو يعلى ومنع أصحابنا الصيد بالكلب الأسود وإن كان معلما لأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتله والأمر بالقتل يمنع ثبوت اليد ويبطل حكم الفعل فيصير وجوده كالعدم فلا يباح صيده ","part":2,"page":293},{"id":827,"text":" قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم قال الأخفش من زائدة كقوله فيها من برد النور43 \r\n قوله تعالى واذكروا اسم الله عليه في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الإرسال قاله ابن عباس والسدي وعندنا أن التسمية شرط في إباحة الصيد \r\n والثاني ترجع إلى الأكل فتكون التسمية مستحبة \r\n قوله تعالى واتقوا الله قال سعيد بن جبير لا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ","part":2,"page":294},{"id":828,"text":" قوله تعالى اليوم أحل لكم الطيبات قال القاضي أبو يعلى يجوز أن يريد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه الآية ويجوز أن يريد اليوم الذي تقدم ذكره في قوله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم وفي قوله اليوم أكملت لكم دينكم وقيل ليس بيوم معين وقد سبق الكلام في الطيبات وإنما كرر إحلالها تأكيدا فأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى وطعامهم ذبائحهم هذا قول ابن عباس والجماعة وإنما أريد بها الذبائح خاصة لأن سائر طعامهم لا يختلف بمن تولاه من مجوسي وكتابي وإنما الذكاة تختلف فلما خص أهل الكتاب بذلك دل على أن المراد الذبائح فأما ذبائح المجوس فأجمعوا على تحريمها واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية والنصرانية من عبدة الأوثان فروي عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس بها وتلا قوله ومن يتولهم منكم فانه منهم المائدة 51 وهذا قول الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعكرمة وقتادة والزهري والحكم وحماد وقد روي عن علي وابن مسعود في آخرين أن ذبائحهم لا تحل ونقل الخرقي عن أحمد في نصارى بني تغلب روايتين \r\n إحداهما تباح ذبائحهم وهو قول أبي حنيفة ومالك \r\n والثانية لا تباح وقال الشافعي من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن لم يبح أكل ذبيحته ","part":2,"page":295},{"id":829,"text":" قوله تعالى وطعامكم حل لهم أي وذبائحكم لهم حلال فاذا اشتروا منا شيئا كان الثمن لنا حلالا واللحم لهم حلالا قال الزجاج والمعنى أحل لكم أن تطعموهم \r\n فصل \r\n وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ذكروا غير اسم الله عليها فكان هذا ناسخا لقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 والصحيح أنها أطلقت إباحة ذبائحهم لأن الأصل أنهم يذكرون الله فيحمل أمرهم على ذلك فان تيقنا أنهم ذكروا غيره فلا نأكل ولا وجه للنسخ وإلى هذا الذي قلته ذهب علي وابن عمر وعبادة وأبو الدرداء والحسن في جماعة \r\n قوله تعالى والمحصنات من المؤمنات فيهن قولان \r\n أحدهما العفائف قاله ابن عباس والثاني الحرائر قاله مجاهد \r\n وفي قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب قولان \r\n أحدهما الحرائر أيضا قاله ابن عباس \r\n والثاني العفائف قاله الحسن والشعبي والنخعي والضحاك والسدي فعلى هذا القول يجوز تزويج الحرة منهن والأمة \r\n فصل \r\n وهذه الآية أباحت نكاح الكتابية وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية وعن طلحة بن عبيد الله أنه تزوج ","part":2,"page":296},{"id":830,"text":" يهودية وقد روي عن عمر وابن عمر كراهة ذلك واختلفوا في نكاح الكتابية الحربية فقال ابن عباس لا تحل والجمهور على خلافه وإنما كرهوا ذلك لقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله المجادلة 22 والنكاح يوجب الود واختلفوا في نكاح نساء تغلب فروي عن علي رضي الله عنه الحظر وبه قال جابر بن زيد والنخعي وروي عن ابن عباس الاباحة وعن أحمد روايتان واختلفوا في إماء أهل الكتاب فروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد أنه لا يجوز نكاحهن وبه قال الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وأصحابنا وروي عن الشعبي وأبي ميسرة جواز ذلك وبه قال أبو حنيفة فأما المجوس فالجمهور على أنهم ليسوا بأهل كتاب وقد شذ من قال إنهم أهل كتاب ويبطل قولهم قوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب فأما الأجور والإحصان والسفاح والأخدان فقد سبق في سورة النساء \r\n قوله تعالى ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله سبب نزول هذا الكلام أن الله تعالى لما رخص في نكاح الكتابيات قلن بينهن لولا أن الله تعالى قد رضي علينا لم يبح للمؤمنين تزويجنا وقال المسلمون كيف يتزوج الرجل منا الكتابية وليست على ديننا فنزلت ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل بن حيان نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر وروى ليث عن مجاهد ومن يكفر بالإيمان قال الإيمان بالله تعالى قال الزجاج ","part":2,"page":297},{"id":831,"text":" معنى الآية من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحله الله فهو كافر وقال أبو سليمان من جحد ما أنزله الله من شرائع الإيمان وعرفه من الحلال والحرام فقد حبط عمله المتقدم وسمعت الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه يقول إنما أباح الله عز و جل الكتابيات لأن بعض المسلمين قد يعجبهن حسنهن فحذر ناكحهن من الميل إلى دينهن بقوله ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون \r\n قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة قال الزجاج المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل 98 قال ابن الأنباري وهذا كما تقول إذا آخيت فآخ أهل الحسب وإذا اتجرت فاتجر في البز قال ويجوز أن يكون الكلام مقدما ومؤخرا تقديره إذا غسلتم وجوهكم واستوفيتم الطهور فقوموا إلى الصلاة وللعلماء في المراد بالآية قولان \r\n أحدهما إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا فصار الحدث مضمرا في وجوب الوضوء وهذا قول سعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وابن عباس والفقهاء ","part":2,"page":298},{"id":832,"text":" والثاني أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة محدثا كان أو غير محدث وهذا مروي عن علي رضي الله عنه وعكرمة وابن سيرين ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ ونقل عن جماعة من العلماء أن ذلك كان واجبا ثم نسخ بالسنة وهو ما روى بريدة أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد فقال له عمر لقد صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال عمدا فعلته يا عمر وقال قوم في الآية ","part":2,"page":299},{"id":833,"text":" تقديم وتأخير ومعناها إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم \r\n قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق إلى حرف موضوع للغاية وقد تدخل الغاية فيها تارة وقد لا تدخل فلما كان الحدث يقينا لم يرتفع إلا بيقين مثله وهو غسل المرفقين فأما الرأس فنقل عن أحمد وجوب مسح جميعه وهو قول مالك وروي عنه يجب مسح أكثره وروي عن أبي حنيفة روايتان \r\n إحداهما أنه يتقدر بربع الرأس والثانية بمقدار ثلاث أصابع ","part":2,"page":300},{"id":834,"text":" قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر اللام عطفا على مسح الرأس وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب بفتح اللام عطفا على الغسل فيكون من المقدم والمؤخر قال الزجاج الرجل من أصل الفخذ إلى القدم فلما حد الكعبين علم أن الغسل ينتهي إليهما ويدل على وجوب الغسل التحديد بالكعبين كما جاء في تحديد اليد إلى المرافق ولم يجئ في شيء من المسح تحديد ويجوز أن يراد الغسل على قراءة الخفض لأن التحديد بالكعبين يدل على الغسل فينسق بالغسل على المسح قال الشاعر ... يا ليت بعلك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا ... \r\n والمعنى وحاملا رمحا وقال الآخر ... علفتها تبنا وماء باردا ... \r\n والمعنى وسقيتها ماء باردا وقال أبو الحسن الأخفش يجوز الجر على الإتباع والمعنى الغسل ","part":2,"page":301},{"id":835,"text":" نحو قولهم جحر ضب خرب وقال ابن الأنباري لما تأخرت الأرجل بعد الرؤوس نسقت عليها للقرب والجوار وهي في المعنى نسق على الوجوه كقولهم جحر ضب خرب ويجوز أن تكون منسوقة عليها لأن العرب تسمي الغسل مسحا لأن الغسل لا يكون إلا بمسح وقال أبو علي من جر فحجته أنه وجد في الكلام عاملين أحدهما الغسل والآخر الباء الجارة ووجه العاملين إذا اجتمعا أن يحمل الكلام على الأقرب منهما دون الأبعد وهو الباء هاهنا وقد قامت الدلالة على أن المراد بالمسح الغسل من وجهين \r\n أحدهما أن أبا زيد قال المسح الخفيف الغسل قالوا تمسحت للصلاة وقال أبو عبيدة فطفق مسحا بالسوق أي ضربا فكأن المسح بالآية غسل خفيف فان قيل فالمستحب التكرار ثلاثا قيل إنما جاءت الآية بالمفروض دون المسنون \r\n والوجه الثاني أن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول دون الممسوح فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد وحجة من نصب أنه حمل ذلك على الغسل لاجتماع فقهاء الأمصار على الغسل ","part":2,"page":302},{"id":836,"text":" قوله تعالى إلى الكعبين إلى بمعنى مع والكعبان العظمان الناتئان من جانبي القدم ","part":2,"page":303},{"id":837,"text":" قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد واجتلبت الهمزة توصلا إلى النطق بالساكن وقد بين الله عز و جل طهارة الجنب في سورة النساء بقوله حتى تغتسلوا النساء 43 وقد ذكرنا هناك الكلام في تمام الآية إلى قوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج والحرج الضيق فجعل الله الدين واسعا حين رخص في التيمم \r\n قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم أي يريد أن يطهركم قال مقاتل من الأحداث والجنابة وقال غيره من الذنوب والخطايا لأن الوضوء يكفر الذنوب \r\n قوله تعالى وليتم نعمته عليكم في الذي يتم به النعمة أربعة أقوال \r\n أحدها بغفران الذنوب قال محمد بن كعب القرظي حدثني عبد الله بن دارة عن حمران قال مررت على عثمان بفخارة من ماء فدعا بها فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قال لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مرة أو مرتين أو ثلاثا ما حدثتكم سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما توضأ عبد فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى قال محمد بن كعب وكنت إذا سمعت الحديث التمسته في القرآن فالتمست هذا فوجدته ","part":2,"page":304},{"id":838,"text":" في قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك الفتح 1 2 فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر له ذنوبه ثم قرأت الآية التي في المائدة إذا قمتم إلى الصلاة إلى قوله وليتم نعمته عليكم فعلمت أنه لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم \r\n والثاني بالهداية إلى الإيمان وإكمال الدين وهذا قول ابن زيد ","part":2,"page":305},{"id":839,"text":" والثالث بالرخصة في التيمم قاله مقاتل وأبو سليمان \r\n والرابع ببيان الشرائع ذكره بعض المفسرين واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذا قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم يعني النعم كلها وفي هذا حث على الشكر وفي الميثاق أربعة أقوال \r\n أحدها أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به قال ابن عباس لما أنزل الله الكتاب وبعث الرسول فقالوا آمنا ذكرهم ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء \r\n والثاني أنه الميثاق الذي أخذه من بني آدم حين أخرجهم من ظهره رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وابن زيد \r\n والثالث أنه ما وثق على المؤمنين على لسان نبيه عليه السلام من الأمر بالوفاء بما أقروا به من الإيمان روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أنه الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة العقبة وبيعة الرضوان ذكره بعض المفسرين ","part":2,"page":306},{"id":840,"text":" قوله تعالى واتقوا الله قال مقاتل اتقوه في نقض الميثاق إن الله عليم بذات الصدور أي بما فيها من إيمان وشك يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا وقد تقدم ذكرهم في قوله ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام روى نحو هذا أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني أن قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله صلى الله عليه و سلم فأطلع الله نبيه على ذلك ونزلت هذه الآية والتي بعدها هذا قول الحسن \r\n والثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم ذهب إلى يهود بني النضير يستعينهم في دية فهموا بقتله فنزلت هذه الآية قاله مجاهد وقتادة ومعنى الآية كونوا قوامين لله بالحق ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل اعدلوا في الولي والعدو هو أقرب للتقوى أي إلى التقوى والمعنى أقرب إلى أن تكونوا متقين وقيل هو أقرب إلى اتقاء النار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ","part":2,"page":307},{"id":841,"text":" قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة في معناها قولان \r\n أحدهما أن المعنى وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم فاكتفى بما ذكر عن هذا المعنى \r\n والثاني أن المعنى وعدهم فقال لهم مغفرة وقد بينا في البقرة معنى الجحيم يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمن \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن رجلا من محارب قال لقومه الا أقتل لكم محمدا فقالوا وكيف تقتله فقال أفتك به فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيفه في حجره فأخذه وجعل يهزه ويهم به فيكبته الله ثم قال يا محمد ما تخافني قال لا قال لا تخافني وفي يدي السيف قال يمنعني الله منك فأغمد السيف فنزلت هذه الآية رواه الحسن البصري عن جابر بن عبد الله وفي بعض الألفاظ فسقط السيف من يده وفي لفظ آخر فما قال له النبي صلى الله عليه و سلم شيئا ولا عاقبه واسم هذا الرجل غورث بن الحارث من محارب خصفة \r\n والثاني أن اليهود عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه و سلم فكفاه الله شرهم ","part":2,"page":308},{"id":842,"text":" قال ابن عباس صنعوا له طعاما فأوحي أليه بشأنهم فلم يأت وقال مجاهد وعكرمة خرج إليهم يستعينهم في دية فقالوا اجلس حتى نعطيك فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فقال عمرو بن جحاش أنا فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده وجاء جبريل فأخبره وخرج ونزلت هذه الآية \r\n والثالث أن بني ثعلبة وبني محارب أرادوا أن يفتكوا بالنبي وأصحابه وهم ببطن نخلة في غزاة رسول الله صلى الله عليه و سلم السابعة فقالوا إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم فاذا سجدوا وقعنا بهم فأطلع الله نبيه على ذلك ","part":2,"page":309},{"id":843,"text":" وأنزل صلاة الخوف ونزلت هذه الآية هذا قول قتادة \r\n والرابع أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا قول ابن زيد ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي وعززتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل \r\n قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل قال أبو العالية أخذ الله ميثاقهم أن يخلصوا له العبادة ولا يعبدوا غيره وقال مقاتل أن يعملوا بما في التوراة وفي معنى النقيب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الضمين قاله الحسن ومعناه أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده ولا يجوز أن يكون ضمينا عنهم بالوفاء لأن ذلك لا يصح ضمانه وقال ابن قتيبة هو الكفيل على القوم والنقابة شبيهة بالعرافة \r\n والثاني أنه الشاهد قاله قتادة وقال ابن فارس النقيب شاهد القوم وضمينهم ","part":2,"page":310},{"id":844,"text":" والثالث الأمين قاله الربيع بن أنس واليزيدي وهذه الأقوال تتقارب قال الزجاج النقيب في اللغة كالأمين والكفيل يقال نقب الرجل على القوم ينقب إذا صار نقيبا عليهم وصناعته النقابة وكذلك عرف عليهم إذا صار عريفا ويقال لأول ما يبدو من الجرب النقبة ويجمع النقب والنقب قال الشاعر ... متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب ... \r\n ويقال في فلان مناقب جميلة وكل الباب معناه التأثير الذي له عمق ودخول ومن ذلك نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره والنقبة من الجرب داء شديد الدخول وإنما قيل نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم ونقل أن الله تعالى أمر موسى وقومه بالسيرإلى الأرض المقدسة وكان يسكنها الجبارون فقال تعالى يا موسى اخرج إليها ","part":2,"page":311},{"id":845,"text":" وجاهد من فيها من العدو وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به فاختاروا النقباء \r\n وفيما بعثوا له قولان \r\n أحدهما أن موسى بعثهم إلى بيت المقدس ليأتوه بخبر الجبارين قاله ابن عباس ومجاهد والسدي \r\n والثاني أنهم بعثوا ضمناء على قومهم بالوفاء بميثاقهم قاله الحسن وابن إسحاق وفي نبوتهم قولان أصحهما أنهم ليسوا بأنبياء \r\n قوله تعالى وقال الله في الكلام محذوف تقديره وقال الله لهم \r\n وفي المقول لهم قولان \r\n أحدهما أنهم بنو إسرائيل قاله الجمهور \r\n والثاني أنهم النقباء قاله الربيع ومقاتل ومعنى إني معكم أي بالعون والنصرة وفي معنى وعززتموهم قولان \r\n أحدهما أنه الإعانة والنصر قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي \r\n والثاني أنه التعظيم والتوقير قاله عطاء واليزيدي وأبو عبيدة وابن قتيبة \r\n قوله تعالى وأقرضتم الله قرضا حسنا في هذا الاقراض قولان \r\n أحدهما أنه الزكاة الواجبة والثاني صدقة التطوع وقد شرحنا في البقرة معنى القرض الحسن \r\n قوله تعالى فمن كفر بعد ذلك منكم يشير إلى الميثاق فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ قصد الطريق ","part":2,"page":312},{"id":846,"text":" فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين \r\n قوله تعالى فبما نقضهم في الكلام محذوف تقديره فنقضوا فبنقضهم لعناهم وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها التعذيب بالجزية قاله ابن عباس والثاني التعذيب بالمسخ قاله الحسن ومقاتل والثالث الإبعاد من الرحمة قاله عطاء والزجاج \r\n قوله تعالى وجعلنا قلوبهم قاسية قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر قاسية بالألف يقال قست فيه قاسية وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم قسية بغير ألف مع تشديد الياء لأنه قد يجيء فاعل وفعيل مثل شاهد وشهيد وعالم وعليم والقسوة خلاف اللين والرقة وقد ذكرنا هذا في البقرة وفي تحريفهم الكلم ثلاثة أقوال \r\n أحدها تغيير حدود التوراة قاله ابن عباس والثاني تغيير صفة محمد صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل والثالث تفسيره على غير ما أنزل قاله الزجاج \r\n قوله تعالى عن مواضعه مبين في سورة النساء \r\n قوله تعالى ونسوا حظا مما ذكروا به النسيان هاهنا الترك عن عمد والحظ النصيب قال مجاهد نسوا كتاب الله الذي أنزل عليهم وقال غيره تركوا نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم وفي معنى ذكروا به قولان \r\n أحدهما أمروا والثاني أوصوا ","part":2,"page":313},{"id":847,"text":" قوله تعالى ولا تزال تطلع على خائنة منهم وقرأ الأعمش على خيانة منهم قال ابن قتيبة الخائنة الخيانة ويجوز أن تكون صفة للخائن كما يقال رجل طاغية وراوية للحديث قال ابن عباس وذلك مثل نقض قريظة عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وخروج كعب بن الأشرف إلى أهل مكة للتحريض على رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا قليلا منهم لم ينقضوا العهد وهم عبدالله بن سلام وأصحابه وقيل بل القليل ممن لم يؤمن \r\n قوله تعالى فاعف عنهم واصفح واختلفوا في نسخها على قولين \r\n أحدهما أنها منسوخة قاله الجمهور واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها آية السيف والثاني قوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله التوبة 29 والثالث قوله وإما تخافن من قوم خيانة الأنفال 58 \r\n والثاني أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه و سلم عهد فغدروا وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه و سلم فأظهره الله عليهم ثم أنزل الله هذه الآية ولم تنسخ \r\n قال ابن جرير يجوز أن يعفى عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار فلا يتوجه النسخ ","part":2,"page":314},{"id":848,"text":" ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون \r\n قوله تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم قال الحسن إنما قال قالوا إنا نصارى ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ليسوا على منهاج النصارى حقيقة وهم الذين اتبعوا المسيح وقال قتادة كانوا بقرية يقال لها ناصرة فسموا بهذا الاسم قال مقاتل أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد فتركوا ما أمروا به \r\n قوله تعالى فأغرينا بينهم قال النضر هيجنا وقال المؤرج حرشنا بعضهم على بعض وقال الزجاج ألصقنا بهم ذلك يقال غريت بالرجل غرى مقصورا إذا لصقت به هذا قول الأصمعي وقال غير الأصمعي غريت به غراء ممدود وهذا الغراء الذي يغرى به إنما يلصق به الأشياء ومعنى أغرينا بينهم العداوة والبغضاء أنهم صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى اليهود والنصارى قاله مجاهد وقتادة والسدي \r\n والثاني أنها ترجع إلى النصارى خاصة قاله الربيع وقال الزجاج هم النصارى منهم النسطورية واليعقوبية والملكية وكل فرقة منهم تعادي الأخرى وفي تمام الآية وعيد شديد لهم ","part":2,"page":315},{"id":849,"text":" يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين \r\n قوله تعالى يا أهل الكتاب فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود والثاني اليهود والنصارى والرسول محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب قال ابن عباس أخفوا آية الرجم وأمر محمد صلى الله عليه و سلم وصفته ويعفو عن كثير يتجاوز فلا يخبرهم بكتمانه فان قيل كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه كان متلقيا ما يؤمر به فاذا أمر باظهار شيء من أمرهم أظهره وأخذهم به وإلا سكت \r\n والثاني أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم فلما كتموا كثيرا مما أمروا به واتخذوا غيره دينا أظهر عليهم ما كتموه من صفته وعلامة نبوته لتتحقق معجزته عندهم واحتكموا إليه في الرجم فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم \r\n قوله تعالى قد جاءكم من الله نور قال قتادة يعني بالنور النبي محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وقال غيره هو الإسلام فأما الكتاب المبين فهو القرآن يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ","part":2,"page":316},{"id":850,"text":" قوله تعالى يهدي به الله يعني بالكتاب ورضوانه ما رضيه الله تعالى \r\n والسبل جمع سبيل قال ابن عباس سبل السلام دين الاسلام وقال السدي السلام هو الله وسبله دينه الذي شرعه قال الزجاج وجائز أن يكون سبل السلام طريق السلامة التي من سلكها سلم في دينه وجائز أن يكون السلام اسم الله عز و جل فيكون المعنى طرق الله عز و جل \r\n قوله تعالى ويخرجهم من الظلمات قال ابن عباس يعني الكفر إلى النور يعني الإيمان باذنه أي بأمره ويهديهم إلى صراط مستقيم وهو الاسلام وقال الحسن طريق الحق لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشآء والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قال ابن عباس هؤلاء نصارى أهل نجران وذلك أنهم اتخذوه إلها قل فمن يملك من الله شيئا أي فمن يقدر أن يدفع من عذابه شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم أي فلو كان إلها كما تزعمون لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه باهلاكه أو إهلاك أمه ولما نزل أمر الله بأمه لم يقدر أن يدفع عنها وفي قوله يخلق ما يشاء رد عليهم حيث قالوا للنبي فهات مثله من غير أب \r\n فان قيل فلم قال ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ولم يقل وما بينهن فالجواب أن المعنى وما بين هذين النوعين من الأشياء قاله ابن جرير ","part":2,"page":317},{"id":851,"text":" وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير \r\n قوله تعالى وقالت اليهود والنصارى قال مقاتل هم يهود المدينة ونصارى نجران وقال السدي قالوا إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل إن ولدك بكري من الولد فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل وقيل إنهم لما قالوا المسيح ابن الله كان معنى قولهم نحن أبناء الله أي منا ابن الله وفي قوله قل فلم يعذبكم بذنوبكم إبطال لدعواهم لأن الأب لا يعذب ولده والحبيب لا يعذب حبيبه وهم يقولون إن الله يعذبنا أربعين يوما بالنار ","part":2,"page":318},{"id":852,"text":" وقيل معنى الكلام فلم عذب منكم من مسخه قردة وخنازير وهم أصحاب السبت والمائدة \r\n قوله تعالى بل أنتم بشر ممن خلق أي أنتم كسائر بني آدم تجازون بالإحسان والإساءة قال عطاء يغفر لمن يشاء وهم الموحدون ويعذب من يشاء وهم المشركون يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جآءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا سبب نزولها أن معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب قالوا يا معشر اليهود اتقوا الله والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته \r\n فقال وهب بن يهوذا ورافع ما قلنا هذا لكم وما أنزل الله بعد موسى من كتاب ولا أرسل رسولا بشيرا ولا نذيرا بعده فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n فأما الفترة فأصلها السكون يقال فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حدته وانقطع عما كان عليه والطرف الفاتر الذي ليس بحديد والفتور الضعف وفي مدة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة أقوال ","part":2,"page":319},{"id":853,"text":" أحدها أنه كان بين عيسى ومحمد عليهم السلام ستمائة سنة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سلمان الفارسي ومقاتل \r\n والثاني خمسمائة سنة وستون سنة قاله قتادة \r\n والثالث أربع مائة وبضع وثلاثون سنة قاله الضحاك \r\n والرابع خمسمائة سنة وأربعون سنة قاله ابن السائب وقال أبو صالح عن ابن عباس على فترة من الرسل أي انقطاع منهم قال وكان بين ميلاد عيسى وميلاد محمد صلى الله عليه و سلم خمسمائة سنة وتسعة وتسعون سنة وهي فترة وكان بعد عيسى أربعة من الرسل فذلك قوله إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث يس 14 قال والرابع لا أدري من هو وكان بين تلك السنين مائة سنة وأربع وثلاثون نبوة وسائرها فترة قال أبو سليمان الدمشقي والرابع والله أعلم خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم نبي ضيعه قومه ","part":2,"page":320},{"id":854,"text":" قوله تعالى أن تقولوا قال الفراء كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير مثل قوله يبين الله لكم أن تضلوا النساء 176 وقال غيره لئلا تقولوا وقيل كراهة أن تقولوا وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتكم ما لم يؤت أحدا من العالمين \r\n قوله تعالى إذ جعل فيكم أنبياء فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم السبعون الذين اختارهم موسى وانطلقوا معه إلى الجبل جعلهم الله أنبياء بعد موسى وهارون وهذا قول ابن السائب ومقاتل \r\n والثاني أنهم الأنبياء الذين أرسلوا من بني إسرائيل بعد موسى ذكره الماوردي وبماذا جعلهم ملوكا فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها بالمن والسلوى والحجر والثاني بأن جعل للرجل منهم زوجة وخادما والثالث بالزوجة والخادم والبيت رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس وهذا الثالث اختيار الحسن ومجاهد والرابع بالخادم والبيت قاله عكرمة والخامس بتمليكهم الخدم وكانوا أول من تملك الخدم ومن اتخذ ","part":2,"page":321},{"id":855,"text":" خادما فهو ملك قاله قتادة والسادس بكونهم أحرارا يملك الإنسان منهم نفسه وأهله وماله قاله السدي والسابع بالمنازل الواسعة فيها المياه الجارية قاله الضحاك والثامن بأن جعل لهم الملك والسلطان ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين اختلفوا فيمن خوطب بهذا على قولين \r\n أحدهما أنهم قوم موسى وهذا مذهب ابن عباس ومجاهد قال ابن عباس ويعني بالعالمين الذين هم بين ظهرانيهم وفي الذي آتاهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها المن والسلوى والحجر والغمام رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به \r\n والثاني أنه الدار والخادم والزوجة رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن جرير ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا \r\n والثالث كثرة الأنبياء فيهم ذكره الماوردي \r\n والثاني أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه و سلم وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي مالك يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ","part":2,"page":322},{"id":856,"text":" قوله تعالى يا قوم ادخلوا وقرأ ابن محيصن يا قوم بضم الميم وكذلك يا قوم اذكروا نعمة يا قوم اعبدوا الأعراف 59 وفي معنى المقدسة قولان \r\n أحدهما المطهرة قاله ابن عباس والزجاج قال وقيل للسطل القدس لأنه يتطهر منه وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب وقيل سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين \r\n والثاني أن المقدسة المباركة قاله مجاهد \r\n وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال \r\n أحدها أنها أريحا رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي وابن زيد قال السدي أريحا هي أرض بيت المقدس وروي عن الضحاك أنه قال المراد بهذه الأرض إيلياء وبيت المقدس قال ابن قتيبة وقرأت في مناجاة موسى أنه قال اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة ومن الطير الحمامة ومن البيوت بكة وإيلياء ومن إيلياء بيت المقدس فهذا يدل على أن إيلياء الأرض التي فيها بيت المقدس وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن إيلياء بيت المقدس وهو معرب قال الفرزدق ... وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وبيت بأعلى إيلياء مشرف ... \r\n والقول الثاني أنها الطور وما حوله رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به \r\n والثالث أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع أنها الشام كلها قاله قتادة ","part":2,"page":323},{"id":857,"text":" وفي قوله تعالى التي كتب الله لكم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه بمعنى أمركم وفرض عليكم دخولها قاله ابن عباس والسدي \r\n والثاني أنه بمعنى وهبها الله لكم قاله محمد بن إسحاق وقال ابن قتيبة جعلها لكم \r\n والثالث كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكنكم \r\n فان قيل كيف قال فانها محرمة عليهم وقد كتبها لهم فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه إنما جعلها لهم بشرط الطاعة فلما عصوا حرمها عليهم \r\n والثاني أنه كتبها لبني إسرائيل وإليهم صارت ولم يعن موسى أن الله كتبها للذين أمروا بدخولها بأعيانهم قال ابن جرير ويجوز أن يكون الكلام خرج مخرج العموم وأريد به الخصوص فتكون مكتوبة لبعضهم وقد دخلها يوشع وكالب \r\n قوله تعالى ولا ترتدوا على أدباركم فيه قولان \r\n أحدهما لا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته والثاني لا ترجعوا إلى الشرك به قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون \r\n قوله تعالى إن فيها قوما جبارين قال الزجاج الجبار من الآدميين الذي يجبر الناس على ما يريد يقال جبار بين الجبرية والجبرية بكسر الجيم والباء والجبروة والجبورة والتجبار والجبروت \r\n وفي معنى وصفه هؤلاء بالجبارين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا ذوي قوة قاله ابن عباس والثاني أنهم كانوا عظام الخلق والأجسام قاله قتادة والثالث أنهم كانوا قتالين قاله مقاتل ","part":2,"page":324},{"id":858,"text":" الإشارة إلى القصة \r\n قال ابن عباس لم نزل موسى وقومه بمدينة الجبارين بعث اثني عشر رجلا ليأتوه بخبرهم فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه فأتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا فقالوا لهم من أين أنتم فقالوا نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم فأعطوهم حبة من عنب توقر الرجل وقالوا لهم قولوا لموسى وقومه اقدروا قدر فاكههم فلما رجعوا قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وقال السدي كان الذي لقيهم يقال له عاج يعني عوج بن عناق فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجرته وعلى رأسه حزمة حطب وانطلق بهم إلى امرأته فقال انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال ألا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا فلما خرجوا قالوا يا قوم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي الله فأخذوا الميثاق بينهم على كتمان ذلك فنكث عشرة وكتم رجلان وقال مجاهد لما رأى النقباء الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أو أربعة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أو أربعة فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع وابن يوقنا ","part":2,"page":325},{"id":859,"text":" قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى قال رجلان من الذين يخافون في الرجلين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنة قاله ابن عباس وقال مجاهد ابن يوقنا وهما من النقباء \r\n والثاني أنهما كانا من الجبارين فأسلما روي عن ابن عباس \r\n والثالث أنهما كانا في مدينة الجبارين وهما على دين موسى قاله الضحاك وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو رجاء وأيوب يخافون بضم الياء على معنى أنهما كانا من العدو فخرجا مؤمنين وفي معنى خوفهم خوفهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم خافوا الله وحده والثاني خافوا الجبارين ولم يمنعهم خوفهم قول الحق والثالث يخاف منهم على قراءة ابن جبير \r\n وفيما أنعم به عليهما أربعة أقوال \r\n أحدها الإسلام قاله ابن عباس والثاني الصلاح والفضل واليقين قاله عطاء والثالث الهدى قاله الضحاك والرابع الخوف ذكره ابن جرير عن بعض السلف \r\n قوله تعالى ادخلوا عليهم الباب قال ابن عباس قال الرجلان ادخلوا عليهم باب القرية فانهم قد ملئوا منا رعبا وفرقا ","part":2,"page":326},{"id":860,"text":" قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون \r\n قوله تعالى فاذهب أنت وروبك فقاتلا قال ابن زيد قالوا له انظر كما صنع ربك بفرعون وقومه فليصنع بهؤلاء وقال مقاتل فاذهب أنت وسل ربك النصر وقال غيرهما إذهب أنت وليعنك ربك قال ابن مسعود لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو يدعو على المشركين فقال لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أشرق لذلك وجهه وسر به وقال أنس استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس يوم خرج إلى بدر فأشار عليه أبو بكر ثم استشارهم فأشار عليه عمر فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم فقالوا يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك ","part":2,"page":327},{"id":861,"text":" قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين \r\n قوله تعالى لا أملك إلا نفسي وأخي فيه قولان \r\n أحدهما لا أملك إلا نفسي وأخي لا يملك إلا نفسه \r\n والثاني لا أملك إلا نفسي وإلا أخي أي وأملك طاعة أخي لأن أخاه إذا أطاعه فهو كالملك له وهذا على وجه المجاز كما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعني أني متصرف حيث صرفتني وأمرك جائز في مالي \r\n قوله تعالى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال ابن عباس اقض بيننا وبينهم وقال أبو عبيدة باعد وافصل وميز وفي المراد بالفاسقين ثلاثة أقوال ","part":2,"page":328},{"id":862,"text":" أحدها العاصون قاله ابن عباس والثاني الكاذبون قاله ابن زيد \r\n والثالث الكافرون قاله أبو عبيدة قال السدي غضب موسى حين قالوا له اذهب أنت وربك فدعا عليهم وكانت عجلة من موسى عجلها قال فانها محرمة عليهم أربعة سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين \r\n قوله تعالى فانها محرمة عليهم الإشارة إلى الأرض المقدسة ومعنى تحريمها عليهم منعهم منها فأما نصب الأربعين فقال الفراء هو منصوب بالتحريم وجائز أن يكون منصوبا ب يتيهون وقال الزجاج لا يجوز أن ينتصب بالتحريم لأن التفسير جاء أنها محرمة عليهم أبدا قلت وقد اختلف المفسرون في ذلك فذهب الأكثرون منهم عكرمة وقتادة إلى ما قال الزجاج وأنها حرمت عليهم أبدا قال عكرمة فانها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة وذهب قوم منهم البيع بن أنس إلى أنها حرمت عليهم أربعين سنة ثم أمروا بالسير إليها وهذا اختيار ابن جرير قال إنما نصبت بالتحريم والتحريم كان عاما في حق الكل ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد فلما انقضت أذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم قال أبو عبيدة ومعنى يتيهون يحورون ويضلون ","part":2,"page":329},{"id":863,"text":" الإشارة إلى قصتهم \r\n قال ابن عباس حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فلبثوا في تيههم أربعين سنة وماتوا في التيه ومات موسى وهارون ولم يدخل بيت المقدس إلا يوشع وكالب بأبناء القوم وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتحها وقال مجاهد تاهوا أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا وقال السدي لما ضرب الله عليهم التيه ندم موسى على دعائه عليهم وقالوا له ما صنعت بنا أين الطعام فأنزل الله المن قالوا فأين الشراب فأمر موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا فأين الظل فظلل عليهم الغمام قالوا فأين اللباس وكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب وقبض موسى ولم يبق أحد ممن أبى دخول قرية الجبارين إلا مات ولم يشهد الفتح وفيه قول آخر أنه لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إسرائيل من التيه وقال لهم ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة إلى آخر القصة وهذا قول الربيع بن أنس وعبدالرحمن ابن زيد قال ابن ابن جرير الطبري وأبو سليمان الدمشقي وهذا الصحيح وأن موسى هو الذي فتح مدينة الجبارين مع الصالحين من بني إسرائيل لأن أهل السيرة أجمعوا على أن موسى هو قاتل عوج وكان عوج ملكهم وكان بلعم ابن باعوراء فيمن سباه موسى وقتله ولم يدخل مع موسى من قدمائهم غير يوشع وكالب وإنما حرمت على الذين لم يطيعوا وفي مسافة أرض التيه قولان \r\n أحدهما تسعة فراسخ قاله ابن عباس قال مقاتل هذا عرضها وطولها ثلاثون فرسخا والثاني ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا حكاه مقاتل أيضا ","part":2,"page":330},{"id":864,"text":" قوله تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين قال الزجاج لا تحزن على قوم شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل وقال ابن قتيبة يقال أسيت على كذا أي حزنت فأنا آسي أسى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين \r\n قوله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق النبأ الخبر وفي ابني آدم قولان \r\n أحدهما أنهما ابناه لصلبه وهما قابيل وهابيل قاله ابن عمر وابن عباس ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها أخوان من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه هذا قول الحسن والعلماء على الأول وهو أصح لقوله ليريه كيف يواري سوأة أخيه المائدة 31 ولو كان من بني إسرائيل لكان قد عرف الدفن ولأن ","part":2,"page":331},{"id":865,"text":" النبي صلى الله عليه و سلم قال عنه إنه أول من سن القتل وقوله تعالى بالحق أي كما كان والقربان فعلان من القرب وقد ذكرناه في آل عمران \r\n وفي السبب الذي قربا لأجله قولان \r\n أحدهما أن آدم عليه السلام كان قد نهي أن ينكح المرأة التي أخاها الذي هو توأمها وأجيز له أن ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فولدت له ابنة وسيمة وأخرى دميمة فقال أخو الدميمة لأخي الوسيمة أنكحني أختك وأنكحك أختى فقال أخو الوسيمة أنا أحق بأختي وكان أخو الوسيمة صاحب حرث وأخو الدميمة صاحب غنم فقال هلم فلنقرب قربانا فأينا تقبل قربانه فهو أحق بها فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض أعين أقرن وجاء صاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل الكبش فخزنه الله في الجنة أربعين خريفا فهو الذي ذبحه إبراهيم فقتله صاحب الحرث ","part":2,"page":332},{"id":866,"text":" فولد آدم كلهم من ذلك الكافر رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنهما قرباه من غير سبب روى العوفي عن ابن عباس أن ابني آدم كانا قاعدين يوما فقالا لو قربنا قربانا فجاء صاحب الغنم بخير غنمه وأسمنها وجاء الآخر ببعض زرعه فنزلت النار فأكلت الشاة وتركت الزرع فقال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أن قربانك تقبل وأنك خير مني لأقتلنك واختلفوا هل قابيل وأخته ولدا قبل هابيل وأخته أم بعدهما على قولين وهل كان قابيل كافرا أو فاسقا غير كافر فيه قولان \r\n وفي سبب قبول قربان هابيل قولان \r\n أحدهما أنه كان أتقى لله من قابيل والثاني أنه تقرب بخيار ماله وتقرب قابيل بشر ماله وهل كان قربانهما بأمر آدم أم من قبل أنفسهما فيه قولان \r\n أحدهما أنه كان وآدم قد ذهب إلى زيارة البيت والثاني أن آدم أمرهما بذلك وهل قتل هابيل بعد تزويج أخت قابيل أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنه قتله قبل ذلك لئلا يصل إليها والثاني أنه قتله بعد نكاحها \r\n قوله تعالى قال لأقتلنك وروى زيد عن يعقوب لأقتلنك بسكون النون وتخفيفها والقائل هو الذي لم يتقبل منه قال الفراء إنما حذف ذكره ","part":2,"page":333},{"id":867,"text":" لأن المعنى يدل عليه ومثل ذلك في الكلام أن تقول إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد وإنما كان ذلك لأن المعنى لا يشكل فلو قلت مر بي رجل وامرأة فأعنت وأنت تريد أحدهما لم يجز لأنه ليس هناك علامة تدل على مرادك وفي المراد بالمتقين قولان \r\n أحدهما أنهم الذين يتقون المعاصي قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين يتقون الشرك قاله الضحاك \r\n لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين \r\n قوله تعالى ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك فيه قولان \r\n أحدهما ما أنا بمنتصر لنفسي قاله ابن عباس والثاني ما كنت لأبتدئك قاله عكرمة وفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان \r\n أحدهما أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له قاله ابن عمر وابن عباس ","part":2,"page":334},{"id":868,"text":" والثاني أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا قاله الحسن ومجاهد وقال ابن جرير ليس في الآية دليل على أن المقتول علم عزم القاتل على قتله ثم ترك الدفع عن نفسه وقد ذكر أنه قتله غيلة فلا يدعى ما ليس في الآية إلا بدليل إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين \r\n قوله تعالى إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فيه قولان \r\n أحدهما إني أريد أن ترجع باثم قتلي وإثمك الذي في عنقك هذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك \r\n والثاني أن تبوء باثمي في خطاياي وإثمك في قتلك لي وهو مروي عن مجاهد أيضا قال ابن جرير والصحيح عن مجاهد القول الأول وقد روى ","part":2,"page":335},{"id":869,"text":" البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل فان قيل كيف أراد هابيل وهو من المؤمنين أن يبوء قابيل بالإثم وهو معصية والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه ما أراد لأخيه الخطيئة وإنما أراد إن قتلتني أردت أن تبوء بالإثم وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج \r\n والثاني أن في الكلام محذوفا تقديره إني أريد أن لا تبوء باثمي وإثمك فحذف لا كقوله وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم لقمان 10 أي أن لا تميد بكم ومنه قول امرئ القيس ... فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ... \r\n أراد لا أبرح وهذا مذهب ثعلب ","part":2,"page":336},{"id":870,"text":" والثالث أن المعنى أريد زوال أن تبوء باثمي وإثمك وبطلان أن تبوء باثمي وإثمك فحذف ذلك وقامت أن مقامه كقوله وأشربوا في قلوبهم العجل البقرة 93 أي حب العجل ذكره والذي قبله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى وذلك جزاء الظالمين الإشارة إلى مصاحبة النار فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين \r\n قوله تعالى فطوعت له نفسه فيه خمسة أقوال \r\n أحدها تابعته على قتل أخيه قاله ابن عباس والثاني شجعته قاله مجاهد والثالث زينت له قاله قتادة والرابع رخصت له قاله أبو الحسن الأخفش والخامس أن طوعت فعلت من الطوع والعرب تقول طاع لهذه الظبية أصول هذا الشجر وطاع له كذا أي أتاه طوعا حكاه الزجاج عن المبرد وقال ابن قتيبة شايعته وانقادت له يقال لساني لا يطوع بكذا أي لا ينقاد وهذه المعاني تتقارب \r\n وفي كيفية قتله ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه رماه بالحجارة حتى قتله رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني ضرب رأسه بصخرة وهو نائم رواه مجاهد عن ابن عباس والسدي عن أشياخه \r\n والثالث رضخ رأسه بين حجرين قال ابن جريج لم يدر كيف يقتله ","part":2,"page":337},{"id":871,"text":" فتمثل له إبليس وأخذ طائرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخه بحجر آخر ففعل به هكذا وكان لهابيل يومئذ عشرون سنة وفي موضع مصرعه ثلاثة أقوال \r\n أحدها على جبل ثور قاله ابن عباس والثاني بالبصرة قاله جعفر الصادق والثالث عند عقبة حراء حكاه ابن جرير الطبري \r\n و في قوله فأصبح من الخاسرين ثلاثة أقوال \r\n أحدها من الخاسرين الدنيا والآخرة فخسرانه الدنيا أنه أسخط والديه وبقي بلا أخ وخسرانه الآخرة أنه أسخط ربه وصار إلى النار قاله ابن عباس والثاني أنه أصبح من الخاسرين الحسنات قال الزجاج \r\n والثالث مني الخاسرين أنفسهم باهلاكهم إياها قاله القاضي أبو يعلى فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين \r\n قوله تعالى فبعث الله غرابا يبحث قال ابن عباس حمله على عاتقه فكان إذا مشى تخط يداه ورجلاه في الأرض وإذا قعد وضعه إلى جنبه حتى رأى غرابين اقتتلا فقتل أحدهم الآخر ثم بحث له الأرض حتى واراه بعد أن حمله سنين وقال مجاهد حمله على عاتقه مائة سنة وقال عطية حمله حتى أروح وقال مقاتل حمله ثلاثة أيام وفي المراد بسوأة أخيه قولان \r\n أحدهما عورة أخيه والثاني جيفة أخيه ","part":2,"page":338},{"id":872,"text":" قوله تعالى فأصبح من النادمين قان قيل أليس الندم توبة فلم لم يقبل منه فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا ويكون توبة لهذه الأمة لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها قاله الحسن بن الفضل \r\n والثاني أنه ندم على حمله لا على قتله والثالث أنه ندم إذ لم يواره حين قتله والرابع أنه ندم على فوات أخيه لا على ركوب الذنب وفي هذه القصة تحذير من الحسد لأنه الذي أهلك قابيل من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون \r\n قوله تعالى من أجل ذلك قال الضحاك من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلما وقال أبو عبيدة من جناية ذلك ومن جري ذلك قال الشاعر ","part":2,"page":339},{"id":873,"text":" وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله ... \r\n أي جانيه وجار ذلك عليهم وقال قوم الكلام متعلق بما قبله والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا وعلى الأول لا يحسن الوقف والأول أصح و كتبنا بمعنى فرضنا ومعنى قتل نفسا بغير نفس أي قتلها ظلما ولم تقتل نفسا أو فساد في الأرض فساد منسوق على نفس المعنى أو بغير فساد تستحق به القتل وقيل أراد بالفساد هاهنا الشرك وفي معنى قوله فكأنما قتل الناس جميعا خمسة أقوال \r\n أحدها أن عليه إثم من قتل الناس جميعا قاله الحسن والزجاج \r\n والثاني أنه يصلى النار بقتل المسلم كما لو قتل الناس جميعا قاله مجاهد وعطاء وقال ابن قتيبة يعذب كما يعذب قاتل الناس جميعا \r\n والثالث أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعا قاله ابن زيد \r\n والرابع أن معنى الكلام ينبغي لجميع الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى يقيدوه منه كما لو قتل أولياءهم جميعا ذكره القاضي أبو يعلى ","part":2,"page":340},{"id":874,"text":" والخامس أن المعنى من قتل نبيا أو إماما عادلا فكأنما قتل الناس جميعا رواه عكرمة عن ابن عباس والقول بالعموم أصح فان قيل إذا كان إثم قاتل الواحد كاثم من قتل الناس جميعا دل هذا على أنه لا إثم عليه في قتل من يقتله بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس فالجواب أن المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعا معلوم عند الله محدود فالذي يقتل الواحد يلزمه ذلك الإثم المعلوم والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه وكلما زاد قتلا زاده الله إثما ومثل هذا قوله من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها الأنعام 160 فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها فعاملها يعطى بمثل ذلك عشر مرات وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال إذا كان من أحيا نفسا فله ثواب من أحيا الناس فما ثواب من أحيا الناس كلهم هذا كله منقول عن المفسرين والذي أراه أن التشبيه بالشيء تقريب منه لأنه لا يجوز أن يكون إثم قاتل شخصين كاثم قاتل شخص وإنما وقع التشبيه ب كأنما لأن جميع الخلائق من شخص واحد فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق كلهم ","part":2,"page":341},{"id":875,"text":" وفي قوله ومن أحياها خمسة أقوال \r\n أحدها استنقذها من هلكة روي عن ابن مسعود ومجاهد قال الحسن من أحياها من غرق أو حرق أو هلاك وفي رواية عكرمة عن ابن عباس من شد عضد نبي أو إمام عادل فكأنما أحيا الناس جميعا \r\n والثاني ترك قتل النفس المحرمة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية \r\n والثالث أن يعفو أولياء المقتول عن القصاص قاله الحسن وابن زيد وابن قتيبة \r\n والرابع أن يزجر عن قتلها وينهى \r\n والخامس أن يعين الولي على استيفاء القصاص لأن في القصاص حياة ذكرهما القاضي أبو يعلى وفي قوله فكأنما أحيا الناس جميعا قولان \r\n أحدهما فله أجر من أحيا الناس جميعا قاله الحسن وابن قتيبة \r\n والثاني فعلى جميع الناس شكره كما لو أحياهم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يعني بني إسرائيل الذين جرى ذكرهم إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ","part":2,"page":342},{"id":876,"text":" من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم \r\n قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في ناس من عرينة قدموا المدينة فاجتووها فبعثهم رسول الله في إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا وارتدوا عن الاسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل فأرسل رسول الله في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وألقاهم بالحرة حتى ماتوا ونزلت هذه الآية رواه قتادة عن أنس وبه قال سعيد بن جبير والسدي \r\n والثاني أن قوما من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه و سلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله بهذه الآية إن شاء أن يقتلهم وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الضحاك ","part":2,"page":343},{"id":877,"text":" والثالث أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاؤوا يريدون الاسلام فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن السائب كان أبو بردة واسمه هلال بن عويمر وادع النبي صلى الله عليه و سلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين لم يهج ومن مر بهلال إلى سول الله صلى الله عليه و سلم لم يهج فمر قوم من بني كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم ولم يكن هلال حاضرا فنزلت هذه الآية \r\n والرابع أنها نزلت في المشركين رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن واعلم أن ذكر المحاربة لله عز و جل في الآية مجاز ","part":2,"page":344},{"id":878,"text":" وفي معناها للعلماء قولان \r\n أحدهما أنه سماهم محاربين له تشبيها بالمحاربين حقيقة لأن المخالف محارب وإن لم يحارب فيكون المعنى يخالفون الله ورسوله بالمعاصي \r\n والثاني أن المراد يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وقال سعيد بن جبير أراد بالمحاربة لله ورسوله الكفر بعد الاسلام وقال مقاتل أراد بها الشرك فأما الفساد فهو القتل والجراح وأخذ الأموال وإخافة السبيل \r\n قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا اختلف العلماء هل هذه العقوبة على الترتيب أم على التخيير فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب وإنهم إذا قتلوا وأخذوا المال أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن لم يأخذوا المال نفوا قال ابن الأنباري فعلى هذا تكون أو مبعضة فالمعنى بعضهم يفعل به كذا وبعضهم كذا ومثله قوله كونوا هودا أو نصارى البقرة 135 \r\n المعنى قال بعضهم هذا وقال بعضهم هذا وهذا القول اختيار أكثر اللغويين \r\n وقال الشافعي إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وقال مالك الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء سواء قتلوا أو لم يقتلوا أخذوا المال أو لم يأخذوا والصلب بعد القتل وقال أبو حنيفة ","part":2,"page":345},{"id":879,"text":" ومالك يصلب ويبعج برمح حتى يموت واختلفوا في مقدار زمان الصلب فعندنا أنه يصلب بمقدار ما يشتهر صلبه واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة وقال بعضهم يترك حتى يسيل صديده قال أبو عبيدة ومعنى من خلاف أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يخالف بين قطعهما فأما النفي فأصله الطرد والإبعاد \r\n وفي صفة نفيهم أربعة أقوال \r\n أحدها إبعادهم من بلاد الاسلام إلى دار الحرب قاله أنس بن مالك والحسن وقتادة وهذا إنما يكون في حق المحارب المشرك فأما المسلم فلا ينبغي أن يضطر إلى ذلك \r\n والثاني أن يطلبوا لتقام عليهم الحدود فيبعدوا قاله ابن عباس ومجاهد \r\n والثالث إخراجهم من مدينتهم إلى مدينة أخرى قاله سعيد بن جبير \r\n وقال مالك ينفى إلى بلد غير بلده فيحبس هناك \r\n والرابع أنه الحبس قاله أبو حنيفة وأصحابه وقال أصحابنا صفة النفي أن يشرد ولا يترك يأوي في بلد فكلما حصل في بلد نفي إلى بلد غيره \r\n وفي الخزي قولان \r\n أحدهما أنه العقاب والثاني الفضيحة \r\n وهل يثبت لهم حكم المحاربين في المصر أم لا ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي ","part":2,"page":346},{"id":880,"text":" وأبو يوسف المصر والصحارى سواء ويعتبر في المال المأخوذ قدر نصاب كما يعتبر في حق السارق خلافا لمالك إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى إلا الذين تابوا قال أكثر المفسرين هذا الاستثناء في المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم وآمنوا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم وهذا لا خلاف فيه فأما المحاربون المسلمون فاختلفوا فيهم ومذهب أصحابنا أن حدود الله تسقط عنهم من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي فأما حقوق الآدميين من الجراح والأموال فلا تسقطها التوبة وهذا قول الشافعي يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم \r\n قوله تعالى وابتغوا إليه الوسيلة في الوسيلة قولان ","part":2,"page":347},{"id":881,"text":" أحدهما أنها القرية قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء وقال قتادة تقربوا إليه بما يرضيه قال أبو عبيدة يقال توسلت إليه أي تقربت إليه وأنشد ... إذا غفل الواشون عدنا لو صلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل ... \r\n والثاني المحبة يقول تحببوا إلى الله هذا قول ابن زيد والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما قال ابن السائب نزلت في طعمة بن أبيرق وقد مضت قصته في سورة النساء والسارق إنما سمي سارقا لأنه يأخذ الشيء في خفاء واسترق السمع إذا تسمع مستخفيا قال المبرد والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء لأنه ليس القصد منه واحدا بعينه وإنما هو ","part":2,"page":348},{"id":882,"text":" كقولك من سرق فاقطع يده وقال ابن الأنباري وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى الشرط تقديره من سرق فاقطعوا يده قال الفراء وإنما قال فاقطعوا أيديهما لأن كل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع تقول قد هشمت رؤوسهما وملأت ظهورهما وبطونهما ضربا ومثله فقد صنعت قلوبكما التحريم 4 وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الانسان اليدين والرجلين والعينين فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية وقد يجوز تثنيتهما قال أبو ذؤيب ... فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع ","part":2,"page":349},{"id":883,"text":" فصل \r\n وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق وبينت السنة أن المراد به السارق لنصاب من حرز مثله كما قال تعالى فاقتلوا المشركين التوبة 5 ونهى النبي صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء والصبيان وأهل الصوامع واختلف في مقدار النصاب فمذهب أصحابنا أن للسرقة نصابين أحدهما من الذهب ربع دينار ومن الورق ثلاثة دراهم أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض ","part":2,"page":350},{"id":884,"text":" وهو قول مالك وقال أبو حنيفة لا يقطع حتى تبلغ السرقة عشرة دراهم وقال الشافعي الاعتبار في ذلك بربع دينار وغيره مقوم به فلو سرق درهمين قيمتهما ربع دينار قطع فان سرق نصابا من التبر فعليه القطع وقال أبو حنيفة لا يقطع حتى يبلغ ذلك نصابا مضروبا فان سرق منديلا لا يساوي نصابا في طرفه دينار وهو لا يعلم لا يقطع وقال الشافعي يقطع فان سرق ستارة الكعبة قطع خلافا لأبي حنيفة فان سرق صبيا صغيرا حرا لم يقطع وإن كان على الصغير حلي وقال مالك يقطع بكل حال وإذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا وبه قال مالك إلا أنه اشترط أن يكون المسروق ثقيلا يحتاج إلى معاونة بعضهم لبعض في إخراجه وقال أبو حنيفة والشافعي لا قطع ","part":2,"page":351},{"id":885,"text":" عليه بحال ويجب القطع على جاحد العارية عندنا وبه قال سعيد بن المسيب والليث بن سعد خلافا لأكثر الفقهاء ","part":2,"page":352},{"id":886,"text":" فصل \r\n فأما الحرز فهو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم بها فكل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو لا باب له إلا أنه محجر بالبناء فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة فانه ليس في حرز إلا أن يكون عنده من يحفظه ونقل الميموني عن أحمد إذا كان المكان مشتركا في الدخول إليه كالحمام والخيمة لم يقطع السارق منه ولم يعتبر الحافظ ونقل عنه ابن منصور لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع أجير حافظ فأما النباش فقال أحمد في رواية أبي طالب يقطع وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا يقطع ","part":2,"page":353},{"id":887,"text":" فصل \r\n فأما موضع قطع السارق فمن مفصل الكف ومن مفصل الرجل فأما اليد اليسرى والرجل اليمنى فروي عن أحمد لا تقطع وهو قول أبي بكر وعمر وعلي وأبي حنيفة وروي عنه أنها تقطع وبه قال مالك والشافعي ولا يثبت القطع إلا باقراره مرتين وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يثبت بمرة ويجتمع القطع والغرم موسرا كان أو معسرا وقال أبو حنيفة لا يجتمعان فان كانت العين باقية أخذها ربها وإن كانت مستهلكة فلا ضمان وقال مالك يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا \r\n قوله تعالى نكالا من الله قد ذكرنا النكال في البقرة \r\n قوله تعالى والله عزيز حكيم قال سعيد بن جبير شديد في انتقامه حكيم إذ حكم بالقطع قال الأصمعي قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت والله غفور رحيم سهوا فقال الأعرابي كلام من هذا قلت كلام الله قال أعد فأعدت والله غفور رحيم فقال ليس هذا كلام الله فتنبهت فقلت والله عزيز حكيم فقال أصبت هذا كلام الله فقلت له أتقرأ القرآن قال لا قلت فمن أين علمت أني أخطأت فقال يا هذا عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع ","part":2,"page":354},{"id":888,"text":" فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى فمن تاب من بعد ظلمه سبب نزولها أن امرأة كانت قد سرقت فقالت يا رسول الله هل لي من توبة فنزلت هذه الآية قاله عبد الله ابن عمرو وقال سعيد بن جبير فمن تاب من بعد ظلمه أي سرقته وأصلح العمل فان الله يتجاوز عنه إن الله غفور لما كان منه قبل التوبة رحيم لمن تاب يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن ","part":2,"page":355},{"id":889,"text":" الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم \r\n قوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بيهودي وقد حمموه وجلدوه فقال أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال لا ولكنه كثر في أشرافنا فكنا نترك الشريف ونقيمه على الوضيع فقلنا تعالوا نجمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه فأمر به فرجم ونزلت هذه الآية رواه البراء بن عازب ","part":2,"page":356},{"id":890,"text":" والثاني أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة \r\n والثالث أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا ثم قال سلوا محمدا فان كان بعث بالدية اختصمنا إليه وإن كان بعث بالقتل لم نأته قال الشعبي \r\n والرابع أنها نزلت في المنافقين قاله ابن عباس ومجاهد \r\n والخامس أن رجلا من الأنصار أشارت إليه قريظة يوم حصارهم على ماذا ننزل فأشار إليهم أنه الذبح قاله السدي قال مقاتل هو أبو لبابة بن عبد المنذر قالت له قريظة اننزل على حكم سعد فأشار بيده انه الذبح وكان حليفا لهم قال أبو لبابة فعلمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت هذه الآية ومعنى الكلام لا يحزنك مسارعة الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم وهم المنافقون ومن الذين هادوا وهم اليهود سماعون للكذب قال سيبويه هو مرفوع بالابتداء قال أبو الحسن الأخفش ويجوز أن يكون رفعه على معنى ومن الذين هادوا سماعون للكذب وفي معناه أربعة أقوال \r\n أحدها سماعون منك ليكذبوا عليك والثاني سماعون للكذب أي قائلون له والثالث سماعون للكذب الذي بدلوه في توراتهم والرابع سماعون للكذب أي قابلون له ومنه سمع الله لمن حمده أي قبل ","part":2,"page":357},{"id":891,"text":" وفي قوله سماعون لقوم آخرين لم يأتوك قولان \r\n أحدهما يسمعون لأولئك فهم عيون لهم \r\n والثاني سماعون من قوم آخرين وهم رؤساؤهم المبدلون التوراة \r\n وفي السماعين للكذب وللقوم الآخرين قولان \r\n أحدهما أن السماعين للكذب يهود المدينة والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم يهود فدك والثاني بالعكس من هذا \r\n وفي تحريفهم الكلم خمسة أقوال \r\n أحدها أنه تغيير حدود الله في التوراة وذلك أنهم غيروا الرجم قال ابن عباس والجمهور \r\n والثاني تغيير ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه و سلم بالكذب عليه قاله الحسن \r\n والثالث إخفاء صفة النبي صلى الله عليه و سلم والرابع إسقاط القود بعد استحقاقه \r\n والخامس سوء التأويل وقال ابن جرير المعنى يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين بذلك \r\n قوله تعالى من بعد مواضعه قال الزجاج أي من بعد أن وضعه الله مواضعه فأحل حلاله وحرم حرامه \r\n قوله تعالى يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه في القائلين لهذا قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود وذلك أن رجلا وامرأة من أشرافهم زنيا فكان حدهما الرجم فكرهت اليهود رجمهما فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا وقالوا إن أفتاكم بالجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به هذا قول الجمهور ","part":2,"page":358},{"id":892,"text":" والثاني أنهم المنافقون قال قتادة وذلك أن بني النضير كانوا لا يعطون قريظة القود إذا قتلوا منهم وإنما يعطونهم الدية فاذا قتلت قريظة من النضير لم يرضوا إلا بالقود تعززا عليهم فقتل بنو النضير رجلا من قريظة عمدا فأرادوا رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال رجل من المنافقين إن قتيلكم قتيل عمد ومتى ترفعوا ذلك إلى محمد خشيت عليكم القود فان قبلت منكم الدية فأعطوا وإلا فكونوا منه على حذر وفي معنى فاحذروا ثلاثة أقوال \r\n أحدها فاحذروا أن تعملوا بقوله الشديد والثاني فاحذروا أن تطلعوه على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به والثالث فاحذروا أن تسألوه بعدها \r\n قوله تعالى ومن يرد الله فتنته في الفتنة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى الضلالة قاله ابن عباس ومجاهد والثاني العذاب قاله الحسن وقتادة والثالث الفضيحة ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى فلن تملك له من الله شيئا أي لا تغني عنه ولا تقدر على استنقاذه وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم من حزنه على مسارعتهم في الكفر \r\n قوله تعالى لم يرد الله أن يطهر قلوبهم قال السدي يعني المنافقين واليهود لم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر ووسخ الشرك بطهارة الإيمان والإسلام \r\n قوله تعالى لهم في الدنيا خزي أما خزي المنافقين فبهتك سترهم وإطلاع النبي على كفرهم وخزي اليهود بفضيحتهم في إظهار كذبهم إذ كتموا الرجم وبأخذ الجزية منهم قال مقاتل وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم وخزي النضير باجلائهم ","part":2,"page":359},{"id":893,"text":" سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين \r\n قوله تعالى سماعون للكذب قال الحسن يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن يكذب عندهم في دعواه ويأتيهم برشوة فيأخذونها وقال أبو سليمان هم اليهود يسمعون الكذب وهو قول بعضهم لبعض محمد كاذب وليس بنبي وليس في التوراة رجم وهم يعلمون كذبهم \r\n قوله تعالى أكالون للسحت قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر السحت مضمومة الحاء مثقلة وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة السحت ساكنة الحاء خفيفة وروى خارجة بن مصعب عن نافع أكالون للسحت بفتح السين وجزم الحاء قال أبو علي السحت والسحت لغتان وهما اسمان للشيء المسحوت وليسا بالمصدر فأما من فتح السين فهو مصدر سحت فأوقع اسم المصدر على المسحوت كما أوقع الضرب على المضروب في قولهم هذا الدرهم ضرب الأمير وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال \r\n أحدها الرشوة في الحكم والثاني الرشوة في الدين والقولان عن ابن مسعود والثالث أنه كل كسب لا يحل قاله الأخفش \r\n قوله تعالى فان جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فيمن أريد بهذا الكلام قولان \r\n أحدهما اليهوديان اللذان زنيا قاله الحسن ومجاهد والسدي \r\n والثاني رجلان من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر قاله قتادة وقال ","part":2,"page":360},{"id":894,"text":" ابن زيد كان حيي بن أخطب قد جعل للنضيري ديتين والقرظي دية لأنه كان من النضير فقالت قريظة لا نرضى بحكم حيي ونتحاكم إلى محمد فقال الله تعالى لنبيه فان جاؤوك فاحكم بينهم الآية \r\n فصل \r\n اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم كان مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله فلزمه الحكم وزال التخيير وهذا مروي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي \r\n والثاني أنها محكمة وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيرون إذا ترافعوا إليهم إن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أعرضوا عنهم وهذا مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري وبه قال أحمد بن حنبل وهو الصحيح لأنه ","part":2,"page":361},{"id":895,"text":" لا تنافي بين الآيتين لأن إحداهما خيرت بين الحكم وتركه والثانية بينت كيفية الحكم إذا كان وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين \r\n قوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة قال المفسرون هذا تعجيب من الله عز و جل لنبيه من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه وتقريع لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها \r\n قوله تعالى فيها حكم الله فيه قولان \r\n أحدهما حكم الله بالرجم وفيه تحاكموا قاله الحسن \r\n والثاني حكمه بالقود وفيه تحاكموا قاله قتادة \r\n قوله تعالى ثم يتولون من بعد ذلك فيه قولان \r\n أحدهما من بعد حكم الله في التوراة والثاني من بعد تحكيمك \r\n قوله تعالى وما أولئك بالمؤمنين قولان \r\n أحدهما ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة والثاني ليسوا بمؤمنين أن حكمك من عند الله لجحدهم نبوتك ","part":2,"page":362},{"id":896,"text":" إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون \r\n قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور قال المفسرون سبب نزول هذه الآية استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمر الزانيين وقد سبق والهدى البيان فالتوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ومبينة ما تحاكموا فيه إليه والنور الضياء الكاشف للشبهات والموضح للمشكلات \r\n وفي النبيين الذين أسلموا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى قاله الأكثرون \r\n فعلى هذا القول في معنى أسلموا أربعة أقوال \r\n أحدها سلموا لحكم الله ورضوا بقضائه والثاني انقادوا لحكم الله فلم يكتموه كما كتم هؤلاء والثالث أسلموا أنفسهم إلى الله عز و جل والرابع أسلموا لما في التوراة ودانوا بها لأنه قد كان فيهم من لم يعمل بكل ما فيها كعيسى عليه السلام قال ابن الأنباري وفي المسلم قولان \r\n أحدهما أنه سمي بذلك لاستسلامه وانقياده لربه والثاني لإخلاصه لربه من قوله ورجلا سالما لرجل الزمر 29 أي خالصا له ","part":2,"page":363},{"id":897,"text":" والثاني أن المراد بالنبيين نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قاله الحسن والسدي وذلك حين حكم على اليهود بالرجم وذكره بلفظ الجمع كقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله النساء 54 \r\n وفي الذي حكم به منها قولان أحدهما الرجم والقود والثاني الحكم بسائرها ما لم يرد في شرعه ما يخالف والثالث النبي محمد صلى الله عليه و سلم ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين قاله عكرمة \r\n قوله تعالى للذين هادوا قال ابن عباس تابوا من الكفر قال الحسن هم اليهود قال الزجاج ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا فأما الربانيون فقد سبق ذكرهم في آل عمران وأما الأحبار فهم العلماء واحدهم حبر و حبر والجمع أحبار وحبور وقال الفراء أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار حبر بكسر الحاء وفي اشتقاق هذا الاسم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه من الحبار وهو الأثر الحسن قاله الخليل والثاني أنه من الحبر الذي يكتب به قاله الكسائي والثالث أنه من الحبر الذي هو الجمال والبهاء وفي الحديث يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره أي جماله وبهاؤه فالعالم بهي بجمال العلم وهذا قول قطرب \r\n وهل بين الربانيين والأحبار فرق أم لا فيه قولان \r\n أحدهما لا فرق والكل علماء هذا قول الأكثرين منهم ابن قتيبة والزجاج وقد روي عن مجاهد أنه قال الربانيون الفقهاء العلماء وهم فوق الأحبار وقال السدي الربانيون العلماء والأحبار القراء وقال ابن زيد ","part":2,"page":364},{"id":898,"text":" الربانيون الولاة والأحبار العلماء وقيل الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود \r\n قوله تعالى بما استحفظوا من كتاب الله قال ابن عباس بما استودعوا من كتاب الله وهو التوراة وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما يحكمون بحكم ما استحفظوا والثاني العلماء بما استحفظوا قال ابن جرير الباء في قوله بما استحفظوا من صلة الأحبار \r\n وفي قوله وكانوا عليه شهداء قولان \r\n أحدهما وكانوا على ما في التوراة من الرجم شهداء رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني وكانوا شهداء لمحمد عليه السلام بما قاله انه حق رواه العوفي عن ابن عباس \r\n قوله تعالى فلا تخشوا الناس واخشوني قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة وابن عامر والكسائي واخشون بغير ياء في الوصل والوقف وقرأ أبوعمرو بياء في الوصل وبغير ياء في الوقف وكلاهما حسن وقد أشرنا إلى هذا في آل عمران ثم في المخاطبين بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم رؤساء اليهود قيل لهم فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والعمل بالرجم واخشوني في كتمان ذلك روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس قال مقاتل الخطاب ليهود المدينة قيل لهم لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ونعت محمد واخشوني في كتمانه \r\n والثاني أنهم المسلمون قيل لهم لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس فلم يقولوا الحق ذكره أبو سليمان الدمشقي ","part":2,"page":365},{"id":899,"text":" قوله تعالى ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا في المراد بالآيات قولان \r\n أحدهما أنها صفة محمد صلى الله عليه و سلم والقرآن \r\n والثاني الأحكام والفرائض والثمن القليل مذكور في البقرة \r\n فأما قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقوله تعالى بعدها فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون فاختلف العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في اليهود خاصة رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس وبه قال قتادة والثاني أنها نزلت في المسلمين روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى والثالث أنها عامة في اليهود وفي هذه الأمة قاله ابن مسعود والحسن والنخعي والسدي والرابع أنها نزلت في اليهود والنصارى قاله أبو مجلز والخامس أن الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى قاله الشعبي \r\n وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان \r\n أحدهما أنه الكفر بالله تعالى والثاني أنه الكفر بذلك الحكم وليس بكفر ينقل عن الملة \r\n وفصل الخطاب أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر ومن لم يحكم به ميلا إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم وفاسق وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال ","part":2,"page":366},{"id":900,"text":" من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون \r\n قوله تعالى وكتبنا أي فرضنا عليهم أي على اليهود فيها أي في التوراة قال ابن عباس وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس فما بالهم يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقؤون العينين بالعين وكان على بني إسرائيل القصاص أو العفو وليس بينهم دية في نفس ولا جرح فخفف الله عن أمة محمد بالدية \r\n قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ينصبون ذلك كله ويرفعون والجروح وكان نافع وعاصم وحمزة ينصبون ذلك كله وكان الكسائي يقرأ أن النفس بالنفس نصبا ويرفع ما بعد ذلك قال أبو علي وحجته ","part":2,"page":367},{"id":901,"text":" أن الواو لعطف الجمل لا للاشتراك في العامل ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى لأن معنى وكتبنا عليهم قلنا لهم النفس بالنفس فحمل العين على هذا وهذه حجة من رفع الجروح ويجوز أن يكون مستأنفا لا أنه مما كتب على القوم وإنما هو ابتداء ايجاب قال القاضي أبو يعلى وقوله العين بالعين ليس المارد قلع العين بالعين لتعذر استيفاء المماثلة لأنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه وإنما يجب فيما ذهب ضوؤها وهي قائمة وصفة ذلك أن تشد عين القالع وتحمى مرآة فتقدم من العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها وأما الأنف فاذا قطع المارن وهو مالان منه وتركت قصبته ففيه القصاص وأما إذا قطع من أصله فلا قصاص فيه لأنه لا يمكن استيفاء القصاص كما لو قطع يده من نصف الساعد وقال أبو يوسف ومحمد فيه القصاص إذا استوعب وأما الأذن فيجب القصاص إذا استوعبت وعرف المقدار وليس في عظم قصاص إلا في السن فان قلعت قلع مثلها وإن كسر بعضها برد بمقدار ذلك وقوله والجروح قصاص يقتضي إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها \r\n قوله تعالى فمن تصدق به يشير إلى القصاص فهو كفارة له في هاء له قولان \r\n أحدهما أنها إشارة إلى المجروح فاذا تصدق بالقصاص كفر من ذنوبه وهو قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي ","part":2,"page":368},{"id":902,"text":" والثاني إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح كفر عنه ما جنى وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته لأنه إذا كان مصرا فعقوبة الإصرار باقية وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين \r\n قوله تعالى وقفينا على آثارهم أي وأتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا بعيسى فجعلناه يقفو آثارهم مصدقا أي بعثناه مصدقا لما بين يديه وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ليس هذا تكرارا للأول لأن الأول لعيسى والثاني للإنجيل لأن عيسى كان يدعو إلى التصديق بالتوراة والإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون \r\n قوله تعالى وليحكم أهل الإنجيل قرأ الأكثرون بجزم اللام على معنى الأمر تقديره وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه وقرأ الأعمش وحمزة بكسر اللام وفتح الميم على معنى كي فكأنه قال وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ","part":2,"page":369},{"id":903,"text":" الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ماآتكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون \r\n قوله تعالى وأنزلنا إليك الكتاب يعني القرآن بالحق أي بالصدق مصدقا لما بين يديه من الكتاب قال ابن عباس يريد كل كتاب أنزله الله تعالى وفي المهيمن أربعة أقوال \r\n أحدها أنه المؤيمن رواه التميمي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والضحاك وقال المبرد مهيمن في معنى مؤيمن إلا أن الهاء بدل من الهمزة كما قالوا أرقت الماء وهرقت وإياك وهياك \r\n وأرباب هذا القول يقولون المعنى أن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب إلا أن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد ومهيمنا عليه قال محمد مؤتمن على القرآن فعلى قوله في الكلام محذوف كأنه قال وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه فتكون هاء عليه راجعة إلى القرآن وعلى غير قول مجاهد ترجع إلى الكتب المتقدمة ","part":2,"page":370},{"id":904,"text":" والثاني أنه الشاهد رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة والسدي ومقاتل \r\n والثالث أنه المصدق على ما أخبر عن الكتب وهذا قول ابن زيد وهو قريب من القول الأول \r\n والرابع أنه الرقيب الحافظ قاله الخليل \r\n قوله تعالى فاحكم بينهم يشير إلى اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق قال أبو سليمان المعنى فترجع عما جاءك قال ابن عباس لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن ","part":2,"page":371},{"id":905,"text":" قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قال مجاهد الشرعة السنة والمنهاج الطريق وقال ابن قتيبة الشرعة والشريعة واحد والمنهاج الطريق الواضح فان قيل كيف نسق المنهاج على الشرعة وكلاهما بمعنى واحد فعنه جوابان \r\n أحدهما أن بينهما فرقا من وجهين أحدهما أن الشرعة ابتداء الطريق والمنهاج الطريق المستمر قاله المبرد والثاني أن الشرعة الطريق الذي ربما كان واضحا وربما كان غير واضح والمنهاج الطريق الذي لا يكون إلا واضحا ذكره ابن الأنباري فلما وقع الاختلاف بين الشرعة والمنهاج حسن نسق أحدهما على الآخر \r\n والثاني أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد وإنما نسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين قال الحطيئة ... ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد ... \r\n فنسق البعد على النأي لماخالفه في اللفظ وإن كان موافقا له في المعنى ذكره ابن الأنباري وأجاب عنه أرباب القول الأول فقالوا النأي كل ما قل بعده أو كثر كأنه المفارقة والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته \r\n وللمفسرين في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا فلأهل التوراة شريعة ولأهل ","part":2,"page":372},{"id":906,"text":" الإنجيل شريعة ولأهل القرآن شريعة هذا قول الأكثرين قال قتادة الخطاب للأمم الثلاث أمة موسى وعيسى وأمة محمد فللتوراة شريعة وللانجيل شريعة وللفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل \r\n والثاني أن المعنى لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا هذا قوم مجاهد \r\n قوله تعالى ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة فيه قولان \r\n أحدهما لجمعكم على الحق \r\n والثاني لجعلكم على ملة واحدة ولكن ليبلوكم أي ليختبركم في ماآتاكم من الكتب وبين لكم من الملل فان قيل إذا كان المعنى بقوله لكل جعلنا ","part":2,"page":373},{"id":907,"text":" منكم شرعة نبينا محمد مع سائر الأنبياء قبله فمن المخطاب بقوله ليبلوكم فالجواب أنه خطاب لنبينا والمراد به سائر الأنبياء والأمم قال ابن جرير والعرب من شأنها إذا خاطبت غائبا فأرادت الخبر عنه أن تغلب المخاطب فتخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب \r\n قوله تعالى فاستبقوا الخيرات قال ابن عباس والضحاك هو خطاب لأمة محمد عليه السلام قال مقاتل والخيرات الأعمال الصالحة إلى الله مرجعكم في الآخرة فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون من الدين قال ابن جرير قد بين ذلك في الدنيا بالأدلة والحجج وغدا يبينه بالمجازاة وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون \r\n قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله سبب نزولها أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشأس بن قيس قال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن تبعناك اتبعك اليهود وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس وذكر مقاتل أن ","part":2,"page":374},{"id":908,"text":" جماعة من بني النضير قالوا له هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء كما كنا عليه من قبل ونبايعك فنزلت هذه الآية قال القاضي أبو يعلى وليس هذه الآية تكرارا لما تقدم وإنما نزلتا في شيئين مختلفين أحدهما في شأن الرجم والآخر في التسوية في الديات حتى تحاكموا إليه في الأمرين \r\n قوله تعالى واحذرهم أن يفتنوك أي يصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك وفيه قولان \r\n أحدهما أنه الرجم قاله ابن عباس والثاني شأن القصاص والدماء قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فان تولوا فيه قولان \r\n أحدهما عن حكمك والثاني عن الإيمان فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم ببعض ذنوبهم وفي ذكر البعض قولان \r\n أحدهما أنه على حقيقته وإنما يصيبهم ببعض ما يستحقونه \r\n والثاني أن المراد به الكل كما يذكر لفظ الواحد ويراد به الجماعة كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق 1 والمراد جميع المسلمين وقال الحسن أراد ما عجله من إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة \r\n قوله تعالى وإن كثيرا من الناس لفاسقون قال المفسرون أراد اليهود \r\n وفي المراد بالفسق هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الكفر قاله ابن عباس والثاني الكذب قاله ابن زيد والثالث المعاصي قاله مقاتل أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ","part":2,"page":375},{"id":909,"text":" قوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون قرأ الجمهور يبغون بالياء لان قبله غيبة وهي قوله وإن كثيرا من الناس لفاسقون وقرأ ابن عامر تبغون بالتاء على معنى قل لهم وسبب نزولها ان النبي صلى الله عليه و سلم لما حكم بالرجم على اليهوديين تعلق بنو قريظة ببني النضير وقالوا يا محمد هؤلاء إخواننا أبونا واحد وديننا واحد إذا قتلوا منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا أربعين ومائة وسق وإن قتلنا منهم رجلا قتلوا به رجلين وإن قتلنا امرأة قتلوا بها رجلا فاقض بيننا بالعدل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس لبني النضير على بني قريظة فضل في عقل ولا دم فقال بنو النضير والله لا نرضى بقضائك ولا نطيع أمرك ولنأخذن بأمرنا الأول فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس قال الزجاج ومعنى الآية أتطلب اليهود حكما لم يأمر الله به وهم أهل كتاب الله كما تفعل الجاهلية \r\n قوله تعالى ومن أحسن من الله حكما قال ابن عباس ومن أعدل \r\n وفي قوله لقوم يوقنون قولان \r\n أحدهما يوقنون بالقرآن قاله ابن عباس والثاني يوقنون بالله قاله مقاتل وقال الزجاج من أيقن تبين عدل الله في حكمه ","part":2,"page":376},{"id":910,"text":" يآ أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين \r\n قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح رواه أبو صالح عن ابن عباس وهو قول عكرمة \r\n والثاني أن عبادة بن الصامت قال يا رسول الله إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود فقال عبد الله بن أبي إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ إلى الله من ولاية يهود فنزلت هذه الآية قاله عطية العوفي \r\n والثالث أنه لما كانت وقعة أحد خافت طائفة من الناس أن يدال عليهم الكفار فقال رجل لصاحبه أما أنا فألحق بفلان اليهودي فآخذ منه أمانا ","part":2,"page":377},{"id":911,"text":" أو أتهود معه فنزلت هذه الآية قاله السدي ومقاتل قال الزجاج لا تتولوهم في الدين وقال غيره لا تستنصروا بهم ولا تستعينوا بعضهم أولياء بعض في العون والنصرة \r\n قوله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم فيه قولان \r\n أحدهما من يتولهم في الدين فانه منهم في الكفر \r\n والثاني من يتولهم في العهد فانه منهم في مخالفة الأمر فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على مآأسروا في أنفسهم نادمين \r\n قوله تعالى فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم قال المفسرون نزلت في المنافقين ثم لهم في ذلك قولان \r\n أحدهما أن اليهود والنصارى كانوا يميرون المنافقين ويقرضونهم فيوادونهم فلما نزلت لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء قال المنافقون كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وممن قال نزلت في المنافقين ولم يعين مجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها نزلت في عبد الله بن أبي قاله عطية العوفي \r\n وفي المراد بالمرض قولان \r\n أحدهما أنه الشك قاله مقاتل والثاني النفاق قاله الزجاج ","part":2,"page":378},{"id":912,"text":" وفي قوله يسارعون فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها يسارعون في موالاتهم ومناصحتهم قاله مجاهد وقتادة \r\n والثاني في رضاهم قاله ابن قتيبة والثالث في معاونتهم على المسلمين قاله الزجاج وفي المراد بالدائرة قولان \r\n أحدهما الجدب والمجاعة قاله ابن عباس قال ابن قتيبة نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه يعنون الجدب فلا يبايعونا ونمتار فيهم فلا يميرونا \r\n والثاني انقلاب الدولة لليهود على المسلمين قاله مقاتل \r\n وفي المراد بالفتح أربعة أقوال \r\n أحدها فتح مكة قاله ابن عباس والسدي والثاني فتح قرى اليهود قاله الضحاك والثالث نصر النبي صلى الله عليه و سلم على من خالفه قاله قتادة والزجاج \r\n والرابع الفرج قاله ابن قتيبة وفي الأمر أربعة أقوال \r\n أحدها إجلاء بني النضير وأخذ أموالهم وقتل قريظة وسبي ذراريهم قاله ابن السائب ومقاتل والثاني الجزية قاله السدي والثالث الخصب قاله ابن قتيبة والرابع أن يؤمر النبي صلى الله عليه و سلم باظهار أمر المنافقين وقتلهم قاله الزجاج وفيما أسروا قولان \r\n أحدهما موالاتهم والثاني قولهم لعل محمدا لا ينصر ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين \r\n قوله تعالى ويقول الذين آمنوا قرأ أبو عمرو بنصب اللام على معنى وعسى أن يقول ورفعه الباقون فجعلوا الكلام مستأنفا وقرأ ابن كثير ","part":2,"page":379},{"id":913,"text":" ونافع وابن عامر يقول بغير واو مع رفع اللام وكذلك في مصاحف أهل مكة والمدينة قال المفسرون لما أجلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بني النضير اشتد ذلك على المنافقين وجعلوا يتأسفون على فراقهم وجعل المنافق يقول لقريبه المؤمن إذا رآه جادا في معاداة اليهود أهذا جزاؤهم منك طال والله ما أشبعوا بطنك فلما قتلت قريظة لم يطق أحد من المنافقين ستر ما في نفسه فجعلوا يقولون أربعمئة حصدوا في ليلة فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من المنافقين قالوا أهؤلاء يعنون المنافقين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم قال ابن عباس أغلظوا في الأيمان وقال مقاتل جهد أيمانهم القسم بالله وقال الزجاج اجتهدوا في المبالغة في اليمين إنهم لمعكم على عدوكم حبطت أعمالهم بنفاقهم يآأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم \r\n قوله تعالى من يرتد منكم عن دينه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي يرتد بادغام الدال الأولى في الأخرى وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين قال الزجاج يرتدد هو الأصل لأن الثاني إذا سكن من المضاعف ظهر التضعيف فأما يرتد فأدغمت الدال الأولى في الثانية وحركت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين قال الحسن علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم عليه السلام فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه وفي المراد بهؤلاء القوم ستة أقوال ","part":2,"page":380},{"id":914,"text":" أحدها أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة قاله علي بن أبي طالب والحسن عليهما السلام وقتادة والضحاك وابن جريج قال أنس ابن مالك كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا أهل القبلة فتقلد ابو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره \r\n والثاني أبو بكر وعمر روي عن الحسن أيضا \r\n والثالث أنهم قوم أبي موسى الأشعري روى عياض الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هم قوم هذا يعني أبا موسى \r\n والرابع أنهم أهل اليمن رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والخامس أنهم الأنصار قاله السدي \r\n والسادس المهاجرون والأنصار ذكره أبو سليمان الدمشقي قال ابن جرير وقد أنجز الله ما وعد فأتى بقوم في زمن عمر كانوا أحسن موقعا في الإسلام ممن ارتد \r\n قوله تعالى أذلة على المؤمنين قال علي بن أبي طالب عليه السلام أهل ","part":2,"page":381},{"id":915,"text":" رقة على أهل دينهم أهل غلظة على من خالفهم في دينهم وقال الزجاج معنى أذلة جانبهم لين على المؤمنين لا أنهم أذلاء يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم لأن المنافقين يراقبون الكفار ويظاهرونهم ويخافون لومهم فأعلم الله عز و جل أن الصحيح الإيمان لا يخاف في الله لومة لائم ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يعني محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين وشدتهم على الكافرين إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون \r\n قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أن عبد الله بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا إن قوما قد أظهروا لنا العداوة ولا نستطيع أن نجالس أصحابك لبعد المنازل ","part":2,"page":382},{"id":916,"text":" فنزلت هذه الآية فقالوا رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين وأذن بلال بالصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فاذا مسكين يسأل الناس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هل أعطاك أحد شيئا قال نعم قال ماذا قال خاتم فضة قال من أعطاكه قال ذاك القائم فاذا هو علي بن أبي طالب أعطانيه وهو راكع فقرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n وقال مجاهد نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع \r\n والثاني أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية في حقه رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في أبي بكر الصديق قاله عكرمة \r\n والرابع أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم قاله الحسن \r\n قوله تعالى ويؤتون الزكاة وهو راكعون فيه قولان \r\n أحدهما أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم وهو تصدق علي عليه السلام بخاتمه في ركوعه والثاني أن من شأنهم إيتاء الزكاة وفعل الركوع ","part":2,"page":383},{"id":917,"text":" وفي المراد بالركوع ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه نفس الركوع على ما روى أبو صالح عن ابن عباس وقيل إن الآية نزلت وهم في الركوع والثاني أنه صلاة التطوع بالليل والنهار وإنما أفرد الركوع بالذكر تشريفا له وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنه الخضوع والخشوع وأنشدوا ... لا تذل الفقير علك أن تر ... كع يوما والدهر قد رفعه ... \r\n ذكره الماوردي فأما حزب الله فقال الحسن هم جند الله وقال أبو عبيدة أنصار الله ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنهم المهاجرون والأنصار قاله ابن عباس \r\n والثاني الأنصار ذكره أبو سليمان ","part":2,"page":384},{"id":918,"text":" ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا سبب نزولها أن رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا الاسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس فأما اتخاذهم الدين هزوا ولعبا فهو إظهارهم الإسلام وإخفاؤهم الكفر وتلاعبهم بالدين والذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى والكفار عبدة الأوثان قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكفار بالنصب على معنى لا تتخذوا الكفار أولياء وقرأ أبو عمرو والكسائي والكفار خفضا لقرب الكلام من العامل الجار وأمال أبو عمرو الألف واتقوا الله أن تولوهم وإذا ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون \r\n قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون ","part":2,"page":385},{"id":919,"text":" إليها قالت اليهود قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا على سبيل الاستهزاء والضحك فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب \r\n والثاني أن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمين على ذلك وقالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية فان كنت تدعي النبوة فقد خالفت في هذا الأذان الأنبياء قبلك فما أقبح هذا الصوت وأسمج هذا الأمر فنزلت هذه الآية ذكره بعض المفسرين وقال السدي كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهد أن محمدا رسول الله قال حرق الكاذب فدخلت خادمه ذات ليلة بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله \r\n والمناداة هي الأذان واتخاذهم إياها هزوا تضاحكهم وتغامزهم ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ما لهم في إجابة الصلاة وما عليهم في استهزائهم بها قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون \r\n قوله تعالى قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا سبب نزولها أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فذكر جميع الأنبياء فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا والله ما نعلم دينا شرا من دينكم فنزلت هذه الآية والتي بعدها قاله ابن عباس وقرأ الحسن والأعمش تنقمون بفتح القاف قال الزجاج يقال نقمت على الرجل أنقم ونقمت ","part":2,"page":386},{"id":920,"text":" عليه أنقم والأول أجود ومعنى نقمت بالغت في كراهة الشيء والمعنى هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم لأنكم علمتم أننا على حق وأنكم فسقتم قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل \r\n قوله تعالى هل أنبئكم بشر من ذلك قال المفسرون سبب نزولها قول اليهود للمؤمنين والله ما علمنا أهل دين أقل حظا منكم في الدنيا والآخرة ولا دينا شرا من دينكم وفي قوله بشر من ذلك قولان \r\n أحدهما بشر من المؤمنين قاله ابن عباس \r\n والثاني بشر مما نقمتم من إيماننا قاله الزجاج فأما المثوبة فهي الثواب قال الزجاج وموضع من في قوله من لعنه الله إن شئت كان رفعا وإن شئت كان خفضا فمن خفض جعله بدلا من شر فيكون المعنى أنبئكم بمن لعنه الله ومن رفع فباضمار هو كأن قائلا قال من ذلك فقيل هو من لعنه الله قال أبو صالح عن ابن عباس من لعنه الله بالجزية وغضب عليه بعبادة العجل فهم شر مثوبة عند الله وروي عن ابن عباس أن المسخين من أصحاب السبت مسخ شبابهم قردة ومشايخهم خنازير وقال غيره الردة أصحاب السبت والخنازير كفار مائدة عيسى وكان ابن قتيبة يقول أنا أظن أن هذه القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت قال واستدللت بقوله تعالى وجعل منهم القردة والخنازير فدخول الألف واللام يدل على المعرفة وعلى أنها القردة التي تعاين ولو كان أراد شيئا انقرض ومضى لقال وجعل ","part":2,"page":387},{"id":921,"text":" منهم قردة وخنازير إلا أن يصح حديث أم حبيبة في المسوخ فيكون كما قال عليه السلام قلت أنا وحديث أم حبيبة في الصحيح انفرد باخراجه مسلم وهو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ فقال النبي عليه السلام إن الله لم يمسخ قوما أو يهلك قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وإن القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك وقد ذكرنا في سورة البقرة عن ابن عباس زيادة بيان ذلك فلا يلتفت إلى ظن ابن قتيبة \r\n قوله تعالى وعبد الطاغوت فيها عشرون قراءة قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع والكسائي وعبد بفتح العين والباء والدال ونصب تاء الطاغوت وفيها وجهان \r\n أحدهما أن المعنى وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت \r\n والثاني أن المعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت وقرأ حمزة وعبد الطاغوت بفتح العين والدال وضم الباء وخفض تاء الطاغوت قال ثعلب ليس لها وجه إلا أن يجمع فعل على فعل وقال الزجاج وجهها أن الاسم بني على فعل كما تقول علم زيد ورجل حذر أي مبالغ في الحذر فالمعنى جعل منهم خدمة الطاغوت ومن بلغ في طاعة الطاغوت الغاية وقرأ ابن مسعود ","part":2,"page":388},{"id":922,"text":" وأبي بن كعب وعبدوا بفتح العين والباء ورفع الدال على الجمع الطاغوت بالنصب وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة وعبد بفتح العين والباء والدال إلا أنهما كسرا تاء الطاغوت قال الفراء أرادا عبدة فحذفا الهاء وقرأ أنس ابن مالك وعبيد بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض تاء الطاغوت وقرأ أيوب والأعمش وعبد برفع العين ونصب الباء والدال مع تشديد الباء وكسر تاء الطاغوت وقرأ أبو هريرة وأبو رجاء وابن السميفع وعابد بألف مكسورة الباء مفتوحة الدال مع كسر تاء الطاغوت وقرأ أبو العالية ويحيى ابن وثاب وعبد برفع العين والباء وفتح الدال مع كسر تاء الطاغوت قال الزجاج هو جمع عبيد وعبد مثل رغيف و رغف وسرير وسرر والمعنى وجعل منهم عبيد الطاغوت وقرأ أبو عمران الجوني ومورق العجلي والنخعي وعبد برفع العين وكسر الباء مخففة وفتح الدال مع ضم تاء الطاغوت وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة وعبد بفتح العين والدال وتشديد الباء مع نصب تاء الطاغوت وقرأ الحسن وأبو مجلز وأبو نهيك وعبد بفتح العين والدال وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء الطاغوت وقرأ قتادة وهذيل ابن شرحبيل وعبدة بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ منصوبة بعد الدال الطواغيت بالف وواو وياء بعد الغين على الجمع وقرأ الضحاك وعمرو بن ","part":2,"page":389},{"id":923,"text":" دينار وعبد برفع العين وفتح الباء والدال مع تخفيف الباء وكسر تاء الطاغوت \r\n وقرأ سعيد بن جبير والشعبي وعبدة مثل حمزة إلا أنهما رفعا تاء الطاغوت \r\n وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري وعبد بفتح العين ورفع الباء والدال مع كسر تاء الطاغوت وقرأ أبو الأشهب العطاردي وعبد برفع العين وتسكين الباء ونصب الدال مع كسر تاء الطاغوت وقرأ أبو السماك وعبدة بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ بعد الدال مرفوعة مع كسر تاء الطاغوت وقرأ معاذ القارىء وعابد مثل قراءة أبي هريرة إلا أنه ضم الدال وقرأ أبو حيوة وعباد بتشديد الباء وبألف بعدها مع رفع العين وفتح الدال وقرأ ابن حذلم وعمرو بن فائد وعباد مثل أبي حيوة إلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة وقد سبق ذكر الطاغوت في سورة البقرة \r\n وفي المراد به هاهنا قولان أحدهما الأصنام والثاني الشيطان \r\n قوله تعالى أولئك شر مكانا أي هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من المؤمنين ولكن الكلام مبني على كلام الخصم حين قالوا للمؤمنين لا نعرف شرا منكم فقيل من كان بهذه الصفة فهو شر منهم وإذا جآؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون \r\n قوله تعالى وإذا جاؤوكم قالوا آمنا قال قتادة هؤلاء ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه و سلم فيخبرونه أنهم مؤمنون بما جاء به وهم متمسكون بضلالتهم ","part":2,"page":390},{"id":924,"text":" قوله تعالى وقد دخلوا بالكفر أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين فالكفر معهم في حالتيهم والله أعلم بما كانوا يكتمون من الكفر والنفاق وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى وترى كثيرا منهم يعني اليهود يسارعون أي يبادرون في الإثم وفيه قولان أحدهما أنه المعاصي قاله ابن عباس والثاني الكفر قاله السدي فأما العدوان فهو الظلم \r\n وفي السحت ثلاثة أقوال \r\n أحدها الرشوة في الحكم والثاني الرشوة في الدين والثالث الربا لو لا ينههم الربانيون والأحبار لولا بمعنى هلا والربانيون مذكورون في آل عمران والأحبار قد تقدم ذكرهم في هذه السورة وهذه الآية من أشد الآيات على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الله تعالى جمع بين فاعل المنكر وتارك الإنكار في الذم قال ابن عباس ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية \r\n وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيمة كلمآ أوقدوا نارا للحرب ","part":2,"page":391},{"id":925,"text":" أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين \r\n قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في فنحاص اليهودي وأصحابه قالوا يد الله مغلولة وقال مقاتل فنحاص وابن صلوبا وعازر بن أبي عازر وفي سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق فلما عصوا الله تعالى في أمر محمد صلى الله عليه و سلم وكفروا به كف عنهم بعض ما كان بسط لهم فقالوا يد الله مغلولة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة \r\n والثاني أنه الله تعالى استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة فقالوا إن الله بخيل ويده مغلولة فهو يستقرضنا قاله قتادة \r\n والثالث أن النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس قالت اليهود لو كان الله صحيحا لمنعنا منه فيده مغلولة ذكره قتادة أيضا \r\n والمغلولة الممسكة المنقبضة وعن ماذا عنوا أنها ممسكة فيه قولان \r\n أحدهما عن العطاء قاله ابن عباس وقتادة والفراء وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني ممسكة عن عذابنا فلا يعذبنا إلا تحلة القسم بقدر عبادتنا العجل قاله الحسن وفي قوله غلت أيديهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها غلت في جهنم قاله الحسن والثاني أمسكت عن الخير قاله مقاتل والثالث جعلوا بخلاء فهم أبخل قوم قاله الزجاج قال ابن الأنباري وهذا خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم وموضعه نصب على معنى الحال تقديره قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم ولعنته ","part":2,"page":392},{"id":926,"text":" إياهم ويجوز أن يكون المعنى فغلت أيديهم ويجوز أن يكون دعاء معناه تعليم الله لنا كيف ندعو عليهم كقوله تبت يدا أبي لهب اللهب 1 وقوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين الفتح 27 \r\n وفي قوله ولعنوا بما قالوا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أبعدوا من رحمة الله والثاني عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار والثالث مسخوا قردة وخنازير وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من لعن شيئا لم يكن للعنه أهلا رجعت اللعنة على اليهود بلعنة الله إياهم قال الزجاج وقد ذهب قوم إلى أن معنى يد الله نعمته وهذا خطأ ينقضه بل يداه مبسوطتان فيكون المعنى على قولهم نعمتاه ونعم الله أكثر من أن تحصى والمراد بقوله بل يداه مبسوطتان أنه جواد ينفق كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري قال ابن عباس إن شاء وسع في الرزق وإن شاء قتر \r\n قوله تعالى وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا \r\n قال الزجاج كلما أنزل عليك شيء كفروا به فيزيد كفرهم والطغيان هاهنا الغلو في الكفر وقال مقاتل وليزيدن بني النضير ما أنزل إليك من ربك من أمر الرجم والدماء طغيانا وكفرا ","part":2,"page":393},{"id":927,"text":" قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء فيمن عني بهذا قولان \r\n أحدهما اليهود والنصارى قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل فان قيل فأين ذكر النصارى فالجواب أنه قد تقدم في قوله لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء والثاني أنهم اليهود قاله قتادة \r\n قوله تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ذكر إيقاد النار مثل ضرب لاجتهادهم في المحاربة وقيل إن الأصل في استعارة اسم النار للحرب أن القبيلة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى أوقدت النار على رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة ليعلم استعدادهم للحرب فيتأهب من يريد إعانتهم وقيل كانوا إذا تحالفوا على الجد في حربهم أوقدوا نارا وتحالفوا \r\n وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما كلما جمعوا لحرب النبي صلى الله عليه و سلم فرقهم الله \r\n والثاني كلما مكروا مكرا رده الله \r\n قوله تعالى ويسعون في الأرض فسادا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها بالمعاصي قاله ابن عباس ومقاتل والثاني بمحو ذكر النبي صلى الله عليه و سلم من كتبهم ودفع الإسلام قاله الزجاج والثالث بالكفر والرابع بالظلم ذكرهما الماوردي ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيآتهم ولأدخلناهم جنات النعيم \r\n قوله تعالى ولو أن أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسله واتقوا الشرك لكفرنا عنهم سيئاتهم التي سلفت ","part":2,"page":394},{"id":928,"text":" ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون \r\n قوله تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل قال ابن عباس عملوا بما فيهما وفيما أنزل إليهم من ربهم قولان أحدهما كتب أنبياء بني إسرائيل والثاني القرآن لأنهم لما خوطبوا به كان نازلا إليهم \r\n قوله تعالى لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم فيه قولان \r\n أحدهما لأكلوا بقطر السماء ونبات الأرض وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أن المعنى لوسع عليهم كما يقال فلان في خير من قرنه إلى قدمه ذكره الفراء والزجاج وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في توسعة الرزق كما قال لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض الأعراف 96 وقال ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق3 \r\n قوله تعالى منهم أمة مقتصدة يعني من أهل الكتاب وهم الذين أسلموا منهم قاله ابن عباس ومجاهد وقال القرظي هم الذين قالوا المسيح عبد الله ورسوله والاقتصاد الاعتدال في القول والعمل من غير غلو ولا تقصير يآايها الرسول بلغ مآأنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين \r\n قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ذكر المفسرون أن هذه ","part":2,"page":395},{"id":929,"text":" الآية نزلت على أسباب روى الحسن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يهاب قريشا واليهود والنصارى فأنزل الله هذه الآية وقال مجاهد لما نزلت يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قال يا رب كيف أصنع إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس فأنزل الله وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس وقال مقاتل لما دعا اليهود وأكثر عليهم جعلوا يستهزؤون به فسكت عنهم فحرض بهذه الآية وقال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحرس فيرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية فقال يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس وقال أبو هريرة نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل فأخذه فقال يا محمد من يمنعني منك فقال الله فنزل قوله والله يعصمك من الناس قالت عائشة سهر رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات ليلة فقلت ما شأنك قال ألا رجل صالح يحرسني الليلة فبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال من هذا فقال سعد وحذيفة جئنا نحرسك فنام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ","part":2,"page":396},{"id":930,"text":" سمعت غطيطه فنزلت والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم رأسه من قبة أدم وقال انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله تعالى قال الزجاج قوله بلغ ما أنزل إليك معناه بلغ جميع ما أنزل إليك ولا تراقبن أحدا ولا تتركن شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه فان تركت منه شيئا فما بلغت قال ابن قتيبة يدل على هذا المحذوف قوله والله يعصمك وقال ابن عباس إن كتمت آية فما بلغت رسالتي وقال غيره المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك جهرا فان أخفيت شيئا منه لخوف أذى يلحقك فكأنك ما بلغت شيئا وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي رسالته على التوحيد وقرأ نافع رسالاته على الجمع \r\n قوله تعالى والله يعصمك من الناس قال ابن قتيبة أي يمنعك منهم وعصمة الله منعه للعبد من المعاصي ويقال طعام لا يعصم أي لا يمنع من الجوع فان قيل فأين ضمان العصمة وقد شج جبينه وكسرت رباعيته وبولغ في أذاه فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة فأما عوارض الأذى فلا تمنع عصمة الجملة والثاني أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك لأن المائدة من أواخر ما نزل ","part":2,"page":397},{"id":931,"text":" قوله تعالى إن الله لا يهدي القوم الكافرين فيه قولان \r\n أحدهما لا يهديهم إلى الجنة والثاني لا يعينهم على بلوغ غرضهم قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين \r\n قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ألست تؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها حق قال بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها فأنا بريء من إحداثكم فقالوا نحن على الهدى ونأخذ بما في أيدينا ولا نؤمن بك فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n فأما أهل الكتاب فالمراد بهم اليهود والنصارى وقوله لستم على شيء أي لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإنجيل وإقامتهما العمل بما فيهما ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم وفي الذي أنزل إليهم من ربهم قولان قد سبقا وكذلك باقي الآية إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤن والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون قد ذكرنا تفسيرها في البقرة وكذلك اختلفوا في إحكامها ونسخها كما بينا هناك فأما رفع الصائبين فذكر الزجاج عن البصريين منهم الخليل وسيبويه أن قوله ","part":2,"page":398},{"id":932,"text":" والصائبون محمول على التأخير ومرفوع بالابتداء والمعنى إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصائبون والنصارى كذلك أيضا وأنشدوا ... وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق ... \r\n المعنى فاعلموا أنا بغاة ما بقينا في شقاق وأنتم أيضا كذلك لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون \r\n قوله تعالى لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل قال مقاتل أخذ ميثاقهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها قال ابن عباس كان فيمن كذبوا محمد وعيسى و فيمن قتلوا زكريا ويحيى قال الزجاج فأما التكذيب فاليهود والنصارى يشتركون فيه وأما القتل فيختص اليهود وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون \r\n قوله تعالى وحسبوا أن لا تكون فتنة قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ","part":2,"page":399},{"id":933,"text":" وابن عامر تكون بالنصب وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تكون بالرفع ولم يختلفوا في رفع فتنة قال مكي بن أبي طالب من رفع جعل أن مخففة من الثقيلة وأضمر معها الهاء وجعل حسبوا بمعنى أيقنوا لأن أن للتأكيد والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين والتقدير أنه لا تكون فتنة ومن نصب جعل أن هي الناصبة للفعل وجعل حسبوا بمعنى ظنوا ولو كان قبل أن فعل لا يصلح للشك لم يجز أن تكون إلا مخففة من الثقيلة ولم يجز نصب الفعل بها كقوله أفلا يرون ألا يرجع إليهم طه 89 و علم أن سيكون المزمل 20 وقال أبو علي الأفعال ثلاثة فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره نحو العلم والتيقن وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار وفعل يجذب إلى هذا مرة وإلى هذا أخرى فما كان معناه العلم وقعت بعده أن الثقيلة لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره كقوله ويعلمون أن الله هو الحق المبين النور 25 ألم يعلم بأن الله يرى العلق 14 وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو أطمع وأخاف وأرجو وقعت بعده أن الخفيفة كقوله فان خفتم أن لا يقيما حدود الله البقرة 229 تخافون أن يتخطفكم الناس الأنفال 26 فخشينا أن يرهقهما الكهف 80 أطمع أن يغفر لي الشعراء 82 وما كان مترددا بين الحالين مثل حسبت وظننت فانه يجعل تارة بمنزلة العلم وتارة بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في وحسبوا ألا تكون فتنة قد جاء بها التنزيل فمثل مذهب من نصب أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم الجاثية 21 أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا العنكبوت 4 أحسب الناس أن يتركوا العنكبوت 2 ومثل مذهب من رفع أيحسبون أنما نمدهم المؤمنون 55 أم يحسبون انا لا نسمع سرهم الزخرف 80 ","part":2,"page":400},{"id":934,"text":" قال ابن عباس ظنوا أن الله لا يعذبهم ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء وتكذبيهم الرسل \r\n قوله تعالى فعموا وصموا قال الزجاج هذا مثل تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ورأوا من الآيات فصاروا كالعمي الصم \r\n قوله تعالى ثم تاب الله عليهم فيه قولان \r\n أحدهما رفع عنهم البلاء قاله مقاتل وقال غيره هو ظفرهم بالأعداء وذلك مذكور في قوله ثم رددنا لكم الكرة عليهم الاسراء 6 \r\n والثاني أن معنى تاب عليهم أرسل إليهم محمدا يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا قاله الزجاج وفي قوله ثم عموا وصموا قولان \r\n أحدهما لم يتوبوا بعد رفع البلاء قاله مقاتل \r\n والثاني لم يؤمنوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه و سلم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى كثير منهم أي عمي وصم كثير منهم كما تقول جاءني قومك أكثرهم قال ابن الأنباري هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما بعث كذبوه بغيا وحسدا وقدروا أن هذا الفعل لا يكون موبقا لهم وجانيا عليهم فقال الله تعالى وحسبوا أن لا تكون فتنة أي ظنوا ألا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر فعموا وصموا بمجانبة الحق ثم تاب الله عليهم أي عرضهم للتوبة بأن أرسل محمد صلى الله عليه و سلم وإن لم يتوبوا ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد كثير منهم فخص بعضهم بالفعل الأخير لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":401},{"id":935,"text":" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار \r\n قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قال مقاتل نزلت في نصارى نجران قالوا ذلك \r\n قوله تعالى وقال المسيح أي وقد كان المسيح قال لهم وهو بين أظهرهم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال مجاهد هم النصارى قال وهب بن منبه لما ولد عيسى لم يبق صنم إلا خر لوجهه فاجتمعت الشياطين إلى إبليس فأخبروه فذهب فطاف أقطار الأرض ثم رجع فقال هذا المولود الذي ولد من غير ذكر أردت أن أنظر إليه فوجدت الملائكة قد حفت بأمه فليتخلف عندي اثنان من مردتكم فلما أصبح خرج بهما في صورة الرجال فأتوا مسجد بني إسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى ويقولون مولود من غير أب فقال إبليس ما هذا ببشر ولكن الله أحب أن يتمثل في امرأة ليختبر العباد فقال أحد صاحبيه ما أعظم ما قلت ولكن الله أحب أن يتخذ ولدا وقال الثالث ما أعظم ما قلت ولكن الله أراد أن يجعل إلها في ","part":2,"page":402},{"id":936,"text":" الأرض فألقوا هذا الكلام على ألسنة الناس ثم تفرقوا فتكلم به الناس \r\n وقال محمد بن كعب لما رفع عيسى اجتمع مئة من علماء بني إسرائيل وانتخبوا منهم أربعة فقال أحدهما عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله وقال الثاني ليس كذلك لأنا قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه ولكنه ابن الله وقال الثالث لا أقول كما قلتما ولكن جاءت به أمه من عمل غير صالح فقال الرابع لقد قلتم قبيحا ولكنه عبد الله ورسوله وكلمته فخرجوا فاتبع كل رجل منهم عنق من الناس قال المفسرون ومعنى الآية أن النصارى قالت الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم وكل واحد منهم إله وفي الآية إضمار فالمعنى ثالث ثلاثة آلهة فحذف ذكر الآلهة لأن المعنى مفهوم لأنه لا يكفر من قال هو ثالث ثلاثة ولم يرد الآلهة لأنه ما من اثنين إلا وهو ثالثهما وقد دل على المحذوف قوله وما من إله إلا إله واحد قال الزجاج ومعنى ثالث ثلاثة أنه أحد ثلاثة ودخلت من في قوله وما من إله للتوكيد \r\n والذين كفروا منهم هم المقيمون على هذا القول وقال ابن جرير المعنى ليمسن الذين يقولون المسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكل كافر يسلك سبيلهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى أفلا يتوبون إلى الله قال الفراء لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الأمر كقوله فهل أنتم منتهون المائدة 91 ","part":2,"page":403},{"id":937,"text":" ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون \r\n قوله تعالى ما المسيح بن مريم إلا رسول فيه رد على اليهود في تكذيبهم رسالته وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته والمعنى أنه ليس باله وإنما حكمه حكم من سبقه من الرسل وفي قوله وأمه صديقة رد على من نسبها من اليهود إلى الفاحشة قال الزجاج والصديقة المبالغة في الصدق وصديق فعيل من أبنية المبالغة كما تقول فلان سكيت أي مبالغ في السكوت \r\n وفي قوله تعالى كانا يأكلان الطعام قولان \r\n أحدهما أنه بين أنهما يعيشان بالغذاء ومن لا يقيمه إلا أكل الطعام فليس باله قاله الزجاج \r\n والثاني أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته وهو الحدث إذ لا بد لآكل الطعام من الحدث قاله ابن قتيبة قال وقوله انظر كيف نبين لهم الآيات من ألطف ما يكون من الكناية ويؤفكون يصرفون عن الحق ويعدلون يقال أفك الرجل عن كذا إذا عدل عنه وأرض مأفوكة محرومة المطر والنبات كأن ذلك صرف عنها وعدل قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم \r\n قوله تعالى قل أتعبدون من دون الله قال مقاتل قل لنصارى نجران أتعبدون من دون الله يعني عيسى بن مريم ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا ولا ","part":2,"page":404},{"id":938,"text":" نفعا في الآخرة والله هو السميع لقولهم المسيح ابن الله وثالث ثلاثة العليم بمقالتهم قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل \r\n قوله تعالى قل يا أهل الكتاب قال مقاتل هم نصارى نجران والمعنى لا تغلوا في دينكم فتقولوا غير الحق في عيسى وقد بينا معنى الغلو في آخر سورة النساء \r\n قوله تعالى ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل قال أبو سليمان من قبل أن تضلوا وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم رؤساء الضلالة من اليهود \r\n والثاني رؤساء اليهود والنصارى والآية خطاب للذين كانوا في عصر نبينا صلى الله عليه و سلم نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون \r\n قوله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل في لعنهم قولان \r\n أحدهما أنه نفس اللعن ومعناه المباعدة من الرحمة قال ابن عباس لعنوا على لسان داود فصاروا قردة ولعنوا على لسان عيسى في الإنجيل قال الزجاج وجائز أن يكون داود وعيسى أعلما أن محمدا نبي ولعنا من كفر به \r\n والثاني أنه المسخ قاله مجاهد لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير وقال الحسن وقتادة لعن أصحاب السبت ","part":2,"page":405},{"id":939,"text":" على لسان داود فانهم لما اعتدوا قال داود اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى فانهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فجعلوا خنازير \r\n قوله تعالى ذلك بما عصوا أي ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في مخالفتهم أمره ونهيه وباعتدائهم في مجاوزة ما حده لهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون \r\n قوله تعالى كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه التناهي تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر \r\n وذكر المفسرون في هذا المنكر ثلاثة أقوال \r\n أحدها صيد السمك يوم السبت والثاني أخذ الرشوة في الحكم \r\n والثالث أكل الربا وأثمان الشحوم وذكر المنكر منكرا يدل على الإطلاق ويمنع هذا الحصر ويدل على ما قلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا فاذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ","part":2,"page":406},{"id":940,"text":" قوله تعالى لبئس ما كانوا يفعلون قال الزجاج اللام دخلت للقسم والتوكيد والمعنى لبئس شيئا فعلهم ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون \r\n قوله تعالى ترى كثيرا منهم في المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم المنافقون روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد \r\n والثاني أنهم اليهود قاله مقاتل في آخرين فعلى هذا القول انتظام الآيات ظاهر وعلى الأول يرجع الكلام إلى قوله فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم وفي الذين كفروا قولان أحدهما أنهم اليهود قاله أرباب القول الأول والثاني أنهم مشركو العرب قاله أرباب هذا القول الثاني \r\n قوله تعالى لبئسما قدمت لهم أنفسهم أي بئسما قدموا لمعادهم أن سخط الله عليهم قال الزجاج يجوز أن تكون أن في موضع رفع على إضمار هو كأنه قيل هو أن سخط الله عليهم لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ","part":2,"page":407},{"id":941,"text":" قوله تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود قال المفسرون نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه قال سعيد بن جبير بعث النجاشي قوما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها وسنذكر قصتهم فيما بعد قال الزجاج واللام في لتجدن لام القسم والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال وعداوة منصوب على التمييز واليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدا للنبي صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى والذين أشركوا يعني عبدة الأوثان فأما الذين قالوا إنا نصارى فهل هذا عام في كل النصارى أم خاص فيه قولان \r\n أحدهما أنه خاص ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا قاله ابن عباس وابن جبير \r\n والثاني أنهم قوم من النصارى كانوا متمسكين بشريعة عيسى فلما جاء محمد عليه السلام أسلموا قاله قتادة \r\n والقول الثاني أنه عام قال الزجاج يجوز أن يراد به النصارى لأنهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود \r\n قوله تعالى ذلك بأن منهم قسيسين قال الزجاج القس والقسيس من رؤساء النصارى وقال قطرب القسيس العالم بلغة الروم فأما الرهبان فهم العباد أرباب الصوامع قال ابن فارس الترهب التعبد فان قيل كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا فالجواب أنه مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم ","part":2,"page":408},{"id":942,"text":" وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم والمعنى بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد صلى الله عليه و سلم قال القاضي أبو يعلى وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى وليس كذلك لأنه إنما مدح من آمن منهم ويدل عليه ما بعد ذلك ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود \r\n قوله تعالى وأنهم لا يستكبرون أي لا يتكبرون عن إتباع الحق \r\n قوله تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول قال ابن عباس لما حضر أصحاب النبي عليه السلام بين يدي النجاشي وقرؤوا القرآن سمع ذلك القسيسون والرهبان فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فقال الله تعالى ذلك بأن منهم قسيسين إلى قوله من الشاهدين وقال سعيد بن جبير بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ عليهم القرآن فبكوا ورقوا وقالوا نعرف والله وأسلموا وذهبوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم فأنزل الله فيهم وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية وقال السدي كانوا اثني عشر رجلا سبعة من القسيسين وخمسة من الرهبان فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن بكوا وآمنوا فنزلت هذه الآية فيهم \r\n قوله تعالى فاكتبنا مع الشاهدين أي مع من يشهد بالحق وللمفسرين في المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال \r\n أحدها محمد وأمته رواه علي بن أبي طلحة وعكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث الذين يشهدون بالإيمان قاله الحسن والرابع الأنبياء والمؤمنون قاله الزجاج وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات ","part":2,"page":409},{"id":943,"text":" تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم \r\n قوله تعالى وما لنا لا نؤمن بالله قال ابن عباس لامهم قومهم على الإيمان فقالوا هذا وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أصحاب رسول الله قاله ابن عباس والثاني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاله ابن زيد والثالث المهاجرون الأولون قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وذلك جزاء المحسنين قال ابن عباس ثواب المؤمنين يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم وأرادوا جب أنفسهم ليتفرغوا للعبادة فقال رسول الله لم أومر بذلك ونزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وروى أبو صالح عن ابن عباس قال كانوا عشرة أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد بن الأسود وسالم مولى أبي حذيفة وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر في دار عثمان بن مظعون فتواثقوا على ذلك فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من رغب عن سنتي فليس مني ونزلت ","part":2,"page":410},{"id":944,"text":" هذه الآية قال السدي كان سبب عزمهم على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جلس يوما فلم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا فعزم هؤلاء على ذلك وحلفوا على ما عزموا عليه وقال عكرمة إن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان ابن مظعون والمقداد وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل وهموا بالاختصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إني إذا أكلت من هذا اللحم أقبلت على النساء وإني حرمته علي فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أن ضيفا نزل بعبد الله بن رواحة ولم يكن حاضرا فلما جاء قال لزوجته هل أكل الضيف فقالت انتظرتك فقال حبست ضيفي من أجلي طعامك علي حرام فقالت وهو علي حرام إن لم تأكله فقال الضيف وهو علي حرام إن لم تأكلوه فلما رأى ذلك ابن رواحة قال قربي طعامك كلوا بسم الله ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره بذلك فقال أحسنت ونزلت هذه ","part":2,"page":411},{"id":945,"text":" الآية وقرأ حتى بلغ لا يؤاخذكم الله باللغوا في أيمانكم رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه فأما الطيبات فهي اللذيذات التي تشتهيها النفوس مما أبيح \r\n وفي قوله ولا تعتدوا خمسة أقوال \r\n أحدها لا تحببوا أنفسكم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وإبراهيم \r\n والثاني لا تأتوا ما نهى الله عنه قاله الحسن والثالث لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء وإدامة الصيام والقيام قاله عكرمة والرابع لا تحرموا الحلال قاله مقاتل والخامس لا تغصبوا الأموال المحرمة ذكره الماوردي لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فاحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون \r\n قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم سبب نزولها أنه لما نزل قوله لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وقد سبق ذكر اللغو في سورة البقرة \r\n قوله تعالى بما عقدتم الأيمان قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم عقدتم بغير ألف مشددة القاف قال أبو عمرو معناها ","part":2,"page":412},{"id":946,"text":" وكدتم وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم عقدتم خفيفة بغير ألف واختارها أبو عبيد قال ابن جرير معناها أوجبتموها على أنفسكم وقرأ ابن عامر عاقدتم بألف مثل عاهدتم قال القاضي أبو يعلى وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إلا عقد قول فأما المخففة فتحتمل عقد القلب وعقد القول \r\n وذكر المفسرون في معنى الكلام قولين \r\n أحدهما ولكن يؤاخذكم بما عقدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين قاله مجاهد \r\n والثاني بما عقدتم عليه قلوبكم أنه كذب قاله سعيد بن جبير \r\n قوله تعالى فكفارته قال ابن جرير الهاء عائدة على ما في قوله بما عقدتم \r\n فصل \r\n فأما إطعام المساكين فروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس والحسن في آخرين أن لكل مسكين مدبر وبه قال مالك والشافعي \r\n وروي عن عمر وعلي وعائشة في آخرين لكل مسكين نصف صاع من بر قال عمر وعائشة أو صاعا من تمر وبه قال أبو حنيفة ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها إطعام مثل كفارة اليمين والظهار وفدية الأذى والمفرطة في قضاء رمضان مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير ومن شرط صحة الكفارة تمليك الطعام للفقراء فان غداهم وعشاهم لم يجزئه وبه قال سعيد بن جبير والحكم والشافعي وقال الثوري والأوزاعي يجزئه وبه قال أبو حنيفة ومالك ولا يجوز صرف مدين إلى مسكين واحد ولا إخراج القيمة في الكفارة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز قال الزجاج وإنما وقع ","part":2,"page":413},{"id":947,"text":" لفظ الذكير في المساكين ولو كانوا إناثا لأجزأ لأن المغلب في كلام العرب التذكير وفي قوله من أوسط ما تطعمون أهليكم قولان \r\n أحدهما من أوسطه في القدر قاله عمر وعلي وابن عباس ومجاهد \r\n والثاني من أوسط أجناس الطعام قاله ابن عمر والأسود وعبيدة والحسن وابن سيرين وروي عن ابن عباس قال كان أهل المدينة يقولون للحر من القوت أكثر ما للمملوك وللكبير أكثر ما للصغير فنزلت من أوسط ما تطعمون أهليكم ليس بأفضله ولا بأخسه وفي كسوتهم خمسة أقوال \r\n أحدها أنها ثوب واحد قاله ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء والشافعي والثاني ثوبان قاله أبو موسى الأشعري وابن المسيب والحسن وابن سيرين والضحاك والثالث إزار ورداء وقميص قاله ابن عمر والرابع ثوب جامع كالملحفة قاله إبراهيم النخعي والخامس كسوة تجزىء فيها الصلاة قاله مالك ومذهب أصحابنا أنه إن كسا الرجل كساه ثوبا والمرأة ثوبين درعا وخمارا وهو أدنى ما تجزئ فيه الصلاة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء ويحيى بن يعمر أو كسوتهم بضم الكاف وقد قرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ أو كاسوتهم بهمزة مكسورة مفتوحة الكاف مكسورة التاء والهاء وقرأ ابن السميفع وأبو عمران الجوزي مثله إلا إنهما فتحا الهمزة قال المصنف ولا أرى هذه القراءة جائزة لأنها تسقط أصلا من أصول الكفارة ","part":2,"page":414},{"id":948,"text":" قوله تعالى أو تحرير رقبة تحريرها عتقها والمراد بالرقبة جملة الشخص واتفقوا على إشتراط إيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص \r\n واختلفوا في إيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين \r\n أحدهما أنه شرط وبه قال الشافعي لأن الله تعالى قيد بذكر الإيمان في كفارة القتل فوجب حمل المطلق على المقيد \r\n والثاني ليس بشرط وبه قال أبو حنيفة وعن أحمد رضي الله عنه في إيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الجماع والمنذورة روايتان \r\n قوله تعالى فمن لم يجد اختلفوا فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه إذا لم يجد درهمين صام قاله الحسن والثاني ثلاثة دراهم قاله سعيد بن جبير والثالث إذا لم يجد إلا قدر ما يكفر به صام قاله قتادة والرابع مئتي درهم قاله أبو حنيفة والخامس إذا لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته قاله أحمد والشافعي وفي تتابع الثلاثة أيام قولان \r\n أحدهما أنه شرط وكان أبي وابن مسعود يقرآن فصيام ثلاثة أيام متتابعات وبه قال ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء وقتادة وأبو حنيفة وهو قول أصحابنا \r\n والثاني ليس بشرط ويجوز التفريق وبه قال الحسن ومالك والشافعي فيه قولان \r\n قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فيه إضمار تقديره إذا حلفتم وحنثتم وفي قوله واحفظوا أيمانكم ثلاثة أقوال ","part":2,"page":415},{"id":949,"text":" أحدها أقلوا منها ويشهد له قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وأنشدوا ... قليل الألايا حافظ ليمينه ... \r\n والثاني احفظوا أنفسكم من الحنث فيها \r\n والثالث راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها يآ أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن سعد بن أبي وقاص أتى نفرا من المهاجرين والأنصار فأكل عندهم وشرب الخمر قبل أن تحرم فقال المهاجرون خير من الأنصار فأخذ رجل لحي جمل فضربه فجدع أنفه فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره فنزلت هذه الآية رواه مصعب بن سعد عن أبيه وقال سعيد بن جبير صنع رجل من الأنصار صنيعا فدعا سعد بن أبي وقاص فلما أخذت فيهم الخمرة افتخروا واستبوا فقام الأنصاري إلى لحي بعير فضرب به رأس سعد فاذا الدم على وجهه فذهب سعد يشكو إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزل تحريم الخمر في قوله إنما إلى قوله تفلحون ","part":2,"page":416},{"id":950,"text":" والثاني أن عمر بن الخطاب قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في البقرة فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى النساء 43 فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية رواه أبو ميسرة عن عمر \r\n والثالث أن أناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا وتكلموا بما لا يرضاه الله من القول فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أن قبيلتين من الأنصار شربوا فلما ثملوا عبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته فيقول صنع بي هذا أخي فلان والله لو كان بي رؤوفا ما صنع بي هذا حتى وقعت في قلوبهم الضغائن وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد ذكرنا الخمر والميسر في البقرة وذكرنا في النصب في أول هذه السورة قولين وهما اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب وذكرنا هناك الأزلام فأما الرجس فقال الزجاج هو اسم لكل ما استقذر من عمل يقال رجس الرجل يرجس ورجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا والرجس بفتح الراء شدة الصوت فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره ويرتفع في القبح ويقال رعد رجاس إذا كان شديد الصوت ","part":2,"page":417},{"id":951,"text":" قوله تعالى من عمل الشيطان قال ابن عباس من تزيين الشيطان فان قيل كيف نسب إليه وليس من فعله فالجواب أن نسبته إليه مجاز وإنما نسب إليه لأنه هو الداعي إليه المزين له ألا ترى أن رجلا لو أغرى رجلا بضرب رجل لجاز أن يقال له هذا من عملك \r\n قوله تعالى فاجتنبوه قال الزجاج اتركوه واشتقاقه في اللغة كونوا جانبا منه فان قيل كيف ذكر في هذه الآية أشياء ثم قال فاجتنبوه فالجواب أن الهاء عائدة على الرجس والرجس واقع على الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ورجوع الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو واقع عليه ومنبئ عنه ذكره ابن الأنباري إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين \r\n قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر أما الخمر فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في سبب نزول الآية من القتال والمماراة وأما الميسر فقال قتادة كان الرجل يقامر على أهله وماله فيقمر ويبقى حزينا سليبا فينظر إلى ماله في يد غيره فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء \r\n قوله تعالى فهل أنتم منتهون فيه قولان \r\n أحدهما أنه لفظ استفهام ومعناه الأمر تقديره انتهوا قال الفراء ردد علي أعرابي هل أنت ساكت هل أنت ساكت وهو يريد اسكت اسكت ","part":2,"page":418},{"id":952,"text":" والثاني أنه استفهام لا بمعنى الأمر ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن جماعة كانوا يشربون الخمر بعد هذه الآية ويقولون لم يحرمها إنما قال فهل أنتم منتهون فقال بعضنا انتهينا وقال بعضنا لم ننته فلما نزلت قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم الأعراف 33 حرمت لأن الإثم اسم للخمر وهذا القول ليس بشيء والأول أصح \r\n قوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمراكم واحذروا خلافهما فان توليتم أي أعرضتم فاعلموا أنما على رسولنا محمد البلاغ المبين وهذا وعيد لهم كأنه قال فاعلموا أنكم قد استحققتم العذاب لتوليكم ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين \r\n قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا سبب نزولها أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ماتوا وهم يشربون الخمر إذ كانت مباحة فلما حرمت قال ناس كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربونها فنزلت هذه الآية قاله البراء بن عازب والجناح الإثم وفيما طعموا ثلاثة أقوال ","part":2,"page":419},{"id":953,"text":" أحدها ما شربوا من الخمر قبل تحريمها قاله ابن عباس والجمهور قال ابن قتيبة يقال لم أطعم خبزا وأدما ولا ماء ولا نوما قال الشاعر ... فان شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا ... \r\n النقاخ الماء البارد الذي ينقخ الفؤاد ببرده والبرد النوم \r\n والثاني ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر \r\n والثالث ما طعموا من المباحات وفي قوله إذا ما اتقوا ثلاثة أقوال \r\n أحدها اتقوا بعد التحريم قاله ابن عباس والثاني اتقوا المعاصي والشرك \r\n والثالث اتقوا مخالفة الله في أمره وفي قوله وآمنوا قولان \r\n أحدهما آمنوا بالله ورسوله والثاني آمنوا بتحريمها وعملوا الصالحات قال مقاتل أقاموا على الفرائض \r\n قوله تعالى ثم أتقوا في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال \r\n أحدها أن المراد خوف الله عز و جل والثاني أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم والثالث أنها الدوام على التقوى والرابع أن التقوى الأولى مخاطبة لمن شربها قبل التحريم والثانية لمن شربها بعد التحريم \r\n قوله تعالى وآمنوا في هذا الإيمان المعاد قولان \r\n أحدهما صدقوا بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني آمنوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ ","part":2,"page":420},{"id":954,"text":" قوله تعالى ثم اتقوا وأحسنوا في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال \r\n أحدها اجتنبوا العود إلى الخمر بعد تحريمها قاله ابن عباس والثاني اتقوا ظلم العباد والثالث توقوا الشبهات والرابع اتقوا جميع المحرمات \r\n وفي الإحسان قولان أحدهما أحسنوا العمل بترك شربها بعد التحريم قاله ابن عباس والثاني أحسنوا العمل بعد تحريمها قاله مقاتل يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد قال المفسرون لما كان عام الحديبية وأقام النبي صلى الله عليه و سلم بالتنعيم كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم وهم محرمون فنزلت هذه الآية ونهوا عنها ابتلاء قال الزجاج اللام في ليبلونكم لام القسم ومعناه لنختبرن طاعتكم من معصيتكم \r\n وفي من قولان أحدهما أنها للتبعيض ثم فيه قولان أحدهما أنه عنى صيد البر دون صيد البحر والثاني أنه عنى الصيد ما داموا في الإحرام كأن ذلك بعض الصيد والثاني أنها لبيان الجنس كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان الحج 30 \r\n قوله تعالى تناله أيديكم ورماحكم قال مجاهد الذي تناله اليد الفراخ والبيض وصغار الصيد والذي تناله الرماح كبار الصيد ","part":2,"page":421},{"id":955,"text":" قوله تعالى ليعلم الله قال مقاتل ليرى الله من يخافه بالغيب ولم يره فلا يتناول الصيد وهو محرم فمن اعتدى فأخذ الصيد عمدا بعد النهي للمحرم عن قتل الصيد فله عذاب أليم قال ابن عباس يوسع بطنه وظهره جلدا وتسلب ثيابه يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام \r\n قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم بين الله عز و جل بهذه الآية من أي وجه تقع البلوى وفي أي زمان وما على من قتله بعد النهي \r\n وفي قوله وأنتم حرم ثلاثة أقوال \r\n أحدها وأنتم محرمون بحج أو عمرة قاله الأكثرون والثاني وأنتم في الحرم يقال أحرم إذا دخل في الحرم وأنجد إذا أتى نجدا والثالث الجمع بين القولين \r\n قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فيه قولان \r\n أحدهما أن يتعمد قتله ذاكرا لإحرامه قاله ابن عباس وعطاء \r\n والثاني أن يتعمد قتله ناسيا لإحرامه قاله مجاهد فأما قتله خطأ ففيه قولان \r\n أحدهما أنه كالعمد قاله عمر وعثمان والجمهور قال الزهري نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ يعني ألحقت المخطئ بالمتعمد في وجوب ","part":2,"page":422},{"id":956,"text":" الجزاء وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم وهذا عام في العامد والمخطئ قال القاضي أبو يعلى أفاد تخصيص العمد بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من الوعيد وإنما يختص ذلك بالعامد \r\n والثاني أنه لا شيء فيه قاله ابن عباس وابن جبير وطاووس وعطاء وسالم والقاسم وداود وعن أحمد روايتان أصحهما الوجوب \r\n قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فجزاء مثل مضافة وبخفض مثل وقرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء منون مثل مرفوع قال أبو علي من أضاف فقوله من النعم يكون صفة للجزاء وإنما قال مثل ما قتل وإنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله لأنهم يقولون أنا أكرم مثلك يريدون أن أكرمك فالمعنى جزاء ما قتل \r\n ومن رفع المثل فالمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول والتقدير فعليه جزاء \r\n قال ابن قتيبة النعم الإبل وقد يكون البقر والغنم والأغلب عليها الإبل وقال الزجاج النعم في اللغة الإبل والبقر والغنم فان انفردت الابل قيل لها نعم وإن انفردت البقر والغنم لم تسم نعما ","part":2,"page":423},{"id":957,"text":" فصل \r\n قال القاضي أبو يعلى والصيد الذي يجب الجزاء بقتله ما كان مأكول اللحم كالغزال وحمار الوحش والنعامة ونحو ذلك أو كان متولدا من حيوان يؤكل لحمه كالسمع فانه متولد من الضبع والذئب وما عدا ذلك من السباع كلها فلا جزاء على قاتلها سواء ابتدأ قتلها أو عدت عليه فقتلها دفعا عن نفسه لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة فلم يدخل تحت الآية ولأن النبي صلى الله عليه و سلم أجاز للمحرم قتل الحية والعقرب والفويسقة والغراب والحدأة والكلب العقور والسبع العادي قال والواجب بقتل الصيد فيما له مثل من الأنعام مثله وفيما لا مثل له قيمته وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة الواجب فيه القيمة وحمل المثل على القيمة وظاهر الآية يرد ما قال ولأن ","part":2,"page":424},{"id":958,"text":" الصحابة حملوا الآية على المثل من طريق الصورة فقال ابن عباس المثل النظير ففي الظبية شاة وفي النعامة بعير \r\n قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم يعني بالجزاء وإنما ذكر اثنين لأن الصيد يختلف في نفسه فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين \r\n قوله تعالى منكم يعني من أهل ملتكم \r\n قوله تعالى هديا بالغ الكعبة قال الزجاج هو منصوب على الحال والمعنى يحكمان به مقدرا أن يهدى ولفظ قوله بالغ الكعبة لفظ معرفة ومعناه النكرة والمعنى بالغا الكعبة إلا أن التنوين حذف استخفافا قال ابن عباس إذا أتى مكة ذبحه وتصدق به \r\n قوله تعالى أو كفارة قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي أو كفارة منونا طعام رفعا وقرأ نافع وابن عامر أو كفارة رفعا غير منون طعام المساكين على الاضافة قال أبو علي من رفع ولم يضف جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة ولم يضف الكفارة إلى الطعام لأن الكفارة لقتل الصيد لا للطعام ومن أضاف الكفارة إلى الطعام فلأنه لما خير المكفر بين الهدي والطعام والصيام جازت الإضافة لذلك فكأنه قال كفارة طعام لا كفارة هدي ولا صيام والمعنى أو عليه بدل الجزاء والكفارة وهي طعام مساكين وهل يعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير أو قيمة الصيد فيه قولان \r\n أحدهما قيمة النظير وبه قال عطاء والشافعي وأحمد \r\n والثاني قيمة الصيد وبه قال قتادة وأبو حنيفة ومالك ","part":2,"page":425},{"id":959,"text":" وفي قدر الإطعام لكل مسكين قولان \r\n أحدهما مدان من بر وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة \r\n والثاني مد بر وبه قال الشافعي وعن أحمد روايتان كالقولين \r\n قوله تعالى أو عدل ذلك صياما قرأ أبو رزين والضحاك وقتادة والجحدري وطلحة أو عدل ذلك بكسر العين وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة قال أصحابنا يصوم عن كل مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير يوما وقال أبو حنيفة يصوم يوما عن نصف صاع في الجميع وقال مالك والشافعي يصوم يوما عن كل مد من الجميع \r\n فصل \r\n وهل هذا الجزاء على الترتيب أم على التخيير فيه قولان \r\n أحدهما أنه على التخيير بين إخراج النظير وبين الصيام وبين الإطعام \r\n والثاني أنه على الترتيب إن لم يجد الهدي اشترى طعاما فان كان معسرا صام قاله ابن سيرين والقولان مرويان عن ابن عباس وبالأول قال جمهور الفقهاء \r\n قوله تعالى ليذوق وبال أمره أي جزاء ذنبه قال الزجاج الوبال ثقل الشيء في المكروه ومنه قولهم طعام وبيل وماء وبيل إذا كانا ثقيلين قال الله عز و جل فأخذناه أخذا وبيلا المزمل 16 أي ثقيلا شديدا \r\n قوله تعالى عفا الله عما سلف فيه قولان \r\n أحدهما ما سلف في الجاهلية من قتلهم الصيد وهم محرمون قاله عطاء ","part":2,"page":426},{"id":960,"text":" والثاني ما سلف من قتل الصيد في أول مرة حكاه ابن جرير والأول أصح فعلى القول الأول يكون معنى قوله ومن عاد في الإسلام وعلى الثاني ومن عاد ثانية بعد أولى قال أبو عبيدة عاد في موضع يعود وأنشد ... إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ... \r\n قوله تعالى فينتقم الله منه الانتقام المبالغة في العقوبة وهذا الوعيد بالانتقام لا يمنع إيجاب جزاء ثان إذا عاد وهذا قول الجمهور وبه قال مالك والشافعي وأحمد وقد روي عن ابن عباس والنخعي وداود أنه لا جزاء عليه في الثاني إنما وعد بالانتقام أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون \r\n قوله تعالى أحل لكم صيد البحر قال أحمد يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح لأن التمساح يأكل الناس يعني أنه يفرس وقال ","part":2,"page":427},{"id":961,"text":" أبو حنيفة والثوري لا يباح منه إلا السمك وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره فأما طعامه ففيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما نبذه البحر ميتا قاله أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو أيوب وقتادة \r\n والثاني أنه مليحه قاله سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والسدي وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة كالقولين واختلفت الرواية عن النخعي فروي عنه كالقولين وروي عنه أنه جمع بينهما فقال طعامه المليح وما لفظه \r\n والثالث أنه ما نبت بمائة من زروع البر وإنما قيل لهذا طعام البحر لأنه ينبت بمائه حكاه الزجاج وفي المتاع قولان \r\n أحدهما أنه المنفعة قاله ابن عباس والحسن وقتادة \r\n والثاني أنه الحل قاله النخعي قال مقاتل متاعا لكم يعني المقيمين وللسيارة يعني المسافرين \r\n قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أما الاصطياد فمحرم على المحرم فان صيد لأجله حرم عليه أكله خلافا لأبي حنيفة فان أكل فعليه الضمان خلافا لأحد قولي الشافعي فان ذبح المحرم صيدا فهو ميتة خلافا لأحد قولي الشافعي أيضا فان ذبح الحلال صيدا في الحرم فهو ميتة أيضا خلافا لأكثر الحنفية جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ","part":2,"page":428},{"id":962,"text":" السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى جعل الله الكعبة جعل بمعنى صير وفي تسمية الكعبة كعبة قولان \r\n أحدهما لأنها مربعة قاله عكرمة ومجاهد \r\n والثاني لعلوها ونتوئها يقال كعبت المرأة كعابة وهي كاعب إذا نتأ ثديها ومعنى تسمية البيت بأنه حرام أنه حرم أن يصاد عنده وأن يختلى ما عنده من الخلا وأن يعضد شجره وعظمت حرمته والمراد بتحريم البيت سائر الحرم كما قال هديا بالغ الكعبة وأراد الحرم والقيام ","part":2,"page":429},{"id":963,"text":" بمعنى القوام وقرأ ابن عامر قيما بغير ألف قال أبو علي وجهه على أحد أمرين إما أن يكون جعله مصدرا كالشبع أو حذف الألف وهو يريدها كما يقصر الممدود وفي معنى الكلام ستة أقوال \r\n أحدها قياما للدين ومعالم للحج رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني قياما لأمر من توجه إليها رواه العوفي عن ابن عباس قال قتادة كان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إليها لم يتناول ولم يقرب وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس وكان إذا نفر تقلد قلادة من الاذخر أو من لحاء السمر فمنعته من الناس حتى يأتي أهله حواجز ألقاها الله بين الناس في الجاهلية \r\n والثالث قياما لبقاء الدين فلا يزال في الأرض دين ما حجت واستقبلت قاله الحسن \r\n والرابع قوام دنيا وقوام دين قاله أبو عبيدة \r\n والخامس قياما للناس أي مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه ذكره الزجاج \r\n والسادس قياما لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها ذكره بعض المفسرين \r\n فأما الشهر الحرام فالمراد به الأشهر الحرم كانوا يأمن بعضهم بعضا فيها فكان ذلك قواما لهم وكذلك إذا أهدى الرجل هديا أو قلد بعيره أمن ","part":2,"page":430},{"id":964,"text":" كيف تصرف فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في صدورهم من تعظيمها \r\n قوله تعالى ذلك لتعلموا ذكر ابن الأنباري في المشار إليه بذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء وغيرهم وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين فقال ذلك لتعلموا أي ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض ولا تخفى عليه خافية \r\n والثاني أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها وتأخذ الأموال بغير حقها ويقتل أحدهم غير القاتل فاذا دخلوا البلد الحرام أو دخل الشهر الحرام كفوا عن القتل والمعنى جعل الله الكعبة أمنا والشهر الحرام أمنا إذ لو لم يجعل للجاهلية وقتا يزول فيه الخوف لهلكوا فذلك يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض \r\n والثالث أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إلى مكة في الشهور المعلومة فاذا وصلوا إليها عاش أهلها معهم ولولا ذلك ماتوا جوعا لعلمه بما في ذلك من صلاحهم وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض \r\n والرابع أن الله تعالى جعل مكة أمنا وكذلك الشهر الحرام فاذا دخل الظبي الوحشي الحرم أنس بالناس ولم ينفر من الكلب ولم يطلبه الكلب فاذا خرجا عن حدود الحرم طلبه الكلب وذعر هو منه والطائر يأنس بالناس في الحرم ولا يزال يطير حتى يقرب من البيت فاذا قرب منه عدل عنه ولم ","part":2,"page":431},{"id":965,"text":" يطر فوقه إجلالا له فاذا لحقه وجع طرح نفسه على سقف البيت استشفاء به فهذه الأعاجيب في ذلك المكان وفي ذلك الشهر قد دللن على أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض \r\n ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون \r\n قوله تعالى ما على الرسول إلا البلاغ في هذه الآية تهديد شديد وزعم مقاتل أنها نزلت والتي بعدها في أمر شريح بن ضبيعة وأصحابه وهم حجاج اليمامة حين هم المسلمون بالغارة عليهم وقد سبق ذكر ذلك في أول السورة وهل هذه الآية محكمة أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنها محكمة وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ وليس عليه الهدى والثاني أنها كانت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى لا يستوي الخبيث والطيب روى جابر بن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله فقال له النبي صلى الله عليه و سلم إن الله لا يقبل إلا الطيب فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي الخبيث والطيب أربعة أقوال ","part":2,"page":432},{"id":966,"text":" أحدها الحلال والحرام قاله ابن عباس والحسن والثاني المؤمن والكافر قاله السدي والثالث المطيع والعاصي والرابع الرديء والجيد ذكرهما الماوردي ومعنى الاعجاب هاهنا السرور بما يتعجب منه \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم \r\n قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم في سبب نزولها ستة أقوال \r\n أحدها أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه و سلم حتى أحفوه بالمسألة فقام مغضبا خطيبا فقال سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم فقام رجل من قريش يقال له عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال يا نبي الله من أبي قال أبوك حذافة فقام آخر فقال أين أبي قال في النار فقام عمر فقال رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما إنا حديثو عهد بجاهلية والله أعلم من أباؤنا فسكن غضبه ونزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن أبي هريرة وقتادة عن أنس ","part":2,"page":433},{"id":967,"text":" والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب الناس فقال إن الله كتب عليكم الحج فقام عكاشة بن محصن فقال أفي كل عام يا رسول الله فقال أما إني لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتم لضللتم اسكتوا عني ما سكت عنكم فانما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فنزلت هذه الآية رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة وقيل إن السائل عن ذلك الأفرع بن حابس \r\n والثالث أن قوما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي فنزلت هذه الآية رواه أبو الجورية عن ابن عباس ","part":2,"page":434},{"id":968,"text":" والرابع أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه و سلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنزلت هذه الآية رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال ابن جبير \r\n والخامس أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات فنزلت هذه الآية روي هذا المعنى عن عكرمة \r\n والسادس أنها نزلت في تمنيهم الفرائض وقولهم وددنا أن الله تعالى أذن لنا في قتال المشركين وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله ذكره أبو سليمان الدمشقي قال الزجاج أشياء في موضع خفض إلا أنها فتحت لأنها لا تنصرف و تبد لكم تظهر لكم فأعلم الله تعالى أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع لأنه يسوء الجواب عنه وقال ابن عباس إن تبد لكم أي إن نزل القرآن فيها بغليظ ساءكم ذلك \r\n قوله تعالى وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن أي حين ينزل القرآن فيها بفرض أو إيجاب أو نهي أو حكم وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ما بكم إليه حاجة فاذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم وفي قوله عفا الله عنها قولان \r\n أحدهما أنه إشارة إلى الأشياء \r\n والثاني إلى المسألة فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير والمعنى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها ويكون معنى عفا الله عنها أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما وعلى القول الثاني الآية على نظمها ومعنى عفا الله عنها لم يؤاخذ بها ","part":2,"page":435},{"id":969,"text":" قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين \r\n قوله تعالى قد سألها قوم من قبلكم في هؤلاء القوم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة قاله ابن عباس والحسن \r\n والثاني أنهم قوم صالح حين سألوا الناقة هذا على قول السدي وهذان القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات \r\n والثالث أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها فلو ذبحوا بقرة لأجزأت ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم قاله ابن زيد وهذا يخرج على سؤال من سأل عن الحج إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في الفرض لشدد \r\n والرابع أنهم الذين قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وهذا عن ابن زيد أيضا وهو يخرج على من قال إنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنيا لذلك قال مقاتل كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء فاذا أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدقوهم فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون \r\n قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة أي ما أوجب ذلك ولا أمر به \r\n وفي البحيرة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فان كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى شقوا أذنها وكانت حراما على النساء لا ينتفعن بها ولا يذقن من لبنها ومنافعها للرجال خاصة فاذا ماتت إشترك فيها الرجال والنساء قاله ابن عباس واختاره ابن قتيبة ","part":2,"page":436},{"id":970,"text":" والثاني أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر فيعمدون إلى الخامسة فيبتكون أذنها قاله عطاء \r\n والثالث أنها ابنة السائبة قاله إبن إسحاق والفراء قال ابن إسحاق كانت الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت فاذا نتجت بعد ذلك أنثى شقت أذنها وسميت بحيرة وخليت مع أمها \r\n والرابع أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها وامتنعوا من ركوبها وذبحها ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى وإذا لقيها لم يركبها قاله الزجاج فأما السائبة فهي فاعلة بمعنى مفعولة وهي المسيبة كقوله في عيشة راضية أي مرضية وفي السائبة خمسة أقوال \r\n أحدها أنها التي تسيب من الأنعام للآلهة لا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا ولا يجزون منها وبرا ولا يحملون عليها شيئا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء فيأتي به خزنة الآلهة فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء فلا يطعمونهن شيئا منه إلا أن يموت فيشترك فيه الرجال والنساء رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ","part":2,"page":437},{"id":971,"text":" الشعبي كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم ويتركونها عند الآلهة فلا يشرب منها إلا رجل فان مات منها شيء أكله الرجال والنساء \r\n والثالث أنها الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يجز لها وبر ولم يشرب لبنها إلا ضيف أو ولدها حتى تموت فاذا ماتت أكلها الرجال والنساء ذكره الفراء \r\n والرابع أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله تعالى من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك قاله ابن قتيبة قال الزجاج كان الرجل إذا نذر لشيء من هذا قال ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ولا تمنع من ماء ومرعى \r\n والخامس أنه البعير يحج عليه الحج فيسيب ولا يستعمل شكرا لنجحها حكاه الماوردي عن الشافعي وفي الوصيلة خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الشاة كانت إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع فان كان أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء وإن كان ذكرا ذبحوه فأكلوه جميعا وإن كان ذكران وأنثى قالوا وصلت أخاها فتترك مع أخيها فلا تذبح ومنافعها للرجال دون النساء فاذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء رواه أبو صالح عن ابن عباس وذهب إلى نحوه ابن قتيبة فقال إن كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء وإن كان أنثى تركت في النعم وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تذبح لمكانها وكانت لحومها حراما على النساء ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء ","part":2,"page":438},{"id":972,"text":" والثاني أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى ثم تثني بالأنثى فكانوا يستبقونها لطواغيتهم ويدعونها الوصيلة أي وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر رواه الزهري عن ابن المسيب \r\n والثالث أنها الشاة تنتج عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن فيدعونها الوصيلة وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث قاله ابن إسحاق \r\n والرابع أنها الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين فاذا ولدت في سابعها عناقا وجديا قيل وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة قاله الفراء \r\n والخامس أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم قاله الزجاج \r\n وفي الحام ستة أقوال \r\n أحدها أنه الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقولون قد حمى ظهره فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه قاله ابن مسعود وابن عباس واختاره أبو عبيدة والزجاج \r\n والثاني أنه الفحل يولد لولده فيقولون قد حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه ولا يجزون وبره ولا يمنعونه ماء ولا مرعى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة \r\n والثالث أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته وبنات بناته قاله عطاء ","part":2,"page":439},{"id":973,"text":" والرابع أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات قاله ابن زيد \r\n والخامس أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل قاله أبو روق \r\n والسادس أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين فيخلى ويقال قد حمى ظهره ذكره الماوردي عن الشافعي قال الزجاج والذي ذكرناه في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة وقد أعلم الله عز و جل في هذه الآية أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا وان الذين كفروا افتروا على الله عز و جل قال مقاتل وافتراؤهم قولهم إن الله حرمه وأمرنا به وفي قوله وأكثرهم لا يعقلون قولان \r\n أحدهما وأكثرهم يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا قاله الشعبي \r\n والثاني لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان قاله قتادة \r\n وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم يعني إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرموا على أنفسهم هذه الأنعام تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتهم على أنفسكم قالوا حسبنا أي يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون له أيتبعونهم في خطئهم يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ","part":2,"page":440},{"id":974,"text":" ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب إلى هجر وعليهم المنذر بن ساوي يدعوهم إلى الاسلام فان أبوا فليؤدوا الجزية فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس فأقروا بالجزية وكرهوا الاسلام فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أما العرب فلا تقبل منهم إلا الاسلام أو السيف وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلمت العرب وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية فقال منافقوا مكة عجبا لمحمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا وقد قبل من مجوس هجر وأهل الكتاب الجزية فهلا أكرههم على الاسلام وقد ردها على إخواننا من العرب فشق ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعا وكرها قبلها من مجوس هجر فطعن المنافقون في ذلك فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أن الرجل كان إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك وضللتهم وكان ينبغي لك أن تنصرهم فنزلت هذه الآية قاله ابن زيد قال الزجاج ومعنى الآية إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم ولا يؤاخذكم بذنوب غيركم وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له فهو ","part":2,"page":441},{"id":975,"text":" ضال وليس بمهتد وقال عثمان بن عفان لم يأت تأويلها بعد وقال ابن مسعود تأويلها في آخر الزمان قولوا ما قبل منكم فاذا غلبتم فعليكم أنفسكم \r\n وفي وقاله لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قولان ","part":2,"page":442},{"id":976,"text":" أحدهما لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إذا اهتديتم أنتم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاله حذيفة بن اليمان وابن المسيب \r\n والثاني لا يضركم من ضل من أهل الكتاب إذا أدوا الجزية قاله مجاهد \r\n وفي قوله فينبئكم بما كنتم تعملون تنبيه على الجزاء \r\n فصل \r\n فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية هي محكمة وقد ذهب قوم من المفسرين إلى أنها منسوخة ولهم في ناسخها قولان \r\n أحدهما أنه آية السيف \r\n والثاني أن آخرها نسخ أولها روي عن أبي عبيد أنه قال ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه وموضع المنسوخ منها إلى قوله لا يضركم من ضل والناسخ قوله إذا اهتديتم والهدى هاهنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ","part":2,"page":443},{"id":977,"text":" يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة فصحبهما رجل من قريش من بني سهم فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين فأوصى إليهما بتركته فلما قدما دفعاها إلى أهله وكتما جاما كان معه من فضة وكان مخوصا بالذهب فقالا لم نره فأتي بهما إلى النبي صلى الله عليه و سلم فاستحلفهما بالله ما كتما وخلى سبيلهما ثم إن الجام وجد عند قوم من أهل مكة فقالوا ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء فقام أولياء السهمي فأخذوا الجام وحلف رجلان منهم بالله إن هذا الجام جام صاحبنا وشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا فنزلت هذه الآية والتى بعدها قال مقاتل واسم الميت بزيل بن أبي ","part":2,"page":444},{"id":978,"text":" مارية مولى العاص بن وائل السهمي وكان تميم وعدي نصرانيين فأسلم تميم ومات عدي نصرانيا فأما التفسير فقال الفراء معنى الآية ليشهدكم اثنان إذا حضر أحدكم الموت قال الزجاج المعنى شهادة هذه الحال شهادة اثنين فحذف شهادة ويقوم اثنان مقامهما وقال ابن الأنباري معنى الآية ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية اثنان وفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند الحكام وهو قول ابن مسعود وأبي موسى وشريح وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والجمهور \r\n والثاني أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا ارتاب الورثة بهما وهو قول مجاهد \r\n والثالث أنها شهادة الوصية أي حضورها كقوله أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت البقرة 133 جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيدا واستدل أرباب هذا القول بقوله فيقسمان بالله قالوا والشاهد لا يلزمه يمين فأما حضور الموت فهو حضور أسبابه ومقدماته وقوله حين الوصية أي وقت الوصية وفي قوله منكم قولان ","part":2,"page":445},{"id":979,"text":" أحدهما من أهل دينكم وملتكم قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وابن سيرين والشعبي وهو قول أصحابنا \r\n والثاني من عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون أيضا قاله الحسن وعكرمة والزهري والسدي \r\n قوله تعالى أو آخران من غيركم تقديره أو شهادة آخرين من غيركم وفي قوله من غيركم قولان \r\n أحدهما من غير ملتكم ودينكم قاله أرباب القول الأول \r\n والثاني من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون أيضا قاله أرباب القول الثاني وفي أو قولان \r\n أحدهما أنها ليست للتخيير وإنما المعنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم وبه قال ابن عباس وابن جبير والثاني أنها للتخيير ذكره الماوردي \r\n فصل \r\n فالقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة أو من غير القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية فأما القائل بأن المراد بقوله أو آخران من غيركم أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر فلهم فيها قولان \r\n أحدهما أنها محكمة والعمل على هذا باق وهو قول ابن عباس وابن المسيب وابن جبير وابن سيرين وقتادة والشعبي والثوري وأحمد في آخرين \r\n والثاني أنها منسوخة بقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم وهو قول ","part":2,"page":446},{"id":980,"text":" زيد بن أسلم وإليه يميل أبوحنيفة ومالك والشافعي قالوا وأهل الكفر ليسوا بعدول والأول أصح لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال \r\n قوله تعالى إن أنتم ضربتم في الأرض هذا الشرط متعلق بالشهادة والمعنى ليشهدكم اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض أي سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت فيه محذوف تقديره وقد أسندتم الوصية إليهما ودفعتم إليهما مالكم تحبسونهما من بعد الصلاة خطاب للورثة إذا ارتابوا وقال ابن عباس هذا من صلة قوله أو آخران من غيركم أي من الكفار فأما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما وفي هذه الصلاة قولان ","part":2,"page":447},{"id":981,"text":" أحدهما صلاة العصر رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال شريح وابن جبير وإبراهيم وقتادة والشعبي \r\n والثاني من بعد صلاتهما في دينهما حكاه السدي عن ابن عباس وقال به \r\n وقال الزجاج كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وقال ابن قتيبة لأنه وقت يعظمه أهل الأديان \r\n قوله تعالى فيقسمان بالله أي فيحلفان إن ارتبتم أي شككتم يا أولياء الميت ومعنى الآية إذا قدم الموصى إليهما بتركة المتوفي فاتهمهما الوارث استحلفا بعد صلاة العصر أنهما لم يسرقا ولم يخونا فالشرط في قوله إن ارتبتم متعلق بتحبسونهما كأنه قال إن إرتبتم حبستموهما فاستحلفتموهما فيحلفان بالله لا نشتري به أي بأيماننا وقيل بتحريف شهادتنا فالهاء عائدة على المعنى ثمنا أي عرضا من الدنيا ولو كان ذا قربى أي ولو كان المشهود له ذا قرابة منا وخص ذا القرابة لميل القريب إلى قريبه والمعنى لا نحابي في شهادتنا أحدا ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور ولا نكتم شهادة الله إنما أضيفت إليه لأمره باقامتها ونهيه عن كتمانها وقرأ سعيد بن جبير ولا نكتم شهادة بالتنوين الله بقطع الهمزة وقصرها وكسر الهاء ساكنة النون في الوصل وقرأ سعيد بن المسيب وعكرمة شهادة بالتنوين والوصل منصوبة الهاء وقرأ أبو عمران الجوني شهادة بالتنوين وإسكانها في الوصل الله بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء وقرأ الشعبي وابن السميفع شهادة بالتنوين وإسكانها في الوصل ","part":2,"page":448},{"id":982,"text":" الله بقطع الهمزة ومدها وكسر الهاء وقرأ أبوالعالية وعمرو بن دينار مثله إلا أنهما نصبا الهاء واختلف العلماء لأي معنى وجبت اليمين على هذين الشاهدين على ثلاثة أقوال \r\n أحدها لكونهما من غير أهل الإسلام روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري والثاني لوصية وقعت بخط الميت وفقد ورثته بعض ما فيها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث لأن الورثة كانوا يقولون كان مال ميتنا أكثر فاستخانوا الشاهدين قاله الحسن ومجاهد \r\n فان عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين \r\n قوله تعالى فان عثر على أنهما استحقا إثما قال المفسرون لما نزلت الآية الأولى دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عديا وتميما فاستحلفهما عند المنبر أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما فحلفا وخلى سبيلهما ثم ظهر الإناء الذي كتماه فرفعهما أولياء الميت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت فان عثر على أنهما استحقا إثما ومعنى عثر اطلع أي إن عثر أهل الميت أو من يلي أمره على أن الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا استحقا إثما لميلهما عن الاستقامة في شهادتهما فآخران يقومان مقامهما أي مقام هذين الخائنين من الذين استحق عليهم الأوليان \r\n قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي استحق بضم التاء الأوليان على التثنية وفي قوله من الذين استحق عليهم قولان ","part":2,"page":449},{"id":983,"text":" أحدهما أنهما الذميان والثاني الوليان فعلى الأول في معنى استحق عليهم أربعة أقوال \r\n أحدها استحق عليهم الإيصاء قال ابن الأنباري المعنى من القوم الذين استحق فيهم الإيصاء استحقه الأوليان بالميت وكذلك قال الزجاج المعنى من الذين استحقت الوصية أو الإيصاء عليهم \r\n والثاني أنه الظلم والمعنى من الذين استحق عليهم ظلم الأوليان فحذف الظلم وأقام الأوليين مقامه ذكره ابن القاسم أيضا \r\n والثالث أنه الخروج مما قاما به من الشهادة لظهور خيانتهما \r\n والرابع أنه الاثم والمعنى استحق منهم الاثم ونابت على عن من كقوله على الناس يستوفون المطففين 2 أي منهم وقال الفراء على بمعنى في كقوله على ملك سليمان البقرة 102 أي في ملكه ذكر القولين أبو علي الفارسي وعلى هذه الأقوال مفعول استحق محذوف مقدر وعلى القول الثاني في معنى استحق عليهم قولان \r\n أحدهما استحق منهم الأوليان وهو اختيار ابن قتيبة \r\n والثاني جني عليهم الاثم ذكره الزجاج \r\n فأما الأوليان فقال الأخفش الأوليان اثنان واحدهما الأولى والجمع الأولون ثم للمفسرين فيهما قولان \r\n أحدهما أنهما أولياء الميت قاله الجمهور قال الزجاج الأوليان في قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل مما في يقومان والمعنى فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين وقال أبو علي لا يخلو الأوليان أن يكون ","part":2,"page":450},{"id":984,"text":" ارتفاعهما على الابتداء أو يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان أو يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان \r\n والقول الثاني أن الأوليان هما الذميان والمعنى أنهما الأوليان بالخيانة فعلى هذا يكون المعنى يقومان إلا من الذين استحق عليهم قال الشاعر ... فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان ... \r\n أي بدلا من ماء زمزم وروى قرة عن ابن كثير وحفص وعاصم استحق بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية والمعنى استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها فحذف المفعول وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم استحق برفع التاء وكسر الحاء الأولين بكسر اللام وفتح النون على الجمع والتقدير من الأولين الذين استحق فيهم الإثم أي جني عليهم لأنهم كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه قد تقدم ذوا عدل منكم على قوله أو آخران من غيركم وروى الحلبي عن عبد الوارث الأولين بفتح الواو وتشديدها وفتح اللام وسكون الياء وكسر النون وهي تثنية أول وقرأ الحسن البصري استحق بفتح التاء والحاء الأولون تثنية أول على البدل من قوله فآخران وقال ابن قتيبة أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت فقال ذوا عدل منكم أي عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم ويحضره الموت فلا يجد ","part":2,"page":451},{"id":985,"text":" من يشهده من المسلمين فقال أو آخران من غيركم أي من غير أهل دينكم إذا ضربتم في الأرض أي سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت وتم الكلام فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إن أمكن إشهادهما في السفر والذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما ثم قال تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن إرتبتم أراد تحبسونهما من بعد صلاة العصر إن ارتبتم في شهادتهما وخشيتم أن يكونا قد خانا أو بدلا فاذا حلفا مضت شهادتهما فان عثر بعد هذه اليمين أي ظهر على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في وديعة فآخران أي قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان وهما الوليان يقال هذا الأولى بفلان ثم يحذف من الكلام بفلان فيقال هذا الأولى وهذان الأوليان وعليهم بمعنى منهم فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وما اعتدينا عليهما ولشهادتنا أصح لكفرهما وإيماننا فيرجع على الذميين بما اختانا وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك وقال غيره لشهادتنا أي ليميننا أحق وسميت اليمين شهادة لأنها كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك \r\n قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا بالله ودفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ","part":2,"page":452},{"id":986,"text":" قوله تعالى ذلك أدنى أي ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أقرب إلى إتيان أهل الذمة بالشهادة على وجهها أي على ما كانت وأقرب أن يخافوا أن ترد أيمان أولياء الميت بعد أيمانهم فيحلفون على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا ذلك واتقوا الله أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا أمانة واسمعوا الموعظة \r\n يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب \r\n قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل قال الزجاج نصب يوم محمول على قوله واتقوا الله واتقوا يوم جمعة للرسل ومعنى مسألته للرسل توبيخ الذين أرسلوا إليهم فأما قول الرسل لا علم لنا ففيه ستة أقوال \r\n أحدها أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم فقالوا لا علم لنا ثم ترد إليهم عقولهم فينطلقون بحجتهم رواه أبو الضحى عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد والسدي \r\n والثاني أن المعنى لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أن المراد بقوله ماذا أجبتم ماذا عملوا بعدكم وأحدثوا فيقولون لا علم لنا قاله ابن جريج وفيه بعد \r\n والرابع أن المعنى لا علم لنا مع علمك لأنك تعلم الغيب ذكره الزجاج \r\n والخامس أن المعنى لا علم لنا كعلمك إذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا ونحن نعلم ما أظهروا ولا نعلم ما أضمروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا هذا اختيار بن الأنباري ","part":2,"page":453},{"id":987,"text":" والسادس لا علم لنا بجميع أفعالهم إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا وإنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة حكاه ابن الأنباري قال المفسرون إذا رد الأنبياء العلم إلى الله أبلست الأمم وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه وأن الكل لا يخرجون عن قبضته \r\n قوله تعالى علام الغيوب قال الخطابي العلام بمنزلة العليم وبناء فعال بناء التكثير فأما الغيوب فجمع غيب وهو ما غاب عنك إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص باذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين \r\n قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى قال ابن عباس معناه وإذ يقول \r\n قوله تعالى اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك في تذكيره النعم فائدتان \r\n إحداهما إسماع الأمم ما خصه به من الكرامة \r\n والثانية توكيد حجته على جاحده ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها وطهرها وأتاها برزقها من غير سبب وقال الحسن المراد بذكر النعمة الشكر فأما النعمة فلفظها لفظ الواحد ومعناها الجمع فان قيل لم قال هاهنا فتنفخ فيها وفي آل عمران فيه فالجواب أنه جائز أن يكون ذكر الطير على معنى الجميع ","part":2,"page":454},{"id":988,"text":" وأنث على معنى الجماعة وجاز أن يكون فيه للطير وفيها للهيأة ذكره أبو علي الفارسي \r\n قوله تعالى إن هذا إلا سحر مبين قرأ ابن كثير وعاصم هاهنا وفي هود و الصف إلا سحر مبين وقرأ في يونس لساحر مبين بألف وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر الأربعة سحر مبين بغير ألف فمن قرأ سحر أشار إلى ما جاء به ومن قرأ ساحر أشار إلى الشخص وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون \r\n وفي الوحي الى الحواريين قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الإلهام قاله الفراء وقال السدي قذف في قلوبهم \r\n والثاني أنه بمعنى الأمر فتقديره أمرت الحواريين وإلى صلة قاله أبو عبيدة وفي قوله واشهد قولان \r\n أحدهما أنهم يعنون الله تعالى والثاني عيسى عليه السلام \r\n وقوله بأننا مسلمون أي مخلصون للعبادة والتوحيد وقد سبق شرح ما أهمل هاهنا فيما تقدم \r\n إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى هل يستطيع ربك قال الزجاج أي هل يقدر وقرأ الكسائي هل تستطيع بالتاء ونصب الرب قال الفراء معناه هل تقدر ","part":2,"page":455},{"id":989,"text":" أن تسأل ربك قال ابن الأنباري ولا يجوز لأحد أن يتوهم أن الحواريين شكوا في قدرة الله وإنما هذا كما يقول الانسان لصاحبه هل تستطيع أن تقوم معي وهو يعلم أنه مستطيع ولكنه يريد هل يسهل عليك وقال أبو علي المعنى هل يفعل ذلك بمسألتك إياه وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل استحكام إيمانهم ومعرفتهم فرد عليهم عيسى بقوله اتقوا الله أن تنسبوه إلى عجز والأول أصح فأما المائدة فقال اللغويون المائدة كل ما كان عليه من الأخونة طعام فاذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة والكأس كل إناء فيه شراب فاذا لم يكن فيه شراب فليس بكأس ذكره الزجاج قال الفراء وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية هو المهدى مقصور ما دامت عليه الهدية فاذا كان فارغا رجع إلى اسمه إن كان طبقا أو خوانا أو غير ذلك وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن لفظها فاعلة وهي في المعنى مفعولة مثل عيشة راضية الحاقة 21 قال أبو عبيدة وهي من العطاء والممتاد المفتعل المطلوب منه العطاء قال الشاعر ... إلى أمير المؤمنين الممتاد ","part":2,"page":456},{"id":990,"text":" وماد زيد عمرا إذا أعطاه قال الزجاج والأصل عندي في مائدة أنها فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها وقال ابن قتيبة المائدة الطعام من مادني يميدني كأنها تميد الآكلين أي تعطيهم أو تكون فاعلة بمعنى مفعول بها أي ميد بها الآكلون \r\n قوله تعالى اتقوا الله إن كنتم مؤمنين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها اتقوه أن تسألوه البلاء لأنها إن نزلت وكذبتم عذبتم قاله مقاتل \r\n والثاني أن تسألوه ما لم تسأله الأمم قبلكم ذكره أبو عبيد \r\n والثالث أن تشكوا في قدرته قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين \r\n قوله تعالى قالوا نريد أن نأكل منها هذا اعتذار منهم بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه وفي إرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أرادوا ذلك للحاجة وشدة الجوع قاله ابن عباس \r\n والثاني ليزدادوا إيمانا ذكره ابن الأنباري \r\n والثالث للتبرك بها ذكره الماوردي وفي قوله وتطمئن قلوبنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيا \r\n والثاني إلى أن الله تعالى قد إختارنا أعوانا لك \r\n والثالث إلى أن الله تعالى قد أجابك وقال ابن عباس قال لهم عيسى هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم لا تسألونه شيئا إلا أعطاكم فصاموا ثم سألوا المائدة فمعنى ونعلم أن صدقتنا في أنا إذا صمنا ثلاثين يوما لم نسأل الله شيئا إلا أعطانا وفي هذا العلم قولان ","part":2,"page":457},{"id":991,"text":" أحدهما أنه علم يحدث لهما لم يكن وهو قول من قال كان سؤالهم قبل استحكام معرفتهم \r\n والثاني أنه زيادة علم إلى علم ويقين إلى يقين وهو قول من قال كان سؤالهم بعد معرفتهم وقرأ الأعمش وتعلم بالتاء والمعنى وتعلم القلوب أن قد صدقتنا وفي قوله من الشاهدين أربعة أقوال \r\n أحدها من الشاهدين لله بالقدرة ولك بالنبوة والثاني عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم وذلك أنهم كانوا مع عيسى في البرية عند هذا السؤال والثالث من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدنا من الآيات الدالة على أنك نبي \r\n والرابع من الشاهدين لك عند الله بأداء ما بعثت به قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين \r\n قوله تعالى تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وقرأ ابن محيصن وابن السميفع والجحدري لأولانا وأخرانا برفع الهمزة وتخفيف الواو والمعنى يكون اليوم الذي نزلت فيه عيدا لنا نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة والسدي وقال كعب أنزلت عليهم يوم الأحد فاتخذوه عيدا وقال ابن قتيبة عيدا أي مجمعا قال الخليل بن أحمد العيد كل يوم يجمع كأنهم عادوا إليه وقال ابن الأنباري سمي عيدا للعود من الترح إلى الفرح \r\n قوله تعالى وآية منك أي علامة منك تدل على توحيدك وصحة نبوة نبيك وقرأ ابن السميفع وابن محيصن والضحاك وأنه منك بفتح الهمزة ","part":2,"page":458},{"id":992,"text":" وبنون مشددة وفي قوله وارزقنا قولان أحدهما ارزقنا ذلك من عندك \r\n والثاني ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا \r\n قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين \r\n قوله تعالى قاله الله إني منزلها عليكم قرأ نافع وعاصم وابن عامر منزلها بالتشديد وقرأ الباقون خفيفة وهذا وعد باجابة سؤال عيسى واختلف العلماء هل نزلت أم لا على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت قاله الجمهور فروى وهب بن منبه عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال لما رأى عيسى أنهم قد جدوا في طلبها لبس جبة من شعر ثم توضأ واغتسل وصف قدميه في محرابه حتى استويا وألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع بالأصابع ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وطأطأ رأسه خضوعا ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت تسيل دموعه على خده وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء فبينما عيسى كذلك هبطت علينا مائدة من السماء سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من تحتها وغمامة من فوقها وعيسى يبكي ويتضرع ويقول إلهي اجعلها سلامة لا تجعلها عذابا حتى استقرت بين يديه والحواريون من حوله فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها وإذا عليهم منديل مغطى فقال عيسى أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاء عند ربه فليأخذ هذا المنديل وليكشف لنا عن هذه الآية قالوا يا روح الله أنت أولانا بذلك فاكشف عنها فاستأنف وضوءا جديدا وصلى ركعتين وسأل ","part":2,"page":459},{"id":993,"text":" ربه أن يأذن له بالكشف عنها ثم قعد إليها وتناول المنديل فاذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك وحولها من كل البقل ما خلا الكراث وعند رأسها الخل وعند ذنبها الملح وحولها خمسة أرغفة على رغيف تمر وعلى رغيف زيتون وعلى رغيف خمس رمانات فقال شمعون رأس الحواريين يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أمن طعام الجنة فقال عيسى سبحان الله أما تنتهون ما أخوفني عليكم قال شمعون لا وإله بني إسرائيل ما أردت بهذا سوءا قال عيسى ليس ما ترون عليها من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة إنما هو شيء ابتدعه الله فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين فقال الحواريون يا روح الله إنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية فقال سبحان الله ما اكتفيتم بهذه الآية ثم أقبل على السمكة فقال عودي باذن الله حية طرية فعادت تضطرب على المائدة ثم قال عودي كما كنت فعادت مشوية فقال يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها فقال معاذ الله بل يأكل منها من سألها فلما رأوا امتناعه خافوا أن يكون نزولها عقوبة فلما رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزمنى واليتامى فقال كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم ليكون منؤها لكم وعقوبتها على غيركم فأكل منها ألف وسبعمائة إنسان يصدرون عنها شباعا وهي كهيئتها حين نزلت فصح كل مريض واستغنى كل فقير أكل منها ثم نزلت بعد ذلك عليهم فازدحموا عليها فجعلها عيسى نوبا بينهم فكانت تنزل عليهم أربعين يوما تنزل يوما وتغب يوما وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى فيأكلون منها حتى إذا قالوا ارتفعت إلى السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض وقال قتادة كانت تنزل عليهم بكرة وعشية ","part":2,"page":460},{"id":994,"text":" حيث كانوا وقال غيره نزلت يوم الأحد مرتين وقيل نزلت غدوة وعشية يوم الأحد فلذلك جعلوه عيدا وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه خبز ولحم روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما والثاني أنها سمكة مشوية وخمس أرغفة وتمر وزيتون ورمان وقد ذكرناه عن سلمان والثالث ثمر من ثمار الجنة قاله عمار بن ياسر وقال قتادة ثمر من ثمار الجنة وطعام من طعامها \r\n والرابع خبز وسمك رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وأبو عبد الرحمن السلمي والخامس قطعة من ثريد رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والسادس أنه أنزل عليها كل شيء إلا اللحم قاله سعيد بن جبير \r\n والسابع سمكة فيها طعم كل شيء من الطعام قاله عطية العوفي \r\n والثامن خبز أرز وبقل قاله ابن السائب \r\n والقول الثاني أنها لم تنزل روى قتادة عن الحسن أن المائدة لم تنزل لأنه لم قال الله تعالى فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قالوا لا حاجة لنا فيها وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أنزلت مائدة عليها ألوان من الطعام فعرضها عليهم وأخبرهم أنه العذاب إن كفروا فأبوها فلم تنزل وروى ليث عن مجاهد قال هذا مثل ضربه الله تعالى ","part":2,"page":461},{"id":995,"text":" لخلقه لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه ولم ينزل عليهم شيء والأول أصح \r\n قوله تعالى فمن يكفر بعد منكم أي بعد إنزال المائدة \r\n وفي العذاب المذكور قولان \r\n أحدهما أنه المسخ والثاني جنس من العذاب لم يعذب به أحد سواهم \r\n قال الزجاج ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا ويجوز أن يكون في الآخرة وفي العالمين قولان أحدهما أنه عام والثاني عالمو زمانهم وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أن عيسى خص بالمائدة الفقراء فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول وشككوا الناس فيها وارتابوا فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم مسخهم الله خنازير قاله سلمان الفارسي \r\n والثالث أن الذين شاهدوا المائدة ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم فضحك بهم من لم يشهد وقالوا إنما سحر أعينكم وأخذ بقلوبكم فمن أراد الله به خيرا ثبت على بصيرته ومن أراد به فتنة رجع إلى كفره فلعنهم عيسى فأصبحوا خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا قاله ابن عباس ","part":2,"page":462},{"id":996,"text":" وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب \r\n قوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى بن مريم في زمان هذا القول قولان \r\n أحدهما أنه يقول له يوم القيامة قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج \r\n والثاني أنه قاله له حين رفعه إليه قاله السدي والأول أصح \r\n وفي إذ ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها زائدة والمعنى وقال الله قاله أبو عبيدة \r\n والثاني أنها على أصلها والمعنى وإذ يقوله الله له قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أنها بمعنى إذا كقوله ولو ترى إذ فزعوا سبأ 51 والمعنى إذا قال أبو النجم ... ثم جزاك الله عني إذ جزى ... جنات عدن في السموات العلا ... \r\n ولفظ الآية لفظ الاستفهام ومعناها التوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى قال أبو عبيدة وإنما قال آلهين لأنهم إذ أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى غلب فعل الذكر ذكروهما فان قيل فالنصارى لم يتخذوا مريم إلها فكيف ","part":2,"page":463},{"id":997,"text":" قال الله تعالى ذلك فيهم فالجواب أنهم لما قالوا لم تلد بشرا وإنما ولدت إلها لزمهم أن يقولوا إنها من حيث البعضية بمثابة من ولدته فصاروا بمثابة من قاله \r\n قوله تعالى قال سبحانك أي براءة لك من السوء ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي لست أستحق العبادة فأدعو الناس إليها وروى عطاء بن السائب عن ميسرة قال لما قال الله تعالى لعيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي آلهين من دون الله رعد كل مفصل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله وما قال إني لم أقل ولكنه قال إن كنت قلته فقد علمته فان قيل ما الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله فالجواب أنه تثبيت للحجة على قومه وإكذاب لهم في ادعائهم عليه أنه أمرهم بذلك ولإنه إقرار من عيسى بالعجز في قوله ولا أعلم ما في نفسك وبالعبودية في قوله أن اعبدوا الله ربي وربكم \r\n قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك قال الزجاج تعلم ما أضمره ولا أعلم ما عندك علمه والتأويل تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد \r\n قوله تعالى أن اعبدوا الله قال مقاتل وحدوه \r\n قوله تعالى وكنت عليهم شهيدا أي على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم وقوله فلما توفيتني فيه قولان ","part":2,"page":464},{"id":998,"text":" أحدهما بالرفع إلى السماء والثاني بالموت عند انتهاء الأجل والرقيب مشروح في سورة النساء والشهيد في آل عمران \r\n إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك قال الحسن وأبو العالية إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم وقال الزجاج علم عيسى أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم تعذبهم أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك وأنت العادل فيهم لأنك قد أوضحت لهم الحق فكفروا وإن تغفر لهم أي وإن تغفر لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم وأنت في مغفرتك لهم عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك وقال ابن الأنباري معنى الكلام لا ينبغي لأحد أن يعترض عليك فإن عذبتهم فلا اعتراض عليك وإن غفرت لهم ولست فاعلا إذا ماتوا على الكفر فلا اعتراض عليك ","part":2,"page":465},{"id":999,"text":" وقال غيره العفو لا ينقص عزك ولا يخرج عن حكمك وقد روى أبو ذر قال قام رسول الله صلى الله عليه و سلم قيام ليلة بآية يرددها إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \r\n قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قرأ الجمهور برفع اليوم وقرأ نافع بنصبه على الظرف قال الزجاج المعنى قال الله هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم ويجوز أن يكون على معنى قال الله هذا الذي ذكرناه يقع في ينفع الصادقين صدقهم والمراد باليوم يوم القيامة وإنما خص نفع الصدق به لأنه يوم الجزاء وفي هذا الصدق قولان \r\n أحدهما أنه صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة \r\n والثاني صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك وفي هذه الآية تصديق لعيسى فيما قال ","part":2,"page":466},{"id":1000,"text":" قوله تعالى رضي الله عنهم أي بطاعتهم ورضوا عنه بثوابه وفي قوله لله ملك السموات والأرض على عبودية عيسى وتحريض على تعليق الآمال بالله وحده تم بعون الله الجزء الثاني من كتاب زاد المسير في علم التفسير ويليه الجزء الثالث وأوله تفسير سورة الأنعام ","part":2,"page":467},{"id":1001,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنعام \r\n فصل في نزولها \r\n روى مجاهد عن ابن عباس أن الأنعام مما نزل بمكة وهذا قول الحسن وقتادة وجابر بن زيد \r\n وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال نزلت سورة الأنعام جملة ليلا بمكة وحولها سبعون ألف ملك \r\n وروى أبو صالح عن ابن عباس قال هي مكية نزلت جملة واحدة ونزلت ليلا وكتبوها من ليلتهم غير ست آيات وهي قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الثلاث آيات وقوله وما قدروا الله حق قدره الآية وقوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي إلى آخر الآيتين وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين قوله والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":" وروى عن ابن عباس وقتادة قالا هي مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة قوله وما قدروا الله حق قدره الآية وقوله وهو الذي أنشا جنات معروشات وغير معروشات وذكر أبو الفتح ابن شيطا أنها مكية غير آيتين نزلتا بالمدينة قل تعالوا والتي بعدها \r\n الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون \r\n فأما التفسير فقال كعب فاتحة الكهف فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة هود وإنما ذكر السموات والأرض لأنهما من أعظم المخلوقات \r\n والمراد بالجعل الخلق وقيل إن جعل ههنا صلة والمعنى والظلمات وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال أحدها الكفر والإيمان قاله الحسن والثاني الليل والنهار قاله السدي والثالث جميع الظلمات والأنوار \r\n قال قتادة خلق الله السموات قبل الأرض والظلمات قبل النور والجنة قبل النار \r\n قوله تعالى ثم الذين كفروا يعني المشركين بعد هذا البيان بربهم يعدلون أي يجعلون له عديلا فيعبدون الحجارة الموات مع إقرارهم بأنه الخالق لما وصف يقال عدلت هذا بهذا إذا ساويته به قال أبو عبيدة هو مقدم ومؤخر تقديره يعدلون بربهم وقال النضر بن شميل الباء بمعنى عن \r\n هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون \r\n قوله تعالى هو الذي خلقكم من طين يعني آدم وذلك أنه لما شك ","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":" المشركون في البعث وقالوا من يحيي هذه العظام أعلمهم أنه خلقهم من طين فهو قادر على إعادة خلقهم \r\n قوله تعالى ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده فيه ستة اقوال \r\n أحدها أن الأجل الأول أجل الحياة إلى الموت والثاني أجل الموت إلى البعث روي عن ابن عباس والحسن وابن المسيب وقتادة والضحاك ومقاتل \r\n والثاني أن الأجل الأول النوم الذي تقبض فيه الروح ثم ترجع في حال اليقظة والأجل المسمى عنده أجل موت الإنسان رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أن الأجل الأول أجل الآخرة متى يأتي والأجل الثاني أجل الدنيا قاله مجاهد في رواية \r\n والرابع أن الأول خلق الأشياء في ستة أيام والثاني ما كان بعد ذلك إلى يوم القيامة قاله عطاء الخراساني \r\n والخامس أن الأول قضاه حين أخذ الميثاق على خلقه والثاني الحياة في الدنيا قاله ابن زيد كأنه يشير إلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم \r\n والسادس أن الأول أجل من قد مات من قبل والثاني أجل من يموت بعد ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ثم أنتم أي بعد هذا البيان تمترون وفيه قولان \r\n أحدهما تشكون قاله قتادة والسدي وفيما شكوا فيه قولان أحدهما الوحدانية والثاني البعث \r\n والثاني يختلفون مأخوذ من المراء ذكره الماوردي ","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":" وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون \r\n قوله تعالى وهو الله في السماوات وفي الأرض فيه أربعة اقوال \r\n أحدها هو المعبود في السماوات وفي الأرض قاله ابن الأنباري \r\n والثاني وهو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض قاله الزجاج \r\n والثالث وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض قاله ابن جرير \r\n والرابع أنه مقدم ومؤخر والمعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض ذكره بعض المفسرين \r\n وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف يأتيهم أنباؤا ما كانوا به يستهزؤن \r\n قوله تعالى وما تأتيهم من آية من آيات ربهم نزلت في كفار قريش وفي الآية قولان أحدهما أنها الآية من القرآن والثاني المعجزة مثل انشقاق القمر \r\n والمراد بالحق القرآن والأنباء الأخبار والمعنى سيعلمون عاقبة استهزائهم \r\n ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين \r\n قوله تعالى كم أهلكنا من قبلهم من قرن القرن اسم أهل كل عصر ","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":" وسموا بذلك لاقترانهم في الوجود وللمفسرين في المراد بالقرن سبعة اقوال \r\n أحدها أنه أربعون سنة ذكره ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني ثمانون سنة رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث مائة سنة قاله عبد الله بن بشر المازني وأبو سلمة بن عبد الرحمن \r\n والرابع مائة وعشرون سنة قاله زرارة بن أوفى وإياس بن معاوية \r\n والخامس عشرون سنة حكاه الحسن البصري \r\n والسادس سبعون سنة ذكره الفراء \r\n والسابع أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو طبقة من العلماء قلت السنون أو كثرت بدليل قوله صلى الله عليه و سلم خيركم قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم يعني التابعين ثم الذين يلونهم يعني الذين أخذوا عن التابعين فالقرن مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم واشتقاق القرن من الاقتران وفي معنى ذلك الاقتران قولان \r\n أحدهما أنه سمي قرنا لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك الزمان في بقائهم هذا اختيار الزجاج ","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":" والثاني أنه سمي قرنا لأنه يقرن زمانا بزمان وأمة بأمة قاله ابن الأنباري وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال يرون أن أقل ما بين القرنين ثلاثون سنة \r\n قوله تعالى مكناهم في الأرض قال ابن عباس أعطيناهم ما لم نعطكم يقال مكنته ومكنت له إذا أقدرته على الشيء باعطاء ما يصح به الفعل من العدة وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب \r\n فأما السماء فالمراد بها المطر ومعنى أرسلنا أنزلنا والمدرار مفعال من در يدر والمعنى نرسلها كثيرة الدر \r\n ومفعال من أسماء المبالغة كقولهم امرأة مذكار إذا كانت كثيرة الولادة للذكور وكذلك مئناث \r\n فان قيل السماء مؤنثة فلم ذكرا مدرارا \r\n فالجواب أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه أن يلزم التذكير في كل حال سواء كان وصفا لمذكر أو مؤنت كقولهم امرأة مذكار ومعطار وامرأة مذكر ومؤنث وهي كفور وشكور ولو بنيت هذه الأوصاف على الفعل لقيل كافرة وشاكرة ومذكرة فلما عدل عن بناء الفعل جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة كقولهم النعل لبستها والفأس كسرتها وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على الفعل والمعدول عن مثل الأفاعيل والمراد بالمدرار المبالغة في اتصال المطر ودوامه يعني أنها تدر وقت الحاجة إليها لا أنها تدوم ليلا ونهارا فتفسد ذكره ابن الأنباري ","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":" ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين \r\n قوله تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس سبب نزولها أن مشركي مكة قالوا يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب قال ابن قتيبة والقرطاس الصحيفة يقال للرامي إذا اصاب الصحيفة قرطس قال شيخنا أبو منصور اللغوي القرطاس قد تكلموا به قديما ويقال إن أصله غير عربي والجمهور على كسر قافه وضمها أبو رزين وعكرمة وطلحة ويحيى بن يعمر \r\n فأما قوله تعالى فلمسوه بأيديهم فهو توكيد لنزوله وقيل إنما علقه باللمس باليد إبعادا له عن السحر لأن السحر يتخيل في المرئيات دون الملموسات ومعنى الآية إنهم يدفعون الصحيح \r\n وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":" قوله تعالى وقالوا لولا أنزل عليه ملك قال مقاتل نزلت في النضر ابن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ولولا بمعنى هلا أنزل عليه ملك نصدقه ولو أنزلنا ملكا فعاينوه ولم يؤمنوا لقضي الأمر وفيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن المعنى لماتوا ولم يؤخروا طرفة عين لتوبة قاله ابن عباس \r\n والثاني لقامت الساعة قاله عكرمة ومجاهد \r\n والثالث لعجل لهم العذاب قاله قتادة \r\n ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون \r\n قوله تعالى ولو جعلناه أي ولو جعلنا الرسول إليهم ملكا لجعلناه في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته وللبسنا عليهم أي لشبهنا عليهم يقال ألبست الأمر على القوم ألبسه أي شبهته عليهم وأشكلته والمعنى لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي فأضللناهم بما به ضلوا قبل أن يبعث الملك وقال الزجاج كانوا يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه و سلم فيقولون إنما هذا بشر مثلكم فقال تعالى لو رأوا الملك رجلا لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منه وقرأ الزهري ومعاذ القارئ وأبو رجاء وللبسنا بالتشديد عليهم ما يلبسون مشددة أيضا \r\n ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":" قوله تعالى فحاق بالذين سخروا أي أحاط قال الزجاج الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله أي لا ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم قال السدي وقع بهم العذاب الذي استهزؤا به \r\n قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون \r\n قوله تعالى قل لمن ما في السماوات والأرض المعنى فان أجابوك وإلا ف قل لله كتب على نفسه الرحمة قال ابن عباس قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين قال الزجاج ومعنى كتب أوجب ذلك إيجابا مؤكدا وجائز أن يكون كتب في اللوح المحفوظ وإنما خوطب الخلق بما يعقلون فهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخر أن يحفظ بالكتاب وقال غيره رحمته عامة فمنها تأخير العذاب عن مستحقه وقبول توبة العاصي \r\n قوله تعالى ليجمعنكم إلى يوم القيامة اللام لام القسم كأنه قال والله ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه وذهب قوم إلى أن إلى بمعنى في ثم اختلفوا فقال قوم في يوم القيامة وقال آخرون في قبوركم إلى يوم القيامة \r\n قوله تعالى الذين خسروا أنفسهم أي بالشرك فهم لا يؤمنون لما سبق فيهم من القضاء وقال ابن قتيبة قوله الذين خسروا أنفسهم مردود إلى قوله كيف كان عاقبة المكذبين مردود إلى قوله كيف كان عاقبة المكذبين الذين خسروا \r\n وله ما سكن في الليل في الليل والنهار وهو السميع العليم \r\n قوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار سبب نزولها أن كفار مكة ","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":" قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيبا في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلا وترجع عما أنت عليه فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n وفي معنى سكن قولان \r\n أحدهما أنه من السكنى قال ابن الأعرابي سكن بمعنى حل \r\n والثاني أنه من السكون الذي يضاد الحركة قال مقاتل من المخلوقات ما يستقر بالنهار وينتشر بالليل ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار \r\n فان قيل لم خص السكون بالذكر دون الحركة فعنه ثلاثة أجوبة \r\n احدها أن السكون أعم وجودا من الحركة \r\n والثاني أن كل متحرك قد يسكن وليس كل ساكن يتحرك \r\n والثالث أن في الآية إضمارا والمعنى وله ما سكن وتحرك كقوله تقيكم الحر أراد والبرد فاختصر \r\n قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين \r\n قوله تعالى قل أغير الله أتخذ وليا ذكر مقاتل أن سبب نزولها أن كفار قريش قالوا يا محمد ألا ترجع إلى دين آبائك فنزلت هذه الآية وهذا الاستفهام معناه الإنكار أي لا أتخذ وليا غير الله أتولاه وأعبده وأستعينه \r\n قوله تعالى فاطر السماوات والأرض الجمهور على كسر راء فاطر وقرأ ابن أبي عبلة برفعها قال أبو عبيدة الفاطر معناه الخالق وقال ابن ","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":" قتيبة المبتدئ ومنه كل مولود يولد على الفطرة أي على ابتداء الخلقة وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم وقال ابن عباس كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي أنا ابتدأتها قال الزجاج إن قيل كيف يكون الفطر بمعنى الخلق والانفطار الانشقاق في قوله تعالى إذا السماء انفطرت فالجواب إنما يرجعان إلى شيء واحد لأن معنى فطرهما خلقهما خلقا قاطعا والانفطار والفطور تقطع وتشقق \r\n قوله تعالى وهو يطعم ولا يطعم قرأ الجمهور بضم الياء من الثاني ومعناه وهو يرزق ولا يرزق لأن بعض العبيد يرزق مولاه وقرأ عكرمة والأعمش ولا يطعم بفتح الياء قال الزجاج وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية ومعناه وهو يرزق ويطعم ولا يأكل \r\n قوله تعالى إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي أول مسلم من هذه الأمة ولا تكونن من المشركين قال الأخفش معناه وقيل لي لا تكونن فصارت أمرت بدلا من ذلك لأنه حين قال أمرت قد أخبر أنه قيل له ","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":" قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم \r\n قوله تعالى قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم زعم بعض المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة الذنوب ثم نسخ ذلك بقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر والصحيح أن الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ وإنما هو معلق بشرط ومثله لئن أشركت ليحبطن عملك \r\n من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين \r\n قوله تعالى من يصرف عنه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم من يصرف بضم الياء وفتح الراء يعنون العذاب وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصرف بفتح الياء وكسر الراء الضمير قوله إن عصيت ربي ومما يحسن هذه القراءة قوله فقد رحمه فقد اتفق إسناد الضميرين إلى اسم الله تعالى ويعني بقوله يصرف العذاب يومئذ يعني يوم القيامة وذلك يعني صرف العذاب \r\n وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر الضر اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ومرض وغير ذلك والخير اسم جامع لكل ما ينتفع به الإنسان \r\n وللمفسرين في الضر والخير قولان \r\n أحدهما أن الضر السقم والخير العافية \r\n والثاني أن الضر الفقر والخير الغنى ","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":" وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير \r\n قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده القاهر الغالب والقهر الغلبة والمعنى أنه قهر الخلق فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها فهو المستعلي عليهم وهم تحت التسخير والتذليل \r\n قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله إلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون \r\n قوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة سبب نزولها أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد ما نرى أحدا يصدقك بما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد أنك رسول الله فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية قل لقريش أي شيء أعظم شهادة فان أجابوك وإلا فقل الله وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول \r\n وقال الزجاج أمر الله أن يحتج عليهم بأن شهادة الله في نبوته أكبر شهادة وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله وهو قوله وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ففي الإنذار به دليل على نبوته لأنه لم يأت أحد بمثله ولا يأتي وفيه خبر ما كان وما يكون ووعد فيه بأشياء فكانت كما قال وقرأ عكرمة وابن السميفع والجحدري وأوحي إلي بفتح الهمزة والحاء القرآن بالنصب فأما الإنذار فمعناه التخويف ومعنى ومن بلغ أي من بلغ إليه هذا القرآن فإني نذير له قال القريظي من بلغه القرآن ","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":" فكأنما رأى النبي صلى الله عليه و سلم وكلمه وقال أنس بن مالك لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز و جل \r\n قوله تعالى أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى هذا استفهام معناه الانكار عليهم قال الفراء وإنما قال أخرى ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال ولله الأسماء الحسنى وقال فما بال القرون الأولى \r\n الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب في الكتاب قولان \r\n أحدهما أنه التوراة والإنجيل وهذا قول الجمهور \r\n والثاني أنه القرآن \r\n وفي هاء يعرفونه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم قاله السدي وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام إن الله قد أنزل على نبيه بمكة الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكيف هذه المعرفة فقال لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه و سلم مني بابني فقال عمر وكيف ذاك فقال إني أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما يصنع النساء ","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":" والثاني أنها ترجع إلى الدين والنبي فالمعنى يعرفون الإسلام أنه دين الله عز و جل وأن محمدا رسول الله قاله قتادة \r\n والثالث أنها ترجع إلى القرآن فالمعنى يعرفون الكتاب الدال على صدقه ذكره الماوردي \r\n وفي الذين خسروا أنفسهم قولان \r\n أحدهما أنهم مشركو مكة \r\n والثاني كفار أهل الكتابين \r\n ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون \r\n قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي اختلق على الله الكذب في ادعاء شريك معه وفي آياته قولان \r\n أحدهما أنها محمد والقرآن قاله ابن السائب والثاني القرآن قاله مقاتل والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية الشرك \r\n ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون \r\n قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا انتصب اليوم بمحذوف تقديره واذكر يوم نحشرهم قال ابن جرير والمعنى لا يفلحون اليوم ولا يوم نحشرهم وقرأ يعقوب يحشرهم ثم يقول بالياء فيهما \r\n وفي الذين عني قولان \r\n أحدهما المسلمون والمشركون والثاني العابدون والمعبودون ","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":" وقوله أين شركاؤكم سؤال توبيخ والمراد بشركاؤكم الأوثان وإنما أضافها إليهم لأنهم زعموا أنها شركاء الله \r\n وفي معنى يزعمون قولان أحدهما يزعمون أنهم شركاء مع الله والثاني يزعمون أنها تشفع لهم \r\n ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين \r\n قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم قرأ ابن كثير وابن عامر وحفص بم عاصم ثم لم تكن بالتاء فتنتهم بالرفع وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم تكن بالتاء أيضا فتنتهم بالنصب وقد رويت عن ابن كثير ايضا وقرأ حمزة والكسائي يكن بالياء فتنتهم بالنصب \r\n وفي الفتنة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى الكلام والقول قال ابن عباس والضحاك لم يكن كلامهم \r\n والثاني أنها المعذرة قال قتادة وابن زيد لم تكن معذرتهم قال ابن الأنباري فالمعنى اعتذروا بما هو مهلك لهم وسبب لفضيحتهم \r\n والثالث أنها بمعنى البلية قال عطاء الخراساني لم تكن بليتهم وقال ابو عبيد لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة \r\n والرابع أنها بمعنى الافتتان والمعنى لم تكن عاقبة فتنتهم \r\n قال الزجاج لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلا أن تبرؤوا منه ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فاذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه قال وهذا تأويل لطيف لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":" وقال ابن الأنباري المعنى أنهم افتتنوا بقولهم هذا إذا كذبوا فيه ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا \r\n قوله تعالى إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والله ربنا بكسر الباء وقرأ حمزة والكسائي وخلف بنصب الراء \r\n وفي هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون والثاني المنافقون \r\n ومتى يحلفون فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما قالوا تعالوا نكابر عن شركنا فحلفوا قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم إذا دخلوا النار ورأوا أهل التوحيد يخرجون حلفوا واعتذروا قاله سعيد بن جبير ومجاهد ","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":" والثالث أنهم إذا سئلوا أين شركاؤكم تبرؤوا وحلفوا ما كنا مشركين قاله مقاتل \r\n انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى أنظر كيف كذبوا على أنفسهم أي باعتذارهم بالباطل \r\n وضل عنهم ما كانوا يفترون أي ذهب ما كانوا يدعون ويختلقون من أن الاصنام شركاء لله وشفعاؤهم في الآخرة \r\n ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا اساطير الأولين وهم ينهون عنه وينؤن عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون \r\n قوله تعالى ومنهم من يستمع إليك سبب نزولها أن نفرا من المشركين منهم عتبة وشيبة والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم واستمعوا إليه ثم قالوا للنضر بن الحارث ما يقول محمد فقال والذي جعلها بنية ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحرك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأولين مثلما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n فأما الأكنة فقال الزجاج هي جمع كنان وهو الغطاء مثل عنان وأعنة ","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":" وأما أن يفقهوه فمنصوب على انه مفعول له المعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصبت الكراهة ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى أن \r\n الوقر ثقل السمع يقال في أذنه وقر وقد وقرت الأذن توقر \r\n قال الشاعر ... وكلام سيء قد وقرت ... أذني عنه وما بي من صمم ... \r\n والوقر بكسر الواو أن يحمل البعير وغيره مقدار ما يطيق يقال عليه وقر ويقال نخلة موقر وموقرة وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم باقامتهم على كفرهم وليس المعنى أنهم لم يفهموه ولم يسمعوه ولكنهم لما عدلوا عنه وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع وإن يروا كل آية أي كل علامة تدل على رسالتك لا يؤمنوا بها \r\n ثم أعلم الله عز و جل مقدار احتجاجهم وجدلهم وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا إن هذا أي ما هذا إلا اساطير الأولين وفيها قولان \r\n أحدهما أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم روى ابو صالح عن ابن عباس قال أساطير الأولين كذبهم وأحاديثهم في دهرهم وقال أبو الحسن الاخفش يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير أسطورة وقال بعضهم أساطيرة ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد نحو عباديد ومذاكير وأبابيل وقال ابن قتيبة أساطير الأولين أخبارهم وما سطر منها أي ما كتب ومنه قوله ن والقلم وما يسطرون أي يكتبون واحدها سطر ","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":" ثم اسطار ثم اساطير جمع الجمع مثل قول وأقوال وأقاويل \r\n والقول الثاني أن معنى أساطير الأولين الترهات قال أبو عبيدة واحد الأساطير أسطورة وإسطارة ومجازها مجاز الترهات قال ابن الأنباري الترهات عند العرب طرق غامضة ومسالك مشكلة يقول قائلهم قد أخذنا في ترهات البسابس يعني قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل وعما يعرف إلى مالا يعرف والبسابس الصحاري الواسعة والترهات طرق تتشعب من الطريق الأعظم فتكثر وتشكل فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف \r\n فان قيل لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين وقد سطر الأولون ما فيه علم وحكمة وما لا عيب على قائله فعنه جوابان \r\n أحدهما أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله \r\n والثاني أنهم عابوه بالإشكال والغموض استراحة منهم إلى البهت والباطل فعلى الجواب الأول تكون أساطير من التسطير وعلى الثاني تكون بمعنى الترهات وقد شرحنا معنى الترهات \r\n قوله تعالى وهم ينهون عنه وينأون عنه في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ويتباعد عما جاء به فنزلت فيه هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وهو قول عمرو بن دينار وعطاء بن دينار والقاسم بن مخيمرة وقال مقاتل ","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":" كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه و سلم سوءا فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم فيقتلوه فقال مالي عنه صبر فقالوا ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك فقال أبو طالب حين تروح الإبل فان حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم وقال ... والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا ... فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا ... وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا ... لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ... \r\n فنزلت فيه هذه الآية \r\n والثاني أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه و سلم ويتباعدون بأنفسهم عنه رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال ابن الحنفية والضحاك والسدي فعلى القول الأول يكون قوله وهم كناية عن واحد وعلى الثاني عن جماعة \r\n وفي هاء عنه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم ثم فيه قولان أحدهما ينهون عن اذاه والثاني عن اتباعه \r\n والقول الثاني أنها ترجع إلى القرآن قاله مجاهد وقتادة وابن زيد وينأون بمعنى يبعدون وفي هاء عنه قولان أحدهما أنها راجعة إلى النبي صلى الله عليه و سلم والثاني إلى القرآن ","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":" قوله تعالى وإن يهلكون أي وما يهلكون إلا أنفسهم بالتباعد عنه وما يشعرون أنهم يهلكونها \r\n ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين \r\n قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على النار في معنى وقفوا ستة اقوال \r\n أحدها حبسوا عليها قاله ابن السائب والثاني عرضوا عليها قاله مقاتل \r\n والثالث عاينوها والرابع وقفوا عليها وهي تحتهم \r\n والخامس دخلوا إليها فرفعوا مقدار عذابها تقول وقفت على ما عند فلان أي فهمته وتبينته ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج واختار الأخير وقال ابن جرير على هاهنا بمعنى في \r\n والسادس جعلوا عليها وقفا كالوقوف المؤبدة على سبلها ذكره الماوردي والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه و سلم والوعيد للكفار وجواب لو محذوف ومعناه لو رأيتهم في تلك الحال لرأيت عجبا \r\n قوله تعالى ولا نكذب بآيات ربنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم برفع الباء من نكذب والنون من نكون \r\n قال الزجاج والمعنى أنهم تمنوا الرد وضمنوا أنهم لا يكذبون والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد ونكون من المؤمنين لأنا قد عاينا مالا نكذب معه أبدا \r\n قال ويجوز الرفع على وجه آخر على معنى يا ليتنا نرد يا ليتنا لا نكذب كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق ","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":" وقال الأخفش إذا رفعت جعلته على مثل اليمين كأنهم قالوا ولا نكذب والله بآيات ربنا ونكون والله من المؤمنين وقرأ حمزة إلا العجلي وحفص عن عاصم ويعقوب بنصب الباء من نكذب والنون من نكون \r\n قال مكي بن أبي طالب وهذا النصب على جواب التمني وذلك بإضمار أن حملا على مصدر نرد فأضمرت أن لتكون مع الفعل مصدرا فعطف بالواو مصدرا على مصدر وتقديره يا ليت لنا ردا وانتفاءا من التكذيب وكونا من المؤمنين وقرأ ابن عامر برفع الباء من نكذب ونصب النون من نكون فالرفع قد بينا علته والنصب على جواب التمني \r\n بل بدل لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين \r\n قوله تعالى بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل بل هاهنا رد لكلامهم أي ليس الأمر على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا \r\n وقال الزجاج بل استدراك وإيجاب بعد نفي تقول ما جاء زيد بل عمرو وفي معنى الآية أربعة أقوال \r\n أحدها بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض قاله الحسن \r\n والثاني بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم قاله مقاتل \r\n والثالث بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه قاله المبرد ","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":" والرابع بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه قال ابن عباس لعادوا إلى ما نهوا عنه من الشرك وإنهم لكاذبون في قولهم ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين \r\n قال ابن الانباري كذبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم أنهم إن ردوا آمنوا ولم يكذبوا ولم يكذبهم في التمني \r\n قوله تعالى وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا هذا إخبار عن منكري البعث قال مقاتل لما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم كفار مكة بالبعث قالوا هذا وكان عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم يقول هذا حكاية قولهم لو ردوا لقالوه \r\n ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون \r\n قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال مقاتل عرضوا على ربهم قال لأليس هذا العذاب بالحق وقال غيره أليس هذا البعث حقا فعلى قول مقاتل بما كنتم تكفرون بالعذاب وعلى قول غيره تكفرون بالبعث \r\n قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون \r\n قوله تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إنما وصفوا بالخسران لأنهم باعوا الإيمان بالكفر فعظم خسرانهم \r\n والمراد بلقاء الله البعث والجزاء والساعة القيامة والبغتة الفجأة ","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":" قال الزجاج كل ما أتى فجأة فقد بغت يقال قد بغته الأمر يبغته بغتا وبغتة إذا أتاه فجأة قال الشاعر ... ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت ... \r\n قوله تعالى يا حسرتنا الحسرة التلهف على الشيء الفائت وأهل التفسير يقولون يا ندامتنا \r\n فإن قيل ما معنى دعاء الحسرة وهي لا تعقل \r\n فالجواب أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع فيه جعلته نداء فتدخل عليه يا للتنبيه والمراد تنبيه الناس لا تنبيه المنادي ومثله قولهم لا أرينك هاهنا لفظه لفظ الناهي لنفسه والمعنى للمنهي ومن هذا قولهم يا خيل الله اركبي يراد يا فرسان خيل الله وقال سيبويه إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر وتعال يا عجب فهذا زمانك فأما التفريط فهو التضييع \r\n وقال الزجاج التفريط في اللغة تقدمه العجز وفي المكني عنه بقوله فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الدنيا فالمعنى على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة قاله مقاتل ","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":" والثاني أنها الصفقة لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة وترك ذكرها اكتفاء بذكر الخسران قاله ابن جرير \r\n والثالث أنها الطاعة ذكره بعض المفسرين \r\n فأما الأوزار فقال ابن قتيبة هي الآثام واصل الوزر الحمل على الظهر وقال ابن فارس الوزر الثقل وهل هذا الحمل حقيقة فيه قولان \r\n أحدهما أنه على حقيقته قال عمير بن هانئ يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح كلما كان هول عظمه عليه وزاده خوفا فيقول بئس الجليس أنت مالي ولك فيقول أنا عملك طالما ركبتني في الدنيا فلأركبنك اليوم حتى إخزيك على رؤوس الناس فيركبه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه فذلك قوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وهذا قول السدي وعمرو بن قيس الملائي ومقاتل \r\n والثاني أنه مثل والمعنى يحملون ثقل ذنوبهم قاله الزجاج قال فجعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل ومعنى ألا ساء ما يزرون بئس الشيء شيئا يزرونه أي يحملونه \r\n وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون \r\n قوله تعالى وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو فيه ثلاثة اقوال ","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":" أحدها وما الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها وقصر عمرها إلا كالشيء يلعب به \r\n والثاني وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو فأما فعل الخير فهو من عمل الآخرة لا من الدنيا \r\n والثالث وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لاشتغالهم عما أمروا به واللعب مالا يجدي نفعا \r\n قوله تعالى وللدار الآخرة خير اللام لام القسم والدار الآخرة الجنة افلا يعقلون فيعملون لها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي يعقلون بالياء في الأنعام والأعراف ويوسف ويس وقرؤوا في القصص بالتاء وقرأ نافع كل ذلك بالياء وروى حفص عن عاصم كل ذلك بالتاء إلا في يس في الخلق أفلا يعقلون بالياء وقرأ ابن عامر الذي في يس بالياء والباقي بالتاء \r\n قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون \r\n قوله تعالى قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون \r\n في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن رجلا من قريش يقال له الحارث بن عامر قال والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ولكنا إن نتبعك نتخطف من ارضنا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل كان الحارث بن عامر يكذب النبي في العلانية فاذا خلا مع أهل بيته قال ما محمد من أهل الكذب فنزلت فيه هذه الآية ","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":" والثاني أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه و سلم قالوا فيما بينهم إنه لنبي فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح \r\n والثالث أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه و سلم إنا لا نكذبك ولكن نكذب الذي جئت به فنزلت هذه الآية قاله ناجية بن كعب \r\n وقال أبو يزيد المدني لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا جهل فصافحه أبو جهل فقيل له أتصافح هذا الصابئ فقال والله إني لأعلم أنه نبي ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف فأنزل الله هذه الآية \r\n والرابع أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل فقال الأخنس يا ابا الحكم أخبرني عن محمد اصادق هو أم كاذب فليس هاهنا من يسمع كلامك غيري فقال أبو جهل والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت هذه الآية قاله السدي فأما الذي يقولون فهو التكذيب للنبي صلى الله عليه و سلم والكفر بالله وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم وتعزية عما يواجهون به \r\n قوله تعالى فانهم لا يكذبونك قرأ نافع والكسائي يكذبونك بالتخفيف وتسكين الكاف وفي معناها قولان ","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":" أحدهما لا يلفونك كاذبا قاله ابن قتيبة \r\n والثاني لا يكذبون الشيء الذي جئت به إنما يجحدون آيات الله ويتعرضون لقعوباته قال ابن الانباري وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الاباطيل من القول وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ليس هو الصانع له قال وقال غير الكسائي يقال أكذبت الرجل إذا أدخلته في جملة الكذابين ونسبته إلى صفتهم كما يقال أبخلت الرجل إذا نسبته إلى البخل وأجبنته إذا وجدته جبانا قال الشاعر ... فطائفة قد أكفروني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب ... \r\n وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة وابن عامر يكذبونك بالتشديد وفتح الكاف وفي معناها خمسة اقوال \r\n أحدها لا يكذبونك بحجة وإنما هو تكذيب عناد وبهت قاله قتادة والسدي \r\n والثاني لا يقولون لك إنك كاذب لعلمهم بصدقك ولكن يكذبون ما جئت به قاله ناجية بن كعب \r\n والثالث لا يكذبونك في السر ولكن يكذبونك في العلانية عداوة لك قاله ابن السائب ومقاتل \r\n والرابع لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم كذبت \r\n والخامس لا يكذبونك بقلوبهم لأنهم يعلمون أنك صادق ذكر القولين الزجاج ","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":" وقال أبو علي يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان إلا أن فعلت إذا ارادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من أفعلت ويؤكد أن القراءتين بمعنى ما حكاه سيبويه أنهم قالوا قللت وأقللت وكثرت وأكثرت بمعنى \r\n قال أبو علي ومعنى لا يكذبونك لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما أخبرت به مما جاء في كتبهم ويجوز أن يكون معنى الحقيقة لا يصادفونك كاذبا كما يقال أحمدت الرجل إذا اصبته محمودا لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون بألسنتهم ما يعلمونه يقينا لعنادهم \r\n وفي آيات الله هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها محمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي \r\n والثاني محمد والقرآن قاله ابن السائب \r\n والثالث القرآن قاله مقاتل \r\n ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبأي المرسلين \r\n قوله تعالى ولقد كذبت رسل من قبلك هذه تعزية له على ما يلقى منهم قال ابن عباس فصبروا على ما كذبوا رجاء ثوابي وأوذوا حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار حتى أتاهم نصرنا بتعذيب من كذبهم ","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":" قوله تعالى ولا مبدل لكلمات الله فيه خمسة أقوال \r\n أحدها لا خلف لمواعيده قاله ابن عباس \r\n والثاني لا مبدل لما أخبر به وما أمر به قاله الزجاج \r\n والثالث لا مبدل لحكوماته وأقضيته النافذة في عباده فعبرت الكلمات عن هذا المعنى كقوله ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين أي وجب ما قضي عليهم فعلى هذا القول والذي قبله يكون المعنى لا مبدل لحكم كلمات الله ولا ناقض لما حكم به وقد حكم بنصر أنبيائه بقوله لأغلبن أنا ورسلي \r\n والرابع أن معنى الكلام معنى النهي وإن كان ظاهره الإخبار فالمعنى لا يبدلن أحد كلمات الله فهو كقوله لا ريب فيه \r\n والخامس أن المعنى لا يقدر أحد على تبديل كلام الله وإن زخرف واجتهد لأن الله تعالى صانه برصين اللفظ وقويم الحكم أن يختلط بألفاظ أهل الزيغ ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ولقد جاءك من نبأ المرسلين أي فيما صبروا عليه من الأذى فنصروا وقيل إن من صلة \r\n وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":" قوله تعالى وإن كان كبر عليك إعراضهم سبب نزولها أن الحارث ابن عامر أتى النبي صلى الله عليه و سلم في نفر من قريش فقال يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات فإن فعلت آمنا بك فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وكبر بمعنى عظم وفي إعراضهم قولان \r\n أحدهما عن استماع القرآن والثاني عن اتباع النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فأما النفق فقال ابن قتيبة النفق في الأرض المدخل وهو السرب والسلم في السماء المصعد وقال الزجاج النفق الطريق النافذ في الأرض والنافقاء ممدود أحد جحره اليربوع يخرقه من باطن الأرض إلى جلدة الأرض فاذا بلغ الجلدة أرقها حتى إن رابه ريب دفع برأسه ذلك المكان وخرج ومنه سمي المنافق لأنه أبطن غير ما أظهر كالنافقاء الذي ظاهره غير بين وباطنه حفر في الأرض \r\n والسلم مشتق من السلامة وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك والمعنى فان استطعت هذا فافعل وحذف فافعل لأن في الكلام دليلا عليه \r\n وقال أبو عبيدة السلم السبب والمرقاة تقول اتخذتني سلما لحاجتك أي سببا \r\n وفي قوله فتأتيهم بآية قولان \r\n أحدهما بآية قد سألوك إياها وذلك أنهم سألوا نزول ملك ومثل آيات الأنبياء كعصا موسى وناقة صالح \r\n والثاني بآية هي أفضل من آيتك \r\n قوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فيه ثلاثة أقوال ","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":" أحدها لو شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم \r\n والثاني لو شاء لأنزل ملائكة تضطرهم إلى الإيمان ذكرهما الزجاج \r\n والثالث لو شاء لآمنوا كلهم فأخبر إنما تركوا الإيمان بمشيئته ونافذ قضائه \r\n قوله تعالى فلا تكونن من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا تجهل أنه لو شاء لجمعهم على الهدى \r\n والثاني لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم ويكفر بعضهم \r\n والثالث لا تكونن ممن لا صبر له لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين \r\n إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون \r\n قوله تعالى إنما يستجيب الذين يسمعون أي إنما يجيبك من يسمع والمراد ه سماع قبول \r\n وفي المراد بالموتى قولان \r\n أحدهما أنهم الكفار قاله الحسن ومجاهد وقتادة فيكون المعنى إنما يستجيب المؤمنون فأما الكفار فلا يستجيبون حتى يبعثهم الله ثم يحشرهم كفارا فيجيبون اضطرارا ","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":" والثاني أنهم الموتى حقيقة ضربهم الله مثلا والمعنى أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله فكذلك الذين لا يسمعون \r\n قوله تعالى ثم إليه يرجعون يعني المؤمنين والكافرين فيجازي الكل \r\n وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قال ابن عباس نزلت في رؤساء قريش ولولا بمعنى هلا وقد شرحناها في سورة النساء وقال مقاتل أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء وقال غيره أرادوا نزول ملك يشهد له بالنبوة \r\n وفي قوله تعالى ولكن أكثرهم لا يعلمون ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يعلمون بأن الله قادر على إنزال الآية \r\n والثاني لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها لأنهم إن لم يؤمنوا بها زاد عذابهم \r\n والثالث لا يعلمون المصلحة في نزول الآية \r\n وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحية إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون \r\n قوله تعالى وما من دابة في الأرض قال ابن عباس يريد كل ما دب على الأرض قال الزجاج وذكر الجناحين توكيد وجميع ما خلق لا يخلو إما أن يدب وإما أن يطير ","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":" قوله تعالى إلا أمم أمثالكم قال مجاهد أصناف مصنفة \r\n وقال أبو عبيدة أجناس يعرفون الله ويعبدونه \r\n وفي معنى أمثالكم أربعة أقوال \r\n أحدها أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني في معرفة الله قاله عطاء \r\n والثالث أمثالكم في الخلق والموت والبعث قاله الزجاج \r\n والرابع أمثالكم في كونها تطلب الغذاء وتبتغي الرزق وتتوقى المهالك قاله ابن قتيبة قال ابن الانباري وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن اله تعالى ركب في المشركين عقولا وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن يتدبروا أمر النبي صلى الله عليه و سلم ويتمسكوا بطاعته كما جعل للطير أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها \r\n قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء في الكتاب قولان \r\n أحدهما أنه اللوح المحفوظ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب وإلى هذا المعنى ذهب قتادة وابن زيد \r\n والثاني أنه القرآن روى عطاء عن ابن عباس ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المعنى ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب إما نصا وإما مجملا وإما دلالة كقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء أي لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين \r\n قوله تعالى ثم إلى ربهم يحشرون فيه قولان ","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":" أحدهما أنه الجمع يوم القيامة روى أبو ذر قال انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا أبا ذر أتدري فيما انتطحتا قلت لا قال لكن الله يدري وسيقضي بينهما وقال أبو هريرة يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا فيقول الكافر ياليتني كنت ترابا \r\n والثاني أن معنى حشرها موتها قاله ابن عباس والضحاك \r\n والذين كذبوا بآياتنا صم بكم وفي الظلمات من يشا لله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم \r\n قوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم صم عن القرآن لا يسمعونه وبكم عنه لا ينطقون به في الظلمات أي في الشرك والضلالة من يشأ الله يضلله فيموت على الكفر ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وهو الإسلام \r\n قل أرأيتكم إن أتكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى قل أرأيتكم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة أرأيتم وأرأيتكم وأرأيت بالألف في كل القرآن ","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":" مهموزا ولين الهمزة نافع في الكل وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف قال الفراء العرب تقول أرأيتك وهم يريدون أخبرني \r\n فأما عذاب الله ففي المراد به هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه الموت قاله ابن عباس \r\n والثاني العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية قاله مقاتل \r\n فأما الساعة فهي القيامة قال الزجاج وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد وللوقت الذي يبعثون فيه \r\n قوله تعالى أغير الله تدعون أي أتدعون صنما أو حجرا لكشف ما بكم فاحتج عليهم بما لا يدفعونه لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله \r\n وقوله تعالى إن كنتم صادقين جواب لقوله أرأيتكم لأنه بمعنى أخبروا كأنه قيل لهم إن كنتم صادقين فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء بكم \r\n بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون \r\n قوله تعالى بل آياه تدعون قال الزجاج أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلا إياه وفي ذلك أعظم الحجج عليهم لأنهم عبدوا الأصنام \r\n فيكشف ما تدعون إليه إن شاء المعنى فيكشف الضر الذي من أجله دعوتهم وهذا على اتساع الكلام مثل قوله واسأل القرية أي اهل القرية \r\n وتنسون يجوز أن يكون بمعنى تتركون ويجوز أن يكون المعنى إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":" ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون \r\n قوله تعالى ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك في الآية محذوف تقديره ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الزمانة والخوف رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها البؤس وهو الفقر قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أنها الجوع ذكره الزجاج \r\n وفي الضراء ثلاثة أقوال \r\n أحدها البلاء والجوع رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني النقص في الأموال والأنفس ذكره الزجاج \r\n والثالث الاسقام والأمراض قاله أبو سليمان \r\n قوله تعالى لعلهم يتضرعون أي لكي يتضرعوا والتضرع التذلل والاستكانة وفي الكلام محذوف تقديره فلم يتضرعوا \r\n فلولا إذا جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى فلولا معناه فهلا والبأس العذاب ومقصود الآية أن الله تعالى أعم نبيه صلى الله عليه و سلم أنه قد أرسل إلى قوم قبله بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد فلم يخضعوا وأقاموا على كفرهم وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها ","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":" فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون \r\n قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به قال ابن عباس تركوا ما وعظوا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء يريد رخاء الدنيا وسرورها وقرأ أبو جعفر وابن عامر فتحنا بالتشديد هنا وفي الأعراف وفي الأنبياء فتحت وفي القمر فتحنا والجمهور على تخفيفهن قال الزجاج أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم لم يكن انتقاما وما فتح عليهم باستحقاقهم أخذناهم بغتة أي فاجأهم عذابنا \r\n وقال ابن الانباري إنما أراد بقوله كل شيء التأكيد كقول القائل أكلنا عند فلان كل شيء وكنا عنده في كل سرور يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه كقوله وأوتيت من كل شيء وقال الحسن من وسع عليه فلم ير أنه لم يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له ثم قرأ هذه الآية وقال مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا \r\n قوله تعالى فاذا هم مبلسون في المبلس خمسة اقوال \r\n أحدها أنه الآيس من رحمة الله عز و جل رواه الضحاك عن ابن عباس وقال في رواية أخرى الآيس من كل خير وقال الفراء المبلس اليائس ","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":" المنقطع رجاؤه ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته فلا يكون عنده جواب قد أبلس قال العجاج ... يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا ... \r\n أي لم يحر جوابا وقيل المكرس الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت فيركب بعضه بعضا \r\n والثاني أنه المفتضح قال مجاهد الإبلاس الفضيحة \r\n والثالث أنه المهلك قاله السدي \r\n والرابع أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر مالا يستطيعه قاله ابن زيد \r\n والخامس أنه الحزين النادم قاله أبو عبيدة وأنشد لرؤبة ... وحضرت يوم الخميس الأخماس ... وفي الوجوه صفرة وإبلاس ... \r\n أي اكتئاب وكسوف وحزن \r\n وقال الزجاج هو الشديد الحسرة الحزين اليائس وقال في موضع آخر المبلس الساكت المتحير \r\n فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين \r\n قوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا قال ابن السائب دابرهم ","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":" الذي يتخلف في آخرهم والمعنى أنهم استؤصلوا وقال أبو عبيدة دابرهم آخرهم الذي يدبرهم قال ابن قتيبة هو كما يقال اجتث أصلهم \r\n قال المفسرون وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم لأن ذلك إنعام على رسلهم الذين كذبوهم وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين \r\n قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون \r\n قوله تعالى قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم أي أذهبها وختم على قلوبكم حتى لا تعرفون شيئا من آله غير الله يأتيكم به في هاء به ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها تعود على الفعل والمعنى يأتيكم بما أخذ الله منكم قاله الزجاج وقال الفراء إذا كنيت عن الأفاعيل وإن كثرت وحدت الكناية كقوله للرجل إقبالك وإدبارك يؤذيني \r\n والثاني أنها تعود إلى الهدى ذكره الفراء فعلى هذا تكون الكناية عن غير مذكور ولكن المعنى يشتمل عليه لأن من أخذ سمعه وبصره وختم على قلبه لم يهتد \r\n والثالث أنها تعود على السمع ويكون ما عطف عليه داخلا معه في القصة لأنه معطوف عليه ذكره الزجاج والجمهور يقرؤون من إله غير الله يأتيكم به انظر بكسر هاء به وروى المسيبي عن نافع به انظر ","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":" بالضم قال أبو علي من كسر حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو بهي عيب ومن ضم فعلى قول من قال فخصفنا بهو وبدارهو الأرض فحذف الواو \r\n قوله تعالى انظر كيف نصرف الآيات قال مقاتل يعني تكون العلامات في أمور شتى فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب وبما صنع بالأمم الخالية ثم هم يصدفون أي يعرضون فلا يعتبرون \r\n قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون \r\n قوله تعالى قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة قال الزجاج البغتة المفاجأة والجهرة أن يأتيهم وهم يرونه هل يهلك إلا القوم الظالمون أي هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم لأنكم كفرتم معاندين فقد علمتم أنكم ظالمون \r\n وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون \r\n قوله تعالى وما نرسل المرسلين إلا مبشرين أي بالثواب ومنذرين بالعقاب وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات ثم ذكر ثواب من صدق وعقاب من كذب في تمام الآية والتي بعدها وقال ابن عباس يفسقون بمعنى يكفرون \r\n قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير افلا تتفكرون ","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":" قوله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله سبب نزولها أن أهل مكة قالوا يا محمد لو أنزل الله عليك كنزا فتستغني به فانك فقير محتاج أو تكون لك جنة تأكل منها فانك تجوع فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قال الزجاج وهذه الآية متصلة بقوله لولا أنزل عليه آية من ربه فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ولا يعلم الغيب فيخبرهم به إلا بوحي ولا يقول إنه ملك لأن الملك يشاهد من أمور الله تعالى مالا يشاهده البشر وقرأ ابن مسعود وابن جبير وعكرمة والجحدري إني ملك بكسر اللام وفي الأعمى والبصير قولان \r\n أحدهما أن الأعمى الكافر والبصير المؤمن قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثاني الأعمى الضال والبصير المهتدي قاله سعيد بن جبير ومجاهد وفي قوله أفلا تتفكرون قولان \r\n أحدهما فيما بين لكم من الآيات الدالة على وحدانيته وصدق رسوله \r\n والثاني فيما ضرب لكم من مثل الأعمى والبصير وأنهما لا يستويان \r\n وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون \r\n قوله تعالى وأنذر به قال الزجاج يعني بالقرآن وإنما ذكر الذين يخافون الحشر دون غيرهم وإن كان منذرا لجميع الخلق لأن الحجة على الخائفين الحشر أظهر لاعترافهم بالمعاد فهم أحد رجلين إما مسلم فينذر ليؤدي حق الله عليه في إسلامه وإما كتابي فأهل الكتاب مجمعون على البعث ","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":" وذكر الولي والشفيع لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه فأعلم عز و جل أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وقال غيره ليس لهم من دونه ولي أي ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع لأن شفاعة الشافعين بأمره \r\n وقال أبو سليمان الدمشقي هذه الآية متعلقة بقوله وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به \r\n ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليه من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين \r\n قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم روى سعد بن أبي وقاص قال نزلت هذه الآية في ستة في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه و سلم إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء فاطردهم عنك فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن يدخل فنزلت هذه الآية \r\n وقال خباب بن الأرت نزلت فينا كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه و سلم يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا فجاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقالا إنا من أشراف قومنا وإنا نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك قال نعم ","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":" فقالوا لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا فأتى بأديم ودواة ودعا عليا ليكتب فلما أراد ذلك ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم إلى قوله فتنا بعضهم ببعض فرمى بالصحيفة ودعانا فأتيناه وهو يقول سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته وقال ابن مسعود مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه و سلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا يا محمد رضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعا لهم فنزلت ولا تطرد الذين يدعون ربهم وقال عكرمة جاء عتبة وشيبة ابنا ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا وأدنى لاتباعنا إياه فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك فقال عمر بن الخطاب لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون فنزلت هذه الآيات فأقبل عمر يعتذر من مقالته وروى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الموالي منهم بلال وصهيب وخباب وعمار ومهجع وسلمان وعامر ابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة وأن قوله وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم نزلت فيهم أيضا وقد روى العوفي عن ابن عباس أن ناسا من ","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":" الأشراف قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم نؤمن لك وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا فعلى هذا إنما سألوه تأخيرهم عن الصف وعلى الأقوال التي قبله سألوه طردهم عن مجلسه \r\n قوله تعالى يدعون ربهم في هذا الدعاء خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الصلاة المكتوبة قاله ابن عمر وابن عباس وقال مجاهد هي الصلوات الخمس وفي رواية عن مجاهد وقتادة قالا يعني صلاة الصبح والعصر وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك \r\n والثاني أنه ذكر الله تعالى قاله إبراهيم النخعي وعنه كالقول الأول \r\n والثالث أنه عبادة الله قاله الضحاك \r\n والرابع أنه تعلم القرآن غدوة وعشية قاله أبو جعفر \r\n والخامس أنه دعاء الله بالتوحيد والإخلاص له وعبادته قاله الزجاج وقرأ الجمهور بالغداة وقرأ ابن عامر هاهنا وفي الكهف أيضا بالغدوة بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو \r\n قال الفراء والعرب لا تدخل الألف واللام على الغدوة لأنها معرفة بغير ألف ولام ولا تضيفها العرب يقولون أتيتك غداة الخميس ولا يقولون غدوة الخميس فهذا دليل على أنها معرفة \r\n وقال أبو علي الوجه الغداة لأنها تستعمل نكرة وتتعرف باللام وأما غدوة فمعرفة \r\n وقال الخليل يجوز أن تقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلها بمنزلة ضحوة فهذا وجه قراءة ابن عامر ","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":" فان قيل دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار فلماذا خص الغداة والعشي فالجواب أنه نبه بالغداة على جميع النهار وبالعشي على الليل لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له كان عمل الليل أصفى \r\n قوله تعالى يريدون وجهه قال الزجاج أي يريدون الله فيشهد الله لهم بصحة النيات وأنهم مخلصون في ذلك \r\n وأما الحساب المذكور في الآية ففيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه حساب الأعمال قاله الحسن \r\n والثاني حساب الأرزاق والثالث أنه بمعنى الكفاية والمعنى ما عليك من كفايتهم ولا عليهم كفايتك \r\n قوله تعالى فتكون من الظالمين قال ابن الأنباري عظم هذا الأمر على النبي صلى الله عليه و سلم وخوف بالدخول في جملة الظالمين لأنه كان قد هم بتقديم الرؤساء على الضعفاء \r\n وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين \r\n قوله تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض المعنى وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير ابتلينا أيضا بعضهم ببعض وفتنا بمعنى ابتلينا واختبرنا ليقولوا يعني الكبراء أهؤلاء يعنون الفقراء والضعفاء من الله عليهم بالهدى وهذا استفهام معناه الانكار كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة \r\n قال ابن السائب ابتلى الله الرؤساء بالموالي فاذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله أنف أن يسلم ويقول سبقني هذا ","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":" قوله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين أي بالذين يشكرون نعمته إذا من عليهم بالهداية والمعنى إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر والاستفهام في أليس معناه التقرير أي إنه كذلك \r\n وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم \r\n قوله تعالى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظيمة فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية قاله أنس بن مالك \r\n والثاني أنها نزلت في الذين نهى عن طردهم فكان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام قاله الحسن وعكرمة \r\n والثالث أنها نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وسالم وأبي سلمة والأرقم ابن أبي الأرقم وعمار وبلال قاله عطاء \r\n والرابع أن عمر بن الخطاب كان اشار على رسول الله صلى الله عليه و سلم بتأخير الفقراء ","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":" استمال للرؤساء إلى الإسلام فلما نزلت ولا تطرد الذين يدعون ربهم جاء عمر يعتذر من مقالته ويستغفر منها فنزلت فيه هذه الآية قاله ابن السائب \r\n والخامس أنها نزلت مبشرة باسلام عمر بن الخطاب فلما جاء وأسلم تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم حكاه أبو سليمان الدمشقي \r\n فأما قوله تعالى يؤمنون بآياتنا فمعناه يصدقون بحججنا وبراهيننا \r\n قوله تعالى فقل سلام عليكم فيه قولان \r\n أحدهما أنه أمر بالسلام عليهم تشريفا لهم وقد ذكرناه عن الحسن وعكرمة \r\n والثاني أنه أمر بابلاغ السلام إليهم عن الله تعالى قاله ابن زيد قال الزجاج ومعنى السلام دعاء للانسان بأن يسلم من الآفات وفي السوء قولان \r\n أحدهما أنه الشرك والثاني المعاصي \r\n وقد ذكرنا في سورة النساء معنى الجهالة قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي أنه من عمل منكم سوءا فانه غفور بكسر الألف فيهما وقرأ عاصم وابن عامر بفتح الألف فيهما وقرأ نافع بنصب ألف أنه وكسر ألف فانه غفور قال أبو علي من كسر ألف إنه جعله تفسيرا للرحمة ومن كسر ألف فانه غفور فلأن ما بعد الفا حكمة الابتداء ومن فتح ألف انه من عمل جعل أن بدلا من الرحمة والمعنى كتب ربكم أنه من عمل ومن فتحها بعد الفاء أضمر خبرا تقديره فله أنه غفور رحيم والمعنى فله غفرانه وكذلك قوله تعالى فإن له نار جهنم معناه فله أن له نار جهنم وأما قراءة نافع فانه أبدل من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء ","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":" وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين \r\n قوله تعالى وكذلك نفصل الآيات أي وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل قال ابن قتيبة ومعنى تفصيلها إتيانها متفرقة شيئا بعد شيء \r\n قوله تعالى ولتستبين وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ولتستبين بالتاء سبيل بالرفع وقرأ نافع وزيد عن يعقوب بالتاء أيضا إلا أنهما نصبا السبيل وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وليستبين بالياء سبيل بالرفع فمن قرأ ولتستبين بالياء أو التاء فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في آل عمران ومن نصب اللام فالمعنى ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين وفي سبيلهم التي بينت له قولان \r\n أحدهما أنها طريقهم في الشرك ومصيرهم إلى الخزي قاله ابن عباس \r\n والثاني أنها مقصودهم في طرد الفقراء عنه وذلك إنما هو الحسد لا إيثار مجالسته واتباعه قاله أبو سليمان \r\n فان قيل كيف انفردت لام كي في قوله ولتستبين وسبيلها أن تكون شرطا لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين \r\n أحدهما أنها شرط لفعل مضمر يراد به ونفعل ذلك لكي تستبين \r\n والثاني انها معطوفة على لام مضمرة تأويله نفصل الآيات ليتكشف أمرهم ولتستبين سبيلهم \r\n قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":" قوله تعالى قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام وفي معنى تدعون قولان أحدهما تدعونهم آلهة \r\n والثاني تعبدون قاله ابن عباس وأهواءهم دينهم قال الزجاج أراد إنما عبدتموها على طريق الهوى لا على طريق البينة والبرهان ومعنى إذا معنى الشرط والمعنى قد ضللت إن عبدتها وقرأ طلحة وابن أبي ليلى قد ضللت بكسر اللام \r\n قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا الله يقص الحق وهو خير الفاصلين \r\n قوله تعالى قل إني على بينة من ربي سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء وقام النضر عند الكعبة وقال اللهم إن كان ما يقول حقا فائتنا بالعذاب فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس فأما البينة فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل قال الزجاج أنا على أمر بين لا متبع لهوى \r\n قوله تعالى وكذبتم به في هاء الكناية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الرب والثاني ترجع إلى البيان والثالث ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء \r\n قوله تعالى ما عندي ما تستعجلون به أي ما بيدي وفي الذي استعجلوا به قولان \r\n أحدهما أنه العذاب قاله ابن عباس والحسن \r\n والثاني أنه الآيات التي كانوا يقترحونها ذكره الزجاج ","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":" قوله تعالى إن الحكم إلا لله فيه قولان \r\n أحدهما أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بايجاب الثواب والعقاب \r\n والثاني أنه القضاء بانزال العذاب على المخالف \r\n قوله تعالى يقص الحق قرأ ابن كثير وعاصم ونافع يقص الحق بالصاد المشددة من القصص والمعنى أن كل ما أخبر به فهو حق وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي يقضي الحق من القضاء والمعنى يقضي القضاء الحق \r\n قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين \r\n قوله تعالى قل لو أن عندي ما تستعجلون به أي من العذاب لقضي الأمر بيني وبينكم قال ابن عباس يقول لم أمهلكم ساعة ولأهلكتكم \r\n قوله تعالى والله أعلم بالظالمين فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى إن شاء عاجلهم وإن شاء أخر عقوبتهم \r\n والثاني اعلم بما يؤول إليه أمرهم وأنه قد يهتدي منهم قوم ولا يهتدي آخرون فلذلك يؤخروهم \r\n وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين \r\n قوله تعالى وعنده مفاتح الغيب قال ابن جرير المفاتح جمع مفتح ","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":" يقال مفتح ومفتاح فمن قال مفتح جمعه مفاتح ومن قال مفتاح جمعه مفاتيح وفي مفاتح الغيب سبعة أقوال \r\n أحدها أنها خمس لا يعلمها إلا الله عز و جل روى البخاري في أفراده من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله قال ابن مسعود أوتى نبيكم علم كل شيء إلا مفاتيح الغيب \r\n والثاني أنها خزائن غيب السموات من الأقدار والأرزاق قاله ابن عباس \r\n والثالث ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب وما تصير إليه الأمور قاله عطاء \r\n والرابع خزائن غيب العذاب متى ينزل قاله مقاتل ","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":" والخامس الوصلة إلى علم الغيب إذا استعلم قاله الزجاج \r\n والسادس عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال \r\n والسابع ما لم يكن هل يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون وما لا يكون إن كان كيف يكون فأما البر فهو القفر وفي البحر قولان أحدهما أنه الماء قاله الجمهور والثاني أنه القرى قاله مجاهد \r\n قوله تعالى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها قال الزجاج المعنى أنه يعلمها ساقطة وثابتة كما تقول ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه ليس تأويله اعرفه في حال مجيئه فقط فأما ظلمات الأرض فالمراد بها بطن الأرض \r\n وفي الرطب واليابس خمسة أقوال \r\n أحدها أن الرطب الماء واليابس البادية والثاني الرطب ما ينبت واليابس مالا ينبت والثالث الرطب الحي واليابس الميت والرابع الرطب لسان المؤمن يذكر الله واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله والخامس أنهما الشيء ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى فهو يعلمه رطبا ويعلمه يابسا وفي الكتاب المبين قولان \r\n أحدهما أنه اللوح المحفوظ قاله مقاتل والثاني أنه علم الله المتقن ذكره الزجاج فان قيل ما الفائدة في إحصاء هذه الأشياء في كتاب فعنه ثلاثة أجوبة ذكرهن ابن الأنباري \r\n أحدها أنه أحصاها في كتاب لتقف الملائكة على نفاذ علمه \r\n والثاني أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب وأعلمهم أنه لا يفوته ما يصنعون لأن من يثبت مالا ثواب فيه ولا عقاب فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع ","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":" والثالث أن المراد بالكتاب العلم فالمعنى أنها مثبتة في علمه \r\n وهو الذي يتوفكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى وهو الذي يتوفكم بالليل يريد به النوم لأنه يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبض بالموت وقال ابن عباس يقبض أرواحكم في منامكم وجرحتم بمعنى كسبتم ثم يبعثكم أي يوقظكم فيه أي في النهار ليقضى أجل مسمى أي لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت \r\n وهو القاهر فوق عبادة ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون \r\n قوله تعالى ويرسل عليكم حفظة الحفظة الملائكة واحدهما حافظ والجمع حفظة مثل كاتب وكتبة وفاعل وفعلة وفيما يحفظونه قولان \r\n أحدهما أعمال بني آدم قاله ابن عباس والثاني أعمالهم وأجسادهم قاله السدي \r\n قوله تعالى توفته رسلنا وقرأ حمزة توفاه رسلنا وحجته أنه فعل مسند إلى مؤنث غير حقيقي وإنما التأنيث للجمع فهو مثل وقال نسوة وفي المراد بالرسل ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أعوان ملك الموت قاله ابن عباس وقال النخعي أعوانه يتوفون النفوس وهو يأخذها منهم ","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":" والثاني أن المراد بالرسل ملك الموت وحده قاله مقاتل \r\n والثالث أنهم الحفظة قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وهم لا يفرطون قال ابن عباس لا يضيعون فان قيل كيف الجمع بين قوله توفته رسلنا وبين قوله قل يتوفاكم ملك الموت فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه يجوز أن يريد بالرسل ملك الموت وحده وقد يقع الجمع على الواحد والثاني أن أعوان ملك الموت يفعلون بأمره فأضيف الكل إلى فعله \r\n وقيل توفي أعوان ملك الموت بالنزع وتوفي ملك الموت بأن يأمر الأرواح فتجيب ويدعوها فتخرج وتوفي الله تعالى بأن يخلق الموت في الموت \r\n ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين \r\n قوله تعالى ثم ردوا إلى الله يعني العباد وفي متولي الرد قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة ردتهم بالموت إلى الله تعالى \r\n والثاني أنه الله عز و جل ردهم بالبعث في الآخرة وفي معنى ردهم إلى الله تعالى قولان \r\n أحدهما أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده \r\n والثاني أنهم ردوا إلى تدبيره وحده لأنه لما أنشأهم كان منفردا بتدبيرهم فلما مكنهم من التصرف صاروا في تديبر أنفسهم ثم كفهم عنه بالموت فصاروا مردودين إلى تدبيره ","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":" قوله تعالى الا له الحكم يعني القضاء وبيان سرعة الحساب في البقرة \r\n قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن انجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون \r\n قوله تعالى قل من ينجيكم قرأ عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر قل من ينجيكم قل الله ينجيكم مشددين وقرأ يعقوب والقزاز عن عبد الوارث بسكون النون وتخفيف الجيم قال الزجاج والمشددة أجود للكثرة وظلمات البر والبحر شدائدها والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة يوم مظلم حتى إنهم يقولون يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل قال الشاعر ... فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوما ذا كواكب أشعنا ","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":" قوله تعالى تدعونه تضرعا أي مظهرين الضراعة وهي شدة الفقر إلى الشيء والحاجة \r\n قوله تعالى وخفية قرأ عاصم إلا حفصا وخفية بكسر الخاء وكذلك في الأعراف وقرأ الباقون بضم الخاء وهما لغتان قال الفراء وفيها لغة أخرى بالواو ولا تصلح في القراءة خفوة وخفوة ومعنى الكلام أنكم تدعونه في أنفسكم كما تدعونه ظاهرا لئن أنجيتنا كذلك قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو لئن أنجيتنا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي لئن أنجانا بألف لمكان الغيبة في قوله تدعونه وكان حمزة والكسائي وخلف يميلون الجيم \r\n قوله تعالى من هذه يعني في أي شدة وقعتم قلتم لئن أنجيتنا من هذه قال ابن عباس والشاكرون هاهنا المؤمنون وكانت قريش تسافر في البر والبحر فاذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم فأما الكرب فهو الغم الذي يأخذ بالنفس ومنه اشتقت الكربة \r\n قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقون \r\n قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم فيه قولان ","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":" أحدهما أن الذي فوقهم العذاب النازل من السماء كما حصب قوم لوط وأصحاب الفيل والذي من تحت أرجلهم كما خسف بقارون قاله ابن عباس والسدي ومقاتل وقال غيرهم ومنه الطوفات والريح والصيحة والرجفة \r\n والقول الثاني أن الذي من فوقهم من قبل أمرائهم والذي من تحتهم من سفلتهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال في رواية أخرى الذي من فوقهم أئمة السوء والذي من تحت أرجلهم عبيد السوء \r\n قوله تعالى أو يلبسكم شيعا قال ابن عباس يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقا قال ابن قتيبة يلبسكم من الالتباس عليهم والمعنى حتى تكونوا شيعا أي فرقا مختلفين ثم يذيق بعضكم باس بعض بالقتال والحرب وقال الزجاج يلبسكم أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق يقال لبست عليهم الأمر ألبسه إذا لم أبينه ومعنى شيعا أي يجعلكم فرقا فاذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا \r\n قوله تعالى ويذيق بعضكم بأس بعض أي يقتل بعضكم بيد بعض وفيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها في المسلمين أهل الصلاة هذا مذهب ابن عباس وابي العالية وقتادة وقال أبي بن كعب في هذه الآية هن أربع خلال وكلهن عذاب وكلهن واقع قبل يوم القيامة فمضت اثنتان قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم ","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":" والثاني أن العذاب للمشركين وباقي الآية للمسلمين قاله الحسن وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها وسألته إن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها وسألته أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها \r\n والثالث أنها تهدد للمشركين قاله ابن جرير الطبري وأبو سليمان الدمشقي \r\n وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل \r\n قوله تعالى وكذب به قومك في هاء به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها كناية عن القرآن والثاني عن تصريف الآيات والثالث عن العذاب ","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":" قوله تعالى قل لست عليكم بوكيل فيه قولان \r\n أحدهما لست حفيظا على أعمالكم لأجازيكم بها إنما أنا منذر قاله الحسن \r\n والثاني لست حفيظا عليكم أخذكم بالإيمان إنما أدعوكم إلى الله قاله الزجاج \r\n فصل \r\n وفي هذا القدر من الآية قولان \r\n أحدهما أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة ثم نسخ ذلك بآية السيف \r\n والثاني أن معناه لست حفيظا عليكم إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالإسرار فعلى هذا هو محكم \r\n لكل نبا مستقر وسوف تعلمون \r\n قوله تعالى لكل نبأ مستقر أي لكل خبر يخبر الله به وقت يقع فيه من غير خلف ولا تأخير قال السدي فاستقر نبأ القرآن بما كان يعدهم من العذاب يوم بدر وقال مقاتل منه في الدنيا يوم بدر وفي الآخرة جهنم \r\n وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين \r\n قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فيمن أريد بهذه الآية ثلاثة أقوال ","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":" أحدها المشركون والثاني اليهود والثالث أصحاب الأهواء والآيات القرآن وخوض المشركين فيه تكذيبهم به واستهزاؤهم ويقاربه خوض اليهود وخوض أهل الأهواء بالمراء والخصومات \r\n قوله تعالى فأعرض عنهم أي فاترك مجالستهم حتى يكون خوضهم في غير القرآن وإما ينسينك وقرأ ابن عامر ينسينك بفتح النون وتشديد السين والنون الثانية ومثل هذا غرمته وأغرمته وفي التنزيل فمهل الكافرين أمهلهم والمعنى إذا أنساك الشيطان فقعدت معهم ناسيا نهينا لك فلا تقعد بعد الذكرى والذكر والذكرى واحد قال ابن عباس قم إذا ذكرته والظالمون المشركون \r\n وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون \r\n قوله تعالى وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المسلمين قالوا لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن \r\n وخاضوا فيه فمنعناهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ولا أن نطوف بالبيت فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أن المسلمين قالوا إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض فنزلت هذه الآية \r\n والثالث أن المسلمين قالوا لو قمنا عنهم إذا خاضوا فانا نخشى الإثم في مجالستهم فنزلت هذه الآية هذا عن مقاتل والأولان عن ابن عباس ","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":" قوله تعالى وما على الذين يتقون فيه قولان \r\n أحدهما يتقون الشرك والثاني يتقون الخوض \r\n قوله تعالى من حسابهم يعني حساب الخائضين وفي حسابهم قولان \r\n أحدهما أنه كفرهم وآثامهم والثاني عقوبة خوضهم \r\n قوله تعالى ولكن ذكرى أي ولكن عليكم أن تذكروهم وفيما تذكرونهم به قولان \r\n أحدهما المواعظ والثاني قيامكم عنهم قال مقاتل إذا قمتم عنهم منعهم من الخوض الحياء منكم والرغبة في مجالستكم \r\n قوله تعالى لعلهم يتقون فيه قولان \r\n أحدهما يتقون الاستهزاء والثاني يتقون الوعيد \r\n فصل \r\n وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين والاقتصار على تذكيرهم ثم نسخت بقوله وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم والصحيح أنها محكمة لأنها خبر وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه ولا يلزمه حساب غيره \r\n وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيواة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون ","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":" الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون \r\n قوله تعالى وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا فيهم قولان \r\n أحدهما أنها الكفار والثاني اليهود والنصارى \r\n وفي اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا ثلاثة اقوال أحدها أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها \r\n والثاني أنهم دانوا بما اشتهوا كما يلهون بما يشتهون \r\n والثالث أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتهوا كما يلهون إذا اشتهوا قال الفراء ويقال إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد فهم يلهون في أعيادهم إلا أمة محمد صلى الله عليه و سلم فان أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير \r\n فصل \r\n ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية قولان \r\n أحدهما أنه خرج مخرج التهديد كقوله ذرني ومن خلقت وحيدا فعلى هذا هو محكم وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد \r\n والثاني أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف وإلى هذا ذهب قتادة والسدي \r\n قوله تعالى وذكر به أي عظ بالقرآن وفي قوله أن تبسل قولان ","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":" أحدهما لئلا تبسل نفس كقوله أن تضلوا \r\n والثاني ذكرهم إبسال المبسلين بجناياتهم لعلهم يخافون \r\n وفي معنى تبسل سبعة اقوال \r\n أحدها تسلم رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد والسدي وقال ابن قتيبة تسلم إلى الهلكة قال الشاعر ... وإبسالي بني بغير جرم ... بعوناه ولا بدم مراق ... \r\n أي بغير جرم أجرمناه والبعو الجناية وقال الزجاج تسلم بعملها غير قادرة على التخلص والمستبسل المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص \r\n والثاني تفضح رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث تدفع رواه الضحاك عن ابن عباس والرابع تهلك روي عن ابن عباس أيضا والخامس تحبس وتؤخذ قاله قتادة وابن زيد والسادس تجزي قاله ابن السائب والكسائي والسابع ترتهن قاله الفراء وقال أبو عبيدة ترتهن وتسلم وأنشد ... هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر ","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":" سمير الليالي أبد الليالي فأما الولي فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب الله والعدل الفداء قال ابن زيد وإن تفتد كل فداء لا يقبل منها فأما الحميم فهو الماء الحار قال ابن قتيبة ومنه سمي الحمام \r\n قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدي الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون \r\n قوله تعالى قل أندعوا من دون الله أي أنعبد مالا يضرنا إن لم نعبده ولا ينفعنا إن عبدناه وهي الأصنام ونرد على أعقابنا أي نرجع إلى الكفر بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام فنكون كالذي استهوته الشياطين وقرأ حمزة استهواه الشياطين على قياس قراءته توفاه رسلنا وفي معنى استهوائها قولان \r\n أحدهما أنها هوت به وذهبت قاله ابن قتيبة وقال أبو عبيدة تشبه له الشياطين فيتبعها حتى تهوي به في الأرض فتضله \r\n والثاني زينت له هواه قاله الزجاج قال وحيران منصوب على الحال أي استهوته في حال حيرته قال السدي قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فقال تعالى قل أندعو من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فنكون كرجل كان مع قوم ","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":" على طريق فضل فخيرته الشياطين وأصحابه على الطريق يدعونه يا فلان هلم إلينا فانا على الطريق فيأبى وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق دعاه أبوه وأمه إلى الإسلام فأبى قال مقاتل والمراد بأصحابه أبواه \r\n قوله تعالى قل إن هدى الله هو الهدى هذا رد على من دعا إلى عبادة الأصنام وزجر عن إجابته كأنه قيل له لا تفعل ذلك لأن هدى الله هو الهدى لا هدى غيره \r\n قوله تعالى وأمرنا لنسلم قال الزجاج العرب تقول أمرتك أن تفعل وأمرتك لتفعل وأمرتك بأن تفعل فمن قال بأن فالباء للالصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل ومن قال أن تفعل فعلى خذف الباء ومن قال لتفعل فقد أخبر بالعلة التي لها وقع الامر قال وفي قوله وأن أقيموا الصلاة وجهان \r\n أحدهما أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة \r\n والثاني أن يكون محمولا على المعنى لأن المعنى أمرنا بالإسلام وباقامة الصلاة \r\n وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير \r\n قوله تعالى وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق فيه أربعة أقوال \r\n أحدها خلقهما للحق والثاني خلقهما حقا والثالث خلقهما بكلامه وهو الحق والرابع خلقهما بالحكمة ","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":" قوله تعالى ويوم يقول كن فيكون قال الزجاج الأجود أن يكون منصوبا على معنى واذكر يوم يقول كن فيكون لأن بعدع وإذ قال إبراهيم فالمعنى واذكر هذا وهذا وفي الذي يقول له كن فيكون ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم القيامة قاله مقاتل والثاني ما يكون في القيامة \r\n والثالث أنه الصور وما ذكر من أمر الصور يدل عليه قالهما الزجاج قال وخص ذلك اليوم بسرعة إيجاد الشيء ليدل على سرعة أمر البعث \r\n قوله تعالى قوله الحق أي الصدق الكائن لا محالة وله الملك يوم ينفخ في الصور وروى إسحاق بن يوسف الأزرق عن أبي عمرو ننفخ بنونين ومعنى الكلام أن الملوك يومئذ لا ملك لهم فهو المنفرد بالملك وحده كما قال والأمر يومئذ لله وفي الصور قولان \r\n أحدهما أنه قرن ينفخ فيه روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصور فقال هو قرن ينفخ فيه وقال مجاهد الصور كهيأة البوق وحكى ابن قتيبة أن الصور القرن في لغة قوم من أهل اليمن وأنشد ... نحن نطحناهم غداة الجمعين ... بالضابحات في غبار النقعين ... نطحا شديدا لا كنطح الصورين ","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":" وأنشد الفراء ... لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم ... ولا خراسان حتى ينفخ الصور ... \r\n وهذا اختيار الجمهور \r\n والثاني أن الصور جمع صورة يقال صورة وصور بمنزلة سورة وسور كسورة البناء والمراد نفخ الأرواح في صورة الناس قاله قتادة وأبو عبيدة وكذلك قرأ الحسن ومعاذ القارئ وأبو مجلز وأبو المتوكل في الصور بفتح الواو قال ثعلب الأجود أن يكون الصور القرن لأنه قال عز و جل ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ثم قال ثم نفخ فيه أخرى ولو كان الصور كان ثم نفخ فيها أو فيهن وهذا يدل على أنه واحد وظاهر القرآن يشهد أنه ينفخ في الصور مرتين وقد روى أهل التفسير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال الصور قرن ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيامة لرب العالمين قال ابن عباس وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي الأولى يعني نفخة الصعق ","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":" قوله تعالى عالم الغيب وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه والشهادة وهو ما شاهدوه ورأوه وقال الحسن يعني بذلك السر والعلانية \r\n وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين \r\n قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر في آزر أربعة أقوال \r\n أحدها أنه أسم أبيه روي عن ابن عباس والحسن والسدي وابن إسحاق ","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":" والثاني أنه اسم صنم فأما اسم أبي إبراهيم فتارح قاله مجاهد فيكون المعنى أتتخذ آزر اصناما فكأنه جعل أصناما بدلا من آزر والاستفهام معناه الإنكار \r\n والثالث أنه ليس باسم إنما هو سب بعيب وفي معناه قولان أحدهما أنه المعوج كأنه عابه نريغه وتعويجه عن الحق ذكره الفراء والثاني أنه المخطئ فكأنه قال يا مخطئ أتتخذ أصناما ذكره الزجاج \r\n والرابع أنه لقب لأبيه وليس باسمه قاله مقاتل بن حيان قال ابن الانباري قد يغلب على اسم الرجل لقبه حتى يكون به أشهر منه باسمه والجمهور على قراءة آزر بالنصب وقرأ الحسن ويعقوب بالرفع قال الزجاج من نصب فموضع آزر خفض بدلا من أبيه ومن رفع فعلى النداء \r\n وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين \r\n قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم أي وكما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه نريه ملكوت السموات والأرض وقيل نري بمعنى أرينا قال الزجاج والملكوت بمنزلة الملك إلا أن الملكوت أبلغ في اللغة لأن الواو والتاء يزادان للمبالغة ومثل الملكوت الرغبوت والرهبوت قال مجاهد ملكوت السموات والأرض آياتها تفرجت له السموات السبع حتى العرش فنظر فيهن وتفرجت به الأرضون السبع فنظر فيهن وقال قتادة ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار وقال السدي أقيم على صخرة وفتحت له السموات والأرض فنظر إلى ملك الله عز و جل حتى نظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة وفتحت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون ","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":" قوله تعالى وليكون من الموقنين هذا عطف على المعنى لأن معنى الآية نريه ملكوت السموات والأرض ليستدل به وليكون من الموقنين وفي ما يوقن به ثلاثة أقوال \r\n أحدها وحدانية الله وقدرته والثاني نبوته ورسالته والثالث ليكون موقنا بعلم كل شيء حسا لا خبرا \r\n فلما جن عليه الليل رأ كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين \r\n قوله تعالى فلما جن عليه الله قال الزجاج يقال جن عليه الليل وأجنه الليل إذا أظلم حتى يستر بظلمته ويقال لكل ما ستر جن وأجن والاختيار أن يقال جن عليه الليل وأجنه الليل \r\n الإشارة إلى بدء قصة إبراهيم عليه السلام \r\n روى أبو صالح عن ابن عباس قال ولد إبراهيم في زمن نمروذ وكان لنمروذ كهان فقالوا له يولد في هذه السنة مولود يفسد آلهة أهل الأرض ويدعوهم إلى غير دينهم ويكون هلاك أهل بيتك على يده فعزل النساء عن الرجال ودخل آزر إلى بيته فوقع على زوجته فحملت فقال الكهان لنمروذ إن الغلام قد حمل به الليلة فقال كل من ولدت غلاما فاقتلوه فلما أخذ أم إبراهيم المخاض خرجت هاربة فوضعته في نهر يابس ولفته في خرقة ثم وضعته في حلفاء وأخبرت به أباه فأتاه فحفر له سربا وسد عليه بصخرة ","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":" وكانت أمه تختلف إليه فترضعه حتى شب وتكلم فقال لأمه من ربي فقالت أنا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب أبي قالت اسكت فسكت فرجعت إلى زوجها فقالت إن الغلام الذي كنا نتحدث أنه يغير دين أهل الأرض ابنك فأتاه فقال له مثل ذلك فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر فرأى كوكبا قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم رأى بفتح الراء والهمزة وقرأ أبو عمرو رإى بفتح الراء وكسر الهمزة وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم رإى بكسر الراء والهمزة واختلفوا فيها إذا لقيها ساكن وهو آت في ستة مواضع رأى القمر فلما رأى الشمس وفي النحل وإذا رأى الذين ظلموا وإذا رأى الذين أشركوا وفي الكهف ورأى المجرمون النار وفي الأحزاب ولما رأى المؤمنون وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة إلا العبسي وخلف في اختياره بكسر الراء وفتح الهمزة في الكل وروى العبسي كسرة الهمزة أيضا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بفتح الراء والهمزة فان اتصل ذلك بمكنى نحو رآك ورآه ورآها فان حمزة والكسائي وخلف والوليد عن ابن عامر والمفضل وأبان والقزاز عن عبد الوارث والكسائي عن أبي بكر يكسرون الراء ويميلون الهمزة \r\n وفي الكوكب الذي رآه قولان \r\n أحدهما أنه الزهرة قاله ابن عباس وقتادة والثاني المشتري قاله مجاهد والسدي \r\n قوله تعالى قال هذا ربي فيه ثلاثة أقوال ","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":" أحدها أنه على ظاهره روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال هذا ربي فعبده حتى غاب وعبد القمر حتى غاب وعبد الشمس حتى غابت واحتج أرباب هذا القول بقوله لئن لم يهدني ربي وهذا يدل على نوع تحيير قالوا وإنما قال هذا في حال طفولته على ما سبق إلى وهمه قبل أن يثبت عنده دليل وهذا القول لا يرتضى والمتأهلون للنبوة محفوظون من مثل هذا على كل حال \r\n فأما قوله لئن لم يهدني ربي فما زال الأنبياء يسألون الهدى ويتضرعون في دفع الضلال عنهم كقوله واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ولأنه قد آتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السموات والأرض ليكون موقنا فكيف لا يعصمه عن مثل هذا التخيير \r\n والثاني أنه قال ذلك استدراجا للحجة ليعيب آلهتهم ويريهم بغضها عند أفولها ولا بد أن يضمر في نفسه إما على زعمكم أو فيما تظنون فيكون كقوله اين شركائي وإما أن يضمر يقولون فيكون كقوله ربنا تقبل منا أي يقولان ذلك ذكر نحو هذا أبو بكر بن الانباري ويكون مراده استدراج الحجة عليهم كما نقل عن بعض الحكماء أنه نزل بقوم يعبدون صنما فأظهر تعظيمه فأكرموه وصدروا عن رأيه فدهمهم عدو فشاورهم ملكهم فقال ندعو إلهنا ليكشف ما بنا فاجتمعوا يدعونه فلم ينفع فقال هاهنا إله ندعوه فيستجيب فدعوا الله فصرف عنهم ما يحذرون وأسلموا \r\n والثالث أنه قال مستفهما تقديره أهذا ربي فأضمرت ألف الاستفهام كقوله أفان مت فهم الخالدون أي أفهم الخالدون قال الشاعر ","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":" كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا ... \r\n أراد أكذبتك قال ابن الأنباري وهذا القول شاذ لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذ كان فارقا بين الإخبار والاستخبار وظاهر قوله هذا ربي أنه إشارة إلى الصانع وقال الزجاج كانوا أصحاب نجوم فقال هذا ربي أي هذا الذي يدبرني فاحتج عليهم أن هذا الذي تزعمون أنه مدبر لا نرى فيه إلا أثر مدبر وأفل بمعنى غاب يقال أفل النجم يأفل ويأفل أفولا \r\n قوله تعالى لا أحب الآفلين أي حب رب معبود لأن ما ظهر وأفل كان حادثا مدبرا \r\n فلما رأ القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأ الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون \r\n قوله تعالى فلما رأى القمر قال ابن قتيبة سمي القمر قمرا لبياضه والأقمر الأبيض وليلة قمراء أي مضيئة فأما البازغ فهو الطالع ومعنى لئن لم يهدني لئن لم يثبتني على الهدى فان قيل لم قال في الشمس هذا ولم يقل هذه فعنه أربعة أجوبه \r\n أحدها أنه رأى ضوء الشمس لا عينها قاله محمد بن مقاتل والثاني ","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":" أنه أراد هذا الطالع ربي قاله الأخفش والثالث أن الشمس بمعنى الضياء والنور فحمل الكلام على المعنى والرابع أن الشمس ليس في لفظها علامة من علامات التأنيث وإنما يشبه لفظها لفظ المذكر فجاز تذكيرها ذكره والذي قبله ابن الانباري \r\n إني وجهت وجهي للذي فكر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين \r\n وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون \r\n قوله تعالى إني وجهت وجهي قال الزجاج جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله رب العالمين عز و جل وباقي الآية قد تقدم \r\n وقوله تعالى وحاجه قومه قال ابن عباس جادلوه في آلهتهم وخوفوه بها فقال منكرا عليهم أتحاجوني قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي أتحاجوني و تأمروني بتشديد النون وقرأ نافع وابن عامر بتخفيفها فحذفا النون الثانية لالتقاء النونين ومعنى أتحاجوني في الله أي في توحيده وقد هدان أي بين لي ما به اهتديت وقرأ الكسائي هداني بامالة الدال والإمالة حسنة فيما كان أصله الياء وهذا من هدي يهدي \r\n قوله تعالى ولا أخاف ما تشركون به أي لا أرهب آلهتكم وذلك أنهم قالوا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء فقال لا أخافها لأنها لا تضر ولا تنفع إلا أن يشاء ربي شيئا فله أخاف وسع ربي كل شيء علما أي علمه علما تاما ","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":" وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون \r\n قوله تعالى وكيف أخاف ما أشركتم أي من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم بالله الذي خلقكم ورزقكم وهو قادر على ضركم ونفعكم مالم ينزل به عليكم سلطانا أي حجة فأي الفريقين أحق بالأمن أي بأن يأمن العذاب الموحد الذي يعبد من بيده الضر والنفع أم المشرك الذي يعبد مالا يضر ولا ينفع ثم بين الأحق من هو بقوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي يخلطوه بشرك روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله وأينا ذلك فقال إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم \r\n وفيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إبراهيم وأصحابه وليست في هذه الأمة قاله علي بن أبي طالب وقال في رواية أخرى هذه الآية لإبراهيم خاصة ليس لهذه الأمة منها شيء \r\n والثاني أنه من هاجر إلى المدينة قاله عكرمة \r\n والثالث أنها عامة ذكره بعض المفسرين وهل هي من قول ابراهيم لقومه أم جواب من الله تعالى فيه قولان ","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":" وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشآء إن ربك حكيم عليم \r\n قوله تعالى وتلك حجتنا يعني ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس وعيبهم إذ سووا بين الصغير والكبير وعبدوا من لا ينطق وإلزامه إياهم الحجة آتيناها ابراهيم أرشدناه إليها بالإلهام وقال مجاهد الحجة قول ابراهيم فأي الفريقين أحق بالأمن \r\n قوله تعالى نرفع درجات من نشاء قرأ ابن كثير ونافع وابن عمرو وابن عامر درجات من نشاء مضافا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي درجات منونا وكذلك قرؤوا في يوسف ثم في المعنى قولان \r\n أحدهما أن الرفع بالعلم والفهم والمعرفة والثاني بالاصطفاء للرسالة \r\n قوله تعالى إن ربك حكيم قال ابن جرير حكيم في سياسة خلقه وتلقينه أنبياءه الحج على أممهم المكذبة عليم بما يؤول إليه أمر الكل \r\n ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ووهبنا له إسحاق ولدا لصلبه ويعقوب ولدا لإسحاق كلا من هولاء المذكورين هدينا أي أرشدنا ","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":" قوله تعالى ومن ذريته في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى نوح رواه أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفرا ومقاتل وابن جرير الطبري \r\n والثاني إلى إبراهيم قاله عطاء وقال الزجاج كلا القولين جائز لأن ذكرهما جميعا قد جرى واحتج ابن جرير للقول الأول بأن الله تعالى ذكر في سياق الآيات لوطا وليس من ذرية إبراهيم وأجاب عنه أبو سليمان الدمشقي بأنه يحتمل أن يكون أراد ووهبنا له لوطا في المعاضدة والنصرة ثم قوله وكذلك نجزي المحسنين من أبين دليل على انه إبراهيم لأن افتتاح الكلام إنما هو بذكر ما أثاب به إبراهيم فأما يوسف فهو اسم أعجمي قال الفراء يوسف بضم السين من غير همز لغة أهل الحجاز وبعض بني أسد يقول يؤسف بالهمز وبعض العرب يقول يوسف بكسر السين وبعض بني عقيل يقول يوسف بفتح السين \r\n قوله تعالى وكذلك نجزي المحسنين أي كما جزينا إبراهيم على توحيده وثباته على دينه بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك نجزي المحسنين فأما عيسى وإلياس واليسع ولوطا فأسماء أعجمية وجمهور القراء يقرؤون اليسع بلام واحدة مخففا منهم ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وقرأ حمزة والكسائي هاهنا وفي صلى الله عليه و سلم إلليسع بلامين مع التشديد قال الفراء وهي أشبه بالصواب وبأسماء الأنبياء من بني إسرائيل ولأن العرب لا تدخل على يفعل إذا كان في معنى فلان ألفا ولاما يقولون ","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":" هذا يسع قد جاء وهذا يعمر وهذا يزيد فهكذا الفصيح من الكلام وأنشدني بعضهم \r\n وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأحناء الخلافة كاهله فلما ذكر الوليد بالألف واللام أتبعه يزيد بالألف واللام وكل صواب وقال مكي من قرأه بلام واحدة فالأصل عنده يسع ومن قرأه بلامين فالأصل عنده ليسع فأدخلوا عليه حرف التعريف وباقي أسماء الأنبياء قد تقدم بيانها والمراد بالعالمين عالمو زمانهم \r\n قوله تعالى ومن آبائهم وذرياتهم من هاهنا للتبعيض قال الزجاج المعنى هدينا هؤلاء وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم واجتبيناهم مثل اخترناهم واصطفيناهم وهو مأخوذ من جبيت الشيء إذا أخلصته لنفسك وجبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه فأما الصراط المستقيم فهو التوحيد \r\n ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ذلك هدى الله قال ابن عباس ذلك دين الله الذي هم عليه يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا يعني الأنبياء المذكورين لحبط أي لبطل وزال عملهم لأنه لا يقبل عمل مشرك ","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":" أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين \r\n قوله تعالى أولئك الذين آتيناهم الكتاب يعني الكتب التي أنزلها عليهم والحكم الفقه والعلم فان يكفر بها يعني بآياتنا \r\n وفيمن أشير إليه ب هؤلاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل مكة قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة \r\n والثاني أنهم قريش قاله السدي والثالث أمة النبي صلى الله عليه و سلم قاله الحسن \r\n قوله تعالى فقد وكلنا بها قال أبو عبيدة فقد رزقناها قوما وقال الزجاج وكلنا بالإيمان بها قوما وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل المدينة من الأنصار قاله ابن عباس وابن المسيب وقتادة والسدي \r\n والثاني الأنبياء والصالحون قاله الحسن وقال قتادة هم النبيون الثمانية عشر المذكورون في هذا المكان وهذا اختيار الزجاج وابن جرير \r\n والثالث أنهم الملائكة قاله أبو رجاء والرابع أنهم المهاجرون والأنصار \r\n أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين \r\n قوله تعالى أولئك الذين هدى الله يعني النبيين المذكورين \r\n وفي قوله تعالى فبهداهم اقتده قولان \r\n أحدهما بشرائعهم وبسننهم فاعمل قاله ابن السائب ","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":" والثاني اقتد بهم في صبرهم قاله الزجاج وكان ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعامص يثبتون الهاء من قوله اقتده في الوصل ساكنة وكان حمزة وخلف ويعقوب والكسائي عن أبي بكر واليزيدي في اختياره يحذفون الهاء في الوصل ولا خلاف في إثباتها في الوقف وإسكانها فيه \r\n قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا يعني على القرآن والذكرى العظة والعالمون هاهنا الجن والإنس \r\n وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم مالم تعلموا انتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون \r\n قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره في سبب نزولها سبعة اقوال \r\n أحدها أن مالك بن الصيف رأس اليهود أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين قال نعم قال فأنت الحبر السمين فغضب ثم قال ما أنزل الله على بشر من شيء فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال سعيد بن جبير وعكرمة نزلت في مالك بن الصيف \r\n والثاني أن اليهود قالوا يا محمد أنزل الله عليك كتابا قال نعم قالوا والله ما أنزل الله من السماء كتابا فنزلت هذه الآية رواه الوالبي عن ابن عباس \r\n والثالث أن اليهود قالوا يا محمد إن موسى جاء بألواح يحملها من عند الله فائتنا بآية كما جاء موسى فنزل يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا ","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":" من السماء إلى قوله عظيما فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة قالوا والله ما أنزل الله عليك ولا على موسى وعيسى ولا على بشر من شيء فنزلت هذه الآية قاله محمد بن كعب \r\n والرابع أنها نزلت في اليهود والنصارى آتاهم الله علما فلم ينتفعوا به قاله قتادة \r\n والخامس أنها نزلت في فنحاص اليهودي وهو الذي قال ما أنزل الله على بشر من شيء قاله السدي \r\n والسادس أنها نزلت في مشركي قريش قالوا والله ما أنزل الله على بشر من شيء رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والسابع أن أولها إلى قوله من شيء في مشركي قريش وقوله من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى في اليهود رواه ابن كثير عن مجاهد وفي معنى وما قدروا الله حق قدره ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما عظموا الله حق عظمته قاله ابن عباس والحسن والفراء وثعلب والزجاج \r\n والثاني ما وصفه حق وصفته قاله أبو العالية واختاره الخليل \r\n والثالث ما عرفوه حق معرفته قاله أبو عبيدة ","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":" قوله تعالى يجعلونه قراطيس معناه يكتبونه في قراطيس وقيل إنما قال قراطيس لأنهم كانوا يكتبونه في قراطيس مقطعة حتى لا تكون مجموهة ليخفوا منها ما شاؤوا \r\n قوله تعالى يبدونها قرأ ابن كثير وأبو عمرو يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون بالياء فيهن وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء فيهن فمن قرأ بالياء فلأن القوم غيب بدليل قوله وما قدروا الله حق قدره ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب والمعنى تبدون منها ما تحبون وتخفون كثيرا مثل صفة محمد صلى الله عليه و سلم وآية الرجم ونحو ذلك مما كتموه \r\n قوله تعالى وعلمتم مالم تعلموا أنتم ولا آباؤكم في المخاطب بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود قاله الجمهور \r\n والثاني أنه خطاب للمسلمين قاله مجاهد فعلى الأول علموا ما في التوراة وعلى الثاني علموا على لسان محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى قل الله هذا جواب لقوله من أنزل الكتاب وتقديره فإن أجابوك وإلا فقل الله أنزله \r\n قوله تعالى ثم ذرهم تهديد وخوضهم باطلهم وقيل إن هذا أمر بالإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف \r\n قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناه يعني القرآن قال الزجاج والمبارك الذي يأتي من قبله الخير الكثير والمعنى أنزلناه للبركة والإنذار \r\n وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":" قوله تعالى مصدق الذي بين يديه من الكتب \r\n قوله تعالى ولتنذر أم القرى قرأ عاصم إلا حفصا ولينذر بالياء فيكون الكتاب هو المنذر وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم فأما أم القرى فهي مكة قال الزجاج والمعنى لتنذر أهل أم القرى \r\n وفي تسميتها بأم القرى أربعة أقوال \r\n أحدها أنها سميت بذلك لأن الأرض دحيت من تحتها قاله ابن عباس \r\n والثاني لأنها أقدمها قاله ابن قتيبة والثالث لأنها قبلة جميع الناس يؤمونها والرابع لأنها كانت أعظم القرى شأنا ذكرهما الزجاج \r\n قوله تعالى ومن حولها قال ابن عباس يريد الأرض كلها \r\n قوله تعالى والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرآن \r\n والثاني إلى النبي محمد صلى الله عليه و سلم والمعنى من آمن بالآخرة آمن به ومن لم يؤمن به فليس إيمانه بالآخرة حقيقة ولا يعتد به ألا ترى إلى قوله وهم على صلاتهم يحافظون فدل على أنه أراد المؤمنين الذين يحافظون على الصلوات \r\n ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجوزن عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون \r\n قوله تعالى ون أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":" أحدها أن أولها إلى قوله ولم يوح إليه شيء نزل في مسيلمة الكذاب \r\n وقوله تعالى ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد تكلم بالإسلام وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض الأحايين فاذا أملي عليه عزيز حكيم كتب غفور رحيم فيقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم هذا وذاك سواء فلما نزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله خلقا آخر عجب عبد الله بن سعد فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا أنزلت علي فاكتبها فشك حينئذ وقال لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال رواه أبو صالح عن ابن عباس قال عكرمة ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة \r\n والقول الثاني أن جميع الآية في عبد الله بن سعد قاله السدي \r\n والثالث أنها نزلت في مسيلمة والأسود العنسي قاله قتادة فان قيل كيف أفرد قوله أو قال أوحي إلي من قوله ومن أظلم ممن افترى وذاك مفتر أيضا فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الوصفين لرجل واحد وصف بأمر بعد أمر ليدل على جرأته \r\n والثاني أنه خص بقوله أو قال أوحي إلي بعد أن عم بقوله افترى على الله لأنه ليس كل مفتر على الله يدعي أنه يوحي إليه ذكرهما ابن الأنباري \r\n قوله تعالى سأنزل مثل ما أنزل الله أي سأقول قال ابن عباس يعنون الشعر وهم المستهزؤون وقيل هو قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح قال الزجاج وهذا جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا ","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":" قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قوم كانوا مسلمين بمكة فأخرجهم الكفار معهم إلى قتال بدر فلما أبصروا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رجعوا عن الإيمان فنزل فيهم هذا قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين قالوا ما أنزل على بشر من شيء قاله أبو سليمان \r\n والثالث الموصوفون في هذه الآية وهم المفترون والمدعون الوحي إليهم ومماثلة كلام الله قال الزجاج وجواب لو محذوف والمعنى لو تراهم في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما ويقال لكل من كان في شيء كبير قد غمر فلانا ذلك قال ابن عباس غمرات الموت سكراته قاله ابن الانباري قال اللغويون سميت غمرات لأن أهوالها يغمرن من يقعن به \r\n قوله تعالى والملائكة باسطو أيديهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها بالضرب قاله ابن عباس والثاني بالعذاب قاله الحسن والضحاك والثالث باسطوها لقبض الأرواح من الأجساد قاله الفراء وفي الوقت الذي يكون هذا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها عند الموت قال ابن عباس هذا عند الموت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم \r\n والثاني يوم القيامة رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث في النار قاله الحسن \r\n قوله تعالى أخرجوا أنفسكم فيه إضمار يقولون وفي معناه قولان \r\n أحدهما استسلموا لإخراج أنفسكم ","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":" والثاني أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم \r\n قوله تعالى تجزون عذاب الهون قال أبو عبيدة الهون مضمون وهو الهوان وإذا فتحوا أوله فهو الرفق والدعة قال الزجاج والمعنى تجزون العذاب الذي يقعد به الهوان الشديد \r\n ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركأ لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون \r\n قوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى سبب نزولها أن النضر بن الحارث قال سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت هذه الآية قاله عكرمة ومعنى فرادى وحدانا وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبخ به المشركين يوم القيامة قال أبو عبيدة فرادى أي فرد فرد وقال ابن قتيبة فرادى جمع فرد \r\n وللمفسرين في معنى فرادى خمسة اقوال متقاربة المعنى \r\n أحدها فرادى من الأهل والمال والولد قاله ابن عباس والثاني كل واحد على حدة قاله الحسن والثالث ليس معكم من الدنيا شيء قاله مقاتل والرابع كل واحد منفرد عن شريكه في الغي وشقيقه قاله الزجاج والخامس فرادى من المعبودين قاله ابن كيسان \r\n قوله تعالى كما خلقناكم أول مرة فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها لا مال ولا أهل ولا ولد والثاني حفاة عراة غرلا والغرل القلف والثالث أحياء وخولناكم بمعنى ملكناكم وراء ظهوركم أي ","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":" في الدنيا والمعنى أن ما دأبتم في تحصيله في الدنيا فني وبقي الندم على سوء الاختيار وفي شفعائهم قولان \r\n أحدهما أنها الأصنام قال ابن عباس شفعاؤكم أي آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم و زعمتم أنهم فيكم أي عندكم شركاء وقال ابن قتيبة زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء \r\n والثاني أنها الملائكة كانوا يعتقدون شفاعتها قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لقد تقطع بينكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم بالرفع والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون على الظرف قال الزجاج الرفع أجود ومعناه لقد تقطع وصلكم والنصب جائز ومعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم وقال ابن الانباري التقدير لقد تقطع ما بينكم فحذف ما لوضوح معناها قال أبو علي الذين رفعوه جعلوه اسما فأسندوا الفعل الذي هو تقطع إليه والمعنى لقد تقطع وصلكم والذين نصبوا أضمروا اسم الفاعل في الفعل والمضمر هو الوصل فالتقدير لقد تقطع وصلكم بينكم وفي الذي كانوا يزعمون قولان \r\n أحدهما شفاعة آلهتهم والثاني عدم البعث والجزاء \r\n إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون \r\n قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى في معنى الفلق قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الخلق فالمعنى خالق الحب والنوى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومقاتل ","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":" والثاني أن الفلق بمعنى الشق ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنه فلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن والسدي وابن زيد \r\n والثاني أنه الشقان اللذان في الحب والنوى قاله مجاهد وأبو مالك قال ابن السائب الحب ما لم يكن له نوى كالبر والشعير والنوى مثل نوى التمر \r\n قوله تعالى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي قد سبق تفسير في ال عمران \r\n قوله تعالى فأنى تؤفكون أي كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان \r\n فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم \r\n قوله تعالى فالق الإصباح في معنى الفلق قولان قد سبقا فأما الإصباح فقال الأخفش هو مصدر من أصبح وقال الزجاج الإصباح والصبح واحد \r\n وللمفسرين في الإصباح ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه إضاءة الفجر قاله مجاهد وقال ابن زيد فلق الإصباح من الليل \r\n والثالث أنه نور النهار قاله الضحاك وقرأ أنس بن ماله والحسن وأبو مجلز وأيوب والجحدري فالق الأصباح بفتح الهمزة قال أبو عبيد ومعناه جمع صبح ","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":" قوله تعالى وجاعل الليل سكنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر جاعل بألف وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وجعل بغير ألف الليل نصبا قال أبو علي من قرأ جاعل فلأجل فالق وهم يراعون المشاكلة ومن قرأ جعل فلأن فاعلا هاهنا بمعنى فعل بدليل قوله والشمس والقمر حسبانا فأما السكن فهو ما سكنت إليه والمعنى أن الناس يسكنون فيه سكون راحة وفي الحسبان قولان \r\n أحدهما أنه الحساب قاله الجمهور قال ابن قتيبة يقال خذ من كل شيء بحسبانه أي بحسابه وفي المراد بهذا الحساب ثلاثة أقوال أحدها أنهما يجريان إلى أجل جعل لهما رواه العوفي عن ابن عباس والثاني يجريان في منازلهما بحساب ويرجعان إلى زيادة ونقصان قاله السدي والثالث أن جريانهما سبب لمعرفة حساب الشهور والأعوام قاله مقاتل \r\n والقول الثاني أن معنى الحسبان الضياء قاله قتادة قال الماوردي كأنه أخذه من قوله تعالى ويرسل عليها حسبانا من السماء أي نارا قال ابن جرير وليس هذا من ذاك في شيء \r\n وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون \r\n قوله تعالى وهو الذي جعل لكم النجوم جعل بمعنى خلق وإنما امتن عليهم بالنجوم لأن سالكي القفاء وراكبي البحار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بها \r\n وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":" قوله تعالى وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يعني آدم فمستقر قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب إلا رويسا بكسر القاف وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بفتحها قال الزجاج من كسر فالمعنى فمنكم مستقر ومن نصب فالمعنى فلكم مستقر فأما مستودع فبالفتح لا غير ومعناه على فتح القاف ولكم مستودع وعلى كسر القاف منكم مستودع وللمفسرين في هذا المستقر والمستودع تسعة أقوال \r\n أحدها فمستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والضحاك والنخعي وقتادة والسدي وابن زيد \r\n والثاني المستقر في الأرحام والمستودع في القبر قاله ابن مسعود \r\n والثالث المستقر في الأرض والمستودع في الأصلاب رواه ابن جبير عن ابن عباس \r\n والرابع المستقر والمستودع في الرحم رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس \r\n والخامس المستقر حيث يأوي والمستودع حيث يموت رواه مقسم عن ابن عباس \r\n والسادس المستقر في الدنيا والمستودع في القبر \r\n والسابع المستقر في القبر والمستودع في الدنيا وهو عكس الذي قبله رويا عن الحسن \r\n والثامن المستقر في الدنيا والمستودع عند الله تعالى قاله مجاهد \r\n والتاسع المستقر في الأصلاب والمستودع في الأرحام قاله ابن بحر وهو عكس الأول ","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":" وهو الذي أنزل من السماء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر فأخرجنا به أي بالمطر وفي قوله تعالى نبات كل شيء قولان \r\n أحدهما نبات كل شيء من الثمار لأن كل ما ينبت فنباته بالماء \r\n والثاني رزق كل شيء غذاؤه وفي قوله تعالى فأخرجنا منه قولان أحدهما من الماء أي به \r\n والثاني من النبات قال الزجاج الخضر بمعنى الأخضر يقال أخضر فهو أخضر وخضر مثل أعور فهو أعور وعور \r\n قوله تعالى نخرج منه أي من الخضر حبا متراكما كالسنبل والشعير والمتراكب الذي بعضه فوق بعض \r\n قوله تعالى ومن النخل من طلعها قنوان دانية وروى الخفاف عن أبي عمرو قنوان بضم القاف وروى هارون عنه بفتحها قال الفراء معناه ومن النخل ما قنوانه دانية وأهل الحجاز يقولون قنوان بكسر القاف وقيس يضمونها وضبة وتميم يقولون قنيان وأنشدني المفضل عنهم ... فأثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنيان من البسر أحمرا ","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":" ويجتمعون جميعا فيقولون قنو وقنو ولا يقولون قني ولا قني وكلب يقولون ومال بقنيان قال المصنف والبيت لامرئ القيس ورواه أبو سعيد السكري ومال بقنوان مكسورة القاف مع الواو ففيه أربع لغات قنوان وقنوان وقنيان وقنيان وأثت كثرت ومنه شعر أثيت وآدت اشتدت وقال ابن قتيبة القنوان عذوق النخل واحدها قنو جمع على لفظ تثنية ومثله صنو وصنوان في التثنية وصنوان في الجمع وقال الزجاج قنوان جمع قنو وإذا ثنيته فهما قنوان بكسر النون ودانية أي قريبة المتناول ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن في الكلام دليلا أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة فاجتزئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر وقال ابن عباس القنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض \r\n قوله تعالى وجنات من أعناب قال الزجاج هو نسق على قوله خضرا والزيتون والرمان المعنى وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان وقد روى أبو زيد عن المفضل وجنات بالرفع \r\n قوله تعالى مشتبها وغير متشابه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مشتبها في المنظر وغير متشابه في الطعم رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني مشتبها ورقه مختلفا ثمره قاله قتادة وهو في معنى الأول \r\n والثالث منه ما يشبه بعضه بعضا ومنه ما يخالف قال الزجاج وإنما قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره قال الشاعر ","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":" بورك الميت الغريب كما بورك نضح الرمان والزيتون ... \r\n ومعناه أن البركة في ورقه اشتماله على عوده كله \r\n قوله تعالى انظروا إلى ثمرة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم انظروا إلى ثمره و كلوا من ثمره و ليأكلوا من ثمره بالفتح في ذلك وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالضم فيهن قال الزجاج يقال ثمرة وثمر وثمار وثمر فمن قرأ إلى ثمره بالضم أراد جمع الجمع وقال أبو علي يحتمل وجهين أحدهما هذا وهو أن يكون الثمر جمع ثمار \r\n والثاني أن تكون الثمر جمع ثمرة وكذلك أكمة وأكم وخشبة وخشب قال الفراء يقول انظروا إليه أول ما يعقد وانظروا إلى ينعه وهو نضجه وبلوغه وأهل الحجاز يقولون ينع بفتح الياء وبعض أهل نجد يضمونها قال ابن قتيبة يقال ينعت الثمرة وأينعت إذا أدركت وهو الينع والينع وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة والأعمش وابن محيصن وينعه بضم الياء قال الزجاج الينع النضج قال الشاعر ... في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا ... \r\n وبين الله تعالى لهم بتصريف ما خلق ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه الخلق أنه كذلك يبعثهم ","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":" قوله تعالى إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون قال ابن عباس يصدقون أن لذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى وقال مقاتل يصدقون بالتوحيد \r\n وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون \r\n قوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن جعلوا بمعنى وصفوا قال الزجاج نصب الجن من وجهين \r\n أحدهما أن يكون مفعولا فيكون المعنى وجعلوا لله الجن شركاء ويكون الجن مفعولا ثانيا كقوله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا \r\n والثاني أن يكون الجن بدلا من شركاء ومفسرا للشركاء وقرأ ابو المتوكل وأبو عمران وأبو حيوة والجحدري شركاء الجن برفع النون وقرأ ابن أبي عبلة ومعاذ القارئ الجن بخفض النون \r\n وفي معنى جعلهم الجن شركاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان فجعلوهم شركاء لله قاله الحسن والزجاج \r\n والثاني قالوا إن الملائكة بنات الله فهم شركاؤه كقوله وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا فسمى الملائكة جنا لاجتنانهم قاله قتادة والسدي وابن زيد \r\n والثالث أن الزنادقة قالوا الله خالق النور والماء والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب وفيهم نزلت هذه الآية قاله ابن السائب ","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":" قوله تعالى وخلقهم في الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الجاعلين له الشركاء فيكون المعنى وجعلوا للذي خلقهم شركاء لا يخلقون \r\n والثاني أنها ترجع إلى الجن فيكون المعنى والله خلق الجن فكيف يكون الشريك لله محدثا ذكرهما الزجاج \r\n قوله تعالى وخرقوا له بنين وبنات وقرأ نافع وخرقوا بالتشديد للمبالغة والتكثير لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله والنصارى المسيح واليهود عزيرا وقرأ ابن عباس وأبو رجاء وأبو الجوزاء وحرفوا بحاء غير معجمة وبتشديد الراء وبالفاء وقرأ ابن السميفع والجحدري خارقوا بألف وخاء معجمة قال السدي أما البنون فقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله وأما البنات فقول مشركي العرب الملائكة بنات الله قال الفراء خرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا بمعنى افتروا وقال أبو عبيدة خرقوا جعلوا قال الزجاج ومعنى بغير علم أنهم لم يذكروه من علم إنما ذكروه تكذبا \r\n بديع السموات والأرض أني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل \r\n قوله تعالى أنى يكون له ولد قال الزجاج أي من أين يكون له ولد ","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":" والولد لا يكون إلا من صاحبة واحتج عليهم في نفي الولد بقوله وخلق كل شيء فليس مثل خالق الأشياء فكيف يكون الولد لمن لا مثل له فاذا نسب إليه الولد فقد جعل له مثل \r\n لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير \r\n قوله تعالى لا تدركه الأبصار في الإدراك قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الإحاطة والثاني بمعنى الرؤية وفي الأبصار قولان أحدهما أنها العيون قاله الجمهور والثاني أنها العقول رواه عبد الرحمن ابن مهدي عن أبي حصين القارئ ففي معنى الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا تحيط به الأبصار رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد ابن المسيب وعطاء وقال الزجاج معنى الآية الإحاطة بحقيقته وليس فيها دفع للرؤية لما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الرؤية وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث \r\n والثاني لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث لا تدركه الأبصار في الدنيا رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن ومقاتل ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا قوله وجوه ","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":" يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فقيد النظر إليه بالقيامة وأطلق في هذه الآية والمطلق يحمل على المقيد \r\n وقوله تعالى وهو يدرك الأبصار فيه القولان قال الزجاج وفي هذا الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من أعضائه فأعلم الله أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه فكيف به عز و جل فأما اللطيف فقال أبو سليمان الخطابي هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون قال ابن الاعرابي اللطيف الذي يوصل إليك أربك في رفق ومنه قولهم لطف الله بك ويقال هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام وذلك مما لا يليق بصفات الباري سبحانه وقال الأزهري اللطيف من أسماء الله معناه الرفيق بعباده والخبير العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته \r\n قد جآءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ \r\n قوله تعالى قد جاءكم بصائر من ربكم البصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به قال الزجاج والمعنى قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر فمن أبصر فلنفسه نفع ذلك ومن عمي فعلى نفسه ضرر ذلك لأن الله عز و جل غني عن خلقه وما أنا عليكم بحفيظ أي لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ والوكيل وهذا قبل الأمر بالقتال ","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":" فصل \r\n وذكر المفسرون أن هذه الآية نسخت بآية السيف وقال بعضهم معناها لست رقيبا عليكم أحصي أعمالكم فعلى هذا لا وجه للنسخ \r\n وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون \r\n قوله تعالى وكذلك نصرف الآيات قال الأخفش وكذلك معناها وهكذا وقال الزجاج المعنى ومثل ما بينا فيما تلي عليك نبين الآيات قال ابن عباس نصرف الآيات أي نبينها في كل وجه ندعوهم بها مرة ونخوفهم بها أخرى وليقولوا يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن دارست قال ابن الانباري معنى الآية وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا دارست وإنما صرف الآيات ليسعد قوم بقهمها والعمل بها ويشقى آخرون بالإعراض عنها فمن عمل بها سعد ومن قال دارست شقي قال الزجاج وهذه اللام في ليقولوا يسميها أهل اللغة لام الصيرورة والمعنى أن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا دارست هو تلاوة الآيات وهذا كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وهم لم يطلبوا بأخذه أن يعاديهم ولكن كان عاقبة الأمر أن صار لهم عدوا وحزنا ومثله أن تقول كتب فلان الكتاب لحتفه فهو لم يقصد أن يهلك نفسه بالكتاب ولكن العاقبة كانت الهلاك \r\n فأما دارست فقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف وسكون السين وفتح التاء ومعناها ذاكرت أهل الكتاب وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":" درست بسكون وفتح التاء من غير ألف على معنى قرأت كتب أهل الكتاب قال المفسرون معناها تعلمت من جبر ويسار وسنبين هذا في قوله إنما يعلمه بشر إن شاء الله وقرأ ابن عامر ويعقوب درست بفتح الراء والسين وسكون التاء من غير ألف والمعنى هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست أي قد مضت وامحت وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته وقد روي عن نافع أنه قال درست برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء وهي فراءة ابن يعمر ومعناها قرئت وقرأ أبي بن كعب درست بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء قال الزجاج وهي بمعنى درست أي امحت إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة وقرأ معاذ القارئ وأبو العالية ومورق درست برفع الدال وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف درس بفتح الراء والسين بلا ألف ولا تاء وروى عصمة عن الأعمش دارس بألف \r\n قوله تعالى ولنبينه يعني التصريف لقوم يعلمون ما تبين لهم من الحق فقبلوه \r\n إتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شآء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل \r\n قوله تعالى وأعرض عن المشركين قال المفسرون نسخ بآية السيف \r\n قوله تعالى ولو شاء الله ما أشركوا فيه ثلاثة اقوال حكاها الزجاج ","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":" أحدها لو شاء لجعلهم مؤمنين والثاني لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى الإيمان والثالث لو شاء لاستأصلهم فقطع سبب شركهم قال ابن عباس وباقي الآية نسخ بآية السيف \r\n ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمه عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه لما قال للمشركين إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قالوا لتنتهين يا محمد عن سب آلهتنا وعيبها أو لنهجون إلهك الذي تعبده فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن المسلمين كانوا يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله قاله قتادة ومعنى يدعون يعبدون وهي الأصنام فيسبوا الله أي فيسبوا من أمركم بعيبها فيعود ذلك إلى الله تعالى لا أنهم كانوا يصرحون بسبب الله تعالى لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به \r\n وقوله تعالى عدوا بغير علم أي ظلما بالجهل وقرأ يعقوب ","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":" عدوا بضم العين والدال وتشديد الواو والعرب تقول في الظلم عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعدا أي ظلم \r\n قوله تعالى كذلك زينا لكل أمة عملهم أي كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على حق أو باطل عملهم من خير أو شر قال المفسرون وهذه الآية نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف \r\n وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون \r\n قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه لما نزل في الشعراء إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية قال المشركون أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها فقال المسلمون يا رسول الله أنزلها عليهم لكي يؤمنوا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن قريشا قالوا يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر فينفجر منها اثنتا عشرة عينا وأن عيسى كان يحيي الموتى وأن ثمود كانت لهم ناقة فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدقك فقال أي شيء تحبون قالوا أن تجعل لنا الصفا ذهبا قال فان فعلت تصدقوني فقالوا نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو فجاءه جبريل فقال إن شئت أصبح الصفا ذهبا ولكني لم أرسل آية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اتركهم حتى يتوب تائبهم فنزلت هذه الآية إلى قوله يجهلون هذا قول ","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":" محمد بن كعب القرظي وقد ذكرنا معنى جهد أيمانهم في المائدة وإنما حلفوا على ما اقترحوا من الآيات كقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا \r\n قوله تعالى قل إنما الآيات عند الله أي هو القادر على الإتيان بها دوني ودون أحد من خلقه وما يشعركم أنها أي يدريكم أنها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وخلف في اختياره بكسر الألف فعلى هذه القراءة يكون الخطاب بقوله يشعركم للمشركين ويكون تمام الكلام عند قوله وما يشعركم ويكون المعنى وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت وتكون إنها مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم وقال أبو علي التقدير وما يشعركم إيمانهم فحذف المفعول والمعنى لو جاءت الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين قال سيبويه سألت الخليل عن قوله وما يشعركم إنها فقلت ما منعها أن تكون كقولك ما يدريك أنه لا يفعل فقال لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال وما يشعركم ثم ابتدأ فأوجب فقال إنها إذا جاءت لا يؤمنون ولو قال وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون كان ذلك عذرا لهم وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي أنها بفتح الألف فعلى هذا المخاطب بقوله وما يشعركم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون وفي قراءة أبي لعلها إذا ","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":" جاءت لا يؤمنون والعرب تجعل أن بمعنى لعل يقولون ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي لعلك \r\n قال عدي بن زيد ... أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى غد ... \r\n أي لعل منيتي وإلى هذا المعنى ذهب الخليل وسيبويه والفراء في توجيه هذه القراءة \r\n والثاني أن المعنى وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون وتكون لا صلة كقوله تعالى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك وقوله تعالى وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ذكره الفراء ورده الزجاج واختار الأول والأكثرون على قراءة يؤمنون بالياء منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على الخطاب للمشركين قال أبو علي من قرأ بالياء فلأن الذين أقسموا غيب ومن قرأ بالتاء فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب \r\n ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون \r\n قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم التقليب تحويل الشيء عن وجهه وفي معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها لو أتيناهم بآية كما سألوا لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها ","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":" وحلنا بينهم وبين الهدى فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها عقوبة لهم على ذلك وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ومجاهد وابن زيد \r\n والثاني أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا فالمعنى لو ردوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث ونقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات قاله مقاتل \r\n والرابع أن ذلك التقليب في النار عقوبة لهم ذكره الماوردي وفي هاء به أربعة أقوال أحدها أنها كناية عن القرآن والثاني عن النبي صلى الله عليه و سلم والثالث عما ظهر من الآيات والرابع عن التقليب وفي المراد بأول مرة ثلاثة أقوال أحدها أن المرة الأولى دار الدنيا والثاني أنها معجزات الأنبياء قبل محمد صلى الله عليهم وسلم والثالث أنها صرف قلوبهم عن الإيمان قبل نزول الآيات أن لو نزلت والطغيان والعمه مذكوران في سورة البقرة \r\n ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون \r\n قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة سبب نزولها أن المستهزئين أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في رهط من أهل مكة فقالوا له ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل أو أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كما سألوا وكلمهم ","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":" الموتى فشهدوا لك بالنبوة وحشرنا أي جمعنا عليهم كل شيء في الدنيا قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله فأخبر أن وقوع الإيمان بمشيئته لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا لم يؤمنوا فأما قوله قبلا فقرأ ابن عامر ونافع بكسر القاف وفتح الباء قال ابن قتيبة معناها معاينة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي قبلا بضم القاف والباء وفي معناها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه جمع قبيل وهو الصنف فالمعنى وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا قاله مجاهد واختاره أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والثاني أنه جمع قبيل أيضا إلا أنه الكفيل فالمعنى وحشرنا عليهم كل شيء فكفل بصحة ما تقول اختاره الفراء وعليه اعتراض وهو أن يقال إذا لم يؤمنوا بانزال الملائكة وتكليم الموتى فلأن لا يؤمنوا بالكفالة التي هي قول أولى فالجواب أنه لو كفلت الأشياء المحشورة فنطق ما لم ينطق كان ذلك آية بينة \r\n والثالث أنه بمعنى المقابل فيكون المعنى وحشرنا عليهم كل شيء فقابلهم قاله ابن زيد قال أبو زيد يقال لقيت فلانا قبلا وقبلا وقبلا وقبيلا وقبليا ومقابلة وكله واحد وهو للمواجهة قال أبو علي فالمعنى في القرآن على ما قاله أبو زيد واحد وإن اختلفت الألفاظ \r\n قوله تعالى ولكن أكثرهم يجهلون فيه قولان \r\n أحدهما يجهلون أن الاشياء لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى \r\n والثاني أنهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا ","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":" وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون \r\n قوله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي وكما جعلنا لك ولأمتك شياطين الإنس والجن أعداء كذلك جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء وأممهم والمعنى كما ابتليناك بالأعداء ابتلينا من قبلك ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى قال الزجاج وعدو في معنى أعداء وشياطين الإنس والجن منصوب على البدل من عدو ومفسر له ويجوز أن يكون عدوا منصوب على أنه مفعول ثان المعنى وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لأممهم وفي شياطين الإنس والجن ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم مردة الإنس والجن قاله الحسن وقتادة والثاني أن شياطين الإنس الذين مع الإنس وشياطين الجن الذين مع الجن قاله عكرمة والسدي والثالث أن شياطين الإنس والجن كفارهم قاله مجاهد \r\n قوله تعالى يوحي أصل الوحي الإعلام والدلالة بستر وإخفاء \r\n وفي المراد به هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه يأمر والثاني يوسوس والثالث يشير \r\n وأما زخرف القول فهو ما زين منه وحسن وموه وأصل الزخرف الذهب قال أبو عبيدة كل شيء حسسته وزينته وهو باطل فهو زخرف وقال الزجاج الزخرف في اللغة الزينة فالمعنى أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة وغرورا منصوب على المصدر وهذا المصدر ","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":" محمول على المعنى لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور فكأنه قال يغرون غرورا وقال ابن عباس زخرف القول غرورا الأماني بالباطل قال مقاتل وكل إبليس بالإنس شياطين يضلونهم فاذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن قال أحدهما لصاحبه إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا فذلك وحي بعضهم إلى بعض وقال غيره إن المؤمن إذا أعيا شيطانه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه وقال قتادة إن من الجن شياطين وإن من الإنس شياطين وقال مالك بن دينار إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن لأني إذا تعوذت من ذاك ذهب عني وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا \r\n قوله تعالى ولو شاء ربك ما فعلوه في هاء الكناية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الوسوسة والثاني ترجع إلى الكفر والثالث إلى الغرور وأذى النبيين \r\n قوله تعالى فذرهم وما يفترون قال مقاتل يريد كفار مكة وما يفترون من الكذب وقال غيره فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم وما يختلقون من كذب وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف \r\n ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون \r\n قوله تعالى ولتصغي إليه أي ولتميل والهاء كناية عن الزخرف والغرور والأفئدة جمع فؤاد مثل غراب وأغربة قال ابن الأنباري فعلنا بهم ذلك لكي تصغي إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوا الباطل وليقترفوا أي ليكتسبوا وليعلموا ما هم عاملون ","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":" افغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين \r\n قوله تعالى أفغير الله أبتغي حكما سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود وإن شئت من أحبار النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت هذه الآية ذكره الماوردي فأما الحكم فهو بمعنى الحاكم والمعنى أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم والكتاب القرآن والمفصل المبين الذي بان فيه الحق من الباطل والأمر من النهي والحلال من الحرام \r\n والذين آتيناهم الكتاب فيهم قولان \r\n أحدهما علماء أهل الكتابين قاله الجمهور والثاني رؤساء أصحاب النبي محمد صلى الله عليه و سلم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأشباههم قاله عطاء \r\n قوله تعالى يعلمون أنه منزل قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم منزل بالتشديد وخففها الباقون \r\n وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم \r\n قوله تعالى وتمت كلمة ربك قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع كلمات على الجمع وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب كلمة على التوحيد وقد ذكرت العرب الكلمة وأرادت الكثرة يقولون قال قس في كلمته أي في خطبته وزهير في كلمته أي في قصيدته ","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":" وفي المراد بهذه الكلمات ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها القرآن قاله قتادة والثاني أقضيته وعداته والثالث وعده ووعيده وثوابه وعقابه وفي قوله صدقا وعدلا قولان \r\n أحدهما صدقا فيما أخبر وعدلا فيما قضى وقدر والثاني صدقا فيما وعد وأوعد وعدلا فيما أمر ونهى وفي قوله لا مبدل لكلماته قولان أحدهما لا يقدر المفترون على الزيادة فيها والنقصان منها \r\n والثاني لا خلف لمواعيده ولا مغير لحكمه \r\n وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون \r\n قوله تعالى وإن تطع أكثر من في الأرض سبب نزولها أن الكفار قالوا للمسلمين أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم فنزلت هذه الآية ذكره الفراء والمراد ب أكثر من في الأرض الكفار وفي ماذا يطيعهم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها في أكل الميتة والثاني في أكل ما ذبحوا للأصنام والثالث في عبادة الأوثان والرابع في اتباع ملل الآباء وسبيل الله دينه قال ابن قتيبة ومعنى يخرصون يحدسون ويوقعون ومنه قيل للحازر خارص فان قيل كيف يجوز تعذيب من هو على ظن من شركه وليس على يقين من كفره فالجواب انهم لما تركوا التماس الحجة واتبعوا أهواءهم واقتصروا على الظن والجهل عذبوا ذكره الزجاج ","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":" إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين \r\n قوله تعالى إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله قال الزجاج موضع من رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام والمعنى إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله وقرأ الحسن من يضل بضم الياء وكسر الضاد وهي رواية ابن أبي شريح قال أبو سليمان ومقصود الآية لا تلتفت إلى قسم من أقسم أنه يؤمن عند مجيء الآيات فلن يؤمن إلا من سبق له القدر بالإيمان \r\n فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين \r\n قوله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه سبب نزولها أن الله تعالى لما حرم الميتة قال المشركون للمؤمنين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم يريدون الميتة فنزلت هذه الآية رواه ابو صالح عن ابن عباس \r\n وما لكم إلا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين \r\n قوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا قال الزجاج المعنى وأي شيء يقع لكم في أن لا تأكلوا وموضع أن نصب لأن في سقطت فوصل المعنى إلى أن فنصبها \r\n قوله تعالى وقد فصل لكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر فصل لكم ما حرم عليكم مرفوعتان وقرأ نافع وحفص عن عاصم ","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":" ويعقوب والقزاز عن عبد الوارث فصل بفتح الفاء ما حرم بفتح الحاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم فصل بفتح الفاء ما حرم بضم الحاء قال الزجاج أي فصل لكم الحلال من الحرام وأحل لكم في الاضطرار ما حرم وقال سعيد بن جبير فصل لكم ما حرم عليكم يعني ما بين في المائدة من الميتة والدم إلى آخر الآية وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم يعني مشركي العرب يضلون في أمر الذبائح وغيره قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضلون وفي يونس ربنا ليضلوا وفي ابراهيم أندادا ليضلوا وفي الحج ثاني عطفه ليضل وفي لقمان ليضل عن سبيل الله بغير علم وفي الزمر أندادا ليضل بفتح الياء في هذه المواضع الستة وضمهن عاصم وحمزة والكسائي وقرأ نافع وابن عامر ليضلون بأهوائهم وفي يونس ليضلوا بالفتح وضما الأربعة الباقية فمن فتح أراد أنهم هم الذين ضلوا ومن ضم أراد أنهم أضلوا غيرهم وذلك أبلغ في الضلال لأن كل مضل ضال وليس كل ضال مضلا \r\n وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون \r\n قوله تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه في الإثم هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الزنا رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى هذا في ظاهره وباطنه قولان أحدهما أن ظاهره الإعلان به وباطنه الاستسرار قاله ","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":" الضحاك والسدي قال الضحاك وكانوا يرون الاستسرار بالزنا حلالا والثاني أن ظاهره نكاح المحرمات كالأمهات والبنات وما نكح الآباء وباطنه الزنا قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني أنه عام في كل إثم والمعنى ذروا المعاصي سرها وعلانيتها وهذا مذهب أبي العالية ومجاهد وقتادة والزجاج وقال ابن الأنباري المعنى ذروا الإثم من جميع جهاته \r\n والثالث أن الإثم المعصية إلا أن المراد به هاهنا أمر خاص قال ابن زيد ظاهره هاهنا نزع أثوابهم إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة وباطنه الزنا \r\n ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون \r\n قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه سبب نزولها مجادلة المشركين للمؤمنين في قولهم أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله على ما ذكرنا في سبب قوله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه هذا قول ابن عباس وقال عكرمة كتبت فارس إلى قريش إن محمدا وأصحابه لا يأكلون ما ذبحه الله ويأكلون ما ذبحوا لأنفسهم فكتب المشركون إلى أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فنزلت هذه الآية ","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":" وفي المراد بما لم يذكر اسم الله عليه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الميتة رواه ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنه الميتة والمنخنقة إلى قوله وما ذبح على النصب روي عن ابن عباس \r\n والثالث أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها قاله عطاء \r\n والرابع أنه عام فيما لم يسم الله عند ذبحه وإلى هذا المعنى ذهب عبد الله ابن يزيد الخطمي ومحمد بن سيرين \r\n فصل \r\n فان تعمد ترك التسمية فهل يباح فيه عن أحمد روايتان وإن تركها ناسيا أبيحت وقال الشافعي لا يحرم في الحالين جميعا وقال شيخنا علي بن عبيد الله فاذا قلنا إن ترك التسمية عمدا يمنع الإباحة فقد نسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب بقوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وعلى قول الشافعي الآية محكمة \r\n قوله تعالى وإنه لفسق يعني وإن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله لفسق أي خروج عن الحق والدين وفي المراد بالشياطين هاهنا قولان \r\n أحدهما أنم شياطين الجن روي عن ابن عباس \r\n والثاني قوم من أهل فارس وقد ذكرناه عن عكرمة فعلى الأول وحيهم الوسوسة وعلى الثاني وحيهم الرسالة والمراد بأوليائهم الكفار الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في ترك أكل الميتة ثم فيهم قولان ","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":" أحدهما أنهم مشركو قريش والثاني اليهود وإن أطعمتموهم في استحلال الميتة إنكم لمشركون \r\n أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه اختلفوا فيمن نزلت على خمسة اقوال \r\n أحدها أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه و سلم بفرث وحمزة لم يؤمن بعد فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس فقال له أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا فقال حمزة ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة \r\n والثالث في عمر بن الخطاب وأبي جهل قاله زيد بن أسلم والضحاك \r\n والرابع في النبي صلى الله عليه و سلم وابي جهل قاله مقاتل \r\n والخامس أنها عامة في كل مؤمن وكافر قاله الحسن في آخرين \r\n وفي قوله كان ميتا فأحييناه قولان \r\n أحدهما كان ضالا فهديناه قاله مجاهد ","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":" والثاني كان جاهلا فعلمناه قاله الماوردي وقرأ نافع ميتا بالتشديد قال أبو عبيدة الميتة مخففة من ميتة والمعنى واحد وفي النور ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الهدى قاله ابن عباس والثاني القرآن قاله الحسن والثالث العلم وفي قوله يمشي به في الناس ثلاثة أقوال \r\n أحدها يهتدي به في الناس قاله مقاتل والثاني يمشي به بين الناس إلى الجنة والثالث ينشر به دينه في الناس فيصير كالماشي ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى كمن مثله المثل صلة والمعنى كمن هو في الظلمات وقيل المعنى كمن لو شبه بشيء كان شبيهه من في الظلمات وقيل المراد بالظلمات هاهنا الكفر \r\n قوله تعالى وكذلك زين أي كما بقي هذا في ظلماته لا يتخلص منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون من الشرك والمعاصي \r\n وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون \r\n قوله تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أي وكما زينا للكافرين عملهم فكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها وقيل معناه وكما جعلنا فساق مكة أكابرها فكذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها وإنما جعل الأكابر فساق كل قرية لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة وقال ابن قتيبة تقدير الآية وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر وأكابر لا ينصرف وهم العظماء \r\n قوله تعالى ليمكروا فيها قال أبو عبيدة المكر والخديعة والحيلة ","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":" والفجور والغدر والخلاف قال ابن عباس ليقولوا فيها الكذب قال مجاهد أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم يقولون للناس هذا شاعر وكاهن \r\n قوله تعالى وما يمكرون إلا بأنفسهم أي ذلك المكر بهم يحيق \r\n وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما آوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون \r\n قوله تعالى وإذا جاءتهم آية سبب نزولها أن أبا جهل قال زاحمتنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن به ولا نتبعه أو أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية قاله مقاتل قال الزجاج الهاء والميم تعود على الأكابر الذين جرى ذكرهم وقال أبو سليمان تعود على المجادلين في تحريم الميتة قال مقاتل والآية انشقاق القمر والدخان قال ابن عباس في قوله مثل ما أوتي رسل الله قال حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فيخبرنا أن محمدا صادق قال الضحاك سأل كل واحد منهم أن يختص بالرسالة والوحي \r\n قوله تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم رسالته بنصب التاء على التوحيد والمعنى أنهم ليسوا لها بأهل وذلك أن الوليد بن المغيرة قال والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فنزل قوله تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقال أهل المعاني الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل ","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":" مبعثهم مطاعين في قومهم لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال إنما كانوا رؤسا فاتبعوا فكان الله أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وأكابر مكة \r\n قوله تعالى سيصيب الذين أجرموا صغار قال أبو عبيدة الصغار أشد الذل وقال الزجاج المعنى هم وإن كانوا أكابر في الدنيا فسيصبهم صغار عند الله أي صغار ثابت لهم عند الله وجائز أن يكون المعنى سيصيبهم عند الله صغار وقال الفراء معناه صغار من عند الله فحذفت من وقال ابو روق صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة \r\n فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون \r\n قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه قال مقاتل نزلت في رسول الله صلى الله عليه و سلم وابي جهل \r\n قوله تعالى يشرح صدره قال ابن الاعرابي الشرح الفتح قال ابن قتيبة ومنه يقال شرحت لك الأمر وشرحت اللحم إذا فتحته وقال ابن عباس يشرح صدره أي يوسع قلبه للتوحيد والإيمان وقد روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فقيل له يا رسول الله وما هذا الشرح قال نور يقذفه الله في القلب فينفتح القلب قالوا فهل لذلك من أمارة قال نعم قيل وما هي ","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":" قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله \r\n قوله تعالى ضيقا قرأ الأكثرون بالتشديد وقرأ ابن كثير ضيقا وفي الفرقان مكانا ضيقا بتسكين الياء خفيفة قال أبو علي الضيق والضيق مثل الميت والميت \r\n قوله تعالى حرجا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي حرجا بفتح الراء وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم بكسر الراء قال الفراء وهما لغتان وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي هما لغتان إلا أن الفتح أكثر من ألسنة العرب من الكسر ومجراهما مجرى الدنف والدنف وقال الزجاج الحرج في اللغة أضيق الضيق \r\n قوله تعالى كأنما يصاعد قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي يصعد بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف وقرأ أبو بكر عن عاصم يصاعد بتشديد الصاد وبعدها ألف وقرأ ابن كثير يصعد بتخفيف الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة وقرأ ابن مسعود وطلحة تصعد بتاء من غير ألف وقرأ أبي بن كعب يتصاعد بألف وتاء قال الزجاج قوله كأنما يصاعد في السماء ويصعد اصله يتصاعد ويتصعد إلا أن التاء تدغم في الصاد ","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":" لقربها منها والمعنى كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه ويجوز أن يكون المعنى كأن قلبه يصعد في السماء نبوا عن الإسلام والحكمة وقال الفراء ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد في السماء وليس يقدر على ذلك وقال ابو علي يصعد ويصاعد من المشقة وصعوبة الشيء ومنه قول عمر ما تصعدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح أي ما شق علي شيء مشقتها \r\n قوله تعالى كذلك أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس وفيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الشيطان رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس يعني أن الله يسلطه عليهم \r\n والثاني أنه المأتم رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنه مالا خير فيه قاله مجاهد \r\n والرابع أنه العذاب قاله عطاء وابن زيد وأبو عبيدة \r\n والخامس أنه اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة قاله الزجاج وهذه الآية تقطع كلام القدرية إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلقة بارادة الله تعالى \r\n وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون \r\n قوله تعالى وهذا صراط ربك فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن قاله ابن مسعود والثاني التوحيد قاله ابن عباس ","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":" والثالث ما هو عليه من الدين قاله عطاء ومعنى استقامته أنه يؤدي بسالكه إلى الفوز قال مكي بن أبي طالب ومستقيما نصب على الحال من صراط وهذه الحال يقال لها الحال المؤكدة لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما ولم يؤت بها لتفرق بين حالتين إذ لا يتغير صراط الله عن الاستقامة أبدا وليست هذه الحال كحال من قولك هذا زيد راكبا لأن زيدا قد يخلو من الركوب \r\n لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعلمون \r\n قوله تعالى لهم دار السلام يعني الجنة وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أن السلام هو الله وهي داره قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي \r\n والثاني أنها دار السلامة التي لا تنقطع قاله الزجاج \r\n والثالث أن تحية أهلها فيها السلام ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n والرابع أن جميع حالاتها مقرونة بالسلام ففي ابتداء دخولهم ادخلوها بسلام وبعد استقرارهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم وقوله إلا قيلا سلاما سلاما وعند لقاء الله سلام قولا من رب رحيم وقوله تحيتهم يوم يلقونه سلام ومعنى عند ربهم أي مضمونة لهم عنده وهو وليهم أي متولي إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم بما كانوا يعملون من الطاعات ","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":" ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم \r\n قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا يعني الجن والإنس وقرأ حفص عن عاصم يحشرهم بالياء قال أبو سليمان يعني المشركين وشياطينهم الذين كانوا يوحون إليهم بالمجادلة لكم فيما حرمه الله من الميتة \r\n قوله تعالى يا معشر الجن فيه إضمار فيقال لهم يا معشر والمعشر الجماعة أمرهم واحد والجمع المعاشر \r\n وقوله قد استكثرتم من الإنس أي من إغوائهم وإضلالهم وقال أولياؤهم من الإنس يعني الذين أضلهم الجن ربنا استمتع بعضنا ببعض فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن استمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا إذا سافروا فنزلوا واديا وأرادوا مبيتا قال أحدهم أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر أهله واستمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يفخرون على قومهم ويقولون قد سدنا الإنس حتى صاروا يعوذون بنا رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل والفراء \r\n والثاني أن استمتاع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة والكفر والمعاصي واستمتاع الإنس بالجن أن الجن زينت لهم الأمور التي يهوونها وشهوها إليهم حتى سهل عليهم فعلها روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس وبه قال محمد بن كعب والزجاج ","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":" والثالث أن استمتاع الجن بالإنس إغواؤهم إياهم واستمتاع الإنس بالجن ما يتلقون منهم من السحر والكهانة ونحو ذلك والمراد بالجن في هذه الآية الشياطين \r\n قوله تعالى وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا فيه قولان \r\n أحدهما الموت قاله الحسن والسدي والثاني الحشر ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى قال النار مثواكم قال الزجاج المثوى المقام وخالدين منصوب على الحال المعنى النار مقامكم في حال خلود دائم إلا ما شاء الله هو استثناء من يوم القيامة والمعنى خالدين فيها مذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومدتهم في محاسبتهم ويجوز أن تكون إلا ما شاء الله أن يزيدهم من العذاب وقال بعضهم إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب وقيل في هذا غير قول ستجدها مشروحة في هود إن شاء الله \r\n وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون \r\n قوله تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا في معناه أربعة اقوال \r\n أحدها نجعل بعضهم أولياء بعض رواه سعيد عن قتادة \r\n والثاني نتبع بعضهم بعضا في النار بأعمالهم من الموالاة وهي المتابعة رواه معمر عن قتادة \r\n والثالث نسلط بعضهم على بعض قاله ابن زيد \r\n والرابع نكل بعضهم إلى بعض ولا نعينهم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى بما كانوا يكسبون أي من المعاصي ","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":" يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين \r\n قوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم قرأ الحسن وقتادة تأتكم بالتاء رسل منكم واختلفوا في الرسالة إلى الجن على أربعة اقوال \r\n أحدها أن الرسل كانت تبعث إلى الإنس خاصة وأن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم إلى الإنس والجن رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رسل الجن هم الذين سمعوا القرآن فولوا إلى قومهم منذرين روي عن ابن عباس أيضا وقال مجاهد الرسل من الإنس والنذر من الجن وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا \r\n والثالث أن الله تعالى بعث إليهم رسلا منهم كما بعث إلى الإنس رسلا منه قاله الضحاك ومقاتل وأبو سليمان وهو ظاهر الكلام \r\n والرابع أن الله تعالى لم يبعث إليهم رسلا منهم وإنما جاءتهم رسل الإنس قاله ابن جريج والفراء والزجاج قالوا ولا يكون الجمع في قوله ألم يأتكم رسل منكم مانعا أن تكون الرسل من أحد الفريقين كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما هو خارج من الملح وحده \r\n وفي دخول الجن الجنة إذا آمنوا قولان \r\n أحدهما يدخلونها ويأكلون ويشربون قاله الضحاك \r\n والثاني أن ثوابهم أن يجاروا من النار ويصيروا ترابا رواه سفيان عن ليث ","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":" قوله تعالى يقصون عليكم آياتي أي يقرؤون عليكم كتابي وينذرونكم أي يخوفونكم بيوم القيامة وفي قوله شهدنا على أنفسنا قولان \r\n أحدهما أقررنا على أنفسنا بانذار الرسل لنا \r\n والثاني شهد بعضنا على بعض بانذار الرسل إياهم ثم أخبرنا الله تعالى بحالهم فقال وغرتهم الحياة الدنيا أي يزينتها وإمهالهم فيها وشهدوا على أنفسهم أي أقروا أنهم كانوا في الدنيا كافرين وقال مقاتل ذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر \r\n ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون \r\n قوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم قال الزجاج ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذب لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم أي لا يهلككم حتى يبعث إليهم رسولا قال ابن عباس بظلم أي بشرك وأهلها غافلون لم يأتهم رسول \r\n ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون \r\n قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا أي لكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات أي منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا فخيرا وإن كان شرا فشرا وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج \r\n قوله تعالى عما يعملون قرأ الجمهور بالياء وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب \r\n وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":" قوله تعالى وربك الغني يريد الغني عن خلقه ذو الرحمة قال ابن عباس بأوليائه وأهل طاعته وقال غيره بالكل ومن رحمته تأخير الانتقام من المخالفين إن يشأ يذهبكم بالهلاك وقيل هذا الوعيد لأهل مكة ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم أي ابتدأكم من ذرية قوم آخرين يعني آباءهم الماضين إن ما توعدون به من مجيء الساعة والحشر لآت وما أنتم بمعجزين أي بفائتين قال أبو عبيدة يقال أعجزني كذا أي فاتني وسبقني \r\n قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون \r\n قوله تعالى على مكانتكم وقرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم على الجمع قال ابن قتيبة أي على موضعكم يقال مكان ومكانة ومنزل ومنزلة وقال الزجاج اعملوا على تمكنكم قال ويجوز أن يكون المعنى اعملوا على ما أنتم عليه تقول للرجل إذا أمرته أن يثبت على حال كن على مكانتك \r\n قوله تعالى إني عامل أي عامل ما أمرني به ربي فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم تكون بالتاء وقأ حمزة والكسائي بالياء وكذلك خلافهم في القصص ووجه التأنيث اللفظ ووجه التذكير أنه ليس بتأنيث حقيقي وعاقبة الدار الجنة والظالمون هاهنا المشركون فان قيل ظاهر هذه الآية أمرهم بالاقامة على ما هم عليه وذلك لا يجوز فالجواب أن معنى هذا الأمر المبالغة في الوعيد فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه إن رضيتم بالعذاب قاله الزجاج ","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":" فصل \r\n وفي هذه الآية قولان \r\n أحدهما أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي محكمة \r\n والثاني أن المراد بها ترك القتال فعلى هذا هي منسوخة بآية السيف \r\n وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون \r\n قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ قال ابن قتيبة ذرأ بمعنى خلق من الحرث وهو الزرع والأنعام الإبل والبقر والغنم وكانوا إذا زرعوا خطوا خطا فقالوا هذا لله وهذا لآلهتنا فاذا حصدوا ما جعلوه لله فوقع منه شيء فيما جعلوه لآلهتهم تركوه وقالوا هي إليه محتاجة وإذا حصدوا ما جعلوه لآلهتهم فوقع منه شيء في مال الله أعادوه إلى موضعه وكانوا يجعلون من الأنعام شيئا لله فاذا ولدت إناثها ميتا أكلوه وإذا ولدت أنعام آلهتهم ميتا عظموه فلم يأكلوه وقال الزجاج معنى الآية وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا وجعلوا لشركائهم نصيبا يدل عليه قوله تعالى فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فدل بالإشارة إلى النصيبين على نصيب الشركاء وكانوا إذا زكا ما لله ولم يزك ما لشركائهم ردوا الزاكي على أصنامهم وقالوا هذه أحوج والله غني وإذا زكا ما للأصنام ولم يزك ما لله أقروه على ما به قال ","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":" المفسرون وكانوا يصرفون ما جعلوا لله إلى الضيفان والمساكين فمعنى قوله فلا يصل إلى الله أي إلى هؤلاء ويصرفون نصيب آلهتهم في الزرع إلى النفقة على خدامها فأما نصيبها في الأنعام ففيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان للنفقة عليها أيضا والثاني أنهم كانوا يتقربون به فيذبحونه لها والثالث أنه البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقال الحسن كان إذا هلك ما لأ وثانهم غرموه وإذا هلك مالله لم يغرموه وقال ابن زيد كانوا لا يأكلون ما جعلوه لله حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم ولا يذكرون الله على ما جعلوه للأوثان فأما قوله بزعمهم فقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأ الكسائي والأعمش بضمها وفي الزعم ثلاث لغات ضم الزاي وفتحها وكسرها ومثله السقط والسقط والسقط والفتك والفتك والفتك والزعم والزعم والزعم قال الفراء فتح الزاي في الزعم لأهل الحجاز وضمها لأسد وكسرها لبعض قيس فيما يحكي الكسائي \r\n وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون \r\n قوله تعالى وكذلك زين أي ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل زين قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون وكذلك مستأنفا غير مشار به إلى ما قبله فيكون المعنى وهكذا زين وقرأه الجمهور زين بفتح الزاي والياء ونصب اللام من قتل وكسر الدال من أولادهم ورفع الشركاء وجه هذه القراءة ظاهر وقرأ ابن عامر بضم زاي زين ","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":" ورفع اللام من قتل ونصب الدال من أولادهم وخفض الشركاء قال أبو علي ومعناها قتل شركائهم أولادهم ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به وهذا قبيح قليل في الاستعمال وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن زين بالرفع قتل بالرفع أيضا أولادهم بالجر شركاؤهم رفعا قال الفراء رفع القتل إذ لم يسم فاعله ورفع الشركاء بفعل نواه كأنه قال زينه لهم شركاؤهم وكذلك قال سيبويه في هذه القراءة قال كأنه قيل من زينه فقال شركاؤهم قال مكي بن أبي طالب وقد روي عن ابن عامر أيضا أنه قرأ بضم الزاي ورفع اللام وخفض الأولاد والشركاء فيصير الشركاء اسما للأولاد لمشاركتهم للآباء في النسب والميراث والدين \r\n وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الشياطين قاله الحسن ومجاهد والسدي والثاني شركاؤهم في الشرك قاله قتادة والثالث قوم كانوا يخدمون الاوثان قاله الفراء والزجاج والرابع أنهم الغواة من الناس ذكره الماوردي وإنما أضيف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين اختلقوا ذلك وزعموه \r\n وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان \r\n أحدهما أنه وأد البنات أحياء خيفة الفقر قاله مجاهد \r\n والثاني أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا وكذا غلاما أن ينحر أحدهم كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله قاله ابن السائب ومقاتل \r\n قوله تعالى ليردوهم أي ليهلكوهم وفي هذه اللام قولان \r\n أحدهما أنها لام كي والثاني أنها لام العاقبة كقوله ليكون لهم عدوا أي آل أمرهم إلى الردى لا أنهم قصدوا ذلك ","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":" قوله تعالى وليلبسوا عليهم دينهم أي ليخلطوا قال ابن عباس ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بتزيين الشياطين \r\n قوله تعالى فذرهم وما يفترون قال ابن عباس كان أهل الجاهلية إذا دفنوا بناتهم قالوا إن الله أمرنا بذلك فقال فذرهم وما يفترون أي يكذبون وهذا تهديد ووعيد فهو محكم وقال قوم مقصوده ترك قتالهم فهو منسوخ بآية السيف \r\n وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ي يفترون \r\n قوله تعالى وقالوا هذه أنعام وحرث وحجر الحرث الزرع والحجر الحرام والمعنى أنهم حرموا أنعاما وحرثا جعلوه لأصنامهم قال ابن قتيبة وإنما قيل للحرام حجر لأنه حجر على الناس أن يصيبوه وقرأ الحسن وقتادة حجر بضم الحاء قال الفراء يقال حجر وحجر بكسر الحاء وضمها وهي في قراءة ابن مسعود حرج مثل جذب وجبذ وفي هذ الأنعام التي جعلوها للأصنام قولان \r\n أحدهما أنها البحيرة والسائبة والوصيلة والحام \r\n والثاني أنها الذبائح التي للأوثان وقد سبق ذكرهما \r\n قوله تعالى لا يطعمها إلا من نشاء هو كقولك لا يذوقها إلا من نريد وفيمن أطلقوا له تناولها قولان \r\n أحدهما أنهم منعوا منها النساء وجعلوها للرجال قاله ابن السائب ","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":" والثاني عكسه قاله ابن زيد قال الزجاج أعلم الله تعالى أن هذا التحريم زعم منهم لا حجة فيه ولا برهان \r\n وفي قوله وأنعام حرمت ظهورها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الحام قاله ابن عباس والثاني البحيرة كانوا لا يحجون عليها قاله أبو وائل والثالث البحيرة والسائبة والحام قاله السدي \r\n قوله تعالى وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها هي قربان آلهتهم يذكرون عليها اسم الأوثان خاصة وقال أبو وائل هي التي كانوا لا يحجون عليها وقد ذكرنا هذا عنه في قوله حرمت ظهورها فعلى قوله الصفتان لموصوف واحد وقال مجاهد كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء لا إن ركبوا ولا إن حملوا ولا إن حابوا ولا إن نتجوا وفي قوله افتراء على الله قولان \r\n أحدهما أن ذكر أسماء أوثانهم وترك ذكر الله هو الافتراء \r\n والثاني أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى هو الافتراء لأنهم كانوا يقولون هو حرم ذلك \r\n وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن لم يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم \r\n قوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام يعني بالأنعام المحرمات عندهم من البحيرة والسائبة والوصيلة وللمفسرين في المراد بما في بطونها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اللبن قاله ابن عباس وقتادة والثاني الأجنة قاله مجاهد \r\n والثالث الولد واللبن قاله السدي ومقاتل ","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":" قوله تعالى خالصة لذكورنا قرأ الجمهور خالصة على لفظ التأنيث وفيها أربعة أوجه \r\n أحدها أنه إنما أنثت لأن الأنعام مؤنثة وما في بطونها مثلها قاله الفراء \r\n والثاني أن معنى ما التأنيث لأنها في معنى الجماعة فكأنه قال جماعة ما في بطون هذه الأنعام خالصة قاله الزجاج \r\n والثالث أن الهاء دخلت للمبالغة في الوصف كما قالوا علامة ونسابة \r\n والرابع أنه أجري مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث عن الأسماء المذكره كقولك عطاؤك عافية والرخص نعمة ذكرهما ابن الأنباري وقرأ ابن مسعود وأبو العالية والضحاك والأعمش وابن أبي عبلة خالص بالرفع من غير هاء قال الفراء وإنما ذكر لتذكير ما وقرأ ابن عباس وأبو رزين وعكرمة وابن يعمر خالصه برفع الصاد والهاء على ضمير مذكر قال الزجاج والمعنى ما خلص حيا وقرأ قتادة خالصة بالنصب فأما الذكور فهم الرجال والأزواج والنساء \r\n قوله تعالى وإن يكن ميتة قرأ الأكثرون يكن بالياء ميتة بالنصب وذلك مردود على لفظ ما المعنى وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ميتة وقرأ ابن كثير يكن بالياء ميتة بالرفع وافقه ابن عامر في رفع الميتة غير أنه قرأ تكن بالتاء والمعنى وإن تحدث وتقع فجعل كان تامة لا تحتاج إلى خبر وقرأ أبو بكر عن عاصم تكن بالتاء ميتة بالنصب والمعنى وإن تكن الأنعام التي في البطون ميتة \r\n قوله تعالى فهم فيه شركاء يعني الرجال والنساء سيجزيهم وصفهم قال الزجاج أراد جزاء وصفهم الذي هو كذب ","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":" قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين \r\n قوله تعالى قد خسر الذين قتلوا أولادهم وقرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد قال ابن عباس نزلت في ربيعة ومضر والذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء في الجاهلية من العرب وقال قتادة كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم بنته مخافة السبي والفاقة ويغذو كلبه وقال الزجاج وقوله سفها منصوب على معنى اللام تقديره للسفه تقول فعلت ذلك حذر الشر وقرأ ابن السميفع والجحدري ومعاذ القارئ سفهاء برفع السين وفتح الفاء والهاء وبالمد وبالنصب والهمز \r\n قوله تعالى بغير علم أي كانوا يفعلوا ذلك للسفه من غير أن أتاهم علم في ذلك وحرموا ما رزقهم الله من الأنعام والحرث وزعموا أن الله أمرهم بذلك \r\n وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره اذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين \r\n قوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن المعروشات ما انبسط على وجه الأرض فانتشر مما يعرش كالكرم والقرع والبطيخ وغير معروشات ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار \r\n والثاني أن المعروشات ما أنبته الناس وغير معروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار رويا عن ابن عباس ","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":" والثالث أن المعروشات وغير المعروشات الكرم منه ما عرش ومنه مالم يعرش قاله الضحاك \r\n والرابع أن المعروشات الكروم التي قد عرش عنبها وغير المعروشات سائر الشجر التي لا تعرش قاله أبو عبيدة والأكل الثمر والزيتون والرمان متشابها قد سبقة تفسيره \r\n قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر هذا أمر إباحة وقيل إنما قدم الأكل لينهي عن فعل الجاهلية في زروعهم من تحريم بعضها \r\n قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو بفتح الحاء وهي لغة أهل نجد وتميم وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي بكسرها وهي لغة أهل الحجاز ذكره الفراء \r\n وفي المراد بهذا الحق قولان \r\n أحدهما أنه الزكاة روي عن أنس بن مالك وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن وطاووس وجابر بن زيد وابن الحنفية وقتادة في آخرين فعلى هذا الآية محكمة \r\n والثاني أنه حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر قاله عطاء ومجاهد وهل نسخ ذلك أم لا إن قلنا إنه أمر وجوب فهو منسوخ بالزكاة وإن قلنا إنه أمر استحباب فهو باقي الحكم \r\n فان قيل هل يجب إيتاء الحق يوم الحصاد فالجواب إن قلنا إنه إطعام من حضر من الفقراء فذلك يكون يوم الحصاد وإن قلنا إنه الزكاة فقد ذكرت عنه ثلاثة أجوبة ","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":" أحدها أن الأمر بالإيتاء محمول على النخيل لأن صدقتها تجب يوم الحصاد فأما الزروع فالأمر بالإيتاء منها محمول على وجوب الإخراج إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر إلى زمان التنقية ذكره بعض السلف \r\n والثاني أن اليوم ظرف للحق لا للايتاء فكأنه قال وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية \r\n والثالث أن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب فيه بنفس خروجه وبلوغه إنما يجب يوم حصوله في يد صاحبه وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق يلزم بنفس نباته قبل قطعه فأفادت الآية أن الوجوب فيما يحصل في اليد دون ما يتلف ذكر الجوابين القاضي أبو يعلى وفي قوله ولا تسرفوا ستة اقوال \r\n أحدها أنه تجاوز المفروض في الزكاة إلى حد يجحف به قاله أبو العالية وابن جريج وروى أبو صالح عن ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة ثم قسمها في يوم واحد فأمسى ولم يترك لأهله شيئا فكره الله تعالى له ذلك فنزلت ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين \r\n والثاني أن الإسراف منع الصدقة الواجبة قاله سعيد بن المسيب \r\n والثالث أنه الإنفاق في المعصية قاله مجاهد والزهري \r\n والرابع أنه إشراك الآلهة في الحرث والأنعام قاله عطية العوفي وابن السائب \r\n والخامس أنه خطاب للسلطان لئلا يأخذ فوق الواجب من الصدقة قاله ابن زيد \r\n والسادس أنه الإسراف في الأكل قبل أداء الزكاة قاله ابن بحر ","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":" ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين \r\n قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا هذا نسق على ما قبله والمعنى أنشأ جنات وأنشأ حمولة وفرشا وفي ذلك خمسة أقوال \r\n أحدها أن الحمولة ما حمل من الإبل والفرش صغارها قاله ابن مسعود والحسن ومجاهد وابن قتيبة \r\n والثاني أن الحموله ما انتفعت بظهورها والفرش الراعية رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أن الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه والفرش الغنم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع الحمولة من الإبل والفرش من الغنم قاله الضحاك \r\n والخامس الحمولة الإبل والبقر والفرش الغنم وما لا يحمل عليه من الإبل قاله قتادة وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وأبو الجوزاء حمولة بضم الحاء \r\n قوله تعالى كلوا مما رزقكم الله قال الزجاج المعنى لا تحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي طرقه قال وقوله ثمانية أزواج بدل من قوله حمولة وفرشا والزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر قال المصنف وهذا كلام يفتقر إلى تمام وهو أن يقال الزوج ما كان معه آخر من جنسه فحينئذ يقال لكل واحد منهما زوج ","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":" ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبؤني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء أذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين \r\n قوله تعالى من الضأن اثنين الضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر المعز بفتح العين وقرأ نافع وحمزة وعاصم والكسائي بتسكين العين والمراد بالأنثيين الذكر والأنثى قل آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله عليكم أم الأنثيين منها المعنى فان كان ما حرم عليكم الذكرين فكل الذكور حرام وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فهي تشتمل على الذكور وتشتمل على الإناث وتشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما وقال ابن الأنباري معنى الآية ألحقكم التحريم من جهة الذكرين أم من جهة الأثنين فان قالوا من جهة الذكرين حرم عليهم كل ذكر وإن قالوا من جهة الأنثيين حرمت عليهم كل أنثى وإن قالوا من جهة الرحم حرم عليهم الذكر والأنثى وقال ابن جرير الطبري إن قالوا حرم الذكرين أوجبوا تحريم كل ذكر من الضأن والمعز وهم يستمتعون بلحوم بعض الذكران منها وظهوره وفي ذلك فساد دعواهم وإن قالوا حرم الأنثيين أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز وهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك ","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":" وظهوره وإن قالوا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها قال المفسرون فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الآية والتي بعدها لأنهم كانوا يحرمون أجناسا من النعم بعضها على الرجال والنساء وبعضها على النساء دون الرجال \r\n وفي قوله آلذكرين حرام أم الأنثيين إبطال لما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام \r\n وفي قوله أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين إبطال قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا \r\n قوله تعالى نبئوني بعلم قال الزجاج المعنى فسروا ما حرمتم بعلم أي أنتم لا علم لكن لأنكم لا تؤمنون بكتاب أم كنتم شهداء أي هل شاهدتم الله قد حرم هذا إذا كنتم لا تؤمنون برسول \r\n قوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم قال ابن عباس يريد عمرو بن لحي ومن جاء بعده والظالمون هاهنا المشركون \r\n قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم \r\n قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه نبههم بهذا على أن التحريم والتحليل إنما يثبت بالوحي وقال طاووس ومجاهد معنى الآية لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا والمراد بالطاعم ","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":" الآكل إلا أن يكون ميتة أي إلا أن يكون المأكول ميتة قرأ ابن كثير وحمزة إلا أن يكون بالياء ميتة نصبا وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء ميتة بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة أو دما مسفوحا قال قتادة إنما حرم المسفوح فأما اللحم إذا خالطه دم فلا بأس به قال الزجاج المسفوح المصبوب وكانوا إذا ذكوا يأكلون الدم كما يأكلون اللحم والرجس اسم لما يستقذر وللعذاب أو فسقا المعنى أو أن يكون المأكول فسقا أهل لغير الله به أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله فسمى ما ذكر عليه غير اسم الله فسقا والفسق الخروج من الدين \r\n فصل \r\n اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أنها محكمة ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال أحدها أنها خبر والخبر لا يدخله النسخ والثاني أنها جاءت جوابا عن سؤال سألوه فكان الجواب بقدر السؤال ثم حرم بعد ذلك ما حرم والثالث أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها \r\n والقول الثاني أنها منسوخة بما ذكر في المائدة من المنخنقة والموقوذة وفي السنة من تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وقيل إن آية المائدة داخلة في هذه الآية لأن تلك الأشياء كلها ميتة ","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":" وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون \r\n قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وقرأ الحسن والأعمش ظفر بسكون الفاء وهذا التحريم تحريم بلوى وعقوبة \r\n وفي ذي الظفر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والإوز والبط قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة والسدي \r\n والثاني الإبل فقط قاله ابن زيد \r\n والثالث كل ذي حافر من الدواب ومخلب من الطير قاله ابن قتيبة قال وسمى الحافر ظفرا على الإستعارة والعرب تجعل الحافر والإظلاف موضع القدم استعارة وأنشدوا ... سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق ","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":" أراد قدميه وإنما الأظلاف للشاء والبقر قال ابن الانباري الظفر هاهنا يجري مجرى الظفر للانسان وفيه ثلاث لغات أعلاهن ظفر ويقال ظفر وأظفور وقال الشاعر ... ألم تر أن الموت أدرك من مضى ... فلم يبق منه ذا جناح وذا ظفر ... \r\n وقال الآخر ... لقد كنت ذا ناب وظفر على العدى ... فأصبحت ما يخشون نابي ولا ظفري ... \r\n وقال الآخر ... ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور ... \r\n وفي شحوم البقر والغنم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إنما حرم من ذلك شحوم الثروب خاصة قاله قتادة \r\n والثاني شحوم الثروب والكلى قاله السدي وابن زيد \r\n والثالث كل شحم لم يكن مختلطا بعظم ولا على عظم قاله ابن جريج وفي قوله إلا ما حملت ظهورهما ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ما علق بالظهر من الشحوم قاله ابن عباس والثاني الألية قاله أبو صالح والسدي والثالث ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما ","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":" قاله قتادة فأما الحوايا فللمفسرين فيها أقوال تتقارب معانيها قال ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة هي المباعر وقال ابن زيد هي بنات اللبن وهي المرابض التي تكون فيها الأمعاء وقال الفراء الحوايا هي المباعر وبنات اللبن وقال الاصمعي هي بنات اللبن واحدها حاوياء وحاوية وحوية \r\n قال الشاعر ... أقتلهم ولا أرى معاوية ... الجاحظ العين العظيم الحاوية ... \r\n وقال الآخر ... كأن نقيق الحب في حاويائه ... فحيح الأفاعي أو نقيق العقارب ... \r\n وقال أبو عبيدة الحوايا ما تحوي من البطن أي ما استدار منها وقال الزجاج الحوايا اسم لجميع ما تحوي من البطن فاجتمع واستدار وهي بنات اللبن وهي المباعر وتسمى المرابض وفيها الأمعاء \r\n قوله تعالى أو ما اختلط بعظم فيه قولان \r\n أحدهما أنه شحم البطن والالية لأنهما على عظم قاله السدي والثاني كل شحم في القوائم والجنب والرأس والعينين والأذنين فهو مما اختلط بعظم قاله ابن جريج واتفقوا على أن ما حملت ظهورها حلال ","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":" بالاستثناء من التحريم فأما ما حملت الحوايا أو ما اختلط بعظم ففيه قولان \r\n أحدهما أنه داخل في الاستثناء فهو مباح والمعنى وأبيح لهم ما حملت الحوايا من الشحم وما اختلط بعظم هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أنه نسق على ما حرم لا على الاستثناء فالمعنى حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فانه غير محرم قاله الزجاج فأما أو المذكورة هاهنا فهي بمعنى الواو كقوله آثما أو كفورا \r\n قوله تعالى ذلك جزيناهم أي ذلك التحريم عقوبة لهم على بغيهم \r\n وفي بغيهم قولان \r\n أحدهما أنه قتلهم الأنبياء وأكلهم الربا والثاني أنه تحريم ما أحل لهم \r\n فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين \r\n قوله تعالى فان كذبوك قال ابن عباس لما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمشركين هذا ما أوحي إلي أنه محرم على المسلمين وعلى اليهود اليهود قالوا فانك لم تصب فنزلت هذه الآية وفي المكذبين قولان \r\n أحدهما المشركون قاله ابن عباس والثاني اليهود قاله مجاهد والمراد بذكر الرحمة الواسعة أنه لا يعجل بالعقوبة والبأس العذاب \r\n وفي المراد بالمجرمين قولان \r\n أحدهما المشركون والثاني المكذبون ","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":" سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون \r\n قوله تعالى سيقول الذين أشركوا أي إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك وتحريم مالم يحرمه الله لو شاء الله ما أشركنا فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل فكأنهم قالوا لو لم يرض ما نحن عليه لحال بيننا وبينه وإنما قالوا ذلك مستهزئين ودافعين للاحتجاج عليهم فيقال لهم لم تقولون عن مخالفيكم إنهم ضالون وإنما هم على المشيئة ايضا فلا حجة لهم لأنهم تعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر ومشيئة الله تعم جميع الكائنات وأمره لا يعم مراداته فعلى العبد اتباع الأمر وليس له أن يتعلل بالمشيئة بعد ورود الأمر \r\n قوله تعالى كذلك كذب الذين من قبلهم قال ابن عباس أي قالوا لرسلهم مثلما قال هؤلاء لك حتى ذاقوا بأسنا أي عذابنا قل هل عندكم من علم أي كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم إن تتبعون إلا الظن لا اليقين وإن بمعنى ما وتخرصون تكذبون \r\n قل فلله الحجة البالغة فلوا شاء لهداكم أجمعين \r\n قوله تعالى قل فلله الحجة البالغة قال الزجاج حجته البالغة تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج المعجزة قال السدي فلو شاء لهداكم أجمعين يوم أخذ الميثاق ","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":" قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون \r\n قوله تعالى قل هلم شهداءكم قال الزجاج زعم سيبويه أن هلم هاء ضمت إليها لم وجعلتا كالكلمة الواحدة فأكثر اللغات أن قال هلم للواحد والاثنين والجماعة بذلك جاء القرآن ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث فيقول للذكر هلم وللمرآة هلمي وللاثنين هلما وللثنتين هلما وللجماعة هلموا وللنسوة هلممن وقال ابن قتيبة هلم بمعنى تعالى وأهل الحجاز لا يثنونها ولا يجمعونها وأهل نجد يجعلونها من هلممت فيثنون ويجمعون ويؤنثون وتوصل باللام فيقال هلم لك وهلم لكما قال وقال الخليل أصلها لم وزيدت الهاء في أولها وخالفه الفراء فقال أصلها هل ضم إليها أم والرفعة التي في اللام من همزة أم لما تركت انتقلت إلى ما قبلها وكذلك اللهم يرى أصلها يا ألله أمنا بخير فكثرت في الكلام فاختلطت وتركت الهمزة وقال ابن الانباري معنى هلم أقبل وأصله أم يا رجل أي اقصد فضموا هل إلى أم وجعلوهما حرفا واحدا وأزالوا أم عن التصرف وحولوا ضمة الهمزة أم إلى اللام وأسقطوا الهمزة فاتصلت الميم باللام وإذا قال الرجل للرجل هلم فأراد أن يقول لا أفعل قال لا أهلم ولا أهلم قال مجاهد هذه الآية جواب قولهم إن الله حرم البحيرة والسائبة قال مقاتل الذين يشهدون أن الله حرم ","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":" هذا الحرث والأنعام فان شهدوا أن الله حرمه فلا تشهد معهم أي لا تصدق قولهم \r\n قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون \r\n قوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ما بمعنى الذي وفي لا قولان \r\n أحدهما أنها زائدة كقوله أن لا تسجد \r\n والثاني أنها ليست زائدة وإنما هي نافية فعلى هذا القول في تقدير الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن يكون قوله أن لا تشركوا محمولا على المعنى فتقديره أتل عليكم أن لا تشركوا أي أتل تحريم الشرك \r\n والثاني أن يكون المعنى أوصيكم أن لا تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحسانا محمول على معنى أوصيكم بالوالدين إحسانا ذكرهما الزجاج \r\n والثالث أن الكلام تم عند قوله حرم ربكم ثم في قوله عليكم قولان \r\n أحدهما أنها إغراء كقوله عليكم أنفسكم فالتقدير عليكم أن لا تشركوا ذكره ابن الانباري ","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":" والثاني أن يكون بمعنى فرض عليكم ووجب عليكم أن لا تشركوا وفي هذا الشرك قولان \r\n أحدهما أنه ادعاء شريك مع الله عز و جل والثاني أنه طاعة غيره في معصيته \r\n قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم يريد دفن البنات أحياء من إملاق أي من خوف فقر \r\n قوله تعالى ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فيه خمسة اقوال \r\n أحدها أن الفواحش الزنا وما ظهر منه الإعلان به وما بطن الاستسرار به قاله ابن عباس والحسن والسدي \r\n والثاني أن ما ظهر الخمر ونكاح المحرمات وما بطن الزنا قاله سعيد بن جبير ومجاهد \r\n والثالث أن ما ظهر الخمر وما بطن الزنا قاله الضحاك \r\n والرابع أنه عام في الفواحش وظاهرها علانيتها وباطنها سرها قاله قتادة \r\n والخامس أن ما ظهر أفعال الجوارح وما بطن اعتقاد القلوب ذكره الماوردي في تفسير هذا الموضع وفي تفسير قوله وذروا ظاهر الإئم وباطنه والنفس التي حرم الله نفس مسلم أو معاهد والمراد بالحق إذن الشرع \r\n ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم قاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":" قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده إنما خص مال اليتيم لأن الطمع فيه لقلة مراعيه وضعف مالكه أقوى \r\n وفي قوله إلا بالتي هي أحسن أربعة أقوال \r\n أحدها أنه أكل الوصي المصلح للمال بالمعروف وقت حاجته قاله ابن عباس وابن زيد \r\n والثاني التجارة فيه قاله سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدي \r\n والثالث أنه حفظه له إلى وقت تسليمه إليه قاله ابن السائب \r\n والرابع أنه حفظه عليه وتثميره له قاله الزجاج قال وحتى محمولة على المعنى فالمعنى احفظوه عليه حتى يبلغ أشده فاذا بلغ أشده فادفعوه إليه فأما الأشد فهو استحكام قوة الشباب والسن قال ابن قتيبة ومعنى الآية حتى يتناهى في النبات إلى حد الرجال يقال بلغ أشده إذا انتهى منتهاه قبل أن يأخذ في النقصان وقال أبو عبيدة الأشد لا واحد له منه فان أكرهوا على ذلك قالوا شد بمنزلة ضب والجمع أضب قال ابن الانباري وقال جماعة من البصريين واحد الأشد شد بضم الشين وقال بعض البصريين واحد الأشد شدة كقولهم نعمة وأنعم وقال بعض أهل اللغة الأشد اسم لا واحد له وللمفسرين في الأشد ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه ثلاث وثلاثون سنة رواه ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أربعون سنة روي عن عائشة عليها السلام ","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":" والرابع ثماني عشرة سنة قاله سعيد بن جبير ومقاتل \r\n والخامس خمس وعشرون سنة قاله عكرمة \r\n والسادس أربع وثلاثون سنة قاله سفيان الثوري \r\n والسابع ثلاثون سنة قاله السدي وقال ثم جاء بعد هذه الآية حتى بلغوا النكاح فكأنه يشير إلى النسخ \r\n والثامن بلوغ الحلم قاله زيد بن أسلم والشعبي ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك بن أنس وهو الصحيح ولا أظن بالذين حكينا عنهم الأقوال التي قبله فسروا هذه الآية بما ذكر عنهم وإنما أظن أن الذين جمعوا التفاسير نقلوا هذه الأقوال من تفسير قوله تعالى ولما بلغ أشده إلى هذا المكان وذلك نهاية الأشد وهذا ابتداء تمامه وليس هذا مثل ذاك قال ابن جرير وفي الكلام محذوف ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر عما حذف لأن المعنى حتى يبلغ أشده فإذا بلغ اشده فآنستم منه رشدا فادفعوا إليه ماله \r\n قال المصنف إن أراد بما ظهر ما ظهر في هذه الآية فليس بصحيح وإنما استفيد إيناس الرشد والإسلام من آية أخرى وإنما أطلق في هذه الآية ما قيد في غيرها فحمل المطلق على المقيد \r\n قوله تعالى وأوفوا الكيل أي أتموه ولا تنقصوا منه و الميزان أي وزن الميزان والقسط العدل لا نكلف نفسا إلا وسعها أي ما يسعها ولا تضيق عنه قال القاضي أبو يعلى لما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل كلفنا الاجتهاد في التحري دون تحقيق الكيل والوزن \r\n قوله تعالى وإذا قلتم فاعدلوا أي إذا تكلمتم أو شهدتم فقولوا الحق ","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":" ولو كان المشهود له أو عليه ذا قرابة وعهد الله يشتمل على ما عهده إلى الخلق وأوصاهم به وعلى ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون أي لتذكروه وتأخذوا به قرأ ابن كثير وأبو عمرو تذكرون ويذكرون ويذكر الإنسان وأن يذكر وليذكروا مشددا ذلك كله وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وابن عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله أولا يذكر الإنسان فانهم خففوه روى أبان وحفص عن عاصم يذكرون خفيفة الذال في جميع القرآن قرأ حمزة والكسائي يذكرون مشددا إذا كان بالياء ومخففا إذا كان بالتاء \r\n وأن هذه صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون \r\n قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وأن بفتح الألف مع تشديد النون قال الفراء إن شئت جعلت أن مفتوحة بوقوع أتل عليها وإن شئت جعلتها خفضا على معنى ذلكم وصاكم به وبأن هذا صراطي مستقيما وقرأ ابن عامر بفتح الألف أيضا إلا أنه خفف النون فجعلها مخففة من الثقيلة وحكم إعرابها حكم تلك وقرأ حمزة والكسائي بتشديد النون مع كسر الألف قال الفراء وكسر الألف على الاستئناف وفي الصراط قولان \r\n أحدهما أنه القرآن والثاني الإسلام وقد بينا إعراب قوله مستقيما أيضا فأما السبل فقال ابن عباس هي الضلالات وقال مجاهد ","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":" البدع والشبهات وقال مقاتل أراد ما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث فتفرق بكم عن سبيله أي فتضلكم عن دينه \r\n ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون \r\n قوله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب قال الزجاج ثم هاهنا للعطف على معنى التلاوة فالمعنى أتل ما حرم ربكم ثم اتل عليكم ما آتاه الله موسى \r\n وقال ابن الانباري الذي بعد ثم مقدم على الذي قبلها في النية والتقدير ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى تماما على الذي أحسن في قوله تماما قولان \r\n أحدهما أنها كلمة متصلة بما بعدها تقول أعطيتك كذا تماما على كذا وتماما لكذا وهذا قول الجمهور \r\n والثاني أن قوله تماما كلمة قائمة بنفسها غير متصلة بما بعدها ","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":" والتقدير آتينا موسى الكتاب تماما أي في دفعة واحدة لم نفرق إنزاله كما فرق إنزال القرآن ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n وفي المشار إليه بقوله أحسن أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الله عز و جل ثم في معنى الكلام قولان أحدهما تماما على إحسان الله إلى أنبيائه قاله ابن زيد والثاني تماما على إحسان الله تعالى إلى موسى وعلى هذين القولين يكون الذي بمعنى ما \r\n والقول الثاني أنه إبراهيم الخليل عليه السلام فالمعنى تماما للنعمة على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله وكانت نبوة موسى نعمة على إبراهيم لأنه من ولده ذكره الماوردي \r\n والقول الثالث أنه كل محسن من الانبياء وغيرهم وقال مجاهد تماما على المحسنين أي تماما لكل محسن وعلى هذا القول يكون الذي بمعنى من وعلى بمعنى لام الجر ومن هذا قول العرب أتم عليه وأتم له قال الراعي ... رعته أشهرا وخلا عليها ... \r\n أي لها \r\n قال ابن قتيبة ومثل هذا ان تقول أوصي بمالي للذي غزا وحج تريد للغازين والحاجين ","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":" والقول الرابع أنه موسى ثم في معنى أحسن قولان \r\n أحدهما أحسن في الدنيا بطاعة الله عز و جل قال الحسن وقتادة تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا وقال الربيع هو إحسان موسى بطاعته وقال ابن جرير تماما لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ونهينا \r\n والثاني أحسن من العلم وكتب الله القديمة وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة ويكون التمام بمعنى الزيادة ذكره ابن الانباري فعلى هذين القولين يكون الذي بمعنى ما وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين والحسن وابن يعمر على الذي أحسن بالرفع قال الزجاج منعاه على الذي هو أحسن الأشياء وقرأ عبد الله بن عمرو وأبو المتوكل وأبو العالية على الذي أحسن برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون وهي تحتمل الإحسان وتحتمل العلم \r\n قوله تعالى وتفصيلا لكل شيء أي تبيانا لكل شيء من أمر شريعتهم مما يحتاجون إلى علمه لكي يؤمنوا بالبعث والجزاء \r\n وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون \r\n قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك يعني القرآن فاتبعوه واتقوا أن تخالفوه لعلكم ترحمون قال الزجاج لتكونوا راجين للرحمة \r\n أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين \r\n قوله تعالى أن تقولوا سبب نزولها أن كفار مكة قالوا قاتل الله ","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":" اليهود والنصارى كيف كذبوا أنبيائهم فوالله لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم فنزلت هذه الآية قاله مقاتل قال الفراء أن في موضع نصب في مكانين أحدهما أنزلناه لئلا تقولوا والآخر من قوله واتقوا أن تقولوا وذكر الزجاج عن البصريين أن معناه أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار لا فأما الخطاب بهذه الآية فهو لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بانزال القرآن كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى وكنا غافلين عما فيهما ودراستهم قراءتهم الكتب قال الكسائي وإن كنا عن دراستهم لغافلين لا نعلم ما هي لأن كتبهم لم تكن بلغتنا فأنزل الله كتابا بلغتهم لتنقطع حجتهم \r\n أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون \r\n قوله تعالى لكنا أهدى منهم قال الزجاج إنما كانوا يقولون هذا لأنهم مدلون بالأذهان والأفهام وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم وهم أميون لا يكتبون فقد جاءكم بينة أي ما فيه البيان وقطع الشبهات قال ابن عباس فقد جاءكم بينة أي حجة وهو النبي والقرآن والهدى والبيان والرحمة والنعمة فمن أظلم أي أكفر ممن كذب بآيات الله يعني محمدا والقرآن وصدف عنها أعرض فلم يؤمن بها وسوء العذاب قبيحه ","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":" هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون \r\n قوله تعالى هل ينظرون أي ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر تأتيهم بالتاء وقرأ حمزة والكسائي يأتيهم بالياء وهذا الإتيان لقبض أرواحهم وقال مقاتل المراد بالملائكة ملك الموت وحده \r\n قوله تعالى أو يأتي ربك قال الحسن أو يأتي أمر ربك وقال الزجاج أو يأتي إهلاكه وانتقامه إما بعذاب عاجل أو بالقيامة \r\n قوله تعالى أو يأتي بعض آيات ربك وروى عبد الوارث إلا القزاز بتسكين ياء أو يأتي وفتحها الباقون وفي هذه الآية أربعة أقوال \r\n أحدها أنه طلوع الشمس من مغربها رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم وبه قال ابن مسعود وفي رواية زرارة بن أوفى عنه وعبد الله ابن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها فذلك حين لا ينفع نفسا ","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":" إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وروى عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل \r\n والثاني أنه طلوع الشمس والقمر من مغربهما رواه مسروق عن ابن مسعود \r\n والثالث أنه إحدى الآيات الثلاث طلوع الشمس من مغربها والدابة وفتح يأجوج ومأجوج روى هذا المعنى القاسم عن ابن مسعود \r\n والرابع أنه طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض قاله أبو هريرة والأول أصح والمراد بالخير هاهنا العمل الصالح وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح حينئذ لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان وقال الضحاك من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل منه كما يقبل منه قبل الآية وقيل إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة والمنجمين زعموا أن ذلك لا يكون فيريهم الله قدرته ويطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق ولتحقق عجز نمرود حين قال له إبراهيم فأت بها من المغرب فبهت ","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":" فصل \r\n وفي قوله قل انتظروا إنا منتظرون قولان \r\n أحدهما أن المراد به التهديد فهو محكم \r\n والثاني أنه أمر بالكف عن القتال فهو منسوخ بآية السيف \r\n إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون \r\n قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو فرقوا مشددة وقرأ حمزة والكسائي فارقوا بألف وكذلك قرؤوا في الروم فمن قرأ فرقوا أراد آمنوا ببعض وكفروا ببعض ومن قرأ فارقوا أراد باينوا وفي المشار إليهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة قاله أبو هريرة \r\n والثاني أنهم اليهود والنصارى قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي \r\n والثالث اليهود قاله مجاهد \r\n والرابع جميع المشركين قاله الحسن فعلى هذا القول دينهم الكفر الذي يعتقدونه دينا وعلى ما قبله دينهم الذي أمرهم الله به والشيع الفرق والأحزاب قال الزجاج ومعنى شيعت في اللغة اتبعت والعرب تقول شاعكم السلام وأشاعكم أي تبعكم ","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":" قال الشاعر ... ألا يا نخلة من ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام ... \r\n وتقول أتيتك غدا أو شيعة أي أو اليوم الذي يتبعه فمعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا وليس كلهم متفقين \r\n وفي قوله تعالى لست منهم في شيء قولان \r\n أحدهما لست من قتالهم في شيء ثم نسخ بآية السيف وهذا مذهب السدي \r\n والثاني لست منهم أي أنت بريء منهم وهم منك برءاء إنما أمرهم إلى الله في جزائهم فتكون الآية محكمة \r\n ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقرأ يعقوب والقزاز عن عبد الوارث عشر بالتنوين أمثالها بالرفع قال ابن عباس يريد من عملها كتبت له عشر حسنات ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا جزاء مثلها وفي الحسنة والسيئة هاهنا قولان \r\n أحدهما أن الحسنة قول لا إله إلا الله والسيئة الشرك قاله ابن مسعود ومجاهد والنخعي \r\n والثاني أنه عام في كل حسنة وسيئة روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يقول الله عز و جل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر فان قيل ","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":" إذا كانت الحسنة كلمة التوحيد فأي مثل لها حتى يجعل جزاء قائلها عشر أمثالها فالجواب أن جزءا الحسنة معلوم القدر عند الله فهو يجازي فاعلها بعشر أمثاله وكذلك السيئة وقد أشرنا إلى هذا في المائدة عند قوله فكأنما قتل الناس جميعا فان قيل المثل مذكر فلم قال عشر أمثالها والهاء إنما تسقط في عدد المؤنث فالجواب أن الأمثال خلقت حسنات مؤنثة وتلخيص المعني فله عشر حسنات أمثالها فسقطت الهاء من عشر لأنها عدد مؤنث كما تسقط عند قولك عشر نعال وعشر جباب \r\n قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين \r\n قوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم قال الزجاج أي دلني على الدين الذي هو دين الحق ثم فسر ذلك بقوله دينا قيما قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو قيما مفتوحة القاف مشددة الياء والقيم المستقيم وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي قيما بكسر القاف وتخفيف الياء قال الزجاج وهو مصدر كالصغر والكبر وقال مكي من خففه بناه على فعل وكان أصله أن يأتي بالواو فيقول قوما كما قالوا عوض وحول ولكنه شذ عن القياس قال الزجاج ونصب قوله دينا قيما محمول على المعنى لأنه لما قال هداني دل على عرفني دينا ويجوز أن يكون على البدل من قوله إلى صراط مستقيم فالمعنى هداني صراطا مستقيما دينا قيما وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم والمعنى هداني ملة إبراهيم في حال حنيفيته ","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين \r\n قوله تعالى قل إن صلاتي يريد الصلاة المشروعة والنسك جمع نسيكة وفي النسك هاهنا أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الذبائح قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وابن قتيبة والثاني الدين قاله الحسن والثالث العبادة \r\n قال الزجاج النسك كل ما تقرب به إلى الله عز و جل إلا أن الغالب عليه أمر الذبح \r\n والرابع أنه الدين والحج والذبائح رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ومحياي ومماتي الجمهور على تحريك ياء محياي وتسكين ياء مماتي وقرأ نافع بتسكين ياء محياي ونصب ياء مماتي ثم للمفسرين في معناه قولان \r\n أحدهما أن معناه لا يملك حياتي ومماتي إلا الله \r\n والثاني حياتي لله في طاعه ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه ومقصود الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده لا لغيره كما تشركون أنتم به \r\n قوله تعالى وأنا أول المسلمين قال الحسن وقتادة أول المسلمين من هذه الأمة ","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":" قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون \r\n قوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ارجع عن هذا الأمر ونحن لك الكفلاء بما أصابك من تبعة فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا يؤخذ سواها بعملها وقيل المعنى إلا عليها عقاب معصيتها ولها ثواب طاعتها \r\n ولا تزر وازرة وزر أخرى قال الزجاج لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى والمعنى لا يؤخذ أحد بذنب غيره قال أبو سليمان ولما ادعت كل فرقة من اليهود والنصارى والمشركين أنهم أولى بالله من غيرهم عرفهم أنه الحاكم بينهم بقوله فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ونظيره إن الله يفصل بينهم يوم القيامة \r\n وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم \r\n قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض قال أبو عبيدة الخلائف جمع خليفة \r\n قال الشماخ ... تصيبهم وتخطئني المنايا ... وأخلف في ربوع عن ربوع ","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":" وللمفسرين فيمن خلفوه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم خلفوا الجن الذين كانوا سكان الأرض قاله ابن عباس \r\n والثاني أن بعضهم يخلف بعضا قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أن أمة محمد خلفت سائر الأمم ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى ورفع بعضكم فوق بعض درجات أي في الرزق والعلم والشرف والقوة وغير ذلك ليبلوكم أي ليختبركم فيظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب \r\n قوله تعالى إن ربك سريع العقاب فيه قولان \r\n أحدهما أنه سماه سريعا لأنه آت وكل آت قريب \r\n والثاني أنه إذا شاء العقوبة أسرع عقابه ","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأعراف \r\n فصل في نزولها \r\n روى العوفي وابن أبي طلحة وأبو صالح عن ابن عباس أن سورة الأعراف من المكي وهذا قول الحسن ومجاهد وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وقتادة وروي عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا خمس آيات أولها قوله تعالى واسألهم عن القرية وقال مقاتل كلها مكية إلا قوله واسألهم عن القرية إلى قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم فانهن مدنيات \r\n آلمص \r\n فأما التفسير فقوله تعالى المص قد ذكرنا في أول سورة البقرة كلاما مجملا في الحروف المقطعة أوائل السور فهو يعم هذه أيضا فأما ما يختص بهذه الآية ففيه سبعة أقوال \r\n أحدها أن معناه أنا الله أعلم وأفصل رواه أبو الضحى عن ابن عباس ","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":" والثاني أنه قسم أقسم الله به رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنها اسم من أسماء الله تعالى رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع أن الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق قاله أبو العالية \r\n والخامس أن المص اسم للسورة قاله الحسن \r\n والسادس أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة \r\n والسابع أنها بعض كلمة ثم في تلك الكلمة قولان \r\n أحدهما المصور قاله السدي والثاني المصير إلى كتاب أنزل إليك ذكره الماوردي \r\n كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين \r\n قوله تعالى كتاب أنزل إليك قال الأخفش رفع الكتاب بالابتداء ومذهب الفراء أن الله اكتفى في مفتتح السور ببعض حروف المعجم عن جميعها كما يقول القائل ا ب ت ث ثمانية وعشرون حرفا فالمعنى حروف المعجم كتاب أنزلناه إليك قال ابن الانباري ويجوز أن يرتفع الكتاب باضمار هذا الكتاب وفي الحرج قولان \r\n أحدهما أنه الشك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة \r\n والثاني أنه الضيق قاله الحسن والزجاج وفي هاء منه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الكتاب فعلى هذا في معنى الكلام قولان أحدهما لا يضيقن صدرك بالإبلاغ ولا تخافن قاله الزجاج والثاني لا تشكن أنه من عند الله ","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":" والقول الثاني أنها ترجع إلى مضمر وقد دل عليه الإنذار وهو التكذيب ذكره ابن الانباري قال الفراء فمعنى الآية لا يضيقن صدرك إن كذبوك قال الزجاج وقوله تعالى لتنذر به مقدم والمعنى أنزل إليه لتنذر به وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه وذكرى يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض فأما النصب فعلى قوله أنزل إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين أي ولتذكر به ذكرى لان في الإنذار معنى التذكير ويجوز الرفع على أن يكون وهو ذكرى كقولك وهو ذكرى للمؤمنين فأما الخفض فعلى معنى لتنذر لأن معنى لتنذر لأن تنذر المعنى للانذار والذكرى وهو في موضع خفض \r\n إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون \r\n قوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم إن قيل كيف خاطبه بالإفراد في الآية الأولى ثم جمع بقوله اتبعوا فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته حسن الجمع لذلك المعنى \r\n والثاني أن الخطاب الأول خاص له والثاني محمول على الإنذار والإنذار في طريق القول فكأنه قال لتقول لهم منذرا اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ذكرهما ابن الانباري \r\n والثالث أن الخطاب الثاني للمشركين ذكره جماعة من المفسرين قال والذي أنزل إليهم القرآن وقال الزجاج الذي أنزل القرآن وما أتى عن النبي صلى الله عليه و سلم لأنه مما أنزل عليه لقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه ","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":" وما نهاكم عنه فانتهوا ولا تتبعوا من دونه أولياء أي لا تتولوا من عدل عن دين الحق وكل من ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب وقوله تعالى قليلا ما تذكرون ما زائدة مؤكدة والمعنى قليلا تتذكرون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم تذكرون مشددة الذال والكاف وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم تذكرون خفيفة الذال مشددة الكاف قال أبو علي من قرأ تذكرون بالتشديد أراد تتذكرون فأدغم التاء في الذال وإدغامها فيها حسن لأنها التاء مهموسة والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتا من المهموس وأقوى فادغام الأنقص في الأزيد حسن وأما حمزة ومن وافقه فانهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة وقرأ ابن عامر يتذكرون بياء وتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمعنى قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب \r\n وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قائلون \r\n قوله تعالى وكم من قرية أهلكناها كم تدل على الكثرة ورب موضوعة للقلة قال الزجاج المعنى وكم من أهل قرية فحذف الأهل لأن في الكلام دليلا عليه \r\n وقوله تعالى فجاءها بأسنا محمول على لفظ القرية والمعنى فجاءهم بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له إما ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم قائلون قال ابن قتيبة بأسنا عذابنا وبياتا ليلا وقائلون من القائلة نصف النهار فان قيل إنما أتاها البأس قبل الإهلاك فكيف يقدم الهلاك فعنه ثلاثة أجوبة ","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":" أحدها أن الهلاك والبأس يقعان معا كما تقول أعطيتني فأحسنت وليس الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معا قاله الفراء \r\n والثاني أن الكون مضمر في الآية تقديره أهلكناها وكان بأسنا قد جاءها فأضمر الكون كما أضمر في قوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين أي ما كانت الشياطين تتلوه وقوله تعالى إن يسرق أي إن يكن سرق \r\n والثالث أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره وكم من قرية جاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فأهلكناها كقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي أي رافعك ومتوفيك ذكرهما ابن الانباري \r\n قوله تعالى أو هم قائلون قال الفراء فيه واو مضمرة والمعنى فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون فاستثقلوا نسقا على نسق \r\n فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين \r\n قوله تعالى فما كان دعواهم قال اللغويون الدعوى هاهنا بمعنى الدعاء والقول والمعنى ما كان قولهم وتداعيهم إذ جاءهم العذاب إلا الاعتراف بالظلم قال ابن الانباري وللدعوى في الكلام موضعان \r\n أحدهما الإدعاء والثاني القول والدعاء ","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":" قال الشاعر ... إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفي ... بدعواك من مذل بها فيهون ... \r\n فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين \r\n قوله تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأمم يسألون هل بلغكم الرسل وماذا أجبتم ويسأل الرسل هل بلغتم وماذا أجبتم فلنقصن عليهم أي فلنخبرنهم بما عملوا بعلم منا وما كنا غائبين عن الرسل والأمم وقال ابن عباس يوضع الكتاب فيتكلم بما كانوا يعملون \r\n والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون \r\n قوله تعالى والوزن يومئذ الحق أي العدل وإنما قال موازينه لأن من في معنى جميع يدل عليه قوله فأولئك وفي معنى يظلمون قولان \r\n أحدهما يجحدون والثاني يكفرون \r\n قال الفراء والمراد بموازينه وزنه والعرب تقول هل لك في درهم بميزان درهمك ووزن درهمك ويقولون داري بميزان دارك ووزن دارك ويريدن حذاء دارك ","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":" قال الشاعر ... قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ... عندي لكم مخاصم ميزانه ... \r\n يعني مثل كلامه ولفظه \r\n فصل \r\n والقول بالميزان مشهور في الحديث وظاهر القرآن ينطق به وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا الأعمال أعراض فكيف توزن فالجواب أن الوزن يرجع إلى الصحائف بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله عز و جل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا يا رب فيقول ألك عذر أو حسنة فيبهت الرجل فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة قال فطاشت السجلات وثقلت البطاقة أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يؤتى بالرجل الطويل الأكول ","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":" الشروب فلا يزن جناح بعوضة فعلى هذا يوزن الإنسان قال ابن عباس توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه وقال الحسن للميزان لسان وكفتان وجاء في الحديث أن داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان فأراه إياه فقال يا إلهي من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات فقال يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة وقال حذيفة جبريل صاحب الميزان يوم القيامة فيقول له ربه زن بينهم ورد من بعضهم على بعض فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة فان لم تكن له حسنة أخذ من سيئات المظلوم فرد على سيئات الظالم فيرجع وعليه مثل الجبال \r\n فان قيل أليس الله يعلم مقادير الأعمال فما الحكمة في وزنها فالجواب أن فيه خمسة حكم \r\n أحدها امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا والثانية إظهار علامة السعادة والشقاوة في الأخرى والثالثة تعريف العباد ما لهم من خير وشر والرابعة إقامة الحجة عليهم والخامسة الإعلام بأن الله عادل لا يظلم ونظير هذا أنه أثبت الاعمال في كتاب واستنسخها من غير جواز النسيان عليه ","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":" ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون \r\n قوله تعالى ولقد مكناكم في الأرض فيه قولان \r\n أحدهما مكناكم إياها والثاني سهلنا عليكم التصرف فيها \r\n وفي المعايش قولان \r\n أحدهما ما تعيشون به من المطاعم والمشارب \r\n والثاني ما تتوصلون به إلى المعايش من زراعة وعمل وكسب وأكثر القراء على ترك الهمز في معايش وقد رواها خارجة عن نافع مهموزة قال الزجاج وجميع النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ لأن الهمز إنما يكون في الياء الزائدة نحو صحيفة وصحائف فصحيفة من الصحف والياء زائدة فأما معايش فمن العيش فالياء أصلية \r\n قوله تعالى قليلا ما تشكرون أي شكركم قليل وقال ابن عباس يريد أنكم غير شاكرين \r\n ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين \r\n قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم في الأرحام رواه عبد الله بن الحارث عن ابن عباس \r\n والثاني ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عكرمة ","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":" والثالث ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم يعني ذريته من بعده رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والرابع ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم في ظهره قاله مجاهد \r\n والخامس خلقناكم نطفا في أصلاب الرجال وترائب النساء ثم صورناكم عند اجتماع النطف في الأرحام قاله ابن السائب \r\n والسادس خلقناكم في بطون أمهاتكم ثم صورناكم فيما بعد الخلق بشق السمع والبصر قاله معمر \r\n والسابع خلقناكم يعني آدم خلقناه من تراب ثم صورناكم أي صورناه قاله الزجاج وابن قتيبة قال ابن قتيبة فجعل الخلق لهم إذ كانوا منه فمن قاله عني بقوله خلقناكم آدم فمعناه خلقنا أصلكم ومن قال صورنا ذريته في ظهره أراد إخراجهم يوم الميثاق كهيئة الذر \r\n والثامن ولقد خلقناكم يعني الأرواح ثم صورناكم يعني الأجساد حكاه القاضي أبو يعلى في المعتمد وفي ثم المذكورة مرتين قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى الواو قاله الأخفش والثاني أنها للترتيب قاله الزجاج \r\n قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين \r\n قوله تعالى ما منعك ألا تسجد ما استفهام ومعناها الإنكار قال الكسائي لا هاهنا زائدة والمعنى ما منعك أن تسجد وقال الزجاج موصع ما رفع والمعنى أي شيء منعك من السجود ولا زائدة ","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":" مؤكدة ومثله لئلا يعلم أهل الكتاب قال ابن قتيبة وقد تزاد لا في الكلام والمعنى طرحها لإباء في الكلام أو جحد كهذه الآية وإنما زاد لا لأنه لم يسجد ومثله أنها إذا جاءت لا يؤمنون على قراءة من فتح أنها فزاد لا لأنهم لم يؤمنوا ومثله وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وقال الفراء لا هاهنا جحد محض وليست بزائدة والمنع راجع إلى تأويل القول والتأويل من قال لك لا تسجد فأحل المنع محل القول ودخلت بعده أن ليدل على تأويل القول الذي لم يتصرح لفظه وقال ابن جرير في الكلام محذوف تقديره ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد قال الزجاج وسؤال الله تعالى لإبليس ما منعك توبيخ له وليظهر أنه معاند ولذلك لم يتب وأتى بشيء في معنى الجواب ولفظه غير الجواب لأن قوله أنا خير منه إنما هو جواب أيكما خير ولكن المعنى منعني من السجود فضلي عليه ومثله قولك للرجل كيف كنت فيقول أنا صالح وإنما الجواب كنت صالحا فيجيب بما يحتاج إليه وزيادة قال العلماء وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص وخفي عليه فضل الطين على النار وفضله من وجوه \r\n أحدها أن من طبع النار الطيش والالتهاب والعجلة ومن طبع الطين الهدوء والرزانة \r\n والثاني أن الطين سبب الإنبات والإيجاد والنار سبب الإعدام والإهلاك \r\n والثالث أن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها \r\n قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":" قوله تعالى فاهبط منها في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى السماء لأنه كان فيها قاله الحسن \r\n والثاني إلى الجنة قاله السدي \r\n قوله تعالى فما يكون لك أن تتكبر فيها إن قيل فهل لأحد أن يتكبر في غيرها فالجواب أن المعنى ما للمتكبر أن يكون فيها وإنما المتكبر في غيرها وأما الصاغر فهو الذليل والصغار الذل قال الزجاج استكبر إبليس بابائه السجود فأعلمه الله أنه صاغر بذلك \r\n قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين \r\n قوله تعالى قال أنظرني أي أمهلني وأخرني إلى يوم يبعثون فأراد أن يعبر فنطرة الموت وسأل الخلود فلم يجبه إلى ذلك وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم وقد بين مدة إمهاله في الحجر بقوله إلى يوم الوقت المعلوم وفي ما سأل الإمهال له قولان \r\n أحدهما الموت والثاني العقوبة فان قيل كيف قيل له إنك من المنظرين وليس أحد أنظر سواه فالجواب أن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم فهو منهم \r\n قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم \r\n قوله تعالى فبما أغويتني في معنى هذا الإغواء قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الإضلال قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أنه بمعنى الإهلاك ومنه قوله فسوف يلقون غيا أي هلاكا ذكره ابن الأنباري وفي معنى فبما قولان ","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":" أحدهما أنها بمعنى القسم أي فباغوائك لي \r\n والثاني أنها بمعنى الجزاء أي فبأنك أغويتني ولأجل أنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم قال الفراء والزجاج أي على صراطك ومثله قولهم ضرب زيد الظهر والبطن وفي المراد بالصراط هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه طريق مكة قاله ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير كأن المراد صدهم عن الحج \r\n والثاني أنه الأسلام قاله جابر بن عبد الله وابن الحنيفة ومقاتل \r\n والثالث أنه الحق قاله مجاهد \r\n ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين \r\n قوله تعالى ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيه سبعة أقوال \r\n أحدها من بين أيديهم أشككهم في آخرتهم ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم وعن أيمانهم أي من قبل حسناتهم وعن شمائلهم من قبل سيئاتهم قاله ابن عباس \r\n والثاني مثله إلا أنهم جعلوا من بين أيديهم الدنيا ومن خلفهم الآخرة قاله النخعي والحكم بن عتيبة \r\n والثالث مثل الثاني إلا أنهم جعلوا وعن أيمانهم من قبل الحق أصدهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل أردهم إليه قاله مجاهد والسدي \r\n والرابع من بين أيديهم من سبيل الحق ومن خلفهم من سبيل ","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":" الباطل وعن أيمانهم من قبل آخرتهم وعن شمائلهم من أمر الدنيا قاله أبو صالح \r\n والخامس من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون نقل عن مجاهد أيضا \r\n والسادس أن المعنى لأتصرفن لهم في الإضلال من جميع جهاتهم قاله الزجاج وأبو سليمان الدمشقي فعلى هذا يكون ذكر هذه الجهات للمبالغة في التأكيد \r\n والسابع من بين أيديهم فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون فيه على طاعة ومن خلفهم فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون فيه من معصية وعن أيمانهم من قبل الغنى فلا ينفقونه في مشكور وعن شمائلهم من قبل الفقر فلا يمتنعون فيه من محظور قاله الماوردي \r\n قوله تعالى ولا تجد أكثرهم شاكرين فيه قولان \r\n أحدهما موحدين قاله ابن عباس \r\n والثاني شاكرين لنعمتك قاله مقاتل فان قيل من أين علم إبليس ذلك فقد أسلفنا الجواب عنه في سورة النساء \r\n قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين \r\n قوله تعالى قال فاخرج منها مذؤوما قرأ الأعمش مذوما بضم الذال ","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":" من غير همز قال الفراء الذأم الذم يقال ذأمت الرجل أذأمه ذأما وذممته أذمه ذما وذمته أذيمه ذيما ويقال رجل مذؤوم ومذموم ومذيم بمعنى قال حسان بن ثابت ... واقاموا حتى أبيروا جميعا ... في مقام وكلهم مذؤوم ... \r\n قال ابن قتيبة المذؤوم المذموم بأبلغ الذم والمدحور المقصى المبعد وقال الزجاج معنى المذؤوم كمعنى المذموم والمدحور المبعد من رحمة الله واللام من لأملأن لام القسم والكلام بمعنى الشرط والجزاء كأنه قيل له من تبعك أعذبه فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد فلام لأملأن هي لام القسم ولام لمن تبعك توطئة لها فأما قوله منهم فقال ابن الانباري الهاء والميم عائدتان على ولد آدم لانه حين قال ولقد خلقناكم ثم صورناكم كان مخاطبا لولد آدم فرجع إليهم فقال لمن تبعك منهم فجعلهم غائبين لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لبسا والعرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب ومن قال ولقد خلقناكم ثم صورناكم خطاب لآدم قال أعاد الهاء والميم على ولده لأن ذكره يكفي من ذكرهم والعرب تكتفي بذكر الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف المعنى وزال اللبس قال الشاعر ... ارى الخطفى بذ الفرزدق شعره ... ولكن خيرا من كليب مجاشع ... \r\n أراد ارى ابن الخطفي فاكتفى بالخطفي من ابنه \r\n قوله تعالى لأملأن جهنم منكم يعني أولاد آدم المخالفين وقرناءهم من الشياطين ","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":" فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين \r\n قوله تعالى فوسوس لهما الشيطان قيل إن الوسوسة إخفاء الصوت قال ابن فارس الوسواس صوت الحلي ومنه وسواس الشيطان ولهما بمعنى إليهما ليبدي لهما أي ليظهر لهما ماووري عنهما أي ستر وقيل إن لام ليبدي لام العاقبة وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما ولم تكن الوسوسة لظهورها \r\n قوله تعالى إلا أن تكونا ملكين قال الأخفش والزجاج معناه ما نهاكما إلا كراهة أن تكونا ملكين وقال ابن الانباري المعنى إلا أن لا تكونا فاكتفى بأن من لا فأسقطها فان قيل كيف انقاد آدم لإبليس مستشرفا إلى أن يكون ملكا وقد شاهد الملائكة ساجدة له فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه عرف قربهم من الله واجتماع أكثرهم حول عرشه فاستشرف لذلك قاله ابن الأنباري \r\n والثاني أن المعنى إلا أن تكونا طويلي العمر مع الملائكة أو تكونا من الخالدين لا تموتان أبدا قاله أبو سليمان الدمشقي وقد روى يعلى بن حكيم عن ابن كثير أن تكونا ملكين بكسر اللام وهي قراءة الزهري \r\n وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدليهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":" وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون \r\n قوله تعالى وقاسمهما قال الزجاج حلف لهما فدلاهما في المعصية بأن غرهما \r\n قال ابن عباس غرهما باليمين وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا \r\n قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة أي فلما ذاقا ثمر الشجرة قال الزجاج وهذا يدل على أنهما ذاقاها ذواقا ولم يبالغا في الأكل والسوأة كناية عن الفرج لا أصل له في تسميته ومعنى طفقا أخذا في الفعل والأكثر طفق يطفق وقد رويت طفق يطفق بكسر الفاء ومعنى يخصفان يجعلان ورقة على ورقة ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف \r\n وفي الآية دليل على أن إظهار السوأة قبيح من لدن آدم ألا ترى إلى قوله ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما فانهما بادرا يستتران لقبح التكشف وقيل إنما سميت السوأة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها قال وهب بن منبه كان لباسهما نورا على فروجهما لا يرى أحدهما عورة الآخر فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوءاتهما وقرأ الحسن سوأتهما على التوحيد وكذلك قرأ سخصفان بكسر الياء والخاء مع تشديد الصاد وقرأ الزهري بضم الياء وفتح الخاء مع تشديد الصاد وفي الورق قولان \r\n أحدهما ورق التين قاله ابن عباس ","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":" والثاني ورق الموز ذكره المفسرون وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله قال فيها تحيون يعني الأرض واختلف القراء في تاء تخرجون فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بضم التاء وفتح الراء هاهنا وفي الروم وكذلك تخرجون وفي الزخرف كذلك تخرجون وفي الجاثية لا يخرجون منها وقرأهن حمزة والكسائي بفتح التاء وضم الراء وفتح ابن عامر التاء في الاعراف فقط فأما التي في الروم إذا أنتم تخرجون وفي سأل سائل يوم يخرجون فمفتوحتان من غير خلاف \r\n يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون - قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا سبب نزولها أن ناسا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة فنزلت هذه الآية قاله مجاهد وقيل إنه لما ذكر عري آدم من علينا باللباس وفي معنى أنزلنا عليكم ثلاثة اقوال \r\n أحدها خلقنا لكم والثاني ألهمناكم كيفية صنعه والثالث أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباس وأكثر القراء قرؤوا وريشا وقرأ ابن عباس والحسن وزر بن حبيش وقتادة والمفضل وأبان عن عاصم ورياشا بألف قال الفراء يجوز أن تكون الرياش جميع الريش ويجوز أن تكون بمعنى الريش كما قالوا لبس ولباس ","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":" قال الشاعر ... فلما كشفن اللبس عنه مسحنه ... بأطراف طفل زان غيلا موشما ... \r\n قال ابن عباس ومجاهد الرياش المال وقال عطاء المال والنعيم وقال ابن زيد الريش الجمال وقال معبد الجهني الريش الرزق وقال ابن قتيبة الريش والرياش ما ظهر من اللباس وقال الزجاج الريش اللباس وكل ما ستر الإنسان في جسمه ومعيشته يقال تريش فلان أي صار له ما يعيش به أنشد سيبويه ... رياشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما ... \r\n وعلى قول الأكثرين الريش والرياش بمعنى قال قطرب الريش والرياش واحد وقال سفيان الثوري الريش المال والرياش الثياب \r\n قوله تعالى ولباس التقوى قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ولباس التقوى بالرفع وقرأ ابن عامر ونافع والكسائي بنصب اللباس قال الزجاج من نصب اللباس عطف به على الريش ومن رفعه فيجوز أن يكون مبتدأ ويجوز أن يكون مرفوعا باضمار هو المعنى وهو لباس التقوى أي وستر العورة لباس المتقين وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال ","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":" أحدها أنه السمت الحسن قاله عثمان بن عفان ورواه الذيال بن عمرو عن ابن عباس والثاني العمل الصالح رواه العوفي عن ابن عباس والثالث الإيمان قاله قتادة وابن جريج والسدي فعلى هذا سمي لباس التقوى لأنه يقي العذاب والرابع خشية الله تعالى قاله عروة بن الزبير والخامس الحياء قاله معبد الجهني وابن الانباري والسادس ستر العورة للصلاة قاله ابن زيد والسابع انه الدرع وسائر آلات الحرب قاله زيد بن علي والثامن العفاف قاله ابن السائب والتاسع أنه ما يتقى به الحر والبرد قاله ابن بحر والعاشر أن المعنى ما يلبسه المتقون في الآخرة خير مما يلبسه أهل الدنيا رواه عثمان ابن عطاء عن أبيه \r\n قوله تعالى ذلك خير قاله ابن قتيبة المعنى ولباس التقوى خير من الثياب لأن الفاجر وإن كان حسن الثوب فهو بادي العورة وذلك زائدة قال الشاعر في هذا المعنى ... إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا ... \r\n قال ابن الانباري ويقال لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية بالتعري في الطواف \r\n قوله تعالى ذلك من آيات الله قال مقاتل يعني الثياب والمال من آيات الله وصنعه لكي يذكروا فيعتبروا في صنعه \r\n يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":" قوله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان قال المفسرون هذا الخطاب للذين كانوا يطوفون عراة والمعنى لا يخدعنكم ولا يضلنكم بغروره فيزين لكم كشف عوراتكم كما أخرج أبويكم من الجنة بغروره وأضيف الإخراج ونزع اللباس إليه لأنه السبب وفي لباسهما أربعة أقوال \r\n أحدها أنه النور رواه أبو صالح عن ابن عباس وقد ذكرناه عن ابن منبه \r\n والثاني أنه كان كالظفر فلما أكلا لم يبق عليهما منه إلا الظفر رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عكرمة وابن زيد \r\n والثالث أنه التقوى قاله مجاهد \r\n والرابع أنه كان من ثياب الجنة ذكره القاضي أبو يعلى \r\n قوله تعالى ليريهما سوءاتهما أي ليري كل واحد منهما سوأة صاحبه إنه يراكم هو وقبيله قال مجاهد قبيله الجن والشياطين قال ابن عباس جعلهم الله يجرون من بني آدم مجرى الدم وصدور بني آدم مساكن لهم فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم \r\n قوله تعالى إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون قال الزجاج سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم وقال أبو سليمان جعلناهم موالين لهم \r\n وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء اتقولون على الله مالا تعلمون \r\n قوله تعالى وإذا فعلوا الفاحشة فيمن عني بهذه الآية ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة والفاحشة كشف العورة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وزيد بن أسلم والسدي ","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":" والثاني أنهم الذين جعلوا السائبة والوصيلة والحام وتلك الفاحشة روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنهم المشركون والفاحشة الشرك قاله الحسن وعطاء قال الزجاج فأعلمهم عز و جل أنه لا يأمر بالفحشاء لأن حكمته تدل على أنه لا يفعل إلا المستحسن والقسط العدل والعدل ما استقر في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميز فكيف يأمر بالفحشاء وهي ما عظم قبحه \r\n قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون \r\n قوله تعالى وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد فيه أربعة أقوال \r\n أحدها إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي قاله ابن عباس والضحاك واختاره ابن قتيبة \r\n والثاني توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة قاله مجاهد والسدي وابن زيد \r\n والثالث اجعلوا سجودكم خالصا لله تعالى دون غيره قاله الربيع بن أنس \r\n والرابع اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمرا بالجماعة لها ذكره الماوردي وفي قوله وادعوه قولان \r\n أحدهما أنه العبادة والثاني الدعاء وفي قوله مخلصين له الدين قولان \r\n أحدهما مفردين له العبادة والثاني موحدين غير مشركين \r\n وفي قوله كما بدأكم تعودون ثلاثة أقوال \r\n أحدها كما بدأكم سعداء وأشقياء كذلك تبعثون روى هذا المعنى ","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":" علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والقرظي والسدي ومقاتل والفراء \r\n والثاني كما خلقتم بقدرته كذلك يعيدكم روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وابن زيد والزجاج وقال هذا الكلام متصل بقوله فيها تحيون وفيها تموتون \r\n والثالث كما بدأكم لا تملكون شيئا كذلك تعودون ذكره الماوردي \r\n فريقا هدى وقريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون \r\n قوله تعالى فريقا هدى قال الفراء نصب الفريق ب تعودون وقال ابن الانباري نصب فريقا وفريقا على الحال من الضمير الذي في تعودون يريد تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين بعضكم سعداء وبعضكم أشقياء \r\n قوله تعالى حق عليهم الضلالة أي بالكلمة القديمة والإرادة السابقة \r\n يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين \r\n قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم سبب نزولها أن ناسا من الأعراب كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة تعلق على فرجها سيورا وتقول ... اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله ","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":" فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن كانوا إذا حجوا فأفاضوا من منى لا يصلح لأحد منهم في دينه الذي اشترعوا أن يطوف في ثوبيه فيلقيهما حتى يقضي طوافه فنزلت هذه الآية وقال الزهري كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس قريش وأحلافها فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثوبي أحمس فان لم يجد من يعيره من الحمس ألقى ثيابه وطاف عريانا فان طاف في ثياب نفسه جعلها حراما عليه إذا قضى الطواف فلذلك جاءت هذه الآية وفي هذه الزينة قولان \r\n أحدهما أنها الثياب ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه ورد في ستر العورة في الطواف قاله ابن عباس والحسن في جماعة والثاني أنه ورد في ستر العورة في الصلاة قاله مجاهد والزجاج والثالث أنه ورد في التزين بأجمل الثياب في الجمع والأعياد ذكره الماوردي \r\n والثاني أن المراد بالزينة المشط قاله أبو رزين \r\n قوله تعالى وكلوا واشربوا قال ابن السائب كان أهل الجاهلية لا يأكلون في أيام حجهم دسما ولا ينالون من الطعام إلا قوتا تعظيما لحجتهم فنزل قوله وكلوا واشربوا وفي قوله ولا تسرفوا أربعة اقوال \r\n أحدها لا تسرفوا بتحريم ما أحل لكم قاله ابن عباس \r\n والثاني لا تأكلوا حراما فذلك الإسراف قاله ابن زيد ","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":" والثالث لا تشركوا فمعنى الإسراف هاهنا الإشراك قاله مقاتل \r\n والرابع لا تأكلوا من الحلال فوق الحاجة قاله الزجاج \r\n ونقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد ليس في كتابكم من علم الطب شيء فقال علي قد جمع الله تعالى الطب في نصف آية من كتابنا قال ما هي قال قوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا قال النصراني ولا يؤثر عن نبيكم شيء من الطب فقال قد جمع رسولنا علم الطب في ألفاظ يسيرة قال وما هي قال المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وعودوا كل بدن ما اعتاد فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا \r\n قال المصنف هكذا نقلت هذه الحكاية إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يثبت وقد جاءت عنه في الطب أحاديث قد ذكرتها في كتاب لقط المنافع في الطب \r\n قل من حرم زينة الله التي أخرج لعبادة والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون \r\n قوله تعالى قل من حرم زينة الله في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":" أحدها أن المشركين عيروا المسلمين إذ لبسوا الثياب في الطواف وأكلوا الطيبات فنزلت رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الزروع وغيرها فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث نزلت في طوافهم بالبيت عراة قاله طاووس وعطاء وفي زينة الله قولان \r\n أحدهما أنها ستر العورة فالمعنى من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم \r\n والثاني أنها زينة اللباس وفي الطيبات قولان \r\n أحدهما أنها الحلال والثاني المستلذ ثم في ما عني بها ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها البحائر والسوائب والوصائل والحوامي التي حرموها قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثاني أنها السمن والألبان واللحم وكانوا حرموه في الإحرام قاله ابن زيد والثالث الحرث والأنعام والألبان قاله مقاتل \r\n قوله تعالى قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة قال ابن الانباري خالصة نصب على الحال من لام مضمرة تقديرها هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة وهي لهم في الآخرة خالصة فحذفت اللام لوضوح معناها كما تحذف العرب أشياء لا يلبس سقوطها \r\n قال الشاعر ... تقول ابنتي لما رأتني شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب ... تتابع أحداث تخر من أخوتي ... فشيبن رأسي والخطوب تشيب ","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":" أراد فقلت لها الذي اكسبني ما ترين تتابع أحداث فحذف لانكشاف المعنى قال المفسرون إن المشركين شاركوا المؤمنين في الطيبات فأكلوا ولبسوا ونكحوا ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للمؤمنين وليس للمشركين فيها شيء وقيل خالصة لهم من ضرر أو إثم وقرأ نافع خالصة بالرفع قال الزجاج ورفعها على أنه خبر بعد خبر كما تقول زيد عاقل لبيب والمعنى قل هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا خالصة يوم القيامة \r\n قوله تعالى كذلك نفصل الآيات أي هكذا نبينها \r\n قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون \r\n قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش قرأ حمزة ربي الفواحش باسكان الياء ما ظهر منها وما بطن فيه ستة اقوال \r\n أحدها أن المراد بها الزنا ما ظهر منها علانيته وما بطن سره رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير \r\n والثاني أن ما ظهر نكاح الأمهات وما بطن الزنا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال علي بن الحسين \r\n والثالث أن ما ظهر نكاح الأبناء نساء الآباء والجمع بين الأختين وأن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها وما بطن الزنا روي عن ابن عباس أيضا \r\n والرابع أن ما ظهر الزنا وما بطن العزل قاله شريح \r\n والخامس أن ما ظهر طواف الجاهلية عراة وما بطن الزنا قاله مجاهد ","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":" والسادس أنه عام في جميع المعاصي ثم في ما ظهر منها وما بطن قولان \r\n أحدهما أن الظاهر العلانية والباطن السر قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والثاني أن ما ظهر أفعال الجوارج والباطن اعتقاد القلوب قاله الماوردي وفي الإثم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الذنب الذي لا يوجب الحد قاله ابن عباس والضحاك والفراء \r\n والثاني المعاصي كلها قاله مجاهد \r\n والثالث أنه الخمر قاله الحسن وعطاء قال ابن الانباري انشدنا رجل في مجلس ثعلب بحضرته وزعم أن أبا عبيدة أنشده ... نشرب الإثم بالصواع جهارا ... ونرى المتك بيننا مستعارا ... \r\n فقال أبو العباس لا أعرفه ولا أعرف الإثم الخمر في كلام العرب وانشدنا رجل آخر ... شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول ... \r\n قال أبو بكر وما هذا البيت معروفا أيضا في شعر من يحتج بشعره وما رأيت أحدا من أصحاب الغريب أدخل الإثم في أسماء الخمر ولا سمتها العرب بذلك في جاهلية ولا إسلام \r\n فان قيل إن الخمر تدخل تحت الإثم فصواب لا لأنه اسم لها \r\n فان قيل كيف فصل الإثم عن الفواحش وفي كل الفواحش إثم فالجواب أن كل فاحشة إثم وليس كل إثم فاحشة فكان لإثم كل فعل مذموم والفاحشة العظيمة فأما البغي فقال الفراء هو الاستطالة على الناس ","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":" قوله تعالى وأن تشركوا قال الزجاج موضع أن نصب فالمعنى حرم الفواحش وحرم الشرك والسلطان الحجة \r\n قوله تعالى وأن تقولوا على الله مالا تعلمون عام في تحريم القول في الدين من غير يقين \r\n ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون \r\n قوله تعالى ولكل أمة أجل سبب نزولها أنهم سألوا النبي صلى الله عليه و سلم العذاب فأنزلت قاله مقاتل وفي الأجل قولان \r\n أحدهما أنه أجل العذاب والثاني أجل الحياة قال الزجاج الأجل الوقت المؤقت فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة المعنى ولا أقل من ساعة وإنما ذكر الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات \r\n يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين \r\n قوله تعالى يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم قال الزجاج أضمر فأطيعوهم وقد سبق معنى إما في سورة البقرة والباقي ظاهر إلى قوله ينالهم نصيبهم من الكتاب ففي معناه سبعة اقوال ","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":" احدها ما قدر لهم من خير وشر رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والثاني نصيبهم من الأعمال فيجزون عليها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث ما كتب عليهم من الضلالة والهدى قاله الحسن وقال مجاهد وابن جبير من السعادة والشقاوة \r\n والرابع ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار والاعمال قاله الربيع والقرظي وابن زيد \r\n والخامس ما كتب لهم من العذاب قاله عكرمة وأبو صالح والسدي \r\n والسادس ما أخبر الله تعالى في الكتب كلها أنه من افترى على الله كذبا اسود وجهه قاله مقاتل \r\n والسابع ما أخبر في الكتاب من جزائهم نحو قوله فأنذرتكم نارا تلظى قاله الزجاج فاذن في الكتاب خمسة أقوال \r\n أحدها أنه اللوح الحفوظ والثاني كتب الله كلها والثالث القرآن والرابع كتاب أعمالهم والخامس القضاء \r\n قوله تعالى حتى إذا جاءتهم رسلنا فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أعوان ملك الموت قاله النخعي والثاني ملك الموت وحده قاله مقاتل والثالث ملائكة العذاب يوم القيامة \r\n وفي قوله يتوفونهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها يتوفونهم بالموت قاله الأكثرون والثاني يتوفونهم بالحشر ","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":" إلى النار يوم القيامة قاله الحسن والثالث يتوفونهم عذابا كما تقول قتلت فلانا بالعذاب وإن لم يمت قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أين ما كنتم تدعون أي تعبدون من دون الله وهذا سؤال تبكيت وتقريع قال مقاتل المعنى فليمنعوكم من النار قال الزجاج ومعنى ضلوا عنا بطلوا وذهبوا فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين وقال غيره ذلك الاعتراف يكون يوم القيامة \r\n قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا أداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون \r\n قوله تعالى قال ادخلوا إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة قال ابن قتيبة وفي بمعنى مع \r\n وفي قوله قد خلت من قبلكم قولان \r\n أحدهما مضت إلى العذاب \r\n والثاني مضت في الزمان يعني كفار الأمم الماضية \r\n قوله تعالى كلما دخلت أمة لعنت أختها وهذه أخوة الدين والملة لا أخوة النسب قال ابن عباس يلعنون من كان قبلهم قال مقاتل كلما دخل أهل ملة لعنوا أهل ملتهم فيلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى والمشركون المشركين والأتباع القادة ويقولون أنتم ألقيتمونا هذا الملقى حين أطعناكم وقال الزجاج إنما تلاعنوا لأن بعضهم ضل باتباع بعض ","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":" قوله تعالى حتى إذا اداركوا قال ابن قتيبة أي تداركوا فأدغمت التاء في الدال وأدخلت الألف ليسلم السكون لما بعدها يريد تتابعوا فيها واجتمعوا \r\n قوله تعالى قالت أخراهم لأولاهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها آخر أمة لأول أمة قاله ابن عباس والثاني آخر أهل الزمان لأوليهم الذين شرعوا له ذلك الدين قاله السدي والثالث آخرهم دخولا إلى النار وهم الأتباع لأولهم دخولا وهم القادة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى هؤلاء أضلونا قال ابن عباس شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها \r\n قوله تعالى فآتهم عذابا ضعفا قال الزجاج أي عذابا مضاعفا \r\n قوله تعالى قال لكل ضعف أي عذاب مضاعف ولكن لا تعلمون \r\n قرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم يعلمون بالياء قال الزجاج والمعنى لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر وقرأ الباقون تعلمون بالتاء وفيها وجهان ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق من العذاب \r\n والثاني لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك وقيل إنما طلب الأتباع مضاعفة عذاب القادة ليكون أحد العذابين على الكفر والثاني على إغرائهم به فأجيبوا لكل ضعف أي كما كان للقادة ذلك فلكم عذاب بالكفر وعذاب بالاتباع قوله فما كان لكم علينا من فضل فيه قولان \r\n أحدهما في الكفر نحن وأنتم فيه سواء قاله ابن عباس \r\n والثاني في تخفيف العذاب قاله مجاهد ","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":" وقالت أولهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون \r\n قوله تعالى بما كنتم تكسبون قال مقاتل من الشرك والتكذيب \r\n إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين \r\n قوله تعالى إن الذين كذبوا بآياتنا أي بحججنا وأعلامنا التي تدل على توحيد الله ونبوة الأنبياء وتكبروا عن الإيمان بها لا تفتح لهم ابواب السماء قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر تفتح بالتاء وشددوا التاء الثانية وقرأ أبو عمرو لا تفتح بالتاء خفيفة ساكنة الفاء وقرأ حمزة والكسائي لا يفتح بالياء مضمومة خفيفة وقرأ اليزيدي عن اختياره لا تفتح بتاء مفتوحة أبواب السماء بنصب الباء فكأنه أشار إلى أفعالهم وقرأ الحسن بياء مفتوحة مع نصب الأبواب كأنه يشير إلى الله عز و جل وفي معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء رواه الضحاك عن ابن عباس وهو قول أبي موسى الأشعري والسدي في آخرين والأحاديث تشهد به \r\n والثاني لا تفتح لأعمالهم رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والرابع لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم قاله ابن جريج ومقاتل ","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":" وفي السماء قولان \r\n أحدهما أنها السماء المعروفة وهو المشهور \r\n والثاني أن لمعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها لأن الجنة في السماء ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط الجمل هو الحيوان المعروف فان قال قائل كيف خص الجمل دون سائر الدواب وفيها ما هو أعظم منه فعنه جوابان \r\n أحدهما أن ضرب المثل بالجمل يحصل المقصود والمقصود أنهم لا يدخلون الجنة كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة ولو ذكر أكبر منه أو اصغر منه جاز والناس يقولون فلان لا يساوي درهما وهذا لا يغني عنك فتيلا وإن كنا نجد أقل من الدرهم والفتيل \r\n والثاني أن الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر الدواب فانهم يقدمونه في القوة على غيره لأنه يوقر بحمله فينهض به دون غيره من الدواب ولهذا عجبهم من خلق الإبل فقال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت فآثر الله ذكره على غيره لهذا المعنى ذكر الجوابين ابن الانباري قال وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ حتى يلج الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقال هو القلس الغليظ \r\n قال المصنف وهي قراءة أبي رزين ومجاهد وابن محيصن وأبي مجلز وابن يعمر وأبان عن عاصم قال وروى مجاهد عن ابن عباس حتى يلج الجمل بضم الجيم وفتح الميم وتخفيفها ","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":" قلت وهي قراءة قتادة وقد رويت عن سعيد بن جبير وأنه قرأ حتى يلج الجمل بضم الجيم وتسكين الميم قلت وهي قراءة عكرمة \r\n قال ابن الانباري فالجمل يحتمل أمرين يجوز أن يكون بمعنى الجمل ويجوز أن يكون بمعنى جملة من الجمال قيل في جمعها جمل كما قال حجرة وحجر وظلمة وظلم وكذلك من قرأ الجمل يسوغ له أن يقول الجمل بمعنى الجمل وأن يقول الجمل جمع جملة مثل بسرة وبسر وأصحاب هذه القراءات يقولون الحبل والحبال أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قرأ الجمل بضم الجيم والميم وبالتخفيف وهي قراءة الضحاك والجحدري وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء الجمل بفتح الجيم وبسكون الميم خفيفة \r\n قوله تعالى في سم الخياط السم في اللغة الثقب وفيها ثلاث لغات فتح السين وبها قرأ الأكثرون وضمها وبه قرأ ابن مسعود وأبو رزين وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف وكسرها وبه قرأ أبو عمران الجوني وأبو نهيك والأصمعي عن نافع قال ابن القاسم والخياط المخيط بمنزلة اللحاف والملحف والقرام والمقرم وقد قرأ ابن مسعود وأبو رزين وأبو مجلز في سم المخيط وقال الزجاج الخياط الإبرة وسمها ثقبها والمعنى أنهم لا يدخلون الجنة أبدا قال ابن قتيبة هذا كما يقال لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب ويبيض القار \r\n قوله تعالى وكذلك نجزي المجرمين أي مثل ذلك نجزي الكافرين أنهم لا يدخلون الجنة ","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":" لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى لهم من جهنم مهاد المهاد الفراش \r\n وفي المراد بالغواشي ثلاثة اقوال \r\n أحدها اللحف قاله ابن عباس والقرظي وابن زيد والثاني ما يغشاهم من فوقهم من الدخان قاله عكرمة والثالث غاشية فوق غاشية من النار قاله الزجاج قال ابن عباس والظالمون هاهنا الكافرون \r\n ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل فيمن عني بهذه الآية أربعة أقوال \r\n أحدها أهل بدر روى الحسن عن علي رضي الله عنه أنه قال فينا والله أهل بدر نزلت ونزعنا ما في صدورهم من غل وروى عمرو بن الشريد عن علي أنه قال إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله ونزعنا ما في صدورهم من غل \r\n والثاني أنهم أهل الأحقاد من أهل الجاهلية حين أسلموا روى كثير النواء عن أبي جعفر قال نزلت هذه الآية في علي وأبي بكر وعمر قلت لأبي جعفر فأي غل هو قال غل الجاهلية كان بين بني هاشم وبني تيم وبني عدي في ","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":" الجاهلية شيء فلما أسلم هؤلاء تحابوا فأخذت أبا بكر الخاصرة فجعل علي يسخن يده ويكمد بها خاصرو أبي بكر فنزلت هذه الآية \r\n والثالث أنهم عشرة من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود قاله أبو صالح \r\n والرابع أنها في صفة أهل الجنة إذا دخلوها روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه تعالى وسلم أنه قال يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا وقال ابن عباس أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل وغيره مما كان في الدنيا ثم يدخلون إلى العين الأخرى فيغتسلون منها فتشرق ألوانهم وتصفوا وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم ","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":" فأما النزع فهو قلع الشيء من مكانه والغل الحقد الكامن في الصدر \r\n وقال ابن قتيبة الغل الحسد والعداوة \r\n قوله تعالى الحمد لله الذي هدانا لهذا قال الزجاج معناه هدانا لما صيرنا إلى هذا قال ابن عباس يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته وروى عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه قال تستقبلهم الولدان كأنهم لؤلؤ منثور فيطوفون بهم كاطافتهم بالحميم جاء من الغيبة ويبشرونهم بما أعد الله لهم ويذهبون إلى أزواجهم فيبشرونهم فيستخفهن الفرح فيقمن على أسكفة الباب فيقلن أنت رأيته أنت رأيته قال فيجيء إلى منزله فينظر في أساسه فاذا صخر من لؤلؤ ثم يرفع بصره فلولا أن الله ذلله لذهب بصره ثم ينظر اسفل من ذلك فاذا هو بالسرر الموضونة والفرش المرفوعة والذرابي المبثوثة فعند ذلك قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله كلهم قرأ وما كنا باثبات الواو غير ابن عامر فانه قرأ ما كنا لنهتدي بغير واو وكذلك هي في مصاحف أهل الشام قال أبو علي وجه الاستغناء عن الواو أن القصة ملتبسة بما قبلها فأغنى التباسها به عن حرف العطف ومثله رابعهم كلبهم \r\n قوله تعالى لقد جاءت رسل ربنا بالحق هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ونودوا أن تلك الجنة قال الزجاج إنما قال تلكم لأنهم وعدوا بها في الدنيا فكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وجائز أن يكون هذا قيل لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر أورثتموها غير مدغمة وقرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي أورتموها مدغمة وكذلك قرؤوا في الزخرف قال ","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":" ابو علي من ترك الادغام فلتباين مخرج الحرفين ومن أدغم فلأن التاء والثاء مهموستان متقاربتان وفي معنى أورثتموها أربعة أقوال \r\n أحدها ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فأما الكافر فانه يرث المؤمن منزله من النار والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة فذلك قوله أورثتموها بما كنتم تعملون وقال بعضهم لما سمي الكفار أمواتا بقوله أموات غير احياء وسمى المؤمنين أحياء بقوله لتنذر من كان حيا أورث الأحياء الموتى \r\n والثاني أنهم أورثوها عن الأعمال لأنها جعلت جزاء لأعمالها وثوابا عليها إذ هي عواقبها حكاه أبو سليمان الدمشقي \r\n والثالث أن دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال فلما كان يفسر نيلها لا عن عوض سميت ميراثا والميراث ما أخذته عن غير عوض \r\n والرابع أن معنى الميراث هاهنا أن أمرهم يؤول إليها كما يؤول الميراث إلى الوارث ","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":" ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون \r\n قوله تعالى 6فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا أي من العذاب وهذا سؤال تقرير وتعيير قالوا نعم قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القرآن وكان الكسائي يكسرها قال الأخفش هما لغتان \r\n قوله تعالى فأذن مؤذن بينهم أي نادى مناد ان لعنة الله قرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمرو وعاصم أن لعنة الله خفيفة النون ساكنة وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي أن بالتشديد لعنة الله بالنصب قال الأخفش وأن في قوله أن تلكم الجنة وقوله أن لعنة الله وقوله أن الحمد لله و أن قد وجدنا هي أن الثقيلة خففت \r\n قال الشاعر ... في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل ","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":" وأنشد أيضا ... أكاشرة وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص ... \r\n ومعناه أنه كلانا وتكون أن قد وجدنا في معنى أي قال ابن عباس والظالمون هاهنا الكافرون \r\n قوله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله أي أذن المؤذن ان لعنة الله على الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهو الإسلام ويبغونها عوجا مفسر في آل عمران وهم بالآخرة أي وهم بكون الآخرة كافرون \r\n وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون \r\n قوله تعالى وبينهما حجاب أي بين الجنة والنار حاجز وهو السور الذي ذكره الله تعالى في قوله فضرب بينهم بسور له باب فسمي هذا السور بالأعراف لارتفاعه قال ابن عباس الأعراف هو السور الذي بين الجنة والنار له عرف كعرف الديك وقال أبو هريرة الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على أعرافها يعني على ذراها خلقتها كخلقة عرف الديك قال اللغويون الأعراف عند العرب كل ما ارتفع من الأرض وعلا يقال لكل عال عرف وجمعه أعراف ","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":" قال الشاعر ... كل كناز لحمه نياف ... كالعلم الموفي على الأعراف ... \r\n وقال الآخر ... ورثت بناء آباء كرام ... علوا بالمجد أعراف البناء ... \r\n وفي أصحاب الأعراف قولان \r\n أحدهما أنهم من بني آدم قاله الجمهور وزعم مقاتل أنهم من أمة محمد صلى الله عليه و سلم خاصة وفي أعمالهم تسعة أقوال \r\n أحدها أنهم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلم تبلغ حسناتهم دخول الجنة ولا سيئاتهم دخول النار قاله ابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة والشعبي وقتادة \r\n والثالث أنهم أولاد الزنا رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس \r\n والرابع أنهم قوم صالحون فقهاء علماء قاله الحسن ومجاهد فعلى هذا يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة ","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":" والخامس أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون أبائهم رواه عبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم \r\n والسادس أنهم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم قاله عبد العزيز بن يحيى \r\n والسابع أنهم أنبياء حكاه ابن الانباري \r\n والثامن أنهم أولاد المشركين ذكره المنجوفي في تفسيرة \r\n والتاسع أنهم قوم عملوا لله لكنهم راؤوا في عملهم ذكره بعض العلماء \r\n والقول الثاني أنهم ملائكة قاله أبو مجلز واعترض عليه فقيل إنهم رجال فكيف تقول ملائكة فقال إنهم ذكور وليسوا باناث وقيل معنى قوله وعلى الأعراف رجال أي على معرفة أهل الجنة من أهل النار ذكره الزجاج وابن الانباري وفيه بعد وخلاف للمفسرين \r\n قوله تعالى يعرفون كلا بسيماهم أي يعرف أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار وسيما أهل الجنة بياض الوجوه وسيما أهل النار سواد الوجوه وزرقة العيون والسيما العلامة وإنما عرفوا الناس لأنهم على مكان عال يشرفون فيه على أهل الجنة والنار ونادوا يعني أصحاب الأعراف أصحاب الجنة أن سلام عليكم وفي قوله لم يدخلوها وهم يطمعون قولان \r\n أحدهما أنه إخبار من الله تعالى لنا أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها قاله الجمهور \r\n والثاني أنه إخبار من الله تعالى لأهل الأعراف إذا رأوا زمرة يذهب بها إلى الجنة أن هؤلاء لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها هذا قول السدي \r\n وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":" قوله تعالى وإذا صرفت أبصارهم يعني أصحاب الأعراف والتلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وقال أبو عبيدة تلقاء أصحاب النار أي حيالهم \r\n ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما آغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون \r\n قوله تعالى ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم روى ابو صالح عن ابن عباس قال ينادون يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا عاص بن وائل يا أمية بن خلف يا أبي بن خلف يا سائر رؤساء الكفار ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا المال والولد وما كنتم تستكبرون أي تتعظمون عن الإيمان \r\n أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون \r\n قوله تعالى أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة فيه قولان \r\n أحدهما أن أهل النار أقسموا أن أهل الأعراف داخلون النار معنا وأن الله لن يدخلهم الجنة فيقول الله لأهل النار أهؤلاء يعني أهل الأعراف الذين اقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة رواه وهب بن منبه عن ابن عباس قال حذيفة بينا أصحاب الأعراف هنالك اطلع عليهم ربهم فقال لهم ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم \r\n والثاني أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم كسلمان وصهيب وخباب فينادون الكفار أهؤلاء ","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":" الذين أقسمتم وأنتم في الدنيا لا ينالهم الله برحمة قاله ابن السائب فعلى هذا ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله برحمة ويكون الباقي من خطاب الله لأهل الجنة وقد ذكر المفسرون في قوله ادخلوا الجنة ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن يكون خطابا من الله لأهل الأعراف وقد ذكرناه \r\n والثاني أن يكون خطابا من الله لأهل الجنة \r\n والثالث أن يكون خطابا من أهل الأعراف لأهل الجنة ذكرهما الزجاج فعلى هذا الوجه الأخير يكون معنى قول أهل الأعراف لأهل الجنة ادخلوا الجنة اعلوا إلى القصور المشرفة وارتفعوا إلى المنازل المنيفة لأنهم قد رأوهم في الجنة وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال يؤتى بأصحاب الأعراف إلى نهر يقال له الحياة عليه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ فيغمسون فيه فيخرجون فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويقال لهم تمنوا ما شئتم ولكم سبعون ضعفا فهم مساكين أهل الجنة \r\n ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين \r\n قوله تعالى ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة قال ابن عباس لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في الفرج بعد اليأس فقالوا يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فنظروا إليهم وإلى ما هم فيه من النعيم فعرفوهم ونظر أهل الجنة إلى قرابتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وأخبروهم بقراباتهم فينادي الرجل أخاه يا أخي قد احترقت فأغثني ","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":" فيقول إن الله حرمهما على الكافرين قال السدي عني بقوله أو مما رزقكم الله الطعام قال الزجاج أعلم الله عز و جل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان معذبا \r\n الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون \r\n قوله تعالى الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا قال ابن عباس هم المستهزئون والمعنى أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم وقال أبو روق دينهم عيدهم وقال قتادة لهوا ولعبا أي أكلا وشربا وقال غيره هو ما زينه الشيطان لهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والمكاء والتصدية ونحو ذلك من خصال الجاهلية \r\n قوله تعالى فاليوم ننساهم قال الزجاج أي نتركهم في العذاب كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا وما نسق على كما في موضع جر والمعنى وكجحدهم قال ابن الانباري ويجوز أن يكون المعنى فاليوم نتركهم في النار على علم منا ترك ناس غافل كما استعملوا في الإعراض عن آياتنا وهم ذاكرون ما يستعمله من نسي وغفل \r\n ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب يعني القرآن فصلناه أي بيناه ","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":" بايضاح الحق من الباطل وقيل فصلناه فصولا مرة بتعريف الحلال ومرة بتعريف الحرام ومرة بالوعد ومرة بالوعيد ومرة بحديث الأمم \r\n وفي قوله على علم قولان \r\n أحدهما على علم منا بما فصلناه والثاني على علم منا بما يصلحكم مما أنزلناه فيه وقرأ ابن السميفع وابن محيصن وعاصم والجحدري ومعاذ القارئ فضلناه بضاد معجمة \r\n هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله قال ابن عباس تصديق ما وعدوا في القرآن يوم يأتي تأويله وهو يوم القيامة يقول الذين نسوه أي تركوه من قبل في الدنيا قد جاءت رسل ربنا بالحق أي بالبعث بعد الموت \r\n قوله تعالى أو نرد قال الزجاج المعنى أو هل نرد وقوله فنعمل منصوب على جواب الفاء للاستفهام \r\n إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":" قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام اختلفوا أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم السبت روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فقال خلق الله عز و جل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل وهذا اختيار محمد بن إسحاق قال ابن الانباري وهذا إجماع أهل العلم \r\n والثاني يوم الأحد قاله عبد الله بن سلام وكعب والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري وبه يقول أهل التوراة \r\n والثالث يوم الاثنين قاله ابن إسحاق وبهذا يقول أهل الإنجيل ومعنى قوله في ستة ايام أي في مقدار ذلك لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس وغروبها ولم تكن الشمسي حينئذ قال ابن عباس مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة وبه قال كعب ومجاهد والضحاك ولا نعلم خلافا في ذلك ولو قال قائل إنها كأيام الدنيا كان قوله بعيدا من وجهين \r\n أحدهما خلاف الآثار والثاني أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":" ستة آلاف سنة يتوهمه في ستة أيام عند تصفح قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فان قيل فهلا خلقها في لحظة فانه قادر فعنه خمسة أجوبة \r\n أحدها أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمرا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده ذكره ابن الانباري \r\n والثاني أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل وجوده أبلغ في تعظيمه عند الملائكة \r\n والثالث أن التعجيل أبلغ في القدرة والتثبيت أبلغ في الحكمة فأراد إظهار حكمته في ذلك كما يظهر قدرته في قوله كن فيكون \r\n والرابع أنه علم عباده التثبت فاذا تثبت من لا يزل كان ذو الزلل أول بالتثبت \r\n والخامس أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء ابعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق \r\n قوله تعالى ثم استوى على العرش قال الخليل بن أحمد العرش السرير وكل سرير لملك يسمى عرشا وقلما يجمع العرش إلا في اضطرار واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال أمية بن أبي الصلت ... مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا ... بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا ... شرجعا لا يناله ناظر العي ... ن ترى دونه الملائك صورا ... \r\n وقال كعب إن السموات في العرش كالقنديل معلق بين السماء والأرض ","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":" وروى إسماعيل بن أبي خالد عن سعد الطائي قال العرش ياقوتة حمراء وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية وقد شذ قوم فقالوا العرش بمعنى الملك وهذا عدول عن الحقيقة الى التجوز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى وكان عروشه على الماء أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر ... حتى استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق ... \r\n ويقول الشاعر أيضا ... هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور ... \r\n وهذا منكر عند اللغويين قال ابن الاعرابي العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى ومن قال ذلك فقد أعظم قالوا وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله عز و جل لم يزل مستوليا على الأشياء والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي ولو صحا فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة \r\n قوله تعالى يغشي الليل النهار قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر يغشي ساكنة الغين خفيفة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يغشي مفتوحة الغين مشددة وكذلك قرؤوا في الرعد قال الزجاج المعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه وإنما لم يقل ويغشي النهار الليل لأن في الكلام دليلا عليه وقد قال ف موضع خر يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وقال أبو علي إنما لم يقل يغشي ","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":" النهار الليل لأنه معلوم من فحوى الكلام كقوله سرابيل تقيكم الحر وانتصب الليل والنهار لأن كل واحد منهما مفعول به فأما الحثيث فهو السريع \r\n قوله تعالى والشمس والقمر والنجوم مسخرات قرأ الأكثرون بالنصب فيهن وهو على معنى خلق السموات والشمس وقرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم مسخرات بالرفع فيهن هاهنا وفي النحل تابعه حفص في قوله تعالى والنجوم مسخرات وفي النحل فحسب والرفع على الاستئناف والمسخرات المذللات لما يراد منهن من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن \r\n قوله تعالى ألا له الخلق لأنه خلقهم والأمر فله أن يأمر بما يشاء وقيل الأمر القضاء \r\n قوله تعالى تبارك الله فيه أربعة أقوال \r\n أحدها تفاعل من البركة رواه الضحاك عن ابن عباس وكذلك قال القتيبي والزجاج وقال أبو مالك افتعل من البركة وقال الحسن تجيء البركة من قبله وقال الفراء تبارك من البركة وهو في العربية كقوله تقدس ربنا \r\n والثاني أن تبارك بمعنى تعالى رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال أبو العباس تبارك ارتفع والمتبارك المرتفع \r\n والثالث أن المعنى باسمه يتبرك في كل شيء قاله ابن الانباري \r\n والرابع أن معنى تبارك تقدس أي تطهر ذكره ابن الانباري أيضا ","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":" ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين \r\n قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا التضرع التذلل والخضوع والخفية خلاف العلانية قال الحسن كانوا يجتهدون في الدعاء ولا تسمع إلا همسا ومن هذا حديث أبي موسى اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وفي الاعتداء المذكور هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه الاعتداء في الدعاء ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن يدعو على المؤمنين بالشر كالخزي واللعنة قاله سعيد بن جبير ومقاتل والثاني أن يسأل مالا يستحقه من منازل الانبياء قاله أبو مجلز والثالث أنه الجهر في الدعاء قاله ابن السائب \r\n والثاني أنه مجاوزة المأمور به قاله الزجاج \r\n ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين \r\n قوله تعالى ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فيه ستة أقوال \r\n أحدها لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان والثاني لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل والثالث لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة والرابع لا تعصوا فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن أصلحها ","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":" بالمطر والخصب والخامس لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه والسادس لا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي \r\n وفي قوله وادعوه خوفا وطمعا قولان أحدهما خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه والثاني خوفا من الرد وطمعا في الإجابة \r\n قوله تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين قال الفراء رأيت العرب تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون في ذلك فاذا قالوا دارك منا قريب أو فلانة منا قريب من القرب والبعد ذكروا وأنثوا وذلك أنهم جعلوا القريب خلفا من المكان كقوله وما هي من الظالمين ببعيد وقوله تعالى وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ولو أنث ذلك لكان صوابا قال عروة ... عشية لا عفراء منك قريبة ... فتدنو ولا عفراء منك بعيد ... \r\n وقال الزجاج إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو بمعنى واحد وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي وقال الأخفش جائز أن تكون الرحمة هاهنا في معنى المطر \r\n وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":" فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون \r\n قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح قرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم الرياح على الجمع وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح على التوحيد وقد يأتي لفظ التوحيد ويراد به الكثرة كقولهم كثر الدرهم في أيدي الناس ومثله إن الإنسان لفي خسر \r\n قوله تعالى نشرا قرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع نشرا بضم النون والشين أرادوا جمع نشور وهي الريح الطيبة الهبوب تهب من كل ناحية وجانب قال أبو عبيدة النشر المتفرقة من كل جانب وقال أبو علي يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر وبمعنى المنتشر وبمعنى الناشر يقال أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت أي حييت والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قول الفقعسي ... وهبت له ريح الجنوب وأحييت ... له ريدة يحيي المياه نسيمها ... \r\n ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت \r\n قال الشاعر ... إني لأرجو أن تموت الريح ... فأقعد اليوم وأستريح ... \r\n والريدة والريدانة الريح وقرأ ابن عامر وعبد الوارث والحسن البصري نشرا بالنون مضمومة وسكون الشين وهي في معنى نشرا يقال كتب وكتب ورسل ورسل وقرأ حمزة والكسائي وخلف والمفضل ","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":" عن عاصم نشرا بفتح النون وسكون الشين قال الفراء النشر الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب وقال ابن الانباري النشر المنتشرة الواسعة الهبوب وقال أبو علي يحتمل النشر أن يكون خلاف الطي كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر أنها المتفرقة في الوجوه ويحتمل أن يكون معناها النشر الذي هو الحياة كقول الشاعر ... حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر ... \r\n قال وهذا هو الوجه وقرأ أبو رجاء العطاردي وإبراهيم النخعي ومسروق ومورق العجلي نشرا بفتح النون والشين قال ابن القاسم وفي النشر وجهان \r\n أحدهما أن يكون جمعا للنشور كما قالوا عمود وعمد وإهاب وأهب \r\n والثاني أن يكون جمعا واحده ناشر يجري مجرى قوله غائب وغيب وحافد وحفد وكل القراء نون الكلمة وكذلك اختلافهم في الفرقان والنمل هذه قراءات من قرأ بالنون وقد قرأ آخرون بالباء فقرأ عاصم إلا المفضل بشرى بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى قال ابن الانباري وهي جمع بشيرة وهي التي تبشر بالمطر والأصل ضم الشين إلا أنهم استثقلوا الضمتين وقرأ ابن خثيم وابن جذلم مثله إلا أنهما نونا الراء وقرأ ابو الجوزاء وأبو عمران وابن أبي عبلة بضم الباء والشين وهذا على أنها جمع بشيرة والرحمة هاهنا المطر سماه رحمة لأنه كان بالرحمة وأقلت بمعنى حملت قال الزجاج جمع سحابة السحاب قال ابن فارس سمي السحاب لانسحابه في الهواء ","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":" قوله تعالى ثقالا أي الماء وقوله تعالى سقناه رد الكناية إلى لفظ السحاب ولفظه لفظ واحد وفي قوله لبلد قولان \r\n أحدهما إلى بلد والثاني لإحياء بلد والميت الذي لا ينبت فيه فهو محتاج إلى المطر وفي قوله فأنزلنا به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الكناية ترجع إلى السحاب والثاني إلى المطر ذكرهما الزجاج والثالث إلى البلد ذكره ابن الانباري فأما هاء فأخرجنا به فتحتمل الأقوال الثلاثة \r\n قوله تعالى كذلك نخرج الموتى أي كما أحيينا هذا البلد وقال مجاهد نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به قال ابن عباس يرسل الله تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا في بطون أمهاتهم \r\n قوله تعالى لعلكم تذكرون قال الزجاج لعل ترج وإنما خوطب العباد على ما يرجوه بعضهم من بعض والمعنى لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله وأنه يبعث الموتى \r\n والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا نصرف الآيات لقوم يشكرون \r\n قوله تعالى والبلد الطيب يعني الأرض الطيبة التربة يخرج نباته وقرأ ابن أبي عبلة يخرج بضم الياء وكسر الراء نباته بنصب التاء والذي خبث لا يخرج كذلك أيضا وقد روى ابان عن عاصم لا يخرج بضم الياء وكسر الراء والمراد بالذي خبث الأرض السبخة \r\n قوله تعالى إلا نكدا قرأ الجمهور بفتح النون وكسر الكاف وقرأ ","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":" أبو جعفر نكدا بفتح الكاف وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن نكدا باسكان الكاف قال أبو عبيدة قليلا عسيرا في شدة وأنشد ... لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت أعطيت تافها نكدا ... \r\n قال المفسرون هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله انتفع به وبان أثره عليه فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ويحسن أثر المطر عليه وعكسه الكافر \r\n لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون \r\n قوله تعالى اعبدوا الله قال مقاتل وحدوه وكذلك في سائر القصص بعدها \r\n قوله تعالى مالكم من إله غيره قرأ الكسائي غيره بالخفض قال أبو علي جعل غيرا صفة ل آله على اللفظ \r\n قوله تعالى أبلغكم قرأ أبو عمرو أبلغكم ساكنة الباء خفيفة اللام وقرأ الباقون أبلغكم مفتوحة الباء مشددة اللام \r\n قوله تعالى وأنصح لكم يقال نصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له \r\n قوله تعالى وأعلم من الله مالا تعلمون أي من مغفرته لمن تاب وعقوبته ","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":" لمن أصر وقال مقاتل أعلم من نزول العذاب مالا تعلمونه وذلك أن قوم نوح لم يسمعوا بقوم عذبوا قبلهم \r\n أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين \r\n قوله تعالى أو عجبتم قال الزجاج هذه واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام فبقيت مفتوحة وفي الذكر قولان أحدهما الموعظة والثاني البيان \r\n وفي قوله على رجل منكم قولان أحدهما أن على بمعنى مع قاله الفراء والثاني أن المعنى على لسان رجل منكم قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى قوما عمين قال ابن عباس عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه \r\n وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":" قوله تعالى وإلى عاد المعنى وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا قال الزجاج وإنما قيل أخوهم لأنه بشر مثلها من ولد أبيهم آدم ويجوز أن يكون أخاهم لأنه من قومهم وقال أبو سليمان الدمشقي وعاد قبيلة من ولد سام بن نوح وإنما سماه أخاهم لأنه كان نسيبا لهم وهو وهم من ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام \r\n قوله تعالى إنا لنراك في سفاهة قال ابن قتيبة السفاهة الجهل وقال الزجاج السفاهة خفة الحلم والرأي يقال ثوب سفيه إذا كان خفيفا وإنا لنظنك من الكاذبين فكفروا به ظانين لا مستيقنين قال يا قوم ليس بي سفاهة هذا موضع أدب للخلق في حسن المخاطبة فانه دفع ما سبوه به من السفاهة بنفيه فقط \r\n قوله تعالى وأنا لكم ناصح أمين قال الضحاك أمين على الرسالة وقال ابن السائب كنت فيكم أمينا قبل اليوم \r\n قوله تعالى واذكروا إذ جعلكم خلفاء ذكرهم النعمة حيث أهلك من كان قبلهم وأسكنهم مساكنهم وزادكم في الخلق بسطة أي طولا وقوة وقال ابن عباس كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعا قال الزجاج وآلاء الله نعمه واحدها إلى قال الشاعر ... أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا خون إلى ... \r\n ويجوز أن يكون واحدها إليا وإلى \r\n قوله تعالى فائتنا بما تعدنا أي من نزول العذاب إن كنت من الصادقين في أن العذاب نازل بنا وقال عطاء في نبوتك وإرسالك إلينا ","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":" قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين \r\n قوله تعالى قال قد وقع أي وجب عليكم من ربكم رجس وغضب قال ابن عباس عذاب وسخط وقال أبو عمرو بن العلاء الرجز بالزاي والرجس بالسين بمعنى واحد قلبن السين زايا \r\n قوله تعالى أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم يعني الأصنام \r\n وفي تسميتهم لها قولان أحدهما أنهم سموها آلهة والثاني أنهم سموها بأسماء مختلفة والسلطان الحجة فانتظروا نزول العذاب إني معكم من المنتظرين الذي يأتيكم من العذاب في تكذيبكم إياي \r\n وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين \r\n قوله تعالى وإلى ثمود قال أبو عمرو بن العلاء سميت ثمود لقلة مائها قال ابن فارس الثمد الماء القليل الذي لا مادة له ","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":" قوله تعالى هذه ناقة الله في إضافتها إليه قولان أحدهما أن ذلك للتخصيص والتفضيل كما يقال بيت الله والثاني لأنها كانت بتكوينه من غير سبب \r\n قوله تعالى لكم اية أي علامة تدل على قدرة الله وإنما قال لكم لأنهم هم الذين اقترحوها وإن كانت آية لهم ولغيرهم \r\n وفي وجه كونها آية قولان \r\n احدهما أنها خرجت من صخرة ملساء فتمخضت بها تمخض الحامل ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها \r\n والثاني أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم وتسقيهم اللبن مكانه \r\n قوله تعالى فذروها تأكل في أرض الله قال ابن الانباري ليس عليكم مؤنتها وعلفها وتأكل مجزوم على جواي الشرط المقدر أي إن تذروها تأكل \r\n قوله تعالى ولا تمسوها بسوء أي لا تصيبوها بعقر \r\n قوله تعالى وبوأكم في الأرض أي أنزلكم يقال تبوأ فلان منزلا إذا نزله وبوأته أنزلته قال الشاعر ... وبوئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤوها ... \r\n أي أنزلت من الكريم في صميم النسب قاله الزجاج \r\n قوله تعالى تتخذون من سهولها قصورا السهل ضد الحزن والقصر ","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":" ما شيد وعلا من المنازل قال ابن عباس اتخذوا القصور في سهول الأرض للصيف وثقبوا في الجبال للشتاء قال وهب بن منبه كان الرجل منهم يبني البنيان فتمر عليه مائة سنة فيخرب ثم يجدده فتمر عليه مائة سنة فيخرب ثم يجدده فتمر عليه مائة سنة فيخرب فأضجرهم ذلك فأخذوا من الجبال بيوتا \r\n قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون \r\n قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه وقرأ ابن عامر وقال الملأ بزيادة واو وكذلك هي في مصاحفهم ومعنى الآية تكبروا عن عبادة الله للذين استضعفوا يريد المساكين لمن آمن منهم بدل من قوله للذين استضعفوا لأنهم المؤمنون أتعلمون أن صالحا مرسل هذا استفهام إنكار \r\n فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين \r\n قوله تعالى فعقروا الناقة أي قتلوها قال ابن قتيبة والعقر يكون بمعنى القتل ومنه قوله عليه السلام عند ذكر الشهداء من عقر جواده وقال ابن إسحاق كمن لها قاتلها في أصل شجرة فرماها بسهم فانتظم به عضلة ","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":" ساقها ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها ثم نحرها قال الازهري العقر عند العرب قطع عرقوب البعير ثم جعل العقر نحرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره \r\n قوله تعالى وعتوا قال الزجاج جاوزوا المقدار في الكفر قال أبو سليمان عتوا عن اتباع أمر ربهم \r\n قوله تعالى بما تعدنا أي من العذاب \r\n قوله تعالى فأخذتهم الرجفة قال الزجاج الرجفة الزلزلة الشديدة \r\n قوله تعالى فأصبحوا في دارهم أي في مدينتهم فان قيل كيف وحد الدار هاهنا وجمعها في موضع آخر فقال في ديارهم فعنه جوابان ذكرهما ابن الانباري \r\n أحدهما أنه أراد بالدار المعسكر أي فأصبحوا في معسكرهم وأراد بقوله في ديارهم المنازل التي ينفرد كل واحد منها بمنزل \r\n والثاني أنه أراد بالدار الديار فاكتفى بالواحد من الجميع كقول الشاعر ... كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... \r\n وشواهد هذا كثيرة في هذا الكتاب \r\n قوله تعالى جاثمين قال الفراء أصبحوا رمادا جاثما وقال أبو عبيدة أي بعضهم على بعض جثوم والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل \r\n وقال ابن قتيبة الجثوم البروك على الركب وقال غيره كأنهم أصبحوا موتى على هذه الحال وقال الزجاج أصبحوا أجساما ملقاة في الأرض كالرماد الجاثم قال المفسرون معنى جاثمين بعضهم على بعض أي إنهم سقط بعضهم على بعض عند نزول العذاب ","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":" فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون \r\n قوله تعالى فتولى عنهم يقول انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة لأن الله تعالى أوحى إليه أن أخرج من بين أظهرهم فاني مهلكهم وقال قتادة ذكر لنا أن صالحا أسمع قومه كما أسمع نبيكم قومه يعني بعد موتهم \r\n قوله تعالى أتأتون الفاحشة يعني إتيان الرجال ما سبقكم بها من أحد قال عمرو بن دينار ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط وقال بعض اللغويين لوط مشتق من لطت الحوض إذا ملسته بالطين قال الزجاج وهذا غلط لأنه اسم أعجمي كاسحاق ولا يقال إنه مشتق من السحق وهو البعد \r\n قوله تعالى إنكم لتأتون الرجال هذا استفهام إنكار والمسرف المجاوز ما أمر به وقوله تعالى أخرجوهم من قريتكم يعني لوطا وأتباعه المؤمنين إنهم أناس يتطهرون قال ابن عباس يتنزهون عن أدبار الرجال وأدبار النساء \r\n فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":" قوله تعالى فأنجيناه وأهله في أهله قولان \r\n أحدهما ابنتاه والثاني المؤمنون به إلا امرأته كانت من الغابرين أي الباقين في عذاب الله تعالى قال أبو عبيدة وإنما قال من الغابرين لأن صفة النساء مع صفة الرجال تذكر إذا أشرك بينهما \r\n قوله تعالى وأمطرنا عليهم مطرا قال ابن عباس يعني الحجارة قال مجاهد نزل جبريل فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط ورفعها ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة \r\n وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى وإلى مدين قال قتادة مدين ماء كان عليه قوم شعيب وكذلك قال الزجاج وقال لا ينصرف لأنه اسم البقعة وقال مقاتل مدين هو ابن ابراهيم الخليل لصلبه وقال أبو سليمان الدمشقي مدين هو ابن مديان بن ابراهيم والمعنى أرسلنا إلى ولد مدين فعلى هذا هو اسم قبيلة وقال بعضهم هو اسم للمدينة فالمعنى وإلى أهل مدين قال شيخنا أبو منصور اللغوي مدين أسم أعجمي فان كان عربيا فالياء زائدة من قولهم مدن بالمكان إذا أقام به \r\n قوله تعالى ولا تبخسوا الناس أشيائهم قال الزجاج البخس النقص والقلة يقال بخست أبخس بالسين وبخصت عينه بالصاد لا غير ","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":" ولا تفسدوا في الأرض أي لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل وإرسال الرسل \r\n قوله تعالى إن كنتم مؤمنين أي مصدقين بما أخبرتكم عن الله \r\n ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركتم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين \r\n قوله تعالى ولا تقعدوا بكل صراط أي بكل طريق توعدون من آمن بشعيب بالشر وتخوفونهم بالعذاب والقتل فان قيل كيف أفرد الفعل وأخلاه من المفعول فهلا قال توعدون بكذا فالجواب أن العرب إذا أخلت هذا الفعل من المفعول لم يدل إلا على شر يقولون أوعدت فلانا وكذلك إذا أفردوا وعدت من مفعول لم يدل إلا على الخبر قال الفراء يقولون وعدته خيرا وأوعدته شرا فاذا أسقطوا الخير والشر قالوا وعدته في الخير وأوعدته في الشر فاذا جاؤوا بالباء قالوا وعدته والشر وقال الراجز ... اوعدني بالسجن والأداهم ... \r\n قال المصنف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال إذا أرادوا أن يذكروا ما تهددوا به مع أوعدت جاؤوا بالباء فقالوا أوعدته بالضرب ولا يقولون أوعدته الضرب قال السدي كانوا عشارين وقال ابن زيد كانوا يقطعون الطريق \r\n قوله تعالى وتصدون عن سبيل الله أي تصرفون عن دين الله من آمن به وتبغونها عوجا مفسر في آل عمران ","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":" قوله تعالى واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم قال الزجاج جائز أن يكون المعنى جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء وجائز أن يكون كثر عددكم بعد أن كنتم قليلا وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار فكثرهم \r\n وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين \r\n قوله تعالى وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به طائفة لم يؤمنوا أي إن أختلفتم في رسالتي فصرتم فريقين مصدقين ومكذبين فاصبروا حتى يحكم الله بيننا بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين وهو خير الحاكمين لأنه العدل الذي لا يجور \r\n قوله تعالى أو لتعودن في ملتنا يعنون ديننا وهو الشرك قال الفراء جعل في قوله لتعودن لاما كجواب اليمين وهو في معنى شرط ومثله في الكلام والله لأضربنك أو تقر لي فيكون معناه معنى إلا أو معنى حتى قال أو لو كنا كارهين أي أو تجبروننا على ملتكم إن كرهناها والألف للاستفهام فان قيل كيف قالوا لتعودن وشعيب لم يكن في كفر قط فيعود إليه فعنه جوابان \r\n أحدهما أنهم لما جمعوا في الخطاب معه من كان كافرا ثم آمن خاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه وغلبوا لفظهم على لفظه لكثرتهم وانفراده ","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":" والثاني أن المعنى لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود على معنى الابتداء كما يقال قد عاد علي من فلان مكروه أي قد لحقني منه ذلك وإن لم يكن سبق منه مكروه قال الشاعر ... فان تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب ... \r\n وقد شرحنا هذا في قوله وإلى الله ترجع الأمور في سورة البقرة وقد ذكر معنى الجوابين الزجاج وابن الانباري \r\n قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين \r\n قوله تعالى قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم وذلك أن القوم كانوا يدعون أن الله أمرهم بما هم عليه فلذلك سموه ملة وما يكون لنا أن نعود فيها أي في الملة إلا أن يشاء الله أي إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها وسع ربنا كل شيء علما قال ابن عباس يعلم ما يكون قبل أن يكون ","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":" قوله تعالى على الله توكلنا أي فيما توعدتمونا به وفي حراستنا عن الضلال ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق قال أبو عبيدة احكم بيننا وأنشد ... ابلغ بني عصم رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني ... قال الفراء وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح قال الزجاج وجائز أن يكون المعنى أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف فجائز أن يكونوا سألوا بهذا نزول العذاب بقومهم ليظهر أن الحق معهم \r\n قوله تعالى كأن لم يغنوا فيها فيه أربعة أقوال \r\n أحدها كأن لم يعيشوا في دارهم قاله ابن عباس والأخفش قال حاتم طيئ ... غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر ... فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر ... \r\n قال الزجاج منى غنينا عشنا والتصعلك الفقر والعرب تقول للفقير الصعلوك \r\n والثاني كأن لم يتنعموا فيها قاله قتادة \r\n والثالث كأن لم يكونوا فيها قاله ابن زيد ومقاتل ","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":" والرابع كأن لم ينزلوا فيها قاله الزجاج قال الأصمعي المغاني المنازل يقال غنينا بمكان كذا أي نزلنا بمكان كذا أي نزلنا به وقال ابن قتيبة كأن لم يقيموا فيها ومعنى غنينا بمكان كذا أقمنا قال ابن الانباري وإنما كرر قوله الذين كذبوا شعيبا للمبالغة في ذمهم كما تقول أخوك الذي أخذ أموالنا أخوك الذي شتم أعراضنا \r\n قوله تعالى فتولى عنهم فيه قولان \r\n أحدهما أعرض والثاني انصرف وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي قال قتادة أسمع شعيب قومه وأسمع صالح قومه كما أسمع نبيكم قومه يوم بدر يعني أنه خاطبهم بعد الهلاك فكيف آسى أي أحزن وقال ابن اسحاق أصاب شعيبا على قومه حزن شديد ثم عاتب نفسه فقال كيف آسى على قوم كافرين \r\n وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون \r\n قوله تعالى وما أرسلنا في قرية قال الزجاج يقال لكل مدينة قرية لاجتماع الناس فيها وقال غيره في الآية اختصار تقديره فكذبوه إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء وقد سبق تفسير البأساء والضراء في الأنعام وتفسير التضرع في هذه السورة ومقصود الآية إعلام النبي صلى الله عليه و سلم بسنة الله في المكذبين وتهديد قريش \r\n ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركان من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون \r\n قوله تعالى ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة فيه قولان \r\n أحدهما أن السيئة الشدة والحسنة الرخاء قاله ابن عباس \r\n والثاني السيئة الشر والحسنة الخير قاله مجاهد \r\n قوله تعالى حتى عفوا قال ابن عباس كثروا وكثرت أموالهم وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم يعني أنهم ارادوا أن هذا دأب الدهر وليس بعقوبة فأخذناهم بغتة أي فجأة بنزول العذاب وهم لايشعرون بنزوله حتى أهلكهم الله \r\n قوله تعالى لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض قال الزجاج المعنى أتاهم الغيث من السماء والنبات من الأرض وجعل ذلك زاكيا كثيرا \r\n أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون \r\n قوله تعالى أو أمن أهل القرى قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع أو أمن أهل باسكان الواو وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي أو أمن بتحريك الواو وروى ورش عن نافع أوامن يدغم الهمزة ويلقي حركتها على الساكن \r\n أو لم يهد للذي يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":" تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين \r\n قوله تعالى أو لم يهد للذين وقرأ يعقوب نهد بالنون وكذلك في طه والسجدة قال الزجاج من قرأ بالياء فالمعنى أو لم يبين الله لهم ومن قرأ بالنون فالمعنى أو لم نبين وقوله تعالى ونطبع ليس بمحمول على أصبناهم لأنه لو حمل على أصبناهم لكان ولطبعنا وإنما المعنى ونحن نطبع على قلوبهم ويجوز أن يكون محمولا على الماضي ولفظه لفظ المستقبل كما قال ان لو نشاء والمعنى لو شئنا وقال ابن الانباري يجوز أن يكون معطوفا على أصبنا إذ كان بمعنى نصيب فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كما قال تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك أي إن يشأ يدل عليه قوله ويجعل لك قصورا قال الشاعر ... إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا ... \r\n أي يدفنوا \r\n قوله تعالى فهم لا يسمعون أي لا يقبلون ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر ... دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول ","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":" قوله تعالى فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فيه خمسة أقوال \r\n أحدها فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به يوم أقروا به بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم هذا قول أبي بن كعب \r\n والثاني فما كانوا ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من صلب آدم فآمنوا كرها حيث أقروا بالألسن وأضمروا التكذيب قاله ابن عباس والسدي \r\n والثالث فما كانوا لو رددناهم إلى الدنيا بعد موتهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم هذا قول مجاهد \r\n والرابع فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية بل شاركوهم في التكذيب قاله يمان بن رباب \r\n والخامس فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا قبل رؤيتها \r\n وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أثرهم لفاسقين \r\n قوله تعالى وما وجدنا لأكثرهم قال مجاهد يعني القرون الماضية من عهد قال أبو عبيدة أي وفاء قال ابن عباس يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم حين أخرجهم من صلب آدم وقال الحسن العهد هاهنا ما عهده إليهم مع الأنبياء أن لا يشركوا به شيئا \r\n قوله تعالى وإن وجدنا قال أبو عبيدة وما وجدنا أكثرهم إلا الفاسقين ","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":" ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين \r\n قوله تعالى ثم بعثنا من بعدهم يعني الأنبياء المذكورين \r\n قوله تعالى فظلموا بها قال ابن عباس فكذبوا بها وقال غيره فجحدوا بها \r\n قوله تعالى حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق على بمعنى الباء قال الفراء العرب تجعل الباء في موضع على تقول رميت بالقوس وعلى القوس وجئت بحال حسنة وعلى حال حسنة وقال أبو عبيدة حقيق بمعنى حريص وقرأ نافع وأبان عن عاصم حقيق علي بتشديد الياء وفتحها على الاضافة والمعنى واجب علي \r\n قوله تعالى قد جئتكم ببينة قال ابن عباس يعني العصا فأرسل معي بني إسرائيل أي أطلق عنهم وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة فاذا هي ثعبان مبين قال أبو عبيدة أي حية ظاهرة قال الفراء الثعبان أعظم الحيات وهو الذكر وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس الثعبان الحية الذكر ","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":" ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما نكون نحن المقلين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فاذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون \r\n قوله تعالى ونزع يده قال ابن عباس أدخل يده في جيبه ثم أخرجها فاذا هي تبرق مثل البرق لها شعاع غلب نور الشمس فخروا على وجوههم ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت قال مجاهد بيضاء من غير برص \r\n قوله تعالى فماذا تأمرون قال ابن عباس ما الذي تشيرون به علي وهذا يدل على أنه من قول فرعون وأن كلام الملأ انقطع عند قوله من أرضكم قال الزجاج يجوز أن يكون من قول الملأ كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه أو خاطبوه وحده لأنه قد يقال للرئيس المطاع ماذا ترون \r\n قوله تعالى أرجئه قرأ ابن كثير أرجهؤ مهموز بواو بعد الهاء في اللفظ وقرأ أبو عمرو مثله غير أنه يضم الهاء ضمة من غير أن يبلغ بها الواو وكانا يهمزان مرجؤن و ترجئ ","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":" وقرأ قالوا والمسيبي عن نافع أرجه بكسر الهاء ولا يبلغ بها الياء ولا يهمز وروى عنه ورش أرجهي يصلها بياء ولا يهمز بين الجيم والهاء وكذلك قال إسماعيل بن جعفر عن نافع وهي قراءة الكسائي وقرأ حمزة أرجه ساكنة الهاء غير مهموز وكذلك قرأ عاصم في غير رواية المفضل وقد روى عنه المفضل كسر الهاء من غير إشباع ولا همز وهي قراءة أبي جعفر وكذلك اختلافهم في سورة الشعراء قال ابن قتيبة أرجه أخره وقد يهمز يقال أرجأت الشيء وأرجيته ومنه قوله ترجي من تشاء منهن قال الفراء بنو أسد تقول أرجيت الأمر بغير همز وكذلك عامة قيس وبعض بني تميم يقولون أرجأت الأمر بالهمز والقراء مولعون بهمزها وترك الهمز أجود \r\n قوله تعالى وارسل في المدائن يعني مدائن مصر حاشرين أي من يحشر السحرة إليك ويجمعهم وقال ابن عباس هم الشرط \r\n قوله تعالى يأتوك بكل ساحر قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم وابن عامر ساحر وفي يونس بكل ساحر وقرأ حمزة والكسائي سحار في الموضعين ولا خلاف في الشعراء أنها سحار \r\n قوله تعالى إن لنا لأجرا قرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم إن لنا لأجرا مكسورة الألف على الخبر وفي الشعراء آين ممدودة مفتوحة الألف غير أن حفصا روى عن عاصم في الشعراء أإن بهمزتين وقرأ أبو عمرو آين لنا ممدودة في السورتين وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بهمزتين في الموضعين ","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":" قال أبو علي الاستفهام أشبه بهذا الموضع لأنهم لم يقطعوا على أن لهم الأجر وإنما استفهموا عنه \r\n قوله تعالى وإنكم لمن المقربين أي ولكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي \r\n قوله تعالى سحروا أعين الناس قال أبو عبيدة عشوا أعين الناس وأخذوها واسترهبوهم أي خوفوهم وقال الزجاج استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس \r\n قوله تعالى فاذا هي تلقف وقرأ عاصم تلقف ساكنة اللام خفيفة القاف هاهنا وفي طه والشعراء وروى البزي وابن فليح عن ابن كثير تلقف بتشديد التاء قال الفراء يقال لقفت الشيء فأنا ألقفه لقفا ولقفانا والمعنى تبتلع \r\n قوله تعالى ما يأفكون أي يكذبون لأنهم زعموا أنها حيات \r\n قوله تعالى فوقع الحق قال ابن عباس استبان وبطل ما كانوا يعملون من السحر \r\n الإشارة إلى قصتهم \r\n اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولا أحدها اثنان وسبعون رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني اثنان وسبعون ألفا روي عن ابن عباس أيضا وبه قال مقاتل والثالث سبعون روي عن ابن عباس أيضا والرابع اثنا عشر ألفا قاله كعب والخامس سبعون ألفا قاله عطاء ","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":" وكذلك قال وهب في رواية ألا أنه قال فاختار منهم سبعة آلاف والسادس سبعمائة وروى عبد المنعم بن إدريس عن ابيه عن وهب أنه قال كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفا متخيرين من سبعمائة ألف ثم إن فرعون اختار من السبعين الألف سبعمائة ولاسابع خمسة وعشرون ألفا قاله الحسن والثامن تسعمائة قاله عكرمة والتاسع ثمانون ألفا قاله محمد بن المنكدر والعاشر بضعة وثلاثون ألفا قاله السدي والحادي عشر خمسة عشر ألفا قاله اب اسحاق والثاني عشر تسعة عشر ألفا رواه أبو سليمان الدمشقي والثالث عشر أربع مائة حكاه الثعلبي فأما أسماء رؤسائهم فقال ابن اسحاق رؤوس السحرة سانور وعاذور وحطحط ووصفى وهم الذين آمنوا كذا حكاه ابن ماكولا ورأيت عن غير ابن اسحاق سابورا وعازورا وقال مقاتل اسم أكبرهم شمعون قال ابن عباس ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فكانت ميلا في مثل فألقى موسى عصاه فاذا هي أعظم من حبالهم وعصيهم قد سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم وجعلت تأكل جميع ما قدرت عليه من صخرة أو شجرة والناس ينظرون وفرعون يضحك تجلدا فأقبلت الحية نحو فرعون فصاح يا موسى يا موسى فأخذها موسى وعرفت السحرة أن هذا من السماء وليس هذا بسحر فخروا سجدا وقالوا آمنا برب العالمين فقال فرعون إياي تمنون فقالوا رب موسى وهارون فأصبحوا سحرة وأمسوا شهداء وقال وهب بن منبه لما صارت ثعبانا حملت على الناس فانهزموا منها فقتل بعضهم بعضا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا وقال السدي لقي موسى أمير السحرة فقال أرأيت إن غلبتك ","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":" غدا أتؤمن بي فقال الساحر لآتين غدا بسحر لا يغلبه السحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك فان قيل كيف جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء وفعل السحر كفر فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن مضمون أمره إن كنتم محقين فألقوا والثاني ألقوا على ما يصح لا على ما يفسد ويستحيل ذكرهما الماوردي والثالث إنما أمرهم بالإلقاء لتكون معجزته أظهر لأنهم إذا ألقوا ألقى عصاه فابتلعت ذلك ذكره الواحدي فان قيل كيف قال وألقي السحرة ساجدين وإنما سجدوا باختيارهم فالجواب أنه لما زالت كل شبهة بما أظهر الله تعالى من أمره اضطرهم عظيم ما عاينوا إلى مبادرة السجود فصاروا مفعولين في الإلقاء تصحيحا وتعظيما لشأن ما رأوا من الآيات ذكره ابن الانباري قال ابن عباس لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل \r\n قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون \r\n قوله تعالى آمنتم به قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ءآمنتم به بهمزة ومدة على الاستفهام وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أآمنتم به فاستفهموا بهمزتين الثانية ممدودة وقرأ حفص عن عاصم آمنتم به على الخبر وروى ابن الإخريط عن ابن كثير قال فرعون وأمنتم به فقلب همزة الاستفهام واوا وجعل الثانية ملينة بين بين وروى قنبل عن القواس مثل رواية ابن الإخريط غير أنه كان يهمز بعد الواو وقال أبو علي همز بعد الواو ","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":" لأن هذه الواو منقلبة عن همزة الاستفهام وبعد همزة الاستفهام أفعلتم فحققها ولم يخففها \r\n قوله تعالى إن هذا لمكر مكرتموه قال ابن السائب لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون عاقبة ما صنعتم لأقطعن أيديكم أرجلكم من خلاف وهو قطع اليد اليمنى والرجل اليسر قال ابن عباس أول من فعل ذلك وأول من صلب فرعون \r\n وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال الملأ من قوم فرعون أنذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين \r\n قوله تعالى وما تنقم منا أي وما تكره منا شيئا ولا تعطن علينا إلا لأنا آمنا ربنا أفرغ علينا صبرا قال مجاهد على القطع والصلب حتى لا نرجع كفارا وتوفنا مسلمين أي مخلصين على دين موسى \r\n قوله تعالى وأنذر موسى وقومه هذا إغراء من الملأ لفرعون وفيما أرادوا بالفساد في الأرض قولان أحدهما قتل أبناء القبط واستحياء نسائهم كما فعلوا ببني اسرائيل قاله مقاتل والثاني دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون وترك عبادته ","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":" قوله تعالى ويذرك جمهور القراء على نصب الراء وقرأ الحسن برفعها قاله الزجاج من نصب ويذرك نصبه على جواب الاستفهام بالواو والمعنى أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك ومن رفعه جعله مستأنفا فيكون المعنى أتذر موسى وقومه وهو يذرك وآلهتك والأجود أن يكون معطوفا على أنذر فيكون المعنى أتذر موسى وأيذرك موسى أي أتطلق له هذا \r\n قوله تعالى وآلهتك قال ابن عباس كان فرعون قد صنع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها وقال أنا ربكم ورب هذه الأصنام فذلك قوله أنا ربكم الأعلى وقال غيره كان قومه يعبدون تلك الأصنام تقربا إليه وقال الحسن كان يعبد تيسا في السر وقيل كان يعبد البقر سرا وقيل كان يجعل في عنقه شيئا يعبده وقرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية وابن محيصن والإهتك بكسر الهمزة وقصرها وفتح اللام وبألف بعدها قال الزجاج المعنى ويذرك وربوبيتك وقال ابن الانباري قال اللغويون الإلاهة العبادة فالمعنى ويذرك وعبادة الناس إياك قال ابن قتيبة من قرأ وإلاهتك أراد ويذرك والشمس التي تعبد وقد كانف ي العرب قوم يعبدون الشمس ويسمونها آلهة قال الأعشى ... فما أذكر الرهبه حتى انقلبت ... قبيل الإلهة منها قريبا ... \r\n يعني الشمس والرهب ناقته يقول اشتغلت بهذه المرأة عن ناقتي إلى هذا الوقت \r\n قوله تعالى سنقتل أبناءهم قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي سنقتل ويقتلون ابناءكم بالتشديد ","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":" وخفضهما نافع وقرأ ابن كثير سنقتل خفيفة ويقتلون مشددة وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الابناء لعلمه أنه لا يقدر عليه وإنا فوقهم قاهرون أي عالون بالملك والسلطان فشكا بنو إسرائيل إعادة القتل على أبنائهم فقال موسى استعينوا بالله واصبروا على ما يفعل بكم إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص عن عاصم يورثها بالتشديد فأطعمهم موسى أن يعطيهم الله أرض فرعون وقومه بعد إهلاكهم \r\n قوله تعالى والعاقبة للمتقين فيها قولان أحدهما الجنة والثاني النصر والظفر \r\n قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون \r\n قوله تعالى قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا في هذا الأذى ستة اقوال \r\n أحدها أن الأذى الاول والثاني أخذ الجزية قاله الحسن \r\n والثاني أن الأول ذبح الأبناء والثاني إدراك فرعون يوم طلبهم قاله السدي \r\n والثالث أن الأول أنهم كانوا يسخرون في الأعمال إلى نصف النهار ويرسلون في بقيته يكتسبون والثاني تسخيرهم جميع النهار بلا طعام ولا شراب قاله جويبر ","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":" والرابع أن الأول تسخيرهم في ضرب اللبن وكانوا يعطونهم التبن الذي يخلطونه في الطين والثاني أنهم كلفوا ضرب اللبن وجعل التبن عليهم قاله ابن السائب \r\n والخامس أن الأول قتل الأبناء واستحياء البنات والثاني تكليف فرعون إياهم مالا يطيقونه قاله مقاتل \r\n والسادس أن الأول استخدامهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم والثاني إعادة ذلك العذاب \r\n وفي قوله من قبل أن تأتينا قولان \r\n أحدهما تأتينا بالرسالة ومن بعد ما جئنا بها قاله ابن عباس \r\n والثاني تأتينا بعهد الله أنه سيخلصنا ومن بعد ما جئتنا به ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى عسى ربكم أن يهلك عدوكم قال الزجاج عسى طمع وإشفاق إلا أن ما يطمع الله فيه فهو واجب \r\n قوله تعالى ويستخلفكم في الأرض في هذا الاستخلاف قولان \r\n أحدهما أنه استخلاف من فرعون وقومه والثاني استخلاف عن الله تعالى لأن المؤمنين خلفاء الله في أرضه وفي الأرض قولان \r\n أحدهما أرض مصر قاله ابن عباس والثاني أرض الشام ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى فينظر كيف تعملون قال الزجاج أي يراه بوقوعه منكم لأنه إنما يجازيهم على ما وقع منهم لا على ما علم أنه سيقع \r\n قوله تعالى ولقد اخذنا آل فرعون بالسنين قال أبو عبيدة مجازه ابتليناهم بالجدوب وآل فرعون أهل دينه وقومه وقال مقاتل هم أهل مصر ","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":" قال الفراء بالسنين أي بالقحط والجدوب عاما بعد عام وقال الزجاج السنون في كلام العرب الجدوب يقال مستهم السنة ومعناه جدب السنة وشدة السنة وإنما أخذهم بالضراء لأن أحوال الشدة ترق القلوب وترغب فيما عند الله وفي الرجوع اليه قال قتادة أما السنون فكانت في بواديهم ومواشيهم وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم وقراهم وروى الضحاك عن ابن عباس قال يبس لهم كل شيء وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له إن كنت ربا كما تزعم فاملأ لنا نيل مصر فقال غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت أنا أقدر أن أجيء بالماء في نيل مصر غدوة أصبح فيكذبوني فلما كان جوف الليل اغتسل ثم لبس مدرعة من صوف ثم خرج حافيا حتى اتى بطن نيل مصر فقام في بطنه فقال اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه فما علم إلا بخرير الماء لما أراد الله به من الهلكة قلت وهذا الحديث بعيد الصحة لأن الرجل كان دهريا لا يثبت آلها ولو صح كان إقراره بذلك كاقرار ابليس وتبقى مخالفته عنادا \r\n فاذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طآئرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى فاذا جاءتهم الحسنة وهي الغيث والخصب وسعة الرزق والسلامة قالوا لنا هذه أي نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة في سعة الرزق ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه وإن تصبهم سيئة وهي القحط والجدب والبلاء يطيروا بموسى ومن معه أي يتشاءموا بهم وكانت العرب تزجر ","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":" الطير فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال وتتبرك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين \r\n قوله تعالى ألا إنما طائرهم عند الله قال أبو عبيدة ألا تنبيه وتوكيد ومجاز طائرهم حظهم ونصيبهم وقال ابن عباس ألا إنما طائرهم عند الله أي إن الذي أصابهم من الله وقال الزجاج المعنى ألا إن الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا \r\n وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين \r\n قوله تعالى وقالوا مهما قال الزجاج زعم النحويون أن أصل مهما ماما ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ليختلف اللفظ ف ما الأولى هي ما الجزاء وما الثانية هي التي تزاد تأكيدا للجزاء ودليل النحويين على ذلك أنه ليس شيء من حروف الجزاء إلا وما تزاد فيه قال الله تعالى فاما تثقفنهم كقولك إن تثقفنهم وقال وإما تعرضن عنهم وتكون ما الثانية للشرط والجزاء والتفسير الأول هو الكلام وعليه استعمال الناس قال ابن الانباري فعلى قول من قال إن معنى مه الكف يحسن الوقف على مه والاختيار أن لا يوقف عليها دون ما لأنها في المصحف حرف واحد وفي الطوفان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الماء قال ابن عباس أرسل عليهم مطر دائم الليل والنهار ثمانية أيام وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وقتادة والضحاك وأبو مالك ومقاتل واختاره الفراء وابن قتيبة ","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":" والثاني أنه الموت روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم وبه قال مجاهد وعطاء ووهب بن منبه وابن كثير \r\n والثالث أنه الطاعون نقل عن مجاهد ووهب أيضا وفي القمل سبعة أقوال \r\n أحدها أنه السوس الذي يقع في الحنطة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال به \r\n والثاني أنه الدبى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء وقال قتادة القمل أولاد الجراد وقال ابن فارس الدبى الجراد إذا تحرك قبل أن تنبت أجنحته \r\n والثالث أنه دواب سود صغار قاله الحسن وسعيد بن جبير وقيل هذه الدواب هي السوس \r\n والرابع أنه الجعلان قاله حبيب بن أبي ثابت \r\n والخامس أنه القمل ذكره عطاء الخراساني وزيد بن أسلم \r\n والسادس أنه البراغيث حكاه ابن زيد \r\n والسابع أنه الحمنان واحدتها حمنانة وهي ضرب من القردان قاله أبو عبيدة وقرأ الحسن وعكرمة وابن يعمر القمل برفع القاف وسكون الميم ","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":" وفي الدم قولان أحدهما أن ماءهم صار دما قاله الجمهور والثاني أنه رعاف أصابهم قاله زيد بن اسلم \r\n الإشارة إلى شرح القصة \r\n قال ابن عباس جاءهم الطوفان فكان الرجل لا يقدر ان يخرج إلى ضيعته حتى خافوا الغرق فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشفه عنا ونؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا لهم فكشفه الله عنهم وأنبت لهم شيئا لم ينبته قبل ذلك فقالوا هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض فقالوا ادع لنا ربك فدعا فكشف الله عنهم فأحرزوا زروعهم في البيوت فأرسل الله عليهم القمل فكان الرجل يخرج بطحين عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرى منها ثلاثة أقفزة فسألوه فدعا لهم فكشف عنهم فلم يؤمنوا فأرسل الله عليهم الضفادع ولم يكن شيء أشد منها كانت تجيء إلى القدور وهي تغلي وتفور فتلقي أنفسها فيها فتفسد طعامهم وتطفئ نيرانهم وكانت الضفادع برية فأورثها الله تعالى برد الماء والثرى إلى يوم القيامة فسألوه فدعا لهم فلم يؤمنوا فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم وقلبهم دما فلم يقدروا على الماء العذب وبنو إسرائيل في الماء العذب فاذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني اسرائيل صار ما دخل فيه دما والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا يقدر عليه فقال فرعون أقسم بالهي يا موسى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فدعا موسى فذهب الدم وعذب ماؤهم فقالوا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل ","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":" قوله تعالى آيات مفصلات قال ابن قتيبة بين الآية والآية فصل قال المفسرون كانت الآية تمكث من السبت إلى السبت ثم يبقون عقيب رفعها شهرا في عافية ثم تأتي الآية الأخرى قال وهب بن منبه بين كل آيتين أربعون يوما وروى عكرمة عن ابن عباس قال مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل والضفادع والدم \r\n وفي قوله فاستكبروا قولان أحدهما عن الإيمان والثاني عن الانزجار \r\n ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين \r\n قوله تعالى ولما وقع عليهم الرجز أي نزل بهم العذاب وفي هذا العذاب قولان \r\n أحدهما أنه طاعون أهلك منهم سبعين ألفا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير \r\n والثاني أنه العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك قاله ابن زيد قال الزجاج الرجز العذاب أو العمل الذي يؤدي إلى العذاب ومعنى الرجز في العذاب أنه المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة وأصل الرجز في اللغة تتابع الحركات فمن ذلك قولهم ناقة رجزاء إذا كانت ","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":" ترتعد قوائمها عند قيامها ومنه رجز الشعر لأنه أقصر أبيات الشعر والانتقال من بيت إلى بيت سريع نحو قوله ... يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع ... \r\n وزعم الخليل أن الرجز ليس بشعر وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث \r\n قوله تعالى بما عهد عندك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن معناه بما أوصاك أن تدعوه به والثاني بما تقدم به إليك أن تدعوه فيجيبك والثالث بما عهد عندك في كشف العذاب عمن آمن والرابع أن ذلك منهم على معنى القسم كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم \r\n قوله تعالى إلى أجل هم بالغوه أي إلى وقت غرقهم إذا هم ينكثون أي ينقضون العهد \r\n قوله تعالى فانتقمنا منهم قال أبو سليمان الدمشقي انتصرنا منهم باحلال نقمتنا بهم وتلك النقمة تغريقنا إياهم في اليم قال ابن قتيبة اليم البحر بالسريانية \r\n قوله تعالى وكانوا عنها غافلين فيه قولان \r\n أحدهما عن الآيات وغفلتهم تركهم الاعتبار بها والثاني عن النقمة \r\n وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":" قوله تعالى وأورثنا القوم يعني بني إسرائيل الذين كانوا يستضعفون أي يستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء وتسخير الرجال مشارق الأرض ومغاربها فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مشارق الشام ومغاربها قاله الحسن والثاني مشارق أرض الشام ومصر والثالث أنه على إطلاقه في شرق الأرض وغربها \r\n قوله تعالى التي باركنا فيها قال ابن عباس بالماء والشجر \r\n قوله تعالى وتمت كلمة ربك الحسنى وهي وعد الله لبني إسرائيل باهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض وذلك في قوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض وقد بينا علة تسمية ذلك كله في آل عمران \r\n قوله تعالى بما صبروا فيه قولان \r\n أحدهما على طاعة الله تعالى والثاني على أذى فرعون \r\n قوله تعالى ودمرنا أي أهلكنا ما كان يصنع فرعون وقومه من العمارات والمزارع والدمار الهلاك وما كانوا يعرشون أي يبنون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم يعرشون بكسر الراء هاهنا وفي النحل وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الراء فيهما وقرأ ابن أبي عبلة يعرشون بالتشديد قال الزجاج يقال عرش يعرش ويعرش إذا بنى \r\n قوله تعالى يعكفون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ويعقوب يعكفون بضم الكاف وقرأ حمزة والكسائي ","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":" والمفضل بكسر الكاف وقرأ ابن أبي عبلة بضم الياء وتشديد الكاف قال الزجاج ومعنى يعكفون على اصنام لهم يواظبون عليها ويلازمونها يقال لكل من لزم شيئا وواظب عليه عكف يعكف ويعكف قال قتادة كان أولئك القوم نزولا بالرقة وكانوا من لخم وقال غيره كانت أصنامهم تماثيل البقر وهذا إخبار عن عظيم جهلهم حيث توهموا جواز عبادة غير الله بعدما رأوا الآيات \r\n إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى إن هؤلاء متبر ما هم فيه قال ابن قتيبة مهلك والتبار الهلاك \r\n قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين \r\n قوله تعالى قال أغير الله أبغيكم إلها أي أطلب لكم وهذا استفهام إنكار قال المفسرون منهم ابن عباس ومجاهد العالمون هاهنا عالمو زمانهم \r\n وإذا أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم \r\n قوله تعالى وإذ أنجيناكم قرأ ابن عامر وإذا أنجاكم على لفظ الغائب المفرد \r\n وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":" قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة المعنى وعدناه انقضاء الثلاثين ليلة قال ابن عباس قال موسى لقومه إن ربي وعدني ثلاثين ليلة فلما فصل إلى ربه زاده عشرا فكانت فتنتهم في ذلك العشر فان قيل لم زيد هذا العشر فالجواب أن ابن عباس قال صام تلك الثلاثين ليلهن ونهارهن فلما انسلخ الشهر كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول شيئا من نبات الأرض فمضغه فأوحى الله تعالى إليه لا كلمتك حتى يعود فوك على ما كان عليه أما علمت أن رائحة فم الصائم إحب إلي من ريح المسك وأمره بصيام عشرة أيام وقال أبو العالية مكث موسى على الطور أربعين ليلة فبلغنا أنه لم يحدث حتى هبط منه \r\n فان قيل ما معنى فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقد علم ذلك عند انضمام العشر إلى الثلاثين \r\n فالجواب من وجوه أحدها أنه للتأكيد والثاني ليدل أن العشر ليال لا ساعات والثالث لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن تكون من جملة الثلاثين لأنه يجوز أن يسبق إلى الوهم أنها كانت عشرين ليلة فأتمت بعشر وقد بينا في سورة البقرة لماذا كان هذا الوعد \r\n قوله تعالى وأصلح قال ابن عباس مرهم بالإصلاح وقال مقاتل ارفق \r\n ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمة ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":" المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين \r\n قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا قال الزجاج أي للوقت الذي وقتنا له وكلمه ربه أسمعه كلامه ولم يكن فيما بينه وبين الله عز و جل فيما سمع أحد قال رب أرني أنظر إليك أي أرني نفسك \r\n قوله تعالى قال لن تراني تعلق بهذا نفاة الرؤية وقالوا لن لنفي الأبد وذلك غلط لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله يا مالك ليقض علينا ربك ولأن ابن عباس قال في تفسيرها لن تراني في الدنيا وقال غيره هذا جواب لقول موسى أرني ولم يرد أرني في الآخرة وإنما أراد في الدنيا فأجيب عما سأل وقال بعضهم لن تراني بسؤالك وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية لأن موسى مع علمه بالله تعالى سألها ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك لأن معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية ولو استحالت عليه لقال لا أرى ألا ترى أن نوحا لما قال إن ابني من أهلي أنكر عليه بقوله إنه ليس من أهلك ومما يدل على جواز الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل وذلك جائز غير مستحيل فدل على أنها جائزة ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال حتى يلج الجمل في سم الخياط \r\n قوله تعالى فان استقر مكانه أي ثبت ولم يتضعضع ","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":" قوله تعالى فلما تجلى ربه قال الزجاج ظهر وبان جعله دكا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر دكا منونة مقصورة هاهنا وفي الكهف وقرأ عاصم دكا ها هنا منونة مقصورة وفي الكهف دكاء ممدودة غير منونة وقرأ حمزة والكسائي دكاء ممدودة غير منونة في الموضعين قال أبو عبيدة جعله دكا أي مندكا والدك المستوي والمعنى مستويا مع وجه الأرض يقال ناقة دكاء أي ذاهبة السنام مستو ظهرها قال ابن قتيبة كأن سنامها دك أي التصق قال ويقال إن اصل دككت دققت فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين وقال أنس بن مالك في قوله جعله دكا ساخ الجبل قال ابن عباس واسم الجبل زبير وهو أعظم جبل بمدين وإن الجبال تطاولت ليتجلى لها وتواضع زبير فتجلى له \r\n قوله تعالى وخر موسى صعقا فيه قولان \r\n أحدهما مغشيا عليه قاله ابن عباس والحسن وابن زيد \r\n والثاني ميتا قاله قتادة ومقاتل والأول أصح لقوله فلما أفاق وذلك لا يقال للميت وقيل بقي في غشيته يوما وليلة \r\n قوله تعالى سبحانك تبت إليك فيما تاب منه ثلاثة أقوال \r\n أحدها سؤاله الرؤية قاله ابن عباس ومجاهد والثاني من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها والثالث اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا \r\n وفي قوله وأنا أول المؤمنين قولان ","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":" أحدهما أنك لن ترى في الدنيا رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أول المؤمنين من بني إسرائيل رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى إني اصطفيتك فتح ياء إني ابن كثير وأبو عمرو وقرأ ابن كثير ونافع برسالتي قال الزجاج المعنى اتخذتك صفوة على الناس برسالاتي وبكلامي ولو كان إنما سمع كلام غير الله لما قال برسالاتي وبكلامي لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله \r\n وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وامر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين \r\n قوله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء في ماهية الألواح سبعة أقوال \r\n أحدها أنها زبرجد قاله ابن عباس والثاني ياقوت قاله سعيد بن جبير والثالث زمرد أخضر قاله مجاهد والرابع برد قاله أبو العالية والخامس خشب قاله الحسن والسادس صخر قاله وهب بن منبه والسابع زمرد وياقوت قاله مقاتل وفي عددها أربعة اقوال \r\n أحدها سبعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني لوحان قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء قال وإنما سماها الله تعالى ألواحا على مذهب العرب في إيقاع الجمع على التثنية كقوله وكنا لحكمهم شاهدين يريد داود وسليمان وقوله فقد صغت قلوبكما والثالث عشرة قاله وهب والرابع تسعة قاله مقاتل \r\n وفي قوله من كل شيء قولان أحدهما من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والواجب وغيره والثاني من الحكم والعبر ","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":" قوله تعالى موعظة أي نهيا عن الجهل وتفصيلا أي تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي والحدود والأحكام \r\n قوله تعالى فخذها بقوة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها بجد وحزم قاله ابن عباس والثاني بطاعة قاله أبو العالية والثالث بشكر قاله جويبر \r\n قوله تعالى وأمر قومك يأخذوا بأحسنها إن قيل كأن فيها ما ليس بحسن فعنه جوابان \r\n أحدهما أن المعنى يأخذوا بحسنها وكلها حسن قاله قطرب وقال ابن الانباري ناب أحسن عن حسن كما قال الفرزدق ... إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول ... \r\n أي عزيزة طويلة وقال غير الأحسن هاهنا صلة والمعنى يأخذوا بها \r\n والثاني أن بعض ما فيها أحسن من بعض ثم في ذلك خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر ففعل الخير هو الأحسن \r\n والثاني أنها اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض كالقصاص والعفو والانتصار والصبر فأمروا أن يأخذوا بالأحسن ذكر القولين الزجاج فعلى هذا القول يكون المعنى انهم يتبعون العزائم والفضائل وعلى الذي قبله يكون المعنى أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة ويجتنبون الموصوف بالقبح وهو المعصية \r\n والثالث أحسنها الفرائض والنوافل وأدونها في الحسن المباح ","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":" والرابع أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة فتصرف إلى الاشبه بالحق \r\n والخامس أن أحسنها الجمع بين الفرائض والنوافل \r\n قوله تعالى سأريكم دار الفاسقين فيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها جهنم قاله الحسن ومجاهد والثاني انها دار فرعون وقومه وهي مصر قاله عطية العوفي والثالث أنها منازل من هلك من الجبابرة والعمالقة يريهم إياها عند دخولهم الشام قاله قتادة والرابع أنها مصارع الفاسقين قاله السدي ومعنى الكلام سأريكم عاقبة من خالف أمري وهذا تهديد للمخالف وتحذير للموافق \r\n سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق في هذه الآية قولان \r\n أحدهما أنها خاصة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات والثاني أنها عامة وهو أصح وفي الآيات قولان \r\n أحدهما أنها آيات الكتب المتلوة ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أمنعهم فهمها والثاني أمنعهم من الإيمان بها والثالث أصرفهم عن الاعتراض عليها بالإبطال ","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":" والثاني أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشمس والقمر وغيرها فيكون المعنى أصرفهم عن التفكر والاعتبار بما خلقت وفي معنى يتكبرون قولان \r\n أحدهما يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول \r\n والثاني يحقرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم \r\n قوله تعالى وإن يروا سبيل الرشد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم سبيل الرشد بضم الراء خفيفة وقرأ حمزة والكسائي سبيل الرشد بفتح الراء والشين مثقلة \r\n قوله تعالى ذلك بأنهم قال الزجاج فعل الله بهم ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين أي كانوا في تركهم الإيمان بها والتدبر لها بمنزلة الغافلين ويجوز أن يكون المعنى وكانوا عن جزائها غافلين \r\n واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين \r\n قوله تعالى واتخذ قوم موسى من بعده أي من بعد انطلاقه إلى الجبل للميقات من حليهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر من حليهم بضم الحاء وقرأ حمزة والكسائي حليهم بكسر الحاء وقرأ يعقوب بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء والحلي جمع حلي مثل ثدي وثدي وهو اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة قال الزجاج ومن كسر الحاء من حليهم أتبع الحاء كسر اللام والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما هو بمعنى الجثة فقط قال ابن الانباري ذكر الجسد دلالة على ","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":" عدم الروح منه وأن شخصه شخص مثال وصورة غير منضم إليهما روح ولا نفس فأما الخوار فهو صوت البقرة يقال خارت البقرة تخور وجأرت تجأر وقد نقل عن العرب انهم يقولون في مثل صوت الإنسان من البهائم رغا البعير وجرجر وهدر وقبقب وصهل الفرس وحمحم وشهق الحمار ونهق وشحج البغل وثغت الشاة ويعرت وثأجت النعجة وبغم الظبي ونزب وزأر الأسد ونهت ونأت ووعوع الذئب ونهم الفيل وزقح القرد وضبح الثعلب وعوى الكلب ونبح وماءت السنور وصأت الفأرة ونغق الغراب معجمة الغين وزقأ الديك وسقع وصفر النسر وهدر الحمام وهدل ونقضت الضفادع ونقت وعزفت الجن قال ابن عباس كان العجل إذا خار سجدوا وإذا سكت رفعوا رؤوسهم وفي رواية أبي صالح عنه أنه خار خورة واحدة ولم يتبعها مثلها وبهذا قال وهب ومقاتل وكان مجاهد يقول خواره حفيف الريح فيه وهذا يدل على أنه لم يكن فيه روح وقرأ أبو رزين العقيلي وابو مجلز له جوار بجيم مرفوعة \r\n قوله تعالى ألم يروا أنه لا يكلمهم أي لا يستطيع كلامهم ولا يهديهم سبيلا أي لا يبين لهم طريقا إلى حجة اتخذوه يعني اتخذوه إلها وكانوا ظالمين قال ابن عباس مشركين ","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":" ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا وكذلك نجزي المفترين \r\n قوله تعالى ولما سقط في أيديهم أي ندموا قال الزجاج يقال للرجل النادم على ما فعل المتحسر على ما فرط قد سقط في يده وأسقط في يده وقرأ ابن السميفع وأبو عمران الجوني سقط بفتح السين قال الزجاج والمعنى ولما سقط الندم في أيديهم يشبه ما يحصل في القلب وفي النفس بما يرى بالعين قال المفسرون هذا الندم منهم إنما كان بعد رجوع موسى \r\n قوله تعالى لئن لم يرحمنا ربنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم يرحمنا ربنا ويغفر لنا بالياء والرفع وقرأ حمزة والكسائي ترحمنا وتغفر لنا بالتاء ربنا بالنصب \r\n قوله تعالى غضبان اسفا في الاسف ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الحزين قاله ابن عباس والحسن والسدي والثاني الجزع قاله مجاهد والثالث أنه الشديد الغضب قاله ابن قتيبة والزجاج وقال أبو الدرداء الأسف منزلة وراء الغضب أشد منه ","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":" قوله تعالى قال أي لقومه بئسما خلفتموني من بعدي فتح ياء بعدي أهل الحجاز وأبو عمرو والمعنى بئس ما عملتم بعد فراقي من عبادة العجل أعجلتم أمر ربكم قال الفراء يقال عجلت الأمر والشيء سبقته ومنه هذه الآية وأعجلته استحثثته قال ابن عباس أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له قال الحسن يعني وعد الأربعين ليلة \r\n قوله تعالى وألقى الألواح التي فيها التوراة وفي سبب ألقائه إياها قولان \r\n أحدهما أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه لما رأى فضائل غير أمته من أمة محمد صلى الله عليه و سلم اشتد عليه فألقاها قاله قتادة وفيه بعد قال ابن عباس لما رمى بالألواح فتحطمت رفع منها ستة أسباع وبقي سبع \r\n قوله تعالى وأخذ برأس أخيه في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لحيته وذؤابته والثاني شعر رأسه والثالث أذنه وقيل إنما فعل به ذلك لأنه توهم أنه عصى الله بمقامه بينهم وترك اللحوق به وتعريفه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم فيتلافاهم ويردهم إلى الحق وذلك قوله ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن \r\n قوله تعالى ابن أم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم قال ابن أم نصبا وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الميم وكذلك في طه قال الزجاج من فتح الميم فلكثرة استعمال هذا الاسم ومن كسر أضافه إلى نفسه بعد أن جعله اسما واحدا ومن العرب من يقول يا ابن أمي باثبات الياء قال الشاعر ","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":" يا ابن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خليفتي لدهر شديد ... \r\n وقال أبو علي يحتمل أن يريد من فتح يا ابن أم أما ويحذف الألف ومن كسر ابن أمي فيحذف الياء فان قيل لم قال يا ابن أم ولم يقل يا ابن أب فالجواب أن ابن عباس قال كان أخاه لأبيه وأمه وإنما قال له ذلك ليرفقه عليه قال أبو سليمان الدمشقي والإنسان عند ذكر الوالدة أرق منه عند ذكر الوالد وقيل كان لأمه دون أبيه حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى إن القوم يعني عبدة العجل استضعفوني أي استذلوني فلا تشمت بي الأعداء قرأ عبد الله بن عباس ومالك بن دينار وابن عاصم فلا تشمت بتاء مفتوحة مع فتح الميم الاعداء بالرفع وقرأ مجاهد وأبو العالية والضحاك وأبو رجاء فلا تشمت بفتح التاء وكسر الميم الأعداء بالنصب وقرأ أبو الجوزاء وابن أبي عبلة مثل ذلك إلا أنهما رفعا الأعداء ويعني بالاعداء عبدة العجل ولا تجعلني في موجدتك وعقوبتك لي مع القوم الظالمين وهم عبدة العجل فلما تبين له عذر أخيه قال رب اغفر لي \r\n قوله تعالى وذلة في الحياة الدنيا فيها قولان \r\n أحدهما أنها الجزية قاله ابن عباس والثاني ما أمروا به من قتل أنفسهم قاله الزجاج فعلى الأول يكون ما أضيف إليهم من الجزية في حق أولادهم لأن ","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":" أولئك قتلوا ولم يؤدوا جزية قال عطية وهذه الآية فيما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليهم متخذي العجل ورضاهم به \r\n قوله تعالى وكذلك نجزي المفترين قال ابن عباس كذلك أعاقب من اتخذ إلها دوني وقال مالك بن أنس ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة وقرأ هذه الاية وقال سفيان بن عيينة ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه قال وهي في كتاب الله تعالى قالوا وأين هي قال أوما سمعتم قوله إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا قالوا يا أبا محمد هذه لأصحاب العجل خاصة قال كلا أتلوا ما بعدها وكذلك نجزي المفترين فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة \r\n والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم \r\n قوله تعالى والذين عملوا السيئات فيها قولان \r\n أحدهما أنها الشرك والثاني الشرك وغيره من الذنوب ثم تابوا من بعدها يعني السيئات وفي قوله وآمنوا قولان \r\n أحدهما آمنوا بالله وهو يخرج على قول من قال هي الشرك \r\n والثاني آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة إن ربك من بعدها يعني السيئات \r\n ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون \r\n قوله تعالى ولما سكت عن موسى الغضب وقرأ ابن عباس وأبو عمران ","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":" سكت بفتح السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها الغضب بالنصب وقرأ سعيد بن جبير وابن يعمر والجحدري سكت بضم السين وتشديد الكاف مع كسرها وقرأ ابن مسعود وعكرمة وطلحة سكن بنون قال الزجاج سكت بمعنى سكن يقال سكت يسكت سكتا إذا سكن وسكت يسكت سكتا وسكوتا إذا قطع الكلام قال وقال بعضهم المعنى ولما سكت موسى عن الغضب على القلب كما قالوا أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى أدخلت رأسي في القلنسوة والأولى هو قول أهل العربية \r\n قوله تعالى أخذ الألواح يعني التي كان ألقاها وفي قوله وفي نسختها قولان \r\n أحدهما وفيما بقي منها قاله ابن عباس والثاني وفيما نسخ فيهما قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى للذين هم لربهم يرهبون فيهم قولان \r\n أحدهما أنه عام في الذين يخافون الله وهو معنى قول ابن عباس \r\n والثاني أنهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم خاصة وهو معنى قول قتادة \r\n واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين \r\n قوله تعالى واختار موسى قومه المعنى اختار من قومه فحذف ","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":" من تقول العرب اخترتك القوم أي اخترتك من القوم وأنشدوا ... منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع ... \r\n هذا قول ابن قتيبة والفراء والزجاج وفي هذا الميقات أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الميقات الذي وقته الله لموسى ليأخذ التوراة أمر أن يأتي معه بسبعين رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال نوف البكالي \r\n والثاني أنه ميقات وقته الله تعالى لموسى وأمره أن يختار من قومه سبعين رجلا ليدعو ربهم فدعوا فقالوا اللهم أعطنا مالم تعط أحدا قبلنا ولا تعطيه أحدا بعدنا فكره الله ذلك وأخذتهم الرجفة رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه ميقات وقته الله لموسى لأن بني إسرائيل قالوا له إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك فخذ معك طائفة منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا فتذهب التهمة فأوحى الله إليه أن اختر من خيارهم سبعين ثم ارتق بهم على الجبل انت وهارون واستخلف يوشع بن نون ففعل ذلك قاله وهب بن منبه \r\n والرابع أنه ميقات وقته الله لموسى ليلقاه في ناس من بني إسرائيل فيعتذر إليه من فعل عبدة العجل قاله السدي وقال ابن السائب كان موسى لا يأتي إلا بإذن منه \r\n فأما الرجفة فهي الحركة الشديدة وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه ادعاؤهم على موسى قتل هارون قاله علي بن أبي طالب ","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":" والثاني اعتداؤهم في الدعاء وقد ذكرناه في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنهم لم ينهوا عبدة العجل ولم يرضوا نقل عن ابن عباس وقال قتادة وابن جريج لم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر ولم يزايلوهم \r\n والرابع أنهم طلبوا استماع الكلام من الله تعالى فلما سمعوه قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة قاله السدي وابن إسحاق \r\n قوله تعالى قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قال السدي قام موسى يبكي ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قال الزجاج لو شئت أمتهم قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة وقيل لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا وإياي فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني \r\n قوله تعالى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا قال المبرد هذا استفهام استعطاف أي لا تهلكنا وقال ابن الانباري هذا استفهام على تأويل الجحد أراد لست تفعل ذلك والسفهاء هاهنا عبدة العجل وقال الفراء ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل وإنما أهلكوا بقولهم أرنا الله جهرة \r\n قوله تعالى إن هي إلا فتنتك فيها قولان \r\n أحدهما أنها الابتلاء رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وأبو العالية \r\n والثاني العذاب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة \r\n قوله تعالى أنت ولينا أي ناصرنا وحافظنا ","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":" واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من اشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون \r\n قوله تعالى واكتب لنا أي حقق لنا وأوجب في هذه الدنيا حسنة وهي الأعمال الصالحة وفي الآخرة المغفرة والجنة إنا هدنا إليك أي تبنا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية وقتادة والضحاك والسدي وقال ابن قتيبة ومنه الذين هادوا كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء وقرأ أبو وجزة السعدي إنا هدنا بكسر الهاء قال ابن الانباري المعنى لا تتغير يقال هاد يهود ويهيد \r\n قوله تعالى قال عذابي أصيب به من أشاء وقرأ الحسن البصري والأعمش وأبو العالية من اساء بسين غير معجمة مع النصب ","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":" قوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء في هذا الكلام أربعة اقوال \r\n أحدها أن مخرجه عام ومعناه خاص وتأويله ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم لقوله تعالى فسأكتبها للذين يتقون قاله ابن عباس \r\n والثاني أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا والخصوص في الآخرة وتأويلها ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا البر والفاجر وفي الآخرة وفي الآخرة هي للمتقين خاصة قاله الحسن وقتادة فعلى هذا معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يرزق ويدفع عنه كقوله في حق قارون وأحسن كما أحسن إليك \r\n والثالث أن الرحمة التوبة فهي على العموم قاله ابن زيد \r\n والرابع أن الرحمة تسع كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها فلو قدر دخولهم فيها لو سعتهم قاله ابن الانباري قال الزجاج وسعت كل شيء في الدنيا فسأكتبها للذين يتقون في الآخرة قال المفسرون معنى فسأكتبها فسأوجبها وفي الذين يتقون قولان \r\n أحدهما أنهم المتقون للشرك قاله ابن عباس والثاني للمعاصي قاله قتادة وفي قوله ويؤتون الزكاة قولان أ حدهما أنها زكاة الأموال قاله الجمهور \r\n والثاني أن المراد بها طاعة الله ورسوله قاله ابن عباس والحسن ذهبا ","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":" إلى أنها العمل بما يزكي النفس ويطهرها وقال ابن عباس وقتادة لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء قال إبليس أنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس فقال فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيتنا يؤمنون فقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله منهم وجعلها لهذه الأمة فقال الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وقال نوف قال الله تعالى لموسى أجعل لكم الأرض طهورا ومسجدا وأجعل السكينة معكم في بيوتكم وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير فأخبر موسى قومه بذلك فقالوا لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس والبيع ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرا فقال الله تعالى فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله المفلحون وفي هؤلاء المذكورين في قوله للذين يتقون ويؤتون الزكاة إلى قوله المفلحون قولان \r\n أحدهما أنهم كل من آمن بمحمد صلى الله عليه و سلم وتبعه قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه محمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي وقتادة وفي تسميته بالأمي قولان أحدهما لا يكتب والثاني لأنه من أم القرى \r\n قوله تعالى الذي يجدونه مكتوبا عندهم أي يجدون نعته ونبوته \r\n قوله تعالى يأمرهم بالمعروف قال الزجاج يجوز أن يكون مستأنفا ويجوز أن يكون يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف قال ابن عباس المعروف مكارم الأخلاق وصلة الارحام والمنكر عبادة الأوثان وقطع الأرحام وقال مقاتل المعروف الإيمان والمنكر الشر وقال غيره المعروف الحق لأن العقول تعرف صحته والمنكر الباطل لأن العقول تنكر صحته ","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":" وفي الطيبات أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الحلال والمعنى يحل لهم الحلال والثاني أنها ما كانت العرب تستطيبه والثالث أنها الشحوم المحرمة على بني إسرائيل والرابع ما كانت العرب تحرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام \r\n وفي الخبائث ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الحرام والمعنى ويحرم عليهم الحرام \r\n والثاني أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله كالحيات والحشرات \r\n والثالث ما كانوا يستحلونه من الميتة والدم ولحم الخنزير \r\n قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي إصرهم وقرأ ابن عامر آصارهم ممدودة الألف على الجمع وفي هذا الإصر قولان \r\n أحدهما أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة قاله ابن عباس \r\n والثاني التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت وأكل الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة قاله قتادة وقال مسروق لقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب فيصبح وقد كتب على باب بيته إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما \r\n قوله تعالى والأغلال التي كانت عليهم قال الزجاج ذكر الأغلال تمثيل ألا ترى أنك تقول جعلت هذا طوقا في عنقك وليس هناك طوق ","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":" إنما جعلت لزومه كالطوق والأغلال أنه كان عليهم أن لا يقبل منهم في القتل دية وأن لا يعملوا في السبت وأن يقرضوا ما أصاب جلودهم من البول \r\n قوله تعالى فالذين آمنوا به يعني بمحمد صلى الله عليه و سلم وعزروه وروى أبان وعزروه بتخفيف الزاي وفي المعنى قولان \r\n أحدهما نصروه وأعانوه قاله مقاتل \r\n والثاني عظموه قاله ابن قتيبة والنور الذي أنزل معه القرآن سماه نورا لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون وفي قوله معه قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى عليه \r\n والثاني بمعنى أنزل في زمانه قال قتادة أما نصره فقد سبقتم إليه ولكن خيركم من آمن به واتبع النور الذي أنزل معه \r\n قوله تعالى الذي يؤمن بالله وكلماته في الكلمات قولان \r\n أحدهما أنها القرآن قاله ابن عباس وقال قتادة كلماته آياته \r\n والثاني أنها عيسى بن مريم قاله مجاهد والسدي \r\n ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \r\n قوله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق فيه قولان \r\n أحدهما يدعون إلى الحق والثاني يعملون به \r\n قوله تعالى وبه يعدلون قال الزجاج وبالحق يحكمون وفي المشار إليهم بهذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام قاله ابن عباس والسدي والثاني أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه و سلم مثل ابن سلام وأصحابه قاله ","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":" ابن السائب والثالث أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن أنبيائهم ذكره الماوردي \r\n وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولو ا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيآتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون \r\n قوله تعالى وقطعناهم يعني قوم موسى يقول فرقناهم اثنتي عشرة أسباطا يعني أولاد يعقوب وكانوا اثنى عشر ولدا فولد كل واحد منهم سبطا قال الفراء وإنما قال اثنتي عشرة والسبط ذكر لأن بعده أمما فذهب بالتأنيث إلى الأمم ولو كان اثني عشر لتذكير السبط كان جائزا وقال الزجاج المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطا نعت فرقة كأنه يقول جعلناهم أسباطا وفرقناهم أسباطا فيكون أسباطا بدلا من اثنتي عشرة وأمما من نعت أسباط والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وبين ولد إسحاق وقال أبو عبيدة الأسباط قبائل بني إسرائيل واحدهم سبط ويقال من أي سبط أنت أي من أي قبيلة وجنس \r\n قوله تعالى فانبجست منه قال ابن قتيبة انفجرت يقال تبجس الماء كما يقال تفجر والقصة مذكورة في سورة البقرة ","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":" قوله تعالى نغفر لكم خطاياكم قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي نغفر لكم خطيئاتكم بالتاء مهموزة على الجمع وقرأ أبو عمرو نغفر لكم خطاياكم مثل قضاياكم ولا تاء فيها وقرأ نافع تغفر بالتاء مضمومة خطيئاتكم بالهمز وضم التاء على الجمع وافقه ابن عامر في تغفر بالتاء المضمومة لكنه قرأ خطيئتكم على التوحيد \r\n وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون \r\n قوله تعالى واسألهم يعني أسباط اليهود وهذا سؤال تقرير وتوبيخ يقررهم على قديم كفرهم ومخالفة أسلافهم الأنبياء ويخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي وفي القرية خمسة اقوال \r\n أحدها أنها أيلة رواه مرة عن ابن مسعود وأبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والسدي \r\n والثاني أنها مدين رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أنها ساحل مدين روي عن قتادة \r\n والرابع أنها طبرية قاله الزهري \r\n والخامس أنها قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا قاله ابن زيد ومعنى حاضرة البحر مجاورة البحر وبقربه وعلى شاطئه إذ يعدون قال الزجاج أي يظلمون يقال عدا فلان يعدو عدوانا وعداء وعدوا وعدوا إذا ظلم وموضع إذ نصب والمعنى سلهم عن وقت عدوهم في السبت إذ تأتيهم حيتانهم في موضع نصب أيضا ب يعدون والمعنى سلهم إذ عدوا ","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":" في وقت الإتيان شرعا أي ظاهرة كذلك نبلوهم أي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم بفسقهم ويحتمل على بعد أن يكون المعنى ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك أي لا تأتيهم شرعا ويكون نبلوهم مستأنفا وقرأ الحسن والأعمش وأبان والمفضل عن عاصم يسبتون بضم الياء \r\n وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون \r\n قوله تعالى وإذ قالت أمة منهم قال المفسرون افترق أهل القرية ثلاث فرق فرقة صادت وأكلت وفرقة نهت وزجرت وفرقة أمسكت عن الصيد وقالت للفرقة الناهية لم تعظون قوما الله مهلكهم لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين فقالت الفرقة الناهية معذرة إلى ربكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي معذرة رفعا أي موعظتنا إياهم معذرة والمعنى أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله وقرأ حفص عن عاصم معذرة نصبا وذلك على معنى نعتذر معذرة ولعلهم يتقون أي وجائز أن ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية \r\n فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم \r\n قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به يعني تركوا ما وعظوا به أنجينا ","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":" الذين ينهون عن السوء وهم الناهون عن المنكر والذين ظلموا هم المعتدون في السبت \r\n قوله تعالى بعذاب بئيس قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بئيس على وزن فعيل فالهمزة بين الباء والياء وقرأ نافع بيس بكسر الباء من غير همز وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه همز وروى خارجة عن نافع بيس بفتح الباء من غير همز على وزن فعل وروى أبو بكر عن عاصم بيأس على وزن فيعل وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأيوب بيآس على وزن فيعال وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومعاذ القارئ بئس بفتح الباء وكسر الهمزة من غير ياء على وزن نعس وقرأ الضحاك وعكرمة بيس بتشديد الياء مثل قيم وقرأ أبو العالية وأبو مجلز بئس بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ياء ولا ألف على وزن فعل وقرأ أبو المتوكل وأبو رجاء بائس بألف ومدة بعد الباء وبهمزة مكسورة بوزن فاعل قال أبو عبيدة البئيس الشديد وأنشد ... حنقا علي وما ترى ... لي فيهم أثرا بئيسا ... \r\n وقال الزجاج يقال بئس يبأس بأسا والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة وقال ابن جرير فلما عتوا أي تمردوا فيما نهوا عنه وقد ذكرنا في سورة البقرة قصة مسخهم وكان الحسن البصري يقول والله ما لحوم هذه الحيتان بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين \r\n قوله تعالى وإذ تأذن ربك فيه أربعة أقوال ","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":" أحدها أعلم قاله الحسن وابن قتيبة وقال هو من آذنتك بالأمر \r\n وقال ابن الانباري تأذن بمعنى آذن كما يقال تعلم أن فلانا قائم أي اعلم وقال أبو سليمان الدمشقي أي أعلم أنبياء بني إسرائيل والثاني حتم قاله عطاء والثالث وعد قاله قطرب والرابع تألى قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ليبعثن عليهم أي على اليهود وقال مجاهد على اليهود والنصارى بمعاصيهم من يسومهم أي يوليهم سوء العذاب وفي المبعوث عليهم قولان أحدهما أنه محمد صلى الله عليه و سلم وأمته قاله ابن عباس والثاني العرب كانو يجبونهم الخراج قاله سعيد بن جبير قال ولم يجب الخراج نبي قط إلا موسى جباه ثلاث عشرة سنة ثم أمسك إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال السدي بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم وفي سوء العذاب أربعة أقوال \r\n أحدها أخذ الجزية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني المسكنة والجزية رواه العوفي عن ابن عباس والثالث الخراج رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والرابع أنه القتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية \r\n وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيآت لعلهم يرجعون \r\n قوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمما قال أبو عبيدة فرقناهم فرقا قال ابن عباس هم اليهود ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة وقال مقاتل هم بنو إسرائيل وقيل معناه شتات أمرهم وافتراق كلمتهم منهم الصالحون وهم المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما السلام ومنهم دون ذلك وهم الكفار وقال ابن جرير إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يبعث عيسى وقبل ارتدادهم ","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":" قوله تعالى وبلوناهم أي اختبرناهم بالحسنات وهي الخير والخصب والعافية والسيئات وهي الجدب والشر والشدائد فالحسنات والسيئات تحث على الطاعة أما النعم فطلب الازدياد منها وخوف زوالها والنقم فلكشفها والسلامة منها لعلهم يرجعون أي لكي يتوبوا \r\n فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون \r\n قوله تعالى فخلف من بعدهم أي من بعد الذين وصفناهم خلف وقرأ الجوني والجحدري خلف بفتح اللام قال أبو عبيدة الخلف والخلف واحد وقوم يجعلون المحرك اللام للصالح والمسكن لغير الصالح وقال ابن قتيبة الخلف الرديء من الناس ومن الكلام يقال هذا خلف من القول وقال ابن الانباري أكثر ما تستعمل العرب الخلف باسكان اللام في الرديء المذموم وتفتح اللام في الفاضل الممدوح وقد يوقع الخلف على الممدوح والخلف على المذموم غير أن المختار ما ذكرناه وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود قاله ابن عباس وابن زيد والثاني النصارى والثالث أن الخلف من أمة محمد صلى الله عليه و سلم والقولان عن مجاهد \r\n فان قيل الخلف واحد فكيف قال يأخذون وكذلك قال في مريم أضاعوا فقد ذكر ابن الانباري عنه جوابين ","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":" أحدهما أن الخلف جمع خالف كما أن الركب جمع راكب والشرب جمع شارب \r\n والثاني أن الخلف مصدر يكون للاثنين والجميع والمذكر والمؤنث \r\n قوله تعالى ورثوا الكتاب أي انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التوراة والثاني الإنجيل والثالث القرآن \r\n قوله تعالى يأخذون عرض هذا الأدنى أي هذه الدنيا وهو ما يعرض لهم منها وقيل سماه عرضا لقلة بقائه قال ابن عباس يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام وقيل هو الرشوة في الحكم وفي وصفه بالأدنى قولان \r\n أحدهما أنه من الدنو والثاني أنه من الدناءة \r\n قوله تعالى سيغفر لنا فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى إنا لا نؤاخذ تمنيا على الله الباطل \r\n والثاني أنه ذنب يغفره الله لنا تأميلا لرحمة الله تعالى \r\n وفي قوله وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه قولان \r\n أحدهما أن المعنى لا يشبعهم شيء فهم يأخذون لغير حاجة قاله الحسن \r\n والثاني أنهم أهل إصرار على الذنوب قاله مجاهد \r\n قوله تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق قال ابن عباس وكد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا الحق فقالوا الباطل وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يتوبون منها وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار ","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":" قوله تعالى ودرسوا ما فيه معطوف على ورثوا ومعنى درسوا ما فيه قرؤوه فكأنه قال خالفوا على علم والدار الآخرة أي ما فيها من الثواب خير للذين يتقون أفلا يعقلون أن الباقي خير من الفاني قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم بالتاء والباقون بالياء \r\n والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين \r\n قوله تعالى والذين يمسكون بالكتاب قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم يمسكون مشددة وقرؤوا ولا تمسكوا بعصم الكوافر مخففة وقرأهما أبو عمرو بالتشديد وروى أبو بكر عن عاصم أنه خففهما ويقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به وهذه الآية نزلت في مؤمني اهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ولم يحرفوه منهم عبد الله بن سلام واصحابه قال ابن الانباري وخبر الذين إنا وما بعده وله ضمير مقدر بعد المصلحين تأويله والذين يمسكون بالكتاب أنا لا نضيع أجر المصلحين منهم ولهذه العلة وعدهم حفظ الأجر بشرط إذ كان منهم من لم يصلح قال وقال بعض النحويين المصلحون يرجعون على الذين وتلخيص المعنى عنده والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجرهم فأظهرت كنايتهم بالمصلحين كما يقال علي لقيت الكسائي وأبو سعيد رويت عن الخدري يراد لقيته ورويت عنه قال الشاعر ","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":" فيارب ليلى أنت في كل موطن ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع ... \r\n أراد في رحمته فأظهر ضمير الهاء \r\n وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون \r\n قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم أي واذكر لهم إذ نتقنا الجبل أي رفعناه قال مجاهد أخرج الجبل من الأرض ورفع فوقهم كالظلة فقيل لهم لتؤمنن أو ليقعن عليكم وقال قتادة نزلوا في أصل الجبل فرفع فوقهم فقال لتأخذن أمري أو لأرمينكم به \r\n قوله تعالى وظنوا أنه واقع بهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه الظن المعروف والثاني أنه بمعنى اليقين وباقي الآية مفسر في سورة البقرة \r\n وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين \r\n قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان ونعمان قريب من عرفة ذكره ابن قتيبة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا ","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":" عن هذا غافلين ومعنى الآية وإذا أخذ ربكم من ظهور بني آدم فقوله من ظهورهم بدل من بني آدم وقيل إنما قال من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم لأنه أخرج بعضهم من ظهور بعض فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه وقد أخرجوا من ظهره وقوله تعالى ذرياتهم قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ذريتهم على التوحيد وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ذرياتهم على الجمع قال أبو علي الذرية تكون جمعا وتكون واحدا \r\n وفي قوله وأشهدهم على أنفسهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أشهدهم على أنفسهم باقرارهم قاله مقاتل \r\n والثاني دلهم بخلقه على توحيده قاله الزجاج \r\n والثالث أنه أشهد بعضهم على بعض باقرارهم بذلك قاله ابن جرير \r\n قوله تعالى ألست بربكم والمعنى وقال لهم ألست بربكم وهذا سؤال تقرير قالوا بلى شهدنا أنك ربنا قال السدي قوله شهدنا خبر ","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":" من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم ويحسن الوقف على قوله بلى لأن كلام الذرية قد انقطع وزعم الكلبي ان الذرية لما قالت بلى قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا وروى أبو العالية عن أبي بن كعب قال جمعهم جميعا فجعلهم أزواجا ثم صورهم ثم استنطقهم ثم قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أنك آلهنا قال فاني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين لم نعلم بهذا وقال السدي أجابته طائفة طائعين وطائفة كارهين تقية \r\n قوله تعالى ان يقولوا قرأ أبو عمرو أن يقولوا أو يقولوا بالياء فيهما وقرأ الباقون بالتاء فيهما قال أبو علي حجة أبي عمرو قوله وإذ أخذ ربك وقوله قالوا بلى وحجة من قرأ بالتاء أنه قد جرى في الكلام خطاب ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ومعنى قوله يقولوا لئلا يقولوا مثله أن تميد بكم وفي قوله إنا كنا قولان \r\n أحدهما أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار \r\n والثاني أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق قال المفسرون وهذه الآية تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار إنا كنا على هذا الميثاق غافلين لم نذكره ونسيانهم لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبي صلى الله عليه و سلم الصادق وإذا ثبت هذا بقول الصادق قام في النفوس مقام الذكر فالاحتجاج به قائم \r\n أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":" قوله تعالى أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك افتهلكنا بما فعل المبطلون في دعواهم أن معك إلها فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا ومعنى إشهادهم على أنفسهم اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته كما قال شاهدين على أنفسهم بالكفر يريدهم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا نحن كفرة كما يقول الرجل قد شهدت جوارحي بصدقك أي قد عرفته ومن هذا الباب قوله شهد الله أي بين وأعلم وقد حكى نحو هذا القول ابن الانباري والأول أصح لموافقة الآثار \r\n وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون \r\n قوله تعالى وكذلك نفصل الآيات أي كما بينا في أخذ الميثاق الآيات ليتدبرها العباد فيعملوا بموجبها ولعلهم يرجعون أي ولكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى التوحيد \r\n واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين \r\n قوله تعالى واتل عليهم قال الزجاج هذا نسق على ما قبله والمعنى ","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":" أتل عليهم إذ أخذ ربك واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا وفيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر قاله ابن مسعود وقال ابن عباس بلعم بن باعوراء وروي عنه أنه بلعام بن باعور وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعما من أهل اليمن وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبارين \r\n والثاني أنه أمية بن أبي الصلت قاله عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وأبو روق وزيد بن أسلم وكان أمية قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا ورجا أن يكون هو فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم حسده وكفر \r\n والثالث أنه أبو عامر الراهب روى الشعبي عن ابن عباس قال الأنصار تقول هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق وروي عن ابن المسيب نحوه \r\n والرابع أنه رجل كان في بني اسرائيل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن وكانت له امرأة له منها ولد وكانت سمجة دميمة فقالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله لها فلما علمت أنه ليس في بني إسرائيل مثلها رغبت عن زوجها وأرادت غيره فلما رغبت عنه دعا الله أن يجعلها كلبة نباحة فذهبت منه فيها دعوتان فجاء بنوها وقالوا ليس بنا على هذا صبر أمنا كلبة نباحة يعيرنا الناس بها فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها أولا فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات الثلاث رواه عكرمة عن ابن عباس والذي روي لنا في هذا الحديث وكانت سمجة بكسر الميم وقد روى سيبويه عن العرب أنهم يقولون رجل سمج بتسكين الميم ولم يقولوا سمج بكسرها \r\n والخامس أنه المنافق قاله الحسن ","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":" والسادس أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى والحنفاء قاله عكرمة وفي الآيات خمسة أقوال \r\n أحدها أنه اسم الله الأعظم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال ابن جبير \r\n والثاني أنها كتاب من كتب الله عز و جل روى عكرمة عن ابن عباس قال هو بلعام أوتي كتابا فانسلخ منه \r\n والثالث أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه قاله مجاهد وفيه بعد لأن الله تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوما عن مثل هذه الحال \r\n والرابع أنها حجج التوحيد وفهم أدلته \r\n والخامس أنها العلم بكتب الله عز و جل والمشهور في التفسير أنه بلعام وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي هو فيه وكانوا كفارا وكان هو مجاب الدعوة فقال ملكهم ادع على موسى فقال إنه من أهل ديني ولا ينبغي لي أن أدعو عليه فأمر الملك أن تنحت خشبة لصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو على موسى فلما عاين عسكرهم وقفت الأتان فضربها فقالت لم تضربني وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشي فارجع فرجع إلى الملك فأخبره فقال إما أن تدعو عليهم وإما أن أصلبك فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة فاستجاب الله له فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه فقال موسى يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه فقال بدعاء بلعم فقال يا رب فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه فدعا الله أن ينزع منه الاسم الأعظم فنزع منه وقيل إن بلعام أمر قومه أن ","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":" يزينوا النساء ويرسلوهن في العسكر ليفشوا الزنا فيهم فينصروا عليهم وقيل إن موسى قتله بعد ذلك وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرعا فقال لا ترهبوا بني إسرائيل فانكم إذا خرجتم لقتالهم دعوت عليهم فهلكوا فكان فيما شاء عندهم من الدنيا وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها وكان نبيهم يوشع لا موسى \r\n قوله تعالى فانسلخ منها أي خرج من العلم بها \r\n قوله تعالى فأتبعه الشيطان قال ابن قتيبة أدركه يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم وتبعتهم سرت في أثرهم وقرأ طلحة بن مصرف فاتبعه بالتشديد وقال اليزيدي أتبعه واتبعه لغتان وكأن اتبعه خفيفة بمعنى قفاه واتبعه مشددة حذا حذوه ولا يجوز أن تقول أتبعناك وأنت تريد اتبعناك لأن معناها اقتدينا بك وقال الزجاج يقال تبع الرجل الشيء واتبعه بمعنى واحد قال الله تعالى فمن تبع هداي وقال فاتبعهم فرعون \r\n قوله تعالى فكان من الغاوين فيه قولان \r\n أحدهما من الضالين قاله مقاتل والثاني من الهالكين الفاسدين قاله الزجاج \r\n ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون \r\n قوله تعالى ولو شئنا لرفعناه بها في هاء الكناية في رفعناه قولان ","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":" أحدهما أنها تعود إلى الإنسان المذكور وهو قول الجمهور فيكون المعنى ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علمناه \r\n والثاني أنها تعود إلى الكفر بالآيات فيكون المعنى لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بآياتنا وهذا المعنى مروي عن مجاهد وقال الزجاج لو شئنا لحلنا بينه وبين المعصية \r\n قوله تعالى ولكنه أخلد إلى الأرض أي ركن إلى الدنيا وسكن قال الزجاج يقال أخلد وخلد والأول أكثر في اللغة والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا لأن الدنيا هي الأرض بما عليها وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنه ركن إلى أهل الدنيا ويقال إنه أرضى امرأته بذلك لأنها حملته عليه وقيل أرضي بني عمه وقومه \r\n والثاني أنه ركن إلى شهوات الدنيا وقد بين ذلك بقوله واتبع هواه والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى قال ابن زيد كان هواه مع قومه وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذ مالوا عن العلم إلى الهوى \r\n قوله تعالى فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث معناه أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر وإن تركته لم يهتد فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب فانه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا وإن ترك وربض كان أيضا لاهثا والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة فالمعنى فمثله كمثل الكلب لاهثا وإنما شبهه بالكلب اللاهث لأنه أخس الأمثال على أخس الحالات وأبشعها وقال ابن قتيبة كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فانه يلهث في حال راحته وحال كلاله فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال إن ","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":" وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث أو تركته على حاله رابضا لهث قال المفسرون زجر في منامه عن الدعاء على بني اسرائيل فلم ينزجر وخاطبته أتانه فلم ينته فضرب له هذا المثل ولسائر الكفار فذلك قوله ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا لأن الكافر إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا بينة \r\n قولا تعالى فاقصص القصص قال عطاء قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم \r\n ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون \r\n قوله تعالى ساء مثلا يقال ساء الشيء يسوء إذا قبح والمعنى ساء مثلا مثل القوم فحذف المضاف فنصب مثلا على التمييز \r\n قوله تعالى وأنفسهم كانوا يظلمون أي يضرون بالمعصية \r\n ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون \r\n قوله تعالى ولقد ذرأنا أي خلقنا قال ابن قتيبة ومنه ذرية الرجل إنما هي الخلق منه ولكن همزها يتركه أكثر العرب ","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":" قوله تعالى لجهنم هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة كقوله ليكون لهم عدوا وحزنا ومثله قول الشاعر ... أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ... \r\n ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزيه بموت ابنه فقال ... تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد ... \r\n وقد أخبر الله عز و جل في هذه الآية بنفاذ علمه فيهم أنهم يصيرون إليها بسبب كفرهم \r\n قوله تعالى لهم قلوب لا يفقهون بها لما أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع وقال محمد بن القاسم النحوي أراد بهذا كله أمر الآخرة فانهم يعقلون أمر الدنيا \r\n قوله تعالى أولئك كالأنعام شبههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر ولا تعتبر ثم قال بل هم أضل لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند فيقدم على النار أولئك هم الغافلون عن أمر الآخرة \r\n ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى سبب نزولها أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال أبو جهل أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية قاله مقاتل فأما الحسنى فهي تأنيث الأحسن ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى وليس المراد أن فيها ما ليس ","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":" بحسن وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة وقوله فادعوه بها أي نادوه بها كقولك يا الله يا رحمن \r\n قوله تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يلحدون بضم الياء وكذلك في النحل والسجدة وقرأ حمزة يلحدون بفتح الحاء والياء فيهن ووافقه الكسائي وخلف في النحل قال الاخفش ألحد ولحد لغتان فمن قرأ بهما أراد الأخذ باللغتين فكأن الإلحاد العدول عن الاستقامة وقال ابن قتيبة يجورون عن الحق ويعدلون فيقولون اللات والعزى ومناة وأشباه ذلك ومنه لحد القبر لأنه في جانب قال الزجاج ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه فيقول يا جواد ولا يقول يا سخي ويقول يا قوي ولا يقول يا جلد ويقول يا رحيم ولا يقول يا رفيق لأنه لم يصف نفسه بذلك قال أبو سليمان الخطابي ودليل هذه الآية أن الغلط في أسمائه والزيغ عنها إلحاد ومما يسمع على ألسنة العامة قولهم يا سبحان يا برهان وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه وربما قال بعضهم يا رب طه ويس وقد أنكر ابن عباس على رجل قال يا رب القرآن وروي عن ابن عباس أن إلحادهم في أسمائه أنهم سموا بها أوثانهم وزادوا فيها ونقصوا منها فاشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان \r\n فصل \r\n والجمهور على أن هذه الآية محكمة لأنها خارجة مخرج التهديد كقوله ذرني ","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":" ومن خلقت وحيدا وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال لأن قوله وذروا الذين يلحدون في أسمائه يقتضي الإعراض عن الكفار وهذا قول ابن زيد \r\n وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \r\n قوله تعالى وممن خلقنا أمة يهدون بالحق أي يعملون به وبه يعدلون أي وبالعمل به يعدلون وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان من هذه الأمة قاله ابن عباس وكان ابن جريج يقول ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذه أمتي بالحق يأخذون ويعطون ويقضون وقال قتادة بلغنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا تلا هذه الآية قال هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها ثم يقرأ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \r\n والثاني أنهم من جميع الخلق قاله ابن السائب \r\n والثالث أنهم الأنبياء والرابع أنهم العلماء ذكر القولين الماوردي \r\n والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين \r\n قوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا قال أبو صالح عن ابن عباس هم أهل مكة وقال مقاتل نزلت في المستهزئين من قريش \r\n قوله تعالى سنستدرجهم قال الخليل بن أحمد سنطوي أعمارهم في اغترار ","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":" منهم وقال أبو عبيدة الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا ولا يهجم عليه وأصله من الدرجة وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء ودرج القوم إذا ماتوا بعضهم في أثر بعض وقال اليزيدي الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم وقال ابن قتيبة هو ان يذيقهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون ولا يباغتهم به ولا يجاهرهم وقال الأزهري سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا يحتسبون وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما يغتبطهم به ويركنون إليه ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون قال الضحاك كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة \r\n وفي قوله من حيث لا يعلمون قولان \r\n أحدهما من حيث لا يعلمون بالاستدراج والثاني بالهلكة \r\n قوله تعالى وأملي لهم الإملاء الإمهال والتأخير \r\n قوله تعالى إن كيدي متين قال ابن عباس إن مكري شديد وقال ابن فارس الكيد المكر فكل شيء عالجته فأنت تكيده قال المفسرون مكر الله وكيده مجازاة أهل المكر والكيد على نحو ما بينا في سورة البقرة وآل عمران من ذكر الاستهزاء والخداع والمكر \r\n أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":" قوله تعالى أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم علا على الصفا ليلة ودعا قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله وعقابه فقال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت حتى الصباح فنزلت هذه الآية قاله الحسن وقتادة ومعنى الآية أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة أي جنون فحثهم على التفكر في أمره ليعلموا أنه بريء من الجنون إن هو أي ما هو إلا نذير أي مخوف مبين يبين طريق الهدى ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ليستدلوا على أن لها صانعا مدبرا وقد سبق بيان الملكوت في سورة الأنعام \r\n قوله تعالى وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم قرأ ابن مسعود وأبي والجحدري آجالهم ومعنى الآية أولم ينظروا في الملكوت وفيما خلق الله من الأشياء كلها وفي أن عسى أن تكون آجالهم قد قربت فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار فبأي حديث بعده يؤمنون يعني القرآن وما فيه من البيان ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان فقال من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ونذرهم بالنون والرفع وقرأ أبو عمرو بالياء والرفع وقرأ حمزة والكسائي ويذرهم بالياء مع الجزم خفيفة فمن قرأ بالرفع استأنف ومن جزم ويذرهم عطف على موضع الفاء قال سيبويه وموضعها جزم فالمعنى من يضلل الله يذره وقد سبق في سورة البقرة معنى الطغيان والعمه ","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":" يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون \r\n قوله تعالى يسألونك عن الساعة في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن قوما من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى الساعة فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن قريشا قالت يا محمد بيننا وبينك قرابة فبين لنا متى الساعة فنزلت هذه الآية قاله قتادة وقال عروة الذي سأله عن الساعة عتبة بن ربيعة والمراد بالساعة هاهنا التي يموت فيها الخلق \r\n قوله تعالى أيان مرساها قال أبو عبيدة اى متى مرساها أي منتهاها ومرسا السفينة حيث تنتهي وقال ابن قتيبة أيان بمعنى متى ومتى بمعنى أي حين ونرى أن أصلها أي أوان فحذفت الهمزة والواو وجعل الحرفان واحدا ومعنى الآية متى ثبوتها يقال رسا في الأرض أي ثبت ومنه قيل للجبال رواسي قال الزجاج ومعنى الكلام متى وقوعها \r\n قوله تعالى قل إنما علمها عند ربي أي قد استأثر بعلمها لا يجليها أي لا يظهرها في وقتها إلا هو \r\n قوله تعالى ثقلت في السموات والأرض فيه أربعة أقوال ","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":" أحدها ثقل وقوعها على أهل السموات والأرض قاله ابن عباس ووجهه أن الكل يخافونها محسنهم ومسيئهم \r\n والثاني عظم شأنها في السموات والأرض قاله عكرمة ومجاهد وابن جريج \r\n والثالث خفي أمرها فلم يعلم متى كونها قاله السدي \r\n والرابع أن في بمعنى على فالمعنى ثقلت على السموات والأرض قاله قتادة \r\n قوله تعالى لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة \r\n قوله تعالى كأنك حفي عنها فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه من المقدم والمؤخر فتقديره يسألونك عنها كأنك حفي أي بر بهم كقولهم إنه كان بي حفيا قال العوفي عن ابن عباس وأسباط عن السدي كأنك صديق لهم \r\n والثاني كأنك حفي بسؤالهم مجيب لهم قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس كأنك يعجبك سؤالهم وقال خصيف عن مجاهد كأنك تحب أن يسألوك عنها وقال الزجاج كأنك فرح بسؤالهم \r\n والثالث كأنك عالم بها قاله الضحاك عن ابن عباس وهو قول ابن زيد والفراء ","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":" والرابع كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها قاله ابن ابي نجيح عن مجاهد وقال عكرمة كأنك سؤول عنها وقال ابن قتيبة كأنك معني بطلب علمها وقال ابن الانباري فيه تقديم وتأخير تقديره يسألونك عنها كأنك حفي بها والحفي في كلام العرب المعني \r\n قوله تعالى قل إنما علمها عند الله أي لا يعلمها إلا هو ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال مقاتل في آخرين المراد بالناس هاهنا أهل مكة وفي قوله لا يعلمون قولان أحدهما لا يعلمون أنها كائنة قاله مقاتل والثاني لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا سبب نزولها أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب فنزلت هذه الآية روي عن ابن عباس وفي المراد بالنفع والضر قولان \r\n أحدهما أنه عام في جميع ما ينفع ويضر قاله الجمهور \r\n والثاني أن النفع الهدى والضر الضلالة قاله ابن جريج \r\n قوله تعالى إلا ما شاء الله أي إلا ما أراد أن أملكه بتمليكه إياي ومن هو على هذه الصفة فكيف يعلم علم الساعة \r\n قوله تعالى ولو كنت أعلم الغيب فيه أربعة أقوال ","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":" أحدها لو كنت أعلم بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيأت لسنة الجدب ما يكفيها قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت من الخير قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح قاله مجاهد \r\n والرابع لو كنت أعلم ما أسأل عنه من الغيب لأجبت عنه وما مسني السوء أي لم يلحقني تكذيب قاله الزجاج فأما الغيب فهو كل ما غاب عنك ويخرج في المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه العمل الصالح والثاني المال والثالث الرزق \r\n قوله تعالى وما مسني السوء فيه أربعة اقوال \r\n أحدها أنه الفقر قاله ابن عباس والثاني أنه كل ما يسوء قاله ابن زيد والثالث الجنون قاله الحسن والرابع التكذيب قاله الزجاج فعلى قول الحسن يكون هذا الكلام مبتدأ والمعنى وما بي من جنون إنما أنا نذير وعلى باقي الأقوال يكون متعلقا بما قبله \r\n هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون \r\n قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة يعني بالنفس آدم ","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":" وبزوجها حواء ومعنى ليسكن إليها ليأنس بها ويأوي إليها فلما تغشاها أي جامعها قال الزجاج وهذا أحسن كناية عن الجماع والحمل بفتح الحاء ما كان في بطن أو أخرجته شجرة والحمل بكسر الحاء ما يحمل والمراد بالحمل الخفيف الماء \r\n قوله تعالى فمرت به أي استمرت به قعدت وقامت ولم يثقلها وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس والضحاك فاستمرت به وقرأ أبي بن كعب والجوني استمارت به بزيادة ألف وقرأ عبد الله ابن عمرو والجحدري فمارت به بألف وتشديد الراء وقرأ أبو العالية وايوب ويحيى بن يعمر فمرت به خفيفة الراء أي شكت وتمارت أحملت أم لا فلما أثقلت أي صار حملها ثقيلا وقال الأخفش صارت ذا ثقل يقال أثمرنا أي صرنا ذوي ثمر \r\n قوله تعالى دعوا الله ربهما يعني آدم وحواء لئن آتيتنا صالحا وفي المراد بالصالح قولان \r\n أحدهما أنه الإنسان المشابه لهما وخافا أن يكون بهيمة هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أنه الغلام قاله الحسن وقتادة \r\n شرح السبب في دعائهما \r\n ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء فقال ما يدريك ما في بطنك لعله كلب أو خنزير أو حمار وما يدريك من أين يخرج ايشق بطنك أم يخرج من فيك أو من منخريك فأحزنها ذلك فدعوا الله حينئذ فجاء إبليس ","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":" فقال كيف تجدينك قالت ما أستطيع القيام إذا قعدت قال أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم أتسمينه باسمي قالت نعم فلما ودلته سويا جاءها إبليس فقال لم لا تسمينه بي كما وعدتني فقالت وما اسمك قال الحارث وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فسمته عبد الحارث وقيل عبد شمس برضى آدم فذلك قوله فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم شركاء بضم الشين والمد جمع شريك وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم شركا مكسورة الشين على المصدر لا على الجمع قال أبو علي من قرأ شركا حذف المضاف كأنه أراد جعلا له ذا شرك وذوي شريك فيكون المعنى جعلا لغيره شركا لأنه إذا كان التقدير جعلا له ذوي شرك فالمعنى جعلا لغيره شركا وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ شركاء وقال غيره معنى شركاء شريكا فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم والمراد بالشريك إبليس لأنهما أطاعاه في الاسم فكان الشرك في الطاعة لا في العبادة ولم ","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":" يقصدا أن الحارث ربهما لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما وقد يطلق العبد على من ليس بمملوك قال الشاعر ... وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد ... \r\n وقال مجاهد كان لا يعيش لآدم ولد فقال الشيطان إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحارث فأطاعاه في الاسم فذلك قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما هذا قول الجمهور وفيه قول ثان رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما أشرك آدم إن أول الآية لشكر وآخرها مثل ضربه الله لمن يعبده في قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما وروى قتادة عن الحسن قال هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم وروي عن الحسن وقتادة قالا الضمير في قوله جعلا له شركاء عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم لا إلى آدم وحواء وقيل الضمير راجع إلى الولد الصالح وهو السليم الخلق فالمعنى جعل له ذلك الولد شركاء وإنما قيل جعلا لأن حواء كانت تلد في كل ","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":" بطن ذكرا وأنثى قال ابن الانباري الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء فتأويل الآية فلما آتاهما صالحا جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال واسأل القرية وذهب السدي إلى أن قوله فتعالى الله عما يشركون في مشركي العرب خاصة وأنها مفصولة عن قصة آدم وحواء \r\n أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون \r\n قوله تعالى أيشركون مالا يخلق شيئا قال ابن زيد هذه لآدم وحواء حيث سميا ولدهما عبد شمس والشمس لا تخلق شيئا وقال غيره هذا راجع إلى الكفار حيث أشركوا بالله الاصنام وهي لا تخلق شيئا وقوله وهم يخلقون أي وهي مخلوقة قال ابن الانباري وإنما قال ما ثم قال وهم يخلقون لأن ما تقع على الواحد والاثنين والجميع وإنما قال وهم وهو يعني الأصنام لأن عابديها أدعوا أنها تعقل وتميز فأجريت مجرى الناس فهو كقوله رأيتهم لي ساجدين وقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم وقوله وكل في فلك يسبحون قال الشاعر ... تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا ... \r\n وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب ... إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته ... لدى الصباح وهم قوم معازيل ","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":" لما جعله يدعو جعل الديكة قوما وجعلهم معازيل وهم الذين لا سلاح معهم وجعلهم أسرة وأسرة الرجل رهطه وقومه \r\n ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون \r\n قوله تعالى ولا يستطيعون لهم نصرا يقول إن الاصنام لا تستطيع نصر من عبدها ولا تمنع من نفسها \r\n وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعونكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون \r\n قوله تعالى وإن تدعوهم فيه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الأصنام فالمعنى وإن دعوتم أيها المشركون أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم لأنهم لا يعقلون \r\n والثاني أنها ترجع إلى الكفار فالمعنى وإن تدع يا محمد هؤلاء المشركين إلى الهدى لا يتبعوكم فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء لأنهم لا ينقادون إلى الحق وقرأ نافع لا يتبعوكم بسكون التاء \r\n إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":" قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام عباد أمثالكم في أنهم مسخرون مذللون لأمر الله وإنما قال عباد وقال فادعوهم وإن كانت الأصنام جمادا لما بينا عند قوله وهم يخلقون \r\n قوله تعالى فليستجيبوا لكم أي فليجيبوكم إن كنتم صادقين أن لكن عندهم نفعا وثوابا ألهم أرجل يمشون بها في المصالح أم لهم أيد يبطشون بها في دفع ما يؤذي وقرأ أبو جعفر يبطشون بضم الطاء هاهنا وفي القصص والدخان أم لهم أعين يبصرون بها المنافع من المضار أم لهم آذان يسمعون بها تضرعكم ودعاءكم وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه قل ادعوا شركاءكم قال الحسن كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى قل ادعوا شركاءكم ثم كيدوني أنتم وهم فلا تنظرون أي لا تؤخروا ذلك وكان ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يقرؤون ثم كيدون بغير ياء في الوصل والوقف وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ابن حماد بالياء في الوصل وروى ورش وقالون والمسيبي بغير ياء في الوصل ولا وقف فأما تنظرون فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف إن وليي الله أي ناصري الذي نزل الكتاب وهو القرآن أي كما أيدني بانزال الكتاب ينصرني \r\n والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون \r\n قوله تعالى والذين تدعون من دونه يعني الأصنام لا يستطيعون نصركم أي لا يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد بهم ","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":" وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون \r\n قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا في المراد بهؤلاء قولان \r\n أحدهما أنهم الأصنام ثم في قوله وتراهم ينظرون إليك قولان أحدهما يواجهونك تقول العرب داري تنظر إلى دارك وهم لا يبصرون لأنه ليس فيهم أرواح والثاني وتراهم كأنهم ينظرون إليك لأن لهم أعينا مصنوعة فأسقط كاف التشبيه كقوله وترى الناس سكارى أي كأنهم سكارى وهم لا يبصرون في الحقيقة وإنما أخبر عنهم بالهاء والميم لأنهم على هيئة بني آدم \r\n والقول الثاني أنهم المشركون فالمعنى وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا يبصرون بقلوبهم \r\n خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \r\n قوله تعالى خذ العفو العفو الميسور وقد سبق شرحه في سورة البقرة وفي الذي أمر بأخذ العفو منه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أخلاق الناس قاله ابن الزبير والحسن ومجاهد فيكون ","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":" المعنى إقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء \r\n والثاني أنه المال وفيه قولان أحدهما أن المراد بعفو المال الزكاة قاله مجاهد في رواية الضحاك والثاني أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة ثم نسخت بالزكاة روي عن ابن عباس \r\n والثالث أن المراد به مساهلة المشركين والعفو عنهم ثم نسخ بآية السيف قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى وامر بالعرف أي بالمعروف \r\n وفي قوله وأعرض عن الجاهلين قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون أمر بالإعراض عنهم ثم نسخ ذلك بآية السيف \r\n والثاني أنه عام فيمن جهل أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم وإن وجب عليه الإنكار عليهم وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة وعند بعضهم أن وسطها محكم وطرفيها منسوخان على ما بينا \r\n وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":" قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ قال ابن زيد لما نزلت خذ العفو قال النبي صلى الله عليه و سلم يا رب كيف بالغضب فنزلت هذه الآية فأما قوله وإما فقد سبق بيانه في سورة البقرة في قوله فأما يأتينكم مني هدي وقال أبو عبيدة ومجاز الكلام وإما تستخفنك منه خفة وغضب وعجلة وقال السدي النزغ الوسوسة وحديث النفس قال الزجاج النزغ أدنى حركة تكون تقول قد نزغته إذا حركته وقد سبق معنى الاستعاذة \r\n قوله تعالى إذا مسهم طيف قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي طيف بغير ألف وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة طائف بألف ممدودا مهموزا وقرأ ابن عباس وابن جبير والجحدري والضحاك طيف بتشديد الياء من غير ألف وهل الطائف والطيف بمعنى واحد أم يختلفان فيه قولان \r\n أحدهما أنهما بمعنى واحد وهما ما كان كالخيال والشيء يلم بك حكي عن الفراء وقال الأخفش الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف قال الشاعر ... الا بالقوم لطيف الخيال ... أرق من نازح ذي دلال ... \r\n والثاني أن الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف اللمة والوسوسة ","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":" والخطرة حكي عن أبي عمرو وروي عن ابن عباس أنه قال الطائف اللمة من الشيطان والطيف الغضب وقال ابن الانباري الطائف الفاعل من الطيف والطيف عند أهل اللغة اللمم من الشيطان وزعم مجاهد أنه الغضب \r\n قوله تعالى تذكروا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها تذكروا الله إذا هموا بالمعاصي فتركوها قاله مجاهد \r\n والثاني تفكروا فيما أوضح الله لهم من الحجة قاله الزجاج \r\n والثالث تذكروا غضب الله والمعنى إذا جرأهم الشيطان على مالا يحل تذكروا غضب الله فأمسكوا فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتفكر \r\n وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون \r\n قوله تعالى وإخوانهم في هذه الهاء والميم قولان \r\n أحدهما أنها عائدة على المشركين فتكون هذه الآية مقدمة على التي قبلها والتقدير وأعرض عن الجاهلين وإخوان الجاهلين وهم الشياطين يمدونهم في الغي قرأ نافع يمدونهم بضم الياء وكسر الميم والباقون بفتح الياء وضم الميم قال أبو علي عامة ما جاء في التنزيل فيما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله أتمدونن بمال أنما نمدهم به من مال وأمددناهم بفاكهة وما كان على خلافه يجيء على مددت كقوله ويمدهم في طغيانهم فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء إلا أن وجه قراءة نافع بمنزلة فبشرهم بعذاب أليم قال المفسرون يمدونهم في الغي أي يزينونه لهم ","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":" ويريدون منهم لزومه فيكون معنى الكلام أن الذين اتقوا إذا جرهم الشيطان إلى خطيئة تابوا منها وإخوان الجاهلين وهم الشياطين يمدونهم في الغي هذا قول الأكثرين من العلماء وقال بعضهم الهاء والميم ترجع إلى الشياطين وقد جرى ذكرهم لقوله من الشيطان فالمعنى وإخوان الشياطين يمدونهم \r\n والثاني أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين فالمعنى وإخوان المتقين من المشركين وقيل من الشياطين يمدونهم في الغي أي يريدون من المسلمين أن يدخلوا معهم في الكفر ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الانباري فان قيل كيف قال وإخوانهم وليسوا على دينهم فالجواب أنا إن قلنا إنهم المشركون فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب أو في كونهم من بني آدم أو لكونهم يظهرون النصح كالإخوان وإن قلنا إنهم الشياطين فجائز أن يكونوا لكونهم مصاحبين لهم والقول الأول أصح \r\n قوله تعالى ثم لا يقصرون وقرأ الزهري وابن أبي عبلة لا يقصرون بالتشديد قال الزجاج يقال أقصر يقصر وقصر يقصر قال ابن عباس لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين تقصر عنهم فعلى هذا يكون قوله يقصرون من فعل الفريقين وهذا على القول المشهور ويخرج على القول الثاني أن يكون هذا وصفا للاخوان فقط \r\n وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى وإذا لم تأتهم بآية يعني به المشركين وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما إذا لم تأتهم بآية سألوها تعنتا قاله ابن السائب ","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":" والثاني إذا لم تأتهم بآية لإبطاء الوحي قاله مقاتل \r\n وفي قوله لولا اجتبيتها قولان \r\n أحدهما هلا افتعلتها من تلقاء نفسك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد والفراء والزجاج وابن قتيبة في آخرين وحكي عن الفراء أنه قال العرب تقول اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك \r\n والثاني هلا طلبتها لنا قبل مسألتك ذكره الماوردي والأول أصح \r\n قوله تعالى قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي أي ليس الأمر لي \r\n قوله تعالى هذا بصائر من ربكم يعني القرآن قال أبو عبيدة البصائر بمعنى الحجج والبرهان والبيان واحدتها بصيرة وقال الزجاج معنى البصائر ظهور الشيء وبيانه \r\n وأذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون \r\n قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له اختلفوا في نزولها على خمسة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ في الصلاة المكتوبة فقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن المشركين كانوا يأتون رسول الله إذا صلى فيقول بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن المسيب ","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":" والثالث أن فتى من الأنصار كان كلما قرأ النبي صلى الله عليه و سلم شيئا قرأ هو فنزلت هذه الآية قاله الزهري \r\n والرابع أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت فيجيء الرجل فيقول لصاحبه كم صليتم فيقول كذا وكذا فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والخامس أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة روي عن عائشة وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار في آخرين \r\n واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين \r\n قوله تعالى واذكر ربك في نفسك في هذا الذكر أربعة اقوال \r\n أحدها أنه القراءة في الصلاة قاله ابن عباس فعلى هذا أمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار \r\n والثاني أنه القراءة خلف الإمام سرا في نفسه قاله قتادة \r\n والثالث أنه ذكر الله باللسان \r\n والرابع أنه ذكر الله باستدامة الفكر لا يغفل عن الله تعالى ذكر القولين الماوردي وفي المخاطب بهذا الذكر قولان \r\n أحدهما أنه المستمع للقرآن إما في الصلاة وإما من الخطيب قاله ابن زيد \r\n والثاني أنه خطاب النبي صلى الله عليه و سلم ومعناه عام في جميع المكلفين ","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":" قوله تعالى تضرعا وخيفة التضرع الخشوع في تواضع والخيفة الحذر من عقابه \r\n قوله تعالى ودون الجهر من القول الجهر الإعلان بالشيء ورجل جهير الصوت إذا كان صوته عاليا وفي هذا نص على أنه الذكر باللسان ويحتمل وجهين \r\n أحدهما قراءة القرآن والثاني الدعاء وكلاهما مندوب إلى إخفائه إلا أن صلاة الجهر قد بين أدبها في قوله ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها فأما الغدو فهو جمع غدوة والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع والآصال العشيات وقال أبو عبيدة هي ما بين العصر إلى المغرب وأنشد ... لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل ... \r\n وروي عن ابن عباس أنه قال يعني بالغدو صلاة الفجر والآصال صلاة العصر \r\n إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون \r\n قوله تعالى إن الذين عند ربك يعني الملائكة لا يستكبرون أي لا يتكبرون ويتعظمون عن عبادته وفي هذه العبادة قولان ","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":" أحدهما الطاعة والثاني الصلاة والخضوع فيها \r\n وفي قوله ويسبحونه قولان \r\n أحدهما ينزهونه عن السوء والثاني يقولون سبحان الله \r\n قوله تعالى وله يسجدون أي يصلون وقيل سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا أنسجد لما تأمرنا فنزلت هذه الآية تخبر أن الملائكة وهم أكبر شأنا منكم لا يتكبرون عن عبادة الله وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنفال \r\n وهي مدنية باجماعهم وحكى الماوردي عن ابن عباس أن فيها سبع آيات مكيات أولها وإذ يمكر بك الذين كفروا \r\n يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين \r\n قوله تعالى يسألونك عن الأنفال في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم بدر من قتل قتيلا فله كذا وكذا ومن اسر أسيرا فله كذا وكذا فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم فقال المشيخة للشبان أشركونا معكم فانا كنا لكم ردءا فأبوا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت سورة الأنفال رواه عكرمة عن ابن عباس ","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":" والثاني أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفا يوم بدر فقال يا رسول الله هبه لي فنزلت هذه الآية رواه مصعب بن سعد عن أبيه وفي رواية أخرى عن سعد قال قتلت سعد بن العاص وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله فقال اذهب فاطرحه في القبض فرجعت وبي مالا يعلمه إلا الله فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة الأنفال فقال اذهب فخذ سيفك \r\n وقال السدي اختصم سعد وناس آخرون في ذلك السيف فسألوا النبي صلى الله عليه و سلم فأخذه النبي صلى الله عليه و سلم منهم فنزلت هذه الآية \r\n والثالث أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه و سلم ليس لأحد منها شيء فسالوه أن يعطيهم منها شيئا فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي المراد بالأنفال ستة أقوال ","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":" أحدها أنها الغنائم رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك وأبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة في آخرين وواحد الانفال نفل قال لبيد ... إن تقوى ربنا خير نفل ... وباذن الله ريثي وعجل ... \r\n والثاني أنها ما نفله رسول الله صلى الله عليه و سلم القاتل من سلب قتيله \r\n والثالث أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة بغير قتال قاله عطاء وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس ايضا \r\n والرابع أنه الخمس الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الغنائم قاله مجاهد \r\n والخامس أنه أنفال السرايا قاله علي بن صالح بن حي وحكي عن الحسن قال هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش \r\n والسادس أنها زيادات يؤثر بها الإمام بعض الجيش لما يراه من المصلحة ذكره الماوردي وفي عن قولان \r\n أحدهما أنها زائدة والمعنى يسألونك الأنفال وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وأبي بن كعب وابو العالية يسألونك الأنفال بحذف عن \r\n والثاني أنها أصل والمعنى يسألونك عن الأنفال لمن هي أو عن حكم الأنفال وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين وذكر أنهم إنما سألوا عن حكمها لأنها كانت حراما على الأمم قبلهم ","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":" فصل \r\n واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية فقال بعضهم إنها ناسخة من وجه منسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع الأنبياء المتقدمين فنسخ الله ذلك بهذه الآية وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول صلى الله عليه و سلم ثم نسخ ذلك بقوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وقال آخرون المراد بالأنفال شيئان \r\n أحدهما ما يجعله الرسول صلى الله عليه و سلم لطائفة من شجعان العسكر ومتقدميه يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال \r\n والثاني ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في سرية فغنمنا إبلا فأصاب كل واحد منا اثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا فعلى هذا هي محكمة لأن هذا الحكم باق إلى وقتنا هذا \r\n فصل \r\n ويجوز النفل قبل إحراز الغنيمة وهو أن يقول الإمام من أصاب شيئا فهو له وبه قال الجمهور فأما بعد إحرازها ففيه عن أحمد روايتان وهل يستحق القاتل سلب المقتول إذا لم يشرطه له الإمام فيه قولان \r\n أحدهما يستحقه وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي \r\n والثاني لا يستحقه ويكون غنيمة للجيش وبه قال أبو حنيفة ومالك وعن أحمد روايتان كالقولين ","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":" قوله تعالى قل الأنفال لله والرسول يحكمان فيها ما أرادا فاتقوا الله بترك مخالفته وأصلحوا ذات بينكم قال الزجاج معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم والبين الوصل كقوله لقد تقطع بينكم \r\n ثم في المراد بالكلام قولان أحدهما أن يرد القوي على الضعيف قاله عطاء والثاني ترك المنازعة تسليما لله ورسوله \r\n قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله أي اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها \r\n إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون \r\n قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله قال الزجاج إذا ذكرت عظمته وقدرته وما خوف به من عصاه فزعت قلوبهم قال الشاعر ... لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول ... \r\n يقال وجل يوجل وياجل وييجل وييجل هذه أربع لغات حكاها سيبويه وأجودها يوجل وقال السدي هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فينزع عنها \r\n قوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته أي آيات القرآن \r\n وفي قوله زادتهم إيمانا ثلاثة أقوال \r\n أحدها تصديقا قاله ابن عباس والمعنى أنهم كلما جاءهم شيء عن الله آمنوا به فيزدادوا إيمانا بزيادة الآيات \r\n والثاني يقينا قاله الضحاك ","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":" والثالث خشية الله قاله الربيع بن أنس وقد ذكرنا معنى التوكل في آل عمران \r\n الذين يقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون \r\n قوله تعالى الذين يقيمون الصلاة قال ابن عباس يعني الصلوات الخمس ومما رزقناهم ينفقون يعني الزكاة \r\n أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم \r\n قوله تعالى أولئك هم المؤمنون حقا قال الزجاج حقا منصوب بمعنى دلت عليه الجملة والجملة أولئك هم المؤمنون فالمعنى أحق ذلك حقا وقال مقاتل المعنى أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشك المنافقين \r\n قوله تعالى لهم درجات عند ربهم قال عطاء درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم والرزق الكريم ما أعد لهم فيها \r\n كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون \r\n قوله تعالى كما أخرجك ربك في متعلق هذه الكاف خمسة أقوال \r\n أحدها أنها متعلقة بالأنفال ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أن تأويله امض لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا كما مضيت في خروجك من بيتك وهم كارهون قاله الفراء والثاني أن الانفال لله والرسول صلى الله عليه و سلم بالحق الواجب كما ","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":" أخرجك ربك بالحق وإن كرهوا ذلك قاله الزجاج والثالث أن المعنى يسألوك عن الأنفال مجادلة كما جادلوك في خروجك حكاه جماعة من المفسرين \r\n والثاني أنها متعلقة بقوله فاتقوا الله وأصلحوا والمعنى إن التقوى والاصلاح خير لكم كما كان إخراج الله نبيه محمدا خير لكم وإن كرهه بعضكم هذا قول عكرمة \r\n والثالث أنها متعلقة بقوله يجادلونك فالمعنى مجادلتهم إياك في الغنائم كاخراج الله إياك إلى بدر وهم كارهون قاله الكسائي \r\n والرابع أنها متعلقة بقوله أولئك هم المؤمنون والمعنى وهم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ذكره بعض ناقلي التفسير \r\n والخامس أن كما في موضع قسم معناها والذي أخرجك من بيتك قاله أبو عبيدة واحتج بأن ما في موضع الذي ومنه قوله وما خلق الذكر والأنثى قال ابن الانباري وفي هذا القول بعد لأن الكاف ليست من حروف الاقسام وفي هذا الخروج قولان \r\n أحدهما أنه خروجه إلى بدر وكره ذلك طائفة من أصحابه لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال \r\n والثاني أنه خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة \r\n وفي معنى قوله بالحق قولان أحدهما أنك خرجت ومعك الحق \r\n والثاني أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك \r\n وفي قوله وإن فريقا من المؤمنين لكارهون قولان \r\n أحدهما كارهون خروجك ","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":" والثاني كارهون صرف الغنيمة عنهم وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر والقتال وليست كراهة لأمر الله تعالى \r\n قوله تعالى يجادلونك في الحق يعني في القتال يوم بدر لأنهم خرجوا بغير عدة فقالوا هلا أخبرتنا بالقتال لنأخذ العدة فجادلوه طلبا للرخصة في ترك القتال وفي قوله بعد ما تبين ثلاثة أقوال \r\n أحدها تبين لهم فرضه والثاني تبين لهم صوابه والثالث تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرت به وفي المجادلين قولان \r\n أحدهما أنهم طائفة من المسلمين قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أنهم المشركون قاله ابن زيد فعلى هذا يكون جدالهم في الحق الذي هو التوحيد لا في القتال فعلى الأول يكون معنى قوله كأنما يساقون إلى الموت أي في لقاء العدو وهم ينظرون لأن أشد حال من يساق إلى الموت أن يكون ناظرا إليه وعالما به وعلى قول ابن زيد كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهتهم إياه \r\n وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون \r\n قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين قال أهل التفسير أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش حتى إذا دنا من بدر نزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فخرج في جماعة من اصحابه يريدهم فبلغهم ذلك فبعثوا عمرو ابن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثا فخرجت قريش للمنع عنها ولحق أبو سفيان ","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":" بساحل البحر ففات رسول الله ونزل جبريل بهذه الآية وإذ يعدكم الله والمعنى اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين والطائفتان أبو سفيان وما معه من المال وأبو جهل ومن معه من قريش فلما سبق أبو سفيان بما معه كتب إلى قريش إن كنتم خرجتم لتحرزوا ركائبكم فقد أحرزتها لكم فقال أبو جهل والله لا نرجع وسار رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد القوم فكره أصحابه ذلك وودوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال فذلك قوله وتودون أن غير ذات الشوكة أي ذات السلاح يقال فلان شاكي السلاح بالتخفيف وشاك في السلاح بالتشديد وشائك قال أبو عبيدة ومجاز الشوكة الحد يقال ما أشد شوكة بني فلان أي حدهم وقال الأخفش إنما لبثت ذات الشوكة لأنه يعني الطائفة \r\n قوله تعالى ويريد الله أن يحق الحق في المراد بالحق قولان \r\n أحدهما أنه الإسلام قاله ابن عباس في آخرين \r\n والثاني أنه القرآن والمعنى يحق ما أنزل إليك من القرآن \r\n قوله تعالى بكلماته أي بعداته التي سبقت من إعزاز الدين كقوله ليظهره على الدين كله \r\n قوله تعالى ويقطع دابر الكافرين أي يجتث أصلهم وقد بينا ذلك في الأنعام \r\n قوله تعالى ليحق الحق المعنى ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق الحق وفي هذا الحق القولان المتقدمان فأما الباطل فهو الشرك والمجرمون هاهنا المشركون ","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":" إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم - قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم سبب نزولها ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة فاستقبل القبلة ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال اللهم أنجز ما وعدتني اللهم أنجز ما وعدتني اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فرداه به ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك وأنزل الله تعالى هذه الآية \r\n قوله تعالى إذ قال ابن جرير هي من صلة يبطل وفي قوله تستغيثون قولان \r\n أحدهما تستنصرون والثاني تستجيرون والفرق بينهما أن المستنصر يطلب الظفر والمستجير يطلب الخلاص وفي المستغيثين قولان \r\n أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون قاله الزهري \r\n والثاني أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله السدي فأما الإمداد فقد سبق في ","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":" آل عمران وقوله بألف قرأ الضحاك وابو رجاء بآلاف بهمزة ممدودة وبألف على الجمع وقرأ أبوالعالية وأبو المتوكل بألوف برفع الهمزة واللام وبواو بعدها على الجمع وقرأ ابن حذلم والجحدري بألف بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران بيلف بياء مفتوحة وسكون اللام من غير واو ولا ألف فأما قوله مردفين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مردفين بكسر الدال قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والفراء هم المتتابعون وقال أبو علي يحتمل وجهين \r\n أحدهما أن يكونوا مردفين مثلهم تقول أردفت زيدا دابتي فيكون المفعول الثاني محذوفا في الآية \r\n والثاني أن يكونوا جاؤوا بعدهم تقول العرب بنو فلان مردوفونا أي هم يجيؤون بعدنا قال أبو عبيدة مردفين جاؤوا بعد وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم مردفين بفتح الدال قال الفراء أراد فعل ذلك بهم أي إن الله أردف المسلمين بهم وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل الناجي وأبو مجلز مردفين بفتح الراء والدال مع التشديد وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران مردفين برفع الراء وكسر الدال وقال الزجاج يقال ردفت الرجل إذا ركبت خلفه وأردفته إذا أركبته خلفي ويقال هذه دابة لا ترادف ولا يقال لا تردف ويقال أردفت الرجل إذا جئت بعده فمعنى مردفين يأتون فرقة بعد فرقة ويجوز في اللغة مردفين ومردفين ومردفين فالدال مكسورة مشددة على كل حال والراء يجوز فيها الفتح والضم والكسر قال ","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":" سيبويه الأصل مرتدفين فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين لأنك طرحت حركة التاء على الراء وإن شئت لم تطرح حركة التاء وكسرت الراء لالتقاء الساكنين والذين ضموا الراء جعلوها تابعة لضمة الميم وقد سبق في آل عمران تفسير قوله وما جعله الله إلا بشرى وكان مجاهد يقول ما أمد الله النبي صلى الله عليه و سلم بأكثر من هذه الألف التي ذكرت في الأنفال وما ذكر الثلاثة والخمسة إلا بشرى ولم يمدوا بها والجمهور على خلافه وقد ذكرنا اختلافهم في عدد الملائكة في آل عمران \r\n إذ يغشيكم النعاس أمنة وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام \r\n قوله تعالى إذ يغشاكم النعاس أمنة منه قال الزجاج إذ موضعها نصب على معنى وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت ويجوز أن يكون المعنى اذكروا إذ يغشاكم النعاس قرأ ابن كثير وأبو عمرو إذ يغشاكم بفتح الياء وجزم الغين وفتح الشين وألف النعاس بالرفع وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يغشيكم بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة النعاس بالنصب وقرأ نافع يغشيكم بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين النعاس بالنصب وقال أبو سليمان الدمشقي الكلام راجع على قوله ولتطمئن به قلوبكم إذ يغشاكم النعاس قال الزجاج وأمنة منصوب مفعول له كقولك فعلت ذلك حذر الشر يقال أمنت آمن أمنا وأمانا وأمنة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وأبو العالية وابن يعمر وابن محيصن أمنة منه بسكون الميم ","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":" قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء قال ابن عباس نزل النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر وبينه وبين الماء رملة وغلبهم المشركون على الماء فأصاب المسلمين الظمأ وجعلوا يصلون محدثين وألقى الشيطان في قلوبهم الوسوسة يقول تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين فأنزل الله عليهم مطرا فشربوا وتطهروا واشتد الرمل حين اصابه المطر وأزال الله رجز الشيطان وهو وسواسه حيث قال قد غلبكم المشركون على الماء وقال ابن زيد رجز الشيطان كيده حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة وقال ابن الانباري ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه فأرسل الله السماء فزالت وسوسة الشيطان التي تكسب عذاب الله وغضبه إذ الرجز العذاب \r\n قوله تعالى وليربط على قلوبكم الربط الشد وعلى في قول بعضهم صلة فالمعنى وليربط قلوبكم وفي الذي ربط به قلوبهم وقواها ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه الصبر قاله ابو صالح عن ابن عباس والثاني أنه الإيمان قاله مقاتل والثالث أنه المطر الذي أرسله يثبت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة التي تقدم ذكرها \r\n قوله تعالى ويثبت به الأقدام في هاء به قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الماء فان الأرض كانت رملة فاشتدت بالمطر وثبتت عليها الأقدام قاله ابن عباس ومجاهد والسدي في آخرين \r\n والثاني انها ترجع إلى الربط فالمعنى ويثبت بالربط الأقدام ذكره الزجاج ","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":" إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وإن للكافرين عذاب النار \r\n قوله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم قال الزجاج إذ في موضع نصب والمعنى وليربط إذ يوحي ويجوز أن يكون المعنى واذكروا إذ يوحي قال ابن عباس وهذا الوحي إلهام \r\n قوله تعالى إلى الملائكة وهم الذين أمد بهم المسلمين أني معكم بالعون والنصرة فثبتوا الذين آمنوا فيه أربعة اقوال \r\n أحدها قاتلوا معهم قاله الحسن \r\n والثاني بشروهم بالنصر فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول أبشروا فان الله ناصركم قاله مقاتل \r\n والثالث ثبتوهم بأشياء تلقونها في قلوبهم تقوى بها ذكره الزجاج \r\n والرابع صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد ذكره الثعلبي فأما الرعب فهو الخوف قال السائب بن يسار كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السوائي عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف كان يأخذ الحصى فيرمي به الطست فيطن فيقول كما نجد في أجوافنا مثل هذا \r\n قوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق في المخاطب بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة قال ابن الانباري لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس فعلمهم الله تعالى ذلك ","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":" والثاني أنهم المؤمنون ذكره جماعة من المفسرين وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما فاضربوا الأعناق وفوق صلة وهذا قول عطية والضحاك والأخفش وابن قتيبة وقال أبو عبيدة فوق بمعنى على تقول ضربته فوق الرأس وضربته على الرأس \r\n والثاني اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق وبه قال عكرمة \r\n وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الأطراف قاله ابن عباس والضحاك وقال الفراء علمهم مواضع الضرب فقال اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل وقال أبو عبيدة وابن قتيبة البنان أطراف الأصابع قال ابن الانباري واكتفى بهذا من جملة اليد والرجل \r\n والثاني أنه كل مفصل قاله عطية والسدي \r\n والثالث أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء والمعنى أنه أباحهم قتلهم بكل نوع هذا قول الزجاج قال واشتقاق البنان من قولهم أبن بالمكان إذا أقام به فالبنان به يعتمل كل ما يكون للاقامة والحياة \r\n قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ذلك إشارة إلى الضرب وشاقوا بمعنى جانبوا فصاروا في شق غير شق المؤمنين \r\n قوله تعالى ذلكم فذوقوه خطاب للمشركين والمعنى ذوقوا هذا في عاجل الدنيا وفي فتح أن قولان \r\n أحدهما باضمار فعل تقديره ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين \r\n والثاني أن يكون المعنى ذلك بأن للكافرين عذاب النار فاذا ألقيت ","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":" الباء نصبت وإن شئت جعلت أن في موضع رفع يريد ذلكم فذوقوه وذلكم أن للكافرين عذاب النار هذا معنى قول الفراء \r\n يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب الله ومأواه جهنم وبئس المصير \r\n قوله تعالى إذا لقيتم الذين كفروا زحفا الزحف جماعة يزحفون إلى عدوهم قاله الليث والتزاحف التداني والتقارب قال الأعشى ... لمن الظعائن سيرهن تزحف ... \r\n قال الزجاج ومعنى الكلام إذا واقفتموهم للقتال فلا تدبروا ومن يولهم يوم حربهم دبره إلا أن يتحرف ليقاتل أو يتحيز إلى فئة ف متحرفا ومتحيزا منصوبان على الحال ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء فيكون المعنى إلا رجلا متحرفا أو متحيزا وأصل متحيز متحيوز فأدغمت الياء في الواو \r\n قوله تعالى ومأواه جهنم أي مرجعه إليها ولا يدل ذلك على التخليد \r\n فصل \r\n اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هذه خاصة في أهل بدر وهو مروي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري والحسن وابن جبير وقتادة والضحاك وقال آخرون هي على عمومها في كل منهزم وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وقال آخرون هي على عمومها غير أنها نسخت بقوله فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين فلس للمسلمين أن يفروا من مثليهم وبه قال ","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":" عطاء بن أبي رباح وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفراء من الزحف فقال لا يفر رجل من رجلين فان كانوا ثلاثة فلا بأس وقد نقل نحو هذا عن ابن عباس وقال محمد بن الحسن إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم ونقل نحو هذا عن مالك ووجهه ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صبروا وصدقوا \r\n فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين \r\n قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة إلا عاصما ولكن الله قتلهم ولكن الله رمى بتخفيف النون ورفع اسم الله فيهما وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون قتلنا وقتلنا هذا معنى قول مجاهد \r\n فأما قوله تعالى وما رميت إذ رميت ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعلي ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به في وجوه القوم فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة وقيل أخذ قبضة من تراب فرمى بها وقال شاهت الوجوه فما بقي مشرك إلا شغل بعينه يعالج التراب الذي فيها فنزلت وما رميت إذ رميت ولكن الله ","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":" رمى وذلك يوم بدر هذا قول الأكثرين وقال ابن الانباري وتأويل شاهت قبحت يقال شاه وجهه يشوه شوها وشوهة ويقال رجل أشوه وامرأة شوهاء إذا كانا قبيحين \r\n والثاني أن أبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه و سلم يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فخلوا سبيله وطعنه النبي صلى الله عليه و سلم بحرتبه فسقط أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا إنما هو خدش فقال والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل المجاز لماتوا أجمعون فمات قبل أن يقدم مكة فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن المسيب عن أبيه \r\n والثالث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رمى يوم خيبر بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه فنزلت هذه الآية ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين \r\n قوله تعالى ولكن الله قتلهم اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على أربعة اقوال \r\n أحدها أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم والثاني أنه أضاف القتل إليه لأنه تولى نصرهم والثالث لأنه ساقهم إلى المؤمنين وأمكنهم منهم والرابع لأنه ألقى الرعب في قلوبهم وفي قوله وما رميت إذ رميت ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن المعنى وما ظفرت أنت ولا أصبت ولكن الله اظفرك وايدك قاله أبو عبيدة ","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":" والثاني وما بلغ رميك كفا من تراب أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش الكثير إنما الله تولى ذلك قاله الزجاج \r\n والثالث وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ذكره ابن الانباري \r\n قوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا أي لينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والأجر إن الله سميع لدعائهم عليم بنياتهم \r\n قوله تعالى ذلكم قال الزجاج موضعه رفع والمعنى الأمر ذلكم وقال غيره ذلكم إشارة إلى القتل والرمي والبلاء الحسن وأن الله أي واعلموا أن الله والذي ذكرناه في فتح أن في قوله وأن للكافرين عذاب النار هو مذكور في فتح أن هذه \r\n قوله تعالى موهن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر موهن بفتح الواو وتشديد الهاء منونة كيد بالنصب وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم موهن ساكنة الواو كيد بالنصب وروى حفص عن عاصم موهن كيد مضاف والموهن المضعف والكيد المكر \r\n إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون \r\n قوله تعالى إن تستفتحوا في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم استنصروا الله وسألوه الفتح فنزلت هذه الآية وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب وعطاء الخراساني ","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":" والثاني أن أبا جهل قال اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر فقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين فنزلت هذه الآية قاله السدي \r\n والرابع أن المشركين قالوا اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت هذه الآية قاله عكرمة \r\n والخامس أنهم قالوا بمكة اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية فعذبوا يوم بدر قاله ابن زيد فخرج من هذه الأقوال أن في المخاطبين بقوله إن تستفتحوا قولان \r\n أحدهما أنهم المؤمنون والثاني المشركون وهو الأشهر \r\n وفي الاستفتاح قولان \r\n أحدهما انه الاستنصار قاله ابن عباس والزجاج في آخرين فان قلنا إنهم المسلمون كان المعنى إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة وإن قلنا إنهم المشركون احتمل وجهين أحدهما إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم والثاني إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله فقد جاء النصر لأحب الفريقين \r\n والثاني أن الاستفتاح طلب الحكم والمعنى إن تسألوا الحكم بينكم وبين المسلمين فقد جاءكم الحكم وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة ومجاهد وقتادة فأما قوله وإن تنتهوا فهو خير لكم فهو خطاب للمشركين على قول الجماعة \r\n وفي معناه قولان \r\n أحدهما إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه و سلم والكفر قاله أبو صالح عن ابن عباس ","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":" والثاني إن تنتهوا عن استفتاحكم فهو خير لكم لأنه كان عليهم لا لهم ذكره الماوردي \r\n وفي قوله وإن تعودوا نعد قولان \r\n أحدهما وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى هزيمتكم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني وإن تعودوا إلى الاستفتاح نعد إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي \r\n قوله تعالى ولن تغني عنكم فئتكم شيئا أي جماعتكم وإن كثرت وأن الله مع المؤمنين بالعون والنصر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم وإن الله بكسر الألف وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأن بفتح الألف فمن قرأ بكسر أن استأنف قال الفراء وهو أحب إلي من فتحها ومن فتحها أراد ولأن الله مع المؤمنين \r\n قوله تعالى ولا تولوا عنه فيه قولان \r\n أحدهما لا تولوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني لا تولوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن روي القولان عن ابن عباس \r\n ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون \r\n قوله تعالى ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":" أحدها أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني في اليهود قريظة والنضير روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث في المنافقين قاله ابن إسحاق والواقدي ومقاتل \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنهم قالوا سمعنا ولم يتفكروا فيما سمعوا فكانوا كمن لم يسمع قاله الزجاج \r\n والثاني أنهم قالوا سمعنا سماع من يقبل وليسوا كذلك حكي عن مقاتل \r\n قوله تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني في المنافقين قاله ابن إسحاق والواقدي والدواب اسم كل حيوان يدب وقد بينا في سورة البقرة معنى الصم والبكم ولم سماهم بذلك \r\n ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون \r\n قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها ولو علم فيهم صدقا وإسلاما والثاني لو علم فيهم خيرا في سابق القضاء والثالث لو علم أنهم يصلحون والرابع لو علم أنهم يصغون \r\n وفي قوله لأسمعهم ثلاثة اقوال ","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":" أحدها لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه قاله الزجاج والثاني لرزقهم الفهم قاله أبو سليمان الدمشقي والثالث لأسمعهم كلام الموتي يشهدون بنبوتك حكاه الماوردي وفي قوله وهم معرضون قولان \r\n أحدهما مكذبون قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني وهم معرضون عما أسمعهم لمعاندتهم قاله الزجاج \r\n يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون \r\n قوله تعالى استجيبوا أي أجيبوا \r\n قوله تعالى إذا دعاكم يعني الرسول لما يحييكم وفيه ستة أقوال \r\n أحدها أن الذي يحييكم كل ما يدعو الرسول إليه وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس وفي أفراد البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم قلت بلى ولا أعود إن شاء الله \r\n والثاني أنه الحق رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثالث أنه الإيمان رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال السدي ","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":" والرابع أنه اتباع القرآن قاله قتادة وابن زيد \r\n والخامس أنه الجهاد قاله ابن إسحاق وقال ابن قتيبة هو الجهاد الذي يحيي دينهم ويعليهم \r\n والسادس أنه إحياء أمورهم قاله الفراء فيخرج في إحيائهم خمسة اقوال \r\n أحدها أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة \r\n والثاني بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا وحياة الأبد في الآخرة \r\n والثالث أنه دوام نعيمهم في الآخرة \r\n والرابع أنه كونهم مؤمنين لأن الكافر كالميت \r\n والخامس أنه يحييهم بعد موتهم وهو على قول من قال هو الجهاد لأن الشهداء أحياء ولأن الجهاد يعزهم بعد ذلهم فكأنهم صاروا به أحياء \r\n قوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وفيه عشرة أقوال \r\n أحدها يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير \r\n والثاني يحول بين المؤمن وبين معصيته وبين الكافر وبين طاعته رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك والفراء \r\n والثالث يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل قاله مجاهد قال ابن الانباري المعنى يحول بين المرء وعقله فبادروا الأعمال فانكم لاتأمنون زوال العقول فتحصلون على ما قدمتم \r\n والرابع أن المعنى هو قريب من المرء لا يخفى عليه شيء من سره كقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وهذا معنى قول قتادة ","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":" والخامس يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلا بإذنه قاله السدي \r\n والسادس يحول بين المرء وبين هواه ذكره ابن قتيبة \r\n والسابع يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره \r\n والثامن يحول بين المر وقلبه بالموت فبادروا الأعمال قبل وقوعه \r\n والتاسع يحول بين المرء وقلبه بعمله فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلا والله عالم به لا يقدر على تغييبه عنه \r\n والعاشر يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن فيأمن بعد خوفه ويخاف بعد أمنه ذكر معنى هذه الأقوال ابن الانباري \r\n وحكى الزجاج أنهم لما فكروا في كثرة عدوهم وقلة عددهم فدخل الخوف قلوبهم أعلمه الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف الأمن ويبدل عدوة بالقوة الضعف وقد أعلمت هذه الآية أن الله تعالى هو المقلب للقلوب المتصرف فيها \r\n قوله تعالى وأنه إليه تحشرون أي للجزاء على أعمالكم ","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":" واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب \r\n قوله تعالى واتقوا فتنة اختلفوا فيمن نزلت على أربعة اقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم خاصة قاله ابن عباس والضحاك وقال الزبير بن العوام لقد قرأناها زمانا وما نرى أنا من أهلها فاذا نحن المعنيون بها \r\n والثاني أنها نزلت في رجلين من قريش قاله أبو صالح عن ابن عباس ولم يسمهما \r\n والثالث أنها عامة قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب وقال مجاهد هذه الآية لكم أيضا \r\n والرابع أنها نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير قاله الحسن وقال السدي نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل \r\n وفي الفتنة هاهنا سبعة أقوال \r\n أحدها القتال والثاني الضلالة والثالث السكوت عن إنكار المنكر والرابع الاختبار والخامس الفتنة بالأموال والأولاد والسادس البلاء والسابع ظهور البدع فأما قوله لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فقال الفراء أمرهم ثم نهاهم وفيه طرف من الجزاء وإن كان نهيا كقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان أمرهم ثم نهاهم وفيه تأويل الجزاء وقال الأخفش لا تصيبن ليس بجواب وإنما هو نهي ","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":" بعد نهي ولو كان جوابا ما دخلت النون وذكر ابن الانباري فيها قولين \r\n أحدهما أن الكلام تأويله تأويل الخبر إذ كان المعنى إن لا يتقوها تصب الذين ظلموا أي وغيرهم أي لا تقع بالظالمين دون غيرهم لكنها تقع بالصالحين والطالحين فلما ظهر الفعل ظهور النهي والنهي راجع إلى معنى الأمر إذ القائل يقول لا تقم يريد دع القيام ووقع مع هذا جوابا للأمر أو كالجواب له فأكد له شبه النهي فدخلت النون المعروف دخولها في النهي وما يضارعه \r\n والثاني أنها نهي محض معناه لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا فدخلت النون لتوكيد الاستقبال كقوله لا يحطمنكم وللمفسرين في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا \r\n والثاني لا يصيبن عقاب الفتنة فان قيل فما ذنب من لم يظلم فالجواب أنه بموافقته للأشرار أو بسكوته عن الإنكار أو بتركه للفرار استحق العقوبة وقد قرأ علي وابن مسعود وأبي بن كعب لتصيبن الذين ظلموا بغير ألف \r\n واذركوا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":" قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل قال ابن عباس نزلت في المهاجرين خاصة كانت عدتهم قليلة وهم مقهورون في أرض مكة يخافون أن يستلبهم المشركون وفي المراد بالناس ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل مكة قاله ابن عباس والثاني فارس والروم قاله وهب بن منبه والثالث أنهم المشركون الذين حضروا بدرا والمسلمون قليلون يومئذ قاله قتادة \r\n قوله تعالى فآواكم فيه قولان \r\n أحدهما فآواكم إلى المدينة بالهجرة قاله ابن عباس والأكثرون \r\n والثاني جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين ذكره الماوردي \r\n وفي قوله وأيدكم بنصره قولان \r\n أحدهما قواكم بالملائكة يوم بدر قاله الجمهور والثاني عضدكم بنصره في بدر وغيرها قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله ورزقكم من الطيبات قولان \r\n أحدهما أنها الغنائم التي أحلها لهم قاله السدي \r\n والثاني أنها الخيرات التي مكنهم منها ذكره الماوردي \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون \r\n قوله تعالى لا تخونوا الله والرسول اختلفوا فيمن نزلت على أربعة اقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وذاك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير على أن يسيروا إلى أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا ","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":" وقالوا أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لأن ولده وأهله كانوا عندهم فبعثه إليهم فقالوا ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح فلا تفعلوا فأطاعوه فكانت تلك خيانته قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ونزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس والأكثرين وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد وقال والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أويتوب الله علي فمكث سبعة أيام كذلك ثم تاب الله عليه فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي يحلني فجاء فحله بيده فقال أبو لبابة إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يجزئك الثلث \r\n والثاني أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فقال رسول النبي الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه اخرجوا إليه واكتموا فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فنزلت هذه الآية قاله جابر بن عبد الله \r\n والثالث أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان قاله المغيرة بن شعبة \r\n والرابع أن قوما كانوا يسمعو الحديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنزلت هذه الآية قاله السدي وفي خيانة الله قولان ","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":" أحدهما ترك فرائضه والثاني معصية رسوله وفي خيانة الرسول قولان أحدهما مخالفته في السر بعد طاعته في الظاهر والثاني ترك سنته \r\n وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال \r\n أخذها أنها الفرائض قاله ابن عباس وفي خيا تنقيصها والثاني تركها \r\n والثاني أنها الدين قاله ابن زيد فيكون المعنى لا تظهروا الإيمان وتبطنوا الكفر \r\n والثالث أنها عامة في خيانة كل مؤتمن ويؤكده نزولها في ما جرى لأبي لبابة \r\n واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة قال ابن عباس هذا خطاب لأبي لبابة لأنه كانت له أموال وأولاد عند بني قريظة فأما الفتنة فالمراد بها الابتلاء والامتحان الذي يظهر ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه وأن الله عنده أجر عظيم خير من الأموال والأولاد ","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":" قوله تعالى إن تتقوا الله أي بترك معصيته واجتناب الخيانة لله ورسوله \r\n قوله تعالى يجعل لكم فرقانا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه المخرج رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك وابن قتيبة والمعنى يجعل لكم مخرجا في الدين من الضلال \r\n والثاني أنه النجاة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والسدي \r\n والثالث أنه النصر رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الفراء \r\n والرابع أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل قاله ابن زيد وابن إسحاق \r\n وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين \r\n قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا هذه الآية متعلقة بقوله واذكروا إذ أنتم قليل فالمعنى أذكر المؤمنين ما من الله به عليهم واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا \r\n الإشارة إلى كيفية مكرهم \r\n قال أهل التفسير لما بويع رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة اشفقت قريش أن يعلو أمره وقالوا والله لكأنكم به قد كر عليكم بالرجال فاجتمع جماعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير فقالوا من أنت قال أنا شيخ من ","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":" أهل نجد سمعت ما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن تعدموا من رأيي نصحا فقالوا ادخل فدخل معهم فقالوا انظروا في أمر هذا الرجل فقال بعضهم احبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون فقال إبليس ما هذا برأي يوشك أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم فقال قائل أخرجوه من بين أظهركم فقال ما هذا برأي يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم فقال أبو جهل نأخذ من كل قبيلة غلاما ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد فيفرق دمه في القبائل فما ظن هذا الحي من قريش يقوى على ضرب قريش كلها فيقبلون العقل ونستريح فقال إبليس هذا والله الرأي فتفرقوا عن ذلك وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه وأخبره بمكر القوم فلم يبت في مضجعه تلك الليلة وأمر عليا فبات في مكانه وبات المشركون يحرسونه فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن له الله في الخروج إلى المدينة وجاء المشركون لما أصبحوا فرأوا عليا فقالوا أين صاحبك قال لا أدري فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل فمروا بالغار فرأوا نسج العنكبوت فقالوا لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت فأما قوله ليثبتوك فقال ابن قتيبة معناه ليحبسوك يقال فلان مثبت وجعا إذا لم يقدر على الحركة وللمفسرين فيه قولان ","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":" أحدهما ليثبتوك في الوثاق قاله ابن عباس والحسن في آخرين \r\n والثاني ليثبتوك في الحبس قاله عطاء والسدي في آخرين وكان القوم أرادوا أن يحبسوه في بيت ويشدوا عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب وقد سبق بيان المكر في آل عمران \r\n وإذ تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين \r\n قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا ذكر أهل التفسير أن هذه الآيه نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة وأنه لما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر قصص القرون الماضية قال لو شئت لقلت مثل هذا وفي قوله قد سمعنا قولان \r\n أحدهما قد سمعنا منك ولا نطيعك \r\n والثاني قد سمعنا قبل هذا مثله وكان النضر يختلف إلى فارس تاجرا فيسمع العباد يقرؤون الإنجيل وقد بين التحدي كذب من قال لو نشاء لقلنا مثل هذا وقد سبق معنى الأساطير في الأنعام \r\n وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم \r\n قوله تعالى وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في النضر أيضا رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والسدي ","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":" والثاني أنها نزلت في أبي جهل فهو القائل لهذا قاله أنس بن مالك وهو مخرج في الصحيحين \r\n والثالث أنها نزلت في قريش قالوا هذا ثم ندموا فقالوا غفرانك اللهم فأنزل الله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون رواه أبو معشر عن يزيد ابن رومان ومحمد بن قيس وفي المشار إليه بقوله إن كان هذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن والثاني كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأمر بالتوحيد وغيره والثالث أنه إكرام محمد صلى الله عليه و سلم بالنبوة من بين قريش \r\n وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون \r\n قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم في المشار إليه قولان \r\n أحدهما أهل مكة وفي معنى الكلام قولان أحدهما وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين أظهرهم قال ابن عباس لم تعذب قرية حتى يخرج نبيها والمؤمنون معه والثاني وما كان الله ليعذبهم وأنت حي قاله أبو سليمان \r\n والثاني أن المشار إليهم المؤمنون والمعنى وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به من قبلهم وأنت حي ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n فصل \r\n قال الحسن وعكرمة هذه الآية منسوخة بقوله وما لهم ألا يعذبهم ","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":" الله وفيه بعد لأن النسخ لا يدخل على الأخبار وقال ابن أبزى كان النبي صلى الله عليه و سلم بمكة فأنزل الله عز و جل وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فخرج إلى المدينة فأنزل الله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون فلما خرجوا أنزل الله وما لهم ألا يعذبهم الله وجميع أقوال المفسرين تدل على أن قوله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون كلام مبتدأ من إخبار الله عز و جل وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال هذه الآية من قول المشركين قالوا والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر فرد الله عليهم ذلك بقوله وما لهم ألا يعذبهم الله \r\n قوله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وفي معنى هذا الكلام خمسة أقوال \r\n أحدها وما كان الله معذب المشركين وفيهم من قد سبق له أن يؤمن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس واختاره الزجاج \r\n والثاني وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الله فانهم كانوا يلبون ويقولون غفرانك وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وفيه ضعف لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول \r\n والثالث وما كان الله معذبهم يعني المشركين وهم يعني المؤمنين الذين بينهم يستغفرون روي عن ابن عباس أيضا وبه قال الضحاك وأبو مالك قال ابن الانباري وصفوا بصفة بعضهم لأن المؤمنين بين أظهرهم فأوقع ","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":" العموم على الخصوص كما يقال قتل أهل المسجد رجلا وأخذ أهل البصرة فلانا ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد \r\n والرابع وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله قاله مجاهد قال ابن الانباري فيكون معنى تعذيبهم إهلاكهم فالمعنى وما كان الله مهلكهم وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه فوصفهم بصفة ذراريهم وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله \r\n والخامس أن المعنى لو استغفروا لما عذبهم الله ولكنهم لم يستغفروا فاستحقوا العذاب وهذا كما تقول العرب ما كنت لأهينك وأنت تكرمني يريدون ما كنت لأهينك لو أكرمتني فأما إذا لست تكرمني فانك مستحق لإهانتي وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي قال ابن الانباري وهو اختيار اللغويين وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الاستغفار المعروف وقد ذكرناه عن ابن عباس \r\n والثاني أنه بمعنى الصلاة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ومنصور عن مجاهد وبه قال الضحاك \r\n والثالث أنه بمعنى الإسلام رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله هذه الآية أجازت تعذيبهم والأولى ","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":" نفت ذلك وهل المراد بهذا العذاب الاول أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنه هو الأول إلا أن الأول امتنع بشيئين أحدهما كون النبي صلى الله عليه و سلم فيهم والثاني كون المؤمنين المستغفرين بينهم فلما وقع التمييز بالهجرة وقع العذاب بالباقين يوم بدر وقيل بل وقع بفتح مكة \r\n والثاني أنهما مختلفان وفي ذلك قولان أحدهما أن العذاب الثاني قتل بعضهم يوم بدر والأول استئصال الكل فلم يقع الأول لما قد علم من إيمان بعضهم وإسلام بعض ذراريهم ووقع الثاني والثاني أن العذاب الأول عذاب الدنيا والثاني عذاب الآخرة قاله ابن عباس فيكون المعنى وما كان الله معذب المشركين لاستغفارهم في الدنيا وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة \r\n قوله تعالى وهم يصدون قال الزجاج المعنى وهم يصدون عن المسجد الحرام أولياءه وفي هاء الكناية في قوله وما كانوا أولياؤه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى المسجد وهو قول الجمهور قال الحسن إن المشركين قالوا نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله عليهم بهذا \r\n والثاني أنها تعود إلى الله عز و جل ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى إن أولياؤه أي ما أولياؤه إلا المتقون للشرك والمعاصي ولكن أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله \r\n وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون \r\n قوله تعالى وما كان صلاتهم عند البيت سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويصفقون ويصفرون ويضعون خدودهم بالأرض فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر فأما المكاء ففيه قولان ","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":" أحدهما أنه الصفير قاله ابن عمر وابن عباس وابن جبير وقتادة وأبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة قال ابن فارس يقال مكا الطائر يمكو مكاء إذا صفر ويقال مكيت يده تمكى مكى مقصور أي غلظت وخشنت ويقال تمكى إذا توضأ وأنشدوا ... إنك والجور على سبيل ... كالمتمكي بدم القتيل ... \r\n وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء فجمع كفيه وجعل يصفر فيهما \r\n والثاني أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتصدية على محمد صلى الله عليه و سلم صلاته قاله مجاهد قال ابن الانباري أهل اللغة ينكرون أن يكون المكاء إدخال الأصابع في الأفواه وقالوا لا يكون إلا الصفير وفي التصدية قولان \r\n أحدهما أنها التصفيق قاله ابن عمر وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والجمهور قال ابن قتيبة يقال صدى إذا صفق بيديه قال الراجز ... ضنت بخد وجلت عن خد ... وأنا من غرو الهوى أصدي ... \r\n الغرو العجب يقال لا غرو من كذا أي لا عجب \r\n والثاني أن التصدية صدهم الناس عن البيت الحرام قاله سعيد بن جبير وقال ابن زيد هو صدهم عن سبيل الله ودينه وزعم مقاتل أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من المشركين من بني عبد الدار عن ","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":" يمينه فيصفران ورجلان عن يساره فيصفقان فتختلط على النبي صلى الله عليه و سلم صلاته وقراءته فقتلهم الله ببدر فذلك قوله فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بتوحيد الله \r\n فان قيل كيف سمى المكاء والتصدية صلاة \r\n فعنه جوابان ذكرهما ابن الانباري \r\n أحدهما أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة ومشهور في كلام العرب أن يقول الرجل زرت عبد الله فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة قال الشاعر ... قلت له اطعمني عميم تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا ... \r\n أي أقام الصياح علي مقام التمر \r\n والثاني أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له كما تقول العر ب ما لفلات عيب إلا السخاء يريدون من السخاء عيبه فلا عيب له قال الشاعر ... فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فلا يبقى من المال باقيا ... \r\n إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":" أحدها أنها نزلت في المطعمين ببدر وكانوا اثني عشر رجلا يطعمون الناس الطعام كل رجل يطعم يوما وهم عتبة وشيبة ومنبه ونبية ابنا الحجاج وأبو البختري والنضر بن الحارث وأبو جهل وأخوه الحارث وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود والحارث بن عامر ابن نوفل هذا قول أبي صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش لقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم سوى من استجاش من العرب قاله سعيد بن جبير وقال مجاهد نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد \r\n والثالث أنها نزلت في أهل بدر وبه قال الضحاك فأما سبيل الله فهو دين الله \r\n قوله تعالى ثم تكون عليهم حسرة أي تكون عاقبة نفقتهم ندامة لأنهم لم يظفروا \r\n ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون \r\n قوله تعالى ليميز الله الخبيث من الطيب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ليميز خفيفة وقرأ حمزة والكسائي ليميز بالتشديد وهما لغتان مزته وميزته وفي لام ليميز قولان ","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":" أحدهما أنها متعقلة بقوله فسينفقونها قاله ابن الانباري \r\n والثاني أنها متعقلة بقوله إلى جهنم يحشرون قاله ابن جرير الطبري وفي معنى الآية ثلاثة اقوال \r\n أحدها ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال السدي ومقاتل يميز المؤمن من الكافر \r\n والثاني ليميز العمل الطيب من العمل الخبيث قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث ليميز الإنفاق الطيب في سبيله من الانفاق الخبيث في سبيل الشيطان قاله ابن زيد والزجاج \r\n قوله تعالى ويجعل الخبيث بعضه على بعض أي يجمع بعضه فوق بعض وهو قوله فيركمه قال الزجاج الركم أن يجعل بعض الشيء على بعض يقال ركمت الشيء أركمه ركما والركام الاسم فمن قال المراد بالخبيث الكفار فانهم في النار بعضهم على بعض ومن قال أموالهم فله في ذلك قولان \r\n أحدهما أنها ألقيت في النار ليعذب بها أربابها كما قال تعالى فتكوى بها جباههم \r\n والثاني أنهم لما عظموها في الدنيا أراهم هوانها بالقائها في النار كما تلقى الشمس والقمر في النار ليرى من عبدهما ذلهما \r\n قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين \r\n قوله تعالى قل للذين كفروا نزلت في أبي سفيان وأصحابه قاله أبو صالح عن ابن عباس وفي معنى الآية قولان ","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":" أحدهما إن ينتهوا عن المحاربة يغفر لهم ما قد سلف من حربهم فلا يؤاخذون به وإن يعودوا إلى المحاربة فقد مضت سنة الاولين في نصر الله أولياءه وقيل في قتل من قتل يوم بدر وأسر \r\n والثاني إن ينتهوا عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف من الإثم وإن يعودوا إليه فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة حين أخذوا بالعذاب المستأصل قال يحيى بن معاذ في هذه الآية إن توحيدا لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب \r\n وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير \r\n قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك وقال الزجاج حتى لا يفتن الناس فتنة كفر ويدل عليه قوله ويكون الدين كله لله \r\n قوله تعالى فان انتهوا أي عن الكفر والقتال فان الله بما يعملون بصير وقرأ يعقوب إلا روحا بما تعملون بالتاء \r\n وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير \r\n قوله تعالى وإن تولوا أي أعرضوا عن الإيمان وعادوا إلى القتال ","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":" فاعلموا أن الله مولاكم أي وليكم وناصركم قال ابن قتيبة نعم المولى أي نعم الولي ونعم النصير أي الناصر مثل قدير وقادر وسميع وسامع \r\n واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء اختلفوا هل الغنيمة والفيء بمعنى واحد أم يختلفان على قولين \r\n أحدهما أنهما يختلفان ثم في ذلك قولان أحدهما أن الغنيمة ما طهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من الأرضين قاله عطاء بن السائب والثاني أن الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ما أخذ عن صلح قاله سفيان الثوري وقيل بل الفيء ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب كالعشور والجزية وأموال المهادنة والصلح وما هربوا عنه \r\n والثاني أنهما واحد وهما كل ما نيل من المشركين ذكره الماوردي وقال الزجاج الأموال ثلاثة اصناف فما صار إلى المسلمين من المشركين في حال الحرب فقد سماه الله تعالى أنفالا وغنائم وما صار من المشركين من خراج أو جزية مما لم يؤخذ في الحرب فقد سماه فيئا وما خرج من أموال المسلمين كالزكاة والنذر والقرب سماه صدقة وأما قوله من شيء فالمراد به كل ما وقع عليه اسم الشيء قال مجاهد المخيط من الشيء \r\n قوله تعالى فإن لله خمسه وروى عبد الوارث خمسه بسكون الميم وفي المراد بالكلام قولان ","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":" أحدهما أن نصيب الله مستحق يصرف إلى بيته قال أبو العالية كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله عليه و سلم على خمسة أسهم فيقسم أربعة بين الناس ثم يجعل من السهم الخامس للكعبة وهذا مما انفرد به أبو العالية فيما يقال \r\n والثاني أن ذكر الله هاهنا لأحد وجهين أحدهما لأنه المتحكم فيه والمالك له والمعنى فان للرسول خمسة ولذي القربى كقوله يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول والثاني أن يكون المعنى إن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى وهذ قول الجمهور فعلى هذا تكون الواو زائدة كقوله فلما أسلما وتله للجبين وناديناه المعنى ناديناه ومثله كثير \r\n فصل \r\n أجمع العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة لأهل الحرب خاصة فأما الخمس الخامس فكيف يقسم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها يقسم منه لله وللرسول ولمن ذكر في الآية وقد ذكرنا أن هذا مما انفرد به أبو العالية وهو يقتضي أن يقسم على ستة أسهم \r\n والثاني أنه مقسوم على خمسة أسهم سهم للرسول وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل على ظاهر الآية وبه قال الجمهور \r\n والثالث أنه يقسم على أربعة اسهم فسهم الله عز و جل وسهم رسوله عائد على ذوي القربى لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يأخذ منه شيئا وهذا المعنى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":" فصل \r\n فأما سهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فانه كان يصنع فيه ما بينا وهل سقط بموته أم لا فيه قولان \r\n أحدهما لم يسقط بموته وبه قال أحمد والشافعي في آخرين وفيما يصنع به قولان أحدهما أنه للخليفة بعده قاله قتادة والثاني أنه يصرف في المصالح وبه قال أحمد والشافعي \r\n والثاني أنه يسقط بموته كما يسقط الصفي فيرجع إلى جملة الغنيمة وبه قال أبو حنيفة وأما ذوو القربى ففيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم جميع قريش قال ابن عباس كنا نقول نحن هم فأبى علينا قومنا وقالوا قريش كلها ذوو قربى \r\n والثاني بنو هاشم وبنو المطلب و به قال أحمد و الشافعي و الثالث أنهم بنو هاشم فقط قاله أبو حنفية و بماذا يستحقون فيه قولان \r\n أحدهما بالقرابة وإن كانوا أغنياء وبه قال أحمد والشافعي \r\n والثاني بالفقر لا بالاسم وبه قال أبو حنيفة وقد سبق في البقرة معنى اليتامى والمساكين وابن السبيل وينبغي أن تعتبر في اليتيم أربعة أوصاف موت الأب وإن كانت الأم باقية والصغر لقوله عليه السلام لا يتم بعد حلم والإسلام لأنه مال للمسلمين والحاجة لأنه معد للمصالح ","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":" قوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان هو يوم بدر فرق فيه بين الحق والباطل بنصر المؤمنين والذي أنزل عليه يومئذ قوله يسألونك عن الأنفال نزلت حين اختلفوا فيها فالمعنى إن كنتم آمنتم بذلك فاصدروا عن أمر الرسول في هذا أيضا \r\n إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم \r\n قوله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالعدوة والعدوة العين فيهما مكسورة وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بضم العين فيهما قال الأخفش لم يسمع من العرب إلا الكسر وقال ثعلب بل الضم أكثر اللغتين قال ابن السكيت عدوة الوادي وعدوته جانبه والجمع عدى وعدى والدنيا تأنيث الأدنى وضدها القصوى وهي تأنيث الأقصى وما كان من النعوت على فعلى من ذوات الواو فان العرب تحوله إلى الياء نحو الدنيا من دنوت والعليا من علوت لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول وليس في هذا اختلاف إلا أن ","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":" أهل الحجاز قالوا القصوى فأظهروا الواو وهو نادر وغيرهم يقول القصيا قال المفسرون إذ أنتم بشفير الوادي الأدنى من المدينة وعدوكم بشفيره الأقصى من مكة وكان الجمعان قد نزلا وادي بدر على هذه الصفة والركب أبو سفيان وأصحابه قال الزجاج من نصب أسفل اراد والركب مكانا أسفل منكم ويجوز الرفع على المعنى والركب أشد تسفلا منكم قال قتادة وكان المسلمون أعلى الوادي والمشركون أسفله \r\n وفي قوله ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد قولان \r\n أحدهما لو تواعدتم ثم بلغكم كثرتهم لتأخرتم عن الميعاد قاله ابن اسحاق \r\n والثاني لو تواعدتم على الاجتماع في المكان الذي اجتمعتم فيه من عدوتي وادي بدر لاختلفتم في الميعاد قاله أبو سليمان وقال الماوردي كانت تقع الزيادة والنقصان أو التقدم والتأخر من غير قصد لذلك \r\n قوله تعالى ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا وهو إعزاز الإسلام وإذلال الشرك \r\n قوله تعالى ليهلك من هلك عن بينة وروى خلف عن يحيى ليهلك بضم الياء وفتح اللام \r\n قوله تعالى ويحيى من حي عن بينة قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي من حي بياء واحدة مشددة وهذه رواية حفص عن عاصم وقنبل عن ابن كثير وروى شبل عن ابن كثير وابو بكر عن عاصم حيي بياءين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة وهي قراءة نافع فمن قرأ بياءين بين ولم يدغم ومن أدغم ياء حيي فلاجتماع حرفين من جنس واحد وفي معنى الكلام قولان ","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":" أحدهما ليقتل من قتل من المشركين عن حجة ويبقى من بقي منهم عن حجة \r\n والثاني ليكفر من كفر بعد حجة ويؤمن من آمن عن حجة \r\n إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا فيه قولان \r\n أحدهما أن نبي الله صلى الله عليه و سلم رأى عسكر المشركين في المنام قبل لقائهم في قلة قاله أبو صالح عن ابن عباس قال مجاهد لما أخبر أصحابه بأنه رآهم في المنام قليلا كان ذلك تثبيتا لهم قال أبو سليمان الدمشقي والكلام متعلق بما قبله فالمعنى وإن الله لسميع لما يقوله أصحابك عليم بما يضمرونه إذ حدثتهم بما رأيت في منامك \r\n والثاني إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها قاله الحسن قال الزجاج وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب ومعناه عندهم إذ يريكهم الله في موضع منامك أي بعينك ثم حذف الموضع واقام المنام مقامه \r\n قوله تعالى لفشلتم أي لجبنتم وتأخرتم عن حربهم وقال مجاهد لفشل اصحابك ولرأوا ذلك في وجهك \r\n قوله تعالى ولتنازعتم في الأمر أي لاختلفتم في حربهم فكان ذلك من دواعي هزيمتكم ولكن الله سلم من المخالفة والفشل ","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":" وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور \r\n قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا قال مقاتل صدق الله رؤيا رسوله التي أخبر بها المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم بأن قللهم وقت اللقاء في أعينهم وقال ابن مسعود لقد قلوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي أتراهم سبعين قال أراهم مائة حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه فقال كنا ألفا قال أبو صالح عن ابن عباس استقل المسلمون المشركين والمشركون المسلمين فاجترأ بعضهم على بعض \r\n فان قيل ما فائدة تكرير الرؤية هاهنا وقد ذكرت في قوله إذ يريكهم الله فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الأولى كانت في المنام والثانية في اليقظة \r\n والثاني أن الأولى للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة والثانية له ولأصحابه فان قيل تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى لمكان إعزازهم فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنهم لو كثروا في أعينهم لم يقدموا عليهم فلم يكن قتال والقتال سبب النصر فقللهم لذلك \r\n والثاني أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب فاذا تحقق القتال وجدهم المسلمون غير مستعدين فظفروا بهم \r\n والثالث أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم فيغلبهم المسلمون فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق \r\n يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":" كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين \r\n قوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا الفئة الجماعة واذكروا الله كثيرا فيه قولان \r\n أحدهما أنه الدعاء والنصر والثاني ذكر الله على الإطلاق \r\n قوله تعالى ولا تنازعوا فتفشلوا قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا \r\n قوله تعالى وتذهب ريحكم وروى أبان ويذهب بالياء والجزم وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها تذهب شدتكم قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال السدي حدتكم وجدكم وقال الزجاج صولتكم وقوتكم \r\n والثاني يذهب نصركم قاله مجاهد وقتادة \r\n والثالث تتقطع دولتكم قاله أبو عبيدة وقال ابن قتيبة يقال هبت له ريح النصر إذا كانت له الدولة ويقال له الريح اليوم أي الدولة \r\n والرابع أنها ريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله فتضرب وجوه العدو ومنه قوله عليه السلام نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهذا قول ابن زيد ومقاحل \r\n ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس يصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":" قوله تعالى ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا قال المفسرون هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة خرجوا ليدفعوا عن عيرهم التي كانت مع أبي سفيان ومعهم القيان والمعازف وهم يشربون الخمور فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز ما معه كتب إليهم إني قد أحرزت أموالكم فارجعوا فقال أبو جهل والله لا نفعل حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام وسقى الخمور وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابونا فساروا إلى بدر فكانت الوقعة فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فأما البطر فهو الطغيان في النعم وترك شكرها والرياء العمل من أجل رؤية الناس وسبيل الله هاهنا دينه \r\n وإذا زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب \r\n قوله تعالى وإذا زين لهم الشيطان أعمالهم قال عروة بن الزبير لما أجمعت قريش المسير إلى بدر ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من اشراف بني كنانة فقال لهم لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا وفي المراد بأعمالهم هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها شركهم والثاني مسيرهم إلى بدر والثالث قتالهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى فلما تراءت الفئتان أي صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى ","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":" وفي المراد بالفئتين قولان \r\n أحدهما فئة المسلمين وفئة المشركين وهو قول الجمهور \r\n والثاني فئة المسلمين وفئة الملائكة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى نكص على عقبيه قال أبو عبيدة رجع من حيث جاء وقال ابن قتيبة رجع القهقري قال ابن السائب كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام فرأى الملائكة فنكص على عقبيه فقال له الحارث أفرارا من غير قتال فقال إني أرى مالا ترون فلما هزم المشركون قالوا هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم قال قتادة صدق عدة الله في قوله إني أرى مالا ترون ذكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة فعلم أنه لا يد له بالملائكة وكذب عدو الله في قوله إني أخاف الله الله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له بهم وقال عطاء معناه إني أخاف الله أن يهلكني وقال ابن الانباري لما رأى نزول الملائكة خاف أن تكون القيامة فيكون انتهاء إنظاره فيقع به العذاب ومعنى نكص رجع هاربا بخزي وذل واختلفوا في قوله والله شديد العقاب هل هو ابتداء كلام أو تمام الحكاية عن إبليس على قولين \r\n إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى إذ يقول المنافقون قال ابن عباس هم قوم من أهل المدينة من الأوس والخزرج فأما الذين في قلوبهم مرض ففيهم ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام بمكة فأخرجهم المشركون ","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":" معهم يوم بدر كرها فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا ونافقوا وقالوا غر هؤلاء دينهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وإليه ذهب الشعبي في آخرين وعدهم مقاتل فقال كانوا سبعة قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منية بن الحجاج والوليد بن الوليد بن المغيرة والوليد بن عتبة ابن ربيعة \r\n والثاني أنهم المشركون لما رأوا قلة المسلمين قالوا غر هؤلاء دينهم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن \r\n والثالث أنهم قوم مرتابون لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه و سلم ذكره الماوردي والمرض هاهنا الشك والإشارة بقوله هؤلاء إلى المسلمين وإنما قالوا هذا لأنهم رأوا قلة المسلمين فلم يشكوا في أن قريشا تغلبهم \r\n ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق \r\n قوله تعالى ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة قرأ الجمهور يتوفى بالياء وقرأ ابن عامر تتوفى بتاءين قال المفسرون نزلت في الرهط الذين قالوا غر هؤلاء دينهم وفي المراد بالملائكة ثلاثة أقوال \r\n أحدها ملك الموت وحده قاله مقاتل والثاني ملائكة العذاب قاله أبو سليمان الدمشقي والثالث الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر ذكره الماوردي \r\n وفي قوله يضربون وجوههم وأدبارهم أربعة أقوال \r\n أحدها يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا وأدبارهم لما انهزموا ","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":" والثاني أنهم جاؤوهم من بين أيديهم ومن خلفهم فالذين أمامهم ضربوا وجوههم والذين وراءهم ضربوا أدبارهم \r\n والثالث يضربون وجوههم يوم القيامة إذا لقوهم وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار \r\n والرابع أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت بسياط من نار وهل المراد نفس الوجوه والأدبار أم المراد ما أقبل من أبدانهم وأدبر فيه قولان \r\n وفي قوله وذوقوا عذاب الحريق قولان \r\n أحدهما أنه في الدنيا وفيه إضمار يقولون فالمعنى يضربون ويقولون كقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا أي ويقولان قال النابغة ... كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن ... \r\n والمعنى كأنك جمل من جمال لبني أقيش هذا قول الفراء وأبي عبيدة \r\n والثاني أن الضرب لهم في الدنيا فاذا وردوا يوم القيامة إلى النار قال خزنتها ذوقوا عذاب الحريق هذا قول مقاتل ","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":" ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد \r\n قوله تعالى ذلك بما قدمت أيديكم أي بما كسبتم من قبائح أعمالكم وأن الله ليس بظلام للعبيد لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر وإن كان كفرهم بقضائه لأنه مالك فله التصرف في ملكه كما يشاء فيستحيل نسبة الظلم إليه \r\n كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب \r\n قوله تعالى كدأب آل فرعون أي كعادتهم والمعنى كذب هؤلاء كما كذب أولئك فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك قال ابن عباس أيقن آل فرعون أن موسى نبي الله فكذبوه فكذلك هؤلاء في حق محمد صلى الله عليه و سلم \r\n ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم \r\n قوله تعالى ذلك بأن الله أي ذلك الأخذ والعقاب بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا بالكفران وترك الشكر قال مقاتل والمراد بالقوم هاهنا أهل مكة أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ثم بعث فيهم محمدا صلى الله عليه و سلم فلم يعرفوا المنعم عليهم فغير الله ما بهم وقال السدي كذبوا بمحمد فنقله الله إلى الأنصار قال أبو سليمان الخطابي والقوي يكون بمعنى القادر فمن قوي على شيء فقد قدر عليه وقد يكون معناه التام القوة ","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":" الذي لا يستولي عليه العجز في حال والمخلوق وإن وصف بالقوة فقوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة \r\n كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين \r\n قوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم أي كذب أهل مكة بمحمد والقرآن كما كذب آل فرعون بموسى والتوراة وكذب من قبلهم بأنبيائهم قال مكي بن أبي طالب الكاف من كدأب في موضع نصب نعت لمحذوف تقديره غيرنا بهم لما غيروا تغييرا مثل عادتنا في آل فرعون ومثلها الآية الأولى إلا أن الأولى للعادة في العذاب تقديره فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل فرعون \r\n قوله تعالى فأهلكناهم يعني الأمم المتقدمة بعضهم بالرجفة وبعضهم بالريح فكذلك أهلكنا كفار مكة ببدر وقال بعضهم يعني بقوله فأهلكناهم الذين أهلكوا ببدر \r\n إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون \r\n قوله تعالى إن شر الدواب عند الله الذين كفروا قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في بني قريظة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وأصحابه \r\n الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون \r\n قوله تعالى الذين عاهدت منهم في من أربعة أقوال \r\n أحدها أنها صلة والمعنى الذين عاهدتم ","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":" الثاني أنها للتبعيض فالمعنى إن شر الدواب الكفار وشرهم الذين عاهدت ونقضوا \r\n والثالث أنها بمعنى مع والمعنى عاهدت معهم \r\n والرابع أنها دخلت لأن العهد أخذ منهم \r\n قوله تعالى ثم ينقضون عهدهم في كل مرة أي كلما عاهدتهم نقضوا \r\n وفي قوله وهم لا يتقون قولان \r\n أحدهما لا يتقون نقض العهد والثاني لا يتقون الله في نقض العهد \r\n قال المفسرون كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عاهد يهود قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح ثم قالوا نسينا وأخطأنا ثم عاهدوه الثانية فنقضوا ومالؤوا الكفار يوم الخندق وكتب كعب ابن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n فأما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون \r\n قوله تعالى فاما تثقفنهم قال أبو عبيدة مجازه فان تثقفنهم فعلى قوله تكون ما زائدة وقد سبق بيان فاما في البقرة قال ابن قتيبة فمعنى تثقفنهم تظفر بهم فشرد بهم من خلفهم أي افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من أعدائك قال ويقال شرد بهم أي سمع بهم بلغة قريش قال الشاعر ... أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم ","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":" وقال ابن عباس نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد لعلهم يذكرون النكال فلا ينقضون العهد \r\n وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين \r\n قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة قال المفسرون الخوف هاهنا بمعنى العلم والمعنى إن علمت من قوم قد عاهدتهم خيانة وهي نقض عهد وقال مجاهد نزلت في بني قريظة \r\n وفي قوله فانبذ إليهم على سواء أربعة أقوال \r\n أحدها فألق إليهم نقضك العهد لتكون وإياهم في العلم بالنقض سواء هذا قول الأكثرين واختاره الفراء وابن قتيبة وأبو عبيدة \r\n والثاني فانبذ إليهم جهرا غير سر ذكره الفراء أيضا في آخرين \r\n والثالث فانبذ إليهم على مهل قاله الوليد بن مسلم \r\n والرابع فانبذ إليهم على عدل من غير حيف وأنشدوا ... فاضرب وجوه الغدر الأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء ... \r\n ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون \r\n قوله تعالى ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم ولا تحسبن بالتاء وكسر السين إلا أن عاصما فتح السين وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بالياء وفتح السين وفي الكافرين هاهنا قولان ","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":" أحدهما جميع الكفار قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين انهزموا يوم بدر ذكره محمد بن القاسم النحوي وغيره وسبقوا بمعنى فاتوا قال ابن الانباري وذلك أنهم أشفقوا من هلكة تنزل بهم في بعض الأوقات فلما سلموا منها قيل لا تحسبن أنهم فاتوا بسلامتهم الآن فانهم لا يعجزونا أي لا يفوتونا فيما يستقبلون من الأوقات \r\n قوله تعالى إنهم لا يعجزون قرأ الجمهور بكسر الألف وقرأ ابن عامر بفتحها وعلى قراءته اعتراض لقائل أن يقول إذا كان قد قرأ يحسبن بالياء وقرأ أنهم بالفتح فقد أقرهم على أنهم لا يعجزون ومتى علموا أنهم لا يعجزون لم يلاموا فقد أجاب عنه ابن الانباري فقال المعنى لا يحسبن الذين كفروا سبقوا لا يحسبن أنهم يعجزون ولا زائدة مؤكدة وقال أبو علي المعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا وآباءهم سبقوا لأنهم لا يفوتون فهم يجزون على كفرهم \r\n وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل يوف إليكم وأنتم لا تظلمون \r\n قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة في المراد بالقوة أربعة اقوال \r\n أحدها أنها الرمي رواه عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":" الحكم بن أبان هي النبل والثاني ذكور الخيل قاله عكرمة والثالث السلاح قاله السدي وابن قتيبة والرابع أنه كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد \r\n قوله تعالى ومن رباط الخيل يعني ربطها واقتناءها للغزو وهو عام في الذكور والإناث في قول الجمهور وكان عكرمة يقول المراد بقوله ومن رباط الخيل إناثها \r\n قوله تعالى ترهبون به روى رويس وعبد الوارث ترهبون بفتح الراء وتشديد الهاء أي تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم وهم مشركو مكة وكفار العرب \r\n قوله تعالى وآخرين من دونهم أي من دون كفار العرب واختلفوا فيهم على خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم الجن روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال هم الجن وإن الشيطان لا يخبل أحدا في داره فرس عتيق والثاني أنهم بنو قريظة قاله مجاهد والثالث أهل فارس قاله السدي والرابع المنافقون قاله ابن زيد والخامس اليهود قاله مقاتل \r\n وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":" قوله تعالى وإن جنحوا للسلم قرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين قال الزجاج السلم الصلح والمسالمة يقال سلم وسلم وسلم في معنى واحد أي إن مالوا إلى الصلح فمل إليه قال الفراء إن شئت جعلت لها كناية عن السلم لأنها تؤنث وإن شئت جعلتها للفعلة كقوله إن ربك من بعدها لغفور رحيم \r\n فان قيل لم قال لها ولم يقل إليها \r\n فالجواب أن اللام وإلى تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى وفيمن أريد بهذه الآية قولان \r\n أحدهما المشركون وأنها نسخت بآية السيف والثاني أهل الكتاب \r\n فان قيل إنها نزلت في ترك حربهم إذ بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة فهي محكمة \r\n وإن قيل نزلت في موادعتهم على غير جزية توجه النسخ لها بآية الجزية \r\n وإن يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو انفقت ما في الأرض ما جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم \r\n قوله تعالى وإن يريدوا قال مقاتل يعني يهود قريظة أن يخدعوك بالصلح لتكف عنهم حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك فان حسبك الله قال الزجاج فان الذي يتولى كفايتك الله هو الذي أيدك أي قواك وقال مقاتل قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر ","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":" قوله تعالى وألف بين قلوبهم يعني الأوس والخزرج وهم الأنصار كانت بينهم عداوة في الجاهلية فألف الله بينهم بالإسلام وهذا من أعجب الآيات لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة فلو أن رجلا لطم رجلا لقاتلت عنه قبيلته حتى تدرك ثأره فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه \r\n يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين \r\n قوله تعالى حسبك الله ومن اتبعك فيه قولان \r\n أحدهما حسبك الله وحسب من اتبعك هذا قول أبي صالح عن ابن عباس وبه قال ابن زيد ومقاتل والأكثرون \r\n والثاني حسبك الله ومتبعوك قاله مجاهد وعن الشعبي كالقولين \r\n وأجاز الفراء والزجاج الوجهين وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم تسعة وثلاثون ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فنزلت هذه الآية قال أبو سليمان الدمشقي هذا لا يحفظ والسورة مدنية باجماع والقول الأول أصح \r\n يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين \r\n قوله تعالى حرض المؤمنين على القتال قال الزجاج تأويله حثهم ","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":" وتأويل التحريض في اللغة أن يحث الإنسان على الشيء حثا يعلم معه أنه حارض إن تخلف عنه والحارض الذي قد قارب الهلاك \r\n قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين لفظ هذا الكلام لفظ الخبر ومعناه الأمر والمراد يقاتلوا مائتين وكان هذا فرضا في أول الأمر ثم نسخ بقوله لان خفف الله عنكم ففرض على الرجل أن يثبت لرجلين فان زادوا جاز له الفرار قال مجاهد وهذا التشديد كان في يوم بدر واتفق القراء على قوله إن يكن منكم فقرؤوا يكن بالياء واختلفوا في قوله وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا وفي قوله فان تكن منكم مائة صابرة فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بالتاء فيهما وقرأهما عاصم وحمزة والكسائي بالياء وقرأ أبو عمرو يكن منكم مائة يغلبوا بالياء فان تكن منكم مائة صابرة بالتاء قال الزجاج من أنث فللفظ المائة ومن ذكر فلأن المائة وقعت على عدد مذكر وقال أبو علي من قرأ بالياء فلأنه أريد منه المذكر بدليل قوله يغلبوا وكذلك المائة الصابرة هم رجال فقرؤوها بالياء لموضع التذكير فأما أبو عمرو فانه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله صابرة أنث الفعل ولما رأى يغلبوا مذكرا ذكر ومعنى الكلام إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون عند اللقاء يغلبوا مائتين لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم وأهل الشرك يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب فاذا صدقهم المؤمنون القتال لم يثبتوا وذلك معنى قوله لا يفقهون \r\n قوله تعالى وعلم وروى المفضل وعلم بضم العين أن فيكم ضعفا بضم الضاد وقرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد وكذلك خلافهم في الروم قال الفراء الضم لغة قريش والفتح لغة تميم قال الزجاج والمعنى في القراءتين ","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":" واحد يقال هو الضعف والضعف والمكث والمكث والفقر والفقر وفي اللغة كثير من باب فعل وفعل والمعنى واحد وقرأ أبو جعفر وعلم أن فيكم ضعفاء على فعلاء فأما قوله باذن الله فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلا بارادته \r\n ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض روى مسلم في افراده من حديث عمر بن الخطاب قال لما هزم الله المشركين يوم بدر وقتل منهم سبعون واسر منهم سبعون استشار النبي صلى الله عليه و سلم أبا بكر وعمر وعليا فقال أبو بكر يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله ما ترى ياابن الخطاب قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال النبي صلى الله عليه و سلم أبكي للذي عرض علي أصحابك من الفداء لقد عرض علي عذابكم ","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":" أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة فأنزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى إلى قوله عظيم \r\n وروي عن ابن عمر قال لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أنزل الله تعالى ما كان لنبي إلى قوله حلالا طيبا فلقي النبي صلى الله عليه و سلم عمر فقال كاد يصيبنا في خلافك بلاء فأما الأسرى فهو جمع أسير وقد ذكرناه في البقرة والجمهور قرؤوا أن يكون بالياء لأن الاسراء مذكرون وقرأ أبو عمرو أن تكون قال أبو علي أنث على لفظ الاسرى لأن الاسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنث اللفظ والأكثرون قرؤوا أسرى وكذلك لمن في أيديكم من الأسرى وقرأ أبو جعفر والمفضل أسارى في الموضعين ووافقهما أبو عمرو وأبان في الثاني قال الزجاج والإثخان في كل شيء قوة الشيء وشدته يقال قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه والمعنى حتى يبالغ في قتل أعدائه ويجوز أن يكون المعنى حتى يتمكن في الأرض قال المفسرون معنى الآية ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه للفداء أو المن قبل الإثخان في الارض وكانت غزاة ","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":" بدر أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد \r\n تريدون عرض الدنيا وهو المال وكان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قد فادوا يومئذ بأربعة آلاف أربعة آلاف وفي قوله والله يريد الآخرة قولان \r\n أحدهما يريد لكم الجنة قاله ابن عباس \r\n والثاني يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة ذكره الماوردي \r\n فصل \r\n وقد روي عن ابن عباس و مجاهد في آ خرين أن هذه الآية منسوخة بقوله فاما منا ب فداء وليس للنسخ وجه لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قلة فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى ويبين هذا قوله حتى يثخن في الأرض \r\n لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم \r\n قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق في معناه خمسة أقوال \r\n أحدها لولا أن الله كتب في أم الكتاب أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم فيما تعجلتم من المغانم والفداء يوم بدر قبل أن تؤمروا بذلك عذاب عظيم روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مقاتل وقال أبو هريرة تعجل ناس من المسلمين فأصابوا الغنائم فنزلت الآية \r\n والثاني لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب من أتى ذنبا على جهالة ","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":" لعوقبتم روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس وابن جريج عن مجاهد وقال ابن اسحاق سبق أن لا أعذب إلا بعد النهي ولم يكن نهاهم \r\n والثالث لولا ما سبق لأهل بدر أن الله لا يعذبهم لعذبتم قاله الحسن وابن جبير وابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والرابع لولا كتاب من الله سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ثم علم ما عليه فتاب ذكره الزجاج \r\n والخامس لولا القرآن الذي اقتضى غفران الصغائر لعذبتم ذكره الماوردي فيخرج في الكتاب قولان \r\n أحدهما أنه كتاب مكتوب حقيقة ثم فيه قولان أحدهما أنه ما كتبه الله في اللوح والمحفوظ والثاني أنه القرآن \r\n والثاني أنه بمعنى القضاء \r\n فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى فكلوا مما غنمتم قال الزجاج الفاء للجزاء والمعنى قد أحللت لكم الفداء فكلوا والحلال منصوب على الحال قال مقاتل إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها رحيم بكم إذ أحلها لكم فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم عمر بن الخطاب وخباب بن الأرت يوم بدر على القبض وقسمها ","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":" النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة وانطلق بالأسارى فيهم العباس وعقيل ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب فلم تحسب له من فدائه وكلف أن يفدي ابني أخيه فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب وقال النبي صلى الله عليه و سلم أضعفوا على العباس الفداء فأخذوا منه ثمانين أوقية وكان فداء كل أسير أربعين أوقية فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه و سلم لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي فقال له أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل فقال أي الذهب فقال إنك قلت لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فان حدث بي حدث فهو لك ولولدك فقال ابن أخي من أخبرك فقال الله أخبرني فقال العباس أشهد أنك صادق وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم وأمر ابني أخيه فأسلما وفيهم نزلت قل لمن في أيديكم من الأسارى الآية وروى العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في جميع من اسر يوم بدر وقال ابن زيد لما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه رجال فقالوا لولا أنا نخاف هؤلاء القوم لأسلمنا ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فلما كان يوم بدر قال المشركون لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستحللنا ماله فخرج أولئك القوم فقتلت طائفة منهم واسرت طائفة فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله فيهم الذين تتوفاهم الملائكة ظالمين أنفسهم وأما الذين أسروا فقالوا يا رسول الله أنت تعلم أنا كنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وإنما خرجنا مع هؤلاء خوفا منهم فذلك قوله قل لمن في أيديكم من الأسارى إلى قوله عليم حكيم فأما قوله إن يعلم الله في قلوبكم خيرا فمعناه إسلاما وصدقا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء وفيه قولان ","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":" أحدهما أكثر مما أخذ منكم والثاني أحل وأطيب وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة وابن أبي عبلة مما أخذ منكم بفتح الخاء يشيرون إلى الله تعالى وفي قوله ويغفر لكم قولان \r\n أحدهما يغفر لكم كفركم وقتالكم رسول الله قاله الزجاج \r\n والثاني يغفر لكم خروجكم مع المشركين قاله ابن زيد في تمام كلامه الأول \r\n وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى وإن يريدوا خيانتك يعني إن أراد الأسراء خيانتك بالكفر بعد الإسلام فقد خانوا الله من قبل إذ كفروا به قبل أسرهم وقال ابن زيد فقد خانوا بخروجهم مع المشركين وقد ذكرنا عنه أنها نزلت في قوم تكلموا بالإسلام وقال مقاتل المعنى إن خانوك أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما أمكنتك ببدر قال الزجاج والله عليم بخيانة إن خانوها حكيم في تدبيره عليهم ومجازاته إياهم \r\n إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله يعني المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم وقومهم في نصرة الدين ","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":" والذين آووا ونصروا يعني الأنصار آووا رسول الله وأسكنوا المهاجرين ديارهم ونصروهم على أعدائهم اولئك بعضهم أولياء بعض فيه قولان \r\n أحدهما في النصرة والثاني في الميراث \r\n قال المفسرون كانوا يتوارثون بالهجرة وكان المؤمن الذي لم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر وهو معنى قوله مالكم من ولايتهم من شيء قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم والكسائي ولايتهم بفتح الواو وقرأ حمزة بكسر الواو قال الزجاج المعنى ليس بينكم وبينهم ميراث حتى يهاجروا ومن كسر واو الولاية فهي بمنزلة الإمارة وإذا فتحت فهي من النصرة وقال يونس النحوي الولاية بالفتح لله عز و جل والولاية بالكسر من وليت الأمر وقال أبو عبيدة الولاية بالفتح للخالق والولاية للمخلوق قال ابن الانباري الولاية بالفتح مصدر الولي والولاية مصدر الوالي يقال ولي بين الولاية ووال بين الولاية فهذا هو الاختيار ثم يصلح في ذا ما يصلح في ذا وقال ابن فارس الولاية بالفتح النصرة وقد تكسر والولاية بالكسر السلطان \r\n فصل \r\n وذهب قوم إلى أن المراد بهذه الولاية موالاة النصر والمودة قالوا ونسخ هذا الحكم بقوله والمؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض فأما القائلون بأنها ولاية الميراث فقالوا نسخت بقوله وأولو الأحام بعضهم أولى ببعض ","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":" قوله تعالى وإن استنصروكم في الدين أي إن استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فانصروهم إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تغدروا بأرباب العهد وقال بعضهم لم يكن على المهاجر أن ينصر من لم يهاجر إلا أن يستنصره \r\n والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم \r\n قوله تعالى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فيه قولان \r\n أحدهما في الميراث قاله ابن عباس \r\n والثاني في النصرة قاله قتادة \r\n وفي قوله إلا تفعلوه قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى الميراث فالمعنى إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه يرجع إلى التناصر فالمعنى إلا تتعانوا وتتناصروا في الدين قاله ابن جريج وبيانه أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليا حقا ويتبرأ من الكافر جدا أدى ذلك إلى الضلال والفساد في الدين فاذا هجر المسلم أقاربه الكفار ونصر المسلمين كان ذلك أدعى لأقاربه الكفار إلى الإسلام وترك الشرك \r\n قوله تعالى وفساد كبير قرأ أبو هريرة وابن سيرين وابن السميفع كثير بالثاء ","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":" قوله تعالى أولئك هم المؤمنون حقا أي هم الذين حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة بخلاف من أقام بدار الشرك والرزق الكريم هو الحسن وذلك في الجنة \r\n والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم \r\n قوله تعالى والذين آمنوا من بعد أي من بعد المهاجرين الأولين قال ابن عباس هم الذين هاجروا بعد الحديبية \r\n قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض أي في المواريث بالهجرة قال ابن عباس آخى رسول النبي الله صلى الله عليه و سلم بين أصحابه وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء حتى نزلت هذه الآية فتوارثوا بالنسب \r\n قوله تعالى في كتاب الله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اللوح المحفوظ \r\n والثاني أنه القرآن وقد بين لهم قسمة الميراث في سورة النساء \r\n والثالث أنه حكم الله ذكره الزجاج ","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":" سورة التوبة \r\n براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين \r\n فصل في نزولها \r\n هي مدنية باجماعهم سوى الآيتين في آخرها لقد جاءكم رسول من أنفسكم فانها نزلت بمكة روى البخاري في صحيحه من حديث البراء قال آخر سورة نزلت براءة وقد نقل عن بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ هذه السورة فقال الأعرابي إني لأحسب هذه من آخر ما نزل من القرآن قيل له ومن أين علمت فقال إني لأسمع عهودا تنبذ ووصايا تنفذ \r\n فصل \r\n واختلفوا في أول ما نزل من براءة على ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن أول ما نزل منها قوله لقد نصركم الله في مواطن كثيرة قاله مجاهد ","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":" والثاني انفروا خفافا وثقالا قاله أبو الضحى وأبو مالك \r\n والثالث إلا تنصروه قاله مقاتل وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل منها بالمدينة فانهم قد قالوا نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة \r\n فصل \r\n ولها تسعة أسماء أحدها سورة التوبة والثاني براءة وهذان مشهوران بين الناس والثالث سورة العذاب قاله حذيفة والرابع المقشقشة قاله ابن عمر والخامس سورة البحوث لأنها بحثت عن سرائر المنافقين قاله المقداد بن الأسود والسادس الفاضحة لأنها فضحت المنافقين قاله ابن عباس والسابع المبعثرة لأنها بعثرت أخبار الناس وكشفت عن سرائرهم قاله الحاث بن يزيد وابن إسحاق والثامن المثيرة لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم قاله قتادة والتاسع الحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين قاله الزجاج \r\n فصل \r\n وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها رواه ابن عباس قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما بسم الله الرحمن الرحيم فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":" إذا أنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب فيقول ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يبين لنا أنها منها فظننا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم وذكر نحو هذا المعنى عن أبي بن كعب قال الزجاج والشبه الذي بينهما أن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نقضها وكان قتادة يقول هما سورة واحدة \r\n والثاني رواه محمد بن الحنفية قال قلت لأبي لم لم تكتبوا في براءة بسم الله الرحمن الرحيم فقال يا بني إن براءة نزلت بالسيف وإن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وسئل سفيان بن عيينة عن هذا فقال لأن التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين \r\n والثالث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما كتب في صلح الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم لم يقبلوها وردوها فما ردها الله عليهم قاله عبد العزيز بن يحيى المكي \r\n فصل \r\n فأما سبب نزولها فقال المفسرون أخذت العرب تنقض عهودا بنتها مع ","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":" رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمره الله تعالى بالقاء عهودهم إليهم فأنزل براءة في سنة تسع فبعث رسول الله أبا بكر أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج في تلك السنة وبعث معه صدرا من براءة ليقرأها على أهل الموسم فلما سار دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا فقال اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس بذلك فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم العضباء حتى أدرك أبا بكر فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني أما ترضى أنك كنت صاحبي في الغار وأنك صاحبى على الحوض قال بلى يا رسول الله فسار أبو بكر أميرا على الحج وسار علي ليؤذن ب براءة \r\n فصل \r\n وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله صلى الله عليه و سلم من أول براءة خمسة أقوال أحدها أربعون آية قاله علي عليه السلام والثاني ثلاثون آية قاله أبو هريرة والثالث عشر آيات قاله أبو صالح عن ابن عباس والرابع سبع آيات رواه ابن جريج عن عطاء والخامس تسع آيات قاله مقاتل \r\n فصل \r\n فان توهم متوهم أن في أخذ براءة من أبي بكر وتسليمها إلى علي تفضيلا لعلي على أبي بكر فقد جهل لأن النبي صلى الله عليه و سلم أجرى العرب في ذلك على عادتهم قال الزجاج وقد جرت عادة العرب في عقد عهدها ونقضها أن ","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":" يتولى ذلك على القبيلة رجل منها وجائز أن تقول العرب إذا تلا عليها نقض العهد من ليس من رهط النبي صلى الله عليه و سلم هذا خلاف ما نعراف فينا في نقض العهود فأزاح النبي صلى الله عليه و سلم العلة بما فعل وقال عمرو بن بحر ليس هذا بتفضيل لعلي على أبي بكر وإنما عاملهم بعادتهم المتعارفة في حل العقد وكان لا يتولى ذلك إلا السيد منهم أو رجل من رهطه دنيا كأخ أو عم وقد كان أبو بكر في تلك الحجة الإمام وعلي ياتم به وأبو بكر الخطيب وعلي يسمع وقال أبو هريرة بعثني أبو بكر في تلك الحجة مع المؤذنين الذين بعثهم يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فأذن معنا علي ب براءة وبذلك الكلام وقال الشعبي بعث رسول الله عليا يؤذن بأربع كلمات ألا لا يحج بعد العام مشرك ألا ولا يطوف بالبيت عريان ألا ولا يدخل الجنة إلا مسلم ألا ومن كانت بينه وبين محمد مدة فأجله إلى مدته والله بريء من المشركين ورسوله \r\n فصل \r\n فأما التفسير فقوله تعالى براءة قال الفراء هي مرفوعة باضمار هذه ومثله سورة أنزلناها وقال الزجاج يقال برئت من الرجل والدين براءة وبرئت من المرض وبرأت أيضا أبرأ برءا وقد رووا برأت أبرؤ بروءا ولم نجد في مالامه همزة فعلت أفعل إلا هذا الحرف ويقال بريت القلم وكل شيء نحته أبريه بريا غير مهموز وقرأ أبو رجاء ومورق وابن يعمر براءة بالنصب قال المفسرون والبراءة هاهنا قطع الموالاة ","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":" وارتفاع العصمة وزوال الأمان والخطاب في قوله إلى الذين عاهدتم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والمراد رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه هو الذي كان يتولى المعاهدة وأصحابه راضون فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضا وهذا عام في كل من عاهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال مقاتل هم ثلاثة أحياء من العرب خزاعة وبنو مدلج وبنو خزيمة \r\n فسيحوا في الأرض أربعة اشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين \r\n قوله تعالى فسيحوا في الأرض أي انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم منا مكروه \r\n إن قال قائل هذه مخاطبة شاهد والآية الأولى إخبار عن غائب فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب قال عنترة ... شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم ... \r\n هذا قول أبي عبيدة \r\n والثاني أن في الكلام إضمارا تقديره فقل لهم سيحوا في الارض أي اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا وهذا قول الزجاج \r\n واختلفوا فيمن جعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال ","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":" أحدها أنها أمان لأصحاب العهد فمن كان عهده أكثر منها حط إليها ومن كان عهده أقل منها رفع إليها ومن لم يكن له عهد فأجله انسلاح المحرم خمسون ليلة قاله ابن عباس وقتادة والضحاك \r\n والثاني أنها للمشركين كافة من له عهد ومن ليس له عهد قاله مجاهد والزهري والقرظي \r\n والثالث أنها أجل لمن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد آمنه أقل من أربعة أشهر أو كان أمانه غير محدود فأما من لا أمان له فهو حرب قاله ابن اسحاق \r\n والرابع أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد فأما أرباب العهود فهم على عهودهم إلى حين انقضاء مددهم قاله ابن السائب ويؤكده ما روي أن عليا نادى يومئذ ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته وفي بعض الألفاظ فأجله أربعة أشهر واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم قاله ابن عباس \r\n والثاني أن أولها يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر وآخرها العاشر من ربيع الآخر قاله مجاهد والسدي والقرظي \r\n والثالث أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال قاله الزهري قال أبو سليمان الدمشقي وهذا أضعف الأقوال لأنه لو كان كذلك لم يجز تأخير إعلامهم به إلى ذي الحجة إذ كان لا يلزمهم الأمر إلا بعد الإعلام \r\n والرابع أن أولها العاشر من ذي القعدة وآخرها العاشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر ","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":" من ذي الحجة وفيها حج رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال إن الزمان قد استدار ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى واعلموا أنكم غير معجزي الله أي وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله \r\n قوله تعالى وأن الله مخزي الكافرين قال الزجاج الأجود فتح أن على معنى اعلموا أن ويجوز كسرها على الاستئناف وهذا ضمان من الله نصرة المؤمنين على الكافرين \r\n وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فان تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":" قوله تعالى وأذان من الله ورسوله أي إعلام ومنه أذان الصلاة وقرأ الضحاك وأبو المتوكل وعكرمة والجحدري وابن يعمر وإذن بكسر الهمزة وقصرها ساكنة الذال من غير ألف \r\n قوله تعالى إلى الناس أي للناس يقال هذا إعلام لك وإليك والناس هاهنا عام في المؤمنين والمشركين وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم عرفة قاله عمر بن الخطاب وابن الزبير وأبو جحيفة وطاووس وعطاء \r\n والثاني يوم النحر قاله أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وعبد الله ابن أبي أوفى وابن المسيب وابن جبير وعكرمة والشعبي والنخعي والزهري وابن زيد والسدي في آخرين وعن علي وابن عباس كالقولين \r\n والثالث أنه أيام الحج كلها فعبر عن الأيام باليوم قاله سفيان الثوري قال سفيان كما يقال يوم بعاث ويوم الجمل ويوم صفين يراد به أيام ذلك لا كل حرب من هذه الحروب دامت أياما وعن مجاهد كالأقوال الثلاثة \r\n وفي تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه سماه بذلك لأنه اتفق في سنة حج فيها المسلمون والمشركون ووافق ذلك عيد اليهود والنصارى قاله الحسن \r\n والثاني أن الحج الأكبر هو الحج والأصغر هو العمرة قاله عطاء والشعبي \r\n والثالث أن الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد قاله مجاهد \r\n قوله تعالى إن الله بريء وقرأ الحسن ومجاهد وابن يعمر إن الله بكسر الهمزة من المشركين أي من عهد المشركين فحذف المضاف ","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":" ورسوله رفع على الابتداء وخبره مضمر على معنى ورسوله أيضا بريء وقرأ أبو رزين وأبو مجلز وأبو رجاء ومجاهد وابن يعمر وزيد عن يعقوب ورسوله بالنصب ثم رجع إلى خطاب المشركين بقوله فان تبتم أي رجعتم عن الشرك وإن توليتم عن الإيمان \r\n إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين \r\n قوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين قال أبو صالح عن ابن عباس فلما قرأ علي براءة قالت بنو ضمرة ونحن مثلهم أيضا قال لا لأن الله تعالى قد استثناكم ثم قرأ هذه الآية وقال مجاهد هم قوم كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم عهد ومدة فأمر أن يفي لهم قال الزجاج معنى الكلام وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم فليسوا داخلين في البراءة مالم ينقضوا العهد قال القاضي أبو يعلى وفصل الخطاب في هذا الباب أنه قد كان بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين جميع المشركين عهد عام وهو أن لا يصد أحد عن البيت ولا يخاف أحد في الشهر الحرام فجعل الله عهدهم أربعة اشهر وكان بينه وبين أقوام منهم عهود إلى آجال مسماة فأمر بالوفاء لهم وإتمام مدتهم إذا لم يخش غدرهم \r\n فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":" قوله تعالى فاذا انسلخ الأشهر الحرم فيها قولان \r\n أحدهما أنها رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم قاله الأكثرون \r\n والثاني أنها الأربعة الأشهر التي جعلت لهم فيها السياحة قاله الحسن في آخرين فعلى هذا سميت حرما لأن دماء المشركين حرمت فيها \r\n قوله تعالى فاقتلوا المشركين أي من لم يكن له عهد حيث وجدتموهم قال ابن عباس في الحل والحرم والأشهر الحرم \r\n قوله تعالى وخذوهم أي ائسروهم والأخيذ الأسير واحصروهم أي احبسوهم والحصر الحبس قال ابن عباس إن تحصنوا فاحصروهم \r\n قوله تعالى واقعدوا لهم كل مرصد قال الأخفش أي على كل مرصد فألقى على واعمل الفعل قال الشاعر ... نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور ... \r\n المعنى نغالي باللحم فحذف الباء كما حذف على وقال الزجاج كل مرصد ظرف كقولك ذهبت مذهبا فلست تحتاج أن تقول في هذه الآية إلا ما تقوله في الظروف مثل خلف وقدام \r\n قوله تعالى فان تابوا أي من شركهم \r\n وفي قوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة قولان \r\n أحدهما اعترفوا بذلك والثاني فعلوه \r\n فصل \r\n واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال ","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":" أحدها أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم ثم نسخ بقوله فاما منا بعد وإما فداء قاله الحسن وعطاء في آخرين \r\n والثاني بالعكس وأنه كان الحكم في الأسارى أنه لا يجوز قتلهم صبرا وإنما يجوز المن أو الفداء بقوله فاما منا بعد وإما فداء ثم نسخ بقوله فاقتلوا المشركين قاله مجاهد وقتادة \r\n والثالث أن الآيتين محكمتان والأسير إذا حصل في يد الإمام فهو مخير إن شاء من عليه وإن شاء فاداه وإن شاء قتله صبرا أي ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعل هذا قول جابر بن زيد وعليه عامة الفقهاء وهو قول الإمام أحمد \r\n وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون \r\n قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك قال المفسرون وإن أحد من المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن يسمع القرآن وينظر فيما أمر به ونهي عنه فأجره ثم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه \r\n وفي قوله ذلك بأنهم قوم لا يعلمون قولان \r\n أحدهما أن المعنى ذلك الذي أمرناك به من أن يعرفوا ويجاروا لجهلهم بالعلم \r\n والثاني ذلك الذي أمرناك به من رده إلى مأمنه إذا امتنع من الإيمان لأنهم قوم جهلة بخطاب الله \r\n كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":" قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد أي لا يكون لهم ذلك إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم بنو ضمرة قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم قريش قاله ابن عباس أيضا وقال قتادة هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله صلى الله عليه و سلم زمن الحديبية فنكثوا وظاهروا المشركين \r\n والثالث أنهم خزاعة قاله مجاهد وذكر أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما صالح سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية كتب بينه وبينه هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال ولا إغلال وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه وأنه من أتى قريشا من اصحاب محمد لم يردوه وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا وأصحابه ويدخل علينا في قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب فوثبت خزاعة فقالوا نحن ندخل في عهد محمد وعقده ووثبت بنو بكر فقالوا نحن ندخل في عهد قريش وعقدها ثم إن قريشا أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح فبيتوا خزاعة ليلا فقتلوا منهم عشرين رجلا ثم إن قريشا ندمت على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للعهد والمدة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم وخرج قوم من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبروه بما أصابهم فخرج إليهم وكانت غزاة الفتح قال أبو عبيدة الإسلال السرقة والإغلال الخيانة قال ابن الأعرابي وقوله وأن بيننا عيبة مكفوفة مثل أراد أن صلحنا ","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":" محكم مستوثق منه كأنه عيبة مشرجة وزعم بعض المفسرين أن قوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام نسخ بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم \r\n كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون \r\n قوله تعالى كيف وإن يظهروا عليكم قال الزجاج المعنى كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم فحذف ذلك لأنه قد سبق قال الشاعر ... وخبرتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وهذي هضبة وقليب ... \r\n أي فكيف مات وليس بقرية ومثله قول الحطيئة ... فكيف ولم أعلمهم خذلوكم ... على معظم ولا أديمكم قدوا ... \r\n أي فكيف تلومونني على مدح قوم واستغني عن ذكر ذلك لأنه قد جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمر وقوله يظهروا يعني يقدروا ويظفروا \r\n وفي قوله لا يرقبوا ثلاثة اقوال \r\n أحدها لا يحفظوا والثاني لا يخافوا قاله السدي والثالث لا يراعوا قاله قطرب \r\n وفي الإل خمسة أقوال ","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":" أحدها أنه القرابة رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال الضحاك والسدي ومقاتل والفراء وأنشدوا \r\n إن الوشاة كثير إن أطعتهم ... لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما ... \r\n وقال الآخر ... لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب من رأل النعام ... \r\n والثاني أنه الجوار قاله الحسن \r\n والثالث أنه الله تعالى رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة \r\n والرابع أنه العهد رواه خصيف عن مجاهد وبه قال ابن زيد وأبو عبيدة \r\n والخامس أنه الحلف قاله قتادة وقرأ عبد الله بن عمرو وعكرمة وأبو رجاء وطلحة بن مصرف إيلا بياء بعد الهمزة وقرأ ابن السميفع والجحدري ألا بفتح الهمزة وتشديد اللام وفي المراد بالذمة ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها العهد قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك في آخرين \r\n والثاني التذمم ممن لا عهد له قاله أبو عبيدة وأنشد ... لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما ... \r\n والثالث الأمان قاله اليزيدي واستشهد بقوله ويسعى بذمتهم أدناهم ","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":" قوله تعالى يرضونكم بأفواههم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها يرضونكم بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر \r\n والثاني يرضونكم بأفواههم في العدة بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك \r\n والثالث يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية ذكرهن الماوردي \r\n قوله تعالى وأكثرهم فاسقون قال ابن عباس خارجون عن الصدق ناكثون للعهد \r\n إشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون \r\n قوله تعالى اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا في المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه قاله مجاهد \r\n والثاني أنهم قوم من اليهود قاله أبو صالح فعلى الأول آيات الله حججه وعلى الثاني هي آيات التوراة والثمن القليل ما حصلوه بدلا من الآيات وفي وصفه بالقليل وجهان \r\n أحدهما لأنه حرام والحرام قليل والثاني لأنه من عرض الدنيا الذي بقاؤه قليل وفي قوله فصدوا عن سبيله ثلاثة اقوال \r\n أحدها عن بيته وذلك حين منعوا النبي صلى الله عليه و سلم بالحديبية دخول مكة والثاني عن دينه يمنع الناس منه والثالث عن طاعته في الوفاء بالعهد ","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":" وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون \r\n قوله تعالى وإن نكثوا أيمانهم قال ابن عباس نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة ابن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يسير إليهم فينصر خزاعة وهم الذين هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه و سلم فأما النكث فمعناه النقض والإيمان هاهنا العهود والطعن في الدين أن يعاب وهذا يوجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام لأن المأخوذ عليه أن لا يطعن فيه \r\n قوله تعالى فقاتلوا أئمة الكفر قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أئمة بتحقيق الهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتليين الثانية والمراد بأئمة الكفر رؤوس المشركين وقادتهم أنهم لا أيمان لهم أي لا عهود لهم صادقة هذا على قراءة من فتح الألف وهم الأكثرون وقرأ ابن عامر لا إيمان لهم بالكسر وفيها وجهان ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان والثاني لا أمان لهم تقول آمنته إيمانا والمعنى فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم ","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":" وفي قوله لعلهم ينتهون قولان \r\n أحدهما عن الشرك والثاني عن نقض العهود \r\n وفي لعل قولان \r\n احدهما أنها بمعنى الترجي المعنى ليرجى منهم الانتهاء قاله الزجاج \r\n والثاني أنها بمعنى كي قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n الا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى ألا تقاتلون قوما قال الزجاج هذا على وجه التوبيخ ومعناه الحض على قتالهم قال المفسرون وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة \r\n وفي قوله وهموا باخراج الرسول قولان \r\n أحدهما أنهم أبو سفيان في جماعة من قريش كانوا فيمن هم باخراج النبي صلى الله عليه و سلم من مكة \r\n والثاني انهم قوم من اليهود غدروا برسول الله صلى الله عليه و سلم ونقضوا عهده وهموا بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة \r\n قوله تعالى وهم بدؤوكم أول مرة فيه قولان \r\n أحدهما بدؤوكم باعانتهم على حلفائكم قاله ابن عباس \r\n والثاني بالقتال يوم بدر قاله مقاتل ","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":" قوله تعالى أتخشونهم قال الزجاج أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه \r\n قوله تعالى ويشف صدور قوم مؤمنين قال ابن عباس ومجاهد يعني خزاعة \r\n قوله تعالى ويذهب غيظ قلوبهم أي كربها ووجدها بمعونة قريش بني بكر عليها \r\n قوله تعالى ويتوب الله على من يشاء قال الزجاج هو مستأنف وليس بجواب قاتلوهم وفيمن عني به قولان \r\n أحدهما بنو خزاعة والمعنى ويتوب الله على من يشاء من بني خزاعة قاله عكرمة \r\n والثاني أنه عام في المشركين كما تاب على أبي سفيان وعكرمة وسهيل والله عليم بنيات المؤمنين حكيم فيما قضى \r\n أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون \r\n قوله تعالى أم حسبتم أن تتركوا في المخاطب بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم المؤمنون خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال قاله الأكثرون \r\n والثاني أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم الخروج معه إلى الجهاد تعذيرا قاله ابن عباس وإنما دخلت الميم في الاستفهام لأنه استفهام ","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":" معترض في وسط الكلام فدخلت لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ قال الفراء ولو أريد به الابتداء لكان إما بالألف أو ب هل ومعنى الكلام أن تتركوا بغير امتحان يبين به الصادق من الكاذب ولما يعلم الله أي ولم تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم وقد كان يعلم ذلك غيبا فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل \r\n فأما الوليجة فقال ابن قتيبة هي البطانة من غير المسلمين وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ووادا وأصله من الولوج قال أبو عبيدة وكل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم \r\n ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلواة وآتى الزكواة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين \r\n قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله قرأ ابن كثير وأبو عمرو مسجد الله على التوحيد إنما يعمر مساجد الله على الجمع وقرأ عاصم ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي على الجمع فيهما وسبب نزولها أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب فأقبل عليهم نفر من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فعيروهم بالشرك وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم وقطيعة الرحم فقال العباس مالكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا فقالوا وهل لكم من محاسن قالوا ","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":" نعم لنحن أفضل منكم أجرا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني فنزلت هذه الآية قاله مقاتل في جماعة \r\n وفي المراد بالعمارة قولان \r\n أحدهما دخوله والجلوس فيه والثاني البناء له وإصلاحه فكلاهما محظور على الكافر والمراد من قوله ما كان للمشركين أي يجب على المسلمين منعهم من ذلك قال الزجاج وقوله شاهدين حال المعنى ما كانت لهم عمارته في حال إقرارهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم لأن كفرهم اذهب ثوابها \r\n فان قيل كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر وهم يعتقدون أنهم على الصواب فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه قول اليهودي أنا يهودي وقول النصراني أنا نصراني قاله السدي \r\n والثاني أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله عليه و سلم وهو حق لا يخفى على مميز فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه \r\n والثالث أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه و سلم بالتصديق وحرضوا على اتباعه فلما آمنوا بهم وكذبوه دلوا على كفرهم وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر لأن الشهادة هي تبيين وإظهار ذكرهما ابن الانباري \r\n فان قيل ما وجه قوله إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ولم يذكر الرسول والإيمان لا يتم إلا به فالجواب أن فيه دليلا على الرسول لقوله واقام الصلاة أي الصلاة التي جاء بها الرسول قاله الزجاج فان قيل فعسى ترج وفاعل هذه الخصال مهتد بلا شك فالجواب أن عسى ","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":" من الله واجبة قاله ابن عباس فان قيل قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات فالجواب أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة كان من أهل عمارتها وليس المراد أن من عمرها كان بهذه الصفة \r\n أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم \r\n قوله تعالى أجعلتم سقاية الحاج في سبب نزولها ستة اقوال \r\n أحدها رواه مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير قال كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال الآخر ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند مبز رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يوم الجمعة ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه فنزلت هذه الآية ","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":" والثاني أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني فنزلت هذه الآية رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أن المشركين قالوا عمارة بيت الله الحرام والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله فنزلت هذه الآية رواه عطية العوفي عن ابن عباس \r\n والرابع أن عليا والعباس وطلحة يعني سادن الكعبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ولوأشاء بت فيه وقال العباس أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد وقال علي ما أدري ما تقولون لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت هذه الآية قاله الحسن والشعبي والقرظي \r\n والخامس أنهم لما أمروا بالهجرة قال العباس أنا أسقي الحاج وقال طلحة أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فنزلت هذه الآية والتي بعدها قاله مجاهد هكذا ذكر مجاهد وإنما الصواب عثمان بن طلحة لأن طلحة هذا لم يسلم \r\n والسادس أن عليا قال للعباس ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه و سلم فقال ألست في أفضل من الهجرة ألست أسقي حاج بيت الله واعمر المسجد الحرام فنزلت هذه الآية والتي بعدها قاله المرة الهمداني وابن سيرين قال الزجاج ومعنى الآية أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله فحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه قال الحسن كان ينبذ زبيب فيسقون ","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":" الحاج في الموسم وقال ابن عباس عمارة المسجد تجميره وتخليقه فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك وسماهم ظالمين لشركهم \r\n قوله تعالى أعظم درجة قال الزجاج هو منصوب على التمييز والمعنى أعظم من غيرهم درجة والفائز الذي يظفر بأمنيته من الخير فأما النعيم فهو لين العيش والمقيم الدائم \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وأخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون \r\n قوله تعالى لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أنه لما أمر المسلمون بالهجرة جعل الرجل يقول لأهله إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته فيقولون ننشدك الله أن تدعنا إلى غير شيء فيرق قلبه فيجلس معهم فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة قال المسلمون يا نبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا آباءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخربت ديارنا فنزلت هذه الآية قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أنه لما قال العباس أنا أسقي الحاج وقال طلحة أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر نزلت هذه الآية والتي قبلها هذا قول قتادة وقد ذكرناه عن مجاهد \r\n والرابع أن نفرا ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله عن ولايتهم وأنزل هذه الآية قاله مقاتل ","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":" والخامس أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة خزاعة على قريش قال أبو بكر الصديق يا رسول الله نعاونهم على قومنا فنزلت هذه الآية ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين \r\n قوله تعالى قل إن كان آباؤكم الآية في سبب نزولها ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها نزلت في الذين تخلفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن علي بن أبي طالب قدم مكة فقال لقوم ألا تهاجرون فقالوا نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا فنزلت هذه الآية قاله ابن سيرين \r\n والثالث أنه لما نزلت الآية التي قبلها قالوا يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا آباءنا وعشيرتنا وذهبت تجارتنا وخربت ديارنا فنزلت هذه الآية ذكره بعض المفسرين في هذه الآية وذكره بعضهم في الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس فأما العشيرة فهم الأقارب الأدنون وروى أبو بكر عن عاصم وعشيراتكم على الجمع قال أبو علي وجهه أن كل واحد من المخاطبين له عشيرة فاذا جمعت قلت عشيراتكم وحجة من افرد أن العشيرة واقعة على الجمع فاستغنى بذلك عن جمعها وقال الأخفش لا تكاد ","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":" العرب تجمع عشيرة عشيرات إنما يجمعونها على عشائر والاقتراف بمعنى الاكتساب والتربص الانتظار \r\n وفي قوله حتى يأتي الله بأمره قولان \r\n أحدهما أنه فتح مكة قاله مجاهد والأكثرون ومعنى الآية إن كان المقام في أهاليكم وكانت الأموال التي اكتسبتموها وتجارة تخشون كسادها لفراقكم بلدكم ومساكن ترضونها أحب إليكم من الهجرة فأقيموا غير مثابين حتى تفتح مكة فيسقط فرض الهجرة \r\n والثاني أنه العقاب قاله الحسن \r\n لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين \r\n قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة أي في أماكن قال الفراء وكل جمع كانت فيه الف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يجر مثل صوامع ومساجد وجرى حنين لأنه اسم لمذكر وهو واد بين مكة والطائف وإذا سميت ماء أو واديا أو جبلا باسم مذكر لا علة فيه أجريته من ذلك حنين وبدر وحراء وثبير ودابق ومعنى الآية أن الله عز و جل أعلمهم أنهم إنما يغلبون بنصر الله لا بكثرتهم وفي عددهم يوم حنين أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا ستة عشر ألفا رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني عشرة آلاف رواه أبو صالح عن ابن عباس ","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":" والثالث كانوا اثني عشر ألفا قاله قتادة وابن زيد وابن إسحاق والواقدي \r\n والرابع أحد عشر ألفا وخمسمائة قاله مقاتل قال ابن عباس فقال ذلك اليوم سلمة بن سلامة بن وقش وقد عجب لكثرة الناس لن تغلب اليوم من قلة فساء رسول الله صلى الله عليه و سلم كلامه ووكلوا إلى كلمة الرجل فذلك قوله إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم شيئا وقال سعيد بن المسيب القائل لذلك أبو بكر الصديق وحكى ابن جرير أن القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل بل العباس وقيل رجل من بني بكر \r\n قوله تعالى وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي برحبها قال الفراء والباء هاهنا بمنزلة في كما تقول ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها \r\n الإشارة إلى القصة \r\n قال أهل العلم بالسيرة لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة تآمر عليه أشراف هوازن وثقيف فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس وأجمعوا المسير إليه فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما التقوا أعجبتهم كثرتهم فهزموا \r\n وقال البراء بن عازب لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فأقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعضهم يقول ","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":" ثبت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ جماعة من أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحارث \r\n وبعضهم يقول لم يبق معه سوى العباس وأبي سفيان فجعل النبي يقول للعباس ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة يا أصحاب سورة البقرة فنادى وكان صيتا فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون يا لبيك فنظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى قتالهم فقال الآن حمي الوطيس أنا النبي لا كذب انا ابن عبد المطلب ثم قال للعباس ناولني الحصيات فناوله فقال شاهت الوجوه ورمى بها وقال انهزموا ورب الكعبة فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا وقيل أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم كفا من تراب فرماهم به فانهزموا وكانوا يقولون ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه بالتراب \r\n ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ثم أنزل الله سكينته أي بعد الهزيمة قال أبو عبيدة هي فعليه من السكون وأنشد ","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":" لله قبر غالها ماذا يجن ... لقد أجن سكينة ووقارا ... \r\n وكذلك قال المفسرون الأمن والطمأنينة \r\n قوله تعالى وأنزل جنودا لم تروها قال ابن عباس يعني الملائكة وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال \r\n أحدها ستة عشر ألفا قاله الحسن والثاني خمسة آلاف قاله سعيد ابن جبير والثالث ثمانية قاله مجاهد يعني ثمانية آلاف وهل قاتلت الملائكة يومئذ أم لا فيه قولان \r\n وفي قوله وعذب الذين كفروا أربعة أقوال \r\n أحدها بالقتل قاله ابن عباس والسدي والثاني بالقتل والهزيمة قاله ابن أبزى ومقاتل والثالث بالخوف والحذر ذكره الماوردي والرابع بالقتل والأسر وسبي الأولاد وأخذ الأموال ذكره بعض ناقلي التفسير \r\n قوله تعالى ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء أي يوفقه للتوبة من الشرك \r\n يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم \r\n قوله تعالى إنما المشركون نجس قال أبو عبيدة معناه قذر قال الزجاج يقال لكل شيء مستقذر نجس وقال الفراء لا تكاد العرب تقول نجس إلا وقبلها رجس فاذا أفردوها قالوا نجس ","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":" وفي المراد بكونهم نجسا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أنجاس الأبدان كالكلب والخنزير حكاه الماوردي عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وروى ابن جرير عن الحسن قال من صافحهم فليتوضأ \r\n والثاني أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة وإن لم تكن أبدانهم أنجاسا قاله قتادة \r\n والثالث أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاس صاروا بحكم الاجتناب كالأنجاس وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح \r\n قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام قال أهل التفسير يريد جميع الحرم بعد عامهم هذا وهو سنة تسع من الهجرة وهي السنة التي حج فيها أبو بكر وقرئت براءة وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية وأنه يحرم عليهم دخول الحرم وهو قول مالك والشافعي واختلفت الرواية عنه في دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد فروي عنه المنع أيضا إلا لحاجة كالحرم وهو قول مالك وروي عنه جواز ذلك وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز لهم دخول المسجد الحرام وسائر المساجد \r\n قوله تعالى وإن خفتم عيلة وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود والشعبي وابن السميفع عايلة قال سعيد بن جبير لما نزلت إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا شق على المسلمين وقالوا من يأتينا بطعامنا وكانوا يقدمون عليهم بالتجارة فنزلت وإن خفتم عيلة الآية قال الأخفش العيلة الفقر يقال عال يعيل عيلة إذا افتقر وأعال إعالة فهو ","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":" يعيل إذا صار صاحب عيال وقال أبو عبيدة العيلة هاهنا مصدر عال فلان إذا افتقر وأنشد ... وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل ... \r\n وللمفسرين في قوله وإن قولان \r\n أحدهما أنها للشرط وهو الأظهر \r\n والثاني أنها بمعنى وإذ قاله عمرو بن فايد قالوا وإنما خاف المسلمون الفقر لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم ويجيئون بالطعام وغيره \r\n وفي قوله فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم فكثر خيرهم قاله عكرمة \r\n والثاني أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب قاله قتادة والضحاك \r\n والثالث أن أهل نجد وجرش وأهل صنعاء أسلموا فحملوا الطعام إلى مكة على الظهر فأغناهم الله به قاله مقاتل \r\n قوله تعالى إن الله عليم قال ابن عباس عليم بما يصلحكم حكيم فيما حكم في المشركين ","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون \r\n قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قال المفسرون نزلت في اليهود والنصارى قال الزجاج ومعناها لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين لأنهم أقروا بأنه خالقهم وأنه له ولد وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون وقال الماوردي إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه وهم لا يقرون بها فكانوا كمن لا يقر به \r\n قوله تعالى ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله قال سعيد بن جبير يعني الخمر والخنزير \r\n قوله تعالى ولا يدينون دين الحق في الحق قولان \r\n أحدهما أنه اسم الله فالمعنى دين الله قاله قتادة \r\n والثاني أنه صفة للدين والمعنى ولا يدينون الدين الحق فاضاف الاسم إلى الصفة وفي معنى يدينون قولان ","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":" أحدهما أنه بمعنى الطاعة والمعنى لا يطيعون الله طاعة حق قاله أبو عبيدة والثاني أنه من دان الرجل يدين كذا إذا التزمه ثم في جملة الكلام قولان \r\n أحدهما أن المعنى لا يدخلون في دين محمد صلى الله عليه و سلم لأنه ناسخ لما قبله \r\n والثاني لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى حتى يعطوا الجزية قال ابن الانباري الجزية الخراج المجعول عليهم سميت جزية لانها قضاء لما عليهم أخذ من قولهم جزى يجزي إذا قضى ومنه قوله تعالى لا تجزى نفس عن نفس شيئا وقوله ولا تجزي عن أحد بعدك وفي قوله عن يد ستة اقوال \r\n أحدها عن قهر قاله قتادة والسدي وقال الزجاج عن قهر وذل \r\n والثاني أنه النقد العاجل قاله شريك وعثمان بن مقسم \r\n والثالث أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء لا إعطاء المكافئ قاله ابن قتيبة \r\n والرابع أن المعنى عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم \r\n والخامس عن إنعام عليهم بذلك لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم حكاهما الزجاج \r\n والسادس يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم ذكره الماوردي ","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":" قوله تعالى وهم صاغرون الصاغر الذليل الحقير \r\n وفي ما يكلفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال \r\n أحدها أن يمشوا بها ملببين رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن لا يحمدوا على إعطائهم قاله سلمان الفارسي والثالث أن يكونوا قياما والآخذ جالسا قاله عكرمة والرابع أن دفع الجزية هو الصغار والخامس أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار \r\n فصل \r\n واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار فالمشهور عن أحمد أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس وبه قال الشافعي ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم فالعرب إن أسلموا وإلا السيف وأولئك إن أسلموا وإلا الجزية فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط وهو قول أبي حنيفة ومالك \r\n فصل \r\n فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية فهم أهل القتال فأما الزمن والأعمى والمفلوج والشيخ الفاني والنساء والصبيان والراهب الذي لا يخالط الناس فلا تؤخذ منهم ","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":" فصل \r\n فأما مقدارها فقال أصحابنا على الموسر ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر وهو قول أبي حنيفة وقول مالك على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما وسواء في ذلك الغني والفقير وقال الشافعي على الغني والفقير دينار وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم نقل الأثرم عن أحمد أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم فظاهر هذا أنها على اجتهاد الإمام ورأيه ونقل يعقوب بن بختان أنه لا يجوز للامام أن ينقص من ذلك وله أن يزيد \r\n فصل \r\n ووقت وجوب الجزية آخر الحول وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب في أول الحول فأما إذا دخلت سنة في سنة فهل تسقط جزية السنة الماضية عندنا لا تسقط وقال أبو حنيفة تسقط فأما إذا أسلم فانها تسقط بالإسلام فأما إن مات فكان ابن حامد يقول لا تسقط وقال القاضي أبو يعلى يحتمل أن تسقط \r\n وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون \r\n 423 ","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":" قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحمزة عزير ابن الله بغير تنوين وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وعبد الوارث عن أبي عمرو منونا قال مكي بن أبي طالب من نون عزيرا رفعه على الابتداء وابن خبره ولا يحسن حذف التنوين على هذا من عزير لالتقاء الساكنين ولا تحذف ألف ابن من الخط ويكسر التنوين لالتقاء الساكنين ومن لم ينون عزيرا جعله أيضا مبتدأ وابن صفة له فيحذف التنوين على هذا استخفافا لالتقاء الساكنين ولأن الصفة مع الموصوف كالشيء الواحد وتحذف ألف ابن من الخط والخبر مضمر تقديره عزير بن الله نبينا وصاحبنا وسبب نزولها أن سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال ابن عمر وابن جريج إن القائل لذلك فنحاص فأما العزير فقال شيخنا أبو منصور اللغوي هو اسم أعجمي معرب وإن وافق لفظ العربية فهو عبراني كذا قرأته عليه وقال مكي بن أبي طالب العزير عند كل النحويين عربي مشتق من قوله يعزروه وقال ابن عباس إنما قالوا ذلك لأنهم لما علموا بغير الحق أنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم فدعا عزير الله تعالى فعاد إليه الذي نسخ من صدروهم ونزل نور من السماء فدخل جوفه فأذن في قومه فقال قد آتاني الله التوراة فقالوا ما أوتيها إلا لأنه ابن الله وفي رواية عن ابن عباس أن بختنصر ","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":" لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير غلاما فتركه فلما توفي عزير ببابل ومكث مائة عام ثم بعثه الله تعالى إلى بني اسرائيل فقال أنا عزير فكذبوه وقالوا قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل فان كنت عزيرا فأملل علينا التوراة فكتبها لهم فقالوا هذا ابن الله \r\n وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم جميع بني اسرائيل روي عن ابن عباس والثاني طائفة من سلفهم قاله الماوردي والثالث جماعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيهم قولان \r\n أحدهما فنحاص وحده وقد ذكرناه عن ابن عمر وابن جريج \r\n والثاني الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس \r\n فان قيل إن كان قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم فعنه جوابان \r\n أحدهما أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة تقول العرب جئت من البصرة على البغال وإن كان لم يركب إلا بغلا واحدا \r\n والثاني أن من لم يقله لم ينكره \r\n قوله تعالى وقالت النصارى المسيح ابن الله في سبب قولهم هذا قولان \r\n أحدهما لكونه ولد من غير ذكر \r\n والثاني لأنه أحيى الموتى وأبرأ الكمة والبرص وقد شرحنا هذا المعنى في المائدة \r\n قوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم إن قال قائل هذا معلوم فما فائدته فالجواب أن المعنى أنه قول بالفم لا بيان فيه ولا برهان ولا تحته معنى صحيح قاله الزجاج \r\n قوله تعالى يضاهون قرأ الجمهور من غير همز وقرأ عاصم ","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":" يضاهئون قال ثعلب لم يتابع عاصما أحد على الهمز قال الفراء وهي لغة قال الزجاج يضاهون يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم فانما قالوه اتباعا لمتقدميهم وأصل المضاهاة في اللغة المشابهة والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم امرأة ضهياء وهي التي لا ينبت لها ثدي وقيل هي التي لا تحيض والمعنى أنها قد أشبهت الرجال قال ابن الانباري يقال ضاهيت وضاهأت إذا شبهت وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم عبدة الأوثان والمعنى أن أولئك قالوا الملائكة بنات الله قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم اليهود فالمعنى أن النصارى في قولهم المسيح ابن الله شابهوا اليهود في قولهم عزير ابن الله قاله قتادة والسدي \r\n والثالث أنهم أسلافهم تابعوهم في أقوالهم تقليدا قاله الزجاج وابن قتيبة \r\n وفي قوله قاتلهم الله ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه لعنهم الله قاله ابن عباس والثاني قتلهم الله قاله أبو عبيدة والثالث عاداهم الله ذكره ابن الانباري \r\n قوله تعالى أنى يؤفكون أي من أين يصرفون عن الحق \r\n قوله تعالى اتخذوا أحبارهم قد سبق في المائدة معنى الأحبار والرهبان وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل عن هذه الآية فقال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه واذا حرموا عليهم شيئا حرموه فعلى هذا المعنى إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أباب ","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":" قوله تعالى والمسيح ابن مريم قال ابن عباس اتخذوه ربا \r\n يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون \r\n قوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله قال ابن عباس يخمدوا دين الله بتكذيبهم يعني أنهم يكذبون به ويعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك وقال الحسن وقتادة نور الله القرآن والإسلام فأما تخصيص ذلك بالأفواه فلما ذكرناه في الآية قبلها وقيل إن الله تعالى لم يذكر قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا وهو زور \r\n قوله تعالى ويأبى الله إلا أن يتم نوره قال الفراء إنما دخلت إلا هاهنا لأن في الإباء طرفا من الجحد ألا ترى أن أبيت كقولك لم أفعل ولا أفعل فكأنه بمنزلة قولك ما ذهب إلا زيد قال الشاعر ... فهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابمنا ... \r\n وقال الزجاج المعنى ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره قال مقاتل يتم نوره أي يظهر دينه ","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون \r\n قوله تعالى هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا صلى الله عليه و سلم بالهدى وفيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه التوحيد والثاني القرآن والثالث تبيان الفرائض فأما دين الحق فهو الإسلام وفي قوله ليظهره قولان \r\n أحدهما أن الهاء عائدة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فالمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها فلا يخفى عليه منها شيء قاله ابن عباس \r\n والثاني أنها راجعة إلى الدين ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما ليظهر هذا الدين على سائر الملل ومتى يكون ذلك ","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":" فيه قولان أحدهما عند نزول عيسى عليه السلام فانه يتبعه أهل كل دين وتصير الملل واحدة فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدوا الجزية قاله أبو هريرة والضحاك والثاني أنه عند خروج المهدي قاله السدي \r\n والقول الثاني أن إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة وإن لم يدخل الناس فيه \r\n يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم \r\n قوله تعالى إن كثيرا من الأحبار الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى وفي الباطل أربعة اقوال \r\n أحدها أنه الظلم قاله ابن عباس والثاني الرشا في الحكم قاله الحسن والثالث الكذب قاله أبو سليمان والرابع أخذه من الجهة المحظورة قاله القاضي أبو يعلى والمراد أخذ الأموال وإنما ذكر الأكل لأنه معظم المقصود من المال وفي المراد بسبيل الله هاهنا قولان \r\n أحدهما الإيمان برسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس والسدي \r\n والثاني أنه الحق والحكم \r\n قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت عامة في أهل الكتاب والمسلمين قاله أبو ذر والضحاك ","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":" والثاني أنها خاصة في أهل الكتاب قاله معاوية بن أبي سفيان \r\n والثالث أنها في المسلمين قاله ابن عباس والسدي \r\n وفي الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه مالم تؤد زكاته قال ابن عمر كل مال أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه الأرض وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور فعلى هذا معنى الإنفاق إخراج الزكاة \r\n والثاني أنه ما زاد على أربعة آلاف روي عن علي بن أبي طالب أنه قال أربعة آلاف نفقة وما فوقها كنز \r\n والثالث ما فضل عن الحاجة وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالزكاة \r\n فان قيل كيف قال ينفقونها وقد ذكر شيئين فعنه جوابان \r\n أحدهما أن المعنى يرجع إلى الكنوز والأموال \r\n والثاني أنه يرجع إلى الفضة وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة قال الشاعر ... نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف ... \r\n يريد نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض ذكر القولين الزجاج ","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":" وقال الفراء إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين كقوله ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا وقوله وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وأنشد ... إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى وكان وكنت غير غدور ... \r\n ولم يقل غدورين وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى قال أبو عبيدة والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا فخبروا عن أحدهما استغناء بذلك وتحقيقا لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه ودخل معه في ذلك الخبر وأنشد ... فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فاني وقيار بها لغريب ... \r\n والنصب في قيار أجود وقد يكون الرفع وقال حسان بن ثابت ... إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود مالم يعاص كان جنونا ... \r\n ولم يقل يعاصيا \r\n يوم يحمى عليهم في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون \r\n قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم أي على الأموال قال ابن ","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":" مسعود والله ما من رجل يكوى بكنز فيوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته وقال ابن عباس هي حية تنطوي على جنبيه وجبهته فتقول أنا مالك الذي بخلت به \r\n قوله تعالى هذا ما كنزتم فيه محذوف تقديره ويقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون أي عذاب ذلك \r\n فان قيل لم خص الجباه والجنوب والظهور من بقية البدن \r\n فالجواب أن هذه المواضع مجوفة فيصل الحر إلى أجوافها بخلاف اليد والرجل وكان أبو ذر يقول بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم وجواب آخر وهو أن الغني إذا رأى الفقير انقبض وإذا ضمه وإياه مجلس ازور عنه وولاه ظهره قاله أبو بكر الوراق ","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":" إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين \r\n قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله قال المفسرون نزلت هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله فربما وقع حجهم في رمضان وربما وقع في شوال إلى غير ذلك وكانوا يستحلوا المحرم عاما ويحرمون مكانه صفر وتارة يحرمون المحرم ويستحلون صفر قال الزجاج أعلم الله عز و جل أن عدد شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوه لسنتهم اثنا عشر شهرا على منازل القمر فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء وتارة في الصيف بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب فانهم يعلمون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وبعض يوم وجمهور القراء على فتح عين اثنا عشر وقرأ أبو جعفر اثنا عشر وأحد عشر وتسعة عشر بسكون العين فيهن \r\n قوله تعالى في كتاب الله أي في اللوح المحفوظ قال ابن عباس في الإمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم وفيها قولان \r\n أحدهما أنها رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم قاله الأكثرون وقال القاضي أبو يعلى إنما سماها حرما لمعنيين أحدهما تحريم القتال فيها وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضا والثاني لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها وكذلك تعظيم الطاعات فيها ","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":" والثاني انها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة ذكره ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ذلك الدين القيم فيه قولان \r\n أحدهما ذلك القضاء المستقيم قاله ابن عباس \r\n والثاني ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم اختلفوا في كناية فيهن على قولين \r\n أحدهما أنها تعود على الاثني عشر شهرا قاله ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما كفعل أهل النسيء \r\n والثاني أنها ترجع إلى الأربعة الحرم وهو قول قتادة والفراء واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة لثلاث ليال خلون وأيام خلون فاذا جزت العشرة قالوا خلت ومضت ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة هن وهؤلاء فاذا جزت العشرة قالوا هي وهذه إرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير وقال ابن الانباري العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد والهاء والألف على الكثير منه والقلة ما بين الثلاثة إلى العشرة والكثرة ما جاوز العشرة يقولون وجهت إليك أكبشا فاذبحهن وكباشا فاذبحها فلهذا قال منها أربعة حرم وقال فلا تظلموا فيهن لأنه يعني بقوله فيهن الأربعة ومن قال من المفسرين إنه يعني بقوله فيهن الاثني عشر فانه ممكن لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير وعلامة الكثير للقليل وعلى قول من قال ترجع فيهن إلى الأربعة يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة اقوال ","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":" أحدها أنه المعاصي فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر أن شأن المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها وذلك لفضلها على ما سواها كقوله وجبريل وميكال وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة وقوله فاكهة ونخل ورمان وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة وقوله فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وإن كان منهيا عنه في غير الحج وكما أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أن المراد بالظلم فيهن فعل النسيء وهو تحليل شهر محرم وتحريم شهر حلال قاله ابن اسحاق \r\n والثالث أنه البداية بالقتال فيهن فيكون المعنى فلا تظلموا أنفسكم بالقتال فيهن إلا أن تبدؤوا بالقتال قاله مقاتل \r\n والرابع أنه ترك القتال فيهن فيكون المعنى فلا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المحاربة لعدوكم قاله ابن بحر وهو عكس قول مقاتل والسر في أن الله تعالى عظم بعض الشهور على بعض ليكون الكف عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها تدريجا للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعا \r\n إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين \r\n قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر الجمهور على همز النسيء ومده وكسر سينه وروى شبل عن ابن كثير النسء على وزن النسع وفي ","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":" رواية أخرى عن شبل النسي مشددة الياء من غير همز وهي قراءة أبي جعفر والمراد بالكلمة التأخير قال اللغويون النسيء تأخير الشيء وكانت العرب تحرم الأشهر الأربعة وكن هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ثم يحتاجون إلى تأخير صفر أيضا إلى الشهر الذي بعده ثم تتدافع الشهور شهرا بعد شهر حتى يستدير التحريم على السنة كلها فكأنهم يستنسؤون الشهر الحرام ويستقرضونه فأعلم الله عز و جل أن ذلك زيادة في كفرهم لأنهم أحلوا الحرام وحرموا الحلال ليواطؤوا أي ليوافقوا عدة ما حرم الله فلا يخرجون من تحريم أربعة ويقولون هذه بمنزلة الأربعة الحرم ولا يبالون بتحليل الحرام وتحريم الحلال وكان القوم لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم قال الفراء كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصدر عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم فيقول أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء فيقولون أنسئنا شهرا يريدون أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيفعل ذلك وإنما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها وإنما كان معاشهم من الإغارة فتستدير الشهور كما بينا وقيل إنما كانوا يستحلون المحرم عاما فاذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه قال أبو عبيد والتفسير الأول أحب إلي لأن هذا القول ليس فيه استدارة وقال مجاهد كان أول من أظهر النسيء جنادة بن عوف الكناني فوافقت حجة أبي بكر ذا القعدة ثم حج النبي صلى الله عليه و سلم في العام القابل في ذي الحجة فذلك حين قال ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات ","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":" والأرض وقال الكلبي أول من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة \r\n قوله تعالى يضل به الذين كفروا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يضل بفتح الياء وكسر الضاد والمعنى أنهم يكتسبون الضلال به وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم يضل بضم الياء وفتح الضاد على مالم يسم فاعله وقرأ الحسن البصري ويعقوب إلا الوليد يضل بضم الياء وكسر الضاد وفيه ثلاثة أوجه \r\n أحدها يضل الله به والثاني يضل الشيطان به ذكرهما ابن القاسم والثالث يضل به الذين كفروا الناس لأنهم الذين سنوه لهم قال أبو علي التقدير يضل به الذين كفروا تابعيهم وقال ابن القاسم الهاء في به راجعة إلى النسيء وأصل النسيء المنسوء أي المؤخر فينصرف عن مفعول إلى فعيل كما قيل مطبوخ وطبيخ ومقدور وقدير قال وقيل الهاء راجعة إلى الظلم لأن النسيء كشف تأويل الظلم فجرى مجرى المظهر والأول اختيارنا \r\n يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل \r\n قوله تعالى مالكم إذا قيل لكم انفروا قال المفسرون لما امر رسول الله صلى الله عليه و سلم بغزوة تبوك وكان في زمن عسرة وجدب وحر شديد وقد طابت الثمار ","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":" عظم ذلك على الناس وأحبوا المقام فنزلت هذه الآية وقوله مالكم استفهام معناه التوبيخ وقوله انفروا معناه اخرجوا وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج إلى ذلك وقوله اثاقلتم قال ابن قتيبة أراد تثاقلتم فأدغم التاء في الثاء وأحدثت الألف ليسكن ما بعدها وأراد قعدتم وفي قراءة ابن مسعود والأعمش تثاقلتم \r\n وفي معنى إلى الأرض ثلاثة أقوال \r\n أحدها تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها قاله مجاهد \r\n والثاني اطمأننتم إلى الدنيا قاله الضحاك \r\n والثالث تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أرضيتم بالحياة الدنيا أي بنعيمها من نعيم الآخرة فما يتمتع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يتمتع به الأولياء في الجنة \r\n إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى إلا تنفروا يعذبكم سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حثهم ","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":" على غزو الروم تثاقلوا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال قوم هذه خاصة فيمن استنفره رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم ينفر قال ابن عباس استنفر رسول الله صلى الله عليه و سلم حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم وفي قوله ويستبدل قوما غيركم وعيد شديد في التخلف عن الجهاد وإعلام بأنه يستبدل لنصر نبيه قوما غير متثاقلين ثم أعلمهم أنهم إن تركوا نصره لم يضروه كما لم يضرره ذلك إذ كان بمكة وفي هاء تضروه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله والمعنى لا تضروا الله بترك النفير قاله الحسن \r\n والثاني أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فالمعنى لا تضروه بترك نصره قاله الزجاج \r\n فصل \r\n وقد روي عن ابن عباس والحسن وعكرمة قاله نسخ قوله إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال أبو سليمان الدمشقي ليس هذا من المنسوخ إذ لا تنافي بين الآيتين وإنما حكم كل آية قائم في موضعها وذكر القاضي ابو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا ليس هاهنا نسخ ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو ففرض على الناس النفير إليهم ومتى استغنوا عن إعانة من وراءهم عذر القاعدون عنهم وقال قوم هذا في غزوة تبوك ففرض على الناس النفير مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم \r\n قوله تعالى إلا تنصروه أي بالنفير معه فقد نصره الله إعانة على أعدائه إذ أخرجه الذين كفروا حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا في قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا فأعلمهم أن نصره ليس بهم \r\n قوله تعالى ثاني اثنين العرب تقول هو ثاني اثنين أي أحد الاثنين وثالث ثلاثة أي أحد الثلاثة قال الزجاج وقوله ثاني اثنين منصوب على الحال المعنى فد نصره الله أحد اثنين أي نصره منفردا إلا من أبي بكر وهذا معنى قول الشعبي عاتب الله أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر وقال ابن جرير المعنى أخرجوه وهو أحد الاثنين وهما رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر فأما الغار فهو ثقب في الجبل وقال ابن فارس الغار الكهف والغار نبت طيب الريح والغار الجماعة من الناس والغاران البطن والفرج وهما الأجوفان يقال إنما هو عبد غاريه قال الشاعر ... ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا ... \r\n قال قتادة وهذا الغار في جبل بمكة يقال له ثور قال مجاهد مكثا فيه ثلاثا وقد ذكرت حديث الهجرة في كتاب الحدائق قال أنس بن مالك ","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":" أمر الله عز و جل شجرة فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم فسترته وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا في فم الغار فلما دنوا من الغار عجل بعضهم لينظر فرأى حمامتين فرجع فقال رأيت حمامتين على فم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد وقال مقاتل جاء القائف فنظر إلى الأقدام فقال هذه قدم ابن أبي قحافة والأخرى لا أعرفها إلا أنها تشبه القدم التي في المقام وصاحبه في هذه الآية أبو بكر وكان أبو بكر قد بكى لما مر المشركون على باب الغار فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما \r\n وفي السكينة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الرحمة قاله ابن عباس والثاني الوقار قاله قتادة والثالث السكون والطمأنينة قاله ابن قتيبة وهو اصح \r\n وفي هاء عليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى أبي بكر وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وحبيب بن أبي ثابت واحتج من نصر هذا القول بأن النبي صلى الله عليه و سلم كان مطمئنا \r\n والثاني أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل ","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":" والثالث أن الهاء هاهنا في معنى تثنية والتقدير فأنزل الله سكينته عليهما فاكتفى باعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه ذكره ابن الانباري \r\n قوله تعالى وأيده أي قواه يعني النبي صلى الله عليه و سلم بلا خلاف بجنود لم تروها وهم الملائكة ومتى كان ذلك فيه قولان \r\n أحدهما يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم حنين قاله ابن عباس \r\n والثاني لما كان في الغار صرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته قاله الزجاج \r\n فان قيل إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في أيده ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فكيف تفارقها هاء عليه وهما متفقتان في نظم الكلام \r\n فالجواب أن كل حرف يرد إلى الأليق به والسكينة إنما يحتاج إليها المنزعج ولم يكن النبي صلى الله عليه و سلم منزعجا فأما التأييد بالملائكة فلم يكن إلا للنبي صلى الله عليه و سلم ونظير هذا قوله لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه يعني النبي صلى الله عليه و سلم وتسبحوه يعني الله عز و جل \r\n قوله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى فيها قولان \r\n أحدهما أن كلمة الكافرين الشرك جعلها الله السفلى لأنها مقهورة وكلمة الله وهي التوحيد هي العليا لأنها ظهرت هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أن كلمة الكافرين ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه وكلمة الله أنه ناصره رواه عطاء عن ابن عباس وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك ويعقوب وكلمة الله بالنصب ","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":" قوله تعالى والله عزيز أي في انتقامه من الكافرين حكيم في تدبيره \r\n انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون \r\n قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا سبب نزولها أن المقداد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان عظيما سمينا فشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزلت هذه الآية قاله السدي وفي معنى خفافا وثقالا أحد عشر قولا \r\n أحدها شيوخا وشبابا رواه أنس عن أبي طلحة وبه قال الحسن والشعبي وعكرمة ومجاهد وأبو صالح وشمر بن عطية وابن زيد في آخرين \r\n والثاني رجالة وركبانا رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الأوزاعي \r\n والثالث نشاطا وغير نشاط رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة ومقاتل \r\n والرابع أغنياء وفقراء روي عن ابن عباس ثم في معنى هذا الوجه قولان أحدهما أن الخفاف ذوو العسرة وقلة العيال والثقال ذوو العيال والميسرة قاله الفراء والثاني أن الخفاف أهل الميسرة والثقال أهل العسرة حكي عن الزجاج \r\n والخامس ذوي عيال وغير عيال قاله زيد بن أسلم \r\n والسادس ذوي ضياع وغير ذوي ضياع قاله ابن زيد \r\n والسابع ذوي أشغال وغير ذوي أشغال قاله الحكم ","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":" والثامن أصحاء ومرضى قاله مرة الهمداني وجويبر \r\n والتاسع عزابا ومتأهلين قاله يمان بن رياب \r\n والعاشر خفافا إلى الطاعة وثقالا عن المخالفة ذكره الماوردي \r\n والحادي عشر خفافا من السلاح وثقالا بالاستكثار منه ذكره الثعلبي \r\n فصل \r\n روى عطاء الخراساني عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال السدي نسخت بقوله ليس على الضعفاء ولا على المرضى \r\n قوله تعالى وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم قال القاضي أبو يعلى أوجب الجهاد بالمال والنفس جميعا فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به كما يلزمه الجهاد بنفسه إذا كان قويا وإن كان له مال وقوة فعليه الجهاد بالنفس والمال ومن كان معدما عاجزا فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله لقوله ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":" قوله تعالى ذلكم خير لكم فيه قولان \r\n أحدهما ذلكم خير لكم من تركه والتثاقل عنه \r\n والثاني ذلكم الجهاد خير حاصل لكم إن كنتم تعلمون مالكم من الثواب \r\n لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون \r\n قوله تعالى لو كان عرضا قريبا قال المفسرون نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ومعنى الآية لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا والعرض كل ما عرض لك من منافع الدنيا فالمعنى لو كانت غنيمة قريبة أو كان سفرا قاصدا أي سهلا قريبا لاتبعوك طمعا في المال ولكن بعدت عليهم الشقة قال ابن قتيبة الشقة السفر وقال الزجاج الشقة الغاية التي تقصد وقال ابن فارس الشقة مصير إلى أرض بعيدة تقول شق شاقة \r\n قوله تعالى وسيحلفون بالله يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم لو استطعنا وقرأ زائدة عن الأعمش والأصمعي عن نافع لو استطعنا بضم الوا وكذا أين وقع مثل لو اطلعت عليهم كأه لما احتيج إلى حركة الواو حركت بالضم لأنها أخت الواو والمعنى لو قدرنا وكان لنا سعة في المال يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق والله يعلم إنهم لكاذبون لأنهم كانوا أغنياء ولم يخرجوا \r\n عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين \r\n قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم كان صلى الله عليه و سلم قد أذن لقوم من ","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":" المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك قال ابن عباس ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين قال عمرو بن ميمون اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى فعاتبه الله كما تسمعون قال مورق عاتبه ربه بهذا وقال سفيان بن عيينة انظر إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب وقال ابن الانباري لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه لكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله عفا الله عنك كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريما عليه عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي وBك هلا زرتني \r\n قوله تعالى حتى يتبين لك الذين صدقوا فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له \r\n والثاني لو لم تأذن لهم لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم قال قتادة ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله فائذن لمن شئت منهم \r\n لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون \r\n قوله تعالى لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود قال الزجاج أعلم الله عز و جل نبيه صلى الله عليه و سلم أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان ","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":" فصل \r\n وروي عن ابن عباس أنه قال نسخت هذه الآية بقوله لم يذهبوا حتى يستأذنوه إلى آخر الآية قال أبو سليمان الدمشقي وليس للنسخ هاهنا مدخل لإمكان العمل بالآيتين وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة ذهبوا من غير استئذانه \r\n ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين \r\n قوله تعالى ولو أرادوا الخروج يعني المستأذنين له في القعود \r\n وفي المراد بالعدة قولان \r\n أحدهما النية قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني السلاح والمركوب وما يصلح للخروج قاله أبو صالح عن ابن عباس والانبعاث الانطلاق والتثبط ردك الإنسان عن الشيء يفعله \r\n قوله تعالى وقيل اقعدوا في القائل لهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم ألهموا ذلك خذلانا لهم قاله مقاتل والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم قاله غضبا عليهم والثالث أنه قول بعضهم لبعض ذكرهما الماوردي ","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":" وفي المراد بالقاعدين قولان \r\n أحدهما أنهم القاعدون بغير عذر قاله ابن السائب \r\n والثاني أنهم القاعدون بعذر كالنساء والصبيان ذكره علي بن عيسى \r\n وقال الزجاج ثم أعلم الله عز و جل لم كره خروجهم فقال لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا والخبال الفساد وذهاب الشيء وقال ابن قتيبة الخبال الشر \r\n فان قيل كأن الصحابة كان فيها خبال حتى قيل ما زادوكم إلا خبالا فالجواب أنه من الاستثناء المنقطع والمعنى ما زادوكم قوة لكن أوقعوا بينكم خبالا وقيل سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خرج ضرب عسكره على ثنية الوداع وخرج عبد الله بن أبي فضرب عسكره على أسفل من ذلك فلما سار رسول الله صلى الله عليه و سلم تخلف ابن أبي فيمن تخلف من المنافقين فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى ولأوضعوا خلالكم قال الفراء الإيضاع السير بين القوم وقال أبو عبيدة لأسرعوا بينكم وأصله من التخلل قال الزجاج يقال أوضعت في السير أسرعت \r\n قوله تعالى يبغونكم الفتنة قال الفراء يبغونها لكم وفي الفتنة قولان \r\n أحدهما الكفر قاله الضحاك ومقاتل وابن قتيبة ","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":" والثاني تفريق الجماعة وشتات الكلمة قال الحسن لأوضعوا خلالكم بالنميمية لإفساد ذات بينكم \r\n قوله تعالى وفيكم سماعون لهم فيه قولان \r\n أحدهما عيون ينقلون إليهم أخباركم قاله مجاهد وابن زيد \r\n والثاني من يسمع كلامهم ويطيعهم قاله قتادة وابن إسحاق \r\n لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون \r\n قوله تعالى لقد ابتغوا الفتنة في الفتنة قولان \r\n أحدهما الشر قاله ابن عباس والثاني الشرك قاله مقاتل \r\n قوله تعالى من قبل أي من قبل غزوة تبوك \r\n وفي قوله وقلبوا لك الأمور خمسة أقوال \r\n أحدها بغوا لك الغوائل قاله ابن عباس وقيل إن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على طريقه ليلا ليفتكوا به فسلمه الله منهم \r\n والثاني احتالوا في تشتت أمرك وإبطال دينك قاله ابو سليمان الدمشقي قال ابن جرير وذلك كانصراف ابن أبي يوم أحد بأصحابه \r\n والثالث أنه قولهم ما ليس في قلوبهم \r\n والرابع أنه ميلهم إليك في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن \r\n والخامس أنه حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي \r\n قوله تعالى حتى جاء الحق يعني النصر وظهر أمر الله يعني الإسلام ","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":" ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين \r\n قوله تعالى ومنهم من قول ائذن لي سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للجد بن قيس يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر فقال يا رسول الله ائذن لي فأقيم ولا تفتني ببنات الأصفر فأعرض عنه وقال قد أذنت لك ونزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس وهذه الآية وما بعدها إلى قوله إنما الصدقات في المنافقين \r\n قوله تعالى ومنهم يعني المنافقين من يقول ائذن لي أي في القعود عن الجهاد وهو الجد بن قيس وفي قوله ولا تفتني أربعة أقوال \r\n أحدها لا تفتني بالنساء قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد \r\n والثاني لا تكسبني الإثم بأمرك إياي بالخروج وهو غير متيسر لي فآثم بالمخالفة قاله الحسن وقتادة والزجاج \r\n والثالث لا تكفرني بإلزامك إياي الخروج قاله الضحاك \r\n والرابع لا تصرفني عن شغلى قاله ابن بحر \r\n قوله تعالى ألا في الفتنة سقطوا في هذه الفتنة أربعة اقوال \r\n أحدها أنها الكفر قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الحرج قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث الإثم قاله قتادة والزجاج والرابع العذاب في جهنم ذكره الماوردي ","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":" إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون \r\n قوله تعالى إن تصبك حسنة أي نصر وغنيمة والمصيبة القتل والهزيمة يقولوا قد أخذنا أمرنا أي عملنا بالحزم فلم نخرج ويتولوا وهم فرحون بمصابك وسلامتهم \r\n قوله تعالى إلا ما كتب الله لنا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما قضى علينا قاله ابن عباس \r\n والثاني ما بين لنا في كتبه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا قاله الزجاج \r\n والثالث لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى هو مولانا أي ناصرنا \r\n قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون \r\n قوله تعالى قل هل تربصون بنا أي تنتظرون والحسنيان النصر والشهادة ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده في هذا العذاب قولان ","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":" أحدهما الصواعق قاله ابن عباس والثاني الموت قاله ابن جريج \r\n قوله تعالى أو بأيدينا يعني القتل \r\n قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين \r\n قوله تعالى أنفقوا طوعا أو كرها سبب نزولها أن الجد بن قيس قال للنبي صلى الله عليه و سلم لما عرض عليه غزو الروم إذا رأيت النسا افتتنت ولكن هذا مالي أعينك به فنزلت هذه الآية قال ابن عباس قال الزجاج وهذا لفظ أمر ومعناه معنى الشرط والجزاء المعنى إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم ومثله في الشعر قول كثير ... أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت ... \r\n لم يأمرها بالإساءة ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها قال الفراء ومثله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم \r\n وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلواة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون \r\n قوله تعالى وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر تقبل بالتاء وقرأ حمزة والكسائي يقبل ","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":" بالياء قال أبو علي من أنث فلأن الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ ومن قرأ بالياء فلأنه ليس بتأنيث حقيقي فجاز تذكريه كقوله فمن جاءه موعظة من ربه وقرأ الجحدري أن يقبل بياء مفتوحة نفقاتهم بكسر التاء وقرأ الأعمش نفقتهم بغير ألف مرفوعة التاء وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء أن يقبل بالياء نفقتهم بنصب التاء على التوحيد \r\n قوله تعالى إلا أنهم كفروا بالله قال ابن الانباري أن هاهنا مفتوحة لأنها بتأويل المصدر مرتفعة ب منعهم والتقدير وما منعهم قبول النفقة منهم إلا كفرهم بالله \r\n قوله تعالى إلا وهم كسالى قد شرحناه في سورة النساء \r\n قوله تعالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون لأنهم يعدون الإنفاق مغرما \r\n فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون \r\n قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم أي لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد وفي معنى الآية اربعة اقوال \r\n أحدها فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة فعلى هذا في الآية تقديم وتأخير ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها \r\n والثاني أنها على نظمها والمعنى ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد فهي لهم عذاب وللمؤمنين أجر قاله ابن زيد ","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":" والثالث أن المعنى ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله قاله الحسن فعلى هذا ترجع الكناية إلى الأموال وحدها \r\n والرابع ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم ذكره الماوردي فعلى هذا تكون في المشركين \r\n قوله تعالى وتزهق أنفسهم أي تخرج يقال زهق السهم إذا جاوز الهدف \r\n ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون \r\n قوله تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم أي مؤمنون و يفرقون بمعنى يخافون فأما الملجأ فقال الزجاج الملجأ واللجأ مقصور مهموز وهو المكان الذي يتحصن فيه والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي يستتر فيه وقرأ سعيد بن جبير وابن أبي عبلة أو مغارات بضم الميم لأنه يقال أغرت وغرت إذا دخلت الغور واصل مدخل مدتخل ولكن التاء تبدل بعد الدال دالا لأن التاء مهموسة والدال مجهورة والتاء والدال من مكان واحد فكان الكلام من وجه واحد أخف وقرأ أبي وأبو المتوكل وأبو الجوزاء أو متدخلا برفع الميم وبتاء ودال مفتوحتين مشددة الخاء وقرأ ابن مسعود وأبو عمران مندخلا بنون بعد الميم المضمومة وقرأ الحسن وابن يعمر ويعقوب مدخلا بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها قال الزجاج من قال مدخلا فهو من دخل يدخل مدخلا ومن قال مدخلا فهو من أدخلته مدخلا قال الشاعر ","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":" الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا ... \r\n ومعنى مدخل ومدخل أنهم لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم لولوا إليه أي إلى أحد هذه الأشياء وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا لا يرد فيه وجوههم شيء يقال جمح وطمح إذا أسرع ولم يرد وجهه شيء ومنه قيل فرس جموح للذي إذا حمل لم يرده اللجام \r\n ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون \r\n قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات فيمن نزلت فيه قولان \r\n أحدهما أنه ذو الخويصرة التميمي قال للنبي صلى الله عليه و سلم يوما اعدل يا رسول الله فنزلت هذه الآية ويقال أبو الخواصر ويقال ابن ذي الخويصرة \r\n والثاني أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول إنما يعطي محمد من يشاء فنزلت هذه الآية قال ابن قتيبة يلمزك يعيبك ويطعن عليك يقال همزت فلانا ولمزته إذا اغتبته وعبته والأكثرون على كسر ميم يلمزك وقرأ يعقوب ونظيف عن قنبل وأبان عن عاصم والقزاز عن عبد الوارث يلمزون ويلمزك ولا تلمزوا بضم الميم فيهن وقرأ ابن السميفع يلامزك مثل يفاعلك وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير قال أبو علي الفارسي وينبغي أن تكون فاعلت في هذا من احد ونحو طارقت النعل وعافاه الله لأن هذا لا يكون من النبي صلى الله عليه و سلم وقرأ الأعمش يلمزك بتشديد الميم من ","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":" غير ألف مثل يفعلك قال الزجاج يقال لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته وكذلك همزته أهمزه قال الشاعر ... إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه ... \r\n ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله أي قنعوا بما أعطوا إنا إلى الله راغبون في الزيادة أي لكان خيرا لهم وهذا جواب لو وهو محذوف في اللفظ \r\n ثم بين المستحق للصدقات بقوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين اختلفوا في صفة الفقير والمسكين على ستة أقوال \r\n أحدها ان الفقير المتعفف عن السؤال والمسكين الذي يسأل وبه رمق قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وجابر بن زيد والزهري والحكم وابن زيد ومقاتل \r\n والثاني أن الفقير المحتاج الذي به زمانة والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به قاله قتادة ","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":" والثالث الفقير المهاجر والمسكين الذي لم يهاجر قاله الضحاك بن مزاحم والنخعي \r\n والرابع الفقير فقير المسلمين والمسكين من أهل الكتاب قاله عكرمة \r\n والخامس أن الفقير من له البلغة من الشيء والمسكين الذي ليس له شيء قاله أبو حنيفة ويونس بن حبيب ويعقوب بن السكيت وابن قتيبة واحتجوا بقول الراعي ... أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد ... \r\n فسماه فقيرا وله حلوبة تكفيه وعياله وقال يونس قلت لأعرابي أفقير أنت قال لا والله بل مسكين يريد أنه أسوأ حالا من الفقير \r\n والسادس أن الفقير أمس حاجة من المسكين وهذا مذهب أحمد لأن الفقير مأخوذ من انكسار الفقار والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع وذلك أبلغ قال ابن الانباري ويروى عن الأصمعي أنه قال المسكين أحسن حالا من الفقير وقال أحمد بن عبيد المسكين أحسن حالا من الفقير لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقره من فقر ظهره فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر فصره عن مفقور إلى فقير كما قيل مجروح وجريح ومطبوخ وطبيخ قال الشاعر ","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":" لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل ... \r\n قال ومن الحجة لهذا القول قوله وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا قال وهو الصحيح عندنا \r\n قوله تعالى والعاملين عليها وهم السعاة لجباية الصدقة يعطون منها بقدر أجور أمثالهم وليس ما يأخذونه بزكاة \r\n قوله تعالى والمؤلفة قلوبهم وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم وكانوا ذوي شرف وهم صنفان مسلمون وكافرون فأما المسلمون فصنفان صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم كعيينة بن حصن والأقرع وصنف كانت نياتهم حسنة فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم وأما المشركون فصنفان صنف يقصدون المسلمين بالأذى فتألفهم دفعا لأذاهم مثل عامر بن الطفيل وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا كصفوان بن أمية وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب التلقيح وحكمهم باق عند أحمد في رواية وقال أبو حنيفة والشافعي حكمهم منسوخ قال الزهري لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم \r\n قوله تعالى وفي الرقاب قد ذكرناه في سورة البقرة ","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":" قوله تعالى والغارمين وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء قال قتادة هم ناس عليهم دين من غير فساد ولا إسراف ولا تبذير وإنما قال هذا لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضي دينه أن يعود إلى الاستدانة لذلك ولا خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه ولكن قتادة قاله على وجه الكراهية \r\n قوله تعالى وفي سبيل الله يعني الغزاة والمرابطين ويجوز عندنا ان نعطي الأغنياء منهم والفقراء وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعطى إلا الفقير منهم وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج أم لا فيه عن أحمد روايتان \r\n قوله تعالى وابن السبيل هو المسافر المنقطع به وإن كان له مال في بلده قاله مجاهد وقتادة وأبو حنيفة وأحمد فأما إذا أراد أن ينشئ سفرا فهل يجوز أن يعطى قال الشافعي يجوز وعن أحمد مثله وقد ذكرنا في سورة البقرة فيه أقوالا عن المفسرين \r\n قوله تعالى فريضة من الله يعني أن الله افترض هذا \r\n فصل \r\n وحد الغني الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين أن يكون مالكا لخمسين درهما أو عدلها من الذهب سواء كان ذلك يقوم بكفايته أو لا يقوم والثاني أن يكون له كفاية إما من صناعة أو أجرة عقار أو عروض ","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":" للتجارة يقوم ربحها بكفايته وقال أبو حنيفة الاعتبار في ذلك أن يكون مالكا لنصاب تجب عليه فيه الزكاة فأما ذوو القربى الذين تحرم عليه الصدقة فهم بنو هاشم وبنو المطلب وقال أبو حنيفة تحرم على ولد هاشم ولا تحرم على ولد المطلب ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني المطلب ويأخذ عمالته منها خلافا لأبي حنيفة فأما موالي بني هاشم وبني المطلب فتحرم عليهم الصدقة خلافا لمالك ولا يجوز أن يعطي صدقته من تلزمه نفقته وبه قال مالك والثوري وقال أبو حنيفة والشافعي لا يعطي والدا وإن علا ولا ولدا وإن سفل ولا زوجه ويعطي من عداهم فأما الذمي فالأكثرون على أنه لا يجوز إعطاؤه وقال عبيد الله بن الحسن إذا لم يجد مسلما أعطي الذمي ولا يجب استيعاب الأصناف ولا اعتبار عدد من كل صنف وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي يجب الاستيعاب من كل صنف ثلاثة \r\n فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تقصر فيه الصلاة فلا يجوز له ذلك فان نقلها لم يجزئه وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يكره نقلها وتجزئه قال أحمد ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما وقال أبو حنيفة أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم وإن أعطيته أجزأك فأما الشافعي فاعتبر ما يدفع الحاجة من غير حد فان أعطي من يظنه فقيرا فبان أنه غني فهل يجزئ فيه عن أحمد روايتان \r\n ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":" أحدها أن خذام بن خالد والجلاس بن سويد وعبيد بن هلال في آخرين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بعضهم لبعض لا تفعلوا فانا نخاف أن يبلغه فيقع بنا فقال الجلاس بل نقول ما شئنا فانما محمد أذن سامعة ثم نأتهة فيصدقنا فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث كان ينم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المنافقين فقيل له لا تفعل فقال إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نأتهة فنحله له فيصدقنا فنزلت هذه الآية قاله محمد بن إسحاق \r\n والثالث أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد ووديعة بن ثابت اجتمعوا فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه و سلم وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا وقالوا لئن كان ما يقوله محمد حقا لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال والله إن ما يقوله محمد حق وإنكم لشر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامرا كاذب وحلف عامر أنهم كذبوا وقال اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق وكذب الكاذب فنزلت هذه الآية ونزل قوله يحلفون بالله لكم ليرضوكم قاله السدي فأما الأذى فهو عيبه ونقل حديثه ومعنى أذن يقبل كل ما قيل ","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":" له قال ابن قتيبة الأصل في هذا ان الأذن هي السامعة فقيل لكل من صدق بكل خبر يسمعه أذن وجمهور القراء يقرؤون هو أذن قل أذن بالتثقيل وقرأ نافع هو أذن قل أذن خير باسكان الذال فيهما ومعنى أذن خير لكم أي أذن خير لا أذن شر يسمع الخير فيعمل به ولا يعمل بالشر إذا سمعه وقرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن يعمر وابن أبي عبلة أذن بالتنوين خير بالرفع والمعنى إن كان كما قلتك يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم قال أبو علي يجوز أن تطلق الأذن على الجملة كما قال الخليل إنما سميت الناب من الإبل لمكان الناب البازل فسميت الجملة كلها به فأجروا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء بها \r\n ثم بين ممن يقبل فقال يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين قال ابن قتيبة الباء واللام زائدتان والمعنى يصدق الله ويصدق المؤمنين وقال الزجاج يسمع ما ينزله الله عليه فيصدق به ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به ورحمة أي وهو رحمة لأنه كان سبب إيمان المؤمنين وقرأ حمزة ورحمة بالخفض قال أبو علي المعنى أذن خير ورحمة والمعنى مستمع خير ورحمة \r\n يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين \r\n قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم قال ابن السائب نزلت في جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع النبي صلى الله عليه و سلم أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم ويحلفون ويعتلون وقال مقاتل منهم عبد الله بن أبي حلف لا يتخلف ","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":" عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وليكونن معه على عدوه وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا أنهم ما نطقوا بالعيب وحكى الزجاج عن بعض النحويين أنه قال اللام في ليرضوكم بمعنى القسم والمعنى يحلفون بالله لكم لنرضينكم قال وهذا خطأ لأنهم إنما حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا باليمين ولم يحلفوا أنهم يرضون في المستقبل قلت وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج وقد مال إليه الأخفش \r\n قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه فيه قولان \r\n أحدهما بالتوبة والإنابة والثاني بترك الطعن والعيب \r\n فان قيل لم قال يرضوه ولم يقل يرضوهما فقد شرحنا هذا عند قوله ولا ينفقونها في سبيل الله \r\n ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم \r\n قوله تعالى الم يعلموا روى أبو زيد عن المفضل ألم تعلموا بالتاء أنه من يحادد الله فيه قولان \r\n أحدهما من يخالف الله قاله ابن عباس \r\n والثاني من يعادي الله كقولك من يجانب الله ورسوله أي يكون في حد والله ورسوله في حد \r\n قوله تعالى فإن له نار جهنم قرأ الجمهور فأن بفتح الهمزة وقرأ أبو رزين وأبو عمران وابن أبي عبلة بكسرها فمن كسر فعلى الاستئناف بعد الفاء كما تقول فله نار جهنم ودخلت إن مؤكدة ومن قال ","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":" فإن له فانما أعاد أن الأولى توكيدا لأنه لما طال الكلام كان إعادتها أوكد \r\n يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون \r\n قوله تعالى يحذر المنافقون في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بينهم ويقولون عسى الله أن لا يفشي سرنا فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n والثاني أن بعض المنافقين قال لوددت أني جلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا فنزلت هذه الآية قاله السدي \r\n والثالث أن جماعة من المنافقين وقفوا للنبي صلى الله عليه و سلم في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به فأخبره جبريل عليه السلام ونزلت هذه الآية قاله ابن كيسان \r\n وفي قوله يحذر المنافقون قولان \r\n أحدهما أنه إخبار من الله عز و جل عن حالهم قاله الحسن وقتادة واختاره ابن القاسم \r\n والثاني أنه أمر من الله عز و جل لهم بالحذر فتقديره ليحذر المنافقون قاله الزجاج قال ابن الانباري والعرب ربما أخرجت الأمر على لفظ الخبر فيقولون يرحم الله المؤمن ويعذب الكافر يريدون ليرحم وليعذب فيسقطون اللام ويجرونه مجرى الخبر في الرفع وهم لا ينوون إلا الدعاء والدعاء مضارع للأمر ","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":" قوله تعالى قل استهزؤوا هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديدا \r\n وفي قوله إن الله مخرج ما تحذرون وجهان \r\n أحدهما مظهر ما تسرون والثاني ناصر من تخذلون ذكرهما الماوردي \r\n ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين \r\n قوله تعالى لئن سألتهم في سبب نزولها ستة أقوال \r\n أحدها أن جد بن قيس ووديعة بن خذام والجهير بن خمير كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم مرجعه من تبوك فجعل رجلان منهم يستهزآن برسول الله صلى الله عليه و سلم والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء فنزل جبريل فأخبره بما يستهزؤون به ويضحكون فقال لعمار بن ياسر اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه وقل لهم أحرقكم الله فلما سألهم وقال أحرقكم الله علموا أنه قد نزل فيهم قرآن فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الجهير والله ما تكلمت بشيء وإنما ضحكت تعجبا من قولهم فنزل قوله لا تعتذروا يعني جد بن قيس ووديعة إن يعف عن طائفة منكم يعني الجهير نعذب طائفة يعني الجد ووديعة هذا قول أبي صالج عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا من المنافقين قال ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء ولا أرغب بطونا ولا أكذب ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فقال له عوف بن مالك كذبت لكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":" فذهب ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب هذا قول ابن عمر وزيد بن أسلم والقرظي \r\n والثالث أن قوما من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن كان ما يقول هذا حقا لنحن شر من الحمير فأعلم الله نبيه ما قالوا ونزلت ولئن سألتهم قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع أن رجلا من المنافقين قال يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n والخامس أن ناسا من المنافقين قالوا يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه و سلم احبسوا علي الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والسادس أن عبد الله بن أبي ورهطا معه كانوا يقولون في رسول الله وأصحابه مالا ينبغي فاذا بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا إنما كنا نخوض ونلعب فقال الله تعالى قل لهم أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون قاله الضحاك فقوله ولئن سألتهم أي عما كانوا فيه من الاستهزاء ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب أي نلهو بالحديث وقوله قد كفرتم أي قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان وهذا يدل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء \r\n قوله تعالى إن يعف عن طائفة منكم قرأ الأكثرون إن يعف ","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":" بالياء تعذب بالتاء وقرأ عاصم غير أبان إن نعف نعذب بالنون فيهما ونصب طائفة والمعنى إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق للتوبة نعذب طائفة بترك التوبة وقيل الطائفتان هاهنا ثلاثة فاستهزأ اثنان وضحك واحد ثم أنكر عليهم بعض ما سمع وقد ذكرنا عن ابن عباس أسماء الثلاثة وأن الضاحك اسمه الجهير وقال غيره هو مخشي بن خمير وقال ابن عباس ومجاهد الطائفة الواحد فما فوقه وقال الزجاج أصل الطائفة في اللغة الجماعة ويجوز أن يقال للواحد طائفة يراد به نفس طائفة قال ابن الانباري إذا أريد بالطائفة الواحد كان اصلها طائفا على مثال قائم وقاعد فتدخل الهاء للمبالغة في الوصف كما يقال رواية علامة نسابة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا ينزل فيه شيء \r\n المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم ","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":" رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون \r\n قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض قاله ابن عباس بعضهم على دين بعض وقال مقاتل بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وهو الكفر وينهون عن المعروف وهو الإيمان \r\n وفي قوله ويقبضون أيديهم أربعة أقوال \r\n أحدها يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والثاني عن كل خير قاله قتادة والثالث عن الجهاد في سبيل الله والرابع عن رفعها في الدعاء إلى الله تعالى ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى نسوا الله فنسيهم قال الزجاج تركوا أمره فتركهم من رحمته وتوفيقه قال وقوله هي حسبهم أي هي كفاية ذنوبهم كما تقول عذبتك حسب فعلك وحسب فلان ما نزل به أي ذلك على قدر فعله وموضع الكاف في قوله كالذين من قبلكم نصب أي وعدكم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم وقال غيره رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم وشبههم في العدول عن أمره بمن كان قبلهم من الأمم الماضية \r\n قوله تعالى فاستمتعوا بخلاقهم قال ابن عباس استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا وقال الزجاج بحظهم من الدنيا \r\n قوله تعالى وخضتم أي في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا لأنها لم تقبل منهم وفي الآخرة لأنهم لا يثابون عليها وأولئك هم الخاسرون بفوت الثواب وحصول العقاب ","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":" قوله تعالى وقوم إبراهيم قال ابن عباس يريد نمرود بن كنعان وأصحاب مدين يعني قوم شعيب والمؤتفكات قرى لوط قال الزجاج وهم جمع مؤتفكة ائتفكت بهم الأرض أي انقلبت قال ويقال إنهم جميع من أهلك كما يقال للهالك انقلبت عليه الدنيا \r\n قوله تعالى أتتهم يعني هذه الأمم رسلهم بالبينات فكذبوا بها فما كان الله ليظلمهم قال ابن عباس ليهلكهم حتى يبعث فيهم نبيا ينذرهم والمعنى أنهم أهلكوا باستحقاقهم \r\n والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم \r\n قوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض أي بعضهم يوالي بعضا فهم يد واحدة يأمرون بالإيمان وينهون عن الكفر \r\n قوله تعالى في جنات عدن قال أبو عبيدة في جنات خلد يقال عدن فلان بأرض كذا أي أقام ومنه المعدن وهو في معدن صدق أي في أصل ثابت قال الأعشى ... وإن تستضيفوا إلى حلمه ... تضافوا إلى راجح قد عدن ","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":" أي رزين لا يستخف قال ابن عباس جنات عدن هي بطنان الجنة وبطنانها وسطها وهي أعلى درجة في الجنة وهي دار الرحمن عز و جل وسقفها عرشه خلقها بيده وفيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة بها \r\n قوله تعالى ورضوان من الله أكبر قال ابن عباس أكبر مما يوصف وقال الزجاج أكبر مما هم فيه من النعيم \r\n فان قيل لم يكن الرضوان أكبر من النعيم فعنه جوابان \r\n أحدهما أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب وذاك أكبر من نعيم الأكل والشرب وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يقول الله عز و جل لأهل الجنة يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك فيقول أفلا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا \r\n والثاني أن الموجب للنعيم الرضوان والموجب ثمرة الموجب فهو الأصل \r\n يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير \r\n قوله تعالى جاهد الكفار والمنافقين أما جهاد الكفار فبالسيف وفي جهاد المنافقين قولان \r\n أحدهما أنه باللسان قاله ابن عباس والحسن والضحاك والربيع بن أنس \r\n والثاني جهادهم باقامة الحدود عليهم روي عن الحسن وقتادة ","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":" فان قيل إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم فكيف تركهم بين أظهر أصحابه فلم يقتلهم \r\n فالجواب أنه إنما أمر بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام عليها فأما من إذا أطلع على كفره أنكر وحلف وقال إني مسلم فانه أمر أن يأخذه بظاهر أمره ولا يبحث عن سره \r\n قوله تعالى واغلظ عليهم قال ابن عباس يريد شدة الانتهار لهم والنظر بالبغضة والمقت وفي الهاء والميم من عليهم قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى الفريقين قاله ابن عباس \r\n والثاني إلى المنافقين قاله مقاتل \r\n يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا إليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير \r\n قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر المنافقين فعابهم فقال الجلاس بن سويد إن كان ما يقول على إخواننا حقا لنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس والله إنه لصادق ولأنتم شر من الحمير وأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك فأتى الجلاس فقال ما قلت شيئا فحلفا عند المنبر فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس وذهب إلى نحوه الحسن ومجاهد وابن سيرين ","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":" والثاني أن عبد الله بن ابي قال والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسمعه رجل من المسلمين فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والثالث أن المنافقين كانوا إذا خلوا سبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ذلك فحلفوا ما قالوا شيئا فنزلت هذه الآية قاله الضحاك فأما كلمة الكفر فهي سبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وطعنهم في الدين وفي سبب قوله وهموا بمالم ينالوا أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في ابن أبي حين قال لئن رجعنا إلى المدينة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة \r\n والثاني أنها نزلت فيهم حين هموا بقتل رسول الله رواه مجاهد عن ابن عباس قال والذي هم رجل يقال له الأسود وقال مقاتل هم خسة عشر رجلا هموا بقتله ليلة العقبة \r\n والثالث أنه لما قال بعض المنافقين إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير وقال له رجل من المؤمنين لأنتم شر من الحمير هم المنافق بقتله فذلك قوله وهموا بمالم ينالوا هذا قول مجاهد \r\n والرابع أنهم قالوا في غزوة تبوك إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا نباهي به رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم ينالوا ما هموا به \r\n قوله تعالى وما نقموا إلا أن أغناهم الله قال ابن قتيبة أي ليس ينقمون شيئا ولا يتعرفون من الله إلا الصنع ومثله قول الشاعر ... ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا ","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":" وأنهم سادة الملوك ولا ... تصلح إلا عليهم العرب ... \r\n وهذا ليس مما ينقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا وكقول النابغة ... ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ... \r\n أي ليس فيهم عيب قال ابن عباس كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة في ضنك من معاشهم فلما قدم عليهم غنموا وصارت لهم الأموال فعلى هذا يكون الكلام عاما وقال قتادة هذا في عبد الله بن أبي وقال عروة هو الجلاس بن سويد قتل له مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بديته فاستغنى فلما نزلت فان يتوبوا يك خيرا لهم قال الجلاس أنا أتوب إلى الله \r\n قوله تعالى وإن يتولوا أي يعرضوا عن الإيمان قال ابن عباس كما تولى عبد الله بن أبي يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار \r\n ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين \r\n قوله تعالى ومنهم من عاهد الله في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال ثم قال مرة أخرى فقال أما ترضى أن تكون مثل نبي الله فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":" ذهبا وفضة لسارت فقال والذي بعثك بالخق لئن دعوت الله أن يرزقني مالا لأوتين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما ثم نمت حتى ترك الصلوات إلى الجمعة ثم نمت فترك الجمعة فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبر خبره فقال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة وأنزل الله تعالى خذ من أموالهم صدقة وأنزل فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلين على الصدقة وكتب لهما كتابا يأخذان الصدقة وقال مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ما هذا إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي فانطلقا فأخبر السلمي فاستقبلهما بخيار ماله فقالا لا يجب هذا عليك فقال خذاه فان نفسي بذلك طيبة فأخذا منه فلما فرغا من صدقتهما مرا بثعلبة فقال أروني كتابكما فقال ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا فأخبرا رسول الله صلى الله عليه و سلم بما كان فنزلت هذه الآية إلى قوله بما كانوا يكذبون وكان عند رسول الله صلى الله عليه و سلم رجل من أقارب ثعلبة فخرج إلى ثعلبة فأخبره فأتى رسول الله وسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني فرجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئا فلما ولي أبو بكر سأله أن يقبل منه فأبى فلما ولي عمر سأله أن يقبل منه فأبى فلما ولي عثمان سأله أن يقبلها فقال لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر فلم يقبلها ","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":" وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي وقال ابن عباس مر ثعلبة على مجلس فأشهدهم على نفسه لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وفعلت كذا وكذا فآتاه الله من فضله فأخلف ما وعد فقص الله علينا شأنه \r\n والثاني أن رجلا من بني عمرو بن عوف كان له مال بالشام فأبطأ عنه فجهد له جهدا شديدا فحلف بالله لئن آتانا من فضله أي من ذلك المال لأصدقن منه ولأصلن فأتاه ذلك المال فلم يفعل فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال ابن السائب والرجل حاطب بن أبي بلتعة \r\n والثالث أن ثعلبة ومعتب بن قشير خرجا على ملأ فقالا والله لئن رزقنا الله لنصدقن فلما رزقهما بخلا به فنزلت هذه الآية قاله الحسن ومجاهد \r\n والرابع أن نبتل بن الحارث وجد بن قيس وثعلبة بن حاطب ومعتب ابن قشير قالوا لئن آتانا الله من فضله لنصدقن فلما آتاهم من فضله بخلوا به فنزلت هذه الآية قاله الضحاك \r\n فأما التفسير فقوله ومنهم يعني المنافقين من عاهد الله أي قال علي عهد الله لنصدقن الأصل لنتصدقن فأدغمت التاء في الصاد لقربها منها ","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":" ولنكونن من الصالحين أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والإنفاق في الخير وقد روى كهمس عن معبد بن ثابت أنه قال إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به ألم تسمع إلى قوله ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم \r\n فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون \r\n قوله تعالى فلما آتاهم من فضله أي ما طلبوا من المال بخلوا به ولم يفوا بما عاهدوا وتولوا وهم معرضون عن عهدهم \r\n فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب \r\n قوله تعالى فأعقبهم أي صير عاقبة أمرهم النفاق \r\n وفي الضمير في أعقبهم قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله فالمعنى جازاهم الله بالنفاق وهذا قول ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني أنها ترجع إلى البخل فالمعنى أعقبهم بخلهم بما نذروا نفاقا قاله الحسن \r\n قوله تعالى الم يعلموا يعني المنافقين أن الله يعلم سرهم وهو ما في نفوسهم ونجواهم حديثهم بينهم \r\n الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":" قوله تعالى الذين يلمزون المطوعين في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنه لما نزلت آية الصدقة جاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت هذه الآية قاله أبو مسعود \r\n والثاني أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام فقال بعض المنافقين والله ما جاء به عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع قاله ابن عباس \r\n وفي هذا الأنصاري قولان \r\n أحدهما أنه أبو خيثمة قاله كعب بن مالك والثاني أنه أبو عقيل \r\n وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال \r\n أحدها عبد الرحمن بن بيجان رواه أبو صالح عن ابن عباس ويقال ابن بيحان ويقال سيحان وقال مقاتل هو أبو عقيل بن قيس \r\n والثاني أن اسمه الحبحاب قاله قتادة \r\n والثالث الحباب قال قتادة جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف وجاء عاصم ","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":" ابن عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر و يلمزون بمعنى يعيبون و المطوعين أي المتطوعين قال الفراء أدغمت التاء في الطاء فصارت طاء مشددة والجهد لغة أهل الحجاز ولغة غيرهم الجهد قال أبو عبيدة الجهد بالفتح والضم سواء ومجازه طاقتهم وقال ابن قتيبة الجهد الطاقة والجهد المشقة قال المفسرون عني بالمطوعين عبد الرحمن وعاصم وبالذين لا يجدون إلا جهدهم أبو عقيل وقوله سخر الله منهم أي جازاهم على فعلهم وقد سبق هذا المعنى \r\n استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين \r\n قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبب نزولها أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا يا رسول الله استغفر لنا فنزلت هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين لعل الله يغفر لهم فنزل قوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وظاهر قوله استغفر لهم الأمر وليس كذلك إنما المعنى إن استغفرت وإن لم تستغفر لا يغفر لهم فهو كقوله أنفقوا طوعا أو كرها وقد سبق شرح هذا المعنى هناك هذا قول المحققين وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين رجي لهم الغفران ثم نسخت بقوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم \r\n فان قيل كيف جاز أن يستغفر لهم وقد أخبر بأنهم كفروا \r\n فالجواب أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن الإسلام ولا يجوز أن يقال علم كفرهم ثم استغفر ","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":" فان قيل ما معنى حصر العدد بسبعين \r\n فالجواب أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة وفي العشرات من سبعين \r\n فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون \r\n قوله تعالى فرح المخلفون بمقعدهم يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك والمخلف المتروك خلف من مضى بمقعدهم أي بقعودهم وفي قوله خلاف رسول الله قولان \r\n أحدهما أن معناه بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله أبو عبيدة \r\n والثاني أن معناه مخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو منصوب لأنه مفعول له فالمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله الزجاج وقرأ ابن مسعود وابن يعمر والأعمش وابن أبي عبلة خلف رسول الله ومعناها أنهم تأخروا عن الجهاد \r\n وفي قوله لا تنفروا في الحر قولان \r\n أحدهما أنه قول بعضهم لبعض قاله ابن اسحاق ومقاتل \r\n والثاني أنهم قالوه للمؤمنين ذكره الماوردي وإنما قالوا هذا لأن الزمان كان حينئذ شديد الحر قل نار جهنم أشد حرا لمن خالف أمر الله \r\n وقوله يفقهون معناه يعلمون قال ابن فارس الفقه العلم بالشيء تقول فقهت الحديث أفقهه وكل علم بشيء فقه ثم اختص به علم الشريعة فقيل لكل عالم بها فقيه قال المصنف وقال شيخنا علي بن عبيد الله الفقه في إطلاق اللغة الفهم وفي عرف الشريعة عبارة عن معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال ","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":" المكلفين بنحو التحليل والتحريم والإيجاب والإجزاء والصحة والفساد والغرم والضمان وغير ذلك وبعضهم يختار أن يقال الفقه فهم الشيء وبعضهم يختار أن يقال علم الشيء \r\n فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون \r\n قوله تعالى فليضحكوا قليلا لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد \r\n وفي قلة ضحكهم وجهان \r\n أحدهما أن الضحك في الدنيا لكثرة حزنها وهمومها قليل وضحكهم فيه أقل لما يتوجه إليهم من الوعيد \r\n والثاني أنهم إنما يضحكون في الدنيا وبقاؤها قليل وليبكوا كثيرا في الآخرة قال أبو موسى الأشعري إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع فلمثل ما هم فيه فليبكي \r\n قوله تعالى جزاء بما كانوا يكسبون أي من النفاق والمعاصي \r\n فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين \r\n قوله تعالى فان رجعك الله أي ردك من غزوة تبوك إلى المدينة إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر وإنما قال إلى طائفة لأنه ليس كل من تخلف عن تبوك كان منافقا فاستأذنوك للخروج معك إلى الغزو ","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":" فقل لن تخرجوا معي أبدا إلى غزاة إنكم رضيتم بالقعود عني أول مرة حين لم تخرجوا إلى تبوك وذكر الماوردي في قوله أول مرة قولين \r\n أحدهما أول مرة دعيتم والثاني قبل استئذانكم \r\n فأما الخالفون فقال أبو عبيدة الخالف الذي خلف بعد شاخص فقعد في رحله وهو الذي يتخلف عن القوم \r\n وفي المراد بالخالفين قولان \r\n أحدهما أنهم الرجال الذين تخلفوا لأعذار قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم النساء والصبيان قاله الحسن وقتادة \r\n ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون \r\n قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم سبب نزولها أنه لما توفي عبد الله ابن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أعطني قميصك حتى أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له فأعطاه قميصه فقال آذني أصلي عليه فآذنه فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر بن الخطاب وقال أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال أنا بين خيرتين استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فصلى عليه فنزلت هذه الآية رواه نافع عن ابن عمر قال قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم كان يقول ما يغني عنه قميصي من عذاب الله تعالى والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه قال الزجاج فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج ","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":" لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأراد الصلاة عليه فأما قوله منهم فانه يعني المنافقين وقوله ولا تقم على قبره قال المفسرون كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فنهي عن ذلك في حق المنافقين وقال ابن جرير معناه لا تتول دفنه وهو من قولك قام فلان بأمر فلان وقد تقدم تفسيره \r\n ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم \r\n قوله تعالى ولا تعجبك أموالهم سبق تفسيره \r\n قوله تعالى وإذا أنزلت سورة هذا عام في كل سورة وقال مقاتل المراد بها سورة براءة ","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":" قوله تعالى أن آمنوا أي بأن آمنوا وفيه ثلاثة أوجه \r\n أحدها استديموا الإيمان والثاني افعلوا فعل من آمن والثالث آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين \r\n قوله تعالى استأذنك أي في التخلف أولو الطول يعني الغني وهم الذين لا عذر لهم في التخلف وفي الخوالف قولان \r\n أحدهما أنهم النساء قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وشمر بن عطية وابن زيد والفراء وقال أبو عبيدة يجوز أن تكون الخوالف هاهنا النساء ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل غير أنهم قد قالوا فارس والجميع فوارس وهالك في قوم هوالك قال ابن الانباري الخوالف لا يقع إلا على النساء إذ العرب تجمع فاعلة فواعل فيقولون ضاربة وضوارب وشاتمة وشواتم ولا يجمعون فاعلا فواعل إلا في حرفين فوارس وهوالك فيجوز أن يكون مع الخوالف المتخلفات في المنازل ويجوز أن يكون مع المخالفات العاصيات ويجوز أن يكون مع النساء العجزة اللاتي لا مدافعة عندهن \r\n والقول الثاني أن الخوالف خساس الناس وأدنياؤهم يقال فلان خالفة أهله إذا كان دونهم ذكره ابن قتيبة فأما طبع فقال أبو عبيدة معناه ختم والخيرات جمع خيرة وللمفسرين في المراد بالخيرات ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الفاضلات من كل شيء قاله أبو عبيدة والثاني الجواري الفاضلات قاله المبرد والثالث غنائم الدنيا ومنافع الجهاد ذكره الماوردي \r\n وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى وجاء المعذرون وقرأ ابن مسعود المعتذرون وقرأ ابن ","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":" عباس ومجاهد وقتادة وابن يعمر ويعقوب المعذرون بسكون العين وتخفيف الذال وقرأ ابن السميفع المعاذرون بألف قال أبو عبيدة المعذرون من يعذر وليس بجاد وإنما يعرض بما لا يفعله أو يظهر غير ما في نفسه وقال ابن قتيبة يقال عذرت في الأمر إذا قصرت وأعذرت جددت وقال الزجاج من قرأ المعذرون بتشديد الذال فتأويله المعتذرون الذين يعتذرون كان لهم عذر أو لم يكن وهو هاهنا أشبه بأن يكون لهم عذر وأنشدوا ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ... \r\n أي فقد جاء بعذر ويجوز أن يكون المعذرون الذين يعذرون يوهمون أن لهم عذرا ولا عذر لهم ويجوز في النحو المعذرون بكسر العين والمعذرون بضم العين غير أنه لم يقرأ بهما لأن اللفظ بهما يثقل ومن قرأ المعذرون بتسكين العين فتأويله الذين أعذروا وجاؤوا بعذر وقال ابن الانباري المعذرون هاهنا المعتذرون بالعذر الصحيح وأصل الكلمة عند أهل النحو المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين وأبدلت الذال من التاء وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالا مشددة ويقال في كلام العرب اعتذر إذا جاء بعذر صحيح وإذا لم يأت بعذر قال الله تعالى قل لا تعتذروا فدل على فساد العذر وقال لبيد ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":" اي فقد جاء بعذر صحيح وكان ابن عباس يقرأ المعذرون ويقول لعن الله المعذرين يريد لعن الله المقصرين من المنافقين وغيرهم والمعذرون الذين يأتون بالعذر الصحيح فبان من هذا الكلام أن لهم عذرا على قراءة من خفف وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد فيه قولان \r\n قال المفسرون جاء هؤلاء ليؤذن لهم في التخلف عن تبوك فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جرأة على الله تعالى \r\n ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى ليس على الضعفاء اختلفوا فيهن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر قاله قتادة \r\n والثاني في ابن مكتوم قاله الضحاك \r\n وفي المراد بالضعفاء ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم الزمنى والمشايخ الكبار قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني أنهم الصغار ","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":" والثالث المجانين سموا ضعافا لضعف عقولهم ذكر القولين الماوردي والصحيح انهم الذين يضعفون لزمانة أو عمى أو سن أو ضعف في الجسم والمرضى الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال و الذين لا يجدون هم المقلون والحرج الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله وفيه وجهان \r\n أحدهما أن المعنى إذا برئوا من النفاق \r\n والثاني إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل \r\n فان قيل بالوجه الأول فهو يعم جميع المذكورين وإن قيل بالثاني فهو يخص المقلين وإنما شرط النصح لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد فهو مذموم ومن النصح لله حث المسلمين على الجهاد والسعي في إصلاح ذات بينهم وسائر ما يعود باستقامة الدين \r\n قوله تعالى ما على المحسنين من سبيل أي من طريق بالعقوبة لأن المحسن قد سد باحسانه باب العقاب \r\n قوله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم نزلت في البكائين واختلف في عددهم وأسمائهم فروى أبو صالح عن ابن عباس قال هم ستة عبد الله بن مغفل وصخر بن سلمان وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلية بن زيد الانصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ليحملهم فقال لا أجد ما أحملكم عليه فانصرفوا باكين وقد ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي مكان صخر بن سلمان سلمة بن صخر ومكان ثعلبة بن عنمة ","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":" عمرو بن عنمة قال وقيل منهم معقل بن يسار وروى أبو إسحاق عن أشياخ له أن البكائين سبعة من الأنصار سالم بن عمير وعلية بن زيد وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب وعمرو بن الحمام بن الجموح وعبد الله بن مغفل وبعض الناس يقول بل عبد الله بن عمرو المزني وعرباض بن سارية وهرمي ابن عبد الله أخو بني واقف وقال مجاهد نزلت في بني مقرن وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد فقال النعمان بن عمرو بن مقرن وقال أبو خيثمة هو النعمان بن مقرن وسويد بن مقرن ومعقل بن مقرن وسنان بن مقرن وعقيل بن مقرن وعبد الرحمن بن مقرن وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن وقال الحسن البصري نزلت في أبي موسى وأصحابه \r\n وفي الذي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يحملهم عليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الدواب قاله ابن عباس والثاني الزاد قاله أنس بن مالك والثالث النعال قاله الحسن \r\n يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى يعتذرون إليكم قال ابن عباس نزلت في المنافقين يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك فلا تعذروهم فليس لهم عذر فلما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم أتوه يعتذرون فقال الله تعالى قل لا تعتذروا لن نصدقكم قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر وسيرى الله عملكم ورسوله إن عملتم خيرا وتبتم من ","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":" تخلفكم ثم تردون بعد الموت إلى عالم الغيب والشهادة فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية \r\n سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون \r\n قوله تعالى سيحلفون بالله لكم قال مقاتل حلف منهم بضعة وثمانون رجلا منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير \r\n قوله تعالى لتعرضوا عنهم فيه قولان \r\n أحدهما لتصفحوا عن ذنبهم \r\n والثاني لأجل إعراضكم وقد شرحنا في المائدة معنى الرجس \r\n يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين \r\n قوله تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم قال مقاتل حلف عبد الله بن أبي للنبي صلى الله عليه و سلم لا أتخلف عنك ولأكونن معك على عدوك وطلب منه أن يرضى عنه وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطاب وجعلوا يترضون النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لما قدم المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم \r\n الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":" قوله تعالى الأعراب أشد كفرا قال ابن عباس نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حول المدينة أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل المدينة لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر \r\n قوله تعالى وأجدر ألا يعلموا قال الزجاج أن في موضع نصب لأن الباء محذوفة من أن المعنى أجدر بترك العلم تقول جدير أن تفعل وجدير بأن تفعل كما تقول أنت خليق بأن تفعل أي هذا الفعل ميسر فيك فاذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب أن وإن أتيت بالباء صلح ب أن وغيرها فنقول أنت جدير بأن تقوم وجدير بالقيام فاذا قلت أنت جدير القيام كان خطأ وإنما صلح مع أن لأن أن تدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف فأما قوله حدود ما أنزل الله فيعني به الحلال والحرام والفرائض وقيل المراد بالآية أن الأعم في العرب هذا \r\n ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم \r\n قوله تعالى ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق إذا خرج في الغزو وقيل ما يدفعه من الصدقة مغرما لأنه لا يرجو له ثوابا قال ابن قتيبة المغرم هو الغرم والخسر وقال ابن فارس الغرم ما يلزم أداؤه والغرام اللازم وسمي الغريم لإلحاحه وقال غيره الغرم التزام مالا يلزم \r\n قوله تعالى ويتربص أي وينتظر بكم الدوائر أي دوائر الزمان بالمكروه بالموت أو القتل أو الهزيمة وقيل ينتظر موت الرسول صلى الله عليه و سلم وظهور المشركين \r\n قوله تعالى عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين ","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":" وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي السوء بفتح السين وكذلك قرؤوا في سورة الفتح والمعنى عليهم يعود ما ينتظرونه لك من البلاء قال الفراء وفتح السين من السوء هو وجه الكلام فمن فتح أراد المصدر من سؤته سوءا ومساءة ومن رفع السين جعله اسما كقولك عليهم دائرة البلاء والعذاب ولا يجوز ضم السين في قوله ما كان أبوك امرأ سوء ولا في قوله وظننتم ظن السوء لأنه ضد لقولك رجل صدق وليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم \r\n ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ومن الأعراب من يؤمن بالله قال ابن عباس وهم من أسلم من الأعراب مثل جهينة وأسلم وغفار \r\n وفي قوله ويتخذ ما ينفق قولان \r\n أحدهما في الجهاد والثاني في الصدقة فأما القربات فجمع قربة وهي ما يقرب العبد من رضى الله ومحبته قال الزجاج وفي القربات ثلاثة أوجه ضم الراء وفتحها وإسكانها وفي المراد بصلوات الرسول قولان \r\n أحدهما استغفاره قاله ابن عباس \r\n والثاني دعاؤه قاله قتادة وابن قتيبة والزجاج وأنشد الزجاج ... عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فان لجنب المرء مضطجعا ","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":" قال إن شئت قلت مثل الذي ومثل الذي فالأمر أمر لها بالدعاء كأنه قال ادعي لي مثل الذي دعوت والثاني بمعنى عليك مثل هذا الدعاء \r\n قوله تعالى ألا إنها قربة لهم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عمر وحمزة والكسائي قربة لهم خفيفة وروى ورش وإسماعيل ابن جعفر عن نافع وأبان والمفضل عن عاصم قربة لهم بضم الراء وفي المشار إليها وجهان \r\n أحدهما أن الهاء ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم والثاني إلى صلوات الرسول \r\n قوله تعالى سيدخلهم الله في رحمته قال ابن عباس في جنته \r\n والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم \r\n قوله تعالى والسابقون الأولون فيهم ستة أقوال \r\n أحدها أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة \r\n والثاني أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بيعة الرضوان وهي الحديبية قاله الشعبي \r\n والثالث أنهم أهل بدر قاله عطاء بن أبي رباح \r\n والرابع أنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حصل لهم السبق بصحبته \r\n قال محمد بن كعب القرظي إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأوجب لهم الجنة محسنهم ومسيئهم في قوله والسابقون الأولون \r\n والخامس أنهم السابقون بالموت والشهادة سبقوا إلى ثواب الله تعالى وذكره الماوردي ","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":" والسادس أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة ذكره القاضي أبو يعلى \r\n قوله تعالى من المهاجرين والأنصار قرأ يعقوب والأنصار برفع الراء \r\n قوله تعالى والذين اتبعوهم باحسان من قال إن السابقين جميع الصحابة جعل هؤلاء تابعي الصحابة وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد روي عن ابن عباس أنه قال والذين اتبعوهم باحسان إلى أن تقوم الساعة ومن قال هم المتقدمون من الصحابة قال هؤلاء تبعوهم في طريقهم واقتدوا بهم في أفعالهم ففضل أولئك بالسبق وإن كانت الصحبة حاصلة للكل وقال عطاء اتباعهم إياهم باحسان أنهم يذكرون محاسنهم ويترحمون عليهم \r\n قوله تعالى تجري تحتها الأنهار قرأ ابن كثير من تحتها فزاد من وكسر التاء الثانية \r\n قوله تعالى رضي الله عنهم يعم الكل قال الزجاج رضي الله أفعالهم ورضوا ما جازاهم به \r\n وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم \r\n قوله تعالى وممن حولكم من الأعراف منافقون قال ابن عباس مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع كان فيهم بعد إسلامهم منافقون قال مقاتل وكانت منازلهم حول المدينة \r\n قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق قال ابن عباس مرنوا عليه وثبتوا منهم عبد الله بن أبي وجد بن قيس والجلاس ومعتب ","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":" ووحوح وأبو عامر الراهب وقال أبو عبيدة عتوا ومرنوا عليه وهو من قولهم تمرد فلان ومنه شيطان مريد \r\n فان قيل كيف قال ومن أهل المدينة مردوا وليس يجوز في الكلام من القوم قعدوا فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدهن أن تكون من الثانية مردودة على الأولى والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون ثم استأنف مردوا \r\n والثاني أن يكون في الكلام من مضمر تقديره ومن أهل المدينة من مردوا فاضمرت من لدلالة من عليها كقوله وما منا إلا له مقام معلوم يريد إلا من له مقام معلوم وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله منافقون \r\n والثالث أن مردوا متعلق بمنافقين تقديره ومن أهل المدينة منافقون مردوا ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري \r\n قوله تعالى لا تعلمهم فيه وجهان \r\n أحدهما لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم والثاني لا تعلم عواقبهم \r\n قوله تعالى سنعذبهم مرتين فيه عشرة أقوال \r\n أحدها أن العذاب الأول في الدنيا وهو فضيحتهم بالنفاق والعذاب الثاني عذاب القبر قاله ابن عباس قال وقام رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم جمعة خطيبا فقال يا فلان اخرج فانك منافق ويا فلان اخرج ففضحهم ","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":" والثاني أن العذاب الأول إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أن أحد العذابين الزكاة التي تؤخذ منهم والآخر الجهاد الذي يؤمرون به قاله الحسن \r\n والرابع الجوع وعذاب القبر رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال أبو مالك \r\n والخامس الجوع والقتل رواه سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والسادس القتل والسبي رواه معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وقال ابن قتيبة القتل والأسر \r\n والسابع أنهم عذبوا بالجوع مرتين رواه خصيف عن مجاهد \r\n والثامن أن عذابهم في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد وفي الآخرة بالنار قاله ابن زيد \r\n والتاسع أن الأول عند الموت تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم والثاني في القبر بمنكر ونكير قاله مقاتل بن سليمان \r\n والعاشر أن الأول بالسيف والثاني عند الموت قاله مقاتل بن حيان \r\n قوله تعالى ثم يردون إلى عذاب عظيم يعني عذاب جهنم \r\n وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنهم عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فلما ","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":" دنا رجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من هؤلاء قالوا هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك فأقسموا بالله لا يطلقون أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم فقال وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فنزلت هذه الآية فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وروى العوفي عن ابن عباس أن الذين تخلفوا كانوا ستة فأوثق أبو لبابة نفسه ورجلان معه وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم فلما نزلت هذه الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وعذرهم وروى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة أبو لبابة بن عبد المنذر وأوس ابن ثعلبة ووديعة بن خذام الأنصاري وقال سعيد بن جبير ومجاهد وزيد ابن أسلم كانوا ثمانية وقال قتادة ذكر لنا أنهم كانوا سبعة \r\n والثاني أنها نزلت في ابي لبانه وحده واختلفوا في ذنبه على قولين \r\n أحدهما أنه خان الله ورسوله باشارته إلى بني قريظة حين شاوروه في النزول على حكم سعد أنه الذبح وهذا قول مجاهد وقد شرحناه في الأنفال ","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":" والثاني أنه تخلفه عن تبوك قاله الزهري فأما الاعتراف فهو الاقرار بالشيء عن معرفة والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول \r\n قوله تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا قال ابن جرير وضع الواو مكان الباء والمعنى بآخر سيء كما تقول خلطت الماء واللبن \r\n وفي ذلك العمل قولان \r\n أحدهما أن العمل الصالح ما سبق من جهادهم والسيء التأخر عن الجهاد قاله السدي \r\n والثاني أن العمل الصالح توبتهم والسيء تخلفهم ذكره الفراء وفي قوله عسى قولان \r\n أحدهما أنه واجب من الله تعالى قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق وذلك يصد عن اللهو والإهمال \r\n خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم \r\n قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة قال المفسرون لما تاب الله عز و جل على أبي لبابة وأصحابه قالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا فقال ","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":" ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت هذه الآية \r\n وفي هذه الصدقة قولان \r\n أحدهما أنها الصدقة التي بذلوها تطوعا قاله ابن زيد والجمهور والثاني الزكاة قاله عكرمة \r\n قوله تعالى تطهرهم وقرأ الحسن تطهرهم بها بجزم الراء قال الزجاج يصلح أن يكون قوله تطهرهم نعتا للصدقة كأنه قال خذ من أموالهم صدقة مطهرة والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه و سلم المعنى فانك تطهرهم بها ف تطهرهم بالجزم على جواب الأمر المعنى إن تأخذ من أموالهم تطهرهم ولا يجوز في تزكيهم إلا إثبات الياء اتباعا للمصحف قال ابن عباس تطهرهم من الذنوب وتزكيهم تصلحهم وفي قوله وصل عليهم قولان \r\n أحدهما استغفر لهم قاله ابن عباس والثاني ادع لهم قاله السدي \r\n قوله تعالى إن صلواتك قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم إن صلواتك على الجمع وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إن صلاتك على التوحيد وفي قوله سكن لهم خمسة أقوال \r\n أحدها طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال أبو عبيدة تثبيت وسكون والثاني رحمة لهم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث قربة لهم رواه الضحاك عن ابن عباس والرابع وقار لهم قاله قتادة والخامس تزكية لهم حكاه الثعلبي قال الحسن وقتادة وهؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا ","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":" الم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة قرأ الجمهور يعلموا بالياء وروى عبد الوارث تعلموا بالتاء وقوله يقبل التوبة عن عباده قال أبو عبيدة أي من عبيده تقول أخذته منك وأخذته عنك \r\n قوله تعالى ويأخذ الصدقات قال ابن قتيبة أي يقبلها ومثله خذ العفو أي اقبله \r\n قوله تعالى وقل اعملوا قال ابن زيد هذا خطاب للذين تابوا \r\n وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى وآخرون مرجؤن وقرأ نافع وحمزة والكسائي مرجون بغير همز والآية نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانوا فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري فوقف رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرهم ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال الزجاج وآخرون عطف على قوله ومن أهل المدينة فالمعنى منهم منافقون ومنهم آخرون مرجون أي مؤخرون وإما ","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":" لوقوع أحد الشيئين والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم لكنه خاطب العباد بما يعلمون فالمعنى ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء \r\n قوله تعالى والله عليم حكيم أي عليم بما يؤول إليه حالهم حكيم بما يفعله بهم \r\n والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون \r\n قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والذين بواو وكذلك هي في مصاحفهم وقرأ نافع وابن عامر الذين بغير واو وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام قال أبو علي من قرأ بالواو فهو معطوف على ما قبله نحو قوله ومنهم من عاهد الله ومنهم من يلمزك ومنهم الذين يؤذون النبي والمعنى ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ومن حذف الواو فعلى وجهين \r\n أحدهما أن يضمر ومنهم الذين اتخذوا كقوله أكفرتم المعنى فيقال لهم أكفرتم \r\n والثاني أن يضمر الخبر بعد كما أضمر في قوله إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام المعنى ينتقم منهم ويعذبون قال أهل التفسير لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتاهم فصلى فيه حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وكانوا من منافقي الأنصار فقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله فيصلي ","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":" فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة عاداه فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا من استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد ونبتل بن الحارث وبجاد بن عثمان وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وعباد بن حنيف ووديعة بن ثابت وأبو حبيبة بن الأزعر وجارية بن عامر وابناه يزيد ومجمع وكان مجمع إمامهم فيه ثم صلحت حاله وبحزج جد عبد الله بن حنيف وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أردت بما أرى فقال والله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب وقال مقاتل الذي حلف مجمع وقيل كانوا سبعة عشر فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه فدعى بقميصه ليلبسه فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم فدعا معن بن عدي ومالك بن الدخشم في آخرين وقال انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه وأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا \r\n فأما التفسير فقال الزجاج الذين في موضع رفع المعنى ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وضرارا انتصب مفعولا له المعنى اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد فلما حذفت اللام أفضى الفعل فنصب قال المفسرون ","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":" والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء وكفرا بالله ورسوله وتفريقا بين المؤمنين لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا فأرادوا تفريق جماعتهم والإرصاد الانتظار فانتظروا به مجيء أبي عامر وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار وليحلفن إن أردنا أي ما أردنا إلا الحسنى أي ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى وفيها ثلاثة أوجه \r\n أحدها طاعة الله والثاني الجنة والثالث فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة وقد ذكرنا اسم الحالف \r\n لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين \r\n قوله تعالى لا تقم فيه أي لا تصل فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى أي بني على الطاعة وبناه المتقون من أول يوم أي منذ أول يوم قال الزجاج من في الزمان والأصل منذ ومذ وهو الأكثر في الاستعمال وجائز دخول من لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض ومثله قول زهير ... لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر ... \r\n وقيل معناه من مر حجج ومن مر شهر وفي هذا المسجد ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة الذي فيه منبره وقبره روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد الذي أسس على ","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":" التقوى فقال أحدهما هو مسجد الرسول وقال الآخر هو مسجد قباء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال هو مسجدي هذا وبه قال ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وسعيد بن المسيب \r\n والثاني أنه مسجد قباء رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك ومقاتل \r\n والثالث أنه كل مسجد بني في المدينة قاله محمد بن كعب \r\n قوله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا سبب نزولها أن رجالا من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية قاله الشعبي قال ابن عباس لما نزلت هذه الآية أتاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ما الذي أثنى الله به عليكم فقالوا إنا نستنجي بالماء فعلى هذا المراد به الطهارة بالماء وقال أبو العالية أن يتطهروا من الذنوب \r\n أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين \r\n قوله تعالى أفمن أسس بنيانه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ","part":3,"page":501},{"id":1502,"text":" والكسائي أسس بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما وقرأ نافع وابن عامر أسس بضم الألف بنيانه برفع النون والبنيان مصدر يراد به المبني والتأسيس إحكام اس البناء وهو أصله والمعنى المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير أم المؤسس بنيانه غير متق قال الزجاج وشفا الشيء حرفه وحده والشفا مقصور يكتب بالألف ويثنى شفوان \r\n قوله تعالى جرف قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي جرف مثقلا وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم جرف ساكنة الراء قال أبو علي فالضم الأصل والإسكان تخفيف ومثله الشغل والشغل قال ابن قتيبة المعنى على حرف جرف هائر والجرف ما يتجرف بالسيول من الأودية والهائر الساقط ومنه تهور البناء وانهار إذا سقط وقرأ ابن كثير وحمزة هار بفتح الهاء وأمال الهاء نافع وأبو عمرو وعن عاصم كالقراءتين \r\n قوله تعالى فانهار به أي بالباني في نار جهنم قال الزجاج وهذا مثل والمعنى أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها وقال قتادة ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة فرؤي فيها الدخان قال جابر رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان \r\n لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم \r\n قوله تعالى لا يزال بنيانهم يعني مسجد الضرار الذي بنوا ريبة في قلوبهم وفيها ثلاثة أقوال ","part":3,"page":502},{"id":1503,"text":" أحدها شكا ونفاقا لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه قاله ابن عباس وابن زيد \r\n والثاني حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه قاله ابن السائب ومقاتل \r\n والثالث أن المعنى لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم قاله السدي والمبرد \r\n قوله تعالى إلا أن تقطع قلوبهم قرأ الأكثرون إلا وهو حرف استثناء وقرأ يعقوب إلى أن فجعله حرف جر وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم تقطع بضم التاء وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم تقطع بفتح التاء ثم في المعنى قولان \r\n أحدهما إلا أن يموتوا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة في آخرين \r\n والثاني إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم ذكره الزجاج \r\n إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم \r\n قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم سبب نزولها أن الانصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فاذا ","part":3,"page":503},{"id":1504,"text":" فعلنا ذلك فما لنا قال الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إن الله اشترى الآية قاله محمد بن كعب القرظي فأما اشتراء النفس فبالجهاد \r\n وفي اشتراء الأموال وجهان بالإنفاق في الجهاد والثاني بالصدقات وذكر الشراء هاهنا مجاز لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك المشترى فهو كقوله من ذا الذي يقرض الله والمراد من الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض وكان الحسن يقول لا والله إن في الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت بيعته وقال قتادة ثامنهم والله فأغلى لهم \r\n قوله تعالى فيقتلون ويقتلون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم فيقتلون ويقتلون فاعل ومفعول وقرأ حمزة والكسائي فيقتلون ويقتلون مفعول وفاعل قال أبو علي القراءة الأولى بمعنى أنهم يقتلون أولا ويقتلون والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم فان لم يقدر فيه التقديم فالمعنى يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل كما أن قوله فما وهنوا لما أصابهم ما وهن من بقي بقتل من قتل ومعنى الكلام إن الجنة عوض عن جهادهم قتلوا أو قتلوا وعدا عليه قال الزجاج نصب وعدا بالمعنى لأن معنى قوله بأن لهم الجنة وعدا عليه حقا قال وقوله في التوراة والإنجيل يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة ","part":3,"page":504},{"id":1505,"text":" قوله تعالى ومن أوفى أي لا أحد أوفى بما وعد من الله فاستبشروا أي فافرحوا بهذا البيع \r\n التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين \r\n قوله تعالى التائبون سبب نزولها أنه لما نزلت التي قبلها قال رجل يا رسول الله وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس قال الزجاج يصلح الرفع هاهنا على وجوه أحدها المدح كأنه قال هؤلاء التائبون أو هم التائبون ويجوز أن يكون على البدل والمعنى يقاتل التائبون فهذا مذهب أهل اللغة والذي عندي أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر المعنى التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد \r\n وللمفسرين في قوله التائبون قولان أحدهما الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي والثاني الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر \r\n وفي قوله العابدون ثلاثة أقوال أحدها المطيعون لله بالعبادة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني المقيمون الصلاة قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث الموحدون قاله سعيد بن جبير \r\n قوله تعالى الحامدون قال قتادة يحمدون الله على كل حال \r\n وفي السائحين أربعة أقوال ","part":3,"page":505},{"id":1506,"text":" أحدها الصائمون قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في آخرين قال الفراء ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحا تشبيها بالسائح لأن السائح لا زاد معه والعرب تقول للفرس إذا كان قائما لا علف بين يديه صائم وذلك أن له قوتين غدوة وعشية فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره والثاني أنهم الغزاة قاله عطاء والثالث طلاب العلم قاله عكرمة والرابع المهاجرون قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى الراكعون الساجدون يعني في الصلاة الآمرون بالمعروف وهو طاعة الله والناهون عن المنكر وهو معصية الله \r\n فان قيل ما وجه دخول الواو في قوله والناهون فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة والعرب تعطف بالواو على السبعة كقوله وثامنهم كلبهم وقوله في صفة الجنة وفتحت أبوابها ذكره جماعة من المفسرين \r\n والثاني أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات \r\n قوله تعالى والحافظون لحدود الله قال الحسن القائمون بأمر الله \r\n ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ","part":3,"page":506},{"id":1507,"text":" قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال أي عم قل معي لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وابن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأستغفرن لك مالم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا الآية ونزلت إنك لا تهدي من أحببت أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه وقيل إنه لما مات أبو طالب جعل النبي صلى الله عليه و سلم يستغفر له فقال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا وقد استغفر ابراهيم لأبيه وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت هذه الآية قال أبو الحسين بن المنادي هذا لا يصح إنما قال النبي صلى الله عليه و سلم لعمه لأستغفرن لك مالم أنه عنك قبل أن يموت ","part":3,"page":507},{"id":1508,"text":" وهو في السياق فأما أن يكون استغفر له بعد الموت فلا فانقلب ذلك على الرواة وبقي على انقلابه \r\n والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبر أمه آمنة فتوضأ وصلى ركعتين ثم بكى فبكى الناس لبكائه ثم انصرف إليهم فقالوا ما الذي أبكاك فقال مررت بقبر امي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرا فأبكاني ثم دعا براحلته فركبها فما سار إلا هنيأة حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا والأية التي بعدها رواه بريدة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثالث أن رجلا استغفر لأبويه وكانا مشركين فقال له علي بن أبي طالب أتستغفر لهما وهما مشركان فقال أولم يستغفر إبراهيم لأبيه فذكر ذلك علي للنبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية والتي بعدها رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام \r\n والرابع أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا ","part":3,"page":508},{"id":1509,"text":" نستغفر لهم فقال بلى والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه فنزلت هذه الآية وبين عذر إبراهيم قاله قتادة ومعنى قوله من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم أي من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا \r\n قوله تعالى إلا عن موعدة وعدها إياه فيه قولان \r\n أحدهما أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار وذلك قوله سأستغفر لك ربي وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله بذلك \r\n والثاني أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى بموته على الكفر ترك الدعاء له فعلى الأول تكون هاء الكناية في إياه عائدة على آزر وعلى الثاني تعود على إبراهيم وقرأ ابن السميفع ومعاذ القارئ وأبو نهيك وعدها أباه بالباء \r\n وفي الأواه ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه الخاشع الدعاء المتضرع رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنه الدعاء رواه زر عن عبد الله وبه قال عبيد بن عمير \r\n والثالث الرحيم رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود وبه قال الحسن وقتادة وأبو ميسرة \r\n والرابع أنه الموقن رواه أبو ظبيان عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك \r\n والخامس أنه المؤمن رواه العوفي ومجاهد وابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":3,"page":509},{"id":1510,"text":" والسادس أنه المسبح رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة وبه قال سعيد ابن المسيب وابن جبير \r\n والسابع أنه المتأوه لذكر عذاب الله قاله الشعبي قال أبو عبيدة مجاز أواه مجاز فعال من التأوه ومعناه متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه قال المثقب ... إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين ... \r\n والثامن أنه الفقيه رواه ابن جريج عن مجاهد فأما الحليم فهو الصفوح عن الذنوب \r\n وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير \r\n قوله تعالى وما كان الله ليضل قوما الآية سبب نزولها أنه لما نزلت آية الفرائض وجاء النسخ وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر ومات أقوام على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال قوم المعنى أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه فاذا حرمه ولم يمتنعوا عنه فقد ضلوا وقال ابن الانباري في الآية حذف واختصار والتأويل حتى ","part":3,"page":510},{"id":1511,"text":" يتبين لهم ما يتقون فلا يتقونه فعند ذلك يستحقون الضلال فحذف ما حذف لبيان معناه كما تقول العرب أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال يريدون فتجرت فكسبت \r\n لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم \r\n قوله تعالى لقد تاب الله على النبي قال المفسرون تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف وقال أهل المعاني هو مفتاح كلام وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين ذكر معهم كقوله فإن لله خمسه وللرسول \r\n قوله تعالى الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال الزجاج هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك والمراد بساعة العسرة وقت العسرة لأن الساعة تقع على كل الزمان وكان في ذلك الوقت حر شديد والقوم في ضيقة شديدة كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه وكانوا في فقر فربما اقتسم التمرة اثنان وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر وقيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن ساعة العسرة فقال خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا قال تحب ","part":3,"page":511},{"id":1512,"text":" ذلك قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر \r\n قوله تعالى من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم قرأ حمزة وحفص عن عاصم كاد يزيغ بالياء وقرأ الباقون بالتاء وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها تميل إلى التخلف عنه وهم ناس من المسلمين هموا بذلك ثم لحقوه قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها ولم تزغ عن الإيمان قاله الزجاج \r\n والثالث أن القلوب كادت تزيغ تلفا بالجهد والشدة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ثم تاب عليهم كرر ذكر التوبة لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم فقدم ذكر التوبة فضلا منه ثم ذكر ذنبه ثم أعاد ذكر التوبة \r\n وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم \r\n قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وقرأ أبو رزين وأبو مجلز والشعبي وابن يعمر خالفوا بألف وقرأ معاذ القارئ وعكرمة وحميد ","part":3,"page":512},{"id":1513,"text":" خلفوا بفتح الخاء واللام المخففة وقرأ أبو الجوزاء وأبو العالية خلفوا بفتح الخاء واللام مع تشديدها وهؤلاء هم المرادون بقوله وآخرون مرجون وقد تقدمت أسماؤهم وفي معنى خلفوا قولان \r\n أحدهما خلفوا عن التوبة قاله ابن عباس ومجاهد فيكون المعنى خلفوا عن توبة الله على أبي لبابة واصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك \r\n والثاني خلفوا عن غزوة تبوك قاله قتادة وحديثهم مندرج في توبة كعب بن مالك وقد رويتها في كتاب الحدائق \r\n قوله تعالى حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي ضاقت مع سعتها وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم وأمروا باعتزال أزواجهم وكان النبي صلى الله عليه و سلم معرضا عنهم وضاقت عليهم أنفسهم بالهم والغم وظنوا أي أيقنوا أن لا ملجأ أي لا معتصم من الله ومن عذابه إلا هو ثم تاب عليهم أعاد التوبة تأكيدا ليتوبوا قال ابن عباس ليستقيموا وقال غيره وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها وسئل بعضهم عن التوبة النصوح فقال أن تضيق على التائب الارض وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب وصاحبيه \r\n يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونا مع الصادقين \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا الله وكونوا مع الصادقين في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين ","part":3,"page":513},{"id":1514,"text":" والثاني أنها في أهل الكتاب والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه و سلم وكونوا مع الصادقين \r\n وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال \r\n أحدها أنه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاله ابن عمر \r\n والثاني أبو بكر وعمر قاله سعيد بن جبير والضحاك وقد قرأ ابن السميفع وأبو المتوكل ومعاذ القارئ مع الصادقين بفتح القاف وكسر النون على التثنية \r\n والثالث أنهم الثلاثة الذين خلفوا صدقوا النبي صلى الله عليه و سلم عن تأخرهم قاله السدي \r\n والرابع أنهم المهاجرون لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجهاد قاله ابن جريج قال أبو سليمان الدمشقي وقيل إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة فقال يا معشر الأنصار إن الله يقول في كتابه للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا إلى قوله أولئك هم الصادقون من هم قالت الأنصار أنتم هم قال فان الله تعالى يقول اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء \r\n والخامس أنه عام قاله قتادة ومع بمعنى من وكذلك هي في قراءة ابن مسعود وكونوا من الصادقين \r\n ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ","part":3,"page":514},{"id":1515,"text":" إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبير ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولها من الاعراب قال ابن عباس يعني مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار أن يتخلفوا عن رسول الله في غزوة غزاها ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول الله في الحر والمشقة يقال رغبت بنفسي عن الشيء إذا ترفعت عنه \r\n قوله تعالى ذلك أي ذلك النهي عن التخلف بأنهم لا يصيبهم ظمأ وهو العطش ولا نصب وهو التعب ولا مخمصة وهو المجاعة ولا ينالون من عدو نيلا أسرا أو قتلا أو هزيمة فأعلمهم الله أن يجازيهم على جميع ذلك \r\n قوله تعالى ولا ينفقون نفقة صغيرة قال ابن عباس تمرة فما فوقها ولا يقطعون واديا مقبلين أو مدبرين إلا كتب لهم أي أثبت لهم أجر ذلك ليجزيهم الله أحسن أي بأحسن ما كانوا يعملون \r\n فصل \r\n قال شيخنا علي بن عبيد الله اختلف المفسرون في هذه الآية فقالت طائفة كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين كان الجهاد يلزم الكل ثم نسخ ذلك بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة ","part":3,"page":515},{"id":1516,"text":" وقالت طائفة فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه و سلم ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين \r\n أحدهما أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم \r\n والثاني أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدين كله فأمروا بالتظاهر لئلا يقل العدد وهذا الحكم باق إلى وقتنا فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا فعلى هذا الآية محكمة قال أبو سليمان لكل آية وجهها وليس للنسخ على إهدى الآيتين طريق \r\n وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون \r\n قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة في سبب نزولها أربعة اقوال \r\n أحدها أنه لما أنزل الله عز و جل عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا سرية أبدا فلما أرسل السرايا بعد تبوك نفر المسلمون جميعا وتركوا رسول الله وحده فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا على مضر أجدبت بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها إلى المدينة من الجهد ويظهرون الإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أن ناسا أسلموا وخرجوا إلى البوادي يعلمون قومهم فنزلت ","part":3,"page":516},{"id":1517,"text":" إلا تنفروا يعذبكم فقال ناس من المنافقين هلك من لم ينفر من أهل البوادي فنزلت هذه الآية قاله عكرمة \r\n والرابع أن ناسا خرجوا إلى البوادي يعلمون الناس ويهدونهم ويصيبون من الحطب ما ينتفعون به فقال لهم الناس ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فأقبلوا من البادية كلهم فنزلت هذه الآية قاله مجاهد قال الزجاج ولفظ الآية لفظ الخبر ومعناها الأمر كقوله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين والمعنى ينبغي أن ينفر بعضهم ويبقى البعض قال الفراء ينفر وينفر بكسر الفاء وضمها لغتان واختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين \r\n أحدهما أنه النفير إلى العدو فالمعنى ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم بل تنفر طائفة وتبقى مع النبي صلى الله عليه و سلم طائفة ليتفقهوا في الدين يعني الفرقة القاعدين فاذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن أو تجدد أمر أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم وهذا المعنى مروي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه النفير إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بل تنفر منهم طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون ولينذروا قومهم المتخلفين هذا قول الحسن وهو أشبه بظاهر الآية فعلى القول الأول يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه وعلى القول الثاني يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم \r\n يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ","part":3,"page":517},{"id":1518,"text":" آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون \r\n قوله تعالى قاتلوا الذين يلونكم من الكفار قد أمر بقتال الكفار على العموم وإنما يبتدأ بالأقرب فالأقرب وفي المراد بمن يليهم خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم الروم قاله ابن عمر والثاني قريظة والنضير وخيبر وفدك قاله ابن عباس والثالث الديلم قاله الحسن والرابع العرب قاله ابن زيد والخامس أنه عام في قتال الاقرب فالأقرب قاله قتادة وقال الزجاج في هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم قال وقيل كان النبي صلى الله عليه و سلم ربما تخطى في حربه الذين يلونه من الأعداء ليكون ذلك أهيب له فأمر بقتال من يليه ليستن بذلك وفي الغلظة ثلاث لغات غلظة بكسر الغين وبها قرأ الأكثرون وغلظة بفتح الغين رواها جبلة عن عاصم وغلظة بضم الغين رواها المفضل عن عاصم ومثلها جذوة وجذوة وجذوة ووجنة ووجنة ووجنة ورغوة ورغوة ورغوة وربوة وربوة وربوة وقسوة وقسوة وقسوة وإلوة وإلوة وإلوة في اليمين وشاة لجبة ولجبة ولجبة قد ولى لبنها قال ابن عباس في قوله غلظة شجاعة وقال مجاهد شدة \r\n قوله تعالى فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا هذا قول المنافقين بعضهم لبعض استهزاء بقول الله تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا لأنهم ","part":3,"page":518},{"id":1519,"text":" إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها زادتهم إيمانا وهم يستبشرون أي يفرحون بنزولها وأما الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق \r\n وفي المراد بالرجس ثلاثة أقوال \r\n أحدها الشك قاله ابن عباس والثاني الإثم قاله مقاتل والثالث الكفر لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أولا يرون يعني المنافقين وقرأ حمزة أولا ترون بالتاء على الخطاب للمؤمنين وفي معنى يفتنون ثمانية أقوال \r\n أحدها يكذبون كذبة أو كذبتين يضلون بها قاله حذيفة بن اليمان \r\n والثاني ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث يبتلون بالغزو في سبيل الله قاله الحسن وقتادة \r\n والرابع يفتنون بالسنة والجوع قاله مجاهد \r\n والخامس بالأوجاع والأمراض قاله عطية \r\n والسادس ينقضون عهدهم مرة أو مرتين قاله يمان \r\n والسابع يكفرون وذلك أنهم كانوا إذا أخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم بما تكلموا به إذ خلوا علموا أنه نبي ثم يأتيهم الشيطان فيقول إنما بلغه هذا عنكم فيشركون قاله مقاتل بن سليمان \r\n والثامن يفضحون باظهار نفاقهم قاله مقاتل بن حيان \r\n قوله تعالى ثم لا يتوبون أي من نفاقهم ولا هم يذكرون أي يعتبرون ويتعظون ","part":3,"page":519},{"id":1520,"text":" وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون \r\n قوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض قال ابن عباس كانت إذا أنزلت سورة فيها عيب المنافقين وخطبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وعرض بهم في خطبته شق ذلك عليهم ونظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب يقولون هل يراكم من أحد من المؤمنين إن قمتم فان لم يرهم أحد خرجوا من المسجد قال الزجاج كأنهم يقولون ذلك إيماء لئلا يعلم بهم أحد ثم انصرفوا عن المكان وجائز عن العمل بما يسمعون وقال الحسن ثم انصرفوا على عزم التكذيب بمحمد صلى الله عليه و سلم وبما جاء به \r\n قوله تعالى صرف الله قلوبهم قال ابن عباس عن الإيمان وقال الزجاج أضلهم مجازاة على فعلهم \r\n لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم \r\n قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم قرأ الجمهور بضم الفاء وقرأ ابن عباس وأبو العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو بفتحها وفي المضمونة أربعة أقوال \r\n أحدها من جميع العرب قاله ابن عباس وقال ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت رسوله الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني ممن تعرفون قاله قتادة \r\n والثالث من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية قاله جعفر الصادق ","part":3,"page":520},{"id":1521,"text":" الرابع بشر مثلكم فهو آكد للحجة لأنكم تفقهون عمن هو مثلكم قاله الزجاج وفي المفتوحة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أفضلكم خلقا والثاني أشرفكم نسبا والثالث أكثركم طاعة لله عز و جل \r\n قوله تعالى عزيز عليه ما عنتم فيه قولان \r\n أحدهما شديد عليه ما شق عليكم رواه الضحاك عن ابن عباس قال الزجاج شديد عليه عنتكم والعنت لقاء الشدة \r\n والثاني شديد عليه ما آثمكم رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى حريص عليكم قال الحسن حريص عليكم أن تؤمنوا \r\n قوله تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم قال ابن عباس سماه باسمين من أسمائه وقال أبو عبيدة رؤوف فعول من الرأقة وهي أرق من الرحمة ويقال رؤف وأنشد ... ترى للمؤمنين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم ... \r\n وقيل رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين \r\n فان تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم \r\n قوله تعالى فان تولوا أي أعرضوا عن الإيمان فقل حسبي الله أي يكفيني رب العرش العظيم وقرأ ابن محيصن العظيم برفع ","part":3,"page":521},{"id":1522,"text":" الميم وإنما خص العرش بالذكر لأنه الأعظم فيدخل فيه الأصغر قال أبي بن كعب آخر آية أنزلت لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة تم بعون الله تبارك وتعالى الجزء الثالث من زاد المسير في علم التفسير ويليه الجزء الرابع وأوله تفسير سورة يونس ","part":3,"page":522},{"id":1523,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم سورة يونس \r\n فصل في نزولها \r\n روى عطية وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن وعكرمة وروى أبو صالح عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به يونس 40 وفي رواية عن ابن عباس فيها ثلاث آيات من المدني أولها قوله فإن كنت في شك يونس 94 إلى رأس ثلاث آيات وبه قال قتادة وقال مقاتل هي مكية غير آيتين قوله فإن كنت في شك والتي تليها يونس 9594 وقال بعضهم هي مكية إلا آيتين وهي قوله قل بفضل الله وبرحمته والتي تليها يونس 5958 \r\n آلر تلك آيات الكتاب الحكيم \r\n فأما قوله الر قرأ ابن كثير الر بفتح الراء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي الر على الهجاء مكسورة وقد ذكرنا في أول سورة البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس وقد خصت هذه الكلمة ","part":4,"page":3},{"id":1524,"text":" بستة أقوال أحدها أن معناها أنا الله أرى رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنا الله الرحمن رواه عطاء عن ابن عباس والثالث أنه بعض اسم من أسماء الله روى عكرمة عن ابن عباس قال الر و حم و نون حروف الرحمن والرابع أنه قسم أقسم الله به رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والخامس أنه اسم من أسماء القرآن قاله مجاهد وقتادة والسادس أنه اسم للسورة قاله ابن زيد وفي قوله تلك قولان أحدهما أنه بمعنى هذه قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره أبو عبيدة والثاني أنه على أصله ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الإشارة إلى الكتب المتقدمة من التوراة والإنجيل قاله مجاهد وقتادة فيكون المعنى هذه الأقاصيص التي تسمعونها تلك الآيات التي وصفت في التوراة والإنجيل والثاني أن الإشارة إلى الآيات التي جرى ذكرها من القرآن قاله الزجاج والثالث أن تلك إشارة إلى الر وأخواتها من حروف المعجم أي تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب لأن الكتاب بها يتلى وألفاظه إليها ترجع ذكره ابن الأنباري قال أبو عبيدة الحكيم بمعنى المحكم المبين الموضح والعرب قد تضع فعيلا في معنى مفعل قال الله تعالى مالدي عتيد ق23 18 أي معد \r\n أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين إن ربكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر مامن شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ","part":4,"page":4},{"id":1525,"text":" قوله تعالى أكان للناس عجبا سبب نزولها أن الله تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه و سلم أنكرت الكفار ذلك وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فنزلت هذه الآية والمراد بالناس هاهنا أهل مكة والمراد بالرجل محمد صلى الله عليه و سلم ومعنى منهم يعرفون نسبه قاله ابن عباس فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار قال ابن الأنباري والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إرسال محمد محذوف هاهنا وهو مبين في قوله نحن قسمنا بينهم معيشتهم الزخرف 32 أي فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة فلا تنكروا تفضيل الله من شاء بالنبوة وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع آخر قال وقيل إنما عجبوا من ذكر البعث والنشور لأن الإنذار والتبشير يتصلان بهما فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك مثل قوله وهو أهون عليه الروم 27 وقوله يحيها الذي أنشأها أول مرة يس 79 \r\n وفي المراد بقوله قدم صدق سبعة أقوال \r\n أحدها أنه الثواب الحسن بما قدموا من أعمالهم رواه العوفي عن ابن عباس وروى عنه أبو صالح قال عمل صالح يقدمون عليه \r\n والثاني أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال أبو عبيدة سابقة صدق \r\n والثالث شفيع صدق وهو محمد صلى الله عليه و سلم يشفع لهم يوم القيامة قاله الحسن \r\n والرابع سلف صدق تقدموهم بالإيمان قاله مجاهد وقتادة \r\n والخامس مقام صدق لا زوال عنه قاله عطاء ","part":4,"page":5},{"id":1526,"text":" والسادس أن قدم الصدق المنزلة الرفيعة قاله الزجاج \r\n والسابع أن القدم هاهنا مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه و سلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته ذكره ابن الأنباري \r\n فإن قيل لم آثر القدم هاهنا على اليد والعرب تستعمل اليد في موضع الإحسان \r\n فالجواب أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر قال ذو الرمة ... لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر ... \r\n فإن قيل ما وجه إضافة القدم إلى الصدق \r\n فالجواب أن ذلك مدح للقدم وكل شيء أضفته إلى الصدق فقد مدحته ومثله أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وقوله في مقعد صدق وفي الكلام محذوف تقديره أوحينا إلى رجل منهم فلما اتاهم الوحي قال الكافرون إن هذا لسحر مبين قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي لسحار بألف وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر لسحر بغير ألف قال أبو علي قد تقدم قوله أن أوحينا إلى رجل منهم فمن قال ساحر أراد الرجل ومن قال سحر أراد الذي أوحي سحر أي الذي تقولون أنتم فيه إنه وحي سحر قال الزجاج ","part":4,"page":6},{"id":1527,"text":" لما أنذرهم بالبعث والنشور فقالوا هذا سحر أخبرهم أن الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله إن ربكم الله وقد سبق تفسيره في الأعراف 54 \r\n قوله تعالى يدبر الأمر قال مجاهد يقضيه وقال غيره يأمر به ويمضيه \r\n قوله تعالى مامن شفيع إلى من بعد إذنه فيه قولان \r\n أحدهما لا يشفع أحد إلا أن يأذن له قاله ابن عباس قال الزجاج لم يجر للشفيع ذكر قبل هذا ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون الأصنام شفعاؤنا \r\n والثاني أن المعنى لا ثاني معه مأخوذ من الشفع لأنه لم يكن معه أحد ثم خلق الأشياء فقوله إلا من بعد إذنه أي من بعد أمره أن يكون الخلق فكان ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى فاعبدوه قال مقاتل وحدوه وقال الزجاج المعنى فاعبدوه وحده وقوله تذكرون معناه تتعظون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون \r\n قوله تعالى إليه مرجعكم جميعا أي مصيركم يوم القيامة وعد الله حقا قال الزجاج وعد الله منصوب على معنى وعدكم الله وعدا لأن قوله إليه مرجعكم معناه الوعد بالرجوع و حقا منصوب على أحق ذلك حقا \r\n قوله تعالى إنه يبدأ الخلق قرأه الأكثرون بكسر الألف وقرأت ","part":4,"page":7},{"id":1528,"text":" عائشة وأبو رزين وعكرمة وأبو العالية والأعمش بفتحها قال الزجاج من كسر فعلى الاستئناف ومن فتح فالمعنى إليه مرجعكم لأنه يبدأ الخلق قال مقاتل يبدأ الخلق ولم يكن شيئا ثم يعيده بعد الموت وأما القسط فهو العدل \r\n فإن قيل كيف خص جزاء المؤمنين بالعدل وهو في جزاء الكافرين عادل أيضا \r\n فالجواب أنه لو جمع الفريقين في القسط لم يتبين في حال اجتماعهما ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم ففصلهم من المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل أيضا ذكره ابن الأنباري فأما الحميم فهو الماء الحار وقال أبو عبيدة كل حار فهو حميم هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأويهم النار بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين \r\n قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء قرأ الأكثرون ضياء بهمزة ","part":4,"page":8},{"id":1529,"text":" واحدة وقرأ ابن كثير ضئاء بهمزتين في كل القرآن أي ذات ضياء والقمر نورا أي ذات نور وقدره منازل أي قدر له فحذف الجار والمعنى هيأ ويسر له منازل قال الزجاج الهاء ترجع إلى القمر لأنه المقدر لعلم السنين والحساب وقد يجوز أن يعود إلى الشمس والقمر فحذف أحدهما اختصارا وقال الفراء إن شئت جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة لأن به تعلم الشهور وإن شئت جعلت التقدير لهما فاكتفي بذكر أحدهما من صاحبه كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه التوبة 62 قال ابن قتيبة منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا من أول الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة ثم يستسر وهذه المنازل هي النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء وأسماؤها عندهم الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وفزغ الدلو المقدم وفرغ الدلو المؤخر والرشاء وهو الحوت \r\n قوله تعالى ما خلق الله ذلك إلا بالحق أي للحق من إظهار صنعه وقدرته والدليل على وحدانيته يفصل الآيات قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم يفصل بالياء وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم نفصل الآيات بالنون والمعنى نبينها لقوم يعلمون يستدلون بالأمارات على قدرته \r\n قوله تعالى لآيات لقوم يتقون فيه قولان أحدهما يتقون الشرك ","part":4,"page":9},{"id":1530,"text":" والثاني عقوبة الله فيكون المعنى إن الآيات لمن لم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق \r\n قوله تعالى لا يرجون لقاءنا قال ابن عباس لا يخافون البعث ورضوا بالحياة الدنيا اختاروا ما فيها على الآخرة واطمأنوا بها آثروها وقال غيره ركنوا إليها لأنهم لا يؤمنون بالآخرة والذين هم عن آياتنا غافلون فيها قولان أحدهما أنها آيات القرآن ومحمد قاله ابن عباس والثاني ما ذكره في أول السورة من صنعه قاله مقاتل فأما قوله غافلون فقال ابن عباس مكذبون وقال غيره معرضون قال ابن زيد وهؤلاء هم الكفار \r\n قوله تعالى بما كانوا يكسبون قال مقاتل من الكفر والتكذيب \r\n قوله تعالى يهديهم ربهم بأيمانهم فيه أربعة أقوال أحدها يهديهم إلى الجنة ثوابا بإيمانهم والثاني يجعل لهم نورا يمشون به بإيمانهم والثالث يزيدهم هدى بإيمانهم والرابع يثيبهم بإيمانهم فأما الهداية فقد سبقت لهم \r\n قوله تعالى تجري من تحتهم الأنهار أي تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو \r\n قوله تعالى دعواهم فيها أي دعاؤهم وقد شرحنا ذلك في أول الأعراف 5 \r\n وفي المراد بهذا الدعاء قولان \r\n أحدهما أنه استدعاؤهم ما يشتهون قال ابن عباس كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم ما يشتهون فإذا طعموا قالوا الحمد لله رب العالمين فذلك آخر دعواهم وقال ابن جريج إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم الملك بما اشتهوا فيسلم عليهم ","part":4,"page":10},{"id":1531,"text":" فيردون عليه فذلك قوله وتحيتهم فيها سلام فإذا أكلوا حمدوا ربهم فذلك قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين \r\n والثاني أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله تعالى في دعاء يدعونه به قالوا سبحانك اللهم قاله قتادة \r\n قوله تعالى وتحيتهم فيها سلام فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها تحية بعضهم لبعض وتحية الملائكة لهم قاله ابن عباس والثاني أن الله تعالى يحييهم بالسلام والثالث أن التحية الملك فالمعنى ملكهم فيها سالم ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى وآخر دعواهم أي دعاؤهم وقولهم أن الحمد لله رب العالمين قرأ أبو مجلز وعكرمة ومجاهد وابن يعمر وقتادة ويعقوب أن الحمد لله بتشديد النون ونصب الدال قال الزجاج أعلم الله أنهم يبتدؤون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بشكره والثناء عليه وقال ابن كيسان يفتتحون كلامهم بالتوحيد ويختمونه بالتوحيد ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون \r\n قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن الحارث حيث قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الأنفال 8 والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته وفي المراد بالآية قولان \r\n أحدهما ولو يعجل الله للناس الشر إذا دعوا على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم واستعجلوا به كما يعجل لهم الخير لهلكوا هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ","part":4,"page":11},{"id":1532,"text":" والثاني ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجل لهم خير الدنيا من المال والولد لعجل لهم قضاء آجالهم ليتعجلوا عذاب الآخرة حكاه الماوردي ويقوي هذا تمام الآية وسبب نزولها وقد قرأ الجمهور لقضي إليهم بضم القاف أجلهم بضم اللام وقرأ ابن عامر لقضى بفتح القاف أجلهم بنصب اللام وقد ذكرنا في أول سورة البقر 15 معنى الطغيان والعمة وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى وإذا مس الإنسان الضر اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في أبي حذيفة واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي قاله ابن عباس ومقاتل والثاني أنهانزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة قاله عطاء و الضر الجهد والشدة واللام في قوله لجنبه بمعنى على وفي معنى الآية قولان أحدهما إذا مسه الضر دعا على جنبه أو دعا قاعدا أو دعا قائما قاله ابن عباس والثاني إذا مسه الضر في هذه الأحوال دعا ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى فلما كشفنا عنه ضره مر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أعرض عن الدعاء قاله مقاتل والثاني مر في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى ولم يتعظ بما يناله قاله الزجاج والثالث مر طاغيا على ترك الشكر \r\n قوله تعالى كأن لم يدعنا قال الزجاج كأن هذه مخففة من الثقيلة المعنى كأنه لم يدعنا قالت الخنساء ","part":4,"page":12},{"id":1533,"text":" كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا ... \r\n قوله تعالى كذلك زين للمسرفين المعنى كما زين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء كذلك زين للمسرفين وهم المجاوزون الحد في الكفر والمعصية عملهم ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين \r\n قوله تعالى ولقد أهلكنا القرون من قبلكم قال مقاتل هذا تخويف لكفار مكة والظلم هاهنا بمعنى الشرك وفي قوله وما كانوا ليؤمنوا قولان أحدهما أنه عائد على أهل مكة قاله مقاتل والثاني على القرون المتقدمة قاله أبو سليمان قال ابن الأنباري ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق وإيثارهم الباطل وقال الزجاج جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على قلوبهم وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم \r\n قوله تعالى كذلك نجزي أي نعاقب ونهلك القوم المجرمين يعني المشركين من قومك ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون \r\n قوله تعالى ثم جعلناكم خلائف قال ابن عباس جعلناكم يا أمة محمد خلائف أي استخلفناكم في الأرض وقال قتادة ما جعلنا الله خلائف إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار ","part":4,"page":13},{"id":1534,"text":" وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي أن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم \r\n قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في مشركي مكة قاله مجاهد وقتادة والمراد بالآيات القرآن و يرجون بمعنى يخافون وفي علة طلبهم سوى هذا القرآن أو تبديله قولان أحدهما أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة وآية الرحمة بالعذاب قاله ابن عباس والثاني أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور لأنهم لا يؤمنون به وكرهوا عيب آلهتهم فطلبوا ما يخلوا من ذلك قاله الزجاج والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه \r\n قوله تعالى ما يكون لي حرك هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون من تلقاء نفسي حركها نافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون والمعنى من عند نفسي فالمعنى أن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله إني أخاف فتح هذه الياء ابن كثير ونافع وابو عمرو إن عصيت ربي أي في تبديله أو تغييره عذاب يوم عظيم يعني في القيامة \r\n فصل \r\n وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بينا في نظيرتها في ","part":4,"page":14},{"id":1535,"text":" الأنعام 15 ومقصود الآيتين تهديد المخالفين وأضيف ذلك إلى الرسول ليصعب الأمر فيه قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون \r\n قوله تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم يعني القرآن وذلك أنه كان لا ينزله علي فيأمرني بتلاوته عليكم ولا أدراكم به أي ولا أعلمكم الله به قرأ ابن كثير ولأدراكم بلام التوكيد من غير ألف بعدها يجعلها لاما دخلت على أدراكم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أدراكم بالإمالة وقرأ الحسن وابن أبي عبلة وشيبة بن نصاح ولا أدرأتكم بتاء بين الألف والكاف فقد لبثت فيكم عمرا وقرأ الحسن والأعمش عمرا بسكون الميم قال أبو عبيدة وفي العمر ثلاث لغات عمر وعمر وعمر قال ابن عباس أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم بشيء من القرآن أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا يريد إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا والمجرمون هاهنا المشركون ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ","part":4,"page":15},{"id":1536,"text":" قوله تعالى ويعبدون من دون الله مالا يضرهم أي لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه قاله مقاتل والزجاج \r\n قوله تعالى ويقولون يعني المشركين هؤلاء يعنون الأصنام قال أبو عبيدة خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين وقد ذكرنا هذا المعنى في الأعراف 191 عند قوله وهم يخلقون وفي قوله شفعاؤنا عند الله قولان أحدهما شفعاؤنا في الآخرة قاله أبو صالح عن ابن عباس ومقاتل والثاني شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا لأنهم لا يقرون بالبعث قاله الحسن \r\n قوله تعالى قل أتنبئون الله بمالا يعلم قال الضحاك أتخبرون الله أن له شريكا ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون \r\n قوله تعالى وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا قد شرحنا هذا في سورة البقرة 213 وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحدين فاختلفوا وعبدوا الأصنام فكان أول من بعث إليهم نوح عليه السلام \r\n قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم لقضي بينهم بنزول العذاب فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه يختلفون من الدين \r\n والثاني أن الكلمة أن لكل أمة أجلا وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على وقته ","part":4,"page":16},{"id":1537,"text":" والثالث أن الكلمة أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه \r\n وفي قوله لقضي بينهم قولان أحدهما لقضي بينهم بإقامة الساعة والثاني بنزول العذاب على المكذبين ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين \r\n قوله تعالى ويقولون يعني المشركين لولا أي هلا أنزل عليه آية من ربه مثل العصا واليد وآيات الأنبياء فقل إنما الغيب لله فيه قولان أحدهما أن سؤالكم لم لم تنزل الآية غيب ولا يعلم علة امتناعها إلا الله \r\n والثاني أن نزول الآية متى يكون غيب ولا يعلمه إلى الله \r\n قوله تعالى فانتظروا فيه قولان أحدهما انتظروا نزول الآية والثاني قضاء الله بيننا باظهار المحق على المبطل وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون \r\n قوله تعالى وإذا أذقنا الناس رحمة سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما دعا على أهل مكة بالجذب فقحطوا سبع سنين أتاه أبو سفيان فقال ادع لنا بالخصب فإن أخصبنا صدقناك فدعا لهم فسقوا ولم يؤمنوا ذكره الماوردي قال المفسرون المراد بالناس هاهنا الكفار وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الرحمة العافية والسرور والضراء الفقر والبلاء قاله ابن عباس ","part":4,"page":17},{"id":1538,"text":" والثاني الرحمة الإسلام والضراء الكفر وهذا في حق المنافقين قاله الحسن \r\n والثالث الرحمة الخصب والضراء الجدب قاله الضحاك \r\n وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال أحدها أنه الاستهزاء والتكذيب قاله مجاهد ومقاتل \r\n والثاني أنه الجحود والرد قاله أبو عبيدة \r\n والثالث أنه إضافة النعم إلى غير الله فيقولون سقينا بنوء كذا قاله مقاتل بن حيان \r\n والرابع أن المكر النفاق لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى قل الله أسرع مكرا أي جزاء على المكر إن رسلنا يعني الحفظة يكتبون ما تمكرون أي يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه وقرأ يعقوب إلا رويسا وأبا حاتم وأبان عن عاصم يمكرون بالياء هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما انجيناهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ","part":4,"page":18},{"id":1539,"text":" قوله تعالى هو الذي يسيركم أي الله الذي هو أسرع مكرا هو الذي يسيركم في البر على الدواب وفي البحر على السفن فلو شاء انتقم منكم في البر أو في البحر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ينشركم بالنون والشين من النشر وهو في المعنى مثل قوله وبث منهما رجالا كثيرا النساء 2 والفلك السفن قال الفراء الفلك تذكر وتؤنث وتكون واحدة وتكون جمعا قال تعالى هاهنا جاءتها فأنث وقال في يس 41 في الفلك المشحون فذكر \r\n قوله تعالى وجرين بهم عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم قال الزجاج كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى الغائب قال الشاعر ... شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم ... \r\n قوله تعالى بريح طيبة أي لينة وفرحوا بها للينها جاءتها يعني الفلك قال الفراء وإن شئت جعلتها للريح كأنك قلت جاءت الريح الطيبة ريح عاصف والعرب تقول عاصف وعاصفة وقد عصفت الريح وأعصفت والألف لغة لبني أسد قال ابن عباس الريح العاصف الشديدة قال الزجاج يقال عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة وأعصفت فهي معصف ومعصفة وجاءهم الموج من كل مكان أي من كل أمكنة الموج \r\n قوله تعالى وظنوا فيه قولان أحدهما أنه بمعنى اليقين والثاني أنه التوهم وفي قوله أحيط بهم قولان \r\n أحدهما دنوا من الهلكة قال ابن قتيبة وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ","part":4,"page":19},{"id":1540,"text":" ببلد فقد دنا أهله من الهلكة وقال الزجاج يقال لكل من وقع في بلاء قد أحيط بفلان أي أحاط به البلاء \r\n والثاني أحاطت بهم الملائكة ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى دعوا الله مخلصين له الدين دون أوثانهم قال ابن عباس تركوا الشرك وأخلصوا لله الربوبية وقالوا لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصف لنكونن من الشاكرين أي الموحدين \r\n قوله تعالى يبغون في الأرض البغي الترامي في الفساد قال الأصمعي يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد قال ابن عباس يبغون في الأرض بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد \r\n يا أيها الناس يعني أهل مكة إنما بغيكم على أنفسكم أي جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم وقال الزجاج عملكم بالظلم عليكم يرجع \r\n قوله تعالى متاع الحياة الدنيا قرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وحفص وأبان عن عاصم متاع الحياة الدنيا بنصب المتاع قال الزجاج من رفع المتاع فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إنما تنتفعون به في الدنيا ومن نصب المتاع فعلى المصدر فالمعنى تمتعون متاع الحياة الدنيا وقرأ أبو المتوكل واليزيدي في اختياره وهارون العتكي عن عاصم متاع الحياة بكسر العين قال ابن عباس متاع الحياة الدنيا أي منفعة في الدنيا إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت ","part":4,"page":20},{"id":1541,"text":" الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها آتها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية فشببها بمطر نزل من السماء فاختلط به نبات الأرض يعني التف النبات بالمطر وكثر مما يأكل الناس من الحبوب وغيرها والأنعام من المرعى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها قال ابن قتيبة زينتها بالنبات وأصل الزخرف الذهب ثم يقال للنقش والنور والزهر وكل شيء زين زخرف وقال الزجاج الزخرف كمال حسن الشيء \r\n قوله تعالى وازينت قرأه الجمهور وازينت بالتشديد وقرأ سعد ابن أبي وقاص وابو عبد الرحمن والحسن وابن يعمر بفتح الهمزة وقطعها ساكنة الزاي على وزن وأفعلت قال الزجاج من قرأ وازينت بالتشديد فالمعنى وتزينت فادغمت التاء في الزاي وأسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل ومن قرأ وأزينت بالتخفيف على أفعلت فالمعنى جاءت بالزينة وقرأ أبي وابن مسعود وتزينت \r\n قوله تعالى وظن أهلها أي أيقن أهل الأرض أنهم قادرون عليها أي على ما انبتته فأخبر عن الأرض والمراد النبات لأن المعنى مفهوم أتاها أمرنا أي فضاءنا باهلاكها فجعلناها حصيدا أي محصودا لا شيء فيها والحصيد المقطوع المستأصل كأن لم تغن بالأمس قال الزجاج لم تعمر والمغاني المنازل التي يعمرها الناس بالنزول فيها يقال غنينا بالمكان إذا نزلوا به وقرأ الحسن كأن لم يغن بالياء يعني الحصيد قال بعض المفسرين ","part":4,"page":21},{"id":1542,"text":" تأويل الآية أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب حتى إذا استتم ذلك عند صاحبه وظن أنه ممتع بذلك سلب عنه بموته أو بحادثة تهلكه كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته فإذا تزينت به الأرض وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك أهلكه الله فعاد ما كان فيها كأن لم يكن والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى والله يدعوا إلى دار السلام يعني الجنة وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله لهم دار السلام عند ربهم الأنعام 127 واعلم أن الله عم بالدعوة وخص الهداية من شاء لأن الحكم له في خلقه \r\n وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال \r\n أحدها كتاب الله رواه علي عن النبي صلى الله عليه و سلم والثاني الإسلام رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه و سلم والثالث الحق قاله مجاهد وقتادة والرابع المخرج من الضلالات والشبه قاله أبو العالية ","part":4,"page":22},{"id":1543,"text":" قوله تعالى للذين أحسنوا قال ابن عباس قالوا لا إله إلا الله قال ابن الأنباري الحسنى كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها لأن العرب توقعها على الخلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها يدل على هذا قول امرئ القيس ... فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال ... \r\n ... فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال ... \r\n أي إلى الأمر المحبوب وهصرت بمعنى مددت والغصن كناية عن المرأة والباء مؤكدة للكلام كما تقول العرب ألفى بيده إلى الهلاك يريدون ألقى يده والشماريخ كناية عن الذوائب ورضت معناه أذللت ومن أجل هذا قال أي إذلال ولم يقل أي رياضة ","part":4,"page":23},{"id":1544,"text":" وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الجنة روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال الأكثرون والثاني أنها الواحدة من الحسنات بواحدة قاله ابن عباس والثالث النصرة قاله عبد الرحمن بن سابط والرابع الجزاء في الآخرة قاله ابن زيد والخامس الأمنية ذكره ابن الأنباري وفي الزيادة ستة أقوال \r\n أحدها أنها النظر إلى الله عز و جل روى مسلم في صحيحة من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الزيادة النظر إلى وجه الله عز و جل وبهذا القول قال أبو بكر الصديق وابو موسى الأشعري وحذيفة وابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن أبي ليلى والسدي ومقاتل \r\n والثاني أن الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب رواه الحكم عن علي ولا يصح ","part":4,"page":24},{"id":1545,"text":" والثالث أن الزيادة مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها قاله ابن عباس والحسن \r\n والرابع أن الزيادة مغفرة روضوان قاله مجاهد \r\n والخامس أن الزيادة أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة قاله ابن زيد \r\n والسادس أن الزيادة ما يشتهونه ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ولا يرهق أي لا يغشى وجوههم قتر وقرأ الحسن وقتادة والأعمش قتر باسكان التاء وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه السواد قال ابن عباس سواد الوجوه من الكآبة وقال الزجاج القتر الغبرة التي معها سواد والثاني أنه دخان جهنم قاله عطاء والثالث الخزي قاله مجاهد والرابع الغبار قاله أبو عبيدة \r\n وفي الذلة قولان \r\n أحدهما الكآبة قاله ابن عباس والثاني الهوان قاله أبو سليمان والذين كسبوا السيئآت جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى والذين كسبوا السيئات قال ابن عباس عملوا الشرك جزاء سيئة بمثلها في الآية محذوف وفي تقديره قولان \r\n أحدهما أن فيها إضمار لهم المعنى لهم جزاء سيئة بمثلها وأنشد ثعلب ... فإن سأل الواشون عنه فقل لهم ... وذاك عطاء للوشاة جزيل ","part":4,"page":25},{"id":1546,"text":" ملم بليلى لمة ثم إنه ... لهاجر ليلى بعدها فمطيل ... \r\n أراد هو ملم وهذا قول الفراء \r\n والثاني أن فيها إضمار منهم المعنى جزاء سيئة منهم بمثلها تقول العرب رأيت القوم صائم وقائم أي منهم صائم وقائم أنشد الفراء ... حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود ... أي منه ملوي وهذا قول ابن الأنباري وقال بعضهم الباء زائدة هاهنا و من في قوله من عاصم صلة والعاصم المانع كأنما أغشيت وجوههم أي ألبست قطعا قرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة قطعا مفتوحة الطاء وهي جمع قطعة وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب قطعا بتسكين الطاء قال ابن قتيبة وهو اسم ما قطع قال ابن جرير وإنما قال مظلما ولم يقل مظلمة لأن المعنى قطعا من الليل المظلم ثم حذفت الألف واللام من المظلم فلما صار نكره وهو من نعت الليل نصب على القطع وقوم يسمون ما كان كذلك حالا وقوم قطعا ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين \r\n قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا قال ابن عباس يجمع الكفار وآلهتهم ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم أي آلهتكم قال الزجاج ","part":4,"page":26},{"id":1547,"text":" مكانكم منصوب على الأمر كأنهم قيل لهم انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم والعرب تتوعد فتقول مكانك أي انتظر مكانك فهي كلمة جرت على الوعيد \r\n قوله تعالى فزيلنا بينهم وقرأ ابن أبي عبلة فزايلنا بألف قال ابن عباس فرقنا بينهم وبين آلهتهم وقال ابن قتيبة هو من زال يزول وأزلته وقال ابن جرير إنما قال فزيلنا ولم يقل فزلنا لا راده تكرير الفعل وتكثيره \r\n فإن قيل كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار لقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم الأنبياء 98 \r\n فالجواب أن الفرقة وقعت بتبري كل معبود ممن عبده وهو قوله وقال شركاؤهم قال ابن عباس آلهتهم ينطق الله الأوثان فتقول ماكنتم إيانا تعبدون أي لا نعلم بعبادتكم لنا لأنه ما كان فينا روح فيقول العابدون بلى قد عبدناكم فتقول الآلهة فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين لا نعلم بها قال الزجاج إن كنا معناه ما كنا إلا غافلين \r\n فإن قيل ما وجه دخول الباء في قوله فكفى بالله شهيدا \r\n فعنه جوابان أحدهما أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا أظرف بعبد الله وأنبل بعبد الرحمن وناهيك بأخينا وحسبك بصديقنا هذا قول الفراء وأصحابه والثاني أنها دخلت توكيدا للكلام إذ سقوطها ممكن كما يقال خذ بالخطام وخذ الخطام قاله ابن الأنباري هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى هنالك تبلو قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر تبلو بالباء وقرأ حمزة والكسائي وخلف وزيد عن يعقوب ","part":4,"page":27},{"id":1548,"text":" تتلو بالتاء قال الزجاج هنالك ظرف والمعنى في ذلك الوقت تبلو وهو منصوب بتبلو إلا أنه غير متمكن والام زائدة والأصل هناك وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف والكاف للمخاطبة و تبلو تختبر أي تعلم ومن قرأ تتلو بتاءين فقد فسرها الأخفش وغيره تتلو من التلاوة أي تقرأ وفسروه ايضا تتبع كل نفس ما أسلفت ومثله قول الشاعر ... قد جعلت دلوي تستتليني ... ولا أريد تبع القرين ... \r\n أي تستتبعني أي من ثقلها تستدعي اتباعي إياها \r\n قوله تعالى وردوا أي في الآخرة إلى الله مولاهم الحق الذي يملك أمرهم حقا لا من جعلوا معه من الشركاء وضل عنهم أي زال وبطل ما كانوا يفترون من الآلهة قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون \r\n قوله تعالى قل من يرزقكم من السماء المطر ومن الأرض النبات أم من يملك السمع أي خلق السمع والأبصار وقد سبق معنى إخراج الحي من الميت والميت من الحي آل عمران 27 \r\n قوله تعالى ومن يدبر الأمر أي أمر الدنيا والآخرة فسيقولون الله لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله فكان في ذلك دليل توحيده \r\n وفي قوله أفلا تتقون قولان أحدهما أفلا تتعظون قاله ابن عباس والثاني تتقون الشرك قاله مقاتل ","part":4,"page":28},{"id":1549,"text":" فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون \r\n قوله تعالى فذلكم الله ربكم الحق قال الخطابي الحق هو المتحقق وجوده وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق \r\n قوله تعالى فأنى تصرفون قال ابن عباس كيف تصرف عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيى ولا يميت كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون \r\n قوله تعالى كذلك حقت كلمة ربك قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي كلمة ربك آخر السورة كذلك وقرأ نافع وابن عامر الحرفين كلمات على الجمع \r\n قال الزجاج الكاف في موضع نصب أي مثل أفعالهم جازاهم ربك والمعنى حق عليهم أنهم لا يؤمنون وقوله أنهم لا يؤمنون بدل من كلمة ربك وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون وتكون الكلمة ما وعدوا به من العقاب \r\n وذكر ابن الأنباري في كذلك قولين ","part":4,"page":29},{"id":1550,"text":" أحدهما أنها إشارة إلى مصدر تصرفون والمعنى مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك \r\n والثاني أنه بمعنى هكذا \r\n وفي معنى حقت قولان أحدهما وجبت والثاني سبقت \r\n وفي كلمته قولان أحدهما أنها بمعنى وعده والثاني بمعنى قضائه ومن قرأ كلمات جعل كل واحدة من الكلم التي توعدوا بها كلمة وقد شرحنا معنى الكلمة في الأعراف 137 و 158 \r\n قوله تعالى قل الله يهدي للحق أي إلى الحق \r\n قوله تعالى أم من لا يهدي قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال قال الزجاج الأصل يهتدي فأدغمت التاء في الدال فطرحت فتحتها على الهاء وقرأ نافع إلى ورشا وأبو عمرو يهدي بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئا من الفتح وقرأ حمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال قال أبو علي والمعنى لا يهدي غيره إلا أن يهدى هو ولو هدي الصم لم يهتد ولكن لما جعلوها كمن يعقل أجريت مجراه وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال وكذلك روى أبان وجبلة عن المفضل وعبد الوارث قال الزجاج أتبعوا الكسرة الكسرة وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء وروى حفص عن عاصم والكسائي عن أبي بكر عنه يهدي بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال قال الزجاج وهذه في الجودة كالمفتوحة الهاء إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين وقرأ ابن السميفع يهتدي بزيادة تاء والمراد بقوله أم من لا يهدي الصم ","part":4,"page":30},{"id":1551,"text":" إلا أن يهدى وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت وليست كذلك لأنها حجارة لا تهتدى إلا أنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ووصفت صفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك ولهذا المعنى قال في صفتها أمن لأنهم جعلوها كمن يعقل ولما أعطاها حقها في أصل وضعها قال يا أبت لم تعبد مالا يسمع مريم 42 وقال الفراء أمن لا يهدي أي أتعبدون مالا يقدر أن ينتقل من مكانه إلا أن يحول وقد صرف بعضهم الكلام إلى الرؤساء والمضلين والأول أصح \r\n قوله تعالى فما لكم قال الزجاج هو كلام تام كأنه قيل لهم أي شيء لكم في عبادة الأوثان ثم قيل لهم كيف تحكمون أي على أي حال تحكمون وقال ابن عباس كيف تقضون لأنفسكم وقال مقاتل كيف تقضون بالجور وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون \r\n قوله تعالى وما يتبع أكثرهم أي كلهم إلا ظنا أي ما يستيقنون أنها آلهة بل يظنون شيئا فيتبعونه إن الظن لا يغني من الحق شيئا أي ليس هو كاليقين ولا يقوم مقام الحق وقال مقاتل ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا وقال غيره ظنهم أنها تشفع لهم لا يغني عنهم وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ","part":4,"page":31},{"id":1552,"text":" قوله تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله قال الزجاج هذا جواب قولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله يونس 15 وجواب قولهم افتراه الفرقان 4 قال الفراء ومعنى الآية ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله فجاءت أن على معنى ينبغي وقال ابن الأنباري يجوز أن تكون مع يفترى مصدرا وتقديره وما كان هذا القرآن افتراء ويجوز أن تكون كان تامة فيكون المعنى ما نزل هذا القرآن وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى وبأن يفترى فتنصب أن بفقد الخافض في قول الفراء وتخفض باضمار الخافض في قول الكسائي وقال ابن قتيبة معنى أن يفترى أي يضاف إلى غير الله أو يختلق \r\n قوله تعالى ولكن تصديق الذي بين يديه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه تصديق الكتب المتقدمة قاله ابن عباس فعلى هذا إنما قال الذي لأنه يريد الوحي \r\n والثاني ما بين يديه من البعث والنشور ذكره الزجاج \r\n والثالث تصديق النبي صلى الله عليه و سلم الذي بين يدي القرآن لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه و سلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى وتفصيل الكتاب أي وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم الفرائض التي فرضها عليهم أم يقولون افتريه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى أم يقولون افتراه في أم قولان أحدهما أنها بمعنى الواو قاله أبو عبيدة والثاني بمعنى بل قاله الزجاج ","part":4,"page":32},{"id":1553,"text":" قوله تعالى فأتوا بسورة مثله قال الزجاج المعنى فأتوا بسورة مثل سورة منه فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه الجنس وادعوا من استطعتم ممن هو في التكذيب مثلكم إن كنتم صادقين أنه اختلقه بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين \r\n قوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فيه قولان أحدهما أن المعنى بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذكر الجنة والنار والبعث والجزاء والثاني بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به لأنهم شاكون فيه \r\n وفي قوله ولما يأتهم تأويله قولان أحدهما تصديق ما وعدوا به من الوعيد والتأويل ما يؤول إليه الأمر والثاني ولم يكن معهم علم تأويله قاله الزجاج \r\n قيل لسفيان بن عيينة يقول الناس كل إنسان عدو ما جهل فقال هذا في كتاب الله قيل أين فقال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه \r\n وقيل للحسين بن الفضل هل تجد في القرآن من جهل شيئا عاداه فقال نعم في موضعين قوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وقوله إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم الأحقاف 11 ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين \r\n قوله تعالى ومنهم من يؤمن به في المشار إليهم قولان ","part":4,"page":33},{"id":1554,"text":" أحدهما أنهم اليهود قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني قريش قاله مقاتل بن سليمان \r\n وفي هاء به قولان أحدهما أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم ودينه قاله مقاتل والثاني إلى القرآن قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله فالمعنى ومنهم من سيؤمن به وقال الزجاج منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر الكفر ومنهم من لا يؤمن به أي يشك ولا يصدق \r\n قوله تعالى وربك أعلم بالمفسدين قال عطاء يريد المكذبين وهذا تهديد لهم وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريؤن مما أعمل وأنا بريء مما تعملون \r\n قوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي الآية قال أبو صالح عن ابن عباس نسختها آية السيف وليس هذا بصحيح لأنه لا تنافي بين الآيتين ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون \r\n قوله تعالى ومنهم من يستمعون إليك اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها في يهود المدينة كانوا يأتون رسول الله ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أنهانزلت في المستهزئين كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه و سلم للاستهزاء والتكذيب فلم ينتفعوا فنزلت فيهم هذه الآية والقولان مرويان عن ابن عباس ","part":4,"page":34},{"id":1555,"text":" والثالث أنها نزلت في مشركي قريش قاله مقاتل قال الزجاج ظاهرهم ظاهر من يستمع وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم ولو كانوا لا يعقلون أي ولو كانوا مع ذلك جهالا وقال ابن عباس يريد أنهم شر من الصم لأن الصم لهم عقول وقلوب وهؤلاء قد اصم الله قلوبهم ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون \r\n قوله تعالى ومنهم من ينظر إليك قال ابن عباس يريد متعجبين منك أفأنت تهدي العمي يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون وقال الزجاج منهم من يقبل عليك بالنظر وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى وقال ابن جرير ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على نبوتك ولكن الله قد سلبه التوفيق وقال مقاتل و لو في الآيتين بمعنى إذا إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون \r\n قوله تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم بالشقاوة أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم بذلك لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان بقضاء الله \r\n قوله تعالى ولكن الناس قرأ حمزة والكسائي وخلف ولكن الناس بتخفيف النون وكسرها ورفع الإسم بعدها ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ","part":4,"page":35},{"id":1556,"text":" قوله تعالى ويوم نحشرهم وقرأ حمزة يحشرهم بالياء قال أبو سليمان الدمشقي هم المشركون \r\n قوله تعالى كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار فيه قولان \r\n أحدهما كأن لم يلبثوا في قبورهم قاله ابن عباس والثاني في الدنيا قاله مقاتل قال الضحاك قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم فصار كالساعة من النهار لهول ما استقبلوا من القيامة \r\n قوله تعالى يتعارفون بينهم قال ابن عباس إذا بعثوامن القبور تعارفوا ثم تنقطع المعرفة قال الزجاج وفي معرفة بعضهم بعضا وعلم بعضهم باضلال بعض التوبيخ لهم وإثبات الحجة عليهم وقيل إذا تعارفوا وبخ بعضهم بعضا فيقول هذا لهذا أنت أضللتني وكسبتني دخول النار \r\n قوله تعالى قد خسر الذين كذبوا هو من قول الله تعالى لا من قولهم والمعنى خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث وما كانوا مهتدين من الضلالة وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى وإما نرينك بعض الذي نعدهم قال المفسرون كانت وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم أو نتوفينك قبل أن نريك فإلينا مرجعهم بعد الموت والمعنى إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا آجلا \r\n قوله تعالى ثم الله شهيد على ما يفعلون من الكفر والتكذيب قال ","part":4,"page":36},{"id":1557,"text":" الفراء ثم هاهنا عطف ولو قيل معناها هناك الله شهيد كان جائزا وقال غيره ثم هاهنا بمعنى الواو وقرأ ابن أبي عبلة ثم الله شهيد بفتح الثاء يراد به هنالك الله شهيد \r\n قوله تعالى فإذا جاء رسولهم قضي بينهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم قضي بينهم بتعجيل الانتقام منهم قاله الحسن وقال غيره إذا جاءهم في الدنيا حكم عليهم عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية \r\n والثاني إذا جاء يوم القيامة قاله مجاهد وقال غيره إذا جاء شاهدا عليهم \r\n والثالث إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى قضي بينهم بالقسط فيه قولان أحدهما بين الأمة فأثيب المحسن وعوقب المسيء والثاني بينهم وبين نبيهم ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين \r\n قوله تعالى ويقولون متى هذا الوعد في القائلين هذا قولان \r\n أحدهما الأمم المتقدمة أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه و سلم قاله أبو سليمان \r\n وفي المراد بالوعد قولان أحدهما العذاب قاله ابن عباس والثاني قيام الساعة إن كنتم صادقين أنت وأتباعك قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل أرأبتم إن أتيكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعلجل منه ","part":4,"page":37},{"id":1558,"text":" المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون \r\n قوله تعالى قل لا أملك لنفسي ضرا الآية قد ذكرت تفسيرها في آيتين من الأعراف 34 و 188 \r\n قوله تعالى إن أتاكم عذابه بياتا قال الزجاج البيات كل ما كان بليل وقوله ماذا في موضع رفع من جهتين إحداهما أن يكون ذا بمعنى الذي المعنى مال الذي يستعجل منه المجرمون ويجوز أن يكون ماذا اسما واحدا فيكون المعنى أي شيء يستعجل منه المجرمون والهاء في منه تعود على العذاب وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى فيكون المعنى أي شيء يستعجل المجرمون من الله تعالى وعودها على العذاب أجود لقوله أثم إذا ما وقع آمنتم به وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين المشركون وكانوا يقولون نكذب بالعذاب ونستعجله ثم إذا وقع العذاب آمنا به فقال الله تعالى موبخا لهم أثم إذا ما وقع آمنتم به أي هنالك تؤمنون فلا يقبل منكم الإيمان ويقال لكم الآن تؤمنون فأضمر تؤمنون به مع آلآن وقد كنتم به تستعجلون مستهزئين وهو قوله ثم قيل للذين ظلموا أي كفروا عند نزول العذاب ذوقوا عذاب الخلد لأنه إذا نزل بهم العذاب أفضوا منه إلى عذاب الآخرة الدائم ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين \r\n قوله تعالى ويستنبؤنك أي ويستخبرونك أحق هو يعنون البعث ","part":4,"page":38},{"id":1559,"text":" والعذاب قل إي المعنى نعم وربي وفتح هذه الياء نافع وأبو عمرو وإنما أقسم مع أخباره تأكيدا وقال ابن قتيبة إي بمعنى بل ولا تأتي إلا قبل اليمين صلة لها \r\n قوله تعالى وما أنتم بمعجزين قال ابن عباس بسابقين وقال الزجاج لستم ممن يعجز أن يجازى على كفره ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون \r\n قوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت قال ابن عباس أشركت ما في الأرض لافتدت به عند نزول العذاب وأسروا الندامة يعني الرؤساء أخفوها من الأتباع وقضي بينهم أي بين الفريقين وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل أسروا الندامة بمعنى أظهروا لأنه ليس بيوم تصنع ولا تصبر والإسرار من الأضداد يقال أسررت الشيء بمعنى أخفيته وأسررته أظهرته قال الفرزدق ... ولما رأى الحجاج جرد سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا ... \r\n يعني أظهر فعلى هذا القول أظهروا الندامة عند إحراق النار لهم لأن ","part":4,"page":39},{"id":1560,"text":" النار ألهتهم عن التصنع والكتمان وعلى الأول كتموها قبل إحراق النار إياهم \r\n وقوله تعالى ألا إن وعد الله حق قال ابن عباس ما وعد أولياءه من الثواب وأعداءه من العقاب ولكن أكثرهم يعني المشركين لا يعلمون يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين \r\n قوله تعالى يا أيها الناس قال ابن عباس يعني قريشا ق جاءتكم موعظة يعني القرآن وشفاء لما في الصدور أي دواء لداء الجهل وهدى أي بيان من الضلالة قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون \r\n قوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها أن فضل الله الإسلام ورحمته القرآن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وهلال بن يساف وروي عن الحسن ومجاهد في بعض الرواية عنهما وهو اختيار ابن قتيبة \r\n والثاني أن فضل الله القرآن ورحمته أن جعلهم من أهل القرآن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال أبو سعيد الخدري والحسن في رواية \r\n والثالث أن فضل الله العلم ورحمته محمد صلى الله عليه و سلم رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والرابع أن فضل الله الإسلام ورحمته تزيينه في القلوب قاله ابن عمر \r\n والخامس أن فضل الله القرآن ورحمته الإسلام قاله الضحاك وزيد بن أسلم وابنه ومقاتل ","part":4,"page":40},{"id":1561,"text":" والسادس أن فضل الله ورحمته القرآن رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد واختاره الزجاج \r\n والسابع أن فضل الله القرآن ورحمته السنة قاله خالد بن معدان \r\n والثامن فضل الله التوفيق ورحمته العصمة قاله ابن عيينة \r\n قوله تعالى فبذلك فليفرحوا وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وقتادة وأبو العالية ورويس عن يعقوب فلتفرحوا بالتاء وقرأ الحسن ومعاذ القارئ وأبو المتوكل مثل ذلك إلا أنهم كسروا اللام وقرأ ابن مسعود وأبو عمران فبذلك فافرحوا قال ابن عباس بذلك الفضل والرحمة هو خير مما يجمعون أي مما يجمع الكفار من الأموال وقرأ أبو جعفر وابن عامر ورويس تجمعون بالتاء وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله بفضل الله خبر لاسم مضمر تأويله هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ورحمته فبذلك التطول من الله فليفرحوا قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون \r\n قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق قال المفسرون هذا خطاب لكفار قريش كانوا يحرمون ما شاؤوا ويحلون ما شاؤوا و أنزل بمعنى خلق وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة والسائبة وغير ذلك في المائدة 103 و الأنعام 139 \r\n قوله تعالى قل آلله أذن لكم أي في هذا التحليل والتحريم ","part":4,"page":41},{"id":1562,"text":" وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذوا فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون \r\n قوله تعالى وما ظن الذين يفترون على الله الكذب في الكلام محذوف تقديره ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم إن الله لذو فضل على الناس حين لم يعجل عليهم بالعقوبة ولكن أكثرهم لا يشكرون تأخير العذاب عنهم وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين \r\n قوله تعالى وما تكون في شأن أي في عمل من الأعمال وجمعه شؤون وما تتلو منه في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها تعود إلى الشأن قال الزجاج معنى الآية أي وقت تكون في شأن من عبادة الله وما تلوت من الشأن من قرآن \r\n والثاني أنها تعود إلى الله تعالى فالمعنى وما تلوت من الله أي من نازل منه من قرآن ذكره جماعة من العلماء والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وامته داخلون فيه بدليل قوله ولا تعملون من عمل قال ابن الأنباري جمع في هذا ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين \r\n قوله تعالى إذ تفيضون فيه الهاء عائدة على العمل قال ابن قتيبة تفيضون بمعنى تأخذون فيه وقال الزجاج تنتشرون فيه يقال أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه وخاضوا وما يعزب معناه وما يبعد وقال ابن قتيبة ","part":4,"page":42},{"id":1563,"text":" ما يبعد ولا يغيب وقرأ الكسائي يعزب بكسر الزاي هاهنا وفي سبأ 3 وقد بينا مثقال ذرة في سورة النساء 40 \r\n قوله تعالى ولا أصغر من ذلك ولا أكبر قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما وقرأ حمزة وخلف ويعقوب برفع الراء فيهما قال الزجاج من قرأ بالفتح فالمعنى وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر والموضع موضع خفض إلا أنه فتح لأنه لا ينصرف ومن رفع فالمعنى وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر ويجوز رفعه على الابتداء فيكون المعنى ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين قال ابن عباس هو اللوح المحفوظ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم \r\n قوله تعالى ألا إن أولياء الله روى ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله من أولياء الله قال الذين إذا رؤوا ذكر الله وروى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه و سلم الله عليه وسلم أنه قال إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله عز و جل قالوا يا رسول الله من هم وما أعمالهم لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ","part":4,"page":43},{"id":1564,"text":" ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون \r\n قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له رواه عبادة ابن الصامت وأبو الدرداء وجابر بن عبد الله وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت قاله الضحاك وقتادة والزهري \r\n والثالث أنها ما بشر الله به في كتابه من جنته وثوابه كقوله وبشر الذين آمنوا البقرة 25 وأبشروا بالجنة فصلت 30 يبشرهم ربهم التوبة 21 وهذا قول الحسن واختاره الفراء والزجاج واستدلا بقوله لا تبديل لكلمات الله قال ابن عباس لا خلف لمواعيده وذلك أن مواعيده بكلماته فإذا لم تبدل الكلمات لم تبدل المواعيد \r\n فأما بشراهم في الآخرة ففيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الجنة رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم واختارة ابن قتيبة ","part":4,"page":44},{"id":1565,"text":" والثاني أنه عند خروج الروح تبشر برضوان الله قاله ابن عباس \r\n والثالث أنها عند الخروج من قبورهم قاله مقاتل ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم \r\n قوله تعالى ولا يحزنك قولهم قال ابن عباس تكذيبهم وقال غيره تظاهرهم عليك بالعداوة وإنكارهم وأذاهم وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال إن العزة لله جميعا أي الغلبة له فهو ناصرك وناصر دينك هو السميع لقولهم العليم باضمارهم فيجازيهم على ذلك ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون \r\n قوله تعالى ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض قال الزجاج ألا افتتاح كلام وتنبيه أي فالذي هم له يفعل فيهم وبهم ما يشاء \r\n قوله تعالى وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أي ما يتبعون شركاء على الحقيقة لأنهم يعدونها شركاء لله شفعاء لهم وليست على ما يظنون ","part":4,"page":45},{"id":1566,"text":" إن يتبعون إلا الظن في ذلك وإن هم إلا يخرصون قال ابن عباس يكذبون وقال ابن قتيبة يحدسون ويحزرون هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون \r\n قوله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه المعنى إن ربكم الذي يجب أن تعتقدوا ربوبيته هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه فيزول تعب النهار وكلاله بالسكون في الليل وجعل النهار مبصرا أي مضيئا تبصرون فيه وإنما أضاف الابصار إليه لأنه قد فهم السامع المقصود إذ النهار لا يبصر وإنما هو ظرف يفعل فيه غيره كقوله عيشة راضية الحاقة 21 إنما هي مرضية وهذا كما يقال ليل نائم قال جرير ... لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم ... \r\n قوله تعالى إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع اعتبار فيعلمون أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله القادر قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ","part":4,"page":46},{"id":1567,"text":" قوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا قال ابن عباس يعني أهل مكة جعلوا الملائكة بنات الله \r\n قوله تعالى سبحانه تنزيه له عما قالوا هو الغني عن الزوجة والولد إن عندكم أي ما عندكم من سلطان أي جحة بما تقولون \r\n قوله تعالى لا يفلحون فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يبقون في الدنيا والثاني لا يسعدون في العاقبة والثالث لا يفوزون قال الزجاج وهذا وقف التمام وقوله متاع في الدنيا مرفوع على معنى ذلك متاع في الدنيا واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون \r\n قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح فيه دليل على نبوته حيث أخبر عن قصص الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتب وتحريض على الصبر وموعظة لقومه بذكر قوم نوح وما حل بهم من العقوبة بالتكذيب \r\n قوله تعالى إن كان كبر أي عظم وشق عليكم مقامي أي طول مكثي وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وأبو الجوزاء مقامي برفع الميم وتذكيري وعظي فعلى الله توكلت في نصرتي ودفع شركم عني فأجمعوا أمركم قرأ الجمهور فأجمعوا بالهمز وكسر الميم من أجمعت وروى الأصمعي عن نافع فاجمعوا بفتح الميم من جمعت ومعنى أجمعوا أمركم أحكموا أمركم واعزموا عليه قال المؤرج أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه وأنشد ","part":4,"page":47},{"id":1568,"text":" يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع ... \r\n فأما رواية الأصمعي فقال أبو علي يجوز أن يكون معناها اجمعوا ذوي الأمر منكم أي رؤساءكم ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدون به فيكون كقوله فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا طه 64 \r\n قوله تعالى وشركاءكم قال الفراء وابن قتيبة المعنى وادعوا شركاءكم وقال الزجاج الواو هاهنا بمعنى مع فالمعنى مع شركائكم تقول لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها أي مع فصيلها وقرأ يعقوب وشركاؤكم بالرفع \r\n قوله تعالى ثم لا يكن أمركم عليكم غمة فيه قولان أحدهما لا يكن أمركم مكتوما قاله ابن عباس والثاني غما عليكم كما تقول كرب وكربة قاله ابن قتيبة وذكر الزجاج القولين وفي قوله ثم اقضوا إلي قولان أحدهما ثم أقضوا إلي ما في أنفسكم قاله مجاهد والثاني افعلوا ما تريدون قاله الزجاج وابن قتيبة وقال ابن الأنباري معناه اقضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به كما تقول العرب قد قضى فلان يريدون مات ومضى فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذوبه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين \r\n قوله تعالى فإن توليتم أي أعرضتم عن الإيمان فما سألتكم من أجر أي لم يكن دعائي إياكم طمعا في أموالكم ","part":4,"page":48},{"id":1569,"text":" قوله تعالى إن أجري حرك هذه الياء ابن عامر وأبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم وأسكنها الباقون \r\n قوله تعالى وجلناهم خلائف أي جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ممن هلك ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبيانات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين \r\n قوله تعالى ثم بعثنا من بعده أي من بعد نوح رسلا إلى قومهم قال ابن عباس يريد إبراهيم وهودا و صالحا ولوطا وشعيبا فجاؤوهم بالبينات أي بأن لهم أنهم رسل الله فما كانوا أي أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذبوا يعني الذين قبلهم والمراد أن المتأخرين مضوا على سنن المتقدمين في التكذيب وقال مقاتل فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من العذاب من قبل نزوله \r\n قوله تعالى كذلك نطبع أي كما طبعنا على قلوب أولئك كذلك نطبع على قلوب المعتدين يعني المتجاوزين ما أمروا به ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين \r\n قوله تعالى ثم بعثنا من بعدهم يعني الرسل الذين أرسلوا بعد نوح فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ","part":4,"page":49},{"id":1570,"text":" الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون \r\n قوله تعالى فلما جاءهم الحق من عندنا وهو ما جاء به موسى من الآيات \r\n قوله تعالى أسحر هذا قال الزجاج المعنى أتقولون للحق لما جاءكم هذا اللفظ وهو قولهم إن هذا لسحر مبين ثم قررهم فقال أسحر هذا قال ابن الأنباري إنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر كما يقول الرجل إذا نظر إلى الكسوة الفاخرة أكسوة هذه يريد بالاستفهام تعظيمها وتأتي الرجل جائزة فيقول أحق ما أرى معظما لما ورد عليه وقال غيره تقدير الكلام أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه كقوله فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم الاسراء 8 المعنى بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم \r\n قوله تعالى أجئتنا لتلفتنا قال ابن قتيبة لتصرفنا يقال لفت فلانا عن كذا إذا صرفته ومنه الالتلفت وهو الانصراف عما كنت مقبلا عليه قوله تعالى وتكون لكما الكبرياء في الأرض وروى أبان وزيد عن يعقوب ويكون لكما بالياء وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال أحدها الملك والشرف قاله ابن عباس والثاني الطاعة قاله الضحاك والثالث العلو قاله ابن زيد قال ابن عباس والأرض هاهنا أرض مصر ","part":4,"page":50},{"id":1571,"text":" قوله تعالى بكل ساحر قرأ حمزة والكسائي وخلف بكل سحار بتشديد الحاء وتأخير الألف \r\n قوله تعالى ما جئتم به السحر قرأ الأكثرون السحر بغير مد على لفظ الخبر والمعنى الذي جئتم به من الحبال والعصي هو السحر وهذا رد لقولهم للحق هذا سحر فتقديره الذي جئتم به السحر فدخلت الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة كما تقول رايت رجلا فقال لي الرجل وقرأ مجاهد وأبو عمرو وأبو جعفر وابان عن عاصم وأبو حاتم عن بعقوب آلسحر بمد الألف استفهاما قال الزجاج والمعنى أي شيء جئتم به أسحر هو على جهة التوبيخ لهم وقال ابن الأنباري هذا الاستفهام معناه التعظيم للسحر لا على سبيل الاستفهام عن الشيء الذي يجهل وذلك مثل قول الإنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إنسان أخطأ هذا أي هو عظيم الشأن في الخطأ والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها قال امرؤ القيس ... أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل ... \r\n وقال قيس بن ذريح ... أراجعة يالبن أيامنا الألى ... بذي الطلح أم لا ما لهن رجوع ... \r\n فاستفهم وهو يعلم أنهن لا يرجعن \r\n قوله تعالى إن الله سيبطله أي يهلكه ويظهر فضيحتكم إن الله لا يصلح عمل المفسدين لا يجعل عملهم نافعا لهم ويحق الله الحق أي يظهره ويمكنه بكلماته بما سبق من وعده بذلك ","part":4,"page":51},{"id":1572,"text":" فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملائه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون \r\n قوله تعالى فما آمن لموسى إلا ذرية في المراد بالذرية هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المراد بالذرية القليل قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى مات آباؤهم لطول الزمان وآمنوا هم قاله مجاهد وقال ابن زيد هم الذين نشؤوا مع موسى حين كف ","part":4,"page":52},{"id":1573,"text":" فرعون عن ذبح الغلمان قال ابن الأنباري وإنما قيل لهؤلاء ذرية لأنهم أولاد الذين بعث إليهم موسى وإن كانوا بالغين \r\n والثالث أنهم قوم أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط قاله مقاتل واختاره الفراء قال وإنما سموا ذرية كما قيل لأولاد فارس الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم وفي هاء قومه قولان \r\n أحدهما أنها تعود إلى موسى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني إلى فرعون رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى القول الأول يكون قوله على خوف من فرعون وملئهم أي وملأ فرعون قال الفراء وإنما قال وملئهم بالجمع وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى من معه تقول قدم الخليفة فكثر الناس تريد بمن معه وقد يجوز أن يريد بفرعون آل فرعون كقوله واسأل القرية يوسف 82 وعلى القول الثاني يرجع ذكر الملأ إلى الذرية قال ابن جرير وهذا أصح لأنه كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية فهو مع فرعون على موسى \r\n قوله تعالى أن يفتنهم يعني فرعون ولم يقل يفتنوهم لأن قومه كانوا على من كان عليه وفي هذه الفتنة قولان \r\n أحدهما أنها القتل قاله ابن عباس والثاني التعذيب قاله ابن جرير \r\n قوله تعالى وإن فرعون لعال في الأرض قال ابن عباس متطاول في أرض مصر وإنه لمن المسرفين حين كان عبدا فادعى الربوبية \r\n قوله تعالى إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا لما شكا بنوا إسرائيل إلى موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم واستحياء نسائهم قال لهم هذا \r\n وفي قوله لا تجعلنا فتنة ثلاثة أقوال ","part":4,"page":53},{"id":1574,"text":" أحدها لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون ولا بعذاب من قبلك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم \r\n والثاني لا تسلطهم علينا فيفتنونا والقولان مرويان عن مجاهد \r\n والثالث لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا لظنهم أنهم على حق قاله أبو الضحى وأبو مجلز \r\n قوله تعالى أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا قال المفسرون لما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة وكانوا لا يصلون إلى في الكنائس فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون و تبوآ معناه اتخذا وقد شرحناه في الأعراف 74 وفي المراد بمصر قولان أحدهما أنه البلد المعروف بمصر قاله الضحاك والثاني أنه الاسكندرية قاله مجاهد وفي البيوت قولان أحدهما أنها المساجد قاله الضحاك والثاني القصور قاله مجاهد وفي قوله واجعلوا بيوتكم قبلة أربعة أقوال \r\n أحدها اجعلوها مساجد رواه مجاهد وعكرمة والضحاك عن ابن عباس وبه قال النخعي وابن زيد وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم فقيل لهم اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد \r\n والثاني اجعلوها قبل القبلة رواه العوفي عن ابن عباس وروى الضحاك عن ابن عباس قال قبل مكة وقال مجاهد أمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة وبه قال مقاتل وقتادة والفراء \r\n والثالث اجعلوها يقابل بعضها بعضا وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال سعيد بن جبير ","part":4,"page":54},{"id":1575,"text":" والرابع واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم قاله ابن بحر \r\n فإن قيل البيوت جمع فكيف قال قبلة على التوحيد فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال من قال المراد بالقبلة الكعبة قال وحدت القبلة لتوحيد الكعبة قال ويجوز أن يكون أراد اجعلوا بيوتكم قبلا فاكتفى بالواحد عن الجمع كما قال العباس بن مرداس ... فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور ... \r\n يريد إنا إخوتكم ويجوز أن يكون وحد قبلة لانه أجراها مجرى المصدر فيكون المعنى واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد ويجوز أن يكون وحدها والمعنى واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة ومكانا قبلة ومحلة قبلة \r\n قوله تعالى وأقيموا الصلاة قال ابن عباس أتموا الصلاة وبشر المؤمنين أنت يا محمد قال سعيد بن جبير بشرهم بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة \r\n قوله تعالى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا قال ابن عباس كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت \r\n قوله تعالى ليضلوا عن سبيلك وفي لام ليضلوا أربعة أقوال \r\n أحدها أنها لام كي والمعنى آتيتهم ذلك كي يضلوا وهذا قول الفراء \r\n والثاني أنها لام العاقبة والمعنى إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى الضلال ومثله قوله ليكون لهم عدوا وحزنا بالقصص 8 أي آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا لا أنهم قصدوا ذلك وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه ","part":4,"page":55},{"id":1576,"text":" إلى الهلاك إنما كسب فلان لحتفه وهو لم يكسب المال طلبا للحتف وأنشدوا ... وللمنايا تربي كل مرضعة ... وللخراب يجد الناس عمرانا ... \r\n وقال آخر ... وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن ... \r\n وقال آخر ... فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده ... \r\n أراد عاقبة الأمر ومصيده إلى ذلك هذا قول الزجاج \r\n والثالث أنها لام الدعاء والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك ذكره ابن الأنباري \r\n والرابع أنها لام أجل فالمعنى آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك لهم ومثله قوله سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم التوبة 95 أي لأجل إعراضكم حكاه بعض المفسرين وقرأ أهل الكوفة إلا المفضل وزيد وابو حاتم عن يعقوب ليضلوا بضم الياء اي ليضلوا غيرهم \r\n قوله تعالى ربنا اطمس روى الحلبي عن عبد الوارث اطمس بضم الميم على أموالهم وفيه قولان \r\n أحدهما أنها جعلت حجارة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك وأبو صالح والفراء وقال القرظي جعل سكرهم حجارة وقال ابن زيد صار ذهبهم ودارهمهم وعدسهم وكل شيء لهم حجارة وقال مجاهد مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة فكانت إحدى الآيات التسع وقال الزجاج تطميس الشيء إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كان عليها ","part":4,"page":56},{"id":1577,"text":" والثاني أنها هلكت فالمعنى أهلك أموالهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وأبو عبيدة وابن قتيبة ومنه يقال طمست عينه أي ذهبت وطمس الطريق إذا عفا ودرس \r\n وفي قوله واشدد على قلوبهم أربعة أقوال \r\n أحدها اطبع عليها رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مقاتل والفراء والزجاج \r\n والثاني أهلكهم كفارا رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثالث اشدد عليها بالضلالة قاله مجاهد \r\n والرابع أن معناه قس قلوبهم قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى فلا يؤمنوا فيه قولان \r\n أحدهما أنه دعاء عليهم أيضا كأنه قال اللهم فلا يؤمنوا قاله الفراء وأبو عبيدة والزجاج وقال ابن الأنباري معناه فلا آمنوا قال الأعشى ... فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم ... \r\n معناه لا أنبسط ولا لقيتني \r\n والثاني أنه عطف على قوله ليضلوا عن سبيلك فالمعنى أنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا حكاه الزجاج عن المبرد \r\n قوله تعالى حتى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس هو الغرق وكان ","part":4,"page":57},{"id":1578,"text":" موسى يدعو وهارون يؤمن فقال الله تعالى قد أجيبت دعوتكما وكان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة \r\n فإن قيل كيف قال دعوتكما وهما دعوتان فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول كما بينا في الأعراف 158 أن الكلمة تقع على كلمات قال الشاعر ... وكان دعا دعوة قومه ... هلم إلى أمركم قد صرم ... \r\n فأوقع دعوة على ألفاظ بينها آخر بيته \r\n والثاني أن يكون المعنى قد أجيبت دعواتكما فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع ذكر الجوابين ابن الأنباري وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ دعواتكما بالألف وفتح العين \r\n والثالث أن موسى هو الذي دعا فالدعوة له غير أنه لما أمن هارون أشرك بينهما في الدعوة لأن التأمين على الدعوة منها \r\n وفي قوله فاستقيما اربعة أقوال \r\n أحدها فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إلى طاعةالله قاله ابن جرير \r\n والثالث فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه \r\n والرابع فاستقيما على ديني ذكرهما أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ولا تتبعان قرأ الأكثرون بتشديد تاء تتبعان وقرأ ","part":4,"page":58},{"id":1579,"text":" ابن عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون تتبعان إلا أن النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها واختير لها الكسر لأنها بعد الألف فشبهت بنون الاثنين قال أبو علي ومن خفض النون أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة فإن شئت كان على لفظ الخبر والمعنى الأمر كقوله يتربصن بأنفسهن البقرة 228 و 234 و لاتضار والدة البقرة 233 أي لا ينبغي ذلك وإن شئت جعلته حالا من قوله فاستقيما تقديره استقيما غير متبعين وفي المراد بسبيل الذين لا يعلمون قولان أحدهما أنهم فرعون وقومه قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n فإن قيل كيف جاز أن يدعو موسى على قومه \r\n فالجواب أن بعضهم يقول كان ذلك بوحي وهو قول صحيح لأنه لا يظن بنبي أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز و جل لأن دعاءه سبب للانتقام \r\n قوله تعالى فأتبعهم فرعون وجنوده قال أبو عبيدة أتبعهم وتبعهم سواء وقال ابن قتيبة أتبعهم لحقهم بغيا وعدوا أي ظلما وقرأ الحسن فأتبعهم بالتشديد وكذلك شددوا وعدوا مع ضم العين \r\n قوله تعالى حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر أنه بفتح الألف والمعنى آمنت بأنه فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى أن فنصب وقرأ حمزة والكسائي إنه بكسر الألف فحملوه على القول المضمر كأنه قال آمنت فقلت إنه قال ابن عباس لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب قال ابن الأنباري ","part":4,"page":59},{"id":1580,"text":" جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة فقيل له آلآن أي الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله عز و جل والمخاطب له بهذا كان جبريل وجاء في الحديث أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون خشية أن يغفر له قال الضحاك ابن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه السلام كان عبدا صالحا وكان يذكر الله فلما وقع في بطن الحوت سأل الله فقال الله فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون الصافات 143 وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله آلهان وقد عصيت قبل \r\n قوله تعالى فاليوم ننجيك وقرأ يعقوب ننجيك مخففة قال اللغويون منهم يونس وأبو عبيدة نلقيك على نجوة من الأرض أي ارتفاع ليصير علما أنه قد غرق وقرأ ابن السميفع ننحيك بحاء وفي سبب إخراجه من البحر بعد غرقه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن موسى واصحابه لما خرجوا قال من بقي من المدائن من قوم فرعونك ما أغرق فرعون ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا فكانت نجاة عبرة وأوحى الله تعالى إلى ","part":4,"page":60},{"id":1581,"text":" البحر أن الفظ ما فيك فلفظهم البحر بالساحل ولم يكن يلفظ غريقا فصار لا يقبل غريقا إلى يوم القيامة رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أن أصحاب موسى قالوا إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا موسى ربه فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد وعبد الله بن شداد والسدي ومقاتل وقال السدي لما قال بنو إسرائيل لم يغرق فرعون دعا موسى فخرج فرعون في ستمائة الف وعشرين ألفا عليهم الحديد فأخذته بنوا إسرائيل يمثلون به وذكر غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون أصحابه وقال ابن جريج كذب بعض بني إسرائيل بغرقه فرمى به البحر على ساحل البحر حتى رآه بنوا إسرائيل قصيرا أحمر كأنه ثور وقال أبو سليمان عرفه بنوا إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها فأما وجهه فقد غيره سخط الله تعالى \r\n والثالث أنه كان يدعي أنه رب وكان يعبده قوم فبين الله تعالى أمره فأغرقه وأصحابه ثم أخرجه من بينهم قاله الزجاج وفي قوله ببدنك أربعة أقوال أحدها بجسدك من غير روح قاله مجاهد وذكر البدن دليل على عدم الروح والثاني بدرعك قاله ابو صخر وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ وقيل من ذهب فعرف بدرعه والثالث نلقيك عريانا قاله الزجاج والرابع ننجيك وحدك قاله ابن قتيبة \r\n وفي قوله لتكون لمن خلفك آية ثلاثة أقوال \r\n أحدها لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك فإنك لو كنت إلها ما غرقت قاله أبو صالح عن ابن عباس قال أبو عبيدة خلفك بمعنى بعدك والآية العلامة ","part":4,"page":61},{"id":1582,"text":" والثاني لتكون لبني إسرائيل آية قاله السدي \r\n والثالث لمن تخلف من قومه لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول الآية فخرج في معنى الآية قولان أحدهما عبرة للناس والثاني علامة تدل على غرقه وقال الزجاج الآية أنه كان يدعي أنه رب فبان أمره وأخرج من بين اصحابه لما غرقوا وقرأ ابن السميفع وابو المتوكل وأبو الجوزاء لمن خلقك بالقاف \r\n ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جائهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم \r\n قوله تعالى ولقد بوأنا بني إسرائيل أي أنزلناهم منزل صدق أي منزلا كريما وفي المراد ببني إسرائيل قولان أحدهما أصحاب موسى والثاني قريظة والنضير وفي المراد بالمنزل الذي أنزلوه خمسة أقوال أحدها أنه الأردن وفلسطين قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الشام وبيت المقدس قاله الضحاك وقتادة والثالث مصر روي عن الضحاك أيضا والرابع بيت المقدس قاله مقاتل والخامس ما بين المدينة والشام من أرض يثرب ذكره علي بن أحمد النيسابوري والمراد بالطيبات ما أحل لهم من الخيرات ","part":4,"page":62},{"id":1583,"text":" الطيبة فما اختلفوا يعني بني إسرائيل قال ابن عباس ما اختلفوا في محمد لم يزالوا به مصدقين حتى جاءهم العلم يعني القرآن وروي عنه حتى جاءهم العلم يعني محمدا فعلى هذا يكون العلم هاهنا عبارة عن المعلوم وبيان هذا أنه لما جاءهم اختلفوا في تصديقه وكفر به أكثرهم بغيا وحسدا بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره \r\n قوله تعالى فإن كنت في شك في تأويل هذه الآية ثلاثة اقوال \r\n أحدها أن الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره من الشاكين بدليل قوله في آخر السورة إن كنتم في شك من ديني يونس 105 ومثله قوله يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما الأحزاب 2 ثم قال بما تعملون خبيرا الأحزاب 3 ولم يقل بما تعمل وهذا قول الأكثرين \r\n والثاني أن الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وهو المراد به ثم في المعنى قولان أحدهما أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك لأنه من المستفيض في لغة العرب أن يقول الرجل لولده إن كنت أبني فبرني ولعبده إن كنت عبدي فأطعني وهذا اختيار الفراء وقال ابن عباس لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم في شك ولا سأل والثاني أن تكون إن بمعنى ما فالمعنى ما كنت في شك فاسأل المعنى لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاك ولكن لتزداد بصيرة ذكره الزجاج \r\n والثالث أن الخطاب للشاكين فالمعنى إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزل إليك على لسان محمد فسل روي عن ابن قتيبة \r\n وفي الذي أنزل إليه قولان أحدهما أنه أنزل إليه أنه رسول الله والثاني أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ","part":4,"page":63},{"id":1584,"text":" قوله تعالى فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك وهم اليهود والنصارى وفي الذين أمر بسؤالهم منهم قولان أحدهما من آمن كعبد الله بن سلام قاله ابن عباس ومجاهد في آخرين والثاني أهل الصدق منهم قاله الضحاك وهو يرجع إلى الأول لأنه لا يصدق إلا من آمن \r\n قوله تعالى لقد جاءك الحق من ربك هذا كلام مستأنف \r\n قوله تعالى إن الذين حقت أي وجبت عليهم كلمة ربك أي قوله وبماذا حقت الكلمة عليهم فيه اربعة أقوال \r\n أحدها باللعنة والثاني بنزول العذاب والثالث بالسخط والرابع بالنقمة \r\n قوله تعالى ولو جاءتهم كل آية قال الأخفش إنما أنث فعل كل لأنه أضافه إلى آية وهي مؤنثة \r\n فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين \r\n قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت أي أهل قرية وفي لولا قولان أحدهما أنه بمعنى لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها أي قبل منها إلا قوم يونس قاله ابن عباس وقال قتادة لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب إلا لقوم يونس والثاني أنها بمعنى فهلا قاله أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج قال الزجاج والمعنى فهلا كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها إلا قوم يونس و إلا هاهنا استثناء ليس من الأول كأنه قال لكن قوم يونس قال الفراء نصب القوم على الانقطاع مما قبله ألا ترى أن ","part":4,"page":64},{"id":1585,"text":" ما بعد إلا في الجحد يتبع ما قبلها تقول ما قام أحد إلا أخوك فإذا قلت ما فيها أحد إلا كلبا أو حمارا نصبت لانقطاعهم من الجنس كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعا وذكر ابن الأنباري في قوله إلا قولين آخرين أحدهما أنها بمعنى الواو والمعنى وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا وهذا مروي عن أبي عبيدة والفراء ينكره والثاني أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه تقديره حتى يروا العذاب الأليم إلا قوم يونس فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع \r\n قوله تعالى كشفنا عنهم أي صرفنا عنهم عذاب الخزي أي عذاب الهوان والذل ومتعناهم إلى حين أي إلى حين آجالهم \r\n الإشارة إلى شرح قصتهم \r\n ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن قوم يونس كانوا ب نينوى من أرض الموصل فأرسل الله عز و جل إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك الأصنام فأبوا فأخبرهم أن العذاب مصبحهم بعد ثلاث فلما تغشاهم العذاب قال ابن عباس وأنس لم يبق بين العذاب وبينهم إلا قدر ثلثي ميل وقال مقاتل قدر ميل وقال أبو صالح عن ابن عباس وجدوا حر العذاب على أكتافهم وقال سعيد بن جبير غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر وقال بعضهم غامت السماء غيما أسود يظهر دخانا شديدا فغشي مدينتهم واسودت سطوحهم ","part":4,"page":65},{"id":1586,"text":" فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح وحثوا على رؤوسهم الرماد وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام وعجوا إلى الله بالتوبة الصادقة وقالوا آمنا بما جاء به يونس فاستجاب الله منهم قال ابن مسعود بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه فيرده وقال أبو الجلد لما غشيهم العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا ما ترى قال قولوا يا حي حين لا حي يا حي محيي الموتى يا حي لا إله إلا أنت ققالواها فكشف العذاب عنهم قال مقاتل عجوا إلى الله أربعين ليلة فكشف العذاب عنهم وكانت التوبة عليهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة قال وكان يونس قد خرج من بين أظهرهم فقيل له ارجع إليهم فقال كيف أرجع إليهم فيجدوني كاذبا وكان من يكذب بينهم ولا بينة له يقتل فانصرف مغاضبا فالتقمه الحوت وقال أبو صالح عن ابن عباس أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعيا فقيل له ائت فلانا الملك فقل له يبعث إلى بني إسرائيل نبيا قويا أمينا وكان في مملكته خمسة من الأنبياء فقال الملك ليونس اذهب إليهم فقال ابعث غيري فعزم عليه أن يذهب فأتى بحر الروم فركب سفينة فالتقمه الحوت فلما خرج من بطنها أمر ينطلق إلى قومه فانطلق نذيرا لهم فأبوا عليه فوعدهم بالعذاب وخرج فلما تابوا رفع عنهم والقول الأول أثبت عند العلماء وأنه إنما التقمه الحوت بعد إنذاره لهم وتوبتهم وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت إياه في مكانه إنشاء الله تعالى الصفات 143 \r\n فإن قيل كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم ولم يكشف عن فرعون حين آمن ","part":4,"page":66},{"id":1587,"text":" فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن ذلك كان خاصا لهم كما ذكرنا في أول الآية والثاني أن فرعون باشره العذاب وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم فكانوا كالمريض يخاف الموتويرجو العافية فأما الذي يعاين فلا توبة له ذكره الزجاج \r\n والثالث أن الله تعالى علم منهم صدق النيات بخلاف من تقدمهم من الهالكين ذكره ابن الأنباري \r\n ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين \r\n قوله تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصا على إيمان جميع الناس فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلى من سبقت له السعادة قال الأخفش جاء بقوله جميعا مع كل تأكيدا كقوله وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين النحل 51 \r\n قوله تعالى أفأنت تكره الناس قال المفسرون منهم مقاتل هذا منسوخ بآية السيف والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ لأن الإكراه على الإيمان لا يصح لأنه عمل القلب \r\n وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون \r\n قوله تعالى وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله فيه ستة أقوال \r\n أحدها بقضاء الله وقدره والثاني بأمر الله رويا عن ابن عباس والثالث بمشيئة الله قاله عطاء الرابع إلا أن يأذن الله في ذلك قاله مقاتل والخامس بعلم الله والسادس بتوفيق الله ذكرهما الزجاج وابن الأنباري ","part":4,"page":67},{"id":1588,"text":" قوله تعالى ويجعل الرجس أي ويجعل الله الرجس وروى أبو بكر عن عاصم ونجعل الرجس بالنون وفيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه السخط رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني الإثم والعدوان قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنه مالا خير فيه قاله مجاهد \r\n والرابع العذاب قاله الحسن وأبو عبيدة والزجاج \r\n والخامس العذاب والغضب قاله الفراء \r\n قوله تعالى على الذين لا يعقلون أي لا يعقلون عن الله أمره ونهيه وقيل لا يعقلون حججه ودلائل توحيده \r\n قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون \r\n قوله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض قال المفسرون قل للمشركين الذي يسألونك الآيات على توحيد الله انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السموات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر وكل هذا يقتضي خالقا مدبرا وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في علم الله \r\n فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين \r\n قوله تعالى فهل ينتظرون قال ابن عباس يعني كفار قريش ","part":4,"page":68},{"id":1589,"text":" إلا مثل ايام الذين خلوا من قبلهم قال ابن الأنباري أي مثل وقائع الله بمن سلف قبلهم والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب وقد تقصد بها أيام السرور والأفراح إذا قام دليل بذلك \r\n قوله تعالى قل فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين لنزول العذاب بكم ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا من العذاب إذا نزل فلم يهلك قوم قط إلا نجا نبيهم والذين آمنوا معه \r\n قوله تعالى كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين وقرأ يعقوب وحفص والكسائي في قراءته وروايته عن أبي بكر ننج المؤمنين بالتخفيف ثم في هذا الإنجاء قولان \r\n أحدهما ننجيهم من العذاب إذا نزل بالمكذبين قاله الربيع بن أنس \r\n والثاني ننجيهم في الآخرة من النار قاله مقاتل \r\n قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين \r\n قوله تعالى قل يا أيها الناس قال ابن عباس يعني أهل مكة إن كنتم في شك من ديني الإسلام فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله وهي الأصنام ولكن أعبد الله الذي يقدر أن يميتكم وقال ابن جرير معنى الآية لا ينبغي لكم أن تشكوا في ديني لأني أعبد الله الذي يميت وينفع ويضر ولا تستنكر ","part":4,"page":69},{"id":1590,"text":" عبادة من يفعل هذا وإنما ينبغي لكم أن تشكوا وتنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع \r\n فإن قيل لم قال الذي يتوفاكم ولم يقل الذي خلقكم \r\n فالجواب أن هذا يتضمن تهديدهم لأن ميعاد عذابهم الوفاة \r\n قوله تعالى وأن أقم وجهك المعنى وأمرت أن أقم وجهك وفيه قولان \r\n أحدها أخلص عملك والثاني استقم باقبالك على ما أمرت به بوجهك \r\n وفي المراد بالحنيف ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنه المتبع قاله مجاهد والثاني المخلص قاله عطاء والثالث المستقيم قاله القرظي \r\n قوله تعالى ولا تدع من دون الله مالا ينفعك إن دعوته ولا يضرك إن تركت عبادته و الظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه \r\n وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين \r\n قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر أي بشدة وبلاء فلا كاشف لذلك إلا هو دون ما يعبده المشركون من الأصنام وإن يصبك بخير أي برخاء ونعمة وعافية فلا يقدر أحد أن يمنعك إياه يصيب به أي بكل واحد من الضر والخير ","part":4,"page":70},{"id":1591,"text":" قوله تعالى قد جاءكم الحق من ربكم فيه قولان \r\n أحدهما أنه القرآن والثاني محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى ومن ضل فإنما يضل عليها أي فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه \r\n قوله تعالى وما أنا عليكم بوكيل أي في منعكم من اعتقاد الباطل والمعنى لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك قال ابن عباس وهذه منسوخة بآية القتال والتي بعدها أيضا وهي قوله واصبر حتى يحكم الله لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ أما الآية الأولى فقد ذكرنا الكلام عليها في نظيرتها في الأنعام 107 وأما الثانية فقد ذكرنا نظيرتها في سورة البقرة 109 قوله فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ","part":4,"page":71},{"id":1592,"text":" سورة هود عليه السلام \r\n فصل في نزولها \r\n روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية كلها وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وجابر بن زيد وقتادة وروي عن ابن عباس أنه قال هي مكية إلا آية وهي قوله أقم الصلاة طرفي النهار هود 114 وعن قتادة نحوه وقال مقاتل هي مكية كلها إلا قوله فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك هود 12 وقوله أولئك يومنون به هود 17 وقوله إن الحسنات يذهبن السيئات هود 14 \r\n وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله عجل إليك الشيب قال شيبتني هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون وهل أتاك حديث الغاشية ","part":4,"page":72},{"id":1593,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير \r\n فأما آلر فقد ذكرنا تفسيرها في سورة يونس \r\n قال الفراء و كتاب مرفوع بالهجاء الذي قبله كأنك قلت حروف الهجاء هذا القرآن وإن شئت رفعته باضمار هذا كتاب والكتاب القرآن \r\n وفي قوله أحكمت آياته أربعة أقوال \r\n أحدها أحكمت فما تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع قاله ابن عباس واختاره ابن قتيبة \r\n والثاني أحكمت بالأمر والنهي قاله الحسن وأبو العالية \r\n والثالث أحكمت عن الباطل أي منعت قاله قتادة ومقاتل \r\n والرابع أحكمت بمعنى جمعت قاله ابن زيد \r\n فإن قيل كيف عم الآيات هاهنا بالإحكام وخص بعضها في قوله منه آيات محكمات آل عمران 8 فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الإحكام الذي عم به هاهنا غير الذي خص به هناك \r\n وفي معنى الإحكام العام خمسة أقوال قد أسلفنا منها أربعة في قوله أحكمت آياته \r\n والخامس أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة ","part":4,"page":73},{"id":1594,"text":" ومعنى الإحكام الخاص زوال اللبس واستواء السامعين في معرفة معنى الآية \r\n والجواب الثاني أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد والمراد بقوله أحكمت آياته أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس فأوقع العموم على معنى الخصوص كما تقول العرب قد أكلت طعام زيد يعنون بعض طعامه ويقولون قتلنا ورب الكعبة يعنون قتل بعضنا ذكر ذلك ابن الأنباري \r\n وفي قوله ثم فصلت ستة أقوال \r\n أحدها فصلت بالحلال والحرام رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني فصلت بالثواب والعقاب رواه جسر بن فرقد عن الحسن \r\n والثالث فصلت بالوعد والوعيد رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا \r\n والرابع فصلت بمعنى فسرت قاله مجاهد \r\n الخامس أنزلت شيئا بعد شيء ولم تنزل جملة ذكره ابن قتيبة \r\n والسادس فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد وتثبيت نبوة الأنبياء وإقامة الشرائع قاله الزجاج \r\n قوله تعالى من لدن حكيم أي من عنده ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ","part":4,"page":74},{"id":1595,"text":" قوله تعالى ألا تعبدوا إلا الله قال الفراء المعنى فصلت آياته بأن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا و أن في موضع النصب بالقائك الخافض \r\n وقال الزجاج المعنى آمركم أن تعبدوا إلا الله وأن استغفروا \r\n قال مقاتل والمراد بهذه العبادة التوحيد والخطاب لكفار مكة \r\n قوله تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه فيه قولان \r\n أحدهما أن الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك قاله مقاتل \r\n والثاني استغفروه من الذنوب السالفة ثم توبوا إليه من المستأنفة متى وقعت وذكر عن الفراء أنه قال ثم هاهنا بمعنى الواو \r\n قوله تعالى يمتعكم متاعا حسنا قال ابن عباس يتفضل عليكم بالرزق والسعة وقال ابن قتيبة يعمركم وأصل الإمتاع الإطالة يقال أمتع الله بك ومتع الله بك إمتاعا ومتاعا والشيء الطويل ماتع يقال جبل ماتع وقد متع النهار إذا تطاول \r\n وفي المراد بالأجل المسمى قولان \r\n أحدهما أنه الموت قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة \r\n والثاني أنه يوم القيامة قاله سعيد بن جبير \r\n قوله تعالى ويؤت كل ذي فضل فضله في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ويؤت كل ذي فضل من حسنة وخير فضله وهو الجنة والثاني يؤتيه فضله من الهداية إلى العمل الصالح \r\n والثاني أنها ترجع إلى العبد فيكون المعنى ويؤت كل من زاد في إحسانه ","part":4,"page":75},{"id":1596,"text":" وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده فيفضله في الدنيا بالمنزلة الرفيعة وفي الآخرة بالثواب الجزيل \r\n قوله تعالى وإن تولوا أي تعرضوا عما أمرتم به وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو مجلز وأبو رجاء وإن تولوا بضم التاء فإني أخاف عليكم فيه إضمار فقل واليوم الكبير يوم القيامة ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى ألا إنهم يثنون صدورهم في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحلف إنه ليحبه ويضمر خلاف ما يظهر له فنزلت فيه هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء فنزلت فيهم هذه الآية رواه محمد بن عباد عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه و سلم ثنى صدره وظهره وطأطأ راسه وغطى وجهه لئلا يراه رسول الله قاله عبد الله ابن شداد \r\n والرابع أن طائفة من المشركين قالوا إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا ","part":4,"page":76},{"id":1597,"text":" واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه و سلم كيف يعلم بنا فأخبر الله عما كتموا ذكر زجاج \r\n والخامس أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سمعوا منه القرآن حنوا صدورهم ونكسوا رؤوسهم وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى يثنون صدورهم يقال ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته وفي معنى الكلام خمسة أقوال \r\n أحدها يكتمون ما فيها من العداوة لمحمد صلى الله عليه و سلم قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني يثنون صدورهم على الكفر قاله مجاهد \r\n والثالث يحنونها لئلا يسمعوا كتاب الله قاله قتادة \r\n والرابع يثنونها إذا ناجى بعضهم بعضا في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن زيد \r\n والخامس يثنونها حياء من الله تعالى وهو يخرج على ما حكينا عن ابن عباس قال ابن الأنباري وكان ابن عباس يقرؤها ألا إنهم تثنوني صدورهم وفسرها أن ناسا كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء فتثنوني تفعوعل وهو فعل للصدور معناه المبالغة في تثني الصدور كما تقول العرب احلولى الشيء يحلولي إذا بالغوا في وصفه بالحلاوة قال عنترة ... ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا ","part":4,"page":77},{"id":1598,"text":" وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولي ألا ليت ذا ليا ... \r\n فعلى هذا القول هو في حق المؤمنين وعلى بقية الأقوال هو في حق المنافقين وقد خرج من هذه الأقوال في معنى يثنون صدورهم قولان أحدهما أنه حقيقة في الصدور والثاني أنه كتمان ما فيها \r\n قوله تعالى ليستخفوا منه في هاء منه قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى والثاني إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى ألا حين يستغشون ثيابهم قال أبو عبيدة العرب تدخل ألا توكيدا وإيجابا وتنبيها قال ابن قتيبة يستغشون ثيابهم أي يتغشونها ويستترون بها قال قتادة أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره واشتغشى ثيابه وأضمر همه في نفسه قال ابن الأنباري أعلم الله أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم \r\n قوله تعالى إنه عليم بذات الصدور وقد شرحنا في آل عمران 119 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفورا إن هذا إلا سحر مبين \r\n قوله تعالى وما من دابة في الأرض قال أبو عبيدة من من حروف الزوائد والمعنى وما دابة والدابة اسم لكل حيوان يدب وقوله إلا على الله رزقها قال العلماء فضلا منه لا وجوبا عليه و على هاهنا بمعنى من وقد ذكرنا المستقر والمستودع في سورة الأنعام 67 ","part":4,"page":78},{"id":1599,"text":" قوله تعالى كل في كتاب أي ذلك عند الله في اللوح المحفوظ هذا قول المفسرين وقال الزجاج المعنى ذلك ثابت في علم الله عز و جل \r\n قوله تعالى وكان عرشه على الماء قال ابن عباس عرشه سريره وكان الماء إذ كان العرش عليه على الريح قال قتادة ذلك قبل أن يخلق السموات والأرض \r\n قوله تعالى ليبلوكم أي ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه فيثيت المعتبر بما يرى من آيات السموات والأرض ويعاقب أهل العناد \r\n قوله تعالى أيكم أحسن عملا فيه أربعة أقوال أحدها أيكم أحسن عقلا وأورع من محارم الله عز و جل وأسرع في طاعة الله رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والثاني أيكم أعمل بطاعة الله قاله ابن عباس والثالث أيكم أتم عقلا قاله قتادة والرابع أيكم أزهد في الدنيا قاله الحسن وسفيان \r\n قوله تعالى إن هذا إلا سحر مبين قال الزجاج السحر باطل عندهم فكأنهم قالوا إن هذا إلا باطل بين فأعلمهم الله تعالى أن القدرة على خلق السموات والأرض تدل على بعث الموتآ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ياتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا يستهزؤون ","part":4,"page":79},{"id":1600,"text":" قوله تعالى ولئن أخرنا عنهم العذاب قال المفسرون هؤلاء كفار مكة والمراد بالأمة المعدودة الأجل المعلوم والمعنى إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها ليقولن ما يحبسه وإنما قالوا ذلك تكذيبا واستهزاء \r\n قوله تعالى ألا يوم يأتيهم وقال ليس مصروفا عنهم وقال بعضهم لا يصرف عنهم العذاب إذا أتاهم وقال آخرون إذا أخذتهم سيوف رسول الله صلى الله عليه و سلم لم تغمد عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلوا كلمة الإخلاص \r\n قوله تعالى وحاق بهم قال أبو عبيدة نزل بهم وأصابهم \r\n وفي قوله ما كانوا به يستهزؤن قولان أحدهما انه الرسول والكتاب قاله أبو صالح عن ابن عباس فيكون المعنى حاق بهم جزاء استهزائهم والثاني أنه العذاب كانوا يستهزئون بقولهم ما يحسبه وهذا قول مقاتل ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور \r\n قوله تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في الوليد بن المغيرة قاله ابن عباس والثاني في عبد الله بن أبي أمية المخزومي ذكره الواحدي والثالث أن الإنسان هاهنا اسم جنس والمعنى ولئن أذقنا الناس قاله الزجاج والمراد بالرحمة النعمة من العافية والمال والولد واليؤوس القنوط قال أبو عبيدة هو فعول من يئست قال مقاتل إنه ليؤوس عند الشدة من الخير كفور لله في نعمه في الرخاء ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور \r\n قوله تعالى ولئن أذقناه نعماء قال ابن عباس صحة وسعة في الرزق ","part":4,"page":80},{"id":1601,"text":" بعد ضراء مسته بعد مرض وفقر ليقولن ذهب السيئات عني يريد الضر والفقر إنه لفرح أي بطر فخور قال ابن عباس يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه \r\n فإن قيل ما وجه عيب الإنسان في قوله ذهب السيئات عني وما وجه ذمه على الفرح وقد وصف الله الشهداء فقال فرحين \r\n فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال إنما عابه بقوله ذهب السيئات عني لأنه لم يعترف بنعمة الله ولم يحمده على ما صرف عنه وإنما ذمه بهذا الفرح لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله قال الشاعر ... ولا ينسيني الحدثان عرضي ... ولا ألقي من الفرح الإزارا ... \r\n يعني من المرح وفرح الشهداء فرح لا كبر فيه ولا خيلاء بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير \r\n قوله تعالى إلا الذين صبروا قال الفراء هذا الاستثناء من الإنسان لأنه في معنى الناس كقوله إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا العصر 24 وقال الزجاج هذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن الذين صبروا قال ابن عباس الوصف الأول للكافر والذين صبروا أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ","part":4,"page":81},{"id":1602,"text":" فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل \r\n قوله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم أئت بقرآن غير هذا أو بدله يونس 15 فهم النبي صلى الله عليه و سلم أن لا يسمعهم عيب آلهتهم رجاء أن يتبعوه فنزلت هذه الآية قاله مقاتل وفي معنى الآية قولان أحدهما فلعلك تارع تبليغ بعض ما يوحى إليك من أمر الآلهة وضائق بما كلفته من ذلك صدرك خشية أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز والثاني فلعلك لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك فأما الضائق فهو بمعنى الضيق قال الزجاج ومعنى أن يقولوا كراهية أن يقولوا وإنما عليك أن تنذرهم بما يوحى إليك وليس عليك أن تأتيهم باقتراحهم من الآيات \r\n قوله تعالى والله على كل شيء وكيل فيه قولان أحدهما أنه الحافظ والثاني الشهيد وقد ذكرناه في آل عمرا 173 أم يقولون افتريه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فالم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون \r\n قوله تعالى أم يقولون افتراه أم بمعنى بل و افتراه أتى به من قبل نفسه قل فأتوا أنتم في معارضتي بعشر سور مثله في البلاغة ","part":4,"page":82},{"id":1603,"text":" مفتريات بزعمكم ودعواكم وادعوا من استطعتم من دون الله إلى المعاونة على المعارضة إن كنتم صادقين في قولكم افتراه \r\n فإن لم يستجيبوا لكم أي يجيبوكم إلى المعارضة فقد مات الحجة عليهم لكم \r\n فإن قيل كيف وحد القول في قوله قل فأتوا ثم جمع في قوله فإن لم يستجيبوا لكم فعنه جوابان أحدهما أن الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وحده في الموضعين فيكون الخطاب له بقوله لكم تعظيما لأن خطاب الواحد بلفظ الجميع تعظيم هذا قول المفسرين والثاني أنه وحد في الأول لخطاب النبي صلى الله عليه و سلم وجمع في الثاني لمخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى فاعلموا أنما أنزل بعلم الله فيه قولان أحدهما أنزله وهو عالم بانزاله وعالم بأنه حق من عنده والثاني أنزله بما أخبر فيه من الغيب ودل على ما سيكون وما سلف ذكرهما الزجاج \r\n قوله تعالى وأن لا إله إلا هو أي واعلموا ذلك فهل أنتم مسلمون استفهام بمعنى الأمر وفيمن خوطب به قولان أحدهما أهل مكة ومعنى إسلامهم إخلاصهم لله العبادة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها اختلفوا فيمن نزلت على ","part":4,"page":83},{"id":1604,"text":" أربعة أقوال أحدها أنها عامة في جميع الخلق وهو قول الأكثرين والثاني أنها في أهل القبلة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنها في اليهود والنصارى قاله أنس والرابع أنها في أهل الرياء قاله مجاهد وروى عطاء عن ابن عباس من كان يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث والجزاء وقال غيره إنما هي في الكافر لأن المؤمن يريد الدنيا والآخرة \r\n قوله تعالى نوف إليهم أعمالهم أي أجور أعمالهم فيها قال سعيد ابن جبير أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا وقال مجاهد من عمل عملا من صلة أو صدقة لا يريد به وجه الله أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا ويدرأ به عنه في الدنيا \r\n قوله تعالى وهم فيها قال ابن عباس أي في الدنيا لا يبخسون أي لا ينقصون من أعمالهم في الدنيا شيئا أولئك الذين عملوا لغير الله ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا أي ما عملوا في الدنيا من حسنة وباطل ما كانوا لغير الله يعلمون \r\n فصل \r\n وذكر قوم من المفسرين منهم مقاتل أن هذه الآية اقتضت أن من أراد الدنيا بعمله أعطي فيا ثواب عمله من الرزق والخير ثم نسخ ذلك بقوله عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الاسراء 18 وهذا لا يصح لأنه لا يوفي إلا لمن يريد ","part":4,"page":84},{"id":1605,"text":" أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين \r\n قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه في المراد بالبينة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الدين قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله الضحاك والثالث القرآن قاله ابن زيد والرابع البيان قاله مقاتل وفي المشار إليه ب من قولان \r\n أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس والجمهور والثاني أنهم المسلمون وهو يخرج على قول الضحاك وفي قوله ويتلوه قولان \r\n أحدهما يتبعه والثاني يقرؤه وفي هاء يتلوه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم والثاني إلى القرآن وقد سبق ذكره في قوله فأتوا بعشر سور مثله مفتريات هود 13 \r\n وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه جبريل قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وإبراهيم في آخرين \r\n والثاني أنه لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان يتلو القرآن قاله علي بن أبي طالب والحسن وقتادة في آخرين ","part":4,"page":85},{"id":1606,"text":" والثالث أنه علي بن أبي طالب و يتلوه بمعنى يتبعه رواه جماعة عن علي بن أبي طالب وبه قال محمد بن علي وزيد بن علي \r\n والرابع أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم هو شاهد من الله تعالى قاله الحسين بن علي عليه السلام \r\n والخامس أنه ملك يحفظه ويسدده قاله مجاهد \r\n والسادس أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق وإن كان قد أنزل قبله لأن النبي صلى الله عليه و سلم بشرت به التوراة قاله الفراء \r\n والسابع أنه القرآن ونظمه وإعجازه قاله الحسين بن الفضل \r\n والثامن أنه صورة رسول الله صلى الله عليه و سلم ووجهه ومخايله لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n وفي هاء منه ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الله تعالى والثاني إلى النبي صلى الله عليه و سلم والثالث إلى البينة \r\n قوله تعالى ومن قبله في هذه الهاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد والثاني إلى القرآن قاله ابن زيد والثالث إلى الإنجيل أي ومن قبل الإنجيل كتاب موسى يتبع محمدا بالتصديق له ذكره ابن الأنباري قال الزجاج والمعنى وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى الله عليه و سلم فيكون كتاب موسى عطفا على قوله ويتلو شاهد منه أي ويتلوه كتاب موسى لأن موسى وعيسى بشرا بالنبي صلى الله عليه و سلم في التوراة والإنجيل ونصب إماما على الحال \r\n فإن قيل كيف تتلوه التوراة وهي قبله ","part":4,"page":86},{"id":1607,"text":" قيل لما بشرت به كانت كأنها تاليه له لأنها تبعته بالتصديق له \r\n وقال ابن الأنباري كتاب موسى مفعول في المعنى لأن جبريل تلاه على موسى فارتفع الكتاب وهو مفعول بمضمر بعده تأويله ومن قبله كتاب موسى كذاك أي تلاه جبريل أيضا كما تقول العرب أكرمت أخاك وأبوك فيرفعون الأب وهو مكرم على الاستئناف بمعنى وأبوك مكرم أيضا قال وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه الإنجيل \r\n فصل \r\n فتلخيص الآية أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن قال الزجاج ترك المضاد له لأن في ما بعده دليلا عليه وهو قوله مثل الفريقين كالأعمى والأصم هود 24 وقال ابن قتيبة لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا جاء بهذه الآية وتقدير الكلام أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان فيه دليل عليه وقال ابن الأنباري إنما حذف لانكشاف المعنى والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر قال الشاعر ... فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا ","part":4,"page":87},{"id":1608,"text":" فإن قلنا إن المراد بمن كان على بينة ربه رسول الله صلى الله عليه و سلم فمعنى الآية ويتبع هذا النبي شاهد وهو جبريل عليه السلام منه أي من الله وقيل شاهد هو علي بن أبي طالب منه أي من النبي صلى الله عليه و سلم وقيل يتلوه يعني القرآن يتلوه جبريل وهو شاهد لمحمد صلى الله عليه و سلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى وقيل ويتلو رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن وهو شاهد من الله وقيل ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن فلسانه شاهد منه وقيل ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق وهو الإنجيل من الله تعالى وقيل ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه وهو سمته وهديه الدال على صدقه وإن قلنا إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون فالمعنى أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو البينة ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه \r\n قوله تعالى إماما ورحمة إنما سماه إماما لأنه كان يهتدى به ورحمة أي وذا رحمة وأراد بذلك التوراة لأنها كانت إماما وسببا لرحمة من آمن بها \r\n قوله تعالى أولئك فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إشارة إلى أصحاب موسى والثاني إلى أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم والثالث إلى أهل الحق من أمة موسى وعيسى ومحمد \r\n وفي هاء به ثلاثة اقوال أحدها أنها ترجع إلى التوراة والثاني إلى القرآن والثالث إلى محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال أحدها جميع الملل قال سعيد بن جبير والثاني اليهود والنصارى قاله قتادة والثالث قريش قاله السدي والرابع بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي وآل أبي طلحة بن العزي قاله مقاتل ","part":4,"page":88},{"id":1609,"text":" قوله تعالى فالنار موعده أي إليها مصيره قال حسان بن ثابت ... أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لا قيها ... \r\n قوله تعالى فلا تك في مرية منه قرأ الحسن وقتادة مرية بضم الميم أين وقع وفي المكني عنه قولان \r\n أحدهما أنه الإخبار بمصير الكافر به فالمعنى فلا تك في شك أن موعد المكذب به النار وهذا قول ابن عباس \r\n والثاني أنه القرآن فالمعنى فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى قاله مقاتل قال ابن عباس والمراد بالناس هاهنا أهل مكة \r\n قوله تعالى أولئك يعرضون على ربهم قال الزجاج ذكر عرضهم توكيدا لحالهم في الانتقام منهم وإن كان غيرهم يعرض أيضا \r\n فأما الأشهاد ففيهم خمسة أقوال أحدها أنهم الرسل قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الملائكة قاله مجاهد وقتادة والثالث الخلائق روي عن قتادة ايضا وقال مقاتل الأشهاد الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي على رؤوس الناس والرابع الملائكة والنبيون وأمة محمد صلى الله عليه و سلم يشهدون على الناس والجوارح تشهد على ابن آدم قاله ابن زيد والخامس الأنبياء والمؤمنون قاله الزجاج قال ابن الأنباري وفائدة إخبار الأشهاد بما يعلمه الله تعظيم بالأمر المشهود عليه ودفع المجاحدة فيه الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ","part":4,"page":89},{"id":1610,"text":" قوله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله قد تقدم تفسيرها في الأعراف 45 \r\n قوله تعالى وهم بالآخرة هم كافرون قال الزجاج ذكرت هم ثانية على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض قال ابن عباس لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم وما كان لهم من دون الله من أولياء أي لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني وقال ابن الأنباري لما كانت عادة العرب جارية بقولهم لا وزر لك مني ولا نفق يعنون بالوزر الجبل والنفق السرب وكلاهما يلجأ إليه الخائف أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربا ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ إليه قال وقوله من أولياء يقتضي محذوفا تلخيصه من أولياء يمنعونهم من عذاب الله فحذف هذا لشهرته \r\n قوله تعالى يضاعف لهم العذاب يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله وذلك لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم وقال الزجاج لم يكونوا معجزين في الأرض أي في دار الدنيا ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله ثم استأنف يضاعف لهم العذاب لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور \r\n قوله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع فيمن عني بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم الكفار ثم في معناه ثلاثة أقوال أحدها أنهم لم يقدروا ","part":4,"page":90},{"id":1611,"text":" على استماع الخير وإبصار الحق وفعل الطاعة لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك هذا معنى قول ابن عباس ومقاتل والثاني أن المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه وبما كانوا يبصورن حجج الله ولا يعتبرون بها فحذف الباء كما تقول العرب لأجزينك ما عملت وبما عملت ذكره الفراء وأنشد ابن الأنباري في الاحتاج له ... نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونبذله إذا نضج القدور ... \r\n أراد نغالي باللحم والثالث أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه و سلم ما كانوا يستطيعون أن يتفهموا ما يقول قاله الزجاج \r\n والقول الثاني أنهم الأصنام فالمعنى ما كان للآلهة سمع ولا بصر فلم تستطع لذلك السمع ولم تكن تبصر فعلى هذا يرجع قوله ما كانوا إلى أوليائهم وهي الأصنام وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا لا جرم أنهم في الآخرة هم الأحسرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون \r\n قوله تعالى لا جرم قال ابن عباس يريد حقا إنهم الأخسرون وقال الفراء لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقا ألا ترى أن العرب تقول لا جرم لآتينك لا جرم لقد أحسنت وأصلها من جرمت أي كسبت الذنب قال الزجاج ومعنى لا جرم لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ","part":4,"page":91},{"id":1612,"text":" كأن المعنى لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون أي كسب لهم ذلك الفعل الخسران وذكر ابن الأنباري أن لا رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة والمعنى لا يندفع عنهم عذابي ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي ثم ابتدأ مستأنفا جرم قال وفيها قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم ف جرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل \r\n والثاني أن معنى جرم أحق وصحح وهو فعل ماض وفاعله مضمر فيه والمعنى أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم قال الشاعر ... ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا ... أراد حقت الطعنة فزارة بالغضب ومن العرب من يغير لفظ جرم مع لا خاصة فيقول بعضهم لا جرم ويقول آخرون لا جر باسقاط الميم ويقال لاذا جرم و لاذا جر بغير ميم و لا إن ذا جرم و لا عن ذا جرم ومعنى اللغات كلها حقا \r\n قوله تعالى واخبتوا إلى ربهم فيه سبعة أقوال \r\n أحدها خافوا ربهم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنابوا إلى ربهم رواه العوفي عن ابن عباس والثالث ثابوا إلى ربهم قاله قتادة ","part":4,"page":92},{"id":1613,"text":" والرابع اطمأنوا قاله مجاهد والخامس أخلصوا قاله مقاتل والسادس تخشعوا لربهم قاله الفراء والسابع تواضعوا لربهم قاله ابن قتيبة \r\n فإن قيل لم أوثرت إلى على اللام في قوله واخبتوا إلى ربهم والعادة جارية بأن يقال أخبتوا لربهم \r\n فالجواب أن المعنى وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم واطمأنوا إلى ربهم قال الفراء وربما جعلت العرب إلى في موضع اللام كقوله بأن ربك أوحى لها الزلزال 5 وقوله الذي هدانا لهذا الأعراف 43 وقد يجوز في العربية فلان يخبت إلى الله يريد يفعل ذلك موجهه إلى الله قال بعض المفسرين هذه الآية نازلة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وما قبلها نازل في المشركين ثم ضرب للفريقين مثلا فقال مثل الفريقين كالأعمى والأصم قال مجاهد الفريقان المؤمن والكافر فأما الأعمى والأصم فهو الكافر وأما البصير والسميع فهو المؤمن قال قتادة الكافر عمي عن الحق وصم عنه والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به وقال أبو عبيدة في الكلام ضمير تقديره مثل الفريقين كمثل الأعمى وقال الزجاج مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لايسمع ولا يبصر \r\n قوله تعالى هل يستويان مثلا أي هل يستويان في المشابهة \r\n والمعنى كما لا يستويان عندكم كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله وقال أبو عبيدة هل هاهنا بمعنى الإيجاب لا بمعنى الاستفهام والمعنى لا يستويان قال الفراء وإنما لم يقل يستوون لأن الأعمى والأصم من ","part":4,"page":93},{"id":1614,"text":" صفة واحد والسميع والبصير من صفة واحد كقول القائل مررت بالعاقل واللبيب وهو يعني واحدا قال الشاعر ... وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني ... \r\n فقال أيهما وإنما ذكر الخير وحده لأن المعنى يعرف إذ المبتغي للخير متق للشر وقال ابن الأنباري الأعمى والأصم صفتان لكافر والسميع والبصير صفتان لمؤمن فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة كما تقول العاقل والعالم والظالم والجاهل حضرا مجلسي فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم فلما كان المنعوتان اثنين رجع الخبر إليهما ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف ألا ترى أنه يسوغ أن تقول الأديب والليبب والكريم والجميل قصدني فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد ولا يمتنع عطف النعوت على النعوت بحروف العطف والموصوف واحد فقد قال تعالى التائبون العابدون بالتوبه 112 ثم قال الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فلم يقتض دخول الواو وقوع خلاف بين الآمرين والناهين وقد قيل الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره وكان دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين والسائحون بالسياحة دون الحامدين ويدل أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت والمنعوت واحد كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ","part":4,"page":94},{"id":1615,"text":" يظن سعيد وابن عمرو بأنني ... إذا سامني ذلا أكون به أرضى ... \r\n فنسق ابن عمرو على سعيد وهو سعيد ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون \r\n قوله تعالى ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه أني قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي أني بفتح الألف والتقدير أرسلناه بأني وكأن الوجه بأنه لهم نذير ولكنه على الرجوع من الإخبار عن الغائب إلى خطاب نوح قومه وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة إني بكسر الألف فحملوه على القول المضمر والتقدير فقال لهم إني لكم نذير \r\n قوله تعالى ما نراك إلا بشرا مثلنا أي إنسانا مثلنا لا فضل لك علينا فأما الأراذل فقال ابن عباس هم السفلة وقال ابن قتيبة هم جمع أرذل يقال رجل رذل وقد رذل رذالة ورذولة ومعنى الأراذل الشرار \r\n قوله تعالى بادي الرأي قرأ الأكثرون بادي بغير همز وقرأ ","part":4,"page":95},{"id":1616,"text":" أبو عمرو بالهمز بعد الدال وكلهم همز الرأي غير أبي عمرو وللعلماء في معنى بادي إذا لم يهمز ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المعنى ما نرى أتباعك إلى سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ناظر يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا هذا مذهب مقاتل في آخرين \r\n والثاني أن المعنى أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم وطويتهم على خلافك \r\n والثالث أن المعنى اتبعوك في ظاهر رأيهم ولم يتدبروا ما قلت ولو رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك ذكر هذين القولين الزجاج قال ابن الأنباري وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز لأنه من بدا يبدو إذا ظهر فأما من همز بادئ فمعناه ابتداء الرأي أي اتبعوك أول ما ابتدؤوا ينظرون ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك \r\n قوله تعالى ومانرى لكم علينا من فضل فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من فضل في الخلق قاله ابن عباس والثاني في الملك والمال ونحو ذلك قاله مقاتل والثالث ما فضلتم باتباعكم نوحا ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى بل نظنكم كاذبين فيه قولان \r\n أحدهما نتيقنكم قاله الكلبي والثاني نحسبكم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ارأيتم إن كنت على بينة من ربي أي على يقين وبصيرة قال ابن الأنباري وقوله إن كنت شرط لا يوجب شكا يلحقه لكن ","part":4,"page":96},{"id":1617,"text":" الشك يلحق المخاطبين من أهل الزيغ فتقديره إن كنت على بينة من ربي عندكم وآتاني رحمة من عنده فيها قولان \r\n أحدهما أنها النبوة قاله ابن عباس والثاني الهداية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فعميت عليكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم فعميت بتخفيف الميم وفتح العين قال ابن قتيبة والمعنى عميتم عنها يقال عمي علي هذا الأمر إذا لم أفهمه وعميت عنه بمعنى قال الفراء وهذا مما حولت العرب الفعل إليه وهو في الأصل لغيره كقولهم دخل الخاتم في يدي والخف في رجلي وإنما الإصبع تدخل في الخاتم والرجل في الخف واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فعميت بضم العين وتشديد الميم قال ابن الأنباري ومعنى ذلك فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء وكذلك قرأ أبي بن كعب والأعمش فعماها عليكم \r\n وفي المشار إليها قولان أحدهما البينة والثاني الرحمة \r\n قوله تعالى أنلزمكموها أي أنلزمكم قبولها وهذا استفهام معناه الإنكار يقول لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا قال قتادة والله لو استطاع نبي الله صلى الله عليه و سلم لألزمها قومه ولكن لم يملك ذلك وقيل كان مراد نوح عليه السلام رد قولهم وما نرى لكم علينا من فضل فبين فضله وفضل من آمن به بأنه على بينة من ربه وقد آتاه رحمة من عنده وسلب المكذبون ذلك \r\n قوله تعالى لا أسألكم عليه أي على نصحي ودعائي إياكم مالا فتتهموني وقال ابن الأنباري لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإيمان جاز تذكيرها ","part":4,"page":97},{"id":1618,"text":" قوله تعالى وما أنا بطارد الذين آمنوا قال ابن جريج سألوه طردهم أنفة منهم فقال لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم \r\n وفي قوله ولكني أراكم قوما تجهلون قولان \r\n أحدهما تجهلون أن هذا الأمر من الله تعالى قاله ابن عباس \r\n والثاني تجهلون لأمركم إياي بطرد المؤمنين قاله أبو سليمان و ياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون \r\n قوله تعالى ويا قوم من ينصرني اي من يمنعني من عذاب الله إن طردتهم \r\n قوله تعالى ولا أقول لكم عندي خزائن الله قال ابن الأنباري أراد بالخزائن علم الغيب المطوي عن الخلق لأنهم قالوا له إنما اتبعك هؤلاء في الظاهر وليسوا معك فقال لهم ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ما تنطوي عليه الضمائر وإنما قيل للغيوب خزائن لغموضها عن الناس واستتارها عنهم قال سفيان بن عيينة إنما آيات القرآن خزائن فإذا دخلت خزانة فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها ","part":4,"page":98},{"id":1619,"text":" قوله تعالى ولا أعلم الغيب قيل إنما قال لهم هذا لأن أرضهم أجدبت فسألوه متى يجيء المطر وقل بل سالوه متى يجيء العذاب فقال ولا أعلم الغيب وقوله ولا أقول إني ملك جواب لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا هود 27 و ولا أقول للذين تزدري أعينكم أي تحتقر وتستصغر المؤمنين قال الزجاج تزدري تستقل وتستخس يقال زريت على الرجل إذا عبت عليه وخسست فعله وأزريت به إذا قصرت به وأصل تزدري تزتري إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالا لأن التاء من حروف الهمس وحروف الهمس خفية فالتاء بعد الزاي تخفى فأبدلت منها الدال لجهرها \r\n قوله تعالى لن يؤتيهم الله خيرا قال ابن عباس إيمانا ومعنى الكلام ليس لي أن أطلع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشيء وليس لاحتقاركم إياهم يبطل أجرهم إني إذا لمن الظالمين إن قلت هذا الذي تقدم ذكره وقيل إن طردتهم \r\n قوله تعالى قد جادلتنا قال الزجاج الجدال هو المبالغة في الخصومة والمناظرة وهو مأخوذ من الجدل وهو شدة الفتل ويقال للصقر أجدل لأنه من أشد الطير ويقرأ فأكثرت جدلنا \r\n قوله تعالى فائتنا بما تعدنا قال ابن عباس يعنون العذاب إن كنت من الصادقين أنه يأتينا \r\n قوله تعالى إن أردت أن أنصح لكم أي أنصحكم وفي هذه الآية شرطان فجواب الأول النصح وجواب الثاني النفع \r\n قوله تعالى إن كان الله يريد أن يغويكم فيه ثلاثة أقوال ","part":4,"page":99},{"id":1620,"text":" أحدها يضلكم قاله ابن عباس والثاني يهلككم حكاه ابن الأنباري وقال هو قول مرغوب عنه الثالث يضلكم ويهلككم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى هو ربكم أي هو أولى بكم يتصرف في ملكه كما يشاء وإليه ترجعون بعد الموت أم يقولون افتريه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون \r\n قوله تعالى أم يقولون قال الزجاج المعنى أيقولون افتراه قال ابن قتيبة الافتراء الاختلاق فعلي إجرامي أي جرم ذلك الاختلاق إن كنت فعلت وأنا بريء مما تجرمون في التكذيب وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع فعلي أجرامي بفتح الهمزة وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون \r\n قوله تعالى وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال المفسرون لما أوحي إليه هذا استجاز الدعاء عليهم فقال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا نوح 26 \r\n قوله تعالى فلا تبتئس قال ابن عباس ومجاهد لا تحزن وقال الفراء والزجاج لا تستكن ولا تحزن قال أبو صالح عن ابن عباس فلا تحزن إذا نزل بهم الغرق بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ ","part":4,"page":100},{"id":1621,"text":" من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون \r\n قوله تعالى واصنع الفلك أي واعمل السفينة \r\n وفي قوله بأعيننا ثلاثة أقوال أحدها بمرأى منا قاله ابن عباس والثاني بحفظنا قاله الربيع \r\n والثالث بعلمنا قاله مقاتل قال ابن الأ نباري إ نما جمع على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد تقول خرجنا إلى البصرة في السفن وإنما جمع لأن من عادة الملك أن يقول أمرنا ونهينا \r\n وفي قوله ووحينا قولان أحدهما وأمرنا لك أن تصنعها والثاني وبتعليمنا إياك كيف تصنعها \r\n قوله تعالى ولاتخاطبني في الذين ظلموا فيه قولان أحدهما لاتسألني الصفح عنهم والثاني لاتخاطبني في إمهالهم \r\n وإنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة له عن سؤال لا يجاب فيه \r\n الإشارة إلى كيفية عمل السفينة \r\n روى الضحاك عن ابن عباس قال كان نوح يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال يا بني انظر هذا الشيخ لايغررك قال ياأبت أمكني من العصا فأخذها فضربه ضربة شجة ","part":4,"page":101},{"id":1622,"text":" موضحة وسالت الدماء على وجهه فقال رب قد ترى مايفعل بي عبادك فان يكن لك فيهم حاجة فاهدهم وإلا فصبرني إلى أن تحكم فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن إلى قوله واصنع الفلك قال يارب وما الفلك قال بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي وأغرق أهل معصيتي قال يارب وأين الماء قال إني على ما أشاء قدير قال يارب وأين الخشب قال اغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة وكف عن دعائهم وكفوا عنه إلا أنهم يستهزؤن به فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعه وجففه ولفقه فقال يارب كيف أتخذ هذا البيت قال اجعله على ثلاث صور رأسه كرأس الطاووس وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر وذنبه كذنب الديك واجعلها مطبقة وبعث الله إليه جبريل يعلمه وأوحى إليه أن عجل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني فاستأجر نجارين يعملون معه وسام وحام ويافث معه ينحتون السفينة فجعل طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعا وعلوها ثلاثا وثلاثين وفجر الله له عين القار تغلي غليانا حتى طلاها \r\n وعن ابن عباس قال جعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام وفي الأوسط الدواب والأنعام وركب وهو ومن معه البطن الأعلى \r\n وروي عن الحسن أنه قال كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة ذراع \r\n وقال قتادة كانت ","part":4,"page":102},{"id":1623,"text":" فيما ذكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا \r\n وقال ابن جريج كان طولها ثلاثمائة ذراع وفرضها خمسين ومائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراع وكان في أعلاها الطيروفي وسطها الناس وفي أسفلها السباع وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في أربعمائة سنة \r\n قوله تعالى وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه فيه قولان أحدهما أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط فكانوا يسخرون ويقولون صرت بعد النبوة نجارا وهذا قول ابن إسحاق \r\n والثاني أنهم قالوا له ما تصنع فقال أبني بيتا يمشي على الماء فسخروا من قوله وهذا قول مقاتل \r\n وفي قوله إن تسخروا منا فانا نسخر منكم خمسة أقوال أحدها إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم \r\n والثاني إن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة فانا نسخر منكم عند الغرق ذكره المفسرون \r\n والثالث إن تسخروا منا في الدنيا فانا نسخر منكم في الآخرة قاله ابن جرير \r\n والرابع إن تستجهلونا فانا نستجهلكم قاله الزجاج \r\n والخامس إن تسخروا منا فانا نستنصر الله عليكم فسمى هذا سخرية ليتفق اللفظان كما بينا في قوله الله يستهزىء بهم هذا قول ابن الأنباري \r\n قال ابن عباس لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر و لابحر فلذلك سخروا منه وإنما مياه البحار بقية الطوفان ","part":4,"page":103},{"id":1624,"text":" فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم \r\n قوله تعالى فسوف تعلمون هذا وعيد ومعناه فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبه \r\n قوله تعالى من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله وهو الغرق ويحل عليه أي ويجب عليه عذاب مقيم في الآخرة \r\n حتى إذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل \r\n قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا فيه قولان أحدهما جاء أمرنا بعذابهم وإهلاكهم والثاني جاء عذابنا و هو الماء ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإكليل وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين قوله تعالى وفار التنور الفور الغليان والفوارة ما يفور من القدر قاله ابن فارس \r\n قال المصنف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال التنور اسم فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا فلذلك جاء في التنزيل لأنهم خوطبوا بما عرفوا \r\n وروي عن ابن عباس أنه قال التنور بكل لسان عربي وعجمي ","part":4,"page":104},{"id":1625,"text":" وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال \r\n أحدها أنه اسم لوجه الأرض رواه عكرمة عن علي عليه السلام وروى الضحاك عن ابن عباس التنور وجه الأرض قال قيل له إذا رأيت الماء قد علا وجهه الأرض فاركب أنت وأصحابك وهذا قول عكرمة والزهري \r\n والثاني أنه تنوير الصبح رواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه وقال ابن قتيبه التنوير عند الصلاة \r\n والثالث أنه طلوع الفجر روي عن علي أيضا قال وفار التنور طلع الفجر \r\n والرابع أنه طلوع الشمس وهو منقول عن علي أيضا \r\n والخامس أنه تنور أهله روى العوفي عن ابن عباس قال إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فانه هلاك قومك وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه تنور آدم عليه السلام وهبه الله لنوح وقيل له إذا فار الماء منه فاحمل ماأمرت به وقال الحسن كان تنورا من حجارة وهذا قول مجاهد والفراء ومقاتل \r\n والسادس أنه أعلى الأرض وأشرفها \r\n قال ابن الأنباري شبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها بالتنانير واختلفوا في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه فار من مسجد الكوفة رواه حبة العربي عن علي عليه السلام وقال زر بن حبيش فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى وقال مجاهد نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته وكان ذلك بناحية الكوفة وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إلا بناحية الكوفة ","part":4,"page":105},{"id":1626,"text":" والثاني أنه فار بالهند رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه كان في أقصى دار نوح وكانت بالشام في يقال له عين وردة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى قلنا احمل فيها أي في السفينة من كل زوجين اثنين \r\n وروى حفص عن عاصم من كل بالتنوين قال أبو علي والمعنى من كل شيء ومن كل زوج زوجين فحذف المضاف وانتصاب اثنين على أنهما صفة لزوجين وقد علم أن الزوجين اثنان ولكنه توكيد قال مجاهد من كل صنف ذكرا وأنثى وقال ابن قتيبة الزوج يكون واحدا ويكون اثنين وهو هاهنا واحد ومعنى الآية احمل من كل ذكر وأنثى اثنين وقال الزجاج المعنى احمل زوجين اثنين من كل شىء والزوج في كلام العرب يجوز أن يكون معه واحد والاثنان يقال لهما زوجان يقال عندي زوجان من الطير إنما يريد ذكرا وأنثى فقط وقال ابن الأنباري إنما قال اثنين فثنى الزوج لأنه قصد قصد الذكر والأنثى من الحيوان وتقديره من كل ذكر وأنثى \r\n قوله تعالى وأهلك أي وأحمل أهلك قال المفسرون أراد بأهله عياله وولده \r\n إلا من سبق عليه القول أي سبق عليه القول من الله بالإهلاك قال الضحاك وهم امرأته وابنه كنعان \r\n قوله تعالى ومن آمن معناه واحمل من آمن \r\n وما آمن معه إلا قليل وفي عددهم ثمانية أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا ثمانين رجلا معهم أهلوهم رواه عكرمة عن ابن عباس ","part":4,"page":106},{"id":1627,"text":" والثاني أن نوحا حمل معه ثمانين إنسانا وبنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه وامرأة نوح رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس \r\n والثالث كانوا ثمانين إنسانا قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل كانوا وأربعين رجلا وأربعين امرأة \r\n والرابع كانوا أربعين ذكره ابن جريج عن ابن عباس \r\n والخامس كانوا ثلاثين رجلا رواه أبو نهيك عن ابن عباس \r\n والسادس كانوا ثمانية قال الحكم بن عتيبة كان نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه قال قتادة ذكر لنا أنه لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنين له ونساؤهم فجماعتهم ثمانية وهذا قول القرظي وابن جريج \r\n والسابع كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن له وثلاثة بنين قاله الأعمش \r\n والثامن كانوا عشرة سوى نسائهم قاله ابن إسحاق وروي عنه أنه قال الذين نجوا مع نوح بنوه الثلاثة ونساؤهم ثلاث وستة ممن آمن به \r\n وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها إن ربي لغفور رحيم \r\n قوله تعالى وقال يعني نوحا للذين أمر بحملهم اركبوا السفينة \r\n قال ابن عباس ركبوا فيها لعشر مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء \r\n وقال ابن جريج رفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب فأتت ","part":4,"page":107},{"id":1628,"text":" موضع البيت فطافت به أسبوعا وكان البيت قد رفع في ذلك الوقت ورست بباقردى على الجودي يوم عاشوراء وقال ابن عباس قرض الفأر حبال السفينة فشكا نوح ذلك فأوحى الله تعالى إليه فمسح ذنب الأسد فخرج سنوران وكان في السفينة عذرة فشكا ذلك إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه فمسح ذنب الفيل فيخرج خنزيران فأكلا ذلك الفيل فخرج خنزيران فأكلا ذلك \r\n قوله تعالى بسم الله مجراها ومرساها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبوبكر عن عاصم مجراها بضم الميم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجراها بفتح الميم وكسر الراء وكلهم قرؤوا بضم الميم من مرساها إلا أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحفصا عن عاصم كانوا يفتحون السين ونافع وأبو بكر عن عاصم كانا يقرآنها بين الكسر والتفخيم وكان حمزة والكسائي وخلف يميلونها وليس في هؤلاء أحد جعلها نعتا لله وإنما جعل الوصفين نعتا لله تعالى الحسن وقتادة وحميد الأعرج وإسماعيل بن مجالد عن عاصم فقرؤوا مجريها و مرسيها بضم الميم وببهاءين صحيحتين مثل مبديها ومنشيها وقرأ ابن مسعود مجراها بفتح الميم وإمالة الراء بعدها ألف ومرساها برفع الميم وإمالة السين بعدها ألف وقرأ أبو رزين وأبوالمتوكل مجراها بفتح الميم والراء وبألف بعدها ومرساها برفع الميم وفتح السين وبألف بعدها وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر مجراها ومرساها بفتح الميم فيهما جميعا وفتح الراء والسين وبألف بعدهما ","part":4,"page":108},{"id":1629,"text":" وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الميمين إلا أنه أمال الراء والسين فيهما وقرأ أبو عمران الجوني وابن جبير برفع الميم فيهما وفتح الراء والسين وبألف بعدهما جميعا فمن قرأ بضم الميمين جعله من أجرى وأرسى ومن فتحهما جعله مصدرا من جرى الشيء يجري مجرى ورسى يرسي مرسى قال الزجاج قوله بسم الله أي بالله والمعنى أنه أمرهم أن يسموا في وقت جريها ووقت استقرارها \r\n ومن قرأ بضم الميمين فالمعنى بالله إجراؤها وبالله إرساها ومن فتحهما فالمعنى بالله يكون جريها وبالله يقع إرساؤها أي إقرارها وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول من ضم الميم في مجراها أراد أجراها الله مجرى ومن فتحها أراد جرت مجرى وقال الضحاك كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وإذا أراد أن ترسى قال بسم الله فرست \r\n وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين \r\n قوله تعالى وهي تجري بهم في موج كالجبال شبهه في بالجبال في عظمه وارتفاعه ويقال إن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعا ويروي خمس عشرة ذراعا وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين فرسخا من الأرض \r\n قوله تعالى ونادى نوح ابنه لا يختلفون أنه كان كافرا وفي اسمه قولان أحدهما كنعان وهو قول الأكثرين والثاني اسمه يام قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عبيد بن عمير وابن إسحاق ","part":4,"page":109},{"id":1630,"text":" قوله تعالى وكان في معزل المعزل المكان المنقطع ومعنى العزل التنحية وفي معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما في معزل من السفينة والثاني في معزل من دين أبيه \r\n قوله تعالى يابني اركب معنا قرأ ابن كثير ونافع وأبوعمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يابني اركب مضافة بكسر الياء وروى أبوبكر عن عاصم يابني مفتوحة الياء ها هنا وباقي القرآن مكسورة \r\n وروى حفص عنه بالفتح في كل القرآن يابني إذا كان واحدا قال النحويون الأصل في بني ثلاث ياءات ياء التصغير وياء بعدها هي لام الفعل وياء بعد لام الفعل هي ياء الإضافة فمن قرأ يابني أراد يابنيي فحذف ياء الإضافة وترك الكسرة تدل عليها كما يقال يا غلام أقبل ومن فتح الياء أبدل من كسرة لام الفعل فتحة استثقالا لاجتماع الياءات مع الكسرة فانقلبت ياء الإضافة ألفا ثم حذفت الألف كما تحذف الياء فبقيت الفتحة على حالها وقيل إن المعنى يا بني آمن واركب معنا \r\n قوله تعالى سآوي أي سأصير وأرجع إلى جبل يعصمني أي يمنعني من الماء أي من تغريق الماء \r\n قال لاعاصم اليوم فيه قولان \r\n أحدهما لا مانع اليوم من أمر الله قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني لا معصوم ومثله ماء دافق أي مدفوق وسر كاتم وليل نائم قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى إلا من رحم قال الزجاج هذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن من رحم الله فانه معصوم قال مقاتل إلا من رحم فركب السفينة ","part":4,"page":110},{"id":1631,"text":" قوله تعالى وحال بينهما الموج في المكني عنها قولان \r\n أحدهما أنهما ابن نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني نوح وابنه قاله مقاتل \r\n وقيل يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين \r\n قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماؤك وقف قوم على ظاهر الآية وقالوا إنما ابتلعت ما نبع منها ولم تبتلع ماء السماء فصار ذلك بحارا وأنهارا وهو معنى قول ابن عباس وذهب آخرون إلى أن المراد ابلعي ماءك الذي عليك وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء وذلك بعد أن غرق ما على وجه الأرض \r\n قوله تعالى ويا سماء أقلعي أي أمسكي عن إنزال الماء قال ابن الأنباري لما تقدم ذكر الماء علم أن المعنى أقلعي عن إنزال الماء \r\n قوله تعالى وغيض الماء أي نقص قال الزجاج يقال غاض الماء يغيض إذا غاب في الأرض ويجوز إشمام الضم في الغين \r\n قوله تعالى وقضي الأمر قال ابن عباس غرق من غرق ونجا من نجا وقال مجاهد قضي الأمر هلاك قوم نوح وقال ابن قتيبة وقضي ","part":4,"page":111},{"id":1632,"text":" الأمر أي فرغ منه قال ابن الأنباري والمعنى أحكمت هلكة قوم نوح فلما دلت القصة على ما يبين هلكتهم أغنى عن نعت الأمر \r\n قوله تعالى واستوت يعني السفينة على الجودي وهو اسم جبل وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة على الجودي بسكون الياء قال ابن الأنباري وتشديد الياء في الجودي لأنها ياء النسبه فهي كالياء في علوي وهاشمي وقد خففها بعض القراء ومن العرب من يخفف ياء النسبه فيسكنها في الرفع والخفض ويفتحها في النصب فيقول قام زيد العلوي ورأيت زيدا العلوي \r\n قال ابن عباس درات السفينة بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه واختلفوا أين هذا الجبل على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه بالموصل رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثاني بالجزيرة قاله مجاهد وقتادة وقال مقاتل هو بالجزيرة قريب من الموصل \r\n والثالث أنه بناحية آمد قاله الزجاج \r\n وفي علة استوائها عليه قولان \r\n أحدهما أنه لم يغرق لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت وتواضع هو فلم يغرق فأرست عليه قاله مجاهد \r\n والثاني لما قل الماء أرست عليه فكان استواؤها عليه دلالة على قلة الماء \r\n قوله تعالى وقيل بعدا للقوم الظالمين قال ابن عباس بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين ","part":4,"page":112},{"id":1633,"text":" فان قيل ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال فالجواب أن آجالهم حضرت فأميتوا بالغرق قاله الضحاك وابن جريج \r\n قوله تعالى رب إن ابني من أهلي إنما قال نوح هذا لأن الله تعالى وعده نجاة أهله فقال وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال ابن عباس أعدل العادلين وقال ابن زيد فأنت أحكم الحاكمين بالحق واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين \r\n أحدهما أنه ابن نوح لصلبه قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والجمهور \r\n والثاني أنه ولد على فراشه من لغير رشدة ولم يكن ابنه روى ابن الأنباري باسناده عن الحسن أنه قال لم يكن ابنه إن امرأته فجرت وعن الشعبي قال لم يكن ابنه إن امرأته خانته وعن مجاهد نحو ذلك وقال ابن جريج ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه وكان ولد على فراشه فعلى القول الأول يكون في معنى قوله إنه ليس من أهلك \r\n أحدهما ليس من أهل دينك \r\n والثاني ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم قال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط وإنما المعنى ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم وعلى القول ","part":4,"page":113},{"id":1634,"text":" الآخر الكلام على ظاهره والأول أصح لموافقته ظاهر القرآن ولاجتماع الأكثرين عليه وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة \r\n قوله تعالى إنه عمل غير صالح قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة إنه عمل رفع منون غير صالح برفع الراء وفيه قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى السؤال فيه فالمعنى سؤلك إياي فيه عمل غير صالح قاله ابن عباس وقتادة وهذا ظاهر لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله رب إن ابني من أهلي فرجعت الكناية إليه \r\n والثاني أنه يرجع إلى المسؤول فيه \r\n وفي هذا المعنى قولان \r\n أحدهما أنه لغير رشدة قاله الحسن \r\n والثاني أن المعنى إنه ذو عمل غير صالح قاله الزجاج قال ابن الأنباري من قال هو لغير رشدة قال المعنى إن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عمل غير صالح ومن قال إنه ذو عمل غير صالح قال حذف المضاف وأقام العمل مقامه كما تقول العرب عبد الله إقبال وأدبار أي صاحب إقبال وأدبار وقرأ الكسائي عمل بكسر الميم وفتح اللام غير صالح بفتح الراء يشير إلى أنه مشرك \r\n قوله تعالى فلا تسألن ما ليس لك به علم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر فلا تسألن بفتح اللام وتشديد النون غير أن نافعا وابن عامر كسرا النون وفتحها ابن كثير وحذفوا الياء في الوصل والوقف وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون اللام وتخفيف النون غير أن أبا عمرو ","part":4,"page":114},{"id":1635,"text":" وأبا جعفر أثبتا الياء في الوصل وحذفاها في الوقف ووقف عليها يعقوب بالياء والباقون يحذفونها في الحالين قال أبو علي من كسر النون فقد عدى السؤال إلى مفعولين \r\n أحدهما اسم المتكلم والآخر الآسم الموصول وحذفت النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات وأما إثبات الياء في الوصل فهو الأصل وحذفها أخف والكسرة تدل عليها وتعلم أن المفعول مراد في المعنى ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه نسبته إليه وليس منه \r\n والثاني في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم \r\n والثالث سؤاله في إنجاء كافر من العذاب \r\n قوله تعالى إني أعظك أن تكون من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك \r\n والثاني من الجاهلين بوعدي لأني وعدت بانجاء المؤمنين \r\n والثالث من الجاهلين بنسبك لأنه ليس من أهلك \r\n قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم \r\n قوله تعالى يانوح اهبط قال ابن عباس يريد من السفينة إلى الأرض بسلام منا أي بسلامه \r\n قوله تعالى وبركات عليك قال المفسرون البركات عليه أنه صار أبا للبشر جميعا لأن جميع الخلق من نسله وعلى أمن معك قال ابن عباس يريد من ولدك قال ابن الأنباري المعنى من ذراري من معك والمراد ","part":4,"page":115},{"id":1636,"text":" المؤمنون من ذريته ثم ذكر الكفار فقال وأمم أي من الذرية أيضا والمعنى وفيمن نصف لك أمم وفيمن نقص عليك أمره أمم سنمتعهم أي في الدنيا ثم يمسهم منا عذاب أليم في الآخرة قال محمد بن كعب القرظي لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام النساء يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا وقد دخل في ذلك السلام والبركاتولم يبق كافر إلا دخل في ذلك المتاع والعذاب \r\n تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا اسئلكم عليه اجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين \r\n قوله تعالى تلك من أنباء الغيب في المشار إليه ب تلك قولان \r\n أحدهما قصة نوح \r\n والثاني آيات القرآن والمعنى تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك \r\n فان قيل كيف قال ها هنا تلك وفي مكان آخر ذلك فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال تلك إشارة إلى آيات القرآن وذلك إشارة إلى الخبر والحديث وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة يقول ","part":4,"page":116},{"id":1637,"text":" الرجل قد قدم فلان فيقول سامع قوله قد فرحت به وقد سررت بها فاذا ذكر عنى القدوم وإذا أنث ذهب إلى القدمة \r\n قوله تعالى من قبل هذا يعني القرآن فاصبر كما صبر نوح على أذى قومه إن العاقبة أي آخر الأمر بالظفر والتمكين للمتقين أي لك ولقومك كما كان لمؤمني قوم نوح \r\n قوله تعالى إن أنتم إلا مفترون أي ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان وما بعد هذا قد سبق تفسيره يونس 72 إلى قوله يرسل السماء عليكم مدرارا وهذا أيضا قد سبق تفسيره في سورة الأنعام 61 والسبب في قوله لهم ذلك أن الله تعالى حبس المطر عنهم ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم أحياء بلادهم وبسط الرزق لهم إن آمنوا \r\n قوله تعالى ويزدكم قوة إلى قوتكم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الولد وولد الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني يزدكم شدة إلى شدتكم قاله مجاهد وابن زيد \r\n والثالث خصبا إلى خصبكم قاله الضحاك \r\n قوله تعالى ولا تتولوا مجرمين قال مقاتل لا تعرضوا عن التوحيد مشركين \r\n قوله تعالى ما جئتنا ببينة أي بحجة واضحة وما نحن بتاركي آلهتنا يعنون الأصنام عن قولك أي بقولك والباء وعن يتعاقبان \r\n إن نقول إلا اعتريك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ","part":4,"page":117},{"id":1638,"text":" قوله تعالى إن نقول أي ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لسبك أياها فالذي تظهر من عيبها لما لحق عقلك من التغيير قال ابن قتيبة يقال عراني كذا واعتراني إذا ألم بي ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك عار ومنه قول النابغة ... أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون ... \r\n قوله تعالى إني أشهد الله إلى آخر الآية حرك ياء إني نافع ومعنى الآية إن كنتم تقولون إن الآلهة عاقبتني لطعي عليها فاني على يقين من عيبها والبراءة منها وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها فكيدوني جميعا أي احتالوا أنتم وأوثانكم في ضري ثم لاتمهلون قال الزجاج وهذا من أعظم آيات الرسل أن يكون الرسول وحده وأمته متعاونه عليه فيقول لهم كيدوني فلا يستطيع أحد منهم ضره وكذلك قال نوح لقومه فأجمعوا أمركم وشركاءكم وقال محمد صلى الله عليه و سلم فان كان لكم كيد فكيدون المرسلات39 \r\n قوله تعالى إلا هو آخذ بناصيتها قال أبو عبيدة المعنى أنها في قبضته وملكه وسلطانه \r\n فان قيل لم خص الناصية فالجواب أن الناصية شعر مقدم الرأس فاذا أخذت بها من شخص فقد ملكت سائر بدنه وذل لك \r\n قوله تعالى إن ربي على صراط مستقيم قال مجاهد على الحق وقال غيره في الكلام إضمار تقديره إن ربي يدل على صراط مستقيم ","part":4,"page":118},{"id":1639,"text":" فان قيل ما وجه المناسبة بين قوله إلا هو آخذ بناصيتها وبين كونه على صراط مستقيم فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي الخلق كان معناه أنهم لا يخرجون عن قبضته فأخبر أنه على طريق لا يعدل عنه هارب ولا يخفي عليه مستتر \r\n والثاني أن المعنى أنه وإن كان قادرا عليهم فهو لايظلمهم ولايريد إلا العدل ذكرهما ابن الأنباري \r\n فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شىء حفيظ \r\n قوله تعالى فان تولوا فيه قولان \r\n أحدهما أنه فعل ماضي معناه فان أعرضوا فعلى هذا في الآية إضمار تلخيصه فان أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم هذا مذهب مقاتل في آخرين \r\n والثاني أنه خطاب للحاضرين وتقديره فان تتولوا فاستثقلوا الجمع بين تاءين متحركتين فاقتصر على إحدهما وأسقطت الأخرى كما قال النابغة ... المرء يهوى أن يعيش ... وطول عيش قد يضره ","part":4,"page":119},{"id":1640,"text":" تفنى بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره ... وتصرف الأيام حتى ... ما يرى شيئا يسره ... \r\n أراد وتتصرف الأيام فأسقط إحدى التاءين ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ويستخلف ربي قوما غيركم فيه وعيد لهم بالهلاك إن ربي على كل شيء حفيظ فيه قولان \r\n أحدهما حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيهم بها \r\n والثاني أن على بمعنى اللام فالمعنى لكل شيء حافظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء \r\n ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ \r\n قوله تعالى ولما جاء أمرنا فيه قولان \r\n أحدهما جاء عذابنا قاله ابن عباس \r\n والثاني جاء أمرنا بهلاكهم \r\n قوله تعالى نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا فيه قولان \r\n أحدهما نجيناهم من العذاب بنعمتنا \r\n والثاني نجيناهم بأن هديناهم إلى الإيمان وعصمناهم من الكفر روي القولان عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ أي شديد وهو ما استحقه قوم هود من عذاب الدنيا والآخرة \r\n وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد \r\n قوله تعالى وتلك عاد يعني القبيلة وعصوا رسله لقائل أن يقول إنما أرسل إليهم هود وحده فكيف ذكر بلفظ الجمع ","part":4,"page":120},{"id":1641,"text":" فالجواب من ثلاثة أوجه \r\n أحدها أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد كقوله أم يحسدون الناس والمراد به النبي صلى الله عليه و سلم وحده \r\n والثاني أن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الكل \r\n والثالث أن كل مرة ينذرهم فيها هي رسالة مجددة وهو بها رسول \r\n قوله تعالى واتبعوا أي واتبع الأتباع أمر الرؤساء \r\n والجبار الذي طال وفات اليد وللعلماء في الجبار أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب على الغضب قاله الكلبي \r\n والثاني أنه الذي يجبر الناس على ما يريد قاله الزجاج \r\n والثالث أنه المسلط \r\n والرابع أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد ذكرهما ابن الأنباري والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال وقد زدنا هذا شرحا في المائدة 22 \r\n وأما العنيد فهو الذي لا يقبل الحق قال ابن قتيبة العنود والعنيد والعاند المعارض لك بالخلاف عليك \r\n وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة إلا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو انشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ","part":4,"page":121},{"id":1642,"text":" أتنهينا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ \r\n قوله تعالى وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة أي ألحقوا لعنة تنصرف معهم ويوم القيامة أي وفي يوم القيامة لعنوا أيضا ألا إن عادا كفروا ربهم أي بربهم فحذف الباء وأنشدوا ... أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب ... \r\n قال الزجاج قوله ألا ابتداء وتنبيه وبعدا منصوب على معنى أبعدهم الله فبعدوا بعدا والمعنى أبعدهم من رحمته ","part":4,"page":122},{"id":1643,"text":" قوله تعالى هو انشأكم من الأرض فيه قولان \r\n أحدهما خلقكم من آدم وآدم خلق من الأرض \r\n والثاني أنشأكم في الأرض \r\n وفي قوله واستعمركم فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أعمركم فيها أي جعلكم ساكنيها مدة أعماركم ومنه العمرى وهذا قول مجاهد \r\n والثاني أطال أعماركم وكانت أعماركم من ألف سنة إلى ثلاثمائة قاله الضحاك \r\n والثالث جعلكم عمارها قاله أبو عبيدة \r\n قوله تعالى قد كنت فينا مرجوا قبل هذا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة قاله كعب \r\n والثاني أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما أظهر إنذارهم انقطع رجاؤهم منه وإلى نحو هذا ذهب مقاتل \r\n والثالث أنهم كانوا يرجون خيره فلما أنذرهم زعموا أن رجاءهم لخيره قد انقطع ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وإننا لفي شك إن قال قائل لم قال ها هنا وإننا وقال في إبراهيم وإنا ","part":4,"page":123},{"id":1644,"text":" فالجواب أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها قال الفراء من قال إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين نا فاجتمعت ثلاث نونات نونا إن والنون المضمومة إلى الألف ومن قال إنا استثقل الجمع بين ثلاث نونات وأسقط الثالثةوأبقى الأولتين وكذلك يقال إني وأنني ولعلي ولعلني وليتي وليتني قال الله في اللغة العليا لعلي أبلغ الأسباب غافر 36 وقال الشاعر في اللغة الأخرى ... أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا ... \r\n وقال تعالى يا ليتني كنت معهم النساء 73 وقال الشاعر ... كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه وأتلف بعض مالي ... \r\n فأما المريب فهو الموقع للريبة والتهمة والرحمة يراد بها هاهنا النبوة \r\n قوله تعالى فما تزيدونني غير تخسير التخسير النقصان \r\n وفي معني الكلام قولان \r\n أحدهما فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم قاله ابن عباس وقال الفراء المعنى فما تزيدونني غر تخسير لكم أي كلما اعتذرتم عندي بعذر فهو يزيدكم تخسيرا وقال ابن الأعرابي غير تخسير لكم لا لي وقال بعضهم المعنى فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة ","part":4,"page":124},{"id":1645,"text":" والقول الثاني فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم وهذا معنى قول مقاتل \r\n فإن قيل فظاهر هذا أنه كان خاسرا فزادوه خسارا فقد أسلفنا الجواب في قوله لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا التوبة 47 \r\n قوله تعالى هذه ناقة الله لكم آية قد شرحناها في سورة الأعراف 73 قوله تعالى تمتعوا في داركم أي استمتعوا بحياتكم وعبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعا بالحواس \r\n قوله تعالى ثلاثة أيام قال المفسرون لما عقرت الناقة صعد فصيلها إلى الجبل ورغا ثلاث مرات فقال صالح لكل رغوة أجل يوم ألا إن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا في اليوم الأول إذا وجوههم مصفرة فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة فضجوا وبكوا فلما أصبحوا في اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وألقوا أنفسهم بالأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وقال مقاتل حفروا لأنفسهم قبورا فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع ولم يأتهم العذاب ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضا إذ نزل جبريل فقام فوق المدينة فسد ضوء الشمس فلما عاينوه دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة موتوا عليكم لعنة الله فخرجت أرواحهم وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم قوله تعالى ذلك وعد أي العذاب غير مكذوب أي غير كذب ","part":4,"page":125},{"id":1646,"text":" قوله تعالى ومن خزي يومئذ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر يومئذ بكسر الميم وقرأ الكسائي بفتحها مع الإضافة قال مكي من كسر الميم أعرب وخفض لإضافة الخزي إلى اليوم ولم يبنه ومن فتح بنى اليوم على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ وقرأ ابن مسعود ومن خزي بالتنوين يومئذ بفتح الميم قال ابن الأنباري هذه الواو في قوله ومن خزي معطوفة على محذوف تقديره نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ قال ويجوز أن تكون دخلت لفعل مضمر تأويله نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من خزي يومئذ قال وإنما قال وأخذ لأن الصيحة محمولة على الصياح \r\n قوله تعالى ألا بعدا لثمود اختلفوا في صرف ثمود وترك إجرائه في خمسة مواضع في هود 69 ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود وفي الفرقان 38 وعادا وثمودا وأصحاب الرس وفي العنكبوت 38 وعادا وثمودا وقد تبين لكم وفي النجم 51 وثمود فما أبقي قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر بالتنوين في أربعة مواضع منها وتركوا ألا بعدا لثمودا فلم يصرفوه وقرأ حمزة بترك صرف هذه الخمسة الأحرف وصرفهن الكسائي واختلف عن عاصم فروى حسين الجعفي عن أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي عمرو وروى يحيى بن آدم أنه أجرى ثلاثة في هود 69 ألا أن ثمودا وفي الفرقان 38 والعنكبوت 38 وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئا منها مثل حمزة \r\n واعلم أن ثمودا يراد به القبيلة تارة ويراد به الحي تارة فإذا أريد به القببيلة ","part":4,"page":126},{"id":1647,"text":" لم يصرف وإذا أريد به الحي صرف وما أخللنا به فقد سبق تفسيره الأعراف 73 والتوبة 70 إلى قوله ولقد جاءت رسلنا إبراهيم والرسل هاهنا الملائكة وفي عددهم ستة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقال مقاتل جبريل وميكائيل وملك الموت والثاني أنهم كانوا اثني عشر روي عن ابن عباس أيضا والثالث ثمانية قاله محمد بن كعب والرابع تسعة قاله الضحاك والخامس أحد عشر قاله السدي والسادس أربعة حكاه الماوردي \r\n وفي هذه البشرى أربعة أقوال \r\n أحدها أنها البشرى بالولد قاله الحسن ومقاتل والثاني بهلاك قوم لوط قاله قتادة والثالث بنبوته قاله عكرمة والرابع بأن محمدا يخرج من صلبه ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى قالوا سلاما قال ابن الأنباري انتصب بالقول لأنه حرف مقول والسلام الثاني مرفوع باضمار عليكم وقال الفراء فيه وجهان \r\n أحدهما أنه أضمر عليكم كما قال الشاعر ... فقلنا السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب ... \r\n والعرب تقول التقينا فقلنا سلام سلام \r\n والثاني أن القوم سلموا فقال حين أنكرهم هو سلام فمن أنتم لإنكاره إياهم وقرأ حمزة والكسائي قال سلم وهو بمعنى سلام كما ","part":4,"page":127},{"id":1648,"text":" قالوا حل وحلال وحرم وحرام فعلى هذا يكون معنى سلم سلام عليكم قال أبو علي فيكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلف اللفظان وقال الزجاج من قرأ سلم فالمعنى أمرنا سلم أي لا بأس علينا \r\n قوله تعالى فما لبث أي ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ لأنه ظنهم أضيافا وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوضاء وفي الحنيذ ستة أقوال \r\n أحدها أنه النضيج قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنه الذي يقطر ماؤه ودسمه وقد شوي قاله شمر بن عطية \r\n والثالث أنه ما حفرت الأرض ثم غممته وهو من فعل أهل البادية معروف وأصله محنوذ فقيل حنيذ كما قيل طبيخ للمطبوخ وقتيل للمقتول هذا قول الفراء \r\n والرابع أنه المشوي قاله أبو عبيدة \r\n والخامس المشوي بالحجارة المحماة قاله مقاتل وابن قتيبة \r\n والسادس السميط ذكره الزجاج وقال يقال إنه المشوي فقط ويقال المشوي الذي يقطر ويقال المشوي بالحجارة \r\n فلما رآ أيديهم لاتصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط \r\n قوله تعالى فلما رأى أيديهم يعنى الملائكة لاتصل إليه يعني العجل نكرهم أي أنكرهم قال أبو عبيدة نكرهم وأنكرهم واستنكرهم سواء قال الأعشى ","part":4,"page":128},{"id":1649,"text":" فأنكر تني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا ... \r\n قوله تعالى وأوجس منهم خيفة أي أضمر في نفسه خوفا قال الفراء وكانت سنة في زمانهم إذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو أو لصوص فهنالك أوجس في نفسه خيفة فرأوا ذلك في وجهه فقالوا لا تخف \r\n قوله تعالى إنا أرسلنا إلى قوم لوط قال الزجاج أي أرسلنا بالعذاب إليهم قال ابن الأنباري وإنما أضمر ذلك هاهنا لقيام الدليل عليه بذكر الله تعالى له في سورة أخرى وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب قالت ياويلتى ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخنا إن هذا لشيء عجيب \r\n قوله تعالى وامرأته قائمة واسمها سارة واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال \r\n أحدها وراء الستر تسمع كلامهم قاله وهب \r\n والثاني كانت قائمة تخدمهم قاله مجاهد والسدي \r\n والثالث كانت قائمة تصلي قاله محمد بن إسحاق ","part":4,"page":129},{"id":1650,"text":" وفي قوله فضحكت ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن معنى ضحكت حاضت قاله مجاهد وعكرمة قال ابن قتيبة وهذا من قولهم ضحكت الأرنب إذا حاضت فعلى هذا يكون حيضها حينئذ تأكيد للبشارة بالولد لأن من لا تحيض لاتحمل وقال الفراء لم نسمع من ثقة أن معنى ضحكت حاضت قال ابن الأنباري أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت وعرفه غيرهم قال الشاعر ... تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل ... \r\n قال بعض أهل اللغة معناه تحيض \r\n والثالث أنه الضحك المعروف وهو قول الأكثرين \r\n وفي سبب ضحكها ستة أقوال \r\n أحدها أنها ضحكت من شدة خوف ابراهيم من أضيافه وقالت من ماذا يخاف ابراهيم وإنما هم ثلاثة وهو في أهله وغلمانه رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإبراهيم بالولد وهذا مروي عن ابن عباس ووهب بن منبه فعلى هذا إنما ضحكت سرورا بالبشارة ويكون في الآية تقديم وتأخير المعنى وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت وهو اختيار ابن قتيبة ","part":4,"page":130},{"id":1651,"text":" والثالث ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم قاله قتادة \r\n والرابع ضكحت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا وهم لايأكلون طعامنا قاله السدي \r\n والخامس ضحكت سرورا بالأمن لأنها خافت كخوف إبراهيم قاله الفراء \r\n والسادس أنها كانت قالت لإبراهيم اضمم إليك ابن أخيك لوطا فانه سينزل العذاب بقومه فلما جاءت الملائكة بعذابهم ضحكت سرورا بموافقتها للصواب ذكره ابن الأنباري \r\n قال المفسرون قال جبريل لسارة أبشري أيتها الضاحكة بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فبشروها أنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد الولد \r\n وفي معنى الوراء قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى بعد قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره مقاتل وابن قتيبة \r\n والثاني أن الوراء ولد الولد روي عن ابن عباس وبه قال الشعبي واختاره أبو عبيدة \r\n فان قيل كيف يكون يعقوب وراء إسحاق وهو ولده لصلبه وإنما الوراء ولد الولد فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال المعنى ومن وراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق فلو قال ومن الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى ","part":4,"page":131},{"id":1652,"text":" إسماعيل فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس قال ويجوز أن ينسب ولد إبراهيم من غير إسحاق إلى سارة على المجاز فكان تأويل الآية من الوراء المنسوب إلى سارة وإلى إبراهيم من جهة إسحاق يعقوب ومن حمل الوراء على بعد لزم ظاهر العربية \r\n واختلف القراء في يعقوب فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابو بكر عن عاصم يعقوب بالرفع وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم يعقوب بالنصب \r\n قال الزجاج وفي رفع يعقوب وجهان \r\n أحدهما على الابتداء المؤخر معناه التقديم والمعنى ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق \r\n والثاني وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب ومن نصبه حمله على المعنى والمعنى وهبنا لها إسحاق ووهبنا لها يعقوب \r\n قوله تعالى يا ويلتي أألد وأنا عجوز هذه الكلمة تقال عند الإيذان بورود الأمر العظيم ولم ترد بها الدعاء على نفسها وإنما هي كلمة تخف على ألسنة النساء عند الأمر العجيب وقولها أألد استفهام تعجب قال الزجاج و شيخا منصوب على الحال قال ابن الأنباري إنما أشارت بقولها هذا لتنبه على شيخوخته واختلفوا في سن إبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه كان إبراهيم ابن تسعا وتسعين سنة وسارة بنت ثمان وتسعين سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه كان إبراهيم ابن مائة سنة وسارة بنت تسع وتسعين قاله مجاهد ","part":4,"page":132},{"id":1653,"text":" والثالث كان إبراهيم ابن تسعين وسارة مثله قاله قتادة \r\n والرابع كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وسارة بنت تسعين قاله عبيد ابن عمير وابن إسحاق \r\n قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد \r\n قوله تعالى قالوا أتعجبين من أمر الله أي من قضائه وقدرته وهو إيجاد ولد من بين كبيرين قال السدي قالت سارة لجبرئيل ما آية ذلك فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقالت هو إذن لله ذبيح \r\n قوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فيه وجهان \r\n أحدهما أنه من دعاء الملائكة لهم \r\n والثاني أنه إخبار عن ثبوت ذلك لهم \r\n ومن تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة \r\n والحميد بمعنى المحمود فأما المجيد فقال ابن قتيبة بمعنى الماجد وهو الشريف وقال أبو سليمان الخطابي هو الواسع الكرم وأصل المجد في كلامهم السعة يقال رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء وفي بعض الأمثال في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا منها ","part":4,"page":133},{"id":1654,"text":" فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود \r\n قوله تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع يعني الفزع الذي أصابه حين امتنعوا من الأكل يجادلنا فيه إضمار أخذ وأقبل يجادلنا والمراد يجادل رسلنا \r\n قال المفسرون لما قال له قالوا له إنا مهلكوا أهل هذه القرية العنكبوت 31 قال أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن قالوا لا قال أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمنا قالوا لا قال أربعون قالوا لافما زال ينقص حتى قال فواحد قالوا لا فقال حينئذ إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها العنكبوت 31 هذا قول ابن إسحاق وقال غيره قيل له إن كان فيهم خمسة لم نعذبهم فما كان فيهم سوى لوط وابنتيه وقال سعيد بن جبير قال لهم أتهاكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا قالوا لا وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط فسكت واطمأنت نفسه وإنما كانوا ثلاثة عشر فأهلكوا \r\n قوله تعالى إن إبراهيم لحليم أواه قد فسرناه في براءة 114 فعند ذلك قالت الرسل لإبراهيم يا إبراهيم أعرض عن هذا يعنون الجدال إنه قد جاء أمر ربك بعذابهم وقيل قد جاء عذاب ربك فليس بمردود لأن الله قد قضى به \r\n ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا ","part":4,"page":134},{"id":1655,"text":" يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب \r\n قوله تعالى ولما جاءت رسلنا لوطا قال المفسرون خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوها عشاء وقال السدي عن أشياخه أتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا بنت لوط تستقي الماء لأهلها فقالوا لها ياجارية هل من منزل قالت نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقا عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم ولم يعلم بهم أحدا إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاؤوا يهرعون إليه \r\n قوله تعالى سيء بهم فيه قولان \r\n أحدهما ساء ظنه بقومه قاله ابن عباس \r\n والثاني ساءه مجيء الرسل لأنه لم يعرفهم وأشفق عليهم من قومه قاله ابن جرير قال الزجاج وأصل سيء بهم سوىء بهم من السوء ألا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين ","part":4,"page":135},{"id":1656,"text":" قوله تعالى وضاق بهم ذرعا قال ابن عباس ضاق ذرعا بأضيافه قال الفراء الأصل فيه وضاق ذرعه بهم فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط ونصب الذرع بتحول الفعل عنه كما قال واشتعل الرأس شيبا مريم 4 ومعناه اشتعل شيب الرأس \r\n قال الزجاج يقال ضاق فلان بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه وقع به مكروه عظيم لايصل إلى دفعة عن نفسه فالذرع كناية عن هذا المعنى \r\n والثاني أن معناه ضاق صبره وعظم المكروه عليه وأصله من ذرع فلانا القيء إذا غلبه وسبقه \r\n والثالث أن المعنى ضاق بهم وسعه فناب الذرع والذراع عن الوسع لأن الذراع من اليد والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس هذا في وسعي ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بهذا الأمر ذراعا قال الشاعر ... إليك إليك ضاق بهم ذرعا ... \r\n فأما العصيب فقال أبو عبيدة العصيب الشديد الذي يعصب الناس بالشر وأنشد ... يوم عصيب يعصب الا بطالا ... عصب القوي السلم الطوالا ... \r\n وقال أبو عبيد يقال يوم عصيب ويوم عصبصب إذا كان شديدا ","part":4,"page":136},{"id":1657,"text":" قوله تعالى يهرعون إليه قال ابن عباس ومجاهد يهرعون يسرعون وقال الفراء والكسائي لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة قال ابن قتيبة الإهراع شيبه بالرعدة يقال أهرع الرجل إذا أسرع على لفظ ما لم يسم فاعله كما يقال أرعد قال ابن الأنباري الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى كما قالت العرب قد أولع الرجل بالأمر فجعلوه مفعولا وهو صاحب الفعل ومثله أرعد زيد وسهي عمرو من السهو كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير المفعول وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره قال وقال بعض النحويين لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون وتأويل أولع زيد أولعه طبعه وجبلته وأرعد الرجل أرعده غضبه وسهي عمرو جعله ساهيا ماله أو جهله و أهرع معناه أهرعه خوفه ورعبه فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به قال وقال بعض اللغويين لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف لا يقال لكل مسرع مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر قال المفسرون سبب إهراعهم أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف ومن قبل أي ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يعملون السيئات يعني فعلهم المنكر \r\n وفي قوله هؤلاء بناتي قولان \r\n أحدهما أنهن بناته لصلبه قاله ابن عباس \r\n فإن قيل كيف جمع وقد كن اثنتين فالجواب أنه قد يقع الجمع على اثنين كقوله وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 ","part":4,"page":137},{"id":1658,"text":" والثاني أنه عنى نساء أمته لأن كل نبي أبو أمته والمعنى أنه عرض عليهم التزويج أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم وهذا مذهب مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج \r\n فإن قيل كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته وكان جائزا في صدر الإسلام حتى نسخ قاله الحسن \r\n والثاني أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم قاله الزجاج ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح فجاز أن يقف على شرط آخر \r\n قوله تعالى هن أطهر لكم قال مقاتل هن أحل من إتيان الرجال \r\n قوله تعالى فاتقوا الله فيه قولان \r\n أحدهما اتقوا عقوبته والثاني اتقوا معصيته \r\n قوله تعالى ولا تخزون في ضيفي حرك ياء ضيفي أبو عمرو ونافع وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الفضيحة قاله ابن عباس والثاني الاستحياء والمعنى لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه لأن المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه والعرب تقول قد خزي الرجل يخزي خزاية إذا استحيى قال الشاعر ... من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحلي جيدها ... \r\n والثالث أنه بمعنى الهلاك لأن المعرة الني تقع بالمضيف في هذه الحال تلزمه هلكة ذكرهما ابن الأنباري ","part":4,"page":138},{"id":1659,"text":" قال ابن قتيبة والضيف هاهنا بمعنى الأضياف والواحد يدل على الجميع كما تقول هؤلاء رسولي ووكيلي \r\n قوله تعالى أليس منكم رجل رشيد في المراد بالرشيد قولان \r\n أحدهما المؤمن والثاني الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رويا عن ابن عباس \r\n قال ابن الأنباري يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد فيكون المعنى أليس منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ماتأتون فيكون الرشيد من صفة الفاعل كالعليم والشهيد ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد فيكون المعنى أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة فيجري رشيد مجرى مفعول كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم \r\n قوله تعالى مالنا في بناتك من حق فيه قولان \r\n أحدهما مالنا فيهن حاجة قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني لسن لنا بأزواج فنستحقهن قاله ابن إسحاق وابن قتيبة \r\n قوله تعالى وإنك لتعلم ما نريد قال عطاء وإنك لتعلم أنا نريد الرجال لا النساء \r\n قوله تعال لو أن لي بكم قوة أي جماعة أقوى بهم عليكم وقيل أراد بالقوة البطش أو آوي إلى ركن شديد أي أنضم إلى عشيرة وشيعة تمنعني وجواب لو محذوف على تقدير لحلت بينكم وبين المعصية قال أبو عبيدة قوله آوي من قولهم أويت إليك فأنا آوي أويا ","part":4,"page":139},{"id":1660,"text":" والمعنى صرت إليك وانضممت ومجاز الركن هاهنا العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة وأنشد ... يأوى إلى ركن من الأركان ... في عدد طيس ومجد باني ... \r\n والطيس الكثير يقال أتانا لبن طيس وشراب طيس أي كثير واختلفوا أي وقت قال هذا لوط فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب وهم يعالجون الباب ويرومون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب قالوا يالوط إنا رسل ربك فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم فانصرفوا يقولون النجاء النجاء فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وجعلوا يقولون يالوط كما أنت حتى تصبح يوعدونه فقال لهم لوط متى موعد هلاكهم قالوا الصبح قال لو أهلكتموهم الآن فقالوا أليس الصبح بقريب وقال أبو صالح عن ابن عباس إنهم لما تواعدوه قال في نفسه ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي وأبقى مه هؤلاء فيهلكوني فقال لو أن لي بكم قوة \r\n قلت وإنما يتوجه هذا إذا قلنا إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة وقال قوم إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه وقال آخرون لما نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا \r\n وفي الجملة ما أراد بالركن نصر الله وعونه لأنه لم يخل من ذلك وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة \r\n وروى أبو هريرة عن رسول الله ص - أنه قال رحم الله لوطا لقد ","part":4,"page":140},{"id":1661,"text":" كان يأوي إلى ركن شديد وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه \r\n قوله تعالى لن يصلوا إليك قال مقاتل فيه إضمار تقديره لن يصلوا إليك بسوء وذلك أنهم قالوا للوط إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك فقال له جبريل إنا رسل ربك لن يصلوا إليك \r\n قوله تعالى فأسر بأهلك قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي فأسر باثبات الهمز في اللفظ من أسريت وقر أ ابن كثير ونافع فاسر بأهلك بغير همز من سريت وهما لغتان قال الزجاج يقال سريت وأسريت إذا سرت ليلا قال الشاعر ... سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان ... \r\n وقال النابغة ... أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد ... \r\n وقد رووه سرت فأما أهله فقال مقاتل هم امرأته وابنتاه واسم ابنتييه ربثا وزعرثا وقال السدي اسم الكبرى رية واسم الصغرى عروبة ","part":4,"page":141},{"id":1662,"text":" والمراد بأهله ابنتاه فأما القطع فهو بمعنى القطعة يقال مضى قطع من الليل أي قطعة قال ابن عباس يريد به آخر الليل قال ابن قتيبة بقطع أي ببقية تبقي من آخره وقال ابن الأنباري ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل ولا يقال عندي قطع من الثوب بمعنى عندي قطعة قوله تعالى ولا يلتفت منكم أحد فيه قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى لا يتخلف منكم أحد قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه الالتفات المعروف قاله مجاهد ومقاتل \r\n قوله تعالى إلا امرأتك قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بنصب التاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء قال الزجاج من قرأ بالنصب فالمعنى فأسر بأهلك إلا امرأتك ومن قرأ بالرفع حمله على ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك وإنما أمروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب قاله ابن الأنباري وعلى قراءة الرفع يكون الاستثناء منقطعا معناه لكن امرأتك فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم فإذا كان استثناء منقطعا كان التفاتها معصية لربها لأنه ندب إلى ترك الالتفاف قال قتادة ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هدة العذاب التفتت فقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها وهو قوله إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم للعذاب الصبح قوله تعالى أليس الصبح بقريب قال المفسرون قالت الملائكة إن موعدهم الصبح فقال أريد أعجل من ذلك فقالوا له أليس الصبح بقريب ","part":4,"page":142},{"id":1663,"text":" فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد \r\n قوله تعالى فلما جاء أمرنا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أمر الله الملائكة بعذابهم \r\n والثاني أن الأمر بمعنى العذاب \r\n والثالث أنه بمعنى القضاء بعذابهم \r\n قوله تعالى جعلنا عاليها سافلها الكناية تعود إلى المؤتفكات وهي قرى قوم لوط وقد ذكرناها في براءة 70 ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ها هنا قال ابن عباس أمر جبريل لوطا بالخروج وقال اخرج وأخرج غنمك وبقرك فقال كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة فبسط جناحه وحمله وبنتيه ومالهم شيء فأخرجهم من المدينة وسأل جبريل ربه فقال يا رب ولني هلاك هؤلاء القوم فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم فلما أن بدا الصبح غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه ثم صعد بها حتى خرج الطير في الهواء لا يدري أين يذهب ثم كفأها عليهم وسمعوا وجبة شديدة فالتفت امرأة لوط فرماها جبريل بحجر فقتلها ثم صعد حتى أشرف على الأرض فجعل يتبعهم مسافرهم ورعاتهم ومن تحول عن القرية فرماهم بالحجارة حتى قتلهم وقال السدي اقتلع جبريل الأرض من سبع أرضين فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبهاوقال غيره كانت خمس قرى أعظمها سدوم وكان القوم أربعة آلاف ألف وقيل كان في كل قرية مائة ألف مقاتل فلما رفعها إلى السماء لم ينكسر لهم إناء ولم ","part":4,"page":143},{"id":1664,"text":" يسقط حتى قلبها عليهم وقيل نجا من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم وانفرد سعيد بن جبير فقال إن جبريل وميكائيل توليا قلبها \r\n قوله تعالى وأمطرنا عليها في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى القرى \r\n والثاني إلى الأمة \r\n وفي السجل سبعة أقوال \r\n أحدها أنها بالفارسية سنك وكل السنك الحجر والكل الطين هذا قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وقال مجاهد أولها حجر وآخرها طين وقال الضحاك يعني الآجر قال ابن قتيبة من ذهب إلى هذا القول اعتبره بقوله حجارة من طين الذاريات 33 يعنى الآجر وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الأرحاء \r\n واالثاني أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض ومنه نزلت الحجارة قاله عكرمة \r\n والثالث أن السجيل اسم السماء الدنيا فالمعنى حجارة من السماء الدنيا قاله قاله ابن زيد \r\n والرابع أنه الشديد من الحجارة الصلب قاله أبو عبيدة وأنشد لابن مقبل ... ورجلة يضربون البيض عن عرض ... ضربا تواصت به الأبطال سجينا ","part":4,"page":144},{"id":1665,"text":" ورد هذا القول ابن قتيبة فقال هذا بالنون وذاك باللام وإنما هو في هذا البيت فعيل من سجنت أي حبست كأنه يثبت صاحبه \r\n والخامس أن قوله من سجيل كقولك من سجل أي مما كتب لهم أن يعذبوا به وهذا اختيار الزجاج \r\n والسادس أنه من أسجلته أي أرسلته فكأنها مرسلة عليهم \r\n والسابع أنه من أسجلت إذا أعطيت حكى القولين الزجاج \r\n وفي قوله منضود ثلاثة أقوال \r\n أحدها يتبع بعضه بعضا قاله ابن عباس \r\n والثاني مصفوف قاله عكرمة وقتادة \r\n والثالث نضد بعضه على بعض لأنه طين جمع فجعل حجارة قاله الربيع بن أنس \r\n قوله تعالى مسومة قال الزجاج أي معلمة أخذ من السومة وهي العلامة \r\n وفي علامتها ستة أقوال \r\n أحدها بياض في حمرة رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن \r\n والثاني أنها كانت مختومة فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء أو أسود وفيه نقطة بيضاء رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنها المخططة بالسواد والحمرة رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيأة الجزع قاله عكرمة وقتادة ","part":4,"page":145},{"id":1666,"text":" والخامس أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة الدنيا قاله ابن جريج \r\n والسادس أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه قاله الربيع وحكي عن بعض من رأى تلك الحجارة أنه قال كانت مثل رأس الأبل ومثل مبارك الأبل ومثل قبضة الرجل \r\n وفي قوله تعالى عند ربك أربعة أقوال \r\n أحدها أن المعنى جاءت من عند ربك قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني عند ربك معدة قاله أبو بكر الهزلي \r\n والثالث أن المعنىهذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا بنفاذ قدرته وشدة عذابه قاله ابن الأنباري \r\n والرابع أن معنى قوله عند ربك في خزائنه التي لايتصرف في شيء منها إلا بإذنه \r\n قوله تعالى وما هي من الظالمين ببعيد في المراد بالظالمين ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المراد بالظالمين ها هنا كفار قريش خوفهم الله بها قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه عام في كل ظالم قال قتادة والله ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط فاتقوا الله وكونوا منه على حذر \r\n والثالث أنهم قوم لوط فالمعنى وما هي من الظالمين أي من قوم لوط ببعيد والمعنى لم تكن لتخطئهم قاله الفراء ","part":4,"page":146},{"id":1667,"text":" وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولاتنقصوا المكيال والميزان إني أرايكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين \r\n قوله تعالى وإلى مدين قد ذكرناه في الأعراف 85 \r\n قوله تعالى ولا تنقصوا المكيال والميزان أي لاتطففوا وكانوا يطففون مع كفرهم \r\n قوله تعالى إني أراكم بخير فيه قولان \r\n أحدهما أنه رخص الأسعار قاله ابن العباس والحسن ومجاهد \r\n والثاني سعة المال وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال قتادة وابن زيد وقال الفراء أموالكم كثيرة وأسعاركم رخيصة فأي حاجة بكم إلى سوء الوزن والكيل \r\n قوله تعالى وأني أخاف عليكم عذاب يوم محيط فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه غلاء السعر قاله ابن عباس وقال مجاهد القحط والجدب والغلاء \r\n والثاني العذاب في الدنيا وهوالذي أصابهم قاله مقاتل \r\n والثالث عذاب النار في الآخرة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى أوفوا المكيال والميزان بالقسط أي أتموا ذلك بالعدل والإيفاء الإتمام ولا تعثوا في الأرض مفسدين بنقص المكيال والميزان ","part":4,"page":147},{"id":1668,"text":" بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهيكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أن أنيب ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مل مثل أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود قالوا يا شعيب ما نفقة كثيرا مما تقول وإنا لنريك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعملون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود \r\n قوله تعالى بقية الله خير لكم فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها ما أبقي الله لكم الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس قاله ابن عباس ","part":4,"page":148},{"id":1669,"text":" والثاني رزق الله خير لكم روى عن ابن عباس أيضا وبه قال سفيان \r\n والثالث طاعة الله خير لكم قاله مجاهد والزجاج \r\n والرابع حظكم من الله خير لكم قاله قتادة \r\n والخامس رحمة الله خير لكم قال ابن زيد \r\n والسادس وصية الله خير لكم قاله الربيع \r\n والسابع ثواب الله في الآخرة خير لكم قال مقاتل \r\n والثامن مراقبة الله خير لكم ذكره الفراء وقرأ الحسن البصري نقية الله خير لكم بالتاء \r\n قوله تعالى إن كنتم مؤمنين شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عز و جل عرفوا صحة ما يقول وفي قوله وما أنا عليكم بحفيظ ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان \r\n والثاني ما أمرت بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا \r\n والثالث ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم \r\n قوله تعالى أصلواتك تأمرك وقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص أصلاتك على التوحيد \r\n وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال أحدها دينة قاله عطاء والثاني قراءته قاله الأعمش والثالث أنها الصلوات المعروفة وكان شعيب كثير الصلاة \r\n قوله تعالى أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء قال الفراء معنى الآية أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ","part":4,"page":149},{"id":1670,"text":" وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان \r\n أحدهما أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف قاله ابن عباس فالمعنى قد تراضينا فيما بيننا بذلك \r\n والثاني أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير فنهاهم عن ذلك قاله ابن زيد وقال القرظي عذبوا في قطعهم الدارهم قال ابن الأنباري وقرأ الضحاك بن قيس الفهري ما تشاء بالتاء ونسق أن تفعل على أن تترك واستغنى عن الإضمار قال سفيان الثوري في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك وابن أبي عبلة أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء بالتاء فيهما ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري \r\n وفي قوله إنك لأنت الحليم الرشيد أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم قالوه استهزاء به رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة والفراء \r\n والثاني أنهم قالوا له إنك لأنت السفيه الجاهل فكنى بهذا عن ذلك ذكره الزجاج \r\n والثالث أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد فأثنى الله عز و جل عليه فقال بل إنك لأنت الحليم الرشيد لا كما قال لك الكافرون حكاه أبو سليمان الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي \r\n والرابع أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء حكاه الماوردي وذهب إلى نحوه ابن كيسان \r\n قوله تعالى إن كنت على بينة من ربي قد تقدم تفسيره هود 28 و 63 ","part":4,"page":150},{"id":1671,"text":" وفي قوله ورزقني منه رزقا حسنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الحلال قال ابن عباس وكان شعيب كثير المال \r\n والثاني النبوة والثالث العلم والمعرفة \r\n قال الزجاج وجواب الشرط هاهنا متروك والمعنى إن كنت على بينة من ربي أتبع الضلال فترك الجواب لعلم المخاطبين بالمعنى وقد مر مثل هذا \r\n قوله تعالى وما أريد أن أخلفكم إلى ما أنهاكم عنه قال قتادة لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه وقال الزجاج ما أقصد بخلافكم القصد إلى ارتكابه \r\n قوله تعالى إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي ما أريد بما آمركم به إلا إصلاح أموركم بقدر طاقتي وقدر طاقتي إبلاغكم لا إجباركم \r\n قوله تعالى وما توفيقي إلا بالله فتح تاء توفيقي أهل المدينة وابن عامر ومعنى الكلام ما أصابتي الحق في محاولة صلاحكم إلى بالله عليه توكلت أي فوضت أمري وذلك أنهم تواعدوه بقولهم لنخرجنك يا شعيب الأعراف 88 وإليه أنيب أي أرجع \r\n قوله تعالى لا يجرمنكم شقاقي حرك هذه الياء ابن كثير وأبو عمرو ونافع قال الزجاج لا تكسبنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا \r\n قوله تعالى وما قوم لوط منكم ببعيد فيه قولان \r\n أحدهما أنهم كانوا قريبا من مساكنهم \r\n والثاني أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط قال الزجاج كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها قال ابن الأنباري إنما وحد بعيدا لأنه أزاله عن صفة القوم وجعله نعتا مكان محذوف تقديره وما قوم لوط منكم بمكان بعيد ","part":4,"page":151},{"id":1672,"text":" قوله تعالى إن ربي رحيم ودود قد سبق معنى الرحيم \r\n فأما الودود فقال ابن الأنباري معناه المحب لعباده من قولهم وددت الرجل أوده ودا وودا وودا ويقال وددت الرجل ودادا وو دادة وودادة وقال الخطابي هو اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان \r\n أحدهما أن يكون فعولا في محل مفعول كما قيل رجل هيوب بمعنى مهيب وفرس ركوب يمعنى مركوب فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه من إحسانه إليهم \r\n والوجه الآخر أن يكون بمعنى الواد أي أنه يود عباده الصالحين بمعنى أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم ويكون معناه أن يوددهم إلى خلقه كقوله سيجعل لهم الرحمن ودا مريم 96 \r\n قوله تعالى ما نفقه كثيرا مما تقول قال ابن الأنباري معناه ما نفقه صحة كثير مما تقول لأنهم كانوا يتدينون بغيره ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه \r\n قوله تعالى وإنا لنراك فينا ضعيفا وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها ضريرا قال ابن عباس وابن جبير وقتادة كان أعمى قال الزجاج ويقال إن حمير تسمي المكفوف ضعيفا \r\n والثاني ذليلا قاله الحسن وأبو روق ومقاتل \r\n وزعم أبو روق أن الله لم يبعث نبيا أعمى ولا نبييا به زمانة \r\n والثالث ضعيف البصر قاله سفيان \r\n والرابع عاجزا عن التصرف في المكاسب ذكره ابن الأنباري ","part":4,"page":152},{"id":1673,"text":" قوله تعالى ولولا رهطك لرجمناك قال الزجاج لولا عشيرتك لقتلناك بالرجم والرجم من سيء القتلات وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم وذكر بعضهم أن الرجم هاهنا بمعنى الشتم والأذى \r\n قوله تعالى وما أنت علينا بعزيز فيه قولان \r\n أحدهما بكريم والثاني بممتنع أن نقتلك \r\n قوله تعالى أرهطي أعز عليكم من الله وأسكن ياء رهطي أهل الكوفة ويعقوب والمعنى أتراعون رهطي في ولا تراعون الله في \r\n قوله تعالى واتخذتموه وراءكم في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله الجمهور قال الفراء المعنى رميتم بأمر الله وراء ظهوركم قال الزجاج والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر قد جعل فلان هذا الأمر بظهر قال الشاعر ... تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها ... \r\n والثاني أنها كناية عما جاء به شعيب قاله مجاهد \r\n قوله تعالى إن ربي بما تعملون محيط أي عالم بأعماكم فهو بجازيكم بها وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله سوف تعلمون الأنعام 135 \r\n فإن قال قائل كيف قال هاهنا سوف وفي سورة أخرى فسوف الأنعام 135 \r\n فالجواب أن كلا الأمرين حسن عند العرب إن أدخلوا الفاء دلوا على اتصال ما بعد الكلام بما قبله وإن أسقطوها بنوا الكلام الأول على أنه قد تم ","part":4,"page":153},{"id":1674,"text":" وما بعده مستأنف كقوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا البقرة 67 والمعنى فقالوا أتتخذنا بالفاء فحذفت الفاء لتمام ما قبلها قال امرؤ القيس ... فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي ... \r\n ... خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على إثرنا أذيال مرط مرحل ... \r\n قال ابن الأنباري أراد فخرجت فأسقط الفاء لتمام ما قبلها ويروى فقمت بها أمشي \r\n قوله تعالى وارتقبوا إني معكم رقيب قال ابن عباس ارتقبوا العذاب فإني أرتقب الثواب \r\n قوله تعالى وأخذت الذين ظلموا الصيحة قال المفسرون صاح بهم جبريل فماتوا في أمكنتهم قال محمد بن كعب عذب أهل مدين بثلاثة أصناف من العذاب أخذتهم رجفة في ديارهم حتى خافوا أن تسقط عليهم فخرجوا منها فأصابهم حر شديد فبعث الله الظلة فتنادوا هلم إلى الظل فدخلوا جميعا في الظلة فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم قال ابن عباس لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم نشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم فأتوها يستطلون تحتها فأحرقتهم \r\n قوله تعالى كما بعدت ثمود أي كما هلكت ثمود ","part":4,"page":154},{"id":1675,"text":" قال ابن قتيبة يقال بعد يبعد إذا كان بعده هلكة وبعد يبعد إذا نأى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد \r\n قوله تعالى ولقد أرسنا موسى بآياتنا قال الزجاج بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته وسلطان مبين اي حجة بينة \r\n قوله تعالى فاتبعوا أمر فرعون وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه آلها وما أمر فرعون برشيد أي مرشد إلى خير يقدم قومه يوم القيامة فاوردهم النار وبئس الورد المورود \r\n قوله تعالى يقدم قومه يوم القيامة قال الزجاج يقال قدمت القوم أقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمتهم والمعنى يقدمهم إلى النار ويدل عليه قوله فأوردهم النار قال ابن عباس أرودهم بمعنى أدخلهم وقال قتادة يمضي بين ايديهم حتى يهجم بهم على النار \r\n قوله تعالى وبئس الورد المورود قال المفسرون الورد الموضع الذي ترده وقال ابن الأنباري الورد مصدر معناه الورود تجعله العرب بمعنى الموضع المورود فتلخيص الحرف وبئس المدخل المدخول النار واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود \r\n قوله تعالى وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة \r\n في هذه اللعنة قولان ","part":4,"page":155},{"id":1676,"text":" أحدهما أنها في الدنيا الغرق وفي الآخرة عذاب النار هذا قول الكلبي ومقاتل \r\n والثاني أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين وفي الآخرة من الملائكة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى بئس الرفد المرفود قال ابن قتيبة الرفد العطية يقول اللعنة بئس العطية يقال رفدته أرفده إذا أعطيته واعنته والمرفود المعطى ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد \r\n قوله تعالى ذلك من أنباء القرى يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلكة نقصه عليك أي نخبرك به منها قائم وحصيد قال قتادة القائم ما يرى مكانه والحصيد لا يرى أثره وقال ابن قتيبة القائم الظاهر العين والحصيد الذي قد أبيد وحصد وقال الزجاج القائم ما بقيت حيطانه والحصيد الذي خسف به وما قد امحى أثره وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب \r\n قوله تعالى وما ظلمناهم أي بالعذاب والإهلاك ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فما أغنت عنهم آلهتهم أي فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئا لما جاء أمر ربك بالهلاك وما زادوهم يعني الآلهة غير تتبيب وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التخسير رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد ","part":4,"page":156},{"id":1677,"text":" وقتادة واختاره ابن قتيبة والزجاج والثاني أنه الشر قاله ابن زيد والثالث التدمير والإهلاك قاله أبو عبيدة \r\n فإن قيل الآلهة جماد فكيف قال زادوهم فعنه جوابان \r\n أحدهما وما زادتهم عبادتها \r\n والثاني أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد \r\n قوله تعالى وكذلك أخذ ربك أي وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة وصف القرى بالظلم والمراد أهلها وقال ابن عباس الظلم هاهنا بمعنى الكفر إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود \r\n قوله تعالى إن في ذلك لآية يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم والآية العبرة والعظة ذلك يوم مجموع له الناس لأن الخلق يحشرون فيه ويشهده البر والفاجر وأهل السماء والأرض وما نؤخره وروى زيد عن يعقوب وابو زيد عن المفضل وما يؤخره بالياء والمعنى وما نؤخر ذلك اليوم إلا لوقت معلوم لا يعلمه إلا الله يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ","part":4,"page":157},{"id":1678,"text":" خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ \r\n قوله تعالى يوم يأت قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي يوم يأتي بياء في الوصل وحذفوها في الوقف غير أن ابن كثير كان يقف بالياء ويصل بالياء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف قال الزجاج الذي يختاره النحويون يوم يأتي باثبات الياء والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيرا وقد حكى الخليل وسيبويه أن العرب تقول لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال وقال الفراء كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور أو واو ساكنة وما قبلها مضموم فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالكسرة من الياء وبالضمة من الواو وانشدني بعضهم ... كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما ... \r\n قال المفسرون وقوله يوم يأتي يعني يأتي ذلك اليوم لا تكلم نفس إلا بإذن الله فكل الخلائق ساكتون إلا من أذن الله له في الكلام وقيل المراد بهذا الكلام الشفاعة \r\n قوله تعالى فمنهم شقي قال ابن عباس منهم من كتبت عليه الشقاوة ومنهم من كتبت له السعادة \r\n قوله تعالى لهم فيها زفير وشهيق فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الزفير كزفير الحمار في الصدر وهو أول ما ينهق والشهيق كشهيق الحمار في الحلق وهو آخر ما يفرغ من نهيقه رواه أبو صالح عن ابن ","part":4,"page":158},{"id":1679,"text":" عباس وبه قال الضحاك ومقاتل والفراء وقال الزجاج الزفير شديد الأنين وقيبحه والشهيق الأنين الشديد المرتفع جدا وهما من أصوات المكروبين وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق \r\n والثاني أن الزفير في الحلق والشهيق في الصدور رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال أبو العالية والربيع بن أنس وفي رواية أخرى عن ابن عباس الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف وقال ابن فارس الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس وقال غيره الزفير الشديد مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته والشهيق النفس الطويل الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي طويل \r\n والثالث أن الزفير زفير الحمار والشهيق شهيق البغال قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض المعروف فيه قولان \r\n أحدهما أنها السموات المعروفة عندنا والأرض المعروفة قال ابن قتيبة وابن الأنباري للعرب في معنى الأبد الفاظ تقول لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار وما دامت السموات ولأرض وما اختلفت الجرة والدرة وما أطت الإبل في أشباه لهذا كثيرة ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم ","part":4,"page":159},{"id":1680,"text":" والثاني أنها سموات الجنة والنار وأرضهما \r\n قوله تعالى إلا ما شاء ربك في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال \r\n أحدها أن الاستثناء في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة قاله ابن عباس والضحاك \r\n والثاني أنه استثناء لا يفعله تقول والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك على ضربه ذكره الفراء وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس إلا ما شاء ربك قال فقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج وفائدة هذا أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا \r\n والثالث أن المعنى خالدين فيها أبدا غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ثم يجدد خلقهم فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال قاله ابن مسعود \r\n والرابع أن إلا بمعنى سوى تقول لو كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد فالمعنى خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة وهذا اختيار الفراء قال ابن قتيبة ومثله في الكلام أن تقول لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت تريدك سوى ما شئت أن أزيدك \r\n والخامس أنهم إذا حشروا وبعثوا فهم في شروط القيامة فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب فالمعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسبة ذكره الزجاج وقال ابن كيسان الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب قال ابن قتبية فالمعنى خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إلا ما شاء ربك ","part":4,"page":160},{"id":1681,"text":" من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل وإن كانتا قد تتغيران واستثنى المشيئة من دوامهما لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة ولا في النار \r\n والسادس أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا وشهيقا إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تذكر وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم مما يذكر ما شاء ربك ذكره الزجاج أيضا \r\n والسابع أن إلا بمعنى كما ومنه قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف النساء 22 ذكره الثعلبي \r\n فأما الاستثناء في حق أهل الجنة ففيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه استثناء لا يفعله والثاني أن إلا بمعنى سوى والثالث أنه يرجع إلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور والرابع أنه يمعنى إلا ما شاء أن يزيدهم من النعيم الذي لم يذكر والخامس أن إلا ك ما وهذه الأقوال قد سبق شرحها والسادس أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين ثم أدخل الجنة قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل قال ابن قتيبة فيكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار فكأنه قال إلا ما شاء ربك من أخراج المذنبين إلى الجنة وخالدين في الجنة إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة \r\n واختلف القراء في سعدوا فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن ","part":4,"page":161},{"id":1682,"text":" عامر وأبو بكر عن عاصم سعدوا بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها وهما لغتان \r\n قوله تعالى عطاء غير مجذوذ نصب عطاء بما دل عليه الكلام كأنه قال أعطاهم النعيم عطاء والمجذوذ المقطوع قال ابن قتيبة يقال جذذت وجددت وجذفت وجدفت إذا قطعت فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص \r\n قوله تعالى فلا تك في مرية أي فلا تك يا محمد في شك مما يعبد هؤلاء المشركون من الأصنام أنه باطل وضلال إنما يقلدون آباءهم وإنا لموفهم نصيبهم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما قدر لهم من خير وشر قاله ابن عباس والثاني نصيبهم من الرزق قاله أبو العالية والثالث نصيبهم من العذاب قاله ابن زيد وقال بعضهم لا ينقصهم من عذاب آبائهم ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن قال المفسرون وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك قال ابن عباس يريد إني أخرت أمتك إلى يوم القيامة ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك وقال ابن قتيبة لولا نظرة لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا وقال ابن جرير ","part":4,"page":162},{"id":1683,"text":" سبقت من ربك أنه لا يعجل على خلقه بالعذاب لقضي بين المصدق منهم والمكذب باهلاك المكذب وإنجاء المصدق \r\n قوله تعالى وإنهم لفي شك منه أي من القرآن مريب أي موقع للريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير \r\n قوله تعالى وإن كلا يشير إلى جميع من قص قصته في هذه السورة وقال مقاتل يعني به كفار هذه الأمة وقيل المعنى وإن كلا لخلق أو بشر ليوفينهم قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون لما خفيفة واللام في لما لام التوكيد دخلت على ما وهي خبر إن واللام في ليوفينهم اللام التي يتلقى بها القسم والتقدير والله ليوفينهم ودخلت ما للفصل بين اللامين قال مكي بن أبي طالب وقيل إن ما زائدة لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللذين يتلقيان القسم وكلاهما مفتوح ففصل ب ما بينهمأ وقرأ ابن كثير وإن بالتخفيف وكذلك لما قال سيبويه حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول إن عمرا لمنطلق فيخففون إن ويعملونها وأنشد ... ووجه حسن النحر ... كأن ثدييه حقان ","part":4,"page":163},{"id":1684,"text":" وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وإن خفيفة لما مشددة والمعنى وما كلا إلا وهذا كما تقول سألتك لما فعلت وإلا فعلت ومثله قوله إن كل نفس لما عليها حافظ الطارق 4 وقرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم وإن بالتشديد لما بالتشديد أيضا قال أبو علي هذه قراءة مشكلة لأنه كما لا يحسن إن زيدا إلا منطلق كذلك لا يحسن تثقيل إن وتثقيل لما وحكى عن الكسائي أنه قال لا أعرف وجه التثقيل في لما ولم يبعد فيما قال وقال مكي بن أبي طالب الأصل فيها لمن ما ثم أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ فحذفت الميم المكسورة والتقدير وإن كلا لمن خلق ليوفينهم قال وقيل التقدير لمن ما بفتح الميم في من فتكون ما زائدة وتحذف إحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ والتقدير لخلق ليوفينهم ومعنى الكلام ليوفينهم جزاء أعمالهم فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى فاستقم كما أمرت قال ابن عيينة استقم على القرآن وقال ابن قتيبة امض على ما أمرت به \r\n قوله تعالى ومن تاب معك قال ابن عباس من تاب معك من الشرك \r\n قوله تعالى ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا مالم آمركم به قاله ابن عباس \r\n والثاني لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه قاله ابن زيد \r\n والثالث لا تخلطوا التوحيد بشك قاله مقاتل ","part":4,"page":164},{"id":1685,"text":" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون \r\n قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا روى عبد الوارث عن أبي عمرو تركنوا بفتح التاء وضم الكاف وهي قراءة قتادة وروى هارون عن أبي عمرو تركنوا بفتح التاء وكسر الكاف وروى محبوب عن أبي عمرو تركنوا بكسر التاء وفتح الكاف وقرأ ابن أبي عبلة تركنوا بضم التاء وفتح الكاف على مالم يسم فاعله وفي المراد بهذا الركون أربعة أقوال \r\n أحدها لا تميلوا إلى المشركين قاله ابن عباس والثاني لا ترضوا أعمالهم قاله أبو العالية والثالث لا تلحقوا بالمشركين قاله قتادة والرابع لا تداهنوا الظلمة قاله السدي وابن زيد \r\n وفي قوله فتمسكم النار وجهان أحدهما فتصيبكم النار قاله ابن عباس والثاني فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وما لكم من دون الله من أولياء أي ليس لكم أعوان يمنعونكم من العذاب وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيآت ذلك ذكرى للذاكرين \r\n قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار أما سبب نزولها فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها وضممتها إلي وباشرتها وفعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها ","part":4,"page":165},{"id":1686,"text":" فسكت النبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار الآية فدعا الرجل فقرأها عليه فقال عمر أهي له خاصة أم للناس كافة قال لا بل للناس كافة وفي رواية أخرى عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله فذكر ذلك له فنزلت هذه الآية فقال الرجل إلي هذه الآية فقال لمن عمل بها من أمتي وقال معاذ بن جبل كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة مالا يحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه منها غير أنه لم يجامعها فقال له النبي صلى الله عليه و سلم توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال معاذ أهي له خاصة أم للمسلمين عامة فقال بل هي للمسلمين عامة واختلفوا في إسم هذا الرجل فقال أبو صالح عن ابن عباس هو عمرو بن غزية الأنصاري وفيه نزلت هذه الآية كان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع منه تمرا فأعجبته فقال إن في البيت تمرا أجود من هذا فانطلقي معي حتى أعطيك منه فذكر نحو ","part":4,"page":166},{"id":1687,"text":" حديث معاذ وقال مقاتل هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري وذكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وذكر في الذي قال للنبي صلى الله عليه و سلم أله خاصة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أبو اليسر صاحب القصة والثاني معاذ بن جبل والثالث عمر بن الخطاب \r\n فأما التفسير فقوله وأقم الصلاة أي أتم ركوعها وسجودها \r\n فأما طرفا النهار ففي الطرف الأول قولان \r\n أحدهما أنه صلاة الفجر قاله الجمهور والثاني أنه الظهر حكاه ابن جرير وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه صلاة المغرب قاله ابن عباس وابن زيد الثاني العصر قاله قتادة وعن الحسن كالقولين والثالث الظهر والعصر قاله مجاهد والقرظي وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة \r\n قوله تعالى وزلفا من الليل وقرأ أبو جعفر وشيبة و زلفا بضم اللام قال أبو عبيدة الزلف الساعات واحدها زلفة أي ساعة ومنزلة وقربة ومنه سميت المزدلفة قال العجاج ","part":4,"page":167},{"id":1688,"text":" ناج واه الأين مما أوجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا ... \r\n ... سماوة الهلال حتى احقوا قفا ... \r\n قال ابن قتيبة ومنه يقال أزلفني كذا عندك أي أدناني والمزالف المنازل والدرج وكذلك الزلف \r\n وفيما للمفسرين قولان \r\n أحدهما أنها صلاة العتمة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وعوف عن الحسن وابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال ابن زيد \r\n والثاني أنها صلاة المغرب والعشاء روي عن ابن عباس أيضا ورواه يونس عن الحسن ومنصور عن مجاهد وبه قال قتادة ومقاتل والزجاج \r\n قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات في المراد بالحسنات قولان \r\n أحدهما أنها الصلوات الخمس قاله ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ومسروق ومجاهد والقرظي والضحاك والمقاتلان ابن سليمان وابن حيان \r\n والثاني أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه منصور عن مجاهد والأول أصح لأن الجمهور عليه وفيه حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه و سلم رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه توضأ وقال من توضأ وضوئي هذا ثم صلى الظهر غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح ","part":4,"page":168},{"id":1689,"text":" ومن صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر ومن صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها ويبن صلاة المغرب ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات \r\n فأما السيئات المذكورة هاهنا فقال المفسرون هي الصغائر من الذنوب وقد روى معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله أوصني قال اتق الله حيثما كنت قال قلت زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قلت زدني قال خالق الناس بخلق حسن \r\n قوله تعالى ذلك ذكرى للذاكرين في المشار إليه ب ذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن والثاني إقام الصلاة والثالث جميع ما تقدم من الوصية بالاستقامة والنهي عن الطغيان وترك الميل إلى الظالمين والقيام بالصلاة ","part":4,"page":169},{"id":1690,"text":" وفي المراد بالذكرى قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى التوبة والثاني بمعنى العظة واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين \r\n قوله تعالى واصبر فيما أمر بالصبر عليه قولان \r\n أحدهما لما يلقاه من أذى قومه والثاني الصلاة \r\n وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال \r\n أحدها المصلون قاله ابن عباس والثاني المخلصون قاله مقاتل والثالث أنهم المحسنون في أعمالهم قاله أبو سليمان فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين \r\n قوله تعالى فلولا كان من القرون قال ابن عباس والفراء المعنى فلم يكن وقال ابن قتيبة المعنى فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية وروى ابن جماز عن أبي جعفر أولو بقية بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف الياء \r\n وفي معنى أولو بقية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أولو دين قاله ابن عباس قال ابن قتيبة يقال قوم لهم بقية وفيهم بقية إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير والثاني أولو تمييز والثالث أولو طاعة ذكرهما الزجاج وقال إذا قلت فلان فيه بقية فمعناه فيه فضل \r\n قوله تعالى إلا قليلا استثناء منقطع أي لكن قليلا ممن أنجينا منهم ","part":4,"page":170},{"id":1691,"text":" ممن نهى عن الفساد قال مقاتل لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك إلى قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل \r\n قوله تعالى واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه أي اتبعوا مع ظلمهم ما أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم قال الفراء آثروا اللذات على أمر الآخرة قال ويقال اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون \r\n قوله تعالى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم فيه قولان \r\n أحدهما بغير جرم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني بشرك ذكره ابن جرير وابو سليمان وفي قوله وأهلها مصلحون ثلاثة أقوال \r\n أحدها ينتصف بعضهم من بعض رواه قيس بن أبي حازم عن جرير قال أبو جعفر الطبري فيكون المعنى لايهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين وإنما يهلكهم إذا تظالموا \r\n والثاني مصلحون لأعمالهم متمسكون بالطاعة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث مؤمنون قاله مقاتل ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين \r\n قوله تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة قال ابن عباس لو شاء أن يجعلهم كلهم مسلمين لفعل \r\n قوله تعالى ولا يزالون مختلفين في المشار إليهم قولان ","part":4,"page":171},{"id":1692,"text":" أحدهما أنهم أهل الحق وأهل الباطل رواه الضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى إن هؤلاء يخالفون هؤلاء \r\n والثاني أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى إلا من رحم ربك قال ابن عباس هم أهل الحق وقال الحسن أهل رحمة اللة لايختلفون \r\n قولة تعالى ولذلك خلقهم في المشار إلية بذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أنه يرجع إلى ماهم عليه قال ابن عباس خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف وفريقا لا يرحم يختلف \r\n والثاني أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة قاله ابن عباس أيضا واختاره الزجاج قال لأن اختلافهم مؤديهم إلى سعادة وشقاوة قال ابن جرير واللام في قوله ولذلك بمعنى على \r\n والثالث أنه يرجع إلى الاختلاف رواه مبارك عن الحسن \r\n والرابع أنه يرجع إلى الرحمة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة فعلى هذا يكون المعنى ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم \r\n قوله تعالى وتمت كلمة ربك قال ابن عباس وجب قول ربك لأملأن جهنم من كفار الجنة وكفار الناس وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق و موعظة وذكرى للمؤمنين \r\n قوله تعالى وكلا نقص قال الزجاج كلا منصوب ب نقص ","part":4,"page":172},{"id":1693,"text":" المعنى كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك و ما منصوبة بدلا من كل المعنى نقص عليك ما نثبت به فؤادك ومعنى تثبيت الفؤاد تسكين القلب هاهنا ليس للشك ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر كان القلب أثبت \r\n قوله تعالى وجاءك في هذه الحق في المشار إليه ب هذه أربعة أقوال \r\n أحدها أنها السورة قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية ورواه شيبان عن قتادة \r\n والثاني أنها الدنيا فالمعنى وجاءك في هذه الدنيا رواه سعيد عن قتادة وعن الحسن كالقولين \r\n والثالث أنها الأقاصيص المذكورة \r\n والرابع أنها هذه الآية بعينها ذكر القولين ابن الأنباري \r\n وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها البيان والثاني صدق القصص والأنباء والثالث النبوة \r\n فإن قيل أليس قد جاءه الحق في كل القرآن فلم خص هذه السورة \r\n فالجواب أنا إن قلنا إن الحق النبوة فالإشارة ب هذه إلى الدنيا فيكون المعنى وجاءك في هذه الدنيا النبوة فيرتفع الإشكال وإن قلنا إنها السورة فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أن المراد بالحق البيان وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم وشرح آمالهم قالهم يجمع غيرها فبان أثر التخصيص وهذا مذهب بعض المفسرين \r\n والثاني أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا ","part":4,"page":173},{"id":1694,"text":" ولهذا يقول الناس فلان في الحق إذا كان في الموت وإن لم يكن قبله في باطل ولكن لتعظيم ما هو فيه فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره وهذا مذهب الزجاج \r\n والثالث أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها وإن كان في غيرها حق أيضا فهو كقوله والصلاة الوسطى البقرة 238 وقوله وجبريل وميكال البقرة 98 وهذا مذهب ابن الأنباري \r\n والرابع أن المعنى وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور قاله ابن جرير الطبري \r\n قوله تعالى وموعظة وذكرى للمؤمنين أي يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون \r\n قوله تعالى وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم هذا تهديد ووعيد والمعنى اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة أمركم وانتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا \r\n فصل \r\n قال المفسرون وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم والاقتناع بانذارهم وهي منسوخة بآية السيف \r\n واعلم أنه إذا قلنا إن المراد بالآية التهديد لم يتوجه نسخ ","part":4,"page":174},{"id":1695,"text":" ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون \r\n قوله تعالى ولله غيب السموات والأرض أي علم ما غاب عن العباد فيهما وإليه يرجع الأمر كله قرأ نافع وحفص عن عاصم يرجع الأمر كله بضم الياء وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم يرجع بفتح الياء والمعنى إن كل الأمور ترجع إليه في المعاد فاعبده أي وحده وتوكل عليه أي ثق به وما ربك بغافل عما يعملون قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم تعملون بالتاء وقرأ الباقون بالياء قال أبو علي فمن قرأ بالياء فالمعنى قل لهم وما ربك بغافل عما يعملون ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو أعم من الياء وهذا وعيد والمعنى إنه يجزي المحسن باحسانه والمسيء باساءته قال كعب خاتمة التوراة خاتمة هود ","part":4,"page":175},{"id":1696,"text":" سورة يوسف عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين \r\n فصل في نزولها \r\n هي مكية بالإجماع وفي سبب نزولها قولان أما القول الأول فروي عن سعد بن أبي وقاص قال أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى آلر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله نحن نقص عليك أحسن القصص فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل الله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني الزمر 23 كل ذلك يؤمرون بالقرآن وقال ","part":4,"page":176},{"id":1697,"text":" عون بن عبد الله مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله عز و جل الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني الزمر 23 ثم إنهم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله نحن نقص عليك أحسن القصص فأراد الحديث فدلهم على أحسن الحديث وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص والثاني رواه الضحاك عن ابن عباس قال سألت اليهود النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف فأنزل الله عز و جل الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا وذلك أن التوراة بالعبرانية والإنجيل بالسريانية وأنتم قوم عرب ولو أنزلته بغير العربية ما فهمتموه وقد بينا تفسير أول هذه السورة في أول يونس إلا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السورة فقال لما لحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ملل وسآمة فقالوا له حدثنا بما يزيل عنا هذا الملل فقال تلك الأحاديث التي تقدرون الانتفاع بها وانصراف الملل هي آيات الكتاب المبين \r\n وفي معنى المبين خمسة أقوال \r\n أحدها البين حلاله وحرامه قاله ابن عباس ومجاهد والثاني المبين للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم رواه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل والثالث البين هداه ورشده قاله قتادة والرابع المبين للحق من الباطل والخامس البين إعجازه فلا يعارض ذكرهما الماوردي ","part":4,"page":177},{"id":1698,"text":" إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون \r\n قوله تعالى إنا أنزلناه في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الكتاب قاله الجمهور والثاني إلى خبر يوسف ذكره الزجاج وابن القاسم \r\n قوله تعالى قرآنا عربيا قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة النساء 82 وقد اختلف الناس هل في القرآن شيء بغير العربية أم لا فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية وقال أبو عبيدة من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول واحتج بقوله إنا جعلناه قرآنا عربيا الزخرف 3 وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب مثل سجيل و المشكاة و اليم و الطور و أباريق و إستبرق وغير ذلك وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قال أبو عبيد وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره وكلاهما مصيب إن شاء الله وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل فقال أولئك على الأصل ثم لفظت به العرب بالسنتها فعربته فصار عربيا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحالة أعجمية الأصل فهذا القول يصدق الفريقين جميعا \r\n قوله تعالى لعلكم تعقلون قال ابن عباس لكي تفهموا نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين \r\n قوله تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص قد ذكرنا سبب نزولها في ","part":4,"page":178},{"id":1699,"text":" أول الكلام وقد خصت بسبب آخر فروي عن سعيد بن جبير قال اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم إلى سلمان فقالوا حدثنا عن التوراة فإنها حسن ما فيها فأنزل الله تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص يعني قصص القرآن أحسن مما في التوراة قال الزجاج والمعنى نحن نبين لك أحسن البيان والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها قال وقوله بما أوحينا إليك أي بوحينا إليك هذا القرآن \r\n قال العلماء وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص لأنها جمعت ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والأنعام وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والرجال والنساء وحيلهن وذكر التوحيد والفقه والسر وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش والصبر على الأذى والحلم والعز والحكم إلى غير ذلك من العجائب \r\n قوله تعالى وإن كنت في إن قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى قد والثاني بمعنى ما \r\n قوله تعالى من قبله قال ابن عباس من قبل نزول القرآن لمن الغافلين عن علم خبر يوسف وما صنع به إخوته إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين \r\n قوله تعالى إذ قال يوسف لأبيه في إذ قولان \r\n أحدهما أنها صلة للفعل المتقدم والمعنى نحن نقص عليك إذ قال يوسف ","part":4,"page":179},{"id":1700,"text":" والثاني أنها صلة لفعل مضمر تقديره اذكر إذ قال يوسف ذكرهما الزجاج وابن الأنباري \r\n قوله تعالى يا أبت قرأ أبو جعفر وابن عامر بفتح التاء ووقفا بالهاء وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء وقرأ الباقون بكسر التاء فمن فتح التاء أراد يا ابتا فحذف الألف كما تحذف الياء فبقيت الفتحة دالة على الألف كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء ومن وقف على الهاء فلان تاء التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف وقرأ أبو جعفر أحد عشر وتسعة عشر بسكون العين فيهما \r\n وفي ما رآه يوسف قولان \r\n أحدهما أنه رأى الشمس والقمر والكواكب وهو قول الأكثرين قال الفراء وإنما قال رأيتهم على جمع ما يعقل لأن السجود فعل ما يعقل كقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم النمل 18 قال المفسرون كانت الكواكب في التأويل إخوته والشمس أمه والقمر أباه فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد إخوته وقال السدي الشمس أبوه والقمر خالته لأن أمه كانت قد ماتت \r\n والثاني أنه رآي أبويه وإخوته ساجدين له فكنى عن ذكرهم وهذا مروي عن ابن عباس وقتادة فأما تكرار قوله رأيتهم فقال الزجاج إنما كرره لما طال الكلام توكيدا \r\n وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال \r\n أحدها سبع سنين والثاني اثنتا عشرة سنة والثالث سبع عشرة سنة \r\n قال المفسرون علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه فقال لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا قال ابن قتيبة يحتالوا لك ","part":4,"page":180},{"id":1701,"text":" حيلة ويغتالوك وقال غيره اللام صلة والمعنى فيكيدوك والعدو المبين الظاهر العداوة وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم \r\n قوله تعالى وكذلك يجتبيك ربك قال الزجاج وابن الأنباري ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك وقد شرحنا في الأنعام 87 معنى الاجتباء وقال ابن عباس يصطفيك بالبنوة \r\n قوله تعالى ويعلمك من تأويل الأحاديث فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه تعبير الرؤيا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة فعلى هذا سمي تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إليه \r\n والثاني أنه العلم والحكمة قاله ابن زيد \r\n والثالث تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتب ذكره الزجاج قال مقاتل و من هاهنا صلة \r\n قوله تعالى ويتم نعمته عليك فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها بالنبوة قاله ابن عباس \r\n والثاني باعلاء الكلمة \r\n والثالث بأن أحوج إخوته إليه حتى أنعم عليهم ذكرهما الماوردي \r\n وفي آل يعقوب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم ولده قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف قاله مقاتل ","part":4,"page":181},{"id":1702,"text":" والثالث أهله قاله أبو عبيدة واحتج بأنك إذا صغرت الآل قلت أهيل \r\n قوله تعالى كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق قال عكرمة فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ونعمته على إسحاق أن نجاه من الذبح \r\n قوله تعالى إن ربك عليم أي عليم حيث يضع النبوة حكيم في تدبير خلقه لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين \r\n قوله تعالى لقد كان في يوسف وإخوته أي في خير يوسف وقصة إخوته آيات أي عبر لمن سأل عنهم فكل حال من أحواله آية وقرأ ابن كثير آية قال المفسرون وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا من ذلك \r\n وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال \r\n أحدها الدلالة على صدق محمد صلى الله عليه و سلم حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم ولا نظر في الكتب والثاني ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه والثالث صدق رؤياه وصحة تأويله والرابع ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة والخامس حدوث السرور بعد اليأس \r\n فإن قيل لم خص السائلين ولغيرهم فيها آيات أيضا فعنه جوابان \r\n أحدهما أن المعنى للسائلين وغيرهم فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم كما اكتفى بذكر الحر من البرد في قوله تقيكم الحر النحل 81 \r\n والثاني أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية كان لغيرهم آية أيضا وإنما خص السائلين لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر ","part":4,"page":182},{"id":1703,"text":" إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين \r\n قوله تعالى إذ قالوا يعني إخوة يوسف ليوسف وأخوه يعنون ابن يامين وإنما قيل له ابن يامين لأن أمه ماتت نفساء ويامين بمعنى الوجع وكان أخاه لأمه وأبيه والباقون إخوته لأبيه دون أمه \r\n فأما العصبة فقال الزجاج هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضا في الفعل ويتعصب بعضهم لبعض \r\n وللمفسرين في العصبة ستة أقوال \r\n أحدها أنها ما كان أكثر من عشرة رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنها ما بين العشرة إلى الأربعين روي عن ابن عباس أيضا وبه قال قتادة والثالث أنها ستة أو سبعة قاله سعيد بن جبير والرابع أنها من عشرة إلى خمسة عشر قاله مجاهد والخامس الجماعة قاله ابن زيد وابن قتيبة والزجاج والسادس عشرة قاله مقاتل وقال الفراء العصبة عشرة فما زاد \r\n قوله تعالى إن أبانا لفي ضلال مين فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها لفي خطأ من رايه قاله ابن زيد والثاني في شقاء قاله مقاتل والمراد به عناء الدنيا والثالث لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا لأن نفعنا له أعم قال الزجاج ولو نسبوه إلى الضلال في الدين كانوا كفارا إنما أرادوا إنه قدم ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ","part":4,"page":183},{"id":1704,"text":" قوله تعالى اقتلوا يوسف قال أبو علي قرأ ابن كثير ونافع والكسائي مبين اقتلوا بضم التنوين لأن تحريكه يلزم لالتقاء السكانين فحركوه بالضم ليتبعوا الضمة الضمة كما قالوا مد وظلمات وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بكسر التنوين فلم يتبعوا الضمة كما قالوا مد ظلمات قال المفسرون وهذا قولهم بينهم أو اطرحوه أرضا قال الزجاج نصب أرضا على إسقاط في وأفضى الفعل إليها والمعنى أو اطرحوه أرضا يبعد بها عن أبيه وقال غيره أرضا تأكله فيها السباع \r\n قوله تعالى يخل لكم وجه أبيكم اي يفرغ لكم من الشغل بيوسف وتكونوا من بعده أي من بعد يوسف قوما صالحين فيه قولان أحدهما صالحين بالتوبة من بعد قتله قاله ابن عباس \r\n والثاني يصلح حالكم عند أبيكم قاله مقاتل وفي قصتهم نكتة عجيبة وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب وكذلك المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للخطايا قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون \r\n قوله تعالى قال قائل منهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يهوذا قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال وهب بن منبه ","part":4,"page":184},{"id":1705,"text":" والسدي ومقاتل والثاني أنه شمعون قاله مجاهد والثالث روبيل قاله قتادة وابن إسحاق فأما غيابة الجب فقال أبو عبيدة كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة والجب الركية التي لم تطو وقال الزجاج الغيابة كل ما غاب عنك أو غيب شيئا عنك قال المنخل ... فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل ... \r\n والجب البئر التي لم تطو سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا ولم يحدث فيها غير القطع من طي وما أشبهه وقال ابن عباس في غيابة الجب أي في ظلماته وقال الحسن في قعره وقرأ نافع غيابات الجب فجعل كل منه غيابة وروى خارجة عن نافع غيابات بتشديد الياء وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد غيبة الجب بغرير ألف مع إسكان الياء وأين كان هذا الجب فيه قولان \r\n أحدهما بأرض الأردن قاله وهب وقال مقاتل هو بأرض الأردن على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب والثاني ببيت المقدس قاله قتادة \r\n قوله تعالى يلتقطه بعض السيارة قال ابن عباس يأخذه بعض من يسير إن كنتم فاعلين أي إن أضمرتم له ما تريدون وأكثر القراء قرؤوا يلتقطه بالياء وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي عبلة بالتاء قال الزجاج وجميع النحويين يجيزون ذلك لأن بعض السيارة سيارة فكأنه قال تلتقطه سيارة بعض السيارة وقال ابن الأنباري من قرأ بالتاء فقد أنث فعل بعض وبعض مذكر وإنما فعل ذلك حملا على المعنى إذ التأويل تلتقطه السيارة قال الشاعر ... رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال ","part":4,"page":185},{"id":1706,"text":" أراد رأت السنين وقال الآخر ... طول الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي ... \r\n أرادك الليالي أسرعت وقال جرير ... لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع ... \r\n أراد تواضعت المدينة وقال الآخر ... وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم ... \r\n أراد كما شرقت القناة \r\n قال المفسرون فلما عزم القوم على كيد يوسف قالوا لأبيه مالك لا تأمنا قرأ الجماعة تأمنا بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم قال مكي لأن الأصل تأمننا ثم أدغمت النون الأولى وبقي الإشمام يدل على ضمة النون الأولى والإشمام هو ضم شفتيك من غير صوت يسمع فهو بعد الإدغام وقبل فتحه النون الثانية وابن كيسان يسمي الإشمام الإشارة ويسمى الروم إشماما والروم صوت ضعيف يسمع خفيا وقرأ أبو جعفر تأمنا بفتح النون من غير إشمام إلى إعراب المدغم وقرأ الحسن مالك لا تأمنا بضم الميم وقرأ ابن مقسم تأمننا بنونين ","part":4,"page":186},{"id":1707,"text":" على الأصل والمعنى مالك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا فإنه قد كبر ولا يعلم شيئا من أمر المعاش وإنا له لناصحون فيما أشرنا به عليك أرسله معنا غدا إلى الصحراء وقال مقاتل في الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا له أرسله معنا فقال إني ليحزنني أن تذهبوا به فقالوا مالك لا تأمنا \r\n قوله تعالى نرتع ونلعب قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو نرتع ونلعب بالنون فيهما والعين ساكنه وافقهم زيد عن يعقوب في نرتع فحسب \r\n وفي معنى نرتع ثلاثة أقوال \r\n أحدها نله قاله الضحاك والثاني نسع قاله قتادة والثالث نأكل يقال رتعت الإبل إذا رعت وأرتعتها إذا تركتها ترعى قال الشاعر ... وحبيب لي إذا لا قيته ... وإذا يخلوا له لحمي رتع ... \r\n أي أكله هذا قول ابن الأنباري وابن قتيبة وقرأ عاصم و حمزة والكسائي يرتع ويلعب بالياء فيهما وجزم العين والباء يعنون يوسف وقرأ نافع نرتع بكسر العين من نرتع من غير بلوغ إلى الياء قال ابن قتيبة ومعناها نتحارس ويرعى بعضنا بعضا أي يحفظ ومنه يقال رعاك الله أي حفظك وقد رويت عن ابن كثير أيضا نرتعي باثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف وقرأ أنس وأبو رجاء نرتع بنون مرفوعة وكسر التاء وسكون العين و نلعب بالنون قال أبو عبيدة أي نرتع إبلنا \r\n فأما قوله ونلعب فقال ابن عباس نلهو ","part":4,"page":187},{"id":1708,"text":" فإن قيل كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب \r\n فالجواب من وجهين أحدهما أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء قاله أبو عمرو ابن العلاء والثاني أنهم عنوا مباح اللعب قاله الماوردي \r\n قوله تعالى إني ليحزنني أن تذهبوا به أي يحزنني ذهابكم به لأنه يفارقني فلا أراه وأخاف أن يأكله الذئب قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة الذئب بالهمز في الثلاثة المواضع وقرأ الكسائي وأبو جعفر وشيبة بغير همز قال أبو علي الذئب مهموز في الأصل يقال بذاءيت الريح إذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب \r\n وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه رأى في منامة أن الذئب شد على يوسف قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب قاله مقاتل والثالث أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب قاله الماوردي \r\n قوله تعالى وأنتم عنه غافلون فيه قولان \r\n أحدهما غافلون في اللعب والثاني مشتغلون برعيتكم \r\n قوله تعالى لئن أكله الذئب ونحن عصبة أي جماعة نرى الذئب قد قصده ولا نرد عنه إنا إذا لخاسرون أي عاجزون قال ابن الأنباري ومن قرأ عصبة بالنصب فتقديره ونحن نجتمع عصبة فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون \r\n قوله تعالى فلما ذهبوا به في الكلام اختصار وإضمار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا وأجمعوا أي عزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب ","part":4,"page":188},{"id":1709,"text":" الإشارة إلى قصة ذهابهم \r\n قال المفسرون قالوا ليوسف أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد قال بلى قالوا فسل أباك أن يرسلك معنا قال أفعل فدخلوا بجماعتهم على يعقوب فقالوا يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا فقال ما تقول يا بني قال نعم يا أبت قد أرى من إخوتي اللين واللطف فأنا أحب أن تأذن لي فأرسله معهم فلما أصحروا أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعل يلجأ إلى هذا فيضربه وإلى هذا فيؤذيه فلما فطن لما قد عزموا عليه جعل ينادي يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاءا شديدا قال الضحاك عن ابن عباس فأخذه روبيل فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله فقال له يوسف مهلا يا أخي لا تقتلني قال يا ابن راحيل صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه ليكسرهها فنادى يوسف يا يهوذا اتق الله في وخل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته له رحمه فقال يهوذا يا إخوتاه ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به قالوا وما ذاك قال تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة قالوا نفعل فانطلفوا به إلى الجب فخلعوا قميصه فقال يا إخوتاه لم نزعتم قميصي ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي فأخرج الله له حجرا في البئر مرتفعا من الماء فاستقرت عليه قدماه وقال السدي جعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ","part":4,"page":189},{"id":1710,"text":" ردوا علي قيمصي أتوارى به فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فدلوه في الئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام وقال كعب جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه فبعث الله إليه ملكا فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء فقعد عليه وكان يعقوب قد أدرج قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة وجعلها في عنق يوسف فألبسه إياه الملك حينئذ وأضاء له الجب وقال الحسن ألقي في الجب فعذب ماؤه فكان يغنيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل فأنس به فلما أمسى نهض جبريل ليذهب فقال له يوسف إنك إذا خرجت عني استوحشت فقال إذا رهبت شيئا فقل يا صريخ المستصرخين وياغوث المستغيثنين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري فلما قالها حفته الملائكة فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حول الجب وقال محمد بن مسلم الطائفي لما ألقي يوسف في الجب قال يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا مما أنا فيه قال فما بات فيه \r\n وفي مقدار سنة حين ألقي في الجب أربعة أقوال ","part":4,"page":190},{"id":1711,"text":" أحدها اثنتا عشرة سنة قاله الحسن والثاني ست سنين قاله الضحاك والثالث سبع عشرة قاله ابن السائب وروي عن الحسن ايضا والرابع ثمان عشرة \r\n قوله تعالى وأوحينا إليه فيه قولان 191 \r\n أحدهما أنه إلهام قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه وحي حقيقة \r\n قال المفسرون أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم أي بما صنعوا بك وأنت عال عليهم \r\n وفي قوله وهم لا يشعرون قولان \r\n أحدهما لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني لا يشعرون بالوحي قاله مجاهد وقتادة وابن زيد فعلى الأول يكون الكلام من صلة لتنبئنهم وعلى الثاني من صلة وأوحينا إليه قال حميد قلت للحسن أيحسد المؤمن المؤمن قال لا أبالك ما نساك بني يعقوب وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين \r\n قوله تعالى وجاؤوا أباهم عشاء يبكون وقرأ أبو هريرة والحسن وابن السميفع والأعمش عشاء بضم العين \r\n قال المفسرون جاؤوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار بالكذب فلما سمع صوتهم فزع وقال مالكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء قالوا لا قال فما اصابكم وأين يوسف قالوا يا ابانا إنا ذهبنا نستبق وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ننتضل قاله ابن عباس وابن قتيبة قال والمعنى يسابق بعضنا ","part":4,"page":191},{"id":1712,"text":" بعضا في الرمي والثاني نشتد قاله السدي والثالث نتصيد قاله مقاتل فيكون المعنى على الأول نستبق في الرمي لننظر أينا أسبق سهما وعلى الثاني نستبق على الأقدام وعلى الثالث للصيد \r\n قوله تعالى وتركنا يوسف عند متاعنا أي ثيابنا وما أنت بمؤمن لنا أي يمصدق \r\n وفي قوله ولو كنا صادقين قولان \r\n أحدهما أن المعنى وإن كنا قد صدقنا قاله ابن إسحاق والثاني لو كنا عندك من أهل الصدق لا تهمتنا في يوسف لمحبتك إيان وظننت أنا قد كذبناك قاله الزجاج وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون \r\n قوله تعالى وجاؤوا على قيصه بدم كذب قال اللغويون معناه بدم مكذوب فيه والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولا فيقولون للكذب مكذوب وللعقل معقول وللجلد مجلود قال الشاعر ... حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا ... \r\n أراد عقلا وقال الآخر ... قد والذي سمك السماء بقدره ... بلغ العزاء وأدرك المجلود ... \r\n يريد أدرك الجلد ويقولون ليس لفلان عقد رأي ولا معقود رأي ويقولون هذا ماء سكب يريدون مسكوبا وهذا شراب صب يريدون مصبوبا ","part":4,"page":192},{"id":1713,"text":" وماء غور يعنون غائرا ورجل صوم يريدون صائما وامرأة نوح يريدون نائحة وهذا الكلام مجموع قول الفراء والأحفش والزجاج وابن قتيبة في آخرين \r\n قال ابن عباس أخذوا جديا فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه وأتوه به وليس فيه خرق فقال كذبتم لو كان أكله الذئب لخرق القميص وقال قتادة كان دم ظبية وقرأ ابن أبي عبلة بدم كذبا بالنصب وقرأ ابن عباس والحسن وأبو العالية بدم كذب بالدال غير معجمة أي بدم طري \r\n قوله تعالى بل سولت أي زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون فصبر جميل قال الخليل المعنى فشأني صبر جميل والذي أعتقده صبر جميل وقال الفراء الصبر مرفوع لأنه عزى نفسه وقال ما هو إلا الصبر ولو أمرهم بالصبر لكان نصبا وقال قطرب المعنى فصبري صبر جميل وقرأ ابن مسعود وأبي وأبو المتوكل فصبرا جميلا بالنصب قال الزجاج والصبر الجميل لا جزع فيه ولا شكوى إلى الناس \r\n قوله تعالى والله المستعان على ما تصفون فيه قولان \r\n أحدهما على ما تصفون من الكذب والثاني على احتمال ما تصفون وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون \r\n قوله تعالى وجاءت سيارة أي قوم يسيرون فأرسلوا واردهم قال الأخفش أنث السيارة وذكر الوارد لأن السيارة في المعنى للرجال وقال الزجاج الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ","part":4,"page":193},{"id":1714,"text":" وفي اسم هذا الوارد قولان \r\n أحدهما مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني مجلث بن رعويل قاله وهب بن منبه \r\n قوله تعالى فأدلى دلوه أي أرسلها قال الزجاج يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها لتملأها ودلوتها إذا أخرجتها قال يا بشراي قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر يا بشراي بفتح الياء وإثبات الألف وروى ورش عن نافع بشراي و محياي الأنعام 162 و مثواي يوسف 23 بسكون الياء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يا بشرى بألف بغير ياء وعاصم بفتح الراء وحمزة والكسائي يميلانها قال الزجاج من قرأ يا بشراي فهذا النداء لتنبيه للمخاطبين لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل فالمعنى أبشروا ويا أيها البشرى هذا من أوانك وكذلك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا ويا أيها العجب هذا من حينك وقد شرحنا هذا المعنى هود 69 و 74 \r\n فأما قراءة من قرأ يا بشرى فيجوز أن يكون المعنى يا من حضر هذه بشرى ويجوز أن يكون المعنى يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى وقال ابن الأنباري يجوز فيه هذه الأقوال ويجوز أن يكون اسم امرأة وقرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة يا بشري بتشديد الياء وفتحها من غير ألف قال ابن عباس لما أدلى دلوه تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام أحسن ما يكون من الغلمان فقال لأصحابه البشرى فقالوا ما وراءك قال هذا غلام في البئر فأقبلوا يسألونه الشركة فيه واستخرجوه من الجب ","part":4,"page":194},{"id":1715,"text":" فقال بعضهم لبعض اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألونكم الشركة فيه فإن قالوا ما هذا فقولوا استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر فنظروا فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف فقالوا لهم هذا غلام أبق منا فقال مالك بن ذعر فأنا أشتريه منكم فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين واسره مالك بن ذعر من أصحابه وقال استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر \r\n قوله تعالى واسروه بضاعة قال الزجاج بضاعة منصوب على الحال كأنه قال وأسروه جاعليه بضاعة وقال ابن قتيبة أسروا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة في الفاعلين لذاك قولان \r\n أحدهما أنهم واردوا الجب أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم وتواصوا أنه بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني أنهم إخوته أسروا أمره وباعوه وقالوا هو بضاعة لنا وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا \r\n قوله تعالى والله عليم بما يعملون يعم الباعة والمشترين وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ","part":4,"page":195},{"id":1716,"text":" قوله تعالى وشروه هذا حرف من حروف الأضداد تقول شريت الشيء بمعنى بعته وشريته يمعنى اشتريته فإن كان بمعنى باعه ففيهم قولان \r\n أحدهما أنهم إخوته وهو قول الأكثرين \r\n والثاني أنهم السيارة ولم يبعه إخوته قاله الحسن وقتادة وإن كان بمعنى اشتروه فإنهم السيارة \r\n قوله تعالى بثمن بخس فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الحرام قاله ابن عباس والضحاك وقتادة في آخرين \r\n والثاني أنه القليل قاله عكرمة والشعبي قال ابن قتيبة البخس الخسيس الذي بخس به البائع \r\n والثالث الناقص وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد وهي تنقص عن عشرين في الميزان قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى دراهم معدودة قال الفراء إنما قيل معدودة ليستدل بها على القلة وقال ابن قتيبة أي يسيرة سهل عددها لقلتها فلو كانت كثيرة لثقل عددها وقال ابن عبسا كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أريعين درهما وقيل إنما لم يزنوها لزهدهم فيه \r\n وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال \r\n أحدها عشرون درهما قاله ابن مسعود وابن عباس في رواية وعكرمة في رواية ونوف الشامي ووهب بن منبه والشعبي وعطية والسدي ومقاتل في آخرين \r\n والثاني عشرون درهما وحلة ونعلان روي عن ابن عباس أيضا ","part":4,"page":196},{"id":1717,"text":" والثالث اثنان وعشرون درهما رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والرابع أربعون درهما قاله عكرمة في رواية وابن إسحاق \r\n والخامس ثلاثون درهما ونعلان وحلة وكانوا قالوا له بالعبرانية إما أن تقر لنا بالعبودية وإما أن نأخذك منهم فنقتلك قال بل أقر لكم بالعبودية ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه \r\n قال المفسرون اقتسموا ثمنه فاشتروا به نعالا وخفافا \r\n وكان بعض الصالحين يقول والله ما يوسف وإن باعه أعداؤه بأعجب منك في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك \r\n قوله تعالى وكانوا فيه من الزاهدين الزهد قلة الرغبة في الشيء \r\n وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم إخوته قاله ابن عباس فعلى هذا في هاء فيه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى يوسف لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى قاله الضحاك وابن جريج والثاني أنها ترجع إلى الثمن وفي علة زهدهم قولان أحدهما ردائته والثاني أنهم قصدوا بعد يوسف لا الثمن \r\n والثاني أنهم السيارة الذين اشتروه \r\n وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم ارتابوا لقلة ثمنه والثاني أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق والثالث أنهم علموا أنه حر وقال الذين اشتريه من مصر لامرأته أكرمي مثويه عسى أن يفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ","part":4,"page":197},{"id":1718,"text":" قوله تعالى وقال الذي اشتراه من مصر قال وهب لما ذهبت به السيارة إلى مصر وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا ووزنه ورقا ووزنه حريرا فاششتراه بذلك الثمن رجل يقال له قطفير وكان أمين فرعون وخازنه وكان مؤمنا وقال ابن عباس إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين فلما رجع إلى منزله قال لامرأته أكرمي مثواه وقال قوم اسمه أطفير \r\n وفي اسم المرأة قولان أحدهما رعاييل بنت عايبل قاله ابن إسحاق والثاني أزليخا بنت تمليخا قاله مقاتل قال ابن قتيبة أكرمي مثواه يعني أكرمي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به وقال الزجاج أحسني إليه في طول مقامه عندنا قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا وابنة شعيب حين قالت يا أبت استأجره القصص 26 وأبو بكر حين استخلف عمر \r\n وفي قوله عسى أن ينفعنا قولان \r\n أحدهما يكفينا إذا بلغ أمورنا والثاني بالربح في ثمنه \r\n قوله تعالى أو نتخذه ولدا قال ابن عباس نتبناه وقال غيره لم يكن لهما ولد وكان العزيز لا يأتي النساء \r\n قوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف أي وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ظلمة الجب مكنا له في الأرض أي ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها ولنعلمه قال ابن الأنباري إنما دخلت الواو في ولنعلمه لفعل مضمر هو المجتلب للام والمعنى مكنا ليوسف في الأرض واختصصناه ","part":4,"page":198},{"id":1719,"text":" بذلك لكي نعلمه من تأويل الأحاديث وقد سبق تفسير تأويل الأحاديث يوسف 6 والله غالب على أمره في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله فالمعنى أنه غالب على ما أراد من قضائه وهذا معنى قول ابن عباس \r\n والثاني أنها ترجع إلى يوسف فالمعنى غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما أراده له وهذا معنى قول مقاتل وقال بعضهم والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته فعلموا بها ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوه فكادوه ثم أراد إخوة يوسف قتله فلم يقدر لهم ثم أرادوا أن يلتقطه بعض السيارة فنيدرس أمره فعلا أمره ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب أمره حتى ملك وأرادوا أن يعطفوا أباهم فأباهم ثم أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص فلم يخف عليه ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين فنسوا ذنبهم إلى أن أقروا به بعد سنين فقالوا إنا كنا خاطئين يوسف 97 ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه فازدادت ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها ما جزاء من أراد بأهلك سوءا يوسف 25 فغلب أمره حتى شهد شاهد من أهلها وأراد يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين \r\n قوله تعالى ولما بلغ أشده قد ذكرنا معنى الأشد في الأنعام 152 ","part":4,"page":199},{"id":1720,"text":" واختلف العلماء في المراد به هاهنا علىثمانية أقوالأحدها أنه ثلاث وثلاثون سنة رواه عسد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والثاني ثماني عشرة سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة والثالث أربعون سنة قاله الحسن والرابع بلوغ الحلم قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه والخامس عشرون سنة قاله الضحاك والسادس أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين قاله الزجاج والسابع أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة حكاه ابن قتيبة والثامن ثلاثون سنة ذكره بعض المفسرين \r\n قوله تعالى آتيناه حكما فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الفقه والعقل قاله مجاهد والثاني النبوة قاله ابن السائب والثالث أنه جعل حكيما قاله الزجاج قال وليس كل عالم حكيما إنما الحكيم العالم المستعمل علمه الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه والرابع أنه الإصابة في القول ذكره الثعلبي قال اللغويون الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ ويمنع منهما ويرد النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر ومنه حكمة الدابة وأصل أحكمت في اللغة منعت وسمي الحاكم حاكما لأنه يمنع من الظلم والزيغ ","part":4,"page":200},{"id":1721,"text":" وفي المراد بالعلم هاهنا قولان أحدهما الفقه والثاني علم الرؤيا \r\n قوله تعالى وكذلك نجزي المحسنين أي ومثل ما وصفنا من تعلم يوسف وحراسته نثيب من أحسن عمله واجتنب المعاصي فننجيه من الهلكة ونستنفذه من الضلالة فنجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف \r\n وفي المراد بالمحسنين هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها الصابرون على النوائب والثاني المهتدون رويا عن ابن عباس والثالث المؤمنون قال محمد بن جرير هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه و سلم والمعنى كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لايفلح الظالمون \r\n قوله تعالى وراودته التي هو في بيتها عن نفسه أي طلبت منه المواقعة وقد سبق اسمها قال الزجاج المعنى راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال وقالت هيت لك قرأ ابن كثير هيت لك بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء وقرأ نافع وابن عامر هيت لك بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء وهي مروية عن علي بن أبي طالب وروى الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله إلا أنه همزه قال أبو علي الفارسي هو خطأ وروي عن ابن عامر هئت لك بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء وهي قراءة ابن عباس وأبي الدرداء وقتادة قال الزجاج هو من الهيئة كأنها قالت تهيأت لك وعن ابن محيصن وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس ","part":4,"page":201},{"id":1722,"text":" إلا أنها بغير همز وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء وهي قراءة أبي رزين وحميد وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز وهي قراءة أبي العالية وقرأ ابن خثيم مثله إلا أنه لم يهمز وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز وقرأ ابن مسعود وابن السميفع وابن يعمر والجحدري هيئت لك برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة وقرأ أبي بن كعب ها أنا لك وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز قال الزجاج وهو أجود اللغات وأكثرها في كلام العرب ومعناها هلم لك أي أقبل على ما أدعوك إليه وقال الشاعر ... أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا ... \r\n ... أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا ... \r\n أي فأقبل وتعال وقال ابن قتيبة يقال هيت فلان لفلان إذا دعاه وصاح به قال الشاعر ... قد رابني أن الكري أسكتا ... لو كان معنيا بها لهيتا ... \r\n أي صار ذا سكوت واختلف العلماء في قوله هيت لك بأي لغة هي على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها عربية قاله مجاهد وقال ابن الأنباري وقد قيل إنها من كلام ","part":4,"page":202},{"id":1723,"text":" قريش إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا فأتى الله به لأن أصله من كلامهم وهذه الكلمة لا مصدر لها ولا تصرف ولا تثنية ولا جمع ولا تأنيث يقال للاثنين هيت لكما وللجميع هيت لكم وللنسوة هيت لكن \r\n والثاني أنها بالسريانية قاله الحسن \r\n والثالث بالحورانية قاله عكرمة والكسائي وقال الفراء يقال إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها \r\n والرابع أنها بالقبطية قاله السدي \r\n قوله تعالى قال معاذ الله قال الزجاج هو مصدر والمعنى أعوذ بالله أن أفعل هذا يقال عذت عياذا ومعاذا ومعاذة إنه ربي أي إن العزيز صاحبي أحسن مثواي قال ويجوز أن يكون إنه ربي يعني الله عز و جل أحسن مثواي أي تولاني في طول مقامي \r\n قوله تعالى إنه لا يفلح الظالمون أي إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرمني فأنا ظالم وقيل الظالمون هاهنا الزناة ولقد همت به وهم بها لولا أن رآ برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين \r\n قوله تعالى ولقد همت به الهم بالشيء في كلام العرب حديث المرء نفسه بمواقعته مالم يواقع فأما هم أزليخا فقال المفسرون دعته إلى نفسها واستلقت له واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه كان من جنس همها فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وهو قول ","part":4,"page":203},{"id":1724,"text":" عامة المفسرين المتقدمين واختاره من المتاخرين جماعة منهم ابن جرير وابن الأنباري وقال ابن قتيبة لا يجوز في اللغة هممت بفلان وهم بي وأنت تريد اختلاف الهمين واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه قالوا ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيء الهم ويوجب له علو المنازل ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة فقالوا ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله فقال أحدهم اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار فلما أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت إن هذا لعمل ما عملته قط فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فزال ثلث الحجر والحديث معروف وقد ذكرته في الحدائق فعلى هذا نقول إنما همت فترقت همتها إلى العزيمة فصارت مصرة على الزنا فأما هو فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب وحديث النفس من غير عزم فلم يلزمه هذا الهم ذنبا فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه وقد قال صلى الله عليه و سلم عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل وقال صلى الله عليه و سلم هلك المصرون وليس ","part":4,"page":204},{"id":1725,"text":" الإصرار إلا عزم القلب فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب وسئل سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهمة فقال إذا كانت عزما ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يقول الله تعالى إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها عليه سيئة واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله قال معاذ الله إنه ربي وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وكل ذلك إخبار ببراءة ساحتة من العزيمة على المعصية \r\n فإن قيل فقد سوى القرآن بين الهمتين فلم فرقتم \r\n فالجواب أن الاستواء وقع في بداية الهمة ثم ترقت همتها إلى العزيمة بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه ولم تتعد همته مقامها بل نزلت عن رتبتها وانحل معقودها بدليل هربه منها وقوله معاذ الله وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا \r\n والقول الثاني أنها همت به أن يفترشها وهم بها أي تمناها أن تكون له زوجة رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والقول الثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان لم يقع منه الهم فقدم جواب لولا عليها كما يقال قد كنت من الهالكين لولا أن فلانا خلصك لكنت من الهالكين ومنه قول الشاعر ","part":4,"page":205},{"id":1726,"text":" فلا يدعني قومي صريحا لحرة ... لئن كنت مقتولا وتسلم عامر ... \r\n أراد لئن كنت مقتولا وتسلم عامر فلا يدعني قومي فقدم الجواب وإلى هذا القول ذهب قطرب وأنكره قوم منهم ابن الأنباري وقالوا تقديم جواب لولا عليها شاذ مستكره لا يوجد في فصيح كلام العرب فأما البيت المستشهد به فمن اضطرار الشعراء لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره فيضع الكلمة في غير موضعها ويقدم ما حكمه التأخير ويؤخر ما حكمه التقديم ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة قال الشاعر ... جزى ربه عني عدي بن حاتم ... بتركي وخذلاني جزاء موفرا ... \r\n تقديره جزى عني عدي بن حاتم ربه فاضطره إلى تقديم الرب وقال الآخر ... لما جفا إخوانه مصعبا ... أدى بذلك البيع صاعا بصاع ... \r\n أراد لما جفا مصعبا إخوانه وأنشد الفراء ... طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعدما ... تتقطعت بي دونك الأسباب ... \r\n فزاد تاء على تقطعت لا أصل لها ليصلح ون شعره وأنشد ثعلي ... إن شكلي وإن شكلك شتى ... فالزمي الخفض وانعمي تبيضضي ... فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت وقال الفرزدق ... هما تفلا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد لجاميا ... \r\n فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب الله النازل بالفصاحة لأنها من ضرورات الشعراء \r\n والقول الرابع أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه فكان البرهان الذي ","part":4,"page":206},{"id":1727,"text":" رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه إن ضربها كان ضربه كان ضربه إياها حجة عليه لأنها تقول راودني فمنعته فضربني ذكره ابن الأنباري \r\n والقول الخامسس أنه هم بالفرار منها حكاه الثعلبي وهو قول مرذول أفتراه أراد الفرار منها فلما رأى البرهان أقام عندها قال بعض العلماء كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء وإنما ابتلاهم بذلك ليكونوا علىخوف منه وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة قال الحسن إن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيرا لهم ولكن لئلا تقنطوا من رحمته يعني الحسن أن الحجة للأنبياء ألزم فإذا قبل التوبة منهم كان إلى قولها منكم أسرع وروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من أحد يلقى الله تعالى إلا وقد هم بخطيئة أو عملها إلى يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها \r\n قوله تعالى لولا أن رأى برهان ربه جواب لولا محذوف قال الزجاج المعنى لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به قال ابن الأنباري لزنا فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه \r\n وفي البرهان ستة أقوال \r\n أحدها أنه مثل له يعقوب روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال نودي يا يوسف أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم ","part":4,"page":207},{"id":1728,"text":" يستطع فلم يعط على النداء شيئا فنودي الثانية فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب فضرب صدره فقام فخرجت شهوته من أنامله وروى الضحاك عن ابن عباس قال رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله فأدبر هاربا وقال وحقك يا أبت لا أعود أبدا وقال أبو صالح عن ابن عباس رأى مثال يعقوب في الحائط عاضا على شفتيه وقال الحسن مثل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا على إبهامه أو بعض أصابعه وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن سيرين والضحاك في آخرين وقال عكرمة كل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا فنقص بتلك الشهوة ولدا \r\n والثاني أنه جبريل عليه السلام روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال مثل له يعقوب فلم يزدجر فنودي أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه فلم يزدجر حتى ركضه جبريل في ظهره فوثب \r\n والثالث أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب فقال لها يوسف أي شيء تصنعين قالت استحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة فقال أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فهو البرهان الذي رأى قاله علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين والضحاك \r\n والرابع أن الله بعث إليه ملكا فكتب في وجه المرأة بالدم ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا قاله الضحاك عن ابن عباس وروي عن محمد ابن كعب القرظي أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها وفي رواية أخرى عنه ","part":4,"page":208},{"id":1729,"text":" أنه رآهامكتوبة في الحائط وروى مجاهد عن ابن عباس قال بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم وفيها مكتوب ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا الاسراء 32 فقام هاربا وقامت فلما ذهب عنها الرعب عادت وعاد فلما قعد إذا بكف قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله البقرة 281 فقام هاربا فلما عاد قال الله تعالى لجبرئيل أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء وقال وهب بن منبه ظهرت تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت فانصرفا فلما عادا رجعت وعليها مكتوب وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين الأنفطار 11 12 فانصرفا فلما عادا عادت وعليها مكتوب ولا تقربوا الزنا الآية فعاد فعادت الرابعة وعليها مكتوب واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فولى يوسف هاربا \r\n الخامس أنه سيده العزيز دنا من الباب رواه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وقال ابن إسحاق يقال إن البرهان خيال سيده رآه عند الباب فهرب \r\n والسادس أن البرهان أنه علم ما أحل الله مما حرم الله فرأى تحريم الزنا روي عن محمد بن كعب القرظي قال ابن قتيبة رأى حجة الله عليه وهي البرهان وهذا هو القول الصحيح وما تقدمه فليس بشيء وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص وقد أشرت إلى فسادها في كتاب المغني في التفسير ","part":4,"page":209},{"id":1730,"text":" وكيف يظن بنبي لله كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مصر هذا غاية القبح \r\n قوله تعالى كذلك أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء وهوخيانة صاحبه والفحشاء ركوب الفاحشة إنه من عبادنا المخلصين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام والمعنى إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أرادوا من الذين أخلصهم الله من الأسواء والفواحش وبعض المفسرين يقول السوء الزنى والفحشاء المعاصي واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين \r\n قوله تعالى واستبقا الباب يعني يوسف والمرأة تبادرا إلى الباب يجتهد ","part":4,"page":210},{"id":1731,"text":" كل واحد منهما أن يسبق صاحبه وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ويخرج وأرادت هي إن سبقت إمساك الباب لئلا يخرج فأدركته فتعلقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها فقدت قميصه من دبر أي قطعته من خلفه لأنه كان هو الهارب وهي الطالبة له قال المفسرون قطعت قميصه نصفين فلما خرجا ألفيا سيدها أي صادفا زوجها عند الباب فحضرها في ذلك الوقت كيد فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر ما جزاء من أراد بأهلك سوءا قال ابن عباس تريد الزني إلا أن يسجن أي ما جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم تعني الضرب السياط فغضب يوسف حينئذ وقال هي راودتني وقال وهب ابن منبه قال له العزيز حينئذ اخنتني يا يوسف في أهلي وغدرت بي وغررتني بما كنت أرى من صلاحك فقال حينئذ هي راودتني عن نفسي \r\n قوله تعالى وشهد شاهد من أهلها وذلك أنه لما تعارض قولاهما احتاجا إلى شاهد يعل به قول الصادق \r\n وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان صبيا في المهد رواه عكرمة عن ابن عباس وشهر بن حوشب عن أبي هريرة وبه قال سعيد بن جبير والضحاك وهلال بن يساف في آخرين \r\n والثاني أنه كان من خاصة الملك رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس وقال أبو صالح عن ابن عباس كان ابن عم لها وكان رجلا حكيما فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة وهو كاذب وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة وقال بعضهم كان ابن خالة المرأة ","part":4,"page":211},{"id":1732,"text":" والثالث أنه شق القميص رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وفيه ضعف لقوله من أهلها \r\n فإن قيل كيف وقعت شهادة الشاهد هاهنا معلقة بشرط والشارط غير عالم بما يشرطه \r\n فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهما أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا فعلم غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة العقل والتمييز فكأنه قال هو الصادق عندي فإن تدبر تم ما اشترطه لكم عقلتم قولي ومثل هذا قول الحكماء إن كان القدر حقا فالحرص باطل وإن كان الموت يقينا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق \r\n والجواب الثاني أن الشاهد لم يقطع بالقول ولم يعلم حقيقة ما جرى وإنما قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي فكان معنى قوله وشهد شاهد أعلم وبين فقال الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل فإن قلنا إنه صبي في المهد كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك فلما رآ قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم \r\n قوله تعالى فلما رأى قميصه في هذا الرائي والقائل إنه من كيدكن قولان \r\n أحدهما أنه الزوج والثاني الشاهد \r\n وفي هاء الكناية في قوله إنه من كيدكن ثلاثة أقوال ","part":4,"page":212},{"id":1733,"text":" أحدها أنها ترجع إلى تمزيق القميص قاله مقاتل \r\n والثاني إلى قولها ما جزاء من أراد بأهلك سوءا فالمعنى قولك هذا من كيدكن قاله الزجاج \r\n والثالث إلى السوء الذي دعته إليه ذكره الماوردي قال ابن عباس إن كيدكن أي عملكن عظيم تخلطن البريء والسقيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتيها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنريها في ضلال مبين \r\n قوله تعالى يوسف أعرض عن هذا المعنى يا يوسف أعرض \r\n وفي القائل له هذا قولان \r\n أحدهما أنه ابن عمها وهو الشاهد قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الزوج ذكره جماعة من المفسرين قال ابن عباس أعرض عن هذا الأمر فلا تذكره لأحد واكتمه عليها وروى الحلبي عن عبد الوراث يوسف أعرض عن هذا بفتح الراء على الخبر \r\n قوله تعالى واستغفري لذنبك فيه قولان \r\n أحدهما استعفي زوجك لئلا يعاقبك قاله ابن عباس \r\n والثاني توبي من ذنبك فإنك قد أثمت \r\n وفي القائل لهذا قولان أحدهما ابن عمها والثاني الزوج \r\n قوله تعالى إنك كنت من الخاطئين يعني من المذنبين قال المفسرون ثم شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء وهو قوله وقال نسوة في المدينة وفي عددهن قولان ","part":4,"page":213},{"id":1734,"text":" أحدهما أنهن كن أربعا امرأة ساقي الملك وامرأة صاحب دوانه وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهن خمس امرأة الخباز وامرأة الساقي وامرأة السجان وامرأة صاحب الدواة وامرأة الآذن قاله مقاتل \r\n فأما العزيز فهو بلغتهم الملك والفتى بمعنى العبد قال الزجاج كانوا يسمون المملوك فتى وإنما تكلم النسوة في حقها طعنا فيها وتحقيقا لبراءة يوسف \r\n قوله تعالى قد شغفها حبا أي بلغ حبه شغاف قلبها \r\n وفي الشغاف أربعة أقوال \r\n أحدها أنه جلدة بين القلب الفؤاد رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه غلاف القلب قاله أبو عبيدة قال ابن قتيبة ولم يرد الغلاف إنما أراد القلب يقال شغفت فلانا إذا أصبت شغافه كما يقال كبدته إذا أصبت كبده وبطنته إذا أصبت بطنه \r\n والثالث أنه حبة القلب وسويداؤه \r\n والرابع أنه داء يكون في الجوف في الشراسيف وأنشدوا ... وقد حال هم دون ذلك داخل ... دخول الشغاف تبتغيه الأصابع ... \r\n ذكر القولين الزجاج وقال الأصمعي الشغاف عند العرب داء يكون تحت الشراسيف في الجانب الأيمن من البطن والشراسيف مقاط رؤوس الأضلاع ","part":4,"page":214},{"id":1735,"text":" واحدها شرسوف \r\n وقرأ عبد الله بن عمرو وعلي بن الحسين والحسن البصري ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة قد شعفها بالعين قال الفراء كأنه ذهب بها كل مذهب والشعف رؤوس الجبال \r\n قوله تعالى إنا لنراها في ضلال مبين أي عن طريق الرشد لحبها إياه والمبين الظاهر فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين \r\n قوله تعالى فلماسمعت يعني امرأة العزيز بمكرهن وفيه قولان \r\n أحدهما أنه قولهن وعيبهن لها قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن قتيبة قال الزجاج وإنما سمي هذا القول مكرا لأنها كانت أطلعتهن على أمرها واستكتمتهن فمكرن وأفشين سرها \r\n والثاني أنه مكر حقيقة وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف قاله ابن إسحاق \r\n قوله تعالى وأعتدت قال الزجاج أفعلت من العتاد وكل ما اتخذته عدة لشيء فهو عتاد والعتاد الشيء الثابت اللازم وقال ابن قتيبة أعتدت بمعنى أعدت فأما المتكأ ففيه ثلاثة اقوال ","part":4,"page":215},{"id":1736,"text":" أحدها أنه المجلس فالمعنى هيأت لهن مجلسا قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال الزجاج المتكأ ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث \r\n والثالث أنه الطعام قاله الحسن ومجاهد وقتادة قال ابن قتيبة يقال اتكأنا عند فلان إذا طعمنا قال جميل بن معمر ... فظللنا في نعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله ... \r\n والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة فسمي الطعام متكأ على الاستعارة قال الأزهري إنما قيل للطعام متكأ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا ونهيت هذه الأمة عن ذلك وقرأ مجاهد متكا باسكان التاء خفيفة وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الأترج قاله ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر في آخرين ومنه قول الشاعر ... نشرب الإثم بالصواع جهارا ... وترى المتك بيننا مستعارا ... \r\n يريد الأترج \r\n والثاني أنه الطعام أيضا قاله عكرمة الثالث أنه كل شيء يحز بالسكاكين قاله الضحاك والرابع أنه الزماورد روي عن الضحاك أيضا وقد ","part":4,"page":216},{"id":1737,"text":" روي عن جماعة أنهم فسروا المتكأ بما فسروا به المتك فروي عن ابن جريج أنه قال المتكأ الأترج وكل ما يحز بالسكاكين وعن الضحاك قال المتكأ كل ما يحز السكاكين وفرق آخرون بين القراءتين فقال مجاهد من قرأ متكأ بالتثقيل فهو الطعام ومن قرأ بالتخفيف فهو الأترج قال ابن قتيبة من قرأ متكا فإنه يريد الأترج ويقال الزماورد وأيا ما كان فإني لا أحسبه سمي متكا إلا بالقطع كأنه مأخوذ من البتك فأبدلت الميم منه باء كما يقال سمد رأسه وسبده إذا استأصله وشر لازم ولازب والميم تبدل من الباء كثيرا لقرب مخرجيهما \r\n قوله تعالى وآتت كل واحدة منهم سكينا إنما فعلت ذلك لأن الطعام الذي قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين وقيل كان مقصودها افتضاحهن بتقطيع أيديهن كما فضحنها قال وهب بن منبه ناولت كل واحدة منهن أترجة وسكينا وقالت لهن لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن ثم قالت ليوسف اخرج عليهن قال الزجاج إن شئت ضممت التاء من قوله وقالت وإن شئت كسرت والكسر الأصل لسكون التاء والخاء ومن ضم التاء فلثقل الضمة بعد الكسرة ولم يمكنه أن لا يخرج لأنه بمنزلة العبد لها وذكر بعض أهل العلم أنها إنما قالت اخرج وأضمرت في نفسها عليهن فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به ومثله إنما نطعمكم لوجه الله الآية الانسان 9 لم يقولوا ذلك إنما أضمروه ويدل على صحة هذا أنها لو قالت له وهو شاب مستحسن اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة ما فعل \r\n وفي قوله أكبرنه قولان ","part":4,"page":217},{"id":1738,"text":" أحدهما أعظمنه رواه أبو صالح عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال قتادة وابن زيد \r\n والثاني حضن رواه الضحاك عن ابن عباس وروى علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه قال حضن من الفرح قال وفي ذلك يقول الشاعر ... تأني النساء لدى أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا ... \r\n وقد روى هذا المعنى ليث عن مجاهد واختاره ابن الأنباري ورده بعض اللغويين فروي عن أبي عبيدة أنه قال ليس في كلام العرب أكبرن بمعنى حضن ولكن عسى أن يكن من شدة ما أعظمنه حضن وكذلك روي عن الزجاج أنه أنكره \r\n قوله تعالى وقطعن أيديهن فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها حززن أيديهن وكن يحسبن أنهن يقطعن طعاما قاله ابن عباس وابن زيد \r\n والثاني قطعن أيديهن حتى ألقينها قاله مجاهد وقتادة \r\n والثالث كلمن الأكف وابن الأنامل قاله وهب بن منبه \r\n قوله تعالى وقلن حاشا لله قرأ أبو عمرو حاشا بألف في الوصل في الموضعين واتفقوا عن حذف الألف في الوقف وأبو عمرو جاء به على التمام والأصل والباقون حذفوا وهذه الكلمة تستعمل في موضعين أحدهما الاستثناء والثاني التبرئة من الشر والأصل حاشا وهي مشتقة من قولك كنت في حشا فلان أي في ناحيته والحشا الناحية وأنشدوا ... بأي الحشا أمسى الخليط المباين ","part":4,"page":218},{"id":1739,"text":" أي بأي النواحي والمعنى صار يوسف في حشا من أن يكون بشرا لفرط جماله وقيل صار في حشا مما قرفته به امرأة العزيز وقال ابن عباس ومجاهد حاش لله بمعنى معاذ الله قال الفراء و بشرا منصوب لأن الباء قد استعملت فيه فلا يكاد اهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه فنصبوا على ذلك وكذلك قوله ماهن أمهاتهم المجادلة 2 وأما أهل نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء فإذا أسقطوها رفعوا وهو أقوى الوجهين في العربية قال الزجاج قوله الرفع أقوى الوجيهن غلط لأن كتاب الله أقوى اللغات ولم يقرأ بالرفع أحد وزعم الخليل وسيبويه وجميع النحويين القدماء أن بشرا منصوب لأنه خبر ما و ما بمنزلة ليس قلت وقد قرأ أبو المتوكل وابو نهيك و عكرمة ومعاذ القارئ في آخرين ما هذا بشر بالرفع وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وأبو السوار ما هذا بشرى بكسر الباء والشين مقصورا منونا قال الفراء أي ما هذا بمشترى وقرأ ابن مسعود بشراء بالمد والهمز مخفوضا منونا \r\n قوله تعالى إن هذا إلا ملك قرأ أبي وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة والجحدري ملك بكسر اللام \r\n قوله تعالى فذلكن الذي لمتنني فيه قال المفسرون لما ذهبت عقولهن فقطعن أيديهن قالت لهن ذلك \r\n فإن قيل كيف أشارت إليه وهو حاضر بقولها فذلكن فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهما أنها أشارت ب ذلكن إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس \r\n والثاني أن في الكلام إضمار هذا تقديره فهذا ذلكن ومعنى ","part":4,"page":219},{"id":1740,"text":" لمتنني فيه أي في حبه ثم أقرت عندهن فقالت ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي امتنع \r\n قوله تعالى وليكونن من الصاغرين قال الزجاج القراءة الجيدة تخفيف وليكونن والوقوف عليها بالألف لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف تقول اضربن زيدا وإذا وقفت قلت اضربا وقد قرئت وليكونن بتشديد النون وأكرهها لخلاف المصحف لأن الشديدة لا يبدل منها شيء والصاغرون المذلون قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم \r\n قوله تعالى قال رب السجن أحب إلي قال وهب بن منبه لما قالت فذلكن الذي لمتنني فيه قلن لا لوم عليك قالت فاطلبن إلى يوسف أن يسعفني بحاجتي فقلن يا يوسف افعل فقالت لئن لم يفعل لأخلدنه السجن فعند ذلك قال رب السجن أحب إلي وقرأ يعقوب السجن بفتح السين هاهنا فحسب قال الزجاج من كسر سين السجن فعلى اسم المكان فيكون المعنى نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية ومن فتح فعلى المصدر المعنى أن أسجن أحب إلي وإلا تصرف عني كيدهن أي إلا تعصمني أصب إليهن أي أمل إليهن يقال صبا إلى اللهو يصبو صبوا وصبوا وصباء إذا مال وقال ابن الأنباري ومعنى هذا الكلام اللهم اصرف عني كيدهن ولذلك قال فاستجاب له ربه \r\n قال فإن قيل إنما كادته امرأة العزيز وحدها فكيف قال كيدهن ","part":4,"page":220},{"id":1741,"text":" فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقول قائلهم خرجت إلى البصرة في السفن وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة \r\n والثاني أن المكني عنه امرأة العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على أمرها \r\n والثالث أنه عنى امرأة العزيز وغيرها من نساء العالمين اللاتي لهن مثل كيدها ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين \r\n قوله تعالى ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات في المراد بالآيات ثلاثة أقوال أحدها أنها شق القميص وقضاء ابن عمها عليها رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها قد القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي وإعظام النار إياه رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والثالث جماله وعفته ذكره الماوردي قال وهب بن منبه فأشار النسوة عليها بسحنه رجاء أن يستهوينه حين يخلو لهن في السجن وقلن متى سجنتيه قطع ذلك عنك قالة الناس التي قد شاعت ورأوا أنك تبغضينه ويذله السجن لك فلما انصرفن عادت إلى مراودته فلم يزدد إلا بعدا عنها فلما يئست قالت لسيدها إن هذا العبد قد فضحني وقد أبغضت رؤيته فائذن لي في سجنه فأذن لها فسجنته وأضرت به وقال السدي قالت إما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري وإما أن تحبسه كما حبستني فظهر للعزيز واصحابه من الرأي حبس يوسف قال الزجاج كان العزيز أمر بالإعراض فقط ثم تغير رأيه عن ذلك قال ابن الأنباري وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما ثم بدا لهم أي ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه ","part":4,"page":221},{"id":1742,"text":" والثاني ثم بدا لهم في يوسف بدء فقالوا والله لنسجننه فاللام جواب يمين مضمرة فأما الحين فهو يقع على قصير الزمان وطويله \r\n وفي المراد به هاهنا للمفسرين خمسة أقوال \r\n أحدها خمس سنين رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني سنة روي عن ابن عباس أيضا والثالث سبع سنين قاله عكرمة والرابع إلى انقطاع القالة قاله عطاء والخامس أنه زمان غير محدود ذكره الماوردي وهذا هو الصحيح لأنهم لم يعزموا على حبسه مدة معلومة وإنما ذكر المفسرون قدر مالبث ودخل معه السجن فتيان قال أحدها إني أريني أعصر خمرا وقال الآخر إني أريني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنانريك من المحسنين \r\n قوله تعالى ودخل معه السجن فتيان قال الزجاج فيه دليل على أنه حبس وإن لم يذكر ذلك و فتيان جائز أن يكونا حدثين أو شيخين لأنهم يسمون المملوك فتى قال ابن الأنباري إنما قال فتيان لأهما كانا مملوكين والعرب تسمي الملموك فتى شابا كان أو شيخا قال المفسرون عمر ملك مصر فملوه فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه فبلغه ذلك فحبسهما فكان يوسف قال لأهل السجن إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتين هلم فلنجرب هذا العبد العبراني \r\n واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة أم لا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها كانت كذبا وإنما سألاه تجريبا قاله ابن مسعود والسدي ","part":4,"page":222},{"id":1743,"text":" والثاني أنها كانت صدقا قاله مجاهد وابن إسحاق والثالث أن الذي صلب منهما كان كاذبا وكان الآخر صادقا قاله أبو مجلز \r\n قوله تعالى قال أحدهما يعني الساقي إني أراني أي في النوم أعصر خمرا أي عنبا وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه سماه باسم ما يؤول إليه لأن المعنى لا يلتبس كما يقال فلان يطبخ الآجر ويعمل الدبس وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر وهذا قول أكثر المفسرين قال ابن الأنباري وإنما كان كذلك لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل كقولهم فلان يطبخ آجرا \r\n والثاني أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب قاله الضحاك والزجاج قال ابن القاسم وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها والثالث أن المعنى أعصر عنب خمر وأصل خمر وسبب خمر فحذف المضاف وخلفه المضاف إليه كقوله واسأل القرية يوسف 82 قال أبو صالح عن عن ابن عباس رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين فقال ما شأنكما قالا رأينا رؤيا قال قصاها علي قال الساقي إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ثلاثة عناقيد عنب فعصرتهن في الكأس ثم أتيت به الملك فشربه وقال الخباز رايت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز فوقع طير على أعلاهن فأكل منها نبئنا بتأويله أي أخبرنا بتفسيره وفي قوله إنا نراك من المحسنين خمسة أقوال \r\n أحدها أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والثاني إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله قاله ابن إسحاق ","part":4,"page":223},{"id":1744,"text":" والثالث إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم قاله الفراء قال ابن الأنباري فعلى هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا كما حذف في قوله وفيه يعصرون يوسف 49 يعني العنب والسمسم وإنما علموا أنه عالم لنشره العلم بينهم \r\n والرابع إنا نراك ممن يحسن التأويل ذكره الزجاج \r\n والخامس إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك طاعة الله ذكره ابن الأنباري قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار \r\n قوله تعالى قال لا يأتيكما طعام ترزقانه في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا أخبرتكما به قبل أن يصل إليكما لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام وهو قول الحسن \r\n والثاني لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في اليقظة هذا قول السدي قال ابن عباس فقالا له وكيف تعلم ذلك ولست بساحر ولا عراف ولا صاحب نجوم فقال ذلكما مما علمني ربي \r\n فإن قيل هذا كله ليس بجواب سؤالهما فأين جواب سؤالهما فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أنه لما علم أن أحدهما مقتول دعاهما إلى نصيبهما من الآخرة قاله قتادة ","part":4,"page":224},{"id":1745,"text":" والثاني أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما قاله ابن جريج \r\n والثالث أنه ابتدأ بدعائهما إلى الإيمان قبل جواب السؤال قاله الزجاج \r\n والرابع أنه ظنهما كاذبين في رؤياهما فعدل عن جوابهما ليعرضا عن مطالبته بالجواب فلما ألحا أجابهما ذكره ابن الأنباري فأما الملة فهي الدين وتكرير قوله هم للتوكيد \r\n قوله تعالى ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء قال ابن عباس يريد أن الله عصمنا من الشرك ذلك من فضل الله علينا أي اتباعنا الإيمان بتوفيق الله وعلى الناس يعني المؤمنين بأن دلهم على دينه وقال ابن عباس ذلك من فضل الله عينا أن جعلنا أنبياء وعلى الناس أن بعثنا إليهم ولكن أكثر الناس من أهل مصر لا يشكرون نعم الله فيوحدونه \r\n قوله تعالى أأرباب متفرقون يعني الأصنام من صغير وكبير خير أي أعظم صفة في المدح أم الله الواحد القهار يعني أنه أحق بالإلهية من الأصنام فأما الواحد فقال الخطابي هو الفرد الذي لم يزل وحده وقيل هوالمنقطع القرين المعدوم الشريك والنظير وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة فإن كل شيء سواه يدعى واحدا من جهة غير واحد من جهات والواحد لا يثنى من لفظه لايقال واحدان والقهار الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة وقهر الخلق كلهم بالموت وقال غيره القهار الذي قهر كل شيء فذلله فاستسلم وذل له ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ","part":4,"page":225},{"id":1746,"text":" إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان \r\n قوله تعالى ما تعبدون من دونه إنما جمع في الخطاب لهما لأنه أراد جميع من شاركهما في شركهما وقوله من دونه أي من دون الله إلا أسماء يعني الأرباب والآلهة ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام فكأنها أسماء فارغة فكأنهم يعبدون الأسماء لأنها لا تصح معانيها ما أنزل الله بها من سلطان أي من حجة بعبادتها إن الحكم إلا لله أي ما القضاء والأمر والنهي إلا له ذلك الدين القيم أي المستقيم يشير إلى التوحيد \r\n ولكن أكثر الناس لا يعلمون فيه قولان \r\n أحدهما لا يعلمون أنه لا يجوز عبادة غيره والثاني لا يعلمون ماللمطيعين من الثواب وللعاصين من العقاب \r\n قوله تعالى أما أحدكما فيسقي ربه خمرا الرب هاهنا السيد قال ابن السائب لما قص الساقي رؤياه على يوسف قال له ما أحسن ما رأيت أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك عند انقضائها فيردك إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه وقال للخباز بئس ما رأيت السلال الثلاث ثلاثة ايام ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك فقالا ما رأينا شيئا فقال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان أي فرغ منه وسبقع بكما صدقتما أو كذبتما \r\n فإن قيل لم حتم على وقوع التأويل وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب فعنه جوابان ","part":4,"page":226},{"id":1747,"text":" أحدهما أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا يقع تأويله فلما قال قضي الأمر دل على أنه بوحي \r\n والثاني أنه لم يحتم بدليل قوله وقال للذي ظن أنه ناج منهما قال أصحاب هذا الجواب معنى قضي الأمر قطع الجواب الذي التمستماه من جهتي ولم يعن أن الأمر واقع بكما وقال أصحاب الجواب الأول الظن هاهنا بمعنى العلم وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنسيه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين \r\n قوله تعالى وقال للذي ظن أنه ناج منهما يعني الساقي \r\n وفي هذا الظن قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى العلم قاله ابن عباس والثاني أنه الظن الذي يخالف اليقين قاله قتادة \r\n قوله تعالى اذكرني عند ربك أي عند صاحبك وهو الملك وقل له إن في السجن غلاما حبس ظلما واسم الملك الوليد بن الريان \r\n قوله تعالى فأنساه الشيطان ذكر ربه فيه قولان \r\n أحدهما فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال ابن إسحاق \r\n والثاني فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه وأمره بذكر الملك ابتغاء الفرج من عنده قاله مجاهد ومقاتل والزجاج وهذا نسيان عمد لا نسيان سهو وعكسه القول الذي قبله ","part":4,"page":227},{"id":1748,"text":" قوله تعالى فلبث في السجن بضع سنين أي غير ما كان قد لبث قبل ذلك عقوبة له على تعلقه بمخلوق \r\n وفي البضع تسعة أقوال \r\n أحدها ما بين السبع والتسع روى ابن عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشا عند نزول آلم غلبت الروم الروم 12 قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا احتطت فإن البضع ما بين السبع إلى التسع والثاني اثنتا عشرة سنة قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث سبع سنين قاله عكرمة والرابع أنه ما بين الخمس إلى السبع قاله الحسن والخامس أنه ما بين الأربع إلى التسع قاله مجاهد والسادس ما بين الثلاث والتسع والعشر قاله قتادة والثامن أنه ما دون العشرة قاله الفراء وقال الأخفش البضع من واحد إلى عشرة والتاسع أنه مالم يبلغ العقد ولا نصفه قاله أبو عبيدة قال ابن قتيبة يعني ما بين الواحد إلى الأربعة وروى الأثرم عن أبي عبيدة البضع ما بين ثلاث وخمس \r\n وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال \r\n أحدها اثنتا عشرةسنة قاله ابن عباس والثاني أربع عشرة قاله الضحاك والثالث سبع سنين قاله قتادة قال مالك بن دينار لما قال يوسف ","part":4,"page":228},{"id":1749,"text":" للساقي اذكرني عند ربك قيل له يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك فبكى وقال يارب أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة فويل لإخوتي وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات يا أيها الملأ افتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون \r\n قوله تعالى وقال الملك يعني ملك مصر الأكبر إني أرى يعني في المنام ولم يقل رايت وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل أرى بمعنى رأيت قال وهب بن منبه لما انقضت المدة التي وقتها الله تعالى ليوسف في حبسه دخل عليه جبريل إلى السجن فبشره بالخروج وملك مصر ولقاء أبيه فلما أمسى الملك من ليلتئذ رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر في آثارهن سبع عجاف فأقبلت العجاف على السمان فأخذن بأذنابهن فأكلنهن إلى القرنين ولم يزد في العجاف شيء ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن ولم يزدد في اليابسات شيء فدعا أشراف قومه فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام قال الزجاج والعجاف التي قد بلغت في الهزال الغاية والملأ الذين يرجع إليهم في الأمور ويقتدى برأيهم واللام في قوله للرؤيا دخلت على المفعول للتبيين المعنى إن كنتم تعبرون ثم يبن باللام فقال للرؤيا ومعنى عبرت الرؤيا وعبرتها أخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها واشتقاقه من عبر النهر وهو شاطئ النهر فتأويل عبرت النهر بلغت إلى عبره أي إلى شطه وهو آخر عرضه ","part":4,"page":229},{"id":1750,"text":" وذكر ابن الأنباري في اللام قولين \r\n أحدهما أنها للتوكيد والثاني أنها أفادت معنى إلى والمعنى إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين \r\n قوله تعالى قالوا أضغاث أحلام قال أبو عبيدة واحدها ضغث مكسورة وهي ما لا تأويل له من الرؤيا تراه جماعات تجمع من الرؤيا كما يجمع الحشيش فيقال ضغث أي ملء كف منه وقال الكسائي الأضغاث الرؤيا المختلطة وقال ابن قتيبة أضغاث أحلام أي أخلاط مثل أضغاث النبات يجمعها الرجل فيكون فيها ضروب مختلفة وقال الزجاج الضغث في اللغة الحزمة والباقة من الشيء كالبقل وما أشبهه فقالوا له رؤياك أخلاط أضغاث أي حزم أخلاط ليست برؤيا بينه وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين أي ليس للرؤيا المخلتطة عندنا تأويل وقال غيره وما نحن بتأويل الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين والأحلام جمع حلم وهو ما يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلى قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ","part":4,"page":230},{"id":1751,"text":" قولة تعالي وقال اللذي نجا منهما يعني اللذي تخلص من القتل من الفتيين وهو الساقي وادكر اي تذكر شأن يوسف وما وصاة بة قال الزجاج وأصل ادكر اذتكر ولكن التاء ابدلت منها الدال وأدغمت الذال في الدال وقرأ الحسن واذكر بالذال المشددة وقوله بعد أمة أي بعد حين وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في السجن وقد سبق بيانه وقرأ ابن عابس والحسن بعد امة أراد بعد نسيان \r\n فإن قيل هذا يدل على أن الناسي في قوله فأنساه الشيطان ذكر ربه هو الساقي ولا شك أن من قال إن الناسي يوسف يقول لم ينس الساقي \r\n فالجواب أن من قال إن يوسف نسي يقول معنى قوله وادكر ذكر كما تقول العرب احتلب بمعنى حلب واغتدى بمعنى غدا فلا يدل إذا على نسيان سبقه وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه خوفا من أن يكون ذكره ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس ذكر هذا الجواب ابن الأنباري \r\n قوله تعالى أنا أنبئكم بتأويله أي من جهة يوسف فأرسلون أثبت الياء فيها وفي ولا تقربون يوسف 60 أن تفندون يوسف 94 يعقوب في الحالين فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع تعظيما وقيل خاطبه وخاطب أتباعه وفي الكلام اختصار المعنى فأرسلوه فأتى يوسف فقال يا يوسف يا أيها الصديق والصديق الكثير الصدق كما يقال فسيق وسكير وقد سبق بيانه النساء 69 ","part":4,"page":231},{"id":1752,"text":" قوله تعالى لعلي أرجع إلى الناس يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه وفي قوله لعلهم يعلمون قولان \r\n أحدهما يعلمون تأويل رؤيا الملك والثاني يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك \r\n وذكر ابن الأنباري في تكرير لعلي قولين أحدهما أن لعل الأولى متعلقة بالإفتاء والثانية مبنية على الرجوع وكلتاهما بمعنى كي \r\n والثاني أن الأولى بمعنى عسى والثانية بمعنى كي فأعيدت لاختلاف المعنيين وهذا هو الجواب عن قوله لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون يوسف 63 قال المفسرون كان سيده العزيز قد مات واشتغلت عنه امرأته وقال بعضهم لم يكن العزيز قد مات فقال يوسف للساقي قل للملك هذه سبع سنين مخصبات ومن بعدهن سبع سنين شداد إلا أن يحتال لهن فانطلق الرسول إلى الملك فأخبره فقال له الملك ارجع إليه فقل له كيف يصنع فقال تزرعون سبع سنين دأبا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم دأبا ساكنه الهمزة إلا أن أبا عمرو كان إذا أدرج القراءة لم يهمزها وروى حفص عن عاصم دأبا بفتح الهمزة قال أبو علي الأكثر في دأب الإسكان ولعل الفتح لغة ومعنى دأبا أي زراعة متوالية على عادتكم والمعنى تزرعون دائبين فناب دأب عن دائبين وقال الزجاج المعنى تدأبون دأبا ودل على تدأبون تزرعون والدأب الملازمة للشيء والعادة \r\n فإن قيل كيف حكم بعلم الغيب فقال تزرعون ولم يقل إن شاء الله فعنه أربعة أجوبة ","part":4,"page":232},{"id":1753,"text":" أحدها أنه كان بوحي من الله عز و جل والثاني أنه بنى على علم ما علمه الله من التأويل الحق فلم يشك والثالث أنه أضمر إن شاء الله كما أضمر إخوته في قولهم ونمير أهلنا ونحفظ أخانا يوسف 65 فاضمروا الاستثناء في نياتهم لأنهم على غير ثقة مما وعدوا ذكره ابن الأنباري والرابع أنه كالآمر لهم فكأنه قال ازرعوا \r\n قوله تعالى فذروه في سنبله فإنه أبقى له وأبعد من الفساد والشداد المجدبات التي تشتد على الناس يأكلن أي يذهبن ما قدمتم لهن في السنين المخصبات فوصف السنين بالأكل وإنما يؤكل فيها كما يقال ليل نائم \r\n قوله تعالى إلا قليلا مما تحصنون أي تحرزون وتدخرون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون \r\n قوله تعالى ثم يأتي من بعد ذلك عام إن قيل لم أشار إلى السنين وهي مؤنثة ب ذلك \r\n فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم \r\n أحدهما أن السبع مؤنثه ولا علامة للتأنيث في لفظها فأشبهت المذكر كقوله السماء منفطر به المزمل 18 فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم التأنيث قال الشاعر ... فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها ... \r\n فذكر أبقل لما وصفنا ","part":4,"page":233},{"id":1754,"text":" والثاني أن ذلك إشارة إلى الجدب وهذا قول مقاتل والأول قول الكلبي قال قتادة زاده الله علم عام لم يسألوه عنه \r\n قوله تعالى فيه يغاث الناس فيه قولان \r\n أحدهما يصيبهم الغيث قاله ابن عباس والثاني يغاثون بالخصب ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وفيه يعصرون قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وعاصم يعصرون بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء فوجها الخطاب إلى المستفتين \r\n وفي قوله يعصرون خمسة أقوال \r\n أحدها يعصرون العنب والزيت والثمرات رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والجمهور \r\n والثاني يعصرون بمعنى يحتلبون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عيد قال تفسير يعصرون يحتلبون الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم واحتج بقول الشاعر ... فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهم ... طعام ولا در من المال يعصر ... \r\n أي يحلب \r\n والثالث ينجون وهو من العصر والعصر النجاء والعصرة المنجاة ويقال فلان في عصرة إذا كان في حصن لا يقدر عليه قال الشاعر ","part":4,"page":234},{"id":1755,"text":" صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود ... \r\n أي غياثا للمغلوب المقهور وقال عدي ... لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري ... \r\n والرابع يصيبون ما يحبون روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال المعتصر الذي يصيب الشيء ويأخذه ومنه هذه الآية ومنه قول ابن أحمر \r\n فإنما العيش بريانه ... وأنت من أفنانه معتصر ... \r\n والخامس يعطون ويفضلون لسعة عيشهم رواه ابن الأنباري عن بعض أهل الغة وقرأ سعيد بن جبير يعصرون بضم الياء وفتح الصاد وقال الزجاج أراد يمطرون من قوله وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا النبأ 14 وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الئن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصاداقين ","part":4,"page":235},{"id":1756,"text":" قوله تعالى وقال الملك ائتوني به قال المفسرون لما رجع الساقي إلى الملك وأخبره بتأويل رؤياه وقع في نفسه صحة ما قال فقال ائتوني بالذي عبر رؤياي فجاءه الرسول فقال أجب الملك فأبى أن يخرج حتى تبين براءته مما قرف به فقال ارجع إلى ربك يعني الملك فاسأله ما بال النسوة وقرأ ابن أبي عبلة النسوة بضم النون والمعنى فاسأل الملك أن يتعرف ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي وإنما أشفق أن يراه اللمك بعين مشكوك في أمره أو متهم بفاحشة وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده وظاهر قوله إن ربي بكيدكن عليم أنه يعني الله تعالى وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد به سيده العزيز والمعنى أنه يعلم براءتي وقد روي عن نبينا صلى الله عليه و سلم أنه استحسن حزم يوسف وصبره عن التسرع إلى الخروج فقال صلى الله عليه و سلم إن الكريم بن الكريم بن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبت \r\n وفي ذكره للنسوة دون امرأة العزيز أربعة أقوال \r\n أحدها أنه خلطها بالنسوة لحسن عشرة فيه وأدب قاله الزجاج والثاني لأنها زوجة ملك فصانها والثالث لأن النسوة شاهدات عليها له والرابع لأن في ذكره لها نوع تهمة ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي قال المفسرون فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف فدعا الملك النسوة وفيهن ","part":4,"page":236},{"id":1757,"text":" امرأة العزيز فقال ما خطبكن أي ما شأنكن وقصتكن إذ راودتن يوسف \r\n فإن قيل إنما راودته واحدة فلم جمعن فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة والثاني أن أزليخا راودته على نفسه وراوده باقي النسوة على القبول منها والثالث أنه جمعهن في الخطاب والمعنى لواحدة منهن لأنه قد يوقع على النوع وصف الحبس إذا أمن من اللبس يدل عليه قول النبي صلى الله عليه و سلم للنساء إنكن أكثر أهل النار فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى قلن حاش لله قال الزجاج قرأ الحسن بتسكين الشين ولا اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز لأن الجمع بين ساكنين لا يجوز ولا هو من كلام العرب فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء فقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أي برزوتبين واشتقاقه في اللغة من الحصة أي بانت حصة الحق وجهته من حصة جهة الباطل وقال ابن القاسم ","part":4,"page":237},{"id":1758,"text":" حصحص بمعنى وضح وانكشف تقول العرب حصحص البعير في بروكة إذا تمكن وأثر في الأرض وفرق الحصى \r\n وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان \r\n أحدهما أنها لما رأت النسوة قد برأنه قالت لم يبق إلا أن يقبلن على بالتقرير فأقرت قاله الفراء \r\n والثاني أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف قاله الماوردي ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين \r\n قوله تعالى ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال مقاتل ذلك بمعنى هذا وقال ابن الأنباري قال اللغويون هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه لقرب الخبر من أصحابه فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا ولما كان متقضيا أمكن أن يشار إليه بذلك لأن المقتضي كالغائب \r\n واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوسف وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئا ثم تصله بالحكاية عن آخر ونظير هذا قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم الأعراف 110 هذا قول الملأ فماذا تأمرون قول فرعون ومثله وجعلوا أعزة أهلها أذلة النمل 34 هذا قول بلقيس وكذلك يفعلون قول الله تعالى ومثله من بعثنا من مرقدنا بيس 52 هذا قول الكفار فقالت الملائكة هذا ما وعد الرحمن وإنما يجوز مثل هذا في الكلام لظهور الدلالة على المعنى ","part":4,"page":238},{"id":1759,"text":" واختلفوا أين قال يوسف هذا على قولين \r\n أحدهما أنه لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة للملك قال حينئذ ذلك ليعلم رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال ابن جريج \r\n والثاني أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك رواه عطاء عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ذلك ليعلم أي ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك ليعلم \r\n واختلفوا في المشار إليه بقوله ليعلم وقوله لم أخنه على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه العزيز والمعنى ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته بالغيب أي إذا غاب عني رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والجمهور \r\n والثاني أن المشار إليه بقوله ليعلم الملك والمشار إليه بقوله لم أخنه العزيز والمعنى ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أن المشار إليه بالشيئين الملك فالمعنى ليعلم الملك أني لم أخنه يعني الملك أيضا بالغيب \r\n وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان \r\n أحدهما لكون العزيز وزيره فالمعنى لم أخنه في امرأة وزيره قاله ابن الأنباري \r\n والثاني لم أخنه في بنت أخته وكانت أزليخا بنت أخت الملك قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":4,"page":239},{"id":1760,"text":" والرابع أن المشار إليه بقوله ليعلم الله فالمعنى ليعلم الله أني لم أخنه روي عن مجاهد قال ابن الأنباري نسب العلم إلى الله في الظاهر وهو في المعنى للمخلوقين كقوله حتى نعلم المجاهدين منكم محمد 31 \r\n فإن قيل إن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك فكيف قال ليعلم ولم يقل لتعلم وهو يخاطبه \r\n فالجواب أنا إن قلنا إنه كان حاضرا عند الملك فإنما آثر الخطاب بالياء توقيرا للملك كما يقول الرجل للوزير إن رأى الوزير أن يوقع في قصتي وإن قلنا إنه كان غائبا فلا وجه لدخول التاء وكذلك إن قلنا إنه عني العزيز والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ \r\n والقول الثاني أنه قول امرأة العزيز فعلى هذا يتصل بما قبله والمعنى ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه \r\n والثالث أنه قول العزيز والمعنى ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب فلم أغفل عن مجازاته على أمانته حكى القولين الماوردي \r\n قوله تعالى وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قال ابن عباس لا يصوب عمل الزناة وقال غيره لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ","part":4,"page":240},{"id":1761,"text":" قوله تعالى وما أبرئ في القائل لهذا ثلاثة أقوال وهي التي تقدمت في الآية قبلها \r\n فالذين قالوا هو يوسف اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه لما قال ليعلم أني لم أخنه بالغيب غمزه جبريل فقال ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الأكثرون \r\n والثاني أن يوسف لما قال لم أخنه ذكر أنه قد هم بها فقال وما أبرئ نفسي رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنه لما قال ذلك خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال وما أبرئ نفسي قاله الحسن \r\n والرابع أنه لما قاله قال له الملك الذي معه اذكر ما هممت به فقال وما أبرئ نفسي قاله قتادة \r\n والخامس أنه لما قاله قالت امرأة العزيز ولا يوم حللت سراويلك فقال وما أبرئ نفسي قاله السدي \r\n والذين قالوا هذا قول امرأة العزيز فالمعنى وما أبرئ نفسي أني كنت راودته \r\n والذين قالوا هو العزيز فالمعنى وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف لأنه قد خطر لي \r\n قوله تعالى لأمارة بالسوء قرأ ابن عامر وأهل الكوفة ويعقوب إلا رويسا بالسوء إلا بتحقيق الهمزتين وقرأ أبو عمرو وابن شنبوذ عن قنبل بتحقيق الثانية وحذف الأولى وروى نظيف عن قنبل بتحقيق الأولى وقلب الثانية ياء وقرأ أبو جعفر وورش ورويس بتحقيق الأولى وتليين الثانية ","part":4,"page":241},{"id":1762,"text":" بين بين مثل السوء علا وروى ابن فليح بتحقيق الثانية وقلب الأولى واوا وأدغمها في الواو التي قبلها فتصير واوا مكسورة مشددة قبل همزة إلا \r\n قوله تعالى إلا ما رحم ربي قال ابن الأنباري قال اللغويون هذا استثناء منقطع والمعنى إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد قال أبو صالح عن ابن عباس المعنى إلا من عصم ربي وقيل ما بمعنى من قال الماوردي ومن قال هو قول امرأة العزيز فالمعنى إلا من رحم ربي في قهره لشهوته أو في نزعها عنه ومن قال هو قول العزيز فالمعنى إلا من رحم ربي بأن يكفيه سوء الظن أو يثبته فلا يعجل قال ابن الأنباري والقول بأن هذا قول يوسف أصح لوجين \r\n أحدهما لأن العلماء عليه والثاني لأن المرأة كانت عابدة وثن وما تضمنته الآية أليق أن يكون قول يوسف من قول من لا يعرف الله عز و جل وقال المفسرون فلما تبين الملك عذر يوسف وعلم أمانته قال أئتوني به أستخلصه لنفسي أي أجعله خالصا لي لا يشركني فيه أحد \r\n فإن قيل فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب فكيف قال الملك ائتوني به وهو حاضر عنده \r\n فالجواب أن أرباب هذا القول يقولون أمر الملك باحضاره ليقلده الأعمال في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا قال وهب لما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا كان كلما كلمة بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان فعجب الملك وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة فقال إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها فذكرها له قال فما ترى أيها الصديق ","part":4,"page":242},{"id":1763,"text":" قال أرى أن تزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وتجمع الطعام فيأتيك الناس فيمتارون وتجمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد فقال الملك ومن لي بهذا فقال يوسف اجعلني على خزائن الأرض قال ابن عباس ويريد بقوله مكين أمين أي قد مكنتك في ملكي وائتمنتك فيه وقال مقاتل المكين الوجيه والأمين الحافظ \r\n قوله تعالى اجعلني على خزائن الأرض أي خزائن أرضك \r\n وفي المراد بالخزائن قولان \r\n أحدهما خزائن الأموال قاله الضحاك والزجاج \r\n والثاني خزائن الطعام فحسب قاله ابن السائب قال الزجاج وإنما سأل ذلك لأن الأنبياء بعثوا بالعدل فعلم أنه لا أحد أقوم بذلك منه \r\n وفي قوله إني حفيظ عليم ثلاثة أقوال \r\n أحدها حفيظ لما وليتني عليم بالمجاعة متى تكون قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني حفيظ لما استودعتني عليم بهذه السنين قاله الحسن \r\n والثالث حفيظ للحساب عليم بالألسن قاله السدي وذلك أن الناس كانوا يردون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة \r\n واختلفوا هل ولاه الملك يومئذ أم لا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ولاه بعد سنة روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال رحم الله أخي يوسف لو لم يقل أجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه و سلم ","part":4,"page":243},{"id":1764,"text":" قال لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك من وقته قال مجاهد أسلم الملك على يد يوسف وقال أهل السير أقام في بيت الملك سنة فلما انصرمت دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه وأمر له بسرير من ذهب وضرب عليه كلة من إستبرق فجلس على السرير كالقمر ودانت له الملوك ولزم الملك بيته وفوض أمره إليه وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف بامرأة قطفير فلما دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما تريدين فقالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء فغلبتني نفسي فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء فولدت له ابنين إفراييم وميشا واستوسق له ملك مصر \r\n والقول الثاني أنه ملكه بعد سنة ونصف حكاه مقاتل عن ابن عباس \r\n والثالث أنه سلم إليه الأمر من وقته قاله وهب وابن السائب \r\n فإن قيل كيف قال يوسف إني حفيظ عليم ولم يقل إن شاء الله فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه على ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنه أضمر الاستثناء كما أضمروه في قولهم ونمير أهلها \r\n والثالث أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه فلم يحتج هذا إلى الاستثناء لعدم الشك فيه ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري \r\n فإن قيل كيف مدح نفسه بهذا القول ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع ","part":4,"page":244},{"id":1765,"text":" فالجواب أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر وكان مراده به الوصول إلى حق يقيمه وعدل يحيه وجور يبطله كان ذلك جميلا جائزا وقد قال نبينا صلى الله عليه و سلم أنا أكرم ولد آدم على ربه وقال علي بن أبي طالب عليه السلام والله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار وقال ابن مسعود لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته فهذه الأشياء خرجت مخرج الشكر لله وتعريف المستفيد ما عند المفيد ذكر هذا محمد بن القاسم قال القاضي أبو يعلى في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وأنه ليس من المحظور في قوله فلا تزكوا أنفسكم النجم 32 \r\n قوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الكلام محذوف تقديره اجعلني على خزائن الأرض قال قد فعلت فحذف ذلك لأن قوله وكذلك مكنا ليوسف يدل عليه والمعنى ومثل ذلك الإنعام الذي أنعما عليه في دفع المكروه عنه وتخليصه من السجن وتقريبه من قلب اللمك أقدرناه على ما يريد في أرض مصر يتبوأ منها حيث يشاء قال ابن عباس ينزل حيث أراد وقرأ ابن كثير والمفضل حيث نشاء بالنون \r\n قوله تعالى نصيب برحمتنا أي نختص بنعمتنا من النبوة والنجاة من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين يعني المؤمنين يقال إن يوسف باع أهل مصر الطعام بأموالهم وحليهم ومواشيهم وعقارهم وعبيدهم ثم بأولادهم ثم برقابهم ثم قال للملك كيف ترى صنع ربي فقال الملك إنما نحن لك تبع قال ","part":4,"page":245},{"id":1766,"text":" فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أملاكهم وكان يوسف لا يشبع في تلك الأيام ويقول إني أخاف أن أنسى الجائع ولأجر الآخرة خير للذين آمنواوكانوا يتقون \r\n قوله تعالى ولأجر الآخرة خير المعنى ما نعطي يوسف في الآخرة خير مما أعطيناه في الدنيا وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في الصبر وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون \r\n قوله تعالى وجاء إخوة يوسف روى الضحاك عن ابن عباس قال لما فوض الملك إلى يوسف أمر مصر تلطف يوسف للناس ولم يزل يدعوهم إلى الإسلام فآمنوا به وأحبوه فلما أصاب الناس القحط نزل ذلك بأرض كنعان فأرسل يعقوب ولده للميرة وذاع أمر يوسف في الآفاق وانتشر عدله ورحمته ورأفته فقال يعقوب يا بني إنه قد بلغني أن بمصر ملكا صالحا فانطلقوا إليه وأقرئوه مني السلام وانتسبوا له لعله يعرفكم فانطلقوا فدخلوا عليه فعرفهم وأنكروه فال من أين أقبلتم قالوا من أرض كنعان ولنا شيخ يقال له يعقوب وهو يقرئك السلام فبكى وعصر عينيه وقال لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي فقالوا لا والله ولكنا من كنعان أصابنا الجهد فأمرنا أبونا أن نأتيك فقد بلغه عنك خير قال فكم أنتم قالوا أحد عشر أخا وكنا اثنى عشر فأكل أحدنا الذئب قال فمن يعلم صدقكم ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم وروى أبو صالح عن ابن عباس قال لما دخلوا عليه كلموه بالعبرانية فأمر الترجمان فكلمهم ليشبه عليهم فقال الترجمان قل لهم أنتم عيون بعثكم ملككم لتنظروا إلى أهل مصر فتخبرونه فيأتينا بالجنود فقالوا لا ","part":4,"page":246},{"id":1767,"text":" ولكنا قوم لنا أب شيخ كبير وكنا اثنى عشر فهلك منا واحد في الغنم وقد خلفنا عند أبينا أخا له من أمه فقال إن كنتم صادقين فخلفوا عندي بعضكم رهنا وائتوني بأخيكم فحبس عنده شمعون \r\n واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين أحدهما أنه عرفهم برؤيتهم قاله ابن عباس والثاني أنه ما عرفهم حتى تعرفوا إليه قاله الحسن \r\n قوله تعالى وهم له منكرون قال مقاتل لا يعرفونه \r\n وفي علة كونهم لم يعرفوه قولان \r\n أحدهما أنهم جاؤوه مقدرين أنه ملك كافر فلم يتأملوا منه ما يزول به عنهم الشك \r\n والثاني أنهم عاينوا من زيه وحليته ما كان سببا لإنكارهم وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لا بسا ثياب حرير وفي عنقه طوق من ذهب \r\n فإن قيل كيف يخفى من قد أعطي نصف الحسن وكيف يشتبه بغيره \r\n فالجواب أنهم فارقوه طفلا ورأوه كبيرا والأحوال تتغير وما توهموا أنه ينال هذه المرتبة وقال ابن قتيبة معنى كونه أعطي نصف الحسن أن الله جعل للحسن غاية وحدا وجعله لمن شاء من خلقه إما للملائكة أو للحور فجعل ليوسف نصف ذلك الحسن فكأنه كان حسنا مقاربا لتلك الوجوه الحسنة وليس كما يزعم الناس من أنه أعطي هذا الحسن وأعطي الناس كلهم نصف الحسن ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون \r\n قوله تعالى ولما جهزهم بجهازهم يقال جهزت القوم تجهيزا إذا هيأت ","part":4,"page":247},{"id":1768,"text":" لهم ما يصلحهم وجهاز البيت متاعه قال المفسرون حمل لكل رجل منهم بعيرا وقال ألا ترون أني أوفي الكيل أي أتمه ولا أبخسه وأنا خير المنزلين يعني المضيفين وذلك أنه أحسن ضيافتهم ثم أوعدهم على ترك الإتيان بأخيهم فقال فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي وفيه قولان \r\n أحدهما أنه يعني به فيما بعد وهو قول الأكثرين \r\n والثاني أنه منعهم الكيل في الحال قاله وهب بن منبه قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون \r\n قوله تعالى قالوا سنراود عنه أباه أي نطلبه منه والمراودة الاجتهاد في الطلب \r\n وفي قوله وإنا لفاعلون ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المعنى وإنا لجاؤوك به وضامنون لك المجيء به هذا مذهب الكلبي \r\n والثاني أنه توكيد قاله الزجاج فعلى هذا يكون الفعل الذي ضمنوه عائدا إلى المراودة فيصح معنى التوكيد \r\n والثالث وإنما لمديمون المطالبة به لأبينا ومتابعون المشورة عليه بتوجيهه وهذا غير المراودة ذكره ابن الأنباري \r\n فإن قيل كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه وهو يعلم مافي ذلك من إدخال الحزن على أبيه فعنه خمسة أجوبة \r\n أحدها أنه يجوز أن يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة لبلاء يعقوب ليعظم ثوابه وهذا الأظهر ","part":4,"page":248},{"id":1769,"text":" والثاني أنه طلبه لا ليحبسه فلما عرفه قال لا أفارقك يا يوسف قال لا يمكنني حبسك إلا أن أنسبك إلى أمر فظيع قال أفعل ما بدا لك قاله كعب \r\n والثالث أن يكون قصد تنبيه يعقوب بذلك على حال يوسف \r\n والرابع ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه \r\n والخامس ليعجل سرور أخيه باجتماعه به قبل إخوته وكل هذه الأجوبة مدخوله إلا الأول فإنه الصحيح ويدل عليه ما روينا عن وهب بن منبه قال لما جمع الله بين يوسف ويعقوب قال له يعقوب بيني وبينك هذه المسافة القريبة ولم تكتب إلى تعرفني فقال إن جبريل أمرني أن لا أعرفك فقال له سل جبريل فسأله فقال إن الله أمرني بذلك فقال سل ربك فسأله فقال قل ليعقوب خفت عليه الذئب ولم تؤمني وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون \r\n قوله تعالى وقال لفتيته قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم لفتيته وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه قال أبو علي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان في الكثير والمعنى قال لغلمانه اجعلوا بضاعته وهي التي اشتروا بها الطعام في رحالهم والرحل كل شيء يعد للرحيل لعلهم يعرفونها أي ليعرفوها إذا انقلبوا أي رجعوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون أي لكي يرجعوا \r\n وفي مقصوده بذلك خمسة أقوال \r\n أحدها أنه تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في رحالهم قاله أبو صالح عن ابن عباس ","part":4,"page":249},{"id":1770,"text":" والثاني أنه أراد أنهم إذا عرفوها لم يستحلوا إمساكها حتى يردوها قاله الضحاك \r\n والثالث أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإخوته مع حاجتهم إليه فرده عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرما وتفضلا ذكره ابن جرير الطبري وأبو سليمان الدمشقي \r\n والرابع ليعلموا أن طلبه لعودهم لم يكن طمعا في أموالهم ذكره الماوردي \r\n والخامس أنه أراهم كرمه وبره ليكون أدعى إلى عودهم فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له الحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافضا وهو أرحم الراحمين \r\n قوله تعالى فلما رجعوا إلى أبيهم قال المفسرون لما عادوا إلى يعقوب قالوا يا أبانا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته \r\n وفي قوله منع منا الكيل قولان قد تقدما في قوله فلا كيل لكم عندي يوسف 61 \r\n فإن قلنا إنه لم يكل لهم فلفظ منع بين \r\n وإن قلنا إنه خوفهم منع الكيل ففي المعنى قولان \r\n أحدهما حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت كما تقول للرجل دخلت والله النار بما فعلت ","part":4,"page":250},{"id":1771,"text":" والثاني أن المعنى يا أبانا يمنع منا الكيل إن لم ترسله معنا فناب منع عن يمنع كقوله يحسب أن ماله أخلده الهمزة 3 أي يخلده وقوله ونادى أصحاب النار الأعراف 50 وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 أي وإذ يقول ذكرهما ابن الأنباري \r\n قوله تعال فأرسل معنا أخانا نكتل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر نكتل بالنون وقرأ حمزة والكسائي يكتل بالياء والمعنى إن أرسلته معنا اكتلنا وإلا فقد منعنا الكيل قوله تعالى هل آمنكم عليه أي لا آمنكم إلا كأمني على يوسف يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن إذ خانوه فالله خير حفظا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم حفظا والمعنى خير حفظا من حفظكم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم خير حافظا بألف قال أبو علي ونصبه على التمييز دون الحال ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا ","part":4,"page":251},{"id":1772,"text":" حاجة في نفس يعقوب قضيها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون \r\n قوله تعالى ولما فتحوا متاعهم يعني أوعية الطعام وجدوا بضاعتهم التي حملوها ثمنا للطعام ردت قال الزجاج الأصل رددت فأدغمت الدال الأولى في الثانية وبقيت الراء مضمومة ومن قرأ بكسر الراء جعل كسرتها منقولة من الدال كما فعل ذلك في قيل وبيع ليدل على أن أصل الدال ال كسر \r\n قوله تعالى ما نبغي في ما قولان \r\n أحدهما أنها استفهام المعنى أي شيء نبغي وقد ردت بضاعتنا إلينا \r\n والثاني أنها نافية المعنى ما نبغي شيئا أي لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها إليه بل تكفينا هذه في الرجوع إليه وأرادوا بذلك تطييب قلبه ليأذن لهم بالعود وقرأ ابن مسعود وابن يعمر والجحدري وأبو حيوة ما تبغي بالتاء على الخطاب ليعقوب \r\n قوله تعالى ونمير أهلنا أي نجلب لهم الطعام قال ابن قتيبة يقال مار أهله يميرهم ميرا وهو مائر لأهله إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده \r\n قوله تعالى ونحفظ أخانا فيه قولان \r\n أحدهما نحفظ أخانا بنيامين الذي ترسله معنا قاله الأكثرون \r\n والثاني ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذه رهينة عنده قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ونزداد كيل بعير أي وقر بعير يعنون بذلك نصيب أخيهم لأن يوسف كان لا يعطي الواحد أكثر من حمل بعير ","part":4,"page":252},{"id":1773,"text":" قوله تعالى ذلك كيل يسير فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ذلك كيل سريع لا حبس فيه يعنون إذا جاء معنا عجل الملك لنا الكيل قاله مقاتل \r\n والثاني ذلك كيل سهل على الذي نمضي إليه قاله الزجاج \r\n والثالث ذلك الذي جئناك به كيل يسير لا يقنعنا قاله الماوردي \r\n قوله تعالى حتى تؤتون موثقا من الله أي تعطوني عهدا أثق به والمعنى حتى تحلفوا لي بالله لتأتنني به أي لتردنه إلي قال ابن الأنباري وهذه اللام جواب لمضمر تلخيصه وتقولوا والله لتأتنني به \r\n قوله تعالى إلا أن يحاط بكم فيه قولان \r\n أحدهما أن يهلك جميعكم قاله مجاهد \r\n والثاني أن يحال بينكم وبينه فلا تقدرون على الإتيان به قاله الزجاج \r\n قوله تعالى فلما آتوه موثقهم أي أعطوه العهد وفيه قولان \r\n أحدهما أنهم حلفوا له بحق محمد صلى الله عليه و سلم ومنزلته من ربه قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني أنهم حلفوا بالله تعالى قاله السدي \r\n قوله تعالى قال الله على ما نقول وكيل فيه قولان \r\n أحدهما أنه الشهيد والثاني كفيل بالوفاء رويا عن ابن عباس \r\n قوله تعالى لا تدخلوا من باب واحد قال المفسرون لما تجهزوا للرحيل قال لهم يعقوب لا تدخلوا يعني مصر من باب واحد \r\n وفي المراد بهذا الباب قولان \r\n أحدهما أنه أراد بابا من أبواب مصر وكان لمصر أربعة أبواب قاله الجمهور ","part":4,"page":253},{"id":1774,"text":" والثاني أنه أراد الطرق لا الأبواب قاله السدي وروى نحوه أبو صالح عن ابن عباس \r\n وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه خاف عليهم العين وكانوا أولي جمال وقوة وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنه خاف أن يغتالوا لماظهر لهم في أرض مصر من التهمة قاله وهب بن منبه \r\n والثالث أنه أحب أن يلقوا يوسف في خلوة قاله إبراهيم النخعي \r\n قوله تعالى وما أغني عنكم من الله من شيء أي لن أدفع عنكم شيئا قضاه الله فإنه إن شاء أهلككم متفرقين ومصداقة في الآية التي بعدها ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وهي إرادته أن يكون دخولهم كذلك شفقة عليهم قال الزجاج إلا حاجة استثناء ليس من الأول والمعنى لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها قال ابن عباس قضاها أي أبداها وتكلم بها \r\n قوله تعالى وإنه لذو علم لما علمناه فيه سبعة أقوال \r\n أحدها إنه حافظ لما علمناه قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني وإنه لذو علم أن دخلوهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله شيئا قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث وإنه لعامل بما علم قاله قتادة وقال ابن الأنباري سمي العمل علما لأنه العلم أول أسباب العمل ","part":4,"page":254},{"id":1775,"text":" والرابع وإنه لمتيقن لوعدنا قاله الضحاك \r\n والخامس وإنه لحافظ لوصيتنا قاله ابن السائب \r\n والسادس وإنه لعالم بما علمناه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضاه الله قاله مقاتل \r\n والسابع وإنه لذو علم لتعليمنا إياه قاله الفراء ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ولما دخلوا على يوسف يعني إخوته آوى إليه أخاه يعني بنيامين وكان أخاه لأبيه وأمه قاله قتادة وضمه إليه وأنزله معه قال ابن قتيبة يقال آويت فلانا إلي بمد الألف إذا ضممته إليك وأويت إلى بني فلان بقصر الألف إذا لجأت إليهم \r\n وفي قوله قال إني أنا أخوك قولان \r\n أحدهما أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب وأدخل أخاه فقال له ما اسمك فقال بنيامين قال فما اسم أمك قال راحيل بنت لاوي فوثب إليه فاعتنقه فقال إني أنا أخوك قاله أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال ابن إسحاق أخبره أنه يوسف \r\n والثاني أنه لم يعترف له بذلك وإنما قال أنا أخوك مكان أخيك الهالك قاله وهب بن منبه وقيل إنه أجلسهم كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحيدا يبكي وقال لو كان أخي حيا لأجلسني معه فضمه يوسف إليه وقال إني أرى هذا وحيدا فأجسله معه على مائدته فلما جاء الليل نام كل اثنين على منام فبقي وحيدا فقال يوسف هذا ينام معي فلما خلا به ","part":4,"page":255},{"id":1776,"text":" قال هل لك أخ من أمك قال كان لي أخ من أمي فهلك فقال أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك فقال أيها الملك ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه فاعتنقه وقال إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس قال قتادة لا تأس ولا تحزن وقال الزجاج لا تحزن ولا تستكن قال ابن الأنباري تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضر والشدة أي لا يلحقنك بؤس بالذي فعلوا \r\n قوله تعالى بما كانوا يعملون فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم كانوا يعيرون يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما للأصنام فقال لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك فتكون كانوا بمعنى يكونون قال الشاعر ... فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع ... لمن كان بعدي من القصائد مصنعا ... \r\n وقال آخر ... وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح ... \r\n أرادك فقد كان وهذا مذهب مقاتل \r\n والثالث لا تحزن بما عملوا من حسدنا وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق ","part":4,"page":256},{"id":1777,"text":" فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم \r\n قوله تعالى فلما جهزهم بجهازهم قال المفسرون أوفى لهم الكيل وحمل ل بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم وجعل السقاية في رحل أخيه وهي الصواع فهما اسمان واقعان على شيء واحد كالبر والحنطة والمائدة والخوان وقال بعضهم الاسم الحقيقي الصواع والسقاية وصف كما يقال كوز وإناء فالاسم الخاص الكوز قال المفسرون جعل يوسف ذلك الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره وقيل كال لإخوته بذلك إكراما لهم قالوا ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا أرسل الطلب في أثرهم فأدركوا وحبسوا ثم أذن مؤذن قال الزجاج أعلم معلم يقال آذنته بالشيء فهو مؤذن به أي أعلمته وآذنت أكثرت الإعلام بالشيء يعني أنه إعلام بعد إعلام أيتها العير يريد أهل العير فأنث لأنه جعلها للعير قال الفراء لا يقال عير إلا لأصحاب الإبل وقال أبو عبيدة العير الإبل المرحولة المركوبة وقال ابن قتيبة العير القوم على الإبل \r\n فإن قيل كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم يسرق فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أن المعنى إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب قاله الزجاج ","part":4,"page":257},{"id":1778,"text":" والثاني أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل أخيه فكان غير كاذب في قوله قاله ابن جرير \r\n والثالث أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف \r\n والرابع أن المعنى إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم كقوله ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان 49 أي عند نفسك لا عندنا وقول النبي صلى الله عليه و سلم كذب إبراهيم ثلاث كذبات أي قال قولا يشبه الكذب وليس به \r\n قوله تعالى قالوا يعني إخوة يوسف وأقبوا عليهم فيه قولان \r\n أحدهما على المؤذن وأصحابه والثاني أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف بالدعوى ماذا تفقدون مالذي ضل عنكم قالوا نفقد صواع الملك قال الزجاج الصواع هو الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وكذلك الصاع يذكر ويؤنث وقد قرئ صياع بياء وقرئ صوغ بغين معجمة وقرئ صوع بعين غيرمعجمة مع فتح الصاد وضمها وقرأ أبو هريرة صاع الملك وكل هذه لغات ترجع إلى معنى واحد إلا أن الصوغ بالغين المعجمة مصدر صغت وصف الإناء به لأنه كان مصوغا من ذهب \r\n واختلفوا في جنسه على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه كان قدحا من زبرجد والثاني أنه كان من نحاس رويا عن ابن عباس والثالث أنه كان شربة من فضة مرصعة بالجوهر قاله عكرمة ","part":4,"page":258},{"id":1779,"text":" والرابع كان كأسا من ذهب قاله ابن زيد والخامس كان من مس حكاه الزجاج \r\n وفي صفته قولان \r\n أحدهما أنه كان مستطيلا يشبه المكوك والثاني أنه كان يشبه الطاس \r\n قوله تعالى ولمن جاء به يعني الصواع حمل بعير من الطعام وأنا به زعيم أي كفيل لمن رده بالحمل يقوله المؤذن قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين \r\n قوله تعالى قالوا تالله قال الزجاج تالله بمعنى والله إلا أن التاء لا يقسم بها إلى في الله عز و جل ولا يجوز تالرحمن لأفعلن ولا تربي لأفعلن والتاء تبدل من الوار كما قالوا في وراث تراث وقالوا يتزن وأصله يوتزن من الوزن قال ابن الأنباري أبدلت التاء من الواو كما أبدلت في التخمة والتراث والتجاه وأصلهن من الوخمة والوجاه لأنهن من الوخامة والوراثة والوجه ولا تقول العرب تالرحمن كما قالوا تالله لأن الاستعمال في الإقسام كثر بالله ولم يكن بالرحمن فجاءت التاء بدلا من الواو في الموضع الذي يكثر استعماله \r\n قوله تعالى لقد علمتم يعنون يوسف ما جئنا لنفسد في الأرض أي لنظلم أحدا أو نسرق \r\n فإن قيل كيف حلفوا على علم قوم لا يعرفونهم ","part":4,"page":259},{"id":1780,"text":" فالجواب من ثلاثة أوجه \r\n أحدها أنهم قالوا ذلك لأنهم رددوا الدراهم ولا يستحلوها فالمعنى لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع فكيف نستحل صاعكم رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني لأنهم لما دخلوا مصر كعموا أفواه إبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئا وكان غيرهم لا يفعل ذلك رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحدا \r\n قوله تعالى فما جزاؤه المعنى قال المنادي وأصحابه فما جزاؤه قال الأخفش إن شئت رددت الكناية إلى السارق وإن شئت رددتها إلى السرق \r\n قوله تعالى إن كنتم كاذبين أي في قولكم وما كنا سارقين قالوا يعني إخوة يوسف جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي يستعبد بذلك قال ابن عباس وهذه كانت سنة آل يعقوب فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من عاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم \r\n قوله تعالى فبدأ بأوعيتهم قال المفسرون انصرف بهم المؤذن إلى يوسف وقال لا بد من تفتيش أمتعتكم فبدأ يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه لإزالة التهمة فلما وصل إلى وعاء أخيه قال ما أظن هذا أخذ شيئا فقالوا والله لا نبرح حتى تنظر في رحله فهو أطيب لنفسك فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فذلك قوله ثم استخرجها ","part":4,"page":260},{"id":1781,"text":" وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى السرقة قاله الفراء والثاني إلى السقاية قاله الزجاج والثالث إلى الصواع على لغة من أنثه ذكره ابن الأنباري قال المفسرون فأقبلوا على بنيامين وقالوا أي شيء صنعت فضحتنا وأزريت بأبيك الصديق فقال وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به \r\n قوله تعالى كذلك كدنا ليوسف فيه أربعة أقوال \r\n أحدها كذلك صنعنا له قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني احتلنا له والكيد الحيلة قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أردنا ليوسف ذكره ابن القاسم \r\n والرابع دبرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه قال ابن الأنباري لما دبر الله ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إخوته شبه بالكيد من المخلوقين لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه \r\n قوله تعالى ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك في المراد بالدين هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه السلطان فالمعنى في سلطان الملك رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه القضاء فالمعنى في قضاء الملك لأن قضاء الملك أن من سرق إنما يضرب ويغرم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب فأجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفا حتى أظفره بمراده بمشيئة الله فذلك معنى قوله إلا أن يشاء الله وقيل إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها أخاه ","part":4,"page":261},{"id":1782,"text":" قوله تعالى نرفع درجات من نشاء وقرأ يعقوب يرفع درجات من يشاء بالياء فيهما وقرأ أهل الكوفة درجات بالتنوين والمعنى نرفع الدرجات بصنوف العطاء وأنواع الكرامات وابواب العلوم وقهر الهوى والتوفيق للهدى كما رفعنا يوسف وفوق كل ذي علم عليم أي فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى والكمال في العلم معدوم من غيره \r\n وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المعنى يوسف أعلم من إخوته وفوقه من هو أعلم منه \r\n والثاني أنه نبه على تعظيم العلم وبين أنه أكثر من أن يحاط به \r\n والثالث أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون \r\n قوله تعالى قالوا يعني إخوة يوسف إن يسرق يعنون بنيامين فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف قال المفسرون عوقب يوسف ثلاث مرات قال للساقي اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين وقال للعزيز ليعلم أني لم أخنه بالغيب فقال له جبريل ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي وقال لإخوته إنكم لسارقون فقالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ","part":4,"page":262},{"id":1783,"text":" وفي ما عنوا بهذه السرقة سبعة اقوال \r\n أحدها أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني المجاعة فيطعمه للمساكين رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني أنه سرق مكحلة لخالته رواه أبو مالك عن ابن عباس \r\n والثالث أنه سرق صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق فعيره إخوته بذلك قاله سعيد بن جبير ووهب بن منبه وقتادة \r\n والرابع أن عمه يوسف وكانت أكبر ولد إسحاق كانت تحضن يوسف وتحبه حبا شديدا فلما ترعرع طلبه يعقوب فقالت ما أقدر أن يغيب عني فقال والله ما أنا بتاركه فعمدت إلى منطقة إسحاق فربطتها على يوسف تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها فوجدوها مع يوسف فأخبرت يعقوب ذلك وقالت والله إنه لي أصنع فيه ما شئت فقال أنت وذاك فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت فذاك الذي عيره به إخوته رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والخامس أنه جاءه سائل يوما فسرق شيئا فأعطاه السائل فعيروه بذلك وفي ذلك الشيء ثلاثة اقوال أحدهما أنه كان بيضه قاله مجاهد والثاني أنه شاة قاله كعب والثالث دجاجة قاله سفيان بن عيينة \r\n والسادس أن بني يعقوب كانوا على طعام فنظر يوسف إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك قاله عطية العوفي وإدريس الأودي قال ابن الأنباري وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة لكنها تشبه السرقة فعيره إخوته بذلك عند الغضب ","part":4,"page":263},{"id":1784,"text":" والسابع أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه قاله الحسن وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة فقد سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها \r\n قوله تعالى فأسرها يوسف في نفسه في هاء الكناية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الكلمة التي ذكرت بعد هذا وهي قوله أنتم شر مكانا روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنها ترجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه وهي قولهم فقد سرق أخ له من قبل وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى أسر جواب الكلمة فلم يجبهم عليها \r\n والثالث أنها ترجع إلى الحجة المعنى فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى أنتم شر مكانا فيه قولان \r\n أحدهما شر صنيعا من يوسف لما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم قاله ابن عباس \r\n والثاني شر منزلة عند الله ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى والله أعلم بما تصفون فيه قولان \r\n أحدهما تقولون قاله مجاهد والثاني بما تكذبون قاله قتادة قال الزجاج المعنى والله أعلم أسرق أخ له أم لا وذكر بعض المفسرين أنه لما استخرج الصواع من رحل أخيه نقر الصواع ثم أدناه من أذنه فقال إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فقال بنيامين أيها الملك سل صواعك عن أخي أحي هو فنقره ثم قال ","part":4,"page":264},{"id":1785,"text":" هو حي وسوف تراه فقال سل صواعك من جعله في رحلي فنقره وقال إن صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت فغضب روبيل وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فإذا مس أحدهم الآخر ذهب غضبه فقال والله أيها الملك لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها فقال يوسف لابنه قم إلى جنب روبيل فامسسه ففعل الغلام فذهب غضبه فقال روبيل ما هذا إن في هذا البلد من ذرية يعقوب قال يوسف ومن يعقوب فقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله فلما لم يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا سألوه أن يأخذ منهم بديلا به فذلك قوله يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا أي في سنة وقيل في قدره فخذ أحدنا مكانه أي تستعبده بدلا عنه إنا نراك من المحسنين فيه قولان \r\n أحدهما فيما مضى والثاني إن فعلت قال معاذ الله قد سبق تفسيره يوسف 33 والمعنى أعوذ بالله أن نأخذ بريئا بسقيم فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين \r\n قوله تعالى فلما استيأسوا منه أي أيسوا ","part":4,"page":265},{"id":1786,"text":" وفي هاء منه قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى يوسف فالمعنى يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل أخيهم \r\n والثاني إلى أخيهم فالمعنى يئسوا من أخيهم \r\n قوله تعالى خلصوا نجيا أي اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم يتناجون ويتناظرون ويتشاورون يقال قوم نجي والجمع أنجيه قال الشاعر ... إني إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطربت أعناقهم كالأرشية ... \r\n وإنما وحد نجيا لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وقال الزجاج انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم وليس معهم أخوهم \r\n قوله تعالى قال كبيرهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه كبيرهم في العقل ثم فيه قولان أحدهما أنه يهوذا ولم يكن أكبرهم سنا وإنما كان أكبرهم سنا روبيل قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومقاتل والثاني أنه شمعون قاله مجاهد \r\n والثاني أنه كبيرهم في السن وهو روبيل قاله قتادة والسدي \r\n قوله تعالى ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثق من الله في حفظ ","part":4,"page":266},{"id":1787,"text":" أخيكم ورده إليه ومن قبل ما فرطتم في يوسف قال الفراء ما في موضع رفع كأنه قال ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف وإن شئت جعلتها نصبا المعنى ألم تعلموا هذا وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف وإن شئت جعلت ما صلة كأنه قال ومن قبل فرطتم في يوسف قال الزجاج وهذا أجود الوجوه أن تكون ما لغوا \r\n قوله تعالى فلن أبرح الأرض أي لن أخرج من أرض مصر يقال برح الرجل براحا إذا تنحى عن موضعه حتى يأذن لي قال ابن عباس حتى يبعث إلي أن آتيه أو يحكم الله لي فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أو يحكم الله لي فيرد أخي علي والثاني يحكم الله لي بالسيف فأحارب من حبس أخي والثالث يقضي في أمري شيئا وهو خير الحاكمين أي أعدلهم وأفضلهم \r\n قوله تعالى إن ابنك سرق وقرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي سريج عن الكسائي سرق بضم السين وتشديد الراء وكسرها \r\n قوله تعالى وما شهدنا إلا بما علمنا فيه قولان \r\n أحدهما وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا لأنا رأينا المسروق في رحله قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني وما شهدنا عن يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا من دينك قاله ابن زيد \r\n وفي قوله وما كنا للغيب حافظين ثمانية أقوال \r\n أحدها أن الغيب هو الليل والمعنى لم نعلم ما صنع بالليل قاله أبو صالح عن ابن عباس وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلا ","part":4,"page":267},{"id":1788,"text":" والثاني ما كنا نعلم أن ابنك يسرق رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة وقتادة ومكحول قال ابن قتيبة فالمعنى لم نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينك به أنه يسرق فيؤخذ \r\n والثالث لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق رواه عبد الوهاب عن مجاهد \r\n والرابع لم نعلم أنه سرق للملك شيئا ولذلك حكمنا باسترقاق السارق قاله ابن زيد \r\n والخامس أن المعنى قد رأينا السرقة قد أخذت من رحله ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه قاله ابن إسحاق \r\n والسادس ما كنا لغيب ابنك حافظين إنما نقدر على حفظه في محضره فإذا غاب عنا خفيت عنا أموره \r\n والسابع لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به ذكرهما ابن الأنباري \r\n والثامن لم نعلم أنك تصاب به كما أصبت بيوسف ولو علمنا لم نذهب به قاله ابن كيسان وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون \r\n قوله تعالى واسأل القرية المعنى قولوا لأبيكم سل أهل القرية التي كنا فيها يعنون مصر والعير التي أقبلنا فيها أي وأهل العير وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون المعنى وسل القرية والعير فإنها تعقل عنك لأنك نبي والأنبياء قد تخاطبهم الأحجار والبهائم فعلى هذا تسلم الآية من إضمار ","part":4,"page":268},{"id":1789,"text":" قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن ياتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم \r\n قوله تعالى قال بل سولت لكم أنفسكم في الكلام اختصار والمعنى فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ذلك فقال لهم هذا وقد شرحناه في اول السورة يوسف 18 \r\n واختلفوا لأي علة قال لهم هذا القول على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ظن أن الذي تخلف منهم إنما تخلف حيلة ومكرا ليصدقهم قاله وهب بن منبه \r\n والثاني أن المعنى سولت لكم أنفسكم أن خروجكم بأخيكم يجلب نفعا فجر ضررا قاله ابن الأنباري \r\n والثالث سولت لكم أنه سرق وما سرق \r\n قوله تعالى عسى اله أن يأتيني بهم جميعا يعني يوسف وبنيامين وأخاهما المقيم بمصر وقال مقاتل أقام بمصر يهوذا وشمعون فاراد بقوله أن يأتيني بهم يعني الأربعة \r\n قوله تعالى إنه هو العليم أي بشدة حزني وقيل بمكانهم الحكيم فيما حكم علي وتولي عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم \r\n قوله تعالى وتولى عنهم أي أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب وانفرد بحزنه وهيج عليه ذكر يوسف وقال يا أسفى على يوسف قال ابن ","part":4,"page":269},{"id":1790,"text":" عباس يا طول حزني على يوسف قال ابن قتيبة الأسف أشد الحسرة قال سعيد بن جبير لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة مالم يعط الأنبياء قبلهم إنا لله وإنا إليه راجعون البقرة 156 ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول يا أسفى على يوسف \r\n فإن قيل هذا لفظ الشكوى فأين الصبر \r\n فالجواب من وجهين \r\n أحدهما أنه شكا إلى الله تعالى لا منه والثاني أنه أراد به الدعاء فالمعنى يارب ارحم أسفي على يوسف وذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال نداء يعقوب الأسف في اللفظ من المجاز الذي يعني به غير المظهر في اللفظ وتلخيصه يا إلهي ارحم أسفي أو أنت راء أسفي وهذا أسفي فنادى الأسف في اللفظ والمنادى في المعنى سواه كما قال يا حسرتنا والمعنى يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا قال والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه فلما كان قوله يا أسفي شكوى إلى ربه كان غير ملوم وقد روي عن الحسن أن أخاه مات فجزع الحسن جزعا شديدا فعوتب في ذلك فقال ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال يا أسفي على يوسف \r\n قوله تعالى وابيضت عيناه من الحزن أي انقلبت إلى حال البياض وهل ذهب بصره أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنه ذهب بصره قاله مجاهد \r\n والثاني ضعف بصره لبياض تغشاه من كثرة البكاء ذكره الماوردي وقال مقاتل لم يبصر بعينيه ست سنين ","part":4,"page":270},{"id":1791,"text":" قال ابن عباس وقوله من الحزن أي من البكاء يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه فلما كان الحزن سببا للبكاء سمي البكاء حزنا وقال ثابت البناني دخل جبريل على يوسف فقال أيها الملك الكريم على ربه هل لك علم بيعقوب قال نعم قال ما فعل قال ابيضت عيناه قال ما بلغ حزنه قال حزن سبعين ثكلى قال فهل له على ذلك من أجر قال أجر مائة شهيد وقال الحسن البصري ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة وما جفت عينه وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره \r\n قوله تعالى فهو كظيم الكظيم بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قاله ابن قتيبة وقد شرحنا هذا عند قوله والكاظمين الغيظ آل عمران 134 قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون \r\n قوله تعالى قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف قال ابن الأنباري معناه والله وجواب هذا القسم لا المضمرة التي تأويلها تالله لا تفتأ فلما كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ظاهره كما تقول العرب والله أقصدك أبدا يعنون لا أقصدك قال امرؤ القيس ","part":4,"page":271},{"id":1792,"text":" فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ... \r\n يريد لا أبرح وقالت الخنساء ... فأقسمت آسى على هالك ... أو اسأل نائحة مالها ... \r\n أرادت لا آسى وقال الآخر ... لم يشعر النعش ما عليه من ال ... عرف ولا الحاملون ما حملوا ... \r\n ... تالله أنسى مصيبتي أبدا ... ما أسمعتني حنينها الإبل ... \r\n وقرأ أبو عمران وابن محيصن وأبو حيوة قالوا بالله بالباء وكذلك كل قسم في القرآن وأما قوله تفتأ فقال المفسرون وأهل اللغة معنى تفتأ تزال فمعنى الكلام لا تزال تذكر يوسف وأنشد أبو عبيدة ... فما فتئت خيل تثوب وتدعي ... ويلحق منها لا حق وتقطع ... \r\n وأنشد ابن القاسم ... فما فتئت منا رعال كأنها ... رعال القطا حتى احتوين بني صخر ... \r\n قوله تعالى حتى تكون حرضا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الدنف قاله أبو صالح عن ابن عباس قال ابن قتيبة يقال ","part":4,"page":272},{"id":1793,"text":" أحرضه الحزن أي أدنفه قال أبو عبيدة الحرض الذي قد أذابه الحزن أو الحب وهي في موضع محرض وأنشد ... إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم أي أذابني وقال الزجاج الحرض الفاسد في جسمه والمعنى حتى تكون مدنفا مريضا \r\n والثاني أنه الذاهب العقل قاله الضحاك عن ابن عباس وقال ابن إسحق الفاسد العقل قال الزجاج وقد يكون الحرض الفاسد في أخلاقه \r\n والثالث أنه الفاسد في جسمه وعقله يقال رجل حارض وحرض فحارض يثني ويجمع ويؤنث وحرض لا يجمع ولا يثنى لأنه مصدر قاله الفراء \r\n والرابع أنه الهرم قاله الحسن وقتادة وابن زيد \r\n قوله تعالى أو تكون من الهالكين يعنون الموتى \r\n فإن قيل كيف حلفوا على شيء يجوز أن يتغير \r\n فالجواب أن في الكلام إضمارا تقديره إن هذا في تقديرنا وظننا \r\n قوله تعالى إنما أشكو بثي قال ابن قتيبة البث أشد الحزن سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه \r\n قوله تعالى إلى الله المعنى إني لا أشكو إليكم وذلك لما عنفوه بما تقدم ذكره وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث أنس بن ","part":4,"page":273},{"id":1794,"text":" مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب مالذي أذهب بصرك وما الذي قوس ظهرك قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكو إلى غيري فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل الله أعلم بما تشكو ثم قال يعقوب أي رب أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وقوست ظهري فاردد علي ريحاني أشمه شمة قبل الموت ثم اصنع بي يا رب ما شئت فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرأ عليك السلام ويقول أبشر فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك اصنع طعاما للمساكين فإن أحب عبادي إلي المساكين وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا لأنكم ذبحتم شاة فأتاكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب وإذا كان صائما أمر مناديا فنادى من كان صائما فليفطر مع يعقوب وقال وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك وجبست عنك يوسف ثمانين سنة قال لا ","part":4,"page":274},{"id":1795,"text":" قال لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين يديها وهي تخور فلم يرحمها \r\n فإن قيل كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا \r\n فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى وهو الأظهر \r\n والثاني لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله شدة فاقتهم \r\n والثالث أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما ولا يقدر على دفع سببه \r\n قوله تعالى وأعلم من الله مالا تعلمون فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون قال ابن السائب وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له يعقوب هل قبضت روح ابني يوسف قال لا \r\n والثالث أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون قاله عطاء \r\n والرابع أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز طمع أن يكون هو يوسف قاله السدي قال ولذلك قال لهم اذهبوا فتحسسوا وقال وهب بن منبه لما قال له ملك الموت ما قبضت روح يوسف تباشر عند ذلك ثم أصبح فقال لبنيه اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه قال أبو عبيدة تحسسوا أي تخبروا والتمسوا في المظان ","part":4,"page":275},{"id":1796,"text":" فإن قيل كيف قال من يوسف والغالب أن يقال تحسست عن كذا فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهما أن المعنى عن يوسف ولكن نابت عنها من كما تقول العرب حدثني فلان من فلان يعنون عنه \r\n والثاني أن من أوثرت للتبعيض والمعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف \r\n قوله تعالى ولا تيأسوا من روح الله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من رحمة الله قاله ابن عباس والضحاك والثاني من فرج الله قاله ابن زيد والثالث من توسعة الله حكاه ابن القاسم قال الأصمعي الروح الاستراحة من غم القلب وقال أهل المعاني لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون لأن المؤمن يرجوا الله في الشدائد فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعةمزجة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وائتوني بأهلكم أجمعين ","part":4,"page":276},{"id":1797,"text":" قوله تعالى فلما دخلوا عليه في الكلام محذوف تقديره فخرجوا إلى مصر فدخلوا على يوسف ف قالوا يا أيها العزيز وكانوا يسمون ملكهم بذلك مسنا وأهلنا الضر يعنون الفقر والحاجة وجئنا ببضاعة مزجاه \r\n أحدها أنها كانت دراهم رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنها كانت متاعا رثا كالحبل والغرارة رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس والثالث كانت أقطا قاله الحسن والرابع كانت نعالا وأدما رواه جويبر عن الضحاك والخامس كانت سويق المقل روي عن الضحاك أيضا والسادس حبة الخضراء وصنوبر قاله أبو صالح والسابع كانت صوفا وشيئا من سمن قاله عبد الله بن الحارث \r\n وفي المزجاة خمسة أقوال \r\n أحدها أنها القليلة روى العوفي عن ابن عباس قال دراهم غير طائلة وبه قال مجاهد وابن إسحاق وابن قتيبة قال الزجاج تأويله في اللغة أن التزجية الشيء الذي يدافع به يقال فلان يزجي العيش أي يدفع بالقليل ويكتفي به فالمعنى جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت وليست مما يتسع به قال الشاعر ","part":4,"page":277},{"id":1798,"text":" الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها ... \r\n أي تدفع أطفالها \r\n والثاني أنها الرديئة رواه الضحاك عن ابن عباس قال أبو عبيدة إنما قيل للرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها قال وهي من الإزجاء والإزجاء عند العرب السوق والدفع وأنشد ... ليبك على ملحان ضيف مدفع ... وأرملة تزجي من الليل أرملا ... أي تسوقه \r\n والثالث الكاسدة رواه الضحاك أيضا عن ابن عباس \r\n والرابع الرثة وهي المتاع الخلق رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس \r\n والخامس الناقصة رواه أبو حصين عن عكرمة \r\n قوله تعالى فأوف لنا الكيل أي أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا \r\n قوله تعالى وتصدق علينا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها تصدق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة قاله سعيد بن جبير والسدي قال ابن الأنباري كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدق وليس به \r\n والثاني برد أخينا قال ابن جريج قال وذلك أنهم كانوا أنبياء والصدقة لا تحل للأنبياء ","part":4,"page":278},{"id":1799,"text":" والثالث وتصدق علينا بالزيادة على حقنا قاله ابن عيينة وذهب إلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه و سلم حكاه أبو سليمان الدمشقي وأبو الحسن الماوردي وابو يعلى بن الفراء \r\n قوله تعالى إن الله يجزي المتصدقين أي بالثواب قال الضحاك لم يقولوا إن الله يجزيك إن تصدقت علينا لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن \r\n قوله تعالى هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه في سبب قوله لهم هذا ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر وفي آخر الكتاب وكتب يهوذا فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا فقال يوسف عند ذلك إنكم تستحقون العقوبة وأمر بهم ليقتلوا فقالوا إن كنت فاعلا فاذهب بأمتعتنا إلى يعقوب ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته وقال قد كان ابونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده فكيف به إذا أخبر بهلكنا أجمعين فرق يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره وقال لهم هذا القول رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n الثاني أنهم لما قالوا مسنا وأهلنا الضر أدركته الرحمة فقال لهم هذا قاله ابن إسحاق \r\n والثالث أن يعقوب كتب إليه كتابا إن رددت ولدي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك فبكى وقال لهم هذا \r\n وفي هل قولان \r\n أحدهما أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام قال ابن ","part":4,"page":279},{"id":1800,"text":" الأنباري والمعنى ما أعظم ما ارتكبتم وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق وهذا مثل قول العربي أتدري من عصيت هل تعرف من عاديت لا يرد بذلك الاستفهام ولكن يريد تفظيع الأمر قال الشاعر ... أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... \r\n لم يرد الاستفهام إنما أراد أن هذا غير مرجو عندهم قال ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه وهذه الآية تصديق قوله لتنبئنهم بأمرهم \r\n والثاني أن هل بمعنى قد ذكره بعض أهل التفسير \r\n فإن قيل فالذي فعلوا بيوسف معلوم فما الذي فعلوا بأخيه وما سعوا في حبسه ولا أرادوه \r\n فالجواب من وجوه أحدها أنهم فرقوا بينه وبين يوسف فنغصوا عيشه بذلك والثاني أنهم آذوه بعد فقد يوسف والثالث أنهم سبوه لما قذف بسرقة الصاع \r\n وفي قوله إذ أنتم جاهلون أربعة أقوال \r\n أحدها إذ أنتم صبيان قاله ابن عباس والثاني مذنبون قاله مقاتل والثالث جاهلون بعقوق الأب وقطع الرحم وموافقة الهوى والرابع جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف ذكرهما ابن الأنباري \r\n قوله تعالى أئنك لأنت يوسف قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن إنك على الخبر وقرأه آخرون بهمزتين محققتين وأدخل بعضهم بينهما ألفا ","part":4,"page":280},{"id":1801,"text":" واختلف المفسرون هل عرفوه أم شبهوه على قولين \r\n أحدهما أنهم شبهوه بيوسف قاله ابن عباس في رواية \r\n والثاني أنهم عرفوه قاله ابن إسحاق وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه تبسم فشبهوا ثناياه بثنايا يوسف قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها فلما وضع التاج عن رأسه عرفوه رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث أنه كشف الحجاب فعرفوه قاله ابن إسحاق \r\n قوله تعالى قال أنا يوسف قال ابن الأنباري إنما أظهر الاسم ولم يقل أنا هو تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته فكأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المراد قتله فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني ولهذا قال وهذا أخي وهم يعرفونه وإنما قصد وهذا المظلوم كظلمي \r\n قوله تعالى قد من الله علينا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها بخير الدنيا والآخرة والثاني بالجمع بعد الفرقة والثالث بالسلامة ثم بالكرامة \r\n قوله تعالى إنه من يتق ويصبر قرأ ابن كثير في رواية قنبل من يتقي ويصبر بياء في الوصل والوقف وقرأ الباقون بغير ياء الحالين \r\n وفي معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها من يتق الزنى ويصبر على البلاء والثاني من يتق الزنى ويصبر ","part":4,"page":281},{"id":1802,"text":" على العزبة والثالث من يتق الله ويصبر على المصائب رويت هذه الأقوال عن ابن عباس والرابع يتق معصية الله ويصبر على السجن قاله مجاهد \r\n قوله تعالى فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أي أجر من كان هذا حاله \r\n قوله تعالى لقد آثرك الله علينا أي اختارك وفضلك \r\n وبماذا عنوا أنه فضله فيه أربعة أقوال \r\n أحدها بالملك قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني بالصبر قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث بالحلم والصفح عنا ذكره أبو سليمان الدمشقي والرابع بالعلم والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه \r\n قوله تعالى وإن كنا لخاطئين قال ابن عباس لمذنبين آثمين في أمرك قال ابن الأنباري ولهذا اختير خاطئين على مخطئين وإن كان أخطأ على ألسن الناس أكثر من خطئ يخطأ لأن معنى خطئ يخطأ فهو خاطئ آثم ومعنى أخطأ يخطئ فهو مخطئ ترك الصواب ولم يأثم قال الشاعر ... عبادك يخطأون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم ... \r\n أراد يأثمون قال ويجوز أن يكون آثر خاطئين على مخطئين لموافقة رؤوس الآيات لأن خاطئين أشبه بما قبلها \r\n وذكر الفراء في معنى إن قولين \r\n أحدهما وقد كنا خاطئين والثاني وما كنا إلا خاطئين \r\n قوله تعالى لا تثريب عليكم اليوم قال أبو صالح عن ابن عباس لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدا قال ابن الأنباري إنما أشار إلى ذلك اليوم لأنه أول أوقات العفو وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة وقال ثعلب قد ثرب ","part":4,"page":282},{"id":1803,"text":" فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وقال ابن قتيبة لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم بما صنعتم وأصل التثريب الإفساد يقال ثرب علينا إذا أفسد وفي الحديث إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب أي لا يعيرها بالزنى قال ابن عباس جعلهم في حل وسأل الله المغفرة لهم وقال السدي لما عرفهم نفسه سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه وقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وهذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف لما ألقي في الجب وكان من الجنة وقد سبق ذكره يوسف 1825 26 27 28 \r\n قوله تعالى يأت بصيرا قال أبو عبيدة يعود مبصرا \r\n فإن قيل من أين قطع على الغيب \r\n فالجواب أن ذلك كان بالوحي إليه قاله مجاهد \r\n قوله تعالى وائتوني بأهلكم أجمعين قال الكلبي كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون \r\n قوله تعالى ولما فصلت العير أي خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان وكان الذي حمل القميص يهوذا قال السدي قال يهوذا ليوسف أنا الذي حملت القميص إلى يعقوب بدم كذب فأحزنته وأنا الآن أحمل قميصك لأسرة فحمله قال ابن عباس فخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها ","part":4,"page":283},{"id":1804,"text":" قوله تعالى قال لهم أبوهم يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده إني لأجد ريح يوسف ومعنى أجد أشم قال الشاعر ... وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنها أصلاب قوم تقصف ... \r\n ... وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف ... \r\n فإن قيل كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه والمسافة هناك أقرب \r\n فعنه جوابان أحدهما أن الله تعالى أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضي البلاء ومجيء الفرج \r\n والثاني أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما سبق بيانه فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب فعلم أن الرائحة من جهة ذلك القميص قال مجاهد هبت ريح فضربت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال إني لأجد ريح يوسف وقيل إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن لها فلذلك يستروح كل محزون إلى ريح الصبا ويجد المكروبون لها روحا وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق قال أبو صخر الهذلي ... إذا قلت هذا حين اسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر ... \r\n قال ابن عباس وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخا ","part":4,"page":284},{"id":1805,"text":" قوله تعالى لولا أن تفندون فيه خمسة أقوال \r\n أحدها تجهلون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني تسفهون رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس وبه قال عطاء وقتادة ومجاهد في رواية وقال في رواية أخرى لولا أن تقولوا ذهب عقلك \r\n والثالث تكذبون رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والضحاك \r\n والرابع تهرمون قاله الحسن ومجاهد في رواية قال ابن فارس الفند إنكار العقل من هرم \r\n والخامس تعجزون قاله ابن قتيبة وقال أبو عبيدة تسفهون وتعجزون وتلومون وأنشد ... يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمر بمردود ... \r\n قال ابن جرير وأصل التفنيد الإفساد وأقوال المفسرين تتقارب معانيها وسمعت الشيخ أبا محمد إبن الخشاب يقول قوله لولا أن تفندون فيه إضمار تقديره لأخبرتكم أنه حي قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم \r\n قوله تعالى قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم قال ابن عباس بنو بنيه خاطبوه بهذا وكذلك قال السدي هذا قول بني بنيه لأن بنيه كانوا بمصر \r\n وفي معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال ","part":4,"page":285},{"id":1806,"text":" أحدها أنه بمعنى الخطأ قاله ابن عباس وابن زيد والثاني أنه الجنون قاله سعيد بن جبير والثالث الشقاء والعناء قاله مقاتل يريد بذلك شقاء الدنيا فلما أن جاء البشير ألقه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم \r\n قوله تعالى فلما أن جاء البشير فيه قولان \r\n أحدهما أنه يهوذا قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال وهب بن منبه والسدي والجمهور والثاني أنه سمعون قاله الضحاك \r\n فإن قيل ما الفرق بين قوله هاهنا فلما أن جاء وقال في موضع فلما جاءهم البقرة 89 \r\n فالجواب أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا فدخول أن لتوكيد مضي الفعل وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ألقاه يعني القميص على وجهه يعني يعقوب فارتد بصيرا الارتداد رجوع الشيء إلى حال قد كان عليها قال ابن الأنباري إنما قال ارتد ولم يقل رد لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم طالت النخلة والله أطالها وتحركت الشجرة والله حركها قال الضحاك رجع إليه بصره بعد العمى وقوته بعد الضعف وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن \r\n وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال لما جاء البشير يعقوب قال على أي دين تركت يوسف قال على الإسلام قال الآن تمت النعمة ","part":4,"page":286},{"id":1807,"text":" قوله تعالى ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون فيه أقوال قد سبق ذكرها قبل هذا بقليل \r\n قوله تعالى يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا سألوه يستغفر لهم ما أتوا لأنه نبي مجاب الدعوة قال سوف أستغفر لكم ربي في سبب تأخيره لذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وهب كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة والثاني إلى وقت السحر من ليلة الجمعة رواه أبو صالح عن ابن عباس قال طاووس فوافق ذلك ليلة عاشوراء والثالث إلى وقت السحر رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود وابن عمر وقتادة والسدي ومقاتل قال الزجاج إنماأراد الوقت الذي هو أخلق لإجابة الدعاء لا أنه ضن عليهم بالاستغفار وهذا أشبه بأخلاق الأنبياء عليهم السلام \r\n والقول الثاني أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم وإلى قول يعقوب سوف أستغفر لكم ربي \r\n والثالث أنه أخرهم ليسأل يوسف فإن عفا عنهم استغفر لهم قاله الشعبي وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا يا أبانا إن عفا الله عنا وإلا فلا ","part":4,"page":287},{"id":1808,"text":" قرة عين لنا في الدنيا فدعا يعقوب وأمن يوسف فلم يجب فيهم عشرين سنة ثم جاء جبريل فقال إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعفا عما صنعوا به واعتقد مواثيقهم من بعد على النبوة قال المفسرون وكان يوسف قد بعث مع البشير إلى يعقوب جهازا ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله وولده فلما ارتحل يعقوب ودنا من مصر استأذن يوسف الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب فأذن له وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه فخرج في أربعة آلاف من الجند وخرج معهم أهل مصر \r\n وقيل إن الملك خرج معهم أيضا فلما التقى يعقوب ويوسف بكيا جميعا فقال يوسف يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك أما علمت أن القيامة تجمعني وإياك قال أي بني خشيت أن تسلب دينك فلا نجتمع \r\n وقيل إن يعقوب ابتدأه بالسلام فقال السلام عليكم يا مذهب الأحزان فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ابويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين \r\n قوله تعالى فلما دخلوا على يوسف يعني يعقوب وولده \r\n وفي هذا الدخول قولان \r\n أحدهما أنه دخول أرض مصر ثم قال لهم ادخلوا مصر يعني البلد \r\n والثاني أنه دخول مصر ثم قال لهم ادخلوا مصر أي استوطنوها \r\n وفي قوله آوى إليه أبويه قولان \r\n أحدهما أبوه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أبوه وأمه قاله الحسن وابن إسحاق ","part":4,"page":288},{"id":1809,"text":" وفي قوله إن شاء الله آمنين أربعة أقوال \r\n أحدها أن في الكلام تقديما وتأخيرا فالمعنى سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم هذا قول ابن جريج \r\n والثاني أن الاستثناء يعود إلى الأمن ثم فيه قولان أحدهما أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم والثاني أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر فلا يدخلون إلا بجوارهم \r\n والثالث أنه يعود إلى دخول مصر لأنه قال لهم هذا حين تلقاهم قبل دخولهم على ما سبق بيانه \r\n والرابع أن إن بمعنى إذ كقوله إن أردن تحصنا النور 33 قال ابن عباس دخلوا مصر يومئذ وهم نيف وسبعون من ذكر وأنثى وقال ابن مسعود دخلوا وهم ثلاثة وتسعون وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين \r\n قوله تعالى ورفع أبويه على العرش في أبويه قولان قد تقدما في ","part":4,"page":289},{"id":1810,"text":" الآية التي قبلها والعرش هاهنا سرير المملكة أجلس أبويه عليه وخروا له يعني أبويه وإخوته \r\n وفي هاء له قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى يوسف قاله الجمهور قال أبو صالح عن ابن عباس كان سجودهم كهيأة الركوع كما يفعل الأعاجم وقال الحسن أمرهم الله بالسجود لتأويل الرؤيا قال ابن الأنباري سجدوا له على جهة التحية لا على معنى العبادة وكان أهل ذلك الدهر يحيى بعضهم بعضا بالسجود والانحناء فحظره رسول الله صلى الله عليه و سلم فروى أنس بن مالك قال قال رجل يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه اينحني له قال لا \r\n والثاني أنها ترجع إلى الله فالمعنى وخروا لله سجدا رواه عطاء والضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى أنهم سجدوا شكرا لله إذ جمع بينهم وبين يوسف \r\n قوله تعالى هذا تأويل رؤياي اي تصديق ما رأيت وكان قد رآهم في المنام يسجدون له فأراه الله ذلك في اليقظة \r\n واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها على سبعة أقوال \r\n أحدها أربعون سنة قاله سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد بن الهاد ومقاتل والثاني اثنتان وعشرون سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث ثمانون سنة قاله الحسن والفضيل بن عياض والرابع ست وثلاثون سنة ","part":4,"page":290},{"id":1811,"text":" قاله سعيد بن جبير وعكرمة والسدي والخامس خمس وثلاثون سنة قاله قتادة والسادس سبعون سنة قاله عبد الله بن شوذب السابع ثماني عشرة سنة قاله ابن إسحاق \r\n قوله تعالى وقد أحسن بي أي إلي والبدو البسط من الأرض وقال ابن عباس البدو البادية وكانوا أهل عمود وماشية \r\n قوله تعالى من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي أفسد بيننا قال أبو عبيدة يقال نزغ بينهم ينزغ أي أفسد وهيج وبعضهم يكسر زاي ينزغ إن ربي لطيف لما يشاء أي عالم بدقائق الأمور وقد شرحنا معنى اللطيف في الأنعام 102 \r\n فإن قيل قد توالت على يوسف نعم خمسة فما اقتصاره على ذكر السجن وهلا ذكرالجب وهو أصعب \r\n فالجواب من وجوه \r\n أحدها أنه ترك ذكر الجب تكرما لئلا يذكر إخوته صنيعهم وقد قال لا تثريب عليكم اليوم \r\n والثاني أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك فكانت هذه النعمة أوفى \r\n والثالث أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له بخلاف الجب فشكر الله على عفوه \r\n قال العلماء بالسير أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعا وعشرين سنة وقال بعضهم سبع عشرة سنة في أهنأ عيش فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف ","part":4,"page":291},{"id":1812,"text":" أن يحمل إلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق ففعل به ذلك وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة ثم إن يوسف تاق إلى الجنة وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى الموت قال ابن عباس وقتادة ولم يتمن الموت نبي قبله فقال رب قد آتيتني من الملك يعني ملك مصر وعلمتني من تأويل الأحاديث وقد سبق تفسيرها يوسف 6 \r\n وفي من قولان \r\n أحدهما أنها صلة قاله مقاتل والثاني أنها للتبعيض لأنه لم يؤت كل الملك ولا كل تأويل الأحاديث \r\n قوله تعالى فاطر السموات والأرض قد شرحناه في الأنعام 6 \r\n أنت وليي أي الذي تلي أمري توفني مسلما قال ابن عباس يريد لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه وكان ابن عقيل يقول لم يتمن يوسف الموت وإنما سأل أن يموت على صفة والمعنى توفني إذا توفيتني مسلما قال الشيخ وهذا الصحيح \r\n قوله تعالى وألحقني بالصالحين والمعنى ألحقني بدرجاتهم وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم أهل الجنة قاله عكرمة \r\n والثاني آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب قاله الضحاك قالوا فلما احتضر يوسف أوصى إلى يهوذا ومات فتشاح الناس في دفنه كل يحب أن يعرفن في محلته رجاء البركة فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إلى الجميع فدفنوه في صندوق من رخام فكان هنالك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان قال الحسن مات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين ","part":4,"page":292},{"id":1813,"text":" ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون \r\n قوله تعالى ذلك من أنباء الغيب أي ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك فأنزله الله عليك دليلا على نبوتك وما كنت لديهم أي عند إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم أي عزموا على إلقائه في الجب وهم يمكرون بيوسف وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم لأنه لم يشاهد تلك القصة ولا كان يقرأ الكتاب وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز فدل على أنه أخبر بوحي ووما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين \r\n قوله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين قال ابن الأنباري إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحا شافيا وهو يؤمل ان يكون ذلك سبا لإسلامهم فخالفوا ظنه فحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعزاه الله تعالى بهذه الآية قال الزجاج ومعناها وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم وما تسألهم عليه أي على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم من أجر إن هو أي ما هو إلا تذكرة لهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون \r\n قوله تعالى وكأين أي وكم من آية أي علامة ودلالة تدلهم ","part":4,"page":293},{"id":1814,"text":" على توحيد الله من أمر السموات والأرض يمرون عليها أي يتجاوزونها غير متفكرين ولا معتبرين وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون \r\n قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المشركون ثم في معناها المتعلق بهم قولان أحدهما أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به رواه أبوصالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة والثاني أنها نزلت في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني انهم النصارى يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم ومع ذلك يشركون به رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنهم المنافقون يومنون في الظاهر رئاء الناس وهم في الباطن كافرون قاله الحسن \r\n فإن قيل كيف وصف المشرك بالإيمان \r\n فالجواب أنه ليس المراد به حقيقة الإيمان وإنما المعنى أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون \r\n قوله تعالى أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله قال ابن قتيبة الغاشية المجللة تغشاهم وقال الزجاج المعنى يأتيهم ما يغمرهم من العذاب والبغتة الفجأة من حيث لم تتوقع ","part":4,"page":294},{"id":1815,"text":" قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين \r\n قوله تعالى قل هذه سبيلي المعنى قل يا محمد للمشركين هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي أي سنتي ومنهاجي والسبيل تذكر وتؤنث وقد ذكرنا ذلك في آل عمران 195 أدعوا إلى الله على بصيرة أي على يقين قال ابن الأنباري وكل مسلم لا يخلو من الدعاء إلى الله عز و جل لأنه إذا تلا القرآن فقد دعا إلى الله بما فيه ويجوز أن يتم الكلام عند قوله إلى الله ثم ابتدأ فقال على بصيرة أنا ومن اتبعني \r\n قوله تعالى وسبحان الله المعنى وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون \r\n قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا هذا نزل من أجل قولهم هلا بعث الله ملكا فالمعنى كيف تعجبوا من إرسالنا إياك وسائر الرسل كانوا على مثل حالك يوحى إليهم وقرأ حفص عن عاصم نوحي بالنون والمراد بالقرى المدائن وقال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء قال قتادة لأن أهل القرى أعلم وأحلم من اهل العمود \r\n قوله تعالى أفلم يسيروا في الأرض يعني المشركين المنكرين نبوتك فينظروا إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بذلك ولدار الآخرة يعني الجنة خير من الدنيا للذين اتقوا الشرك قال الفراء أضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة لأن العرب قد تضيف الشيء إلى نفسه إذا ","part":4,"page":295},{"id":1816,"text":" اختلف لفظه كقوله لهو حق اليقين الواقعة 96 والحق هو اليقين وقولهم أتيتك عام الأول ويوم الخميس \r\n قوله تعالى أفلا يعقلون قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص والمفضل ويعقوب تعقلون بالتاء وقرأ الآخرون بالياء والمعنى أفلا يعقلون هذا فيؤمنوا حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين \r\n قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل المعنى متعلق بالآية الأولى فتقديره وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فدعوا قومهم فكذبوهم وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الرسل وفيه قولان \r\n أحدهما استيأسوا من تصديق قومهم قاله ابن عباس \r\n والثاني من أن نعذب قومهم قاله مجاهد وظنوا أنهم قد كذبوا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر كذبوا مشددة الذال مضمومة الكاف والمعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيكون الظن هاهنا بمعنى اليقين هذا قول الحسن وعطاء وقتادة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي كذبوا خفيفة والمعنى ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر لأن الرسل لا يظنون ذلك وقرأ أبو رزين ومجاهد والضحاك كذبوا بفتح الكاف والذال خفيفة والمعنى ظن قومهم أيضا أنهم قد كذبوا قاله الزجاج \r\n قوله تعالى جاءهم نصرنا يعني الرسل فننجي من نشاء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي فننجي بنونين الأولى ","part":4,"page":296},{"id":1817,"text":" مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحفص جميعا عن عاصم ويعقوب فنجي مشدده الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة يعني المؤمنين نجوا عند نزول العذاب لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى لقد كان في قصصهم اي في خبر يوسف وإخوته وروى عبد الوارث كسر القاف وهي قراءة قتادة وأبي الجوزاء عبرة أي عظة لأولي الألباب أي لذوي العقول السليمة وذلك من وجهين \r\n أحدهما ما جرى ليوسف من إعزازه وتمليكه بعد استعباده فإن من فعل ذلك به قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه و سلم وتعلية كلمته \r\n والثاني أن من تفكر علم أن محمدا صلى الله عليه و سلم مع كونه أميا لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل نفسه فاستدل بذلك على صحة نبوته \r\n قوله تعالى ما كان حديثا يفترى في المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنه القرآن قاله قتادة \r\n والثاني ما تقدم من القصص قاله ابن إسحاق فعلى القول الأول يكون معنى قوله ولكن تصديق الذي بين يديه ولكن كان تصديقا لما بين يديه من الكتب وتفصيل كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين وهدى بيانا ","part":4,"page":297},{"id":1818,"text":" ورحمة لقوم يؤمنون أي يصدقون بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وعلى القول الثاني وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته ","part":4,"page":298},{"id":1819,"text":" سورة الرعد \r\n فصل في نزولها \r\n اختلفوا في نزولها على قولين \r\n أحدهما أنها مكية رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين منها قوله ولا يزال الذين كفروا تعيبهم بما صنعوا قارعة إلى آخر الآية الرعد 31 وقوله ويقول الذين كفروا لست مرسلا الرعد 43 \r\n والثاني أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وبه قال جابر ابن زيد وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وهما قوله ولو ان قرآنا سيرت به الجبال إلى آخرها الرعد 31 وقال بعضهم المدني منها قوله هو الذي يريكم البرق إلى قوله له دعوة الحق الرعد 14 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم آلمر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ","part":4,"page":299},{"id":1820,"text":" الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون \r\n قوله تعالى آلمر قد ذكرنا في سورة البقرة جملة من الكلام في معاني هذه الحروف وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناها أنا الله أعلم وأرى رواه أبو الضحى عنه والثاني أنا الله أرى رواه سعيد بن جبير عنه والثالث أنا الله الملك الرحمن رواه عطاء عنه \r\n قوله تعالى تلك آيات الكتاب في تلك قولان وفي الكتاب قولان قد تقدمت في أول يونس \r\n قوله تعالى و الذي أنزل إليك من ربك الحق يعني القرآن وغيره من الوحي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون قال ابن عباس يعني أهل مكة قال الزجاج لما ذكر أنهم لا يؤمنون عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال الله الذي رفع السموات بغير عمد قال أبو عبيدة العمد متحرك الحروف بالفتحة وبعضهم يحركها بالضمة لأنها جمع عمود وهو القياس لأن كل كلمة هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو فجميعه مضموم الحروف نحو رسول والجمع رسل وحمار والجمع حمر غير أنه قد جاءت أسامي استعملوا جميعها بالحركة والفتحة نحو عمود وأديم وإهاب قالوا ادم ","part":4,"page":300},{"id":1821,"text":" وأهب ومعنى عمد سوار ودعائم وما يعمد البناء وقرأ أبو حيوة بغير عمد بضم العين والميم \r\n وفي قوله ترونها قولان \r\n أحدهما أن هاء الكناية ترجع إلى السموات فالمعنى ترونها بغير عمد قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة والجمهور وقال ابن الأنباري ترونها خبر مستأنف والمعنى رفع السموات بلا دعامة تمسكها ثم قال ترونها أي ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم يغنيكم عن إقامة الدلائل عليه \r\n والثاني أنها ترجع إلى العمد فالمعنى إنها بعمد لا ترونها رواه عطاء والضحاك عن ابن عباس وقال لها عمد على قاف ولكنكم لا ترون العمد وإلى هذا القول ذهب مجاهد وعكرمة والأول أصح \r\n قوله تعالى وسخر الشمس والقمر اي ذللهما لما يراد منهما كل يجري لأجل مسمى أي إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا يدبر الأمر أي يصرفه بحمته يفصل الآيات أي يبين الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك وقرأ أبو دزيني وقتادة والنخعي ندبر الأمر نفصل الآيات بالنون فيهما ","part":4,"page":301},{"id":1822,"text":" وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى وهو الذي مد الأرض قال ابن عباس بسطها على الماء \r\n قوله تعالى وجعل فيها رواسي قال الزجاج أي جبالا ثوابت يقال رسا الشي يرسوا رسوا فهر راس إذا ثبت و جعل فيها زوجين اثنين أي نوعين والزوج الواحد الذي له قريب من جنسه قال المفسرون ويعني بالزوجين الحلو والحامض والعذب والملح والأبيض والأسود \r\n قوله تعالى يغشى الليل النهار قد شرحناه في الأعراف 54 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون \r\n قوله تعالى وفي الأرض قطع متجاورات فيها قولان \r\n أحدهما أنها الأرض السبخة والأرض العذبة تنبت هذه وهذه إلى جنبها لا تنبت هذا قول ابن عباس وأبي العالية ومجاهد والضحاك \r\n والثاني أنها القرى المتجاورات قاله قتادة وابن قتيبة وهو يرجع إلى معنى الأول \r\n قوله تعالى وزرع ونخيل قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان رفعا في الكل وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وزرع ونخيل صنوان ","part":4,"page":302},{"id":1823,"text":" وغير صنوان خفضا في الكل قال أبو علي من دفع فالمعنى وفي الأرض قطع متجاورات وجنات وفي الأرض زرع ومن خفض حمله على الأعناب فالمعنى جنات من أعناب ومن زرع ومن نخيل \r\n قوله تعالى صنوان وغير صنوان هذا من صفة النخيل قال الزجاج الصنوان جمع صنو وصنو ومعناه أن يكون الأصل واحدا وفيه النخلتان والثلاث والأربع وكذلك قال المفسرون الصنوان النخل المجتمع وأصله واحد وغير صنوان المتفرق وقرأ أبو رزين وابو عبد الرحمن السلمي وابن جبير وقتادة صنوان بضم الصاد قال الفراء لغة أهل الحجاز صنوان بكسر الصاد وتميم وقيس يضمون الصاد \r\n قوله تعالى تسقى بماء واحد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تسقى بالتاء ونفضل بالنون وقرأ حمزة والكسائي تسقى بالتاء أيضا لكنهما أمالا القاف وقرأ الحسن ويفضل بالياء وقرأ عاصم وابن عامر يسقى بالياء ونفضل بالنون وكلهم كسر الضاد وروى الحلبي عن عبد الوارث ضم الياء من يفضل وفتح الضاد بعضها برفع الضاد وقال الفراء من قرأ تسقى بالتاء ذهب إلى تأنيث الزرع والجنات والنخيل ومن كسر ذهب إلى النبت وذلك كله يسقى بماء واحد وأكله مختلف حامض وحلو ففي هذا آية قال المفسرون الماء الواحد ماء المطر والأكل الثمر بعضه أكبر من بعض وبعضه أفضل من بعض وبعضه حامض وبعضه حلو إلى غير ذلك وفي هذا دليل على بطلان قول الطبائعيين لأنه لو كان حدوث الثمر على طبع الأرض والهواء والماء وجب أن يتفق ما يحدث لاتفاق ما أوجب ","part":4,"page":303},{"id":1824,"text":" الحدوث فلما وقع الاختلاف دل على مدبر قادر إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أنه لا تجوز العبادة إلا لمن يقدر على هذا وإن تعجب فعجب قولهم ءإذا كنا ترابا ءإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \r\n قوله تعالى وإن تعجب أي من تكذيبهم وعبادتهم مالا ينفع ولا يضر بعدما رأوا من تأثير قدرة الله عز و جل في خلق الأشياء فانكارهم البعث موضع عجب وقيل المعنى وإن تعجب بما وقفت عليه من القطع المتجاورات وقدرة ربك في ذلك فعجب جحدهم البعث لأنه قد بان لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل من القدرة \r\n قوله تعالى أإذا كنا ترابا قرأ ابن كثير وأبو عمرو آيذا كنا ترابا آينا جميعا بالاستفهام غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد وقرأ نافع آيذا مثل أبي عمرو واختلف عنه في المد وقرأ إنا لفي خلق مكسورة على الخبر وقرأ عاصم وحمزة أإذا كنا أإنا بهمزتين فيهما وقرأ ابن عامر إذا كنا ترابا مكسورة الألف من غير استفهام أإنا يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا وروي عن ابن عامر أيضا أإذا بهمزتين لا ألف بينهما \r\n والأغلال جمع غل وفيها قولان أحدهما أنها أغلال يوم القيامة قاله الأكثرون والثاني أنها الأعمال التي هي أغلال قاله الزجاج ","part":4,"page":304},{"id":1825,"text":" ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال \r\n قوله تعالى ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهانزلت في كفار مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك قاله ابن عباس \r\n والثاني في مشركي العرب قاله قتادة \r\n والثالث في النضر بن الحارث حين قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك قاله مقاتل \r\n وفي السيئة والحسنة قولان \r\n أحدهما بالعذاب قبل العافية قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني بالشر قبل الخير قاله قتادة \r\n فأما المثلات فقرأ الجمهور بفتح الميم وقرأ عثمان وأبو رزين وأبو مجلز وسعيد بن جبير وقتادة والحسن وابن أبي عبلة برفع الميم \r\n ثم في معناها قولان \r\n أحدهما أنها العقوبات قاله ابن عباس وقال الزجاج المعنى قد تقدم ","part":4,"page":305},{"id":1826,"text":" من العذاب ما هو مثله وما فيه نكال لو أنهم اتعظوا وقال ابن الأنباري المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه من قولهم مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه أو أذنه أو سمل عينيه أو نحو ذلك \r\n والثاني أن المثلات الأمثال التي ضربها الله عز و جل لهم قاله مجاهد وأبو عبيدة \r\n قوله تعالى وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم قال ابن عباس لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وإنه لشديد العقاب للمصرين على الشرك وقال مقاتل لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب وإنه لشديد العقاب إذا عذب \r\n فصل \r\n وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء 48 والمحققون على أنها محكمة \r\n قوله تعالى لولا أنزل عليه آية من ربه لولا بمعنى هلا والآية التي طلبوها مثل عصا موسى وناقة صالح ولم يقنعوا بما رأوا فقال الله تعالى إنما أنت منذر أي مخوف عذاب الله وليس لك من الآيات شيء \r\n وفي قوله لكل قوم هاد ستة أقوال ","part":4,"page":306},{"id":1827,"text":" أحدها أن المراد بالهادي الله عز و جل رواه العوفي عنب ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والنخعي فيكون المعنى إنما إليك الإنذار والله الهادي \r\n والثاني أن الهادي الداعي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أن الهادي النبي صلى الله عليه و سلم قاله الحسن وعطاء وقتادة وابن زيد فالمعنى ولكل قوم نبي ينذرهم \r\n والرابع أن الهادي رسول الله صلى الله عليه و سلم أيضا قاله عكرمة وأبو الضحى والمعنى أنت منذر وأنت هاد \r\n والخامس أن الهادي العمل قاله أبو العالية \r\n والسادس أن الهادي القائد إلى الخير أو إلى الشر قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لمانزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على صدره فقال أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي فقال أنت الهادي يا علي بك يهتدى من بعدي قال المصنف وهذا من موضوعات الرافضة ","part":4,"page":307},{"id":1828,"text":" ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته ردا على منكري البعث فقال الله يعلم ما تحمل كل أنثى أي من علقة أو مضغة أو زائد أو ناقص أو ذكر أو أنثى أو واحد أو اثنين أو أكثر وما تغيض الأرحام أي وما تنقص وما تزداد وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها ما تغيض بالوضع لأقل من تسعة أشهر وما تزداد بالوضع لأكثر من تسعة أشهر رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني وما تغيض بالسقط الناقص وما تزداد بالولد التام رواه العوفي عن ابن عباس وعن الحسن كالقولين \r\n والثالث وما تغيض بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد وما تزداد إذا أمسكت الدم فيعظم الولد قاله مجاهد \r\n والرابع ما تغيض الأرحام من ولدته من قبل وما تزداد من تلده من بعد روي عن قتادة والسدي \r\n قوله تعالى وكل شيء عنده بمقدار أي بقدر قال أبو عبيدة هو مفعال من القدر قال ابن عباس علم كل شيء فقدره تقديرا \r\n قوله تعالى عالم الغيب والشهادة قد شرحنا ذلك في الأنعام 6 و الكبير بمعنى العظيم ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو فهو أكبر من كل كبير لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى عظمته ويقال الكبير الذي كبر عن مشابهة المخلوقين \r\n فأما المتعال فقرأ ابن كثير المتعالي بياء في الوصل والوقف وكذلك ","part":4,"page":308},{"id":1829,"text":" روى عبد الوارث عن أبي عمرو واثبتها في الوقف دون الوصل ابن شنبوذ عن قنبل والباقون بغير ياء في الحالين والمتعالي هو المتنزه عن صفات المخلوقين قال الخطابي وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه وروي عن الحسن أنه قال المتعالي عما يقول المشركون سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار \r\n قوله تعالى سواء منكم قال ابن الأنباري ناب سواء عن مستو والمعنى مستو منكم من اسر القول أي أخفاه وكتمه ومن جهر به أعلنه وأظهره والمعنى أن السر والجهر سواء عنده \r\n قوله تعالى ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار فيه قولان \r\n أحدهما أن المستخفي هو المستتر المتواري في ظلمة الليل والسارب بالنهار الظاهر المتصرف في حوائجة يقال سربت الإبل تسرب إذا مضت في الأرض ظاهرة وأنشدوا ... أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب ","part":4,"page":309},{"id":1830,"text":" أي ذاهب ومعنى الكلام أن الظاهر والخفي عنده سواء هذا قول الأكثرين وروى العوفي عن ابن عباس ومن هو مستخف قال صاحب ريبة بالليل فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم \r\n والثاني أن المستخفي بالليل الظاهر والسارب بالنهار المستتر يقال انسرب الوحش إذا دخل في كناسه وهذا قول الأخفش وذكره قطرب أيضا واحتج له ابن جرير بقولهم خفيت الشيء إذا أظهرته ومنه أكاد أخفيها طه 15 بفتح الألف أي أظهرها قال وإنما قيل للمتوارى سارب لأنه صار في السرب مستخفيا له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال \r\n قوله تعالى له معقبات في هاء له أربعة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والثاني إلى الملك من ملوك الدنيا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث إلى الإنسان قاله الزجاج \r\n والرابع إلى الله تعالى ذكره ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي \r\n وفي المعقبات قولان \r\n أحدهما أنها الملائكة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والحسن وقتادة في آخرين قال الزجاج والمعنى للإنسان ملائكة يعتقبون يأتي بعضهم بعقب بعض وقال أكثر المفسرين هم الحفظة اثنان بالنهار ","part":4,"page":310},{"id":1831,"text":" واثنان بالليل إذا مضى فريق خلف بعده فريق ويجتمعون عند صلاة المغرب والفجر وقال قوم منهم ابن زيد هذه الآية خاصة في رسول الله صلى الله عليه و سلم عزم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على قتله فمنعه الله منهما وأنزل هذه الآية \r\n والقول الثاني أن المعقبات حراس الملوك الذين يتعاقبون الحرس وهذا مروي عن ابن عباس وعكرمة وقال الضحاك هم السلاطين المشركون المحترسون من الله تعالى \r\n وفي قوله يحفظونه من أمر الله سبعة أقوال \r\n أحدها يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون هذا على قول من قال هي في المشركين المحترسين من أمر الله \r\n والثاني أن المعنى حفظهم له من أمر الله قاله ابن عباس وابن جبير فيكون تقدير الكلام هذا الحفظ مما أمرهم الله به \r\n والثالث يحفطونه بأمر الله قاله الحسن ومجاهد وعكرمة قال اللغويون والباء تقوم مقام من وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض ","part":4,"page":311},{"id":1832,"text":" والرابع يحفظونه من الجن قاله مجاهد والنخعي وقال كعب لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتخطفتكم الجن وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فإذا أراده شيء قال وراءك وراءك إلا شيء قد قضي له أن يصيبه وقال أبو مجلز جاء رجل من مراد إلى علي عليه السلام فقال احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة \r\n والخامس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والمعنى له معقبات من أمر الله يحفظونه قاله أبو صالح والفراء \r\n والسادس يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له ذكره أبو سليمان الدمشقي واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال يحفظونه من أمر الله حتى إذا جاء القدر خلوا عنه وقال عكرمة يحفظونه لأمر الله \r\n والسابع يحفظون عليه الحسنات والسيئات قاله ابن جريج قال الأخفش وإنما أنث المعقبات لكثرة ذلك منها نحو النسابة والعلامة ثم ذكر في قوله يحفظونه لأن المعنى مذكر \r\n قوله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم أي لايسلبهم نعمه حتى يغيروا ما بأنفسهم فيعملوا بمعاصيه قال مقاتل ويعني بذلك كفار مكة \r\n قوله تعالى وإذا أراد الله بقوم سوءا فيه قولان \r\n أحدهما أنه العذاب والثاني البلاء \r\n قوله تعالى فلا مرد له أي لا يرده شيء ولا تنفعه المعقبات ","part":4,"page":312},{"id":1833,"text":" وما لهم من دونه يعني من دون الله من وال أي من ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال \r\n قوله تعالى هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها خوفا للمسافر وطمعا للمقيم قاله أبو صالح عن ابن عباس قال قتادة فالمسافر خاف أذاه ومشقته والمقيم يرجو منفعته \r\n والثاني خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الحسن \r\n والثالث خوفا للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يرجو الانتفاع به ذكره الزجاج \r\n والرابع خوفا من العقاب وطمعا في الثواب ذكره الماوردي وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد يقول إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض \r\n قوله تعالى وينشئ السحاب الثقال أي ويخلق السحاب الثقال بالماء قال الفراء السحاب وإن كان لفظه واحدا فإنه جمع واحدته سحابة جعل نعته على الجمع كما قال متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان الرحمن 76 ولم يقل أخضر ولا حسن ويسبح الرعد بحمده والملئكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال \r\n قوله تعالى ويسبح الرعد بحمده فيه قولان ","part":4,"page":313},{"id":1834,"text":" أحدهما أنه إسم الملك الذي يزجر السحاب وصوته تسبيحه قاله مقاتل \r\n والثاني أنه الصوت المسموع وإنما خص الرعد بالتسبيح لأنه من أعظم الأصوات قال ابن الأنباري وإخباره عن الصوت بالتسبيح مجاز كما يقول القائل قد غمني كلامك \r\n قوله تعالى والملائكة من خيفته في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله عز و جل وهو الأظهر قال ابن عباس يخافون الله وليس كخوف ابن آدم لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره ولا يشغله عن عبادة الله شيء \r\n والثاني أنها ترجع إلى الرعد ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أربد بن قيس وعامر ابن الطفيل أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يريدان الفتك به فقال اللهم اكفنيهما بما شئت فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وأما عامر فأصابته غدة فهلك فأنزل الله تعالى هذه الآية هذا قول الأكثرين منهم ابن جريج وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه ","part":4,"page":314},{"id":1835,"text":" والثاني أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال حدثني يا محمد عن إلهك أياقوت هو اذهب هو فنزلت على السائل صاعقة فأحرقته ونزلت هذه الآية قاله علي عليه السلام قال مجاهد وكان يهوديا وقال أنس بن مالك بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بعض فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى فقال للرسول وما الله أمن ذهب هو أم من فضة أم من نحاس فرجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال ارجع إليه فادعه فرجع فأعاد عليه الكلام إلى أن رجع إليه ثالثة فبينما هما يتراجعان الكلام إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف راسه ونزلت هذه الآية \r\n والثالث أنها في رجل أنكر القرآن وكذب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته ونزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n قوله تعالى وهم يجادلون في الله فيه قولان \r\n أحدهما يكذبون بعظمة الله قاله ابن عباس \r\n والثاني يخاصمون في الله حيث قال قائلهم أهو من ذهب أم من فضة على ما تقدم بيانه \r\n قوله تعالى وهو شديد المحال فيه خمسة أقوال ","part":4,"page":315},{"id":1836,"text":" أحدها شديد الأخذ قاله علي عليه السلام \r\n والثاني شديد المكر شديد العداوة رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث شديد العقوبة قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مجاهد في رواية عنه شديد الانتقام وقال أبو عبيدة شديد العقوبة والمكر والنكال وأنشد للأعشى ... فرع نبع يهتز في غصن المجد ... غزير الندى شديد المحال ... \r\n إن يعاقب يكن غراما وإن يغط ... جزيلا فإنه لا يبالي ... \r\n وقال ابن قتيبة شديد المكر واليد وأصل المحال الحيلة \r\n والرابع شديد القوة قاله مجاهد قال الزجاج يقال ما حلته محالا إذا قاويته حتى تبين له أيكما الأشد والمحل في اللغة الشدة \r\n والخامس شديدالحقد قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسندا من طرق وقد رواه عنه جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري والنقاش ولا يجوز هذا في صفات الله تعالى قال النقاش هذا قول منكر عند أهل الخبر والنظر في اللغة لا يجوز أن تكون هذه صفة من صفات الله عز و جل والذي أختاره في هذا ما قاله علي عليه السلام شديد الأخذ يعني أنه إذا أخذ الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته ","part":4,"page":316},{"id":1837,"text":" له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال \r\n قوله تعالى له دعوة الحق فيه قولان \r\n أحدهما أنها كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله قاله علي وابن عباس والجمهور فالمعنى له من خلقه الدعوة الحق فأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين \r\n والثاني أن الله عز و جل هو الحق فمن دعاه دعا الحق قاله الحسن \r\n قوله تعالى والذين يدعون من دونه يعني الأصنام يدعونها آلهة قال أبو عبيدة المعنى والذين يدعون غيره من دونه \r\n قوله تعالى لا يستجيبون لهم أي لا يجيبونهم \r\n قوله تعالى إلا كباسط كفيه إلى الماء فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه قاله علي عليه السلام وعطاء \r\n والثاني أنه الرجل العطشان قد وضع كفيه في الماء وهو لا يرفعهما رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنه العطشان يرى خياله في الماء من بعيد فهو يريد أن يتناوله فلا يقدر عليه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أنه الرجل يدعو الماءبلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا قاله مجاهد \r\n والخامس أنه الباسط كفيه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم ","part":4,"page":317},{"id":1838,"text":" له ذلك والعرب تقول من طلب مالا يجد فهو القابض على الماء وأنشدوا ... وإني وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله ... \r\n أي لم تحمله والوسق الحمل وقال آخر ... فأصبحت مما كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد ... \r\n هذا قول أبي عبيدة وابن قتيبة \r\n قوله تعالى وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فيه قولان \r\n أحدهما وما دعاء الكافرين ربهم إلى في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل قاله مقاتل ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال \r\n قوله تعالى ولله يسجد من في السموات أي من الملائكة ومن في الأرض من المؤمنين طوعا وكرها \r\n وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه سجود من دخل في الإسلام بالسيف قاله ابن زيد \r\n والثاني أنه سجود ظل الكافر قاله مقاتل ","part":4,"page":318},{"id":1839,"text":" والثالث أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر \r\n قوله تعالى وظلالهم أي وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها وسجودها تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير بالطول والقصر قال ابن الأنباري قال اللغويون الظل ما كان بالغدوات قبل انبساط الشمس والفيء ما كان بعد انصراف الشمس وإنما سمى فيئا لأنه فاء أي رجع إلى الحال التي كان عليها قبل ان تنبسط الشمس وما كان سوى ذلك فهو ظل نحو ظل الإنسان وظل الجدار وظل الثوب وظل الشجرة قال حميد ابن ثور ... فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق ... \r\n وقال لبيد \r\n بينما الظل ظليل مونق ... طلعت شمس عليه فأضمحل ... \r\n وقال آخر ... أيا أثلات القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أظلالكن طويل ... \r\n وقيل إن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد الله وقد شرحنا معنى الغدو والآصال في الأعراف 7 ","part":4,"page":319},{"id":1840,"text":" قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار \r\n قوله تعالى قل من رب السموات والأرض قل الله إنما جاء السؤال والجواب من جهة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء فلما لم ينكروا كان كأنهم أجابوا ثم ألزمهم الحجة بقوله قل أفاتخذتم من دونه أولياء يعني الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي يعبد الله بقوله قل هل يستوي الأعمى والبصير يعني المشرك والمؤمن أم هل تستوي الظلمات والنور وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم تستوي بالتاء وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم يستوي بالياء قال أبو علي التأنيث حسن لأنه فعل مؤنث والتذكير سائغ لأنه تأنيث غير حقيقي ويعني الظلمات والنور الشرك والإيمان أم جعلوا الله شركاء قال ابن الأنباري معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء وهذا استفهام إنكار والمعنى ليس الأمر على هذا بل إذا فكروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق وغيره لا يخلق شيئا \r\n قوله تعالى قل الله خالق كل شيء قال الزجاج قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء وقد ذكرنا في يوسف 39 معنى الواحد القهار ","part":4,"page":320},{"id":1841,"text":" أنزلنا من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأويهم جهنم وبئس المهاد \r\n قوله تعالى أنزل من السماء ماء يعني المطر فسالت أودية وهي جمع واد وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل بقدرها أي بمبلغ ما تحمل فإن صغر الوادي قل الماء وإن هو اتسع كثر وقرأ الحسن وابن جبير وابو العالية وايوب وابن يعمر وأبو حاتم عن يعقوب بقدرها باسكان الدال وقوله فسالت أودية توسع في الكلام والمعنى سالت مياهها فحذف المضاف وكذلك قوله بقدرها أي بقدر مياهها فاحتمل السيل زبدا رابيا أي عاليا فوق الماء فهذا مثل ضربه الله عز و جل ثم ضرب مثلا آخر فقال ومما توقدون عليه في النار قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم توقدون عليه بالتاس وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء قال أبو علي من قرأ بالتاء فلما قبله من الخطاب وهو قوله أفاتخذتم ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله أم جعلوا لله شركاء ","part":4,"page":321},{"id":1842,"text":" ويعني بقوله ومما توقدون عليه ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر ابتغاء حلية يعني الذهب والفضة أو متاع يعني الحديد والصفر والنحاس والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها زبد مثله أي له زبد إذا أذيب مثل زبد السيل فهذا مثل آخر \r\n وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن شبه نزوله من السماء بالماء وشبه قلوب العباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فيستكن فيها فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به \r\n والثاني أنه الحق والباطل فالحق شبه بالماء الباقي الصافي والباطل مشبه بالزبد الذاهب فهو وإن علا على الماء فإنه سيمحق كذلك الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال فإن الله سيبطله \r\n والثالث أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فمثل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفع به ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد \r\n قوله تعالى كذلك أي كما ذكر هذا يضرب الله مثل الحق والباطل وقال أبو عبيدة كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل \r\n فأما الجفاء فقال ابن قتيبة هو ما رمى به الوادي إلى جنباته يقال أجفأت القدر بزبدها إذا ألقته عنها قال ابن فارس الجفاء ما نفاه السيل ومنه اشتقاق الجفاء وقال ابن الأنباري جفاء أي باليا متفرقا قال ابن عباس إذا مس الزبد لم يكن شيئا ","part":4,"page":322},{"id":1843,"text":" قوله تعالى وأما ما ينفع الناس من الماء والجواهر التي زال زبدها فيمكث في الأرض فينتفع به كذلك يبقى الحق لأهلهقوله تعالى للذين استجابوا لربهم يعني المؤمنين والذين لم يستجيبوا له يعني الكفار قال أبو عبيدة استجبت لك واستجبتك سواء وهو بمعنى أجبت \r\n وفي الحسنى ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها الجنة قاله ابن عباس والجمهور والثاني أنها الحياة والرزق قاله مجاهد والثالث كل خير من الجنة فما دونها قاله أبو عبيدة \r\n قوله تعالى لا فتدوا به اي لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب ولا يقبل منهم وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها المناقشة بالأعمال رواه ابو الجوزاء عن ابن عباس وقال النخعي هو أن يحاسب بذنبه كله فلا يغفر له منه شيء \r\n والثاني أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة \r\n والثالث أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب \r\n قوله تعالى أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى قال ابن عباس نزلت في حمزة وأبي جهل إنما يتذكر أي إنما يتعظ ذوو العقول والتذكر الاتعاظ ","part":4,"page":323},{"id":1844,"text":" الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب \r\n قوله تعالى الذين يوفون بعهد الله في هذا العهد قولان \r\n أحدهما أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم \r\n والثاني ما أمرهم به وفرضه عليهم وفي الذي أمر الله به عز و جل أن يوصل ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة البقرة 27 وقد ذكرنا سوء الحساب آنفا والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار \r\n قوله تعالى والذين صبروا أي على ما أمروا به ابتغاء وجه ربهم أي طلبا لرضاه وأقاموا الصلاة أتموها وأنفقوا مما رزقناهم من الأموال في طاعة الله قال ابن عباس يريد بالصلاة الصلوات الخمس وبالإنفاق الزكاة \r\n قوله تعالى ويدرؤون أي يدفعون بالحسنة السيئة وفي المراد بهما خمسة أقوال \r\n أحدها يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل قاله ابن عباس وفي الثاني يدفعون بالمعروف المنكر قاله سعيد بن جبير والثالث بالعفو الظلم قاله ","part":4,"page":324},{"id":1845,"text":" جويبر والرابع بالحلم السفه كأنهم إذا سفه عليهم حلموا قاله ابن قتيبة \r\n والخامس بالتوبة الذنب قاله ابن كيسان \r\n قوله تعالى أولئك لهم عقبى الدار قال ابن عباس يريد عقباهم الجنة أي تصير الجنة آخر أمرهم \r\n قوله تعالى ومن صلح وقرأ ابن أبي عبلة صلح بضم اللام ومعنى صلح آمن وذلك أن الله تعالى ألحق المؤمن أهله المؤمنين إكراما له لتقر عينه بهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب قال ابن عباس بالتحية من الله والتحفة والهدايا \r\n قوله تعالى سلام عليكم قال الزجاج أضمر القول هاهنا لأن في الكلام دليلا عليه وفي هذا السلام قولان \r\n أحدهما أنه التحية المعروفة يدخل الملك فيسلم وينصرف قال ابن الأنباري وفي قول المسلم سلام عليكم قولان أحدهما أن السلام الله عز و جل والمعنى الله عليكم أي على حفظكم والثاني أن المعنى السلامة عليكم فالسلام جمع سلامة \r\n والثاني أن معناه إنما سلمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا \r\n وفيما صبروا عليه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه أمر الله قاله سعيد بن جبير والثاني فضول الدنيا قاله الحسن والثالث الدين والرابع الفقر رويا عن أبي عمران الجوني والخامس أنه فقد المحبوب قاله ابن زيد ","part":4,"page":325},{"id":1846,"text":" والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار \r\n قوله تعالى والذين ينقضون عهد الله قد سبق تفسيره في سورة البقرة 27 وقال مقاتل نزلت في كفار أهل الكتاب \r\n قوله تعالى أولئك لهم اللعنة أي عليهم الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحيوة الدنيا وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع \r\n قوله تعالى الله يبسط الرزق لمن يشاء أي يوسع على من يشاء ويقدر أي يضيق وفرحوا بالحياة الدنيا قال ابن عباس يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا فطغوا وكذبوا الرسل \r\n قوله تعالى وما الحياة الدنيا في الآخرة أي بالقياس إليها إلا متاع أي كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب \r\n قوله تعالى ويقول الذين كفروا نزلت في مشركي مكة حين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل آيات الأنبياء قل إن الله يضل من يشاء أي يرده عن الهدى كما ردكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها ويهدي ","part":4,"page":326},{"id":1847,"text":" إليه من أناب أي رجع إلى الحق وإنما يرجع إلى الحق من شاء الله رجوعه فكأنه قال ويهدي من يشاء الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب \r\n قوله تعالى الذين آمنوا هذا بلد من قوله أناب والمعنى يهدي الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله في هذا الذكر قولان \r\n أحدهما أنه القرآن والثاني ذكر الله على الإطلاق \r\n وفي معنى هذه الطمأنينة قولان \r\n أحدهما أنها الحب له والأنس به والثاني السكون إليه من غير شك بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم \r\n قوله تعالى ألا بذكر الله قال الزجاج ألا حرف تنبيه وابتداء والمعنى تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين لأن الكافر غير مطمئن القلب \r\n قوله تعالى طوبى لهم فيه ثمانية أقوال \r\n قوله تعالى طوبى لهم فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه اسم شجرة في الجنة روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن رجلا قال يا رسول الله ما طوبى قال شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها وقال أبو هريرة طوبى شجرة في الجنة يقول الله عز و جل لها تفتقي لعبدي عما شاء فتتفتق له عن ","part":4,"page":327},{"id":1848,"text":" الخيل بسروجها ولجمها وعن الإبل بأزمتها وعما شاء من الكسوة وقال شهر بن حوشب طوبى شجرة في الجنة كل شجر الجنة منها أغصانها من وراء سور الجنة وهذا مذهب عطية وشمر بن عطية ومغيث بن سمي وأبي صالح \r\n والثاني أنه اسم الجنة بالحبشية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال المصنف وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مسجوح قال طوبى اسم الجنة بالهندية وممن ذهب إلى أنه اسم الجنة عكرمة وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث أن معنى طوبى لهم فرح وقرة عين لهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أن معناه نعمى لهم قاله عكرمة في رواية وفي رواية أخرى عنه نعم مالهم \r\n والخامس غبطة لهم قاله سعيد بن جبير والضحاك \r\n والسادس أن معناه خير لهم قاله النخعي في رواية وفي أخرى عنه قال الخير والكرامة اللذان أعطاهم الله وروى معمر عن قتادة قال يقول الرجل للرجل طوبى لك أي أصبت خيرا وهي كلمة عربية \r\n والسابع حسنى لهم رواه سعيد عن قتادة عن الحسن \r\n والثامن أن المعنى العيش الطيب لهم و طوبى عند النحويين فعلى من الطيب هذا قول الزجاج وقال ابن الأنباري تأويلها الحال ","part":4,"page":328},{"id":1849,"text":" المستطابة والخلة المستلذة وأصلها طيبى فصارت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها كما صارت في موقن والأصل فيه ميقن لأنه مأخوذ من اليقين فغلبت الضمة فيه الياء فجعلتها واوا \r\n قوله تعالى وحسن مآب المآب المرجع والمنقلب كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب \r\n قوله تعالى كذلك أرسلناك أي كما أرسنا الأنبياء قبلك \r\n قوله تعالى وهم يكفرون بالرحمن في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قال لكفار قريش اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت هذه الآية وقيل لهم إن الرحمن الذي أنكرتم هو ربي هذا قول الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية كتب علي عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فنزلت هذه الآية قاله قتادة وابن جريج ومقاتل \r\n والثالث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يوما في الحجر يدعو وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول يا رحمن فولى مدبرا إلى المشركين فقال إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين فنزلت هذه الآية ذكره علي بن أحمد النيسابوري \r\n قوله تعالى وإليه متاب قال أبو عبيدة هو مصدر تبت إليه ","part":4,"page":329},{"id":1850,"text":" ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم يايئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى ياتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب \r\n قوله تعالى ولو أن قرآنا سيرت به الجبال سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لو وسعت لنا أودية مكة بالقرآن وسرت جبالها فاحترثناها وأحييت من مات منا فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وقال الزبير بن العوام قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه و سلم ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنزرع أو يحيى لنا موتانا فنكلمهم أو يصير هذه الصخرة ذهبا فتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فقد كان للأنبياء آيات فنزلت هذه الآية ونزل قوله ومامنعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون الاسراء 59 ومعنى قوله أو قطعت به الأرض أي شققت فجعلت أنهارا أو كلم به الموتى أي أحيوا حتى كلموا \r\n واختلفوا في جواب لو على قولين \r\n أحدهما أنه محذوف وفي تقدير الكلام قولان أحدهما أن تقديره لكان هذا القرآن ذكره الفراء وابن قتيبة قال قتادة لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم والثاني أن تقديره لو كان هذا كله لما آمنوا ","part":4,"page":330},{"id":1851,"text":" ودليله قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة إلى آخر الآية الأنعام 111 قاله الزجاج \r\n والثاني أن جواب لو مقدم والمعنى وهم يكفرون بالرحمن ولو أنزلنا عليهم ما سالوا ذكره الفراء أيضا \r\n قوله تعالى بل لله الأمر جميعا أي لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات ثم أكد ذلك بقوله أفلم ييأس الذين آمنوا وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أفلم يتبين رواه العوفي عن ابن عباس وروى عنه عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك ويقول أظن الكاتب كتبها وهو ناعس وهذا قول مجاهد وعكرمة وأبي مالك ومقاتل \r\n والثاني أفلم يعلم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد وقال ابن قتيبة ويقال هي لغة للنخع ييأس بمعنى يعلم قال الشاعر ... أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ... \r\n وإنما وقع اليأس في مكان العلم لأن في علمك الشيء وتيقنك به يأسك من غيره ","part":4,"page":331},{"id":1852,"text":" والثالث أن المعنى قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدا ولو شاء الله لهدى الناس جميعا قاله أبو العالية \r\n والرابع أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون قاله الكسائي وقال الزجاج المعنى عندي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا \r\n قوله تعالى ولا يزال الذين كفروا فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم جميع الكفار قاله ابن السائب والثاني كفار مكة قاله مقاتل \r\n فأما القارعة فقال الزجاج هي في اللغة النازلة الشديدة تنزل بأمر عظيم \r\n وفي المراد بها هاهنا قولان \r\n أحدهما أنها عذاب من السماء رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله عكرمة \r\n وفي قوله أو تحل قريبا من دارهم قولان \r\n أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فالمعنى أو تحل أنت يا محمد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة \r\n والثاني أنها القارعة قاله الحسن \r\n وفي قوله حتى يأتي وعد الله قولان \r\n أحدهما فتح مكة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني القيامة قاله الحسن أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر ","part":4,"page":332},{"id":1853,"text":" من القول بل زين للذين كفروامكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله في له من هاد \r\n قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت يعني نفسه عز و جل ومعنى القيام هاهنا التولي لأمور خلقه والتدبير لأرزاقهم وآجالهم وإحصاء أعمالهم للجزاء والمعنى أفمن هو مجازي كل نفس بما كسبت يثيبها إذا أحسنت ويأخذها بما جنت كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام قال الفراء فترك جوابه لأن المعنى معلوم وقد بينه بعد هذا بقوله وجعلوا لله شركاء كأنه قيل كشركائهم \r\n قوله تعالى قل سموهم أي بما يستحقونه من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يسمى الله بالخالق والرازق والمحيي والمميت ولو سموهم بشيء من هذا لكذبوا \r\n قوله تعالى أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض هذا استفهام منقطع مما قبله والمعنى فإن سموهم بصفات الله فقل لهم أتنبئونه أي أتخبرونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا ولو كان لعلمه \r\n قوله تعالى أم بظاهر من القول فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أم بظن من القول قاله مجاهد والثاني بباطل قاله قتادة والثالث بكلام لا أصل له ولا حقيقة \r\n قوله تعالى بل زين للذين كفروا مكرهم قال ابن عباس زين لهم الشيطان الكفر \r\n قوله تعالى وصدوا عن السبيل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وصدوا بفتح الصاد ومثله في حم المؤمن غافر 37 وقرأ ","part":4,"page":333},{"id":1854,"text":" عاصم وحمزة والكسائي وصدوا بالضم فيهما فمن فتح أراد صدوا المسلمين إما عن الإيمان أو عن البيت الحرام ومن ضم أراد صدهم الله عن سبيل الهدى لهم عذاب في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق \r\n قوله تعالى لهم عذاب في الحياة الدنيا وهو القتل والأسر والسقم فهو لهم في الدنيا عذاب وللمؤمنين كفارة ولعذاب الآخرة أشق أي أشد وما لهم من الله من واق أي مانع يقيهم عذابه مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار \r\n قوله تعالى مثل الجنة أي صفتها أن الأنهار تجري من تحتها هذا قول الجمهور وقال ثعلب خبر المثل مضمر قبله والمعنى فيما نصف لكم مثل الجنة وفيما نقصه عليكم خبر الجنة أكلها دائم قال الحسن يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا وظلها لأنه لا يزول ولا تنسخه الشمس \r\n قوله تعالى تلك عقبى الذين اتقوا أي عاقبة أمرهم المصير إليها والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب \r\n قوله تعالى والذين آتيناهم الكتاب فيه ثلاثة أقوال ","part":4,"page":334},{"id":1855,"text":" أحدها أنهم مسلمو اليهود قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل هم عبد الله بن سلام وأصحابه \r\n والثاني أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله قتادة \r\n والثالث مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى ذكره الماوردي والذي أنزل إليه القرآن فرح به المسلمون وصدقوه وفرح به مؤمنو أهل الكتاب لأنه صدق ما عندهم وقيل إن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما نزل ذكره فرحوا وكفر المشركون به فنزلت هذه الآية \r\n فأما الأحزاب فهم الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمعاداة وفيهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود والنصارى قاله قتادة والثاني أنهم اليهود والنصارى والمجوس قاله ابن زيد والثالث بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى قاله مقاتل والرابع كفار قريش ذكره الماوردي \r\n وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ذكر الرحمن والبعث ومحمد صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل \r\n والثاني أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوته \r\n والثالث أنهم عرفوا صدقه وأنكروا تصديقه ذكرهما الماوردي وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق \r\n قوله تعالى وكذلك أنزلناه أي وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء ","part":4,"page":335},{"id":1856,"text":" بلغاتهم أنزلنا عليك القرآن حكما عربيا قال ابن عباس يريد ما فيه من الفرائض وقال أبو عبيدة دينا عربيا \r\n قوله تعالى ولئن اتبعت أهواءهم فيه قولان \r\n أحدهما في صلاتك إلى بيت المقدس بعد ما جاءك من العلم أن قبلتك الكعبة قاله ابن السائب \r\n والثاني في قبول ما دعوك إليه من ملة آبائك قاله مقاتل \r\n قوله تعالى مالك من الله من ولي أي مالك من عذاب الله من قريب ينفعك ولا واق يقيك ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب \r\n قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك الآية سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه و سلم بكثرة التزويج وقالوا لو كان نبيا كما يزعم شغلته النبوة عن تزويج النساء فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية أن الرسل قبلك كانوا بشرا لهم أزواج يعني النساء وذرية يعني الأولاد وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله أي بأمره وهذا جواب للذين اقترحوا عليه الآيات \r\n قوله تعالى لكل أجل كتاب فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله قاله الحسن \r\n والثاني أنه من المقدم والمؤخر والمعنى لكل كتاب ينزل من السماء أجل قاله الضحاك والفراء ","part":4,"page":336},{"id":1857,"text":" والثالث لكل أجل قدره الله عز و جل ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه ولا تكون آية ولا غيرها إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب هذا معنى قول ابن جرير يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب \r\n قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويثبت ساكنة الثاء خفيفة الباء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويثبت مشددة الباء مفتوحة الثاء قال أبو علي المعنى ويثبته فاستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني \r\n واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال \r\n أحدهها أنه عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة وهذا مذهب عمر وابن مسعود وأبي وائل والضحاك وابن جريج \r\n والثاني أنه الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والقرظي وابن زيد وقال ابن قتيبة يمحو الله ما يشاء أي ينسخ من القرآن ما يشاء ويثبت أي يدعه ثابتا لا ينسخه وهو المحكم \r\n والثالث أنه يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ودليل هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذامضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك الموكل أذكر أم أنثى فيقضي ","part":4,"page":337},{"id":1858,"text":" الله تعالى ويكتب الملك فيقول أشقى أم سعيد فيقضي الله ويكتب الملك فيقول عمله وأجله فيقضي الله ويكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها \r\n والرابع يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران قاله مجاهد \r\n والخامس يمحو من جاء أجله ويثبت من لم يجئ أجله قاله الحسن \r\n والسادس يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها روي عن سعيد بن جبير \r\n والسابع يمحو ما يشاء بالتوبة ويثبت مكانها حسنات قاله عكرمة \r\n والثامن يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه ثواب وعقاب قاله الضحاك وأبو صالح وقال ابن السائب القول كله يكتب حتى إذا كان في يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قولك أكلت شربت دخلت خرجت ونحوه وهو صادق ويثبت ما فيه الثواب والعقاب \r\n قوله تعالى وعنده أم الكتاب قال الزجاج أصل الكتاب قال المفسرون ","part":4,"page":338},{"id":1859,"text":" وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله تعالى في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت وروى عكرمة عن ابن عباس قال هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب \r\n قوله تعالى وإما نرينك بعض الذي نعدهم أي من العذاب وأنت حي أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فليس عليك إلا أن تبلغ وعلينا الحساب قال مقاتل يعني الجزاء وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله فإنما عليك البلاغ نسخ بآية السيف وفرض الجهاد وبه قال قتادة أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب \r\n قوله تعالى أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها فيه خمسة أقوال ","part":4,"page":339},{"id":1860,"text":" أحدها أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن والضحاك قال مقاتل أولم يروا يعني كفار مكة أنا نأتي الأرض يعني أرض مكة ننقصها من أطرافها يعني ما حولها \r\n والثاني أنها القرية تخرب حتى تبقى الأبيات في ناحيتها رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة \r\n والثالث أنه نقص أهلها وبركتها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال الشعبي نقص الأنفس والثمرات \r\n والرابع أنه ذهاب فقهائها وخيار أهلها رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والخامس أنه موت أهلها قاله مجاهد وعطاء وقتادة \r\n قوله تعالى والله يحكم لا معقب لحكمه قال ابن قتيبة لا يتقعبه أحد بتغيير ولا نقص وقد شرحنا معنى سرعة الحساب في سورة البقرة 202 وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار \r\n قوله تعالى وقد مكر الذين من قبلهم يعني كفار الأمم الخالية ","part":4,"page":340},{"id":1861,"text":" مكروا بأنبيائهم يقصدون قتلهم كمامكرت قريش برسول الله صلى الله عليه و سلم ليقتلوه فلله المكر جميعا يعني أن مكر الماكرين مخلوق له ولا يضر إلا بإرادته وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم وتسكين له يعلم ماتكسب كل نفس من خير وشر ولا يقع ضرر إلا بإذنه وسيعلم الكافر قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وسيعلم الكافر قال ابن عباس يعني أبا جهل وقال الزجاج الكافر هاهنا اسم جنس وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي الكفار على الجمع \r\n قوله تعالى لمن عقبى الدار أي لمن الجنة آخر الأمر ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب \r\n قوله تعالى ويقول الذين كفروا فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود والنصارى والثاني كفار قريش قل كفى بالله شهيدا اي شاهدا بيني وبينكم بما أظهر من الآيات وابان من الدلالات على نبوتي \r\n قوله تعالى ومن عنده علم الكتاب فيه سبعة أقوال \r\n أحدها أنهم علماء اليهود والنصارى رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه عبد الله بن سلام قاله الحسن ومجاهد وعكرمة وابن زيد وابن السائب ومقاتل \r\n والثالث أنهم قوم من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري قاله قتادة ","part":4,"page":341},{"id":1862,"text":" والرابع أنه جبريل عليه السلام قاله سعيد بن جبير \r\n والخامس أنه علي بن أبي طالب قاله ابن الحنفية \r\n والسادس أنه بنيامين قاله شمر \r\n والسابع أنه الله تعالى روي عن الحسن ومجاهد واختاره الزجاج واحتج له بقراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب وهي قراءة ابن السميفع وابن أبي عبلة ومجاهد وأبي حيوة ورواية ابن أبي سريج عن الكسائي ومن بكسر الميم عنده بكسر الدال علم بضم الميم وكسر اللام وفتح الميم الكتاب بالرفع وقرأ الحسن ومن بكسر الميم عنده بكسر الدال علم بكسر العين وضم الميم الكتاب مضاف كأنه قال أنزل من علم الله عز و جل ","part":4,"page":342},{"id":1863,"text":" سورة إبراهيم عليه السلام \r\n وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم إلا ما روي عن ابن عباس وقتاده أنهما قالا سوى آيتين منها وهما قوله ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا والتي بعدها إبراهيم 28 29 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد \r\n قوله تعالى آلر قد سبق بيانه يونس 1 وقوله كتاب قال الزجاج المعنى هذا كتاب والكتاب القرآن \r\n وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الظلمات الكفر والنور الإيمان رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أن الظلمات الضلالة والنور الهدى قاله مجاهد وقتادة ","part":4,"page":343},{"id":1864,"text":" والثالث أن الظلمات الشك والنور اليقين ذكره الماوردي \r\n وفي قوله بإذن ربهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها بأمر ربهم قاله مقاتل والثاني بتوفيق ربهم قاله أبو سليمان والثالث أنه الإذن نفسه فالمعنى بما أذن لك من تعليمهم قاله الزجاج قال ثم بين ما النور فقال إلى صراط العزيز الحميد قال ابن الأنباري وهذا مثل قول العرب جلست إلى زيد إلى العاقل الفاضل وإنما تعاد إلى بمعنى التعظيم للأمر قال الشاعر ... إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبني باسمها ودعوت ... دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيتها من حبها وقضيت ... فأعاد دعوت لتفخيم الأمر \r\n قوله تعالى الله الذي له ما في السموات قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي الحميد الله على البدل وقرأ نافع وابن عامر وأبان والمفضل الحميد الله رفعا على الاستئناف وقد سبق بيان ألفاظ الآية الذين يستحبون الحيوة الدنيا على ا لآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ","part":4,"page":344},{"id":1865,"text":" ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجيكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم \r\n قوله تعالى الذين يستحبون الحياة الدنيا أي يؤثرونها على الآخرة قال ابن عباس يأخذون ما تعجل لهم منها تهاونا بأمر الآخرة \r\n قوله تعالى ويصدون عن سبيل أي يمنعون الناس من الدخول في دينه ويبغونها عوجا قد شرحناه في آل عمران 99 \r\n قوله تعالى أولئك في ضلال أي في ذهاب عن الحق بعيد من الصواب \r\n قوله تعالى إلا بلسان قومه أي بلغتهم قال ابن الأنباري ومعنى اللغة عند العرب الكلام المنطوق به وهو مأخوذ من قولهم لما الطائر يلغو إذا صوت في الغلس وقرأ أبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري إلا بلسن قومه برفع اللام والسين من غير ألف وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران بلسن قومه بكسر اللام وسكون السين من غير ألف \r\n قوله تعالى ليبين لهم أي الذي أرسل به فيفهمونه عنه وهذا نزل لأن قريشا قالوا ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي \r\n قوله تعالى أن أخرج قومك قال الزجاج أن مفسر والمعنى قلنا له أخرج قومك وقد سبق بيان الظلمات والنور البقرة 257 ","part":4,"page":345},{"id":1866,"text":" وفي قوله وذكرهم بأيام الله ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نعم الله رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه و سلم وبه قال مجاهد وقتادة وابن قتيبة \r\n والثاني أنها وقائع الله في الأمم قبلهم قاله ابن زيد وابن السائب ومقاتل \r\n والثالث أنها أيام نعم الله عليهم وأيام نقمه ممن كفر من قوم نوح وعاد وثمود قاله الزجاج \r\n قوله تعالى إن في ذلك يعني التذكير لآيات لكل صبار على طاعة الله وعن معصيته شكور لأنعمه والصبار الكثير الصبر والشكور الكثير الشكر وإنما خصه بالآيات لانتفاعه بها وما بعد هذا مشروح في سورة البقرة 49 وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ","part":4,"page":346},{"id":1867,"text":" يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدينا سبلنا ولنصبرن على ما أذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد \r\n قوله تعالى وإذ تأذن ربكم مذكور في الأعراف 167 \r\n وفي قوله لئن شكرتم لأزيدنكم ثلاثة اقوال \r\n أحدها لئن شكرتم نعمي لأزيدنكم من طاعتي قاله الحسن \r\n والثاني لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي قاله الربيع \r\n والثالث لئن وحدتموني لأزيدنكم خيرا في الدنيا قاله مقاتل \r\n وفي قوله ولئن كفرتم قولان \r\n أحدهما أنه كفر بالتوحيد والثاني كفران النعم \r\n قوله تعالى فإن الله لغني حميد أي غني عن خلقه محمود في أفعاله لأنه إما متفضل بفعله أو عادل ","part":4,"page":347},{"id":1868,"text":" قوله تعالى لا يعلمهم إلا الله قال ابن الأنباري أي لا يحصي عددهم إلا هو على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها فانقطعت أخبارهم وعفت آثارهم فليس يعلمهم أحد إلا الله \r\n قوله تعالى فردوا أيديهم في أفواههم فيه سبعة أقوال \r\n أحدها أنهم عضوا أصابعهم غيظا قاله ابن مسعود وابن زيد وقال ابن تيبة في هاهنا بمعنى إلى ومعنى الكلام عضوا عليها حنقا وغيظا كما قال الشاعر ... يردون في فيه عشر الحسود ... \r\n يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر ونحوه قول الهذلي ... قد افنى أنامله أزمه ... فأضحى يعض علي الوظيفا ... \r\n يقول قد أكل أصابعه حتى أفناها بالعض فأضحى يعض علي وظيف بالذارع \r\n والثاني أنهم كانوا إذا جاءهم الرسول فقال إني رسول قالوا له اسكت واشاروا بأصابعهم إلى أفواه أنفسهم ردا عليه وتكذيبا رواه أبو صالح عن ابن عباس ","part":4,"page":348},{"id":1869,"text":" والثالث أنهم لماسمعوا كتاب الله عجوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والرابع أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل ردا لقولهم قاله الحسن \r\n والخامس أنهم كذبوهم بأفواههم وردوا عليهم قولهم قاله مجاهد وقتادة \r\n والسادس أنه مثل ومعناه أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال رد فلان يده إلى فمه أي أمسك فلم يجب قاله أبو عبيدة \r\n والسابع ردوا مالوا قبلوه لكان نعما وايادي من الله فتكون الأيدي بمعنى الأيادي و في بمعنى الباء والمعنى ردوا الأيادي بأفواههم ذكره الفراء وقال قد وجدنا من العرب من يجعل في موضع الباء فيقول أدخلك الله بالجنة يريد في الجنة وأنشدني بعضهم ... وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب ... \r\n فقال ارغب فيها يعني بنتا له يريد أرغب بها وسنبس قبيلة \r\n قوله تعالى وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به اي على زعمكم أنكم أرسلتم لا أنهم أقروا بإرسالهم وباقي الآية قد سبق تفسيره هود 62 قالت رسلهم أفي الله شك هذا استفهام إنكار والمعنى لا شك في الله أي في ","part":4,"page":349},{"id":1870,"text":" توحيده يدعوكم بالرسل والكتب ليغفر لكم ذنوبكم قال أبو عبيدة من زائدة كقوله فما منكم من أحد عنه حاجزين الحاقة 47 قال أبو ذؤيب ... جزيتك ضعف الحب لما شكوته ... وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي ... \r\n أي أحد وقوله ويؤخركم إلى أجل مسمى وهو الموت والمعنى لا يعاجلكم بالعذاب قالوا للرسل إن أنتم أي ما أنتم إلا بشر مثلنا أي ليس لكم علينا فضل والسلطان الحجة قالت الرسل إن نحن إلا بشر مثلكم فاعترفوا لهم بذلك ولكن الله يمن على من يشاء يعنون بالنبوة والرسالة وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله أي ليس ذلك من قبل أنفسنا \r\n قوله تعالى وقد هدانا سبلنا فيه قولان \r\n أحدهما بين لنا رشدنا والثاني عرفنا طريق التوكل وإنما قص هذه وأمثاله على نبينا ص - ليقندي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم \r\n قوله تعالى لنهلكن الظالمين يعني الكافرين بالرسل وقوله تعالى من بعدهم أي بعد هلاكهم ذلك الإسكان لمن خاف مقامي قال ابن عباس خاف مقامه بين يدي قال الفراء العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها وإلى ما أوقعت عليه فتقول قد ندمت على ضربي إياك وندمت على ضربك فهذا من ذاك ومثله وتجعلون رزقكم الواقعة 82 أي رزقي إياكم ","part":4,"page":350},{"id":1871,"text":" قوله تعالى وخاف وعيد أثبت ياء وعيدي في الحالين يعقوب وتابعه ورش في الوصل \r\n واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ \r\n قوله تعالى واستفتحوا يعني استنصروا وقرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وحميد وابن محيص واستفتحوا بكسر التاء على الأمر وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الرسل قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنهم الكفار واستفتاحهم سؤالهم العذاب كقولهم ربنا عجل لنا قطنا ص 16 وقولهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية الانفال 32 هذا قول ابن زيد \r\n قوله تعالى وخاب كل جبار عنيد قال ابن السائب خسر عند الدعاء وقال مقاتل خسر عند نزول العذاب وقال أبو سليمان الدمشقي يئس من الإجابة وقد شرحنا معنى الجبار والعنيد في هود 59 قوله تعالى من ورائه جهنم فيه قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى القدام قال ابن عباس يريد أمامه جهنم وقال أبو عبيدة من ورائه أي قدامه وأمامه يقال الموت من ورائك وأنشد ","part":4,"page":351},{"id":1872,"text":" أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا ... \r\n والثاني أنها بمعنى بعد قال ابن الأنباري من ورائه أي من بعد يأسه فدل خاب على اليأس فكنى عنه وحملت وراء على معنى بعد كما قال النابغة ... حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب ... \r\n أراد ليس بعد الله مذهب قال الزجاج والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك قال الشاعر ... أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع ... \r\n قال وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة وسئل ثعلب لم قيل الوراء للأمام فقال الوراء اسم لما توارى عن عينك سواء أكان أمامك أو خلفك وقال الفراء إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك هو وراءك ولا للرجل وراءك هو بين يديك \r\n قوله تعالى ويسقي من ماء صديد قال عكرمة ومجاهد واللغويون الصديد القيح والدم قاله قتادة وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه ","part":4,"page":352},{"id":1873,"text":" وقال القرظي هو غسالة أهل النار وذلك مايسيل من فروج الزناة وقال ابن قتيبة المعنى يسقى الصديد مكان الماء قال ويجوز أن يكون على التشبيه أي مايسقي ماء كأنه صديد \r\n قوله تعالى يتجرعه والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة لا في مرة واحدة وذلك لشدة كراهته له وأنما يكرهه على شربه \r\n قوله تعالى ولا يكاد يسيغه قال الزجاج لا يقدر على ابتلاعه تقول ساغ لي الشيء وأسغته وروى أبو أمامة عن رسول الله ص - أنه قال يقرب إليه فيكرهه فاذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فاذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره \r\n قوله تعالى ويأتيه الموت أي هم الموت وكربه وألمه من كل مكان وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من كل شعرة في جسده رواه عطاء عن ابن عباس وقال سفيان الثوري من كل عرق وقال ابن جريج تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فتموت ولا ترجع إلى مكانها فتجد راحة ","part":4,"page":353},{"id":1874,"text":" والثاني من كل جهة من فوقه وتحته وعن يمينه وشماله وخلفه وقدامه قاله ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنها البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا قاله الأخفش \r\n قوله تعالى وما هو بميت أي موتا تنقطع معه الحياة ومن ورائه أي من بعد هذا العذاب قال ابن السائب من بعد الصديد عذاب غليظ وقال إبراهيم التيمي بعد الخلود في النار والغليظ الشديد \r\n مثل الذبن كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد \r\n قوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد قال الفراء أضاف المثل إليهم وإنما المثل للأعمال فالمعنى مثل أعمال الذين كفروا ومثله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجهوهم مسودة الزمر 60 أي ترى وجوههم وجعل العصوف تابعا لليوم في إعرابه وإنما العصوف للريح وذلك جائز على جهتين \r\n احدهما أن العصوف وإن كان للريح فان اليوم يوصف به لأن الريح فيه تكون فجاز أن تقول يوم عاصف كما تقول يوم بارد ويوم حار \r\n والوجه الآخر أن تريد في يوم عاصف الريح فتحذف الريح لأنها قد ذكرت في أول الكلام كما قال الشاعر ... ويضحك عرفان الدروع جلودنا ... إذا كان يوم مظلم الشمس كاسف ","part":4,"page":354},{"id":1875,"text":" يريد كاسف الشمس وروي عن سيبويه أنه قال في هذه الآية إضمار والمعنى ومما نقص عليك مثل الذين كفروا ثم ابتدأ فقال أعمالهم كرماد وقرأ النخعي وابن يعمر والجحدري في يوم عاصف بغير تنوين اليوم \r\n قال المفسرون ومعنى الآية أن كل ما يتقرب به المشركون يحبط ولا ينتفعون به كالرماد الذي سفته الريح فلا يقدر على شيء منه فهم لا يقدرون مما كسبوا في الدنيا على شيء في الآخرة أي لايجدون ثوابه ذلك هو الضلال البعيد من النجاة ألم ترى أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز قوله تعالى ألم ترى فيه قولان \r\n أحدهما أن معناه ألم تخبر قاله ابن السائب \r\n والثاني ألم تعلم قاله مقاتل وأبو عبيدة \r\n قوله تعالى خلق السموات والأرض بالحق قال المفسرون أي لم يخلقهن عبثا وإنما خلقهن لأمر عظيم إن يشأ يذهبكم قال ابن عباس يريد يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع وهذا خطاب لأهل مكة \r\n قوله تعالى وما ذلك على الله بعزيز أي بممتنع متعذر \r\n وبرزوا لله جميعا فقال الضعفؤا للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدنا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ","part":4,"page":355},{"id":1876,"text":" قوله تعالى وبرزوا لله جميعا لفظه لفظ الماضي ومعناه المستقبل والمعنى خرجوا من قبورهم يوم البعث واجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء وهم الأتباع للذين استكبروا وهم المتبوعون إنا كنا لكم تبعا قال الزجاج هو جمع تابع يقال تابع وتبع مثل غائب وغيب والمعنى تبعناكم فيما دعوتمونا إليه \r\n قوله تعالى فهل أنتم مغنون عنا أي دافعون عنا من عذاب الله من شيء قال القادة لو هدانا الله أي لو أرشدنا في الدنيا لأرشدناكم يريدون أن الله أضلنا فدعوناكم إلى الضلال سواء علينا أجزعنا أم صبرنا قال ابن زيد إن أهل النار قال بعضهم لبعض تعالوا نبكي ونضرع فانما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم فبكوا وتضرعوا فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا تعالوا نصبر فانما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر فصبروا صبرا لم ير مثله قط فلم ينفعهم ذلك فعندها قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة وقال مقاتل جزعوا خمس مائة عام وصبروا خمس مائة عام وقد شرحنا معنى المحيص في سورة النساء 121 \r\n وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلومني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم وأدخل ","part":4,"page":356},{"id":1877,"text":" الذبن آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام \r\n قوله تعالى وقال الشيطان قال المفسرون يعني به إبليس لما قضي الأمر أي فرغ منه فدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فحينئذ يجتمع أهل النار باللوم على إبليس فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم كون هذا اليوم فصدقكم ووعدتكم أنه لا يكون فأخلفتكم الوعد وما كان لي عليكم من سلطان أي ما أظهرت لكم حجة على ما ادعيت وقال بعضهم ما كنت أملككم فأكرهكم إلا أن دعوتكم وهذا من الأستثناء المنقطع والمعنى لكن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم حيث أجبتموني من غير برهان ما أنا بمصرخكم أي بمغيثكم وما أنتم بمصرخي أي بمغيثي قرأ حمزة بمصر خي فحرك الياء إلى الكسر وحركها الباقون إلى الفتح قال قطرب هي لغة في بني يربوع يعني قراءة حمزة قال اللغويون يقال أستصرخني فلان فأصرخته أي أستغاثني فأغثته إني كفرت اليوم باشراككم إياي في الدنيا مع الله في الطاعة إن الظالمين يعني المشركين \r\n قوله تعالى باذن ربهم أي بأمر ربهم وقوله تحيتهم فيها سلام قد ذكرناه في يونس 10 \r\n ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون \r\n قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا قال المفسرون ألم تر بعين ","part":4,"page":357},{"id":1878,"text":" قلبك فتعلم باعلامي إياك كيف ضرب الله مثلا أي بين شبها كلمة طيبة قال ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله كشجرة طيبة أي طيبة الثمرة فترك ذكر الثمرة اكتفاء بدلالة الكلام عليه وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها النخلة وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي ص - وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود وأنس بن مالك ومجاهد وعكرمة والضحاك في آخرين \r\n والثاني أنها شجرة في الجنة رواه أبو ظبيان عن ابن عباس \r\n والثالث أنها المؤمن وأصله الثابت أنه يعمل في الأرض ويبلغ عمله السماء وقوله تؤتي أكلها كل حين فالمؤمن يذكر الله كل ساعة من النهار رواه عطية عن ابن عباس \r\n قوله تعالى أصلها ثابت أي في الأرض وفرعها أعلاها عال في السماء أي نحو السماء وأكلها ثمرها وفي الحين ها هنا ستة أقوال ","part":4,"page":358},{"id":1879,"text":" أحدها أنه ثمانية أشهر قال علي عليه السلام \r\n والثاني ستة أشهر رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة وقتادة \r\n والثالث أنه بكرة وعشية رواه أبو ظبيان عن ابن عباس \r\n والرابع أنه السنة روي عن ابن عباس أيضا وبه قال مجاهد وابن زيد \r\n والخامس أنه شهران قاله سعيد بن المسيب \r\n والسادس أنه غدوة وعشية وكل ساعة قاله ابن جرير \r\n فمن قال ثمانية أشهر أشار إلى مدة حملها باطنا وظاهرا ومن قال ستة أشهر فهي مدة حملها إلى حين صرامها ومن قال بكرة وعشية أشار إلى الأجتناء منها ومن قال سنة أشار إلى أنها لاتحمل في السنة إلا مرة ومن قال شهران فهو مدة صلاحها قال ابن المسيب لا يكون في النخلة أكلها إلا شهرين ومن قال كل ساعة أشار إلى أن ثمرتها تؤكل دائما قال قتادة تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف قال ابن جرير الطلع في الشتاء من أكلها والبلح والبسر والرطب والتمر في الصيف \r\n فأما الحكمة في تمثيل الإيمان بالنخلة فمن أوجه \r\n أحدها أنها شديدة الثبوت فشبه ثبات الإيمان في قلب المؤمن بثباتها \r\n والثاني أنها شديدة الأرتفاع فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع فروعها \r\n والثالث أن ثمرتها تأتي كل حين فشبه ما يكسب المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين على اختلاف صنوفها فالمؤمن كلما قال لا إله إلا الله صعدت إلى السماء ثم جاءه خيرها ومنفعتها ","part":4,"page":359},{"id":1880,"text":" والرابع أنها أشبه الشجر بالإنسان فان كل شجرة يقطع رأسها تتشعب غصونها من جوانبها إلا هي إذا قطع رأسها يبست ولأنها لاتحمل حتى تلقح ولأنها فضلة تربة آدم عليه السلام فيما يروى \r\n ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار \r\n قوله تعالى ومثل كلمة خبيثة قال ابن عباس هي الشرك \r\n وقوله كشجرة خبيثة فيها خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الحنظلة رواه أنس بن مالك عن النبي ص - وبه قال أنس ومجاهد \r\n والثاني أنها الكافر رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروى العوفي عنه أنه قال الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى فليس له أصل في الأرض ثابت ولا فرع في السماء \r\n والثالث أنها الكشوثى رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والرابع أنه مثل وليست بشجرة مخلوقة رواه أبوظبيان عن ابن عباس ","part":4,"page":360},{"id":1881,"text":" والخامس أنها الثوم روي عن ابن عباس أيضا \r\n قوله تعالى اجتثت قال ابن قتيبة استؤصلت وقطعت قال الزجاج ومعنى اجتثت الشي في اللغة أخذت جثته بكمالها \r\n وفي قوله مالها من قرار قولان \r\n أحدهما مل لها من أصل لم تضرب في الأرض عرقا \r\n والثاني ما لها من ثبات \r\n ومعنى تشبيه الكافر بهذه الشجرة أنه لا يصعد للكافر عمل صالح ولا قول طيب ولا لقوله أصل ثابت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا أي يثبتهم على الحق بالقول الثابت وهو شهادة أن لا إله إلا الله قوله تعالى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيه قولان \r\n أحدهما أن الحياة الدنيا زمان الحياة على وجه الأرض والآخرة زمان المساءلة في القبر وإلى هذا المعنى ذهب البراء بن عازب وفيه أحاديث تعضده \r\n والثاني أن الحياة الدنيا زمن السؤال في القبر والآخرة السؤال في القيامة وإلى هذا المعنى ذهب طاووس وقتادة قال المفسرون هذه الآية وردت في فتنة القبر وسؤال الملكين وتلقين الله تعالى للمؤمنين كلمة الحق عند السؤال وتثبيته إياه على الحق ويضل الله الظالمين يعنى المشركين يضلهم عن هذه الكلمة ويفعل الله ما يشاء من هداية المؤمن وإضلال الكافر ","part":4,"page":361},{"id":1882,"text":" ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا في المشار إليهم سبعة أقوال \r\n أحدها أنهم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب \r\n والثاني أنهم منافقو قريش رواه أبو الطفيل عن علي \r\n والثالث بنو أمية وبنو المغيرة ورؤساء أهل بدر الذين ساقوا أهل بدر إلى بدر رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع أهل مكة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والخامس المشركون من أهل بدر قاله جاهد وابن زيد \r\n والسادس أنهم الذين قتلوا ببدر من كفار قريش قاله سعيد بن جبير وأبو مالك \r\n والسابع أنها عامة في جميع المشركين قاله الحسن قال المفسرون وتبديلهم نعمة الله كفرا أن الله أنعم عليهم برسوله وأسكنهم حرمه فكفروا بالله وبرسوله ودعوا قومهم إلى الكفر به فذلك قوله وأحلوا قومهم دار البوار أي الهلاك ثم فسر الدار بقوله جهنم يصلونها أي يقاسون حرها وبئس القرار أي بئس المقر هي \r\n وجعلوا الله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ","part":4,"page":362},{"id":1883,"text":" قوله تعالى وجعلوا لله أندادا قد بيناه في سورة البقرة 22 واللام في ليضلوا لام العاقبة وقد سبق شرحها يونس 88 ومن قرأ ليضلوا بضم الياء أراد ليضلوا الناس عن دين الله \r\n قوله تعالى قل تمتعوا أي في حياتكم الدنيا وهذا وعيد لهم قال ابن عباس لو كان الكافر مريضا لا ينام جائعا لا يأكل ولا يشرب لكان هذا نعيما يتمتع به بالقياس إلى ما يصير إليه من العذاب ولو كان المؤمن في أنعم عيش لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم اليل والنهار وآتيكم من كل ماسأ لتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم \r\n قوله تعالى قل لعبادي الذين آمنوا أسكن ابن عامر وحمزة والكسائي ياء عبادي \r\n قوله تعالى يقيموا الصلاة قاله ابن الأنباري معناه قل لعبادي ","part":4,"page":363},{"id":1884,"text":" أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا وينفقوا فحذف الأمران وترك الجوابان قال الشاعر ... فأي امرىء أنت أي امرىء ... إذا قيل في الحرب من يقدم ... \r\n أراد إذا قيل من يقدم تقدم ويجوز أن يكون المعنى قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا وينفقوا فحذف الأمران وترك الجوابان قال الشاعر ... فأي امرىء أنت أي امرىء ... إذا قيل في الحرب من يقدم ... \r\n أراد إذا قيل من يقدم تقدم ويجوز أن يكون المنهى قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر ويجوز أن يكون المعنى قل لهم ليقيموا الصلاة ولينفقوا فحذف لام الأمر لدلالة قل عليها قال ابن قتيبة والخلال مصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة والاسم الخلة وهي الصداقة \r\n قوله تعالى وسخر لكم الأنهار أي ذللها تجري حيث تريدون وتركبون فيها حيث تشاؤون وسخر لكم الشمس والقمر لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره لا يفتران ومعنى الدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه وسخر لكم الليل لتسكنوا فيه راحة لأبدانكم والنهار لتنتفعوا بمعاشكم وآتاكم من كل ما سألتموه وفيه خمسة أقوال \r\n أحدها أن المعنى من كل الذي سألتموه قاله الحسن وعكرمة \r\n والثاني من كل ما سألتموه لو سألتوه قاله الفراء \r\n والثالث وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئا فأضمر الشيء كقوله وأوتيت من كل شيء النمل 23 أي من كل شيء في زمانها شيئا قاله الأخفش \r\n والرابع من كل ما سألتموه وما لم تسألوه لأنكم لم تسألوا شمسا ولا قمرا ","part":4,"page":364},{"id":1885,"text":" ولا كثيرا من النعم التي ابتدأ كم بها فاكتفي بالأول من الثاني كقوله سرابيل تقيكم الحر النحل 81 قاله ابن الأنباري \r\n الخامس على قراءة ابن مسعود وأبي رزين والحسن وعكرمة وقتادة وأبان عن عاصم وأبي حاتم عن يعقوب من كل ما بالتنوين من غير إضافة فالمعنى آتاكم من كل ما لم تسألوه قاله قتادة والضحاك \r\n قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله أي إنعامه لا تحصوها لا تطيقوا الإتيان على جميعها بالعد لكثرتها إن الإنسان قال ابن عباس يريد أبا جهل وقال الزجاج الإنسان اسم للجنس يقصد به الكافر خاصة \r\n قوله تعالى لظلوم كفار الظلوم هاهنا الشاكر غير من أنعم عليه والكفار الجحود لنعم الله تعالى قوله تعالى اجعل هذا البلد آمنا قد سبق تفسيره في سورة البقرة 126 \r\n قوله تعالى واجنبني وبني أي جنبني وإياهم والمعنى ثبتني على اجتناب عبادتها رب إنهن أضللن كثيرا من الناس يعني الأصنام وهي لا توصف بالإضلال ولا بالفعل ولكنهم لما ضلوا بسببها كانت كأنها أضلتهم فمن تبعني عل ديني التوحيد فانه مني أي فهو على ملتي ومن عصاني فانك غفور رحيم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ومن عصاني ثم تاب فانك غفور رحيم قاله السدي \r\n والثاني ومن عصاني فيما دون الشرك قاله مقاتل بن حيان \r\n والثالث ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم أن تتوب عليه فتهديه إلى التوحيد قاله مقاتل بن سليمان وقال ابن الأنباري يحتمل أن يكون دعا بهذا قبل أن يعلمه الله تعالى أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه ","part":4,"page":365},{"id":1886,"text":" ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون \r\n قوله تعالى ربنا إني أسكنت من ذريتي في من قولان \r\n أحدهما أنها للتبعيض قاله الأخفش والفراء \r\n والثاني أنها للتوكيد والمعنى أسكنت ذريتي ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى بواد غير ذي زرع يعني مكة ولم يكن فيها حرث ولا ماء عند بيتك المحرم إنما سمي محرما لأنه يحرم استحلال محرماته والاستخفاف بحقه فان قيل ما وجه قوله عند بيتك المحرم ولم يكن هناك بيت حينئذ إنما بناه إبراهيم بعد ذلك بمدة فالجواب من ثلاثة وجوه \r\n أحدها أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السموات والأرض قاله ابن السائب \r\n والثاني عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان \r\n والثالث عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث ها هنا ذكرهما ابن جرير وكان أبو سليمان الدمشقي يقول ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إنما بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا والمفسرون على خلاف ما قال وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم العماليق خارجا من ","part":4,"page":366},{"id":1887,"text":" مكة والبيت يومئذ ربوة حمراء فقال إبراهيم لجبريل أها هنا أمرت أضعهما قال نعم فأنزلهما في مكان من الحجر وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا ثم قال ربنا إني أسكنت من ذريتي الآية وفتح أهل الحجاز وأبو عمرو ياء إني أسكنت \r\n قوله تعالى ربنا ليقيموا الصلاة في متعلق هذه اللام قولان \r\n أحدهما أنها تتعلق بقوله واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فالمعنى جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة هذا قول مقاتل \r\n والثاني أنها تتعلق بقوله أسكنت فالمعنى أسكنتهم عند بيتك ليقيموا الصلاة لأن بيتك قبلة الصلوات ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى فاجعل أفئدة من الناس أي قلوب جماعة من الناس قال ابن الأنباري وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة لقرب القلب من الفؤاد ومجاورته قال امرؤ القيس ... رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر ... \r\n وقال آخر ... كأن فؤادي كلما مر راكب ... جناح غراب رام نهضا إلى وكر ... \r\n وقال آخر ... وإن فؤادا قادني لصبابة ... إليك على طول الهوى لصبور ... \r\n يعنون بالفؤاد القلب \r\n قوله تعالى تهوي إليهم قال ابن عباس تحن إليهم وقال قتادة ","part":4,"page":367},{"id":1888,"text":" تنزع إليهم وقال الفراء تريدهم كما تقول رأيت فلانا يهوي نحوك أي يريدك وقرأ يعضهم تهوى إليهم بمعنى تهواهم كقوله ردف لكم النمل 72 أي ردفكم وإلى توكيد للكلام وقال ابن الأنباري تهوي إليهم تنحط إليهم وتنحدر وفي معنى هذا الميل قولان \r\n أحدهما أنه الميل إلى الحج قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه حب سكنى مكة رواه عطية عن ابن عباس وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال لو كان إبراهيم قال فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجة اليهود والنصارى ولكنه قال من الناس \r\n ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفي على الله من شيء في الأرض ولا في السماء \r\n قوله تعالى ربنا إنك تعلم ما نخفي قال أبو صالح عن ابن عباس ما نخفي من الوجد بمفارقة إسماعيل وما نعلن من الحب له قال المفسرون إنما قال هذا لما نزل إسماعيل الحرم وأراد فراقه \r\n الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء \r\n قوله تعالى الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أي بعد الكبر إسماعيل وإسحاق قال ابن عباس ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتعسين وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة ","part":4,"page":368},{"id":1889,"text":" قوله تعالى ربنا وتقبل دعائي قرأ ابن كثير وأبو عمرة وحمزة وهبيرة عن حفص عن عاصم وتقبل دعائي بياء في الوصل وقال البزي عن ابن كثير يصل ويقف بياء وقال قنبل عن ابن كثير يشم الياء في الوصل ولا يثبتها ويقف عليها بالألف الباقون دعاء بغير ياء في الحالين قال أبو علي الوقف والوصل بياء هو القياس والإشمام جائز لدلالة الكسرة على الياء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب \r\n قوله تعالى ربنا اغفر لي ولوالدي قال ابن الأنباري استغفر لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وقرأ ابن مسعود وأبي النخعي والزهري ولولدي يعني إسماعيل وإسحاق يدل عليه ذكرهما قبل ذلك وقرأ مجاهد ولوالدي علي التوحيد وقرأ عاصم الجحدري ولولدي بضم الواو وقرأ يحي بن يعمر والجوني ولولدي بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد يوم يقوم الحساب أي يظهر الجزاء على الأعمال وقيل معناه يوم يقوم الناس للحساب فاكتفي بذكر الحساب من ذكر الناس إذ كان المعنى مفهوما \r\n ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء \r\n قوله تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون قال ابن عباس هذا وعيد للظالم وتعزية للمظلوم ","part":4,"page":369},{"id":1890,"text":" قوله تعالى إنما يؤخرهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين وقتادة نؤخرهم بالنون أي يؤخر جزاءهم ليوم تشخص فيه الأبصار أي تشخص أبصار الخلائق لظهور الأحوال فلا تغتمض قوله تعالى مهطعين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الإهطاع النظر من غير أن يطرف الناظر رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك وأبو الضحى \r\n والثاني أنه الإسراع قاله الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وأبو عبيدة وقال ابن قتيبة يقال أهطع البعير في سيرة واستهطع إذا أسرع \r\n وفي ما أسرعوا إليه قولان أحدهما إلى الداعي قاله قتادة والثاني إلى النار قاله مقاتل \r\n والثالث أن المهطع الذي لا يرفع رأسه قاله ابن زيد وفي قوله مقنعي رؤوسهم قولان \r\n أحدهما رافعي رؤوسهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وأبو عبيدة وأنشد أبو عبيدة ... أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطعما ... \r\n وقال ابن قتيبة المقنع رأسه الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه وقال الزجاج رافعي رؤوسهم ملتصقة بأعناقهم ومهطعين مقنعي رؤوسهم نصب على الحال المعنى ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين ","part":4,"page":370},{"id":1891,"text":" والثاني ناكسي رؤوسهم حكاه الماوردي عن المؤرج \r\n قوله تعالى لا يرتد إليهم طرفهم أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة قال ابن قتيبة والمعنى أن نظرهم إلى شيء واحد قال الحسن وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد \r\n قوله تعالى وأفئدتهم هواء الأفئدة مساكن القلوب وفي معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر رواه عطاء عن ابن عباس وقال قتادة خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم فأفئدتهم هواء ليس فيها شيء \r\n والثاني وأفئدتهم ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث وأفئدتهم منخرقة لا تعى شيئا قاله مرة بن شراحبيل وقال الزجاج متخرقة لا تعي شيئا من الخوف \r\n والرابع وأفئدتهم جوف لا عقول لها قاله أبو عبيدة وأنشد لحسان ... ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء ... \r\n فعلى هذا يكون المعنى أن قلوبهم خلت عن العقول لما رأوا من الهول والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء قال ابن قتيبة ويقال أفئدتهم منخوبة من الخوف والجبن ","part":4,"page":371},{"id":1892,"text":" وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال \r\n قوله تعالى وأنذر الناس أي خوفهم يوم يأتيهم العذاب يعني به يوم القيامة وإنما خصه بذكر العذاب وإن كان فيه ثواب لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعصاة قال ابن عباس يريد بالناس هاهنا أهل مكة \r\n قوله تعالى فيقول الذين ظلموا أي أشركوا ربنا أخرنا إلى أجل قريب أي أمهلنا مدة يسيرة وقال مقاتل سألوا الرجوع إلى الدنيا لأن الخروج من الدنيا قريب نجب دعوتك يعني التوحيد فيقال لهم أولم تكونوا أقسمتم من قبل أي حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون من الدنيا إلى الآخرة \r\n وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال \r\n قوله تعالى وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم أي نزلتم في أماكنهم وقراهم كالحجر ومدين والقرى التي عذب أهلها ومعنى ظلموا أنفسهم أي ضروها بالكفر والمعصية وتبين لكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل الناجي وتبين بضم التاء كيف فعلنا بهم يعني كيف عذبناهم يقول فكان ينبغي لكم أن تنزجروا عن المخالفة اعتبارا بمساكنهم بعدما علمتم فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال قال ابن عباس يريد الأمثال التي في القرآن ","part":4,"page":372},{"id":1893,"text":" وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام \r\n قوله تعالى وقد مكروا مكرهم في المشار إليهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه قال لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا ثم أمر بتابوت فنحت ثم جعل في وسطه خشبه وجعل على رأس الخشبه لحما شديد الحمرة ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ثم أرسلهما فجعلا يريدان اللحم فصعدا في السماء ما شاء الله ثم قال لصاحبه افتح وانظر ماذا ترى ففتح فقال أرى الأرض كأنها الدخان فقال له أغلق ثم صعد ما شاء الله ثم قال افتح فانظر ففتح فقال ما أرى إلا السماء وما نزداد منه إلا بعدا قال فصوب خشبتك فصوبها فا نقضت النسور تريد اللحم فسمعت الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها هذا قول علي ابن أبي طالب وفي رواية عنه كانت النسور أربعة وروى السدي عن أشياخه أنه مازال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر فكأنها فلكة في ماء ثم صعد حتى وقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ففزع فصوب اللحم فانقضت النسور فلما نزل أخذ في بناء الصرح ثم صعد منه مع النسور فلما لم يقدر على السماء اتخذه حصنا فأتى الله بنيانه من القواعد وقال عكرمة كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرم بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم فقال كفيت إله السماء وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء فلما هاله الأرتفاع ","part":4,"page":373},{"id":1894,"text":" قال لصاحبه صوب الخشبة فصوبها فانحطت النسور فظنت الجبال أنه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها وقال غيره لما رأت الجبال ذلك ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وأبو مالك \r\n والقول الثاني أنه بختنصر وأن هذه القصة له جرت وأن النسور لما ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله نودي يا أيها الطاغية أين تريد ففرق ثم سمع الصوت فوقه فنزل فلما رأت الجبال ذلك ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول وهذا قول مجاهد \r\n والثالث أن المشار إليهم الأمم المتقدمة قال ابن عباس وعكرمة مكرهم شركهم \r\n والرابع أنهم الذين مكروا برسول الله ص - حين هموا بقتله وإخراجه \r\n وفي قوله وعند الله مكرهم قولان \r\n أحدهما أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به قاله الحسن وقتادة \r\n والثاني وعند الله جزاء مكركم \r\n قوله تعالى وإن كان مكرهم وقرأ ابو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي وابن عباس وعكرمة وأبو العالية وإن كان مكرهم بالدال لتزول منه الجبال وقرأ الأكثرون لتزول بكسر اللام الأولى من لتزول وفتح الثانية أراد وما كان مكرهم لتزول من الجبال أي هو أضعف وأوهن كذلك فسرها الحسن البصري وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام الأولىوضم الثانية أراد قد كادت الجبال تزول من مكرهم كذلك فسرها ابن الأنباري \r\n وفي المراد بالجبال قولان \r\n أحدهما أنها الجبال المعروفة قاله الجمهور \r\n والثاني أنها ضربت مثلا لأمر النبي ص - وثبوت دينه كثبوت الجبال ","part":4,"page":374},{"id":1895,"text":" الراسية والمعنى لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال لما زال أمر الأسلام قاله الزجاج \r\n قال أبو علي ويدل على صحة هذا قوله فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله أي فقد وعدك الظهور عليهم قال ابن عباس يريد بوعده النصر والفتح والنصر وإظهار الدين إن الله عزيز أي منيع ذو انتقام من الكافرين وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار \r\n قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض وروى أبان يوم نبدل بالنون وكسر الدال الأرض بالنصب والسموات بخفض التاء ولا خلاف في نصب غير \r\n وفي معنى تبديل الأرض قولان \r\n أحدهما أنها تلك الأرض وإنما يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وقد روى أبو هريرة عن النبي ص - يوم تبدل الأرض غير الأرض قال ببسطها ويمدها مد الأديم ","part":4,"page":375},{"id":1896,"text":" والثاني أنها تبدل بغيرها ثم فيه أربعة أقوال أحدها أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة رواه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود وعطاء عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني أنها تبدل نارا قاله أبي بن كعب \r\n والثالث أنها تبدل بأرض من فضة قاله أنس بن مالك \r\n والرابع تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه قاله أبوهريرة وسعيد بن جبير والقرظي وقال غيرهم يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغ من حسابهم \r\n فأما تبديل السموات فيه ستة أقوال \r\n أحدها أنها تجعل من ذهب قاله علي عليه السلام \r\n والثاني أنها تصير جنانا قاله أبي بن كعب \r\n والثالث أن تبديلها تكوير شمسها وتناثر نجومها قاله ابن عباس \r\n والرابع أن تبديلها اختلاف أحوالها فمرة كالمهل ومرة تكون كالدهان قاله ابن الأنباري \r\n والخامس أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتاب \r\n والسادس أن تنشق فلا تظل ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى وبرزوا لله الواحد القهار أي خرجوا من القبور \r\n وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب \r\n قوله تعالى وترى المجرمين يعني الكفار مقرنين يقال قرنت الشيء إلى الشيء إذا وصلته به ","part":4,"page":376},{"id":1897,"text":" وفي معنى مقرنين ثلاثة أقواال \r\n أحدها أنهم يقرنون مع الشياطين قاله ابن العباس \r\n والثاني أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم قاله ابن زيد \r\n والثالث يقرن بعضهم إلى بعض قاله ابن قتيبة \r\n وفي الأصفاد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الأغلال قاله ابن عباس وابن زيد وأبو عبيدة وابن قتيبة وابن الأنباري \r\n والثاني القيود والأغلال قاله قتادة \r\n والثالث القيود قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n فأما السرابيل فقال أبو عبيدة هي القمص واحدها سربال وقال الزجاج السربال كل ما لبس وفي القطران ثلاث لغات فتح القاف وكسر الطاء وفتح القاف مع تسكين الطاء وفي معناه قولان \r\n أحدهما أنه النحاس المذاب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه قطران الإبل قاله الحسن وهو شيء يتحلب من شجر تهنأ به الأبل قال الزجاج وإنما جعل لهم القطران لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود ولو أراد الله تعالى المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم ما يعرفون حقيقته وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو مجاز وعكرمة وقتادة وابن أبي عبلة وأبو حاتم عن يعقوب من قطر بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين آن بقطع الهمزة وفتحها ومدها والقطر النحاس وآن قد انتهت حره ","part":4,"page":377},{"id":1898,"text":" قوله تعالى وتغشى وجوهم النار أي تعلوها واللام في ليجزي متعلقة بقوله وبرزوا \r\n هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب \r\n قوله تعالى هذا بلاغ للناس في المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنه القرآن والثاني الإنذار والبلاغ الكفاية قال مقاتل والمراد بالناس أهل مكة \r\n قوله تعالى ولينذروا به أي أنزل لينذروا به وليعلموا بما فيه من الحجج أنما هو إله واحد وليذكر أي وليتعظ أولو الألباب ","part":4,"page":378},{"id":1899,"text":" سورة الحجر وهي مكية كلها من غير خلاف نعلمه \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين \r\n قوله تعالى آلر تلك آيات الكتاب قد سبق بيانه يونس 1 \r\n قوله تعالى وقرآن مبين فيه قولان \r\n أحدهما ان القرآن هو الكتاب جمع له بين الأسمين \r\n والثاني أن الكتاب هو التوراة والإنجيل والقرآن كتابنا وقد ذكرنا في أول يوسف معنى المبين \r\n ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين \r\n قوله تعالى ربما وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ربما مشددة وقرأ نافع وعاصم وعبد الوارث ربما بالتخفيف قال الفراء أسد وتميم يقولون ربما بالتشديد وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون ربما بالتخفيف وتيم الرباب يقولون ربما بفتح الراء وقيل إنما قرئت بالتخفيف لما فيها من التضعيف والحروف ","part":4,"page":379},{"id":1900,"text":" المضاعفة قد تحذف نحو إن ولكن فانهم قد خففوها قال الزجاج يقولون رب رجل جاءني ورب رجل جاءني وأنشد ... أزهير إن يشب القذال فانني ... رب هيضل مرس لففت بهيضل ... \r\n هذا البيت لأبي كبير الهذلي وفي ديوانه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل ... والهيضل جمع هيضلة وهي الجماعة يغزى بهم يقول لففتهم بأعدائهم في القتال ورب كلمة موضوعة للتقليل كما أن كم للتكثير وإنما زيدت ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني وربما جاءني زيد وقال الأخفش أدخل مع رب ما ليتكلم بالفعل بعدها وإن شئت جعلت ما بمنزلة شيء فكأنك قلت رب شيء أي رب ود يوده الذين كفروا وقال أبو سليمان الدمشقي ما ها هنا بمعنى حين فالمعنى رب حين يودون فيه \r\n واختلف المفسرون متى يقع هذا من الكفار على قولين \r\n أحدهما أنه في الآخرة ومتى يكون ذلك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين ألم تكونوا مسلمين قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فلما رأى ذلك الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ص ","part":4,"page":380},{"id":1901,"text":" وذهب إليه ابن عباس في رواية وأنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم \r\n والثاني أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والثالث أن الكفار إذا عاينوا القيامة ودوا لو كانوا مسلمين ذكره الزجاج \r\n والرابع أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال القيامة يعذب فيها الكافر ويسلم من مكروهها المؤمن ودوا ذلك ذكره ابن الأنباري \r\n والقول الثاني أنه في الدنيا إذا عاينوا وتبين لهم الضلال من الهدى وعلموا مصيرهم ودوا ذلك قاله الضحاك \r\n فان قيل إذا قلتم إن رب للتقليل وهذه الآية خارجه مخرج الوعيد فانما يناسب الوعيد تكثير ما يتواعد به فعنه ثلاثة أجوبة ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهن أن ربما تقع على التقليل والتكثير كما يقع الناهل على العطشان والريان والجون على الأسود والأبيض \r\n والثاني أن أهوال القيامة وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم فاذا عادت إليهم عقولهم ودوا ذلك ","part":4,"page":381},{"id":1902,"text":" والثالث أن هذا الذي خوفوا به لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه لوجب عليه اجتنابه \r\n فان قيل كيف جاء بعد ربما مستقبل وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي تقول ربما لقيت عبدالله فالجواب أن ما وعد الله حق فمستقبله بمنزلة الماضي يدل عليه قوله وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم المائدة 116 وقوله ونادى أصحاب الجنة الأعراف ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت سبأ 51 على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون ربما يندم فلان قال الشاعر ... ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال ... \r\n ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون \r\n قوله تعالى ذرهم يأكلوا أي دع الكفار يأخذوا حظوظهم في الدنيا ويلههم الأمل أي ويشغلهم ما يأملون في الدنيا عن أخذ حظهم من الإيمان والطاعة فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا وهذا وعيد وتهديد وهذه الآية عند المفسرين منسوخه بآية السيف \r\n وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون \r\n قوله تعالى وما أهلكنا من قرية أي ما عذبنا من أهل قرية إلا ","part":4,"page":382},{"id":1903,"text":" ولها كتاب معلوم أي أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه ما تسبق من أمة أجلها من صلة والمعنى ما تتقدم وقتها الذي قدر لها بلوغه ولا تستأخر عنه قال الفراء إنما قال أجلها لأن الأمة لفظها مؤنث وإنما قال يستأخرون إخراجا له على معنى الرجال \r\n وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين \r\n قوله تعالى وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر قال مقاتل نزلت في عبد الله بن أبي أمية والنضر بن الحارث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة قال ابن عباس والذكر القرآن وإنما قالوا هذا استهزاء لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا إنك لمجنون قال أبو علي الفارس وجواب هه الآية في سورة أخرى في قوله ما أنت بنعمة ربك بمجنون القلم 2 \r\n قوله تعالى لو ما تأتينا قال الفراء لوما ولولا لغتان معناهما هلا وكذلك قال أبو عبيدة هما بمعنى واحد وأنشد لابن مقبل ... لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري \r\n قال المفسرون إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه وأن الله أرسله فأجابهم الله تعالى بقوله ماتنزل الملائكة إلا بالحق قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ما تنزل بالتاء المفتوحة الملائكة بالرفع وروى أبو بكر ","part":4,"page":383},{"id":1904,"text":" عن عاصم ما تنزل بضم التاء على ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ما ننزل بالنون والزاي المشددة الملائكة نصبا \r\n وفي المراد بالحق أربعة أقوال \r\n أحدها أنه العذاب إن لم يؤمنوا قاله الحسن \r\n والثاني الرساله قاله مجاهد \r\n والثالث قبض الأرواح عند الموت قاله ابن السائب \r\n والرابع أنه القرآن حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى وما كانوا يعني المشركين إذا منظرين أي عند نزول الملائكة إذا نزلت \r\n إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \r\n قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر من عادة الملوك إذا فعلوا شيئا قال أحدهم نحن فعلنا يريد نفسه وأتباعه ثم صار هذا عادة للملك في خطابه وإن انفرد بفعل الشيء فخوطبت العرب بما تعقل من كلامها والذكر القرآن في قول جميع المفسرين \r\n وفي هاء له قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الذكر قاله الأكثرون قال قتادة أنزله الله ثم حفظه فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولاينقص منه حقا \r\n والثاني أنها ترجع إلى النبي ص - فالمعنى وإنا له لحافظون من الشياطين والأعداء لقولهم إنك لمجنون هذا قول ابن السائب ومقاتل \r\n ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين \r\n قوله تعالى ولقد أرسلنا من قبلك يعني رسلا فحذف المفعول ","part":4,"page":384},{"id":1905,"text":" لدلالة الإرسال عليه والشيع الفرق وحكي عن الفراء أنه قال الشيعة الأمة المتابعة بعضها بعضا فيما يجتمعون عليه من أمر \r\n وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن \r\n قوله تعالى وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن هذا تعزية للنبي ص - والمعنى إن كل نبي قبلك كان مبتلى بقومه كما ابتليت \r\n كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين \r\n قوله تعالى كذلك نسلكه في المشار إليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الشرك قاله ابن عباس والحسن وابن زيد \r\n والثاني أنه الأستهزاء قاله قتادة \r\n والثالث التكذيب قاله ابن جريج والفراء \r\n ومعنى الآية كما سلكنا في قلوب شيع الأولين ندخل في قلوب هؤلاء التكذيب فلا يؤمنوا ثم أخبر عن هؤلاء المشركين فقال لايؤمنون به وفي المشار إليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الرسول \r\n والثاني القرآن والثالث العذاب \r\n قوله تعالى وقد خلت سنة الأولين فيه قولان \r\n أحدهما مضت سنة الله في إهلاك المكذبين \r\n والثاني مضت سنتهم بتكذيب الأنبياء \r\n ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فطلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ","part":4,"page":385},{"id":1906,"text":" قوله تعالى ولو فتحنا عليهم بابا من السماء يعني كفار مكة فظلوا فيه يعرجون أي يصعدون يقال ظل يفعل كذا إذا فعله بالنهار \r\n وفي المشار إليهم بهذا الصعود قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة قاله ابن عباس والضحاك فالمعنى لو كشف عن أبصار هؤلاء فرأوا بابا مفتوحا في السماء والملائكة تصعد فيه لما آمنوا به \r\n والثاني أنهم المشركون قاله الحسن وقتادة فيكون المعنى لو وصلناهم إلى صعود السماء لم يستشعروا إلا الكفر لعنادهم \r\n قوله تعالى لقالوا إنما سكرت أبصارنا قرأ الأكثرون بتشديد الكاف وقرأ ابن كثير وعبد الوارث بتخفيفها قال الفراء ومعنى القراءتين متقارب والمعنى حبست من قولهم سكرت الريح إذا سكنت وركدت وقال أبو عمرو بن العلاء معنى سكرت بالتخفيف مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل مايقع بالرجل السكران من تغير العقل قال ابن الأنباري إذا كان هذا كان معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة وقال أبو عبيد سكرت بالتشديد من السكور التي تمنع الماء الجرية فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري وقال الزجاج سكرت بالتشديد فسروها أغشيت وسكرت بالتخفيف تحيرت وسكنت عن أن تنظر والعرب تقول سكرت الريح تسكر إذا سكنت وروى العوفي عن ابن عباس إنما سكرت أبصارنا قال أخذ بأبصارنا وشبه علينا وإنما سحرنا وقال مجاهد سكرت سدت بالسحر فيتماثل لأبصارنا غير ما ترى ","part":4,"page":386},{"id":1907,"text":" ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين \r\n قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا في البروج ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بروج الشمس والقمر أي منازلها قاله ابن عباس وأبوعبيدة في آخرين قال ابن قتيبة وأسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت \r\n والثاني أنها قصور روي عن ابن عباس أيضا وقال عطية هي قصور في السماء فيها الحرس وقال ابن قتيبة أصل البروج الحصون \r\n والثالث أنها الكواكب قاله مجاهد وقتادة ومقاتل قال أبو صالح هي النجوم العظام قال قتادة سميت بروجا لظهورها \r\n قوله تعالى وزيناها أي حسناها بالكواكب \r\n وفي المراد بالناظرين قولان أحدهما أنهم المبصرون والثاني المعتبرون \r\n قوله تعالى وحفظناها من كل شيطان رجيم أي حفطناها أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا ثم يتبعه الشهاب والرجيم مشروح في آل عمران \r\n واختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا صلى الله عليه و سلم أم لا على قولين \r\n أحدهما أنها لم ترم حتى بعث صلى الله عليه و سلم وهذا المعنى مذكور في رواية ","part":4,"page":387},{"id":1908,"text":" سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد أخرج في الصحيحين من حديث سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال انطلق رسول الله ص - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب وظاهر هذا الحديث أنها لم تكن قبل ذلك قال الزجاج ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد رسول الله ص - أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المنقضة فلما حدثت بعد مولد نبينا ص - استعملت الشعراء ذكرها فقال ذو الرمة ... كذا كوكب في إثر عفرية ... مسوم في سواد الليل منقضب ... \r\n والثاني أنه قد كان ذلك قبل نبينا ص - فروى مسلم في صحيحه ","part":4,"page":388},{"id":1909,"text":" من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال بينما النبي ص - جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم قال فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يستخبر أهل السماء السابعة حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء أهل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن ويرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون وروي عن ابن عباس أن الشاطين كانت لا تحجب عن السموات فلما ولد عيسى منعت من ثلاث سموات فلما ولد رسول الله ص - منعوا من السموات كلها وقال الزهري قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله ولكنها غلظت حين بعث ص - وهذا مذهب ابن قتيبة قال وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قال بشر بن أبي خازم وهو جاهلي ... والعير يرهقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب ... \r\n وقال أوس بن حجر وهو جاهلي ","part":4,"page":389},{"id":1910,"text":" فانقض كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا ... \r\n قوله تعالى إلا من استرق السمع أي اختطف ما سمعه من كلام الملائكة قال ابن فارس استرق السمع إذا سمع مستخفيا فأتبعه أي لحقه شهاب مبين قال ابن قتيبة كوكب مضيء وقيل مبين بمعنى ظاهر يراه أهل الأرض وإنما يسترق الشيطان ما يكون من أخبار الأرض فأما وحي الله عز و جل فقد صانه عنهم \r\n واختلفوا هل يقتل الشهاب أم لا على قولين \r\n أحدهما أنه يحرق ويخبل ولا يقتل قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني أنه يقتل قاله الحسن فعلى هذا القول هل يقتل الشيطان قبل أن يخبر بما سمع فيه قولان \r\n أحدهما أنه يقتل قبل ذلك فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء قال ابن عباس ولذلك انقطعت الكهانة \r\n والثاني أنه يقتل بعد إلقائه ما سمع إلى غيره من الجن ولذلك يعودون إلى الاستراق ولو لم يصل لقطعوا الاستراق \r\n والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين \r\n قوله تعالى والأرض مددناها أي بسطناها على وجه الماء وألقينا فيها رواسي وهي الجبال الثوابت وأنبتنا فيها في المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنها الأرض قاله الأكثرون \r\n والثاني الجبال قاله الفراء ","part":4,"page":390},{"id":1911,"text":" وفي قوله ومن كل شيء موزون قولان \r\n أحدهما أن الموزون المعلوم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد ابن جبير والضحاك وقال مجاهد وعكرمة في آخرين الموزون المقدور فعلى هذا يكون المعنى معلوم القدر كأنه قد وزن لأن أهل الدنيا لما كانوا يعلمون قدر الشيء بوزنه أخبر الله تعالى عن هذا أنه معلوم القدر عنده بأنه موزون وقال الزجاج المعنى أنه جرى على وزن من قدر الله تعالى لا يجاوز ما قدره الله تعالى عليه ولا يستطيع خلق زيادة فيه ولا نقصانا \r\n والثاني أنه عنى به الشيء الذي يوزن كالذهب والفضة والرصاص والحديد والكحل ونحو ذلك وهذا المعنى مروي عن الحسن وعكرمة وابن زيد وابن السائب واختاره الفراء \r\n قوله تعالى وجعلنا لكم فيها معايش في المشار إليهما قولان \r\n أحدهما أنها الأرض \r\n والثاني أنها الأشياء التي أنبتت والمعايش جمع معيشة والمعنى جعلنا لكم فيها أرزاقا تعيشون بها \r\n وفي قوله تعالى ومن لستم له برازقين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الدواب والأنعام رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثاني الوحوش رواه منصور عن مجاهد وقال ابن قتيبة الوحش والطير والسباع وأشباه ذلك مما لا يرزقه ابن آدم \r\n والثالث العبيد والإماء قاله الفراء \r\n والرابع العبيد والأنعام والدواب قاله الزجاج قال الفراء ومن ","part":4,"page":391},{"id":1912,"text":" في موضع نصب فالمعنى جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء ويقال إنها في موضع خفض فالمعنى جعلنا لكم فيها معايش ولمن لمستم له برازقين \r\n وقال الزجاج المعنى جعلنا لكم الدواب والعبيد وكفيتم مؤونة أرزاقها \r\n فان قيل كيف قلتم إن من ها هنا للوحوش والدواب وإنما تكون لمن يعقل فالجواب أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف به الناس فيقال للآدمي معاش ولا يقال للفرس معاش جرت مجرى الناس كما قال يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم النمل 18 وقال رأيتهم لي ساجدين يوسف 4 وقال كل في فلك يسبحون الأنبياء وإن قلنا أريد به العبيد والوحوش فانه إذا اجتمع الناس وغيرهم غلب الناس على غيرهم لفضيلة العقل والتمييز \r\n وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم \r\n قوله تعالى وإن من شيء أي وما من شيء إلا عندنا خزائنه وهذا الكلام عام في كل شيء وذهب قوم من المفسرين إلى أن المراد به المطر خاصة فالمعنى عندهم وما من شيء من المطر إلا عندنا خزائنه أي في حكمنا وتدبيرنا ومما ننزله كل عام إلا بقدر معلوم لايزيد ولا ينقص فما من عام أكثر مطرا من عام غير أن الله تعالى يصرفه إلى من يشاء ويمنعه من يشاء \r\n وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ","part":4,"page":392},{"id":1913,"text":" قوله تعالى وأرسلنا الرياح لواقح وقرأ حمزة وخلف الريح وكان أبو عبيدة يذهب إلى أن لواقح بمعنى ملاقح فسقطت الميم منه قال الشاعر ... ليبك يزيد بائس لضراعة ... وأشعث ممن طوحته الطوائح ... \r\n أراد المطاوح فحذف الميم فمعنى الآية عنده وأرسلنا الرياح ملقحة فيكون ها هنا فاعل بمعنى مفعل كما أتى فاعل بمعنى مفعول كقوله ماء دافق الطارق 6 أي مدفوق و عيشة راضية الحاقة 21 والقارعة 7 أي مرضية وكقولهم ليل نائم أي منوم فيه ويقولون أبقل النبت فهو باقل أي مبقل قال ابن قتيبة يريد أبو عبيدة أنها تلقح الشجر وتلقح السحاب كأنها تنتجه ولست أدري ما أضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي الرياح لواقح والريح لاقحا قال الطرماح وذكر بردا مده على أصحابه في الشمس يستظلون به ... قلق لأفنان الرياح ... للاقح منها وحائل ... \r\n فاللاقح الجنوب والحائل الشمال ويسمون الشمال أيضا عقيما والعقيم التي لا تحمل كما سموا الجنوب لا قحا قال كثير ... ومر بسفاسف التراب عقيمها ... يعني الشمال وإنما جعلوا الريح لاقحا أي حاملا لأنها تحمل السحاب ","part":4,"page":393},{"id":1914,"text":" وتقلبه وتصرفه ثم تحله فينزل فهي على هذا حامل ويدل على هذا قوله حتى إذا أقلت سحابا الأعراف أي حملت قال ابن الأنباري شبه ما تحمله الريح من الماء وغيره بالولد التي تشتمل عليه الناقة وكذلك يقولون حرب لاقح لما تشتمل عليه من الشر فعلى قول أبو عبيدة يكون معنى لواقح أنها ملقحة لغيرها وعلى قول ابن قتيبة أنها لاقحة نفسها وأكثر الأحاديث تدل على القول الأول قال عبد الله ابن مسعود يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء فتمجه ثم تمريه فيدر كما تدر اللقحة وقال الضحاك يبعث الله الرياح على السحاب فتلقحه فيمتلىء ماء قال النخعي تلقح السحاب ولا تلقح الشجر وقال الحسن في آخرين تلقح السحاب والشجر الشجر يعنون أنها تلقح السحاب حتى يمطر والشجر حتى يثمر \r\n قوله تعالى فأنزلنا من السماء يعني السحاب ماء يعني المطر فأسقيناكموه أي جعلناه سقيا لكم قال الفراء العرب مجتمعون على أن يقولوا سقيت الرجل فأنا أسقيه إذا سقيته لشفته فاذا أجروا للرجل نهرا قالوا أسقيته وسقيته وكذلك السقيا من الغيث قالوا فيها سقيت وأسقيت وقال أبو عبيدة كل ما كان من السماء ففيه لغتان أسقاه الله وسقاه الله قال لبيد ","part":4,"page":394},{"id":1915,"text":" سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال ... \r\n فجاء باللغتين وتقول سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغيره وليس فيه إلا لغة واحدة بغير ألف إذا كان في الشفه وإذا جعلت له شربا فهو أسقيته وأسقيت أرضه وإبله ولا يكون غير هذا وكذلك إذا استسقيت له كقول ذي الرمة ... وقفت على رسم لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه ... \r\n ... وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه ... \r\n فاذا وهبت له إهابا ليجعله سقاء فقد أسقيته إياه \r\n قوله تعالى وما أنتم له يعني الماء المنزل بخازنين وفيه قولان \r\n أحدهما بحافظين أي ليست خزائنه بأيديكم قاله مقاتل \r\n والثاني بمانعين قاله سفيان الثوري \r\n قوله تعالى ونحن الوارثون يعني أنه الباقي بعد فناء الخلق ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وإن ربك هو يحشركم إنه حكيم عليم \r\n قوله تعالى ولقد علمنا المستقدمين منكم يقال استقدم الرجل بمعنى تقدم واستأخر بمعنى تأخر \r\n وفي سبب نزولها قولان ","part":4,"page":395},{"id":1916,"text":" أحدهما أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله ص - فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أول صف لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في آخر صف فاذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت هذه الآية رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والثاني أن النبي ص - حرض على الصف الأول فازدحموا عليه وقال قوم بيوتهم قاصية عن المدينة لنبيعن دورنا ولنشترين دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم فنزلت هذه الأية ومعناها إنما تجزون على النيات فاطمأنوا وسكنوا رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n وللمفسرين في معنى المستقدمين والمستأخرين ثمانية أقوال \r\n أحدها التقدم في الصف الأول والتأخر عنه وهذا على القولين المذكورين في سبب نزولها فعلى الأول هو التقدم للتقوى والتأخر للخيانة بالنظر وعلى الثاني هو التقدم لطلب الفضيلة والتأخر للعذر \r\n والثاني أن المستقدمين من مات والمستأخرين من هو حي لم يمت رواه العوفي عن ابن عباس وخصيف عن مجاهد وبه قال عطاء والضحاك والقرظي \r\n والثالث أن المستقدمين من خرج من الخلق وكان والمستأخرين الذين في أصلاب الرجال رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال عكرمة ","part":4,"page":396},{"id":1917,"text":" والرابع أن المستقدمين من مضى من الأمم والمستأخرين أمة محمد ص - رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والخامس أن المستقدمين المتقدمون في الخير والمستأخرون المثبطون عنه قاله الحسن وقتادة \r\n والسادس أن المستقدمين في صفوف القتال والمستأخرين عنها قاله الضحاك \r\n والسابع أن المستقدمين من قتل في الجهاد والمستأخرين من لم يقتل قاله القرظي \r\n والثامن أن المستقدمين أول الخلق والمستأخرين آخر الخلق قاله الشعبي \r\n ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين \r\n قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم من صلصال وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الطين اليابس الذي لم تصبه النار فاذا نقرته صل فسمعت له صلصلة قاله ابن عباس وقتادة وأبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والثاني أنه الطين المنتن قاله مجاهد والكسائي وأبو عبيد ويقال صل اللحم إذا تغيرت رائحته \r\n والثالث أنه طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره قاله الفراء فأما الحمأ فقال أبو عبيدة هو جمع حمأة وهو الطين المتغير وقال ابن الأنباري لا خلاف أن الحمأ الطين الأسود المتغير الريح وروى السدي عن أشياخه قال بل التراب حتى صار طينا ثم ترك حتى أنتن وتغير ","part":4,"page":397},{"id":1918,"text":" وفي المسنون أربعة أقوال \r\n أحدها المنتن أيضا رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة في آخرين قال ابن قتيبة المسنون المتغير الرائحة \r\n والثاني أنه الطين الرطب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه المصبوب قاله أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيد \r\n والرابع أنه المحكوك ذكره ابن الأنباري قال فمن قال المسنون المنتن قال هو من قولهم قد تسنى الشيء إذا أنتن ومنه قوله تعالى لم يتسنه البقرة 259 وإنما قيل له مسنون لتقادم السنين عليه ومن قال الطين الرطب قال سمي مسنونا لأنه يسيل وينبسط فيكون كالماء المسنون المصبوب ومن قال المصبوب احتج بقول العرب قد سننت علي الماء إذا صببته ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ومثال من قوله رأيت سنة وجهه أي صورة وجهه قال الشاعر ... تريك سنة وجهه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب ... \r\n ومن قال المحكوك احتج بقول العرب سننت الحجر على الحجر إذا حككته عليه وسمي المسن مسنا لأن الحديد يحك عليه قال وإنما كررت من لأن الأولى المتعلقة ب خلقنا والثانية متعلقة بالصلصال تقديره ولقد خلقنا الإنسان من الصلصال الذي هو من حمأ مسنون \r\n قوله تعالى والجان فيه ثلاثة أقوال ","part":4,"page":398},{"id":1919,"text":" أحدها أنه مسيخ الجن كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه أبو الجن قاله أبو صالح عن ابن عباس وروى عنه الضحاك أنه قال الجان أبو الجن وليسوا بشياطين والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر \r\n والثالث أنه إبليس قاله الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل \r\n فان قيل أليس أبو الجن هو إبليس فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه هو فيكون هذا القول هو الذي قبله \r\n والثاني أن الجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين فبينهما إذا فرق على ما ذكرناه عن ابن عباس قال العلماء وإنما سمي جانا لتواريه عن العيون \r\n قوله تعالى من قبل يعني قبل خلق آدم من نار السموم ","part":4,"page":399},{"id":1920,"text":" وقال ابن مسعود من نار الريح الحارة وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم والسموم في اللغة الريح الحارة وفيها نار قال ابن السائب وهي نار لا دخان لها فسجد الملئكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم \r\n قوله تعالى فإذا سويته أي عدلت صورته وأتممت خلقته ونفخت فيه من روحي هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان ولا تعلم ما هيتها وإنما أضافها إليه تشريفا لآدم وهذه إضافة ملك وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح فيه \r\n قوله تعالى فقعوا أمر من الوقوع وقوله كلهم أجمعون قال فيه سيبويه والخليل هو توكيد بعد توكيد وقال المبرد أجمعون يدل على اجتماعهم في السجود فالمعنى سجدوا كلهم في حالة واحدة قال ابن الأنباري ","part":4,"page":400},{"id":1921,"text":" وهذا لأن كلا تدل على اجتماع القوم في الفعل ولا تدل على اجتماعهم في الزمان قال الزجاج وقول سيبويه أجود لأن أجمعين معرفة ولا تكون حالا \r\n قوله تعالى وإن عليك اللعنة قال المفسرون معناه يلعنك أهل السماء والأرض إلى يوم الحساب قال ابن الأنباري وإنما قال إلى يوم الدين لأنه يوم له أول وليس له آخر فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى والمعنى عليك اللعنة أبدا \r\n قوله تعالى إلى يوم الوقت المعلوم يعني المعلوم بموت الخلائق فيه فأراد أن يذيقه ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم \r\n قوله تعالى لأزينن لهم في الأرض مفعول التزيين محذوف والمعنى لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه ولأغوينهم أي ولأضلنهم والمخلصون الذين أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة تناقض الإخلاص وما أخللنا به من الكلمات هاهنا فقد سبق تفسيرها في الأعراف 16 وغيرها \r\n قوله تعالى قال هذا صراط علي مستقيم اختلوا في معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يعني بقوله هذا الإخلاص فالمعنى إن الإخلاص طريق إلي مستقيم و علي بمعنى إلي \r\n والثاني هذا طريق علي جوازه لأني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وهو خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه طريقك علي فهو كقوله إن ربك لبالمرصاد الفجر 14 \r\n والثالث هذا صراط علي استقامته أي أنا ضامن لاستقامته بالبيان ","part":4,"page":401},{"id":1922,"text":" والبرهان وقرأ قتادة ويعقوب هذا صراط علي بكسر اللام ورفع الياء وتنوينها أي رفيع إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم \r\n قوله تعالى إن عبادي فيهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم المؤمنون والثاني المعصومون رويا عن قتادة والثالث المخلصون قاله مقاتل والرابع المطيعون قاله ابن جرير فعلى هذه الأقوال تكون الآية من العام الذي أريد به الخاص \r\n وفي المراد بالسلطان قولان \r\n أحدهما أنه الحجة قاله ابن جرير فيكون المعنى ليس لك حجة في إغوائهم \r\n والثاني أنه القهر والغلبة إنما له أن يغر ويزين قاله أبو سليمان الدمشقي وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عفوي عنه \r\n قوله تعالى وإن جهنم لموعدهم أجمعين يعني الذين اتبعوه \r\n قوله تعالى لها سبعة أبواب وهي دركاتها بعضها فوق بعض قال علي عليه السلام أبواب جهنم ليست كأبوابكم هذه ولكنها هكذا وهكذا وهكذا بعضها فوق بعض ووصف الراوي عنه بيده وفتح أصابعه قال ابن جرير لها سبعة أبواب أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم ","part":4,"page":402},{"id":1923,"text":" الجحيم ثم الهاوية وقال الضحاك هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر ذنوبهم ثم يخرجون والثاني فيه النصارى والثالث فيه اليهود والرابع فيه الصائبون والخامس فيه المجوس والسادس فيه مشركو العرب والسابع فيه المنافقون قال ابن الأنباري لما اتصل العذاب بالباب وكان الباب من سببه سمي باسمه للمجاورة كتسميتهم الحدث غائطا \r\n قوله تعالى لكل باب منهم أي من أتباع إبليس جزء مقسوم والجزء بعض الشيء إن المتقين في جناب وعيون أدخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين \r\n قوله تعالى إن المتقين في جنات وعيون قد شرحنا في سورة البقرة 2 و 25 معنى التقوى والجنات فأما العيون فهي عيون الماء والخمر والسلسبيل والتسنيم وغير ذلك مما ذكر أنه من شراب الجنة \r\n قوله تعالى ادخلوها بسلام المعنى يقال لهم ادخلوها بسلام وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها بسلامة من النار والثاني بسلامة من كل آفة والثالث بتحية من الله \r\n وفي قوله آمنين أربعة أقوال \r\n أحدها آمنين من عذاب الله والثاني من الخروج والثالث من الموت والرابع من الخوف والمرض \r\n قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل قد ذكرنا تفسيرها في سورة ","part":4,"page":403},{"id":1924,"text":" الأعراف 43 فإن المفسرين ذكروا ما هناك هاهنا من تفسير وسبب نزول \r\n قوله تعالى إخوانا منصوب على الحال والمعنى أنهم متوادون \r\n فإن قيل كيف نصب إخوانا على الحال فأوجب ذلك أن التآخي وقع مع نزع الغل وقد كان التآخي بينهم في الدنيا \r\n فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال ما مضى من التآخي قد كان تشويه ضغائن وشحناء وهذا التآخي بينهم الموجود عند نزع الغل هو تآخي المصافاة والإخلاص ويجوز أن ينتصب على المدح المعنى اذكر إخوانا فأما السرور فجمع سرير قال ابن عباس على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت السرير مثل ما بين عدن إلى أيلة متقابلين لا يرى بعضهم قفا بعض حيثما التفت رأى وجها يحبه يقابله \r\n قوله تعالى لايمسهم فيها نصب أي لا يصيبهم في الجنة إعياء وتعب نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم \r\n قوله تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم سبب نزولها ما روى ابن المبارك باسناد له عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال طلع علينا رسول الله من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال ألا أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال إني لما ","part":4,"page":404},{"id":1925,"text":" خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد يقول الله تعالى لم تقنط عبادي نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتحريك ياء عبادي وياء أني أنا واسكنها الباقون \r\n قوله تعالى ونبئهم عن ضيف إبراهيم قد شرحنا القصة في هود 69 وبينا هنالك معنى الضيف والسبب في خوفه منهم وذكرنا معنى الوجل في الأنفال 2 \r\n قوله تعالى بغلام عليم أي إنه يبلغ ويعلم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ألا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ألا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون فأسر بأهلك بقطع من الليل وابع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ","part":4,"page":405},{"id":1926,"text":" قوله تعالى قال أبشرتموني أي بالولد على أن مسني الكبر أي على حالة الكبر والهرم فبم تبشرون قرأ أبو عمر وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي تبشرون بفتح النون وقرأ نافع بكسر النون ووافقه ابن كثير في كسرها لكنه شددها وهذا استفهام تعجب كأنه عجب من الولد على كبره قالوا بشرناك بالحق أي بما قضى الله أنه كائن فلا تكن من القانطين يعني الآيسين قال ومن يقنط قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة ومن يقنط بفتح النون في جميع القرآن وقرأ أبو عمرو والكسائي يقنط بكسر النون وكلهم قرؤوا من بعد ما قنطوا الشورى 28 بفتح النون وروى خارجة عن أبي عمرو ومن يقنط بضم النون قال الزجاج يقال قنط يقنط وقنط يقنط والقنوط بمعنى اليأس ولم يكن إبراهيم قانطا ولكنه استبعد وجود الولد قال فما خطبكم أي ما أمركم قالوا إنا أرسلنا أي بالعذاب وقوله إلا آل لوط استثناء ليس من الأول فأما آل لوط فهم اتباعه المؤمنون \r\n قوله تعالى إنا لمنجوهم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر لمنجوهم مشددة الجيم وقرأ حمزة والكسائي لمنجوهم خفيفة \r\n قوله تعالى إلا امرأته المعنى أنا لمنجوهم إلا امرأته قدرنا وروى أبو بكر عن عاصم قدرنا بالتخفيف والمعنى واحد يقال قدرت وقدرت والمعنى قضينا إنها لمن الغابرين يعني الباقين في العذاب \r\n قوله تعالى إنكم قوم منكرون يعني لا أعرفكم قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون يعنون العذاب كانوا يشكون في نزوله وأتيناك بالحق أي بالأمر الذي لا شك فيه من عذاب قومك ","part":4,"page":406},{"id":1927,"text":" قوله تعالى واتبع أدبارهم أي سر خلفهم وامضواحيث تؤمرون أي حيث يأمركم جبريل \r\n وفي المكان الذي أمروا بالمضي إليه قولان \r\n أحدهما أنه الشام قاله ابن عباس والثاني قرية من قرى قوم لوط قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر أي أوحينا إليه ذلك الأمر أي الأمر بهلاك قومه قال الزجاج فسر ما الأمر بباقي الآية والمعنى وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين فأما الدابر فقد سبق تفسره الأنعام 45 والمعنى إن آخر من يبقى منكم يهلك وقت الصبح وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين \r\n قوله تعالى وجاء أهل المدينة وهم قوم لوط واسمها سدوم يستبشرون بأضياف لوط طمعا في ركوب الفاحشة فقال لهم لوط إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون أي بقصدكم إياهم بالسوء يقال فضحه يفضحه إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار وقد أثبت يعقوب ياء تفضحون ولا تخزون في الوصل والوقف \r\n قوله تعالى أولم ننهك عن العالمين أي عن ضيافة العالمين \r\n قوله تعالى بناتي إن كنتم حرك ياء بناتي نافع وأبو جعفر ","part":4,"page":407},{"id":1928,"text":" لعمرك إنهم لفي سكرتهم بعمهون فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين \r\n قوله تعالى لعمرك فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه وحياتك يا محمد رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والثاني لعيشك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الأخفش وهو يرجع إلى معنى الأول \r\n والثالث أن معناه وحقك على أمتك تقول العرب لعمر الله لا أقوم يعنون وحق الله ذكره ابن الأنباري قال وفي العمر ثلاث لغات عمر وعمر و عمر وهو عند العرب البقاء وحكى الزجاج أن الخليل وسيبويه وجميع أهل اللغة قالوا العمر والعمر في معنى واحد فإذا استعمل في القسم فتح لا غير وإنما آثروا الفتح في القسم لأن الفتح أخف عليهم وهم يؤكدون القسم ب لعمري و لعمرك فلما كثر استعمالهم إياه لزموا الأخف عليهم قال وقال النحويون ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف والمعنى لعمرك قسمي ولعمرك ما أقسم به وحذف الخبر لأن في الكلام دليلا عليه المعنى أقسم إنهم لفي سكرتهم يعمهون \r\n وفي المراد بهذه السكرة قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى الضلالة قاله قتادة \r\n والثاني بمعنى الغفلة قاله الأعمش وقد شرحنا معنى العمة في سورة ","part":4,"page":408},{"id":1929,"text":" البقرة 15 وفي المشار إليهم بهذا قولان أحدهما أنهم قوم لوط قاله الأكثرون والثاني قوم نبينا صلى الله عليه و سلم قاله عطاء \r\n قوله تعالى فأخذتهم الصيحة يعني صيحة العذاب وهي صيحة جبريل عليه السلام مشرقين قال الزجاج يقال أشرقنا فنحن مشرقون إذا صادفوا شروق الشمس وهو طلوعها كما يقال أصبحنا إذا صادفوا الصبح يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وصفت هذا أكثر اللغة وقد قيل شرقت وأشرقت في معنى واحد إلا أن مشرقين في معنى مصادفين لطلوع الشمس \r\n قوله تعالى فجعلنا عاليها سافلها قد فسرنا الآية في سورة هود 82 \r\n وفي المتوسمين أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم المتفرسون روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اتقوا فراسه المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال المتفرسين وبهذا قال مجاهد وابن قتيبة قال ابن قتيبة يقال توسمت في فلان الخير أي تبينته وقال الزجاج المتوسمون في اللغة النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء يقال ","part":4,"page":409},{"id":1930,"text":" توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك فيه وقال غيره المتوسم الناظر في السمة الدالة على الشيء والثاني المعتبرون قاله قتادة والثالث الناظرون قاله الضحاك والرابع المتفكرون قاله ابن زيد والفراء \r\n قوله تعالى وإنها يعني قرية قوم لوط لبسبيل مقيم فيه قولان \r\n أحدهما لبطريق واضح رواه نهشل عن الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة والزجاج وقال ابن زيد لبطريق متبين \r\n والثاني لبهلاك رواه أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس والمعنى إنها بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن فالاعتبار بها ممكن وهي على طريق قريش إذا سافروا إلى الشام وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين \r\n قوله تعالى وإن كان أصحاب الأيكة الظالمين قال الزجاج معنى إن واللام التوكيد والأيك الشجر الملتف فالفصل بين واحده وجمعه الهاء فالمعنى أصحاب الشجرة قال المفسرون هم قوم شعيب كان مكانهم ذا شجر فكذبوا شعيبا فأهلكوا بالحر كما بينا في سورة هود 87 \r\n قوله تعالى وإنهما في المكنى عنهما قولان أحدهما أنهما الأيكة ومدينة قوم لوط قاله الأكثرون والثاني لوط وشعيب ذكره ابن الأنباري \r\n وفي قوله لبامام مبين قولان \r\n أحدهما لبطريق ظاهر قاله ابن عباس قال ابن قتيبة وقيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده ","part":4,"page":410},{"id":1931,"text":" والثاني لفي كتاب مستبين قاله السدي قال ابن الأنباري وإنهما يعني لوطا وشعيبا بطريق من الحق يؤتم به ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين \r\n قوله تعالى ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين يعني بهم ثمود قال ابن عباس كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام \r\n وفي الحجر قولان أحدهما أنه اسم الوادي الذي كانوا به قاله قتادة والزجاج والثاني اسم مدينتهم قاله الزهري ومقاتل \r\n قال المفسرون والمراد بالمرسلين صالح وحده لأن من كذب نبيا فقد كذب الكل \r\n والمراد بالآيات الناقة قال ابن عباس كان في آيات خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعا فكانوا عنها معرضين لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا الحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم \r\n قوله تعالى وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا قد شرحناه في الأعراف 74 \r\n وفي قوله آمنين ثلاثة أقوال ","part":4,"page":411},{"id":1932,"text":" أحدها آمنين ان تقع عليهم والثاني آمنين من خرابها والثالث من عذاب اللة عز و جل وفي قولة تعالي ماكانوا يكسبون قولان احدهما ما كانوا يعملون من نحت الجبال والثاني ما كانوا يكسبون من الأموال والأنعام قولة تعالي إلا بالحق أي للحق ولإظهار الحق وهو ثواب المصدق وعقاب المكذب وإن الساعة لآتية أي وإن القيامة لتأتي فيجازى المشركون بأعمالهم فأصفح الصفح الجميل عنهم وهو الإعراض الخالي من جزع وفحش قال المفسرون وهذا منسوخ بآية السيف فأما الخلاق فهو خالق كل شيئ و العليم قد سبق شرحة البقرة 29 ولقد اتيناك سبعا من المثاني والقران العظيم لاتمدن عينيك إلى ما متعنا بة ازواجا منهم ولاتحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين وقل إني انا النذير المبين قولة تعالى ولقد اتيناك سبعا من المثانى سبب نزولها أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز والطيب والجواهر ققال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله هذه الآية وقال أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله لا تمدن عينيك الآية قاله الحسين بن الفضل ","part":4,"page":412},{"id":1933,"text":" وفي المراد بالسبع المثاني أربعة أقوال \r\n أحدها أنها فاتحة الكتاب قاله عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود في رواية وابن عباس في رواية الأكثرين عنه وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية وعطاء وقتادة في آخرين فعلى هذا إنما سميت بالسبع لأنها سبع آيات \r\n وفي تسميتها بالمثاني سبعة أقوال أحدها لأن الله استثناها لأمة محمد صلى الله عليه و سلم فلم يعطها أمة قبلهم رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني لأنها تثنى في كل ركعة رواه أبو صالح عن ابن عباس قال ابن الأنباري والمعنى آتيناك السبع الآيات التي تثنى في كل ركعة وإنما دخلت من للتوكيد كقوله ولهم فيها من كل الثمرات محمد 15 وقال ابن قتيبة سمي الحمد مثاني لأنها تثنى في كل صلاة والثالث لأنها ما أثنى به على الله تعالى لأن فيها حمد الله وتوحيده وذكر مملكته ذكره الزجاج والرابع لأن فيها الرحمن الرحيم مرتين ذكره أبو سليمان الدمشقي عن بعض اللغويين وهذا على قول من يرى التسمية منها والخامس لأنها مقسومة بين الله تعالى وبين عبده ويدل عليه حديث أبي هريرة قسمت الصلاة بيني وبين عبدي والسادس ","part":4,"page":413},{"id":1934,"text":" لأنها نزلت مرتين ذكره الحسين بن الفضل والسابع لأن كلماتها مثناه مثل الرحمن الرحيم إياك إياك الصراط صراط عليهم عليهم غير غير ذكره بعض المفسرين ومن أعظم فضائلها أن الله تعالى جعلها في حيز والقرآن كله في حيز وامتن عليه بها امتن عليه بالقرآن كله \r\n والقول الثاني أنها السبع الطول قاله ابن مسعود في رواية وابن عباس في رواية وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية والضحاك فالسبع الطول هي البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف وفي السابعة ثلاثة أقوال أحدها أنها يونس قاله سعيد بن جبير والثاني براءة قاله أبو مالك والثالث الأنفال و براءة جميعا رواه سفيان عن مسعر عن بعض أهل العلم قال ابن قتيبة وكانوا يرون الأنفال و براءة سورة واحدة ولذلك لم يفصلوا بينهما قال شيخنا أبو منصور اللغوي هي الطول ولا تقلها بالكسر فعلى هذا في تسميتها بالمثاني قولان أحدهما لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها قاله ابن عباس والثاني لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية ذكره الماوردي \r\n والقول الثالث أن السبع المثاني سبع معان أنزلت في القرآن أمر ونهي وبشارة وإنذار وضرب الأمثال وتعداد النعم وأخبار الأمم قاله زياد بن أبي مريم \r\n والقول الرابع أن المثاني القرآن كله قاله طاووس والضحاك وأبو مالك فعلى هذا في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال ","part":4,"page":414},{"id":1935,"text":" أحدها لأن بعض الآيات يتلو بعضا فتثنى الآخرة على الأولى ولها مقاطع تفصل الآية بعدالآية حتى تنقضي السورة قاله أبو عبيدة \r\n والثاني أنه سمي بالمثاني لما يتردد فيه من الثناء على الله عز و جل \r\n والثالث لما يتردد فيه من ذكر الجنة والنار والثواب والعقاب \r\n والرابع لأن الأقاصيص والأخبار والمواعظ والآداب ثنيت فيه ذكرهن ابن الأنباري وقال ابن قتيبة قد يكون المثاني سور القرآن كله قصارها وطوالها وإنما سمي مثاني لأن الأنباء والقصص تثنى فيه فعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن ويكون في الكلام إضمار تقديره وهي القرآن العظيم \r\n فأما قوله في المثاني ففي من قولان \r\n أحدهما أنها للتبعيض فيكون المعنى آتيناك سبعا من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن \r\n والثاني أنها للصفة فيكون السبع هي المثاني ومنه قوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان الحج 30 لا أن بعضها رجس ذكر الوجهين الزجاج وقد ذكرنا عن ابن الأنباري قريبا من هذا المعنى \r\n قوله تعالى والقرآن العظيم يعني العظيم القدر لأنه كلام الله تعالى ووحيه \r\n وفي المراد به هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه جميع القرآن قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك و الثاني أنه الفاتحة أيضا قاله أبو هريرة وقد روينا فيه حديثا في أول ","part":4,"page":415},{"id":1936,"text":" تفسير الفاتحة قال ابن الأنباري فعلى القول الأول يكون قد نسق الكل على بعض كما يقول العربي رأيت جدار الدار والدار وإنما يصلح هذا لأن الزيادة التي في الثاني من كثرة العدد أشبه بها ما يغاير الأول فجوز ذلك عطفه عليه وعلى القول الثاني نسق الشيء على نفسه لما زيد عليه معنى المدح والثناء كما قالوا روي ذلك عن عمر وابن الخطاب يريدون ابن الخطاب الفاضل العالم الرفيع المنزلة فلما دخلته زيادة أشبه ما يغاير الأول فعطف عليه \r\n ولما ذكر الله تعالى منته عليه بالقرآن نهاه عن النظر إلى الدنيا ليستغني بما آتاه من القرآن عن الدنيا فقال لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم أي أصنافا من اليهود والمشركين والمعنى أنه نهاه عن الرغبة في الدنيا \r\n وفي قوله ولا تحزن عليهم قولان \r\n أحدهما لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا والثاني لا تحزن بما أنعمت عليهم في الدنيا \r\n قوله تعالى واخفض جناحك للمؤمنين أي ألن جانبك لهم وخفض الجناح عبارة عن السكون وترك التصعب والإباء قال ابن عباس ارفق بهم ولا تغلظ عليهم \r\n قوله تعالى وقل إني أنا النذير المبين حرك ياء إني ابن كثير وأبو عمرو ونافع وذكر بعض المفسرين أن معناها منسوخ بآية السيف كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين في هذه الكاف قولان ","part":4,"page":416},{"id":1937,"text":" أحدهما أنها متعلقة بقوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أن المعنى ولقد آتيناك سبعا من المثاني كما أنزلنا الكتب على المقتسمين قاله مقاتل والثاني أن المعنى ولقد شرفناك وكرمناك بالسبع المثاني كما شرفناك وأكرمناك بالذي أنزلناه على المقتسمين من العذاب والكاف بمعنى مثل و ما بمعنى الذي ذكره ابن الأنباري \r\n والثاني أنهامتعلقة بقوله إني أنا النذير والمعنى إني أنا النذير أنذرتكم مثل الذي أنزل على المقتسمين من العذاب وهذا معنى قول الفراء فخرج في معنى أنزلنا قولان أحدهما أنزلنا االكتب على قول مقاتل والثاني المذاب على قول الفراء \r\n وفي المقتسمين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود والنصارى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد فعلى هذا في تسميتهم بالمقتسمين ثلاثة أقوال أحدها أنهم آمنواببعض القرآن وكفروا ببعضه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أنهم اقتسموا القرآن فقال بعضهم هذه السورة لي وقال آخر هذه السورة لي استهزاء به قاله عكرمة والثالث أنهم اقتسموا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر ببعضها وآمن آخرون بما كفر به غيرهم قاله مجاهد \r\n والثاني أنهم مشركو قريش قاله قتادة وابن السائب فعلى هذا في تسميتهم بالمقتسمين قولان أحدهما أن أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم إنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين منهم الأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة وعدي بن قيس السهمي والعاص ","part":4,"page":417},{"id":1938,"text":" ابن وائل قاله قتادة والثاني أنهم اقتسموا على عقاب مكة قال ابن السائب هم رهط من أهل مكة اقتسموا على عقاب مكة حين حضر الموسم قال لهم الوليد ابن المغيرة انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة حيث يمر بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عنه يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم فليقل بعضكم كاهن وبعضكم ساحر وبعضكم شاعر وبعضكم غاو فإذا انتهوا إلي صدقتكم ومنهم حنظلة ابن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص ابن هشام وابو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أبي أمية وهلال ابن عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة \r\n والثالث أنهم قوم صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله النمل 49 فكفاه الله شرهم قاله عبد الرحمن بن زيد فعلى هذا هو من القسم لا من القسمة \r\n قوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين في المراد بالقرآن قولان \r\n أحدهما أنه كتابنا وهو الأظهر وعليه الجمهور والثاني أن المراد به كتب المتقدمين قبلنا \r\n وفي عضين قولان \r\n أحدهما أنه مأخوذ من الأعضاء قال الكسائي وأبو عبيدة اقتسموا بالقرآن وجعلوه أعضاء ثم في ما فعلوا فيه قولان \r\n أحدهما أنهم عضوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه والمعضي المفرق والتعضية تجزئة الذبيحة أعضاء قال علي عليه السلام لا تعضية في ميراث أراد تفريق ما يوجب تفريقه ضررا على الورثة كالسيف ونحوه وقال رؤبة ","part":4,"page":418},{"id":1939,"text":" وليس دين الله بالمعضى ... \r\n وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم عضوا القول فيه أي فرقوا فقالوا شعر وقالوا سحر وقالوا كهانة وقالوا أساطير الأولين وهذا المعنى في رواية ابن جريج عن مجاهد وبه قال قتادة وابن زيد \r\n والثاني أنه مأخوذ من العضه والعضه بلسان قريش السحر ويقولون للساحرة عاضهة وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن العاضهة والمستعضهة فيكون المعنى جعلوه سحرا وهذا المعنى في رواية عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة والفراء \r\n قوله تعالى فوربك لنسألنهم أجميعن عما كانوا يعملون هذا سؤال توبيخ يسألون عما عملوا في ما أمروا به من التوحيد والإيمان فيقال لهم لم عصيتهم وتركتم الإيمان فتظهر فضيحتهم عند تعذر الجواب قال أبو العالية يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين عما كانوا يعبدون وعما أجابوا المرسلين \r\n فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان الرحمن 39 فعنه جوابان ","part":4,"page":419},{"id":1940,"text":" أحدهما أنه لا يسألهم هل عملتم كذا لأنه أعلم وإنما يقول لم عملتم كذا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم يسألون في بعض مواطن القيامة ولا يسألون في بعضها رواه عكرمة عن ابن عباس فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين \r\n قوله تعالى فاصدع بما تؤمر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فامض لما تؤمر قاله ابن عباس \r\n والثاني أظهر أمرك رواه ليث عن مجاهد قال ابن قتيبة فاصدع بما تؤمر أي أظهر ذلك وأصله الفرق والفتح يريد اصدع الباطل بحقك وقال الزجاج اظهر بما تؤمر به أخذ ذلك من الصديع وهو الصبح قال الشاعر ... كأن بياض غرته صديع ... \r\n وقال الفراء إنما لم يقل بما تؤمر به لأنه أراد فاصدع بالأمر وذكر ابن الأنباري أن به مضمرة كما تقول مررت بالذي مررت \r\n والثالث أن المراد به الجهر بالقرآن في الصلاة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال موسى بن عبيدة ما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه \r\n وفي قوله وأعرض عن المشركين ثلاثة أقوال \r\n أحدها اكفف عن حربهم ","part":4,"page":420},{"id":1941,"text":" والثاني لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار أمرك \r\n والثالث أعرض عن الاهتمام باستهزائهم وأكثر المفسرين على أن هذا القدر من الآية منسوخ بآية السيف إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين \r\n قوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين المعنى فاصدع بأمري كما كفيتك المستهزئن وهم قوم كانوا يستهزئون به وبالقرآن وفي عددهم قولان \r\n أحدهما أنهم كانوا خمسة الوليد بن المغيرة وأبو زمعة والأسود بن عبد يغوث والعاص بن وائل والحارث بن قيس قاله ابن عباس واسم أبي زمعة الأسود بن المطلب وكذلك ذكرهم سعيد بن جبير إلا أنه قال مكان الحارث بن قيس الحارث بن غيطلة قال الزهري غيطلة امه وقيس أبوه فهو واحد وإنما ذكرت ذلك لئلا يظن أنه غيره وقد ذكرت في كتاب التلقيح من ينسب إلى أمه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وسميت آباءهم ليعرفوا إلى أي الأبوين نسبوا وفي رواية عن ابن عباس مكان الحارث ابن قيس عدي بن قيس \r\n والثاني أنهم كانوا سبعة قاله الشعبي وابن أبي بزة وعدهم ابن أبي بزة فقال العاص بن وائل والوليد بن المغيرة والحارث بن عدي والأسود ابن المطلب والأسود بن عبد يغوث وأصرم وبعكك ابنا عبدالحارث بن السباق ","part":4,"page":421},{"id":1942,"text":" وكذلك عدهم مقاتل إلا أنه قال مكان الحارث بن عدي الحارث بن قيس السهمي وقال أصرم وبعكك ابنا الحجاج بن السباق \r\n ذكر ما أهلكهم الله به وكفى رسوله صلى الله عليه و سلم أمرهم \r\n قال المفسرون أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم والمستهزئون يطوفون بالبيت فمر الوليد بن المغيرة فقال جبريل يا محمد كيف تجد هذا فقال بئس عبد الله قال قد كفيت وأومأ إلى ساق الوليد فمر الوليد برجل يريش نبلا له فتعلقت شظية من نبل بازاره فمنعه الكبر أن يطامن لينزعها وجعلت تضرب ساقه فمرض ومات وقيل تعلق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه فمات ومر العاص بن وائل فقال جبريل كيف تجد هذا يا محمد فقال بئس عبد الله فأشار إلى أخمص رجله وقال قد كفيت فدخلت شوكة في أخمصه فانتخفت رجله ومات ومر الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا قال عبد سوء فأشار بيده إلى عينيه فعمي وهلك وقيل جعل ينطح برأسه الشجر ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه فقال لا أرى أحدا يصنع بك هذا غير نفسك فمات وهو يقول قتلني رب محمد ومر الأسود بن عبد يغوث فقال جبريل كيف تجد هذا فقال بئس عبدالله فقال قد كفيت واشار إلى بطنه فسقى بطنه فمات وقيل أصاب عينه شوك فسالت حدقتاه وقيل خرج عن أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد حبشيا فلما أتى أهله لم يعرفوه فأغلقوا دونه الأبواب حتى مات ","part":4,"page":422},{"id":1943,"text":" ومر به الحارث بن قيس فقال كيف تجد هذا قال عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال قد كفيت فانتفخ رأسه فمات وقيل أصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انقد بطنه وأما أصرم وبعكك فقال مقاتل أخذت أحدهما الدبيلة والآخر ذات الجنب فماتا جميعا قال عكرمة هلك المستهزئون قبل بدر وقال ابن السائب أهلكوا جميعا في يوم وليلة \r\n قوله تعالى ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فيه قولان \r\n أحدهما أنه التكذيب والثاني الاستهزاء \r\n قوله تعالى فسبح بحمد ربك فيه قولان \r\n أحدهما قل سبحان الله وبحمده قاله الضحاك والثاني فصل بأمر ربك قاله مقاتل \r\n وفي قوله وكن من الساجدين قولان \r\n أحدهما من المصلين والثاني من المتواضعين رويا عن ابن عباس \r\n قوله تعالى حتى يأتيك اليقين فيه قولان أحدهما أنه الموت قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور وسمي يقينا لأنه موقن به وقال الزجاج معنى الآية اعبد ربك أبدا ولو قيل اعبد ربك بغير توقيت لاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا فلما قال حتى يأتيك اليقين أمر بالإقامة على العبادة ما دام حيا ","part":4,"page":423},{"id":1944,"text":" والثاني أنه الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك حكاه الماوردي ","part":4,"page":424},{"id":1945,"text":" سورة النحل \r\n فصل في نزولها \r\n روىمجاهد وعطية وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وكذلك روي عن الحسن وعكرمة وعطاء أنهامكية كلها وقال ابن عباس في رواية إنه نزل منها بعد قتل حمزة وإن عاقتبم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل 126 وقال في رواية هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة وهي قوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إلى قوله يعملون النحل 9597 وقال الشعبي كلها مكية إلى قوله وإن عاقبتم إلى آخر الآيات النحل 126 128 وقال قتادة هي مكية إلاخمس آيات ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا الآيتين النحل 9596 ومن قوله وإن عاقبتم إلى آخرها النحل 126 وقال ابن السائب هي مكية إلا خمس آيات والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا الآية النحل 41 وقوله ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا الآية النحل 110 وقوله وإن عاقبتم إلى آخرها النحل 126 وقال مقاتل مكية إلا سبع آيات قوله ثم إن ربك للذين هاجروا الآية النحل 110 وقوله من كفر بالله من بعد إيمانه الآية النحل 106 وقوله والذين هاجروا في الله الآية النحل 41 وقوله وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة الآية النحل 112 وقوله ","part":4,"page":425},{"id":1946,"text":" وإن عاقبتم إلى آخرها النحل 126 قال جابر بن زيد أنزل من أول النحل أربعون آية بمكة وبقيتها بالمدينة وروى حماد عن علي بن زيد قال كان يقال لسورة النحل سورة النعم يريد لكثرة تعداد النعم فيها بسم الله الرحمن الرحيم أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون \r\n قوله تعالى أتى أمر الله قرأ حمزة والكسائي بالإمالة \r\n سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى اقتربت الساعة القمر 1 فقال الكفار بعضهم لبعض إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا ما نرى شيئا فأنزل الله تعالى اقترب للناس حسابهم الأنبياء 1 فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى أتى أمر الله فوثب رسول الله صلى الله عليه و سلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل فلا تستعجلوه فاطمأنوا قاله ابن عباس ","part":4,"page":426},{"id":1947,"text":" وفي قوله أتى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أتى بمعنى يأتي كما يقال أتاك الخير فأبشر أي سيأتيك قاله ابن قتيبة وشاهده ونادى أصحاب الجنة الأعراف 44 وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 ونحو ذلك \r\n والثاني أتى بمعنى قرب قال الزجاج أعلم الله تعالى أن ذلك في قربه بمنزلة ما قد أتى \r\n والثالث أن أتى للماضي والمعنى أتى بعض عذاب الله وهو الجدب الذي نزل بهم والجوع فلا تستعجلوه فينزل بكم مستقبلا كما نزل ماضيا قاله ابن الأنباري \r\n وفي المراد ب أمر الله خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الساعة وقد يخرج على قول ابن عباس الذي قدمناه وبه قال ابن قتيبة والثاني خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم رواه الضحاك عن ابن عباس يعني أن خروجه من أمارات الساعة \r\n وقال ابن الأنباري أتى أمر الله من أشراط الساعة فلا تستعجلوا قيام الساعة والثالث أنه الأحكام والفرائض قاله الضحاك والرابع عذاب الله ذكره ابن الأنباري والخامس وعيد المشركين ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى فلا تستعجلوه أي لا تطلبوه قبل حينه سبحانه أي تنزيه له وبراءة من السوء عما يشركون به من الأصنام \r\n قوله تعالى ينزل الملائكة قرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل ","part":4,"page":427},{"id":1948,"text":" باسكان النون وتخفيف الزاي وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ينزل بالتشديد وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم تنزل بالتاء مضمومة وفتح الزاي مشددة الملائكة رفع قال ابن عباس يريد بالملائكة جبريل عليه السلام وحده \r\n وفي المراد بالروح ستة أقوال \r\n أحدها الوحي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه النبوة رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أن المعنى تنزل الملائكة بأمره رواه العوفي عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى أن أمر الله كله روح قال الزجاج الروح ما كان فيه من أمر الله حياة النفوس بالإرشاد \r\n والرابع أنه الرحمة قاله الحسن وقتادة \r\n والخامس أن أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا ومعه روح قاله مجاهد \r\n والسادس أنه القرآن قاله ابن زيد فعلى هذا سماه روحا لأن الدين يحيا به كما أن الروح تحيي البدن وقال بعضهم الباء في قوله بالروح بمعنى مع فالتقدير مع الروح من أمره أي بأمره على من يشاء من عباده يعني الأنبياء أن أنذروا قال الزجاج والمعنى أنذروا أهل الكفر والمعاصي أنه لا إله إلا أنا أي مروهم بتوحيدي وقال غيره أنذروا بأنه لا اله إلا أنا أي مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن لم يقروا خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين \r\n قوله تعالى خلق الإنسان من نطفة قال المفسرون أخذ أبي بن خلف ","part":4,"page":428},{"id":1949,"text":" عظما رميما فجعل يفته ويقول يامحمد كيف يبعت الله هذا بعدما رم \r\n فنزلت فيه هذه الآية والخصيم المخاصم والمبين الظاهر الخصومه \r\n والمعنى أنه مخلوق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث أفلا يستدل بأولة على آخرة وأن من قدر على إيجادة أولا يقدر على إعادتة ثانية وفية تنبية علي إنعام اللة علية حين نقلة من حال ضعف النطفة إلى القوة التي أمكنة معها الخصام والأنعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلي بلد لم تكونوا بالغية إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم قولة تعالي والأنعام خلقها لكم الأنعام الإبل والبقر والغنم \r\n قوله تعالى لكم فيها دفء فيه قولان \r\n أحدهما أنه ما استدفئ به من أوبارها تتخذ ثيابا وأخبية وغير ذلك روى العوفي عن ابن عباس أنه قال يعني بالدفء اللباس وإلى هذا المعنى ذهب الأكثرون \r\n والثاني أنه نسلها روى عكرمة عن ابن عباس فيها دفء قال الدفء ","part":4,"page":429},{"id":1950,"text":" نسل كل دابة وذكر ابن السائب قال يقال الدفء أولادها ومن لا يحمل من الصغار وحكى ابن فارس اللغوي عن الأموي قال الدفء عند العرب نتاج الإبل وألبانها \r\n قوله تعالى ومنافع أي سوى الدفء من الجلود والألبان والنسل والركوب والعمل عليها إلى غير ذلك ومنها تأكلون يعني من لحوم الأنعام \r\n قوله تعالى ولكم فيها جمال أي زينة حين تريحون أي حين تردونها إلى مراحلها وهو المكان الذي تأوي إليه فترجع عظام الضروع والأسنمة فيقال هذا مال فلان وحين تسرحون ترسلونها بالغداة إلى مراعيها \r\n فإن قيل لم قدم الرواح وهو مؤخر \r\n فالجواب أنها في حال الرواح تكون أجمل لأنها قد رعت وامتلأت ضروعها وامتدت أسنمتها \r\n قوله تعالى وتحمل أثقالكم الإشارة بهذا إلى ما يطيق الحمل منها والأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر \r\n وفي قوله تعالى إلى بلد قولان \r\n أحدهما أنه عام في كل بلد يقصده المسافر وهو قول الأكثرين \r\n والثاني أن المراد به مكة قاله عكرمة والأول أصح والمعنى أنها تحملكم إلى كل بلد لو تكلفتم أنتم بلدغه لم تبلغوه إلا بشق الأنفس \r\n وفي معنى شق الأنفس قولان \r\n أحدهما أنه المشقة قاله الأكثرون قال ابن قتيبة يقال نحن بشق من ","part":4,"page":430},{"id":1951,"text":" العيش أي بجهد وفي حديث أم زرع وجدني في أهل غنيمة بشق \r\n والثاني أن الشق النصف فكان الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه كأنه قد ذهب نصفه ذكره الفراء \r\n قوله تعالى إن ربكم لرؤوف رحيم أي حين من عليكم بالنعم التي فيها هذه المرافق والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون \r\n قوله تعالى والخيل أي وخلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال الزجاج المعنى وخلقها زينة \r\n فصل \r\n ويجوز أكل لحم الخيل وإنما لم يذكر في الآية لأنه ليس هو المقصود وإنما معظم المقصود بهأ الركوب والزينة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا تؤكل لحوم الخيل \r\n قوله تعالى ويخلق مالا تعلمون ذكر قوم من المفسرين أن المراد به ","part":4,"page":431},{"id":1952,"text":" عجائب المخلوقات في السموات والأرض التي لم يطلع عليها مثل ما يروى أن لله ملكا من صفته كذا وتحت العرش نهر من صفته كذا وقال قوم هو ما أعد الله لأهل الجنة فيها ولأهل النار وقال أبو سليمان الدمشقي في الناس من كره تفسير هذا الحرف وقال الشعبي هذا الحرف من أسرار القرآن وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لعذابكم أجمعين هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى وعلى الله قصد السبيل القصد استقامة الطريق يقال طريق قصد وقاصد إذا قصد بك ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبرهان \r\n قوله تعالى ومنها جائر قال أبو عبيدة السبيل لفظه لفظ الواحد وهو في موضع الجميع فكأنه قال ومن السبل سبيل جائر قال ابن الأنباري لما ذكر السبيل دل على السبل فلذلك قالك ومنها جائر كما دل الحدثان على الحوادث في قول العبدي ... ولا يبقى على الحدثان حي ... فهل يبقى عليهن السلام ... \r\n أراد فهل يبقى على الحوادث والسلام الصخور قال ويجوز أن يكون إنما قال ومنها لأن السبيل تؤنث وتذكر فالمعنى من السبيل جائر وقال ابن قتيبة المعنى ومن الطرق جائر لا يهتدون فيه والجائر العادل عن ","part":4,"page":432},{"id":1953,"text":" القصد قال ابن عباس ومنها جائر الأهواء المختلفة وقال ابن المبارك الأهواء والبدع \r\n قوله تعالى هو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر لكم منه شراب وهو ما تشربونه ومنه شجر ذكر ابن الأنباري في معناه قولين \r\n أحدهما ومنه سقي شجر وشرب شجر فخلف المضاف إليه المضاف كقوله وأشربوا في قلوبهم العجل البقرة 93 \r\n والثاني أن المعنى ومن جهة الماء شجر ومن سقيه شجر ومن ناحيته شجر فحذف الأول وخلفه الثاني قال زهير ... لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر ... \r\n أي من ممر حجج قال ابن قتيبة والمراد بهذه الشجر المرعى وقال الزجاج كل ما نبت على الأرض فهو شجر قال الشاعر يصف الخيل ... يعلفها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها اللحم ضرر ... \r\n يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض و تسيمون بمعنى ترعون يقال سامت الإبل فهي سائمة إذا رعت وإنما أخذ ذلك من السومة وهي العلامة وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات \r\n قوله تعالى ينبت لكم به الزرع وروى أبو بكر عن عاصم ننبت بالنون قال ابن عباس يريد الحبوب وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى والنجوم سخرات بأمره قال الأخفش المعنى وجعل النجوم مسخرات ","part":4,"page":433},{"id":1954,"text":" فجاز إضمار فعل غير الأول لأن هذا المضمر في المعنى مثل المظهر وقد تفعل العرب أشد من هذا قال الراجز ... تسمع في أجوافهن صردا ... وفي اليدين جسأة وبددا ... \r\n المعنى وترى في اليدين والجسأة اليبس والبدد السعة وقال غيره قوله تعالى مسخرات حال مؤكدة لأن تسخيرها قد عرف بقوله تعالى وسخر وقرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم مسخرات رفعا كله وروى حفص عن عاصم بالنصب كالجمهور إلا قوله تعالى والنجوم مسخرات فإنه رفعها وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون \r\n قوله تعالى وما ذرأ لكم أي وسخر ما ذرأ لكم وذرأ بمعنى خلق و سخر البحر اي ذلله للركوب والغوص فيه لتأكلوا منه لحما طريا يعني السمك وتستخرجوا منه حلية تلبسونها يعني الدر واللؤلؤ والمرجان ","part":4,"page":434},{"id":1955,"text":" وفي هذا دلالة على أن حالفا لو حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا أنه يحنث وقال أبو حنيفة لا يحنث \r\n قوله تعالى وترى الفلك يعني السفن وفي معنى مواخر قولان \r\n أحدهما جواري قاله ابن عباس قال اللغويون يقال مخرت السفينة مخرا إذا شقت الماء في جريانها \r\n والثاني المواقر يعني المملوءة قاله الحسن \r\n وفي قوله تعالى ولتبتغوا من فضله قولان \r\n أحدهما بالركوب فيه للتجارة ابتغاء الربح من فضل الله \r\n والثاني بما تستخرجون من حليته وتصيدون من حيتانه قال ابن الأنباري وفي دخول الواو في قوله تعالى ولتبتغوا من فضله وجهان \r\n أحدهما أنهامعطوفة على لام محذوفة تقديره وترى الفلك مواخر فيه لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا \r\n والثاني أنها دخلت لفعل مضمر تقديره وفعل ذلك لكي تبتغوا \r\n قوله تعالى وألقى في الأرض رواسي أي نصب فيها جبالا ثوابت أن تميد أي لئلا تميد وقال الزجاج كراهة أن تميد يقال ماد الرجل يميد ميدا إذا أدير به وقال ابن قتيبة الميد الحركة والميل يقال فلان يميد في مشيته أي يتكفأ \r\n قوله تعالى وأنهارا قال الزجاج المعنى وجعل فيها سبلا لأن معنى ألقى جعل فأما السبل فهي الطرق ولعلكم تهتدون أي لكي تهتدوا إلى مقاصدكم ","part":4,"page":435},{"id":1956,"text":" قوله تعالى وعلامات فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها معالم الطرف بالنهار وبالنجم هم يهتدون وبالليل رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنها النجوم أيضا منها ما يكون علامة لا يهتدى به ومنها ما يهتدى به قاله مجاهد وقتادة والنخعي \r\n والثالث الجبال قاله ابن السائب ومقاتل \r\n وفي المراد بالنجم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي قاله السدي \r\n والثاني أنه الجدي والفرقدان قاله ابن السائب \r\n والثالث أنه الجدي وحده لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه ذكره الماوردي \r\n والرابع أنه اسم جنس والمراد جميع النجوم قاله الزجاج وقرأ الحسن والضحاك وأبو المتوكل ويحيى بن وثاب وبالنجم بضم النون وإسكان الجيم وقرأ الجحدري وبالنجم بضم النون والجيم وقرأ مجاهد وبالنجوم بواو على الجمع \r\n وفي المراد بهذا الاهتداء قولان \r\n أحدهما الاهتداء إلى القبلة والثاني إلى الطريق في السفر أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ","part":4,"page":436},{"id":1957,"text":" قوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق يعني الأوثان وإنما عبر عنها ب من لأنهم نحلوها العقل والتمييز أفلا تذكرون يعني المشركين يقول أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون قال الفراء وإنما جاز أن يقول كمن لا يخلق لأنه ذكر مع الخالق كقوله فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين النور 45 والعرب تقول اشتبه علي الراكب وجمله فما أدري من ذا من ذا لأنهم لما جمعوا بين الإنسان وغيره صلحت من فيهما جميعا \r\n قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها قد فسرناه في إبراهيم 34 \r\n قوله تعالى إن الله لغفور أي لما كان منكم من تقصيركم في شكر نعمه رحيم بكم إذ لم يقطعها عنكم بتقصيركم \r\n قوله تعالى والله يعلم ما تسرون وما تعلنون روى عبد الوارث إلا القزاز يسرون و يعلنون بالياء والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون \r\n قوله تعالى والذين تدعون من دون الله قرأ عاصم يدعون بالياء \r\n قوله تعالى أموات غير أحياء يعني الأصنام قال الفراء ومعنى الأموات هاهنا أنها لا روح فيها قال الأخفش وقوله غير أحياء توكيد \r\n قوله تعالى وما يشعرون أيان يبعثون أيان بمعنى متى \r\n وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنها الأصنام عبر عنها كما يعبر عن الآدميين قال ابن عباس ","part":4,"page":437},{"id":1958,"text":" وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عبادتهم ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار \r\n والثاني أنهم الكفار لا يعلمون متى بعثهم قاله مقاتل إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول اين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين \r\n قوله تعالى إلهكم إله واحد قد ذكرناه في سورة البقرة 163 \r\n قوله تعالى فالذين لايؤمنون بالآخرة أي بالبعث والجزاء قلوبهم منكرة أي جاحدة لا تعرف التوحيد وهم مستكبرون أي ممتنعون من قبول الحق \r\n قوله تعالى لا جرم قد فسرناه في هود 22 ومعنى الآية أنه يجازيهم بسرهم وعلنهم لأنه يعلمه والمستكبرون المتكبرون عن التوحيد والإيمان وقال مقاتل ما يسرون حين بعثوا في كل طريق من يصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وما يعلنون حين أظهروا العداوة لرسول الله ","part":4,"page":438},{"id":1959,"text":" قوله تعالى وإذا قيل لهم يعني المستكبرين ماذا أنزل ربكم على محمد صلى الله عليه و سلم قال الزجاج ماذا بمعنى مالذي و أساطير الأولين مرفوعة على الجواب كأنهم قالوا الذي أنزل أساطير الأولين أي الذي تذكرون أنتم أنه منزل أساطير الأولين وقد شرحنا معنى الأساطير في الأنعام 25 قال مقاتل الذين بعثهم الوليد بن المغيرة في طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان ويقول بعضهم إن محمدا ساحر ويقول بعضهم شاعر وقد شرحنا هذا المعنى في الحجر 90 في ذكر المقتسمين \r\n قولة تعالى ليحملوا اوزارهم هذة لام العاقبة وقد شرحناهافي غير موضع والأوز الاثام وإنما قال كاملة لأنه لم يكفر منها شيء بما يصيبهم من نكبة وأبو بلية كما يكفر عن المؤمن ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم أي أنهم أضلوهم بغير دليل وإنما حملوا من اوزار الأتباع لأنهم كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة وقد ذكر ابن الأنباري في من وجهين \r\n أحدهما أنها للتبعيض فهم يحملون ما شركوهم فيه فأما ما ركبه أولئك باختيارهم من غير تزيين هؤلاء فلا يحملونه فيصح معنى التبعيض \r\n والثاني أن من مؤكدة والمعنى وأوزار الذين يضلونهم ألا ساء ما يزرون أي بئس ماحملوا على ظهورهم \r\n قوله تعالى قد مكر الذين من قبلهم قال المفسرون يعني به النمرود ابن كنعان وذلك أنه بنى صرحا طويلا واختلفوا في طوله فقال ابن عباس ","part":4,"page":439},{"id":1960,"text":" خمسة آلاف ذراع وقال مقاتل كان طوله فرسخين قالوا ورام أن يصعد إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه ومعنى المكر هاهنا التدبير الفاسد \r\n وفي الهاء والميم من قبلهم قولان \r\n أحدهما أنها للمقتسمين على عقاب مكة قاله ابن السائب \r\n والثاني لكفار مكة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد أي من الأساس قال المفسرون أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر وخر عليهم الباقي \r\n قال السدي لما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية وهذا قول مردود لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشيء غير مستقيم فأما أن يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي فباطل وإنما اللغات تعليم من الله تعالى \r\n فإن قيل إذا كان الماكر واحدا فكيف قال الذين ولم يقل الذي فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه كان الماكر ملكا له أتباع فأدخلوا معه في الوصف \r\n والثاني أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقول قائلهم خرجت إلى البصرة على البغال وإنما خرج على بغل واحد \r\n والثالث أن الذين غير موقع على واحد معين لكنه يراد به قد مكر الجبارون الذين من قبلهم فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري قال وذكر بعض العلماء أنه إنما قال من فوقهم ","part":4,"page":440},{"id":1961,"text":" لينبه على أنهم كانوا تحته إذ لو لم يقل ذلك لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته لأن العرب تقول سقط علينا البيت وخر علينا الحانوت وتداعت علينا الدار وليسوا تحت ذلك \r\n قوله تعالى وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أي من حيث ظنوا أنهم آمنون فيه قال السدي أخذوا من مأمنهم وروى عطية عن ابن عباس قال خر عليهم عذاب من السماء وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط وقال ابن قتيبة هذا مثل والمعنى أهلكهم الله كما هلك من هدم مسكنه من أسفله فخر عليه \r\n قوله تعالى ثم يوم القيامة يخزيهم أي يذلهم بالعذاب ويقول أين شركائي قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي شركائي الذين بهمزة وفتح الياء وقال البزي عن ابن كثير شركاي مثل هداي والمعنى أين شركائي على زعمكم هلا دفعوا عنكم الذين كنتم تشاقون فيهم أي تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون الله وقرأ نافع تشاقون بكسر النون أراد تشاقونني فحذف النون الثانية وأبقى الكسرة تدل عليها والمعنى كنتم تنازعونني فيهم وتخالفون أمري لأجلهم \r\n قوله تعالى قال الذين أوتوا العلم فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم الملائكة قاله ابن عباس والثاني الحفظة من الملائكة قاله مقاتل والثالث أنهم المؤمنون \r\n فأما الخزي فقد شرحناه في مواضع آل عمران 192 و السوء هاهنا العذاب الذين تتوفيهم الملئكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ","part":4,"page":441},{"id":1962,"text":" فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين \r\n قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قال عكرمة هؤلاء قوم كانوا بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا فأخرجهم المشركون كرها إلى بدر فقتل بعضهم وقد شرحنا هذا في سورة النساء 97 \r\n قوله تعالى فألقوا السلم قال ابن قتيبة انقادوا واستسلموا والسلم الاستسلام قال المفسرون وهذا عندالموت يتبرؤون من الشرك وهم قولهم ماكنا نعمل من سوء وهو الشرك فترد عليهم الملائكة فتقول بلى وقيل هذا رد خزنة جهنم عليهم بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من الشرك والتكذيب ثم يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم وقد سبق تفسير ألفاظ الآية النساء 97 و الحجر 44 وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفيهم الملئكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلو الجنة بما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم روى أبو صالح عن ابن عباس أن مشركي قريش بعثوا ستة عشر رجلا إلى عقاب مكة أيام الحج على طريق الناس ففرقوهم على كل عقبة أربعة رجال ليصدوا الناس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا لهم من أتاكم من الناس يسألكم عن محمد فليقل بعضكم شاعر وبعضكم كاهن وبعضكم مجنون وألا تروه ولا يراكم خير لكم فإذا ","part":4,"page":442},{"id":1963,"text":" انتهوا إلينا صدقانكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فبعث إلى كل أربعة منهم أربعة من المسلمين فيهم عبد الله بن مسعود فأمروا أن يكذبوهم فكان الناس إذا مروا على المشركين فقالوا ما قالوا رد عليهم المسلمون وقالوا كذبوا بل يدعو إلى الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير فيقولون وما هذا الخير الذي يدعوا إليه فيقولون للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة \r\n قوله تعالى قالوا خيرا أي أنزل خيرا ثم فسر ذلك الخير فقال للذين أحسنوا في هذه الدنيا قالوا لا إله إلا الله وأحسنوا العمل حسنة أي كرامة من الله تعالى في الآخرة وهي الجنة وقيل للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الدنيا وهي ما رزقهم من خيرها وطاعته فيها ولدار الآخرة يعني الجنة خير من الدنيا \r\n وفي قوله تعالى ولنعم دار المتقين قولان \r\n أحدهما أنها الجنة قاله الجمهور قال ابن الأنباري في الكلام محذوف تقديره ولنعم دار المتقين الآخرة غير أنه لما ذكرت أولا عرف معناها آخرا ويجوز أن يكون المعنى ولنعم دار المتقين جنات عدن \r\n والثاني أنها الدنيا قال الحسن ولنعم دار المتقين الدنيا لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة \r\n قوله تعالى جنات عدن قد شرحناه في براءة 72 \r\n قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة وقرأ حمزة يتوفاهم بياء مع الإمالة وفي معنى طيبين خمسة أقوال \r\n أحدها مؤمنين والثاني طاهرين من الشرك والثالث زاكية أفعالهم ","part":4,"page":443},{"id":1964,"text":" وأقوالهم والرابع طيبة وفاتهم سهل خروج أرواحهم والخامسة طيبة أنفسهم بالموت ثقة بالثواب \r\n قوله تعالى يقولون يعني الملائكة سلام عليكم \r\n وفي أي وقت يكون هذا السلام فيه قولان \r\n أحدهما عند الموت قال البراء بن عازب يسلم عليه ملك الموت إذا دخل عليه وقال القرظي ويقول له الله عز و جل يقرأ عليك السلام ويبشره بالجنة \r\n والثاني عند دخول الجنة قال مقاتل هذا قول خزنة الجنة لهم في الآخرة يقولون سلام عليكم هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيآت ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن \r\n قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة وقرأ حمزة والكسائي يأتيهم بالياء وهذا تهديد للمشركين وقد شرحناه في البقرة 210 وآخر الأنعام 158 \r\n وفي قوله تعالى أو يأتي أمر ربك قولان \r\n أحدهما أمر الله فيهم قاله ابن عباس والثاني العذاب في الدنيا قاله مقاتل \r\n قوله تعالى كذلك فعل الذين من قبلهم يريد كفار الأمم الماضية كذبوا كما كذب هؤلاء وما ظلمهم الله باهلاكهم ولكن كانوا أنفسهم ","part":4,"page":444},{"id":1965,"text":" يظلمون بالشرك فأصابهم سيئات ما عملو أي جزاؤها قال ابن عباس جزاء ما عملوا من الشرك وحاق بهم قد بيناه في الأنعام 10 والمعنى أحاط بهم ما كانوا به يستهزؤن من العذاب وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلى البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هديهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين \r\n قوله تعالى وقال الذين أشركوا يعني كفار مكة لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء يعين الأصنام أي لو شاء ما أشركنا ولا حرمنا من دونه من شيء من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والحرث وذلك أنه لما نزل وماتشاؤون إلا أن يشاء الله الدهر 30 قالوا هذا على سبيل الاستهزاء لا على سبيل الاعتقاد وقيل معنى كلامهم لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا لم نأته \r\n قوله تعالى كذلك فعل الذين من قبلهم أي من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله فهل على الرسل إلا البلاغ المبين يعني ليس عليهم إلا التبليغ فأما الهداية فهي إلى الله تعالى وبين ذلك بقوله ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أي كما بعثناك في هؤلاء أن اعبدوا الله أي وحدوه واجتنبوا الطاغوت وهو الشيطان فمنهم من هدى الله أي أرشده ","part":4,"page":445},{"id":1966,"text":" ومنهم من حقت عليه الضلالة أي وجبت في سابق علم الله فأعلم الله عز و جل أنه إنما بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الإضلال والهداية فسيروا في الأرض أي معتبرين بآثار الأمم المكذبة ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي فقال إن تحرص على هداهم أي إن تطلب هداهم بجهدك فإن الله لا يهدي من يضل قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر لا يهدى برفع الياء وفتح الدال والمعنى من أضله فلا هادي له وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وكسر الدال ولم يختلفوا في يضل أنها بضم الياء وكسر الضاد وهذه القراءة تحتمل معنيين ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهما لا يهدي من طبعه ضالا وخلقه شقيا \r\n والثاني لا يهدي أي لا يهتدي من أضله أي من أضله الله لا يهتدي فيكون معنى يهدي يهتدي تقول العرب قد هدي فلان الطريق يريدون اهتدى واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون \r\n قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به والذي ","part":4,"page":446},{"id":1967,"text":" أرجوه بعد الموت فقال المشرك وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فنزلت هذه الآية قاله أبو العالية و جهد أيمانهم مفسر في المائدة 53 وقوله بلى رد عليهم قال الفراء والمعنى بلى ليبعثنهم وعدا عليه حقا \r\n قوله تعالى ليبين لهم الذي يختلفون فيه قال الزجاج يجوز أن يكون متعلقا بالبعث فيكون المعنى بلى يبعثهم فيبين لهم ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم \r\n وللمفسرين في قوله ليبين لهم قولان \r\n أحدهما أنهم جميع الناس قاله قتادة \r\n والثاني أنهم المشركون يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه \r\n قوله تعالى أنهم كانوا كاذبين أي فيما أقسموا عليه من نفي البعث ثم أخبر بقدرته على البعث بقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة فيكون رفعا وكذلك في كل القرآن وقرأ ابن عامر والكسائي فيكون نصبا قال مكي بن إبراهيم من رفع قطعه عما قبله والمعنى فهو يكون ومن نصب عطفه على يقول وهذا مثل قوله وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقد فسرناه في البقرة 117 \r\n فإن قيل كيف سمي الشيء قبل وجوده شيئا \r\n فالجواب أن الشيء وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد \r\n قوله تعالى والذين هاجروا في الله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":4,"page":447},{"id":1968,"text":" أحدها أنهانزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرت وعايش وجبر موليان لقريش أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو قاله داود بن أبي هند \r\n والثالث أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله قتادة ومعنى هاجروا في الله أي في طلب رضاه وثوابه من بعد ما ظلموا بما نال المشركون منهم لنبوئنهم في الدنيا حسنة وفيها خمسة أقوال أحدها لننزلنهم المدينة روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن والشعبي وقتادة فيكون المعنى لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة والثاني لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن قاله مجاهد والثالث النصر على العدو قاله الضحاك والرابع أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن وصار لأولادهم من الشرف ذكره الماوردي وقد روي معناه عن مجاهد فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال لنبوئنهم في الدنيا حسنة قال لسان صادق والخامس أن المعنى لنحسنن إليهم في الدنيا قال بعض أهل المعاني فتكون على هذه الأقوال لنبوئنهم على سبيل الاستعارة إلا على القول الأول \r\n قوله تعالى ولأجر الآخرة أكبر قال ابن عباس يعني الجنة لو كانوا يعلمون يعني أهل مكة \r\n ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى الرجل من ","part":4,"page":448},{"id":1969,"text":" المهاجرين عطاءه قال خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل ثم يتلو هذه الآية \r\n ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال الذين صبروا أي على دينهم لم يتركوه لأذى نالهم وهم في ذلك واثقون بربهم وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون \r\n قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا قال المفسرون لما أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث إلينا ملكا فنزلت هذه الآية والمعنى أن الرسل كانوا مثلك آدميين إلا أنهم يوحى إليهم وقرأ حفص عن عاصم نوحي بالنون وكسر الحاء فاسألوا يامعشر المشركين أهل الذكر وفيهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أهل التوراة والإنجيل قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أهل التوراة قاله مجاهد والثالث أهل القرآن قاله ابن زيد والرابع العلماء بأخبار من سلف ذكره الماوردي \r\n وفي قوله تعالى إن كنتم لا تعلمون قولان \r\n أحدهما لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر \r\n والثاني لا تعلمون أن محمدا رسول الله فعلى القول الأول جائز أن ","part":4,"page":449},{"id":1970,"text":" يسأل من آمن برسول الله ومن كفر لأن أهل الكتاب والعلم بالسير متفقون على أن الأنبياء كلهم من البشروعلى الثاني إنما يسأل من آمن من أهل الكتاب وقد روي عن مجاهد فاسألوا أهل الذكر قال عبد الله بن سلام وعن قتادة قال سليمان الفارسي \r\n قوله تعالى بالبينات والزبر في هذه الباء قولان \r\n أحدهما أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلناهم بالبينات والزبر الكتب وقد شرحنا في آل عمران 184 \r\n قوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر وهو القرآن باجماع المفسرين لتبين للناس ما نزل إليهم فيه من حلال وحرام ووعد ووعيد ولعلهم يتفكرون في ذلك فيعتبرون أفأمن الذين مكروا السيآت أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم \r\n قوله تعالى أفأمن الذين مكروا السيئات قال المفسرون أراد مشركي مكة ومكرهم السيئات شركهم وتكذيبهم وسمي ذلك مكرا لأن المكر في اللغة السعي بالفساد وهذا استفهام إنكار ومعناه ينبغي أن لا يأمنوا العقوبة وكان مجاهد يقول عنى بهذا الكلام نمرود بن كنعان \r\n قوله تعالى أو يأخذهم في تقلبهم فيه اربعة أقوال \r\n أحدها في أسفارهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة ","part":4,"page":450},{"id":1971,"text":" والثاني في منامهم رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث في ليلهم ونهارهم قاله الضحاك وابن جريج ومقاتل \r\n والرابع أنه جميع ما يتقلبون فيه قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف فيه قولان \r\n أحدهما على تنقص قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك قال ابن قتيبة التخوف التنقص ومثله التخون يقال تخوفته الدهور وتخونته إذا نقصته وأخذت من ماله وجسمه وقال الهيثم بن عدي التخوف التنقص بلغة أزد شنوءة \r\n ثم في هذا التنقص ثلاثة اقوال أحدها أنه تنقص من أعمالهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أخذ واحد بعد واحد روي عن ابن عباس أيضا والثالث تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم قاله الزجاج \r\n والثاني أنه التخوف نفسه ثم فيه قولان أحدهما يأخذهم على خوف أن يعاقب أو يتجاوز قاله قتادة والثاني أنه يأخذ قرية لتخاف القرية الأخرى قاله الضحاك وقال الزجاج يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها فعلى هذا خوفهم قبل هلاكهم فلم يتوبوا فاستحقوا العذاب \r\n قوله تعالى فإن ربكم لرؤوف رحيم إذ لم يعجل بالعقوبة وأمهل للتوبة أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملئكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ","part":4,"page":451},{"id":1972,"text":" قوله تعالى أولم يروا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر أولم يروا بالياء وقرأ حمزة والكسائي تروا بالتاء واختلف عن عاصم \r\n قوله تعالى إلى ما خلق الله من شيء أراد من شيء له ظل من جبل أو شجر أو جسم قائم يتفيأ قرأ الجماعة بالياء وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالتاء ضلاله وهو جمع ظل وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد لأنه واحد يراد به الكثرة كقوله تعالى لتستووا على ظهوره الزخرف 13 قال ابن قتيبة ومعنى يتفيأ ظلاله يدور ويرجع من جانب إلى جانب والفيء الرجوع ومنه قيل للظل بالعشي فيئ لأنه فاء عن المغرب إلى المشرق قال المفسرون إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك فإذا ارتفعت كان عن يمينك فإذا كان بعد ذلك كان خلفك وإذا دنت للغروب كان على يسارك وإنما وحد اليمين والمراد به الجمع ايجازا في اللغظ كقوله تعالى ويولون الدبر القمر 45 ودلت الشمائل على أن المراد به الجميع وقال الفراء إنما وحد اليمين وجمع الشمائل ولم يقل الشمال لأن كل ذلك جائز في اللغة وأنشد ... الواردون وتيم في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس ... \r\n ولم يقل جلود ومثله ... كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص ... \r\n وإنما جاز التوحيد لأن أكثر الكلام يواجه به الواحد ","part":4,"page":452},{"id":1973,"text":" وقال غيره اليمين راجعة إلى لفظ ما وهو واحد والشمائل راجعة إلى المعنى \r\n قوله تعالى سجدا لله قال ابن قتيبة مستسلمة منقادة وقد شرحنا هذا المعنى عند قوله تعالى وظلالهم بالغدو والآصال الرعد 15 \r\n وفي قوله تعالى وهم داخرون قولان \r\n أحدهما والكفار صاغرون \r\n والثاني وهذه الاشياء داخرة مجبولة على الطاعة قال الأخفش إنما ذكر من ليس من الإنس لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا الإنس في الفعل \r\n قوله تعالى ولله يسجد مافي السموات الآية الساجدون على ضربين \r\n أحدهما من يعقل فسجوده عبادة \r\n والثاني من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي يدل على أنه فمخلوق هذا قول جماعة من العلماء واحتجوا في ذلك بقول الشاعر ... بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر ","part":4,"page":453},{"id":1974,"text":" قال ابن قتيبة حجراته أي جوانبه يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ووطئتها حتىخشعت وانخفضت فأما الشمس والقمر والنجوم فألحقها جماعة بمن يعقل فقال أبو العالية سجودها حقيقة ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز و جل ثم لا ينصرف حتى يؤذن له ويشهد لقول أبي العالية حديث أبي ذر قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد حين وجبت الشمس فقال يا أبا ذر تدري أين ذهبت الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز و جل فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها فكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ثم قرأ والشمس تجري لمستقر لها يس 38 أخرجه البخاري ومسلم وأما النبات والشجر فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء \r\n أحدها أن يكون سجودا لا نعلمه وهذا إذا قلنا إن الله يودعه فهما والثاني أنه تفيؤ ظلاله والثالث بيان الصنعة فيه والرابع الانقياد لما سخر له \r\n قوله تعالى والملائكة إنما أخرج الملائكة من الدواب لخروجهم بالأجنحة عن صفة الدبيب \r\n وفي قوله وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون قولان \r\n أحدهما أنه من صفة الملائكة خاصة قاله ابن السائب ومقاتل \r\n والثاني أنه عام في جميع المذكورات قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":4,"page":454},{"id":1975,"text":" وفي قوله من فوقهم قولان ذكرهما ابن الأنباري \r\n أحدهما أنه ثناء على الله تعالى وتعظيم لشأنه وتلخيصه يخافون ربهم عاليا رفيعا عظيما \r\n والثاني أنه حال وتلخيصه يخافون ربهم معظمين له عالمين بعظيم سلطانه وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله مافي السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون \r\n قوله تعالى وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين سبب نزولها أن رجلا من المسلمين دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال رجل من المشركين أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين فنزلت هذه الآية قاله مقاتل قال الزجاج ذكر الاثنين توكيد كما قال تعالى إنما هو إله واحد \r\n قوله تعالى وله الدين واصبا في المراد بالدين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الإخلاص قاله مجاهد والثاني العبادة قاله سعيد بن جبير \r\n والثالث شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الحدود والفرائض قاله عكرمة والرابع الطاعة قاله ابن قتيبة \r\n وفي معنى واصبا أربعة أقوال \r\n أحدها دائما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد والثوري واللغويون قال أبو الأسود الدؤلي ","part":4,"page":455},{"id":1976,"text":" لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوما بذم الدهر أجمع واصبا ... \r\n قال ابن قتيبة معنى الكلام أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلكه غير الله عز و جل فإن الطاعة تدوم له \r\n والثاني واجبا رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث خالصا قاله الربيع بن أنس \r\n والرابع وله الدين موصبا أي متعبا لأن الحق نقيل وهو كما تقول العرب هم ناصب أي منصب قال النابغة ... كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيىء الكواكب ... \r\n ذكره ابن الأنباري قال الزجاج ويجوز أن يكون المعنى له الدين والطاعة رضي العبد بما يؤمر به وسهل عليه أو لم يسهل فله الدين وإن كان فيه الوصب والوصب شدة التعب وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون \r\n قوله تعالى وما بكم من نعمة قال الزجاج المعنى ما حل بكم من نعمة من صحة في جسم أو سعة في رزق أو متاع من مال وولد فمن الله وقرأ ابن أبي عبلة فمن الله بتشديد النون ","part":4,"page":456},{"id":1977,"text":" قوله تعالى ثم إذا مسكم الضر قال ابن عباس يريد الأسقام والأمراض والحاجة \r\n قوله تعالى فإليه تجأرون قال الزجاج تجأرون ترفعون أصواتكم إليه بالاستغاثة يقال جأر يجأر جؤارا والأصوات مبنية على فعال و فعيل فأما فعال فنحو الصراخ و الخوار وأما الفعيل فنحو العويل و الزئير والفعال أكثر \r\n قوله تعالى إذا فريق منكم قال ابن عباس يريد أهل النفاق قال ابن السائب يعني الكفار \r\n قوله تعالى ليكفروا بما آتيناهم قال الزجاج المعنى ليكفروا بأنا أنعمنا عليهم فجعلوا نعمنا سببا إلى الكفر وهو كقوله تعالى ربنا إنك آتيت فرعون إلى قوله ليضلوا عن سبيلك يونس 88 ويجوز أن يكون ليكفروا أي ليجحدوا نعمة الله في ذلك \r\n قوله تعالى فتمتعوا تهدد فسوف تعلمون عاقبة أمركم ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون \r\n قوله تعالى ويجعلون لما لا يعلمون يعني الأوثان \r\n وفي الذين لا يعلمون قولان ","part":4,"page":457},{"id":1978,"text":" أحدهما أنهم الجاعلون وهم المشركون والمعنى لما لا يعلمون لها ضرا ولا نفعا فمفعول العلم محذوف وتقديره ما قلنا هذا قول مجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها الأصنام التي لا تعلم شيئا وليس لها حس ولا معرفة وإنما قال يعلمون لأنهم لما نحولها الفهم أجراها مجرى من يعقل على زعمهم قاله جماعة من أهل المعاني قال المفسرون وهؤلاء مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءا من أموالهم كالبحيرة والسائبة وغير ذلك مما شرحناه في الأنعام 139 \r\n قوله تعالى تالله لتسألن رجع عن الإخبار عنهم إلى الخطاب لهم وهذا سؤال توبيخ \r\n قوله تعالى ويجعلون لله البنات قال المفسرون يعني خزاعة وكنانة زعموا أن الملائكة بنات الله سبحانه أي تنزه عما زعموا ولهم ما يشتهون يعني البنين قال أبوسليمان المعنى ويتمنون لأنفسهم الذكور \r\n قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى أي أخبر أنه قد ولد له بنت ظل وجهه مسودا قال الزجاج أي متغير تغير مغتم يقال لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا \r\n قوله تعالى وهو كظيم أي يكظم شدة وجده فلا يظهره وقد شرحناه في سورة يوسف 84 \r\n قوله تعالى يتوارى من القوم قال المفسرون وهذا صنيع مشركي العرب كان أحدهم إذا ضرب امرأته المخاض توارى إلى أن يعلم ما يولد له فان كان ذكرا سر به وإن كانت أنثى لم يظهر أياما يدبر كيف يصنع في أمرها وهو قوله تعالى أيمسكه على هون فالهاء ترجع إلى ما في قوله ما بشر به والهون في كلام العرب الهوان وقرأ ابن مسعود وابن ","part":4,"page":458},{"id":1979,"text":" أبي عبلة والجحدري على هوان والدس إخفاء الشيء في الشيء وكانوا يدفنون البنت وهي حية ألا ساء ما يحكمون إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا ونسبوه إلى الولد وجعلوا لأنفسهم البنين \r\n للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء أي صفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للاناث خوف الفقر والعار ولله المثل الأعلى أي الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد \r\n ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون \r\n قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم أي بشركهم ومعاصيهم كلما وجد شيء منهم أوخذوا به ما ترك على ظهرها يعني الأرض وهذه كناية عن غير مذكور غير أنه مفهوم لأن الدواب إنما هي على الأرض \r\n وفي قوله من دابة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه عنى جميع ما يدب على وجه الأرض قاله ابن مسعود قال قتادة وقد فعل ذلك في زمن نوح عليه السلام وقال السدي المعنى لأقحط المطر فلم تبق دابة إلا هلكت وإلى نحوه ذهب مقاتل \r\n والثاني أنه أراد من الناس خاصة قاله ابن جريج \r\n والثالث من الإنس والجن قاله ابن السائب وهو اختيار الزجاج ","part":4,"page":459},{"id":1980,"text":" قوله تعالى ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى وهو منتهى آجالهم وباقي الآية قد تقدم الأعراف 34 \r\n ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون \r\n قوله تعالى ويجعلون لله ما يكرهون المعنى ويحكمون له بما يكرهونه لأنفسهم وهو البنات وتصف ألسنتهم الكذب أي تقول الكذب وقرأ أبو العالية والنخعي وابن أبي عبلة الكذب بضم الكاف والذال ثم فسر ذلك الكذب بقوله أن لهم الحسنى وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها البنون قاله مجاهد وقتادة ومقاتل \r\n والثاني أنها الجزاء الحسن من الله تعالى قاله الزجاج \r\n والثالث أنها الجنة وذلك أنه لما وعد الله المؤمنين الجنة قال المشركون إن كان ما تقولونه حقا لندخلنها قبلكم ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى لا جرم قد شرحناها فيما مضى هود 22 وقال الزجاج لا رد لقولهم والمعنى ليس ذلك كما وصفوا جرم أن لهم النار المعنى جرم فعلهم أي كسب فعلهم هذا أن لهم النار وأنهم مفرطون وفيه أربعة أوجه قرأ الأكثرون مفرطون بسكون الفاء وتخفيف الراء وفتحها وفي معناها قولان \r\n أحدهما متركون قاله ابن عباس وقال الفراء منسيون في النار \r\n والثاني معجلون قاله ابن عباس أيضا وقال ابن قتيبة معجلون إلى النار قال الزجاج معنى الفرط في اللغة المتقدم فمعنى مفرطون ","part":4,"page":460},{"id":1981,"text":" مقدمون إلى النار ومن فسرها متركون فهو كذلك أيضا أي قد جعلوا مقدمين إلى العذاب أبدا متروكين فيه وقرأ نافع ومحبوب عن أبي عمرو وقتيبة عن الكسائي مفرطون بسكون الفاء وكسر الراء وتخفيفها قال الزجاج ومعناها أنهم أفرطوا في معصية الله وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة مفرطون بفتح الفاء وتشديد الراء وكسرها قال الزجاج ومعناها أنهم فرطوا في الدنيا فلم يعملوا فيها للآخرة وتصديق هذه القراءة يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله الزمر 56 وروى الوليد بن مسلم عن ابن عامر مفرطون بفتح الفاء والراء وتشديدها قال الزجاج وتفسيرها كتفسير القراءة الأولى فالمفرط والمفرط بمعنى واحد تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك قال المفسرون هذه ","part":4,"page":461},{"id":1982,"text":" تعزية للنبي ص - فزين لهم الشيطان أعمالهم الخبيثة حتى عصوا وكذبوا فهو وليهم اليوم فيه قولان \r\n أحدهما أنه يوم القيامة قاله ابن السائب ومقاتل كأنهما أرادا فهو وليهم يوم تكون لهم النار \r\n والثاني أنه الدنيا فالمعنى فهو مواليهم في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى إلا لتبين لهم يعني الكفار الذي اختلفوا فيه أي ما خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء فالمعنى أنزلناه بيانا لما وقع فيه الاختلاف \r\n والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون \r\n قوله تعالى والله أنزل من السماء ماء يعني المطر فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعد يبسها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أي يعتبرون \r\n قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم قرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي نسقيكم بضم النون ومثله في المؤمنين 21 وقرأ نافع وابن عامر وأبوبكر عن عاصم نسقيكم بفتح النون فيهما وقرأ أبو جعفر تسقيكم بتاء مفتوحة وكذلك في المؤمنين 21 ","part":4,"page":462},{"id":1983,"text":" وقد سبق بيان الأنعام وذكرنا معنى العبرة في آل عمران 13 والفرق بين سقى وأسقى في الحجر 22 \r\n فأما قوله مما في بطونه فقال الفراء النعم والأنعام شيء واحد وهما جمعان فرجع التذكير إلى معنى النعم إذ كان يؤدي عن الأنعام أنشدني بعضهم ... وطاب ألبان اللقاح وبرد ... فرجع إلى اللبن لأن اللبن والألبان في معنى قال وقال الكسائي أراد نسقيكم مما في البطون ما ذكرنا وهو صواب أنشدني بعضهم ... مثل الفراخ نتفت حواصله ... \r\n وقال المبرد هذا فاش في القرآن كقوله للشمس هذا ربي الأنعام 78 يعني هذا الشيء الطالع وكذلك وإني مرسلة إليهم بهدية ثم قال فلما جاء سليمان النمل35 36 ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا وقال أبو عبيدة الهاء في بطونه للبعض والمعنى نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن لأنه ليس لكل الأنعام لبن وقال ابن قتيبة ذهب بقوله مما في بطونه إلى النعم والنعم تذكر وتؤنث والفرث ما في الكرش والمعنى أن اللبن كان طعاما فخلص من ذلك الطعام دم وبقي منه فرث في الكرش وخلص من ذلك الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين أي سهلا في الشرب لا يشجى به شاربه ولا يغص وقال بعضهم سائغا أي لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم ","part":4,"page":463},{"id":1984,"text":" وروى أبو صالح عن ابن عباس قال إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه لبنا والكبد مسلطه على هذه الأصناف الثلاثة فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش \r\n قوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تقدير الكلام ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا والعرب تضمر ما كقوله وإذا رأيت ثم الإنسان 20 أي ما ثم والكناية في منه عائدة على ما المضمرة وقال الأخفش إنما لم يقل منهما لأنه أضمر الشيء كأنه قال ومنها شيء تتخذون منه سكرا \r\n وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الخمر قاله ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وابراهيم ابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة وروى عمرو بن سفيان عن ابن عباس قال السكر ما حرم من ثمرتها وقال هؤلاء المفسرون وهذه الآية نزلت إذ كانت الخمرة مباحة ثم نسخ ذلك بقوله فاجتنبوه المائدة 90 وممن ذكر أنها منسوخة سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي والنخعي \r\n والثاني أن السكر الخل بلغة الحبشة رواه العوفي عن ابن عباس وقال الضحاك هو الخل بلغة اليمن \r\n والثالث أن السكر الطعم يقال هذا له سكر أي طعم وأنشدوا ... جعلت عيب الأكرمين سكرا ","part":4,"page":464},{"id":1985,"text":" قاله أبو عبيدة فعلى هذين القولين الآية محكمة فأما الرزق الحسن فهو ما أحل منهما كالتمر والعنب والزبيب والخل ونحو ذلك \r\n وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل في هذا الوحي قولان \r\n أحدهما أنه إلهام رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك ومقاتل \r\n والثاني أنه أمر رواه العوفي عن ابن عباس وروى ابن مجاهد عن أبيه قال أرسل إليها والنحل زنابير العسل واحدتها نحلة ويعرشون يجعلونه عريشا وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يعرشون بضم الراء وهما لغتان يقال يعرش ويعرش مثل يعكف ويعكف ثم فيه قولان \r\n أحدهما ما يعرشون من الكروم قاله ابن زيد \r\n والثاني أنها سقوف البيوت قاله الفراء وقال ابن قتيبة كل شيء عرش من كرم أو نبات أو سقف فهو عرش ومعروش وقيل المراد مما يعرشون مما يبنون لهم من الأماكن التي تلقي فيها تلقي فيها العسل ولولا التسخير ما كانت تأوي إليها \r\n قوله تعالى ثم علي من كل الثمرات قال ابن قتيبة أي من الثمرات ","part":4,"page":465},{"id":1986,"text":" وكل هاهنا ليست على العموم ومثله قوله تدمر كل شيء الأحقاف 25 قال الزجاج فهي تأكل الحامض والمر ومالا يوصف طعمه فيحيل الله عز و جل من ذلك عسلا \r\n قوله تعالى فاسلكي سبل ربك السبل الطرق وهي التي يطلب فيها الرعي والذلل جمع ذلول وفي الموصوف بها قولان \r\n أحدهما أنها السبل فالمعنى اسلكي اسبل مذللة لك فلا يتوعر عليها مكان سلكته وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج \r\n والثاني انها النحل فالمعنى إنك مذللة بالتسخير لبني آدم وهذا وقول قتادة واختيار ابن قتيبة \r\n قوله تعالى يخرج من بطونها شراب يعني العسل مختلف ألوانه قال ابن عباس منه أحمر وأبيض وأصفر قال الزجاج يخرج من بطونها إلا أنها تلقيه من أفواهها وإنما قال من بطونها لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن فيخرج كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم قوله تعالى فيه شفاء للناس في هاء الكنابة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى العسل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود واختلفوا هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره أم لا على قولين أحدهما أنه عام في كل مرض قال ابن مسعود العسل شفاء من كل داء وقال قتادة فيه شفاء للناس من الأدواء وقد روى أبو سعيد الخدري قال جاء رجل إلى رسول الله ص - فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه ثم أتى فقال قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا قال اسقه ","part":4,"page":466},{"id":1987,"text":" عسلا فذكر الحديث إلى أن قال فشفي إما في الثالثة وإما في الرابعة فقال رسول الله ص - صدق الله وكذب بطن أخيك أخرجه البخاري ومسلم ويعني بقوله صدق الله هذه الآية والثاني فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه قاله السدي والصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب قال ابن الأنباري الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء ويدخل في الأدوية فإذا لم يوافق آحاد المرضى فقد وافق الأكثرين وهذا كقول العرب الماء حياة كل شيء وقد نرى من يقتله الماء وإنما الكلام على الأغلب \r\n والثاني أن الهاء ترجع إلى الاعتبار والشفاء بمعنى الهدى قاله الضحاك \r\n والثالث أنها ترجع إلى القرآن قاله مجاهد والله خلقكم ثم يتوفيكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير \r\n قوله تعالى والله خلقكم أي أو جدكم ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو أردؤه وأدونه وهي حالة الهرم وفي مقداره من السنين ثلاثة أقوال \r\n أحدها خمس وسبعون سنة قاله علي عليه السلام والثاني تسعون سنة قاله قتادة والثالث ثمانون سنة قاله قطرب \r\n قوله تعالى لكي لا يعلم بعد علم شيئا قال الفراء لكي لا يعقل من بعد عقله الأول شيئا وقال ابن قتيبة أي حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا لشدة هرمه وقال الزجاج المعنى أن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا ","part":4,"page":467},{"id":1988,"text":" فيصير بعد أن كان عالما جاهلا ليريكم من قدرته كما قدر على إماتته وإحيائه أنه قادر على نقله من العلم إلى الجهل وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال ليس هذا في المسلمين المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله وعقلا ومعرفة وقال عكرمة من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر \r\n والله فضل بعضكم على بعض في الزرق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون \r\n قوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق يعني فضل السادة على المماليك فما الذين فضلوا يعني السادة برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فعبرت ما عن من لأنه موضع إبهام تقول ما في الدار فيقول المخاطب رجلان أو ثلاثة ومعنى الآية أن المولى لا يرد على ما ملكت يمينه من ماله حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء وهو مثل ضربه الله تعالى للمشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء له والأصنام ملكا له يقول إذا لم يكن عبيدكم معكم في الملك سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء وترضون لي ما تأنفون لأنفسكم منه وروى العوفي عن ابن عباس قال لم يكونوا أشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني \r\n وروى أبو صالح عن ابن عباس قال نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى ابن الله تعالى \r\n قوله تعالى أفبنعمة الله يجحدون قرأ أبو بكر عن عاصم تجحدون بالتاء وفي هذه النعمة قولان \r\n أحدهما حجته وهدايته والثاني فضله ورزقه ","part":4,"page":468},{"id":1989,"text":" والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون \r\n قوله تعالى والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يعني النساء وفي معنى من أنفسكم قولان \r\n أحدهما أنه خلق آدم ثم خلق زوجته منه قاله قتادة \r\n والثاني من أنفسكم أي من جنسكم من بني آدم قاله ابن زيد وفي الحفدة خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته قاله ابن مسعود وابن عباس في رواية ومجاهد في رواية وسعيد بن جبير والنخعي وأنشدوا من ذلك ... ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير ... ولكنها نفس علي أبيه ... عيوف لأصهار اللئام قذور ... \r\n والثاني أنهم الخدم رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية الحسن وطاووس وعكرمة في رواية الضحاك وهذا القول يحتمل وجهين أحدهما أنه يراد بالخدم الأولاد فيكون المعنى أن الأولاد يخدمون قال ابن قتيبة الحفدة الخدم والأعوان فالمعنى هم بنون وهم خدم وأصل ","part":4,"page":469},{"id":1990,"text":" الحفد مداركة الخطو والإسراع في المشي وإنما يفعل الخدم هذا فقيل لهم حفدة ومنه يقال في دعاء الوتر وإليك نسعى ونحفد والثاني أن يراد بالخدم المماليك فيكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم حفدة من غير الأزواج ذكره ابن الأنباري \r\n والثالث أنهم بنو امرأة الرجل من غيره رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والرابع أنهم ولد الولد رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والخامس أنهم كبار الأولاد والبنون صغارهم قاله ابن السائب ومقاتل قال مقاتل وكانوا في الجاهلية تخدمهم أولادهم قال الزجاج وحقيقة هذا الكلام أن الله تعالى جعل من الأزواج بنين ومن يعاون على ما يحتاج إليه بسرعة وطاعة \r\n قوله تعالى ورزقكم من الطيبات قاله ابن عباس يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان \r\n قوله تعالى أفبالباطل يؤمنون فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الأصنام قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الشريك والصاحبة والولد فالمعنى يصدقون أن لله ذلك قاله عطاء \r\n والثالث أنه الشيطان أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة فصدقوا وفي المراد ب نعمة الله ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها التوحيد قاله ابن عباس والثاني القرآن والرسول \r\n والثالث الحلال الذي أحله الله لهم ","part":4,"page":470},{"id":1991,"text":" قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا وفي المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنها الأصنام قاله قتادة والثاني الملائكة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى من السموات يعني المطر و من الأرض النبات والثمر \r\n قوله تعالى شيئا قال الأخفش جعل شيئا بدلا من الرزق والمعنى لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا ولا يستطيعون أي لا يقدرون على شيء قال الفراء وإنما قال في أول الكلام يملك وفي آخره يستطيعون لأن ما في مذهب جمع لآلهتهم فوحد يملك على لفظ ما وتوحيدها وجمع في يستطيعون على المعنى كقوله ومنهم من يستمعون إليك يونس 42 \r\n قوله تعالى فلا تضربوا لله الأمثال أي لا تشبهوه بخلقه لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فالمعنى لا تجعلوا له شريكا \r\n وفي قوله إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أربعة أقوال \r\n أحدها يعلم ضرب المثل وأنتم لا تعلمون ذلك قاله ابن السائب \r\n والثاني يعلم أنه ليس له شريك وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك قاله مقاتل \r\n والثالث يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه \r\n والرابع يعلم ما كان ويكون وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم به ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه ","part":4,"page":471},{"id":1992,"text":" ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على موليه أينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ضرب الله مثلا أي بين شبها فيه بيان المقصود وفيه قولان \r\n أحدهما انه مثل للمؤمن والكافر فالذي لا يقدر على شيء هو الكافر لأنه لا خير عنده وصاحب الرزق هو المؤمن ابن لما عنده من الخير هذا قول عباس وقتادة \r\n والثاني أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان لأنه مالك كل شيء وهي لا تملك شيئا هذا قول مجاهد والسدي وذكر في التفسير أن هذا المثل ضرب بقوم كانوا في زمن رسول الله ص - وفيهم قولان \r\n أحدهما أن المملوك أبو الجوار وصاحب الرزق الحسن سيده هشام ابن عمرو رواه عكرمة عن ابن عباس وقال مقاتل المملوك أبو الحواجر \r\n والثاني أن المملوك أبو جهل بن هشام وصاحب الرزق الحسن أبو بكر الصديق رضي الله عنه قاله ابن جريج فأما قوله هل يستوون ولم يقل يستويان لأن المراد الجنس وقال ابن الأنباري لفظ من لفظ توحيد ومعناها معنى الجمع ولم يقع المثل بعيد معين ومالك معين لكن عني ","part":4,"page":472},{"id":1993,"text":" بهما جماعة عبيد وقوم مالكون فلما فارق من تأويل الجمع جمع عائدها لذلك \r\n وقوله تعالى الحمدالله أي هو المستحق للحمد لأنه المنعم ولا نعمة للأصنام بل أكثرهم يعني المشركين لا يعلمون أن الحمد الله قال العلماء وصف أكثرهم بذلك والمراد جميعهم \r\n قوله تعالى وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم قد فسرنا البكم في البقرة 18 ومعنى لايقدر على شيء أي من الكلام لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه وهو كل على مولاه قال ابن قتيبة أي ثقل على وليه وقرابته وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال \r\n أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فالكافر هو الأبكم والذي يأمر بالعدل هو المؤمن رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في عثمان بن عفان هو الذي يأمر بالعدل وفي مولى له كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله وهو الأبكم رواه إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس \r\n والثالث أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن فالوثن هو الأبكم والله تعالى هو الآمر بالعدل وهذا قول مجاهد وقتادة وابن السائب ومقاتل \r\n والرابع أن المراد بالأبكم أبي بن خلف وبالذي يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون قاله عطاء فيخرج على هذه الأقوال في معنى مولاه قولان \r\n أحدهما أنه مولى حقيقة إذا قلنا إنه رجل من الناس \r\n والثاني أنه بمعنى الولي إذا قلنا إنه الصنم فالمعنى وهو ثقل على ","part":4,"page":473},{"id":1994,"text":" وليه الذي يخدمه ويزينه ويخرج في معنى أينما توجه قولان إن قلنا إنه رجل في فالمعنى أينما يرسله والتوجيه الإرسال في وجه من الطريق \r\n وإن قلنا إنه الصنم ففي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أينما يدعوه لا يجيبه قاله مقاتل \r\n والثاني أينما توجه تأميله إياه ورجاه له لا يأته ذلك بخير فحذف التأميل وخلفه الصنم كقوله ما وعدتنا على رسلك آل عمران 194 أي على ألسنة رسلك وقرأ البزي عن ابن محيصن أينما توجهه بالتاء على الخطاب \r\n فأما قوله لا يأت بخير فان قلنا هو رجل فانما كان كذلك لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه إما لكفره وجحوده أو لبكم به وإن قلنا إنه الصنم فلكونه جمادا هل يستوي هو أي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل أي ومن هو قادر على التكلم ناطق الحق \r\n ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى ولله غيب السموات والأرض قد ذكرناه في آخر هود 123 وسبب نزول هذه الآية أن كفار مكة سألوا رسول الله ص - متى الساعة فنزلت هذه قاله مقاتل وقال ابن السائب المراد بالغيب ها هنا قيام الساعة \r\n قوله تعالى وما أمر الساعة يعني القيامة إلا كلمح البصر واللمح النظر بسرعة والمعنى إن القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق كلمح العين لأن الله تعالى يقول كن فيكون البقرة 117 أو هو أقرب قال مقاتل بل هو أسرع وقال الزجاج ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر ولكنه يصف سرعة القدرة على الأتيان بها متى شاء ","part":4,"page":474},{"id":1995,"text":" والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون \r\n قوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم قرأ حمزة إمهاتكم بكسر الألف والميم وقرأ الكسائي بكسر الإلف وفتح الميم والباقون بضم الألف وفتح الميم وكذلك في النور 61 و الزمر 6 و النجم 32 ولا خلاف بينهم في الابتداء \r\n قوله تعالى وجعل لكم السمع لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع وقد بينا علة ذلك في أول البقرة 7 والأفئدة جمع فؤاد قال الزجاج مثل غراب وأغربة ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد لم يقل فيه فئدان مثل غراب وغربان وقال أبو عبيدة وإنما جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم غير أن العرب تقدم وتؤخر وأنشد ... ضخم تعلق أشناق الديات به ... إذا المؤون أمرت فوقه حملا ... \r\n الشنق ما بين الفريضتين والمؤون أعظم من الشنق فبدأ بالأقل قبل الأعظم \r\n قال المفسرون ومقصود الآية أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم جهالا بالأشياء وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم \r\n ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى مسخرات في جو السماء قال الزجاج هو الهواء البعيد من الأرض ","part":4,"page":475},{"id":1996,"text":" قوله تعالى ما يمسكهن إلا الله فيه قولان \r\n أحدهما ما يمسكهن عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن على الأرض إلا الله قاله الأكثرون \r\n والثاني ما يمسكهن أن يرسلن الحجارة على شرار هذه الأمة كما فعل بغيرهم إلا الله قاله ابن السائب والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأو بارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فانما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون \r\n قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا أي موضعا تسكنون فيه وهي المساكن المتخذة من الحجر والمدر تستر العورات والحرم وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن بناء البيت وتسقيفه وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا وهي القباب والخيم المتخذة من الأدم تستخفونها أي يخف عليكم حملها يوم ظعنكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ظعنكم بفتح العين وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ","part":4,"page":476},{"id":1997,"text":" بتسكين العين وهما لغتان كالشعر والنهر والنهر والمعنى إذا سافرتم ويوم إقامتكم أي لا تثقل عليكم في الحالين ومن أصوافها يعني الضأن وأوبارها يعني الإبل وأشعارها يعني المعز أثاثا قال الفراء الأثاث المتاع لا واحد له كما أن المتاع لا واحد له والعرب تقول جمع المتاع أمتعه ولو جمعت الأثاث لقلت ثلاثة أإثة وأثث مثل أغثه وغثث لا غير وقال ابن قتيبة الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية قال أبو زيد واحد الأثاث أثاثة وقال الزجاج يقال قد أث يأث أثا إذا صار ذا أثاث وروي عن الخليل أنه قال أصله الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض ومنه شعر أثيث \r\n فأما قوله ومتاعا فقيل إنما جمع بينة وبين الأثاث لاختلاف اللفظين \r\n وفي قوله إلى حين قولان \r\n أحدهما أنه الموت والمعنى ينتفعون به إلى حين الموت قاله ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني انه إلى حين البلى فالمعنى إلى أن يبلى ذلك الشيء قاله مقاتل \r\n قوله تعالى والله جعل لكم مما خلق ظلالا أي مال يقيكم حر الشمس وفيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه ظلال الغمام قاله ابن عباس والثاني ظلال البيوت قاله ابن السائب والثالث ظلال الشجر قاله قتادة والزجاج والرابع ظلال الشجر والجبال وقاله ابن قتيبة والخامس انه كل شيء له ظل من حائط وسقف وشجر وجبل وغير ذلك قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":4,"page":477},{"id":1998,"text":" قوله تعالى وجعل لكم من الجبال أكنانا أي ما يكنكم من الحر والبرد وهي الغيران والأسراب وواحد الأكنان كن وكل شيء وقى شيئا وسترة فهو كن وجعل لكم سرابيل وهي القمص تقيكم الحر ولم يقل البرد لأن ما وقى من الحر وقى من البرد وأنشد ... وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني ... \r\n وقال الزجاج إنما خص الحر لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من البرد وهذا مذهب عطاء الخراساني \r\n قوله تعالى وسرابيل تقيكم بأسكم يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن والضرب في الحرب \r\n قوله تعالى كذلك يتم نعمته عليكم أي مثلما أنعم الله عليكم بهذه الأشياء يتم نعمته عليكم في الدنيا لعلكم تسلمون والخطاب لأهل مكة وكان أكثرهم حينئذ كفارا ولو قيل إنه خطاب للمسلمين فالمعنى لعلكم تدومون على الإسلام وتقومون بحقه وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو رجاء لعلكم تسلمون بفتح التاء واللام على معنى لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من الجراح في الحرب \r\n قوله تعالى فان تولوا أعرضوا عن الإيمان فانما عليك البلاغ المبين وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف \r\n قوله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وفي هذه النعمة قولان \r\n أحدهما أنها المساكن نعم الله عز و جل عليهم في الدنيا وفي إنكارها ثلاثة ","part":4,"page":478},{"id":1999,"text":" أقوال أحدها أنهم يقولون هذه ورثناها عن آبائنا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال نعم الله المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم وهذا عن مجاهد والثاني أنهم يقولون لولا فلان لكان كذا فهذا إنكارهم قال عون بن عبد الله والثالث يعرفون أن النعم من الله ولكن يقولون هذه بشفاعة آلهتنا قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة \r\n والثاني أن المراد بالنعمة هاهنا محمد ص - يعرفون أنه نبي ثم يكذبونه وهذا مروي عن مجاهد والسدي والزجاج \r\n قوله تعالى وأكثرهم الكافرون قال الحسن وجميعهم كفار فذكر الأكثر والمراد به الجميع \r\n ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون وإذا رأ الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون وإذا رأ الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى يوم نبعث من كل أمة شهيدا يعني يوم القيامة وشاهد كل أمة نبيها يشهد عليها بتصديقها وتكذبيها ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما أمر الله به لأن الآخرة ليست بدار تكليف ","part":4,"page":479},{"id":2000,"text":" قوله تعالى وإذا رأى الذين ظلموا أي أشركوا العذاب يعني النار فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون لا يؤخرون ولا يمهلون وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم يعني الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه فيقول المشركون ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو أي نعبد من دونك \r\n فان قيل فهذا معلوم عند الله تعالى فما فائدة قولهم هؤلاء شركاؤنا فعنه جوابان \r\n أحدهما أنهم لما كتموا الشرك في قولهم والله ما كنا مشركين عاقبهم الله تعالى باصمات ألسنتهم وإنطاق جوارحهم فقالوا عند معاينه آلهتهم رنبا هؤلاء شركاؤنا أي قد أقررنا بعد الجحد وصدقنا بعد الكذب التماسا للرحمة وفرارا من الغضب وكأن هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنب لا على وجه إعلام من لا يعلم \r\n والثاني أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا هؤلاء شركاؤنا تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح وأن تلزم الأصنام إجرامهم أو بعض ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز فأجابتهم الأصنام بما حسم طمعهم \r\n قوله تعالى فألقوا إليهم القول أي أجابوهم وقالوا لهم إنكم لكاذبون قال الفراء ردت عليهم آلهتهم قولهم وقال أبو عبيدة فألقوا أي قالوا لهم يقال ألقيت إلى فلان كذا أي قلت له قال العلماء كذبوهم في عبادتهم إياهم وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف عابديها فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ عبدوا من لم يعلم بعبادتهم وذلك كقوله سيكفرون بعبادتهم مريم 83 ","part":4,"page":480},{"id":2001,"text":" قوله تعالى وألقوا إلى الله يومئذ السلم المعنى أنهم استسلموا له وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون قاله الأكثرون ثم في معنى استسلامهم قولان أحدهما أنهم استسلموا له بالإقرار بتوحيده وربوبيته والثاني أنهم استسلموا لعذابه \r\n والثاني أنهم المشركون والأصنام كلهم قال الكلبي والمعنى أنهم استسلموا لله منقادين لحكمه \r\n قوله تعالى وضل عنهم ما كانوا يفترون فيه قولان \r\n أحدهما بطل قولهم أنها تشفع لهم والثاني ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان أن لله شريكا وولدا \r\n الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين \r\n قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قال ابن عباس منعوا الناس من طاعة الله والإيمان بمحمد ص - \r\n قوله تعالى زدناهم عذابا فوق العذاب إنما نكر العذاب الأول لأنه نوع خاص لقوم بأعيانهم وعرف العذاب الثاني لأنه العذاب الذي يعذب به أكثر أهل النار فكان في شهرته بمنزلة النار في قول القائل نعوذ بالله من النار وقد قيل إنما زيدوا هذا العذاب على ما يستحقونه من عذابهم بصدهم عن سبيل الله ","part":4,"page":481},{"id":2002,"text":" وفي صفة هذا العذاب الذي زيدوا أربعة أقوال \r\n أحدها أنها عقارب كأمثال النحل الطوال رواه مسروق عن ابن مسعود \r\n والثاني أنها حيات كأمثال الفيلة وعقارب كأمثال البغال رواه زر عن ابن مسعود \r\n والثالث أنها خمسة أنهار من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار قاله ابن عباس \r\n والرابع أنه الزمهرير ذكره ابن الأنباري \r\n قال الزجاج يخرجون من حر النار إلى المزمهرية فيتبادرون من شدة برده إلى النار \r\n قوله تعالى وجئنا بك شهيدا على هؤلاء وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم قومه قال ابن عباس \r\n والثاني أمته قاله مقاتل وتم الكلام هاهنا ثم قال ونزلنا عليك الكتاب تبيانا قال الزجاج التبيان اسم في معنى البيان \r\n فأما قوله تعالى لكل شيء فقال العلماء بالمعاني لكل شيء من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله ص - أو إجماع المسلمين \r\n إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاىء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ","part":4,"page":482},{"id":2003,"text":" ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه شهادة أن لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه الحق رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أن استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى قاله سفيان بن عيينة \r\n والرابع أنه القضاء بالحق ذكره الماوردي قال أبو سليمان العدل في كلام العرب الإنصاف وأعظم الإنصاف الاعتراف للمنعم بنعمته \r\n وفي المراد بالإحسان خمسة أقوال \r\n أحدها أنه أداء الفرائض رواه أبي طلحة عن ابن عباس والثاني العفو رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث الإخلاص رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع أن تعبد الله كأنك تراه رواه عطاء عن ابن عباس والخامس أن تكون السريرة أحسن من العلانية قاله سفيان بن عيينة \r\n فأما قوله تعالى وإيتاء ذي القربي فالمراد به صلة الأرحام وفي الفحشاء قولان \r\n أحدهما أنها الزنا قاله ابن عباس والثاني المعاصي قاله مقاتل ","part":4,"page":483},{"id":2004,"text":" وفي المنكر أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الشرك قال مقاتل والثاني أنه ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والثالث أنه ما وعد الله عليه النار ذكرهما ابن السائب والرابع أن تكون علانية الإنسان أحسن من سريرته قاله سفيان بن عيينة \r\n فأما البغي فقال ابن عباس هو الظلم وقد سبق شرحه في مواضع البقرة 173 والأعراف 33 ويونس 23 90 \r\n قوله تعالى يعظكم قال ابن عباس يؤدبكم وقد ذكرنا معنى الوعظ في سورة النساء 58 و تذكرون بمعنى تتعظون قال ابن مسعود هذه الآية أجمع آية في القرآن لخير أو لشر وقال الحسن والله ما ترك العدل والإحسان شيئا من طاعة الله إلا جمعاه ولا تركت الفحشاء والمنكر والبغي شيئا من معصية الله إلا جمعوه \r\n قوله تعال وأوفوا بعهد الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت في حلف أهل الجاهلية قاله مجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله ص - قال المفسرون العهد الذي يجب الوفاء به هو الذي يحسن فعله فإذا عاهد العبد عليه وجب الوفاء به والوعد من العهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها أب بعد تغليظها وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين بخلاف لغو اليمين ووكدت الشيء توكيدا لغة أهل الحجاز فأما أهل نجد فيقولون أكدته تأكيدا وقال الزجاج يقال وكدت الأمر وأكدت لغتنان جيدتان والأصل الواو والهمزة بدل منها ","part":4,"page":484},{"id":2005,"text":" قوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أي بالوفاء وذلك أن من حلف بالله فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه \r\n وللمفسرين في معنى كفيلا ثلاثة أقوا أحدها شهيدا قاله سعيد بن جبير والثاني وكيلا قاله مجاهد \r\n والثالث حفيظا مراعيا لعقدكم قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها قال مجاهد هذا فعل نساء أهل نجد تنقض إحداهن حبلها ثم تنفشه ثم تخلطه بالصوف فتعزله وقال مقاتل هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب كانت إذا غزلت نقضته وقال ابن السائب اسمها رائطة وقال ابن الأنباري اسمها ريطة بنت عمرو المرية ولقبها الجعراء وهي من أهل مكة وكانت معروفة عند المخاطبين فعرفوها بوصفها ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك كانت متناهية الحمق تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه ثم تأمر جاريتها بتقطيعه وقال بعضهم كانت تغزل هي وجواريها ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن فضربها الله مثلا لناقضي العهد ونقضت بمعنى تنقض كقوله ونادى أصحاب الجنة الأعراف 43 بمعنى وينادي \r\n وفي المراد بالغزل قولان \r\n أحدهما أنه الغزل المعروف سواء كان من قطن أو صوف أو شعر وهو قول الأكثرين \r\n والثاني أنه الحبل قاله مجاهد وقوله من بعد قوة قال قتادة من بعد إبرام وقوله أنكاثا أي أنقاضا قال ابن قتيبة الأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره وواحدها نكث يقول لا تؤكدوا على ","part":4,"page":485},{"id":2006,"text":" أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثا \r\n قوله تعالى تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أي دغلا ومكرا وخديعة وكل شيء دخله عيب فهو مدخول وفيه دخل \r\n قوله تعالى أن تكون أمة قال ابن قتيبة لأن تكون أمة هي أربى أي هي أغنى من أمة وقال الزجاج المعنى بأن تكون أمة هي أكثر يقال ربا الشيء يربو إذا كثر قال ابن الأنباري قال اللغويون أربى أزيد عددا قال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون اولئك فنهوا عن ذلك وقال الفراء المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو قلتكم وكثرتهم وقد غررتموهم بالأيمان \r\n قوله تعالى إنما يبلوكم الله به في هذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الكثرة قاله سعيد بن جبير وابن السائب ومقاتل فيكون المعنى إنما يختبركم الله بالكثرة فإذا كان بين قومين عهد فكثر أحدهما فلا ينبغي أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل فإن قيل إذا كنى عن الكثرة فهلا قيل بها فقد أجاب عنه ابن الأنباري بأن الكثرة ليس تأنيثها حقيقيا فحملت على معنى التذكير كما حملت الصيحة على معنى الصباح \r\n والثاني أنها ترجع إلى العهد فإنه لدلالة الأيمان عليه يجرى مجرى المظهر ذكره ابن الأنباري \r\n والثالث أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء ذكه بعض المفسرين \r\n قوله تعالى ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة قد فسرناه في آخر هود 118 ","part":4,"page":486},{"id":2007,"text":" قوله تعالى ولكن يضل من يشاء صريح في تكذيب القدرية حيث أضاف الإضلال والهداية إليه وعلقهما بمشيئته \r\n ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ولا تتخذوا أيمانكم دخلا هذا استئناف للنهي عن أيمان الخديعة فتزل قدم بعد ثبوتها قال أبو عبيدة هذا مثل يقال لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة زلت به قدمه قال مقاتل ناقض العهد يزل في دينه كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة قال المفسرون وهذا نهى للذين بايعوا رسول الله ص - على الإسلام ونصرة الدين عن نقض العهد ويدل عليه قوله يتعالى وتذوقوا السوء يعني العقوبة بما صددتم عن سبيل الله يريد أنهم إذا نقضوا عهدهم مع رسول الله ص - صدوا الناس عن الإسلام فاستحقوا العذاب \r\n وقوله تعالى ولكم عذاب عظيم يعني في الآخرة ثم أكد ذلك بقوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في رجلين اختصما إلى رسول الله ص - في أرض يقال لأحدهما عيدان بن أشوع وهو صاحب الأرض وللآخر امرؤ القيس وهو المدعى عليه فهم امرؤ القيس أن يحلف فأخره رسول الله ص - فنزلت هذه الآية وذكر أبو بكر الخطيب أن اسم صاحب الأرض ربيعة بن عبدان وقيل عيدان ","part":4,"page":487},{"id":2008,"text":" بفتح العين وياء معجمه باثنتين ومعنى الآية لاتنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا إن ما عندالله من الثواب على الوفاء هو خير لكم من العاجل \r\n ما عندكم ينفذ أي يفنى وما عندالله في الآخرة باق وقف بالياء ابن كثير في رواية عنه ولا خلاف في حذفها في الوصل ولنجزين الذين صبروا قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وليجزين بالياء وقرأ ابن كثير وعاصم ولنجزين بالنون \r\n ولم يختلفوا في ولنجزينهم أجرهم أنها بالنون ومعنى هذه الآية وليجزين الذين صبروا على أمره بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا ويتجاوز عن سيئاتهم \r\n من عمل صالحا من ذكر أو وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن في سبب نزولها قولان أحدهما أن امرأ القيس المتقدم ذكره أقر بالحق الذي هم أن يحلف عليه فنزلت فيه من عمل صالحا وهو إقراره بالحق قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن ناسا من أهل التوارة وأهل الأنجيل وأهل الأوثان جلسوا فتفاضلوا فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح \r\n قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة اختلفوا أين تكون هذه الحياة الطيبة على ثلاثة أقوال أحدها أنها في الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس ثم فيها للمفسرين تسعة أقوال \r\n أحدها أنها القناعة قال علي عليه السلام وابن عباس في رواية والحسن في ","part":4,"page":488},{"id":2009,"text":" رواية ووهب بن منبه \r\n والثاني أنها الرزق الحلال رواه أبو مالك عن ابن عباس وقال الضحاك يأكل حلالا ويلبس حلالا \r\n والثالث أنها السعادة رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أنها الطاعة قاله عكرمة \r\n والخامس أنها رزق يوم بيوم قاله قتادة \r\n والسادس أنها الرزق الطيب والعمل الصالح قاله إسماعيل بن أبي خالد \r\n والسابع أنها حلاوة الطاعة قاله أبو بكر الوراق \r\n والثامن العافية والكفاية \r\n والتاسع الرضى بالقضاء ذكرهما الماوردي \r\n والثاني أنها في الآخرة قاله الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد وذلك إنما يكون الجنة \r\n والثالث أنها في القبر رواه أبو غسان عن شريك \r\n فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين \r\n قوله تعالى فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المعنى فاذا أردت القراءة فاستعذ ومثله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة 6 وقوله وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب الأحزاب 53 وقوله إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة المجادلة 12 \r\n ومثله في الكلام إذا أكلت فقل باسم الله هذا قول عامة العلماء واللغويين ","part":4,"page":489},{"id":2010,"text":" والثاني أنه على ظاهره وأن الاستعاذة بعد القراءة روي عن أبي هريرة وداود \r\n والثالث أنه من المقدم والمؤخر فالمعنى فاذا استعذت بالله فاقرأ قاله أبو حاتم السجستاني والأول أصح \r\n فصل \r\n والاستعاذة عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها \r\n وفي صفتها عن أحمد روايتان \r\n إحدها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم رواها أبو بكر المروزي \r\n والثانية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم رواها حنبل وقد بينا معنى أعوذ في أول الكتاب ص7 وشرحنا اشتقاق الشيطان في البقرة 14 والرجيم في آل عمران 36 \r\n قوله تعالى إنه ليس له سلطان على الذين امنوا في المراد بالسلطان قولان \r\n أحدهما أنه التسلط \r\n ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله صرف سلطانه عنهم بقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين الحجر 42 \r\n والثاني ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم منه \r\n والثالث ليس له قدره على أن يحملهم على ذنب لا يغفر \r\n والثاني أنه الحجة فالمعنى ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي قاله مجاهد ","part":4,"page":490},{"id":2011,"text":" فأما قوله يتولونه معناه يطيعونه \r\n وفي هاء الكناية في قوله والذين هم به مشركون قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله مجاهد والضحاك \r\n والثاني أنها ترجع إلى الشيطان فالمعنى الذين هم من أجله مشركون بالله وهذا كما يقال صار فلان بك عالما أي من أجلك هذا قول ابن قتيبة وقال ابن الأنباري المعنى والذين هم باشراكهم إبليس في العبادة مشركون بالله تعالى \r\n قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية سبب نزولها أن الله تعالى كان ينزل الآية فيعمل بها مدة ثم ينسخها فقال كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر من أصحابه يأمرهم اليوم بأمر ويأتيهم غدا بما هو أهون عليهم منه فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس والمعنى إذا نسخنا آية بآية إما نسخ الحكم والتلاوة أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة والله أعلم بما ينزل من ناسخ ومنسوخ وتشديد وتخفيف فهو عليم بالمصلحة في ذلك قالوا إنما أنت مفتر أي كاذب بل أكثرهم لايعلمون فيه قولان \r\n أحدهما لايعلمون أن الله أنزله \r\n والثاني لايعلمون فائدة النسخ \r\n قوله تعالى قل نزله يعني القرآن روح القدس يعني جبريل وقد شرحنا هذا الاسم في البقرة 87 \r\n قوله تعالى من ربك أي من كلامه بالحق أي بالأمر الصحيح ليثبت الذين آمنوا بما فيه من البينات فيزدادوا يقينا \r\n ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين إن الذين ","part":4,"page":491},{"id":2012,"text":" لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون \r\n قوله تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون يعني قريشا إنما يعلمه بشر أي آدمي وما هو من عند الله \r\n وفيمن أرادوا بهذا البشر تسعة أقوال \r\n أحدها أنه كان لبني المغيرة غلام يقال له يعيش يقرأ التوراة فقالوا منه يتعلم محمد فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عكرمة في رواية كان هذا الغلام لبني عامر بن لؤي وكان روميا \r\n والثاني أنه فتى كان بمكة يسمى بلعام وكان نصرانيا أعجميا وكان رسول الله ص - يعلمه فلما رأى المشركون دخوله إليه وخروجه قالوا ذلك روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنه نزلت في كاتب كان يكتب لرسول الله ص - فيملى عليه سميع عليم فيكتب هو عزيز حكيم أو هذا فقال رسول الله ص - أي ذلك كتبت فهو كذلك فافتتن وقال إن محمدا يكل ذلك إلي فأكتب ما شئت روي عن سعيد بن المسيب \r\n والرابع أنه غلام أعجمي لامرأة من قريش يقال له جابر وكان جابر يأتي رسول الله ص - فيتعلم منه فقال المشركون إنما يتعلم محمد من هذا قاله سعيد بن جبير ","part":4,"page":492},{"id":2013,"text":" والخامس أنهم عنوا سلمان الفارسي قاله الضحاك وفيه بعد من جهة أن سلمان أسلم بالمدينة وهذه الآية مكية \r\n والسادس أنهم عنوا به رجلا حدادا كان يقال بحنس النصراني قاله ابن زيد \r\n والسابع أنهم عنوا به غلاما لعامر بن الحضرمي وكان يهوديا أعجميا واسمه يسار ويكنى أبا فكيهة قاله مقاتل وقد روي عن سعيد بن جبير نحو هذا إلا أنه لم يقل إنه كان يهوديا \r\n والثامن أنهم عنوا غلاما أعجميا اسمه عايش وكان مملوكا لحويطب وكان قد أسلم قاله الفراء والزجاج \r\n والتاسع أنهما رجلان قال عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار و للآخر جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن الإنجيل فربما مر بهما النبي ص - وهما يقرآن فيقف يستمع فقال المشركون إنما يتعلم منهما قال ابن الأنباري فعلى هذا القول يكون البشر واقعا على اثنين والبشر من أسماء الأجناس يعبر عن اثنين كما يعبر أحد عن الاثنين والجميع والمذكر والمؤنث \r\n قوله تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي قرأ ابن كثير ونافع وأبوعمرو وابن عامر وعاصم يلحدون بضم الياء وكسر الحاء وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء فأما القراءة الأولى فقال ","part":4,"page":493},{"id":2014,"text":" ابن قتيبة يلحدون أي يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمه وأصل الإلحاد الميل وقال الفراء يلحدون بضم الميم يعترضون ومنه قول ومن يرد فيه بالحاد بظلم الحج 25 أي باعتراض ويلحدون بفتح الياء يميلون وقال الزجاج يلحدون إليه أي يميلون القول فيه أنه أعجمي \r\n قال ابن قتيبة لا يكاد عوام الناس يفرقون بين العجمي والأعجمي والعربي والأعرابي فالأعجمي الذي لا يفصح وإن كان نازلا بالبادية والعجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا والأعرابي هو البدوي والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا \r\n قوله تعالى وهذا لسان يعني القرآن عربي قال الزجاج أي أن صاحبه يتكلم بالعربية \r\n قوله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله أي الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها وأولئك هم الكاذبون أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم وهذا رد عليهم إذ قالوا إنما أنت مفتر النحل 101 وهذه الآية من أبلغ الزجر عن الكذب لأنه خص به من لا يؤمن \r\n من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين ","part":4,"page":494},{"id":2015,"text":" طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه قال مقاتل نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح القرشي ومقيس بن صبابه وعبدالله بن أنس ابن خطل وطعمه بن أبيرق وقيس بن الوليد بن المغيرة وقيس بن الفاكه المخزومي \r\n فأما قوله تعالى إلا من أكره فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه نزل في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه فأعطاهم ما أرادوا بلسانه رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال قتادة \r\n والثاني أنه لما نزل قوله إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء 96 97 كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكة فخرج ناس ممن أقر بالإسلام فاتبعهم المشركون فأدركوهم حتى أعطوا الفتنة فنزل إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثالث أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة كان قد هاجر فحلفت أمه ألا تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع فرجع إليها فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما يريدون قاله ابن سيرين \r\n والرابع أنه نزل في جبر غلام ابن الحضرمي كان يهوديا فأسلم فضربه سيده ","part":4,"page":495},{"id":2016,"text":" حتى رجع إلى اليهودية قاله مقاتل وأما قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا فقال مقاتل هم النفر المسمون في أول الآية \r\n فأما التفسير فاختلف النحاة في قوله من كفر وقوله ولكن من شرح فقال الكوفيون جوابهما جمعيا في قوله فعليهم غضب فقال البصريون بل قوله من كفر مرفوع بالرد على الذين لا يؤمنون قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون خبر من كفر محذوفا لوضوح معناه تقديره من كفر بالله فالله عليه غضبان \r\n قوله تعالى وقلبه مطمئن بالإيمان أي ساكن إليه راض به ولكن من شرح بالكفر صدرا قال قتادة من أتاه بإيثار واختيار وقال ابن قتيبة من فتح له صدره بالقبول وقال أبو عبيدة المعنى من تابعته نفسه وانبسط إلى ذلك يقال ما ينشرح صدري بذلك أي ما يطيب وجاء قوله فعليهم غضب على معنى الجميع لأن من تقع على الجميع \r\n فصل \r\n الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان \r\n إحداهما أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به \r\n والثانية أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب وإذ ثبت جواز التقية فالأفضل ألا يفعل نص عليه أحمد في أسير خير بين القتل ","part":4,"page":496},{"id":2017,"text":" وشرب الخمر فقال إن صبر على القتل فله الشرف وإن لم يصبر فله الرخصة فظاهر هذا الجواز وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال إنما التقية في القول فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك فأما إذا أكره على الزنا لم يجز له الفعل ولم يصح إكراهه نص عليه أحمد فان أكره على الطلاق لم يقع طلاقه نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يقع \r\n قوله تعالى ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا في المشار إليه بذلك قولان \r\n أحدهما أنه الغضب والعذب قاله مقاتل الثاني أنه شرح الصدر للكفر واستحبوا بمعنى أحبوا الدنيا واختاروها على الآخرة \r\n قوله تعالى وأن الله أي وبأن الله لا يريد هدايتهم وما بعد هذا قد سبق شرحه البقرة 7 والنساء 155 والمائدة 67 إلى قوله وأولئك هم الغافلون ففيه قولان \r\n أحدهما الغافلون عما يراد بهم قاله ابن عباس والثاني عن الآخرة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لا جرم قد شرحناها في هود 22 \r\n قوله تعالى ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا اختلفوا فيمن نزلت على أربعة \r\n أحدها أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله ص - رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة فلحقهم المشركون فأعطوهم ","part":4,"page":497},{"id":2018,"text":" الفتنة فنزل فيهم ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله العنكبوت 10 فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى من نجا وقتل من قتل فنزلت فيهم هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان الشيطان قد أزله حتى لحق بالكفار فأمر به رسول الله ص - أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ص - وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومنهبعد لأن المشار إليه وإن كان قد عاد إلى الإسلام فان الهجرة انقطعت بالفتح \r\n والرابع أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل عمرو وعبدالله بن أسيد الثقفي قاله مقاتل \r\n فأما قوله تعالى من بعد ما فتنوا فقرأ الأكثرون فتنوا بضم الفاء وكسر التاء على معنى من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم قال ابن عباس فتنوا بمعنى عذبوا وقرأ عبد الله بن عامر فتنوا بفتح الفاء والتاء على معنى من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله يشير إلى من أسلم من المشركين وقال أبو علي من بعد ما فتنوا أنفسهم باظهار ما أظهروا للتقية لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد \r\n قوله تعالى ثم جاهدوا أي قاتلوا مع رسول الله ص - وصبروا على الدين والجهاد إن ربك من بعدها في المكني عنها أربعة أقوال \r\n أحدها الفتنة وهو مذهب مقاتل والثاني الفعلة التي فعلوها قاله الزجاج ","part":4,"page":498},{"id":2019,"text":" والثالث المجاهدة والمهاجرة والصبر والربع المهاجرة ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري \r\n قوله تعالى يوم تأتي قال الزجاج هو منصوب على أحد شيئين إما على معنى إن ربك لغفور يوم تأتي وإما على معنى اذكر يوم تأتي ومعنى تجادل عن نفسها أي عنها والمراد أن كل إنسان يجادل عن نفسه وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار يا كعب خوفنا فقال إن لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة فيقول يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلا نفسي وإن تصديق ذلك في كتاب الله يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وقد شرحنا معنى الجدال في هود 32 \r\n وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون \r\n قوله تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة في هذه القرية قولان \r\n أحدهما أنها مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهو الصحيح \r\n والثاني أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون قاله الحسن فأما ما يروى عن ","part":4,"page":499},{"id":2020,"text":" حفصة أنها قالت هي المدينة فذلك على سبيل التمثيل لا على وجه التفسير وبيانه ما روى سليم بن عنز قال صدرنا من الحج مع حفصة وعثمان محصور بالمدينة فرأت راكبين فسألنهما عنه فقالا قتل فقالت والذي نفسي بيده إنها للقرية تعني المدنية التي قال الله تعالى في كتابه و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة تعني حفصة أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي ص - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكفرت بأنعم الله عند قتل عثمان رضي الله عنه ومعنى كانت آمنة أي ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم مطمئنة أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق وقد شرحنا معنى الرغد في البقرة 35 58 \r\n وقوله من كل مكان أي يجلب إليها من كل بلد وذلك كله بدعوة إبراهيم عليه السلام فكفرت بأنعم الله بتكذيبهم رسول الله ص - وفي واحد الأنعم قولان \r\n أحدهما أن واحدها نعم قاله أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والثاني نعمة قاله الزجاج قال ابن قتيبة ليس قول من قال هو جمع نعمة بشيء لأن فعلة لا تجمع على أفعل وإنما هو جمع نعم يقال يوم نعم ويوم بؤس ويجمع أنعما وأبؤسا \r\n قوله تعالى فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وروى عبيد بن عقيل وعبد الوارث عن أبي عمرو والخوف بنصب الفاء وأصل الذوق إنما هو بالفم وهذا استعارة منه وقد شرحنا هذا المعنى في آل عمران 106 185 وإنما ذكر اللباس هاهنا تجوزا لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف فهو كقوله ولباس التقوى الأعراف 26 وذلك لما يظهر على المتقي من أثر ","part":4,"page":500},{"id":2021,"text":" التقوى قال المفسرون عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة فأما الخوف فهو خوفهم من رسول الله ص - ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم والكلام وفي هذه الآية خرج على القرية والمراد أهلها ولذلك قال بما كانوا يصنعون يعني به بتكذيبهم لرسول الله ص - وإخراجهم إياه وما هموا به من قتله \r\n ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون \r\n قوله تعالى ولقد جاءهم يعني أهل مكة رسول منهم يعني محمدا ص - فكذبوه فأخذهم العذاب وفيه قولان \r\n أحدهما أنه الجوع قاله ابن عباس والثاني القتل ببدر قاله مجاهد قال ابن السائب وهم ظالمون أي كافرون \r\n فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى فكلوا مما رزقكم الله في المخاطبين بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم المسلمون وهو قول الجمهور \r\n والثاني أنهم أهل مكة المشركون لما اشتدت مجاعتهم كلم رؤساؤهم رسول الله ص - فقالوا إن كنت عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان فأذن رسول الله ص - للناس أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الثعلبي وذكر نحوه الفراء وهذه الآية والتي تليها مفسرتان في البقرة 172 173 ","part":4,"page":501},{"id":2022,"text":" ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم \r\n قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب قال ابن الأنباري اللام في لما بمعنى من أجل وتلخيص الكلام ولا تقولوا هذه الميتة حلال وهذه البحيرة حرام من أجل كذبكم وإقدامكم على الوصف والتخرص لما لا أصل له فجرت اللام هاهنا مجراها في قوله وإنه لحب الخير لشديد العاديات 8 أي وإنه من أجل حب الخير لبخيل وما بمعنى المصدر والكذب منصوب ب تصف والتلخيص لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب وقرأ ابن أبي عبلة الكذب قال ابن القاسم هو نعت الألسنة وهو جمع كذوب قال المفسرون والمعنى أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب والإشارة بقوله هذا حلال وهذا حرام إلى ما كانوا يحلون ويحرمون لتفتروا على الله الكذب وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى ويقولون هو أمرنا بهذا \r\n وقوله متاع قليل أي متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل \r\n وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم \r\n قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يعني به ","part":4,"page":502},{"id":2023,"text":" ما ذكر في الأنعام 126 وهو قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وما ظلمناهم بتحريمنا ما حر منا عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالبغي والمعاصي \r\n قوله تعال ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة قد شرحناه في سورة النساء 17 وشرحنا في البقرة 160 التوبة والاصلاح وذكرنا معنى قوله من بعدها آنفا إن إبرهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتبيه وهديه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين \r\n قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قال ابن الأنباري هذا مثل قول العرب فلان رحمة وفلان علامة ونسابه ويقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في المعنى الذي يصفونه والعرب قد توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد كقوله فنادته الملائكة آل عمران 39 وإنما ناداه جبريل وحده وللمفسرين في المراد بالأمة هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الأمة الذي يعلم الخير قاله ابن مسعود والفراء وابن قتيبة \r\n والثاني أنه المؤمن وحده في زمانه روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثالث أنه الإمام الذي يقتدى به قاله قتادة ومقاتل أو عبيدة وهو في معنى القول الأول فأما القانت فقال ابن مسعود هو المطيع وقد شرحنا القنوت في البقرة 116 238 وكذلك الحنيف البقرة 135 ","part":4,"page":503},{"id":2024,"text":" قوله تعال ولم يك قال الزجاج أصلها لم يكن وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف وذكر الجلة من البصرين أنها إنما احتملت الحذف لأنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال وأنها عبارة عن كل ما يمضي من الأفعال وما يستأنف وأنها قد أشبهت حروف اللين وأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف \r\n قوله تعالى شاكرا لأنعمه انتصب بدلا من قوله أمه قانتا وقد ذكرنا واحد الأنعم آنفا وشرحنا معنى الاجتباء في الأنعام 87 قال مقاتل والمراد بالصراط المستقيم هاهنا الإسلام \r\n قوله تعالى وآتيناه في الدنيا حسنة فيها ستة أقوال \r\n أحدها أنه الذكر الحسن قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله الحسن \r\n والثالث لسان صدق قاله مجاهد والرابع اجتماع المل على ولايته فكلهم يتولونه ويرضونه قاله قتادة والخامس أنها الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على محمد ص - قاله مقاتل بن حيان والسادس الأولاد الأبرار على الكبر حكاه الثعلبي وباقي الآية مفسر في البقرة 130 ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين \r\n قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ملته دينه وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان \r\n أحدهما أنه أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه وهذا هو الظاهر \r\n والثاني اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام قاله ","part":4,"page":504},{"id":2025,"text":" أبو جعفر الطبري \r\n وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع المفضول لأن رسولنا أفضل الرسل وإنما أمر باتباعه لسبقه إلى القول بالحق \r\n إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون \r\n قوله تعالى إنما جعل السبت أي إنما فرض تعظيمه وتحريمه وقرأ الحسن وأبو حيوة إنما جعل بفتح الجيم والعين السبت بنصب التاء على الذين اختلفوا فيه والهاء ترجع إلى السبت \r\n وفي معنى اختلافهم فيه قولان \r\n أحدهما أن موسى قال لهم تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئا من صنيعكم فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا لا نبتغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم فيه رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل لما أمرهم موسى بيوم الجمعة قالوا نتفرغ يوم السبت فان الله لم يخلق فيه شيئا فقال إنما أمرت بيوم الجمعة فقال أحبارهم انتهوا إلى أمر نبيكم فأبوا فذلك اختلافهم فلما رأى موسى حرصهم على السبت أمرهم به فاستحلوا فيه المعاصي وروى سعيد بت جبير عن ابن عباس قال رأى موسى رجلا يحمل قصبا يوم السبت فضرب عنقه وعكفت عليه الطير أربعين صباحا وذكر ابن قتيبة في مختلف الحديث أن الله تعالى بعث موسى بالسبت ونسخ السبت بالمسيح \r\n والثاني أنه بعضهم استحله وبعضهم حرمه قاله قتادة ","part":4,"page":505},{"id":2026,"text":" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين \r\n قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك قال ابن عباس نزلت مع الآية التي بعدها وسنذكر هناك السبب فأما السبيل فقال مقاتل هو دين الإسلام \r\n وفي المراد بالحكمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها القرآن رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني الفقه قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث النبوة ذكره الزجاج \r\n وفي الموعظة الحسنة قولان \r\n أحدهما مواعظ القرآن قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني الأدب الجميل الذي يعرفونه قاله الضحاك عن ابن عباس \r\n قوله تعالى وجادلهم في المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنهم أهل مكة قاله أبوصالح \r\n والثاني أهل الكتاب قاله مقاتل \r\n وفي قوله بالتي هي أحسن ثلاثة أقوال \r\n أحدها جادلهم بالقرآن \r\n والثاني ب لاآله إلا الله روي القولان عن ابن عباس \r\n والثالث جادلهم غير فظ ولا غليظ وألن لهم جانبك قاله الزجاج وقال بعض علماء التفسير وهذا منسوخ بآية السيف \r\n قوله تعالى إن ربك هو أعلم المعنى هو أعلم بالفريقين فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح ","part":4,"page":506},{"id":2027,"text":" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون \r\n قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن رسول الله ص - أشرف على حمزة فرآه صريعا فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه فقال والله لأمثلن بسبعين منهم فنزل جبريل والنبي ص - واقف بقوله وإن عاقبتم إلى أخرها فصبر رسول الله وكفر عن يمينه قاله أبو هريرة وقال ابن عباس رأى رسول الله ص - حمزة قد شق بطنه وجدعت أذناه فقال لولا أن تحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم فنزل قوله أدع إلى سبيل ربك إلى قوله وما صبرك إلا بالله وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله ص - قال يومئذ لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب وكانت هند وآخرون معها قد مثلوا به فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ومثلوا بقتلاهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنزيدن على عدتهم مرتين فنزلت هذه الآية قاله أبي بن كعب ","part":4,"page":507},{"id":2028,"text":" وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات فنزلت هذه الآية يقول إن كنتم فاعلين فمثلوا بالأموات كما مثلوا بأمواتكم قال ابن الأنباري وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدؤوا بالمثلة ليزدوج اللفظان فيخف على اللسان كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى 40 \r\n فصل \r\n واختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا على قولين \r\n أحدهما أنها نزلت قبل براءة فأمر رسول الله ص - أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد قاله ابن عباس والضحاك فعلى هذا يكون المعنى ولئن صبرتم عن القتال ثم نسخ هذا بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 \r\n والثاني أنها محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامه فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه قاله مجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والثوري وعلى هذا يكون المعنى ولئن صبرتم عن المثلة لا عن القتال \r\n قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله أي بتوفقيه ومعونته وهذا أمر بالعزيمة \r\n وفي قوله ولا تحزن عليهم قولان \r\n أحدهما على كفار مكة إن لم يسلموا قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني ولا تحزن على قتلى أحد فانهم أفضوا إلى رحمة الله ذكره علي بن أحمد النيسابوري ","part":4,"page":508},{"id":2029,"text":" قوله تعالى ولا تك في ضيق قرأ الأكثرون بنصب الضاد وقرأ ابن كثير في ضيق بكسر الضاد ها هنا وفي النمل 70 قال الفراء الضيق بفتح الضاد ما ضاق عنه صدرك والضيق ما يكون في الذي يضيق ويتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذلك وقال ابن قتيبة الضيق تخفيف ضيق مثل هين ولين وهو إذا كان على هذا التأويل صفه كأنه قال لا تك في أمر ضيق من مكرهم قال ويقال مكان ضيق وضيق بمعنى واحد كما يقال رطل ورطل وهذا أعجب إلي فأما مكرهم المذكور ها هنا فقال أبوصالح عن ابن عباس فعلهم وعملهم \r\n قوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا ما نهاهم عنه وأحسنوا فيما أمرهم به بالعون والنصر ","part":4,"page":509},{"id":2030,"text":" سورة بني اسرئيل \r\n فصل في نزولها \r\n هي مكية في قول الجماعة الا ان بعضهم يقول فيها مدني فروي عن ابن عباس انه قال هي مكية الا ثمان آيات من قوله وان كادوا ليفتنونك الى قوله نصيرا الإسراء 73 - 75 هذا قول قتادة وقال مقاتل فيها من المدني وقل رب أدخلني مدخل صدق الاسراء 80 وقوله ان الذين أوتوا العلم من قبله الاسراء 107 وقوله ان ربك أحاط بالناس الاسراء 60 وقوله وان كادوا ليفتنونك الاسراء 73 وقوله وان كادوا ليستفزونك الاسراء 76 وقوله ولو لا ان ثبتناك والتي تليها الاسراء 7475 بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير \r\n قوله تعالى سبحان روي عن النبي صلى الله عليه و سلم انه سئل عن تفسير سبحان الله فقال تنزيه لله عن كل سوء وقد ذكرنا هذا المعنى في البقرة 32 ","part":5,"page":3},{"id":2031,"text":" قال الزجاج واسرى بمعنى سير عبده يقال أسريت وسريت اذا سرت ليلا وقد جاءت اللغتان في القرآن قال الله تعالى والليل اذا يسر الفجر 4 \r\n وفي معنى التسبيح هاهنا قولان \r\n أحدهما ان العرب تسبح عند الامر المعجب فكأن الله تعالى عجب العباد مما أسدى الى رسوله من النعمة \r\n والثاني ان يكون خرج مخرج الرد عليهم لأنه لما حدثهم بالاسراء كذبوه فيكون المعنى تنزه الله ان يتخذ رسولا كذابا ولا خلاف ان المراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وفي قوله من المسجد الحرام قولان \r\n احدهما انه اسري به من نفس المسجد قاله الحسن وقتاده ويسنده حديث مالك بن صعصعة وهو في الصحيحين بينا ان في الحطيم وربما قال بعض الرواة في الحجر \r\n والثاني انه اسري به من بيت ام هانئ وهو قول اكثر المفسرين ","part":5,"page":4},{"id":2032,"text":" فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام الحرم والحرم كله مسجد ذكره القاضي ابو يعلى وغيره \r\n فأما المسجد الاقصى فهو بيت المقدس وقيل له الاقصى لبعد المسافة بين المسجدين ومعنى باركنا حوله ان الله اجرى حوله الانهار وانبت الثمار وقيل لأنه مقر الانبياء ومهبط الملائكة \r\n واختلف العلماء هل دخل بيت المقدس ام لا فروى ابو هريرة انه دخل بيت المقدس وصلى فيه بالانبياء ثم عرج به الى السماء وقال حذيفة بن اليمان لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به \r\n فان قيل ما معنى قوله الى المسجد الاقصى وانتم تقولون صعد الى السماء \r\n فالجواب ان الاسراء كان الى هنالك والمعراج كان من هنالك \r\n وقال ان الحكمة في ذكر ذلك انه لو اخبر بصعوده الى السماء في بدء الحديث لاشتد انكارهم فلم اخبر ببيت المقدس وبان لهم صدقه فيما اخبرهم به من العلامات الصادقة اخبر بمعراجه \r\n قوله تعالى لنريه من آياتنا يعني ما رأى أي تلك الليلة من العجائب التي اخبر بها الناس انه هو السميع لمقالة قريش البصير بها وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب الحدائق احاديث المعراج وكرهنا الاطالة هاهنا \r\n وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل الا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا ","part":5,"page":5},{"id":2033,"text":" قوله تعالى وآتينا موسى الكتاب لما ذكر في الاية الاولى اكرام محمد صلى الله عليه و سلم ذكر في هذه كرامة موسى والكتاب التوراة وجعلناه هدى لبني اسرائيل أي دللناهم به على الهدى الا تتخذوا قرأ ابو عمرو يتخذوا بالياء والمعنى هديناهم لئلا يتخذوا وقرأ الباقون بالتاء قال ابو علي وهو على الانصراف الى الخطاب بعد الغيبة مثل الحمد لله ثم قال اياك نعبد \r\n قوله تعالى وكيلا قال مجاهد شريكا وقال الزجاج ربا قال ابن الانباري وانما قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشأن عباده من اجل ان الوكيل عند الناس قد علم انه يقوم بشؤون اصحابه وتفقد امورهم فكان الرب وكيلا من هذه الجهة لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط امر الوكيل \r\n قوله تعالى ذرية من حملنا قال مجاهد هو نداء ياذرية من حملنا قال ابن الانباري من قرأ الا تتخذوا بالتاء فانه يقول بعد الذرية مضمر حذف اعتمادا على دلالة ما سبق تلخيصه يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلا ويجوز ان يستغني عن الاضمار بقوله انه كان عبدا شكورا لأنه بمعنى اشكروني كشكره ومن قرأ لا يتخذوا بالياء جعل النداء متصلا بالخطاب والذرية تنتصب بالنداء ويجوز نصبها بالاتخاذ على انها مفعول ثان تلخيص الكلام ان لا يتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا قال قتادة الناس كلهم ذرية من انجى الله في تلك السفينة \r\n قال العلماء ووجه الانعام على الخلق بهذا القول أنهم كانوا في صلب من نجا \r\n قوله تعالى انه كان عبدا شكورا قال سلمان الفارسي كان اذا اكل ","part":5,"page":6},{"id":2034,"text":" قال الحمد لله واذا شرب قال الحمد لله وقال غيره كان اذا لبس ثوبا قال الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا \r\n وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فاذا جاء وعد اولهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم بأموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا \r\n قوله تعالى وقضينا الى بني اسرائيل فيه قولان \r\n احدهما اخبرناهم رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني قضينا عليهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة فعلى الأول تكون الى على اصلها ويكون الكتاب التوراة وعلى الثاني تكون إلى بمعنى على ويكون الكتاب الذكر الاول \r\n قوله تعالى لتفسدن في الارض يعني ارض مصر مرتين بالمعاصي ومخالفة التوراة \r\n وفي من قتلوه من الانبياء في الفساد الاول قولان \r\n أحدهما زكريا قاله السدي عن اشياخه ","part":5,"page":7},{"id":2035,"text":" والثاني شعيا قاله ابن اسحاق فأما المقتول من الانبياء في الفساد الثاني فهو يحيى بن زكريا قال مقاتل كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين فأما السبب في قتلهم زكريا فانهم اتهموه بمريم وقالوا منه حملت فهرب منهم فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب فجاءهم الشيطان فدلهم عليه فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها وأما السبب في قتلهم شعيا فهو انه قام فيهم برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي وقيل هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار وان زكريا مات حتف انفه واما السبب في قتلهم يحيى بن زكريا ففيه قولان \r\n احدهما ان ملكهم اراد نكاح امرأة لا تحل له فنهاه عنها يحيى ثم فيها اربعة أقوال احدها انها ابنة اخيه قال ابن عباس والثاني ابنته قاله عبد الله بن الزبير والثالث انها امرأة أخيه وكان ذلك لا يصلح عندهم قاله الحسين بن علي عليهما السلام والرابع ابنة أمرأته قاله السدي عن اشياخه وذكر ان السبب في ذلك ان ملك بني اسرائيل هوي بنت امرأته فسأل يحيى عن نكاحها فنهاه فحنقت امها على يحيى حين نهاه ان يتزوج ابنتها وعمدت الى ابنتها فزينتها وارسلتها الى الملك حين جلس على شرابه وأمرتها ان تسقيه وان تعرض له فان ارادها على نفسها ابت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست ففعلت ذلك فقال ويحك سليني غير هذا فقالت ما اريد الا هذا فأمر فأتي برأسه والراس يتكلم ويقول لا تحل لك لا تحل لك \r\n والقول الثاني ان امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد اعطي حسنا وجمالا فأرادته على نفسه فأبى فقالت لابنتها سلي اباك رأس يحيى فأعطاها ","part":5,"page":8},{"id":2036,"text":" ما سألت قاله الربيع بن انس قال العلماء بالسير ما زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني اسرائيل سبعون الفا فسكن وقيل لم يسكن حتى جاء قاتله فقال انا قتلته فقتل فسكن \r\n قوله تعالى ولتعلن علوا كبيرا أي لتعظمن عن الطاعة ولتبغن \r\n قوله تعالى فاذا جاء وعد أولاهما أي عقوبة أولى المرتين بعثنا أي ارسلنا عليكم عبادا لنا وفيهم خمسة اقوال \r\n احدها انهم جالوت وجنوده قاله ابن عباس وقتادة والثاني بختنصر قاله سعيد بن المسيب واختاره الفراء والزجاج والثالث العمالقة وكانوا كفارا قاله الحسن والرابع سنحاريب قاله سعيد بن جبير والخامس قوم من اهل فارس قاله مجاهد وقال ابن زيد سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس \r\n قوله تعالى أولي بأس شديد أي ذوي عدد وقوة في القتال \r\n وفي قوله فجاسوا خلال الديار ثلاثة اقوال \r\n احدها مشوا بين منازلهم قاله ابن ابي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد يتجسسون اخبارهم ولم يكن قتال وقال الزجاج طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه والجوس طلب الشيء باستقصاء \r\n والثاني قتلوهم بين بيوتهم قاله الفراء وابو عبيدة ","part":5,"page":9},{"id":2037,"text":" والثالث عاثوا وافسدوا يقال جاسوا وحاسوا فهم يجوسون ويحوسون اذا فعلوا ذلك قاله ابن قتيبة \r\n فأما الخلال فهي جمع خلل وهو الانفراج بين الشيئين وقرأ ابو رزين والحسن وابن جبير وابو المتوكل خلل الديار بفتح الخاء واللام من غير الف وكان وعدا مفعولا أي لا بد من كونه \r\n قوله تعالى ثم رددنا لكم الكرة عليهم أي اظفرناكم بهم والكرة معناها الرجعة والدولة وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم اليهم وحكى القراء ان رجلا دعى على بختنصر فقتله الله وعاد ملكهم اليهم وقيل غزوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى \r\n قوله تعالى وجعلناكم اكثر نفيرا أي اكثر عددا وأنصارا منهم قال ابن قتيبة النفير والنافر واحد كما يقال قدير وقادر واصله من ينفر مع الرجل من عشيرته واهل بيته إن احسنتم احسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فاذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا \r\n قوله تعالى إن احسنتم أي وقلنا لكم ان فأطعتم الله احسنتم لأنفسكم أي عاقبة الطاعة لكم وان أسأتم بالفساد والمعاصي فلها وفيه قولان \r\n أحدهما انه بمعنى فاليها والثاني فعليها \r\n فاذا جاء وعد الاخرة جواب فاذا محذوف تقديره فاذا جاء ","part":5,"page":10},{"id":2038,"text":" وعد عقوبة المرة الاخرة من افسادكم بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم وهذا الفساد الثاني هو قتلهم يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى فرفع وسلط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم فذلك قوله ليسوؤوا وجوهكم قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحفص عن عاصم ليسوؤوا بالياء على الجميع والهمز بين الواوين والإشارة الى المبعوثين وقرأ ابن عامر وحمزة وابو بكر عن عاصم ليسوء وجوهكم على التوحيد قال ابو علي فيه وجهان احدهما ليسوء الله عز و جل والثاني ليسوء البعث وقرأ الكسائي لنسوء بالنون وذلك راجع الى الله تعالى \r\n وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان \r\n أحدهما بختنصر قاله مجاهد وقتادة وكثير من الرواة يأبى هذا القول يقولون كان بين تخريب بختنصر بيت المقدس وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل \r\n والثاني انطياخوس الرومي قاله مقاتل ومعنى ليسوؤوا وجوهكم أي ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم وخصت المساءاة بالوجوه والمراد اصحاب الوجوه لما يبدو عليها من اثر الحزن والكآبة \r\n قوله تعالى وليدخلوا المسجد يعني بيت المقدس كما دخلوه في المرة الأولى وليتبروا أي ليدمروا ويخربوا قال الزجاج يقال لكل شيء ينكسر من الزجاج والحديد والذهب تبر ومعنى ما علوا أي ليدمروا في حال علوهم عليكم \r\n قوله تعالى عسى ربكم ان يرحمكم هذا مما وعدوا به في التوراة وعسى من الله واجبة فرحمهم الله بعد انتقامه منهم وعمر بلادهم واعاد نعمهم ","part":5,"page":11},{"id":2039,"text":" بعد سبعين سنة وان عدتم الى معصيتنا عدنا الى عقوبتكم قال المفسرون ثم إنهم عادوا إلى المعصية نبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارسي والروم قال قتادة ثم كان اخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه و سلم فهم في عذاب الى يوم القيامة فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون \r\n قوله تعالى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا فيه قولان \r\n احدهما سجنا قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وقال مجاهد يحصرون فيها وقال ابو عبيدة وابن قتيبة محبسا وقال الزجاج حصيرا حبسا أخذ من قولك حصرت الرجل اذا حبسته فهو محصور وهذا حصيره أي محبسه والحصير المنسوج سمي حصيرا لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض ويقال للجنب حصير لأن بعض الاضلاع محصور مع بعض وقال ابن الانباري حصيرا بمعنى حاصرة فصرف من حاصرة الى حصير كما صرف مؤلم الى أليم \r\n والثاني فراشا ومهادا قاله الحسن قال أبو عبيدة ويجوز أن تكون جهنم لهم مهادا بمنزلة الحصير والحصير البساط الصغير \r\n إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا كبيرا وان الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما \r\n قوله تعالى ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم قال ابن الانباري التي وصف للجمع والمعنى يهدي الى الخصال التي هي اقوم الخصال قال المفسرون وهي توحيد الله والايمان به وبرسله والعمل بطاعته ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا وهو الجنة وأن ","part":5,"page":12},{"id":2040,"text":" الذين لا يؤمنون بالآخرة أي ويبشرهم بالعذاب لأعدائهم وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين \r\n ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا \r\n قوله تعالى ويدعو الإنسان بالشر وذلك ان الإنسان يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب ان يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير وكان الانسان عجولا يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء بالخير \r\n وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة اقوال \r\n أحدها انه اسم جنس يراد به الناس قاله الزجاج وغيره \r\n والثاني آدم فاكتفى بذكره من ذكر ولده ذكره ابن الأنباري \r\n والثالث انه النضر بن الحارث حين قال فأمطر علينا حجارة من السماء الانفال 32 قاله مقاتل وقال سلمان الفارسي أول ما خلق الله من آدم رأسه فجعل ينظر الى جسده كيف يخلق قال فبقيت رجلاه فقال يا رب عجل فذلك قوله وكان الانسان عجولا \r\n وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ","part":5,"page":13},{"id":2041,"text":" قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين يدلان على قدرة خالقهما فمحونا آية الليل فيه قولان \r\n أحدهما أن آية الليل القمر ومحوها ما في بعض القمر من الاسوداد والى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام وابن عباس في آخرين \r\n والثاني آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل فنسب المحو الى الظلمة اذ كانت تمحو الانوار وتبطلها ذكره ابن الانباري ويروى ان الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء \r\n قوله تعالى وجعلنا آية النهار يعني الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها منيرة قاله قتادة قال ابن الانباري وانما صلح وصف الاية بالابصار على جهة المجاز كما يقال لعب الدهر ببني فلان \r\n والثاني ان معنى مبصرة مبصرا بها قاله ابن قتيبة \r\n والثالث ان معنى مبصرة مبصرة فجرى مفعل مجرى مفعل والمعنى انها تبصر الناس أي تريهم الأشياء قاله ابن الأنباري ومعاني الأقوال تتقارب \r\n قوله تعالى لتبتغوا فضلا من ربكم أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار ولتعلموا عدد السنين والحساب بمحو آية الليل ولولا ذلك لم يعرف الليل من النهار ولم يتبين العدد وكل شيء أي ما يحتاج اليه فصلناه تفصيلا بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره ","part":5,"page":14},{"id":2042,"text":" وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقه منشورا إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا \r\n قوله تعالى وكل انسان وقرأ ابن ابي عبلة وكل برفع اللام وقرأ ابن مسعود وأبي والحسن ألزمناه طيره بياء ساكنة من غير الف \r\n وفي الطائر أربعة أقوال \r\n أحدها شقاوته وسعادته قاله ابو صالح عن ابن عباس قال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي او سعيد \r\n والثاني عمله قاله الفراء وعن الحسن كالقولين \r\n والثالث انه ما يصيبه قاله خصيف وقال ابو عبيدة حظه \r\n قال ابن قتيبة والمعنى فيما أرى والله اعلم ان لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله عليه فهو لازم عنقه والعرب تقول لكل ما لزم الانسان قد لزم عنقه وهذا لك علي وفي عنقي حتى اخرج منه وانما قيل للحظ من الخير والشر طائر لقول العرب جرى له الطائر بكذا من الخير وجرى له الطائر بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة فخاطبهم الله بما يستعملون واعلمهم ان ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو الذي يلزمه أعناقهم \r\n وقال الازهري الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم اجمعين وقضى سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فصار لكل منهم ما هو صائر اليه عند خلقه وانشائه فذلك قوله الزمناه طائره في عنقه \r\n والرابع انه ما يتطير من مثله من شيء عمله وذكر العنق عبارة عن اللزوم ","part":5,"page":15},{"id":2043,"text":" له كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس هذا قول الزجاج وقال ابن الانباري الاصل في تسميتهم العمل طائرا انهم كانوا يتطيرون من بعض الاعمال \r\n قوله تعالى ونخرج له قرأ ابو جعفر ويخرج بياء مضمومة وفتح الراء وقرأ يعقوب وعبد الوارث بالياء مفتوحة وضم الراء وقرأ قتادة وابو المتوكل ويخرج بياء مرفوعة وكسر الراء وقرأ أبو الجوزاء والأعرج وتخرج بتاء مفتوحة ورفع الراء يوم القيامة كتابا وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك كتاب بالرفع يلقاه وقرأ ابن عامر وابو جعفر يلقاه بضم الياء وتشديد القاف وامال حمزة والكسائي القاف قال المفسرون هذا كتابه الذي فيه ما عمل وكان ابو السوار العدوي اذا قرأ هذه الآية قال نشرتان وطية اما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة فأمل فيها ما شئت فاذا مت طويت ثم اذا بعثت نشرت \r\n قوله تعالى اقرأ كتابك وقرأ ابو جعفر اقرأ بتخفيف الهمزة وفيه اضمار تقديره فيقال له اقرأ كتابك قال الحسن يقرؤه أميا كان او غير أمي ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك \r\n وفي معنى حسيبا ثلاثة اقوال \r\n احدها محاسبا والثاني شاهدا والثالث كافيا والمعنى ان الانسان يفوض اليه حسابه ليعلم عدل الله بين العباد ويرى وجوب حجة الله عليه واستحقاقه العقوبة ويعلم انه ان دخل الجنة فبفضل الله لا بعمله وان دخل النار فبذنبه قال ابن الانباري وانما قال حسيبا والنفس مؤنثة لأنه يعني بالنفس الشخص أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس فشبهت ","part":5,"page":16},{"id":2044,"text":" بالسماء والارض قال تعالى السماء منفطر به المزمل 18 قال الشاعر ... فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض ابقل ابقالها ... من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا \r\n قوله تعالى من اهتدى فانما يهتدي لنفسه أي له ثواب اهتدائه وعليه عقاب ضلاله \r\n قوله تعالى ولا تزر وازرة أي نفس وازرة وزر اخرى قال ابن عباس ان الوليد بن المغير قال اتبعوني وانا احمل اوزاركم فقال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر اخرى قال ابو عبيدة والمعنى ولا تأثم آثمة إثم أخرى قال الزجاج يقال وزر يزر فهو وازر وزرا ووزرا ووزرة ومعناه اثم إثما \r\n وفي تأويل هذه الآية وجهان \r\n أحدهما أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره \r\n والثاني أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم لأن غيره عمله كما ","part":5,"page":17},{"id":2045,"text":" قال الكفار انا وجدنا آباءنا على امة الزخرف22 ومعنى حتى نبعث رسولا أي حتى نبين ما به نعذب وما من اجله ندخل الجنة \r\n فصل \r\n قال القاضي ابو يعلى في هذا دليل على ان معرفة الله لا تجب عقلا وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار قال وقيل معناه انه لا يعذب في ما طريقه السمع الا بقيام حجة السمع من جهة الرسول ولهذا قالوا لو أسلم بعض اهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها لم يلزمه قضاء شيء منها لأنها لم تلزمه إلا بعد قيام حجة السمع والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا الى الكعبة ولم يستأنفوا ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة فالواجب عليه القضاء لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء اليها \r\n واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم اهكلنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا \r\n قوله تعالى واذا اردنا ان نهلك قرية في سبب ارادته لذلك قولان \r\n احدهما ما سبق لهم في قضائه من الشقاء والثاني عنادهم الانبياء وتكذيبهم اياهم \r\n قوله تعالى امرنا مترفيها قرأ الاكثرون أمرنا مخففة على وزن فعلنا وفيها ثلاثة اقوال ","part":5,"page":18},{"id":2046,"text":" احدها انه من الأمر وفي الكلام اضمار تقديره امرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا هذا مذهب سعيد بن جبير قال الزجاج ومثله في الكلام امرتك فعصيتني فقد علم ان المعصية مخالفة الأمر \r\n والثاني كثرنا يقال أمرت الشيء وآمرته أي كثرته ومنه قولهم مهرة مأمورة أي كثيرة النتاج يقال أمر بنو فلان يأمرون أمرا اذا كثروا هذا قول ابي عبيدة وابن قتيبة \r\n والثالث ان معنى امرنا امرنا يقال امرت الرجل بمعنى امرته والمعنى سلطنا مترفيها بالإمارة ذكره ابن الانباري وروى خارجة عن نافع أمرنا ممدودة مثل آمنا وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير وهي قراءة ابن عباس وابي الدرداء وابي رزين والحسن والضحاك ويعقوب قال ابن قتيبة وهي اللغة العالية المشهورة ومعناه كثرنا ايضا وروى ابن مجاهد ان أبا عمرو قرأ امرنا مشددة الميم وهي رواية أبان عن عاصم وهي قراءة ابي العالية والنخعي والجحدري قال ابن قتيبة المعنى جعلناهم أمراء وقرأ ابو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر أمرنا بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة فأما المترفون فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش والمفسرون يقولون هم الجبارون والمسلطون والملوك وانما خص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع لهم \r\n قوله تعالى ففسقوا فيها أي تمردوا في كفرهم لأن الفسق في الكفر الخروج الى افحشه وقد شرحنا معنى الفسق في البقرة \r\n قوله تعالى فحق عليها القول قال مقاتل وجب عليها العذاب وقد ذكرنا معنى التدمير في الاعراف 137 ","part":5,"page":19},{"id":2047,"text":" قوله تعالى وكم اهلكنا من القرون وهو جمع قرن وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في الانعام 6 وشرحنا معنى الخبير والبصير في البقرة قال مقاتل وهذه الاية تخويف لأهل مكة \r\n من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا \r\n قوله تعالى من كان يريد العاجلة يعني من كان يريد بعمله الدنيا فعبر بالنعت عن الاسم عجلنا له فيها ما نشاء من عرض الدنيا وقيل من البسط والتقتير لمن نريد فيه قولان \r\n أحدهما لمن نريد هلكته قاله ابو اسحاق الفزاري \r\n والثاني لمن نريد ان نعجل له شيئا وفي هذا ذم لمن اراد بعمله الدنيا وبيان انه لا ينال مع ما يقصده منها الا ما قدر له ثم يدخل النار في الاخرة وقال ابن جرير هذه الاية لمن لا يوقن بالمعاد وقد ذكرنا معنى جنهم في البقرة 206 ومعنى يصلاها في سورة النساء 10 ومعنى مذموما مدحورا في الاعراف 18 \r\n قوله تعالى ومن اراد الاخرة يعني الجنة وسعى لها سعيها أي عمل لها العمل الذي يصلح لها وانما قال وهو مؤمن لأن الايمان شرط في صحة الاعمال فأولئك كان سعيهم مشكورا أي مقبولا وشكر الله عز و جل لهم ثوابه إياهم وثناؤه عليهم \r\n كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ","part":5,"page":20},{"id":2048,"text":" اكبر درجات واكبر تفضيلا لا تجعل مع الله الها آخر فتقعد مذموما مخذولا \r\n قوله تعالى كلا نمد هؤلاء قال الزجاج كلا منصوب ب نمد هؤلاء بدل من كل والمعنى نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك قال المفسرون كلا نعطي من الدنيا البر والفاجر والعطاء هاهنا الرزق والمحظور الممنوع والمعنى ان الرزق يعم المؤمن والكافر والآخرة للمتقين خاصة أنظر يا محمد كيف فضلنا بعضهم على بعض وفيما وفضلوا فيه قولان \r\n أحدهما الرزق منهم مقل ومنهم مكثر \r\n والثاني الرزق والعمل فمنهم موفق لعمل صالح ومنهم ممنوع من ذلك \r\n قوله تعالى لا تجعل مع الله الها اخر الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمعنى عام لجميع المكلفين والمخذول الذي لا ناصر له والخذلان ترك العون قال مقاتل نزلت حين دعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم الى ملة آبائه \r\n وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للأوابين غفورا \r\n قوله تعالى وقضى ربك روى ابن ابي طلحة عن ابن عباس قال امر ربك ونقل عنه الضحاك انه قال انما هي ووصى ربك فالتصقت احدى ","part":5,"page":21},{"id":2049,"text":" الواوين ب الصاد وكذلك قرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وسعيد ابن جبير ووصى وهذا علىخلاف ما انعقد عليه الاجماع فلا يلتفت اليه وقرأ ابو عمران وعاصم الجحدري ومعاذ القارئ وقضاء ربك بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب قال ابن الانباري هذا القضاء من باب الحتم والوجوب لكنه من باب الامر والفرض وأصل القضاء في اللغة قطع الشيء باحكام واتقان قال الشاعر يرثي عمر ... قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في اكمامها لم تفتق ... \r\n اراد قطعتها محكما لها \r\n قوله تعالى وبالوالدين احسانا أي وأمر بالوالدين إحسانا وهوالبر والإكرام وقد ذكرنا هذا في البقرة 83 \r\n قوله تعالى إما يبلغن قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يبلغن على التوحيد وقرأ حمزة والكسائي وخلف يبلغان ","part":5,"page":22},{"id":2050,"text":" على التثنية قال الفراء جعلت يبلغن فعلا لأحدهما وكرت عليهما كلاهما ومن قرا يبلغان فانه ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا فصار الفعل على عددهما ثم قال أحدهما أو كلاهما على الاستئناف كقوله فعموا وصموا المائدة 71 ثم استأنف فقال كثير منهم \r\n قوله تعالى فلا تقل لهما اف قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم أف بالكسر من غير تنوين وقرا ابن كثير وابن عامر ويعقوب والمفضل اف بالفتح من غير تنوين وقرأ نافع وحفص عن عاصم أن بالكسر والتنوين وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر أف بالرفع والتنوين وتشديد الفاء وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وحميد بن قيس أفا مثل تعسا وقرأ ابو عمران الجوني وأبو السماك العدوي أف بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء وهي رواية الاصمعي عن ابي عمرو وقرأ عكرمة وابو المتوكل وابو رجاء وابو الجوزاء اف باسكان الفاء وتخفيفها قال الاخفش وهذا لأن بعض العرب يقول اف لك على الحكاية والرفع قبيح لأنه لم يجيء بعده لام وقرأ ابو العالية وابو حصين الاسدي افي بتشديد الفاء وياء وروى ابن الانباري ان بعضهم قرأها إف بكسر الهمزة وقال الزجاج فيها سبع لغات الكسر بلا تنوين وبتنوين والضم بلا تنوين وبتنوين والفتح بلا تنوين وبتنوين واللغة السابعة لا تجوز في القراءة أفي بالياء هكذا قال الزجاج وقال ابن الانباري في أف عشرة أوجه أف لك بفتح الفاء وأف بكسرها وأف وأفا لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء ","part":5,"page":23},{"id":2051,"text":" كما تقول ويلا للكافرين و أف لك بالرفع والتنوين وهو رفع باللام كقوله تعالى ويل للمطففين المطففون1 وأفه لك بالخفض والتنوين تشبيها بالأصوات كقولك صه ومه وأفهأ لك على مذهب الدعاء ايضا وأفي لك على الإضافة الى النفس وأف لك بسكون الفاء تشبيها بالأدوات مثل كم وهل وبل وإف لك بكسر الألف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال وتقول أف منه وأف وأف وأف وأفا وأف و أفي مضاف وأفها وأفا بالألف ولا تقل أفي بالياء فانه خطأ \r\n فأما معنى أف ففيه خمسة اقوال \r\n أحدها انه وسخ الظفر قاله الخليل والثاني وسخ الأذن قاله الاصمعي والثالث قلامة الظفر قاله ثعلب والرابع ان الأف الاحتقار والاستصغار من الأفف والأفف عند العرب القلة ذكره ابن الأنباري والخامس ان الأف ما رفعته من الأرض من عود او قصبة حكاه ابن فارس اللغوي وقرأت على شيخنا أبي منصور قال معنى الأف النتن والتضجر وأصلها نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد وللمكان تريد اماطة الأذى عنه فقيلت لكل مستثقل قال المصنف واما قولهم تف فقد جعلها قوم بمعنى أف فروي عن أبي عبيد أنه قال اصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وحكى ابن الأنباري فرقا قال اللغويون أصل الأف في اللغة وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر فيهه وحكى الزجاج فرقا آخر فقال قد ","part":5,"page":24},{"id":2052,"text":" قيل إن أف وسخ الأظفار والتف الشيء الحقير نحو وسخ الأذن او الشظية تؤخذ من الارض ومعنى أف النتن ومعنى الآية لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما اذا كبرا وأسنا فينبغي ان تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك ولا تنهرهما أي لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما وقال عطاء بن ابي رباح لا تنقضي يدك عليهما يقال نهرته انهره نهرا وانتهرته انتهارا بمعنى واحد وقال ابن فارس نهرت الرجل وانتهرته مثل زجرته قال المفسرون وانما نهى عن اذاهما في الكبر وإن كان منهيا عنه على كل حالة لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي وتكثر خدمتهما \r\n قوله تعالى وقل لهما قولا كريما أي لينا لطيفا أحسن ما تجد وقال سعيد بن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ \r\n قوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما وخفض الجناح قد شرحناه في الحجر 88 قال عطاء جناحك يداك فلا ترفعهما على والديك والجمهور يضمون الذال من الذل وقرا ابو رزين والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وعاصم الجحدري وابن ابي عبلة بكسر الذال قال الفراء الذل ان تتذلل لهما من الذل والذل أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة والذل والذلة مصدر الذليل والذل بالكسر مصدر الذلول مثل الدابة والأرض قال ابن الانباري من قرأ الذل بكسر الذال جعله بمعنى الذل بضم الذال والذي عليه كبراء اهل اللغة ان الذل من الرجل الذليل والذل من الدابة الذلول \r\n قوله تعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي مثل رحمتهما إياي في ","part":5,"page":25},{"id":2053,"text":" صغري حتى ربياني وقد ذهب قوم الى ان هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين التوبة 113 وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومقاتل قال المصنف ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء لأنه عام دخله التخصيص وقد ذكر قريبا مما قلته ابن جرير \r\n قوله تعالى ربكم اعلم بما في نفوسكم أي بما تضمرون من البر والعقوق فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق غفر له ذلك وهو قوله ان تكونوا صالحين أي طائعين لله وقيل بارين وقيل توابين فانه كان للأوابين غفورا في الأواب عشرة أقوال \r\n أحدها انه المسلم رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني انه التواب رواه ابو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وابو عبيدة وقال ابن قتيبة هو التائب مرة بعد مرة وقال الزجاج هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه يقال قد آب يؤوب أوبا اذا رجع \r\n والثالث انه المسبح رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والرابع انه المطيع لله تعالى رواه علي بن ابي طلحة عن ابن عباس \r\n والخامس انه الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله منه قاله عبيد بن عمير \r\n والسادس انه المقبل الى الله تعالى بقلبه وعمله قاله الحسن \r\n والسابع المصلي قاله قتادة \r\n والثامن هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء قاله ابن المنكدر ","part":5,"page":26},{"id":2054,"text":" والتاسع الذي يصلي صلاة الضحى قاله عون العقيلي \r\n والعاشر انه الذي يذنب سرا ويتوب سرا قاله السدي \r\n وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان ربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا \r\n قوله تعالى وآت ذا القربى حقه فيه قولان \r\n احدهما انه قرابة الرجل من قبل ابيه وامه قاله ابن عباس والحسن فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال احدها ان المراد به برهم وصلتهم والثاني النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة والثالث الوصية لهم عند الوفاة \r\n والثاني انهم قرابة الرسول قال علي بن الحسين عليهما السلام والسدي فعلى هذا يكون حقهم إعطاؤهم من الخمس ويكون الخطاب للولاة \r\n قوله تعالى والمسكين وابن السبيل قال القاضي ابو يعلى يجوز ان يكون المراد الصدقات الواجبة يعني الزكاة ويجوز ان يكون الحق الذي يلزمه اعطاؤه عند الضرور اليه وقيل حق المسكين من الصدقة وابن السبيل من الضيافة \r\n قوله تعالى ولا تبذر تبذيرا في التبذير قولان \r\n أحدهما انه انفاق المال في غير حق قاله ابن مسعود وابن ","part":5,"page":27},{"id":2055,"text":" عباس وقال مجاهد لو انفق الرجل ماله كله في حق ما كان مبذرا ولو انفق مدا في غير حق كان مبذرا قال الزجاج التبذير النفقة في غير طاعة الله وكانت الجاهلية تنحر الابل وتبذر الاموال تطلب بذلك الفخر والسمعة فأمر الله عز و جل بالنفقة في وجهها فيما يقرب منه \r\n والثاني انه الإسراف المتلف للمال ذكره الماوردي وقال ابو عبيدة المبذر هو المسرف المفسد العائث \r\n قوله تعالى ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم اليه ويشاكلونهم في معصية الله وكان الشيطان لربه كفورا أي جاحدا لنعمه وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم \r\n قوله تعالى واما تعرضن عنهم في المشار اليهم اربعة اقوال \r\n احدها انهم الذين تقدم ذكرهم من الاقارب والمساكين وابناء السبيل قاله الاكثرون فعلى هذا في علة هذا الاعراض قولان احدهما الاعسار قاله الجمهور والثاني خوف انفاقهم ذلك في معصية الله قاله ابن زيد وعلى هذا في الرحمة قولان احدهما الرزق قاله الاكثرون والثاني انه الصلاح والتوبة هذا على قول ابن زيد \r\n والثاني انهم المشركون فالمعنى واما تعرضن عنهم لتكذيبهم قاله سعيد بن جبير فتحتمل اذا الرحمة وجهين احدهما انتظار النصر عليهم والثاني الهداية لهم \r\n والثالث انهم ناس من مزينة جاؤوا يستحملون رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا اجد ما أحملكم عليه فبكوا فنزلت هذه الاية قاله عطاء الخراساني ","part":5,"page":28},{"id":2056,"text":" والرابع انها نزلت في خباب وبلال وعمار ومهجع ونحوهم من الفقراء كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يجد ما يعطيهم فيعرض عنهم ويسكت قاله مقاتل فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرزق \r\n قوله تعالى فقل لهم قولا ميسورا قال ابو عبيدة لينا هينا وهو من اليسر وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال \r\n احدها انه العدة الحسنة قاله ابن عباس والحسن ومجاهد \r\n والثاني انه القول الجميل مثل ان يقول رزقنا الله واياك قاله ابن زيد وهذا على ما تقدم من قوله \r\n والثالث انه المداراة لهم باللسان على قول من قال هم المشركون قاله ابو سليمان الدمشقي وعلى هذا القول تحتمل الآية النسخ \r\n ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر انه كان بعباده خبيرا بصيرا ولا تقتلو اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطأ كبيرا \r\n قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك سبب نزولها ان غلاما جاء الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ان امي تسألك كذا وكذا قال ما عندنا اليوم شيء قال فتقول لك اكسني قميصك قال فخلع قميصه فدفعه اليه وجلس في البيت حاسرا فنزلت هذه الاية قاله ابن مسعود وروى جابر ","part":5,"page":29},{"id":2057,"text":" ابن عبد الله نحو هذا فزاد فيه فأذن بلال للصلاة وانتظروه فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه بعضهم فرأوه عريانا فنزلت هذه الاية والمعنى لا تمسك يدك عن البذل كل الامساك حتى كأنها مقبوضة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط في الاعطاء والنفقة فتقعد ملوما تولم تلوم نفسك ويلومك الناس محسورا قال ابن قتيبة تحسرك العطية وتقطعك كما يحسر السفر البعير فيبقى منقطعا به قال الزجاج المحسور الذي قد بلغ الغاية في التعب والإعياء فالمعنى فتقعد وقد بلغت في الحمل على نفسك وحالك حتى صرت بمنزلة من قد حسر قال القاضي ابو يعلى وهذا الخطاب اريد به غير رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون فلم ينههم الله لصحة يقينهم وانما نهى من خيف عليه التحسر على ما خرج من يده فأما من وثق بوعد الله تعالى فهو غير مراد بالاية \r\n قوله تعالى ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يوسع على من يشاء ويضيق انه كان بعباده خبيرا بصيرا حيث أجرى أرزاقهم على ما علم فيه صلاحهم \r\n قوله تعالى ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق قد فسرناه في الانعام 151 \r\n قوله تعالى كان خطءا كبيرا قرأ نافع وابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خطءا مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة وقرأ ابن كثير وعطاء خطاء مكسورة الخاء ممدودة مهموزة وقرأ ابن عامر خطأ بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مد وقرأ ابو رزين كذلك إلا ","part":5,"page":30},{"id":2058,"text":" أنه مد وقرأ الحسن وقتادة خطءا بفتح الخاء وسكون الطاء مهموز مقصور وقرأ الزهري وحميد بن قيس خطا بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مد قال الفراء الخطء الإثم وقد يكون في معنى خطأ كما قالوا قتب وقتب وحذر وحذر ونجس ونجس والخط والخطاء والخطاء ممدود لغات وقال أبو عبيده خطئت وأخطأت لغتان وقال ابو علي قراءة ابن كثير خطاء يجوز أن تكون مصدر خاطأ وان لم يسمع خاطأ ولكن قد جاء ما يدل عليه انشد ابو عبيدة \r\n الخطء والخطء والخطاء \r\n وقال الاخفش خطئ يخطأ بمعنى أذنب وليس بمعنى أخطأ لأن اخطأ فيما لم يصنعه عمدا تقول فيما اتيته عمدا خطئت وفيما لم تتعمده أخطأت وقال ابن الانباري الخطء الإثم يقال قد خطئ يخطأ إذا أثم وأخطأ يخطئ إذا فارق الصواب وقد شرحنا هذا في يوسف 91 عند قوله وان كنا لخاطئين \r\n ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا \r\n قوله تعالى ولا تقربوا الزنا وقرأ ابو رزين وابو الجوزاء والحسن بالمد قال ابو عبيدة وقد يمد الزنا في كلام اهل نجد قال الفرزدق ... ابا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا ","part":5,"page":31},{"id":2059,"text":" وقال ايضا ... أخضبت فعلك للزناء ولم تكن ... يوم اللقاء لتخضب الأبطالا ... \r\n وقال اخر ... كانت فريضة ما نقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم ... \r\n قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قد ذكرناه في الانعام 151 \r\n قوله تعالى فقد جعلنا قال الزجاج الأجود إدغام الدال مع الجيم والإظهار جيد بالغ إلا أن الجيم من وسط اللسان والدال من طرف اللسان والإدغام جائز لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان ووليه الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه فان لم يكن له ولي فالسلطان وليه \r\n وللمفسرين في السلطان قولان \r\n احدهما انه الحجة قاله ابن عباس والثاني انه الوالي والمعنى فقد جعلنا لوليه سلطانا ينصره وينصفه في حقه قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى فلا يسرف في القتل قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم فلا يسرف بالياء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء \r\n وفي المشار اليه في الاية قولان ","part":5,"page":32},{"id":2060,"text":" احدهما انه ولي المقتول وفي المراد باسرافه خمسة اقوال احدها ان يقتل غير القاتل قاله بن عباس والحسن والثاني أن يقتل اثنين بواحد قاله سعيد بن بن جبير والثالث ان يقتل اشرف من الذي قتل قاله ابن زيد والرابع ان يمثل قاله قتادة والخامس ان يتولى هو قتل القاتل دون السلطان ذكره الزجاج \r\n والثاني ان الإشارة الى القاتل الأول والمعنى فلا يسرف القاتل بالقتل تعديا وظلما قاله مجاهد \r\n قوله تعالى انه كان منصورا أي معانا عليه \r\n وفي هاء الكناية اربعة اقوال \r\n احدها انها ترجع إلى الولي فالمعنى انه كان منصورا بتمكينه من القود قال قتادة والجمهور \r\n والثاني انها ترجع الى المقتول فالمعنى انه كان منصورا بقتل قاتله قاله مجاهد \r\n والثالث انها ترجع الى الدم فالمعنى ان دم المقتول كان منصورا أي مطلوبا به \r\n والرابع انها ترجع الى القتل ذكر القولين الفراء \r\n ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن ","part":5,"page":33},{"id":2061,"text":" تأويلا ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا \r\n قوله تعالى ولا تقربوا ما ل اليتيم قد شرحناه في الانعام 152 \r\n قوله تعالى وأوفوا بالعهد وهو عام فيما بين العبد وبين ربه وفيما بينه وبين الناس قال الزجاج كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد \r\n قوله تعالى كان مسؤولا قال ابن قتيبة أي مسؤولا عنه \r\n قوله تعالى وأوفوا الكيل اذا كلتم أي أتموه ولا تبخسوا منه \r\n قوله تعالى وزنوا بالقسطاس فيه خمس لغات أحدها قسطاس بضم القاف وسينين وهذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبن عامر وأبي بكر عن عاصم هاهنا وفي الشعراء 182 والثانية كذلك إلا أن القاف مكسورة وهذه قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال الفراء هما لغتان والثالثة قصطاص بصادين والرابعة قصطاس بصاد قبل الطاء وسين بعدها وهاتان مرويتان عن حمزة والخامسة قسطان بالنون قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال القسطاس الميزان رومي معرب ويقال قسطاس و قسطاس \r\n قوله تعالى ذلك خير أي ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب اليه وأحسن تأويلا أي عاقبة في الجزاء \r\n قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم قال الفراء أصل تقف من القيافة وهي تتبع الأثر وفيه لغتان قفا يقفو وقاف يقوف واكثر القراء يجعلونها من قفوت فيحرك الفاء الى الواو ويجزم القاف كما تقول لا تدع وقرأ معاذ القارىء لا تقف مثل تقل والعرب ","part":5,"page":34},{"id":2062,"text":" تقول قفت أثره وقفوت ومثله عاث وعثا وقاع الجمل الناقة وقعاها اذا ركبها قال الزجاج من قرأ باسكان الفاء وضم القاف من قاف يقوف فكأنه مقلوب من قفا يقفو والمعنى واحد تقول قفوت الشيء أقفوه قفوا إذا تبعت أثره وقال ابن قتيبة لا تقف أي لا تتبعه الظنون والحدس وهو من القفاء مأخوذ كأنك تقفوا الأمور أي تكون في أقفائها وأواخرها تتعقبها والقائف الذي يعرف الآثار ويتبعها فكأنه مقلوب عن القافي \r\n وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال \r\n أحدها لا ترم أحدا بما ليس لك به علم رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني لا تقل رأيت ولم تر ولا سمعت ولم تسمع رواه عثمان بن عطاء عن ابيه ابن عباس وبه قال قتادة \r\n والثالث لا تشرك بالله شيئا رواه عطاء أيضا عن ابن عباس \r\n والرابع لا تشهد بالزور قاله محمد بن الحنفية \r\n قوله تعالى ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك قال الزجاج إنما قال كل ثم قال كان لأن كلا في لفظ الواحد وإنما قال أولئك لغير الناس لأن كل جمع أشرت اليه من الناس وغيرهم من الموات تشير اليه بلفظ أولئك قال جرير ... ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام ... \r\n قال المفسرون الإشارة الى الجوارح المذكورة يسأل العبد يوم القيامة فيما اذا ","part":5,"page":35},{"id":2063,"text":" استعملها وفي هذا زجر عن النظر الى ما لا يحل والاستماع الى ما يحرم والعزم على مالا يجوز \r\n ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله الها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا \r\n قوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا وقرأ الضحاك وابن يعمر مرحا بكسر الراء قال الأخفش والكسر أجود لأن مرحا اسم الفاعل قال الزجاج وكلاهما في الجودة سواء غير أن المصدر أوكد في الاستعمال تقول جاء زيد ركضا وجاء زيد راكضا ف ركضا أوكد في الاستعمال لأنه يدل على توكيد الفعل وتأويل الاية لا تمش في الأرض مختالا فخورا والمرح الأشر والبطر وقال ابن فارس المرح شدة الفرح \r\n قوله تعالى إنك لن تخرق الأرض فيه قولان \r\n أحدهما لن تقطعها إلى آخرها والثاني لن تنفذها وتنقبها قال ابن عباس لن تخرق الأرض بكبرك ولن تبلغ الجبال طولا بعظمتك قال ابن قتيبة والمعنى لا ينبغي للعاجز ان يبذخ ويستكبر \r\n قوله تعالى كل ذلك كان سيئه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سيئه منونا غير مضاف على معنى كان خطيئة فعلى هذا يكون قوله كل ذلك إشارة الى المنهي عنه من المذكور فقط وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي سيئه مضافا مذكرا فتكون لفظة كل يشار بها الى سائر ما تقدم ذكره وكان ابو عمرو لا يرى هذه القراءة قال الزجاج ","part":5,"page":36},{"id":2064,"text":" وهذا غلط من أبي عمرو لأن في هذه الأقاصيص سيئا وحسنا وذلك أن فيها الامر ببر الوالدين وإيتاء ذي القربى والوفاء بالعهد ونحو ذلك فهذه القراءة أحسن من قراءة من نصب السيئة وكذلك قال أبو عبيدة تدبرت الآيات من قوله تعالى وقضى ربك فوجدت فيها أمورا حسنة وقال أبو علي من قرأ سيئة رأى أن الكلام انقطع عند قوله وأحسن تأويلا وأن قوله ولا تقف لا حسن فيه \r\n قوله تعالى ذلك مما أوحى اليك ربك يشير الى ما تقدم من الفرائض والسنن من الحكمة أي من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير وقد سبق معنى المدحور الاعراف 18 \r\n أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما \r\n قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين قال مقاتل نزلت في مشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الرحمن وقال ابو عبيدة ومعنى أفأصفاكم اختصكم وقال المفضل أخلصكم وقال الزجاج أختار لكم صفوة الشيء وهذا توبيخ للكفار والمعنى أختار لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه فاختصكم بالأعلى وجعل لنفسه الأدون \r\n ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا \r\n قوله تعالى ولقد صرفنا معنى التصريف هاهنا التبيين وذلك انه ","part":5,"page":37},{"id":2065,"text":" إنما يصرف القول ليبين وقال ابن قتيبة صرفنا بمعنى وجهنا وهو من قولك صرفت إليك كذا أي عدلت به اليك كذا وشدد للتكثير كما تقول فتحت الأبواب \r\n قوله تعالى ليذكروا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ليذكروا مشدد وقرأ حمزة والكسائي وخلف ليذكروا مخفف وكذلك قرؤوا في الفرقان 50 والتذكر الاتعاظ والتدبر وما يزيدهم تصريفنا وتذكيرنا إلا نفورا قال ابن عباس ينفرون من الحق ويتبعون الباطل \r\n قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا \r\n قوله تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون قرأ نافع وأبو عمرو وأبن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم تقولون بالتاء وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم يقولون بالياء \r\n قوله تعالى إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا فيه قولان \r\n أحدهما لابتغوا سبيلا الى ممانعته وإزالة ملكه قاله الحسن وسعيد بن جبير \r\n والثاني لابتغوا سبيلا الى رضاه لأنهم دونه قاله قتادة \r\n قوله تعالى عما يقولون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر وحفص عن عاصم يقولون بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء ","part":5,"page":38},{"id":2066,"text":" قوله تعالى تسبح له السموات السبع قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم تسبح بالتاء وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يسبح بالياء قال الفراء وإنما حسنت الياء هاهنا لأنه عدد قليل وإذا قل العدد من المؤنث والمذكر كانت الياء فيه أحسن من التاء قال عز و جل في المؤنث القليل وقال نسوة يوسف 30 وقال في المذكر فاذا انسلخ الاشهر الحرم التوبه 5 قال العلماء والمراد بهذا التسبيح الدلالة على أنه الخالق القادر \r\n قوله تعالى وإن من شيء الا يسبح بحمده إن بمعنى ما وهل هذا على إطلاقه ام لا فيه قولان \r\n أحدهما أنه على إطلاقه فكل شيء يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير الباب قاله إبراهيم النخعي \r\n والثاني انه عام يراد به الخاص ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كل شيء فيه الروح قاله الحسن وقتادة والضحاك والثاني أنه كل ذي روح وكل نام من شجر أو نبات قال عكرمة الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان فقيل له أيسبح هذا الخوان فقال قد كان يسبح مرة والثالث أنه كل شيء لم يغير عن حاله فاذا تغير انقطع تسبيحه روى خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب قال إن التراب ليسبح ما لم يبتل فاذا ابتل ترك التسبيح وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فاذا سقطت تركت التسبيح وان الثوب ليسبح ما دام جديدا فاذا توسخ ترك التسبيح ","part":5,"page":39},{"id":2067,"text":" فأما تسبيح الحيوان الناطق فمعلوم وتسبيح الحيوان غير الناطق فجائز ان يكون بصوته وجائز ان يكون بدلالته على صانعه \r\n وفي تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه تسبيح لا يعلمه الا الله والثاني أنه خضوعه وخشوعه لله والثالث أنه دلالته على صانعه فيوجب ذلك تسبيح مبصره فان قلنا إنه تسبيح حقيقة كان قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم لجميع الخلق وإن قلنا إنه دلالته على صانعه كان الخطاب للكفار لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون وقد شرحنا معنى الحليم و الغفور في البقرة 225 \r\n وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ل يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا وقالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتا ءإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة او حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم الا قليلا \r\n قوله تعالى حجابا مستورا فيه ثلاثة أقوال \r\n احدها ان الحجاب هو الأكنة على قلوبهم قاله قتادة ","part":5,"page":40},{"id":2068,"text":" والثاني أنه حجاب يستره فلا ترونه وقيل إنها نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرأ القرآن قال الكلبي وهم أبو سفيان والنضر ابن الحارث وابو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب فحجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه \r\n والثالث انه منع الله عز و جل إياهم عن أذاه حكاه الزجاج \r\n وفي معنى مستورا قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى ساتر قال الزجاج وهذا قول أهل اللغة قال الأخفش وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول كما تقول إنك مشؤوم علينا وميمون علينا وإنما هو شائم ويامن لأنه من شأمهم ويمنهم \r\n والثاني أن المعنى حجابا مستورا عنكم لا ترونه ذكره الماوردي وقال ابن الأنباري إذا قيل الحجاب هو الطبع على قلوبهم فهو مستور عن الأبصار فيكون مستورا باقيا على لفظه \r\n قوله تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه قد شرحناه في الأنعام 25 \r\n قوله تعالى وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو لقرآن ولوا على أدبارهم قال ابو عبيدة أي على أعقابهم نفورا وهو جمع نافر بمنزلة قاعد وقعود وجالس وجلوس وقال الزجاج تحتمل مذهبين أحدهما المصدر فيكون المعنى ولوا نافرين نفورا والثاني ان يكون نفورا جمع نافر \r\n وفي المشار اليهم قولان أحدهما أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني انهم المشركون وهذا مذهب ابن زيد \r\n قوله تعالى نحن أعلم بما يستمعون به قال المفسرون أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":5,"page":41},{"id":2069,"text":" عليا عليه السلام ان يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ عليهم القرآن ودعاهم الى التوحيد وكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم هو ساحر هو مسحور فنزلت هذه الآية نحن أعلم بما يستمعون به أي يستمعونه والباء زائدة إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى قال أبو عبيدة هي مصدر من ناجيت واسم منها فوصف القوم بها والعرب تفعل ذلك كقولهم انما هو عذاب وانتم غم فجاءت في موضع متناجين وقال الزجاج والمعنى وإذ هم ذوو نجوى وكانوا يستمعون من رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقولون بينهم هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول \r\n قوله تعالى إذ يقول الظالمون يعني أولئك المشركون إن تتبعون أي ما تتبعون الا رجلا مسحورا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الذي سحر فذهب بعقله قاله ابو صالح نع ابن عباس \r\n والثاني مخدوعا مغرورا قاله مجاهد \r\n والثالث له سحر أي رئة وكل دابة أو طائر او بشر يأكل فهو مسحور ومسحر لأن له سحرا قال لبيد ... فان تسألينا فيم نحن فاننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر ... \r\n وقال امرؤ القيس ... أرانا مرصدين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب ","part":5,"page":42},{"id":2070,"text":" أي نغذى لأن أهل السماء لا يأكلون فأراد أن يكون ملكا فعلى هذا يكون المعنى إن تتبعون إلا رجلا له سحر خلقه الله كخلقكم وليس بملك وهذا قول ابي عبيدة \r\n قال ابن قتيبة والقول قول مجاهد أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ومعنى قول لبيد المسحر المعلل وقول امرئ القيس ونسحر أي نعلل وكأنا نخدع والناس يقولون سحرتني بكلامك أي خدعتني ويدل عليه قوله انظر كيف ضربوا لك الأمثال لانهم لو أرادوا رجلا ذا رئة لم يكن في ذلك مثل ضربوه فلما أرادوا مخدوعا كأنه بالخديعة سحر كان مثلا ضربوه وكأنهم ذهبوا الى ان قوما يعلمونه ويخدعونه قال المفسرون ومعنى ضربوا لك الأمثال بينوا لك الأشباه حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون فضلوا عن الحق فلا يستطيعون سبيلا فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها لا يجدون سبيلا الى تصحيح ما يعيبونك به \r\n والثاني لا يستطيعون سبيلا الى الهدى لأنا طبعنا على قلوبهم \r\n والثالث لا يأتون سبيل الحق لثقله عليهم ومثله قولهم لا أستطيع أن انظر الى فلان يعنون أنا مبغض له فنظري إليه يثقل ذكرهن ابن الأنباري \r\n قوله تعالى أئذا كنا عظاما قرأ ابن كثير أيذا بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد أينا مثله وكذلك في كل القرآن وكذلك روى قالون عن نافع الا ان نافعا كان لا يستفهم في أينا كان يجعل الثاني ","part":5,"page":43},{"id":2071,"text":" خبرا في كل القرآن وكذلك مذهب الكسائي غير أنه يهمز الأولى همزتين وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا وقرأ ابن عامر إذا كنا بغير استفهام بهمزة واحدة آئنا بهمزتين يمد بينهما مدة \r\n قوله تعالى ورفاتا فيه قولان \r\n أحدهما أنه التراب ولا واحد له فهو بمنزلة الدقاق والحطام قاله الفراء وهو مذهب مجاهد \r\n والثاني أنه العظام مالم تتحطم والرفات الحطام قاله ابو عبيدة وقال الزجاج الرفات التراب والرفات كل شيء حطم وكسر وخلقا جديدا في معنى مجددا \r\n قوله تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الموت قاله ابن عمر وابن عباس والحسن والاكثرون \r\n والثاني انه السماء والارض والجبال قاله مجاهد \r\n والثالث انه ما يكبر في صدوركم من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى قاله قتادة \r\n فان قيل كيف قيل لهم كونوا حجارة أو حديدا وهم لا يقدرون على ذلك فعنه جوابان \r\n أحدهما إن قدرتم على تغير حالاتكم فكونوا حجارة أو اشد منها فانا نميتكم وننفذ أحكامنا فيكم ومثل هذا قولك للرجل اصعد الى السماء فاني لاحقك \r\n والثاني تصوروا أنفسكم حجارة او اصلب منها فانا سنبيدكم قال الاحوص ","part":5,"page":44},{"id":2072,"text":" إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا ... \r\n معناه فتصور نفسك حجرا وهؤلاء قوم اعترفوا ان الله خالقهم وجحدوا البعث فأعلموا ان الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم \r\n قوله تعالى فسينغضون إليك رؤوسهم قال قتادة يحر كونها تكذيبا واستهزاء قال الفراء يقال أنغض رأسه إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وقال ابن قتيبة المعنى يحر كونها كما يحرك الآيس من الشيء والمستبعد له رأسه يقال نغضت سنه إذا تحركت \r\n قوله تعالى ويقولون متى هو يعنون البعث قل عسى ان يكون قريبا أي هو قريب ثم بين متى يكون فقال يوم يدعوكم يعني من القبور بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة فتستجيبون أي تجيبون قال مقاتل يقوم إسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن فيقول أيتها العظام البالية وأيتها اللحوم المتمزقة وأيتها الشعور المتفرقة وأيتها العروق المتقطعة اخرجوا الى فصل القضاء لتجزوا بأعمالكم فيسمعون الصوت فيسعون اليه \r\n وفي معنى بحمده اربعة أقوال \r\n أحدها بأمره قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد \r\n والثاني يخرجون من القبور وهم يقولون سبحانك وبحمدك قاله سعيد بن جبير ","part":5,"page":45},{"id":2073,"text":" والثالث ان معنى بحمده بمعرفته وطاعته قاله قتادة قال الزجاج تستجيبون مقرين انه خالقكم \r\n والرابع تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في هذا الظن قولان \r\n أحدهما انه بمعنى اليقين \r\n والثاني انه على اصله وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا فيه ثلاثة أقوال أحدها بين النفختين ومقداره أربعون سنة ينقطع في ذلك العذاب عنهم فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا رواه ابو صالح عن ابن عباس والثاني في الدنيا لعلمهم بطول اللبث في الآخرة قاله الحسن والثالث في القبور قاله مقاتل فعلى هذا انما قصر اللبث في القبور عندهم لأنهم خرجوا الى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور وقد ذهب بعض المفسرين الى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين لأنهم يجيبون المنادي وهم يحمدون الله على إحسانه اليهم ويستقلون مدة اللبث في القبور لأنهم كانوا غير معذبين \r\n وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا \r\n قوله تعالى وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بالقول والفعل فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الاية قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب فهم به عمر رضي الله عنه ","part":5,"page":46},{"id":2074,"text":" فنزلت هذه الاية قاله مقاتل والمعنى وقل لعبادي المؤمنين يقولوا الكلمة التي هي احسن واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين \r\n أحدهما أنهم المشركون قال الحسن تقول له يهديك الله وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول وذهب بعضهم الى انهم امروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم ثم نسخت هذه الآية بآية السيف \r\n والثاني أنهم المسلمون قاله ابن جرير والمعنى وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة وقد روى مبارك عن الحسن قال التي هي أحسن أن يقول له مثل قوله ولكن يقول له يرحمك الله ويغفر الله لك قال الأخفش وقوله يقولوا مثل قوله يقيموا الصلاة وقد شرحنا ذلك في سورة ابراهيم 31 \r\n قوله تعالى إن الشيطان ينزع بينهم أي يفسد ما بينهم والعدو المبين الظاهر العداوة \r\n ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا \r\n قوله تعالى ربكم أعلم بكم فيمن خوطب بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم المؤمنون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم رواه ابو صالح عن ابن عباس والثاني إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب قاله الحسن ","part":5,"page":47},{"id":2075,"text":" والثاني انهم المشركون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ان يشأ يرحكم فيهديكم للإيمان او إن يشأ يعذبكم فيميتكم على الكفر قاله مقاتل والثاني انه لما نزل القحط بالمشركين فقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون الدخان 12 قال الله تعالى ربكم أعلم بكم من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن إن يشأ يرحمكم فيكشف القحط عنكم أو إن يشأ يعذبكم فيتركه عليكم ذكره أبو سليمان الدمشقي قال ابن الأنباري و أو هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى وأنه لا يرد عنهما فكانت ملحقة ب أو المبيحة في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين يعنون قد وسعنا لك الأمر \r\n قوله تعالى وما أرسلناك عليهم وكيلا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها كفيلا تؤخذ بهم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني حافظا وربا قاله الفراء والثالث كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم ذكره ابن الأنباري وذهب بعض المفسرين الى أن هذا منسوخ بآية السيف \r\n وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا \r\n قوله تعالى وربك أعلم بمن في السموات والارض لأنه خالقهم فهدى من شاء وأضل من شاء وكذلك فضل بعض النبيين على بعض وذلك عن حكمة منه وعلم فخلق آدم بيده ورفع إدريس وجعل الذرية لنوح واتخذ ابراهيم خليلا وموسى كليما وجعل عيسى روحا وأعطى سليمان ملكا جسيما ورفع محمدا صلى الله عليه و سلم فوق السموات وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب لأنه ختم الكلام بقوله وآتينا داود زبورا وقد شرحنا معنى الزبور في سورة النساء 163 ","part":5,"page":48},{"id":2076,"text":" قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا \r\n قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه في سبب نزولها قولان \r\n احدهما أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجن والنفر من العرب لا يشعرون فنزلت هذه الآية والتي بعدها روي عن ابن مسعود والثاني أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هي تشفع لنا \r\n عند الله فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين قيل لهم ادعوا الذين زعمتم قاله مقاتل والمعنى قل ادعوا الذين زعمتم انهم آلهة فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا له الى غيركم \r\n قوله تعالى أولئك الذين يدعون في المشار إليهم ب أولئك ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم الجن الذين أسلموا والثاني الملائكة وقد سبق بيان ","part":5,"page":49},{"id":2077,"text":" القولين والثالث أنهم المسيح وعزير والملائكة والشمس والقمر قاله ابن عباس وفي معنى يدعون قولان \r\n أحدهما يعبدون أي يدعونهم آلهة وهذا قول الأكثرين \r\n والثاني أنه بمعنى يتضرعون الى الله في طلب الوسيلة وعلى هذا يكون قوله يدعون راجعا الى أولئك ويكون قوله يبتغون تماما للكلام وعلى القول الأول يكون يدعون راجعا الى المشركين ويكون قوله يبتغون وصفا ل أولئك مستأنفا وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن تدعون بالتاء قال ابن الأبناري فعلى هذا الفعل مردود إلى قوله فلا يملكون كشف الضر عنكم ومن قرأ يدعون بالياء قال العرب تنصرف من الخطاب الى الغيبة إذا أمن اللبس ومعنى يدعون يدعونهم ألهة وقد فسرنا معنى الوسيلة في المائدة 35 \r\n وفي قوله أيهم أقرب قولان ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما أن يكون أيهم مرفوعا بالابتداء وخبره أقرب ويكون المعنى يطلبون اليه فيتوسلون الى الله به \r\n والثاني أن يكون أيهم أقرب بدلا من الواو في يبتغون فيكون المعنى يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله أي يتقرب اليه بالعمل الصالح \r\n وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا \r\n قوله تعالى وإن من قرية إلا نحن مهلكوها إن بمعنى ما والقرية الصالحة هلاكها بالموت والعاصية بالعذاب والكتاب اللوح المحفوظ والمسطور المكتوب ","part":5,"page":50},{"id":2078,"text":" وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا \r\n قوله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات سبب نزولها فيه قولان \r\n أحدهما ان أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا فان كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا بل أستأني بهم فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني قد ذكرناه عن الزبير في قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الرعد 31 ومعنى الآية وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها الا تكذيب الأولين يعني أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولون العذاب فلم يرسلها لئلا يكذب بها هؤلاء فيهلكوا كما هلك اولئك وسنة الله في الأمم أنهم إذا سألوا الآيات ثم كذبوا بها عذبهم \r\n قوله تعالى وآتينا ثمود الناقة مبصرة قال ابن قتيبة أي بينة يريد مبصرا بها قال ابن الأنباري ويجوز أن تكون مبصرة ويصلح أن يكون المعنى مبصر مشاهدوها فنسب اليها فعل غيرها تجوزا كما يقال لا أرينك هاهنا فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه اذ المعنى لا تحضر هاهنا حتى ","part":5,"page":51},{"id":2079,"text":" إذا جئت لم أرك فيه ومن قرأ مبصرة بفتح الميم والصاد فمعناه المبالغة في وصف الناقة بالتبيان كقولهم الولد مجبنة \r\n قوله تعالى فظلموا بها قال ابن عباس فجحدوا بها وقال الأخفش بها كان ظلمهم \r\n قوله تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي نخوف العباد ليتعظوا \r\n وللمفسرين في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الموت الذريع قاله الحسن والثاني معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين والثالث آيات الانتقام تخويفا من المعاصي والرابع تقلب أحوال الإنسان من صغر إلى شباب ثم إلى كهولة ثم إلى مشيب ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي ونسب القول الأخير منها إلى إمامنا أحمد رضي الله عنه \r\n وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا \r\n قوله تعالى وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أحاط علمه بالناس قاله ابو صالح عن ابن عباس وبه قال الربيع ابن انس وقال مقاتل أحاط علمه بالناس يعني أهل مكة أن يفتحها لرسوله صلى الله عليه و سلم ","part":5,"page":52},{"id":2080,"text":" والثاني أحاطت قدرته بالناس فهم في قبضته قاله مجاهد \r\n والثالث حال بينك وبين الناس أن يقتلوك لتبلغ رسالته قاله الحسن وقتادة \r\n قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس في هذه الرؤيا قولان \r\n أحدهما أنها رؤيا عين وهي ما رأى ليلة أسري به من العجائب والآيات روى عكرمة عن ابن عباس قال هي رؤيا عين رآها ليلة أسري به وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة ومسروق والنخعي وقتادة وأبو مالك وأبو صالح وابن جريج وابن زيد في آخرين فعلى هذا يكون معنى الفتنة الاختبار فان قوما آمنوا بما قال وقوما كفروا قال ابن الأنباري المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل رأيت فلانا رؤية ورأيته رؤيا إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام والرؤيا يكثر استعمالها في المنام ويجوز كل واحد منهما في المعنيين \r\n والثاني أنها رؤيا منام ثم فيها قولان أحدهما ان رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":5,"page":53},{"id":2081,"text":" كان قد أرى انه يدخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجل قبل الأجل فرده المشركون فقال أناس قد رد وكان حدثنا أنه سيدخلها فكان رجوعهم فتنتهم رواه العوفي عن ابن عباس وهذا لا ينافي حديث المعراج لأن هذا كان بالمدينة والمعراج كان بمكة قال ابو سليمان الدمشقي وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في الإخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه والمنافقين بالمدينة افتتنوا برؤيا نومه والثاني أنه أري بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها فسري عنه فالفتنة هاهنا البلاء رواه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب وإن كان مثل هذا لا يصح ولكن قد ذكره عامة المفسرين \r\n وروى ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال رآى رسول الله صلى الله عليه و سلم قوما على منابر فشق ذلك عليه وفيه نزل والشجرة الملعونة في القرآن قال ومعنى قوله إلا فتنة للناس إلا بلاء للناس قال ابن الأنباري فمن ذهب الى أن الشجرة رجال رآهم النبي صلى الله عليه و سلم في منامه يصعدون على المنابر احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة لتأنيثها وعن الجماعة لاجتماع أغصانها قالوا ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة قال المفسرون وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا فتنة للناس \r\n وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال \r\n احدها أنها شجرة الزقوم رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال ","part":5,"page":54},{"id":2082,"text":" مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومسروق والنخعي والجمهور وقال مقاتل لما ذكر الله تعالى شجرة الزقوم قال ابو جهل يا معشر قريش ان محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم ألستم تعلمون ان النار تحرق الشجر ومحمد يزعم ان النار تنبت الشجر فهل تدرون ما الزقوم فقال عبدالله بن الزبعرى إن الزقوم بلسان بربر التمر والزبد فقال ابو جهل يا جارية ابغينا تمرا وزبدا فجاءته به فقال لمن حوله تزقموا من هذا الذي يخوفكم به محمد فأنزل الله تعالى ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا قال ابن قتيبة كانت فتنتهم بالرؤيا قولهم كيف يذهب الى بيت المقدس ويرجع في ليلة وبالشجرة قولهم كيف يكون في النار شجرة \r\n وللعلماء في معنى الملعونة ثلاثة اقوال احدها المذمومة قاله ابن عباس والثاني الملعون آكلها ذكره الزجاج وقال ان لم يكن في القرآن ذكر لعنها ففيه لعن أكليها قال والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون فأما قوله في القرآن فالمعنى التي ذكرت في القرآن وهي مذكورة في قوله إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان 4344 والثالث أن معنى الملعونة المبعدة عن منازل اهل الفضل ذكره ابن الانباري ","part":5,"page":55},{"id":2083,"text":" والقول الثاني ان الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر يعني الكشوثى وهذا مروي عن ابن عباس ايضا \r\n والثالث ان الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب \r\n قوله تعالى ونخوفهم قال ابن الأنباري مفعول نخوفهم محذوف تقديره ونخوفهم العذاب فما يزيدهم أي فما يزيدهم التخويف إلا طغيانا وقد ذكرنا معنى الطغيان في البقرة 15 وذكرنا هناك تفسير قوله وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس البقرة 34 \r\n وإذ قلنا للملئكة اسجددوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن اخرتن الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا \r\n قوله تعالى آسجد قرأه الكوفيون بهمزتين وقرأه الباقون بهمزة مطولة وهذا استفهام انكار يعني به لم أكن لأفعل \r\n قوله تعالى لمن خلقت طينا قال الزجاج طينا منصوب على وجهين ","part":5,"page":56},{"id":2084,"text":" أحدهما التمييز المعنى لمن خلقته من طين والثاني على الحال المعنى أنشأته في حال كونه من طين ولفظ قال أرأيتك جاء هاهنا بغير حرف عطف لأن المعنى قال آسجد لمن خلقت طينا وأرأيتك وهي في معنى أخبرني والكاف ذكرت في المخاطبة توكيدا والجواب محذوف والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت علي لم كرمته علي وقد خلقتني من نار وخلقته من طين فحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه \r\n قوله تعالى لئن أخرتن الى يوم القيامة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر أخرتني بياء في الوصل وقف أبن كثير بالياء وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا في وقف \r\n قوله تعالى لأحتنكن ذريته فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لأستولين عليهم قاله ابن عباس والفراء والثاني لأضلنهم قاله ابن زيد والثالث لأستأصلنهم يقال احتنك الجراد ما على الأرض إذا أكله واحتنك فلان ما عند فلان من العلم إذا استقصاه فالمعنى لأقودنهم كيف شئت هذا قول ابن قتيبة \r\n فان قيل من أين علم الغيب فقد اجبنا عنه في سورة النساء 119 \r\n قوله تعالى إلا قليلا قال ابن عباس هم أولياء الله الذين عصمهم \r\n قوله تعالى قال اذهب هذا اللفظ يتضمن إنظاره فمن تبعك أي تبع أمرك منهم يعني ذرية آدم والموفور الموفر قال ابن قتيبة يقال وفرت ماله عليه ووفرته بالتخفيف والتشديد ","part":5,"page":57},{"id":2085,"text":" قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم قال ابن قتيبة استخف ومنه تقول استفزني فلان \r\n وفي المراد بصوته قولان أحدهما انه كل داع دعا الى معصية الله قاله ابن عباس والثاني انه الغناء والمزامير قاله مجاهد \r\n قوله تعالى وأجلب عليهم أي صح بخيلك ورجلك واحثثهم عليهم بالإغراء يقال أجلب القوم وجلبوا إذا صاحوا وقال الزجاج المعنى اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك فعلى هذا تكون الباء زائدة قال ابن قتيبة والرجل الرجالة يقال راجل ورجل مثل تاجر وتجر وصاحب وصحب قال ابن عباس كل خيل تسير في معصية الله وكل رجل يسير في معصية الله وقال قتادة ان له خيلا ورجلا من الجن والانس وروى حفص عن عاصم بخيلك ورجلك بكسر الجيم وهي قراءة ابن عباس وابي رزين وأبي عبد الرحمن السلمي قال ابو زيد يقال رجل رجل للراجل ويقال جاءنا حافيا رجلا وقرأ ابن السميفع والجحدري بخيلك ورجالك برفع الراء وتشديد الجيم مفتوحة وبألف بعدها وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة ور جالك بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف \r\n قوله تعالى وشاركهم في الأموال فيه اربعة أقوال \r\n أحدها انها ما كانوا يحرمونه من انعامهم رواه عطية عن ابن عباس ","part":5,"page":58},{"id":2086,"text":" والثاني ألاموال التي اصيبت من حرام قاله مجاهد والثالث التي انفقوها في معاصي الله قال الحسن والرابع ما كانوا يذبحون لألهتهم قاله الضحاك \r\n فأما مشاركته إياهم في الأولاد ففيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أولاد الزنا رواه عطية عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك \r\n والثاني الموؤودة من أولادهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث انه تسمية اولادهم عبيدا لأوثانهم كعبد شمس وعبد العزى وعبد مناف رواه ابو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع ما مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا من أولادهم غير صبغة الإسلام قاله الحسن وقتادة \r\n قوله تعالى وعدهم قد ذكرناه في قوله يعدهم ويمنيهم الى آخر الآية النساء 120 وهذه الآية لفظها لفظ الأمر ومعناها التهديد ومثلها في الكلام أن تقول للإنسان أجهد جهدك فسترى ما ينزل بك قال الزجاج اذا تقدم الأمر نهي عما يؤمر به فمعناه التهديد والوعيد تقول للرجل لا تدخلن هذه الدار فاذا حاول ان يدخلها قلت ادخلها وانت رجل فلست تأمره بدخولها ولكنك توعده وتهدده ومثله اعملوا ما شئتم فصلت 40 وقد نهوا ان يعملوا بالمعاصي وقال ابن الانباري هذا أمر معناه التهديد تقديره إن فعلت هذا عاقبناك وعذبناك فنقل الى لفظ الأمر عن الشرط كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف 29 \r\n قوله تعالى ان عبادي ليس لك عليهم سلطان قد شرحناه في الحجر 42 ","part":5,"page":59},{"id":2087,"text":" قوله تعالى وكفى بربك وكيلا قال الزجاج كفى به وكيلا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس \r\n ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفامنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لاتجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعا ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا \r\n قوله تعالى ربكم الذي يزجي لكم الفلك أي يسيرها قال الزجاج يقال زجيت الشيء أي قدمته \r\n قوله تعالى لتبتغوا من فضله أي في طلب التجارة \r\n وفي من ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها زائدة والثاني أنها للتبعيض والثالث أن المفعول محذوف والتقدير لتبتغوا من فضله الرزق والخير ذكرهن ابن الأنباري \r\n قوله تعالى إنه كان بكم رحيما هذا الخطاب خاص للمؤمنين ثم خاطب المشركين فقال وإذا مسكم الضر في البحر يعني خوف الغرق ضل ","part":5,"page":60},{"id":2088,"text":" من تدعون أي يضل من يدعون من الآلهة إلا الله تعالى ويقال ضل بمعنى غاب يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب والمعنى أنكم أخلصتم الدعاء لله ونسيتم الأنداد وقرأ مجاهد وأبو المتوكل ضل من يدعون بالياء فلما نجاكم إلى البر اعرضتم عن الإيمان والإخلاص وكان الإنسان يعني الكافر كفورا بنعمة ربه أفأمنتم إذا خرجتم من البحر أن يخسف بكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو نخسف بكم أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم بالنون في الكل وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالياء في الكل ومعنى نخسف بكم جانب البر أي نغيبكم ونذهبكم في ناحية البر والمعنى إن حكمي نافذ في البر نفوذه في البحر أو نرسل عليكم حاصبا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الحاصب حجارة من السماء قاله قتادة \r\n والثاني أنه الريح العاصف تحصب قاله أبو عبيدة وأنشد للفرزدق ... مستقبلين شمال الريح تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور ... وقال ابن قتيبة الحاصب الريح سميت بذلك لأنها تحصب أي ترمي بالحصباء وهي الحصى الصغار وقال ابن الأنباري قال اللغويون الحاصب الريح التي فيها الحصى وإنما قال في الريح حاصبا ولم يقل حاصبة لأنه وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة قولهم حائض للمرأة حين لم يقل رجل حائض قال وفيه جواب آخر ","part":5,"page":61},{"id":2089,"text":" وهو أن نعت الريح عري من علامة التأنيث فأشبهت بذلك أسماء المذكر كما قالوا السماء أمطر والأرض أنبت \r\n والثالث أن الحاصب التراب الذي فيه حصباء قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ثم لاتجدوا لكم وكيلا أي مانعا وناصرا \r\n قوله تعالى أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي في البحر تارة أخرى أي مرة أخرى والجمع تارات فيرسل عليكم قاصفا من الريح قال أبو عبيدة هي التي تقصف كل شيء قال ابن قتيبة القاصف الريح التي تقصف الشجر أي تكسره \r\n قوله تعالى فيغرقكم وقرأ أبو المتوكل وأبو جعفر وشيبة ورويس فتغرقكم بالتاء وسكون الغين وتخفيف الراء وقرا أبو الجوزاء وأيوب فيغرقكم بالياء وفتح الغين وتشديدها وقرأ أبو رجاء مثله إلا انه بالتاء بما كفرتم أي بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعا قال ابن قتيبة أي من يتبع بدمائكم أي يطالبنا قال عبدالله ابن عمرو رضي الله عنهما ريح العذاب أربع اثنتان في البر واثنتان ف البحر فاللتان في البر الصرصر والعقيم واللتان في البحر العاصف والقاصف \r\n قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم أي فضلناهم قال أبو عبيدة وكرمنا اشد مبالغة من أكرمنا \r\n وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا \r\n أحدها أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة جبريل وميكائيك وإسرافيل وملك الموت وأشباههم قاله ابو صالح عن ابن عباس ","part":5,"page":62},{"id":2090,"text":" فعلى هذا يكون المراد المؤمنين منهم ويكون تفضيلهم بالإيمان والثاني أن سائر الحيوان يأكل بفيه إلا ابن آدم فانه يأكل بيده رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس وقال بعض المفسرين المراد بهذا التفضيل أكلهم بأيديهم ونظافة ما يقتاتونه اذ الجن يقتاتون العظام والروث والثالث فضلوا بالعقل روي عن ابن عباس والرابع بالنطق والتمييز قاله الضحاك والخامس بتعديل القامة وامتدادها قاله عطاء والسادس بأن جعل محمدا صلى الله عليه و سلم منهم قاله محمد بن كعب والسابع فضلوا بالمطاعم واللذات في الدنيا قاله زيد بن أسلم والثامن بحسن الصورة قاله يمان والتاسع بتسليطهم على غيرهم من الخلق وتسخير سائر الخلق لهم قاله محمد بن جرير والعاشر بالأمر والنهي ذكره الماوردي والحادي عشر بأن جعلت اللحى للرجال والذوائب للنساء ذكره الثعلبي \r\n فان قيل كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل وفيهم الكافر المهان \r\n فالجواب من وجهين احدهما أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرةوالثاني انه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة أجرى الصفة على جماعتهم كقوله كنتم خيرة أمة أخرجت للناس آل عمران 110 \r\n قوله تعالى وحملناهم في البر على أكباد رطبة وهي الإبل والخيل والبغال والحمير و في البحر على أعواد يابسة وهي السفن ورزقناهم من الطيبات فيه قولان \r\n أحدهما الحلال والثاني المستطاب في الذوق \r\n قوله تعالى وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فيه قولان \r\n أحدهما انه على لفظه وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات وقد ذكرنا ","part":5,"page":63},{"id":2091,"text":" عن ابن عباس انهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة وقال غيره بل الملائكة أفضل \r\n والثاني أن معناه وفضلناهم على جميع من خلقنا والعرب تضع الأكثر والكثير في موضع الجمع كقوله يلقون السمع وأكثرهم كاذبون الشعراء 223 وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال المؤمن أكرم على الله عز و جل من الملائكة الذين عنده \r\n يوم ندعوا كل اناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا \r\n قوله تعالى يوم ندعو قال الزجاج هو منصوب على معنى اذكر يوم ندعو كل اناس بامامهم والمراد به يوم القيامة وقرا الحسن البصري يوم يدعو بالياء كل بالنصب وقرأ ابو عمران الجوني يوم يدعى بياء مرفوعة وفتح العين وبعدها ألف كل بالرفع \r\n وفي المراد بامامهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه رئيسهم قاله أبو صالح عن بن عباس وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال إمام هدى او إمام ضلالة ","part":5,"page":64},{"id":2092,"text":" والثاني عملهم رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الحسن وأبوالعالية \r\n والثالث نبيهم قاله أنس بن مالك وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد في رواية \r\n والرابع كتابهم قاله عكرمة ومجاهد في رواية ثم فيه قولان أحدهما انه كتابهم الذي فيه أعمالهم قاله قتادة ومقاتل والثاني كتابهم الذي أنزل عليهم قاله الضحاك وابن زيد فعلى القول الأول يقال يا متبعي موسى يا متبعي عيسى يا متبعي محمد ويقال يا متبعي رؤساء الضلالة وعلى الثاني يا من عمل كذا وكذا وعلى الثالث يا أمة موسى يا امة عيسى يا أمة محمد وعلى الرابع يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا أهل القرآن او يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا \r\n قوله تعالى فأولئك يقرؤون كتابهم معناها يقرؤون حسناتهم لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم \r\n قوله تعالى ولا يظلمون فتيلا أي لا ينقصون من ثوابهم بقدر الفتيل وقد بيناه في سورة النساء 49 \r\n قوله تعالى ومن كان في هذه اعمى قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أعمى فهو في الآخرة أعمى مفتوحتي الميم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين وقرأ ابو عمرو في هذه أعمى بكسر الميم فهو في الأخرة أعمى بفتحها \r\n وفي المشار اليها ب هذه قولان \r\n أحدهما أنها الدنيا قاله مجاهد ثم في معنى الكلام خمسة أقوال أحدها ","part":5,"page":65},{"id":2093,"text":" من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء فهو عما وصف له في الآخرة أعمى رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني من كان في الدنيا أعمى بالكفر فهو في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل قاله الحسن والثالث من عمي عن آيات الله في الدنيا فهو عن الذي غيب عنه من أمور الآخرة أشد عمى والرابع من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر إلى قوله تفضيلا فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه ذكرهما ابن الأنباري والخامس من كان فيها أعمى عن الحجة فهو في الآخرة أعمى عن الجنة قاله ابو بكر الوراق \r\n والثاني أنها النعم ثم في الكلام قولان أحدهما من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد فهو في الآخرة التي لم تر أعمى رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النعم المذكورة في قوله ولقد كرمنا بني آدم ولم يؤد شكرها فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به اليه أعمى وأضل سبيلا قاله السدي قال ابو علي الفارسي ومعنى قوله في الآخرة أعمى أي أشد عمى لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال ولا سبيل له في الآخرة الى الخروج من عماه وقيل معنى العمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب وهذا كله من عمى القلب \r\n فان قيل لم قال فهو في الآخرة أعمى ولم يقل أشد عمى لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة والزرقة والعرب تقول ما أشد سواد زيد وما أبين زرقة عمرو وقلما يقولون ما أسود زيدا وما أزرق عمرا \r\n فالجواب أن المراد بهذا العمى عمى القلب وذلك يتزايد ويحدث منه ","part":5,"page":66},{"id":2094,"text":" شيء بعد شيء فيخاف الخلق اللازمة التي لا تزيد نحو عمى العين والبياض والحمرة ذكره ابن الأنباري \r\n وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيوة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا \r\n قوله تعالى وان كادوا ليفتنونك في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة فأبى ذلك فأقبلوا يكثرون مسألتهم وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم فان خشيت أن يقول العرب أعطيتهم مالم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم وداخلهم الطمع فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا أجلنا سنة ثم نسلم ونكسر أصنامنا فهم أن يؤجلهم فنزلت هذه الآية \r\n والثاني أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا ولو بأطراف أصابعك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير وهذا باطل ","part":5,"page":67},{"id":2095,"text":" لا يجوز ان يظن برسول الله صلى الله عليه و سلم ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه \r\n والثالث أن قريشا خلوا برسول الله ليلة الى الصباح يكلمونه ويفخمونه ويقولون أنت سيدنا وابن سيدنا وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ثم عصمه الله من ذلك ونزلت هذه الآية قاله قتادة \r\n والرابع أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف حتى نجالسك ونسمع منك فهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم فنزلت هذه الآيات حكاه الزجاج قال ومعنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتوكيد قال المفسرون وإنما قال ليفتنونك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن \r\n قوله تعالى لتفتري أي لتختلق علينا غيره وهو قولهم قل الله أمرني بذلك وإذا لو فعلت ذلك لاتخذوك خليلا أي والوك وصافوك \r\n قوله تعالى ولولا أن ثبتناك على الحق لعصمتنا إياك لقد كدت تركن اليهم أي هممت وقاربت أن تميل الى مرادهم شيئا قليلا قال ابن عباس وذلك حين سكت عن جوابهم والله أعلم بنيته وقال ابن الأنباري الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه و سلم وفي الباطن للمشركين وتقديره لقد كادوا يركنونك اليهم وينسبون إليك كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك اليوم يريد كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من اجله فهذا من المجاز والاتساع وشبيه ","part":5,"page":68},{"id":2096,"text":" بهذا قوله فلا تموتن إلا وانتم مسلمون البقرة 132 وقول القائل لا أرينك في هذا الموضع \r\n قوله تعالى إذا لأذقناك المعنى لو فعلت ذلك الشيء القليل لأذقناك ضعف الحياة أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ومثله قول الشاعر ... نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس ... \r\n أي أهل المجلس وقال ابن عباس ضعف عذاب الدنيا والآخرة وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم معصوما ولكنه تخويف لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه \r\n قوله تعالى وان كادوا ليستفزونك من الارض في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة حسدته اليهود على مقامه بالمدينة وكرهوا قربه فأتوه فقالوا يا محمد أنبي أنت قال نعم قالوا فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء وان أرض الأنبياء الشام فان كنت نبيا فائت الشام فنزلت هذه الآية قاله ابو صالح عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير هم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يشخص عن المدينة فنزلت هذه الآية ","part":5,"page":69},{"id":2097,"text":" وقال عبد الرحمن بن غنم لما قالت له اليهود هذا صدق ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك نزلت هذه الاية \r\n والثاني أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة فأمره الله بالخروج وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به قاله الحسن ومجاهد وقال قتادة هم أهل مكة باخراجه من مكة ولو فعلوا ذلك ما نرظروا ولكن الله كفهم عن اخراجه حتى أمره بالخروج وقيل ما لبثوا حتى بعث الله عليهم القتل ببدر فعلى القول الأول المشار اليهم والأرض المدينة وعلى الثاني هم المشركون والأرض مكة وقد ذكرنا معنى الاستفزاز آنفا الاسراء 64 وقيل المراد به هاهنا القتل ليخرجوه من الأرض كلها روي عن الحسن \r\n قوله تعالى وإذا لا يلبثون خلفك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم خلفك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم خلافك قال الأخفش خلافك في معنى خلفك والمعنى لا يلبثون بعد خروجك الا قليلا أي لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل وقد جازاهم الله على ما هموا به فقتل صناديد المشركين ببدر وقتل من اليهود بني قريظة وأجلى النضير وقال ابن الأنباري معنى الكلام لا يلبثون ","part":5,"page":70},{"id":2098,"text":" على خلافك ومخالفتك فسقط حرف الخفض وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل خلافك بضم الخاء وتشديد اللام ورفع الفاء \r\n قوله تعالى سنة من قد أرسلنا قال الفراء نصب السنة على العذاب المضمر أي يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا وقال الأخفش المعنى سنها سنة وقال الزجاج النصب بمعنى لا يلبثون وتأويله إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم اذا اخرجوا نبيهم أو قتلوه لم يلبث العذاب أن ينزل بهم \r\n أقم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا \r\n قوله تعالى أقم الصلاة أي أدها لدلوك الشمس أي عند دلوكها وذكر أبن الأنباري في اللام قولين أحدهما أنها بمعنى في والثاني أنها مؤكدة كقوله ردف لكم النمل 72 وقال ابو عبيدة دلوكها من عند زوالها الى أن تغيب وقال الزجاج ميلها وقت الظهيرة دلوك وميلها للغروب دلوك وقال الأزهري معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة وإذا أفلت دالكة لأنها في الحالين زائلة ","part":5,"page":71},{"id":2099,"text":" وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه زوالها نصف النهار روى جابر بن عبد الله قال دعوت رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن شاء من اصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال اخرج يا أبا بكر فهذا حيث دلكت الشمس وهذا قول ابن عمر وأبي برزة وأبي هريرة والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعبيد بن عمير وقتادة والضحاك ومقاتل وهو اختيار الأزهري قال الأزهري لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس فيكون المعنى أقم الصلاة من وقت زوال الشمس الى غسق الليل فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان ثم قال وقرآن الفجر فهذه خمس صلوات \r\n والثاني أنه غروبها قاله ابن مسعود والنخعي وابن زيد وعن ابن عباس كالقولين قال الفراء ورأيت العرب تذهب في الدلوك الى غيبوبة الشمس وهذا اختيار ابن قتيبة قال لأن العرب تقول دلك النجم اذا غاب قال ذو الرمة ... مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك ","part":5,"page":72},{"id":2100,"text":" وتقول في الشمس دلكت براح يريدون غربت والناظر قد وضع كفه على حاجبه ينظر اليها قال الشاعر ... والشمس قد كادت تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا ... \r\n فشبهها بالمريض في الدنف لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت وانما ينظر اليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها الى ان تغيب ويتوقى الشعاع بكفه فعلى هذا المراد بهذه الصلاة المغرب فأما غسق الليل فظلامه \r\n وفي المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال \r\n أحدها العشاء قاله ابن مسعود والثاني المغرب قاله ابن عباس قال القاضي ابو يعلى فيحتمل ان يكون المراد بيان وقت المغرب انه من غروب الشمس الى غسق الليل والثالث المغرب والعشاء قاله الحسن \r\n قوله تعالى وقرآن الفجر المعنى وأقم قراءة الفجر قال المفسرون المراد به صلاة الفجر قال الزجاج وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حين سميت الصلاة قرآنا ","part":5,"page":73},{"id":2101,"text":" قوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار \r\n قوله تعالى ومن الليل فتهجد به قال ابن عباس فصل بالقرآن قال مجاهد وعلقمة والأسود التهجد بعد النوم قال ابن قتيبة تهجدت سهرت وهجدت نمت وقال ابن الانباري التهجد هاهنا بمعنى التيقظ والسهر واللغويون يقولون هو من حروف الاضداد يقال للنائم هاجد ومتهجد وكذلك للساهر قال النابغة ... ولو انها عرضت لأشمط راهب ... عبد الآله صرورة متهجد ... لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد ... \r\n يعني بالمجتهد الساهر وقال لبيد ... قال هجدنا فقد طال السرى ... وقدرنا إن خنا الدهر غفل ","part":5,"page":74},{"id":2102,"text":" أي نومنا وقال الأزهري المتهجد القائم الى الصلاة من النوم وقيل له متهجد لإلقائه الجود عن نفسه كما يقال تحرج وتأئم \r\n قوله تعالى نافلة نافلة لك النافلة في اللغة ما كان زائدا على الأصل \r\n وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان \r\n أحدهما أنها زائدة فيما فرض عليه فيكون المعنى فريضة عليك وكان قد فرض عليه قيام الليل هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير \r\n والثاني أنها زائدة على الفرض وليست فرضا فالمعنى تطوعا وفضيلة قال أبو أمامة والحسن ومجاهد انما النافلة للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة قال مجاهد وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة وهو لغيره كفارة وذكر أهل العلم أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء ثم رخص له في تركها فصارت نافلة وذكر ابن الأنباري في هذا قولين \r\n أحدهما يقارب ما قاله مجاهد فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا تنفل ","part":5,"page":75},{"id":2103,"text":" لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره إذا تنفل كان راجيا ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل فالنافلة لرسول الله صلى الله عليه و سلم زيادة على الحاجة وهي لغيره مفتقر اليها ومأمول بها دفع المكروه والثاني ان النافلة للنبي صلى الله عليه و سلم وأمته والمعنى ومن الليل فتهجدوا به نافله لكم فخوطب النبي صلى الله عليه و سلم بخطاب امته \r\n قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك عسى من الله واجبه ومعنى يبعثك يقيمك مقاما محمودا وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف وفيه قولان \r\n أحدهما انه الشفاعة للناس يوم القيامة قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عمر وسلمان الفارسي وجابر بن عبدالله والحسن وهي رواية بن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثاني يجلسه على العرش يوم القيامة روى أبو وائل عن عبدالله انه قرأ هذه الآية وقال يقعده على العرش وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس وليث عن مجاهد \r\n قوله تعالى وقل رب ادخلني مدخل صدق وقرأ الحسن وعكرمة والضحاك وحميد بن قيس وابن أبي عبلة بفتح الميم في مدخل ","part":5,"page":76},{"id":2104,"text":" ومخرج قال الزجاج المدخل بضم الميم مصدر أدخلته مدخلا ومن قال مدخل صدق فهو على أدخلته فدخل مدخل صدق وكذلك شرح مخرج مثله \r\n وللمفسرين في المراد بهذا المدخل والمخرج احد عشر قولا \r\n أحدها أدخلني المدينة مدخل صدق وأخرجني من مكة مخرج صدق روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت عليه هذه الآية وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في رواية سعيد بن جبير وقتادة وابن زيد \r\n والثاني أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أدخلني المدينة واخرجني الى مكة يعني لفتحها رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع أدخلني مكة مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق فخرج منها آمنا من المشركين ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح قاله الضحاك \r\n والخامس أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة الى المدينة رواه قتادة عن الحسن \r\n والسادس أدخلني في النبوة والرسالة وأخرجني منها مخرج صدق قاله مجاهد يعني أخرجني مما يجب علي فيها \r\n والسابع أدخلني في الإسلام وأخرجني منه قاله ابو صالح يعني من أداء ما وجب علي فيه إذا جاء الموت ","part":5,"page":77},{"id":2105,"text":" والثامن أدخلني في طاعتك وأخرجني منها أي سالما غير مقصر في أدائها قاله عطاء \r\n والتاسع أدخلني الغار وأخرجني منه قاله محمد بن المنكدر \r\n والعاشر أدخلني في الدين وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق ذكره الزجاج \r\n والحادي عشر أدخلني مكة وأخرجني إلى حنين ذكره ابو سليمان الدمشقي \r\n وأما اضافة الصدق الى المدخل والمخرج فهو مدح لهما وقد شرحنا هذا المعنى في سورة يونس 2 \r\n قوله تعالى وأجعل لي من لدنك أي من عندك سلطانا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه التسلط على الكافرين بالسيف وعلى المنافقين بإقامة الحدود قاله الحسن والثاني انه الحجة البينة قاله مجاهد والثالث الملك العزيز الذي يقهر به العصاة قاله قتادة وقال ابن الأنباري وقوله نصيرا يجوز أن يكون بمعنى منصرا ويصلح أن يكون تأويله ناصرا \r\n قوله تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل فيه اربعة أقوال \r\n أحدها ان الحق الإسلام والباطل الشرك قاله ابو صالح عن ابن عباس والثاني ان الحق القرآن والباطل الشيطان قاله قتادة والثالث أن الحق الجهاد والباطل الشرك قاله بن جريج والرابع الحق عبادة الله والباطل عبادة الأصنام قاله مقاتل ومعنى زهق بطل واضمحل وكل شيء هلك وبطل فقد زهق وزهقت نفسه تلفت \r\n وروى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل مكة وحول البيت ثلاثمائة ","part":5,"page":78},{"id":2106,"text":" وستون صنما فجعل يطعنها ويقول جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا \r\n فان قيل كيف قلتم ان زهق بمعنى بطل والباطل موجود معمول عليه عند اهله \r\n فالجواب أن المراد من بطلانه وهلكته وضوح عيبه فيكون هالكا عند المتدبر الناظر \r\n وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا \r\n قوله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء من هاهنا لبيان الجنس فجميع القرآن شفاء وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها شفاء من الضلال لما فيه من الهدى والثاني شفاء من السقم لما فيه من البركة والثالث شفاء من البيان للفرائض والأحكام \r\n وفي الرحمة قولان أحدهما النعمة والثاني سبب الرحمة \r\n قوله تعالى ولا يزيد الظالمين يعني المشركين إلا خسارا لأنهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه فيزيد خسرانهم \r\n وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذ مسه الشر كان يؤسا قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ","part":5,"page":79},{"id":2107,"text":" قوله تعالى واذا انعمنا على الإنسان قال ابن عباس الانسان هاهنا الكافر والمراد به الوليد بن المغيرة قال المفسرون وهذا الإنعام سعة الرزق وكشف البلاء ونأى بجانبه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ونأى على وزن نعى بفتح النون والهمزة وقرأ ابن عامر ناء مثل باع وقرأ الكسائي وخلف عن سليم عن حمزة وناء باماله النون والهمزة وروى خلاد عن سليم نئي بفتح النون وكسر الهمزة والمعنى تباعد عن القيام بحقوق النعم وقيل تعظم وتكبر واذا مسه الشر أي نزل به البلاء والفقر كان يؤوسا أي قنوطا شديد اليأس لا يرجو فضل الله \r\n قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها على ناحيته قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قال الفراء الشاكلة الناحية والجديلة والطريقة سمعت بعض العرب يقول وعبد الملك اذ ذاك على جديلته وابن الزبير على جديلته يريد على ناحيته وقال أبو عبيدة على ناحيته وخليقته وقال ابن قتيبة على خليقته وطبيعته وهو من الشكل يقال لست على شكلي ولا شاكلتي وقال الزجاج على طريقته وعلى مذهبه \r\n والثاني على نيته قاله الحسن ومعاوية بن قرة وقال الليث الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله \r\n والثالث على دينه قاله ابن زيد وتحرير المعنى أن كل واحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعم واليأس عند الشدة والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والله يجازي الفريقين وذكر ابو صالح عن ابن عباس ان ","part":5,"page":80},{"id":2108,"text":" هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتمهوهم التوبة 5 وليس بشيء \r\n ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا \r\n قوله تعالى ويسألونك عن الروح في سبب نزولها قولان \r\n احدهما ان رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بناس من اليهود فقالوا سلوه عن الروح فقال بعضهم لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا يا أبا القاسم ما تقول في الروح فسكت ونزلت هذه الآية قاله ابن مسعود \r\n والثاني ان اليهود قالت لقريش سلوا محمدا عن ثلاث فان اخبركم عن اثنتين وامسك عن الثالثة فهو نبي سلوه عن فتية فقدوا وسلوه عن ذي القرنين وسلوه عن الروح فسألوه عنها ففسر لهم أمر الفتية في الكهف وفسر لهم قصة ذي القرنين وأمسك عن قصة الروح فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس ","part":5,"page":81},{"id":2109,"text":" وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال \r\n أحدها انه الروح الذي يحيا به البدن روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وقد اختلف الناس في ماهية الروح ثم اختلفوا هل الروح النفس ام هما شيئان فلا يحتاج الى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شيء من ذلك وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة فأما السلف فانهم أمسكوا عن ذلك لقوله تعالى قل الروح من أمر ربي فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا ولوحي ينزل والرسول حي علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى \r\n والثاني أن المراد بهذا الروح ملك من الملائكة على خلقه هائلة روي عن علي عليه السلام وابن عباس ومقاتل \r\n والثالث ان الروح خلق من خلق الله عز و جل صورهم على صور بني آدم رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والرابع أنه جبريل عليه السلام قاله الحسن وقتادة \r\n والخامس أنه القرآن روي عن الحسن ايضا \r\n والسادس أنه عيسى بن مريم حكاه الماوردي قال ابو سليمان الدمشقي قد ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق به وظنوه مثله وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم وقوله من أمر ربي أي من عمله الذي منع إن يعرفه أحد قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا في المخاطبين بهذا قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود قاله الأكثرون ","part":5,"page":82},{"id":2110,"text":" والثاني أنهم جميع الخلق علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز و جل ذكره الماوردي \r\n فان قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة 269 \r\n فالجواب أن ما أوتيه الناس من العلم وان كان كثيرا فهو بالإضافة الى علم الله قليل \r\n ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا \r\n قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك قال الزجاج المعنى لو شئنا لمحوناه من القلوب والكتب حتى لا يوجد له أثر ثم لا تجد لك به علينا وكيلا أي لا تجد من يتوكل علينا في رد شيء منه الا رحمة من ربك هذا استنثاء ليس من الأول والمعنى لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين وقال ابن الأنباري المعنى لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن وكان المشركون قد خاطبوا نساءهم من المسلمين في الرجوع الى دين آبائهم فهددهم الله عز و جل بسلب النعمة فكان ظاهر الخطاب للرسول ومعنى التهدد للأمة وقال ابو سليمان ثم لا تجد لك به أي بما نفعله بك من إذهاب ما عندك وكيلا يدفعنا عما نريده بك وروي عن عبدالله ابن مسعود انه قال يسرى على القرآن في ليلة واحدة فيجيء جبريل من جوف الليل فيذهب به من صدورهم ومن بيوتهم فيصبحون لا يقرؤون آية ","part":5,"page":83},{"id":2111,"text":" ولا يحسونها ورد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة و السلام ان الله لا يقبض العلم انتزاعا وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم أراد بالعلم ما سوى القرآن فان العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر \r\n قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا \r\n قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن قال المفسرون هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال لو شئنا لقلنا مثل هذا والمثل الذي طلب منهم كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة والظهير المعين ","part":5,"page":84},{"id":2112,"text":" ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا \r\n قوله تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن قد فسرناه في هذه السورة الاسراء 41 والمعنى من كل مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار فأبى أكثر الناس يعني أهل مكة الا كفورا أي جحودا للحق وانكارا \r\n قوله تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا سبب نزول هذه الآية وما يتبعها أن رؤساء قريش كعتبة وشيبة وأبي جهل وعبدالله بن أبي أمية والنضر بن الحارث في آخرين اجتمعوا عند الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا الى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذورا فيه فبعثوا اليه ان أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك فجاءهم سريعا وكان حريصا على رشدهم فقالوا محمد إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فان كنت انما جئت بهذا لتطلب مالا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا وان كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن تقبلوا ","part":5,"page":85},{"id":2113,"text":" مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ويجري لنا أنهارا ويبعث من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلام فانه كان شيخا صدوقا فنسائله عما تقول أحق هو فان فعلت صدقناك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بهذا بعثت وقد أبلغتكم ما ارسلت به قالوا فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك وسله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك قال ما أنا بالذي يسأل ربه هذا قالوا فأسقط السماء علينا كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل فقال ذلك إلى الله عز و جل فقال قائل منهم لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا وقال عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك حتى تتخذ الى السماء سلما وترقى فيه وأنا أنظر وتأتي بنسخة منشورة معك وتفر من الملائكة يشهدون لك فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم حزينا لما رأى من مباعدتهم إياه فأنزل الله تعالى وقالوا لن نؤمن لك الآيات رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى حتى تفجر قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر حتى تفجر بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي حتى تفجر بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف فمن ثقل أراد كثرة الانفجار من الينبوع ومن خفف فلأن ","part":5,"page":86},{"id":2114,"text":" الينبوع واحد فأما الينبوع فهو عين ينبع الماء منها قال أبو عبيدة هو يفعول من نبع الماء أي ظهر وفار \r\n قوله تعالى أو تكون لك جنة أي بستان فتفجر الأنهار أي تفتحها وتجريها خلالها أي وسط تلك الجنة \r\n قوله تعالى أو تسقط السماء وقرأ مجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وحميد والجحدري أو تسقط بفتح التاء ورفع القاف السماء بالرفع \r\n قوله تعالى كسفا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي كسفا بتسكين السين في جميع القرآن إلا في الروم 48 فانهم حركوا السين وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين وفي باقي القرآن بالتسكين وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين وفي باقي القرآن بتسكينها قال الزجاج من قرأ كسفا بفتح السين جعلها جمع كسفة وهي القطعة ومن قرأ كسفا بتسكين السين فكأنهم قالوا أسقطها طبقا علينا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته يعنون أسقطها علينا قطعة واحدة وقال ابن الأنباري من سكن قال تأويله سترا وتغطية من قولهم قد انكسفت الشمس إذا غطاها ما يحول بين الناظرين إليها وبين أنوارها \r\n قوله تعالى أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها عيانا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة وابن جريج ومقاتل وقال ابو عبيدة معناه مقابلة أي معاينة وأنشد للأعشى ... نصالحكم حتى تبوؤوا بمثلها ... كصرخة حبلى يسرتها قبيلها ","part":5,"page":87},{"id":2115,"text":" أي قابلتها ويروى وجهتها يعني بدل يسرتها \r\n والثاني كفيلا أنك رسول الله قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء قال القبيل والكفيل والزعيم سواء تقول قبلت وكفلت وزعمت \r\n والثالث قبيلة قبيلة كل قبيلة على حدتها قاله الحسن ومجاهد فأما الزخرف فالمراد به الذهب وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في يونس 24وترقى بمعنى تصعد يقال رقيت أرقى رقيا \r\n قوله تعالى حتى تنزل علينا كتابا قال ابن عباس كتابا من رب العالمين الى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه \r\n قوله تعالى قل سبحان ربي قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي قل وقرأ ابن كثير وابن عامر قال وكذلك هي في مصاحف اهل مكة والشام هل كنت الا بشرا رسولا أي أن هذه الأشياء ليست في قوى البشر \r\n فان قيل لم اقتصر على حكاية قالوا من غير إيضاح الرد فالجواب أنه لما خصهم بقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يكن في وسعهم عجزهم فكأنه يقول قد أوضحت لكم بما سبق من الآيات ما يدل على بنوتي ومن ذلك التحدي بمثل هذا القرآن فأما عنتكم فليس في وسعي ولأنهم الحوا عليه في هذه الأشياء ولم يسألوه أن يسأل ربه فرد قولهم بكونه بشرا فكفى ذلك في الرد \r\n وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ألله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملئكة يمشون ","part":5,"page":88},{"id":2116,"text":" مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا نصيرا \r\n قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال ابن عباس يريد أهل مكة قال المفسرون ومعنى الآية وما منعهم من الإيمان إذ جاءهم الهدى وهو البيان والإرشاد في القرآن إلا أن قالوا أي إلا قولهم في التعجب والإنكار أبعث الله بشرا رسولا وفي الآية اختصار تقديره هلا بعث الله ملكا رسولا فأجيبوا على ذلك بقوله تعالى قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين أي مستوطنين الأرض ومعنى الطمأنينة السكون والمراد من الكلام أن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم \r\n قوله تعالى قل كفى بالله شهيدا قد فسرناه في الرعد 43 إنه كان بعباده خبيرا بصيرا قال مقاتل حين اختص الله محمدا بالرسالة \r\n ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتا ءإنا لمبعوثون خلقا جديدا أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا \r\n قوله تعالى من يهدي الله فهوالمهتدي قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وحذفاها في الوقف وأثبتها يعقوب في الوقف وحذفها الأكثرون في ","part":5,"page":89},{"id":2117,"text":" الحالتين من يهد الله قال ابن عباس من يرد الله هداه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم \r\n قوله تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يمشيهم على وجوههم وشاهده ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة \r\n والثاني أن المعنى ونحشرهم مسحوبين على وجوههم قاله ابن عباس \r\n والثالث نحشرهم مسرعين مبادرين فعبر بقوله على وجوههم عن الإسراع كما تقول العرب قد مر القوم على وجوههم إذا أسرعوا قاله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى عميا وبكما وصما فيه قولان \r\n أحدهما عميا لا يرون شيئا يسرهم وبكما لا ينطقون بحجة وصما لا يسمعون شيئا يسرهم قاله ابن عباس وقال في رواية عميا عن النظر الى ما جعل لأوليائه وبكما عن مخاطبة الله وصما عما مدح به اولياءه وهذا قول الأكثرين \r\n والثاني أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول قال مقاتل هذا يكون حين يقال لهم اخسؤوا فيها المؤمنون 108 فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك \r\n قوله تعالى كلما خبت قال ابن عباس أي سكنت قال المفسرون وذلك أنها تأكلهم فاذا لم تبق منهم شيئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله ","part":5,"page":90},{"id":2118,"text":" سكنت فيعادون خلقا جديدا فتعود لهم وقال ابن قتيبة يقال خبت النار إذا سكن لهبها فالهلب يسكن والجمر يعمل فان سكن اللهب ولم يطفأ الجمر قيل خمدت تخمد خمودا فان طفئت ولم يبق منها شيء قيل همدت تهمد همودا ومعنى زدناهم سعيرا نارا تتسعر أي تتلهب وما بعد هذا قد سبق تفسيره الاسراء 49 الى قوله قادر على أن يخلق مثلهم أي على أن يخلقهم مرة ثانية وأراد ب مثلهم إياهم وذلك أن مثل الشيء مساو له فجاز أن يعبر به عن نفس الشيء يقال مثلك لا يفعل هذا أي أنت ومثله قوله فان آمنوا بمثل ما آمنتم به البقرة 137 وقدتم الكلام عند قوله مثلهم ثم قال وجعل لهم أجلا لا ريب فيه يعني أجل البعث فابى الظالمون إلا كفورا أي جحودا بذلك الأجل \r\n قوله تعالى قل لو انتم تملكون خزائن رحمة ربي قال الزجاج المعنى لو تملكون انتم قال الملمس ... ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... نصبت لهم فوق العرانين ميسما ... \r\n المعنى لو أراد غير أخوالي \r\n وفي هذه الخزائن قولان \r\n أحدهما خزائن الأرزاق والثاني خزائن النعم فيخرج في الرحمة قولان أحدهما الرزق والثاني النعمة وتحرير الكلام لو ملكتم ما يملكه الله عز و جل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة وكان الإنسان يعني الكافر قتورا أي بخيلا ممسكا يقال قتر يقتر وقتر يقتر إذا قصر في الإنفاق وقال الماوردي لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى لما جاد ","part":5,"page":91},{"id":2119,"text":" كجود الله تعالى لأمرين أحدهما أنها لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته والثاني أنه يخاف الفقر والله تعالى منزه في جوده عن الحالين \r\n ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى تشبيها بحال هؤلاء المشركين فقال ولقد آتينا موسى تسع آيات وفيها قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى المعجزات والدلالات ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها وهي يده والعصا والطوفان والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال أحدها أنهما لسانه والبحر الذي فلق له رواه العوفي عن ابن عباس يعني بلسانه أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له والثاني البحر والجبل الذي نتق فوقهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث السنون ونقص الثمرات رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وعكرمة وقتادة وقال الحسن السنون ونقص الثمرات آية واحدة والرابع البحر والموت أرسل عليهم قاله الحسن ووهب والخامس الحجر والبحر قاله سعيد بن جبير والسادس لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون قاله الضحاك والسابع البحر والسنون قاله محمد بن كعب والثامن ذكره محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب ايضا فذكر السبع الآيات الأولى إلا أنه جعل مكان يده البحر وزاد الطمسة والحجر يعني قوله اطمس على أموالهم يونس 88 \r\n والثاني أنها آيات الكتاب روى ابو داود السجستاني من حديث صفوان ابن عسال أن يهوديا قال لصاحبه تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر لا تقل انه نبي فانه لو سمع ذلك صارت له أربعة أعين فأتياه فسالاه عن تسع آيات بينات فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ","part":5,"page":92},{"id":2120,"text":" ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا بالبريء الى السلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت قال فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي \r\n ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا \r\n قوله تعالى فاسال بني اسرائيل قرأ الجمهور فاسأل على معنى الأمر لرسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما اخبر به عنهم ليكون حجة ","part":5,"page":93},{"id":2121,"text":" على من لم يؤمن منهم وقرا ابن عباس فسأل بني أسرائيل على معنى الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن يرسل معه بني اسرائيل فقال له فرعون إني لأظنك أي لأحسبك يا موسى مسحورا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مخدوعا قاله ابن عباس والثاني مسحورا قد سحرت قاله ابن السائب والثالث ساحرا فوضع مفعولا في موضع فاعل هذا مروي عن الفراء وأبي عبيدة فقال موسى لقد علمت قرأ الجمهور بفتح التاء وقرأ علي عليه السلام بضمها وقال والله ما علم عدو الله ولكن موسى هوالذي علم فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم النمل 14 واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام وقد رويت عن ابن عباس وأبي رزين وسعيد بن جبير وأبن يعمر واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه مسحور أعلمه بصحة عقله بقوله لقد علمت والقراءة الأولى أصح لاختيار الجمهور ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه فلم يرد عليه الا بالتعلل والمدافعة فكأنه قال لقد علمت بالدليل والحجة ما أنزل هؤلاء يعني الآيات وقد شرحنا معنى البصائر في الأعراف 203 \r\n قوله تعالى وإني لأظنك قال أكثر المفسرين الظن هاهنا بمعنى العلم على خلاف ظن فرعون في موسى وسوى بينهما بعضهم فجعل الأول بمعنى العلم أيضا \r\n وفي المثبور ستة أقوال \r\n أحدها أنه الملعون روه ابو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثاني المغلوب رواه العفوي عن ابن عباس والثالث الناقص العقل رواه ","part":5,"page":94},{"id":2122,"text":" ميمون بن مهران عن ابن عباس والرابع المهلك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال ابو عبيدة وابن قتيبة قال الزجاج يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا أهلك والخامس الهالك قاله مجاهد والسادس الممنوع من الخير تقول العرب ما ثبرك عن هذا أي ما منعك قاله الفراء \r\n قوله تعالى فأراد أن يستفزهم من الأرض يعني فرعون أراد أن يستفز بني أسرائيل من أرض مصر وفي معنى يستفزهم قولان \r\n أحدهما يستأصلهم قاله ابن عباس \r\n والثاني يستخفهم حتى يخرجوا قاله ابن قتيبة وقال الزجاج جائز أن يكون استفزازهم اخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية قال العلماء وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه لما خرج موسى فطلبه فرعون هلك فرعون وملك موسى وكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع اليها ظاهرا عليها \r\n قوله تعالى وقلنا من بعده أي من بعد هلاك فرعون لبني أسرائيل اسكنوا الأرض وفيها ثلاث أقوال \r\n أحدها فلسطين والأردن قاله ابن عباس والثاني أرض وراء الصين قال مقاتل والثالث أرض مصر والشام \r\n قوله تعالى فاذا جاء وعد الآخرة يعني القيامة جئنا بكم لفيفا أي جميعا قاله ابن عباس ومجاهد وابن قتيبة وقال الفراء لفيفا أي من هاهنا ومن هاهنا وقال الزجاج اللفيف الجماعات من قبائل شتى ","part":5,"page":95},{"id":2123,"text":" وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا \r\n قوله تعالى وبالحق أنزلناه الهاء كناية عن القرآن والمعنى أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم فهو حق ونزوله حق وما تضمنه حق وقال ابو سليمان الدمشقي وبالحق أنزلناه أي بالتوحيد وبالحق نزل يعني بالوعد والوعيد والأمر والنهي \r\n قوله تعالى وقرآنا فرقناه قرأ علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وأبو رزين ومجاهد والشعبي وقتادة والأعرج وأبو رجاء وابن محيصن فرقناه بالتشديد وقرأ الجمهور بالتخفيف \r\n فأما قراءة التخفيف ففي معتاها ثلاثة أقوال \r\n أحدها بينا حلاله وحرامه رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني فرقنا فيه بين الحق والباطل قاله الحسن \r\n والثالث أحكمناه وفصلناه كقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان 4 قاله الفراء وأما المشددة فمعناها أنه أنزل متفرقا ولم ينزل جملة واحدة وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي نزل فيها ","part":5,"page":96},{"id":2124,"text":" قوله تعالى لتقرأه على الناس على مكث قرأ أنس والشعبي والضحاك وقتادة وأبو رجاء وأبان عن عاصم وابن محيصن بفتح الميم والمعنى على تؤدة وترسل ليتدبروا معناه \r\n قوله تعالى قل آمنوا به أو لا تؤمنوا هذا تهديد لكفار أهل مكة والهاء كناية عن القرآن إن الذين أوتوا العلم وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم ناس من أهل الكتاب قاله مجاهد \r\n والثاني أنهم الأنبياء عليهم السلام قاله ابن زيد \r\n والثالث طلاب الدين كأبي ذر وسلمان وورقة بن نوفل وزيد ابن عمرو قاله الواحدي \r\n وفي هاء الكناية في قوله من قبله قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والمعنى من قبل نزوله \r\n والثاني ترجع الى رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن زيد فعلى الأول اذا يتلى عليهم القرآن وعلى قول ابن زيد اذا يتلى عليهم ما انزل اليهم من عند الله \r\n قوله تعالى يخرون للأذقان اللام هاهنا بمعنى على قال ابن عباس قوله للأذقان أي للوجوه قال الزجاج الذي خير وهو قائم إنما يخر لوجهه والذقن مجتمع اللحيين وهو عضو من أعضاء الوجه فاذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من وجهه الى الأرض الذقن وقال ابن الأنباري أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل ان يصوب جبتهه ذقنه فلذلك قال ","part":5,"page":97},{"id":2125,"text":" للأذقان ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل وبالنوع من الجنس \r\n قوله تعالى ويقولون سبحان ربنا نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن وقالوا ان كان وعد ربنا بانزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه و سلم لمفعولا واللام دخلت للتوكيد وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب ومنزل عليه كتابا فلما عاينوا ذلك حمدوا الله تعالى على انجاز الوعد ويخرون للأذقان كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم ويزيدهم خشوعا أي يزيدهم القرآن تواضعا وكان عبد الأعلى التيمي يقول من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء فقال ان الذين اوتوا العلم إلى قوله يبكون \r\n قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا \r\n قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية هذه الأية نزلت على سببين نزل أولها إلى قوله الحسنى على سبب وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تهجد ذات ليلة بمكة فجعل يقول في سجوده يا رحمن يا رحيم فقال المشركون كان محمد يدعو إلها واحدا فهو الآن ","part":5,"page":98},{"id":2126,"text":" يدعو إلهين اثنين الله والرحمن ما نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأنزل الله هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكتب في أول ما أوحي اليه باسمك اللهم حتى نزل إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم النمل 30 فكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال مشركو العرب هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن فنزلت هذه الاية قاله ميمون بن مهران \r\n والثالث أن اهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت هذه الآية قاله الضحاك \r\n فأما قوله ولا تجهر بصلاتك فنزل على سبب وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرفع صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن و من أتى به فخفض رسول الله صلى الله عليه و سلم صوته بعد ذلك حتى لم يسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس \r\n والثاني أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة \r\n والثالث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي بمكة عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لاتفتر على الله فخفض النبي صلى الله عليه و سلم صوته فقال ","part":5,"page":99},{"id":2127,"text":" أبو جهل للمشركين الا ترون ما فعلت بابن ابي كبشة رددته عن قراءته فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n فأما التفسير فقوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن المعنى إن شئتم فقولوا يا ألله وإن شئتم فقولوا يارحمن فانهما يرجعان إلى واحد أيا ما تدعوا المعنى أي أسماء الله تدعوا قال الفراء وما قد تكون صلة كقوله عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون 40 وتكون في معنى أي معادة لما اختلف لفظهما \r\n قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك فيه قولان \r\n أحدهما أنها الصلاة الشرعية ثم في المراد بالكلام ستة أقوال \r\n أحدها لاتجهر بقراءتك ولا تخافت بها فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة وشدة المخافتة قاله ابن عباس فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أن يكون المعنى فلا تجهر بقراءة صلاتك والثاني أن القراءة بعض الصلاة فنابت عنها كما قيل لعيسى كلمة الله لأنه بالكلمة كان \r\n والثاني لا تصل مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس قاله ابن عباس ايضا \r\n والثالث لا تجهر بالتشهد في صلاتك روي عن عائشة في رواية وبه قال ابن سيرين \r\n والرابع لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار قاله عكرمة \r\n والخامس لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها قاله الحسن \r\n والسادس لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به ذكره القاضي ابو يعلى ","part":5,"page":100},{"id":2128,"text":" والقول الثاني أن المراد بالصلاة الدعاء وهو قول عائشة وأبي هريرة ومجاهد \r\n قوله تعالى ولا تخافت بها المخافتة الإخفاء يقال صوت خفيت وابتغ بين ذلك سبيلا أي اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا وقد روي عن ابن عباس انه قال نسخت هذه الآية بقوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول الأعراف 205 وقال ابن السائب نسخت بقوله فاصدع بما تؤمر الحجر 94 وعلى التحقيق وجود النسخ هاهنا بعيد \r\n قوله تعالى ولم يكن له شريك في الملك وقرأ ابو المتوكل وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف في الملك بكسر الميم ولم يكن له ولي من الذل قال مجاهد لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد والمعنى أنه لا يحتاج الى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما تاما ","part":5,"page":101},{"id":2129,"text":" سورة الكهف \r\n فصل في نزولها \r\n روى أبو صالح عن ابن عباس أن سورة الكهف مكية وكذلك قال الحسن ومجاهد وقتادة وهذا اجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه إلا أنه قد روي عن ابن عباس وقتادة أن منها آية مدنية وهي قوله واصبر نفسك الكهف 28 وقال مقاتل من أولها الى قوله تعالى صعيدا جرزا الكهف 8 مدني وقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات الكهف 107108 الآيتان مدنية وباقيها مكي وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من حفظ عشر آيات من أول الكهف ثم أدرك الدجال لم يضره ومن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة ","part":5,"page":102},{"id":2130,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا \r\n قوله تعالى الحمد لله قد شرحناه في أول الفاتحة والمراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم وبالكتاب القرآن تمدح بانزاله لأنه انعام على الرسول خاصة وعلى الناس عامة قال العلماء باللغة والتفسير في هذه الآية تقديم وتأخير تقديرها أنزل على عبده الكتاب قيما أي مستقيما عدلا وقرأ أبو رجاء وابو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر والنخعي والأعمش قيما بكسر القاف وفتح الياء وقد فسرناه في الأنعام 161 \r\n قوله تعالى ولم يجعل له عوجا أي لم يجعل فيه اختلافا وقد سبق بيان العوج في آل عمران 99 \r\n قوله تعالى لينذر بأسا شديدا أي عذابا شديدا من لدنه أي من عنده ومن قبله والمعنى لينذر الكافرين ويبشر المؤمنين الذين يعلمون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا حسنا وهو الجنة ماكثين ","part":5,"page":103},{"id":2131,"text":" أي مقيمين وهو منصوب على الحال وينذر بعذاب الله الذين قالوا اتخذ الله ولدا وهم اليهود حين قالوا عزير ابن الله والنصارى حين قالوا المسيح ابن الله والمشركون حين قالوا الملائكة بنات الله ما لهم به أي بذلك القول من علم لأنهم قالوا أفترى على الله ولا لآبائهم الذين قالوا ذلك كبرت أي عظمت كلمة الجمهور على النصب وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وأبو رزين وأبو رجاء ويحيى بن يعمر وابن محيصن وابن أبي عبلة كلمة بالرفع قال الفراء من نصب أضمر كبرت تلك الكلمة كلمة ومن رفع لم يضمر شيئا كما تقول عظم قولك وقال الزجاج من نصب فالمعنى كبرت مقالتهم اتخذ الله ولدا كلمة وكلمة منصوب على التمييز ومن رفع فالمعنى عظمت كلمة هي قولهم اتخذ الله ولدا \r\n قوله تعالى تخرج من أفواههم أي إنها قول بالفم لا صحة لها ولا دليل عليها ان يقولون أي ما يقولون إلا كذبا ثم عاتبه على حزنه لفوت ما كان يرجو من اسلامهم فقال فلعلك باخع نفسك وقرأ سعيد ابن جبير وابو الجوزاء وقتادة باخع نفسك بكسر السين على الإضافة قال المفسرون واللغويون فلعلك مهلك نفسك وقاتل نفسك وانشد أبو عبيدة لذي الرمة ... ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر ... \r\n أي تحته ","part":5,"page":104},{"id":2132,"text":" فان قيل كيف قال فلعلك والغالب عليها الشك والله عالم بالأشياء قبل كونها \r\n فالجواب أنها ليست بشك إنما هي مقدرة تقدير الاستفهام الذي يعني به التقرير فالمعنى هل أنت قاتل نفسك لا ينبغي أن يطول أساك على إعراضهم فان من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى على آثارهم أي من بعد توليهم عنك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث يعني القرآن أسفا وفيه اربعة أقوال \r\n أحدها حزنا قاله ابن عباس وابن قتيبة والثاني جزعا قاله مجاهد والثالث غضبا قاله قتادة والرابع ندما قاله السدي وقال ابو عبيدة ندما وتلهفا وأسى قال الزجاج الأسف المبالغة في الحزن أو الغضب يقال قد أسف الرجل فهو أسيف قال الشاعر ... أرى رجلا منهم أسيفا كأنهما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا ... \r\n وهذه الآية يشير بها الى نهي رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كثرة الحرص على إيمان قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف \r\n إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا \r\n قوله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الرجال رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني العلماء ","part":5,"page":105},{"id":2133,"text":" رواه مجاهد عن ابن عباس فعلى هذين القولين تكون ما في موضع من لأنها في موضع إبهام قاله ابن الانباري والثالث أنه ما عليها من شيء قاله مجاهد والرابع النبات والشجر قالاه مقاتل وقول مجاهد أعم يدخل فيه النبات والماء والمعادن وغير ذلك \r\n فان قيل قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة \r\n فالجواب أنا إن قلنا إن المراد به شيء مخصوص فالمعنى إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها فخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص وإن قلنا هم الرجال أو العلماء فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم وإن قلنا النبات والشجر فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية وإن قلنا إنه عام في كل ما عليها فلكونه دالا على خالقه فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة \r\n قوله تعالى لنبلوهم أي لنختبر الخلق والمعنى لنعاملهم معاملة المبتلى قال ابن الأنباري من قال إن ما على الأرض يعني به النبات قال الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة ومن قال ما على الأرض الرجال رد الهاء والميم على ما لأنها بتأويل الجميع ومعنى الآية لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا هذا أم هذا قال الحسن أيهم أزهد في الدنيا وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود 7 ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك فقال تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا قال الزجاج الصعيد الطريق الذي لا نبات فيه وقال ابن الأنباري قال اللغويون الصعيد التراب ووجه الأرض فأما الجرز فقال الفراء أهل الحجاز يقولون أرض جرز وجرز وأسد تقول جرز وجرز وتميم تقول أرض جرز وجرز وبالتخفيف وقال ابو عبيدة الصعيد الجرز الغليظ الذي لا ينبت شيئا ويقال للسنة ","part":5,"page":106},{"id":2134,"text":" المجدبة جرز وسنون أجراز لجدوبتها وقلة مطرها وأنشد \r\n قد جرفتهن السنون الأجراز \r\n وقال الزجاج الجرز الأرض التي لا ينبت فيها شيء كأنها تأكل النبت أكلا وقال ابن الأنباري قال اللغويون الجرز الأرض التي لا يبقى بها نبات تحرق كل نبات يكون بها وقال المفسرون وهذا يكون يوم القيامة يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء \r\n أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا امدا \r\n قوله تعالى أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم نزلت على سبب قد ذكرناه عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 وقال ابن قتيبة ومعنى أم حسبت أحسبت فأما الكهف فقال المفسرون هو المغارة في الجبل إلا أنه واسع فاذا صغر فهو غار قال ابن الأنباري قال اللغويون الكهف بمنزلة الغار في الجبل \r\n فأما الرقيم ففيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع عليهم يوما من الدهر ما قصتهم قاله ابو صالح عن ابن عباس وبه قال ","part":5,"page":107},{"id":2135,"text":" وهب بن منبه وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية وقال السدي الرقيم صخرة كتب فيها اسماء الفتية وجعلت في سور المدينة وقال مقاتل الرقيم كتاب كتبه رجلان صالحان وكانا يكتمان إيمانهما من الملك الذي فر منه الفتية كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف فقالا لعل الله أن يطلع على هؤلاء الفتية احدا فيعلمون أمرهم إذا قرؤوا الكتاب وقال الفراء كتب في اللوح اسماؤهم وانسابهم ودينهم وممن كانوا قال ابو عبيدة وابن قتيبة الرقيم الكتاب وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه كتاب مرقوم أي مكتوب والثاني أنه اسم القرية ألتي خرجوا منها قاله كعب والثالث اسم الجبل قاله الحسن وعطية والرابع ان الرقيم الدواة بلسان الروم قاله عكرمة ومجاهد في رواية والخامس اسم الكلب قاله سعيد بن جبير والسادس اسم الوادي الذي فيه الكهف قاله قتادة والضحاك \r\n قوله تعالى كانوا من آياتنا عجبا قال المفسرون معنى الكلام أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم فان خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم وقال ابن عباس الذي آتيتك من الكتاب والسنة والعلم أفضل من شأنهم \r\n قوله تعالى إذ أوى الفتية قال الزجاج معنى أووا اليه صاروا اليه وجعلوه مأواهم والفتية جمع فتى مثل غلام وغلمة وصبي وصبية وفعلة من أسماء الجمع وليس ببناء يقاس عليه لا يجوز غراب وغربة ولا غني وغنية وقال بعض المفسرين الفتية بمعنى الشبان وقد ذكرنا عن ","part":5,"page":108},{"id":2136,"text":" القتيبي أن الفتى بمعنى الكامل من الرجال وبيناه في قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات النساء 25 \r\n قوله تعالى فقالوا ربنا آتنا من لدنك أي من عندك رحمة أي رزقا وهيئ لنا أي أصلح لنا من أمرنا رشدا أي ارشدنا إلى ما يقربنا منك والمعنى هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد والرشد والرشد والرشاد نقيض الضلال \r\n تلخيص قصة أصحاب الكهف \r\n اختلف العلماء في بدو امرهم وسبب مصيرهم الى الكهف على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم الى عبادة الأصنام الأصنام فمروا براع له فتبعهم على دينهم فأووا الى الكهف يتعبدون ورجل منهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا فبكوا وتعوذوا بالله من الفتنة فضرب الله تعالى على آذانهم وأمر الملك فسد عليهم الكهف وهو يظنهم أيقاظا وقد توفى الله ارواحهم وفاة النوم وكلبهم قد غشيه ما غشيهم ثم إن الرجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان وقالا لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين فيعلمون خبرهم هذا قول ابن عباس وقال عبيد بن عمير فقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم أمرهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكونن لهذا شأن ","part":5,"page":109},{"id":2137,"text":" والثاني أن أحد الحواريين جاء الى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد الا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يعمل فيه بالأجر وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة فآمنوا به وصدقوه حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة فدخل معها الحمام فأنكر عليه الحواري ذلك فسبه ودخل فمات وماتت المرأة في الحمام فأتى الملك فقيل له إن صاحب الحمام قتل ابنك فالتمس فهرب فقال من كان يصحبه فسمي له الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا على صاحب لهم في زرع وهو على مثل أمرهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل الى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت هاهنا ثم نصبح ان شاء الله فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم فناموا وخرج الملك وأصحابه يتبعونهم فوجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف ارعب فقال قائل للملك أليس قلت إن قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا ففعل هذا قول وهب بن منبه \r\n والثالث أنهم كانوا ابناء عظماء المدينة وأشرافهم خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد فقال رجل منهم هو اسنهم اني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده فقالوا ما تجد قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض فقاموا جميعا فقالوا ربنا رب السموات والأرض فأجمعوا أن يدخلوا الكهف فدخلوا فلبثوا ما شاء الله هذا قول مجاهد وقال قتادة كانوا أبناء ملوك الروم فتفردوا بدينهم في الكهف فضرب الله على آذانهم ","part":5,"page":110},{"id":2138,"text":" فصل \r\n فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم فقال عكرمة جاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلما فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل يبعث الروح والجسد وقال قائل يبعث الروح وحده والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا فشق اختلافهم على الملك فانطلق فلبس المسوح وقعد على الرماد ودعا الله أن يبعث لهم آية تبين لهم فبعث الله اصحاب الكهف وقال وهب ابن منبه جاء راع قد أدركه المطر الى الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتحه ورد الله اليهم ارواحهم حين اصبحوا من الغد وقال ابن السائب احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظسرة لغنمه فهدم ذلك السد فبنى به فانفتح باب الكهف وقال ابن اسحاق ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة فنزعاها وفتحا باب الكهف فجلسوا فرحين فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوهم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه إنما هم على هيئتين حيث رقدوا وهم يرون أن ملكهم أن ملكهم في طلبهم فصلوا وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم انطلق فاستمع ما نذكر به وابتغ لنا طعاما فوضع ثيابه واخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف فعجب ثم مر مستخفيا متخوفا أن يراه احد فيذهب به الى الملك فلما رأى باب المدينة رآى عليه علامة تكون لأهل الإيمان وخيل إليه أنها ليست بالمدينة ","part":5,"page":111},{"id":2139,"text":" التي يعرف ورأى ناسا لا يعرفهم فجعل يتعجب ويقول لعلي نائم فلما دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى فقام مسندا ظهره إلى جدار وقال في نفسه والله ما أدري ما هذا عشية أمس لم يكن وجه الأرض من يذكر عيسى إلا قتل واليوم أسمعهم يذكرونه لعل هذه ليست المدينة التي أعرف والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران وأخرج ورقا فأعطاه رجلا وقال بعني طعاما فنظر الرجل إلى نقشه فعجب ثم ألقاه إلى آخر فجعلوا يتطارحونه بينهم ويتعجبون ويتشاورون وقالوا إن هذا قد اصاب كنزا ففرق منهم وظنهم قد عرفوه فقال أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه فقالوا له من أنت يا فتى والله لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن تخفيه شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك فلم يدر ما يقول فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر المدينة فقالا أين الكنز الذي وجدت قال ما وجدت كنزا ولكن هذه ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ما شأني ولا ما أقول لكم قال مجاهد وكان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل فقالوا من أنت وما اسم أبيك فأخبرهم فلم يجدوا من يعرفه فقال له أحدهما أتظن أنك تسخر منا وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار إني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز فقال يمليخا أنبؤني عن شيء اسالكم عنه فان فعلتم صدقتكم قالوا سل قال ما فعل الملك دقيانوس قالوا لا نعرف اليوم على وجه الارض ملكا يسمى دقيانوس وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل وهلكت بعده قرون كثيرة فقال والله ما يصدقني أحد بما اقوله لقد كنا ","part":5,"page":112},{"id":2140,"text":" فتية وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما فإذا أنا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه قد أخذ فبينما هم يتخوفون ذلك إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل فظنوا أنهم رسل دقيانوس فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض فسبق يمليخا إليهم وهو يبكي فبكوا معه وسألوه عن شأنه فأخبرهم خبره وقص عليهم النبأ كله فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث ونظر الناس في المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم فعجبوا وأرسلوا إلى ملكهم فجاء واعتنق القوم وبكى فقالوا له نستودعك الله ونقرأ عليك السلام حفظك وحفظ ملكك فبينا الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله عز و جل أنفسهم فامر الملك أن يجعل لكل واحد منهم تابوت من ذهب فلما أمسوا رآهم في المنام فقالوا إنا لم نخلق من ذهب وقضة ولكن خلقنا من تراب فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عز و جل من وحجبهم الله عز و جل حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى كل سنة وقيل إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس قال دعوني أدخل إلى أصحابي فأبشرهم فانهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم وقبض الله روحه وأرواحهم فدخل الناس فاذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم ","part":5,"page":113},{"id":2141,"text":" قوله تعالى فضربنا على آذانهم قال الزجاج المعنى أنمناهم ومنعناهم السمع لأن النائم إذا سمع انتبه وعددا منصول على ضربين \r\n أحدهما علىالمصدر المعنى تعد عددا \r\n والثاني أن يكون نعتا للسنين المعنى سنين ذات عدد والفائدة في ذكر العدد في الشيء المعدود توكيد كثرة الشيء لأنه اذا قل فهم مقداره وإذا كثر احتيج الى أن يعد العدد الكثير ثم بعثناهم من نومهم يقال لكل من خرج من الموت الى الحياة أو من النوم إلى الانتباه مبعوث لانه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التصرف والانبعاث وقيل معنى سنين عددا أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام إنما هي كاملة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى لنعلم أي الحزبين قال المفسرون أي لذى وقال بعضهم المعنى لتعلموا أنتم وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والنخعي ليعلم بضم الياء على ما لم يسم فاعله أي الحزبين ويعني بالحزبين المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف أحصى لما لبثوا أي لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء فكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر قال قتادة لم يكن للفريقين علم بلبثهم لا لمؤمنيهم ولا لكافريهم قال مقاتل لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث وقال القاضي أبو يعلى معنى الكلام بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما في ذلك من العبرة \r\n نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا ","part":5,"page":114},{"id":2142,"text":" شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه الهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا \r\n قوله تعالى نحن نقص عليك نبأهم أي خبر الفتية بالحق أي بالصدق \r\n قوله تعالى وزدناهم هدى أي ثبتناهم على الإيمان وربطنا على قلوبهم أي ألهمناها الصبر إذ قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس فقالوا ربنا رب السموات والأرض وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم وقال الحسن قاموا في قومهم فدعوهم الى التوحيد وقيل هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أول القصة فأما الشطط فهو الجور قال الزجاج يقال شط الرجل وأشط إذا جار ثم قال الفتية هؤلاء قومنا يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس اتخذوا من دونه آلهة أي عبدوا الأصنام لولا أي هلا يأتون عليهم أي على عبادة الأصنام بسلطان بين أي بحجة وإنما قال عليهم والأصنام مؤنثة لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز فجرت مجرى المذكرين من الناس \r\n قوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أن له شريكا \r\n وإذ اعتزلوهم يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزوار عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك ","part":5,"page":115},{"id":2143,"text":" من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا \r\n قوله تعالى وإذ اعزلتموهم قال ابن عباس هذا قول يمليخا وهو رئيس اصحاب الكهف قال لهم وإذ اعتزلتموهم أي فارقتموهم يريد عبدة الأصنام وما يعبدون إلا الله فيه قولان \r\n أحدهما واعتزلتم ما يعبدون إلا الله فان القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزل الفتية عبادة الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله هذا قول عطاء الخراساني والفراء \r\n والثاني وما يعبدون غير الله قال قتادة هي في مصحف عبد الله وما يعبدون من دون الله وهذا تفسيرها \r\n قوله تعالى فأووا إلى الكهف أي اجعلوه مأواكم ينشر لكم ربكم من رحمته أي يبسط عليكم من رزقه ويهيئ لكم من أمركم مرفقا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء وقرأ نافع وابن عامر مرفقا بفتح الميم وكسرالفاء قال الفراء أهل الحجاز يقولون مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء في كل مرفق ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعا قال ابن الأنباري معنى الآية ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب مرفقا قال الشاعر ... فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان ","part":5,"page":116},{"id":2144,"text":" معناه فليت لنا بدلا من ماء زمزم قال ابن عباس ويهيئ لكم يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق واللطف \r\n قوله تعالى وترى الشمس إذا طلعت المعنى لو رأيتها لرايت ما وصفنا تزاور قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تزاور بتشديد الزاي وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور خفيفة وقرأ ابن عامر تزور مثل تحمر وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابو رجاء والجحدري تزوار باسكان الزاي وبألف ممدودة بعد الواو من غير همزة مشددة الراء وقرأ ابن مسعدو وأبو المتوكل وابن السميفع تزوئر بهمزة قبل الراء مثل تزوعر وقرأ ابو الجوزاء وأبو السماك تزور بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الراء مثل تكور أي تميل وتعدل قال الزجاج أصل تتزاور فأدغمت التاء في الزاي وتقرضهم أي تعدل عنهم وتتركهم وقال ذو الرمة ... إلى طغن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوراس ... \r\n يقرضن يتركن واصل القرض القطع والتفرقة بين الأشياء ومنه قولك أقرضني درهما أي اقطع لي من مالك درهما قال المفسرون كان كهفهم بازاء بنات نعش في أرض الروم فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء فقال وهم في فجوة منه قال ابو عبيدة أي في متسع والجميع فجوات وفجاء بكسر الفاء وقال الزجاج إنما ","part":5,"page":117},{"id":2145,"text":" صرف الشمس عنهم آية من الآيات ولم يرض قول من قال كان كهفهم بازاء بنت نعش \r\n قوله تعالى ذلك من آيات الله يشير الى ماصنعه بهم من اللطف في هدايتهم وصرف أذى الشمس عنهم والرعب الذي ألقى علهم حتى لم يقدر الملك الظالم ولا غيره على أذاهم من آيات الله أي من دلائله على قدرته ولطفه من يهد الله فهو المهتد هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية القوم ولولا ذلك لم يهتدوا \r\n وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد لو اطعلت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا \r\n قوله تعالى وتحسبهم أيقاظا أي لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا قال الزجاج الأيقاظ المنتبهون واحدهم يقط ويقظان والجميع أيقاظ والرقود النيام قال الفراء واحد الأيقاظ يقظ ويقظ قال ابن السائب وإنما يحسبون أيقاظا لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقيل لتقلبهم يمينا وشمالا وذكر بعض أهل العلم أن وجه الحكمة في فتح أعينهم أنه لو دام طبقها لذابت \r\n قوله تعالى ونقلبهم وقرأ أبو رجاء وتقلبهم بتاء مفتوحة وسكون القاف وتخفيف اللام المكسورة وقرأ ابو الجوزاء وعكرمة ونقلبهم مثلها إلا أنه بالنون ذات اليمين أي على ايمانهم وعلى شمائلهم قال ابن عباس كانوا يقلبون في كل عام مرتين ستة أشهر على هذا الجنب وستة أشهر على هذا الجنب لئلا تأكل الأرض لحومهم وقال مجاهد كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد ثم قلبوا تسع سنين ","part":5,"page":118},{"id":2146,"text":" قوله تعالى وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم في النوم وهو في راي العين منتبه وفي الوصيد أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الفناء فناء الكهف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وقتادة والفراء قال الفراء يقال الوصيد والأصيد لغتان مثل الإكفاف والوكاف وأرخت الكتاب وورخت ووكدت الأمر وأكدت وأهل الحجاز يقولون الوصيد وأهل نجد يقولون الأصيد وهو الحظيرة والفناء \r\n والثاني أنه الباب رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي وقال ابن قتيبة فيكون المعنى وكلبهم باسط ذارعيه بالباب قال الشاعر ... بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... على ومعروفي بها غير منكر ... \r\n والثالث أنه الصعيد وهو التراب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد في رواية عنهما \r\n والرابع أنه عتبة الباب قاله عطاء قال ابن قتيبة وهذا أعجب إلي لأنهم يقولون أوصد بابك أي أغلقه ومنه قوله إنها عليهم مؤصدة الهمزة 8 أي مطبقة مغلقة وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء كان خارجا من الكهف وإن جعلته بعتبة الباب أمكن أن يكون داخل الكهف والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة فانما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت فاستعير \r\n قوله تعالى لو اطلعت عليهم وقرأ الأعمش وأبو حصين لو أطلعت ","part":5,"page":119},{"id":2147,"text":" بضم الواو لوليت منهم فرارا رهبة لهم ولملئات قرأ عاصم وابن عامر وابو عمرو وحمزة والكسائي ولملئت خفيفة مهموزة وقرأ ابن كثير ونافع ولملئت مشددة مهموزة رعبا أي فزعا وخوفا وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل اليهم أحد وقيل انهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا حكاه الزجاج \r\n وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تلفحوا إذا أبدا \r\n قوله تعالى وكذلك بعثناهم أي وكما فعلنا بهم ما ذكرناه بعثناهم من تلك النومة ليتساءلوا أي ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم قال قائل منهم كم لبثتم أي كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وذلك أنهم دخلوا غدوة وبعثهم الله في آخر النهار فلذلك قالوا يوما فلما رأوا الشمس قالوا أبو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قال ابن عباس القائل لهذا يمليخا رئيسهم رد علم ذلك الى الله تعالى وقال في رواية أخرى انما قاله مكسلمينا وهو أكبرهم قال أبو سليمان وهذا يوجب ان تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا وقيل إنما قالوا ذلك لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا \r\n قوله تعالى فابعثوا أحدكم قال ابن الأنباري إنما قال أحدكم ","part":5,"page":120},{"id":2148,"text":" ولم يقل واحد كم لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم فان العرب تقول رأيت أحد القوم ولا يقولون رأيت واحد القوم إلا إذا أرادوا المعظم فأراد بأحدهم بعضهم ولم يرد شريفهم \r\n قوله تعالى بورقكم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بورقكم الراء مكسورة خفيفة وقرا ابو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء وعن أبي عمرو بورقكم مدغمة يشمها شيئا من التثقيل قال الزجاج يقولون الورق وبعض العرب يكسرون الواو فيقولون الورق قال ابن قتيبة الورق الفضة دراهم كانت او غير دراهم يدلك على ذلك حديث عرفجة انه اتخذ أنفا من ورق \r\n قوله تعالى إلى المدينة يعنون التي خرجوا منها واسمها دقسوس ويقال هي اليوم طرسوس \r\n قوله تعالى فلينظر ايها قال الزجاج المعنى أي أهلها أزكى طعاما وللمفسرين في معناه ستة أقوال \r\n أحدها أحل ذبيحة قاله ابن عباس وعطاء وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا فكانوا يذبحون للطواغيت وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم والثاني أحل طعاما قاله سعيد بن جبير قال الضحاك وكانت أكثر أموالهم غصوبا وقال مجاهد قالوا لصاحبهم لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب والثالث أكثر قاله عكرمة والرابع خير أي أجود قاله قتادة ","part":5,"page":121},{"id":2149,"text":" والخامس أطيب قاله ابن السائب ومقاتل والسادس ارخص قاله يمان بن رياب قال ابن قتيبة واصل الزكاء النماء والزيادة \r\n قوله تعالى فلياتكم برزق منه أي بما تأكلونه وليتلطف أي ليدقق النظر فيه وليحتل لئلا يطلع عليه ولا يشعرن بكم أي ولا يخبرن أحدا بمكانكم إنهم إن يظهروا أي يطلعوا ويشرفوا عليكم يرجموكم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها يقتلوكم قاله ابن عباس وقال الزجاج يقتلوكم بالرجم والثاني يرجموكم بأيديهم استنكارا لكم قاله الحسن والثالث بألسنتهم شتما لكم قاله مجاهد وابن جريج \r\n قوله تعالى أو يعيدوكم في ملتهم أي يردوكم في دينهم ولن تفلحوا إذا ابدا أي إن رجعتم في دينهم لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة \r\n وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا \r\n قوله تعالى وكذلك أعثرنا عليهم أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطعلنا وأظهرنا عليهم قال ابن قتيبة وأصل هذا أن من عثر بشيء وهو غافل نظر اليه حتى يعرفه فاستعير العثار مكان التبين والظهور ومنه قول الناس ما عثرت على فلان بسوء قط أي ما ظهرت على ذلك منه \r\n قوله تعالى ليعلموا في المشار اليهم بهذا العلم قولان ","part":5,"page":122},{"id":2150,"text":" أحدهما أنهم اهل بلدهم حين اختصموا في البعث فبعث الله أهل الكهف ليعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق وأن القيامة لا شك فيها هذا قول الاكثرين \r\n والثاني أنهم أهل الكهف بعثناهم ليروا بعد علمهم أن وعد الله حق ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى إذ يتنازعون يعني أهل ذلك الزمان قال ابن الأنباري المعنى إذ كانوا يتنازعون ويجوز ان يكون المعنى إذ تنازعوا \r\n وفي ما تنازعوا فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم تنازعوا في البنيان والمسجد فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا لأنهم على ديننا وقال المشركون نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل سنتنا قاله ابن عباس والثني أنهم تنازعوا في البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال بعضهم تبث الأرواح دون الأجساد فأراهم الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف قاله عكرمة والثالث أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية قاله مقاتل والرابع أنهم تنازعوا في قدر مكثهم والخامس تنازعوا في عددهم ذكرهما الثعلبي \r\n قوله تعالى ابنوا عليهم بنيانا أي استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان وفي القائلين لهذا قولان \r\n أحدهما أنهم مشركو ذلك الزمان وقد ذكرناه عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى قال الذين غلبوا على أمرهم قال ابن قتيبة يعني المطاعين ","part":5,"page":123},{"id":2151,"text":" والرؤساء قال المفسرون وهم الملك وأصحابه المؤمنون أتخذوا عليهم مسجدا قال سعيد بن جبير بني عليهم الملك بيعه \r\n سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ولا تقولون لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا \r\n قوله تعالى سيقولون ثلاثة قال الزجاج ثلاثة مرفوع بخبر الابتداء المعنى سيقول الذين تنازعوا في أمرهم هم ثلاثة وفي هؤلاء القائلين قولان \r\n أحدهما أنهم نصارى نجران ناظروا رسول الله صلى الله عليه و سلم في عدة أهل الكهف فقالت الملكية هم ثلاثة رابعهم كلبهم وقالت اليعقوبية هم خمسة سادسهم كلبهم وقالت النسطورية هم سبعة وثامنهم كلهم فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى رجما بالغيب أي ظنا غير يقين قال زهير ... وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم ... \r\n فأما دخول الواو في قوله وثامنهم كلبهم ولم تدخل فيما قبل هذا ففيه أربعة أقوال ","part":5,"page":124},{"id":2152,"text":" أحدها أن دخولها وخروجها واحد قاله الزجاج \r\n والثاني أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين فأعلم بذكرها هاهنا أنها مرادة فيما قبل وإنما حذفت تخفيفا ذكره أبو نصر في شرح اللمع \r\n والثالث أن دخولها يدل على انقطاع القصة وان الكلام قد تم ذكره الزجاج أيضا وهو قول مقاتل بن سليمان فان الواو تدل على تمام الكلام قبلها واستئناف ما بعدها قال الثعلبي فهذه واو الحكم والتحقيق كأن الله تعالى حكى اختلافهم فتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حكم أن ثامنهم كلبهم وجاء في بعض التفسير ان المسلمين قالوا عند اختلاف النصارى هم سبعة فحقق الله قول المسلمين \r\n والرابع أن العرب تعطف بالواو على السبعة فيقولون ستة سبعة وثمانية لأن العقد عندهم سبعة كقوله التائبون العابدون إلى أن قال في الصفة الثامنة والناهون عن المنكر التوبة 112 وقوله في صفة الجنة وفتحت أبوابها وفي صفة النار فتحت أبوابها الزمر 71 73 لأن أبواب النار سبعة وابواب الجنة ثمانية ذكر هذا المعنى أبو اسحاق الثعلبي \r\n وقد اختلف العلماء في عددهم على قولين \r\n احدهما أنهم كانوا سبعة قاله ابن عباس \r\n والثاني ثمانية قاله ابن جريج وابن اسحاق وقال ابن الأنباري وقيل معنى قوله وثامنهم كلبهم صاحب كلبهم كما يقال السخاء حاتم والشعر زهير أي السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير وأما أسماؤهم فقال هشيم ","part":5,"page":125},{"id":2153,"text":" مكسلمينا ويمليخا وطرينوس وسدينوس وسرينوس ونواسس ويرانوس وفي التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به \r\n واختلفوا في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان لراع مروا به فتبعهم الراعي والكلب قاله ابن عباس \r\n والثاني انه كان لهم يتصيدون عليه قاله عبيد بن عمير \r\n والثالث أنهم مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك به مرارا فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي انا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم قاله كعب الأحبار \r\n وفي اسم كلبهم أربعة أقوال \r\n أحدها قطمير قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني اسمه الرقيم وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير والثالث قطمور قاله عبد الله بن كثير والرابع حمران قاله شعيب الجبائي وفي صفته ثلاثة أقوال \r\n أحدها أحمر حكاه الثوري والثاني أصفر حكاه ابن اسحاق والثالث أحمر الرأس أسود الظهر أبيض البطن أبلق الذنب ذكره ابن السائب \r\n قوله تعالى ربي أعلم بعدتهم حرك الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون \r\n قوله تعالى ما يعلمهم إلا قليل أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال عطاء يعني بالقليل أهل الكتاب قال ابن عباس أنا من ذلك القليل هم سعبة إن الله عدهم حتى أنتهى الى السبعة \r\n قوله تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظهرا قال ابن عباس وقتادة ","part":5,"page":126},{"id":2154,"text":" لا تمار أحدا حسبك ما قصصت عليك من أمرهم وقال ابن زيد لا تمار في عدتهم إلا مراء ظاهرا أن تقول لهم ليس كما تقولون ليس كما تعلمون وقيل إلا مراء ظاهرا بحجة واضحة حكاه الماوردي والمراء في اللغة الجدال يقال مارى يماري مماراة ومراء أي جادل قال ابن الأنباري معنى الآية لا تجادل إلا جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر إذ الله تعالى ألقى إليك مالا يشوبه باطل وتفسير المراء في اللغة استخراج غضب المجادل من قولهم مريت الشاة إذا استخرجت لبنها \r\n قوله تعالى ولا تستفت فيهم أي في أصحاب الكهف منهم قال ابن عباس يعني من أهل الكتاب قال الفراء أتاه فريقان من النصارى نسطوري ويعقوبي فسألهم النبي صلى الله عليه و سلم عن عددهم فنهي عن ذلك \r\n قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله سبب نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه و سلم عن ذي القرنين وعن الروح وعن أصحاب الكهف فقال غدا أخبركم بذلك ولم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه جبريل خسمة عشر يوما لتركه الاستثناء فشق ذلك عليه ثم نزلت هذه الآية قاله ابو صالح عن ابن عباس ومعنى الكلام ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله فحذف القول \r\n قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت قال ابن الأنباري معناه واذكر ربك بعد تفضي النسيان كما تقول أذكر لعبدالله إذا صلى حاجتك أي بعد انقضاء الصلاة \r\n وللمفسرين في معنى الآية ثلاثة أقوال ","part":5,"page":127},{"id":2155,"text":" أحدها ان المعنى اذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فقل إن شاء الله ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة قاله سعيد بن جبير والجمهور \r\n والثاني أن معنى إذا نسيت إذا غضبت قاله عكرمة قال ابن الأنباري وليس ببعيد لأن الغضب ينتج النسيان \r\n والثالث إذا نسيت الشيء فاذكر الله ليذكرك إياه حكاه الماوردي \r\n فصل \r\n وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه كقوله في قصة موسى ستجدني إن شاء الله صابرا الكهف 70 ولم يصبر فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق وأنه إذا قال انت طالق ان شاء الله وانت حر إن شاء الله أن ذلك يقع وهو قول مالك وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقع شيء من ذلك وأما اليمين بالله تعالى فان الاستثناء فيها يصح بخلاف الطلاق وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر كالظهار والنذر لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع وإذا علق به المشيئة علمنا وجودها لوجود لفظ الإيقاع من جهته بخلاف سائر الايمان لأنها ليست بموجبات للحكم وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة \r\n وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه لا يصح الاستثناء الا موصولا بالكلام وقد روي عن أحمد نحو هذا وبه قال أكثر الفقهاء ","part":5,"page":128},{"id":2156,"text":" والثاني انه يصح ما دام في المجلس قاله الحسن وطاووس وعن أحمد نحوه \r\n والثالث انه لو أستثنى بعد سنة جاز قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير وأبو العالية وقال ابن جرير الطبري الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه فيقول إن شاء الله ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية فيسقط عنه الحرج فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال الا ان يكون الاستثناء موصولا بيمينه ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاسثتناء دون الكفارة \r\n قوله تعالى وقل عسى أن يهديني ربي قرأ نافع وأبو عمرو يهديني ربي بياء في الوصل دون الوقف وقرأ ابن كثير بياء في الحالين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في الحالين \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما عسى أن يعطيني ربي من الايات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ففعل الله له ذلك وآتاه من علم غيوب المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف هذا قول الزجاج \r\n والثاني أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخبرهم خبر أصحال الكهف قال غدا أخبركم كما شرحنا في سبب نزول الآية فقال الله تعالى له وقل عسى أن يهديني ربي أي عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد هذا قول ابن الأنباري ","part":5,"page":129},{"id":2157,"text":" ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا \r\n قوله تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ثلاثمائة سنين منونا وقرأ حمزة والكسائي ثلاثمائمة سنين مضافا غير منون قال ابو علي العدد المضاف الى الآحاد قد جاء مضافا الى الجميع قال الشاعر ... وما زودوني غير سحق عمامة ... وخمسمئ منها قسي وزائف ... \r\n وفي هذا الكلام قولان \r\n أحدهما أنه حكاية عما قال الناس في حقهم وليس بمقدار لبثهم قاله ابن عباس واستدل عليه فقال لو كانوا لبثوا ذلك لما قال الله أعلم بما لبثوا وكذلك قال قتادة وهذا قول أهل الكتاب \r\n والثاني أنه مقدار ما لبثوا قاله عبيد بن عمير ومجاهد والضحاك وابن زيد والمعنى لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع الخلق عليهم \r\n قوله تعالى سنين قال الفراء وأبو عبيدة والكسائي والزجاج التقدير سنين ثلاثمائة وقال ابن قتيبة المعنى أنها لم تكن شهورا ولا أياما وإنما كانت سنين وقال أبو علي الفارسي سنين بدل من قوله ثلاثمائة قال الضحاك نزلت ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة فقالوا أياما او شهورا أو سنين فنزلت سنين فلذلك قال سنين ولم يقل سنة ","part":5,"page":130},{"id":2158,"text":" قوله تعالى وازدادوا تسعا يعني تسع سنين فاستغنى عن ذكر السنين بما تقدم من ذكرها ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين فيها فقال قل الله أعلم بما لبثوا قال ابن السائب قالت نصارى نجران أما الثلاثمائة فقد عرفناها وأما التسع فلا علم لنا بها فنزل قوله تعالى قل الله أعلم بما لبثوا وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله تعالى عليهم ذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم الى يومكم هذا لا يعلم ذلك غير الله وقيل إنما زاد التسع لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى أبصر به واسمع فيه قولان \r\n أحدهما أنه على مذهب التعجب فالمعنى ما أسمع الله به وأبصر أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم هذا قول الزجاج وذكر انه اجماع العلماء \r\n والثاني أنه في معنى الأمر فالمعنى أبصر بدين الله واسمع أي بصر بهدى الله وسمع فترجع الهاء اما على الهدى واما على الله عز و جل ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ما لهم من دونه أي ليس لأهل السموات والارض من دون الله من ناصر ولا يشرك في حكمه أحدا ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم به وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله عز و جل في حكمه وقرأن ابن عامر ولا تشرك جزما بالتاء والمعنى لا تشرك أيها الإنسان ","part":5,"page":131},{"id":2159,"text":" واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هوايه وكان امره فرطا \r\n قوله تعالى واتل ما اوحي إليكم في هذه التلاوة قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى القراءة والثاني بمعنى الاتباع فيكون المعنى على الاول اقرأ القرآن وعلى الثاني اتبعه واعمل به وقد شرحنا في الانعام 115 معنى لا مبدل لكلماته \r\n قوله تعالى ولن تجد من دونه ملتحدا قال مجاهد والفراء ملجأ وقال الزجاج معدلا عن أمره ونهيه وقال غيرهم موضعا تميل إليه في الالتجاء \r\n قوله تعالى واصبر نفسك سبب نزولها أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله لو أنك جلست في صدر المجلس ونحيت هؤلاء عنا يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جلسا اليك واخذنا عنك فنزلت هذه الآية الى قوله إنا اعتدنا للظالمين نارا فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات هذا قول سلمان الفارسي ومعنى قوله ","part":5,"page":132},{"id":2160,"text":" واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم أي احبسها معهم على أداء الصلوات بالغداة والعشي وقد فسرنا هذه الآية في الأنعام 52 إلى قوله تعالى ولا تعد عيناك عنهم أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين \r\n قوله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا سبب نزولها أن أمية بن خلف الجمحي دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم الى طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس وفي رواية أخرى عنه أنه قال هو عيينه وأشباهه ومعنى اغفلنا قلبه جعلناه غافلا وقرأ أبو مجلز من أغفلنا بفتح اللام ورفع باء القلب عن ذكرنا عن التوحيد والقرآن والإسلام واتبع هواه في الشرك وكان أمره فرطا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه أفرط في قوله لأنه قال إن رؤوس مضر وإن نسلم يسلم الناس بعدنا قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ضياعا قاله مجاهد وقال أبو عبيدة سرفا وتضييعا والثالث ندما حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة والرابع كان أمره التفريط والتفريط تقديم العجز قاله الزجاج \r\n وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ","part":5,"page":133},{"id":2161,"text":" قوله تعالى وقل الحق من ربكم قال الزجاج المعنى وقل الذي أتيتكم به الحق من ربكم \r\n قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فمن شاء الله فليؤمن روي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه وعيد وإنذار وليس بأمر قاله الزجاج \r\n والثالث أن معناه لا تنفعون الله بايمانكم ولا تضرونه بكفركم قاله الماوردي وقال بعضهم هذا اظهار للغنى لا إطلاق في الكفر \r\n قوله تعالى إنا أعتدنا أي هيأنا وأعددنا وقد شرحناه في قوله وأعتدت لهن متكأ يوسف 31 فأما الظالمون فقال المفسرون هم الكافرون وأما السرادق فقال الزجاج السرادق كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب او الحائط المشتمل على الشيء وقال ابن قتيبة السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السرادق فارسي معرب وأصله بالفارسية سرادار وهو الدهليز قال الفرزدق ... تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم ... تركت لهم قبل الضراب السرادقا ... \r\n وفي المراد بهذا السرادق قولان \r\n احدهما أنه سرادق من نار قاله ابن عباس روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال لسرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس قال ","part":5,"page":134},{"id":2162,"text":" السرادق لسان من النار يخرج من النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم \r\n والثاني أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الظل ذو ثلاث شعب الذي ذكره الله تعالى في المرسلات 30 قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى وإن يستغيثوا أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش يغاثوا بماء كالمهل وفيه سبعة أقوال \r\n أحدها أنه ماء غليظ كدردي الزيت رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه كل شيء أذيب حتى أنماع قاله ابن مسعود وقال أبو عبيدة والزجاج 4كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص او نحو ذلك فهول مهل \r\n والثالث قيح ودم أسود كعكر الزيت قاله مجاهد \r\n والرابع أنه الفضة والرصاص يذابان روي عن مجاهد أيضا \r\n والخامس أنه الذي انتهى حره قاله سعيد بن جبير \r\n والسادس أنه الصديد ذكره ابن الأنباري قال مغيب بن سمي هذا الماء هو ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم وما يجري منهم من دم وقيح يسيل ذلك إلى واد في جهنم فتطبخه جهنم فيكون أول ما يغاث به أهل النار \r\n والسابع أنه الرماد الذي ينفض عن الخبزة إذا خرجت من التنور حكاه ابن الأنباري ","part":5,"page":135},{"id":2163,"text":" قوله تعالى يشوي الوجوه قال المفسرون إذا قربه اليه سقطت فروة وجهه فيه ثم ذمه فقال بئس الشراب وساءت النار مرتفقا وفيه خمسة أقوال \r\n أحدها منزلا قاله ابن عباس والثاني مجتمعا قاله مجاهد والثالث متكأ قاله ابو عبيدة وأنشد لابي ذؤيب ... إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح ... \r\n وذبحه انفجاره قال الزجاج مرتفقا منصوب على التمييز ومعنى مرتفقا متكأ على المرفق والرابع ساءت مجلسا قاله ابن قتيبة والخامس ساءت مطلبا للرفق لأن من طلب رفقا من جهتها عدمه ذكره ابن الأنباري ومعاني هذه الأقوال تتقارب وأصل المرفق في اللغة ما يرتفق به \r\n إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا \r\n قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال الزجاج خبر إن هاهنا على ثلاثة أوجه ","part":5,"page":136},{"id":2164,"text":" أحدها أن يكون على إضمار إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم ولم يحتج إلى ذكر منهم لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه محبط عمل غير المؤمنين \r\n والثاني أن يكون خبر إن أولئك لهم جنات عدن فيكون قوله إنا لا نضيع قد فصل به بين الأسم وخبره لأنه يحتوي على معنى الكلام الأول لأن من أحسن عملا بمنزلة الذين آمنوا \r\n والثالث أن يكون الخبر إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا بمعنى إنا لا نضيع أجرهم \r\n قال المفسرون ومعنى لا نضيع أجر من أحسن عملا أي لا نترك أعماله تذهب ضياعا بل نجازيه عليها بالثواب \r\n فأما الأساور فقال الفراء في الواحد منها ثلاث لغات إسوار وسوار وسوار فمن قال إسوار جمعه أساور ومن قال سوار أو سوار جمعه أسورة وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور وقال الزجاج الأساور جمع أسورة وأسورة جمع سوار يقال سوار اليد بالكسر وقد حكي سوار قال المفسرون لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس جعل الله ذلك لأهل الجنة قال سعيد بن جبير يحلى كل واحد منهم بثلاثة من الأساور واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ ويواقيت \r\n فأما السندس والإستبرق فقال ابن قتيبة السندس رقيق الديباج والإستبرق ثخينه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السندس رقيق الديباج لم يختلف أهل اللغة في أنه معرب قال الراجز ... وليلة من الليالي حندس ... لون حواشيها كلون السندس ","part":5,"page":137},{"id":2165,"text":" والاستبرق غليظ الديباج فارسي معرب وأصله استفره وقال ابن دريد استروه ونقل من العجمية الى العربية فلوا حقر استبرق أو كسر لكان في التحقير أبيرق وفي التكسير أبارق بحذف السين والتاء جميعا \r\n قوله تعالى متكئين فيها الاتكاء التحامل على الشيء قال ابو عبيدة والأرائك الفرش في الحجال ولا تكون الأريكة إلا بحجلة وسرير وقال ابن قتيبة الأرائك السرر في الحجال واحدها أريكة وقال ثعلب لا تكون الأريكة إلا سريرا في قبة عليه شوراه ومتاعه قال ابن قتيبة الشوار مفتوح الشين وهو متاع البيت وقال الزجاج الأرائك الفرش في الحجال قال وقيل إنها الفرش وقيل الأسرة وهي على الحقيقة الفرش كانت في حجال لهم \r\n واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا \r\n قوله تعالى واضرب لهم مثلا رجلين روى عطاء عن ابن عباس قال هما ابنا ملك كان في بني اسرائيل توفي وتركهما فاتخذ أحدهما الجنان والقصور وكان الآخر زاهدا في الدنيا فكان اذا عمل اخوه شيئا من زينة ","part":5,"page":138},{"id":2166,"text":" الدنيا اخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته حتى نفد ماله فضربهما الله عز و جل مثلا للمؤمن والكافر الذي ابطرته النعمة وروى أبوصالح عن ابن عباس ان المسلم لما احتاج تعرض لأخيه الكافر فقال الكافر اين ما ورثت عن ابيك فقال انفقته في سبيل الله فقال الكافر لكني ابتعت به جنانا وغنما وبقرا والله لاأعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني ثم أخذ بيد المسلم فأدخله جنانه يطوف به فيها ويرغبه في دينه وقال مقاتل اسم المؤمن يمليخا واسم الكافر قرطس وقيل قطرس وقيل هذا المثل ضرب لعيينة بن حصن واصحابه ولسلمان واصحابه \r\n قوله تعالى وحففناهما بنخل الحف الاحاطة بالشيء ومنه قوله حافين من حول العرش الزمر 75 والمعنى جعلنا النخل مطيفا بها وقوله وجعلنا بينهما زرعا إعلام أن عمارتهما كاملة \r\n قوله تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها قال الفراء لم يقل آتتا لأن كلتا ثنتان لا تفرد واحدتهما وأصله كل كما تقول للثلاثة كل فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع وجاز توحيده على مذهب كل وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في كلتا وكذلك فافعل ب كلا وكلتا وكل إذا اضفتهن الى معرفة وجاء الفعل بعدهن فوحد واجمع فمن التوحيد قوله تعالى وكلهم آتيه يوم القيامة فردا مريم 96 ومن الجمع وكل أتوه داخرين النمل 87 والعرب قد تفعل أيضا في أي فيؤنثون ويذكرون قال الله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان 34 ويجوز في الكام بأيت أرض وكذلك ","part":5,"page":139},{"id":2167,"text":" في أي صورة ما شاء ركبك الانفطار 8 ويجوز في الكلام في أيت قال الشاعر ... باي بلاء أم بأية نعمة ... تقدم قبلي مسلم والمهلب ... \r\n قال ابن الأنباري كلتا وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين فان لفظه لفظ واحدة مؤنثة فغلب اللفظ ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به ومن العرب من يؤثر المعنى على اللفظ فيقول كلتا الجنتين آتتا أكلها ويقول أخرون كلتا الجنتين آتى أكله لأن كلتا تفيد معنى كل قال الشاعر \r\n ... وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي ... فلا الموت أهواه ولا العيش أروح ... \r\n يعني وكلهما قد خط لي وقد قالت العرب كلكم ذاهب وكلكم ذاهبون فوحدوا للفظ كل وجمعوا لتأويلها وقال الزجاج لم يقل آتتا لأن لفظ كلتا لفظ واحدة والمعنى كل واحدة منهما آتت أكلها ولم تظلم أي لم تنقص منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا فأعلمنا أن شربهما كان من ماء نهر وهو من أغزر الشرب وقال الفراء إنما قال فجرنا بالتشديد وهو نهر واحد لأن النهر يمتد فكان التفجر فيه كله قرأ ابو رزين وأبو مجلز وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة وفجرنا بالتخفيف وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل خللهما وقرأ ابو العالية وأبو عمران نهرا بسكون الهاء \r\n قوله تعالى وكان له يعني للأخ الكافر ثمر قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وكان له ثمر وأحيط بثمره بضمتين وقرأ عاصم وكان لهم ثمر وأحيط بثمره بفتح التاء والميم فيهما ","part":5,"page":140},{"id":2168,"text":" وقرأ ابو عمرو ثمر و بثمره بضمة واحدة وسكون الميم قال الفراء الثمر بفتح التاء والميم المأكول وبضمها المال وقال ابن الانباري الثمر بالفتح الجمع الاول والثمر بالضم جمع الثمر يقال ثمر وثمر كما يقال أسد واسد ويصلح أن يكون الثمر جمع الثمار كما يقال حمار وحمر وكتاب وكتب فمن ضم قال الثمر أعم لأنها تحتمل الثمار المأكولة والأموال المجموعة قال ابو علي الفارسي وقراءة أبي عمرو ثمر يجوز أن تكون جمع ثمار ككتاب وكتب فتخفف فيقال كتب ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب ويجوز أن يكون ثمر واحدا كعنق وطنب \r\n وقد ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه المال الكثير من صنوف الأموال قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الذهب والفضة قاله مجاهد \r\n والثالث أنه جمع ثمرة قال الزجاج يقال ثمرة وثمار وثمر \r\n فان قيل ما الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين وقد علم ان صاحب الجنة لا يخلو من ثمر فعنه ثلاثة اجوبة \r\n أحدها أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له وإنما كانت له الثمار قاله ابن عباس \r\n والثاني أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين وغيرهما ذكره ابب الأنباري \r\n والثالث إنا قد ذكرنا أن المراد بالمثر ألاموال من الأنواع وذكرنا ","part":5,"page":141},{"id":2169,"text":" أنها الذهب والفضة وذلك يخالف الثمر المأكول قال ابو علي الفارسي من قال هو الذهب والورق فانما قيل لذلك ثمر على التفاؤول لأن الثمر نماء في ذي الثمر وكونه هاهنا بالجنى أشبه من الذهب والفضة ويقوي ذلك وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها والإنفاق من الورق لا من الشجر \r\n قوله تعالى فقال يعني الكافر لصاحبه المؤمن وهو يحاوره أي يراجعه الكلام ويجاوبه \r\n وفيما تحوارا فيه قولان \r\n أحدهما أنه الايمان والكفر \r\n والثاني طلب الدنيا وطلب الآخرة فأما النفر فهم الجماعة ومثلهم القوم والرهط ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها وقال ابن فارس اللغوي النفر عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة \r\n وفيمن أراد بنفره ثلاثة أقوال \r\n أحدها عبيده قاله ابن عباس والثاني ولده قاله مقاتل والثالث عشيرته ورهطه قاله ابو سليمان \r\n قوله تعالى ودخل جنته يعني الكافر وهو ظالم لنفسه بالكفر وكان قد أخذ بيد أخيه فأدخله معه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا أنكر فناء الدنيا وفناء جنته وأنكر البعث والجزاء بقوله وما أظن الساعة قائمة وهذا شك منه في البعث ثم قال ولئن رددت الى ربي أي كما تزعم أنت قال ابن عباس يقول ان كان البعث حقا لأجدن خيرا منها قرأ ابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خيرا منها وكذلك هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر خيرا منهما بزيادة ","part":5,"page":142},{"id":2170,"text":" ميم على التثنية وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والمدينة والشام قال أبو علي الإفراد أولى لأنه أقرب الى الجنة المفردة في قوله ودخل جنته والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين \r\n قوله تعالى منقلبا أي كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه \r\n قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفه ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا \r\n قوله تعالى قال له صاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب يعني خلق أباك آدم ثم من نطفة يعني ما أنشى هو منه فلما شك في البعث كان كافرا \r\n قوله تعالى لكنا هو الله ربي قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وقالون عن نافع لكن هو الله ربي باسقاط الألف في الوصل واثباتها في الوقف وقرأ نافع في رواية المستيي باثبات الألف وصلا ووقفا وأثبت الألف ابن عامر في الحالين وقرأ أبو رجاء لكن باسكان النون خفيفة من غير ألف في الحالين وقرأ ابن يعمر لكن بتشديد النون من غير ألف في الحالين وقرأ الحسن لكن أنا هو الله ربي ","part":5,"page":143},{"id":2171,"text":" باسكان نون لكن واثبات أنا قال الفراء فيها ثلاث لغات لكنا ولكن ولكنه بالهاء أنشدني أبو ثروان ... وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي ... \r\n وقال أبو عبيدة مجازه لكن أنا هو الله ربي ثم حذفت الألف الأولى وأدغمت احدى النونين في الأخرى فشددت قال الزجاج وهذه الألف تحذف في الوصل وتثبت في الوقف فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف فهو على لغة من يقول أنا قمت فأثبت الألف قال الشاعر ... أنا سيف العشيرة فأعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما ... \r\n وهذه القراءة جيدة لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة \r\n قوله تعالى ولولا إذ دخلت جنتك أي وهلا ومعنى الكلام التوبيج قال الفراء ما شاء الله في موضع رفع إن شئت رفعته باضمار هو يريد هو ما شاء الله وإن شئت أضمرت فيه ما شاء الله كان وجاز طرح جواب الجزاء كما جاز في قوله فان استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض الانعام 35 ليس له جواب لأنه معروف قال الزجاج وقوله لا قوة الا بالله الاختيار النصب بغير تنوين على النفي كقوله لا ريب فيها الكهف 21 ويجوز لا قوة إلا بالله على الرفع بالابتداء والخبر بالله المعنى لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى ولا يكون له إلا ما شاء الله ","part":5,"page":144},{"id":2172,"text":" قوله تعالى إن ترن قرأ ابن كثير إن ترني أنا ويؤتيني خيرا بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء فيهما وصلا ووقفا أنا أقل وقرأ ابن أبي عبلة أنا أقل برفع اللام قال الفراء أنا هاهنا عماد إن نصبت أقل واسم إذا رفعت أقل والقراءة بهما جائز \r\n قوله تعالى فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك أي في الآخرة ويرسل عليها حسبانا وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه العذاب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك وقال ابو صالح عن ابن عباس نارا من السماء \r\n والثاني قضاء من الله يقضيه قاله ابن زيد \r\n والثالث مرامي من السماء واحدها حسبانة قاله ابو عبيدة وابن قتيبة قال النضر بن شميل الحسبان سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في القوس ثم يرمي بعشرين منها دفعة فعلى هذا القول يكون المعنى ويرسل عليها مرامي من عذابه إما حجارة أو بردا أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب \r\n والرابع أن الحسبان الحساب كقوله الشمس والقمر بحسبان الرحمن 5 أي بحساب فيكون المعنى ويرسل عيها عذاب حساب ما كسبت يداه هذه قول الزجاج \r\n قوله تعالى فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا قال ابن قتيبة الصعيد الأملس المستوى والزلق الذي تزل عنه الأقدام والغور الغائر ","part":5,"page":145},{"id":2173,"text":" فجعل المصدر صفة يقال ماء غور ومياه غور ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كما يقال رجل نوم ورجل صوم ورجل فطر ورجال نوم ونساء نوم ونساء صوم ويقال للنساء إذا نحن نوح والمعنى يذهب ماؤها غائرا في الأرض أي ذاهبا فيها فلن تسطيع له طلبا فلا يبقى له أثر تطلبه به ولا تناله الأيدي ولا الأرشية وقال ابن الأنباري غورا إذا غور فسقط المضاف وخلفه المضاف اليه والمراد بالطلب هاهنا الوصول فقام الطلب مقامه لأنه سببه وقرأ ابو الجوزاء وأبو المتوكل غؤورا برفع الغين والواو الأولى جميعا وواو بعدها \r\n وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا \r\n قوله تعالى وأحيط بثمره أي أحاط الله العذاب بثمره وقد سبق معنى الثمر فأصبح يقلب كفيه أي يضرب يد على يد وهذا فعل النادم على ما أنفق فيها أي في جنته وفي هاهنا بمعنى على وهي خاوية أي خالية ساقطة على عروشها والعروش السقوف والمعنى أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت فصارت في قرارها فصارت الحيطان كأنها على السقوف ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما انعم به عليه وحقق ما أنذره به أخوه في الدنيا ندم على شركة حين لا تنفعه الندامة وقيل إنما يقول هذا في القيامة ولم تكن له فئة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم ولم تكن بالتاء وقرأ حمزة ","part":5,"page":146},{"id":2174,"text":" والكسائي وخلف ولم يكن بالياء والفئة الجماعة ينصرونه أي يمنعونه من عذاب الله \r\n قوله تعالى هنالك الولاية قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم الولاية بفتح الواو ولله الحق خفضا وقرأ حمزة الولاية بكسر الواو ولله الحق بكسر القاف أيضا وقرأ ابو عمرو بفتح الواو ورفع الحق ووافقه الكسائي في رفع القاف لكنه كسر الولاية قال الزجاج معنى الولاية في مثل تلك الحال تبيين نصرة ولي الله وقال غيره هذا الكلام عائد الى ما قبل قصة الرجلين فأما من فتح واو الولاية فأنه أراد الموالاة والنصرة ومن كسر أراد السلطان والملك على ما شرحناه في آخر الأنفال 72 فعلى قراءة الفتح في معنى الكلام قولان \r\n احدهما أنهم يتولون الله تعالى في القيامة ويؤمنون به ويتبرؤون مما كانوا يعبدون قاله ابن قتيبة \r\n والثاني هنالك يتولى الله أمر الخلائق فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين وعلى قراءة الكسر يكون المعنى هنالك السلطان لله قال أبو علي من كسر قاف الحق جعله من وصف الله عز و جل ومن رفعه جعله صفة للولاية \r\n فإن قيل لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر فعنه جوابان ذكرهما ابن الانباري \r\n أحدهما أن تأنيثها ليس حقيقيا فحملت على معنى النصر والتقدير هنالك النصر لله الحق كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله وأخذ الذين ظلموا الصيحة هود 67 \r\n والثاني أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث والاثنان ","part":5,"page":147},{"id":2175,"text":" والجمع فيقال قولك حق وكلمتك حق وأقوالكم حق ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية وعلى المدح لله تعالى باضمار هو \r\n قوله تعالى هو خير ثوابا أي هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل \r\n قوله تعالى وخير عقبا قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي عقبا مضمومة القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبا ساكنة القاف قال ابو علي ما كان على فعل جاز تخفيفه كالعنق والطنب قال أبو عبيدة العقب والعقب والعقبى والعاقبة بمعنى وهي الآخرة والمعنى عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعة غيره \r\n واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا \r\n قوله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي في سرعة نفادها وذهابها وقيل في تصرف احوالها إذ مع كل فرحة ترحة وهذا مفسر في سورة يونس 24 إلى قوله فأصبح هشيما قال الفراء الهشيم كل شيء كان رطبا فيبس وقال الزجاج الهشيم النبات الجاف وقال ابن قتيبة الهشيم من النبت المتفتت وأصله من هشمت الشيء إذا كسرته ومنه سمي الرجل هاشما وتذروه الرياح تنسفه وقرأ أبي وابن عباس وابن أبي عبلة تذريه برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة وهاء مكسورة وقرأ ابن مسعود كذلك إلا أنه فتح التاء والمقتدر مفتعل من قدرت قال المفسرون وكان الله على كل شيء من الإنشاء والإفناء مقتدرا ","part":5,"page":148},{"id":2176,"text":" المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا \r\n قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا هذا رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة \r\n قوله تعالى والباقيات الصالحات فيها خمسة اقوال \r\n أحدها أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر روى ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو أن تجاهدوه فلا تعجزوا عن قول سبحان الله والحمد الله ولا إلا الله والله اكبر فقولوها فانهن الباقيات الصالحات وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وبه قال مجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك وسئل عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات فقال هذه الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القزطي مثله سواء \r\n والثاني أنها لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله ولا قوة الا بالله رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثالث أنها الصلوات الخمس رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود ومسروق وابراهيم ","part":5,"page":149},{"id":2177,"text":" والرابع الكلام الطيب رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والخامس هي جميع أعمال الحسنات وراه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وابن زيد \r\n قوله تعالى خير عند ربك ثوابا أي أفضل جزاء وخير أملا أي خير مما تؤملون لأن آمالكم كواذب وهذا أمل لا يكذب \r\n ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياوليتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ما اشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا \r\n قوله تعالى ويوم تسير الجبال قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويوم تسير بالتاء الجبال رفعا وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي نسير بالنون الجبال نصبا وقرأن ابن محيصن ويوم تسير بفتح التاء وكسر السين وتكسين الياء الجبال بالرفع قال الزجاج ويوم منصوب على معنى اذكر ويجوز أن يكون منصوبا على والباقيات الصالحات ","part":5,"page":150},{"id":2178,"text":" خير يوم تسير الجبال قال ابن عباس تسير الجبال عن وجه الارض كما يسير السحاب في الدنيا ثم تكسر فتكون في الأرض كما خرجت منها \r\n قوله تعالى وترى الأرض بارزة وقرأ عمرو بن العاص وابن السميفع وأبو العالية وترى الأرض بارزة برفع التاء والضاد وقرأ ابو رجاء العطاردي كذلك إلا أنه فتح ضاد الأرض \r\n وفي معنى بارزة قولان أحدهما ظاهرة فليس عليها شيء من جبل او شجر او بناء قاله الأكثرون والثاني بارزا أهلها من بطنها قاله الفراء \r\n قوله تعالى وحشرناهم يعني المؤمنين والكافرين فلم نغادر قال ابن قتيبة أي فلم نخلف يقال غادرت كذا إذا خلفته ومنه سمي الغدير لأنه ماء تخلفه السيول وروى أبان فلم نغادر بالتاء \r\n قوله تعالى وعرضوا على ربك صفا إن قيل هذا أمر مستقبل فكيف عبر عنه بالماضي فالجواب أن ما قد علم الله وقوعه يجري مجرى المعاين كقوله ونادى اصحاب الجنة الاعرف 43 \r\n وفي معنى قوله صفا أربعة أقوال \r\n أحدها أنه بمعنى جميعا كقوله ثم أئتوا صفا طه 64 قاله مقاتل \r\n والثاني أن المعنى وعرضوا على ربك مصفوفين هذا مذهب البصريين \r\n والثالث أن المعنى وعرضوا على ربك صفوفا فناب الواحد عن الجميع كقوله ثم نخرجكم طفلا الحج 5 \r\n والرابع أنه لم يغب عن الله منهم أحد فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة بجملته ذكر هذه الاقوال ابن الانباري وقد قيل إن كل أمة وزمرة صف ","part":5,"page":151},{"id":2179,"text":" قوله تعالى لقد جئتمونا فيه اضمار فيقال لهم \r\n وفي المخاطبين بهذا قولان احدهما أنهم الكل والثاني الكفار فيكون اللفظ عاما والمعنى خاصا وقوله كما خلقناكم أول مرة مفسر في الأنعام 94 وقوله بل زعمتم خطاب الكفار خاصة والمعنى زعمتم في الدنيا أن لن نجعل لكم موعدا للبعث والجزاء \r\n قوله تعالى ووضع الكتاب فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه الكتاب الذي سطر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم قاله ابن عباس والثاني انه الحساب قاله ابن السائب والثالث كتاب الأعمال قاله مقاتل وقال ابن جرير وضع كتاب أعمال العباد في أيديهم فعلى هذا الكتاب اسم جنس \r\n قوله تعالى فترى المجرمين قال مجاهد هم الكافرون وذكر بعض أهل العلم أن كل مجرم ذكر في القرآن فالمراد به الكافر \r\n قوله تعالى مشفقين أي خائفين مما فيه من الأعمال السيئة ويقولون ياويلتنا هذا قول كل واقع في هلكة وقد شرحنا هذا المعنى في قوله ياحسرتنا الانعام 31 \r\n قوله تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها هذا على ظاهره في صغير الأمور وكبيرها وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة وقد يتوهم أن المراد بذلك صغائر الذنوب وكبائرها وليس كذلك إذ ليس الضحك والتبسم مجردهما من الذنوب وإنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال والضحك فعل كبير وقد روى الضحاك عن ابن عباس قال الضغيرة التبسم والاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة ","part":5,"page":152},{"id":2180,"text":" بذلك فعلى هذا يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله لا لنفسه ومعنى أحصاها عدها وأثبتها والمعنى وجدت محصاة ووجدوا ما عملوا حاضرا أي مكتوبا مثبتا في الكتاب وقيل رأوا جزاءه حاضرا وقال أبو سليمان الصحيح عند المحققين ان صغائر المؤمنين الذين وعدوا العفو عنها اذا اجتنبوا الكبائر إنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها صاحبها \r\n قوله تعالى ولا يظلم ربك أحدا قال ابو سليمان لا تنقص حسنات المؤمن ولا يزاد في سيئات الكافر وقيل إن كان للكافر فعل خير كعتق رقبة وصدقة خفف عنه به من عذابه وان ظلمة مسلم أخذ الله من المسلم فصار الحق لله \r\n ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر فقال وإذ قلنا أي اذكر ذلك \r\n وفي قوله كان من الجن قولان \r\n أحدهما انه من الجن حقيقة لهذا النص واحتج قائلوا هذا بأن له ذرية وليس للملائكة ذرية وانه كفر والملائكة رسل الله فهم معصومون من الكفر \r\n والثاني أنه كان من الملائكة وإنما قيل من الجن لأنه كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن قاله ابن عباس وقد شرحنا هذا في البقرة 34 \r\n قوله تعالى ففسق عن أمر ربه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها خرج عن طاعة ربه تقول العرب فسقت الرطبة من قشرها إذا خرجت منه قاله الفراء وابن قتيبة ","part":5,"page":153},{"id":2181,"text":" والثاني أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب فسقه عن أمر ربه قال الزجاج وهذا مذهب الخليل وسيبويه وهو الحق عندنا \r\n والثالث ففسق عن رد أمر ربه حكاه الزجاج عن قطرب \r\n قوله تعالى أفتخذونه وذريته اولياء من دوني أي توالونهم بالاستجابة لهم قال الحسن وقتادة ذريته أولاده وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم قال مجاهد ذريته الشياطين ومن ذريته زلنبور صاحب راية ابليس بكل سوق وثبر وهو صاحب المصائب والأعور صاحب الرياء ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس فلا يوجد لها اصل وداسم صاحب الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله فهو يأكل معه إذا أكل قال بعض أهل العلم إذا كانت خطئية الانسان في كبر فلا ترجه وإن كانت في شهوة فارجه فان معصية إبليس كانت بالكبر ومعصية آدم بالشهوة \r\n قوله تعالى بئس للظالمين بدلا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحداها بئس الاتخاذ للظالمين بدلا والثاني بئس الشيطان والثالث بئس الشيطان والذرية ذكرهن ابن الانباري \r\n قوله تعالى ما اشهدتهم خلق السموات والأرض وقرأ ابو جعفر وشيبة ما أشهدناهم بالنون والالف \r\n وفي المشار إليهم اربعة اقوال \r\n أحدها ابليس وذريته والثاني الملائكة والثالث جميع الكفار والرابع جميع الخلق والمعنى أني لم أشاورهم في خلقهن وفي هذا بيان للغناء عن الأعوان وإظهار كمال القدرة ","part":5,"page":154},{"id":2182,"text":" قوله تعالى ولا خلق أنفسهم أي ما أشهدت بعضهم خلق بعض ولا استعنت ببعضهم على إيجاد بعض \r\n قوله تعالى وما كنت متخذ المضلين يعني الشياطين عضدا أي أنصارا وأعوانا والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون لأنه قوام اليد قال الزجاج والاعتضاد التقوي وطلب المعونة يقال اعتضدت بفلان أي استعنت به \r\n وفي ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان \r\n أحدهما أنه الولايات والمعنى ما كنت لأولي المضلين قاله مجاهد والثاني أنه خلق السموات والأرض قاله مقاتل وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر وما كنت بفتح التاء \r\n ويوم يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأ المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا \r\n قوله تعالى ويوم يقول وقرأ حمزة نقول بالنون يعني يوم القيامة نادوا شركائي أضاف الشركاء اليه على زعمهم والمراد نادوهم لدفع العذاب عنكم أو الشفاعة لكم الذين زعمتم أي زعمتموهم شركاء فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي لم يجيبوهم وجعلنا بينهم في المشار إليهم قولان \r\n أحدهما انهم المشركون والشركاء والثاني أهل الهدى وأهل الضلالة \r\n وفي معنى موبقا ستة أقوال \r\n أحدها مهلكا قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وقال ابن قتيبة ","part":5,"page":155},{"id":2183,"text":" مهلكا بينهم وبين آلهتهم في جهنم ومنه يقال أوبقته ذنوبه أي أهلكته قال الزجاج المعنى جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم أي يهلكهم فالموبق المهلك يقال وبق ييبق ويابق وبقا ووبق يبق وبوقا فهو وابق وقال الفراء جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا أي مهلكا لهم في الآخرة فالبين على هذا القول بمعنى التواصل كقوله تعالى لقد تقطع بينكم الأنعام 94 على قراءة من ضمن النون \r\n والثاني أن الموبق واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى قاله عبدالله بن عمرو \r\n والثالث أنه واد في جهنم قاله انس بن مالك ومجاهد \r\n والرابع ان معنى الموبق العدواة قاله الحسن \r\n والخامس أنه المحبس قاله الربيع بن أنس \r\n والسادس أنه الموعد قاله ابو عبيدة \r\n قال ابن الأنباري إن قيل لم قال موبقا ولم يقل موبقا بضم الميم إذ كان معناه عذابا موبقا \r\n فالجواب أنه اسم موضوع لمحبس في النار والأسماء لا تؤخذ بالقياس فيعلم أن موبقا مفعل من أوبقه الله إذا أهلكه فتفتح الميم كما تنفتح في موعد ومولد ومحتد إذا سميت الشخوص بهن \r\n قوله تعالى ورأى المجرمون النار أي عاينوها وهي تتغيظ حنقا عليهم والمراد بالمجرمين الكفار فظنوا أي ايقنوا أنهم مواقعوها أي ","part":5,"page":156},{"id":2184,"text":" داخلوها ومعنى المواقعة ملابسة الشيء بشدة ولم يجدوا عنها مصرفا أي معدلا والمصرف الموضع الذي يصرف اليه وذلك أنها احاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الهرب \r\n ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا \r\n قوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن قد فسرناه في بني اسرائيل 41 \r\n قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا فيمن نزلت قولان \r\n أحدهما انه النضر بن الحارث وكان جداله في القرآن قاله ابن عباس \r\n والثاني أبي بن خلف وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم فقال أيقدر الله على إعادة هذا قاله ابن السائب قال الزجاج كل ما يعقل من الملائكة والجن يجادل والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا \r\n قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال المفسرون يعني أهل مكة إذ جاءهم الهدى وهو محمد صلى الله عليه و سلم والقرآن والإسلام إلا أن تأتيهم سنة الأولين وهو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين قاله الزجاج \r\n والثاني وما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين أي منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم ذكره ابن الأنباري ","part":5,"page":157},{"id":2185,"text":" والثالث ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين قاله الواحدي \r\n قوله تعالى أو يأتيهم العذاب ذكر ابن الأنباري في أو هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها انها بمعنى الواو \r\n والثاني أنها لوقوع احد الشيئين إذ لا فائدة في بيانه \r\n والثالث أنها دخلت للتبعيض أي أن بعضهم يقع به هذا وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز و جل أو كصيب من السماء البقرة 19 \r\n قوله تعالى قبلا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر قبلا بكسر القاف وفتح الباء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي قبلا بضم القاف والباء وقد بينا علة القراءتين في الأنعام 111 وقرأ أبي ابن كعب قبلا بفتح القاف من غير ياء قال ابن قتيبة أراد استئنافا \r\n فان قيل إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب فما فائدة التكرار بقوله أو يأتيهم العذاب \r\n فالجواب أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته وتختلف أنواعه وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر قال مقاتل سنة الأولين عذاب الأمم السالفة أو يأتيهم العذاب قبلا أي عيانا قتلا بالسيف يوم بدر \r\n وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ","part":5,"page":158},{"id":2186,"text":" وما أنذروا هزوا ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا \r\n قوله تعالى ويجادل الذين كفرا بالباطل قال ابن عباس يريد المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم وجدالهم بالباطل أنهم الزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم ليدحضوا به الحق أي ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وقيل جدالهم قولهم أإذا كنا عظاما ورفاتا الاسراء 49 أإذا ضللنا في الأرض السجدة 10 ونحو ذلك ليبطلوا به ما جاء في القرآن من ذكر البعث والجزاء قال ابو عبيدة ومعنى ليدحضوا ليزيلوا ويذهبوا يقال مكان دحض أي مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر \r\n قوله تعالى واتخذوا آياتي يعني القرآن وما أنذروا أي خوفوا به من النار والقيامة هزوا أي مهزوءا به \r\n قوله تعالى ومن أظلم قد شرحنا هذه الكلمة في البقرة 114 وذكر بمعنى وعظ وآيات ربه القرآن وأعراضه عنها تهاونه بها ونسي ما قدمت يداه أي ما سلف من ذنوبه وقد شرحنا ما بعد هذا في الأنعام 21 إلى قوله وإن تدعهم إلى الهدى وهو الإيمان والقرآن فلن يهتدوا هذا اخبار عن علمه فيهم \r\n قوله تعالى وربك الغفور ذو الرحمة إذ لم يعاجلهم بالعقوبة بل لهم ","part":5,"page":159},{"id":2187,"text":" موعد للبعث والجزاء لن يجدوا من دونه موئلا قال الفراء الموئل المنجى وهو الملجأ في المعنى لأن المنجي ملجأ والعرب تقول إنه ليوائل إلى موضعه أي يذهب الى موضعه قال الشاعر ... لاواءلت نفسك خليتها ... للعامريين ولم تكلم ... \r\n أي ما ينجو وقال ابن قتيبة الموئل الملجأ يقال وآل فلان إلى كذا إذا لجأ \r\n فان قيل ظاهر هذه الاية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته \r\n فعنه جوابان أحدهما أن الرحمة هاهنا بمعنى النعمة ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر فأما الرحمة التي هي الغفران والرضى فليس للكافر فيها نصيب والثاني أن رحمة اله محظورة على الكفار يوم القيامة فأما في الدنيا فانهم ينالون منها العافية والرزق \r\n قوله تعالى وتلك القرى يريد التي قصصنا عليكم ذكرها والمراد أهلها ولذلك قال أهلكناهم والمراد قوم هود وصالح ولوط وشعيب قال الفراء قوله لما ظلموا معناه بعدما ظلموا ","part":5,"page":160},{"id":2188,"text":" قوله تعالى وجعلنا لمهلكهم قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام قال الزجاج وفيه وجهان \r\n أحدهما أن يكون مصدرا فيكون المعنى وجعلنا لإهلاكهم \r\n والثاني أن يكون وقتا فالمعنى لوقت هلاكهم \r\n وقرأ ابو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام وهو مصدر مثل الهلاك وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام ومعناه لوقت اهلاكهم \r\n وإذ قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو امضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفته آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره واتخذ سبيكه في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما \r\n قوله تعالى وإذ قال موسى لفتاه الآية سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن موسى قام خطيبا في بني اسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عز و جل عليه اذ لم يرد العلم اليه فأوحى الله اليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فانطلق ","part":5,"page":161},{"id":2189,"text":" معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤؤسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتىإذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة إلى قوله عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا الى الصخرة فاذا هو مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بني اسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه فقال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك امرا فقال له الخضر فان اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان عل الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم قد حملونا بغير نول عمدت ","part":5,"page":162},{"id":2190,"text":" إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها إلى قوله عسرا قال وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت الأولى من موسى نسيانا وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل مانقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله فقال له موسى أقتلت نفسا زاكية الى قوله يريد أن ينقض فقال الخضر بيده هكذا فاقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه اجرا قال هذا فراق بيني وبينك الآية هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وقد ذكرنا إسناده في كتاب الحدائق فآثرنا الاختصار هاهنا \r\n فأما التفسير فقوله تعالى وإذ قال موسى المعنى واذكر ذلك وفي موسى قولان \r\n أحدهما أنه موسى بن عمران قاله الأكثرون ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني اسرائيل هو موسى صاحب الخضر قال ","part":5,"page":163},{"id":2191,"text":" كذب عدو الله أخبرني ابي بن كعب فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا \r\n والثاني أنه موسى بن ميشا قاله ابن اسحاق وليس بشيء للحديث الصحيح الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف وإنما سمي فتاه لأنه كان يلازمه وياخذ عنه العلم ويخدمه \r\n ومعنى لا أبرح لا أزال وليس المراد به لا أزول لأنه إذا لم يزل لم يقطع أرضا فهو مثل قولك ما برحت أناظر عبدالله أي ما زلت قال الشاعر ... إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الوادائع ... \r\n أي أثقلتك والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين أي ملتقاهما وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه قال قتادة بحر فارس وبحر الروم فبحر الروم نحو المغرب وبحر فارس نحو المشرق \r\n وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان \r\n أحدهما إفريقية قاله أبي بن كعب وقرأ ابو رزين والحسن وابو مجلز وقتادة والجحدري وابن يعمر حقبا باسكان الكاف قال ابن قتيبة الحقب الدهر والحقب السنون واحدتها حقبة ويقال حقب وحقب كما يقال قفل وقفل وهزؤ وهزؤ وكفؤ وكفؤ وأكل ","part":5,"page":164},{"id":2192,"text":" وأكل وسحت وسحت ورعب ورعب ونكر ونكر وأذن وأذن وسحق وسحق وبعد وبعد وشغل وشغل وثلث وثلث وعذر وعذر ونذر ونذر وعمر وعمر \r\n وللمفسرين في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه الدهر قاله ابن عباس والثاني ثمانون سنة قاله عبدالله ابن عمرو وابو هريرة والثالث سبعون ألف سنة قاله الحسن والرابع سبعون سنة قاله مجاهد والخامس سبعة عشر ألف سنة قاله مقاتل بن حيان والسادس أنه ثمانون ألف سنة كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا والسابع أنه سنة بلغة قيس ذكرهما الفراء والثامن الحقب عند العرب وقت غير محدود قاله ابو عبيدة ومعنى كلام لأ ازال اسير ولو احتجت أن اسير حقبا \r\n قوله تعالى فلما بلغا يعني موسى وفتاه مجمع بينهما يعني البحرين نسيا حوتهما وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل فأصاب الحوت بلل البحر وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضنح على الحوت الماء فعاش فتحرك في المكتل فانسرب في البحر وقد كان قيل لموسى تزود حوتا مالحا فاذا فقدته وجدت الرجل وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى لحاجة فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي وإنما قيل نسيا حوتهما توسعا في الكلام لأنهما جميعا تزوداه كما يقال نسي القوم زادهم وإنما نسيه أحدهم قال الفراء ومثله قوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن 22 وإنما يخرج ذلك من الملح لا من العذب وقيل نسي يوشع ","part":5,"page":165},{"id":2193,"text":" أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء فلذلك اضيف النسيان إليهما \r\n قوله تعالى فاتخذ سبيله في البحر سربا أي مسلكا ومذهبا قال ابن عباس جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر الا يبس حتى يكون صخرة وقال قتادة جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا وقد ذكرنا في حديث أبي بن كعب أن الماء صار مثل الطاق على الحوت \r\n قوله تعالى فلما جاوزا ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت أصابهما ما يصيب المسافر من النصب فدعا موسى بالطعام فقال آتنا غداءنا وهو الطعام الذي يؤكل بالغداة والنصب الإعياء وهذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب ولا يكون ذلك شكوى قال يوشع لموسى أرأيت إذ أوينا الى الصخرة أي حين نزلنا هناك فاني نسيت الحوت فيه قولان \r\n أحدهما نسيت أن أخبرك خبر الحوت والثاني نسيت حمل الحوت \r\n قوله تعالى وما أنسانيه قرأ الكسائي أنسانيه باماله السين مع كسر الهاء وقرأ ابن كثير أنسانيهي باثبات ياء في الوصل بعد الهاء وروى حفص عن عاصم أنسانيه إلا بضم الهاء في الوصل \r\n قوله تعالى واتخذ سبيله في البحر عجبا الهاء في السبيل ترجع الى الحوت وفي المتخذ قولان \r\n أحدهما أنه الحوت ثم في المخبر عنه قولان \r\n أحدهما أنه الله عز و جل ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها فاتخذ سبيله في البحر يرى عجبا ويحدث عجبا والثاني أنه لما قال الله تعالى ","part":5,"page":166},{"id":2194,"text":" واتخذ سبيله في البحر قال اعجبوا لذلك عجبا وتنبهوا لهذه الآية والثالث أن إخبار الله تعالى انقطع عند قوله في البحر فقال موسى عجبا لما شوهد من الحوت ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري \r\n والثاني ان المخبر عن الحوت يوشع وصف لموسى ما فعل الحوت \r\n والقول الثاني أن المتخذ موسى اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا فدخل في المكان الذي مر فيه الحوت فرأى الخضر وروى عطية عن ابن عباس قال رجع موسى الى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى حتى انتهى به الى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر \r\n قوله تعالى قال يعني موسى ذلك ما كنا نبغي أي ذلك الذي نطلب من العلامة الدالة على مطلوبنا قرأ ابن كثير نبغي بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء في الحالين \r\n قوله تعالى فارتدا على آثارهما قال الزجاج أي رجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر والقصص اتباع الأثر \r\n قوله تعالى فوجدا عبدا من عبادنا يعني الخضر \r\n وفي اسمه أربعة أقوال \r\n أحدها اليسع قاله وهب ومقاتل والثاني الخضر بن عاميا والثالث أرميا بن حلفيا ذكرهما ابن المنادي والرابع بليا بن ملكان ذكره علي بن احمد النيسابوري \r\n فأما تسميته بالخضر ففيه قولان ","part":5,"page":167},{"id":2195,"text":" أحدهما أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت رواه ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والفروة الأرض اليابسة \r\n والثاني أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة وقال مجاهد كان إذا صلى أخضر ما حوله وهل كان الخضر نبيا أم لا فيه قولان ذكرهما ابو بكر بن الأنباري وقال كثير من الناس يذهب الى أنه كان نبيا وبعضهم يقول كان عبدا صالحا واختلف العلماء هل هو باق الى يومنا هذا على قولين حكاهما الماوردي وكان الحسن يذهب الى أنه مات وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا يقول ويقبح قول من يرى بقاءه ويقول لا يثبت حديث في بقائه وروى أبو بكر النقاش أن محمد بن اسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء فقال كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد \r\n قوله تعالى آتينا رحمة من عندنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال ","part":5,"page":168},{"id":2196,"text":" أحدها أنها النبوة قاله مقاتل والثاني الرقة والحنو على من يستحقه ذكره ابن الأنباري والثالث النعمة قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى وعلمناه من لدنا أي من عندنا علما قال ابن عباس أعطاه علما من علم الغيب \r\n قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرأ وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا \r\n قوله تعالى أن تعلمني قرأ ابن كثير تعلمني مما باثبات الياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم بحذف الياء في الحالين \r\n قوله تعالى مما علمت رشدا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والسكائي رشدا بضم الراء واسكان الشين خفيفة وقرأ ابو عمرو رشدا بفتح الراء والشين وعن ابن عامر بضمهما والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل والعجم والعجم والعرب والعرب والمعنى أن تعلمني علما ذا رشد وهذه القصة قد حرضت على الرحلة في طلب العلم واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل وحثت على الأدب والتواضع للمصحوب \r\n قوله تعالى إنك لن تستطيع معي صبرا قال ابن عباس لن تصبر على صنعي لأني علمت من غيب علم ربي \r\n وفي هذا الصبر وجهان \r\n أحدهما على الإنكار والثاني عن السؤال ","part":5,"page":169},{"id":2197,"text":" قوله تعالى وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا الخبر علمك بالشيء والمعنى كيف تصبر على أمر ظاهره منكر وأنت لا تعلم باطنه \r\n قوله تعالى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال ابن الأنباري نفي العصيان منسوق على الصبر والمعنى ستجدني صابرا ولا أعصي إن شاء الله \r\n قال فان ابتعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفهوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل مالم تستطيع عليه صبرا \r\n قوله تعالى فلا تسألني قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي فلا تسألني ساكنة اللام وقرأ نافع فلا تسألني مفتوحة اللام مشددة النون وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني فلا تسألن عن ","part":5,"page":170},{"id":2198,"text":" شيء بتحريك اللام من غير ياء والنون مكسورة والمعنى لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى أحدث لك منه ذكرا أي حتى أكون أنا الذي أبينه لك لأن علمه قد غاب عنك \r\n قوله تعالى خرقها أي شقها قال المفسرون قلع منها لوحا وقيل لوحين مما يلي الماء فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله أخرقتها لتغرق أهلها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر لتغرق بالتاء أهلها بالنصب وقرأ حمزة والكسائي ليغرق بالياء أهلها برفع اللام لقد جئت شيئا إمرا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها منكرا قاله مجاهد وقال الزجاج عظيما من المنكر والثاني عجبا قاله قتادة وابن قتيبة والثالث داهية قاله ابو عبيدة \r\n قوله تعالى لا تؤاخذني بما نسيت في هذا النسيان ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه على حقيقته وأنه نسي روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الأولى كانت نسيانا من موسى \r\n والثاني أنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام قاله ابي بن كعب وابن عباس \r\n والثالث أنه بمعنى الترك فالمعنى لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ولا ترهقني قال الفراء لا تعجلني وقال ابو عبيدة وابن قتيبة والزجاج لا تغشني قال ابو زيد يقال أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك قال الزجاج والمعنى عاملني باليسر لا بالعسر ","part":5,"page":171},{"id":2199,"text":" قوله تعالى فانطلقا يعني موسى والخضر قال الماوردي يحتمل أن يوشع تأخر عنهما لأن الإخبار عن اثنين ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تبع لموسى فاقتصر على حكم المتبوع \r\n قوله تعالى حتى إذا لقيا غلاما اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغا ام لا على قولين \r\n أحدهما أنه لم يكن بالغا قاله ابن عباس ومجاهد والأكثرون \r\n والثاني أنه كان شابا قد قبض على لحيته حكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم فلم يستحق القتل وقد يسمى الرجل غلاما قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج \r\n ... شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز الفتاة سقاها ... \r\n وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اقتلع رأسه وقد ذكرناه في حديث أبي والثاني كسر عنقه قاله ابن عباس والثالث أضجعة وذبحه بالسكين قاله سعيد بن جبير \r\n قوله تعالى أقتلت نفسا زاكية قرأ الكوفيون وابن عامر زكية بغير ألف والياء مشددة وقر الباقون بالألف من غير تشديد قال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد وهما بمنزلة القاسية والقسية \r\n وللمفسرين فيها ستة اقوال \r\n أحدها أنها التائبة روي عن ابن عباس انه قال الزكية التائبة وبه قال الضحاك ","part":5,"page":172},{"id":2200,"text":" والثاني أنها المسلمة روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع أنها الزكية النامية قاله قتادة وقال ابن الأنباري القويمة في تركيبها \r\n والخامس أن الزكية المطهرة قاله ابو عبيدة \r\n والسادس ان الزكية البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها قاله الزجاج \r\n وقد فرق بعضهم بين الزاكية والزكية فروي عن ابي عمرو بن العلاء أنه قال الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت وروي عن أبي عبيدة أنه قال الزاكية في البدن والزكية في الدين \r\n قوله تعالى بغير نفس أي بغير قتل نفس لقد جئت شيئا نكرا قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي نكرا خفيفة في كل القرآن إلا قوله الى شيء نكر القمر 6 وخفف ابن كثير أيضا الى شيء نكر وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم نكرا والى نكر مثقل والمخفف إنما هو من المثقل كالعنق والعنق النكر والنكر قال الزجاج والمعنى لقد أتيت شيئا نكرا ويجوز أن يكون معناه جئت بشيء نكر فلما حذف الباء أفضى الفعل فنصب نكرا ونكرا أقل منكرا من قوله إمرا لأن تغريق من في السفينة كان عنده أذكر من قتل نفس واحدة \r\n قوله تعالى قال ألم أقل لك \r\n إن قيل لم ذكر لك هاهنا واختزله من الموضع الذي قبله \r\n إن \r\n فالجواب أن اثباته للتوكيد واختزاله لوضوح المعنى وكلاهما معروف ","part":5,"page":173},{"id":2201,"text":" عند الفصحاء تقول العرب قد قلت لك أتق الله وقد قلت لك يا فلان اتق الله وانشد ثعلب ... قد كنت حذرتك آل المصطلق ... وقلت يا هذا أطعني وانطلق ... \r\n فقوله يا هذا توكيد لا يختل الكلام بسقوطه وسمعت الشيخ أبا محمد الخشاب يقول وقره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بها \r\n قوله تعالى إن سألتك عن شيء أي سؤال توبيخ وإنكار بعدها أي بعد هذه المسألة فلا تصاحبني وقرأ كذلك معاذ القارئ وأبونهيك وأبو المتوكل والأعرج إلا أنهم شددوا النون قال الزجاج ومعناه إن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة ويعقوب لا تصحبني بفتح التاء من غير ألف وقرأ ابن مسعود وأبو العالية والأعمش كذلك إلا أنهم شددوا النون وقرأ ابو رجاء وأبو عثمان النهدي والنخعي والجحدري تصحبني بضم التاء وكسر الحاء وسكون الصاد والباء قال الزجاج فيهما وجهان \r\n أحدهما لا تتابعني في شيء ألتمسه منك يقال قد أصحب المهر إذا انقاد \r\n والثاني لا تصحبني علما من علمك \r\n قد بلغت من لدني قرا ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي من لدني مثقل وقرأ نافع من لدني بضم الدال مع تخفيف النون وروى أبو بكر عن عاصم من لدني بفتح اللام مع تسكين الدال وفي رواية أخرى عن عاصم لدني بضم اللام وتسكين الدال قال الزجاج ","part":5,"page":174},{"id":2202,"text":" وأجودها تشديد النون لأن أصل لدن الإسكان فاذا أضفتها إلى نفسك زدت نونا ليسلم سكون النون الأولى تقول من لدن زيد فتسكن النون ثم تضيف الى نفسك فتقول من لدني كما تقول عن زي وعني فأما إسكان دال لدني فانهم أسكنوها كما تقول في عضد عضد فيحذفون الضم قال ابن عباس يريد إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك يعني أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا \r\n قوله تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها أنطاكية قاله ابن عباس والثاني الأبلة قاله ابن سيرين والثالث باجروان قاله مقاتل \r\n قوله تعالى استطعما أهلها أي سألاهم الضيافة فأبوا أن يضيفوهما روى المفضل عن عاصم يضيفوهما بضم الياء الأولى وكسر الضاد وتخفيف الياء الثانية وقرأ أبو الجوزاء كذلك إلا أنه فتح الياء الأولى وقرأ الباقون يضيفوها بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها قال أبو عبيدة ومعنى يضيفوهما ينزلوهما منزل الأضياف يقال ضفت أنا وأضافي الذي ينزلني وقال الزجاج يقال ضفت الرجل إذا نزلت عليه وأضفته إذا أنزلته وقريته وقال ابن قتيبة يقال ضيفت الرجل إذا أنزلته منزلة الأضياف ومنه هذه الآية وأضفته أنزلته وضفته نزلت عليه وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كانوا أهل قرية لئاما \r\n قوله تعالى فوجدا فيها جدارا أي حائطا قال ابن فارس وجمعه ","part":5,"page":175},{"id":2203,"text":" جدر والجدر أصل الحائط ومنه حديث الزبير ثم دع الماء يرجع الى الجدر والجيدر القصير \r\n قول تعالى يريد أن ينقض وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء ينقاض بألف ممدودة وضاد معجمة وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وأبو عثمان النهدي ينقاص بألف ومدة وصاد غير معجمة وكله بلا تشديد قال الزجاج فمعنى ينقض يسقط بسرعة وينقاص غير معجمة ينشق طولا يقال انقاضت سنة إذا انشقت قال ابن مقسم انقاصت سنه وانقاضت بالصاد والضاد على معنى واحد \r\n فان قيل كيف نسبت الإرادة الى ما لا يعقل \r\n فالجواب أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يقعل ويريد لأن هيأته في التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة وقد أضافت العرب الأفعال الى مالا يعقل تجوزا قال الله عز و جل ولما سكت عن موسى الغضب الأعراف 154 والغضب لا يسكت وإنما يسكت صاحبه وقال فاذا عزم الأمر محمد 21 وانشدوا من ذلك ... إن دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان ... \r\n وقال أخر ","part":5,"page":176},{"id":2204,"text":" يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل ... \r\n وقال اخر ... ضحكوا والدهر عنهم ساكت ... ثم أبكاهم دما لما نطق ... \r\n وقال اخر ... يشكو إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى ... \r\n وهذا كثير في أشعارهم \r\n قوله تعالى فأقامه أي سواه لأنه وجده مائلا \r\n وفي كيفية ما فعل قولان أحدهما انه دفعه بيده فقام والثاني هدمه ثم قعد يبنيه روي القولان عن ابن عباس \r\n قوله تعالى لو شئت لتخذت عليه اجرا قرأ ابن كثير وابو عمرو لتخذت بكسرالخاء غير أن ابا عمرو كان يدغم الذال ابن كثير يظهرها وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لاتخذت وكلهم أدغموا إلا حفصا عن عاصم فانه لم يدغم مثل ابن كثير قال الزجاج يقال تخذ يتخذ في معنى اتخذ يتخذ وإنما قال له هذا لأنهم لم يضيفوهما \r\n قوله تعالى قال يعني الخضر هذا يعني الإنكار علي فراق بيني وبينك أي هو المفرق بيننا قال الزجاج المعنى هذا فراق بيننا ","part":5,"page":177},{"id":2205,"text":" أي فراق اتصالنا وكرر بين توكيدا ومثله في الكلام أخزى الله الكاذب مني ومنك وقرأ أبو رزين وابن السميفع وأبو العالية وابن أبي عبلة هذا فراق بالتنوين بني وبينك بنصب النون قال ابن عباس كان قول موسى في السفينة والغلام لربه وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا \r\n أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا \r\n قوله تعالى فكانت لمساكين في المراد بمسكنتهم قولان \r\n أحدهما أنهم كانوا ضعفاء في أكسابهم والثاني في أبدانهم وقال كعب كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعلمون في البحر \r\n قوله تعالى فأردت أن اعيبها أي اجعلها ذات عيب يعني بخرقها وكان وراءهم فيه قولان \r\n أحدهما أمامهم قاله ابن عباس وقتادة وابو عبيدة وابن قتيبة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وكان أمامهم ملك \r\n والثاني خلفهم قال الزجاج وهو أجود الوجهين فيجوز أن يكون رجوعهم في طريقهم كان عليه ولم يعلموا بخبره فأعلم الله تعالى الخضر خبره ","part":5,"page":178},{"id":2206,"text":" قوله تعالى يأخذ كل سفينة غصبا أي كل سفينة صالحة وفي قراءة أبي بن كعب كل سفينة صحيحة قال الخضر إنما خرقتها لأن الملك إذا رآها منخرقة تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها \r\n قوله تعالى وأما الغلام روعي عن ابن عباس أنه كان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا قال الربيع بن أنس كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله أو غصبه فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه وقال ابن السائب كان الغلام لصا فاذا جاء من يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل \r\n قوله تعالى فخشينا في القائل لهذا قولان \r\n أحدهما الله عز و جل ثم في معنى الخشية المضافة اليه قولان أحدهما أنها بمعنى العلم قال الفراء معناه فعلمنا وقال ابن عقيل المعنى فعلنا فعل الخاشي والثاني الكراهة قاله الأخفش والزجاج \r\n والثاني أنه الخضر فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم قاله ابن الأنباري وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله فأردنا أن يبدلهما ربهما قال الزجاج المعنى فأراد الله لأن لفظ الخبر عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى ومعنى يرهقهما يحملهما على الرهق وهو الجهل قال ابو عبيدة يرهقهما يغشيهما قال سعيد بن جبير خشينا ","part":5,"page":179},{"id":2207,"text":" أن يمحلهما حبه على أن يدخلا في دينه وقال الزجاج فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فرضي امروء بقضاء الله فان قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب \r\n قوله تعالى فأردنا أن يبدلهما ربهما قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم أن يبدلهما بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد \r\n قوله تعالى خيرا منه زكاة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها دينا قاله ابن عباس والثاني عملا قاله مقاتل والثالث صلاحا قاله الفراء \r\n قوله تعالى وأقرب رحما قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي رحما ساكنة الحاء وقرأ ابن عامر رحما مثقلة وعن أبي عمرو كالقراءتين وقرأ ابن عباس وابن جبير وابو رجاء رحما بفتح الراء وكسر الحاء \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أوصل للرحم وأبر للوالدين قاله ابن عباس وقتادة وقال الزجاج أقرب عطفا وأمس بالقرابة ومعنى الرحم والرحم في اللغة العطف والرحمة قال الشاعر ... وكيف بظلم جارية ... ومنها اللين والرحم ... \r\n والثاني أقرب أن يرحما به قاله الفراء وفيما بدلا به قولان ","part":5,"page":180},{"id":2208,"text":" أحدهما جارية قاله الأكثرون وروى عطاء عن ابن عباس قال أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا \r\n والثاني غلام مسلم قاله ابن جريج \r\n قوله تعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة يعني القرية المذكورة في قوله أتيا أهل قرية قال مقاتل واسمهما أصرم وصريم \r\n قوله تعالى وكان تحته كنز لهما فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان ذهبا وفضة رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الحسن وعكرمة وقتادة كان مالا \r\n والثاني انه كان لوحا من ذهب فيه مكتوب عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبا لمن ايقن بالنار كيف يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها أنا الله الذي لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي وفي الشق الآخر أنا الله لا إلا إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن الأنباري فسمي كنزا من جهة الذهب وجعل اسمه هو المغلب \r\n والثالث كنز علم رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد صحف فيها علم وبه قال سعيد بن جبير والسدي قال ابن الأنباري فيكون المعنى على هذا القول كان تحته مثل الكنز لأنه يتعجل من نفعه أفضل مما ","part":5,"page":181},{"id":2209,"text":" ينال من الأموال قال الزجاج والمعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون المدخر فاذا لم يكن المال قيل عنده كنز علم وله كنز فهم والكنز هاهنا بالمال اشبه وجائز أن يكون الكنز كان مالا مكتوب فيه علم على ماروي فهو مال وعلم عظيم \r\n قوله تعالى وكان أبوهما صالحا قال ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاحا وقال جعفر بن محمد عليه السلام كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء وقال مقاتل كان أبوهما ذا أمانة \r\n قوله تعالى فأراد ربك قال ابن الأنباري لما كان قوله فأردت وأردنا كل واحد منهما يصلح أن يكون خبرا عن الله عز و جل وعن الخضر أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه ويزيلها عن غيره ويكشف البغية من اللفظتين الأولين وإنما قال فأردت فأردنا فأراد ربك لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني لأنه أعذب على الألسن وأحسن موقعا في الأسماع فيقول الرجل قال لي فلان كذا وأنبأني بما كان وخبرني بما نال فأما الأشد فقد سبق ذكره في مواضع الأنعام 152 ويوسف 22 والاسراء 34 ولو أن الخضر لم يقم الحائط لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما \r\n قوله تعالى رحمة من ربك أي رحمهما الله بذلك وما فعلته عن أمري قال قتادة كان عبدا مأمورا \r\n فأما قوله تسطع فان استطاع و اسطاع بمعنى واحد ","part":5,"page":182},{"id":2210,"text":" ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا \r\n قوله تعلى ويسألونك عن ذي القرنين قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 \r\n واختلفوا في اسم ذي القرنين على اربعة أقوال \r\n أحدها عبدالله قاله علي عليه السلام وروي عن ابن عباس أنه عبدالله ابن الضحاك والثاني الاسكندر قاله وهب والثالث عياش قاله محمد بن علي ابن الحسين والرابع الصعب بن جابر بن القلمس ذكره ابن أبي خيثمة \r\n وفي علة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال \r\n أحدها أنه دعا قومه الى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك فغبر زمانا ثم بعثه الله فدعاهم الى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك فذانك قرناه قاله علي عليه السلام والثاني أنه سمي بذي القرنين لأنه سار الى مغرب الشمس وإلى مطلعها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس والرابع لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء الى الأرض وأخذ بقرني الشمس فقص ذلك على قومه فسمي بذي القرنين الخامس لأنه ","part":5,"page":183},{"id":2211,"text":" ملك الروم وفارس والسادس لأنه كان في رأسه شبه القرنين رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبه والسابع لأنه كانت له غديرتان من شعر قاله الحسن قال ابن الأنباري والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين وجميرتين وقرنين قال ومن قال سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم قال لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما قرنان والثامن لأنه كان كريم الطرفين من اهل بيت ذوي شرف والتاسع لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس وهو حي والعاشر لأنه سلك الظلمة والنور ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو اسحاق الثعلبي \r\n واختلفوا هل كان نبيا ام لا على قولين \r\n أحدهما أنه كان نبيا قاله عبدالله بن عمرو والضحاك بن مزاحم \r\n والثاني أنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا ولا ملكا قاله علي عليه السلام وقال وهب كان ملكا ولم يوح اليه \r\n وفي زمان كونه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه من القرون الأول من ولد يافث بن نوح قاله علي عليه السلام \r\n والثاني أنه كان بعد ثمود قاله الحسن ويقال كان عمره ألفا وستمائة سنة \r\n والثالث أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم قاله وهب \r\n قوله تعالى سأتلو عليكم منه ذكرا أي خبرا يتضمن ذكره إنا مكنا له في الارض أي سهلنا عليه السير فيها قال علي عليه السلام إنه أطاع الله فسخر له السحاب فحمله عليه ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان ","part":5,"page":184},{"id":2212,"text":" الليل والنهار عليه سواء وقال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن دواد وذو القرنين والكافران النمرود وبختنصر \r\n قوله تعالى وآتيناه من كل شيء سببا قال ابن عباس علما يتسبب به الى ما يريد وقيل هو العلم بالطرق والمسالك \r\n قوله تعالى فأتبع سببا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو فاتبع سببا ثم اتبع سببا ثم اتبع سببا مشددات التاء وقرأعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي فأتبع سببا ثم أتبع سببا ثم أتبع سببا مقطوعات قال ابن الأنباري من قرأ فاتبع سببا فمعناه قفا الأثر ومن قرأ فأتبع فمعناه لحق يقال اتبعني فلان أي تبعني كما يقال ألحقني فلان بمعنى لحقني وقال أبو علي أتبع تقديره أتبع سببا سببا فأتبع ما هو عليه سببا والسبب الطريق والسبب الطريق والمعنى تبع طريقا يؤديه الى مغرب الشمس وكان إذا ظهر على قوم أخذ منهم جيشا فسار بهم الى غيرهم \r\n قوله تعالى وجدها تغرب في عين حمئة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم حمئة وهي قرأة ابن عباس وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حامية وهي قراءة عمرو وعلي وابن مسعود والزبير ومعاوية وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة والنخعي وقتادة وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن والأعمش كلهم لم يهمز قال الزجاج فمن قرأ حمئة أراد في عين ذات حمأة يقال حمأت البئر إذا أخرجت حمأتها وأحمأتها إذا ألقيت فيها الحمأة وحمئت فهي حمئة إذا صارت فيها الحمأة ومن قرأ حامية بغير همز أراد حارة وقد تكون حارة ذات حمأة وروى قتادة عن الحسن قال ","part":5,"page":185},{"id":2213,"text":" وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور ووجد عندها قوما لباسهم جلود السباع وليس لهم طعام إلأا ما أحرقت الشمس من الدواب إذا غربت نحوها وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس وقال ابن السائب وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين يعني عند العين وربما توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء وليس كذلك فانها أكبر من الدنيا مرارا فكيف تسعها عين ماء وقيل إن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين مرة وقيل بقدر الدنيا مائة وعشرين مرة والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة وإنما وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه ان الشمس تغيب في الماء وذلك لأن ذا القرنين أنتهى الى آخر البنيان فوجد عينا حمئة ليس بعدها أحد \r\n قوله تعالى قلنا ياذا القرنين فمن قال إنه نبي قال هذا القول وحي ومن قال ليس بنبي قال هذا إلهام \r\n قوله تعالى إما أن تعذب قال المفسرون إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه وإما أن تأسرهم فتبصرهم الرشد قال أما من ظلم أي أشرك فسوف نعذبه بالقتل إذا لم يرجع عن الشرك وقال الحسن كان يطبخهم في القدور ثم يرد الى ربه بعد العذاب فيعذبه عذابا نكرا بالنار \r\n قوله تعالى فله جزاء الحسنى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جزاء الحسنى برفع مضاف قال الفراء الحسنى الجنة وأضيف الجزاء اليها وهي الجزاء كقوله إنه لحق اليقين الحاقة 51 ودين القيمة البينة 5 ولدار الآخرة النحل 30 قال ابو علي الفارسي المعنى فله جزاء الخلال الحسنى لأن الإيمان والعمل الصالح خلال وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب جزاء ","part":5,"page":186},{"id":2214,"text":" بالنصب والتنوين قال الزجاج وهو مصدر منصوب على الحال المعنى فله الحسنى مجزيا بها جزاء وقال ابن الأنباري وقد يكون الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب والحسنى الحسنة المكتسبة في الدنيا فيكون المعنى فله ثواب ما قدم من الحسنات \r\n قوله تعالى وسنقول له من أمرنا يسرا أي نقول له قولا جميلا \r\n ثم اتبع سببا إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا \r\n قوله تعالى ثم اتبع سببا أي طريقا آخر يوصله الى المشرق قال قتادة مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فاصاب قوما في أسراب عراة ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت فاذا توسطت السماء خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس وبلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان فيقال أنهم الزنج قال الحسن كانوا إذا غربت الشمس خرجوا يتراعون كما يتراعى الوحش وقرأ الحسن ومجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن مطلع الشمس بفتح اللام قال ابن الانباري ولا خلاف بين اهل العربية في أن المطلع والمطلع كلاهما يعنى بهما المكان الذي تطلع منه الشمس ويقولون ما كان على فعل يفعل فالمصدر واسم الموضع يأتيان على المفعل كقولهم المدخل للدخول والموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها الموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها المواضع وهي المطلع والمسكن والمنسك والمشرق والمغرب والمسجد والمنبت والمجزر والمفرق والمسقط ","part":5,"page":187},{"id":2215,"text":" والمهبل الموضع الذي تضع فيه الناقة وخمسة من هؤلاء الأحد عشر حرفا سمع فيهن الكسر والفتح المطلع والمطلع والمنسك والمنسك والمجزر والمجزر والمسكن والمسكن والمنبت والمنبت فقرا الحسن على الأصل من احتمال المفعل الوجهين الموصوفين بفتح العين وكسرها وقراءة العامة على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها وخصت الموضع بالكسر وآثرت المصدر بالفتح قال أبو عمرو المطلع بالكسر الموضع الذي تطلع فيه والمطلع بالتفح الطلوع قال ابن الأنباري هذا هو الأصل ثم إن العرب تتسع فتجعل الاسم نائبا عن المصدر فيقرؤون حتى مطلع الفجر القدر 5 بالكسر وهم يعنون الطلوع ويقرأ من قرأ مطلع الشمس بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل الذي هو اسم للموضع الذي يدخل منه \r\n قوله تعالى كذلك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها \r\n والثاني اتبع سببا كما اتبع سببا \r\n والثالث كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم \r\n والرابع أن المعنى كذلك أمرهم كما قصصنا عليك ثم استأنف فقال وقد أحطنا بما لديه بما عنده ومعه من الجيوش والعدد وحكى أبو سليمان الدمشقي بما لديه أي بما عند مطلع الشمس وقد سبق معنى الخبر الكهف 68 \r\n ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا ياذا القرنين إن ","part":5,"page":188},{"id":2216,"text":" يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لكم خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجمل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني افرغ عليه قطرا فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فاذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا \r\n قوله تعالى ثم أتبع سببا أي طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب حتى إذا بلغ بين السدين قال وهب بن منبه هما جبلان منيفان في السماء من ورائهما البحر من أمامهما البلدان وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال الجبلان من قبل أرمينية وأذربيجان واختلف القراء في السدين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بضمها \r\n وهل المعنى واحد أم لا فيه قولان \r\n أحدها أنه واحد قال ابن الاعرابي كل ما قابلك فسد ما وراءه فهو سد وسد نحو الضعف والضعف والفقر والفقر قال الكسائي وثعلب السد والسد لغتان بمعنى واحد وهذا مذهب الزجاج \r\n والثاني أنهما يختلفان \r\n وفي الفرق بينهما قولان \r\n أحدهما أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم وما هو ما من فعل ","part":5,"page":189},{"id":2217,"text":" الآدميين فهو مفتوح قاله ابن عباس وعكرمة وأبو عبيدة قال الفراء وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين \r\n والثاني أن السد بفتح السين الحاجز بين الشيئين والسد بضمها الغشاوة في العين قاله أبو عمرو بن العلاء \r\n قوله تعالى وجد من دونهما يعني أمام السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يفقهون قولا بفتح الياء أي لا يكادون يفهمونه قال ابن الأنباري قال اللغويون معناه أنهم يفهمون بعد إبطاء وهو كقوله وما كادوا يفعلون البقرة 71 قال المفسرون وإنما كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير لغتهم وقرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء أراد يفهمون غيرهم وقيل كلهم ذا القرنين عنهم مترجمون ترجموا \r\n قوله تعالى إن ياجوج وماجوج هما اسمان أعجميان وقد همزهما عاصم قال الليث الهمز لغة رديئة قال ابن عباس يأجوج رجل ومأجوج رجل وهما ابنا يافث بن نوح عليه السلام فيأجوج ومأجوج عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء وهم شبر وشبران وثلاثة اشبار وقال علي عليه السلام منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول ولهم من الشعر ما يواريهم من الحر والبرد وقال الضحاك هم جيل من الترك وقال السدي الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجة وروى شقيق عن حذيفة قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن يأجوج ومأجوج فقال يأجوج أمه ومأجوج أمه كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر الى ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد ","part":5,"page":190},{"id":2218,"text":" حمل السلاح قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قلت يا رسول الله وما الأرز قال شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالآخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية \r\n قوله تعالى مفسدون في الأرض في هذا الفساد أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط قاله وهب بن منبه \r\n والثاني أنهم كانوا يأكلون الناس قاله سعيد بن عبد العزيز \r\n والثالث يخرجون الى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا الا أحتملوه الى ارضهم قاله ابن السائب \r\n والرابع كانوا يقتلون الناس قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فهل نجعل لك خرجا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم خرجا بغير ألف وقرأ حمزة والكسائي خراجا بألف وهل بينهما فرق فيه قولان \r\n أحدهما أنهما لغتان بمعنى واحد قاله أبو عبيدة والليث \r\n والثاني أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه قاله ابو عمرو بن العلاء قال المفسرون المعنى هل نخرج اليك من اموالنا شيئا كالجعل لك ","part":5,"page":191},{"id":2219,"text":" قوله تعالى ما مكني وقرأ ابن كثير مكنني بنونين وكذلك هي في مصاحف مكة قال الزجاج من قرأ مكني بالتشديد أدغم النون في النون لاجتماع النونين ومن قرأ مكنني أظهر النونين لأنهما من كلمتين الاولى من الفعل والثانية تدخل مع الاسم المضمر \r\n وفي الذي أراد بتمكينه منه قولان \r\n أحدهما أنه العلم بالله وطلب ثوابه \r\n والثاني ما ملك من الدنيا والمعنى الذي أعطاني الله خير مما تبذلون لي \r\n قوله تعالى فأعينوني بقوة فيها قولان \r\n أحدهما أنها الرجال قاله مجاهد ومقاتل \r\n والثاني الآلة قاله ابن السائب فأما الردم فهو الحاجز قال الزجاج والردم في اللغة أكبر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض يقال ثوب مردم إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة \r\n قوله تعالى آتوني زبر الحديد قرأ الجمهور ردما آتوني أي أعطوني وروى ابو بكر عن عاصم ردم ايتوني بكسر التنوين أي جيئوني بها قال ابن عباس احملوها الي وقال مقاتل أعطوني وقال الفراء المعنى إيتوني بها فلما ألقيت الياء زيدت ألف فأما الزبر فهي القطع واحدتها زبرة والمعنى فأتوه بها فبناه حتى إذا ساوى ورى أبان إذا سوى بتشديد الواو من غير ألف قال الفراء ساوى وسوى سواء واختلف القراء في الصدفين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الصدفين بضم الصاد والدال وهي لغة حمير وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم الصدفين بضم الصاد وتسكين الدال وقرأ نافع وحمزة والكسائي ","part":5,"page":192},{"id":2220,"text":" وحفص عن عاصم وخلف بفتح الصاد والدال جمعيا وهي لغة تميم واختارها ثعلب وقرأ ابو مجلز وأبو رجاء وابن يعمر الصدفين بفتح الصاد ورفع الدال وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والزهري والجحدري برفع الصاد وفتح الدال قال ابن الانباري ويقال صدف على مثال نغر وكل هذه لغات في الكلمة قال ابو عبيدة الصدفان جنبا الجبل قال الأزهري يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما أي لتلاقيهما قال المفسرون حشا ما بين الجبلين بالحديد ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم ووضع عليها المنافيخ ثم قال انفخوا فنفخوا حتى إذا جعله يعني الحديد وقيل الهاء ترجع الى ما بين الصدفين نارا أي كالنار لأن الحديد إذا أحمي بالفحم والمنافيخ صار كالنار قال آتوني قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي آتوني ممدودة والمعنى أعطوني وقرا حمزة وأبو بكر عن عاصم إيتوني مقصورة والمعنى جيئوني به أفرغه عليه \r\n وفي القطر أربعة أقوال \r\n أحدها انه النحاس قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والفراء والزجاج والثاني أنه الحديد الذائب قاله ابو عبيدة والثالث الصفر المذاب قاله مقاتل والرابع الرصاص حكاه ابن الأنباري قال المفسرون أذاب القطر ثم صبه عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر قال قتادة فهو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء \r\n قوله تعالى فما اسطاعوا أصله فما استطاعوا فلما كانت التاء والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا قال ابن الأنباري إنما تقول العرب اسطاع تخفيفا كما قالوا سوف يقوم وسيقوم فأسقطوا الفاء ","part":5,"page":193},{"id":2221,"text":" قوله تعالى أن يظهروه أي يعلوه يقال ظهر فلان فوق البيت إذا علاه والمعنى ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه وما استطاعوا له نقبا من أسفله لشدته وصلابته وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعدون اليه فيرونه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله عز و جل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه فيرونه كأشد ما كان حتى اذا بلغت مدتهم واراد الله عز و جل ان يبعثهم على الناس حفروا حتى اذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا ان شاء الله ويستثني فيعودون اليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس وذكر باقي الحديث وقد ذكرت هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب الحدائق فكرهت التطويل هاهنا \r\n قوله تعالى قال هذا رحمة من ربي لما فرغ ذو القرنين من بنيانه قال هذا وفيما أشار اليه قولان ","part":5,"page":194},{"id":2222,"text":" أحدهما أنه الردم قاله مقاتل قال فالمعنى هذا نعمة من ربي على المسلمين لئلا يخرجوا اليهم \r\n والثاني أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد قاله الزجاج \r\n قوله تعالى فاذا جاء وعد ربي فيه قولان \r\n أحدهما القيامة والثاني وعده لخروج يأجوج ومأجوج \r\n قوله تعالى جعله دكا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر دكا منونا غير مهموز ولا ممدود وقرأ عاصم وحمزة والكسائي دكاء ممدودة مهموزة بلا تنوين وقد شرحنا معنى الكلمة في الأعراف 143 \r\n قوله تعالى وكان وعد ربي حقا أي الثواب والعقاب \r\n وتركنا بعضهم يؤمئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا \r\n قوله تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض في المشار اليهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم يأجوج ومأجوج ثم في المراد ب يومئذ قولان احدهما أنه يوم انقضى أمر السد تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه مختلطين لكثرتهم وقيل ماجوا متعجبين من السد والثاني أنه يوم يخرجون من السد تركوا يموج بعضهم في بعض \r\n والثاني أنهم الكفار \r\n والثالث أنهم جميع الخلائق الجن والإنس يموجون حيارى فعلى هذين القولين المراد باليوم المكذور يوم القيامة ","part":5,"page":195},{"id":2223,"text":" قوله تعالى ونفخ في الصور هذه نفخة البعث وقد شرحنا معنى الصور في الأنعام 73 \r\n قوله تعالى وعرضنا جهنم أي أظهرناها لهم حتى شاهدوها \r\n قوله تعالى الذين كانت أعينهم يعني أعين قلوبهم في غطاء أي في غفلة عن ذكري أي عن توحيدي والإيمان بي وبكتابي وكانوا لا يستطيعون سمعا هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون به كما تقول لمن يكره قولك ما تقدر أن تسمع كلامي \r\n أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا \r\n أحدها أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني الأصنام قاله مقاتل والثالث الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من دونه قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى من دوني فتح هذه الياء نافع وأبو عمرو وجواب الاستفهام في هذه الآية محذوف وفي تقديره قولان \r\n أحدهما أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم والثاني أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم وروى أبان عن عاصم وزيد عن يعقوب أفحسب بتسكين السين وضم الباء وهي قراءة علي عليه السلام وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن يعمر وابن محيصن ومعناها أفيكفيهم أن يتخذوهم أولياء ","part":5,"page":196},{"id":2224,"text":" فأما النزل فقيه قولان \r\n احدهما أنه ما يهيأ للضيف والعسكر قاله ابن قتيبة \r\n والثاني أنه المنزل قاله الزجاج \r\n قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفرو بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا وانخذوا آياتي ورسلي هزوا \r\n قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم القسيسون والرهبان قاله علي عليه السلام والضحاك \r\n والثاني اليهود والنصارى قاله سعد بن أبي وقاص \r\n قوله تعالى أعمالا منصوب على التمييز لأنه لما قال بالأخسرين كان ذلك مبهما لايدل على ما خسروه فبين ذلك في أي نوع وقع \r\n قوله تعالى الذين ضل سعيهم أي بطل عملهم واجتهادهم ف الدنيا وهم يظنون أنهم محسنون بأفعالهم فرؤساؤهم يعلمون الصحيح ويؤثرون الباطل لبقاء رئاستهم وأتباعهم مقلدون بغير دليل أولئك الذين كفروا بآيات ربهم جحدوا دلائل توحيده وكفروا بالبعث والجزاء وذلك أنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه و سلم والقرآن صاروا كافرين بهذه الأشياء فحبطت أعمالهم أي بطل اجتهادهم لأنه خلا عن الإيمان فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقرأ ابن مسعود والجحدري فلا يقيم بالياء ","part":5,"page":197},{"id":2225,"text":" وفي معناه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنه إنما يثقل الميزان بالطاعة وانما توزن الحسنات والسيئات والكافر لا طاعة له \r\n والثاني ان المعنى لا نقيم لهم قدرا قال ابن الأعرابي في تفسير هذه الآية يقال ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته فالمعنى أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا \r\n والثالث أنه قال فلا نقيم لهم لأن الوزن عليهم لا لهم ذكره ابن الأنباري \r\n قوله تعالى ذلك جزاؤهم أي الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم وخسة قدرهم ثم ابتدأ فقال جزاؤهم جهنم وقيل المعنى ذلك التصغير لهم وجزاؤهم جهنم فأضمرت واو الحال \r\n قوله تعالى بما كفروا أي بكفرهم واتخاذهم آياتي الي أنزلتها ورسلي هزوا أي مهزوءا به ","part":5,"page":198},{"id":2226,"text":" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لايبغون عنها حولا \r\n قوله تعالى كانت لهم جنات الفردوس قال ابن الأنباري كانت لهم في علم الله قبل أن يخلقوا وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال جنان الفردوس أربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيها وليس بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله ص - انه قال الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها ومنها تفجر أنهار الجنة فاذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس قال أبو أمامة الفردوس سره الجنة قال مجاهد الفردوس البستان بالرومية وقال كعب والضحاك جنات الفردوس جنات الأعناب قال الكلبي والفراء الفردوس البستان الذي فيه الكرم وقال المبرد الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر المتلف ","part":5,"page":199},{"id":2227,"text":" والأغلب عليه العنب وقال ثعلب كل بستان يحوط عليه فهو فردوس قال عبدالله بن رواحة ... في جنات الفردوس ليس يخافو ... ن خروجا عنها ولا تحويلا ... \r\n وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قال الزجاج الفردوس أصله رومي أعرب وهو البستان كذلك جاء في الفسير وقد قيل الفردوس تعرفه العرب وتسمي الموضع الذي فيه كرم فردوسا وقال أهل اللغة الفردوس مذكر وإنما أنث في قوله تعالى يرثون الفردوس هم فيها خالدون المؤمنون 11 لأنه عني به الجنة وقال الزجاج وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت وقيل هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه فردوس قال ولم نجده في أشعار العرب إلا في شعر حسان وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين لأنه عند أهل كل لغة كذلك وبيت حسان ... فان ثواب الله كل موحد جنان من الفردوس فيها يخلد ... \r\n وقال ابن الكلبي باسناده الفردوس البستان بلغة الروم وقال الفراء وهو عربي أيضا والعرب تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا وقال السدي الفردوس أصله بالنبطية فرداسا وقال عبدالله بن الحارث الفردوس الأعناب وقد شرحنا معنى قوله نزلا آنفا \r\n قوله تعالى لا يبغون عنها حولا قال الزجاج لا يريدون عنها تحولا ","part":5,"page":200},{"id":2228,"text":" يقال قد حال من مكانه حولا كما قالوا في المصادر صغر صغرا وعظم عظما وعادني حبها عودا قال وقد قيل أيضا إن الحول الحيلة فيكون المعنى لايحتالون منزلا غيرها \r\n فان قيل قد علم أن الجنة كثيرة الخير فما وجه مدحها بأنهم لايبغون عنها حولا \r\n فالجواب أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه فيحب أن ينتقل إلى دار أخرى وقد يمل والجنة على خلاف ذلك قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا \r\n قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي سببب نزولها أنه لما مزل قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الاسراء 85 قالت اليهود كيف وقد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس ومعنى الآية لو كان ماء البحر مدادا يكتب به قال مجاهد والمعنى لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب قال ابن الأنباري سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء وقرأ الحسن والأعمش مددا لكلمات ربي بغير ألف \r\n قوله تعالى قبل أن تنفد كلمات ربي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم تنفد بالتاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ينفد بالياء قال ابو علي التأنيث أحسن لأن المسند اليه الفعل مؤنث والتذكير حسن لأن التأنيث ليس بحقيقي وإنما لم تنفد كلمات الله لأن كلامه صفة من صفات ","part":5,"page":201},{"id":2229,"text":" ذاته ولا يتطرق على صفاته النفاد ولو جئنا بمثله أي بمثل البحر مددا أي زيادة والمدد كل شيء زاد في شيء \r\n فان قيل لم قال في أول الآية مدادا وفي آخرها مددا وكلاهما بمعنى واحد واشتقاقهما غير مختلف \r\n فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال لما كان الثاني آخر آية وأواخر الايات هاهنا أتت على الفعل والفعل كقوله نزلا هزوا حولا كان قوله مددا أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد واتفاق المقاطع عند أواخر الآي وانقضاء الأبيات وتمام السجع والنثر أخف على الألسن وأحلى موقعا في الأسماع فاختلفت اللفظتان لهذه العلة وقد قرا ابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد وأبو رجاء وقتادة وابن محيصن ولو جئنا بمثله مدادا فحملوها على الأولى ولم ينظروا الى المقاطع وقراءة الأولين أبين حجة وأوضح منهاجا \r\n قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي انما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا \r\n قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم قال ابن عباس علم الله تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه فأمره أن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره إلا أنه أكرم بالوحي \r\n قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه سبب نزولها أن جندب بن زهير الغامدي قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم إني أعمل العمل لله تعالى فاذا طلع عليه ","part":5,"page":202},{"id":2230,"text":" سرني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ماروئي فيه فنزلت فيه هذه الآية قاله ابن عباس وقال طاووس جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية وقال مجاهد جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إني أتصدق وأصل الرحم ولا اصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية \r\n وفي قوله فمن كان يرجو قولان أحدهما يخاف قاله ابن قتيبة والثاني يأمل وهو اختيار الزجاج وقال ابن الأنباري المعنى فمن كان يرجو لقاء ثواب ربه قال المفسرون وذلك يوم البعث والجزاء فليعمل عملا صالحا لا يرائي به ولا يشرك بعبادة ربه أحداص قال سعيد ابن جبير لا يرائي قال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن ","part":5,"page":203},{"id":2231,"text":" سورة مريم \r\n وهي مكية باجماعهم من غير خلاف علمناه وقال مقاتل هي مكية غير سجدتها فانها مدنية وقال هبة الله المفسر هي مكية غير آيتين منها قوله فخلف من بعدهم خلف والتي تليها مريم 60 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n كهيعص ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا \r\n قوله تعالى كهيعص قرأ ابن كثير كهيعص ذكر بفتح الهاء والياء وتبيين الدال التي في هجاء صاد وقرأ ابو عمرو كهيعص بكسر الهاء وفتح الياء ويدغم الدال في الذال وكان نافع بالهاء يلفظ والياء بين الكسر والفتح ولا يدغم الدال التي في هجاء صاد في الذال من ذكر وقرأ ابو بكر عن عاصم والكسائي بكسر الهاء والياء إلا أن الكسائي لا يبين الدال وعاصم ","part":5,"page":204},{"id":2232,"text":" يبينها وقرأ ابن عامر وحمزة بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان وقرأ أبي بن كعب كهيعص برفع الهاء وفتح الياء وقد ذكرنا في أول البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس وقد خص المفسرون هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال \r\n أحدها أنها حروف من أسماء الله تعالى قاله الأكثرون ثم أختلف هؤلاء في الكاف من أي اسم هو على أربعة أقوال أحدها أنه من اسم الله الكبير والثاني من الكريم والثالث من الكافي روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنه من الملك قاله محمد بن كعب فأما الهاء فكلهم قالوا هي من اسمه الهادي إلا القرظي فانه قال من اسمه الله وأما الياء ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال أحدها أنها من عليم والثاني من عالم والثالث من عزيز رواها أيضا سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنها من عدل قاله الضحاك وأما الصاد ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من صادق والثاني من صدوق رواهما سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس والثالث من الصمد قاله محمد بن كعب \r\n والقول الثاني ان كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عن علي عليه السلام أنه قال هو اسم من اسماء الله تعالى وروي عنه أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي قال الزجاج والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد لأن الداعي إذا علم أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها فكأنه قال يا كافي ","part":5,"page":205},{"id":2233,"text":" يا هادي يا عالم يا صادق وإذا أقسم بها فكأنه قال والكافي الهادي العالم الصادق واسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج النية فيها الوقف \r\n والثالث أنه اسم للسورة قاله الحسن ومجاهد \r\n والرابع اسم من اسماء القرآن قاله قتادة \r\n فان قيل لم قالوا هايا ولم يقولوا في الكاف كا وفي العين عا وفي الصاد صا لتتفق المباني كما اتفقت العلل \r\n فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الاسماع \r\n قوله تعالى ذكر رحمة ربك قال الزجاج الذكر مرفوع بالمضمر المعنى هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده قال الفراء وفي الكلام تقديم وتأخير المعنى ذكر ربك عبده بالرحمة وزكريا في موضع نصب \r\n قوله تعالى إذ نادى ربه النداء هاهنا بمعنى الدعاء \r\n وفي علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدها ليبعد عن الرياء قاله ابن جريج \r\n والثاني لئلا يقول الناس انظروا الى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر قاله مقاتل \r\n والثالث لئلا يعاديه بنو عمه ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده ذكره ","part":5,"page":206},{"id":2234,"text":" أبو سليمان الدمشقي وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء ومنه الحديث إنكم لا تدعون أصم \r\n قوله تعالى قال رب إني وهن العظم مني وقرأ معاذ القارئ والضحاك وهن بضم الهاء أي ضعف قال الفراء وغيره وهن العظم ووهن بفتح الهاء وكسرها والمستقبل على الحالين كليهما يهن وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره وإنما خص العظم لأنه الأصل في التركيب وقال قتادة شكا ذهاب أضراسه \r\n قوله تعالى واشتعل الراس شيبا يعني انتشر الشيب فيه كما ينتشر شعاع النار في الحطب وهذا من أحسن الاستعارات ولم أكن بدعائك أي بدعائي إياك رب شقيا أي لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب لأنك قد عودتني الإجابة يقال شقي فلان بكذا إذا تعب بسببه ولم ينل مراده \r\n قوله تعالى وإني خفت الموالي يعني الذين يلونه في النسب وهم بنو العم والعصبة من ورائي أي من بعد موتي \r\n وفي ما خافهم عليه قولان \r\n أحدهما أنه خاف أن يرثوه قاله ابن عباس ","part":5,"page":207},{"id":2235,"text":" فان اعترض عليه معترض فقال كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة لهم بعد موته \r\n فعنه جوابان أحدهما أنه لما كان نبيا والنبي لا يورث خاف أن يرثوا ماله فيأخذوا مالا يجوز لهم والثاني أنه غلب عليه طبع البشر فأحب أن يتولى ماله ولده ذكرهما ابن الأنباري \r\n قلت وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله و إن ولم يكن ميراثا فأحب أن يتولاه ولده \r\n والقول الثاني أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه ذكره جماعة من المفسرين \r\n وقرأ عثمان وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمرو وابن جبير ومجاهد وابن أبي شريح عن الكسائي خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى قلت فعلى هذا يكون إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا فيموت العلم وأسكن ابن شهاب الزهري ياء الموالي \r\n قوله تعالى من ورائي أسكن الجمهور أسكن الجهور هذه الياء وفتحها ابن كثير في رواية قنبل وروى عنه شبل وراي مثل عصاي \r\n قوله تعالى فهب لي من لدنك أي من عندك وليا أي ولدا صالحا يتولاني \r\n قوله تعالى يرثني ويرث من آل يعقوب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة يرثني ويرث برفعهما وقرا ابو عمرو والكسائي يرثني ويرث بالجزم فيهما قال أبو عبيدة من قرأ بالرفع ","part":5,"page":208},{"id":2236,"text":" فهو على الصفة للولي فالمعنى هب لي وليا وارثا ومن جزم فعلى الشرط والجزاء كقولك ان وهبته إن وهبته لي ورثني \r\n وفي المراد بهذا الميرث أربعة اقوال \r\n أحدها يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال ابو صالح \r\n والثاني يرثي العلم ويرث من آل يعقوب الملك فأجابه الله تعالى إلى وراثة العلم دون الملك وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث يرثني نبوتي وعلمي ويرث من آل يعقوب النبوة أيضا قاله الحسن \r\n والرابع يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق قاله عطاء قال مجاهد كان زكريا من ذرية يعقوب وزعم الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله وأنه ليس بيعقوب أبي يوسف وقال مقاتل هو يعقوب بن ماثان وكان يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوين \r\n والصحيح أنه لم يرد ميراث المال لوجوه \r\n أحدها أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ","part":5,"page":209},{"id":2237,"text":" والثاني أنه لا يجوز أن يتاسف نبي الله على مصير ماله بعد موته إذا وصل إلى ورائه المستحق له شرعا \r\n والثالث أنه لم يكن ذا مال وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن زكريا كان نجارا \r\n قوله تعالى واجعله رب رضيا قال اللغويون أي مرضيا فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا مقتول وقتيل \r\n يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امراتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا فخرج علي قومه من المحراب فأوحى اليهم ان سبحوا بكرة وعشيا \r\n قوله تعالى يا زكريا إنا نبشرك في الكلام إضمار تقديره فاستجاب الله له فقال يا زكريا إنا نبشرك وقرأ حمزة نبشرك بالتخفيف وقد شرحنا هذا في آل عمران 39 \r\n قوله تعالى لم نجعل له من قبل سميا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لم يسم يحيى قبله رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة وابن زيد والأكثرون \r\n فان اعترض معترض فقال ما وجه المدحة باسم لم يسم به احد قبله ","part":5,"page":210},{"id":2238,"text":" ونرى كثيرا من الأسماء لم يسبق اليها فالجواب أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق اليه \r\n والثاني لم تلد العواقر مثله ولدا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعمنى لم نجعل له نظيرا \r\n والثالث لم نجعل له من قبل مثلا وشبها قاله مجاهد فعلى هذا يكون عدم الشبه من حيث أنه لم يعيص ولم يهم بمعصية وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 إلى قوله وكانت امرأتي عاقرا \r\n وفي معنى كانت قولان \r\n أحدهما انه توكيد للكلام فالمعنى وهي عاقر كقوله كنتم خير أمة آل عمران 110 أي أنتم \r\n والثاني أنها كانت منذ كانت عاقرا لم يحدث ذلك بها ذكرهما ابن الأنباري واختار الأول \r\n قوله تعالى وقد بلغت من الكبر عتيا قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم عتيا وبكيا مريم 58 وصليا مريم 70 بضم أوائلها وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائلها وافقهما حفص عن عاصم إلا في قوله بكيا فانه ضم أوله وقرأ ابن عباس ومجاهد عسيا بالسين قال مجاهد عتيا هو قحول العظم وقال ابن قتيبة أي يبسا يقال عتا وعسا بمعنى واحد قال الزجاج كل شيء انتهى فقد عتا يعتوعتيا وعتوا وعسوا وعسيا \r\n قوله تعالى قال كذلك أي الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكبر قال ربك هو علي هين أي خلق يحيى علي سهل ","part":5,"page":211},{"id":2239,"text":" وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري هين باسكان الياء وقد خلقتك من قبل أي أوجدتك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر خلقتك وقرأ حمزة والكسائي خلقناك بالنون والألف ولم تك شيئا المعنى فخلق الولد كخلقك وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 الى قوله ثلاث ليال سويا قال الزجاج سويا منصوب على الحال والمعنى تمنع عن الكلام وأنت سوي قال ابن قتيبة أي سليما غير أخرس \r\n قوله تعالى فخرج على قومه وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها أمرأته من المحراب أي من مصلاه وقد ذكرناه في آل عمران 39 \r\n قوله تعالى فأوحى إليهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه كتب اليهم في كتاب قاله ابن عباس \r\n والثاني أومأ برأسه ويديه قاله مجاهد \r\n قوله تعالى أن سبحوا أي صلوا بكرة وعشيا قد شرحناه في آل عمران 39 والمعنى أنه كان يخرج الى قومه فيأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة \r\n يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا \r\n قوله تعالى يا يحيى قال الزجاج المعنى فوهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب يعني التوراة وكان مأمورا بالتمسك بها وقال ابن الأنباري ","part":5,"page":212},{"id":2240,"text":" المعنى اقبل كتب الله كلها ايمانا بها واستعمالا لأحكامها وقد شرحنا في البقرة 63 معنى قوله بقوة \r\n قوله تعالى وآتيناه الحكم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الفهم قاله مجاهد والثاني اللب قاله الحسن وعكرمة والثالث العلم قاله ابن السائب والرابع حفظ التوراة وعلمها قاله ابو سليمان الدمشقي وقد زدنا هذا شرحا في سورة يوسف 23 وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا \r\n فأما قوله صبيا ففي سنه يوم أوتي الحكم قولان \r\n أحدهما أنه سبع سنين رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني ثلاث سنين قاله قتادة ومقاتل \r\n قوله تعالى وحنانا من لدنا قال الزجاج أي وآتيناه حنانا وقال ابن الأنباري المعنى وجعلناه حنانا لأهل زمانه \r\n وفي الحنان ستة أقوال \r\n احدها أنه الرحمة رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والفراء وأبو عبيدة وأنشد ... تحنن علي هداك المليك ... فان لكل مقام مقالا ","part":5,"page":213},{"id":2241,"text":" قال وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين قال طرفة ... أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض ... \r\n قال ابن قتيبة ومنه يقال تحنن علي وأصله من حنين الناقة على ولدها وقال ابن الأنباري لم يختلف اللغويون أن الحنان الرحمة والمعنى فعلنا ذلك رحمة لأبويه وتزكية له والثاني أنه التعطف من ربه عليه قاله مجاهد والثالث أنه اللين قاله سعيد بن جبير والرابع البركة وروي عن ابن جبير أيضا والخامس المحبة قاله عكرمة وابن زيد والسادس التعظيم قاله عطاء بن أبي رباح \r\n وفي قوله وزكاة أربعة أقوال \r\n أحدها أنها العمل الصالح قاله الضحاك وقتادة \r\n والثاني أن معنى الزكاة الصدقة فالتقدير إن الله تعالى جعله صدقة تصدق بها على أبويه قاله اب السائب \r\n والثالث أن الزكاة التطهير قاله الزجاج \r\n والرابع أن الزكاة الزيادة فالمعنى وآتيناه زيادة في الخير على ما وصف وذكر قاله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى وكان تقيا قال ابن عباس جعلته يتقيني لا يعدل بي غيري \r\n قوله تعالى وبرا بوالديه أي وجعلناه برا بوالديه والبر بمعنى ","part":5,"page":214},{"id":2242,"text":" البار والمعنى لطيفا بهما محسنا اليهما والعصي بمعنى العاصي وقد شرحنا معنى الجبار في هود 59 \r\n قوله تعالى وسلام عليه فيه قولان \r\n أحدهما أنه السلام المعروف من الله تعالى قال عطاء سلام عليه مني في هذه الأيام وهذا اختيار أبي سليمان \r\n والثاني أنه بمعنى السلامة قاله ابن السائب \r\n فان قيل كيف خص التسليم عليه بالأيام وقد يجوز ان يولد ليلا ويموت ليلا \r\n فالجواب أن المراد باليوم الحين والوقت على ما بينا في قوله اليوم أكملت لكم دينكم المائدة \r\n قال ابن عباس وسلام عليه حين ولد وقال الحسن البصري التقى يحيى وعيسى فقال يحيى لعيسى انت خير مني فقال عيسى ليحيى بل أنت خير مني سلم الله عليك وانا سلمت على نفسي وقال سعيد بن جبير مثله إلا أنه قال اثنى الله عليك وأنا أثنيت على نفسي وقال سفيان بن عيينه أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة \r\n واذكر في الكتاب مريم إذ نتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى ","part":5,"page":215},{"id":2243,"text":" يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا \r\n قوله تعالى واذكر في الكتاب يعني القرآن مريم إذ انتبذت قال أبو عبيدة تنحت واعتزلت مكانا شرقيا مما يلي المشرق وهو عند العرب خير من الغربي \r\n قوله تعالى فاتخذت من دونهم يعني أهلها حجابا أي سترا وحاجزا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ضربت شترا قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني ان الشمس أظلتها فلم يرها أحد منهم وذلك مما سترها الله به وروي هذا المعنى عن ابن عباس ايضا \r\n والثالث أنها اتخذت حجابا من الجدران قاله السدي عن أشياخه \r\n وفي سبب انفرادها عنهم قولان \r\n أحدهما أنها انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط قاله ابن عباس \r\n والثاني لتفلي رأسها قاله عطاء \r\n قوله تعالى فأرسلنا اليها روحنا وهو جبريل في قول الجمهور وقال ابن الأنباري صاحب روحنا وهو جبريل والروح بمعنى الروح والفرح ثم تضم الراء لتحقيق مذهب الاسم وابطال طريق المصدر ويجوز أن يراد بالروح هاهنا الوحي وجبريل صاحب الوحي \r\n وفي وقت مجيئه اليها ثلاثة أقوال ","part":5,"page":216},{"id":2244,"text":" أحدها وهي تغتسل والثاني بعد فراغها ولبسها الثياب والثالث بعد دخولها بيتها وقد قيل المراد بالروح هاهنا الروح الذي خلق منه عيسى حكاه الزجاج والماوردي وهو مضمون كلام أبي بن كعب فيما سنذكره عند قوله فحملته قال ابن الأنباري وفيه بعد لقوله فتمثل لها بشرا سويا والمعنى تصور لها في صورة البشر التام الخلقة وقال ابن عباس جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط حين طر شاربه وقرأ ابو نهيك فأرسلنا اليها روحنا بفتح الراء من الروح \r\n قوله تعالى قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا المعنى إن كنت تتقي الله فستنتهي بتعوذي منك هذا هو القول عند المحققين وحكي عن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي وكان فاجرا فظنته إياه ذكره ابن الأنباري والماوردي وفي قراءة علي عليه السلام وابن مسعود وابي رجاء إلا أن تكون تقيا \r\n قوله تعالى قال إنما أنا رسول ربك أي فلا تخافي ليهب لك قرا ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لأهب لك بالهمز وقرأ ابو عمرو وورش عن نافع ليهب لك بغير همز قال الزجاج من قرأ ليهب فالمعنى أرسلني ليهب ومن قرأ لأهب فالمعنى أرسلت اليك لأهب لك وقال ابن الأنباري المعنى أرسلني يقول لك أرسلت رسولي إليك لأهب لك \r\n قوله تعالى غلاما زكيا أي طاهرا من الذنوب والبغي الفاجرة الزانية قال ابن الانباري وإنما لم يقل بغية لأنه وصف يغلب على النساء فقلما تقول العرب رجل بغي فيجري مجرى حائض وعاقر وقال غيره ","part":5,"page":217},{"id":2245,"text":" إنما لم يقل بغية لأنه مصروف عن وجهه فهو فعيل بمعنى فاعل ومعنى الآية ليس لي زوج ولست بزانية وإنما يكون الولد من هاتين الجهتين قال كذلك قال ربك قد شرحناه في قصة زكريا والمعنى أنه يسير علي أن أهب لك غلاما من غير أب ولنجعله آية للناس أي دلالة على قدرتنا كونه من غير أب قال ابن الأنباري إنما دخلت الواو في قوله ولنجعله لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف تقديره قال ربك خلقه علي هين لننفعك به ولنجعله عبرة \r\n قوله تعالى ورحمة منا أي لمن تبعه وآمن به وكان أمرا مقضيا أي وكان خلقه أمرا محكوما به مفروغا عنه سابقا في علم الله تعالى كونه \r\n فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينان فاما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا \r\n قوله تعالى فحملته يعني عيسى \r\n وفي كيفية حملها له قولان \r\n أحدهما أن جبريل نفخ في جيب درعها فاستمر بها حملها رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال السدي نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت من وقتها \r\n والثاني الذي خاطبها هو الذي حملته ودخل من فيها قاله ابي بن كعب ","part":5,"page":218},{"id":2246,"text":" وفي مقدار حملها سبعة أقوال \r\n أحدها انها حين حملت وضعت قاله ابن عباس والمعنى أنه ما طال حملها وليس المراد أنها وضعته في الحال لأن الله تعالى يقول فحملته فانتبذت به وهذا يدل على أن بين الحمل والوضع وقتا يحتمل الانتباذ به \r\n والثاني أنها حملته تسع ساعات ووضعت من يومها قاله الحسن \r\n والثالث تسعة أشهر قاله سعيد بن جير وابن السائب \r\n والرابع ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة قاله مقاتل بن سليمان \r\n والخامس ثمانية أشهر فعاش ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر فكان في هذا آية حكاه الزجاج \r\n والسادس في ستة اشهر حكاه الماوردي \r\n والسابع في ساعة واحدة حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى فانتبذت به يعني بالحمل مكانا قصيا أي بعيدا وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة قاصيا قال ابن اسحاق مشت ستة أميال قال الفراء القصي والقاصي بمعنى واحد وقال غير الفراء القصي والقاصي بمنزلة الشهيد والشاهد وإنما بعدت فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج \r\n قوله تعالى فأجاءها المخاض وقرأ عكرمة وابراهيم النخعي وعاصم الجحدري المخاص بكسر الميم قال الفراء المعنى فجاء بها المخاص فلما القيت الباء جعلت في الفعل ألفا ومثله آتنا غداءنا الكهف 63 أي ","part":5,"page":219},{"id":2247,"text":" بغدائنا ومثله آتوني زبر الحديد الكهف 96 أي بزبر الحديد قال ابو عبيدة أفعلها من جاءت هي وأجاءها غيرها وقال ابن قتيبة المعنى جاء بها وألجأها وهو من حيث يقال جاءت بي الحاجة اليك وأجاءتني الحاجة اليك والمخاض الحمل وقال غيره المخاض وجع الولادة الى جذع النخلة وهو ساق النخلة وكانت نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا سعف قالت يا ليتني مت قبل هذا اليوم أو هذا الأمر وقرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف وحفص مت بكسر الميم \r\n وفي سبب قولها هذا قولان \r\n أحدهما أنها قالته حياء من الناس والثاني لئلا يأثموا بقذفها \r\n قوله تعالى وكنت نسيا منسيا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر النون وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نسيا بفتح النون قال الفراء وأصحاب عبدالله يقرؤون نسيا بفتح النون وسائرالعرب بكسرها وهما لغتان مثل الجسر والجسر والوتر والوتر والفتح أحب الي قال ابو علي الفارسي الكسر على اللغتين وقال ابن الأنباري من كسر النون قال النسي اسم لما ينسى بمنزلة البغض اسم لما يبغض والسب اسم لما يسب والنسي بفتح النون اسم لما ينسى أيضا على أنه مصدر ناب عن الاسم كما يقال الرجل دنف ودنف فالمكسور هو الوصف الصحيح والمفتوح مصدر سد مسد الوصف ويمكن أن يكون النسي والنسي اسمين لمعنى كما يقال الرطل والرطل \r\n وللمفسرين في قوله تعالى نسيا منسيا خمسة أقوال ","part":5,"page":220},{"id":2248,"text":" أحدها يا ليتني لما أكن شيئا قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد \r\n والثاني وكنت نسيا منسيا أي دم حيضة ملقاة قاله مجهد وسعيد ابن جبير وعكرمة قال الفراء النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها وقال ابن الأنباري هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها \r\n والثالث أنه من السقط قاله ابو العالية والربيع \r\n والرابع أن المعنى يا ليتني لا يدري من أنا قاله قتادة \r\n والخامس أنه الشيء التافه يرتحل عنه القوم فيهون عليهم فلا يرجعون اليه قاله ابن السائب وقال ابو عبيدة النسي والمنسي ما ينسى من إدارة وعصا يعني أنه ينسى في المنزل فلا يرجع اليه لاحتقار صاحبه اياه وقال الكسائي معنى الآية ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب \r\n قوله تعالى فناداها من تحتها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم من تحتها بفتح الميم والتاء قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم والتاء فمن قرأ بكسر الميم ففيه وجهان أحدهما ناداها الملك من تحت النخلة وقيل كانت على نشز فناداها الملك أسفل منها والثاني ناداها عيسى لما خرج من بطنها قال ابن عباس كل مارفعت اليه طرفك فهو فوقك وكل ما خفضت اليه طرفك فهو تحتك ومن قأ بفتح الميم ففيه الوجهان المذكوران وكان الفراء يقول ما خاطبها الا الملك على القراءتين جميعا \r\n قوله تعالى قد جعل ربك تحتك سريا فيه قولان ","part":5,"page":221},{"id":2249,"text":" أحدهما أنه النهر الصغير قاله جمهور المفسرين واللغويون قال ابو صالح وابن جريج هو الجدول بالسريانية \r\n والثاني انه عيسى كان سريا من الرجال قاله الحسن وعكرمة وابن زيد قال ابن الانباري وقد رجع الحسن عن هذا القول الى القول الأول ولو كان وصفا لعيسى كان غلاما سريا أو سويا من الغلمان وقلما تقول العرب رأيت عندك نبيلا حتى يقولوا رجلا نبيلا \r\n فان قيل كيف ناسب تسليتها أن قيل لا تحزني فهذا نهر يجري \r\n فالجواب من وجهين احدهما انها حزت لجدب مكانها الذي ولدت فيه وعدم الطعام والشراب والماء الذي تتطهر به فقيل لا تحزني قد أجرينا لك نهرا وأطلعنا لك رطبا قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج فأجرى الله تعالى لها نهرا فجاءها من الاردن واخرج لها الرطب من الشجرة اليابسة فكان ذلك آية تدل على قدرة الله تعالى في إيجاد عيسى قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وهزي اليك الهز التحريك \r\n والباء في قوله تعالى بجذع النخلة فيها قولان \r\n أحدهما انها زائدة مؤكدة كقوله تعالى فليمدد بسبب الى السماء الحج 15 قال الفراء معناه فليمدد سببا والعرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وتعلق زيدا وتعلق به وقال ابو عبيدة هي مؤكدة كقول الشاعر ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ","part":5,"page":222},{"id":2250,"text":" والثاني أنها دخلت على الجذع لتلصقه بالهز فهي مفيدة للالصاق قاله ابن الأنباري \r\n قوله تعالى تساقط قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والسكائي وابو بكر عن عاصم تساقط بالتاء مشددة السين وقرأ حمزة وعبد الوارث تساقط بالتاء مفتوحة مخففة السين وقرأ حفص عن عاصم تساقط بضم التاء وكسر القاف مخففة السين وقرأ يعقوب وابو زيد عن المفضل يساقط بالياء مفتوجة وتشديد السين وفتح القاف فهذه القراآت المشاهير وقرأ ابي بن كعب وأبو حيوة تسقط بفتح التاء وسكون السين ورفع القاف وقرأ عبدالله بن عمرو وعائشة والحسن يسقاط بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف وقرأ الضحاك عمرو بن دينار يسقط برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني مثله إلا أنه بالتاء وقرا معاذ القارىء وابن يعمر مثله إلا أنه بالنون وقرأ ابو زرين العقيلي وابن ابي عبلة يسقط بالياء مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف وقرأ ابو السماك العدوي وابن حزام تتساقط بتاءين مفتوحين وبألف وقال الزجاج من قرأ يساقط فالمعنى يتساقط فأدغمت التاء في السين ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع يؤنث ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ تساقط بالتاء والخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ يساقط ذهب إلى معنى يساقط الجذع عليك ومن قرأ نساقط بالنون فالمعنى نحن نساقط عليك فنجعله لك آية والنحويون يقولون ","part":5,"page":223},{"id":2251,"text":" إن رطبا منصوب على التمييز إذا قلت يساقط او يتساقط المعنى يتساقط الجزع رطبا وإذا قلت تساقط بالتاء فالمعنى تتساقط النخلة رطبا \r\n قوله تعالى جنيا قال الفراء الجني المجتنى وقال ابن الأنباري هو الطري والأصل مجنو صرف من مفعول الى فعيل كما يقال قديد وطبيخ وقال غيره هو الطري بغباره ولم يكن لتلك النخلة راس فأنبته الله تعالى فلما وضعت يدها عليها سقط الرطب رطبا وكان السلف يستحبون للنفساء الرطب من أجل مريم عليها السلام \r\n قوله تعالى فكلي أي من الرطب واشربي من النهر وقري عينا بولادة عيسى عليه السلام قال الزجاج يقال قررت به عينا أقر بفتح القاف في المستقبل وقررت في المكان أقر بكسر القاف وعينا منصوب على التمييز وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال معنى وقري عينا ولتبرد دمعتك لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة واشتقاق قري من القرور وهو الماء البارد وقال لنا أحمد بن يحيى تفسير قري عينا بلغت غاية أملك حتى تقر عينك من الاستشراف إلى غيره واحتج بقول عمرو بن كلثوم ... بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا ... \r\n أي ظفروا وبلغوا منتهى أمنيتهم فقرت عينهم من تطلع الى غيره \r\n قوله تعالى فاما ترين وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن السميفع والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري ترئن بهمزة مكسورة من غير ياء أي إن رأيت من البشر أحدا فقولي وفيه إضمار تقديره فسألك عن أمر ولدك فقولي إني نذرت للرحمن صوما فيه قولان ","part":5,"page":224},{"id":2252,"text":" أحدهما صمتا قاله ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك وكذلك قرأ أبي بن كعب وأنس بن مالك وأبو رزين العقيلي صمتا مكان قوله صوما وقرأ ابن عباس صياما \r\n والثاني صوما عن الطعام والشراب والكلام قاله قتادة وقال ابن زيد كان المجتهد من بني اسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام الا من ذكر الله عز و جل قال السدي فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت قال ابن مسعود أمرت بالصمت لأنها لم تكن لها حجة عند الناس فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ بها ساحتها فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ به ساحتها وقيل كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس قال ابن الأنباري الصوم في لغة العرب على أربعة معان يقال يوم لترك الطعام والشراب وصوم للصمت صوم لضرب من الشجر وصوم لذرق النعام \r\n واختلف العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة قاله وهب بن منبه \r\n والثاني بنت اثنتي عشرة سنة قاله زيد بن أسلم \r\n والثالث بنت ثلاث عشرة سنة قاله مقاتل \r\n فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبدالله آتني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ","part":5,"page":225},{"id":2253,"text":" مباركا أين ما كنت وأوصني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا \r\n قوله تعالى فأتت به قومها تحمله قال ابن عباس في رواية أبي صالح أتتهم به بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها وقال في رواية الضحاك انطلق قومها يطلبونها فلما رأتهم حملت عيسى فتلقتهم به فذلك قوله تعالى فأتت به قومها تحمله \r\n فان قيل أتت به يغني عن تحمله فلا فائدة للتكرير \r\n فالجواب أنه لما ظهرت منه آيات جاز أن يتوهم السامع فأتت به أن يكون ساعيا على قدميه فيكون سعية آية كنطقه فقطع ذلك التوهم وأعلم أنه كسائر الأطفال وهذا مثل قول العرب نظرت إلى فلان بعيني فنفوا بذلك نظر العطف والرحمة وأثبتوا أنه نظر عين وقال ابن السائب لم دخلت على قومها بكوا وكانوا قوما صالحين وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها شيئا عظيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال الفراء الفري العظيم والعرب تقول تركته يفري الفري إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس قيل هذا فيه قال النبي صلى الله عليه و سلم فما رأيت عبقريا يفري فري عمر \r\n والثاني عجبا فائقا قاله أبو عبيدة \r\n والثالث شيئا مصنوعا ومنه يقال فريت الكذب وافتريته قاله اليزيدي ","part":5,"page":226},{"id":2254,"text":" قوله تعالى يا أخت هارون في المراد بهارون هذا خمسة أقوال \r\n أحدها أنه أخ لها من أمها وكان من أمثل فتى في بني اسرائيل قاله أبو صالح عن ابن عباس و قال الضحاك كان من ابيها وامها \r\n والثاني انها كانت من بني هارون قاله الضحاك عن ابن عباس وقال السدي كانت من بني هارون أخي موسىعليهما السلام فنسبت اليه لأنها من ولده \r\n والثالث أنه رجل صالح كان في بني اسرائيل فشبهوها به في الصلاح وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وقتادة ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم الى أهل نجران فقالوا ألستم تقرؤون يا أخت هارون وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى فلم أدر ما أجيبهم فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم \r\n والرابع أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناه فنسبوها اليهم قاله سعيد بن جبير \r\n والخامس أنه رجل من فساق بني اسرائيل شبهوها به قاله وهب بن منبه ","part":5,"page":227},{"id":2255,"text":" فعلى هذا يخرج في معنى الأخت قولان \r\n أحدهما أنها الأخت حقيقة والثاني المشابهة لا المناسبة كقوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها الزخرف 48 \r\n قوله تعالى ما كان أبوك يعنون عمران امرأ سوء أي زانيا وما كانت أمك حنة بغيا أي زانية فمن أين لك هذا الولد \r\n قوله تعالى فأشارت أي أومأت إليه أي إلى عيسى فتكلم وقيل المعنى أشارت إليه أن كلموه وكان عيسى قد كلمها حين أتت قومها وقال يا أماه أبشري فاني عبدالله ومسيحه فلما أشارت أن كلموه تعجبوا من ذلك وقالوا كيف نكلم من كان وفيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها زائدة فالمعنى كيف نكلم صبيا في المهد \r\n والثاني أنها في معنى وقع وحدث \r\n والثالث أنها في معنى الشرط والجزاء فالمعنى من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه حكاها الزجاج واختار الأخير منها قال ابن الأنباري وهذا كما تقول كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي أي من يكن لا يقبل والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء \r\n والرابع أن كان بمعنى صار قاله قطرب \r\n وفي المراد بالمهد قولان أحدهما حجرها قاله نوف وقتادة والكلبي والثاني سرير الصبي المعروف حكاه الكلبي أيضا \r\n قاله السدي فلما سمع عيسى كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه فقال إني عبدالله قال المفسرون إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية ","part":5,"page":228},{"id":2256,"text":" وفي قوله آتاني الكتاب أسكن هذه الياء حمزة وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه قاله أبو صالح عن ابن عباس وقيل علم التوراة والإنجيل وهو في بطن امه \r\n والثاني قضى أن يؤيتني الكتاب قاله عكرمة \r\n وفي الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة والثاني الأنجيل \r\n قوله تعالى وجعلني نبيا هذا وما بعده اخبار عما قضى الله له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون قيل المعنى يؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت فحل الماضي محل المستقبل كقوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 وفي وقت تكليمه لهم قولان \r\n أحدهما أنه كلمهم بعد أربعين يوما والثاني في يومه وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه مريم \r\n قوله تعالى وجعلني مباركا أينما كنت روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الآية قال نفاعا حيثما توجهت وقال مجاهد معلما للخير \r\n وفي المراد بالزكاة قولان \r\n أحدهما زكاة الأموال قاله ابن السائب والثاني الطهارة قاله الزجاج ","part":5,"page":229},{"id":2257,"text":" قوله تعالى وبرا بوالدتي قال ابن عباس لما قال هذا ولم يقل بوالدي علموا أنه ولد من غير بشر \r\n قوله تعالى ولم يجعلني جبارا أي متعظما شقيا عاصيا لربه والسلام علي يوم ولدت قال المفسرون السلامة علي من الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان وقد سبق تفسير الآية مريم 15 \r\n فان قيل لم ذكر هاهنا السلام بألف ولام وذكره في قصة يحيى بلا ألف ولام فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام هذا قول الزجاج \r\n وقد اعترض على هذا القول فقيل كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى على الأول وهو قول الله عز و جل \r\n وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال عيسى إنما يتعلم من ربه فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى فبنى عليه وألصقه بنفسه ويجوز أن يكون الله عز و جل عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره وأجراه عليه غير قاصد به اتباع اللفظ المحكي لأن المتكلم له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه فيقول قال عبدالله أنا رجل منصف يريد قال لي عبد الله أنت رجل منصف \r\n والجواب الثاني أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد ذكره ابن الأنباري ","part":5,"page":230},{"id":2258,"text":" ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ذلك عيسى بن مريم قال الزجاج أي ذلك الذي قال إني عبدالله هو ابن مريم لا ما تقول النصارى إنه ابن الله وإنه إله \r\n قوله تعالى قول الحق قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي قول الحق برفع اللام وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب بنصب اللام قال الزجاج من رفع قول الحق فالمعنى هو قول الحق يعني هذا الكلام ومن نصب فالمعنى أقول قول الحق وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين \r\n أحدهما أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول \r\n والثاني أن في الكلام إضمارا تقديره ذلك نبأ عيسى ذلك النبأ قول الحق \r\n قوله تعالى الذي فيه يمترون أي يشكون قال قتاة امترت اليهود فيه والنصارى فزعم اليهود أنه ساحر وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة قرأ أبو مجلز ومعاذ القارئ وابن يعمر وأبو رجاء تمترون بالتاء \r\n قوله تعالى ما كان لله أن يتخذ من ولد قال الزجاج المعنى أن يتخذ ولدا ومن مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة لأن للقائل أن يقول ما اتخذت فرسا يريد أتخذت أكثر من ذلك وله أن يقول ","part":5,"page":231},{"id":2259,"text":" ما اتخذت فرسين ولا أكثر يريد اتخذت فرسا واحدا فاذا قال ما اتخذت من فرس فقد دل على نفي الواحد والجميع \r\n قوله تعالى كن فيكون وقرأ أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة فيكون بالنصب وقد ذكرنا وجهه في البقرة 117 \r\n قوله تعالى وإن الله ربي وربكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأن الله بنصب الألف وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وإن الله بكسر الألف وهذا من قول عيسى فمن فتح عطفه على قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي ومن كسر ففيه وجهان \r\n أحدهما أن يكون معطوفا على قوله إني عبدالله \r\n والثاني أن يكون مستأنفا \r\n فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر بوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون \r\n قوله تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم قال المفسرون من زائدة والمعنى اختلفوا بينهم وقال ابن الأنباري لما تمسك المؤمنون بالحق كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم \r\n وفي الأحزاب قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود والنصارى فكانت اليهود تقول إنه لغير رشدة والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به ","part":5,"page":232},{"id":2260,"text":" والثاني أنهم فرق النصارى قال بعضهم هو الله وقال بعضهم ابن الله وقال بعضهم ثالث ثلاثة \r\n قوله تعالى فويل للذين كفروا بقولهم في المسيح من مشهد يوم عظيم أي من حضورهم ذلك اليوم للجزاء \r\n قوله تعالى أسمع بهم وأبصر فيه قولان \r\n أحدهما أن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر فالمعنى ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ذلك لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه الى نظر وفكر فعلموا الهدى وأطاعوا هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أسمع بحديثهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم يأتوننا قاله أبو العالية \r\n قوله تعالى لكن الظالمون يعني المشركين والكفار اليوم يعني في الدنيا في ضلال مبين \r\n قوله تعالى وانذرهم أي خوف كفار مكة يوم الحسرة يعني يوم القيامة يتحسر المسيء إذ لم يحسن والمقصر إذ لم يزدد من الخير \r\n وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون وقيل يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم هل تعرفون هذا ","part":5,"page":233},{"id":2261,"text":" فيقولون هذا الموت فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون \r\n قال المفسرون فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة ولو مات أحد حزنا مات اهل النار \r\n ومن موجبات الحسرة ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يؤتى يوم القيامة بناس الى الجنة حتى اذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا الى قصورها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا قال ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلوني تركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب \r\n ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال ليس من نفس يوم القيامة الا وهي تنظر الى بيت في الجنة وبيت في النار ثم يقال يعني لهؤلاء لو عملتم ولأهل الجنة لولا أن من الله عليكم ","part":5,"page":234},{"id":2262,"text":" ومن موجبات الحسرة قطع الرجاء عند اطباق النار على أهلها \r\n قوله تعالى إذ قضي الأمر قال ابن الأنباري قضي في اللغة بمعنى أتقن وأحكم وإنما سمي الحاكم قاضيا لإتقانه وإحكامه ما ينفذ وفي الآية اختصار والمعنى إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم \r\n وللمفسرين في الأمر قولان \r\n أحدهما انه ذبح الموت قاله ابن جريج والسدي والثاني أن المعنى قضي العذاب لهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وهم في غفلة أي هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ذلك اليوم وهم لا يؤمنون بما يكون في الآخرة \r\n قوله تعالى إنا نحن نرث الارض أي نميت سكانها فنرثها ومن عليها وإلينا يرجعون بعد الموت \r\n فان قيل ما الفائدة في نحن وقد كفت عنها إنا \r\n فالجواب أنه لما جاز في قول المعظم إنا نفعل أن يوهم أن أتباعه قعلوا أبانت نحن بأن الفعل مضاف اليه حقيقة \r\n فان قيل فلم قال ومن عليها وهو يرث الآدميين وغيرهم \r\n فالجواب أن من تختص أهل التمييز وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري \r\n واذكر في الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ","part":5,"page":235},{"id":2263,"text":" يا أبت إني قد جاءني من العلم مالم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك وأهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا \r\n قوله تعالى واذكر في الكتاب ابراهيم أي اذكر لقومك قصته وقد سبق معنى الصديق في النساء 69 \r\n قوله تعالى ولا يغني عنك شيئا أي لا يدفع عنك ضرا \r\n قوله تعالى إني قد جاءني من العلم بالله والمعرفة مالم يأتك \r\n قوله تعالى لا تعبد الشيطان أي لا تطعه فيما يأمر به من الكفر والمعاصي وقد شرحنا معنى كان آنفا وعصيا اي عاصيا فهو فعيل بمعنى فاعل \r\n قوله تعالى إني أخاف ان يمسك عذاب من الرحمن قال مقاتل في الآخرة وقال غيره في الدنيا فتكون للشيطان وليا أي قرينا في عذاب الله فجرت المقارنة مجرى الموالاة وقيل إنما طمع ابراهيم في إيمان ابيه لأنه ","part":5,"page":236},{"id":2264,"text":" حين خرج من النار قال له نعم الإله إلهك يا إبراهيم فحينئذ أقبل يعظه فأجابه أبوه أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم أي أتارك عبادتها انت لئن لم تنته عن عيبها وشتمها لأرجمنك وفيه قولان \r\n أحدهما بالشتم والقول قاله ابن عباس ومجاهد \r\n والثاني بالحجارة حتى تتباعد عني قاله الحسن \r\n قوله تعالى واهجرني مليا فيه قولان \r\n أحدهما اهجرني طويلا رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس وبه قال الحسن والفراء والأكثرون قال ابن قتيبة اهجرني حينا طويلا ومنه يقال تمليت حبيبك \r\n والثاني أجتنبني سالما قبل أن تصيبك عقوبتي رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك فعلى هذا يكون من قولهم فلام ملي بكذا وكذا إذا كان مضطلعا به فالمعنى اهجرني وعرضك وافر وأنت سليم من أذاي قاله ابن جرير \r\n قوله تعالى قال سلام عليك أي سلمت من أن أصيبك بمكروه وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره سأستغفر لك ربي فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته \r\n والثاني أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين على الكفر ذكرهما ابن الأنباري \r\n قوله تعالى إنه كان بي حفيا فيه ثلاثة أقوال ","part":5,"page":237},{"id":2265,"text":" أحدها لطيفا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال ابن زيد والزجاج \r\n والثاني رحيما رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى وأعتزلكم أي وأتنحى عنكم وأعتزل ما تدعون من دون الله يعني الأصنام \r\n وفي معنى تدعون قولان \r\n أحدهما تعبدون \r\n والثاني أن المعنى وما تدعونه ربا وأدعو ربي أي وأعبده عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا أي أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم فلما اعتزلهم قال المفسرون هاجر عنهم الى ارض الشام فوهب الله له اسحاق ويعقوب فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام قال أبو سليمان وإنما وهب له اسحاق ويعقوب بعد اسماعيل \r\n قوله تعالى وكلا أي وكلا من هذين وقال مقاتل وكلا يعني ابراهيم واسحاق ويعقوب جعلناه نبيا \r\n قوله تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا قال المفسرون المال والولد والعلم والعمل وجعلنا لهم لسان صدق عليا قال ابن قتيبة أي ذكرا حسنا في الناس مرتفعا فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم فوضع اللسان مكان القول لأن القول يكون باللسان ","part":5,"page":238},{"id":2266,"text":" واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا \r\n قوله تعالى إنه كان مخلصا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والمفضل عن عاصم مخلصا بكسر اللام وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح اللام قال الزجاج المخلص بكسر اللام الذي وحد الله وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه والمخلص بفتح اللام الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس \r\n قوله تعالى وكان رسولا قال ابن الأنباري إنما أعاد كان لتفخيم شأن النبي المذكور \r\n قوله تعالى وناديناه من جانب الطور أي من ناحية الطور وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير قال ابن الأنباري إنما خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم ومن كلامهم عن يمين القبلة وشمالها يعنون مما يلي يمين المستقبل لها وشماله فنقلوا الوصف الى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين وقال المفسرون جاء النداء عن يمين موسى فلهذا قال الأيمن ولم يرد به يمين الجبل \r\n قوله تعالى وقربناه نجيا قال ابن الأنباري معناه مناجيا فعبر ","part":5,"page":239},{"id":2267,"text":" فعيل عن مفاعل كما قالوا فلان خليطي وعشيري يعنون مخالطي ومعاشري وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وقربناه قال حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح \r\n قوله تعالى ووهبنا له من رحمتنا أي من نعمتنا عليه إذ أجبنا دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له \r\n واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا \r\n قوله تعالى إنه كان صادق الوعد هذا عام فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس وقال مجاهد لم يعد ربه بوعد قط الا وفي له به \r\n فان قيل كيف خص بصدق الوعد اسماعيل وليس في الأنبياء من ليس كذلك \r\n فالجواب أن إسماعيل عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء فأثني عليه بذلك وذكر المفسرون أنه كان بينه وبين رجل ميعاد فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه أقام حولا قاله ابن عباس والثاني اثنين وعشرين يوما قاله الرقاشي والثالث ثلاثة أيام قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وكان رسولا الى قومه وهم جرهم وكان يأمر أهله قال مقاتل يعني قومه وقال الزجاج أهله جميع أمته فأما الصلاة والزكاة فهما العبادتان المعروفتان ","part":5,"page":240},{"id":2268,"text":" قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه في السماء الرابعة روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث المعراج أنه رأى إدريس في السماء الرابعة وبهذا قال أبو سعيد الخدري ومجاهد وأبو العالية \r\n والثاني انه في السماء السادسة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثالث أنه في الجنة قاله زيد بن أسلم وهذا يرجع إلى الأول لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة \r\n والرابع أنه في السماء السابعة حكاه أبو سليمان الدمشقي \r\n وفي سبب صعوده الى السماء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم فأحبه ملك الموت فاستأذن الله في خلته فأذن له فهبط اليه في صورة آدمي ","part":5,"page":241},{"id":2269,"text":" وكان يصحبه فلما عرفه قال إني أسألك حاجة قال ما هي قال تذيقني الموت فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا فأوحى الله إليه أن اقبض روحة ساعة ثم أرسله ففعل ثم قال كيف رأيت قال كان أشد مما بلغني عنه وإني أحب أن تريني النار قال فحمله فأراه إياها قال إني أحب أن تريني الجنة فأراه إياها فلما دخلها طاف فيها قال له ملك الموت اخرج فقال والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني فبعث الله ملكا فحكم بينهما فقال ما تقول يا ملك الموت فقص عليه ما جرى فقال ما تقول يا إدريس قال إن الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت آل عمران 185 وقد ذقته وقال وإن منكم إلا واردها مريم 71 وقد وردتها وقال لأهل الجنة وما هم منها بمخرجين الحجر 48 فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني فسمع هاتفا من فوقه يقول باذني دخل وبأمري فعل فخل سبيله هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا الى النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فان سأل سائل فقال من أين لإدريس هذه الآيات وهي في كتابنا فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء قال كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود وامتناع الخروج من الجنة وغير ذلك فقال ما قاله بعلم \r\n والثاني أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس فأذن له فلما عرفه إدريس قال هل بينك وبين ملك الموت قرابة قال ذاك اخي من الملائكة قال هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت قال سأكلمه فيك ","part":5,"page":242},{"id":2270,"text":" فيرفق بك اركب ببن جناحي فركب إدريس فصعد به الى السماء فلقي ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة قال أعلم ما حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله الا نصف طرفة عين فمات إدريس بين جناحي الملك رواه عكرمة عن ابن عباس وقال أبو صالح عن ابن عباس فقبض ملك الموت روح ادريس في السماء السادسة \r\n والثالث أن ادريس مشى يوما في الشمس فأصباه وهجها فقال اللهم خفف ثقلها عمن يحملها يعني به الملك الموكل بالشمس فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها مالا يعرف فسأل الله عز و جل عن ذلك فقال إن عبدي إدريس سألني أن اخفف عنك حملها وحرها فأجبته فقال يا رب أجمع بيني وبينه وأجعل بيننا خلة فأذن له فأتاه فكان مما قال له إدريس اشفع لي الى ملك الموت ليؤخر أجلي فقال إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ولكن أكلمه فيك فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم حمله الملك على جناحه فرفعه الى السماء فوضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله قال ليس ذاك إلي ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت فنظر في ديوانه فقال إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا ولا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس فقال إني أتيتك وتركته هناك قال انطلق فما أراك تجده إلا ميتا فوالله ما بقي من أجله شيء فرجع الملك فرآه ميتا وهذا المعنى مروي عن الله عباس وكعب في آخرين فهذا القول والذي قبله يدلان على أنه ميت والقول الأول يدل على انه حي ","part":5,"page":243},{"id":2271,"text":" أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح من ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنزل الا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا \r\n قوله تعالى أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة من ذرية آدم يعني إدريس وممن حملنا مع نوح يعني ابراهيم لأنه من ولد سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم يريد اسماعيل واسحاق ويعقوب واسرائيل يعني ومن ذرية اسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى \r\n قوله تعالى وممن هدينا أي هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واجتبينا أى واصطفينا \r\n قوله تعالى خروا سجدا قال الزجاج سجدا حال مقدرة المعنى خروا مقدرين السجود لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا ","part":5,"page":244},{"id":2272,"text":" ف سجدا منصوب على الحال وهو جمع ساجد وبكيا معطوف عليه وهو جمع باك فقد بين الله تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا من خشية الله \r\n قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف قد شرحناه في الأعراف 169 وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني اليهود والنصارى قاله السدي والثالث أنهم من هذه الأمة يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه و سلم يتبارون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة قاله مجاهد وقتادة \r\n قوله تعالى أضاعوا الصلاة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي والحسن البصري الصلوات على الجمع \r\n وفي المراد باضاعتهم إياها قولان \r\n أحدهما أنهم أخروها عن وقتها قاله ابن مسعود والنخعي وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن مخيمرة \r\n والثاني تركوها قاله الفرظشي واختاره الزجاج \r\n قوله تعالى واتبعوا الشهوات قال أبو سليمان الدمشقى وذلك مثل استماع الغناء وشرب الخمر والزنا واللهو وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء فرائض الله عز و جل \r\n قوله تعالى فسوف يلقون غيا ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية ","part":5,"page":245},{"id":2273,"text":" وفي المراد بهذا الغي ستة اقوال \r\n أحدها أنه واد في جهنم روراه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال كعب والثاني أنه نهر في جهنم قاله ابن مسعود والثالث أنه الخسران رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أنه العذاب قاله مجاهد والخامس أنه الشر قاله ابن زيد وابن السائب والسادس أن المعنى فسوف يلقون مجازاة الغي كقوله يلق أثاما الفرقان 68 أي مجازاة الآثام قاله الزجاج \r\n قوله تعالى إلا من تاب وآمن فيه قولان \r\n أحدهما تاب من الشرك وآمن بمحمد صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل \r\n والثاني تاب من التقصير في الصلاة وآمن من اليهود والنصارى \r\n قوله تعالى جنات عدن وقرأ أبو رزين العقيلي والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة جنات برفع التاء وقرأ الحسن البصري والشعبي وابن السميفع جنة عدن على التوحيد مع رفع التاء وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل الناجي جنة عدن على التوحيد مع نصب التاء وقوله التي وعد الرحمن عبادة بالغيب أي وعدهم بها ولم يروها فهي غائبة عنهم \r\n قوله تعالى إنه كان وعده مأتيا فيه قولان \r\n أحدهما آتيا قال ابن قتيبة وهو مفعول في معنى فاعل وهو قليل أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به وقال الفراء إنما لم يقل آتيا لأن ","part":5,"page":246},{"id":2274,"text":" كل ما أتاك فأنت تأتيه ألا ترى أنك تقول أتيت على خمسين سنة وأتت على خمسون سنة \r\n والثاني مبلوغا اليه قاله ابن الأنباري وقال ابن جريج وعده هاهنا موعوده وهو الجنة ومأتيا يأتيه أولياؤه \r\n قوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا فيه قولان \r\n أحدهما أنه التخالف عند شرب الخمر قاله مقاتل \r\n والثاني ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه قاله الزجاج وقال ابن الأنباري اللغو في العربية الفاسد المطرح \r\n قوله تعالى إلا سلاما قال أبو عبيدة السلام ليس من اللغو والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه وذلك أنها تضمر فيه فالمعنى إلا أنها يسمعون فيها سلاما وقال ابن الأنباري استثنى السلام من غير جنسه وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغوا إلا السلام فليس يسمعون لغوا البتة وكذلك قوله فانهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء 77 إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين فكلهم عدو \r\n وفي معنى هذا السلام قولان \r\n أحدهما أنه تسليم الملائكة عليهم قاله مقاتل \r\n والثاني أنهم لا يسمعون الا ما يسلمهم ولا يسمعون ما يؤثمهم قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال المفسرون ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما كانوا يعرفون في الغداة والعشي قال الحسن كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء فذكر الله لهم ذلك وقال قتادة كانت العرب إذا أصاب أحدهم ","part":5,"page":247},{"id":2275,"text":" الغداء والعشاء أعجب به فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت وليس ثم ليل ولا نهار وانما هو ضوء ونور وروى الوليد ابن مسلم قال سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى بكرة وعشيا فقال ليس في الجنة ليل ولا نهار هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب \r\n قوله تعالى تلك الجنة الإشارة إلى قوله فأولئك يدخلون الجنة \r\n قوله تعالى نورث وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن والشعبي وقتادة وابن أبي عبلة بفتح الواو وتشديد الراء قال المفسرون ومعنى نورث نعطي المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا للمؤمنين ويجوز أن يكون معنى نورث نعطي فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك متسأنف وقد شرحنا هذا في الأعراف 43 \r\n قوله تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وقرأ ابن السميفع وابن يعمر وما يتنزل بياء مفتوحة \r\n وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ","part":5,"page":248},{"id":2276,"text":" والثاني أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أتاه فقال لعلي أبطأت قال قد فعلت قال وما لي لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم فنزلت الآية قاله مجاهد قال ابن الأنباري البراجم عند العرب الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع تبدو إذا جمعت وتغمض إذا بسطت والرواجب ما بين البراجم بين كل برجمتين راجبة \r\n والثالث أن جبريل احتبس عن النبي صلى الله عليه و سلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر ما يجيبهم ورجا ان يأتيه جبريل بجواب فأبطأ عليه فشق على رسول الله صلى الله عليه و سلم مشقة شديدة فلما نزل جبريل قال له أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت اليك فقال جبريل إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية قاله عكرمة وقتادة والضحاك \r\n وفي سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قولان \r\n أحدهما لامتناع أصحابه من كمال النظافة كما ذكرنا في حديث مجاهد \r\n والثاني لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف فقال غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله وقد سبق هذا في سورة الكهف 24 \r\n وفي مقدار احتباسه عنه خمسة اقوال \r\n أحدها خمسة عشر يوما وقد ذكرناه في الكهف عن ابن عباس والثاني أربعون يوما قاله عكرمة ومقاتل والثالث اثنتا عشرة ليلة قاله مجاهد والرابع ثلاثة ايام حكاه مقاتل والخامس خمسة وعشرون يوما ","part":5,"page":249},{"id":2277,"text":" حكاه الثعلبي وقيل إن سورة الضحى نزلت في هذا السبب والمفسرون على أن قوله وما نتنزل الا بأمر ربك قول جبريل وحكى الماوردي أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها فالمعنى ما ننزل هذ الجنان الا بأمر الله وقيل ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر الله \r\n وفي قوله ما بين أيدينا وما خلفنا قولان \r\n أحدهما ما بين أيدينا الآخرة وما خلفنا الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل \r\n والثاني ما بين أيدينا ما مضى من الدنيا وما خلفنا من الآخرة فهو عكس الاول قاله مجهد وقال الأخفش ما بين أيدينا قبل ان نخلق وما خلفتا بعد الفناء \r\n وفي قوله تعالى وما بين ذلك ثلاثة اقوال \r\n أحدها ما بين الدنيا والآخرة قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني ما بين النفختين قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية \r\n والثالث حين كوننا قاله الأخفش قال ابن الأنباري وإنما وحد ذلك والإشارة الى شيئين أحدهما ما بين أيدينا والثاني ما خلفتا لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع \r\n قوله تعالى وما كان ربك نسيا النسي بمعنى الناسي \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك قاله ابن عباس قال مقاتل ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك ","part":5,"page":250},{"id":2278,"text":" والثاني أنه عالم بما كان ويكون لا ينسى شيئا قاله الزجاج \r\n قوله تعالى فاعبده أي وحده لأن عبادته بالشرك ليست عبادة واصطبر لعبادته أي اصبر على توحيده وقيل على أمره ونهيه \r\n قوله تعالى هل تعلم له سميا روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم هل تعلم ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال والزاي والسين والصاد والطاء لأن آخر مخرج من اللام وقريب من مخارجهن قال أبو عبيدة إذا كان بعد هل تاء ففيه لغتان بعضهم يبين لام هل وبعضهم يدغمها \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها مثلا وشبها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة \r\n والثاني هل تعلم أحدا يسمى الله غيره رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له خالق وقادر الا هو قاله الزجاج \r\n ويقول الإنسان إذا مامت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة ايهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا \r\n قوله تعالى ويقول الإنسان سبب نزولها ان ابي بن خلف أخذ عظما ","part":5,"page":251},{"id":2279,"text":" باليا فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وروى عطاء عن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة \r\n قوله تعالى لسوف أخرج حيا إن قيل ظاهره ظاهر سؤال فأين جوابه فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري \r\n أحدها أن ظاهر الكلام استفهام ومعناه معنى جحد وإنكار تلخيصه لست مبعوثا بعد الموت \r\n والثني أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث أجابه الله عز و جل بقوله أولا يذكر الإنسان فهو مشتمل على معنى نعم وأنت مبعوث \r\n والثالث أن جواب سؤال هذا الكافر في يس 78 عند قوله تعالى وضرب لنا مثلا ولا ينكر بعد الجواب لأن القرآن كله بمنزلة الرسالة الواحدة والسورتان مكيتان \r\n قوله تعالى أولا يذكر الإنسان قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الذال مشددة الكاف وقرأ نافع وعاصم وابن عامر يذكر ساكنة الذال خفيفة وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل الناجي أولا يتذكر الإنسان بياء وتاء وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن يذكر بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف والمعنى أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة فوربك لنحشرنهم يعني المكذبين بالبعث والشياطين أي مع الشياطين وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه في سلسلة ثم لنحصرنهم ","part":5,"page":252},{"id":2280,"text":" حول جهنم قال مقاتل أي في جهنم وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون داخله تقول جلس القوم حول البيت إذا جلسوا داخله مطيفين به وقيل يجثون حولها قبل أن يدخلوها \r\n فأما قوله جثيا فقال الزجاج هو جمع جاث مثل قاعد وقعود وهو منصوب على الحال والاصل ضم الجيم وجاء كسرها اتباعا لكسرة الثاء \r\n وللمفسرين في معناه خمسة أقوال \r\n أحدها قعودا رواه العوفي عن ابن عباس والثاني جماعات جماعات روي عن ابن عباس أيضا فعلى هذا هو جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة والثالث جثيا على الركب قاله الحسن ومجاهد والزجاج والرابع قياما قاله أبو مالك والخامس قياما على ركبهم قاله السدي وذلك لضيق المكان بهم \r\n قوله تعالى لننزعن من كل شيعة أي لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل دين أيهم أشد على الرحمن عتيا أي أعظمهم له معصية والمعنى أنه يبدأ بتعذيب الأعتى فالأع وبالأكابر جرما والرؤوس القادة في الشر قال الزجاج وفي رفع أيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه على الاستئناف ولم تعمل لننزعن شيئا هذا قول يونس \r\n والثاني أنه على معنى الذي يقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا قاله الخليل واختاره الزجاج وقال التأويل لننزعن الذي من أجل عتوة يقال أي هؤلاء أشد عتيا وأنشد ","part":5,"page":253},{"id":2281,"text":" ولقد أبيت عن الفتاة بمنزل ... فأبيت لاحرج ولا محروم ... \r\n المعنى أبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم \r\n والثالث أن أيهم مبنية على الضم لأنه خالفت أخواتها فالمعنى أيهم هو أفضل وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول اضرب أيهم أفضل ولا يحسن اضرب من أفضل حتى تقول من هو أفضل ولا يحسن كل ما أطيب حتى تقول ما هو أطيب ولا خذ ما أفضل حتى تقول الذي هو أفضل فلما خالفت ما و من و الذي بنيت على الضم قاله سيبويه \r\n قوله تعالى هم أولى بها صليا يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا فيبتدأ بهم قبل أتباعهم وصليا منصوب على التفسير يقال صلي النار يصلاها إذا دخلها وقاسى حرها \r\n قوله تعالى وإن منكم إلا واردها في الكلام إضمار تقديره وما منكم أحد إلا وهو واردها \r\n وفيمن عني بهذا الخطاب قولان \r\n أحدهما أنه عام في حق المؤمن والكافر هذا قول الأكثرين وروي عن ابن عباس أنه قال هذه الآية للكفار وأكثر الروايات عنه كالقول الأول قال ابن الأنباري ووجه هذا أنه لما قال لنحضرنهم وقال أيهم أشد ","part":5,"page":254},{"id":2282,"text":" على الرحمن عتيا كان التقدير وإن منهم فأبدلت الكاف من الهاء كما فعل في قوله إن هذا كان لكم جزاء الانسان 22 المعنى كان لهم لأنه مردود على قوله وسقاهم ربهم الانسان 21 وقال الشاعر ... شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم ... \r\n أراد طلابها وفي هذا الورود خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الدخول روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على ابراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية فقال له أما أنا وأنت فسندخلها فانظر أيخرجنا الله عز و جل منها أم لا فاحتج بقوله تعالى فأوردهم النار هود 98 وبقوله تعالى أنتم لها واردون الانبياء 98 وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا قال ففيم الضحك وقال خالد بن معدان إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أن نرد النار فيقال لهم بلى ولكن مررتم بها وهي خامدة \r\n وممن ذهب الى انه الدخول الحسن في رواية وأبو مالك ","part":5,"page":255},{"id":2283,"text":" وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء فقال الزجاج العرب تقول وردت بلد كذا ووردت ماء كذا إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا ومنه قوله تعالى ولما ورد ماء مدين القصص 33 والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها الأنبياء 101102 وقال زهير ... فلما وردن الماء زرقا جمامة ... وضعن عصي الحاضر المتخيم ... \r\n أي لما بلغن الماء قمن عليه \r\n قلت وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج فقال أما الآية الأولى فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل وأما الآية الأخرى فانها تضمنت الأخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها وحينئذ لا يسمعون حسيسها وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها ولا يعلمون \r\n والثاني أن الورود الممر عليها قاله عبد الله بن مسعود وقتادة وقال ابن مسعود يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرحل ثم كمشية \r\n والثالث أو ورودها حضورها قاله عبيد بن عمير \r\n والرابع أو ورود المسلمين المرور على الجسر وورود المشركين دخولها قاله ابن زيد ","part":5,"page":256},{"id":2284,"text":" والخامس أن ورود المؤمن إليها ما يصيبه من الحمى في الدنيا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وإن منكم إلا واردها فعلى هذا من حم من المسلمين فقد وردها \r\n قوله تعالى كان على ربك يعني الورود حتما والحتم ايجاب القضاء والقطع بالأمر والمقضي الذي قضاه الله تعالى والمعنى إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق \r\n قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن يعمر وابن أبي ليلى وعاصم الجحدري ثم بفتح الثاء وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي مخففة وقرأت عائشة وأبو بحرية وأبو الجوزاء الربعي ثم ينجي بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابن السميفع وأبو رجاء ننحي بحاء غير معجمة مشددة وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق لأن النجاة تخليص الواقع في الشيء ويؤكده قوله تعالى ونذر الظالمين فيها ولم يقل وندخلهم وإنما يقال نذر ونترك لمن قد حصل في مكانه ومن قال إن الورود للكفار خاصة قال معنى هذا الكلام نخرج المتقين من جملة من يدخل النار والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك وبالظالمين الكفار وقد سبق معنى قوله تعالى جثيا مريم 68 \r\n وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا \r\n قوله تعالى وإذا تتلى عليهم يعني المشركين آياتنا يعني القرآن ","part":5,"page":257},{"id":2285,"text":" قال الذين كفرا يعني المشركي قريش للذين آمنوا أي لفقراء المؤمنين أي الفريقين خير مقاما قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر وحفص عن عاصم مقاما بفتح الميم وقرأ ابن كثير بضم الميم قال أبو علي الفارسي المقام اسم المثوى إن فتحت الميم أو ضمت \r\n قوله تعالى وأحسن نديا والندي والنادي مجلس القوم ومجتمعهم وقال الفراء الندي والنادي لغتان ومعنى الكلام أنحن خير أم أنتم فافتخروا عليهم بالمساكن والمجالس فأجابهم الله تعالى فقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن وقد بينا معنى القرن في الأنعام 6 وشرحنا الاثاث في النحل 80 \r\n فأما قوله تعالى ورئيا فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ورئيا بهمزة بين الراء والياء في وزن رعيا قال الزجاج ومعناها منظرا من رأيت \r\n وقرأ نافع وابن عامر ريا بياء مشددة من غير همز قال الزجاج لها تفسيران أحدهما أنها بمعنى الأولى والثاني أنها من الري فالمعنى منظرهم مرتو من النعمة كأن النعيم بين فيهم \r\n وقرأ ابن عباس وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن أبي سريج عن الكسائي زيا بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز قال الزجاج ومعناها حسن هيئتهم \r\n قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين أمتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ","part":5,"page":258},{"id":2286,"text":" قوله تعالى قل من كان في الضلالة أي في الكفر والعمى عن التوحيد فليمدد له الرحمن قال الزجاج وهذا لفظ أمر ومعناه الخبر والمعنى أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها قال ابن الأنباري خاطب الله العرب بلسانها وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر يقول أحدهم إن زارنا عبد الله فلنكرمه يقصد التوكيد وينبه على أني ألزم نفسي إكرامه ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في النعم مدا قال المفسرون ومعنى مد الله تعالى له إمهاله في الغي حتى إذا رأوا يعني الذين مدهم في الضلالة وإنما اخبر عن الجماعة لأن لفظ من يصلح للجماعة ثم ذكر ما يوعدون فقال إما العذاب يعني القتل والأسر وإما الساعة يعني القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار فسيعلمون من هو شر مكانا في الآخرة أهم أم المؤمنون لأن مكان هؤلاء الجنة ومكان هؤلاء النار ويعلمون بالنصر والقتل من أضعف جندا جندهم أم جند رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا رد عليهم في قولهم أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا \r\n قوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى فيه خمسة أقوال \r\n أحدها ويزيد الله الذين أمتدوا بالتوحيد إيمانا والثاني يزبدهم بصيرة في دينهم والثالث يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم والرابع يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ والخامس يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ قال الزجاج المعنى إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافر أن يمده في ضلالته \r\n قوله تعالى والباقيات الصالحات قد ذكرناها في سورة الكهف 46 ","part":5,"page":259},{"id":2287,"text":" قوله تعالى وخير مردا المرد هاهنا مصدر مثل الرد والمعنى وخير ردا للثواب على عامليها فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت \r\n أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا \r\n قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مسروق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا أي حدادا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته الأصح أنقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد ص - حتى تموت ثم تبعث قال فاني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك فنزلت فيه هذه الآية إلى قوله تعالى فردا \r\n والثاني أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وهذا مروي عن الحسن والمفسرون على الأول \r\n قوله تعالى لأوتين مالا وولدا قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وقال الفراء وهما لغتان كالعدم والعدم وليس يجمع وقيس تجعل الولد جمعا والولد بفتح الواو واحدا \r\n وأين زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد فيه قولان أحدهما أنه أراد في الجنة على زعمكم والثاني في الدنيا قال ابن الأنباري وتقدير الآية أرأيته مصيبا ","part":5,"page":260},{"id":2288,"text":" قوله تعالى أطلع الغيب قال ابن عباس في رواية أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا وقال في رواية أخرى أنظر في اللوح المحفوظ \r\n قوله تعالى أم أتخذ عند الرحمن عهدا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها قاله ابن عباس والثاني أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه قاله قتادة والثالث أم عهد اليه أنه يدخله الجنة قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى كلا أي ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال والولد ويجوز أن يكون معنى كلا أي إنه لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا سنكتب ما يقول أي سنأمر الحفظة باثبات قوله عليه لنجازيه به ونمد له من العذاب مدا أي نجعل بعض العذاب على إثر بعض وقرأ أبو العالية الرياحي وأبو رجاء العطاردي سيكتب ويرثه بياء مفتوحة \r\n قوله تعالى ونرثه ما يقول فيه قولان \r\n أحدهما نرثه ما يقول انه له في الجنة فنجعله لغيره من المسلمين قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء \r\n والثاني نرث ما عنده من المال والولد باهلاكنا إياه وإبطال ملكه وهو مروي عن ابن عباس ايضا وبه قال قتادة قال الزجاج المعنى سنسلبه المال والولد ونجعله لغيره \r\n قوله تعالى ويأتينا فردا أي بلا مال ولا ولد \r\n واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا الم تر أنا أرسلنا ","part":5,"page":261},{"id":2289,"text":" الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا \r\n قوله تعالى واتخذوا من دون الله آلهة يعني المشركين عابدي الأصنام ليكونوا لهم عزا قال الفراء ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة \r\n قوله تعالى كلا أي ليس الأمر كما قدروا سيكفرون يعني الأصنام بجحد عبادة المشركين كقوله تعالى ما كانوا إيانا يعبدون القصص 63 لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة ويكونون يعني الاصنام عليهم يعني المشركين ضدا أي أعوانا عليهم في القيامة يكذبونهم ويلعنونهم \r\n قوله تعالى ألم تر أنا أرسلنا الشياطين قال الزجاج في معنى هذا الإرسال وجهان \r\n أحدهما خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم \r\n والثاني وهو المختار سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم بكفرهم تؤزهم أزا أي تزعجهم ازعاجا حتى يركبوا المعاصي وقال الفراء تزعجهم الى المعاصي وتغريهم بها قال ابن فارس يقال أزه على كذا إذا أغراه به وأزت القدر غلت \r\n قوله تعالى فلا تعجل عليهم أي لا تعجل بطلب عذابهم وزعم بعضهم أن هذا منسوخ آية بآية السيف وليس بصحيح إنما نعد لهم عدا في هذا المعدود ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أنفاسم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال طاووس ومقاتل ","part":5,"page":262},{"id":2290,"text":" والثاني الأيام والليالي والشهور والسنون والساعات رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أنها أعمالهم قاله قطرب \r\n يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين الى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا \r\n قوله تعالى يوم نحشر المتقين قال بعضهم هذا متعلق بقوله ويكونون عليهم ضدا يوم نحشر المتقين وقال بعضهم تقديره اذكر لهم يوم نحشر المتقين وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني يوم يحشر بياء مفتوحة ورفع الشين ويسوق بياء مفتوحة ورفع السين وقرأ ابي بن كعب والحسن البصري ومعاذ القارىء وأبو المتوكل الناجي يوم يحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المتقون رفعا ويساق بألف وياء مرفوعة المجرمون بالواو على الرفع والوفد جمع وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب قال ابن عباس وعكرمة والفراء الوفد الركبان قال ابن الأنباري الركبان عند العرب ركاب الإبل \r\n وفي زمان هذا الحشر قولان \r\n أحدهما أنه من قبورهم الى الرحمن قاله علي بن أبي طالب \r\n والثاني أنه بعد الحساب قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ونسوق المجرمين يعني الكافرين الى جهنم وردا قال ","part":5,"page":263},{"id":2291,"text":" ابن عباس وأبو هريرة والحسن عطاشا قال ابو عبيدة الورد مصدر الورود وقال ابن قتيبة الورد جماعة يردون الماء يعني أنهم عطاش لأنه لا يرد الماء الا العطشان وقال ابن الأنباري معنى قوله وردا واردين \r\n قوله تعالى لا يملكون الشفاعة أي لا يشفعون ولا يشفع لهم \r\n قوله تعالى إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال الزجاج جائز أن يكون من في مومضع رفع على البدل من الواو والنون فيكون المعنى لا يملك الشفاعة الا من اتخذ عن الرحمن عهدا وجائز أن يكون في موضع نصب على استثناء ليس من الأول فالمعنى لا يملك الشفاعة المجرمون ثم قال إلا على معنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا فانه يملك الشفاعة والعهد هاهنا توحيد الله والإيمان به وقال ابن الأنباري تفسير العهد في اللغة تقدمة أمر يعلم ويحفظ من قولك عهدت فلانا في المكان أي عرفته وشهدته \r\n وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيمة فردا \r\n قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا يعني اليهود والنصارى ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله لقد جئتم شيئا إدا أي شيئا عظيما من الكفر قال أبو عبيدة الإد والنكر الأمر المتناهي العظم \r\n قوله تعالى تكاد السموات والأرض يتفطرن قرا ابن كثير وأبو عمرو ","part":5,"page":264},{"id":2292,"text":" وابن عامر وحمزة وابو بكر عن عاصم تكاد بالتاء وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء وقرءا جميعا يتفطرن بالياء والتاء مشددة الطاء وافقهما ابن كثير وحفص عن عاصم في يتفطرن وقرأ ابو عمرو وابو بكر عن عاصم ينفطرن بالنون وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل ابي عمرو وفي عسق 5 مثل أبن كثير ومعنى يتفطرن منه يقاربن الانشقاق من قولكم قال ابن قتيبة وقوله تعالى هدا أي سقوطا \r\n قوله تعالى أن دعوا قال الفراء من أن دعوا ولأن دعوا وقال ابو عبيدة معناه ان جعلوا وليس هو من دعاء الصوت وأنشد ... ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب ... تجده بغيب غير منتصح الصدر ... \r\n قوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي ما يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد لأن الولد يقتضي مجانسة وكل متخذ ولدا يتخذه من جنسه والله تعالى منزه عن أن يجانس شيئا أو يجانسه فمحال في حقه اتخاذ الولد إن كل أي ما كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن يوم القيامة عبدا ذليلا خاضعا والمعنى أن عيسى وعزيرا والملائكة عبيد له قال القاضي ابو يعلى وفي هذا دلالة على أن الوالد إذا اشترى ولده لم يبق ملكه عليه وإنما يعتق بنفس الشراء لأن الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية فدل على أنه لا يجتمع بنوة ورق \r\n قوله تعالى لقد أحصاهم أي علم عددهم وعدهم عدا فلا يخفى ","part":5,"page":265},{"id":2293,"text":" عليه مبلغ جميعهم من كثرتهم وكلهم آتية يوم القيامة فردا بلا مال ولا نصير يمنعه \r\n فان قيل لاية علة وحد في الرحمن و آتية وجمع في العائد في أحصاهم وعدهم \r\n فالجواب أن لكل لفظ توحيد وتأويل جمع فالتوحيد محمول على اللفظ والجمع مصروف الى التأويل \r\n إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا \r\n قوله تعالى سيجعل لهم الرحمن ودا قال ابن عباس نزلت في علي عليه السلام وقال معناه يحببهم ويجبهم الى المؤمنين قال قتادة يجعل لهم ودا في قلوب المؤمنين ومن هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا أحب الله عبدا قال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبوه فينادي جبريل في السموات إن الله يحب فلانا فأحبوه فيلقى حبه على أهل الأرض فيحب وذكر في البغض مثل ذلك وقال هرم بن حيان ما اقبل عبد بقلبه الى ","part":5,"page":266},{"id":2294,"text":" الله عز و جل إلا أقبل الله عز و جل بقلوب أهل الإيمان اليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم \r\n قوله تعالى فانما يسرناه بلسانك يعني القرآن قال ابن قتيبة أي سهلناه وأنزلناه بلغتك واللد جمع ألد وهو الخصم الجدل \r\n قوله تعالى وكم أهلكنا قبلهم هذا تخويف لكفار مكة هل تحس منهم من أحد قال الزجاج أي هل ترى يقال هل أحسست صاحبك أي هل رأيته والركز الصوت الخفي وقال ابن قتيبة الصوت الذي لا يفهم وقال ابو صالح حركة والله تعالى أعلم ","part":5,"page":267},{"id":2295,"text":" سورة طه \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى \r\n وهي مكية كلها باجماعهم وفي سبب نزول طه ثلاث أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرواح بين قدمية يقوم على رجل حتى نزلت هذه الآية قاله علي عليه السلام \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما نزل عليه القرآن صلى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت قريش ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فنزلت هذه الآية قاله الضحاك ","part":5,"page":268},{"id":2296,"text":" والثالث أن أبا جهل والنضر بن الحارث والمطعم بن عدي قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم إنك لتشقى بترك ديننا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n وفي طه قراءات قرأ ابن كثير وأبن عامر طه بفتح الطاء والهاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الطاء والهاء وقرأ نافع طه بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب كذلك قال خلف عن المسيبي وقرأ ابو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وروى عنه عباس مثل حمزة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي وسعيد بن المسيب وابو العالية بكسر الطاء وفتح الهاء وقرأ الحسن طه بفتح الطاء وسكون الهاء وقرأ الضحاك ومورق طه بكسر الطاء وسكون الهاء \r\n واختلفوا في معناها على أربعة أقوال \r\n أحدها أن معناها يا رجل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة واختلف هؤلاء باي لغة هي على أربعة أقوال أحدها بالنبطية رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير في رواية والضحاك والثاني بلسان عك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث بالسريانية قاله عكرمة في رواية وسعيد بن جبير في رواية وقتادة والرابع بالحبشية قاله عكرمة في رواية قال ابن الأنباري ولغة قريش وافقت هذه اللغة في المعنى \r\n والثاني أنها حروف من أسماء ثم فيها قولان أحدهما أنها من اسماء الله تعالى ثم فيها قولان أحدهما أن الطاء من اللطيف والهاء من الهادي قاله ابن مسعود وأبو العالية والثاني أن الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب ","part":5,"page":269},{"id":2297,"text":" والهاء افتتاح اسمه هادي قاله سعيد بن جبير والقول الثاني أنها من غير اسماء الله تعالى ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الطاء من طابة وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم و الهاء من مكة حكاه أبو سليمان الدمشقي و الثاني أن الطاء طرب أهل الجنة والهاء هو أن اهل النار والثالث ان الطاء في حساب الجمل تسعة والهاء خمسة فتكون اربعة عشر فالمعنى يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى حكى القولين الثعلبي \r\n والثالث أنه قسم أقسم الله به وهو من اسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد شرحناه معنى كونه اسما في فاتحة مريم وقال القرظي أقسم الله بطوله وهدايته وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله \r\n والرابع أن معناه طأ الأرض بقدميك قاله مقاتل بن حيان ومعنى قوله لتشقى لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت وذلك أنه اجتهد في العبادة وبالغ حتى إنه كان يرواح بين قدميه لطول القيام فأمر بالتخفيف \r\n قوله تعالى إلا تذكرة قال الأخفش هو بدل من قوله لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة أي عظة \r\n قوله تعالى تنزيلا قال الزجاج المعنى أنزلناه تنزيلا والعلى جمع العليا تقول سماء عليا وسماوات على مثل الكبرى و الكبر فأما الثرى فهو التراب الندي والمفسرون يقولون أراد الثرى الذي تحت الأرض السابعة \r\n قوله تعالى وإن تجهر بالقول أي ترفع صوتك فانه يعلم السر والمعنى لا تجهد نفسك برفع الصوت فان اللع يعلم السر ","part":5,"page":270},{"id":2298,"text":" وفي المراد ب السر وأخفى خمسة أقوال \r\n أحدها أن السر ما أسره الإنسان في نفسه وأخفى ما لم يكن بعد وسيكون رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثاني أن السر ما حدثت به نفسك واخفى ما لم تلفظ به قاله سعيد بن جبير \r\n والثالث أن السر العمل الذي يسره الإنسان من الناس وأخفى منه الوسوسة قاله مجاهد \r\n والرابع أن معنى الكلام يعلم إسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم قاله زيد بن أسلم وابنه \r\n والخامس يعلم ما أسره الإنسان الى غيره وما أخفاه في نفسه قاله الفراء \r\n قوله تعالى له الأسماء الحسنى قد شرحناه في الأعراف 180 \r\n وهل أتك حديث موسى إذ رآ نارا فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتها نودي ياموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى \r\n قوله تعالى وهل أتاك حديث موسى هذا استفهام تقرير ومعناه قد أتاك قال ابن الأنباري وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي هل ","part":5,"page":271},{"id":2299,"text":" معبرة عن قد فقد قال رسول الله ص - وهو أفصح العرب اللهم هل بلغت يريد قد بلغت \r\n قال وهب بن منبه استأذن موسى شعيبا عليهما السلام في الرجوع الى والدته فإذن له فخرج بأهله فولد له في الطريق في ليلة شاتية فقدح فلم يور الزناد فبينا هو في مزاولة ذلك ابصرا نارا من بعيد عن يسار الطريق وقد ذكرنا هذا الحديث بطولة في كتاب الحدائق فكرهنا اطالة التفسير بالقصص لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه قال المفسرون رأى نورا ولكن اخبر بما كان في ظن موسى فقال لأهله يعنى امرأته امكثوا اي اقيموا مكانكم وقرأ حمزة لأهله امكثوا بضم الهاء ها هنا وفي اني آنست نارا قال الفراء اني وجدت يقال هل آنست احدا اي وجدت وقال ابن قتيبة آنست بمعنى أبصرت فأما القبس فقال الزجاج هو ما أخذته من النار في رأس عود أو في رأس فتيلة \r\n قوله تعالى او اجد على النار هدى قال الفراء اراد هاديا فذكره بلفظ المصدر قال ابن الأنبارى يجوز ان تكون على ها هنا بمعنى عند ","part":5,"page":272},{"id":2300,"text":" وبمعنى مع وبمعنى الباء وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل الطريق فعلم أن النار لا تخلوا من موقد وحكى الزجاج أنه ضل عن الماء فرجا أن يجد من يهديه الطريق او يدله على الماء \r\n قوله تعالى فلما أتاها يعني النار نودي يا موسى إني أنا ربك إنما كرر الكناية لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة ومثله إني انا النذير المبين الحجر 89 قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر أني بفتح الألف والياء وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي إني بكسر والألف إلا أن نافعا فتح الياء قال الزجاج من قرأ أني انا بالفتح فالمعنى نودي بأني أنا ربك ومن قرا بالكسر فالمعنى نودي يا موسى فقال الله إني أنا ربك \r\n قوله تعالى فاخلع نعليك في سبب أمره بخلعهما قولان \r\n أحدهما انهما كانا من جلد حمار ميت رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعكرمة \r\n والثاني أنهما كانا من جلد بقرة ذكيت ولكنه أمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة فتناله بركتها قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة \r\n قوله تعاى إنك بالواد المقدس فيه قولان قد ذكرناهما في المائدة 21 عند قوله الارض المقدسة ","part":5,"page":273},{"id":2301,"text":" قوله تعالى طوى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طوى وأنا غير مجراه وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي طوى مجراة وكلهم ضم الطاء وقرأ الحسن وأبو حيوة طوى بكسر الطاء مع التنوين وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو طوى بكسر الطاء من غير تنوين قال الزجاج في طوى اربعة أوجه طوى بضم أوله من غير تنوين وبتنوين فمن نونه فهو اسم للوادي وهو مذكر سمي بمذكر على فعل نحو حطم وصرد ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين \r\n احداهما أن يكون معدولا عن طاو فيصير مثل عمر المعدول عن عامر فلا ينصرف كما لا ينصرف عمر \r\n والجهة الثانية أن يكون اسما للبقعة كقوله في البقعة المباركة القصص 30 وإذا كسر ونون فهو مثل معى والمعنى المقدس مرة بعد مرة كما قال عدي بن زيد ... أعاذل إن اللوم في غير كنهه ... علي طوى من غيك المتردد ... \r\n أي اللوم المكرر علي ومن لم ينون جعله اسما للبقعة \r\n وللمفسرين في معنى طوى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اسم الوادي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أن معنى طوى طأ الوادي رواه عكرمة عن ابن عباس وعن مجاهد كالقولين ","part":5,"page":274},{"id":2302,"text":" والثالث أنه قدس قاله الحسن وقتادة \r\n قوله تعالى وأنا اخترتك أي اصطفيتك وقرأ حمزة والمفضل وأنا بالنون المشددة اخترناك بألف فاستمع لما يوحى أي للذي يوحى قال ابن الأنباري الاستماع هاهنا محمول على الإنصات المعنى فأنصت لوحيي والوحي هاهنا قوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أي وحدني واقم الصلاة لذكري فيه قولان \r\n أحدهما أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة سواء كنت في وقتها أو لم تكن هذا قول الأكثرين وروى أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك وقرأ أقم الصلاة لذكري \r\n والثاني أقم الصلاة لتذكرني فيها قاله مجاهد وقيل إن الكلام مردود على قوله فاستمع فيكون المعنى فاستمع لما يوحى واستمع لذكري وقرأ ابن مسعود وابي بن كعب وابن السميفع وأقم الصلاة للذكرى بلامين وتشديد الذال \r\n قوله تعالى أكاد أخفيها أكثر القراء على ضم الألف \r\n ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أكاد أخفيها من نفسي قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن علي أكاد أخفيها من نفسي ","part":5,"page":275},{"id":2303,"text":" قال الفراء المعنى فكيف أظهركم عليها قال المبرد وهذا على عادة العرب فانهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحدا \r\n والثاني أن الكلام تم عند قوله أكاد وبعده مضمر تقديره أكاد آتي بها والابتداء أخفيها قال ضابئ البرجمي ... هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله ... \r\n أراد كدت أفعل \r\n والثالث أن معنى أكاد أريد قال الشاعر ... كادت كدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى ... \r\n معناه أرادت وأردت ذكرهما ابن الأنباري \r\n فان قيل فما فائدة هذا الأخفاء الشديد \r\n فالجواب أنه للتحذير والتخويف ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد حذرا وقرأ سعيد بن جبير وعروة بن الزبير وأبو رجاء العطاردي وحميد بن قيس أخفيها بفتح الألف قال الزجاج ومعناه أكاد اظهرها قال امرؤ القيس ... فان تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد ","part":5,"page":276},{"id":2304,"text":" أي إن تدفنوا الداء لا نظهره قال وهذه القراءة أبين في المعنى لأن معنى أكاد أظهرها قد أخفيتها وكدت أظهرها لتجزى كل نفس بما تسعى أي بما تعمل ولتجزى متعلق بقوله إن الساعة آتية لتجزى ويجوز أن يكون على أقم الصلاة لذكري لتجزى \r\n قوله تعالى فلا يصدنك عنها أي عن الإيمان بها من لا يؤمن بها أي من لا يؤمن بكونها والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم خطاب لجميع أمته واتبع هواه أي مراده وخالف أمر الله عز و جل فتردى أي فتهلك قال الزجاج يقال ردي يردى إذا هلك \r\n وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكؤا عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقها فاذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك الى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى \r\n قوله تعالى وما تلك بيمينك قال الزجاج تلك اسم مبهم يجري مجرى التي والمعنى ما التي بيمينك \r\n قوله تعالى أتوكأ عليه التوكؤ التحامل على الشيء وأهش بها قال الفراء أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه غنمي قال الزجاج واشتقاقه من أني احيل الشيء إلى الهشاشه والإمكان والمآرب الحاجات واحدها مأربه ومأربه وروى قتيبة وورش مآرب بامالة الهمزة ","part":5,"page":277},{"id":2305,"text":" فان قيل ما الفائدة في سؤال الله تعالى له وما تلك بيمينك وهو يعلم فعنه جوابان \r\n أحدهما أن لفظه لفظ الاستفهام ومجراه مجرى السؤال ليجيب المخاطب بالإقرار به فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد ومثله في الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء ما هذا فيقول ماء فتضع عليه شيئا من الصبغ فان قال لم يزل هكذا قلت له ألست قد اعترفت بأنه ماء فتثبت عليه الحجة هذا قول الزجاج فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرته في انقلابها حية فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها \r\n والثاني أنه لما أطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإجلال حين التكليم أراد أن يؤانسه ويخفف عنه ثقل ما كان فيه من الخوف فأجرى هذا الكلام للاستئناس حكاه ابو سليمان الدمشقي \r\n فان قيل قد كان يكفي في الجواب أن يقول هي عصاي فما الفائدة في قوله أتوكأ عليها إلى آخر الكلام وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه أجاب بقوله هي عصاي فقيل له ما تصنع بها فذكر باقي الكلام جوابا عن سؤال ثان قاله ابن عباس ووهب \r\n والثاني أنه انما أظهر فوائدها وبين حاجته اليها خوفا من أن يأمره بالقائها كالنعلين قاله سعيد بن جبير \r\n والثالث أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها قاله الماوردي \r\n فان قيل فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح فعنه ثلاثة أجوبة ","part":5,"page":278},{"id":2306,"text":" أحدها أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها \r\n والثاني استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد \r\n والثالث أنه اقتصر على اللازم دون العارض \r\n وقيل كانت تضيء له بالليل وتدفع عنه الهوام وتثمر له إذا اشتهى الثمار وفي جنسها قولان \r\n أحدهما أنها كات من آس الجنة قاله ابن عباس والثاني أنها كانت من عوسج \r\n فان قيل المآرب جمع فكيف قال أخرى ولم يقل اخر فالجواب أن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى قاله الزجاج \r\n قوله تعالى قال ألقها يا موسى قال المفسرون ألقاها ظنا منه أنه قد أمر برفضها فسمع حسا فالتفت فاذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة فتبتلعها فهرب منها \r\n وفي وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخطابة قولان \r\n أحدهما لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون \r\n والثاني ليريه أن الذي أبعثك اليه دون ما أريتك فكما ذللت لك الأعظم وهو الحية أذلل لك الأدنى ","part":5,"page":279},{"id":2307,"text":" ثم إن الله تعالى أمره باخذها وهي على حالها حية فوضع يده عليها فعادت عصا فذلك قوله سنعيدها سيرتها الأولى قال الفراء طريقتها يقول تردها عصى كما كانت قال الزجاج وسيرتها منصوبة على اسقاط الخافض وافضاء الفعل اليها المعنى سنعيدها الى سيرتها \r\n فان قيل إنما كانت العصا واحدة وكان القاؤها مرة فما وجه اختلاف الأخبار عنها فانه يقول في الأعراف 107 فاذا هي ثعبان مبين وهاهنا حية وفي مكان آخر كأنها جان النمل 10 الأصح والجان ليست بالعظيمة والثعبان أعظم الحيات \r\n فالجواب أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها وبالثعبان اخبار عن انتهاء حالها والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى وقال الزجاج خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته \r\n قوله تعالى واضنم يدك الى جناحك قال الفراء الجناح من اسفل العضد الى الابط \r\n وقال ابو عبيدة الجناح ناحية الجنب وانشد ... أضمه للصدر والجناح ... \r\n قوله تعالى تخرج بيضاء من غير سوء أي من غير برص آية أخرى أي دلالة على صدقك سوى العصا قال الزجاج ونصب آية عل معنى آتيناك آية أو نؤتيك آية \r\n قوله تعالى لنريك من آياتنا الكبرى ","part":5,"page":280},{"id":2308,"text":" إن قيل لم لم يقل الكبر فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها انه كقوله مآرب اخرى وقد شرحناه هذا قول الفراء \r\n والثاني أن فيه إضمارا تقديره لنريك من آياتنا الآية الكبرى وقال أبو عبيدة فيه تقديم وتأخير تقديره لنريك الكبرى من آياتنا \r\n والثالث إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي حكى القولين الثعلبي \r\n إذهب الى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من اهلي هرون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا \r\n قوله تعالى إنه طغى أي جاوز الحد في العصيان قوله تعالى اشرح لي صدري قال المفسرون ضاق موسى صدر بما كلف من مقاومة فرعون وجنوده فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون وجنوده ومعنى قوله يسر لي أمري سهل علي ما بعثتني له واحلل عقدة من لساني قال ابن قتيبة فيه رته قال المفسرون كان فرعون قد وضع موسى في حجره وهو صغير فجر لحية فرعون بيده فهم بقتله فقالت له آسية إنه لا يعقل وسأريك بيان ذلك قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين فان اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل فأخذ موسى جمرة فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة فسأل حلها ليفهموا كلامه ","part":5,"page":281},{"id":2309,"text":" وأما الوزير فقال ابن قتيبة أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل كان الوزير قد حمل عن السلطان الثقل وقال الزجاج اشتقاقه من الوزر والوزر الجبل الذي يعتصم به لينجى من الهلكة وكذلك وزير الخليفة معناه الذي يعتمد عليه في أموره ويلتجىءالى رأيه ونصب هارون من جهتين إحداهما أن تكون أجعل تتعدى الى مفعولين فيكون المعنى اجعل هارون اخي وزيري فينتصب وزيرا على أنه مفعول ثان ويجوز أن يكون هارون بدلا من قوله وزيرا فيكون المعنى اجعل لي وزيرا من أهلي ثم أبدل هارون من وزير والاول أجود قال الماوردي وإنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيرا لأنه لم يرد أن يكون مقصورا على الوزراة حتى يكون شريكا في النبوة ولولا ذلك لجاز ان يستوزر من غير مسألة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء أخي \r\n قوله تعالى أشدد به أزري قال الفراء هذا دعاء من موسى والمعنى اشدد به يا رب ازري واشركه يا رب في أمري وقرأ ابن عامر أشدد بالألف مقطوعة مفتوحة وأشركة بضم الألف وكذلك يبتدئ بالألفين قال ابو علي هذه القراءة على الجواب والمجازاة والوجه الدعاء دون الإخبار لأن ما قبله دعاء ولان الاشراك في النبوة لا يكون إلا من الله عز و جل قال ابن قتيبة والأزر الظهر يقال آزرت فلانا على الأمر أي قويته عليه وكنت له فيه ظهرا \r\n قوله تعالى واشركه في أمري أي في النبوة معي كي نسبحك أي نصلي لك ونذكرك بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا من نعمك إنك كنت بنا نصيرا أي عالما إذ خصصتنا بهذه النعم ","part":5,"page":282},{"id":2310,"text":" قال قد أوتيت سوءلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقدفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك الى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري قوله تعالى قال قد أوتيت سؤلك قال ابن قتيبة أي طلبتك وهو فعل من سألت أي أعطيت ما سألت \r\n قوله تعالى ولقد مننا عليك أي أنعمنا عليك مرة أخرى قبل هذه المرة ثم بين متى كانت بقوله إذ أوحينا الى أمك ما يوحى أي ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك ثم فسر ذلك بقوله أن اقذفيه في التابوت وقذف الشيء الرمي به \r\n فان قيل ما فائدة قوله ما يوحى وقد علم ذلك فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين \r\n أحدهما أن المعنى أوحينا اليها الشيء الذي يجوز أن يوحى اليها اذ ليس كل الامور يصلح وحيه اليها لأنها ليست بنبي وذلك أنها ألهمت \r\n والثاني أن ما يوحى أفاد توكيدا كقوله فغشاها ما غشى النجم 54 ","part":5,"page":283},{"id":2311,"text":" قوله تعالى فليلقه اليم قال ابن الأنباري ظاهر هذا الأمر ومعناه معنى الخبر تأويله يلقيه اليم ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه فسمع وعقل كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار فأما الساحل فهو شط البحر يأخذه عدو لي وعدو له يعني فرعون قال المفسرون اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بالتابوت فأمر الغلمان والجواري بأخذه فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه حبا شديدا فذلك قوله وألقيت عليك محبة مني قال أبو عبيدة ومعنى ألقيت عليك أي جعلت لك محبة مني قال ابن عباس أحبه وحببه الى خلقه فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر وقال قتادة كانت في عينيه ملاحة فما رآه أحد إلا حبه \r\n قوله تعالى ولتصنع على عيني وقرأ ابو جعفر ولتصنع بسكون اللام والعين والإدغام قال قتادة لتغذى على محبتي وإرادتي قال أبو عبيدة على ما أريد وأحب قال ابن الأنباري هو من قول العرب غذي فلان على عيني أي على المحبة مني وقال غيره لتربى وتغذى بمرأى مني يقال صنع الرجل جاريته إذا رباها وصنع فرسه إذا داوم على علفه ومراعاته والمعنى ولتصنع على عليني قدرنا مشي أختك وقولها هل أدلكم على من يكفله لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله عز و جل فأما أخته فقال مقاتل اسمها مريم قال الفراء وإنما اقتصر على ذكر المشي ","part":5,"page":284},{"id":2312,"text":" ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر لأن العرب تجتزىء بحذف كثير من الكلام وبقليله إذا كان المعنى معروفا ومثله قوله أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف 45 ولم يقل فأرسل حتى دخل على يوسف \r\n قال المفسرون سبب مشي أخته أن أمه قالت لها قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم أخته هل أدلكم على من يكفله أي يرضعه ويضمه اليه فقيل لها ومن هي فقالت أمي قالوا وهل لها لبن قال لبن أخي هارون وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين فأرسلوها فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله فرجعناك الى أمك أي رددناك اليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك وقتلت نفسا يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فنجيناك من الغم وكان مغموما مخافة أن يقتل به فنجاه الله بأن هرب الى مدين وفتناك فتونا فيه ثلاث أقوال \r\n أحدها اختبرناك اختبارا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أخلصناك اخلاصا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثالث ابتليناك ابتلاء رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال الفراء ابتليناك بغم القتيل ابتلاء وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع الا من ثدي أمه ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل ","part":5,"page":285},{"id":2313,"text":" الدرة ثم قتله القبطي ثم خروجه الى مدين خائفا وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير ويقول له عند كل ثلاثة وهذا من الفتون يا ابن جبير فعلى هذا يكون فتناك خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث والفتون مصدر \r\n قوله تعالى فلبثت سنين تقدير الكلام فخرجت إلى أهل مدين ومدين بلد شعيب وكان على ثمان مراحل من مصر فهرب اليه موسى وقيل مدين اسم رجل وقد سبق هذا الأعراف 86 \r\n وفي قدر لبثه هناك قولان \r\n أحدهما عشر سنين قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني ثمان وعشرون سنة عشر منهن مهر امرأته وثمان عشرة أقام حتى ولد له قاله وهب \r\n قوله تعالى ثم جئت على قدر أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك وكان ذلك على رأس أربعين سنة وهو الوقت الذي يوحى فيه الى الأنبياء هذا قول الأكثرين وقال الفراء على قدر أي على ما أراد الله به من تكليمه \r\n قوله تعالى واصطنعتك لنفسي أي اصطفيتك واختصصتك والاصطناع اتخاذ الصنيعة وهو الخير تسديه الى إنسان وقال ابن عباس اصطفيتك لرسالتي ووحيي اذهب أنت وأخوك بآياتي وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها العصا واليد وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع \r\n والثاني العصا واليد وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها ذكره ابن الأنباري ","part":5,"page":286},{"id":2314,"text":" والثالث الآيات التسع والأول أصح \r\n قوله تعالى ولا تنيا قال ابن قتيبة لا تضعفا ولا تفترا يقال ونى يني في الأمر وفيه لغة أخرى وني يونى \r\n وفي المراد بالذكر هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه الرسالة الى فرعون والثاني أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل \r\n إذهبا الى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فاتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذب وتولى \r\n قوله تعالى اذهبا الى فرعون فائدة تكرار الأمر بالذهاب التوكيد وقد فسرناه قوله إنه طغى طه 24 \r\n قوله تعالة فقولا له قولا لينا وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري لينا باسكان الياء أي لطفيا رفيقا \r\n وللمفسرين فيه خمسة أقوال \r\n أحدها قولا له قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له رواه خالد ابن معدان عن معاذ والضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني انه قوله هل لك إلى أن تزكى وأهديك الى ربك فتخشى النازعات 1819 قاله ابو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل ","part":5,"page":287},{"id":2315,"text":" والثالث كنياه رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي فأما اسمه فقد ذكرناه في البقرة 49 وفي كنيته أربعة أقوال أحدها أبو مرة رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أبو مصعب ذكره أبو سليمان الدمشقي والثالث أبو العباس والرابع أبو الوليد حكاهما الثعلبي \r\n والقول الرابع قولا له إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا قاله الحسن \r\n والخامس أن القول اللين أن موسى أتاه فقال له تؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت فاذا مت دخلت الجنة فأعجبه ذلك فلما جاء هامان أخبره بما قال موسى فقال قد كنت أرى أن لك رأيا أنت رب أردت أن تكون مربوبا فقلبه عن رأيه قاله السدي وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية فقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا إله فكيف رفقك بمن يقول أنت إله \r\n قوله تعالة لعله يتذكر أو يخشى قال الزجاج لعل في اللغة ترج وطمع تقول لعلي أصير إلى خير فخاطب الله عز و جل العباد بما يعقلون والمعنى عند سيبويه اذهبا على رجائكما وطمعكما والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون وقدعلم أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية والبرهان وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري ايقبل منها أم لا وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم ومعنى لعل متصور في أنفسهم وعلى تصور ذلك تقوم الحجة قال ابن الأنباري ومذهب الفراء في هذا كي يتذكر وروى خالد بن معدان عن معاذ قال والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى ","part":5,"page":288},{"id":2316,"text":" يتذكر أو يخشى لهذه الآية وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق وقال كعب والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن قال المفسرون كان هارون يؤمئذ غائبا بمصر فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسى فتلقاه على مرحلة فقال له موسى إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون فسألته أن يجعلك معي فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا ربنا إننا نخاف قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده واخبر الله عنه بالتثنية لما ضم اليه هارون فان العرب قد توقع التثنية على الواحد فتقول يا زيد قوما يا حرسي اضربا عنقه \r\n قوله تعالى أن يفرط علينا وقرأ عبد الله بن عمرو وابن السميفع وابن يعمر وأبو العالية أن يفرط برفع الياء وكسر الراء وقرأ عكرمة وإبراهيم النخعي أن يفرط بفتح الياء والراء وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن محيصن أن يفرط برفع الياء وفتح الراء قال الزجاج المعنى أن يبادر بعقوبتنا يقال قد فرط منه أمر أي قد بدر وقد أفرط في الشيء إذا اشتط فيه وفرط في الشيء إذا قصر ومعناه كله التقدم في الشيء لأن الفرط في اللغة المتقدم ومنه قوله عليه الصلاة و السلام أنا فرطكم على الحوض ","part":5,"page":289},{"id":2317,"text":" قوله تعالى أو أن يطغى فيه قولان \r\n أحدهما يستعصي قاله مقاتل والثاني يجاوز الحد في الإساءة الينا قال ابن زيد نخاف أن يعجل علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك \r\n قوله تعالى إنني معكما أي بالنصرة والعون أسمع أقوالكم وأرى أفعالكم قال الكلبي أسمع جوابه لكما وأرى ما يفعل بكما \r\n قوله تعالى فارسل معنا بني اسرائيل أي خل عنهم ولا تعذبهم وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة قد جئناك بآية من ربك قال ابن عباس هي العصا قال مقاتل أظهر اليد في مقام والعصا في مقام \r\n قوله تعالى والسلام على من اتبع الهدى قال مقاتل على من آمن بالله قال الزجاج وليس يعني به التحية وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس بابتداء لقاء وخطاب \r\n قوله تعالى على من كذب أي بما جئنا به وأعرض عنه \r\n قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ","part":5,"page":290},{"id":2318,"text":" قوله تعالى قال فمن ربكما في الكلام محذوف معناه معلوم وتقديره فأتياه فأديا الرسالة قال الزجاج و إنما لم يقل فأتياه لأن في الكلام دليلا على ذلك لأن قوله فمن ربكما يدل على أنهما أتياه وقالا له \r\n قوله تعالى أعطي كل شيء خلقه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أعطى كل شيء صورته فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه فصوره أبن آدم لا كصورة البهائم وصورة البعير لا كصورة الفرس روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير \r\n والثاني أعطى كل ذكر زوجه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال السدي فيكون المعنى أعطى كل حيوان ما يشاكله \r\n والثالث أعطى كل شيء ما يصلحه قاله قتادة \r\n وفي قوله ثم هدى ثلاثة أقوال \r\n أحدها هدى كيف يأتي الذكر الأنثى رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال ابن جبير \r\n والثاني هدى للمنكح والمطعم والمسكن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث هدى كل شيء إلى معيشته قاله مجاهد وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس والأعمش وابن السميفع ونصير عن الكسائي أعطى كل شيء خلقه بفتح اللام \r\n فان قيل ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا \r\n فالجواب أنه قد ثبت وجود خلق وهداية فلا بد من خالق وهاد \r\n قوله تعالى قال فما بال القرون الأولى اختلفوا فيما سأل عنه من حال القرون الأولى على ثلاثة أقوال ","part":5,"page":291},{"id":2319,"text":" أحدها أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها ولم يكن له بذلك علم إذ التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون فقال علمها عند ربي هذا مذهب مقاتل وقال غيره أراد إني رسول وأخبار الأمم علم غيب فلا علم لي بالغيب \r\n والثاني أن مراده من السؤال عنها لم عبدت الأصنام ولم لم يعبد الله إن كان الحق ما وصفت \r\n والثالث أن مراده ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى فقال علمها عند الله أي علم أعمالها وقيل الهاء في علمها كناية عن القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم فأجابه بذلك \r\n وقوله في كتاب أراد اللوح المحفوظ \r\n قوله تعالى لا يضل ربي ولا ينسى وقرأ عبد الله بن عمرو وعاصم الجحدري وقتادة وابن محيصن لا يضل بضم الياء وكسر الضاد أي لا يضيعه وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع لا يضل بضم الياء وفتح الضاد وفي هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال والمعنى لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل أراد لم يجعل ذلك في كتاب لأنه يضل وينسى \r\n قوله تعالى الذي جعل لكم الأرض مهادا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر مهادا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي مهدا بغير ألف والمهاد الفراش و المهد الفرش وسلك لكم أي أدخل لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها وأنزل من السماء ماء يعني المطر ","part":5,"page":292},{"id":2320,"text":" وهذا آخر الإخبار عن موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله فأخرجنا به يعني بالماء أزواجا من نبات شتى أي أصنافا مختلفة في الألوان والطعوم كل صنف منها زوج وشتى لا واحد له من لفظه كلوا أي مما أخرجنا لكم من الثمار وارعوا أنعامكم يقال رعى الماشية يرعاها إذا سرحها في المرعى ومعنى هذا الأمر التذكير بالنعم إن في ذلك لآيات أي لعبرا في اختلاف الألوان والطعوم لأولي النهى قال الفراء لذوي العقول يقال للرجل إنه لذو نهية إذا كان ذا عقل قال الزجاج واحد النهى نهية يقال فلان ذو نهية أي ذو عقل ينتهي به عن المقابح ويدخل به في المحاسن قال وقال بعض أهل اللغة ذو النهية الذي ينتهى الى رأيه وعقله وهذا حسن أيضا \r\n قوله تعالى منها خلقناكم يعني الأرض المذكورة في قوله جعل لكم الأرض مهادا والإشارة بقوله خلقناكم إلى آدم والبشر كلهم منه وفيها نعيدكم بعد الموت ومنها نخرجكم تارة أي مرة أخرى بعد البعث يعني كما أخرجناكم منها أولا عند خلق آدم من الأرض \r\n ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وان يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان ","part":5,"page":293},{"id":2321,"text":" لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى \r\n قوله تعالى ولقد أريناه يعني فرعون آياتنا كلها يعني التسع الآيات ولم ير كل آية الله لأنها لا تحصى فكذب أي نسب الآيات الى الكذب وقال هذا سحر وأبى أن يؤمن قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا يعني مصر بسحرك أي تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها فلنأتينك بسحر مثله أي فلنقابلن ما جئت به من السحر بمثله فاجعل بيننا وبينك موعدا أي اضرب بيننا وبينك اجلا وميقاتا لا نخلفه أي لا نجاوزه نحن ولا أنت مكانا وقيل المعنى أجعل بيننا وبينك موعدا مكانا نتواعد لحضورنا ذلك المكان ولا يقع منا خلاف في حضوره سوى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي بكسر السين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب سوى بضمها وقرأ أبي بن كعب وابو المتوكل وابن أبي عبلة مكانا سواء بالمد والهمز والنصب والتنوين وفتح السين وقرأ ابن مسعود مثله إلا أنه كسر السين قال أبو عبيدة هو اسم للمكان النصف فيما بين الفريقين والمعنى مكانا تستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق اليه كمسافة الفريق الآخر قال موعدكم يوم الزينة قرأ الجمهور برفع الميم وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة وابن أبي عبلة وهبيرة عن حفص بنصب الميم وفي هذا اليوم أربعة أقوال \r\n أحدها يوم عيد لهم رواه أبو صالح عن ابن عباس والسدي عن أشياخه وبه قال مجاهد وقتادة وابن زيد ","part":5,"page":294},{"id":2322,"text":" والثاني يوم عاشوراء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث يوم النيروز ووافق ذلك يوم السبت أقول يوم من السنة رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والرابع يوم سوق لهم قاله سعيد بن جبير \r\n وأما رفع اليوم فقال البصريون التقدير وقت موعدكم يوم الزينة فناب الموعد عن الوقت وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر فأما نصبه فقال الزجاج المعنى موعدكم يقع يوم الزينة وان يحشر الناس موضع أن رفع المعنى موعدكم حشر الناس ضحى أي إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى ويجوز أن تكون أن في موضع خفض عطفا على الزينة المعنى موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى وقرأ ابن مسعود وابن يعمر وعاصم الجحدري وأن تحشر بتاء مفتوحة ورفع الشين ونصب الناس وعن ابن مسعود والنخعي وان يحشر بالياء المفتوحة ورفع الشين ونصب الناس \r\n قال المفسرون أراد بالناس أهل مصر وبالضحى ضحى اليوم وإنما علقه بالضحى ليتكامل ضوء الشمس واجتماع الناس فيكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة \r\n فتولى فرعون فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى تولى عن الحق الذي أمر به \r\n والثاني أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى فجمع كيده أي مكره وحيلته ثم أتى أي حضر الموعد قال لهم موسى أي للسحرة وقد ذكرنا عددهم في الأعراف 114 ","part":5,"page":295},{"id":2323,"text":" قوله تعالى ويلكم قال الزجاج هو منصوب على ألزمكم الله ويلا ويجوز أن يكون على النداء كقوله تعالى يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا يس 52 \r\n قوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا قال ابن عباس لا تشركوا معه احدا \r\n قوله تعالى فيسحتكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم فيسحتكم بفتح الياء من سحت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيسحتكم بضم الياء من أسحت قال الفراء ويسحت أكثر وهو الاستئصال والعرب تقول سحته الله وأسحته قال الفرزدقز ... وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف ... \r\n هكذا أنشد البيت الفراء والزجاج ورواه أبو عبيدة الا مسحت او مجلف بالرفع ","part":5,"page":296},{"id":2324,"text":" قوله تعالى فتنازعوا أمرهم بينهم يعني السحرة تناظروا فيما بينهم في أمر موسى وتشاوروا وأسروا النجوى أي أخفوا كلامهم من فرعون وقومه وقيل من موسى وهارون وقيل أسروا هاهنا بمعنى أظهروا \r\n وفي ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قالوا إن كان هذا ساحرا فانا سنغلبه وإن يكن من السماء كما زعمتم فله أمره قاله قتادة \r\n والثاني أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا ما هذا بقول ساحر ولكن هذا كلام الرب الأعلى فعرفوا الحق ثم نظروا الى فرعون وسلطانه والى موسى وعصاه فنكسوا على رؤوسهم وقالو إن هذان لساحران قاله الضحاك ومقاتل \r\n والثالث أنه قالوا إن هذان لساحران الآيات قاله السدي \r\n واختلف القراء في قوله تعالى إن هذان لساحران فقرأ ابو عمرو ابن العلاء إن هذين على إعمال إن وقال إني لأستحيي من الله أن أقرأ إن هذان وقرأ ابن كثير إن خفيفه هذان بتشديد النون وقرأ عاصم في رواية حفص إن خفيفة هذان خفيفه أيضا وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي إن بالتشديد هاذان بألف ونون خفيفة فأما قراءة ابي عمرو فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روي عن عثمان وعائشة أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى والمقيمين الصلاة في سورة النساء 162 وأما قراءة عاصم فمعناها ما هذان الا ساحران ","part":5,"page":297},{"id":2325,"text":" كقوله تعالى وإن نظنك لمن الكاذبين الشعراء 186 أي ما نظنك إلا من الكاذبين وأنشدوا في ذلك ... ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليه عقوبة المتعمد ... \r\n أي ما قتلت إلا مسلما قال الزجاج ويشهد لهذه القراءة ما روي عن أبي ابن كعب أنه قرأ ما هذان الا ساحران وروي عنه إن هذان إلا ساحران ورويت عن الخليل إن هذان بالتخفيف والإجماع على أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل فأما قراءة الأكثرين بتشديد إن وإثبات الألف في قوله هاذان فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال هي لغة بلحارث بن كعب وقال ابن الأنباري هي لغة لبني الحارث بن كعب وافقتها لغة قريش قال الزجاج وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب وهو راس من رؤوس الرواة أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد يقولون أتاني الزيدان ورايت الزيدان ومررت بالزيدان وأنشدوا ... فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما ... \r\n ويقول هؤلاء ضربته بين أدناه وقال النحويون القدماء هاهنا هاء مضمرة ","part":5,"page":298},{"id":2326,"text":" المعنى إنه هذان لساحران وقالوا أيضا إن معنى أن نعم هذان لساحران وينشدون ... ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه ... \r\n قال الزجاج والذي عندي وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد وعلى أسماعيل ابن اسحاق بن حماد بن زيد فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا وهو أن إن قد وقعت موقع نعم والمعنى نعم هذان لهما الساحران ويلي هذا في الجودة مذهب بني كنانة واستحسن هذه القراءة لأنها مذهب أكثر القراء وبها يقرأ واستحسن قراءة عاصم والخليل لأنهما إمامان ولأنهما وافقا أبي بن كعب في المعنى ولا أجيز قراءة أبي عمرو لخلاف المصحف وحكى ابن الأنباري عن الفراء قال الف هذان هي ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والتثنية كما فرقت نون الذين بين الواحد والجمع \r\n قوله تعالى ويذهبا بطريقتكم وقرأ أبان عن عاصم ويذهبا بضم الياء وكسر الهاء وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو وأبو رجاء العطاردي ويذهبا بالطريقة بألف ولام مع حذف الكاف والميم وفي الطريقة قولان \r\n أحدهما بدينكم المستقيم رواه الضحاك عن ابن عباس وقال ابو عبيدة بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه يقال فلا حسن الطريقة ","part":5,"page":299},{"id":2327,"text":" والثاني بأمثلكم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد بأولي العقل والاشراف والأسنان وقال الشعبي يصرفان وجوه الناس اليهما قال الفراء الطريقة الرجال الاشراف تقول العرب للقوم الأشراف هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم \r\n فأما المثلى فقال ابو عبيدة هي تأنيث الأمثل تقول في الإناث خذ المثلى منهما وفي الذكور خذ الأمثل وقال الزجاج ومعنى المثلى والأمثل ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال هذا أمثل قومه قال والذي عندي أن في الكلام محذوفا والمعنى يذهبا بأهل طريقتكم المثلى وقول العرب هذا طريقة قومه أي صاحب طريقتهم \r\n قوله تعالى فأجمعوا كيدكم قرأ الأكثرون فأجمعوا بقطع الألف من أجمعت والمعنى يكون عزمكم مجمعا عليه لا تختلفوا فيختل أمركم قال الفراء والإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء تقول أجمعت على الخروج وأجمعت الخروج تريد أزمعت قال الشاعر ... يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع ... \r\n يريد قد أحكم وعزم عليه وقرأ أبو عمرو فاجمعوا بفتح الميم من جمعت يريد لا تدعوا من كيدكم شيئا الا جئتم به فأما كيدهم فالمراد به سحرهم ومكرهم \r\n قوله تعالى ثم ائتوا صفا أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم وأشد لهيبتكم قال أبو عبيدة صفا أي صفوفا وقال ابن قتيبة صفا بمعنى جمعا قال الحسن كانوا خمسة وعشرين صفا كل الف ساحر صف ","part":5,"page":300},{"id":2328,"text":" قوله تعالى وقد أفلح من استعلى قال ابن عباس فاز من غلب \r\n قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فاذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى \r\n قوله تعالى بل ألقوا قال ابن الأنباري دخلت بل لمعنى جحد في الأية الأولى لأن الآية الأولى إذا تؤملت وجدت مشتملة على إما أن تلقي وإما أن لا تلقي \r\n قوله تعالى وعصيهم قرأ الحسن وأبو رجاء العطاردي وأبو عمران الجوني وابو الجوزاء وعصيم برفع العين \r\n قوله تعالى يخيل اليه وقرأ ابو رزين العقيلي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والزهري وابن أبي عبلة تخيل بالتاء اليه أي ","part":5,"page":301},{"id":2329,"text":" الى موسى يقال خيل اليه اذا شبه له وقد استدل قوم بهذه الآية على أن السحر ليس بشيء وقال إنما خيل الى موسى فالجواب أنا لا ننكر أن يكون ما رآه موسى تخييلا وليس بحقيقة فانه من الجائز أن يكونو تركوا الزئبق في سلوخ الحيات حتى جرت وليس ذلك بحيات فأما السحر فانه يؤثر وهو أنواع وقد سحر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أثر فيه ","part":5,"page":302},{"id":2332,"text":" ولعن العاضهة وهي الساحرة \r\n قوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى قال ابن قتيبة أضمر في نفسه خوفا وقال الزجاج أصلها خوفه ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها \r\n وفي خوفه قولان \r\n أحدهما أنه خوف الطبع البشري ","part":5,"page":305},{"id":2333,"text":" والثاني أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى خاف أن يلتبس على الناس أمره ولا يؤمنوا فقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة وهذا أصح من الأول \r\n قوله تعالى وألق ما في يمينك يعني العصا تلقف وقرأ ابن عامر تلقف ما برفع الفاء وتشديد القاف وروى حفص عن عاصم تلقف خفيفة وكان ابن كثير يشدد التاء من تلقف يريد تتلقف وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير وأبو رجاء تلقم بالميم وقد شرحناها في الأعراف 117 إنما صنعوا كيد ساحر قرأ حمزة والكسائي وخلف كيد السحر وقرأ الباقون كيد ساحر بألف والمعنى إن الذي صنوا يد ساحر أي عمل ساحر وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني إنما صنعوا كيد بنصب الدال ولا يفلح الساحر قال ابن عباس لا يسعد حيثما كان وقيل لا يفوز وروى جندب بن عبدالله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا أخذتم الساحر فاقتلوه ثم قرأ ولا يفلح الساحر حيث أتى قال لا يأمن حيث وجد \r\n قوله تعالى قال آمنتم له قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع آمنتم له على لفظ الخبر وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم له بهمزة ممدودة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أآمنتم له بهمزتين الثانية ممدودة ","part":5,"page":306},{"id":2334,"text":" قوله تعالى إنه لكبيركم قال ابن عباس يريد معلمكم قال الكسائي الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري \r\n قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل في بمعنى على ومثله أم لهم سلم يستمعون فيه الطور 38 ولتعلمن أيها السحرة اينا أشد عذابا لكم وأبقى أي أدوم أنا على إيمانكم أو رب موسى على تركهم الايمان به قالوا لن نؤثرك أي لن نختارك على ما جاءنا من البينات يعنون اليد والعصى \r\n فان قيل لم نسبوا الآيات إلى أنفسهم بقولهم جاءنا وإنما جاءت عامة لهم ولغيرهم \r\n فالجواب أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح وكانوا هم لمعرفته أخص \r\n وفي قوله تعالى والذي فطرنا وجهان ذكرهما الفراء والزجاج \r\n أحدهما أن المعنى لن نؤثرك على ماجاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا \r\n والثاني أنه قسم تقديره وحق الذي فطرنا \r\n قوله تعالى فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما أنت صانع واصل القضاء عمل باحكام إنما تقضي هذه الحياة الدنيا قال الفراء إنما حرف واحد فلهذا نصب الحياة الدنيا ولو قرأ قارىء برفع الحياة لجاز على أن يجعل ما في مذهب الذي كقولك إن الذي تقضي هذه الحياة الدنيا وقرأ ابن أبي عبلة وأبو المتوكل إنما تقضى بضم التاء على مالم يسم فاعله الحياة برفع التاء قال المفسرون والمعنى إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا لا في الآخرة ","part":5,"page":307},{"id":2335,"text":" قوله تعالى ليغفر لنا يعنون الشرك وما أكرهتنا عليه أي والذي أكرهتنا عليه أي ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر \r\n فان قيل كيف قالوا أكرهتنا وقد قالوا أإن لنا لأجرا وفي هذا دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين فعنه أربعة أجوبة \r\n أحدها أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر قال ابن عباس قال ابن الأنباري كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون وذلك لشغفه بالسحر ولما خامر قلبه من خوف موسى فالإكراه على السحر هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر \r\n والثاني أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم أئن لنا لأجرا ورأوا ذكره الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين جزعوا من ملاقاته بالسحر وحذروا أن يظهر عليهم فيطلع على الضعف صناعتهم فتفسد معيشتهم فلم يقنع فرعون منهم الا بمعارضة موسى فكان هذا هو الإكراه على السحر \r\n والثالث أنهم خافوا أن يغلبوا في ذلك الجمع فيقدح ذلك في صنعتهم عند الملوك والسوق وأكرههم فرعون على فعل السحر \r\n والرابع أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم وكان سبب ذلك السحر ذكره هذه الأقوال ابن الأنباري \r\n قوله تعالى والله خير أي خير منك ثوابا إذا أطبع وأبقى عقابا إذا عصي وهذا جواب قوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى وهذا آخر الإخبار عن السحرة \r\n إنه من يأت ربه مجرما فان له جهنم لا يموت فيها ","part":5,"page":308},{"id":2336,"text":" ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه وذلك جزاؤا من تزكى \r\n قوله تعالى إنه من يأت ربه مجرما يعني مشركا فان له جهنم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه \r\n أنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى قوله ... ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم ... \r\n قوله تعالى قد عمل الصالحات قال ابن عباس قد أدى الفرائض فأولئك لهم الدرجات العلى يعني درجات الجنة وبعضها أعلى من بعض والعلى جمع العليا وهو تأنيث الأعلى قال ابن الأنباري وإنما قال فأولئك لأن من تقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع فاذا غلب لفظها وحد الراجع اليها وإذا بين تأويلها جمع المصروف اليها \r\n قوله تعالى وذلك يعني الثواب جزاء من تزكى أي تطهر من الكفر والمعاصي \r\n ولقد أوحينا الى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى يا بني اسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم ","part":5,"page":309},{"id":2337,"text":" غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى \r\n قوله تعالى أن اسر بعبادي أي سر بهم ليلا من أرض مصر فاضرب لهم طريقا أي اجعل لهم طريقا في البحر يبسا قرأ أبو المتوكل والحسن والنخعي يبسا باسكان الياء وقرأ الشعبي وأبو رجاء وابن السميفع يابسا بألف قال أبو عبيدة اليبس متحرك الحروف بمعنى اليابس يقال شاة يبس أي يابسة ليس لها لبن وقال ابن قتيبة يقال لليابس يبس ويبس \r\n قوله تعالى لا تخاف قرأ الأكثرون بألف وقرأ أبان وحمزة عن عاصم لا تخف قال الزجاج من قرأ لا تخاف فالمعنى لست تخاف ومن قرأ لا تخف فهو نهي عن الخوف قال الفراء قرأ حمزة لا تخف بالجزم ورفع ولا تخشى على الاستئناف كقوله تعالى يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون آل عمران 111 استأنف ب ثم فهذا مثله ولو نوى حمزة بقوله ولا تخش الجزم وإن كانت فيه الياء كان صوابا قال ابن قتيبة ومعنى دركا لحاقا قال المفسرون قال أصحاب موسى هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر بين أيدينا فأنزل الله على موسى لا تخاف دركا أي من فرعون ولا تخشى غرقا في البحر \r\n قوله تعالى فأتبعهم فرعون قال ابن قتيبة لحقهم وروى هارون عن أبي عمرو فاتبعهم بالتشديد وقال الزجاج تبع الرجل الشيء وأتبعه بمعنى واحد ومن قرأ بالتشديد ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود ومن قرأ فاتبعهم فمعناه ألحق جنوده بهم وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ ","part":5,"page":310},{"id":2338,"text":" وجائز أن لا يكون إلا انه قد كان معهم فغشيهم من اليم ما غشيهم أي فغشيهم من ماء البحر ما غرقهم وقال ابن الأنباري ويعني بقوله ما غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل مائه وقرأ ابن مسعود وعكرمة وابو رجاء والأعمش فغشاهم من اليم ما غشاهم بألف فيهما مع تشديد الشين وحذف الياء \r\n قوله تعالى واضل فرعون قومه أي دعاهم الى عبادته وما هدى أي ما أرشدهم حين أوردهم موارد الهلكة وهذا تكذيب له في قوله وما أهديكم الا سبيل الرشاد غافر 29 \r\n قوله تعالى وواعدناكم جانب الطور الأيمن لأخذ التوارة وقد ذكرناه في مريم 52 معنى الأيمن وذكرناه في البقرة 57 المن والسلوى \r\n قوله تعالى كلوا أي وقلنا لهم كلوا \r\n قوله تعالى ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما لا تبطروا في نعمي فتظلموا والثاني لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين والثالث لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة \r\n قوله تعالى فيحل عليكم غضبي أي فتحب لكم عقوبتي والجمهور قرؤوا فيحل بكسر الحاء ومن يحلل بكسر اللام وقرأ الكسائي فيحل بضم الحاء ومن يحلل بضم اللام قال الفراء والكسر أحب الي لأن الضم من الحلول ومعناه الوقوع ويحل بالكسر يجب وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع \r\n قوله تعالى فقد هوى أي هلك \r\n قوله تعالى وإني لغفار الغفار الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته وأصل الغفر الستر وبه سمي زئبر الثوب ","part":5,"page":311},{"id":2339,"text":" غفرا لأنه يستر سداه فالغفار الستار لذنوب عبادة المسبل عليهم ثوب عطفه \r\n قوله تعالى لمن تاب قال ابن عباس لمن تاب من الشرك وآمن أي وحد الله وصدقه وعمل صالحا أدى الفرائض \r\n وفي قوله تعالى ثم اهتدى ثمانية أقوال \r\n أحدها علم أن لعمله هذا ثوابا رواه ابو صالح عن ابن عباس والثاني لم شكك رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث علم أن ذلك توفيق من الله له رواه عطاء عن ابن عباس والرابع لزم السنة والجماعة قاله سعيد ابن جبير والخامس استقام قاله الضحاك والسادس لزم الإسلام حتى يموت عليه قاله قتادة والسابع اهتدى كيف يعمل قاله زيد بن أسلم والثامن اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه و سلم قاله ثابت البناني \r\n وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت اليك رب لترضى قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا قال يا قوم الم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا \r\n قوله تعالى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال المفسرون لما نجى الله تعالى بني اسرائيل وأغرق فرعون قالوا يا موسى لو أتيتنا بكتاب من ","part":5,"page":312},{"id":2340,"text":" عند الله فيه الحلال والحرام والفرائض فأوحى الله اليه يعده أنه ينزل عليه ذلك في الموضع الذي كلمه فيه فاختار سبعين فذهبوا معه الى الطور لأخذ التوارة فعجل موسى من بينم شوقا الى ربه وأمرهم بلحاقه فقال الله تعالى له ما الذي حملك على العجلة عن قومك قال هم أولاء أي هؤلاء على أثري وقرأ ابو رزين العقيلي وعاصم الجحدري على إثري بكسر الهمزة وسكون الثاء وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وابن يعمر برفع الهمزة وسكون الثاء وقرأ ابو رجاء وابو العالية بفتح الهمزة وسكون الثاء والمعنى هم بالقرب مني يأتون بعدي وعجلت اليك رب لترضى أي لتزداد رضى قال فانا قد فتنا قومك قال الزجاج ألقيناهم في فتنة ومحنة واختبرناهم \r\n قوله تعالى من بعدك أي من بعد انطلاقك من بينهم وأضلهم السامري أي كان سببا لإضلالهم وقرأ معاذ القارىء وأبو المتوكل وعاصم الجحدري وابن السميفع واضلهم برفع اللام وقد شرحناه في البقرة 52 سبب اتخاذ السامري العجل وشرحنا في الأعراف 150 معنى قوله تعالى غضبان أسفا \r\n قوله تعالى ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أي صدقا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها إعطاء التوراة والثاني قوله لئن أقمتم الصلاة إلى قوله لأكفرن عنكم سيآتكم الآية المائدة 13 وقوله وإني لغفار لمن تاب طه 82 والثالث النصر والظفر \r\n قوله تعالى أفطال عليكم العهد أي مدة مفارقتي إياكم أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم أن تصنعوا صنيعا يكون سبب لغضب ربكم فأخلفتم موعدي أي عهدي وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله م ملكة آل فرعون أن يعبدوا ","part":5,"page":313},{"id":2341,"text":" الله ولا يشركوا به ويقيموا الصلاة وينصروا الله ورسله قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم وقرأ نافع وعاصم بفتح الميم وقرا حمزة والكسائي بضم الميم قال أبو علي وهذه لغات وقال الزجاج الملك بالضم السلطان والقدرة والملك بالكسر ما حوته اليد والملك بالفتح المصدر يقال ملكت الشيء أملكه ملكا \r\n وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل ولكنها كانت زينة آل فرعون فقذفناها قاله ابن عباس \r\n والثاني بطاقتنا قاله قتادة والسدي \r\n والثالث لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية قاله ابن زيد \r\n والرابع لم يملك مؤمنونا سفهاءنا ذكره الماوردي \r\n فيخرج فيمن قال هذا لموسى قولان أحدهما أنهم الذين لم يعبدوا العجل والثاني عابدوه \r\n قوله تعالى ولكنا حملنا أوزارا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم حملنا بضم الحاء وتشديد الميم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حملنا خفيفة والأوزار الاثقال والمراد بها حلي آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم قبل خروجهم من مصر فمن قرأ حملنا بالتشديد فالمعنى حملناها موسى أمرنا باستعارتها من آل فرعون فقذفناها أي طرحناها في الحفيرة وقد ذكرنا سسب قذفهم إياها في سورة البقرة 52 \r\n قوله تعالى فكذلك ألقى السامري فيه قولان ","part":5,"page":314},{"id":2342,"text":" أحدهما أنه ألقى حليا كما ألقوا \r\n والثاني ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل وقد سبق شرح القصة في البقرة 52 وذكرناه في الأعراف 148 معنى قوله تعالى عجلا جسدا له خوار \r\n قوله تعالى فقالوا هذ إلهكم هذا قول السامري ومن وافقه من الذين افتتنوا \r\n قوله تعالى فنسي في المشار اليه بالنسيان قولان \r\n أحدهما أنه موسى ثم في المعنى ثلاثة أقوال أحدها هذا آلهكم وآله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن هذا آلهه رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني فنسي موسى الطريق الى ربه روي عن ابن عباس ايضا والثالث فنسي موسى الهه عندكم وخالفه في طريق اخر قاله قتادة \r\n والثاني أنه السامري والمعنى فنسي السامري إيمانه وإسلامه قاله ابن عباس وقال مكحول فنسي أي فترك السامري ما كان عليه من الدين وقيل فنسي أن العجل لا يرجع اليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فعلى هذا القول يكون قوله تعالى فنسي من إخبار الله عز و جل عن السامري وعلى ما قبله فيمن قاله قولان \r\n أحدهما أنه السامري والثاني بنو اسرائيل \r\n قوله تعالى أفلا يرون ألا يرجع قال الزجاج المعنى أفلا يرون أنه لا يرجع اليهم قولا \r\n ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا أمري قالوا لن نبرح ","part":5,"page":315},{"id":2343,"text":" عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى قال يا فرون ما منعك اذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي \r\n قوله تعالى ولقد قال لهم هارون من قبل أي من قبل أن يأتي موسى يا قوم إنما فتنتم به أي ابتليتم وإن ربكم الرحمن لا العجل قالوا لن نبرح عليه عاكفين أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع الينا موسى فلما رجع موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل ألا تتبعني قرأ ابن كثير وأبو عمرو ألا تتبعني بياء في الوصل ساكنة ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير ياء وروى اسماعيل بن جعفر عن نافع ألا تتبعني أفعصيت بياء منصوبة وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف والمعنى ما منعك من اتباعي ولا كلمة زائدة \r\n وفي المعنى ثلاثة أقوال \r\n أحدها تسير ورائي بمن معك من المؤمنين وتفارقهم رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن تناجزهم القتال رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث في الإنكار عليهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى أفعصيت أمري وهو قوله في وصيته إياه أخلفني في قومي وأصلح قال المفسرون ثم أخذ برأس اخيه ولحيته غضبا منه عليه وهذا وإن لم ","part":5,"page":316},{"id":2344,"text":" بذكر هاهنا فقد ذكر في الأعراف 150 فاكتفي بذلك وقد شرحناه هناك معنى يا ابن ام واختلاف القراء فيها \r\n قوله تعالى ولا برأسي أي بشعر رأسي وهذا الغضب كان لله عز و جل لا لنفسه لأنه وقع في نفسه أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى \r\n قوله تعالى إني خشيت أي إن فارقتهم واتبعتك أن تقول فرقت بين بني اسرائيل وفيه قولان \r\n أحدهما باتباعي اياك ومن معي من المؤمنين والثاني بقتالي لبعضهم ببعض \r\n وفي قوله تعالى ولم ترقب قولي قولان \r\n أحدهما لم ترقب قولي لك أخلفني في قومي واصلح \r\n والثاني لم تنتظر امري فيهم \r\n قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بمالم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحيوة ان تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر الى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما الهكم الله الذي لا إله الا هو وسع كل شي علما \r\n قوله تعالى فما خطب يا سامري أي ما أمرك وشأنك الذي دعاك الى ما صنعت قال ابن الأنباري وبعض اللغويين يقول الخطب مشتق من الخطاب المعنى ما أمرك الذي تخاطب فيه \r\n واختلفوا في اسم السامري على قولين \r\n احدهما موسى ايضا قاله وهب بن منبه وقال كان ابن عم موسى بن عمران ","part":5,"page":317},{"id":2345,"text":" والثاني ميخا قاله ابن السائب \r\n وهل كان من بني اسرائيل أم لا فيه قولان \r\n أحدهما لم يكن منهم قاله ابن عباس \r\n والثاني كان من عظمائهم وكان من قبيلة تسمى سامرة قاله قتادة وفي بلده قولان \r\n أحدهما كرمان قاله سعيد بن جبير والثاني باجرما قاله وهب \r\n قوله تعالى بصرت بما لم يبصروا به وقرأ حمزة والكسائي تبصروا بالتاء فعلى قراءة الجمهور أشار الى بني اسرائيل وعلىهذه القراءة خاطب الجميع قال ابو عبيدة علمت ما لم تعلموا قال وقوم يقولون بصرت وأبصرت سواء بمنزلة اسرعت وسرعت وقال الزجاج يقال بصر الرجل يبصر إذا صار عليما بالشيء وأبصر يبصر إذا نظر قال المفسرون فقال له موسى وما ذاك قال رأيت جبريل على فرس فألقي في نفسي أن اقبض من أثرها فقبضت قبضة وقر أبي بن كعب والحسن ومعاذ القارئ قبصة بالصاد وقال الفراء والقبضة بالكف كلها والقبصة بالصاد بأطراف الاصابع قال ابن قتيبه ومثل هذا الخضم بالفم كله والقضم بأطراف الاسنان والنضخ أكثر من النضح والرجز العذاب والرجس النتن والهلاس في البدن والسلاس في العقل والغلط في الكلام والغلت في الحساب والخصر الذي يجد البرد والخرص الذي يجد البرد والجوع والنار الخامدة التي قد سكن لهبها ولم يطفا جمرها والهامدة التي طفئت فذهبت البتة والشكد العطاء ابتداء فان كان جزاء فهو شكم والمائج الذي يدخل البئر فيملأ الدلو والماتح الذي ينزعها \r\n قوله تعالى فنبذتها أي فقذفتها في العجل وقرأ ابو عمرو وحمزة ","part":5,"page":318},{"id":2346,"text":" والكسائي وخلف فنبذتها بالإدعام وكذلك أي وكما حدثتك سولت لي نفسي أي زينت لي قال موسى اذهب أي من بيننا فان لك في الحياة أي ما دمت حيا أن تقول لا مساس أي لا أمس ولا امس فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحدا ولا يمسه احد عاقبه الله بذلك وألهمه أن يقول لا مساس وكان إذا لقي أحدا يقول لا مساس أي لا تقربني ولا تمسني وصار ذلك عقوبة لولده حتى إن بقاياهم اليوم فيما ذكر أهل التفسير بأرض الشام يقولون ذلك وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم أخذتهما الحمى في الحال \r\n قوله تعالى وإن لك موعدا أي لعذابك يوم القيامة لن تخلفه أي لن يتأخر عنك ومن كسر لام تخلف أراد لن تغيب عنه \r\n قوله تعالى وانظر الى إلهك يعني العجل الذي ظلت قال ابن عباس معناه أقمت عليه وقال الفراء معنى ظلت فعلته نهارا وقرأ أبي بن كعب وابو الجوزاء وابن يعمر ظلت برفع الظاء وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء والأعمش وابن أبي عبلة ظلت بكسر الظاء وقال الزجاج ظلت وظلت بفتح الظاء وكسرها فمن فتح فالأصل فيه ظللت ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر وبقيت الظاء على فتحها ومن قرأ ظلت بالكسر حول كسرة اللام على الظاء ومعنى عاكفا مقيما لنحرقنه قرأ الجمهور لنحرقنه بضم النون وفت الحاء وتشديد الراء وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين وابن معمر لنحرقنه بفتح النون وسكون الحاء ورفع الراء مخففة وقرأ ابو هريرة والحسن وقتادة لنحرقنه برفع النون وإسكان الحاء وكسر الراء ","part":5,"page":319},{"id":2347,"text":" مخففة قال الزجاج إذا شدد فالمعنى نحرقه مره بعد مرة وتأويل لنحرقنه لنبردنه يقال حرقت أحرق وأحرق إذا بردت الشيء والنسف التذرية وجاء في التفسير أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم لأنه كان قد صار لحما ودما ثم أحرقه بالنار ثم أحرقه بالنار ثم ذراه في البحر ثم أخبرهم موسى عن إلههم فقال إنما إلهكم الله الذي لااله إلا هو أي هو الذي يستحق العبادة لاالعجل وسع كل شيء علما أي وسع علمه كل شيء \r\n كذلك نقص عليك من أنباء ماقد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما \r\n قوله تعالى كذلك نقص عليك أي كما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى وقومه نقص عليك من أنباء ما قد سبق أي من أخبار من مضى والذكر هاهنا القرآن من أعرض عنه فلم يؤمن ولم يعمل بما فيه فانه يحمل يوم القيامة وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وعاصم الجحدري يحمل برفع الياء وفتح الحاء وتشديد الميم وزرا أي إثما خالدين فيه أي في عذاب ذلك الوزر وساء لهم قال الزجاج المعنى وساء الوزر لهم يوم القيامة حملا وحملا منصوب على التمييز \r\n قوله تعالى يوم ينفخ في الصور قرأ أبو عمرو ننفخ بالنون وقرأ الباقون من السبعة ينفخ بالياء على ما لم يسم فاعله وقرأ أبو عمران الجوني ","part":5,"page":320},{"id":2348,"text":" يوم ينفخ بياء مفتوحة ورفع الفاء وقد سبق بيانه ونحشر المجرمين وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف ويحشر بياء مفتوحة ورفع الشين وقرأ ابن مسعود والحسن وأبو عمران ويحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المجرمون بالواو قال المفسرون والمراد بالمجرمين المشركون يومئذ زرقا وفيه قولان \r\n أحدهما عميا رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن قتيبة بيض العيون من العمى قد ذهب السواد والناظر \r\n والثاني زرق العيون من شدة العطش قاله الزهري والمراد أنه يشوه خلقهم بسواد الوجوه وزرق العيون \r\n قوله تعالى يتخافتون بينهم أي يسار بعضهم بعضا إن لبثتم أي ما لبثتم إلا عشر ليال وهذا على طريق التقليل لاعلى وجه التحديد \r\n وفي مرادهم بمكان هذا اللبث قولان \r\n أحدهما القبور ثم فيه قولان أحدهما أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها روى أبو صالح عن ابن عباس إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا والثاني ما بين النفختين وهو أربعون سنة فانه يخفف عنهم العذاب حينئذ فيستقلون مدة لبثهم لهول ما يعاينون حكاه علي بن أحمد النيسابوري \r\n والقول الثاني أنهم عنوا لبثهم في الدنيا قاله الحسن وقتادة \r\n قوله تعالى إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعقلهم وأعدلهم قولا إن لبثتم إلا يوما فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا ","part":5,"page":321},{"id":2349,"text":" ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لاترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لاتنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما قوله تعالى ويسألونك عن الجبال سبب نزولها أن رجالا من ثقيف أتوا رسول الله ص - فقالوا يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى فقل ينسفها ربي نسفا قال المفسرون النسف التذرية والمعنى يصيرها رمالا تسيل سيلا ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح فتستأصلها فيذرها أي يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها قاعا قال ابن قتيبة القاع من الأرض المستوي الذي يعلوه الماء والصفصف المستوي أيضا يريد أنه لا نبت فيها \r\n قوله تعالى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا في ذلك ثلاثة أقوال ","part":5,"page":322},{"id":2350,"text":" أحدها ان المراد بالعوج الأودية وبالأمت الروابي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال مجاهد العوج الانخفاض والأمت الارتفاع وهذا مذهب الحسن وقال ابن قتيبة الأمت النبك \r\n والثاني أن العوج الميل والأمت الأثر مثل الشراك رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أن العوج الصدع والأمت الأكمة \r\n قوله تعالى يومئذ يتبعون الداعي قال الفراء أي يتبعون صوت الداعي للحشر لا عوج لهم عن دعائه لا يقدرون أن لا يتبعوا \r\n قوله تعالى وخشعت الأصوات أي سكنت وخفيت فلا تسمع إلا همسا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها وطء الأقدام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعكرمه ومجاهد في رواية واختاره الفراء والزجاج \r\n والثاني تحريك الشفاه بغير نطق رواه سعيد بن جيير عن ابن عباس \r\n والثالث الكلام الخفي روى عن مجاهد وقال أبو عبيدة الصوت الخفي \r\n قوله تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة يعني لا تنفع أحدا إلا من أذن له الرحمن أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن أن يشفع له ورضي له قولا أي ورضي للمشفوع فيه قولا وهو الذي كان في الدنيا من أهل لا إله إلا الله يعلم ما بين أيديهم الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي وقد شرحنا هذه الآية في سورة البقرة 255 \r\n وفي هاء به قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله مقاتل والثاني إلى ما بين أيديهم وما خلفهم قاله ابن السائب ","part":5,"page":323},{"id":2351,"text":" قوله تعالى وعنت الوجوه قال الزجاج عنت في اللغة خضعت يقال عنا يعنو إذا خضع ومنه قيل أخذت البلاد عنوة إذا أخذت غلبة وأخذت بخضوع من اهلها والمفسرون على أن هذا في يوم القيامة إلا ما روي عن طلق بن حبيب هو وضع الجبهة والأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود وقد شرحنا في آيةالكرسي معنى الحي القيوم البقرة 255 \r\n قوله تعالى وقد خاب من حمل ظلما قال ابن عباس خسر من أشرك بالله \r\n قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن من هاهنا للجنس وإنما شرط الإيمان لأن غير المؤمن لا يقبل عمله ولا يكون صالحا فلا يخاف أي فهو لا يخاف وقرأ ابن كثير فلا يخف على النهي \r\n قوله تعالى ظلما ولا هضما فيه أربعة أقوال \r\n أحدها لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته ولا أن يهضم من حسناته رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني لا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره ولا أن يهضم من الأصح حسناته قاله قتادة \r\n والثالث أن لا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل ولا ينتقص من عمله الصالح قاله الضحاك \r\n والرابع لا يخاف أن لا يجزى بعمله ولا أن ينقص من حقه قاله ابن زيد قال اللغويون الهضم النقص تقول العرب هضمت لك من حقي أي حططت ومنه فلان هضيم الكشحين أي ضامر الجنبين ","part":5,"page":324},{"id":2352,"text":" ويقال هذا شيء يهضم الطعام أي ينقص ثقله وفرق بعض المفسرين بين الظلم والهضم فقال الظلم منع الحق كله والهضم منع البعض وإن كان ظلما أيضا \r\n قوله تعالى وكذلك أنزلناه أي وكما بينا في هذه السورة أنزلناه أي أنزلناه هذا الكتاب قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد أي بينا فيه ضروب الوعيد قال قتادة يعني وقائعه في الأمم المكذبة \r\n قوله تعالى لعلهم يتقون أي ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ بمن قبلهم أو يحدث لهم أي يجدد لهم القرآن وقيل الوعيد ذكرا أي اعتبارا فيتذكروا به عقاب الأمم فيعتبروا وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري أو نحدث بنون مرفوعة \r\n قوله تعالى فتعالى الله أي جل عن إلحاد الملحدين وقول المشركين في صفاته الملك الذي بيده كل شيء الحق وقد ذكرناه في يونس 32 \r\n قوله تعالى ولا تعجل بالقرآن في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه و سلم بالسورة الآي فيتلوها عليه فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأولها مخافة أن ينساها فنزلت هذه الآية رواه ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن رجلا لطم امرأته فجاءت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم تطلب القصاص فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم بينهما القصاص فنزلت هذه الآية فوقف ","part":5,"page":325},{"id":2353,"text":" رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزل قوله تعالى الرجال قوامون على النساء النساء 34 قاله الحسن البصري \r\n قوله تعالى من قبل أن يقضى اليك وحيه وقرأ ابن مسعود والحسن ويعقوب نقضي بالنون وكسر الضاد وفتح الياء وحيه بنصب الياء \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه هذا على القول الأول \r\n والثاني لا تقرئ أصحابك حتى نبين لك معاينة قاله مجاهد وقتادة \r\n والثالث لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وقل رب زدني علما فيه ثلاثة أقوال ","part":5,"page":326},{"id":2354,"text":" أحدها زدني قرآنا قاله مقاتل والثاني فهما والثالث حفظا ذكرهما الثعلبي \r\n ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لت تظمؤا فيها ولا تضحى فوسوس اليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهم سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك آتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى \r\n قوله تعالى ولقد عهدنا الى آدم أي أمرناه وأوصيناه أن لا يأكل من الشجرة من قبل أي من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا ","part":5,"page":327},{"id":2355,"text":" الإيمان في وهم الذين ذكرهم في قوله لعلهم يتقون والمعنى أنهم إن نقضوا العهد فان آدم قد عهدنا اليه فنسي \r\n وفي هذا النسيان قولان \r\n أحدهما أنه الترك قاله ابن عباس ومجاهد والمعنى ترك ما أمر به \r\n والثاني أنه من النسيان الذي يخالف الذكر حكاه الماوردي \r\n وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابن السميفع فنسي برفع النون وتشديد السين \r\n قوله تعالى ولم نجد له عزما العزم في اللغة توطين النفس على الفعل وفي المعنى أربعة اقوال \r\n أحدها لم نجد له حفظا رواه العوفي عن ابن عباس والمعنى لم يحفظ ما أمر به \r\n والثاني صبرا قاله قتادة ومقاتل والمعنى لم يصبر عما نهي عنه \r\n والثالث حزما قاله ابن السائب قال ابن الأنباري وهذا لا يخرج آدم من أولي العزم وإنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب \r\n والرابع عزما في العود الى الذنب ذكره الماوردي وما بعد هذا قد تقدم تفسيره البقرة 34 الى قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال المفسرون المراد به نصب الدنيا وتعبها من تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز وغير ذلك قال سعيد بن جبير أهبط الى آدم ثور أحمر فكان يعتمل عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه قال العلماء والمعنى فتشقيا وإنما لم يقل فتشقيا لوجهين ","part":5,"page":328},{"id":2356,"text":" أحدهما أن آدم هو المخاطب فاكتفى به مثله عن اليمين وعن الشمال قعيد ق17 قاله الفراء \r\n والثاني أنه لما كان آدم هو الكاسب كان التعب في حقه أكثر ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى قرأ ابي بن كعب لا تجاع ولا تعرى بالتاء المضمومة والألف وأنك لا تظمأ قر أابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأنك مفتوحة الألف وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وإنك بكسر الألف قال ابو علي من فتح حمله على أن لك أن لا تجوع وأن لك أن لا تظمأ ومن كسر استأنف \r\n قوله تعالى لا تظمأ فيها أي لا تعطش يقال ظمئ الرجل ظمأ فهو ظمآن أي عطشان ومعنى لا تضحى لا تبرز للشمس فيصيبك حرها لأنه ليس في الجنة شمس \r\n قوله تعالى هل أدلك عل شجرة الخلد أي على شجرة من أكل منها لم يمت وملك لا يبلى جديده ولا يفنى وما بعد هذا مفسر في الأعرف 22 \r\n وفي قوله تعالى فغوى قولان \r\n أحدهما ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية \r\n والثاني فسد عليه عيشه لأن معنى الغي الفساد قال ابن الأنباري وقد غلط بعض المفسرين فقال معنى غوى أكثر مما أكل من الشجرة حتى بشم كما يقال غوى الفصيل إذا أكثر من لبن أمه فبشم فكاد يهلك وهذا خطأ من وجهين ","part":5,"page":329},{"id":2357,"text":" أحدهما أنه لا يقال من البشم غوى يغوي وإنما يقال غوي يغوى \r\n والثاني أن قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة الأعراف 22 يدل على أنهما لم يكثرا ولم تتأخر عنهما العقوبة حتى يصلا الى الإكثار قال ابن قتيبة فنحن نقول في حق آدم عصى وغوى كما قال الله عز و جل ولا نقول آدم عاص وغاو كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه قد قطعه وخاطه ولا تقول هذا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به \r\n قوله تعالى ثم اجتباه ربه قد بينا الاجتباء في الأنعام 87 فتاب عليه وهدى أي هداه للتوبة قال اهبطا في المشار اليهما قولان \r\n أحدهما آدم وإبليس قاله مقاتل \r\n والثاني آدم وحواء قاله ابو سليمان الدمشقي ومعنى قوله تعالى بعضكم لبعض عدو آدم وذريته وإبليس وذريته والحية أيضا وقد شرحنا هذا في البقرة 36 \r\n قوله تعالى فمن اتبع هداي أي رسولي وكتابي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه سوء الحساب ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية \r\n قوله تعالى ومن أعرض عن ذكري قال عطاء عن موعظتي وقال ابن السائب عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه \r\n قوله تعالى فان له معيشة ضنكا قال ابو عبيدة معناه معيشة ضيقة والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق فهو ضنك وأنشد ","part":5,"page":330},{"id":2358,"text":" وإن نزلوا بضنك فانزل \r\n وقال الزجاج الضنك أصله في اللغة الضيق والشدة \r\n وللمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال \r\n أحدها أنها عذاب القبر روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أتدرون ما المعيشة الضنك قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه الى يوم القيامة وممن ذهب الى أنه عذاب القبر ابن مسعود وأبو سعيد الخدري والسدي \r\n والثاني أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث شدة عيشه في النار رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد قال ابن السائب وتلك المعيشة من الضريع والزقوم \r\n والرابع أن المعيشة الضنك كسب الحرام روى الضحاك عن ابن عباس قال المعيشة الضنك أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشيء منها وله ","part":5,"page":331},{"id":2359,"text":" معيشة حرام يركض فيها قال الضحاك فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث وبه قال عكرمة \r\n والخامس أن المعيشة الضنك المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه رواه العوفي عن ابن عباس \r\n فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال \r\n أحدها القبر والثاني الدنيا والثالث جهنم \r\n وفي قوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم أعمى حشترتني أعمى بفتح الميمين وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسرهما وقرأ نافع بين الكسر والفتح ثم في هذا العمى للمفسرين قولان \r\n أحدهما أعمى البصر روى أبو صالح عن ابن عباس قال إذا أخرج من القبر خرج بصيرا فاذا سيق الى المحشر عمي \r\n والثاني أعمى عن الحجة قاله مجاهد وأبو صالح قال الزجاج معناه فلا حجة له يهتدي بها لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل \r\n قوله تعالى كذلك أي الأمر كذلك كما ترى أتتك آياتنا فنسيتها أي فتركتها ولم تؤمن بها وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار وكذلك أي وكما ذكرناه نجزي من أسرف أي اشرك ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر وابقى لأنه يدوم \r\n أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهي ولولا كلمة ","part":5,"page":332},{"id":2360,"text":" سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى \r\n قوله تعالى أفلم يهد لهم أي أفلم يتبين لكفار مكة إذا نظروا آثار من أهلكنا من الأمم وكانت قريش تتجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات الهلاك فذلك قوله تعالى يمشون في مساكنهم وروى زيد عن يعقوب أفلم نهد بالنون \r\n قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن هؤلاءالكفار الى يوم القيامة وقيل إلى يوم بدر وقيل إلى انقضاء أجالهم لكان لزاما أي لكان العذاب لزاما أي لازما لهم واللزام مصدر وصف به العذاب قال الفراء وابن قتيبة في هذه الآية تقديم وتأخير والمعنى ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما \r\n قوله تعالى فاصبر على ما يقولون أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ما يسمع من أذاهم إلى أن يحكم الله فيهم ثم حكم فيهم بالقتل ونسخ بآية السيف إطلاق الصبر \r\n قوله تعالى وسبح بحمد ربك أي صل له بالحمد له والثناء عليه قبل طلوع الشمس يريد الفجر وقبل غروبها يعني العصر ومن آناء الليل الآناء الساعات وقد بيناها في آل عمران 113 فسبح أي فصل \r\n وفي المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال \r\n أحدها المغرب والعشاء رواه ابو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة \r\n والثاني جوف الليل رواه العوفي عن ابن عباس ","part":5,"page":333},{"id":2361,"text":" والثالث العشاء قاله مجاهد وابن زيد \r\n والرابع أول الليل وأوسطه وأخره قاله الحسن \r\n قوله تعالى وأطراف النهار المعنى وسبح أطراف النهار قال الفراء إنما هم طرفان فخرجا مخرج الجمع كقوله تعالى إن تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما الترحيم 4 \r\n وللمفسرين في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الظهر قاله قتادة فعلى هذا إنما قيل لصلاة الظهر أطراف النهار لأن وقتها عند الزوال فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني \r\n والثاني انها صلاة المغرب وصلاة الصبح قاله ابن زيد وهذا على ان الفجر في ابتداء الطرف الأول والمغرب في انتهاء الطرف الثاني \r\n والثالث أنها الفجر والظهر والعصر فعلى هذا يكون الفحر من الطرف الأول والظهر والعصر من الطرف الثاني حكاه الفراء \r\n قوله تعالى لعلك ترضى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ترضى بفتح التاء وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم بضمها فمن فتح فالمعنى لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك ومن ضمها ففيه وجهان \r\n أحدهما لعلك ترضى بما تعطى والثاني لعل الله أن يرضاك \r\n ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى وامر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ","part":5,"page":334},{"id":2362,"text":" قوله تعالى ولا تمدن عينيك سبب نزولها ما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاني فأرسلني الى رجل من اليهود يبيع طعاما فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بعني كذا وكذا من الدقيق أو اسلفني الى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال اليهودي والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته فقال والله لو باعني أو أسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء أمين في الأرض اذهب بدرعي الحديد اليه فنزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا قال أبي بن كعب من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر الحجر 88 \r\n قوله تعالى زهرة الحياة الدنيا وقرأ ابن مسعود والحسن والزهري ويعقوب زهرة بفتح الهاء قال الزجاج وهو منصوب بمعنى متعنا لأن معنى متعنا جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة لنفتنهم فيه أي لنجعل ذلك فتنة لهم وقال ابن قتيبة لنختبرهم قال المفسرون زهرة الدنيا بهجتها وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته وهو من زهرة النبات وحسنه \r\n قوله تعالى ورزق ربك خير وأبقى فيه قولان \r\n أحدهما أنه ثوابه في الآخرة والثاني القناعة \r\n قوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة قال المفسرون المراد بأهله قومه ومن كان على دينه ويدخل في هذا اهل بيته \r\n قوله تعالى واصطبر عليها أي واصبر على الصلاة لا نسألك رزقا ","part":5,"page":335},{"id":2363,"text":" أي لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا إنما نأمرك بالعبادة ورزقك علينا والعاقبة للتقوى أي وحسن العاقبة لأهل التقوى وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا فصلوا ثم يقول بهذا أمر الله تعالى ورسوله ويتلو هذه الآية \r\n وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينه ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى \r\n قوله تعالى وقالوا يعني المشركين لولا أي هلا يأتينا محمد بآية من ربه أي كآيات الأنبياء نحو الناقة والعصا أو لم يأتهم قرأ نافع وابو عمرو وحفص عن عاصم تأتهم بالتاء وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يأتهم بالياء \r\n قوله تعالى بينه ما في الصحف الأولى أي أولم يأتهم في القرآن بيان وما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فما يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ولو انا أهلكناهم يعني مشركي مكة بعذاب من قبله في الهاء قولان \r\n احدهما أنها ترجع الى الكتاب قاله مقاتل والثاني الى الرسول قاله الفراء \r\n قوله تعالى لقالوا يوم القيامة ربنا لولا أي هلا ارسلت الينا رسولا يدعونا الى طاعتك فنتبع آياتك أي نعمل بمقتضاها من قبل أن نذل ","part":5,"page":336},{"id":2364,"text":" بالعذاب ونخزى في جهنم وقرأ ابن عباس وابن السميفع وأبو حاتم عن يعقوب نذل ونخزى برفع النون فيهما وفتح الذال قل لهم يا محمد كل منا ومنكم متربص أي نحن نتربص بكم العذاب في الدنيا وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتربصوا أي فانتظروا فستعلمون إذا جاء امرالله من اصحاب الصراط السوي أي الدين المستقيم ومن اهتدى من الضلالة أنحن أم أنتم وقيل هذه منسوخة بآية السيف وليس بشيء ","part":5,"page":337},{"id":2365,"text":" سورة الأنبياء \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وانتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي اليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون \r\n وهي مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه \r\n قوله عز و جل اقترب افتعل من القرب يقال قرب الشيء ","part":5,"page":338},{"id":2366,"text":" واقترب وهذه الآية نزلت في كفار مكة وقال الزجاج اقترب للناس وقت حسابهم وقيل اللام في قوله للناس بمعنى من والمراد بالحساب محاسبة الله لهم على أعمالهم \r\n وفي معنى قربه قولان \r\n أحدهما أنه آت وكل آت قريب \r\n والثاني لأن الزمان لكثرة ما مضى وقله ما بقي قريب \r\n قوله تعالى وهم في غفلة أي عما يفعل الله بهم ذلك اليوم معرضون عن التأهب له وقيل اقترب للناس عام والغفلة والإعراض خاص في الكفار بدلالة قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنه القرآن قاله ابن عباس فعلى هذا تكون الإشارة بقوله محدث إلى إنزاله له لأنه أنزل شيئا بعد شيء \r\n والثاني أنه ذكر من الأذكار وليس بالقرآن حكاه ابو سليمان الدمشقي وقال النقاش هو ذكر من رسول الله وليس بالقرآن \r\n والثالث أنه رسول الله بدليل قوله في سياق الآية هل هذا الا بشر مثلكم قاله الحسن بن الفضل \r\n قوله تعالى إلا استمعوه وهم يلعبون قال ابن عباس يستمعون القرآن مستهزئين \r\n قوله تعالى لاهية قلوبهم أي غافلة عما يراد بهم قال الزجاج المعنى إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم ويجوز أن يكون منصوبا بقوله ","part":5,"page":339},{"id":2367,"text":" يلعبون وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة لاهية بالرفع \r\n قوله تعالى وأسروا النجوى أي تناجوا فيما بينهم يعني المشركين ثم بين من هم فقال الذين ظلموا أي اشركوا بالله والذين في موضع رفع على البدل من الضمير في وأسروا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال هل هذا إلا بشر مثلكم أي آدمي فليس بملك وهذا إنكار لنبوته وبعضهم يقول اسروا هاهنا بمعنى أظهروا لأنه من الأضداد \r\n قوله تعالى أفتأتون السحر أي أفتقبلون السحر وأنت تعلمون أنه سحر يعنون أنه متابعة محمد صلى الله عليه و سلم متابعة السحر قل ربي قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم قل ربي وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال ربي وكذلك هي في مصاحف الكوفيين وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يعلم القول أي لا يخفى عليه شيء يقال في السماء والأرض فهو عالم بما أسررتم بل قالوا قال الفراء رد ب بل على معنى تكذيبهم وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم لأن معناه الأخبار عن الجاحدين وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فاختلفت أقوالهم فيه فبعضهم يقول هذا الذي يأتي به سحر وبعضهم يقول أضغاث أحلام وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام وقد شرحناها في يوسف 44 وبعضهم يقول افتراه أي اختلقه وبعضهم يقول هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا فاقترحوا الآيات التي لا أمهال بعدها \r\n قوله تعالى ما آمنت قبلهم يعني مشركي مكة من قرية وصف القرية والمراد أهلها والمعنى أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات لم يؤمنوا ","part":5,"page":340},{"id":2368,"text":" بالآيات لما أتتهم فكيف يؤمن هؤلاء وهذه إشارة إلى أن الآية لا تكون سببا للإيمان إلا أن يشاء الله \r\n قوله تعالى وما أرسلنا قبلك الا رجالا هذا جواب قولهم هل هذا الا بشر مثلكم \r\n قوله تعالى نوحي اليهم قرأ الاكثرون يوحى بالياء وروى حفص عن عاصم نوحي بالنون وقد شرحناه هذه الآية في النحل 43 \r\n قوله تعالى وما جعلناهم يعني الرسل جسدا قال الفراء لم يقل اجسادا لأنه اسم الجنس قال مجاهد وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح قال ابن قتيبة ما جعلنا الانبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام لا تموت فنجعله كذلك قال المبرد وثعلب جميعا العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين كان الكلام إخبارا فمعنى الآية إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام قال قتادة المعنى وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام \r\n قوله تعالى ثم صدقناهم الوعد يعني الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بانجائهم وإهلاك مكذبيهم فأنجيناهم ومن نشاء وهم الذين صدقوهم وأهلكنا المسرفين يعني أهل الشرك وهذا تخويف لأهل مكة ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال لقد أنزلناه اليكم كتابا فيه ذكركم وفيه ثلاثة أقوال \r\n احدها فيه شرفكم قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني فيه دينكم قاله الحسن يعني فيه ما تحتاجون اليه من امر دينكم \r\n والثالث فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أفلا تعقلون ما فضلتكم به على غيركم ","part":5,"page":341},{"id":2369,"text":" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا الى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعولهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين \r\n ثم خوفهم فقال وكما قصمنا قال المفسرون واللغويون معناه وكم أهلكنا وأصل القصم الكسر وقوله كانت ظالمة أي كافرة والمراد أهلها فلما أحسوا بأسنا أي رأوا عذابنا بحاسة البصر إذا هم منها يركضون أي يعدون وأصل الركض تحريك الرجلين يقال ركضت الفرس إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا \r\n قوله تعالى لا تركضوا قال المفسرون هذا قول الملائكة لهم وارجعوا الى ما أترفتم فيه أي الى نعمكم التي اترفتكم وهذا توبيخ لهم \r\n وفي قوهل لعلكم تسألون قولان \r\n أحدهما تسألون من دنياكم شيئا استهزاء بهم قاله قتادة \r\n والثاني تسألون عن قتل نبيكم قاله ابن السائب فلما أيقنوا بالعذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا وقيل بتكذيب نبينا فما زالت تلك دعواهم أي ما زالت تلك الكلمة التي هي يا ويلنا إنا كنا ظالمين قولهم يرددونها حتى جعلناهم حصيدا بالعذاب وقيل بالسيوف خامدين أي ميتين كخمود النار إذا طفئت \r\n وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقدف ","part":5,"page":342},{"id":2370,"text":" بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يتسحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون \r\n قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي لم نخلق ذلك عبثا إنا خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتبر الناس بخلقه فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه لنجازي أولياءنا ونعذب أعداءنا \r\n قوله تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا في سبب نزولها قولان \r\n أحدها أن المشركين لما قالوا الملائكة بنات الله والآلهة بناته نزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن نصارى نجران قالوا إن عيسى ابن الله فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال \r\n أحدهما الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي قال الزجاج المعنى لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو نلهى به \r\n والثاني المرأة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة ","part":5,"page":343},{"id":2371,"text":" والثالث اللعب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى لاتخذناه من لدنا قال ابن جريج لا تخذنا نساء او ولدا من اهل السماء لا من اهل الأرض قال ابن قتيبة وأصل اللهو الجماع فكني عنه باللهو كما كني عنه بالسر والمعنى لو فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره \r\n وفي قوله إن كنا فاعلين قولان \r\n أحدهما أن إن بمعنى ما قاله ابن عباس والحسن وقتادة \r\n والثاني أنها بمعنى الشرط قال الزجاج والمعنى إن كنا نفعل ذلك ولسنا ممن يفعله قال والقول الأول قول المفسرين والثاني قول النحويين وهم يستجيدون القول الأول أيضا لأن إن تكون في موضع النفي إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام تقول إن كنت لصالحا معناه ما كنت إلا صالحا \r\n قوله تعالى بل أي دع ذاك الذي قالوا فانه باطل نقذف بالحق أي نسلط الحق وهو القرآن على الباطل وهو كذبهم فيدمغه قال ابن قتيبة أي يكسره واصل هذا إصابة الدماع بالضرب وهو مقتل فاذا هو زاهق أي زائل ذاهب قال المفسرون والمعنى إنا نبطل كذبهم بما نثبين من الحق حتى يضمحل ولكم الويل مما تصفون أي من وصفكم الله بما لا يجوز وله من في السموات والأرض يعني هم عبيده وملكه ومن عنده يعني الملائكة \r\n وفي قوله ولا يستحسرون ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يرجعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":5,"page":344},{"id":2372,"text":" والثاني لا ينقطعون قاله مجاهد وقال ابن قتيبة لا يعيون والحسر المنقطع الواقف إعياء وكلالا \r\n والثالث لا يملون قاله ابن يزيد \r\n قوله تعالى لا يفترون قال قتادة لا يسأمون وسئل كعب أما يشلغهم شأن أما تشغلهم حاجة فقال للسائل يا ابن أخي جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس ألست تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجيء وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس فكذلك جعل هلم التسبيح ثم إن الله تعالى عاد الى توبيخ المشركين فقال أم اتخذوا آلهة من الأرض لأن أصنامهم من الأرض هي سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو حجارة هم يعني الآلهة ينشرون أي يحيون الموتى وقرا الحسن ينشرون بفتح الياء وضم الشين وهذا استفهام بمعنى الجحد والمعنى ما اتخذوا آلهة تنشر ميتا لو كان فيهما يعني السماء والارض آلهة يعني معبودين إلا الله قال الفراء سوى الله وقال الزجاج غير الله \r\n قوله تعالى لفسدتا أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة فلا يجري أمر العالم على النظام لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف \r\n قوله تعالى لا يسأل عما يفعل أي عما يحكم في عباده من هدي وإضلال وإعزاز وإذلال لأنه المالك للخلق والخلق يسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم ولما أبطل عز و جل أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله لفسدتا أبطل ذلك من حيث الأمر فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهذا استفهام إنكار وتوبيخ قل ","part":5,"page":345},{"id":2373,"text":" هاتوا برهانكم على ما تقولون هذا ذكر من معي يعني القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبغني الى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وذكر من قبلي يعني الكتب المنزلة والمعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبله فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به قال الزجاج قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله \r\n قوله تعالى بل أكثرهم يعني كفار مكة لا يعلمون الحق وفيه قولان \r\n أحدهما انه القرآن قاله ابن عباس والثاني التوحيد قاله مقاتل فهم معرضون عن التفكر والتأمل وما يجب عليهم من الإيمان \r\n وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي اليه أنه لا إله إلا انا فاعبدون وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين \r\n قوله تعالى من رسول الا بوحي قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم الا نوحي بالنون والباقون بالياء \r\n قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا في القائلين لهذا قولان \r\n أحدهما أنهم مشركوا قريش قاله ابن عباس وقال ابن اسحاق القائل لهذا النضر بن الحارث \r\n والثاني أنهم اليهود قالوا إن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة قاله ","part":5,"page":346},{"id":2374,"text":" قتادة فعلى القولين المراد بالولد الملائكة وكذلك المراد بقوله بل عباد مكرمون والمعنى بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم لا يسبقونه بالقول أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به وقال ابن قتيبة لا يقولون حتى يقول ثم يقولون عنه ولا يعملون حتى يأمرهم \r\n قوله تعالى يعلم ما بين أيديهم أي ما قدموا من الأعمال وما خلفهم ما هم عاملون ولا يشفعون يوم القيامة وقيل لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى أي لمن رضي عنه وهم من خشيته أي من خشيتهم منه فأضيف المصدر الى المفعول مشفقون أي خائفون وقال الحسن يرتعدون ومن يقل منهم أي من الملائكة قال الضحاك في آخرين هذه خاصة لإبليس لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه سواه قال ابو سليمان الدمشقي وهذا قول من قال إنه من الملائكة فان ابليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه الى الأرض ومن قال إنه ليس من الملائكة قال هذا على وجه التهديد وما قال أحد من الملائكة ذلك \r\n أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ","part":5,"page":347},{"id":2375,"text":" قوله تعالى أولم ير الذين كفروا أي أولم يعلموا وقرأ ابن كثير ألم ير الذين كفروا بغير واو بين الألف واللام وكذلك هي في مصاحف أهل مكة أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال ابو عبيدة السموات جمع والأرض واحدة فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين جمع وبين واحد والرتق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء ومعنى الرتق الذي ليس فيه ثقب قال الزجاج المعنى كانتا ذواتي رتق فجعلهما ذوات فتق وإنما لم يقل رتقين لأن الرتق مصدر \r\n وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية والضحاك في آخرين \r\n والثاني أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة \r\n والثالث أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا ومن السماء ست سموات فصارت سبعا رواه السدي عن أشياخه وابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n قوله تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حي وقرا معاذ القارىء وابن أبي عبلة وحميد بن قيس كل شيء حيا بالنصب \r\n وفي هذا الماء قولان \r\n أحدهما أنه الماء المعروف والمعنى جعلنا الماء سببا لحياة كل حي قاله الأكثرون والثاني أنه النطفة قاله ابو العالية ","part":5,"page":348},{"id":2376,"text":" قوله تعالى وجعلنا في الأرض رواسي قد فسرناه في النحل 15 \r\n قوله تعالى وجعلنا فيها أي في الرواسي فجاجا قال ابو عبيدة هي المسالك قال الزجاج الفجاج جمع فج وهو كل منخرق بين جبلين ومعنى سبلا طرقا قال ابن عباس جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا الى مقاصدكم في الأسفار قال المفسرون وقوله سبلا تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة فقد يكون الفج غير نافذ وجعلنا السماء سقفا أي هي الأرض كالسقف \r\n وفي معنى محفوظا قولان \r\n أحدهما بالنجوم من الشياطين قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني محفوظا من الوقوع إلا باذن الله قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وهم يعني كفار مكة عن آياتها أي شمسها وقمرها ونجومها قال الفراء وقرا مجاهد عن آيتها فوحده فجعل السماء بما فيها آية وكل صواب \r\n قوله تعالى كل يعني الطوالع في فلك قال ابن قتيبة الفلك مدار النجوم الذي يضمها وسماه فلكا لاستدارته ومنه قيل فلكه المغزل وقد فلك ثدي المرأة قال أبو سليمان وقيل إن الفلك كهيئة الساقية من ماء مستديرة دون السماء وتحت الأرض فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك وليس الفلك يديرها ومعنى يسبحون يجرون قال الفراء لما كانت السباحة من أفعال الآدميين ذكرت بالنون كقوله رأيتهم لي ساجدين يوسف 40 لأن السجود من أفعال الآدميين ","part":5,"page":349},{"id":2377,"text":" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون \r\n قوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد سبب نزولها أن ناسا قالوا إن محمدا لا يموت فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية ما خلدنا قبلك أحدا من بني آدم والخلد البقاء الدائم أفان مت فهم الخالدون يعني مشركي مكة لأنهم قالوا نتربص به ريب المنون الطور 30 \r\n قوله تعالى ونبلوكم بالشر والخير قال ابن زيد نختبركم بما تحبون لننظر كيف شكركم وبما تكرهون لننظر كيف صبركم \r\n قوله تعالى وإلينا يرجعون قرأ ابن عامر ترجعون بتاء مفتوحة وروى ابن عباس عن ابي عمرو يرجعون بياء مضمومة وقرأ الباقون بتاء مضمومة \r\n قوله تعالى وإذا رآك الذين كفروا قال ابن عباس يعني المستهزئين وقال السدي نزلت في أبي جهل مر به رسول الله فضحك وقال هذا نبي نبي عبد مناف وإن بمعنى ما ومعنى هزوا مهزوءا به أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيب أصنامكم وفيه أضمار يقولون وهم بذكر الرحمن هم كافرون وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن فكفروا بالرحمن \r\n خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين لو يعلم الذين ","part":5,"page":350},{"id":2378,"text":" كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن \r\n قوله تعالى خلق الإنسان من عجل وقرأ أبو رزين العقيلي ومجاهد والضحاك خلق الإنسان بفتح الخاء واللام ونصب النون وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب \r\n وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها النضر بن الحارث وهوالذي قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية الانفال 32 رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير والسدي في آخرين \r\n والثالث أنه اسم جنس قاله علي بن أحمد النيسابوري فعلى هذا يدخل النضر بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية نزلت فيه \r\n فأما من قال أريد به آدم ففي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنه خلق عجولا قاله الأكثرون فعلى هذا يقول لما طبع آدم على هذا المعنى وجد في أولاده وأورثهم العجل \r\n والثاني خلق بعجل استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة قاله مجاهد \r\n فأما من قال هو اسم جنس ففي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما خلق عجولا قال الزجاج خوطبت العرب بما تعقل ","part":5,"page":351},{"id":2379,"text":" والعرب تقول للذي يكثر منه اللعب إنما خلقت من لعب يريدون المبالغة في وصفه بذلك \r\n والثاني أن في الكلام تقديما وتأخيرا والمعنى خلقت العجلة في الإنسان قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى سأريكم آياتي فيه قولان \r\n أحدهما ما أصاب الأمم المتقدمة والمعنى إنكم تسافرون فترون آثار الهلاك في الماضين قاله ابن السائب \r\n والثاني أنها القتل ببدر قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فلا تستعجلون اثبت الياء في الحالين يعقوب \r\n قوله تعالى ويقولون متى هذا الوعد يعنون القيامة لم يعلم الذين كفروا جوابه محذوف والمعنى لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا حين لا يكفون أي لا يدفعون عن وجوههم النار إذا دخلوا ولا عن ظهورهم لإحاطتها بهم ولا هم ينصرون أي يمنعون مما نزل بهم بل تأتيهم يعني الساعة بغتة فجأة فتبهتهم تحيرهم وقد شرحنا هذا عند قوله فبهت الذي كفر البقرة 258 فلا يستطيعون ردها أي صرفها عنهم ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة ثم عزى نبيه فقال ولقد استهزىء برسل من قبلك أي كما فعل بك قومك فحاق أي نزل بالذين سخروا منهم أي من الرسل ما كانوا به يستهزؤون يعني العذاب الذي كانوا استهزؤوا به \r\n قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون بل متعنا ","part":5,"page":352},{"id":2380,"text":" هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون \r\n قوله تعالى قل من يكلؤكم المعنى قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب من يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد إنزاله بكم وهذا استفهام إنكار أي لا أحد يفعل ذلك بل هم عن ذكر ربهم أي عن كلامه ومواعظه معرضون لا يتفكرون ولا يعتبرون أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فيه تقديم وتأخير وتقديره أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم وهاهنا تم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال لا يستطيعون نصر أنفسهم والمعنى من لا يقدر عل نصر نفسه عما يراد به فكيف ينصر غيره \r\n قوله تعالى ولا هم في المشار اليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الكفار وهو قول ابن عباس والثاني أنهم الأصنام قاله قتادة \r\n وفي معنى يصحبون أربعة أقوال \r\n أحدها يجارون رواه العوفي عن ابن عباس قال ابن قتيبة والمعنى لا يجيرهم منا احد لأن المجير صاحب لجاره والثاني يمنعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث ينصرون قاله مجاهد والرابع لا يصحبون بخير قاله قتادة \r\n ثم بين اغترارهم بالإمهال فقال بل متعنا هؤلاء وآباءهم يعني أهل مكة حتى طال عليهم العمر فاغتروا بذلك أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها ","part":5,"page":353},{"id":2381,"text":" من أطرافها قد شرحناه في الرعد 41 أفهم الغالبون أي مع هذه الحال وهو نقص الأرض والمعنى ليسوا بغالبين ولكنهم المغلوبون قل إنما أنذركم أي أخوفكم بالوحي أي بالقرآن والمعنى إنني ما جئت به من تلقاء نفسي إنما أمرت فبلغت ولا يسمع الصم الدعاء وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء مضمومة الصم نصبا وقرأ ابن يعمر والحسن ولا يسمع بضم الياء وفتح الميم الصم بضم الميم شبه الكفار بالصم الذين لا يسمعون نداء مناديهم ووجه التشبيه أن هؤلاء لم ينتفعوا بما سمعوا كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم ولئن مستهم أي أصابتهم نفحة قال ابن عباس طرف وقال الزجاج المراد أدنى شيء من العذاب ليقولن ياويلنا والويل ينادي به كل من وقع في هلكة \r\n ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين \r\n قوله تعالى ونضع الموازين القسط قال الزجاج المعنى ونضع الموازين ذوات القسط والقسط العدل وهو مصدر يوصف به يقال ميزان قسط وميزانان قسط وموازين قسط قال الفراء القسط من صفة الموازين وإن كان موحدا كما تقول أنت عدل وأنتم رضى وقوله ليوم القيامة وفي يوم القيامة سواء وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أول الأعراف 8 \r\n فان قيل إذا كان الميزان واحدا فما المعنى بذكر الموازين ","part":5,"page":354},{"id":2382,"text":" فالجواب أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة سميت موازين \r\n قوله تعالى فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص محسن من إحسانه ولا يزاد مسيء على إساءته وإن كان مثقال حبة أي وزن حبة وقرأ نافع مثقال برفع اللام قال الزجاج ونصب مثقال على معنى وإن كان العمل مثقال حبة وقال ابو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة لقوله تعالى فلا تظلم نفس شيئا قال ومن رفع أسند الفعل الى المثقال كما اسند في قوله تعالى وإن كان ذو عسرة البقرة 280 \r\n قوله تعالى أتينا بها أي جئنا بها وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد آتينا ممدودة أي جازينا بها \r\n قوله تعالى وكفى بنا حاسبين قال الزجاج هو منصوب على وجهين احدهما التمييز والثاني الحال \r\n ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه التوارة التي فرق بها الحلال والحرام قاله مجاهد وقتادة \r\n والثاني البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون قاله ابن زيد \r\n والثالث النصر والنجاة لموسى وإهلاك فرعون قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى وضياء روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة قال الزجاج وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى الفرقان ضياء وعند ","part":5,"page":355},{"id":2383,"text":" البصريين أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف فهي هاهنا مثل قوله تعالى فيها هدى ونور المائدة 44 قال المفسرون والمعنى أنهم استضاؤوا بالتوراة حتى اهتدوا بها في دينهم ومعنى قوله تعالى وذكرا للمتقين أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه الذين يخشون ربهم بالغيب فيه أربعة أقوال \r\n أحدها يخافونه ولم يروه قاله الجمهور والثاني يخشون عذابه ولم يروه قاله مقاتل والثالث يخافونه من حيث لا يراهم أحد قاله الزجاج والرابع يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم إذا كانوا بين الناس قاله ابو سليمان الدمشقي ثم عاد إلى ذكر القرآن فقال وهذا يعني القرآن ذكر لمن تذكر به وعظه لمن اتعظ مبارك أي كثير الخير أفأنتم يا أهل مكة له منكرون أي جاحدون وهذا استفهام توبيخ \r\n ولقد آتينا ابرهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم اليه يرجعون \r\n قوله تعالى ولقد آتينا ابراهيم رشده أي هداه من قبل وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من قبل بلوغه قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني آتيناه ذلك في العلم السابق قاله الضحاك عن ابن عباس ","part":5,"page":356},{"id":2384,"text":" والثالث من قبل موسى وهارون قال الضحاك وقد أشرنا الى قصة ابراهيم في الأنعام 75 \r\n قوله تعالى وكنا به عالمين أي علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد ثم بين متى آتاه فقال إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل يعني الاصنام والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى وأصله من مثلث الشيء بالشيء إذا شبهته به وقوله التي أنتم لها أي على عبادتها عاكفون أي مقيمون فأجابوه أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين يعنون أجاد انت أم لاعب \r\n قوله تعالى لأكيدن أصنامكم الكيد احتيال الكائد في ضر المكيد والمفسرون يقولون لأكيدنها بالكسر بعد أن تولوا أي تذهبوا عنها وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون اليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا الى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق قال إني سقيم وألقى نفسه وقال سرا منهم وتالله لأكيدن أصنامكم فسمعه رجل منهم فأفشاه عليه فرجع إلى بيت الأصنام وكانت فيما ذكره مقاتل بن سليمان اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب فكسرها ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير فذلك قوله فجعلهم جذاذا قرأ الأكثرون جذاذا بضم الجيم وقرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود وأبو رزين وقتادة وابن محيصن والأعمش والكسائي جذاذا بكسر الجيم وقرأ أبو رجاء العطاردي وأيوب السختياني وعاصم الجحدري جذاذا بفتح الجيم وقرأ الضحاك وابن يعمر جذذا ","part":5,"page":357},{"id":2385,"text":" بفتح الجيم من غير الف وقرأ معاذ القارىء وأبو حيوة وابن وثاب جذذا بضم الجيم من غير ألف قال أبو عبيدة أي مستأصلين قال جرير ... بني المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رمادا فلا اصل ولا طرف ... \r\n أي لم يبق منهم شيء ولفظ جذاذ يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكر والمؤنث وقال ابن قتيبة جذاذا أي فتاتا وكل شيء كسرته فقد جذذته ومنه قيل للسويق الجذيذ وقرأ الكسائي جذاذا بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ مثل ثقيل وثقال وخفيف وخفاف والجذيذ بمعنى المجذوذ وهو المكسور إلا كبيرا لهم أي كسر الأصنام إلا أكبرها قال الزجاج جائز أن يكون أكبرها في ذاته وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه لعلهم إليه يرجعون في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع الى الصنم ثم فيه قولان أحدهما لعلهم يرجعون اليه فيشاهدونه هذا قول مقاتل والثاني لعلهم يرجعون اليه بالتهمة حكاه ابو سليمان الدمشقي \r\n والثاني أنها ترجع الى ابراهيم والمعنى لعلهم يرجعون الى دين ابراهيم بوجوب الحجة عليهم قاله الزجاج \r\n قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالو ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبرهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ","part":5,"page":358},{"id":2386,"text":" فلما رجعوا من عيدهم ونظروا الى آلهتهم قالو من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين أي قد فعل ما لم يكن له فعله فقال الذي سمع ابراهيم يقول لأكيدن أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم قال الفراء أي يعيبهم نقول للجرل لئن ذكرتني لتندمن تريد بسوء \r\n قوله تعالى فأتوا به على أعين الناس أي بمرأى منهم لا تأتوا به خفية قال أبو عبيدة تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر كن ذلك على أعين الناس \r\n قوله تعالى لعلهم يشهدون فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة \r\n والثاني يشهدون أنه فعل ذلك قاله السدي \r\n والثالث يشهدون عقابه وما يصنع به قاله محمد بن اسحاق \r\n قال المفسرون فانطلقوا به الى نمرود فقال له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه الصغار فكسرها فاسألوهم إن كانوا ينطقون من فعله بهم وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم جماد لا يقدرون على النطق \r\n واختلف العلماء في وجه هذا القول من ابراهيم عليه السلام على قولين \r\n أحدهما أنه وإن كان في صورة الكذب إلا أن المراد به التنبيه على أن من لا قدرة له لا يصلح أن يكون إلها ومثله قول الملكين لدواد إن هذا أخي ولم يكن أخاه له تسع وتسعون نعجة ص23 ولم يكن له شيء ","part":5,"page":359},{"id":2387,"text":" فجرى هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل وأنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ومثل هذا لا تسميه العرب كذبا \r\n والثاني أنه من معاريض الكلام فروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله تعالى بل فعله ويقول معناه فعله من فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعله بتشديد اللام يريد فعله كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعلته بتشديد اللام يريد فلعله كبيرهم هذا وقال ابن قتيبة هذا من المعاريض ومعناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم وكذلك قوله إني سقيم الصافات 89 أي سأسقم ومثله إنك ميت الزمر 30 أي ستموت وقوله لا تؤاخذني بما نسيت الكهف 74 قال ابن عباس لم ينس ولكنه من معاريض الكلام والمعنى لا تؤاخذني بنسياني ومن هذا قصة الخصمين إذ تسوروا المحراب ص21 مثله وإنا أو إياكم لعلى هدى سبأ 24 والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف واحسن من التصريح وروي أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه فأخذ منه برا وجعله في عكمه فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان رأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل فأنشأ يقول ... عكم تغشى بعض أعكام القوم ... لم أر عكما سارقا قبل اليوم ... \r\n فخون صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح قال ابن الأنباري كلام ابراهيم كان صدقا عند البحث ومعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم كذب إبراهيم ثلاثة كذبات ","part":5,"page":360},{"id":2388,"text":" قال قولا يشبه الكذب في الظاهر وليس بكذب قال المصنف وقد ذهب جماعة من العلماء إلى هذا الوجه وأنه من المعاريض والمعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج اليها روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يسرني أن ","part":5,"page":361},{"id":2389,"text":" لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي وقال النخعي لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم وقال ابن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعجوز إن الجنة لا تدخلها العجائز أراد قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء الواقعة 35 وروي عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يمازح بلالا فيقول ما أخت خالك منك وقال لامرأة من زوجك فسمته له فقال الذي في عينيه بياض وقال لرجل إنا حاملوك على ولد ناقة وقال له العباس ما ترجو لأبي طالب فقال كل خير أرجوه من ربي وكان ابو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سأله أحد من هذا بين يديك يقول هاد يهديني وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له فقالت له وعلى فراشي أيضا فجحد فقالت له فاقرأ القرآن فقال ... وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق مشهور من الصبح طالع ... يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع ","part":5,"page":362},{"id":2390,"text":" فقالت آمنت بالله وكذبت بصري فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره فضحك وأعجبه ما صنع وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري كيف لبناه قال احلب في أي اناء شئت قال كيف الوطاء قال افرش ونم قال كيف نجاؤها قال إذا رأتيها في الإبل عرفت مكانها علق سوطك وسر قال كيف قونها قال احمل على الحائط ما شئت فاستصراها فلم ير شيئا مما وصف فرجع اليه فقال لما أر فيها شيئا مما وصفتها به قال ما كذبتك قال أقلني قال نعم وخرج شريح من عند زياد وهو مريض فقيل له كيف وجدت الأمير قال تركته يأمر وينهى فقيل له ما معنى يأمر وينهى قال يأمر بالوصية وينهى عن النوح وأخذ محمد بن يوسف حجرا المدري فقال العن عليا فقال إن الأمير أمرني أن ألعن عليا محمد بن يوسف فالعنوه لعنه الله وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن علي فقال لعن الله من لعن الله ولعن علي ثم قال إن هذا الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله وامتحنت الخوارج رجلا من الشيعة فجعل يقول أنا من علي ومن عثمان بريء وخطب رجل امرأة وتحته أخرى فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقال اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا فزوجوه فأقام مع المرأة الأولى فادعوا أنه قد طلق فقال أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها قالو بلى قال فقد طلقت ثلاثا وحكي أن رجلا عثر به الطائف ليلة فقال له من أنت فقال ... أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود ","part":5,"page":363},{"id":2391,"text":" ترى الناس أفوجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود ... \r\n فظن الطائف أنه ابن بعض الأشراف بالبصرة فلما أصبح سأل عنه فاذا هو ابن باقلائي ومثل هذا كثير \r\n فرجعوا الى انفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون \r\n قوله تعالى فرجعوا الى أنفسهم فيه قولان \r\n أحدهما رجع بعضهم الى بعض والثاني رجع كل منهم الى نفسه متفكرا \r\n قوله تعالى فقالوا إنكم أنتم الظالمون فه خمسة أقوال \r\n أحدها حين عبدتم من لا يتكلم قاله ابن عباس \r\n والثاني حين تتركون آلهتكم وحدها وتذهبون قاله وهب بن منبه \r\n والثالث في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير روي عن وهب أيضا \r\n والرابع لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام قاله ابن اسحاق ومقاتل \r\n والخامس أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه وهذه أصنامكم حاضرة فاسألوها ذكره ابن جرير \r\n قوله تعالى ثم نكسوا على رؤوسهم وقرأ أبو رزين العقيلي وابن أبي عبلة وأبو حيوة نكسوا برفع النون وكسر الكاف مشددة وقرأ سعيد ابن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري نكسوا بفتح النون والكاف ","part":5,"page":364},{"id":2392,"text":" مخففة قال ابو عبيدة نكسوا قلبوا تقول نكست فلانا على راسه إذا قهرته وعلوته \r\n ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أدركتهم حيرة فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قاله مقتادة \r\n والثاني رجعوا الى أول ما كانوا يعرفونها به من انها لا تنطق قاله ابن قتيبة \r\n والثالث انقلبوا على ابراهيم يحتجون عليه بعد أن اقروا له ولاموا أنفسهم في تهمته قاله ابو سليمان الدمشقي وفي قوله لقع علمت إضمار قالوا وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق فحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة فقال موبخا لهم أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم أي لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا ولا يضركم إذا لم تعبدوه وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر أف لكم قال الزجاج معناه النتن لكم فلم الزمهم الحجة غضبوا فقالوا حرقوه وذكر في التفسير أن نمرود استشارهم بأي عذاب أعذبه فقال رجل حرقوه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة \r\n قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ","part":5,"page":365},{"id":2393,"text":" صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وكانا لنا عابدين \r\n قوله تعالى وانصروا آلهتكم أي بتحريقه لأنه يعيبها إن كنتم فاعلين أي ناصريها \r\n الإشارة الى القصة \r\n ذكر أهل التفسر أنهم حبسوا ابراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا الى سفح جبل منيف ونادى منادي الملك أيها الناس احتطبوا لابراهيم ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير فمن تخلف ألقي في تلك النار ففعلوا ذلك أربعين ليلة حتى إن كانت المرأة لتقول إن ظفرت بكذا لأحتطبن لنار ابراهيم حتى إذا كان الحطب يساوي رأس الجدار سدوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار فارتفع لهبها حتى إن كان الطائر ليمر بها فيحترق من شدة حرها ثم بنوا بنيانا شامخا وبنوا فوقه منجنيقا ثم رفعوا ابراهيم على رأس البنيان فرفع ابراهيم رأسه الى السماء فقال اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة ربنا ابراهيم يحرق فيك فائذن لنا في نصرته فقال أنا أعلم به وإن دعاكم فأغيثوه فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة وقيل ست وعشرين فقال حسبي الله ونعم الوكيل فاستقبله جبريل فقال يا ابراهيم ألك حاجة قال أما اليك ","part":5,"page":366},{"id":2394,"text":" فلا قال جبريل فسل ربك فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي فقال الله عز و جل يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم فلم تبق نار على وجه الأرض يومئذ إلا طفئت وظنت أنها عنيت وزعم السدي أن جبريل هو الذي ناداها وقال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات ابراهيم من بدرها قال السدي فأخذت الملائكة بضبعي ابراهيم فأجلسوه على الأرض فاذا عين من ماء عذب وورد أحمر ونرجس قال كعب ووهب فما أحرقت النار من ابراهيم الا وثاقه وأقام في ذلك الموضع سبعة ايام وقال غيرهما أربعين أو خمسين يوما فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسه من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وإن آزر أتى نمرود فقال أئذن لي أن اخرج عظام ابراهيم فأدفنها فانطلق نمرود ومعه الناس فأمر بالحائط فنقب فاذا ابراهيم في روضة تهتز وثيابه تندى وعليه القميص وتحته الطنفسة والملك الى جنبه فناداه نمرود يا ابراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير هل تستطيع أن تخرج قال نعم فقام إبراهيم يمشي حتى خرج فقال من الذي رأيت معك قال ملك أرسله الى ربي ليؤنسني فقال نمرود إني مقرب ","part":5,"page":367},{"id":2395,"text":" لإلهك قربانا لما رأيت من قدرته فقال إذن لا يقبل الله منك ما كنت على دينك فقال يا ابراهيم لا استطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح له فذبح القربان وكف عن ابراهيم \r\n قال المفسرون ومعنى كوني بردا أي ذات برد وسلاما أي سلامة وأرادوا به كيدا وهو التحريق بالنار فجعلناهم الأخسرين وهو أن الله تعالى سلط البعوص عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم ودخلت واحدة في دماع نمرود حتى أهلكته والمعنى أنهم كادوه بسوء فانقلب السوء عليهم \r\n قوله تعالى ونجيناه أي من نمرود وكيده ولوطا وهو ابن أخي ابراهيم وهو لوط بن هاران بن تارح وكان قد آمن به فهاجرا من أرض العراق الى الشام وكانت سارة مع ابراهيم في قول وهب وقال السدي إنما هي إبنة ملك حران لقيها ابراهيم فتزوجها على أن لا يغيرها وكانت قد طعنت على قومها في دينهم \r\n فأما قوله تعالى الى الأرض التي باركنا فيها ففيها قولان \r\n أحدهما أنها أرض الشام وهذا قول الأكثرين وبركتها أن الله عز و جل بعث أكثر الأنبياء منها وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار \r\n والثاني أنها مكة رواه العوفي عن ابن عباس والاول اصح \r\n قوله تعالى ووهبنا له يعني ابراهيم اسحاق ويعقوب نافلة وفي معنى النافلة قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى الزيادة والمراد بها يعقوب خاصة فكأنه سأل واحدا فأعطي اثنين وهذا مذهب ابن عباس وقتادة وابن زيد والفراء \r\n والثاني أن النافلة بمعنى العطية والمراد بها اسحاق ويعقوب وهذا مذهب مجاهد وعطاء ","part":5,"page":368},{"id":2396,"text":" قوله تعالى وكلا جعلناه صالحين يعني ابراهيم واسحاق ويعقوب قال ابو عبيدة كل يقع خبره على لفظ الواحد لأن لفظه لفظ الواحد ويقع خبره على لفظ الجميع لأن معناه معنى الجميع \r\n قوله تعالى وجعلناهم أئمة أي رؤوسا يقتدى بهم في الخير يهدون بأمرنا أي يدعون الناس الى ديننا بأمرنا إياهم بذلك وأوحينا إليهم فعل الخيرات قال ابن عباس شرائع النبوة وقال مقاتل الأعمال الصالحة وإقام الصلاة قال الزجاج حذف الهاء من إقامة الصلاة قليل في اللغة تقول اقام إقامة والحذف جائز لأن الإضافة عوض من الهاء \r\n ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وادخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين \r\n قوله تعالى ولوطا آتيناه حكما قال الزجاج انتصب لوط بفعل مضمر لأن قبله فعلا فالمعنى وأوحينا إليهم وآتينا لوطا وذكر بعض النحويين أنه منصوب على واذكر لوطا وهذا جائز لأن ذكر ابراهيم قد جرى فحمل لوط على معنى واذكر \r\n قال المفسرون لما هاجر لوط مع ابراهيم نزل ابراهيم أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من ابراهيم فبعثه الله نبيا \r\n فأما الحكم ففيه قولان \r\n أحدهما أنه النبوة قاله ابن عباس \r\n والثاني الفهم والعقل قاله مقاتل وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة ","part":5,"page":369},{"id":2397,"text":" يوسف 22 وأما القرية هاهنا فهي سدوم والمراد أهلها والخبائث أفعالهم المنكرة فمنها اتيان الذكور وقطع السبيل الى غير ذلك مما قد ذكره الله عز و جل عنهم في مواضع هود 78 والحجر 69 \r\n قوله تعالى وأدخلناه في رحمتنا أي بانجائه من بينهم \r\n ونوحا إذا نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين \r\n قوله تعالى ونوحا المعنى واذكر نوحا وكذلك ما يأتيك من ذكر الأنبياء إذ نادى أي دعا على قومه من قبل أي من قبل ابراهيم ولوط فأما الكرب العظيم فقال ابن عباس هو الغرق وتكذيب قومه \r\n قوله تعالى ونصرناه من القوم أي منعناه منهم أن يصلوا اليه بسوء وقيل من بمعنى على \r\n وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمن وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ولسليمن الريح عاصفة تجري بأمره الى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين \r\n قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث وفيه قولان ","part":5,"page":370},{"id":2398,"text":" أحدهما أنه كان عنبا قاله ابن مسعود ومسروق وشريح \r\n والثاني كان زرعا قاله قتادة \r\n إذ نفشت فيه غنم القوم قال ابن قتيبة أي رعت ليلا يقال نفشت الغنم بالليل وهي إبل نفش ونفاش نفاش والواحد نافش وسرحت وسربت بالنهار قال قتادة النفش بالليل والهمل بالنهار وقال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع \r\n الإشارة الى القصة \r\n ذكر اهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والأخر صاحب غنم فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا فاختصما الى داود فقال لصاحب الحرث لك رقاب الغنم فقال سليمان أو غير ذلك قال ما هو قال ينطلق اصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقبل أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم دفع هؤلاء الى هؤلاء غنمهم ودفع هؤلاء الى هؤلاء كرمهم فقال داود قد اصبت القضاء ثم حكم بذلك فذلك قوله وكنا لحكمهم شاهدين وفي المشار اليهم قولان \r\n أحدهما داود وسليمان فذكرهما بلفظ الجمع لأن الاثنين جمع هذا قول الفراء \r\n والثاني أنهم داود وسليمان والخصوم قاله ابو سليمان الدمشقي وقر ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة وكنا لحكمهما على التثنية ومعنى ","part":5,"page":371},{"id":2399,"text":" شاهدين أنه لم يغب عنا من أمرهم شيء ففهمناها سليمان يعني القضية والحكومة وإنما كنى عنها لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم وكلا منهما آتينا حكما وقد سبق بيانه قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا ولكنه أثنى على سليمان لصوابه وعذر دواد باجتهاده \r\n فصل \r\n قال ابو سليمان الدمشقي كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد ولم يكن نصا إذ لو كان نصا ما اخلتفا قال القاضي ابو يعلى وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا ضمان عليه ليلا ونهارا إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا لأن داود حكم بالضمان وشرع من قبلنا شرع لنا مالم يثبت نسخه فان قيل فقد ثبت نسخ هذا الحكم لأن داود حكم بدفع الغنم الى صاحب الحرث وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شيء من ذلك قيل الآية تضمنت أحكاما منها وجوب الضمان وكيفيته فالنسخ حصل على كيفيته ولم يحصل على أصله فوجب التعلق به وقد روى حرام بن محيصه عن ابيه ان ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل ","part":5,"page":372},{"id":2400,"text":" قوله تعالى وسخرنا مع داود الجبال يسبحن تقديره الكلام وسخرنا الجبال يسبحن مع داود قال ابو هريرة كان إذا سبح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذكر وقال غيره كان إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح \r\n قوله تعالى وكنا فاعلين أي لذلك قال الزجاج المعنى وكنا نقدر على ما نريده \r\n قوله تعالى وعلمناه صنعة لبوس لكم في المراد باللبوس قولان \r\n أحدهما الدروع وكانت قبل ذلك صفائح وكان داود أول من صنع هذه الحلق وسرد قاله قتادة \r\n والثاني أن اللبوس السلاح كله من درع الى رمح قاله ابو عبيدة وقرأ ابو المتوكل وابن السميفع لبوس بضم اللام \r\n قوله تعالى ليحصنكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ليحصنكم بالياء وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم لتحصنكم بالتاء وروى أبو بكر عن عاصم لنحصنكم بالنون خفيفة وقرأ ابو الدرداء وأبو عمران الجوني وابو حيوة لتحصنكم بتاء مرفوعة وفتح الهاء وتشديد الصاد وقرأ ابن مسعود وابو الجوزاء وحميد ابن قيس لتحصنكم بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمها وقرأ ابو رزين العقيلي وابو المتوكل ومجاهد لنحصنكم بنون مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها وقرأ معاذ القارئ وعكرمة وابن يعمر وعاصم الجحدري وابن السميفع ليحصنكم بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشددة النون ","part":5,"page":373},{"id":2401,"text":" فمن قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه قال ابو علي الفارسي أن يكون الفاعل اسم الله لتقدم معناه ويجوز أن يكون اللباس لأن اللبوس بمعنى اللباس من حيث كان ضربا منه ويجوز أن يكون داود ويجوز أن يكون التعليم وقد دل عليه علمناه \r\n ومن قرأ بالتاء حمله على المعنى لأنه الدرع \r\n ومن قرأ بالنون فلتقدم قوله وعلمناه \r\n ومعنى لتحصنكم لتحرزكم وتمنعكم من بأسكم يعني الحرب \r\n قوله تعالى ولسليمان الريح وقرأ ابو عبد الرحمن السلمي وأبو عمران الجوني وأبو حيوة الحضرمي الرياح بألف مع رفع الحاء وقرأ الحسن وابو المتوكل وابو الجوزاء بالألف ونصب الحاء والمعنى وسخرنا لسليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب تجري بأمره يعني بأمر سليمان الى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام وقد مر بيان بركتها في هذه السورة الأنبياء 72 والمعنى أنها كانت تسير به الى حيث شاء ثم تعود به الى منزله بالشام \r\n قوله تعالى وكنا بكل شيء عالمين علمنا أن ما نعطي سليمان يدعوه الى الخضوع لربه \r\n قوله تعالى ومن الشياطين من يغوصون له قال ابو عبيدة من تقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث قال المفسرون كانوا يغوصون في البحر فيستخرجون الجواهر ويعملون عملا دون ذلك قال الزجاج معناه سوى ذلك وكنا لهم حافظين أن يفسدوا ما عملوا وقال غيره أن يخرجوا عن أمره \r\n وايوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ","part":5,"page":374},{"id":2402,"text":" فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين واسمعيل وادريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين \r\n قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أي دعا ربه أني وقرأ أبو عمران الجوني إني بكسر الهمزة مسني الضر وقرأ حمزة مسني بتسكين الياء أي أصابني الجهد وأنت أرحم الراحمن أي أكثرهم رحمة وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة إذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت \r\n الإشارة الى قصته \r\n ذكر أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زماهنه وكان كير الإحسان فقال ابليس يا رب سلطني على ماله وولده وكان له ثلاثة عشر ولدا فان فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك فقيل له قد سلطتك على ماله وولده فرجع ابليس فجمع شياطينه ومردته فبعث بعضهم الى دوابه ورعاته فاحتملوها حتى قذفوها في البحر وجاء ابليس في صورة قيمه فقال يا أيوب الا أراك تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك ورعاتها حتى قذفتها في البحر فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ من صلاته ثم قال الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مني فانصرف خائبا ثم أرسل بعض الشياطين الى جنانه وزروعه فأحرقوها وجاء فأخبره فقال مثل ذلك فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده وخدمه وفأهلكوهم وجاء فأخبره فحمد الله وقال لإبليس وهو يظنه قيمه في ماله لو كان فيك خير لقبضك معهم فانصرف خائبا ","part":5,"page":375},{"id":2403,"text":" فقيل له كيف رأيت عبدي أيوب قال يا رب سلطني على جسده فسوف ترى قيل له قد سلطتك على جسده فجاء فنفخ في إبهام قدميه فاشتعل فيه مثل النار ولم يكن في زمانه أكثر بكاء منه خوفا من الله تعالى فلما نزل به البلاء لم يبك مخافة الجزع وبقي لسانه للذكر وقلبه للمعرفة والشكر وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم ووقعت به حكة لا يملكها فحك بأظفاره حتى سقطت ثم بالمسوح ثم بالحجارة فأنتن جسمه وتقطع وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشا على كناسه ورفضه الخلق سوى زوجته واسمها رحمة بنت إفراييم بن يوسف ين يعقوب فكانت تختلف اليه بما يصلحه وروى أبو بكر القرشي عن الليث ابن سعد قال كان ملك يظلم الناس فكلمه في ذلك جماعة من الأنبياء وسكت عنه أيوب لأجل خيل كانت له في سلطانه فأوحى الله اليه تركت كلامه من أجل خيلك لأطيلن بلاءك \r\n واختلفوا في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال \r\n أحدها ثماني عشرة سنة رواه انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني سبع سنين قاله ابن عباس وكعب ويحيى بن أبي كثير ","part":5,"page":376},{"id":2404,"text":" والثالث سبع سنين وأشهر قاله الحسن \r\n والرابع ثلاث سنين قاله وهب \r\n وفي سبب سؤاله العافية ستة اقوال \r\n أحدها أنه اشتهى إداما فلم تصبه امرأته حتى باعت قرنا من شعرها فلما علم ذلك قال مسني الضر رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله فلما انتهى أجل البلاء يسر له الدعاء فاستجاب له رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أن نفرا من بني اسرائيل مروا به فقال بعضهم لبعض ما أصابه هذا الا بذنب عظيم فعند ذلك قال مسني الضر قاله نوف البكالي وقال عبد الله بن عبيد بن عمير كان له أخوان فأتياه يوما فوجدا ريحا فقالا لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ به كل هذا فما سمع شيئا أشد عليه من ذلك فقال اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق وهما يسمعان ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق وهما يسمعان فخر ساجدا ثم قال اللهم لا ارفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله عز و جل ما به \r\n والرابع أن ابليس جاء الى زوجته بسخلة فقال ليذبح أيوب هذه لي وقد برأ فجاءت فأخبرته فقال إن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتني أن أذبح لغير الله ثم طردها عنه فذهبت فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق خر ساجدا وقال مسني الضر قاله الحسن \r\n والخامس ان الله تعالى أوحى اليه وهو في عنفوان شبابه إني مبتليك ","part":5,"page":377},{"id":2405,"text":" قال يا رب وأين يكون قلبي قال عندي فصب عليه من البلاء ما سمعتم حتى إذا بلغ البلاء منتهاه أوحى اليه أني معافيك قال يا رب وأين يكون قلبي قال عندك قال مسني الضر قاله ابراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدثنا به عنه \r\n والسادس أن الوحي انقطع عنه اربعين يوما فخاف هجران ربه فقال مسني الضر ذكره الماوردي \r\n فان قيل اين الصبر وهذا لفظ الشكوى \r\n فالجواب أن الشكوى الى الله لا تنافي الصبر وإنما المذموم الشكوى الى الخلق ألم تسمع قول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني الى الله يوسف 86 قال سفيان بن عيينه وكذلك من شكا الى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعا ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لجبريل في مرضه أجدني مغموما وأجدني مكروبا وقوله بل أنا وارأساه \r\n قوله تعالى وآتيناه أهله يعني أولاده ومثلهم معهم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم وآتاه مثلهم معهم في الدنيا قاله ابن مسعود والحسن وقتادة وروى أبو صالح عن ابن عباس كانت ","part":5,"page":378},{"id":2406,"text":" امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات فنشروا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات \r\n والثاني أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا فآتاه إياهم في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة رواه هشام عن الحسن \r\n والثالث آتاه الله اجور أهله في الآخرة وآتاه مثلهم في الدنيا قاله نوف ومجاهد \r\n والرابع آتاه اهله ومثلهم معهم في الآخرة حكاه الزجاج \r\n قوله تعالى رحمة من عندنا أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا وذكرى أي عظة للعابدين قال محمد بن كعب من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب فليقل إنه قد أصاب من هو خير مني \r\n قوله تعالى وذا الكفل اختلفوا هل كان نبيا أم لا على قولين \r\n أحدهما أنه لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا قاله ابو موسى الأشعري ومجاهد ثم اختلف أرباب هذا القول في علة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال أحدها أن رجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي فكفل بصلاته فسمي ذا الكفل قاله ابو موسى الأشعري والثاني أنه تكفل للنبي بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسمي ذا الكفل قاله مجاهد والثالث أن ملكا قتل في يوم ثلاثمائمة نبي وفر منه مائة نبي فكفلهم ذو الكفل يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا فسمي ذا الكفل قاله ابن السائب \r\n والقول الثاني أنه كان نبيا قاله الحسن وعطاء قال عطاء ","part":5,"page":379},{"id":2407,"text":" أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء إني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك بأنه يصلي الليل لا يفتر ويصوم النهار لايفطر ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه ففعل ذلك فقام شاب فقال أنا أتكفل لك بهذا فتكفل به فوفى فشكر الله له ذلك ونبأه وسمي ذا الكفل وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الكفل أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب وأنه خلا بامرأة ليفجر بها فبكت وقالت ما فعلت هذا قط فقام عنها تائبا ومات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله للكفل والحديث معروف وقد ذكرته في الحدائق فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل وهذا غلط لأن ذلك اسمه الكفل والمذكور في القرآن يقال له ذو الكفل ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا وإذا قلنا إنه نبي فإن الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله تعالى فوافقني وقال ليس هذا بذاك \r\n قوله تعالى كل من الصابرين أي على طاعة الله وترك معصيته وأدخلناهم في رحمتنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الجنة قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله مقاتل والثالث النعمة والموالاة حكاها أبو سليمان الدمشقي \r\n وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ","part":5,"page":380},{"id":2408,"text":" من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين \r\n قوله تعالى وذا النون يعني يونس بن متى والنون السمكة أضيف إليها لابتلاعها إياه \r\n قوله تعالى إذ ذهب مغاضبا قال ابن قتيبة المغاضبة مفاعلة وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمجادلة والمخاصمة وربما تكون من واحد كقولك سافرت وشارفت الأمر وهي هاهنا من هذا الباب وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري وابن السميفع مغضبا باسكان الغين وفتح الضاد من غير ألف \r\n واختلفوا في مغاضابته لمن كانت على قولين \r\n أحدهما أنه غضب على قومه قاله أبن عباس والضحاك وفي غضبه عليهم ثلاثة أقوال أحدها أن الله تعالى أوحى إلى بني نبي يقال له شعيا أن ائت فلان الملك فقل له يبعث نبيا أمينا إلى بني إسرائيل وكان قد غزا بني إسرائيل ملك وسبا منهم الكثير فاراد النبي والملك أن يبعثا يونس إلى ذلك الملك ليكلمه حتى يرسلهم فقال يونس لشعيا هل أمرك اللهباخراجي قال لا قال فهل سماني لك قال لا قال فهاهنا غيري من الأنبياء فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه هذا مروي عن ابن عباس وقد زدناه شرخا في يونس 98 والثاني أنه عانى من قومه أمرا صعبا من الأذى والتكذيب فخرج عنهم قبل أن يؤمنوا ضجرلا وما ظن أن هذا الفعل نوجب عليه ما جرى من العقوبة ذكره ابن الأنباري وقد روي عن وهب بن منبه قال لما حملت عليه أثقال النبوة ضاق بها ذرعا ولم يصبر ","part":5,"page":381},{"id":2409,"text":" فقذفها من يده وخرج هاربا والثالث أنه لما أوعدهم العذاب فتابوا ورفع عنهم قيل له ارجع إليهم فقال كيف أرجع فيجدوني كاذبا فانصرف مغاضبا لقومه عاتبا على ربه وقد ذكرنا هذا في يونس 98 \r\n والثاني أنه خرج مغاضبا لربه قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعروة وقال أبو بكر النقاش المعنى مغاضبا من أجل ربه وإنما غضب لأجل تمردهم وعصيانهم وقال ابن قتيبة كان مغيظا عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم مشتهيا أن ينزل بهم فعاقبه الله على كراهيته العفو عن قومه \r\n قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه وقرأ يعقوب يفدر بضم الياء وتشديد الدال وفتحها وقرأ سعيد بن جبير وأبو الجوزاء وابن أبي ليلى يقدر بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها وقرأ أبو عمران الجوني يقدر بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة وقرأ الزهري وابن يعمر وحميد بن قيس نقدر بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر الدال وتشديدها ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن لن نقضي عليه بالعقوبة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك قال الفراء معنى الآية فظن أن لن نقدر عليه ما قدرنا من العقوبة والعرب تقول قدر بمعنى قدر قال أبو صخر ... ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر ... \r\n أراد ما تقدر وهذا مذهب الزجاج ","part":5,"page":382},{"id":2410,"text":" والثاني فظن أن لن نضيق عليه قاله عطاء قال ابن قتيبة يقال فلان مقدر عليه ومقتر عليه ومنه قوله تعالى فقدر عليه رزقه الفجر 16 أي ضيق عليه فيه قال النقاش والمعنى فظن أن لن يضيق عليه الخروج فكأنه ظن أن الله قد وسع له إن شاء أن يقيم وإن شاء أن يخرج ولم يؤذن له في الخروج \r\n والثالث أن المعنى فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه رواه عوف عن الحسن وقال ابن زيد وسليمان التيمي المعنى أفظن أن لن نقدر عليه فعلى هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة ولا يتصور إلا مع تقدير الاستفهام ولا أعلم له وجها إلا أن يكون اسفهام إنكار تقديره ما ظن عجزنا فأين يهرب منا \r\n قوله تعالى فنادى في الظلمات فيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل قاله سعيد ابن جبير وقتادة والأكثرون \r\n والثاني أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه فنادى في ظلمة حوت ثم في ظلمة حوت ثم في ظلمة البحر قاله سالم ابن أبي الجعد \r\n والثالث أنها ظلمة الماء وظلمة معى السمكة وظلمة بطنها قاله ابن السائب وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال الحسن وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته ","part":5,"page":383},{"id":2411,"text":" قوله تعالى فاستجبنا له أي أجبناه ونجيناه من الغم أي من الظلمات وكذلك ننجي المؤمنين إذا دعونا وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ نجي المؤمنين بنون واحدة مشددة الجيم قال الزجاج وهذا لحن لا وجه له وقال ابو علي الفارسي غلط الراوي عن عاصم ويدل على هذا اسكانه الياء من نجي ونصب المؤمنين ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء ولرفع المؤمنين \r\n وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون \r\n قوله تعالى لا تذرني فردا أي وحيدا بلا ولد وانت خير الوارثين أي أفضل من بقي حيا بعد ميت \r\n قوله تعالى وأصلحنا له زوجه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما قاله ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة \r\n والثاني أنه كان في لسانها طول وهو البذاء فأصلحت قاله عطاء وقال السدي كانت سليطة فكف عنه لسانها ","part":5,"page":384},{"id":2412,"text":" والثالث أنه كان خلقها سيئا قاله محمد بن كعب \r\n قوله تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات أي يبادرون في طاعة الله وفي المشار اليهم قولان \r\n أحدهما زكريا وامرأته ويحيى والثاني جميع الأنبياء المذكورون في هذه السورة \r\n قوله تعالى ويدعوننا وقرأ ابن مسعود وابن محيصن ويدعونا بنون واحدة \r\n قوله تعالى رغبا ورهبا أي رغبا فيما عندنا ورهبا منا وقرأ الأعمش رغبا ورهبا بضم الراءين وجزم الغين والهاء وهما لغتان مثل النحل والنحل والسقم والسقم وكانوا لنا خاشعين أي متواضعين \r\n قوله تعالى والتي أحصنت فرجها فيه قولان \r\n أحدهما أنه مخرج الولد والمعنى منعته مما لا يحل وإنما وصفت بالعفاف لأنها قذفت بالزنا \r\n والثاني أنه جيب درعها ومعنى الفرج في اللغة كل فرجة بين شيئين وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو يسمى فرجا وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي لنفسها أمنع \r\n قوله تعالى فنفخنا فيها أي أمرنا جبريل فنفخ في درعها فأجرينا فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ واضاف الروح اليه اضافة الملك للتشريف والتخصيص وجعلناها وابنها اية قال الزجاج لما كان شأنهما واحدا كانت ","part":5,"page":385},{"id":2413,"text":" الآية فيهما آية واحدة وهي ولادة من غير فحل وقرأ ابن مسعود وابن ابي عبلة آيتين على التثنية \r\n قوله تعالى إن هذه أمتكم قال ابن عباس المراد بالامة هاهنا الدين وفي المشار اليهم قولان \r\n أحدهما أنهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم وهو معنى قول مقاتل \r\n والثاني أنهم الأنبياء عليهم السلام قاله ابو سليمان الدمشقي ثم ذكر أهل الكتاب فذمهم بالاختلاف فقال تعالى وتقطعوا أمرهم بينهم أي اختلفوا في الدين فمن يعمل من الصالحات أي شيئا من الفرائض وأعمال البر فلا كفران لسعيه أي لا نجحد ما عمل قاله ابن قتيبة والمعنى أنه يقبل منه ويثاب عليه وإنا له كاتبون ذلك نأمر الحفظة أن يكتبوه لنجازيه به \r\n وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فاذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون \r\n قوله تعالى وحرام على قرية قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وحرام بألف وقرأ حمزة والكسائي ","part":5,"page":386},{"id":2414,"text":" وابو بكر عن عاصم وحرم بكسر الحاء من غير ألف وهما لغتان يقال حرم وحرام وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل وأبو عمران الجوني حرم بفتح الحاء وسكون الراء من غير الف والميم مرفوعة منونة وقرأ سعيد بن جبير وحرم بفتح الحاء وسكون الراء وفتح الميم من غير تنوين ولا ألف وقرأ ابو الجوزاء وعكرمة والضحاك وحرم بفتح الحاء والميم وكسر الراء من غير تنوين ولا ألف وقرأ سعيد بن المسيب وأبو مجلز وابو رجاء وحرم بفتح الحاء وضم الراء ونصب الميم من غير ألف \r\n وفي معنى قوله تعالى وحرام قولان \r\n أحدهما واجب قاله ابن عباس وانشدوا في معناه ... فان حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمرو ... \r\n أي واجب \r\n والثاني أنه بمعنى العزم قاله سعيد بن جبير وقال عطاء حتم من الله والمراد بالقرية أهلها \r\n ثم في معنى الآية أربعة أقوال \r\n أحدها واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يتوبون رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع الى دنياها هذا قول قتادة وقد روي عن ابن عباس نحوه ","part":5,"page":387},{"id":2415,"text":" والثالث أن لا زائدة والمعنى حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون الى الدنيا قاله ابن جريج وابن قتيبة في آخرين \r\n والرابع أن الكلام متعلق بما قبله لأنه لما قال فلا كفران لسعيه أعلمنا أنه قد حرم قبول اعمال الكفار فمعنى الآية وحرام على قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يتوبون هذا قول الزجاج \r\n فان قيل كيف يصح أن يحرم على الإنسان ما ليس من فعله ورجوعهم بعد الموت ليس اليهم \r\n فالجواب ان المعنى منعوا من ذلك كما يمنع الانسان من الحرام وإن قدر عليه فكان التشبيه بالتحريم للحالتين من حيث المنع \r\n قوله تعالى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وقرأ ابن عامر فتحت بالتشديد والمعنى فتح الردم عنهم وهم من كل حدب قال ابن قتيبة من كل نشر من الأرض وأكمة ينسلون من النسلان وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر والعسلان مثله وقال الزجاج ","part":5,"page":388},{"id":2416,"text":" الحدب كل أكمه وينسلون يسرعون وقرأ أبو رجاء العطاردي وعاصم الجحدري ينسلون بضم السين \r\n وفي قوله تعالى وهم قولان \r\n أحدهما أنه إشارة الى يأجوج ومأجوج قاله الجمهور \r\n والثاني الى جميع الناس فالمعنى وهم يحشرون الى الموقف قاله مجاهد والأول اصح \r\n فان قيل أين جواب حتى ففيه قولان \r\n أحدهما أنه قوله تعالى واقترب الوعد الحق والواو في قوله تعالى واقترب زائدة قاله الفراء ومثله حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها الزمر 73 وقوله تعالى فلما أسلما للجبين وناديناه الصافات 104 , 103 المعنى نادينا وقال عبد الله بن مسعود الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا \r\n والثاني أنه قول محذوف في قوله يا ويلنا فالمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد قالو يا ويلنا قال الزجاج هذا قول البصريين فاما الوعد الحق فهو القيامة \r\n قوله تعالى فاذا هي في هي أربعة اقوال \r\n أحدها أن هي كناية عن الابصار والابصار تفسير لها كقول الشاعر ... لعمرو أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا فرعني مالك بن أبي كعب ... \r\n فذكر الظعينة وقد كنى عنها في لعمرو أبيها ","part":5,"page":389},{"id":2417,"text":" والثاني أن هي ضمير فصل وعماد ويصح في موضعها هو ومثله قول إنه أنا الله النمل 9 وقوله فانها لا تعمى الأبصار الحج 46 وأنشدوا ... بثوب ودينار وشاه ودرهم ... فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس ... \r\n ذكرهما الفراء \r\n والثالث ان يكون تمام الكلام عند قوله هي على معنى فاذا هي بارزة واقفة يعني من قربها كأنها آتية حاضرة ثم ابتدأ فقال شاخصة ذكره الثعلبي \r\n والرابع أن هي كناية عن القصة والمعنى القصة أن ابصارهم شاخصة في ذلك اليوم ذكره علي بن احمد النيسابوري قال المفسرون تشخص ابصار الكفار من هول يوم القيامة ويقولون يا ويلنا قد كنا أي في الدنيا في غفلة من هذا أي عن هذا بل كنا ظالمين أنفسنا بكفرنا ومعاصينا هم خاطب أهل مكة فقال إنكم وما تعبدون من دون الله يعني الاصنام حصب جهنم وقرأ علي بن ابي طالب وابو العالية وعمر بن عبد العزيز حطب بالطاء وقرأ ابن عباس وعائشة وابن السميفع حضب بالضاد المعجمة المفتوحة وقرأ عروة وعكرمة وابن يعمر وابن أبي عبلة حضب جهنم باسكان الضاد المعجمة وقرأ ابو المتوكل وأبو حيوة ومعاذ القارئ حضب بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة وقرأ ابو مجلز ","part":5,"page":390},{"id":2418,"text":" وأبو رجاء وابن محيصن حصب بفتح الحاء وبصاد غير معجمة ساكنة قال الزجاج من قرأ حصب جهنم فمعناه كل ما يرمى به فيها ومن قرأ حطب فمعناه ما توقد به ومن قرأ بالضاد المعجمة فمعناه ما تهيج به النار وتذكى به قال ابن قتيبة الحصب ما ألقي فيها واصله من الحصباء وهو الحصى يقال حصبت فلانا إذا رميته حصبا بتسكين الصاد وما رميت به فهو حصب بفتح الصاد \r\n قوله تعالى أنتم يعني العابدين والمعبودين لها واردون أي داخلون لو كان هؤلاء يعني الاصنام آلهة على الحقيقة ماوردوها فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اشارة إلى الاصنام والمعنى لو كانوا آلهة ما دخلوا النار \r\n والثاني أنه اشارة الى عابديها فالمعنى لو كانت الأصنام آلهة منعت عابديها دخول النار \r\n والثالث أنه إشارة الى الآلهة وعابديها بدليل قوله تعالى وكل فيها خالدون يعني العابد والمعبود \r\n قوله تعالى لهم فيه زفير قد شرحنا معنى الزفير في هود 106 وفي علة كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوضع في مسامعهم مسامير من نار ثم يقذفون في توابيت من نار مقفلة عليهم رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث طويل وقال ابن مسعود إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار ","part":5,"page":391},{"id":2419,"text":" ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحدهم ان في النار أحدا يعذب غيره \r\n والثاني أن السماع أنس والله لا يحب أن يؤنسهم قاله عون بن عمارة \r\n والثالث إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقهم الملئكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك الا رحمة للعالمين \r\n قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى سبب نزولها أنه لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم شق ذلك على قريش وقالوا شتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال ما لكم قالوا شتم آلهتنا قال وما قال فاخبروه فقال ادعوه لي فلما دعي رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله قال لا بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعري خصمت ورب هذه البنية ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح ","part":5,"page":392},{"id":2420,"text":" فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا فضج أهل مكة فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال الحسين ابن الفضل إنما أراد بقوله وما تعبدون الأصنام دون غيرها لأنه لو أراد الملائكة والناس لقال ومن وقيل إن بمعنى إلا فتقديره إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى وهي قراءة ابن مسعود وأبي نهيك فانهما قرءا الا الذين وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية فقال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن \r\n وفي المراد بالحسنى قولان أحدهما الجنة قاله ابن عباس وعكرمة والثاني السعادة قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى اولئك عنها أي عن جهنم وقد تقدم ذكرها مبعدون و البعد طول المسافة والحسيس الصوت تسمعه من الشيء إذا مر قريبا منك قال ابن عباس لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة \r\n قوله تعالى لا يحزنهم الفزع الأكبر وقرأ ابو رزين وقتادة ","part":5,"page":393},{"id":2421,"text":" وابن أبي عبلة وابن محيصن وأبو جعفر الشيزري عن الكسائي لا يحزنهم بضم الياء وكسر الزاي \r\n وفي الفزع الأكبر أربعة أقوال \r\n أحدها أنه النفخة الآخرة رواه العوفي عن ابن عباس وبهذه النفخة يقوم الناس من قبورهم ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى وتتلقاهم الملائكة \r\n والثاني أنه اطباق النار على أهلها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثالث أنه ذبح الموت بين الجنة والنار وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال ابن جريج \r\n والرابع أنه حين يؤمر بالعبد الى النار قاله الحسن البصري \r\n وفي مكان تلقي الملائكة لهم قولان \r\n أحدهما إذا قامو من قبورهم قاله مقاتل والثاني على أبواب الجنة قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى هذا يومكم فيه اضمار يقولون هذا يومكم الذي كنتم توعدون فيه الجنة \r\n قوله تعالى يوم نطوي السماء وقرأ ابو العالية وابن أبي عبلة وأبو جعفر تطوى بتاء مضمومة السماء بالرفع وذلك بمحو رسومها وتكدير نجومها وتكوير شمسها كطي السجل للكتاب قرأ الجمهور السجل بكسر السين والجيم وتشديد اللام وقرأ الحسن وأبو المتوكل ","part":5,"page":394},{"id":2422,"text":" وابو الجوزاء ومحبوب عن أبي عمرو السجل بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة وقرأ ابو السماك كذلك إلا أنه فتح الجيم \r\n قوله تعالى للكتاب قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر للكتاب وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع \r\n وفي السجل اربعة اقوال \r\n أحدها أنه ملك قاله علي بن أبي طالب وابن عمر والسدي \r\n والثاني أنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم رواه ابو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والثالث أن السجل بمعنى الرجل روى ابو الجوزاء عن ابن عباس قال السجل هو الرجل قال شيخنا أبو منصور اللغوي وقد قيل السجل بلغة الحبشة الرجل \r\n والرابع أنه الصحيفة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والفراء وابن قتيبة وقرأت على شيخنا أبي منصور قال قال ابو بكر يعني ابن دريد السجل الكتاب والله أعلم ولا ألتفت الى قولهم إنه ","part":5,"page":395},{"id":2423,"text":" فارسي معرب والمعنى كما يطوي السجل على ما فيه من كتاب واللام بمعنى على وقال بعض العلماء المراد بالكتاب المكتوب فلما كان المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة جعل السجل كأنه يطوي الكتاب \r\n ثم استأنف فقال تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الخلق هاهنا مصدر وليس بمعنى المخلوق \r\n وفي معنى الكلام اربعة أقوال \r\n أحدها كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة روي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده والى هذا المعنى ذهب مجاهد \r\n والثاني أن المعنى إنا نهلك كل شيء كما كان أول مرة رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال فينبتون بالمطر في قبورهم كما ينبتون في بطون امهاتهم رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والرابع أن المعنى قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء قاله الزجاج ","part":5,"page":396},{"id":2424,"text":" قوله تعالى وعدا قال الزجاج هو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى نعيده بمعنى وعدنا هذا وعدا إنا كنا فاعلين أي قادرين على فعل ما نشاء وقال غيره إنا كنا فاعلين ما وعدنا \r\n قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر فيه اربعة أقوال \r\n أحدها أن الزبور جميع الكتب المنزلة من السماء والذكر أم الكتاب الذي عند الله قاله سعيد بن جبير في رواية ومجاهد وابن زيد وهذا معنى قول ابن عباس في رواية ابن جبير فانه قال الزبور التوارة والإنجيل والقرآن والذكر الذي في السماء \r\n والثاني أن الزبور الكتب والذكر التوراة رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أن الزبور القرآن والذكر التوراة والإنجيل قاله سعيد بن جبير في رواية \r\n والرابع أن الزبور زبور داود والذكر ذكر موسىة قاله الشعبي وفي الارض المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أرض الجنة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الاكثرون والثاني أرض الدنيا وهو منقول عن ابن عباس أيضا والثالث الارض المقدسة قاله ابن السائب \r\n وفي قوله تعالى يرثها عبادي الصالحون ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي رواية ترث أمه محمد أرض الدنيا بالفتوح \r\n والثاني بنو اسرائيل قاله ابن السائب ","part":5,"page":397},{"id":2425,"text":" والثالث أنه عام في كل صالح قاله بعض فقهاء المفسرين \r\n قوله تعالى إن في هذا يعني القرآن لبلاغا أي لكفاية والمعنى أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه الى الجنة \r\n وقوله تعالى لقوم عابدين قال كعب هم امة محمد صلى الله عليه و سلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان \r\n قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قال ابن عباس هذا عام للبر والفاجر فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن كفر به صرفت عنه العقوبة الى الموت والقيامة وقال ابن زيد هو رحمة لمن آمن به خاصة \r\n قل إنما يوحى الي انما الهكم اله واحد فهل أنتم مسلمون فان تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري اقريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع الى حين قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ","part":5,"page":398},{"id":2426,"text":" قوله تعالى فهل انتم مسلمون قال ابن عباس فهل أنتم مخلصون له العبادة قال اهل المعاني هذا استفهام بمعنى الأمر \r\n قوله تعالى فان تولوا أي اعرضوا ولم يؤمنوا فقل آذنتكم على سواء في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك فصرت أنا وأنتم على سواء قد استوينا في العلم بذلك وهذا من الكلام المختصر قاله ابن قتيبة \r\n والثاني أعلمتكم بالوحي الي لتستووا في الإيمان به قال الزجاج \r\n قوله تعالى وإن أدري أي وما أدري اقريب أم بعيد ما توعدون بنزول العذاب بكم إنه يعلم الجهر وهو ما يقولونه للنبي صلى الله عليه و سلم متى هذا الوعد يس 48 وما تكتمون إسرارهم ان العذاب لا يكون \r\n قوله تعالى لعله فتنة لكم في هاء لعله قولان \r\n أحدهما انها ترجع الى ما آذنهم به قاله الزجاج \r\n والثاني الى العذاب فالمعنى لعل تأخير العذاب عنكم فتنة قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي ومعنى الفتنة هاهنا الاختبار ومتاع الى حين أي تستمعون الى انقضاء آجالكم قل رب وروى حفص عن عاصم قال رب احكم قرأ ابو جعفر رب احكم بضم الباء وروى زيد عن يعقوب ربي بفتح الياء أحكم بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع الميم ومعنى احكم بالحق أي بعذاب كفار قومي الذي نزوله حق فحكم عليهم بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام والمعنى على هذا افصل بيني وبين المشركين ","part":5,"page":399},{"id":2427,"text":" بما يظهر به الحق ومعنى على ما تصفون أي من كذبكم وباطلكم وقرا ابن عامر والمفضل عن عاصم يصفون بالياء \r\n فان قيل فهل يجوز على الله أن يحكم بغير الحق \r\n فالجواب أن المعنى احكم بحكمك الحق كأنه استعجل النصر عليهم ","part":5,"page":400},{"id":2428,"text":" سورة الحج \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه الى عذاب السعير \r\n فصل في نزولها \r\n روى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها غير آيتين نزلتا بالمدينة قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف والتي تليها الحج 13 , 12 وي رواية اخرى عن ابن عباس انها مدنية الا أربع آيات نزلت بمكة وهي قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول الى آخر الاربع الحج 57 - 53 وقال عطاء بن يسار نزلت بمكة الا ثلاثة آيات منها نزلت بالمدينة ","part":5,"page":401},{"id":2429,"text":" هذان خصمان واللتان بعدها الحج 22 , 20 وقال ابو سليمان الدمشقي أولها مدني الى قوله تعالى وبشر المحسنين الحج 38 وسائرها مكي وقال الثعلبي هي مكية غير ست آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى هذان خصمان الى قوله تعالى الحميد الحج 25 , 20 وقال هبة الله بن سلامة هي من أعاجيب سور القرآن لأن فيها مكية ومدنيا وحضريا وسفريا وحربيا وسلميا وليليا ونهاريا وناسخا ومنسوخا \r\n فأما المكي فمن رأس الثلاثين منها الى آخرها \r\n واماالمدني فمن رأس خمس وعشرين الى رأس ثلاثين \r\n وأما الليلي فمن أولها الى آخر خمس آيات \r\n وأما النهاري فمن رأس خمس آيات الى رأس تسع \r\n وأما السفري فمن رأس تسع الى اثنتي عشرة \r\n وأما الحضري فالى رأس العشرين منها نسب الى المدينة لقرب مدته \r\n قوله تعالى اتقوا ربكم أي احذروا عقابة إن زلزلة الساعة الزلزلة الحركة على الحالة الهائلة \r\n وفي وقت هذه الزلزلة قولان \r\n أحدهما أنها يوم القيامة بعد النشور روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قرأ إن زلزلة الساعة شيء عظيم وقال تدرون أي يوم ذلك فأنه يوم ينادي الرب عز و جل آدم عليه السلام ابعث بعثا الى النار فذكر الحديث وروى ابو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":5,"page":402},{"id":2430,"text":" يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم قم فابعث بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين الى النار فحينئذ يشيب المولود وتضع كل ذات حمل حملها وقرأ الآية وقال ابن عباس زلزلة الساعة قيامها يعني أنها تقارب قيام الساعة وتكون معها وقال الحسن والسدي هذه الزلزلة تكون يوم القيامة \r\n والثاني أنها تكون في الدنيا قبل القيامة وهي من اشراط الساعة قاله علقمة والشعبي وابن جريج وروى ابو العالية عن ابي بن كعب قال ست آيات قبل القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت ففزع الجن الى الإنس والإنس الى الجن واختلطت الدواب والطير والوحش فماج بعضهم في بعض فقالت الجن للانس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا الى البحور فاذا هي نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض الى الأرض السابعة والسماء الى السماء السابعة فينما هم كذلك إذ جاءتهم ","part":5,"page":403},{"id":2431,"text":" الريح فماتوا وقال مقاتل هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى وذلك أن مناديا ينادي من السماء يا أيها الناس أتى أمر الله فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير وتضع الحوامل \r\n قوله تعالى شيء عظيم أي لا يوصف لعظمه \r\n قوله تعالى يوم ترونها يعني الزلزلة تذهل كل مرضعة عما أرضعت فيه قولان \r\n أحدهما تسلو عن ولدها وتتركه قاله ابن قتيبة \r\n والثاني تشغل عنه قاله قطرب ومنه قول ابن رواحة \r\n ... ويذهل الخليل عن خليله ... \r\n وقرأ ابو عمران الجوني وابن ابي عبلة تذهل برفع التاء وكسر الهاء كل بنصب اللام قال الأخفش وإنما قال مرضعة لأنه أراد والله أعلم الفعل ولو اراد الصفة فيما نرى لقال مرضع قال الحسن تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا تكون حبلى \r\n قوله تعالى وترى الناس سكارى وقرأ عكرمة والضحاك وابن يعمر وترى بضم التاء ومعنى سكارى من شدة الخوف وما هم بسكارى من الشراب والمعنى ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم يضطربون اضطراب السكران من الشراب وقرأ حمزة والكسائي وخلف سكرى وما هم بسكرى وهي قراءة ابن مسعود قال الفراء ","part":5,"page":404},{"id":2432,"text":" وهو وجه جيد لأنه بمنزله الهلكى والجرحى وقرا عكرمة والضحاك وابن السميفع سكارى وما هم بسكارى بفتح السين والراء وإثبات الألف ولكن عذاب الله شديد فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه \r\n قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله قال المفسرون نزلت في النضر بن الحارث وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان كلما نزل شيء من القرآن كذب به قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه زعم أن الملائكة بنات الله قاله مقاتل \r\n والثالث أنه قال لا يقدر الله على إحياء الموتى ذكره ابو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى بغير علم أي إنما يقوله باغواء الشيطان لا بعلم ويتبع ما يسول له كل شيطان مريد وقد ذكرنا معنى المريد في سورة النساء 117 \r\n قوله تعالى كتب عليه أنه من تولاه كتب بمعنى قضي والهاء في عليه وفي تولاه كناية عن الشيطان ومعنى الآية قضي على الشيطان أنه يضل من اتبعه وقرأ ابو عمران الجوني كتب بفتح الكاف أنه بفتح الهمزة فانه بكسر الهمزة وقرأ ابو مجلز وابو العالية وابن ابي ليلى والضحاك وابن يعمر إنه فانه بكسر الهمزة فيهما وقد بينا معنى السعير في سورة النساء 10 \r\n يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة ","part":5,"page":405},{"id":2433,"text":" وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء الى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور \r\n قوله تعالى يا أيها الناس يعني أهل مكة إن كنتم في ريب من البعث أي في شك من القيامة فانا خلقناكم من تراب يعني خلق آدم ثم من نطفة يعني خلق ولده والمعنى إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم فانكم لا تجدون في القدرة فرقا بين الابتداء والاعادة فأما النطفة فهي المني والعلقة دم عبيط جامد وقيل سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به فاذا جفت فليست علقة والمضغة لحمة صغير قال ابن قتيبة وسميت بذلك لأنه بقدر ما يمضغ كما قيل غرفة لقدر ما يغرف \r\n قوله تعالى مخلقة وغير مخلقة فيه خمسة اقوال \r\n أحدها أن المخلقة ما خلق سويا وغير المخلقة ما ألقته الأرحام من النطف وهو دم قبل أن يكون خلقا قاله ابن مسعود \r\n والثاني أن المخلقة ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه وهو الذي يولد ","part":5,"page":406},{"id":2434,"text":" حيا لتمام وغير المخلقة ما سقط غير حي لم يكمل خلقه بنفح الروح فيه هذا معنى قول ابن عباس \r\n والثالث أن المخلقة المصورة وغير المخلقة غير مصورة قاله الحسن \r\n والرابع أن المخلقة وغير المخلقة السقط تارة يسقط نطفة وعلقة وتارة قد صور بعضه وتارة قد صور كله قاله السدي \r\n والخامس أن المخلقة التامة وغير المخلقة السقط قاله الفراء وابن قتيبة \r\n قوله تعالى لنبين لكم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون \r\n والثاني لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم وتنقل احوالكم \r\n والثالث لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم \r\n والرابع لنبين لكم أن البعث حق \r\n وقرأ أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة ليبين لكم بالياء \r\n قوله تعالى ونقر في الأرحام وقرأ ابن مسعود وابو رجاء ويقر بباء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء وقرأ ابو الجوزاء وابو اسحاق السبيعي ويقر بياء مرفوعه وبكسر القاف ونصب الراء والذي يقر في الأرحام هو الذي لا يكون سقطا الى اجل مسمى وهو أجل الولادة هم نخرجكم طفلا ","part":5,"page":407},{"id":2435,"text":" قال ابو عبيدة هو في موضع اطفال والعرب قد تضع لفظ الواحد في معنى الجميع قال الله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم 4 أي ظهراء وأنشد ... فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور ... \r\n وأنشد أيضا ... في حلقكم عظم وقد شجينا ... \r\n وقال غيره إنما قال طفلا فوحد لأن الميم في قوله تعالى نخرجكم قد دلت على الجميع فلم يحتج الى ان يقول اطفالا \r\n قوله تعالى ثم لتبلغوا فيه اضمار تقديره ثم نعمركم لتبلغوا اشدكم وقد سبق معنى الأشد الأنعام 153 ومنكم من يتوفى من قبل بلوغ الأشد ومنكم من يرد الى ارذل العمر وقد شرحناه في النحل 70 ثم إن الله تعالى دلهم على احيائه الموتى باحيائه الأرض فقال تعالى وترى الأرض هامدة قال ابن قتيبة أي ميتة يابسة ومثله همدت النار إذا طفئت فذهبت \r\n قوله تعالى فاذا انزلنا عليها الماء يعني المطر اهتزت أي تحركت للنبات وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر فهو معنى قوله تعالى وربت أي ارتفعت وزادت وقال المبرد أراد اهتز نباتها وربا فحذف المضاف قال الفراء وقرأ ابو جعفر المدني وربأت بهمزة مفتوحة بعد الباء فان كان ذهب الى الربيئة الذي يحرس القوم أي أنه يرتفع والا فهو غلط ","part":5,"page":408},{"id":2436,"text":" قوله تعالى وانبتت من كل زوج بهيج قال ابن قتيبة من كل جنس حسن يبهج أي يسر وهو فعيل في معنى فاعل \r\n قوله تعالى ذلك قال الزجاج المعنى الأمر ذلك كما وصف لكم والأجود أن يكون موضع ذلك رفعا ويجوز أن يكون نصبا على معنى فعل الله ذلك بأنه هو الحق \r\n قوله تعالى وأن الساعة أي ولتعلموا أن الساعة آتية \r\n ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك وان الله ليس بظلام للعبيد \r\n قوله تعالى ومن الناس من يجادل قد سبق بيانه وهذا مما نزل في النضر أيضا والهدى البيان والبرهان \r\n قوله تعالى ثاني عطفه العطف الجانب وعطفا الرجل جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن المشي قال الزجاج ثاني منصوب على الحال ومعناه التنوين معناه ثانيا عطفه وجاء في التفسير أن معناه لاويا عنقه وهذا يوصف به المتكبر والمعنى ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا \r\n قوله تعالى ليضل أي ليصير أمره الى الضلال فكأنه وإن لم يقدر أنه يضل فإن أمره يصير الى ذلك له في الدنيا خزي وهو ما أصابه يوم بدر وذلك أنه قتل وما بعد هذا قد سبق تفسيره يونس 70 الى قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف وفي سبب نزول هذه الآية قولان ","part":5,"page":409},{"id":2437,"text":" أحدهما أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون نحن على دينك فان أصابوا معيشة ونتجت خيلهم وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقالوا هذا دين حق وإن لم يجر الأمر على ذلك قالوا هذا دين سوء فينقلبون عن دينهم فنزلت هذه الآية هذا معنى قول ابن عباس وبه قال الأكثرون \r\n والثاني أن رجلا من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أقلني فقال إن الإسلام لا يقال فقال إن لم اصب في ديني هذا خيرا أذهب بصري ومالي وولدي فقال يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب فنزلت هذه الآية رواه عطية عن ابي سعيد الخدري \r\n ومن الناس من يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمأن به وإن اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعوا من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد ","part":5,"page":410},{"id":2438,"text":" قوله تعالى على حرف قال مجاهد وقتادة على شك قال ابو عبيدة كل شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم وبيان هذا أن القائم على حرف الشيء غير متمكن منه فشبه به الشاك لأنه قلق في دينه على غير ثبات ويوضحه قوله تعالى فان اصابه خير أي رخاء وعافية اطمأن به على عبادة الله وإن اصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال انقلب على وجهه أي رجع عن دينه الى الكفر والمعنى انصرف الى وجهه الذي توجه منه وهو الكفر خسر الدنيا حيث لم يظفر بما أراد منها وخسر الآخرة بارتداده عن الدين وقرأ ابو رزين العقيلي وابو مجلز ومجاهد وطلحة ابن مصرف وابن ابي عبلة وزيد عن يعقوب خاسر الدنيا بألف قبل السين وبنصب الراء والآخرة بخفض التاء يدعو هذا المرتد أي يعبد مالا يضره إن لم يعبده ولا ينفعه إن أطاعة ذلك الذي فعل هو الضلال البعيد عن الحق يدعو لمن ضره قال بعضهم اللام صلة والمعنى يدعو من ضره وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه قال وشرح هذا أن اللام لليمين والتوكيد فحقها أن تكون أول الكلام فقدمت لتجعل في حقها قال السدي ضره في الآخرة بعبادته إياه أقرب من نفعه \r\n فان قيل فهل للنفع من عبادة الصنم وجه ","part":5,"page":411},{"id":2439,"text":" فالجواب أنه لا نفع من قبله اصلا غير أنه جاء على لغة العرب وهم يقولون في الشيء الذي لا يكون هذا بعيد \r\n قوله تعالى لبئس المولى ولبئس العشير قال ابن قتيبة المولى الولي والعشير الصاحب والخليل \r\n ومن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله عل كل شيء شهيد \r\n قوله تعالى من كان يظن ان لن ينصره الله في الدنيا والآخرة قال مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا إنا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والى نحو هذا ذهب ابو حمزة الثمالي والسدي وحكى ابو سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية الى الذين انصرفوا عن الإسلام لأن أرزاقهم ما اتسعت وقد شرحنا القصة في قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف \r\n وفي هاء ينصره قولان \r\n أحدهما أنها ترجع على من والنصر بمعنى الرزق هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء وبه قال مجاهد قال ابو عبيدة وقف علينا سائل ","part":5,"page":412},{"id":2440,"text":" من بني بكر فقال من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله ويقال نصر المطر أرض كذا أي جادها وأحياها قال الراعي ... إذا ادبر الشهر الحرام فودعي ... بلاد تميم وانصري أرض عامر ... \r\n والثاني أنها ترجع الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فالمعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمد رواه التميمي عن ابن عباس وبه قال عطاء وقتادة قال ابن قتيبة وهذه كناية عن غير مذكور وكان قوم من المسلمين لشدة حنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر واخرون من ","part":5,"page":413},{"id":2441,"text":" المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم أمره فقال هذه الآية للفريقين ثم في معنى هذا النصر قولان \r\n أحدهما أنه الغلبة قاله ابو صالح عن ابن عابس والجمهور \r\n والثاني أنه الرزق حكاه أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى فليمدد بسبب الى السماء في المراد بالسماء قولان \r\n أحدهما سقف بيته والمعنى فليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به ثم ليقطع الحبل ليموت مختنقا هذا قول الأكثرين ومعنى الآية ليصور هذا الأمر في نفسه لا انه يفعله لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم \r\n والثاني أنها السماء المعروفة والمعنى فليقطع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إن قدر قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى ثم ليقطع قرأ ابو عمرو وابن عامر ثم ليقطع ثم ليقضوا الحج 29 بكسر اللام زاد ابن عامر وليوفوا الحج 29 وليطوفوا الحج 29 بكسر اللام أيضا وكسر أبن كثير لام ثم ليقضوا فحسب وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون هذه اللامات وكذلك في كل القرآن إذا كان قبلها واو أو فاء أو ثم قال الفراء من سكن فقد خفف وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء فأكثر كلام العرب تسكينها وقد كسرها بعضهم قال ابو علي الأصل الكسر لأنك إذا ابتدأت قلت ليقم زيد \r\n قوله تعال هل يذهبن كيده قال ابن قتيبة المعنى هل تذهبن حيلته غيظه والمعنى ليجهد جهده \r\n قوله تعالى وكذلك أي ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن ","part":5,"page":414},{"id":2442,"text":" أنزلناه يعني القرآن وما بعد هذا ظاهر الى قوله تعالى إن الله يفصل بينهم أي يقضي يوم القيامة بينهم بادخال المؤمنين الجنة والآخرين النار إن الله عل كل شيء من أعمالهم شهيد \r\n ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء \r\n قوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب أي ألم تعلم وقد بينا في سورة النحل 49 معنى السجود في حق من يعقل ومن لا يعقل \r\n قوله تعالى وكثير من الناس يعني الموحدين ا لذين يسجدون لله \r\n وفي قوله تعالى وكثير حق عليه العذاب قولان \r\n أحدهما أنهم الكفار وهم يسجدون وسجودهم سجود ظلهم قاله مقاتل \r\n والثاني أنهم لا يسجدون والمعنى وكثير من الناس أبى السجود فحق عليه العذاب لتركه السجود هذا قول الفراء \r\n قوله تعالى ومن يهن الله أي من يشقه الله فما له من مسعد إن الله يفعل ما يشاء في خلقه من الكرامة والإهانة ","part":5,"page":415},{"id":2443,"text":" هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق \r\n قوله تعالى هذان خصمان اختلفوا فيمن نزلت على اربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر حمزة وعلي وعبيد بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة هذا قول أبي ذر \r\n والثاني أنها نزلت في أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما انزل الله من كتاب وأنتم تعرفون نبينا ثم كفرتم به حسدا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثالث أنها في جميع المؤمنين والكفار والى هذا المعنى ذهب الحسن وعطاء ومجاهد ","part":5,"page":416},{"id":2444,"text":" والرابع أنها نزلت في اختصام الجنة والنار فقالت النار خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة خلقني الله لرحمته قاله عكرمة \r\n فأما قوله تعالى هذان وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة وابن كثير هاذان بتشديد النون خصمان فمعناه جمعان وليسا برجلين ولهذا قال تعالى اختصموا ولم يقل اختصما على أنه قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة اختصما \r\n وفي خصومتهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها في دين ربهم وهذا على القولين الأوليين والثاني في البعث قاله مجاهد والثالث أنه خصام مفاخرة على قول عكرمة \r\n قوله تعالى قطعت لهم ثياب أي سويت وجعلت لباسا قال ابن عباس قمص من نار وقال سعيد بن جبير المراد بالنار هاهنا النحاس فأما الحميم فهو الماء الحار يصهر به قال الفراء يذاب به يقال صهرت الشحم بالنار قال المفسرون يذاب بالماء الحار ما في بطونهم من شحم أو معى حتى يخرج من أدبارهم وتنضج الجلود فتتسقاط من حره ولهم مقامع قال الضحاك هي المطارق وقال الحسن إن النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا فاذا انتهوا الى اسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة قال مقاتل إذا جاشت جهنم ألقتهم في أعلاها فيريدون الخروج فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع فيضربونهم ","part":5,"page":417},{"id":2445,"text":" فيهوي أحدهم من تلك الضربة الى قعرها وقال غيره إذا دفعتهم النار ظنوا أنها ستقذفهم خارجا منها فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد \r\n إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد \r\n قوله تعالى ولؤلؤ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ولؤلو بالخفض وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم ولؤلؤا بالنصب قال أبو علي من خفص فالمعنى يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ ومن نصب قال ويحلون لؤلؤا \r\n قوله تعالى وهدوا أي أرشدوا في الدنيا الى الطيب من القول وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لا إله إلا الله والحمد لله قاله ابن عباس وزاد ابن زيد والله أكبر \r\n والثاني القرآن قاله السدي \r\n والثالث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكاه الماوردي \r\n فأما صراط الحميد فقال ابن عباس هو طريق الإسلام \r\n إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد ","part":5,"page":418},{"id":2446,"text":" الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم \r\n قوله تعالى ويصدون عن سبيل الله أي يمنعون الناس من الدخول في الإسلام قال الزجاج ولفظ يصدون لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي لأن معنى الذين كفروا الذين هم كافرون فكأنه قال إن الكافرين والصادين فأما خبر إن فمحذوف فيكون المعنى إن الذين هذه صفتهم هلكوا \r\n وفي المسجد الحرام قولان \r\n أحدهما جميع الحرم روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال كانوا يرون الحرم كله مسجدا \r\n والثاني نفس المسجد حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى الذي جعلناه للناس هذا وقف التمام \r\n وفي معناه قولان \r\n أحدهما جعلناه للناس كلهم لم نخص به بعضهم دون بعض هذا على أنه جميع الحرم \r\n والثاني جعلناه قبلة لصلاتم ومنسكا لحجتهم وهذا على أنه نفس المسجد وقرأ إبراهيم النخعي وابن أبي عبلة وحفص عن عاصم سواء بالنصب فيتوجه الوقف على سواء وقد وقف بعبض القراء كذلك قال أبو علي الفارسي أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم فصار المعنى الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء فأما العاكف فهو المقيم والبادي الذي يأتيه من غير أهله وهذا من قولهم بدا القوم إذا خرجوا ","part":5,"page":419},{"id":2447,"text":" من الحضر الى الصحراء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو البادي بالياء غير أن ابن كثير وقف بياء وأبو عمرو بغير ياء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والمسيبي عن نافع بغير ياء في الحالتين \r\n ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر غير أنه لا يخرج أحد من بيته هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والى نحو هذا ذهب أبو حنيفة وأحمد ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام هذا على أن المسجد الحرم كله \r\n والثاني أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به هذا قول الحسن ومجاهد ومنهم من أجاز بيع دور مكة واليه يذهب الشافعي وعلى هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرم ويجوز أن يراد نفس المسجد \r\n قوله تعالى ومن يرد فيه بالحاد الإلحاد في اللغة العدول عن القصد والباء زائدة كقوله تعالى تنبت بالدهن المؤمنون 20 وأنشدوا ... بواد يمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان ... المعنى وأسفله ينبت المرخ وقال آخر ... هن الحرائر لاربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور ","part":5,"page":420},{"id":2448,"text":" وقال آخر ... نحن بنوا جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ... \r\n هذا قول جمهور اللغويين قال ابن قتيبة والباء قد تزاد في الكلام كهذه الآية وكقوله تعالى اقرأ باسم ربك العلق 1 وهزي اليك بجذع النخلة مريم 24 بأيكم المفتون القلم 6 تلقون اليهم بالمودة الممتحنة 1 عينا يشرب بها الانسان 6 أي يشربها وقد تزاد من كقوله تعالى ما أريد منهم من رزق الذاريات 57 وتزاد اللام كقوله تعالى الذين هم لربهم يرهبون الاعراف 154 والكاف كقوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى 11 وعن كقوله تعالى يخالفون عن أمره النور 63 وإن كقوله تعالى فانه ملاقيكم الجمعة 8 وإن الخفيفة كقوله تعالى فيما إن مكناكم فيه الاحقاف 26 وما كقوله تعالى عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون 40 والواو كقوله تعالى وتله للجبين وناديناه الصافات 104 , 103 \r\n وفي المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الظلم رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد هو عمل سيئة فعلى هذا تدخل فيه جميع المعاصي وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تحتكروا الطعام بمكة فان احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم ","part":5,"page":421},{"id":2449,"text":" والثاني أنه الشرك رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة \r\n والثالث الشرك والقتل قاله عطاء \r\n والرابع أنه استحلال محظورات الإحرام وهذا المعنى محكي عن عطاء أيضا \r\n والخامس استحلال الحرام تعمدا قاله ابن جريج \r\n فان قيل هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة ولم يفعله \r\n فالجواب من وجهين \r\n أحدهما أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة عوقب هذا مذهب ابن مسعود فانه قال لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ولو أن رجلا هم بقتل مؤمن عند البيت وهو ب عدن أبين أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم وقال الضحاك إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى فتكتب عليه ولم يعملها وقال مجاهد تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وسئل الإمام أحمد هل تكتب السيئة أكثر من واحدة فقال لا إلا بمكة لتعظيم البلد وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها وقد جاور جابر بن عبد الله وكان ابن عمر يقيم بها \r\n والثاني أن معنى ومن يرد من يعمل قال ابو سليمان الدمشقي هذا قول سائر من حفظنا عنه \r\n وإذا بوأنا لإبرهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ","part":5,"page":422},{"id":2450,"text":" معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق \r\n قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم قال ابن عباس جعلنا وقال مقاتل دللناه عليه وقال ثعلب وإنما أدخل اللام على أن بوأنا في معنى جعلنا فيكون بمعنى ردف لكم النمل 72 أي ردفكم وقد شرحنا كيفية بناء البيت في البقرة 129 \r\n قوله تعالى أن لا تشرك بي شيئا المعنى وأوحينا اليه ذلك وطهر بيتي حرك هذه الياء نافع وحفص عن عاصم وقد شرحنا الآية في البقرة 125 \r\n وفي المراد ب القائمين قولان أحدهما القائمون في الصلاة قاله عطاء والجمهور والثاني المقيمون بمكة حكي عن قتادة \r\n قوله تعالى وأذن في الناس بالحج قال المفسرون لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج فقال ابراهيم يا رب وما يبلغ صوتي وقال أذن وعلي البلاغ فعلا على جبل أبي قبيس وقال يا أيها الناس ان ربكم قد بنى بيتا فحجوه فأسمع من في اصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج فأجابوه لبيك اللهم لبيك والأذان بمعنى النداء والإعلام والمأمور بهذا الأذان إبراهيم في قول الجمهور ","part":5,"page":423},{"id":2451,"text":" إلا ماروي عن الحسن أنه قال المأمور به محمد صلى الله عليه و سلم والناس هاهنا اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور إلا ما روى العوفي عن ابن عباس انه قال عنى بالناس أهل القبلة \r\n واعلم أن من أتى البيت الذي دعا اليه ابراهيم فكأنه قد أتى ابراهيم لأنه أجاب نداءه وواحد الرجال هاهنا راجل مثل صاحب وصحاب والمعنى يأتوك مشاة وقد روي ان ابراهيم واسماعيل حجا ماشيين وحج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة الى مكة والنجائب تقاد معه وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا \r\n قوله تعالى وعلى كل ضامر أي ركبانا على ضمر من طول السفر قال الفراء ويأتين فعل للنوق وقال الزجاج يأتين على معنى الإبل وقرأ ابن مسعود وابن ابي عبلة يأتون بالواو \r\n قوله تعالى من كل فج عميق أي طريق بعيد وقد ذكرنا تفسير الفج عند قوله تعالى وجعلنا فيها فجاجا الانبياء 31 \r\n قوله تعالى ليشهدوا أي ليحضروا منافع لهم وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها التجارة قاله ابن عباس والسدي \r\n والثاني منافع الآخرة قاله سعيد بن المسيب والزجاج في أخرين ","part":5,"page":424},{"id":2452,"text":" والثالث منافع الدارين جميعا قاله مجاهد وهو أصح لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع \r\n وفي الأيام المعلومات ستة أقوال \r\n أحدها أنها أيام العشر رواه مجاهد عن ابن عمر وسعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة والشافعي \r\n والثاني تسعة ايام من العشر قاله ابو موسى الأشعري \r\n والثالث يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده رواه نافع عن ابن عمر ومقسم عن ابن عباس \r\n والرابع أنها أيام التشريق رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء الخراساني والنخعي والضحاك \r\n والخامس أنها خمسة ايام أولها يوم التروية رواه ابو صالح عن ابن عباس \r\n والسادس ثلاثة أيام أولها يوم عرفة قاله مالك بن أنس وقيل إنما قال معلومات ليحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها قال الزجاج والذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام قال القاضي أبو يعلى ويحتمل أن يكون الذكر المذكور هاهنا هو الذكر على الهدايا الواجبة كالدم الواجب لأجل التمتع والقران ويحتمل أن يكون الذكر المفعول عند رمي الجمار وتكبير التشريق لأن الآية عامة في ذلك ","part":5,"page":425},{"id":2453,"text":" قوله تعالى فكلوا منها يعني الأنعام التي تنحر وهذا أمر إباحة وكان أهل الجاهلية لا يستحلون أكل ذبائحهم فأعلم الله عز و جل أن ذلك جائز غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به فأما دم التمتع والقران فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه وقال الشافعي لا يجوز وقد روى عطاء عن ابن عباس انه قال من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر فأما البائس فهو ذو البؤس وهو شدة الفقر \r\n قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم فيه اربعة أقوال \r\n أحدها حلق الرأس وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين ورمي الجمار والوقوف بعرفة رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني مناسك الحج رواه عكرمة عن ابن عباس وهو قول ابن عمر \r\n والثالث حلق الرأس قاله مجاهد ","part":5,"page":426},{"id":2454,"text":" والرابع الشعر والظفر قاله عكرمة \r\n والقول الأول أصح لأن التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث وقضاؤه نقضه وإذهابه والحاج مغبر شعث لم يدهن ولم يستحد فاذا قضى نسكه وخرج من احرامه بالحلق والقلم وقص الأظفار ولبس الثياب ونحو ذلك فهذا قضاء تفثه قال الزجاج وأهل اللغة لا يعرفون التفث الا من التفسير وكأنه الخروج من الإحرام الى الإحلال \r\n قوله تعالى وليوفوا نذورهم وروى أبو بكر عن عاصم وليوفوا بتسكين اللام وتشديد الفاء قال ابن عباس هو نحر ما نذروا من البدن وقال غيره ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج فان الإنسان ربما نذر أن يتصدق إن رزقه الله رؤية الكعبة وقد يكون عليه نذور مطلقة فالأفضل أن يؤديها بمكة \r\n قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق هذا هو الطواف الواجب لأنه أمر به بعد الذبح والذبح إنما يكون في يوم النحر فدل على أنه الطواف المفروض \r\n وفي تسمية البيت عتيقا أربعة اقوال \r\n أحدها لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة روى عبد الله بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنما سمى الله البيت العتيق لأن الله اعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط وهذا قول مجاهد وقتادة ","part":5,"page":427},{"id":2455,"text":" والثاني أن معنى العتيق القديم قاله الحسن وابن زيد \r\n والثالث لأنه لم يملك قط قاله مجاهد في رواية وسفيان بن عيينة \r\n والرابع لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان قاله ابن السائب وقد تكلمنا في هذه السورة في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا \r\n ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع الى أجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق \r\n قوله تعالى ذلك أي الأمر ذلك يعني ما ذكر من أعمال الحج ومن يعظم حرمات الله فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله قال الليث الحرمة مالا يحل انتهاكه وقال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه \r\n قوله تعالى فهو يعني التعظيم خير له عند ربه في الآخرة وأحلت لكم الأنعام وقد سبق بيانها المائدة 1 إلا ما يتلى عليكم تحريمه يعني به ما ذكر في المائدة 3 من المخنقة وغيرها وقيل وأحلت لكم الأنعام في حال احرامكم الا ما يتلى عليكم في الصيد فانه حرام \r\n قوله تعالى فاجتنبوا الرجس أي دعوه جانبا قال الزجاج ومن هاهنا لتخليص جنس من أجناس المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن وقد شرحنا معنى الرجس في المائدة 90 ","part":5,"page":428},{"id":2456,"text":" وفي المراد بقول الزور اربعة أقوال \r\n أحدها شهادة الزور قاله ابن مسعود والثاني الكذب قاله مجاهد والثالث الشرك قاله أبو مالك والرابع أنه قول المشركين في الأنعام هذا حلال وهذا حرام قاله الزجاج قال وقوله تعالى حنفاء لله منصوب على الحال وتأويله مسلمين لا ينسبون الى دين غير الإسلام ثم ضرب الله مثلا للمشرك فقال ومن يشرك بالله الى قوله سحيق والسحيق البعيد \r\n واختلفوا في قراءة فتخطفه فقرأ الجمهور فتخطفه بسكون الخاء من غير تشديد الطاء وقرأ نافع بتشديد الطاء وقرأ ابو المتوكل ومعاذ القارىء بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء وقرأ ابو رزين وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء وقرأ الحسن والأعمش بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء وكلهم فتح الطاء \r\n وفي المراد بهذا المثل قولان \r\n أحدهما أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه بالذي يخر من السماء قال قتادة \r\n والثاني أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة بحال الهاوي من السماء حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى ذلك أي الأمر ذلك الذي ذكرناه ومن يعظم شعائر الله قد شرحنا معنى الشعائر في البقرة 158 \r\n وفي المراد بها هاهنا قولان \r\n أحدهما أنها البدن وتعظيمها استحسانها واستسمانها لكم فيها منافع ","part":5,"page":429},{"id":2457,"text":" قبل أن يسميها صاحبها هديا أو يشعرها ويوجبها فاذا فعل ذلك لم يكن له من منافعها شيء روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك وقال عطاء ابن أبي رباح لكم في هذه الهدايا منافع بعد ايجابها وتسميتها هدايا إذا احتجتم الى شيء من ذلك أو اضطررتم الى شرب البانها الى أجل مسمى وهو أن تنحر \r\n والثاني أن الشعائر المناسك ومشاهد مكة والمعنى لكم فيها منافع بالتجارة الى أجل مسمى وهو الخروج من مكة رواه ابو رزين عن ابن عباس وقيل لكم فيها منافع من الأجر والثواب في قضاء المناسك الى اجل مسمى وهو انقضاء ايام الحج \r\n قوله تعالى فانها يعني الأفعال المذكورة من اجتناب الرجس وقول الزور وتعظيم الشعائر وقال الفراء فانه يعني الفعلة من تقوى القلوب وإنما اضاف التقوى الى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب \r\n قوله تعالى ثم محلها أي حيث يحل نحرها الى البيت يعني عند البيت والمراد به الحرم كله لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد هذا على القول الاول وعلى الثاني يكون المعنى ثم محل الناس من احرامهم الى البيت وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك \r\n ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمه الأنعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلوة ومما رزقناهم ينفقون \r\n قوله تعالى ولكل أمة جعلنا منسكا قرأ حمزة والكسائي وبعض ","part":5,"page":430},{"id":2458,"text":" أصحاب ابي عمرو بكسر السين وقرأ الباقون بفتحها فمن فتح أراد المصدر من نسك ينسك ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع ومعنى الآية لكل جماعة مؤمنة من الامم السالفة جعلنا ذبح القرابين ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وإنما خص بهيمة الأنعام لأنها المشروعة في القرب والمراد من الآية أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة \r\n قوله تعالى فآلهكم إله واحد أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه فله أسلموا أي انقادوا واخضعوا وقد ذكرنا معنى الإخبات في هود 23 وكذلك الفاظ الآية التي تلي هذه \r\n والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا والله على ما هداكم وبشر المحسنين \r\n قوله تعالى والبدن وقرأ الحسن وابن يعمر برفع الدال قال الفراء يقال بدن وبدن والتخفيف أجود وأكثر لأن كل جمع كان واحده على فعلة ثم ضم أول جمعه خفف مثل أكمة وأكم وأجمة وأجم وخشبة وخشب وقال الزجاج البدن منصوبة بفعل مضمر يفسره الذي ظهر والمعنى وجعلنا البدن وإن شئت رفعتها على الاستئناف والنصب أحسن ويقال بدن وبدن وبدنة مثل قولك ثمر وثمر وثمرة وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي تسمن ","part":5,"page":431},{"id":2459,"text":" وللمفسرين في البدن قولان \r\n أحدهما أنها الإبل والبقر قاله عطاء \r\n والثاني الإبل خاصة حكاه الزجاج وقال الأول قول أكثر فقهاء الأمصار قال القاضي أبو يعلى البدنة اسم يختص الإبل في اللغة والبقرة تقوم مقامها في الحكم لأن النبي صلى الله عليه و سلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة \r\n قوله تعالى جعلناها لكم من شعائر الله أي جعلنا لكم فيها عبادة لله من سوقها الى البيت وتقليدها وإشعارها ونحرها والإطعام منها لكم فيها خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة فاذكروا اسم الله عليها أي على نحرها صواف وقرأ ابن مسعود وابن عباس وقتادة صوافن بالنون وقرأ الحسن وابو مجلز وابو العالية والضحاك وابن يعمر صوافي بالياء قال الزجاج صواف منصوبة على الحال ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف أي قد صفت قوائمها والمعنى اذكروا اسم الله عليها في حال نحرها والبعير ينحر قائما وهذا الآية تدل على ذلك ومن قرأ صوافن فالصافن التي تقوم على ثلاث والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فهو الصافن والجميع صوافن هذا ومن قرأ صوافي بالياء وبالفتح بغير تنوين فتفسيره خوالص أي خالصه لله لا تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا فاذا وجبت جنوبها أي إذا سقطت الى الأرض يقال وجب الحائط وجبة ","part":5,"page":432},{"id":2460,"text":" إذا سقط ووجب القلب وجيبا إذا تحرك من فزع واعلم أن نحرها قياما سنة والمراد بوقوعها على جنوبها موتها والأمر بالأكل منها أمر إباحة وهذا في الأضاحي \r\n قوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر وقرأ الحسن والمعتر بكسر الراء خفيفة وفيهما ستة أقوال \r\n أحدها أن القانع الذي يسأل والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير واختاره الفراء \r\n والثاني أن القانع المتعفف والمعتز السائل رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة والنخعي وعن الحسن كالقولين \r\n والثالث ان القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته والمعتر الذي يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد القانع جارك الذي يقنع بما أعطيته والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل وهذا مذهب القرظي فعلى هذا يكون معنى القانع أن يقنع بما أعطي ومن قال هو المتعفف قال هو القانع بما عنده \r\n والرابع القانع أهل مكة والمعتر الذي يعتر بهم من غير أهل مكة رواه خصيف عن مجاهد \r\n والخامس القانع الجار وإن كان غنيا والمعتر الذي يعتر بك رواه ليث عن مجاهد \r\n والسادس القانع المسكين السائل والمعتر الصديق الزائر قاله زيد ابن اسلم قال ابن قتيبة يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل وقنع يقنع ","part":5,"page":433},{"id":2461,"text":" قناعة إذا رضي ويقال في المعتر اعترني واعتراني وعراني وقال الزجاج مذهب أهل اللغة أن القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل فهو قانع قال الشماخ ... لما المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع ... \r\n أي من السؤال ويقال قنع قناعة إذا رضي فهو قنع والمعتر والمعتري واحد \r\n قوله تعالى كذلك أي مثل ما وصفنا من نحرها قائمة سخرناها لكم نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون لعلكم تشكرون أي لكي تشكروا \r\n قوله تعالى لن ينال الله لحومها وقرأ عاصم الجحدري وابن يعمر وابن أبي عبلة ويعقوب لن تنال الله لحومها بالتاء ولكن تناله التقوى بالتاء أيضا \r\n سبب نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها نحو الكعبة فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية قاله ابو صالح عن ابن عباس قال المفسرون ومعنى الآية لن ترفع الى الله لحومها ولا دماؤها وإنما يرفع اليه التقوى وهو ما اريد به وجهه منكم فمن قرأ تناله التقوى بالتاء فانه أنث للفظ التقوى ومن قرأ يناله بالياء فلأن التقوى والتقى واحد والإشارة بهذه الآية الى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم تكن صادرة عن تقوى الله وإنما يتقبل ما يتقونه به وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة ","part":5,"page":434},{"id":2462,"text":" قوله تعالى كذلك سخرها قد سبق تفسيره الحج 37 لتكبروا الله على ما هداكم أي على ما بين لكم وأرشدكم الى معالم دينه ومناسك حجه وذلك أن يقول الله أكبر على ما هدانا وبشر المحسنين قال ابن عباس يعني الموحدين \r\n إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله للناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور \r\n قوله تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا قرأ ابن كثير وأبو عمرو يدفع ولولا دفع الله بغير ألف وهذا على مصدر دفع وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي إن الله يدافع بألف ولولا دفع بغير الف وهذا على مصدر دافع والمعنى يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم قال الزجاج والمعنى إذا فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم فإن الله يدفع عن حزبه وال خوان فعال من الخيانة والمعنى أن من ذكر غير اسم الله وتقرب الى الأصنام بذبيحته فهو خوان \r\n قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا قرأ ابن كثير وابن عامر ","part":5,"page":435},{"id":2463,"text":" وحمزة والكسائي أذن بفتح الألف وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر وحفص عن عاصم أذن بضمها \r\n قوله تعالى للذين يقاتلون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر التاء وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتحها قال ابن عباس كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله هذه الآية وهي أول آية أنزلت في القتال وقال مجاهد هم ناس خرجوا من مكة مهاجرين فأدركهم كفار قريش فأذن لهم في قتالهم قال الزجاج معنى الآية أذن للذين يقاتلون أن يقاتلوا بأنهم ظلموا أي بسبب ما ظلموا ثم وعدهم النصر بقوله وإن الله على نصرهم لقدير ولا يجوز أن تقرأ بفتح إن هذه من غير خلاف بين اهل اللغة لأن إن إذا كانت معها اللام لم تفتح أبدا وقوله إلا أن يقولوا ربنا الله معناه أخرجوا لتوحيدهم \r\n قوله تعالى ولو لا دفع الله الناس قد فسرناه في البقرة 251 \r\n قوله تعالى لهدمت قرأ ابن كثير ونافع لهدمت خفيفة والباقون بتشديد الدال \r\n فأما الصوامع ففيها قولان \r\n أحدهما أنها صوامع الرهبان قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن زيد \r\n والثاني أنها صوامع الصابئين قاله قتادة وابن قتيبة \r\n فأما البيع فهي جمع بيعة وهي بيع النصارى ","part":5,"page":436},{"id":2464,"text":" وفي المراد بالصلوات قولان \r\n أحدهما مواضع الصلوات ثم فيها قولان أحدهما أنها كنائس اليهود قاله قتادة والضحاك وقرأ على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قوله وصلوات هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوثا والثاني أنها مساجد الصابئين قاله ابو العالية \r\n والقول الثاني أنها الصلوات حقيقة والمعنى لولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين لانقطعت الصلوات في المساجد قاله ابن زيد \r\n فأما المساجد فقال ابن عباس هي مساجد المسلمين وقال الزجاج معنى الآية لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن محمد المساجد \r\n وفي قوله يذكر فيها اسم الله قولان \r\n أحدهما أن الكناية ترجع الى جميع الأماكن المذكورات قاله الضحاك \r\n والثاني الى المساجد خاصة لأن جميع المواضع المذكورة الغالب فيها الشرك قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى ولينصرن الله من ينصره أي من ينصر دينه وشرعه \r\n قوله تعالى الذين إن مكناهم في الأرض قال الزجاج هذه صفة ناصريه قال المفسرون التمكين في الأرض نصرتهم على عدوهم والمعروف لا إله إلا الله والمنكر الشرك قال الأكثرون وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال القرظي هم الولاة \r\n قوله تعالى ولله عاقبة الأمور أي إليه مرجعها لأن كل ملك يبطل سوى ملكه ","part":5,"page":437},{"id":2465,"text":" وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابرهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد \r\n قوله تعالى ثم أخذتهم أي بالعذاب فكيف كان نكير أثبت الياء في نكير يعقوب في الحالين ووافقه ورش في إثباتها في الوصل والمعنى كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك والمعنى أني أنكرت عليهم أبلغ إنكار وهذا استفهام معناه التقرير \r\n قوله تعالى أهلكتها قرأ ابو عمرو أهلكتها بالتاء والباقون أهلكناها بالنون \r\n قوله تعالى وبئر معطلة قرأ ابن كثير وعاصم وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وبئر مهموز وروى ورش عن نافع بغير همز والمعنى وكم بئر معطلة أي متروكة وقصر مشيد فيه قولان \r\n أحدهما مجصص قاله ابن عباس وعكرمة قال الزجاج أصل الشيد الجص والنورة وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد \r\n والثاني طويل قاله الضحاك ومقاتل وفي الكلام إضمار تقديره وقصر مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن \r\n أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ويستعجلونك بالعذاب ولن ","part":5,"page":438},{"id":2466,"text":" يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير \r\n قوله تعالى افلم يسيروا قال المفسرون أفلم يسر قومك في أرض اليمن والشام فتكون لهم قلوب يعقلون بها إذا نظروا آثار من هلك أو آذان يسمعون بها أخبار الأمم المكذبة فانها لا تعمى الأبصار قال الفراء الهاء في قوله فانها عماد والمعنى أن أبصارهم لم تعم وإنما عميت قلوبهم وأما قوله التي في الصدور فهو توكيد لأن القلب لا يكون إلا في الصدر ومثله تلك عشرة كاملة البقرة 196 يطير بجناحيه الأنعام 38 يقولون بأفواههم آل عمران 167 \r\n قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب قال مقاتل نزلت في النضر بن الحارث القرشي وقال غيره هو قولهم له متى هذا الوعد الملك 25 ونحوه من استعجالهم ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم في الدنيا فأنزله بهم يوم بدر وإن يوما عند ربك أي من ايام الآخرة كألف سنة مم تعدون من أيام الدنيا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر تعدون بالتاء وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعدون بالياء \r\n فان قيل كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب الى قوله وإن يوما عند ربك فعنه جوابان \r\n أحدهما أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا فقيل لهم لن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا وإن يوما من ايام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فكيف تستعجلون بالعذاب فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة هذا قول الفراء ","part":5,"page":439},{"id":2467,"text":" والثاني وإن يوما عند الله والف سنة سواء في قدرته على عذابهم فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة إلا أن الله تفضل عليهم بالإمهال هذا قول الزجاج \r\n قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم \r\n قوله تعالى ورزق كريم يعني به الرزق الحسن في الجنة \r\n قوله تعالى والذين سعوا في آياتنا أي عملوا في أبطالها معاجزين قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي معجزين بغير ألف وقرأ ابن كثير وأبو عمرو معاجزين بألف قال الزجاج معاجزين أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ولا نار قال وقيل في التفسير معاجزين معاندين وليس هو بخارج عن القول الأول ومعجزين تأويلها أنهم كانوا يعجزون من اتبع النبي صلى الله عليه و سلم ويثبطونهم عنه \r\n وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا اذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ","part":5,"page":440},{"id":2468,"text":" قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول الآية قال المفسرون سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما نزلت عليه سورة النجم قرأها حتى بلغ قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى النجم 20 , 19 فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فلما سمعت قريش بذلك فرحوا فأتاه جبريل فقال ماذا صنعت تلوت على الناس مالم آتك به عن الله فحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم حزنا شديدا فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه وإعلاما له أن الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا قال العلماء المحققون وهذا لا يصح لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم معصوم عن مثل هذا ولو صح كان المعنى أن بعض شياطين الإنس قال تلك الكلمات فانهم كانوا إذا تلا لغطوا كما قال الله عز و جل وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فصلت 26 قال وفي معنى تمنى قولان \r\n أحدهما تلا قاله الاكثرون وانشدوا ","part":5,"page":441},{"id":2469,"text":" تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر ... \r\n وقال آخر ... تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني دواد الزبور على رسل ","part":5,"page":442},{"id":2470,"text":" والثاني أنه من الأمنية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تمنى يوما أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومه فألقى الشيطان على لسانه كان قد تمناه قاله محمد بن كعب القرظي \r\n قوله تعالى فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يبطله ويذهبه ثم يحكم الله آياته قال مقاتل يحكمها من الباطل \r\n قوله تعالى ليجعل اللام متعلقة بقوله ألقى الشيطان والفتنة هاهنا بمعنى البلية والمحنة والمرض الشك والنفاق والقاسية قلوبهم يعني الجافية عن الإيمان ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم والشقاق غاية العدواة \r\n قوله تعالى وليعلم الذين أوتوا العلم وهو التوحيد والقرآن وهم المؤمنون وقال السدي التصديق بنسخ الله \r\n قوله تعالى أنه الحق إشارة الى نسخ ما يلقي الشيطان فالمعنى ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله فيؤمنوا بالنسخ فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتذل ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته ","part":5,"page":443},{"id":2471,"text":" قوله تعالى في مرية منه أي في شك \r\n وفي هاء منه أربعة اقوال \r\n أحدها أنها ترجع الى قوله تلك الغرانيق العلى والثاني أنها ترجع الى سجوده في سورة النجم والقولان عن سعيد بن جبير فيكون المعنى إنهم يقولون ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها والثالث أنها ترجع الى القرآن قاله ابن جريج والرابع أنها ترجع الى الدين حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى حتى تأتيهم الساعة وفيها قولان \r\n أحدهما القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين قاله الحسن \r\n والثاني ساعة موتهم ذكره الواحدي \r\n قوله تعالى أو يأتيهم عذاب يوم عقيم فيه قولان \r\n أحدهم أنه يوم بدر روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي \r\n والثاني أنه يوم القيامة قاله عكرمة والضحاك وأصل العقم في الولادة يقال امرأة عقيم لا تلد ورجل عقيم لا يولد له وانشدوأ ... عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم ","part":5,"page":444},{"id":2472,"text":" وسميت الريح العقيم بهذا الاسم لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر فقيل لهذا اليوم عقيم لأنه لم يأت بخير \r\n فعلى قول من قال هو يوم بدر في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير قاله الضحاك \r\n والثاني لأنهم لم ينظروا فيه الى الليل بل قتلوا قبل المساء قاله ابن جريج \r\n والثالث لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه قاله يحيى ابن سلام \r\n وعلى قول من قال هو يوم القيامة في تسميته بذلك قولان \r\n أحدهم لأنه لا ليلة له قاله عكرمة \r\n والثاني لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج ذكره بعض المفسرين \r\n الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم \r\n قوله تعالى الملك يومئذ أي يوم القيامة لله من غير منازع ولا مدع يحكم بينهم أي بين المسلمين والمشركين وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما بعدها ثم ذكر فضل المهاجرين فقال والذين هاجروا في سبيل الله أي من مكة الى المدينة \r\n وفي الرزق الحسن قولان ","part":5,"page":445},{"id":2473,"text":" أحدهما أنه الحلال قاله ابن عباس والثاني رزق الجنة قاله السدي \r\n قوله تعالى ثم قتلوا أو ماتوا وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد \r\n قوله تعالى ليدخلنهم مدخلا وقرأ نافع بفتح الميم يرضونه يعني الجنة والمدخل يجوز أن يكون مصدرا فيكون المعنى ليدخلنهم إدخالا يكرمون به فيرضونه ويجوز أن يكون بمعنى المكان ومدخلا بفتح الميم على تقدير فيدخلون مدخلا وإن الله لعليم بنياتهم حليم عنهم \r\n ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير \r\n قوله تعالى ذلك قال الزجاج المعنى الأمر ذلك أي الأمر ما قصصنا عليكم ومن عاقب بمثل ما عوقب به والعقوبة الجزاء والأول ليس بعقوبة ولكنه سمي عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى 40 لما كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سميت سيئة ومثله الله يستهزئ بهم البقرة 15 قاله الحسن ومعنى الآية من قاتل المشركين كما قاتلوه ثم بغي عليه أي ظلم بإخراجه عن منزله وزعم مقاتل أن سبب نزول هذه الآية أن مشركي مكة لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرم فقاتلوهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا إلا القتال فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين ","part":5,"page":446},{"id":2474,"text":" ووقع في نفوس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية وقال إن الله لعفو عنهم غفور لقتالهم في الشهر الحرام \r\n قوله تعالى ذلك أي ذلك النصر بأن الله القادر على ما يشاء فمن قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع لدعاء المؤمنين بصير بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأن الله هو الحق أي هو الإله الحق وان ما يدعون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم يدعون بالياء وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم بالتاء والمعنى وأن ما يعبدون من دونه هو الباطل \r\n ألم تر أن الله انزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد \r\n قوله تعالى ألم تر أن الله انزل من السماء ماء يعني المطر فتصبح الأرض مخضرة بالنبات وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال معنى الكلام التنبيه كأنه قال اتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا وقال ثعلب معنى الآية عند الفراء خبر كأنه قال أعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح ولو كان استفهاما والفاء شرطا لنصبه \r\n قوله تعالى إن الله لطيف أي باستخراج النبات من الأرض رزقا لعباده خبير بما في قلوبهم عند تأخير المطر وقد سبق معنى الغني الحميد في البقرة 267 ","part":5,"page":447},{"id":2475,"text":" ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور \r\n قوله تعالى ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض يريد البهائم التي تركب ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه قال الزجاج كراهة أن تقع وقال غيره لئلا تقع إن الله بالناس لرؤوف رحيم فيما سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم وهو الذي أحياكم بعد أن كنتم نظفا ميتة ثم يميتكم عند آجالكم ثم يحييكم للبعث والحساب إن الإنسان يعني المشرك لكفور لنعم الله إذ لم يوحده \r\n لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع الى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير \r\n قوله تعالى لكل أمة جعلنا منسكا قد سبق بيانه في هذه السورة الحج 34 فلا ينازعنك في الأمر أي في الذبائح وذلك ان ","part":5,"page":448},{"id":2476,"text":" كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمر الذبيحة فقالوا كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة \r\n فان قيل إذا كانوا هم المنازعين له فكيف قيل فلا ينازعنك في الأمر \r\n فقد أجاب عنه الزجاج فقال المراد النهي له عن منازعتهم فالمعنى لا تنازعنهم كما تقول للرجل لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون الا من اثنين لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم الا باثنين فاذا قلت لا يجادلنك فلان فهو بمنزلة لا تجادلنه ولا يجوز هذا في قولك لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربنه ولكن لو قلت لا يضاربنك فلان لكان كقولك لا تضاربن ويدل على هذا الجواب قوله وإن جادلوك \r\n قوله تعالى وادع الى ربك أي الى دينه والإيمان به وجادلوك بمعنى خاصموك في أمر الذبائح فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به الله يحكم بينكم يوم القيامة أي يقضي بينكم فيما كنتم ","part":5,"page":449},{"id":2477,"text":" فيه تختلفون من الدين أي تذهبون الى خلاف ما ذهب اليه المؤمنون وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت ولا يجيبوه ولا يناظروه \r\n فصل \r\n قال أكثر المفسرين هذا نزل قبل الأمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف وقال بعضهم هذا نزل في حق المنافقين كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدل على شركهم ثم يجادلون على ذلك فوكل أمرهم الى الله تعالى فالآية على هذا محكمة \r\n قوله تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض هذا استفهام يراد به التقرير والمعنى قد علمت ذلك إن ذلك يعني ما يجري في السموات والأرض في كتاب يعني اللوح المحفوظ إن ذلك أي علم الله بجميع ذلك على الله يسير سهل لا يتعذر عليه العلم به \r\n ويعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ذلك النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ","part":5,"page":450},{"id":2478,"text":" قوله تعالى ويعبدون يعني كفار مكة ما لم ينزل به سلطانا أي حجة وما ليس لهم به علم أنه إلة وما للظالمين يعني المشركين من نصير أي مانع من العذاب وإذا تتلى عليهم آياتنا يعني القرآن والمنكر هاهنا بمعنى الإنكار فالمعنى أثر الإنكار من الكراهة وتعبيس الوجوه معروف عندهم يكادون يسطون أي يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ يقال سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالعنف والشدة قل لهم يا محمد افأنبئكم بشر من ذلكم أي بأشد عليكم وأكره اليكم من سماع القرآن ثم ذكر ذلك فقال النار أي هو النار \r\n يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز \r\n قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل قال الأخفش إن قيل أين المثل \r\n فالجواب أنه ليس هاهنا مثل وإنما المعنى يا أيها الناس ضرب لي مثل أي شبهت بي الأوثان فاستمعوا لهذا المثل وتأويل الآية جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ثم بين ذلك بقوله إن الذين تدعون أي تعبدون من دون الله وقرأ ابن عباس وابو رزين وابن أبي عبلة يدعون بالياء المفتوحة وقر ابن السميفع وأبو رجاء وعاصم الجحدري يدعون بضم الياء وفتح العين يعني الأصنام لن يخلقوا ذبابا والذباب واحد والجمع القليل أذبة والكثير الذبان مثل ","part":5,"page":451},{"id":2479,"text":" غراب وأغربة وغربان وقيل إنما خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته ولو اجتمعوا يعني الأصنام له أي لخلقه وإن يسلبهم يعني الاصنام قال ابن عباس كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف فيأتي الذباب فيختلسه وقال ابن جريج كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشيء من الحلواء كالعسل ونحوه فيقع عليه الذباب فيسلبها إياه فلا تستطيع الآلهه ولا من عبدها أن يمنعه ذلك وقال السدي كانوا يجعلون للآلهة طعاما فيقع الذباب عليه فيأكل منه قال ثعلب وإنما قال لا يستنقذوه منه فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب كقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم النمل 18 لما خاطبهم جعلهم كالآدميين ومثله رأيتم لي ساجدين يوسف 40 وقد بينا هذا المعنى في الأعراف 191 عند قوله تعالى وهم يخلقون \r\n قوله تعالى ضعف الطالب والمطلوب فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الطالب الصنم والمطلوب الذباب رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه سلب ما عليه روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث الطالب عباد الصنم يطلب التقرب بعبادته والمطلوب الصنم هذا معنى قول الضحاك والسدي ","part":5,"page":452},{"id":2480,"text":" قوله تعالى ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته إذ جعلوا هذه الأصنام شركاء له إن الله لقوي لا يقهر عزيز لا يرام \r\n الله يصطفي من الملئكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الامور \r\n قوله تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا كجبريل وميكئايل وإسرافيل وملك الموت ومن الناس الانبياء المرسلين إن الله سميع لمقالة العباد بصير بمن يتخذه رسولا وزعم مقاتل ان هذه الآية نزلت حين قالوا أأنزل عليه الذكر من بيننا ص8 \r\n قوله تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم الإشارة الى الذين أصطفاهم وقد بينا معنى ذلك في آية الكرسي البقرة 255 \r\n يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سمكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير ","part":5,"page":453},{"id":2481,"text":" قوله تعالى اركعوا واسجدوا قال المفسرون المراد صلوا لأن الصلاة لا تكون الا بالركوع والسجود واعبدوا ربكم أي وحدوه وافعلوا الخير يريد أبواب المعروف لعلكم تفلحون أي لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة \r\n فصل \r\n لم يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من الحج واختلفوا في هذه السجدة الأخيرة فروي عن عمر وابن عمر وعمار وابي الدرداء وابي موسى وابن عباس أنهم قالوا في الحج سجدتان وقالوا فضلت هذه السورة على غيرها بسجدتين وبهذا قال أصحابنا وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وروي عن ابن عباس انه قال في الحج سجدة وبهذا قال الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابراهيم وجابر بن زيد وابو حنيفة وأصحابه ومالك ويدل على الأول ما روى عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أفي الحج سجدتان قال نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما ","part":5,"page":454},{"id":2482,"text":" فصل \r\n واختلف العلماء في عدد سجود القرآن فروي عن أحمد روايتان إحداهما أنها اربع عشرة سجدة وبه قال الشافعي والثانية أنها خمس عشرة فزاد سجدة ص 24 وقال ابو حنيفة هي أربع عشرة فأخرج التي في آخر الحج وأبدل منها سجعة ص 24 \r\n فصل \r\n وسجود التلاوة سنة وقال ابو حنيفة واجب ولا يصح سجود التلاوة إلا بتكبيرة الإحرام والسلام خلافا لأصحاب ابي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي ولا يجزىء الركوع عن سجود التلاوة وقال ابو حنيفة يجزىء ولا يسجد المستمع إذا لم يسجد التالي نص عليه أحمد رضي الله عنه وتكره قراءة السجدة في صلاة الإخفات خلافا للشافعي \r\n قوله تعالى وجاهدوا في الله في هذا الجهاد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه فعل جميع الطاعات هذا قول الأكثرين والثاني أنه جهاد الكفار قاله الضحاك والثالث أنه جهاد النفس والهوى قاله عبد الله بن المبارك \r\n فأما حق الجهاد ففيه ثلاثة أقوال ","part":5,"page":455},{"id":2483,"text":" أحدها أنه الجد في المجاهدة واستيفاء الإمكان فيها والثاني أنه اخلاص النية لله عز و جل والثالث أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز و جل \r\n فصل \r\n وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة واختلفوا في ناسخها على قولين \r\n أحدهما قوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها البقرة 286 \r\n والثاني قوله فاتقوا الله ما استطعتم التغابن 16 وقال اخرون بل هي محكمة ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق الجهاد وهو الأصح لأن الله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها \r\n قوله تعالى هو اجتباكم أي اختاركم واصطفاكم لدينه والحرج الضيق فما من شيء وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفارة أو انتقال الى رخصة ونحو ذلك وروي عن ابن عباس انه قال الحرج ما كان على بني اسرائيل من الإصر والشدائد وضعه الله عن هذه الأمة \r\n قوله تعالى ملة ابيكم قال الفراء المعنى وسع عليكم كملة أبيكم فاذا ألقيت الكاف نصبت ويجوز النصب على معنى الأمر بها لأن أول الكلام أمر وهو قوله اركعوا واسجدوا والزموا ملة ابيكم \r\n فان قيل هذا الخطاب للمسلمين وليس ابراهيم أبا لكلهم \r\n فالجواب أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين فهو كالأب لهم لأن حرمته وحقه عليهم كحق الولد وإن كان خطابا للعرب خاصة فابراهيم أبو العرب قاطبة هذا قول المفسرين والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم لأن ابراهيم أبوه وأمة رسول الله صلى الله عليه و سلم داخلة فيما خوطب به رسول الله ","part":5,"page":456},{"id":2484,"text":" قوله تعالى هو سماكم المسلمين في المشار اليه قولان \r\n أحدهما أنه الله عز و جل قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور فعلى هذا في قوله من قبل قولان أحدهما من قبل إنزال القرآن سماكم بهذا في الكتب التي أنزلها والثاني من قبل أي في أم الكتاب وقوله وفي هذا أي في القرآن \r\n والثاني أنه ابراهيم عليه السلام حين قال ومن ذريتنا أمة مسلمة لك البقرة 128 فالمعنى من قبل هذا الوقت وذلك في زمان ابراهيم عليه السلام وفي هذا الوقت حين قال ومن ذريتنا أمة مسلمة هذا قول ابن زيد \r\n قوله تعالى ليكون الرسول المعنى اجتباكم وسماكم ليكون الرسول يعني محمدا صلى الله عليه و سلم شهيدا عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم وقد شرحناه هذا المعنى في البقرة 143 الى قوله وآتوا الزكاة \r\n قوله تعالى واعتصموا بالله قال ابن عباس سلوه أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره وقال الحسن تمسكوا بدين الله وما بعد هذا مشروح في الأنفال 40 ","part":5,"page":457},{"id":2485,"text":" سورة المؤمنون \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكوة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون \r\n سورة المؤمنين مكية في قول الجميع \r\n روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه وروى أبو سعيد الخدري ","part":5,"page":458},{"id":2486,"text":" عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال إن الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيده فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال لها طوبى لك منزل الملوك قال الفراء قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه الا تراهم يقولون قد قامت الصلاة قبل حال قيامها فيكون معنى الآية إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال وقرأ ابي بن كعب وعكرمة وعاصم الجحدري وطلحة بن مصرف قد أفلح بضم الألف وكسر اللام وفتح الحاء على ما لم يسم فاعله قال الزجاج ومعنى الآية قد نال المؤمنون البقاء الدائم في الخير ومن قرأ قد أفلح بضم الألف كان معناه قد أصيروا الى الفلاح وأصل الخشوع في اللغة الخضوع والتواضع \r\n وفي المراد بالخشوع في الصلاة اربعة اقوال \r\n أحدها أنه النظر الى موضع السجود روى أبو هريرة قال كان رسول الله ","part":5,"page":459},{"id":2487,"text":" صلى الله عليه و سلم إذا صلى رفع بصره الى السماء فنزلت الذين هم في صلاتم خاشعون فنكس رأسه والى هذا المعنى ذهب مسلم بن يسار وقتادة \r\n والثاني أنه ترك الالتفات في الصلاة وأن تلين كنفك للرجل المسلم قاله علي بن ابي طالب رضي الله عنه \r\n والثالث أنه السكون في الصلاة قاله مجاهد وابراهيم والزهري \r\n والرابع أنه الخوف قاله الحسن \r\n وفي المراد باللغو هاهنا خمسة اقوال \r\n أحدها الشرك رواه ابو صالح عن ابن عباس والثاني الباطل رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث المعاصي قاله الحسن والرابع الكذب قاله السدي والخامس الشتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفار قاله مقاتل قال الزجاج واللغو كل لعب ولهو وكل معصية فهي مطرحة ملغاة فالمعنى شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن اللغو \r\n قوله تعالى للزكاة فاعلون أي مؤدون فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل \r\n قوله تعالى إلا على أزواجهم قال الفراء على بمعنى من وقال الزجاج المعنى أنهم يلامون في اطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم لا يلامون ","part":5,"page":460},{"id":2488,"text":" قوله تعالى فمن ابتغى أي طلب وراء ذلك أي سوى الأزواج والمملوكات فأولئك هم العادون يعني الجائرين الظالمين لأنهم قد تجاوزوا الى مالا يحل والذين هم لأماناتهم قرأ أبن كثير لأمانتهم وهو اسم جنس والمعنى للأمانات التي ائتمنوا عليها فتارة تكون الأمانة بين العبد وبين ربه وتارة تكون بينه وبين جنسه فعليه مراعاة الكل وكذلك العهد ومعنى راعون حافظون قال الزجاج وأصل الرعي في اللغة القيام على اصلاح ما يتولاه الراعي من كل شيء \r\n قوله تعالى على صلواتهم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر صلواتهم على الجمع وقرأ حمزة والكسائي صلاتهم على التوحيد وهو اسم جنس والمحافظة على الصلوات أداؤها في أوقاتها \r\n قوله تعالى اولئك هم الوارثون ذكر السدي عن أشياخه ان الله تعالى يرفع للكفار الجنة فينظرون الى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا ثم تقسم بين المؤمنين فيرثونهم فذلك قوله أولئك هم الوارثون وقد شرحنا هذا في الأعراف 43 عند قوله أروثتموها وشرحنا معنى الفردوس في الكهف 107 \r\n ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ","part":5,"page":461},{"id":2489,"text":" خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون \r\n قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان فيه قولان \r\n أحدهما أنه آدم عليه السلام وإنما قيل من سلالة لأنه استل من كل الأرض هذا مذهب سلمان الفارسي وابن عباس في رواية وقتادة \r\n والثاني أنه ابن آدم والسلالة النطفة استلت من الطين والطين آدم عليه السلام قاله ابو صالح عن ابن عباس قال الزجاج والسلالة فعالة وهي القليل مما ينسل وكل مبني على فعالة يراد به القليل من ذلك الفضالة والنخالة والقلامة \r\n قوله تعالى ثم جعلناه يعني ابن آدم نطفة في قرار وهو الرحم مكين أي حريز قد هيىء لاستقراره فيه وقد شرحنا في سورة الحج 5 معنى النطفة والعلقة والمضغة \r\n قوله تعالى فخلقنا المضغة عظاما قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم عظاما فكسونا العظام على الجمع وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم عظما فكسونا العظم على التوحيد \r\n قوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر وهذه الحالة السابعة قال علي عليه السلام لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع \r\n وفي محل هذا الإنشاء قولان \r\n أحدهما انه بطن الأم ثم في صفة الإنشاء قولان أحدهما أنه نفخ ","part":5,"page":462},{"id":2490,"text":" الروح فيه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال ابو العالية والشعبي ومجاهد وعكرمة والضحاك في آخرين والثاني أنه جعله ذكرا أو أنثى قاله الحسن \r\n والقول الثاني أنه بعد خروجه من بطن أمه ثم في صفة هذا الإنشاء أربعة أقوال أحدها أن ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهل ثم دل على الثدي وعلم كيف يبسط رجليه الى أن قعد إلى أن قام على رجليه الى أن مشى إلى أن فطم إلى أن بلغ الحلم إلى أن تقلب في البلاد رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه استواء الشباب قاله ابن عمر ومجاهد والثالث أنه خروج الاسنان والشعر قاله الضحاك فقيل له أليس يولد وعلى رأسه الشعر فقال وأين العانة والإبط والرابع أنه إعطاء العقل والفهم حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى فتبارك الله أي استحق التعظيم والثناء وقد شرحنا معنى تبارك في الأعراف 54 أحسن الخالقين أي المصورين والمقدرين والخلق في اللغة التقدير وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ هذه الآية وعنده عمر الى قوله تعالى خلقا آخر فقال عمر فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد ختمت بما تكلمت به يا ابن الخطاب \r\n فان قيل كيف الجمع بين قوله أحسن الخالقين وقوله هل من خالق غير الله فاطر 3 ","part":5,"page":463},{"id":2491,"text":" فالجواب أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد ولا موجد سوى الله ويكون بمعنى التقدير كقول زهير ... ولأنت تفري ما خلقت وبعد ... ض القوم يخلق ثم لا يفري ... \r\n فهذا المراد هاهنا أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشيء فالله خير المصورين والمقدرين وقال الاخفش الخالقون هاهنا هم الصانعون فالله خير الخالقين \r\n قوله تعالى ثم إنكم بعد ذلك أي بعد ما ذكر من تمام الخلق لميتون عند انقضاء آجالكم وقرأ ابو رزين العقيلي وعكرمة وابن ابي عبلة لمائنون بألف قال الفراء والعرب تقول لمن لم يمت إنك مائت عن قليل وميت ولا يقولون للميت الذي قد مات هذا مائت إنما يقال في الاستقبال فقط وكذلك يقال هذا سيد قومه اليوم فاذا اخبرت أنه يسودهم عن قليل قلت هذا سائد قومه عن قليل وكذلك هذا شريف القوم وهذا شارف عن قليل وهذا الباب كله في العربية على ما وصفت لك \r\n ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين وانزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين ","part":5,"page":464},{"id":2492,"text":" قوله تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق يعني السموات السبع قال الزجاج كل واحدة طريقة وقال ابن قتيبة إنما سميت طرائق بالتطارق لأن بعضها فوق بعض يقال طارقت الشيء إذا جعلت بعضه فوق بعض \r\n قوله تعالى وما كنا عن الخلق غافلين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب \r\n والثاني ما كنا تاركين لهم بغير رزق فأنزلنا المطر \r\n والثالث لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم \r\n قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر يعلمه الله وقال مقاتل بقدر ما يكفيهم للمعيشة \r\n قوله تعالى وشجرة هي معطوفة على قوله جنات وقرأ ابو مجلز وابن يعمر وابراهيم النخعي وشجرة بالرفع والمراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون \r\n فان قيل لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر \r\n فالجواب من اربعة أوجه \r\n أحدها لكثرة انتفاعهم بها فذكرهم من نعمه ما يعرفون وكذلك ","part":5,"page":465},{"id":2493,"text":" خص النخيل والأعناب في الآية الأولى لأنهما كانا جل ثمار الحجاز وماوالاها وكانت النخيل لأهل المدينة والأعناب لأهل الطائف \r\n والثاني لأنهم لا يكادون يتعاهدونها بالسقي وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن \r\n والثالث أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار وفي ثمرتها حياة للنار ومادة لها \r\n والرابع لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل \r\n قوله تعالى طور سيناء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طور سيناء مكسورة السين وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مفتوحة السين وكلهم مدها قال الفراء العرب تقول سيناء بفتح السين في جميع اللغات إلا بني كنانة فانهم يكسرون السين قال ابو علي ولا تنصرف هذه الكلمة لأنها جعلت اسما لبقعة أو ارض وكذلك سينين ولو جعلت اسما للمكان أول للمنزل أو نحو ذلك من الأسماء المذكرة لصرفت لأنك كنت قد سميت مذكرا بمذكر والطور الجبل \r\n وفي معنى سيناء خمسة أقوال \r\n أحدها أنه بمعنى الحسن رواه ابو صالح عن ابن عباس وقال الضحاك الطور الجبل بالسريانية وسيناء الحسن بالنبطية وقال عطاء يريد الجبل الحسن \r\n والثاني أنه المبارك رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثالث أنه اسم حجارة بعينها أضيف الجبل اليها لوجودها عنده قاله مجاهد \r\n والرابع أن طور سيناء الجبل المشجر قاله ابن السائب ","part":5,"page":466},{"id":2494,"text":" والخامس أن سيناء اسم المكان الذي به هذا الجبل قاله الزجاج قال الواحدي وهو أصح الأقوال قال ابن زيد وهذا هو الجبل الذي نودي منه موسى وهو بين مصر وأيلة \r\n قوله تعالى تنبت بالدهن قرأ ابن كثير وأبو عمرو تنبت برفع التاء وكسر الباء وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الباء قال الفراء وهما لغتان نبتت وأنبتت وكذلك قال الزجاج يقال نبت الشجر وأنبت في معنى واحد قال زهير ... رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل ... \r\n قال ومعنى تنبت بالدهن تنبت ومعها دهن كما تقول جاءني زيد بالسيف أي جاءني ومعه السيف وقال ابو عبيدة معنى الآية تنبت الدهن والباء زائدة كقوله ومن يرد فيه بالحاد بظلم الحج 25 وقد بينا هذا المعنى هناك \r\n قوله تعالى وصبغ وقرأ ابن مسعود وابن يعمر وابراهيم النخعي ","part":5,"page":467},{"id":2495,"text":" والأعمش وصبغا بالنصب وقرأ ابن السميفع وصباغ بألف مع الخفض قال ابن قتيبة الصبغ مثل الصباغ كما يقال دبغ ودباغ ولبس ولباس قال المفسرون والمراد بالصبغ هاهنا الزيت لأنه يلون الخبز إذا غمس فيه والمراد أنه إدام يصبغ به \r\n وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون \r\n قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم نسقيكم بفتح النون وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها وقد شرحناه هذا في النحل 66 الى قوله تعالى ولكم فيه منافع كثيرة يعني في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها ومنها تأكلون من لحومها وأولادها والكسب عليها \r\n قوله تعالى وعليها يعني الإبل خاصة وعلى الفلك تحملون فالإبل تحمل في البر والسفن تحمل في البحر \r\n ولقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدواالله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملئكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا اليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فاذا جاء امرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ","part":5,"page":468},{"id":2496,"text":" وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجنا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحيوة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون \r\n قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا الى قومه قال المفسرون هذا تعزية ","part":5,"page":469},{"id":2497,"text":" لرسول الله صلى الله عليه و سلم بذكر هذا الرسول الصابر ليتأسى به في صبره وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا \r\n قوله تعالى يريد أن يتفضل عليكم أي يعلوكم بالفضيلة فيصير متبوعا ولو شاء الله أن لا يعبد شيء سواه لأنزل ملائكة تبلغ عنه أمره لم يرسل بشرا ما سمعنا بهذا الذي يدعونا اليه نوح من التوحيد في آبائنا الأولين فأما الجنة فمعناها الجنون \r\n وفي قوله حتى حين قولان \r\n أحدهما أنه الموت فتقديره انتظروا موته والثاني أنه وقت منكر \r\n قوله تعالى قال رب انصرني وقرأ عكرمة وابن محيصن قال رب بضم الباء وفي القصة الأخرى المؤمنون 39 \r\n قوله تعالى بما كذبون وقرأ يعقوب كذبوني بياء وفي القصة التي تليها أيضا فاتقوني المؤمنون 52 أن يحضروني المؤمنون 98 رب أرجعوني المؤمنون ولا تكلموني المؤمنون 108 أثبتهن في الحالين يعقوب والمعنى انصرني بتكذيبهم أي انصرني باهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم فأوحيانا اليه قد شرحناه في هود 37 الى قوله فاسلك فيها أي أدخل في سفينتك من كل زوجين اثنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم من كل بكسر اللام من غير تنوين وقرأ حفص عن عاصم من كل بالتنوين قال ابو علي قراءة الجمهور إضافة كل الى زوجين وقراءة حفص تؤول الى زوجين لأن المعنى من كل الأزواج زوجين ","part":5,"page":470},{"id":2498,"text":" قوله تعالى وقل رب أنزلني منزلا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم منزلا بضم الميم وروى أبو بكر عن عاصم فتحها والمنزل بفتح الميم اسم لكل ما نزلت به والمنزل بضمها المصدر بمعنى الإنزال تقول أنزلته إنزالا ومنزلا \r\n وفي الوقت الذي قال فيه نوح ذاك قولان \r\n أحدهما عند نزوله في السفينة والثاني عند نزوله من السفينة \r\n قوله تعالى إن في ذلك أي في قصة نوح وقومه لآيات وإن كنا أي وما كنا لمبتلين أي لمختبرين إياهم بارسال نوح اليهم ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين يعني عادا فأرسلنا فيهم رسولا منهم وهو هود هذا قول الأكثرين وقال ابو سليمان الدمشقي هم ثمود والرسول صالح وما بعد هذا ظاهر الى قوله أيعدكم أنكم قال الزجاج موضع أنكم نصب على معنى أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم فلما طال الكلام أعيد ذكر أن كقوله ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم التوبة 63 \r\n قوله تعالى هيهات هيهات قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي هيهات هيهات بفتح التاء فيهما في الوصل وإسكانها في الوقف وقرأ أبي بن كعب وابو مجلز وهارون عن أبي عمرو هيهاتا هيهاتا بالنصب والتنوين وقرا ابن مسعود وعاصم الجحدري وابو حيوة الحضرمي وابن السميفع هيهات هيهات بالرفع والتنوين وقرأ أبو العالية وقتادة هيهات هيهات بالخفض والتنوين وقرأ ابو جعفر هيهات هيهات بالخفض من غير تنوين وكان يقف بالهاء وقرأ أبو المتوكل ","part":5,"page":471},{"id":2499,"text":" الناجي وسعيد بن جبير وعكرمة هيهات هيهات بالرفع من غير تنوين وقرأ معاذ القارىء وابن يعمر وابو رجاء وخارجة عن ابي عمرو هيهات هيهات باسكان التاء فيهما وفي هيهات عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء والثامنة إيهات والتاسعة إيهان بالنون والعاشرة إيها بغير نون ذكرهن ابن القاسم وأنشد الأحوص في الجمع بين لغتين منهن ... تذكر أياما مضين من الصبا ... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها ... \r\n قال الزجاج فأما الفتح فالوقف فيه بالهاء تقول هيهاه إذا فتحت ووقفت بعد الفتح فاذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل أو كنت ممن لا ينون وتأويل هيهات البعد لما توعدون وإذا قلت هيهات ما قلت فمعناه بعيد ما قلت وإذا قلت هيهات لما قلت فمعناه البعد لما قلت ويقال أيهات في معنى هيهات وأنشدوا ... وأيهات أيهات العقيق ومن به ... وأيهات وصل بالعقيق نواصله ... \r\n قال ابو عمرو بن العلاء إذا وقفت على هيهات فقل هيهاه وقال الفراء الكسائي يختار الوقف بالهاء وأنا اختار التاء \r\n قوله تعالى لما توعدون قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة ما توعدون بغير لام قال المفسرون استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم للتفكر في بدو امرهم وقدرة الله على إيجادهم وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا إن هي الا حياتنا الدنيا يعنون ما الحياة إلا ما نحن فيه و ليس بعد الموت حياة ","part":5,"page":472},{"id":2500,"text":" فان قيل كيف قالوا نموت ونحايا وهم لا يقرون بالبعث \r\n فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج \r\n أحدها نموت ويحيا أولادنا فكأنهم قالوا يموت قوم ويحيا قوم \r\n والثاني نحيا ونموت لأن الواو للجمع لا للترتيب \r\n والثالث أبتداؤنا موات في أصل الخلقة ثم نحيا ثم نموت \r\n قوله تعالى إن هو يعنون الرسول وقد سبق تفسير ما بعد هذا هود 7 النحل 38 الى قوله قال عما قليل قال الزجاج معناه عن قليل وما زائدة بمعنى التوكيد \r\n قوله تعالى ليصبحن نادمين أي على كفرهم فأخذتهم الصيحة بالحق أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم قال المفسرون صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم فصاروا لشدتها غثاء قال ابو عبيدة الغثاء ما أشبه الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شيء وقال ابن قتيبة المعنى فجعلناهم هلكى كالغثاء وهو ما علا السيل من الزبد والقمش لأنه يذهب ويتفرق وقال الزجاج الغثاء الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده وما بعد هذا قد سبق شرحه الحجر 5 الى قوله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر تترى كلما منونة والوقف بالألف وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بلا تنوين والوقف عند نافع وابن عامر بألف وروى هبيرة وحفص عن عاصم أنه يقف بالياء قال ابو علي يعني بقوله يقف بالياء ","part":5,"page":473},{"id":2501,"text":" أي بألف ممالة قال الفراء أكثر العرب على ترك التنوين ومنهم من نون قال ابن قتيبة والمعنى نتابع بفترة بين كل رسولين وهو من التواتر والأصل وترى فقبلت الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال معنى واترت الخبر اتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنية وقرات على شيخنا أبي منصور اللغوي قال ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم تواترت كتبي اليك يعنون اتصلت من غير انقطاع فيضعون التواتر في موصع الاتصال وذلك غلط إنما التواتر مجيء الشيء ثم انقطاعة ثم مجيئه وهو التفاعل من الوتر وهو الفرد يقال واترت الخبر أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة قال الله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى أصلها وترى من المواترة فأبدلت التاء من الواو ومعناه منقطعة متفاوته لأن بين كل نبيين دهرا طويلا وقال أبو هريرة لا بأس بقضاء رمضان تترى أي منقطعا فاذا قيل واتر فلان كتبه فالمعنى تابعها وبين كل كتابين فقرة \r\n قوله تعالى فأتبعنا بعضهم بعضا أي أهلكنا الأمم بعضهم في إثر بعض وجعلناهم أحاديث قال ابو عبيدة أي يتمثل بهم في الشر ولا يقال في الخير جعلته حديثا \r\n ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ","part":5,"page":474},{"id":2502,"text":" قوله تعالى فاستكبروا أي عن الإيمان بالله وعبادته وكانوا قوما عالين أي قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم \r\n قوله تعالى وقومهما لنا عابدون أي مطيعون قال ابو عبيدة كل من دان لملك فهو عابد له \r\n ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة أعطيها جملة واحدة بعد غرق فرعون لعلهم يعني بني اسرائيل والمعنى لكي يهتدوا \r\n قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة آيتين على التثنية وهذا كقوله وجعلناها وابنها آية الانبياء 91 وقد سبق شرحه \r\n قوله تعالى وأويناهما أي جعلناهما يأويان الى ربوة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحمزو والكسائي ربوة بضم الراء وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وقد شرحنا معنى الربوة في البقرة 265 ذات قرار أي مستوية يسقتر عليها ساكنوها والمعنى ذات موضع قرار وقال الزجاج أي ذات مستقر ومعين وهو الماء الجاري من العيون وقال ابن قتيبة ذات قرار أي يستقر بها للعمارة ومعين هو الماء الظاهر ","part":5,"page":475},{"id":2503,"text":" ويقال هو مفعول من العين كأن أصله معيون كما يقال ثوب مخيط وبر مكيل \r\n واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها دمشق رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب \r\n والثاني أنها بيت المقدس رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال قتادة وعن الحسن كالقولين \r\n والثالث أنها الرملة من أرض فلسطين قاله ابو هريرة \r\n والرابع مصر قاله وهب بن منبه وابن زيد وابن السائب فأما السبب الذي لأجله أويا الى الربوة فقال ابو صالح عن ابن عباس فرت مريم بابنها عيسى من ملكهم ثم رجعت الى أهلها بعد اثنتي عشرة سنة قال وهب بن منبه وكان الملك أراد قتل عيسى ","part":5,"page":476},{"id":2504,"text":" يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون \r\n قوله تعالى يا أيها الرسل قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين يعني بالرسل هاهنا محمدا صلى الله عليه و سلم وحده وهو مذهب العرب في مخاطبة الواحد خطاب الجميع ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة والزجاج والمراد بالطيبات الحلال قال عمرو بن شرحبيل كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه ","part":5,"page":477},{"id":2505,"text":" قوله تعالى وأن هذه أمتكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وان بالفتح وتشديد النون وافق ابن عامر في فتح الألف لكنه سكن النون وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وإن بكسر الالف وتشديد النون قال الفراء من فتح عطف على قوله إني بما تعملون عليم وبأن هذه أمتكم فموضعها خفص لأنها مردودة على ما وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر كأنك قلت واعلموا هذا ومن كسر استأنف قال ابوعلي الفارسي وأما ابن عامر فانه خفف النون المشددة وإذا خففت تعلق بها ما يتعلق بالمشددة وقد شرحنا معنى الآية والتي بعدها في الانبياء 92 الى قوله زبرا وقرا ابن عباس وابو عمران الجوني زبرا برفع الزاي وفتح الباء وقرأ ابو الجوزاء وابن السميفع زبرا برفع الزاي وإسكان الباء قال الزجاج من قرأ زبرا بضم الباء فتأويله جعلوا دينهم كتبا مختلفة جمع زبور ومن قرأ زبرا بفتح الباء أراد قطعا \r\n قوله تعالى كل حزب بما لديهم فرحون أي بما عندهم من الدين الذي ابتدعوه معجبون يرون انهم على الحق \r\n وفي المشار اليهم قولان \r\n أحدهما أنهم اهل الكتاب قاله مجاهد \r\n والثاني أنهم أهل الكتاب ومشركو العرب قاله ابن السائب ","part":5,"page":478},{"id":2506,"text":" قوله تعالى فذرهم في غمرتهم وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب في غمراتهم على الجمع قال الزجاج في عمايتهم وحيرتهم حتى حين أي الى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب قال مقاتل يعني كفار مكة \r\n فصل \r\n وهل هذه الآية منسوخة أم لا فيها قولان \r\n أحدهما أنها منسوخة بآية السيف والثاني أن معناها التهديد فهي محكمة \r\n قوله تعالى أيحسبون أنما نمدهم به وقرأ عكرمة وابو الجوزاء يمدهم بالياء المرفوعة وكسر الميم وقرأ ابو عمران الجوني نمدهم بنون مفتوحة ورفع الميم قال الزجاج المعنى أيحسبون أن الذي نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم إنما هو استدراج نسارع لهم في الخيرات أي نسارع لهم به في الخيرات وقرأ ابن عباس وعكرمة وأيوب السختياني يسارع بياء مرفوعة وكسر الراء وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل مثله إلا أنهما فتحا الراء وقرأ ابو عمران الجوني وعاصم الجحدري وابن السميفع يسرع بياء مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف \r\n قوله تعالى بل لا يشعرون أي لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم \r\n إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ","part":5,"page":479},{"id":2507,"text":" ثم ذكر المؤمنين فقال ان الذين هم خشية ربهم مشفقون وقد شرحنا هذا المعنى في قوله وهم من خشيته مشفقون الانبياء 28 \r\n قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقرأ عاصم الجحدري يأتون ما أتوا بقصر همزة أتوا وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية فقالت يا رسول الله أهم الذين يذنبون وهم مشفقون فقال لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون ويصومون وهم مشفقون ويتصدقون وهم مشفقون أن لا يتقبل منهم قال الزجاج فمعنى يؤتون يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم أنهم إلى ربهم راجعون أي لأنهم يوقنون أنهم يرجعون ومعنى يأتون يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع اجتهادهم مقصرين أولئك يسارعون في الخيرات وقرأ ابو المتوكل وابن السميفع يسرعون برفع الياء واسكان السين وكسر الراء من غير ألف قال الزجاج يقال اسرعت وسارعت في معنى واحد الا ان سارعت أبلغ من أسرعت وهم لها أي من أجلها وهذا كما تقول أنا أكرم فلانا لك أي من أجلك وقال بعض أهل العلم الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر ","part":5,"page":480},{"id":2508,"text":" ولا نكلف نفسا الا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون لا تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون \r\n قوله تعالى ولدينا كتاب يعني اللوح المحفوظ ينطق بالحق قد أثبت فيه أعمال الخلق فهو ينطق بما يعملون وهم لا يظلمون أي لا ينقصون من ثواب اعمالهم ثم عاد الى الكفار فقال بل قلوبهم في غمرة من هذا قال مقاتل في غفلة عن الإيمان بالقرآن وقال ابن جرير في عمى عن هذا القرآن قال الزجاج يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من أعمال البر في قوله أولئك يسارعون في الخيرات فيكون المعنى بل قلوب هؤلاء في عماية من هذا ويجوز أن يكون إشارة الى الكتاب فيكون المعنى بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه \r\n فخرج في المشار اليه ب هذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها القرآن والثاني أعمال البر والثالث اللوح المحفوظ \r\n قوله تعالى ولهم أعمال من دون ذلك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أعمال سيئة دون الشرك رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني خطايا سيئة من دون ذلك الحق قاله مجاهد وقال ابن جرير من دون أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية ","part":5,"page":481},{"id":2509,"text":" والثالث أعمال غير الأعمال التي ذكروا بها سيعملونها قاله الزجاج \r\n والرابع أعمال من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند مجيئه من المعاصي قاله ابو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى هم لها عاملون إخبار بما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها \r\n قوله تعالى حتى إذا أخذنا مترفيهم أي أغنياءهم ورؤساءهم والإشارة الى قريش وفي المراد بالعذاب قولان \r\n أحدهما ضرب السيوف يوم بدر قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك \r\n والثاني الجوع الذي عذبوا به سبع سنين قاله ابن السائب ويجأرون بمعنى يصيحون لا تجأروا اليوم أي لا تستغيثوا من العذاب إنكم منا لا تنصرون أي لا تمنعون من عذابنا قد كانت آياتي تتلى عليكم يعني القرآن فكنتم على أعقابكم تنكصون أي ترجعون وتتأخرون عن الإيمان بها مستكبرين منصوب على الحال وقوله به الكناية عن البيت الحرم وهي كناية عن غير مذكور والمعنى إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرام لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم تقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا ونحن أهل بيت الله وولاته هذا مذهب ابن عباس وغيره قال الزجاج ويجوز أن تكون الهاء في به للكتاب فيكون المعنى تحدث لكم تلاوته عليكم استكبارا \r\n قوله تعالى سامرا قال ابو عبيدة معناه تهجرون سمارا والسامر بمعنى السمار بمنزلة طفل في موضع أطفال وهو من سمر الليل وقال ","part":5,"page":482},{"id":2510,"text":" ابن قتيبة سامرا أي متحدثين ليلا والسمر حديث الليل وقرأ ابي بن كعب وابو العالية وابن محيصن سمرا بضم السين وتشديد الميم وفتحها جمع سامر وقرأ ابن مسعود وابو رجاء وعاصم الجحدري سمارا برفع السين تشديد الميم وألف بعدها \r\n قوله تعالى تهجرون قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي تهجرون بفتح التاء وضم الجيم وفي معناها أربعة أقوال \r\n أحدها تهجرون ذكر الله والحق رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني تهجرون كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه و سلم قاله الحسن \r\n والثالث تهجرون البيت قاله ابو صالح وقال سعيد بن جبير كانت قريش تسمر حول البيت وتفتخر به ولا تطوف به \r\n والرابع تقولون هجرا من القول وهو اللغوا والهذيان قاله ابن قتيبة قال الفراء يقال قد هجر الرجل في منامه إذا هذى والمعنى إنكم تقولون في رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ليس فيه ومالا يضره \r\n وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن محيصن ونافع تهجرون بضم التاء وكسر الجيم قال ابن قتيبة وهذا من الهجر وهو السب والإفحاش من المنطق يريد سبهم للنبي صلى الله عليه و سلم ومن اتبعه وقرأ ابو العالية وعكرمة وعاصم الجحدري وأبو نهيك تهجرون بتشديد الجيم ورفع التاء قال ابن الأنباري ومعناها معنى قراءة ابن عباس ","part":5,"page":483},{"id":2511,"text":" أفلم يدبروا القول أم جاءهم مالم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون \r\n قوله تعالى أفلم يدبروا القول يعني القرآن فيعرفوا ما فيه من الدلالات والعبر على صدق رسولهم أم جاءهم مالم يأت آباءهم الأولين المعنى أليس قد أرسل الانبياء الى أممهم كما أرسل محمد صلى الله عليه و سلم أم لم يعرفوا رسولهم هذا توبيخ لهم لانهم عرفوا نسبه وصدقه وأمانته صغيرا وكبيرا ثم أعرضوا عنه الجنة الجنون بل جاءهم بالحق يعني القرآن \r\n ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم الى صراط مستقيم \r\n قوله تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم في المراد بالحق قولان \r\n أحدهما أنه الله عز و جل قاله مجاهد وابن جريج والسدي في آخرين \r\n والثاني أنه القرآن ذكره الفراء والزجاج فعلى القول الأول يكون المعنى لو جعل الله لنفسه شريكا كما يحبون وعلى الثاني لو نزل القرآن بما يحبون من جعل شريك لله لفسدت السموات والأرض و من فيهن بل أتيناهم بذكرهم أي بما فيه شرفهم وفخرهم وهو القرآن فهم عن ذكرهم معرضون أي قد تولوا عما جاءهم من شرف الدنيا والآخرة وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابو رجاء وابو الجوزاء بل أتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون بألف فيهما أم تسألهم عما جئتهم به خرجا ","part":5,"page":484},{"id":2512,"text":" قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم خرجا بغير الف فخراج بألف وقرأ ابن عامر خرجا فخرج بغير ألف في الحرفين وقرأ حمزة والكسائي خراجا بألف فخراج بألف في الحرفين ومعنى خرجا أجرا ومالا فخراج ربك أي فما يعطيك ربك من أجره وثوابه خير وهو خير الرازقين أي أفضل من أعطى وهذا على سبيل التنبيه لهم أنه لم يسالهم أجرا لا أنه قد سألهم والناكب العادل يقال نكب عن الطريق أي عدل عنه \r\n وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون \r\n قوله تعالى ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر قال ابن عباس الضر هاهنا الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف فجاء أبو سفيان الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فشكا اليه الضر وأنهم قد أكلوا القد والعظام فنزلت هذه الآية والتي بعدها وهو العذاب المذكور في قوله ولقد أخذناهم بالعذاب \r\n قوله تعالى حتى إذا فتحنا عليه بابا ذا عذاب شديد فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم بدر رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":5,"page":485},{"id":2513,"text":" والثاني أنه الجوع الذي أصابهم قاله مقاتل \r\n والثالث باب من عذاب جهنم في الآخرة حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى إذا هم فيه مبلسون وقرأ ابو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وأبو نهيك ومعاذ القارىء مبلسون بفتح اللام وقد شرحنا معنى المبلس في الأنعام 45 \r\n وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض واليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ءإنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذ إلا أساطير الأولين قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون الله قل أفلا تذكرون \r\n قوله تعالى قليلا ما تشكرون قال المفسرون يريد أنهم لا يشكرون اصلا \r\n قوله تعالى ذرأكم في الأرض أي خلقكم من الارض \r\n قوله تعالى وله اختلاف الليل والنهار أي هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض أفلا تعقلون ما ترون من صنعه وما بعد هذا ظاهر الى قوله قل لمن الأرض أي قل لأهل مكة المكذبين بالبعث لمن الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون بحالها سيقولون لله قرأ أبو عمرو لله بغير ألف هاهنا وفي اللذين بعدها بالف وقرأ الباقون لله في المواضع الثلاثة وقراءة ابي عمرو على القياس قال الزجاج ومن قرأ سيقولون الله فهو جواب السؤال ومن قرأ لله فجيد أيضا لأنك ","part":5,"page":486},{"id":2514,"text":" إذا قلت من صاحب هذ الدار فقيل لزيد جاز لأن معنى من صاحب هذه الدار لمن هي وقال ابو علي الفارسي من قرأ لله في الموضعين الآخرين فقد أجاب على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ وقرأ سعيد بن جبير وأبو المتوكل وابو الجوزاء سيقولون الله الله الله بألف فيهن كلهن قال أبو علي الأهوازي وهو في مصاحف أهل البصرة بألف فيهن \r\n قوله تعالى قل أفلا تذكرون فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداءا أقدر على إحياء الأموات \r\n قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل افلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون \r\n قوله تعالى افلا تتقون فيه قولان \r\n أحدهما تتقون عبادة غيره والثاني تخشون عذابه فأما الملكوت فقد شرحناه في الأنعام 75 \r\n قوله تعالى وهو يجير ولا يجار عليه أي يمنع من السوء من شاء ولا يمنع منه من أراده بسوء يقال أجرت فلانا أي حميته وأجرت عليه أي حميت عنه \r\n قوله تعالى فأنى تسحرون قال ابن قتيبة أنى تخدعون وتصرفون عن هذا \r\n بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى ","part":5,"page":487},{"id":2515,"text":" بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون \r\n قوله تعالى بل أتيناهم بالحق أي بالتوحيد والقرآن وإنهم لكاذبون فيما يضيفون الى الله من الولد والشريك ثم نفاهما عنه بما بعد هذا الى قوله إذا لذهب كل إله بما خلق أي لانفرد بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ولعلا بعضهم على بعض أي غلب بعضهم بعضا \r\n قوله تعالى عالم الغيب قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم عالم بالخفض وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم عالم بالرفع قال الاخفش الجر اجود ليكون الكلام من وجه واحد والرفع على أن يكون خبر ابتداء محذوف ويقويه أن الكلام الأول قد انقطع \r\n قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون إدفع بالتي هي احسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون \r\n قوله تعالى إما تريني وقرأ ابو عمران الجوني والضحاك ترئني بالهمز بين الراء والنون من غير ياء والمعنى إن أريتني ما يوعدون من القتل والعذاب فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم فأراه الله تعالى ما وعدهم ببدر وغيرها ونجاه ومن معه \r\n قوله تعالى ادفع بالتي هي احسن السيئة فيه اربعة اقوال ","part":5,"page":488},{"id":2516,"text":" أحدها ادفع إساءة المسيء بالصفح قاله الحسن \r\n والثاني أدفع الفحش بالسلام قاله عطاء والضحاك \r\n والثالث ادفع الشرك بالتوحيد قاله ابن السائب \r\n والرابع ادفع المنكر بالموعظة حكاه الماوردي وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوخ بأية السيف \r\n قوله تعالى نحن أعلم بما يصفون أي بما يقولون من الشرك والتكذيب والمعنى إنا نجازيهم على ذلك وقل رب أعوذ أي ألجأ وامتنع بك من همزات الشياطين قال ابن قتيبة هو نخسها وطعنها ومنه قيل للعائب همزة كأنه يطعن وينخس إذا عاب وقال ابن فارس الهمز كالعصر يقال همزت الشيء في كفي ومنه الهمز في الكلام لأنه كأنه يضغط الحرف وقال غيره الهمز في اللغة الدفع وهمزات الشياطين دفعهم بالإغواء الى المعاصي \r\n قوله تعالى أن يحضرون أي أن يشهدون والمعنى أن يصيبوني بسوء لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم الا بسوء هم ثم أخبر أن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث يسألون الرجعة الى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي هذه وقيل هذا السؤال منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم \r\n فان قيل كيف قال ارجعون وهو يريد ارجعني \r\n فالجواب أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن وذلك أنه يخبر عن نفسه فيه بما تخبر به الجماعة كقوله إنا نحن نحيي ونميت ق 43 فجاء خطابه كاخباره عن نفسه هذا قول الزجاج ","part":5,"page":489},{"id":2517,"text":" حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون فاذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون \r\n قوله تعالى لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال ابن عباس فيما مضى من عمري وقال مقاتل فيما تركت من العمل الصالح \r\n قوله تعالى كلا أي لا يرجع الى الدنيا إنها يعني مسألته الرجعة كلمة هو قائلها أي هو كلام لا فائدة له فيه ومن ورائهم أي أمامهم وبين أيديهم برزخ قال ابن قتيبة البرزخ ما بين الدنيا والآخرة وكل شيء بين شيئين فهو برزخ وقال الزجاج البرزخ في اللغة الحاجز وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه \r\n قوله تعالى فاذا نفخ في الصور في هذه النفخة قولان \r\n أحدهما أنها النفخة الأولى رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنها الثانية رواه عطاء عن ابن عباس \r\n قوله تعالى فلا أنساب بينهم في الكلام محذوف تقديره لا أنساب بينهم يومئذ يتفاخرون بها او يتقاطعون بها لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرفع التواصل والتفخار بها \r\n وفي قوله ولا يتساءلون ثلاثة أقوال ","part":5,"page":490},{"id":2518,"text":" أحدها لا يتساءلون بالانساب أن يترك بعضهم لبعض حقه \r\n والثاني لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه \r\n والثالث لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت كما تفعل العرب لتعرف النسب فتعرف قدر الرجل وما بعد هذا قد سبق تفسيره الاعراف 8 الى قوله تلفح وجوههم النار قال الزجاج تلفح وتنفح بمعنى واحد إلا أن اللفح أعظم تأثيرا والكالح الذي قد تشمرت شفته عن اسنانه نحو ما ترى من رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه وقال ابن مسعود قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار وروى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في هذه الآية تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته \r\n ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوننا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون قال اخسؤا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ","part":5,"page":491},{"id":2519,"text":" وراحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني حزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون \r\n قوله تعالى الم تكن المعنى ويقال لهم الم تكن آياتي تتلى عليكم يعني القرآن قالوا ربن غلبت علينا شقوتنا قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر شقوتنا بكسر الشين من غير الف وقرأ عمرو ابن العاص وابو رزين العقبلي كما ورد في المصدر و الأصح العقيلي وأبو رجاء العطاردي كذلك إلا أنه بفتح الشين و قرأ ابن مسعود وابن عباس وابو عبد الرحمن السلمي والحسن والأعمش وحمزة والكسائي شقاوتنا بألف مع فتح الشين والقاف وعن الحسن وقتادة كذلك إلا أن الشين مكسورة قال المفسرون أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى \r\n قوله تعالى ربنا أخرجنا منها أي من النار قال ابن عباس طلبوا الرجوع الى الدنيا فان عدنا أي الى الكفر والمعاصي \r\n قوله تعالى اخسؤوا قال الزجاج تباعدوا تباعد سخط يقال خسأت الكلب اخسؤه إذا زجرته ليتباعد \r\n قوله تعالى ولا تكلمون أي في رفع العذاب عنك قال عبد الله ابن عمرو إن اهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم ثم يقول إنكم ماكثون الزخرف 77 ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا ثم يقول إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان الا الزفير والشهيق ","part":5,"page":492},{"id":2520,"text":" ثم بين الذي لأجله أخسأهم بقوله إنه وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري أنه بفتح الهمزة كان فريق من عبادي قال ابن عباس يريد المهاجرين قوله تعالى فاتخذتموهم قال الزجاج الأجود إدغام الذال في التاء لقرب المخرجين وإن شئت أظهرت لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة وبين الذل والتاء في المخرج شيء من التباعد \r\n قوله تعالى سخريا قرأ نافع وحمزة والكسائي وابو حاتم عن يعقوب سخريا بضم السين هاهنا وفي ص63 تابعهم المفضل في ص32 وقرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم وابن عامر بكسر السين في السورتين ولم يختلف في ضم السين في الحرف الذي في الزخرف 32 واختار الفراء الضم والزجاج الكسر وهل هما بمعنى فيه قولان \r\n أحدهما أنهما لغتان ومعناهما واحد قاله الخليل وسيبويه ومثله قول العرب بحر لجي ولجي وكوكب دري ودري \r\n والثاني أن الكسر بمعنى الهمز والضم بمعنى السخرة والاستعباد قاله ابو عبيدة وحكاه الفراء وهو مروي عن الحسن وقتادة \r\n قال ابوعلي قراءة عن كسر ارجح من قراءة من ضم لأنه من الهزء والأكثر في الهزء كسر السين قال مقاتل كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل وعقبة والوليد قد اتخذوا فقراء اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كعمار وبلال وخباب وصهيب سخريا يستهزئون بهم ويضحكون منهم ","part":5,"page":493},{"id":2521,"text":" قوله تعالى حتى أنسوكم ذكري أي أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ذكري فنسب الفعل الى المؤمنين وإن لم يفعلوه لأنهم كانوا السبب في وجوده كقوله إنهن أضللن كثيرا من الناس ابراهيم 36 \r\n قوله تعالى إني جزيتهم اليوم بما صبروا أي على أذاكم واستهزائكم أنهم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر أنهم بفتح الألف وقرأ حمزة والكسائي إنهم بكسرها فمن فتح أنهم فالمعنى جزيتهم بصبرهم الفوز ومن كسر إنهم استأنف \r\n قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين قال إن لبثتم الا قليلا لو أنكم كنتم أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لابرهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين \r\n قوله تعالى قال كم لبثتم قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر قال كم لبثتم وهذا سؤال الله تعالى للكافرين وفي وقته قولان \r\n أحدهما أنه يسألهم يوم البعث \r\n والثاني بعد حصولهم في النار \r\n وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي قل كم لبثتم وفيها قولان \r\n أحدهما أنه خطاب لكل واحد منهم والمعنى قل يا ايها الكافر ","part":5,"page":494},{"id":2522,"text":" والثاني أن المعنى قولوا فأخرجه مخرج الأمر للواحد والمراد الجماعة لأن المعنى مفهوم وأبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون ثاء لبثتم والباقون لا يدغمونها فمن أدغم فلتقارب مخرج الثاء والتاء ومن لم يدغم فلتباين المخرجين \r\n وفي المراد بالأرض قولان أحدهما أنها القبور والثاني الدنيا فاحتقر القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب فقالوا لبثنا يوما أبو بعض يوم قال الفراء والمعنى لا ندري كم لبثنا \r\n وفي المراد بالعادين قولان \r\n أحدهما الملائكة قاله مجاهد \r\n والثاني الحساب قاله قتادة وقرأ الحسن والزهري وأبو عمران الجوني وابن يعمر العادين بتخفيف الدال \r\n قوله تعالى قال إن لبثتم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر قال إن لبثتم وقرأ حمزة والكسائي قل إن لبثتم على معنى قل أيها السائل عن لبثهم وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة قل في الموضعين فقرأهما حمزة والكسائي على ما في مصاحفهم أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلا لأن مكثهم في الأرض وإن طال فانه متناه ومكثهم في النار لا يتناهى \r\n وفي قوله لو أنكم كنتم تعلمون قولان \r\n أحدهما لو علمتم قدر لبثكم في الأرض \r\n والثاني لم علمتم أنكم الى الله ترجعون فعملتم لذلك \r\n قوله تعالى أفحسبتم أي أفظننتم أنما خلقناكم عبثا أي ","part":5,"page":495},{"id":2523,"text":" للعبث والعبث في اللغة اللعب وقيل هو الفعل لا لغرض صحيح وأنكم إلينا لا ترجعون قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم لا ترجعون بضم التاء وقرأ حمزة والكسائي بفتحها فتعالى الله عما يصفه به الجاهلون من الشرك والولد الملك قال الخطابي هو التام الملك الجام ع لأصناف المملوكات وأما المالك فهو الخالص الملك وقد ذكرنا معنى الحق في يونس 32 \r\n قوله تعالى رب العرش الكريم والكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن وقرأ ابن محيصن الكريم برفع الميم يعني الله عز و جل \r\n قوله تعالى لا برهان له به أي لا حجة له به ولا دليل وقال بعضهم معناه فلا برهان له به \r\n قوله تعالى فانما حسابه عند ربه أي جزاؤه عند ربه \r\n تم بعون الله تبارك وتعالى الجزءالخامس من كتاب \r\n زاد المسير في علم التفسير ويليه الجزء السادس \r\n وأوله تفسير سورة النور ","part":5,"page":496},{"id":2524,"text":" سورة النور بسم الله الرحمن الرحيم سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين \r\n وهي مدينة كلها باجماعهم \r\n روى ابو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسوره النور يعني النساء ","part":6,"page":3},{"id":2525,"text":" قوله عز و جل سورة قرأ الجمهور بالرفع وقرأ أبو رزين العقبلي وابن أبي عبلة ومحبوب عن أبي عمرو سورة بالنصب قال أبو عبيدة من رفع فعلى الابتداء وقال الزجاج هذا قبيح لأنها نكرة وأنزلناها صفة لها وإنما الرفع على إضمار هذه سورة والنصب على وجهين أحدهما على معنى أنزلنا سورة وعلى معنى أتل سورة \r\n قوله تعالى وفرضناها قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وعكرمة والضحاك والزهري ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وابن يعمر والأعمش وابن أبي عبلة بالتخفيف قال الزجاج من قرأ بالتشديد فعلى وجهين أحدهما على معنى التكثير أي إننا فرضنا فيها فروضا والثاني على معنى بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام ومن قرأ بالتخفيف فمعناه ألزمناكم العمل ","part":6,"page":4},{"id":2526,"text":" بما فرض فيها وقال غيره من شدد أراد فصلنا فرائضها ومن خفف فمعناه فرضنا مافيها \r\n قوله تعالى الزانية والزاني القراءة المشهورة بالرفع وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو الجوزاء وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر الزانية بالنصب واختار الخليل وسيبويه الرفع اختيار الأكثرين قال الزجاج والرفع أقوى في العربية لأن معناه من زنى فاجلدوه فتأويله الابتداء ويجوز النصب على معنى اجلدوا الزانية فأما الجلد فهو ضرب الجلد يقال جلده إذا ضرب جلده كما يقال بطنه إذا ضرب بطنه \r\n قال المفسرون ومعنى الآية الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين بكرين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة - فصل \r\n قال شيخنا علي بن عبيد الله هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر والثيب وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق البكر زيادة على الجلد بتغريب عام وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم بالحجارة فروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وممن قال بوجوب النفي في حق البكر ","part":6,"page":5},{"id":2527,"text":" أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وممن بعدهم عطاء وطاووس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وممن قال بالجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب علي بن أبي طالب والحسن البصري والحسن بن صالح واحمد وإسحاق قال وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في هذه الآية البكر ","part":6,"page":6},{"id":2528,"text":" فأما الثيب فلا يجب عليه الجلد وإنما يجب الرجم روي عن عمر وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وروي عن احمد رواية مثل قول هؤلاء \r\n قوله تعالى ولا تأخذكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين والضحاك وبن يعمر والأعمش يأخذكم بالياء بهما رأفة قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي رأفة باسكان الهمزة وقرا المتوكل ومجاهد وأبو عمران الجوني وابن كثير بفتح الهمزة وقصرها على وزن رعفة وقرأ سعيد بن جبير والضحاك وأبو رجاء العطاردي رآفة مثل سآمة وكآبة \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما لا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما قاله سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة \r\n والثاني لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا نقيموها قاله مجاهد والشعبي وابن زبد في آخرين - فصل \r\n واختلف العلماء في شدة الضرب في الحدود فقال الحسن البصري ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب ويضرب الشارب أشد من ضرب التعزير وعلى هذا مذهب أصحابنا وقال أبو حنيفة التعزير أشد الضرب وضرب الزاني أشد من ضرب الشارب وضرب الشارب أشد من ضرب القذف وقال مالك الضرب في الحدود كلها سواء غير مبرح ","part":6,"page":7},{"id":2529,"text":" - فصل \r\n فأما ما يضرب من الأعضاء فنقل الميموني عن احمد في جلد الزاني قال يجرد ويعطى كل عضو حقه ولا يضرب وجهه ولا رأسه ونقل يعقوب ابن بختان لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير وهو قول أبي حنيفة وقال مالك لا يضرب إلا في الظهر وقال الشافعي يتقى الفرج والوجه \r\n قوله تعالى في دين الله فيه قولان \r\n أحدهما في حكمه قاله ابن عباس والثاني في طاعة الله ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال الزجاج القراءة باسكان اللام ويجوز كسرها والمراد بعذابهما ضربهما \r\n وفي المراد بالطائفة هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدها الرجل فما فوقه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقال النخعي الواحد طائفة \r\n والثاني ألإثنان فصاعدا قاله سعيد بن جبير وعطاء وعن عكرمة كالقولين قال الزجاج والقول الأول على غير ما عند أهل اللغة لأن الطائفة في معنى جماعة وأقل الجماعة اثنان \r\n والثالث \r\n والثالث ثلاثة فصاعدا قاله الزهري \r\n والرابع أربعة قاله ابن زيد \r\n والخامس عشرة قاله الحسن البصري ","part":6,"page":8},{"id":2530,"text":" قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية قال عبد الله بن عمرو كانت امرأة تسافح وتشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية وقال عكرمة نزلت في بغايا كن بمكة ومنهن تسع صواحب رايات وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير ولا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان فأراد ناس من المسلمين نكاحهن فنزلت هذه الآية قال المفسرون ومعنى الآية الزاني من المسلمين لا يتزوج من اولئك البغايا إلا زانية أو مشركة لأنهن كذلك كن والزانية منهن لا ينكحها إلا زان أو مشرك ومذهب أصحابنا أنه إذا زنى بامرأة لم يجز له ان يتزوجها إلا بعد التوبة منهما ","part":6,"page":9},{"id":2531,"text":" قوله تعالى وحرم ذلك وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وحرم الله ذلك بزيادة اسم الله عز و جل مع فتح حروف حرم وقرأ زيد بن علي وحرم ذلك بفتح الحاء وضم الراء مخففة ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنه نكاح الزواني قاله مقاتل والثاني الزنا قاله الفراء والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبد وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى والذين يرمون المحصنات شرائط الإحصان في الزنا الموجب للرجم عندنا أربعة البلوغ والحرية والعقل والوطء في نكاح صحيح فأما الإسلام فليس بشرط في الإحصان خلافا لأبي حنيفة ومالك وأما شرائط إحصان القذف فأربع الحرية والإسلام والعفة وأن يكون المقذوف ممن يجامع مثله ومعنى الآية يرمون المحصنات بالزنا فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوهم يعني القاذفين - فصل \r\n وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ورد الشهادة وثبوت الفسق واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف أم بالحد فعلى قول أصحابنا إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة وهو قول ","part":6,"page":10},{"id":2532,"text":" الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحكم بفسقه وتقبل شهادته مالم يقم الحد عليه - فصل \r\n والتعريض بالقذف كقوله لمن يخاصمه ما أنت بزان ولا أمك زانية يوجب الحد في المشهور من مذهبنا وقال أبو حنيفة لا يوجب الحد وحد العبد في القذف نصف حد الحر وهو أربعون قاله الجماعة إلا الأوزاعي فانه قال ثمانون فأما قاذف المجنون فقال الجماعة لا يحد وقال الليث يحد فأما الصبي فان كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع فعلى القاذف الحد وقال مالك يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها ولايحد قذف الصبي وقال ابو حنيفه والشافعي لا يحد قاذفهما فان قذف رجل جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد وإن أفرد كل واحد بكلمة فعليه لكل واحد حد وهو قول الشعبي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه حد واحد سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات - فصل \r\n وحد القذف حق لآدمي يصح ان يبرئ منه ويعفو عنه وقال أبو حنيفة هو حق لله وعندنا أنه لا يستوفي إلا بمطالبة المقذوف وهو قول الأكثرين وقال ابن أبي ليلى يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف ","part":6,"page":11},{"id":2533,"text":" قوله تعالى إلا الذين تابوا أي من القذف وأصلحوا قال ابن عباس أظهروا التوبة وقال غيره لم يعودوا إلى قذف المحصنات \r\n وفي هذا الإستثناء قولان \r\n أحدهما أنه نسخ حد القذف وإسقاط الشهادة معا وهذا قول عكرمة والشعبي وطاووس ومجاهد والقاسم بن محمد والزهري والشافعي واحمد \r\n والثاني أنه يعود إلى الفسق فقط وأما الشهادة فلا تقبل أبدا قاله الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة فعلى هذا القول انقطع الكلام عند قوله أبدا وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام وهذا أصح لأن المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرما من راكبها فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته فالرامي أيسر جرما وليس القاذف بأشد جرما من الكافر فإنه إذا أسلم قبلت شهادته والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ","part":6,"page":12},{"id":2534,"text":" والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم \r\n قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم سبب نزولها أن هلال بن أمية وجد عند اهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله إني جئت أهلي فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ما جاء به واشتد عليه فقال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله هلالا ويبطل شهادته فقال هلال والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا فوالله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وفي حديث آخر أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهلال حين قذفها ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك فنزلت هذه الآية فنسخ حكم الجلد في حق الزوج القاذف ","part":6,"page":13},{"id":2535,"text":" - فصل \r\n في بيان حكم الآية \r\n إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحد وله التخلص منه باقامة البينة أو باللعان فان أقام البينة لزمها الحد وإن لاعنها فقد حقق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان فان نكل الزوج عن اللعان فعليه حد القذف وإن نكلت الزوجة لم تحد وحبست حتى تلاعن أو نقر بالزنا في إحدى الروايتين وفي الأخرى يخلى سبيلها وقال أبو حنيفة لا يحد واحد منهما ويحبس حتى يلاعن وقال مالك والشافعي يجب الحد على الناكل منهما - فصل \r\n ولا تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم فان كانت المرأة خفرة بعث الحاكم من يلاعن بينهما وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا أربع مرات ثم يقول في الخامسة ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تقول الزوجة أربع مرات أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا ثم نقول وغضب الله عليها إن كان من الصادقين والسنة أن يتلاعنا قياما ويقال للزوج إذا بلغ اللعنة اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكذلك يقال للزوجة إذا بلغت إلى الغضب فان كان بينهما ولد اقتصر نفيه عن الأب إلى ذكره في اللعان فيزيد في الشهادة وما هذا الولد ولدي وتزيد هي وإن هذا الولد ولده ","part":6,"page":14},{"id":2536,"text":" - فصل \r\n واختلف الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان فالمشهور عن أحمد أن كل زوج صح قذفه صح لعانه فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر والعبد وكذلك المرأة وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز اللعان بين الحر والأمة ولا بين العبد والحرة ولا بين الذميين أو إذا كان أحدهما ذميا ونقل حرب عن أحمد نحو هذا والمذهب هو الأول ولا تختلف الرواية عن احمد ان فرقة اللعان لا تقع بلعان الزوج وحده واختلف هل تقع بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين وتحريم اللعان مؤبد فان أكذب الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا وبه قال عمر وعلي وابن مسعود وعن أحمد روايتان أصحهما هذا والثانية يجتمعان بعد التكذيب وهو قول أبي حنيفة \r\n قوله تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم وقرأ أبو المتوكل وابن يعمروالنخعي تكن بالتاء \r\n قوله تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم أربع بفتح العين وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم برفع العين قال الزجاج من رفع اربع فالمعنى فشهادة احدهم التي تدرأ حد القذف أربع ومن نصب فالمعنى فعليهم ان يشهد أحدهم اربع \r\n قوله تعالى والخامسة قرأ حفص عن عاصم والخامسة نصبا حملا على نصب أربع شهادات \r\n قوله تعالى أن لعنة الله عليه قرأ نافع ويعقوب والمفضل أن ","part":6,"page":15},{"id":2537,"text":" لعنة الله و أن غضب الله بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع الهاء من لعنة والباء من غضب إلا ان نافعا كسر الضاد من غضب وفتح الباء \r\n قوله تعالى ويدرأ عنها أي ويدفع عنها العذاب وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنه الحد والثاني الحبس ذكرهما ابن جرير والثالث العار \r\n قوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي ستره ونعمته قال الزجاج وجواب لولا هاهنا متروك والمعنى لولا ذلك لنال الكاذب منكم عذاب عظيم وقال غيره لولا فضل الله لبين الكاذب من الزوجين فأقيم عليه الحد وأن الله تواب يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة حكيم فيما فرض من الحدود إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ","part":6,"page":16},{"id":2538,"text":" ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله ان تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم \r\n قوله تعالى إن الذين جاؤوا بالإفك أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في قصة عائشة وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب الحدائق وفي كتاب المغني في التفسير فلم نطل بذكره لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب ليحفظ فأما الإفك فهو الكذب والعصبة الجماعة ","part":6,"page":17},{"id":2539,"text":" ومعنى قوله منكم أي من المؤمنين وروى عروة عن عائشة أنها قالت هم أربعة حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وكذلك عدهم مقاتل \r\n قوله تعالى لا تحسبوه شرا لكم قال المفسرون هذا خطاب لعائشة وصفوان بن المعطل وقيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعائشة والمعنى إنكم تؤجرون فيه لكل امرئ منهم يعني من العصبة الكاذبة ما اكتسب من الإثم أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه والذي تولى كبره منهم وقرأ ابن عباس وأبو رزين وعكرمة ومجاهد وابن أبي عبلة والحسن ومحبوب عن أبي عمرو ويعقوب كبره بضم ","part":6,"page":18},{"id":2540,"text":" الكاف قال الكسائي وهما لغتان وقال ابن قتيبة كبر الشئ معظمه ومنه هذه الآية قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة ... تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدا تكاد تنعرف ... \r\n وفي المتولي لذلك قولان \r\n أحدهما أنه عبد الله بن أبي رواه أبو صالح عن ابن عباس وعروة عن عائشة وبه قال مجاهد والسدي ومقاتل قال المفسرون هو الذي أشاع الحديث فله عذاب عظيم بالنار وقال الضحاك هو الذي بدأ بذلك \r\n والثاني أنه حسان روى الشعبي أن عائشة قالت ما سمعت أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة فقيل يا أم المؤمنين أليس الله يقول والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت اليس قد ذهب بصره وروى عنها مسروق أنها قالت وأي عذاب أشد من العمى ولعل الله أن يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره تعني حسان بن ثابت ","part":6,"page":19},{"id":2541,"text":" ثم إن الله عز و جل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله لولا إذ سمعتموه أي هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ظن المؤمنون من العصبة الكاذبة وهم حسان ومسطح والمؤمنات وهي حمنة بنت جحش بأنفسهم وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها بأمهاتهم والثاني بأخواتهم والثالث بأهل دينهم لان المؤمنين كنفس واحدة وقالوا هذا إفك مبين أي كذب بين وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة فقال هذا إفك مبين أكنت يا أماه فاعلته قالت معاذ الله قال فعائشة والله خير منك فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى لولا جاؤوا أي هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري بأربعة منونة والمعنى يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون ثم ذكر القاذفين فقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي لولا ما من الله به عليكم لمسكم أي لأصابكم فيما أفضتم أي أخذتم وخضتم فيه من الكذب والقذف ","part":6,"page":20},{"id":2542,"text":" عذاب عظيم في الدنيا والآخرة ثم ذكر الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه العذاب فقال إذ تلقونه وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا فيتلقاه بعضهم من بعض وقرأ عمر بن الخطاب إذ تلقونه بتاء واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة وقرأ معاوية وابن السميفع مثله إلا أنهما فتحا التاء والقاف وقرأ ابن مسعود تتلقونه بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف وقرأ أبي بن كعب وعائشة ومجاهد وأبو حيوة تلقونه بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف وقال الزجاج تلقونه يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه ومعناه إذ تسرعون بالكذب يقال ولق يلق إذا أسرع في الكذب وغيره قال الشاعر ... \r\n جاءت به عنس من الشام تلق \r\n أي تسرع وقال ابن قتيبة تلقونه أي تقبلونه ومن قرأ تلقونه أخذه من الولق وهو الكذب \r\n قوله تعالى وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم أي من غير أن تعلموا أنه حق وتحسبونه يعني ذلك القذف هينا أي سهلا لا إثم ","part":6,"page":21},{"id":2543,"text":" فيه وهو عند الله عظيم في الوزر ثم زاد عليهم في الإنكار فقال ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أي ما يحل وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك وهو يحتمل التنزيه والتعجب وروت عائشة أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له ألم تسمع ما يتحدث الناس فقال ما يكون لنا ان نتكلم بهذا الآية فنزلت الآية وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ذلك فنزلت الآية المتقدمة وروي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ذلك قال سبحانك هذا بهتان عظيم فقيل للناس هلا قلتم كما قال سعد \r\n قوله تعالى يعظكم الله أي ينهاكم الله ان تعودوا لمثله أي إلى مثله إن كنتم مؤمنين لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة ويبين الله لكم الآيات في الأمر والنهى \r\n ثم هدد القاذفين بقوله إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي يحبون أن يفشو القذف بالفاحشة وهي الزنا في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا يعني الجلد والآخرة عذاب النار وروت عمرة عن عائشة قالت لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل امر برجلين وامرأة فضربوا حدهم وروى أبو صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جلد عبد الله بن ابي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش فأما الثلاثة فتابوا وأما عبد الله فمات منافقا وبعض العلماء ينكر صحة هذا ويقول لم يضرب أحدا ","part":6,"page":22},{"id":2544,"text":" قوله تعالى والله يعلم شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله وأنتم لا تعلمون ذلك ولولا فضل الله عليكم جوابه محذوف تقديره لعاقبكم فيما قلتم لعائشة قال ابن عباس يريد مسطحا وحسان وحمنة يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم \r\n قوله تعالى لا تتبعوا خطوات الشيطان أي تزيينه لكم قذف عائشة وقد سبق شرح خطوات الشيطان وبيان الفحشاء والمنكر \r\n قوله تعالى ما زكى منكم وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ما زكى بتشديد الكاف \r\n وفيمن خوطب بهذا قولان \r\n أحدهما أنه عام في الخلق والثاني أنه خاص للمتكلمين في الإفك ثم في معناه أربعة أقوال \r\n أحدهما ما اهتدى رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثاني ما أسلم قاله ابن زبد والثالث ما صلح قاله مقاتل والرابع ما طهر قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ولكن الله يزكي من يشاء أي يطهر من يشاء من ","part":6,"page":23},{"id":2545,"text":" الإثم بالتوبة والغفران فالمعنى وقد شئت ان أتوب عليكم والله سميع عليم علم ما في نفوسكم من التوبة والندامة ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى ولا يأتل وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو جعفر وابن أبي عبلة ولا يتأل بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام على وزن يتعل قال المفسرون سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان ينفق على مسطح لقرابته وفقره فلما خاض في أمر عائشة قال أبو بكر والله لا أنفق عليه شيئا أبدا فنزلت هذه الآية فأما الفضل فقال أبو عبيدة هو التفضل والسعة الجدة قال المفسرون والمراد به أبو بكر \r\n قوله تعالى أن يؤتوا قال ابن قتيبة معناه أن لا يؤتوا فحذف لا فأما قوله أولي القربى فانه يعنى مسطحا وكان أبن خالة أبي بكر وكان مسكينا وكان مهاجرا قال المفسرون فلما سمع أبو بكر ألا تحبون أن يغفر الله لكم قال بلى يا رب وأعاد نفقته على مسطح إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ","part":6,"page":24},{"id":2546,"text":" ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين \r\n قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات يعني العفائف الغافلات عن الفواحش لعنوا في الدنيا أي عذبوا بالجلد وفي الآخرة بالنار \r\n واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال \r\n أحدها انها نزلت في عائشة خاصة قال خصيف سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية فقلت من قذف محصنة لعنة الله قال لا إنما أنزلت هذه الآية في عائشة خاصة \r\n والثاني أنها في أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة قاله الضحاك \r\n والثالث أنها في المهاجرات قال أبو حمزة الثمالي بلغنا أن المرأة كانت إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا إنما خرجت تفجر فنزلت هذه الآية \r\n والرابع أنها عامة في ازواج النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهن وبه قال قتادة وابن زيد ","part":6,"page":25},{"id":2547,"text":" فان قيل لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال \r\n فالجواب أن من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا فاستغني عن ذكر المؤمنين ومثله سرابيل تقيكم الحر أراد والبرد قاله الزجاج \r\n قوله تعالى يوم تشهد عليهم السنتهم وقرأ حمزة والكسائي وخلف يشهد بالياء وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية قال ابو سليمان الدمشقي وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم وقال ابن جرير المعنى ان السنة بعضهم تشهد على بعض \r\n قوله تعالى يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي حسابهم العدل وقيل جزاءهم الواجب وقرأ مجاهد وأبو الجوزاء وحميد بن قيس والأعمش دينهم الحق برفع القاف ويعلمون أن الله هو الحق المبين قال ابن عباس وذلك ان عبد الله بن ابي كان يشك في الدين فإذا كانت القيامة علم حيث لا ينفعه الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم \r\n قوله تعالى الخبيثات للخبيثين فيه أربعة أقوال \r\n أحدها الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء \r\n والثاني الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء فأما الطيبات والطيبون فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات ","part":6,"page":26},{"id":2548,"text":" والثالث الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والطيبات من النساء للطيبين من الرجال \r\n والرابع الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال وكذلك الطيبات أولئك يعني عائشة وصفوان مبرؤون أي منزهون مما يقولون من الفرية لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فان لم تجدوا فيها احدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون \r\n قوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ذكر أهل التفسير ان سبب نزولها أن امرأة من الانصار جاءت إلى رسول الله ص فقالت يا رسول الله إني اكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد فلا يزال يدخل علي رجل من اهلي فنزلت هذه الآية فقال ابو بكر بعد نزولها يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن فنزل قوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة الآية ومعنى قوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ","part":6,"page":27},{"id":2549,"text":" أي بيوتا ليست لكم واختلف القراء في باء البيوت فقرأ بعضهم بضمها وبعضهم بكسرها وقد بينا ذلك في البقرة \r\n قوله تعالى حتى تستأنسوا قال الفراء في الكلام تقديم وتأخير تقديره حتى تسلموا وتستأنسوا قال الزجاج وتستأنسوا في اللغة بمعنى تستأذنوا وكذلك هو في التفسير والاستئذان الاستعلام تقول آذنته بكذا أي أعلمته وآنست منه كذا أي علمت منه ومثله فان آنستم منهم رشدا أي علمتم فمعنى الآية حتى تستعلموا يريد أهلها ان تدخلوا ام لا قال المفسرون وصفة الاستعلام ان تقول السلام عليكم اادخل ولا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية ذلكم خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن لعلكم تذكرون أن الاستئذان خير فتأخذون به قال عطاء قلت لابن عباس أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد قال أيسرك أن ترى منهن عورة قلت لا قال فاستأذن \r\n قوله تعالى فان لم تجدوا فيها احدا أي إن وجدتموها خالية فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي إن ردوكم فلا تقضوا على أبوابهم وتلازموها هو أزكى لكم يعني الرجوع خير لكم وأفضل والله بما تعملون من الدخول باذن وغير إذن عليم ","part":6,"page":28},{"id":2550,"text":" - فصل \r\n وهل هذه الآية منسوخة أم لا فيها قولان \r\n أحدهما أن حكمها عام في جميع البيوت ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون بقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة هذا مروي عن الحسن وعكرمة \r\n والثاني أن الآيتين محكمتان فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها والإذن لا يتصور من غير آذن فاذا بطل الاستئذان لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى وهذا أصح \r\n قوله تعالى أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها خمسة اقوال \r\n أحدها أنها الخانات والبيوت المبينة للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم قاله قتادة \r\n والثاني أنها البيوت الخربة والمتاع قضاء الحاجة فيها من الغائط والبول قاله عطاء \r\n والثالث أنها بيوت مكة قاله محمد بن الحنفية \r\n والرابع حوانيت التجار التي بالأسواق قاله ابن زيد \r\n والخامس أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جعل لأجل الساكن قاله ابن جريج \r\n فيخرج في معنى المتاع ثلاثة أقوال ","part":6,"page":29},{"id":2551,"text":" أحدهما الأمتعة التي تباع وتشترى والثاني إلقاء الأذى من الغائط والبول والثالث الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهم ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني أخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم في من قولان \r\n أحدهما أنها صلة والثاني أنها أصل لأنهم لم يؤمروا بالفض مطلقا وإنما أمروا بالغض عما لا يحل \r\n وفي قوله ويحفظوا فروجهم قولان أحدهما عما لا يحل لهم قاله الجمهور والثاني عن أن ترى فهو أمر لهم بالاستتار قاله أبو العالية وابن زيد \r\n قوله تعالى ذلك إشارة إلى الغض وحفظ الفروج أزكى لهم أي خير وأفضل إن الله خبير بما يصنعون في الأبصار والفروج ثم امر النساء بما امر به الرجال ","part":6,"page":30},{"id":2552,"text":" قوله تعالى ولا يبدين زينتهن أي لا يظهرنها لغير محرم وزينتهن على ضربين خفيفة كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك وظاهرة وهي المشار إليها بقوله إلا ما ظهر منها وفيه سبعة أقوال \r\n أحدهما انها الثياب رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود وفي لفظ آخر قال هو الرداء والثاني أنها الكف والخاتم والوجه والثالث الكحل والخاتم رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع القلبان وهما السواران والخاتم والكحل قاله المسور بن مخرمة والخامس الكحل والخاتم والخضاب قاله مجاهد والسادس الخاتم والسوار قاله الحسن والسابع الوجه والكفان قاله الضحاك قال القاضي أبو يعلى والقول الاول اشبه وقد نص عليه احمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شئ منها عورة حتى الظفر ويفيد هذا تحريم النظر إلى شئ من الأجنبيات لغير عذر فان كان ","part":6,"page":31},{"id":2553,"text":" لعذر مثل ان يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فانه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها بغير عذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن \r\n فان قيل فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها \r\n فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه \r\n قوله تعالى وليضربن بخمرهن وهي جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها والمعنى وليلقين مقانعهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وإبراهيم النخفي والأعمش على جيوبهن بكسر الجيم ولا يبدين زينتهن يعني الخفية وقد سبق بيانها إلا لبعولتهن قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن \r\n قوله تعالى أو نسائهن يعني المسلمات قال أحمد لا يحل للمسلمة ان تكشف راسها عند نساء أهل الذمة واليهودية والنصرانية لا تقبلان المسلمة ","part":6,"page":32},{"id":2554,"text":" قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن قال اصحابنا المراد به الإماء دون العبيد وقال أصحاب الشافعي يدخل فيه العبيد فيجوز للمرأة عندهم أن تظهر لمملوكها ما تظهر لمحارمها لأن مذهب الشافعي انه محرم لها وعندنا انه ليس بمحرم ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها وقد نص أحمد على انه لايجوز أن ينظر إلى شعر مولاته قال القاضي أبو يعلى وإنما ذكر الإماء في الآية لانه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء لأن الذين تقدم ذكرهم احرار فلما ذكر الإماء زال الإشكال \r\n قوله تعالى أو التابعين وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم لإرفاقهم إياهم او لأنهم نشؤوا فيهم \r\n وللمفسرين في هذا التابع ستة اقوال \r\n احدهما أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل قاله قتادة وكذلك قال مجاهد هو الأبلة الذي يريد الطعام ولا يريد النساء والثاني أنه العنين قاله عكرمة والثالث المخنث كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن قاله الحسن والرابع أنه الشيخ ","part":6,"page":33},{"id":2555,"text":" الفاني والخامس انه الخادم قالهما ابن السائب والسادس أنه الذي لا يكترث بالنساء إما لكبر أو لهرم أو لصغر ذكره ابن المنادي من أصحابنا قال الزجاج غير صفة للتابعين وفيه دليل على ان قوله أو ما ملكت أيمانهن معناه غير أولي الإربة من الرجال والمعنى ولا يبدين زينتهن لمماليكهن ولا لتباعهن إلا أن يكونوا غير أولي الإربة والإربة الحاجة ومعناه غير ذوي الحاجات إلى النساء \r\n قوله تعالى أو الطفل قال ابن قتيبة يريد ألأطفال بدليل قوله لم يظهروا على عورات النساء أي لم يعرفوها \r\n قوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن أي باحدى الرجلين على الأخرى ليضرب الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين ","part":6,"page":34},{"id":2556,"text":" وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتكم ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء إن أردن تحصنوا لتبتغوا عرض الحياة الدنيار ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين \r\n قوله تعالى وأنكحوا الأيامي وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء يقال رجل أيم وامرأة أيم ورجل أرمل وامرأة أرملة ورجل بكر وامراة بكر إذا لم يتزوجا وامرأة ثيب ورجل ثيب إذا كانا قد تزوجا والصالحين من عبادكم أي من عبيدكم يقال عبد وعباد وعبيد كما يقال كلب وكلاب وكليب وقرأ الحسن ومعاذ القارئ من عبيدكم ","part":6,"page":35},{"id":2557,"text":" قال المفسرون والمراد بالآية الندب ومعنى الصلاح هاهنا الإيمان والمراد بالعباد المملوكون فالمعنى زوجوا المؤمنين من عبيدكم وولائدكم ثم رجع إلى الأحرار فقال إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله فأخبرهم أن النكاح سبب لنفي الفقر \r\n قوله تعالى وليستعفف الذين لا يجحدون نكاحا أي وليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد ما ينكح به من صداق ونفقة وقد روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال يا معشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يجد فعليه بالصيام فانه له وجاء ","part":6,"page":36},{"id":2558,"text":" قوله تعالى والذين يبتغون الكتاب أي يطلبون المكاتبة من العبيد والإماء على أنفسهم فكاتبوهم فيه قولان \r\n أحدهما أنه مندوب إليه قاله الجمهور \r\n والثاني أنه واجب قاله عطاء وعمرو بن دينار وذكر المفسرون أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزي يقال له صبيح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فنزلت هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا \r\n قوله تعالى إن علمتم فيهم خيرا فيه ستة أقوال \r\n أحدها إن علمتم لهم مالا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء والضحاك والثاني إن علمتم لهم حيلة يعني الكسب رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث إن علمتم فيهم دينا قاله الحسن والرابع إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير قاله سعيد بن جبير والخامس إن أقاموا الصلاة قاله عبيدة السلماني والسادس إن علمتم لهم صدقا ووفاء قاله إبراهيم \r\n قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فيه قولان \r\n أحدهما انه خطاب للاغنياء الذين تجب عليهم الزكاة أمروا ان يعطوا المكاتبين من سهم الرقاب روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون \r\n والثاني أنه خطاب للسادة أمروا أن يعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئا قال احمد والشافعي الإيتاء واجب وقدره أحمد بربع مال الكتابة وقال الشافعي ليس بمقدر وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب الإيتاء وقد روي عن عمر بن الخطاب ","part":6,"page":37},{"id":2559,"text":" أنه كاتب غلاما له يقال له أبو أمية فجاءه بنجمه حين حل فقال اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك قال يا أمير المؤمنين لو أخرته حتى يكون في آخر النجوم فقال يا أبا أمية إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال عكرمة وكان ذلك أول نجم أدي في الإسلام \r\n قوله تعالى ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء روى مسلم في صحيحه من حديث ابي سفيان عن جابر قال كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له اذهبي فابغينا شيئا فنزلت هذه الآية قال المفسرون وكان له جاريتان معاذة ومسيكة فكان يكرههما على الزنا ويأخذ منهما الضريبة وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا منه وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه فنزلت هذه الآية وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي معاذة ومسيكة وأميمة وقتيلة وعمرة وأروى فأما الفتيات فهن الإماء والبغاء الزنا والتحصن التعفف \r\n واختلفوا في معنى إن أردن تحصنا على اربعة أقوال \r\n أحدها أن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكرناه فخرج النهي عن صفة السبب وإن لم يكن شرطا فيه ","part":6,"page":38},{"id":2560,"text":" والثاني إنه إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فانها تبغي بالطبع \r\n والثالث أن إن بمعنى إذ ومثله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين البقرة وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين آل عمران \r\n والرابع ان في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره وأنكحوا الأيامي إلى قوله وإمائكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا وهو كسبهن وبيع أولادهن ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور للمكرهات رحيم وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني وجعفر بن محمد من بعد إكراههن لهن غفور رحيم \r\n قوله تعالى آيات مبينات قرأ ابن عامر وأهل الكوفة غير أبي بكر وأبان مبينات بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة النور وآخر سورة الطلاق \r\n قوله تعالى ومثلا من الذين خلوا أي شبها من حالهم بحالكم أيها المكذبون وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم \r\n قوله تعالى الله نور السماوات والأرض فيه قولان \r\n أحدهما هادي اهل السماوات والأرض رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":6,"page":39},{"id":2561,"text":" وبه قال أنس بن مالك وبيان هذا ان النور في اللغة الضياء وهو الذي تصل به الأبصار إلى مبصراتها فورد النور مضافا إلى الله تعالى لأنه هو الذي يهدي المؤمنين ويبين لهم ما يهتدون به والخلائق بنوره يهتدون \r\n والثاني مدبر السماوات والأرض قاله مجاهد والزجاج وقرأ أبي ابن كعب وأبو المتوكل وابن السميفع الله نور بفتح النون والواو وتشديدها ونصب الراء السماوات بالخفض والارض بالنصب \r\n قوله تعالى مثل نوره في هاء الكناية أربعة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الله عز و جل قال ابن عباس مثل هداه في قلب المؤمن \r\n والثاني أنها ترجع إلى المؤمن فتقديره مثل نور المؤمن قاله أبي ابن كعب وكان أبي وابن مسعود يقرآن مثل نور من آمن به \r\n والثالث انها ترجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم قاله كعب \r\n والرابع أنها ترجع إلى القرآن قاله سفيان \r\n فأما المشكاة ففيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها في موضع الفتيلة الذي هو كالأنبوب والمصباح الضوء قاله ابن عباس \r\n والثاني أنها القنديل والمصباح الفتيلة قاله مجاهد \r\n والثالث أنها الكوة التي لا منفذ لها والمصباح السراج قاله كعب وكذلك قال الفراء المشكاة الكوة التي ليست بنافذة وقال ابن قتيبة المشكاة ","part":6,"page":40},{"id":2562,"text":" الكوة بلسان الحبشة وقال الزجاج هي من كلام العرب والمصباح السراج وإنما ذكر الزجاجة لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في غيره وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن أبي عبلة في زجاجة الزجاجة بفتح الزاي فيهما وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابن يعمر بكسر الزاي فيهما قال بعض أهل المعاني معنى الآية كمثل مصباح في مشكاة فهو من المقلوب \r\n فأما الدري فقرأ أبو عمرو والكسائي وأبان عن عاصم دري بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودا مهموزا قال ابن قتيبة المعنى على هذا إنه من الكواكب الدراري وهي اللاتي يدرأن عليك أي يطلعن وقال الزجاج هو ماخوذ من درأ يدرأ إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره يقال تدارأ الرجلان إذا تدافعا وروى المفضل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد وهي قراءة عبد الله بن عمر والزهري وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم دري بضم الدال وكسر الراء ","part":6,"page":41},{"id":2563,"text":" وتشديد الياء من غير مد ولا همز وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس وعاصم الجحدري دري بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا وقرأ أبي ابن كعب وسعيد بن المسيب وقتادة بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز وقرأ ابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن يعمر بفتح الدال وكسر الراء مهموزا مقصورا قال الزجاج الدري منسوب إلى انه كالدر في صفائه وحسنه وقال الكسائي الدري الذي يشبه الدر والدري جار والدري يلتمع وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد قال الزجاج فالنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا وقال الفراء ليس هذا بجائز في العربية لأنه ليس في الكلام فعيل إلا أعجمي مثل مريق وما أشبهه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي المريق العصفر اعجمي معرب وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل قال ابو علي وقد حكى سيبويه عن ابي الخطاب كوكب دري من الصفات ومن الاسماء المريق العصفر \r\n قوله تعالى توقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء المفتوحة وتشديد القاف ونصب الدال يريدان المصباح لأنه هو الذي يوقد وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم يوقد بالياء مضمومة مع ضم الدال يريدون المصباح أيضا وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم توقد بضم التاء والدال يريدون الزجاجة قال الزجاج والمقصود مصباح الزجاجة فحذف المضاف \r\n قوله تعالى من شجرة أي من زيت شجرة فحذف المضاف يدلك على ذلك قوله يكاد زيتها يضئ والمراد بالشجرة هاهنا شجرة الزيتون ","part":6,"page":42},{"id":2564,"text":" وبركتها من وجوه فانها تجمع الأدم والدهن والوقود فيوقد بحطب الزيتون ويغسل برماده الإبريسم ويستخرج دهنه أسهل استخراج ويورق غصنه من أوله إلى آخره وإنما خصت بالذكر هاهنا دون غيرها لان دهنها أصفى وأضوأ \r\n قوله تعالى لا شرقية ولا غربية فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بين الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس قاله أبي ابن كعب ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف ولا يواريها شئ فهو اجود لزيتها رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والزجاج والثالث أنها من شجر الجنة لا من شجرة الدنيا قاله الحسن \r\n قوله تعالى يكاد زيتها يضئ أي يكاد من صفائه يضئ قبل أن تصيبه النار بأن يوقد به نور على نور قال مجاهد النار على الزيت وقال ابن السائب المصباح نور والزجاجة نور وقال أبو سليمان الدمشقي نور النار ونور الزيت ونور الزجاجة يهدي الله لنوره فيه أربعة أقوال ","part":6,"page":43},{"id":2565,"text":" أحدها لنور القرآن والثاني لنور الإيمان والثالث لنور محمد صلى الله عليه و سلم والرابع لدينه الإسلام - فصل \r\n فأما وجه هذا المثل ففيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه شبه نور محمد صلى الله عليه و سلم بالمصباح النير فالمشكاة جوف رسول الله صلى الله عليه و سلم والمصباح النور الذي في قلبه والزجاجة قلبه فهو من شجرة مباركة وهو إبراهيم عليه السلام سماه شجرة مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني يكاد محمد صلى الله عليه و سلم يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم وقال القرظي المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وقال الضحاك شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة ومحمدا صلى الله عليه و سلم بالمصباح \r\n والثاني أنه شبه نور الإيمان في قلب المؤمن بالمصباح فالمشكاة قلبه والمصباح نور الإيمان فيه وقيل المشكاة صدره والمصباح القرآن والإيمان اللذان في ","part":6,"page":44},{"id":2566,"text":" صدره والزجاجة قلبه فكأنه مما فيه من القرأن والإيمان كوكب مضئ توقد من شجرة وهي الإخلاص فمثل الإخلاص عنده كشجرة لا تصيبها الشمس فكذلك هذا المؤمن قد احترس من أن تصيبه الفتن فان اعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فقلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم فاذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى كما يكاد هذا الزيت يضئ قبل أن تمسه النار فاذا مسته ا شتد نوره فالمؤمن كلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى نور يوم القيامة \r\n والثالث أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفمه والشجرة المباركة شجرة الوحي تكاد حجج القرآن تتضح وإن لم نقرأ وقيل تكاد حجج الله تضئ لمن فكر فيها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن نور على نور أي القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد قام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن \r\n قوله تعالى ويضرب الله الأمثال أي ويبين الله الأشباه للناس تقريبا إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله احسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب \r\n قوله تعالى في بيوت قال الزجاج في من صلة قوله كمشكاة ","part":6,"page":45},{"id":2567,"text":" فالمعنى كمشاكة في بيوت ويجوز أن تكون متصلة بقوله يسبح له فيها فتكون فيها تكريرا على التوكيد والمعنى يسبح لله رجال في بيوت \r\n فان قيل المشكاة إنما تكون في بيت واحد فكيف قال في بيوت \r\n فعنه جوابان أحدهما أنه من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء \r\n والثاني أنه راجع إلى كل واحد من البيوت فالمعنى في كل بيت مشكاة وللمفسرين في المراد بالبيوت ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدهما انها المساجد قاله ابن عباس والجمهور والثاني بيوت أزواج رسول الله ص قاله مجاهد والثالث بيت المقدس قاله الحسن \r\n فأما أذن فمعنا امر وفي معنى ان ترفع قولان \r\n أحدها أن تعظم قاله الحسن والضحاك \r\n والثاني أن تبنى قاله مجاهد وقتادة ","part":6,"page":46},{"id":2568,"text":" وفي قوله ويذكر فيها اسمه قولان \r\n أحدهما توحيده رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني يتلى فيها كتابه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n قوله تعالى يسبح قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي يسبح بكسر الباء وقرأ بن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتحها وقرأ معاذ القارئ وأبو حيوة تسبح بتاء مرفوعة وكسر الباء ورفع الحاء \r\n وفي قوله يسبح له فيها قولان \r\n أحدهما أنه الصلاة ثم في صلاة الغدو قولان احدهما أنها صلاة الفجر رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثاني صلاة الضحى روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلاغواص ثم قرأ يسبح له فيها بالغدو والآصال وفي صلاة الآصال قولان أحدهما أنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء قاله ابن السائب والثاني صلاة العصر قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والقول الثاني أنه التسبيح المعروف ذكره بعض المفسرين \r\n قوله تعالى رجال لا تلهيهم أي لا تشغلهم تجارة ولا بيع قال ابن السائب التجار الجلابون والباعة المقيمون وقال الواقدي التجارة ها هنا بمعنى الشراء ","part":6,"page":47},{"id":2569,"text":" وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال \r\n أحدها الصلاة المكتوبة قاله ابن عباس وعطاء وروى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله \r\n والثاني عن القيام بحق الله قاله قتادة \r\n والثالث عن ذكر الله باللسان ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى وإقام الصلاة أي أداؤها لوقتها وإتمامها \r\n فان قيل إذا كان المراد بذكر الله الصلاة فما معنى إعادتها \r\n فالجواب أنه بين أنهم يقيمونها بأدائها في وقتها \r\n قوله تعالى تتقلب فيه القلوب والأبصار في معناه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور ازداد بصيرة برؤية ما وعد به ومن كان قلبه على غير ذلك رأى ما يوقن معه بامر القيامة قاله الزجاج \r\n والثاني أن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك والأبصار تتقلب تنظر من أين يؤتون كتبهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال وأي ناحية يؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات الشمال قاله ابن جرير \r\n والثالث تتقلب القلوب فتبلغ إلى الحناجر وتتقلب الأبصار إلى الزرق بعد الكحل والعمى بعد النظر \r\n قوله تعالى ليجزيهم المعنى يسبحون الله ليجزيهم أحسن ما عملوا أي ليجزيهم بحسناتهم فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها ويزيدهم من فضله ","part":6,"page":48},{"id":2570,"text":" مالم يستحقوه بأعمالهم والله يرزق من يشاء بغير حساب قد شرحناه في آل عمران والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوقه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور \r\n ثم ضرب الله مثلا للكفار فقال والذين كفروا أعمالهم كسراب قال ابن قتيبة السراب ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار والآل ما رأيته في أول النهار وآخره وهو يرفع كل شئ والقيعة والقاع واحد وقرأ أبي ابن كعب وعاصم الجحدري وابن السميفع بقيعات وقال الزجاج القيعة جمع قاع مثل جار وجيرة والقيعة والقاع ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري وذلك هو السراب والآل مثل السراب إلا انه يرتفع وقت الضحى كالماء بين السماء والأرض يحسبه الظمآن وهو الشديد العطش ماء حتى إذا جاء إلى موضع السراب رأى أرضا لاماء فيها فأعلم الله ان الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله كظن الذي يظن السراب ماء وعمله قد حبط قوله تعالى ووجد الله عنده أي قدم على الله فوفاه حسابه أي جازاه بعمله وهذا في الظاهر خبر عن الظمآن والمراد به الخبر عن الكافر ","part":6,"page":49},{"id":2571,"text":" قوله تعالى والله سريع الحساب مفسر في البقرة \r\n قوله تعالى أو كظلمات في هذا المثل قولان \r\n أحدهما أنه لعمل الكافر قاله الجمهور واختاره الزجاج \r\n والثاني أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا يعقل ولا يبصر قاله الفراء فأما اللجي فهو العظيم اللجة وهو العميق يغشاه أي يعلو ذلك البحر موج من فوقه أي من فوق الموج موج والمعنى يتبع الموج موج حتى كان بعضه فوق بعض من فوقه أي من فوق ذلك الموج سحاب \r\n ثم ابتدأ فقال ظلمات يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول وظلمة الموج الذي فوق الموج وظلمة السحاب وقرأ ابن كثير وابن محيصن سحاب ظلمات مضافا إذا أخرج يده يعني إذا أخرجها مخرج لم يكد يراها فيه قولان \r\n أحدهما أنه لم يرها قاله الحسن واختاره الزجاج قال لأن في دون هذه الظلمات لا يرى الكف وكذلك قال ابن الأنباري معناه لم يرها البتة لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمات على ان الرؤية معدومة فبان بهذا الكلام أن يكد زائدة للتوكيد بمنزلة ما في قوله عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون \r\n والثاني أنه لم يرها إلا بعد الجهد قاله المبرد قال الفراء وهذا كما تقول ما كدت أبلغ إليك وقد بلغت قال الفراء وهذا وجه العربية - فصل \r\n فأما وجه المثل فقال المفسرون لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور ","part":6,"page":50},{"id":2572,"text":" ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات والمعنى أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد وقيل الظلمات ظلمة الشرك وظلمة المعاصي وقال بعضهم ضرب الظلمات مثلا لعمله والبحر اللجي لقلبه والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة والسحاب للرين والختم على قلبه فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة \r\n قوله تعالى ومن لم يجعل الله له نورا فيه قولان \r\n أحدهما دينا وإيمانا قاله ابن عباس والسدي والثاني هداية قاله الزجاج ألم تر ان الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير \r\n قوله تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض قد تقدم تفسيره \r\n قوله تعالى والطير أي وتسبح له الطير صافات أي باسطات اجنحتها في الهواء وإنما خص الطير بالذكر لأنها تكون بين السماء والارض إذا طارت فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض \r\n قوله تعالى كل أي من الجملة التي ذكرها قد علم صلاته وتسبيحه قال المفسرون الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق \r\n وفي المشار إليه بقوله قد علم قولان \r\n أحدهما أنه الله تعالى والمعنى قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه قاله الزجاج ","part":6,"page":51},{"id":2573,"text":" والثاني أنه المصلي والمسبح ثم فيه قولان أحدهما قد علم المصلي والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه أي قد عرف ما كلف من ذلك والثاني قد علم المصلي صلاة الله وتسبيحه أي علم أن ذلك لله تعالى وحده \r\n وقرأ قتادة وعاصم الجحدري وابن يعمر كل قد علم برفع العين وكسر اللام صلاته وتسبيحه بالرفع فيهما ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ألودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار \r\n قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا أي يسوقه ثم يؤلف بينه أي يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة والسحاب لفظه لفظ الواحد ومعناه الجمع فلهذا قال يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي يجعل بعض السحاب فوق بعض فترى الودق وهو المطر قال الليث الودق المطر كله شديده وهينه \r\n قوله تعالى من خلاله وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك من خلله والخلال جمع خلل مثل جبال وجبل وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف تقديره وينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه ومن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال ","part":6,"page":52},{"id":2574,"text":" جنس البرد قال المفسرون وهي جبال في السماء مخلوقة من برد وقال الزجاج معنى الكلام وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدي من حديد المعنى هذا خاتم حديد في يدي \r\n قوله تعالى فيصيب به أي البرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره والسنا الضوء يذهب وقرأ مجاهد وأبو جعفر يذهب بضم الياء وكسر الهاء يقلب الله الليل والنهار أي يأتي بهذا ويذهب بهذا إن في ذلك التقلب لعبرة لأولي الأبصار أي دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير \r\n قوله تعالى والله خلق كل دابة وقرأ حمزة والكسائي والله خالق كل دابة من ماء وفي الماء قولان \r\n أحدهما ان الماء أصل كل دابة والثاني أنه النطفة والمراد به جميع الحيوان المشاهد في الدنيا وإنما قال فمنهم تغليبا لما يعقل وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من أربع لأنه في رأي العين كالذي يمشي على اربع وقيل لأنه يعتمد في المشي على اربع وإنما سمي السائر على بطنه ماشيا لأن كل سائر ومستمر يقال له ماش وإن لم يكن حيوانا حتى إنه يقال قد مشى هذا الأمر هذا قول الزجاج وقال أبو عبيدة إنما هذا على سبيل التشبيه بالماشي لأن المشي لا يكون على البطن إنما يكون ","part":6,"page":53},{"id":2575,"text":" لمن له قوائم فإذا خلطوا ماله قوائم بما لا قوائم له جاز ذلك كما يقولون أكلت خبزا ولبنا ولا يقال أكلت لبنا \r\n لقد انزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون \r\n قوله تعالى ويقولون آمنا بالله قال المفسرون نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين حكومة يهودي فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ص ليحكم بينهما فقال المنافق لليهودي إن محمدا يحيف علينا ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى ثم يتولى فريق منهم يعني المنافقين من بعد ذلك أي من بعد قولهم آمنا وما أولئك يعني المعرضين عن حكم الله ورسوله بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله أي إلى كتابه ورسوله ليحكم بينهم ","part":6,"page":54},{"id":2576,"text":" الرسول إذا فريق منهم معرضون ومعنى الكلام أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم لعلمهم أنه يحكم بالحق وإن كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه مذعنين لثقتهم أنه يحكم لهم بالحق قال الزجاج والإذعان في اللغة الإسراع مع الطاعة تقول قد أذعن لي أي قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه \r\n قوله تعالى أفي قلوبهم مرض أي كفر ام ارتابوا أي شكوا في القرآن وهذا استفهام ذم وتوبيخ والمعنى إنهم كذلك وإنما ذكره بلفظ الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم كما قال جرير في المدح ... ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ... \r\n أي انتم كذلك فأما الحيف فهو الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار بل اولئك هم الظالمون أي لا يظلم الله ورسوله احدا بل هم الظالمون لانفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول \r\n ثم نعت المؤمنين فقال إنما كان قول المؤمنين قال الفراء ليس هذا بخبر ماض وإنما المعنى إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا وقرأ الحسن وأبو الجوزاء إنما كان قول المؤمنين بضم اللام وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري وابن أبي ليلى ليحكم بينهم برفع الياء وفتح الكاف وقال المفسرون سمعنا والمعنى قول رسول الله ص وأطعنا أمره وإن كان ذلك فيما يكرهونه \r\n قوله تعالى ويخش الله أي فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بعد ان يعصيه وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن نافع ويتقهي ","part":6,"page":55},{"id":2577,"text":" موصولة بياء وروى قالون عن نافع ويتقه فأولئك بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويتقه جزما وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين \r\n قوله تعالى وأقسموا بالله قال المفسرون لما نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله قالوا للنبي ص والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا فكيف لا نرضى حكمك فنزلت هذه الآية وقد بينا معنى جهد ايمانهم المائدة 53 لئن أمرتهم ليخرجن من أموالهم وديارهم وقيل ليخرجن إلى الجهاد قل لا تقسموا هذا تمام الكلام ثم قال طاعة معروفة قال الزجاج المعنى أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة قال ابن قتيبةك وبعض النحويين يقول الضمير فيها لتكن منكم طاعة معروفة أي صحيحة لا نفاق فيها \r\n قوله تعالى فإن تولوا هذا خطاب لهم والمعنى فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين ومعنى التولي الإعراض عن طاعة الله ورسوله فإنما عليه يعني الرسول ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الطاعة وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوح بآية السيف وليس بصحيح ","part":6,"page":56},{"id":2578,"text":" قوله تعالى وإن تطيعوه يعني رسول الله ص تهتدوا وكان بعض السلف يقول من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقوله وإن تطيعوه تهتدوا وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون \r\n قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم روى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله ص - وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا في لأمتهم فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز و جل فنزلت هذه الآية قال أبو العالية لما أظهر الله عز و جل رسوله على جزيرة العرب وضعوا السلاح وامنوا ثم قبض الله نبيه فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة فأدخل الله عز و جل عليهم الخوف فغيروا فغير ","part":6,"page":57},{"id":2579,"text":" الله تعالى ما بهم وروى أبو صالح عن ابن عباس أن هذا الوعد وعده الله أمة محمد في التوراة والإنجيل وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله ص والمسلمين عن العمرة عام الحديبية قال المسلمون لو أن الله تعالى فتح علينا مكة فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى ليستخلفنهم أي ليجعلنهم يخلفون من قبلهم والمعنى ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها وعلى قول مقاتل المراد بالأرض مكة \r\n قوله تعالى كما استخلف الذين من قبلهم وقرأ أبو بكر عن عاصم كما استخلف بضم التاء وكسر اللام يعني بني اسرائيل وذلك أنه لما هلكت الجبابرة بمصر أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم \r\n قوله تعالى وليمكنن لهم دينهم وهو الإسلام وتمكينه إظهاره على كل دين وليبدلنهم وقرأ ابن كثير وأبو بكر وأبان ويعقوب وليبدلنهم بسكون الباء وتخفيف الدال من بعد خوفهم أمنا لأنهم كانوا مظلومين مقهورين يعبدونني هذا استئناف كلام في الثناء عليهم ومن كفر بعد ذلك بهذه النهم أي جحد حقها قال المفسرون وأول من كفر بهذه النهم قتله عثمان ","part":6,"page":58},{"id":2580,"text":" لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأواهم النار ولبئس المصير \r\n قوله تعالى لا تحسبن الذين كفروا قرأ ابن عامر وحمزة عن عاصم لا يحسبن بالياء وفتح السين وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين ","part":6,"page":59},{"id":2581,"text":" يا أبها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلث مرات من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء ثلث عورات لكم ليس عليكم ولاعليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم \r\n قوله تعالى ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان أحدهما أن رسول الله ص وجه غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال يار رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني أن اسماء بنت مرثد كان لها غلام فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ص فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ","part":6,"page":60},{"id":2582,"text":" ومعنى الآية ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم وفيهم قولان أحدهما أنه أراد الذكور دون الإناث قاله ابن عمر والثاني الذكور والإناث رواه أبو حصين عن أبي عبد الرحمن ومعنى الكلام ليستأذنكم مماليككم في الدخول عليكم قال القاضي أبو يعلى والأظهر أن يكون المراد العبيد الصغار والإماء الصغار لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته فكيف يضاف إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين \r\n قوله تعالى والذين لم يبلغوا الحلم وقرأ عبد الوارث الحلم باسكان اللام منكم أي من أحراركم من الرجال والنساء ثلاث مرات أي ثلاثة أوفات بينها فقال من قبل صلاة الفجر وذلك لأن الإنسان قد يبيت عريانا أو على حالة لا يحب أن يطلع عليه فيها وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة أي القائلة ومن بعد صلاة العشاء حين يأوي الرجل إلى زوجته ثلاث عورات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ثلاث عورات برفع الثاء من ثلاث والمعنى هذه الأوقات هي ثلاث عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما بدت عورته وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ثلاث عورات بنصب الثاء قال أبو علي وجعلوه بدلا من قوله ثلاث مرات والأوقات ليست عورات ولكن المعنى أنها اوقات ثلاث عورات فلما حذف المضاف أعرب باعراب المحذوف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير والأعمش عورات بفتح الواو ليس عليكم يعني المؤمنين الأحرار ولا عليهم يعني الخدم ","part":6,"page":61},{"id":2583,"text":" والغلمان جناح أي حرج بعدهن أي بعد مضي هذه الأوقات أن لا يستأذنوا فرفع الحرج عن الفريقين طوافون عليكم أي هم طوافون عليكم بعضكم على بعض أي يطوف بعضكم وهم المماليك على بعض وهم الأحرار فصل \r\n وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة وممن روي عنه ذلك ابن عباس والقاسم بن محمد وجابر بن زيد والشعبي وحكي عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة بقوله وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا والأول أصح لأن معنى هذه الأية وإذا بلغ الأطفال منكم أو من الأحرار فليستأذنوا أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم كما استأذن الذين من قبلهم يعني كما استأذن الأحرار الكبار الذين هم قبلهم في الوجود وهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال فالبالغ يستاذن في كل وقت والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث \r\n قوله تعالى والقواعد من النساء قال ابن قتيبة يعني العجز واحدها قاعد ويقال إنما قيل لها قاعد لقعودها عن الحيض والولد وقد تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو النكاح ولا أراها سميت قاعدا إلا بالقعود لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة وأطالت القعود فقيل لها قاعد بلا هاء ليدل حذف الهاء على أنه قعود كبر كما قالوا امرأة حامل ليدلوا بحذف الهاء على أنه حمل حبل وقالوا في غير ذلك قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها \r\n قوله تعالى أن يضعن ثيابهن أي عند الرجال ويعني بالثياب ","part":6,"page":62},{"id":2584,"text":" الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب غير متبرجات بزينة أي من غير أن يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن والتبرج إظهار المرأة محاسنها وأن يستعففن فلا يضعن تلك الثياب خير لهن قال ابن قتيبة والعرب تقول امرأة واضع إذا كبرت فوضعت الخمار ولا يكون هذا إلا في الهرمة قال القاضي أبو يعلى وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة \r\n ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تاكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعماكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون قوله تعالى ليس على الأعمى حرج في سبب نزولها خمسة أقوال أحدها أنه لما نزل قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل النساء 29 تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج وقالوا الطعام أفضل الأموال وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل ","part":6,"page":63},{"id":2585,"text":" والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب والمريض لا يستوفي الطعام فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ص وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن المسيب \r\n والثالث أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء لأن الناس يتقذرونهم فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير والضحاك \r\n والرابع أن قوما من أصحاب رسول الله ص كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمون المريض والزمن ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز و جل في هذه الآية فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكه فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n والخامس أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية قاله الحسن وابن يزيد ","part":6,"page":64},{"id":2586,"text":" فعلى القول الأول يكون معنى الآية ليس عليكم في الاعمى حرج أن تأكلوا معه ولا في الأعرج وتكون على بمعنى في ذكره ابن جرير وكذلك يخرج معنى الآية على كل قول بما يليق به وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون إلى أن آخر الكلام ولا على المريض حرج وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له به وهو يقوي قول الحسن وابن زيد \r\n قوله تعالى أن تأكلوا من بيوتكم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بيوت الأولاد \r\n والثاني البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم فيكون الخطاب لأهل الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله ونسبا اليهم لأنهم سكانها \r\n والثالث أنها بيوتهم والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم لأن بيت المرأة كبيت الرجل \r\n وإنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين لجريان العادة ببذل طعامهم له فإن كان الطعام وراء حرز لم يجز هتك الحرز \r\n قوله تعالى أو ما ملكتم مفاتحه فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه الوكيل لا بأس أن يأكل اليسير وهو معنى قول ابن عباس وقرأها سعيد بن جبير وأبو العالية ملكتم بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله وفسرها سعيد فقال يعني القهرمان الذي بيده المفاتيح وقرأ أنس بن مالك وقتادة وابن يعمر مفتاحه بكسر الميم على التوحيد \r\n والثاني بيت الإنسان الذي يملكه وهو معنى قول قتادة \r\n والثالث بيوت العبيد قاله الضحاك ","part":6,"page":65},{"id":2587,"text":" قوله تعالى أو صديقكم قال ابن عباس نزلت هذه في الحارث بن عمرو خرج مع رسول الله ص غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فنزلت هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان الأكل من طعام الصديق بغير استئذان جائزا \r\n قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها أن حيا من بني كنانة يقال لهم بنو ليث كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح فنزلت هذه الآية قاله قتادة والضحاك \r\n والثاني أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فنزلت هذه الآية ورخص لهم أن ياكلوا جميعا أو أشتاتا قاله عكرمة \r\n والثالث أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة اهل الضر خوفا من أن يستأثروا عليهم ومن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في مأكلهم وزيادة بعضهم على بعض فوسع عليهم وقيل ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أي مجتمعين أو أشتاتا أي متفرقين قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فيها ثلاثة أقوال ","part":6,"page":66},{"id":2588,"text":" أحدها أنها بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم قال جابر بن عبد الله وطاووس وقتادة والثاني أنها المساجد فسلموا على من فيها قاله ابن عباس والثالث بيوت الغير فالمعنى إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم قاله الحسن \r\n قوله تعالى تحية قال الزجاج هي منصوبة على المصدر لأن قوله فسلموا بمعنى فحيوا وليحي بعضكم بعضا تحية من عند الله قال مقاتل مباركة بالاجر طيبة أي حسنة إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم قوله تعالى وإذا كانوا معه يعني مع رسول الله ص على أمر جامع أي على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجهاد والجمعة والعيد ونحو ذلك لم يذهبوا حتى يستاذنوه قال المفسرون كان رسول الله ص إذا صعد المنبر ","part":6,"page":67},{"id":2589,"text":" يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ص حيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم فالأمر إليه في ذلك قال مجاهد وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده \r\n قوله تعالى واستغر لهم الله أي لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو اذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم \r\n قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه نهي عن التعرض لإسخاط رسول الله ص فإنه إذا دعا على شخص فدعوته موجبة قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم أمروا أن يقولوا يا رسول الله ونهوا أن يقولوا يا محمد قاله سعيد بن خبير وعلقمة والأسود وعكرمة ومجاهد \r\n والثالث أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم حكاه الماوردي وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو المتوكل ومعاذ القارىء دعاء الرسول نبيكم بياء مشددة ونون قبل الباء \r\n قوله تعالى قد يعلم الله الذين يتسللون التسلل الخروج في خفية ","part":6,"page":68},{"id":2590,"text":" واللواذ أن يستتر بشيء مخافة من يراه والمراد بقوله قد يعلم التهديد بالمجازاة قال الفراء كان المنافقون يشهدون الجمعة فيذكرهم رسول الله ص ويعيبهم بالآيات التي أنزلت فيهم فإن خفي لأحدهم القيام قام فذلك قوله قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا اي يلوذ هذا بهذا أي يستتر ذا بذا وإنما قال لواذا لأنها مصدر لاوذت ولو كان مصدرا ل لذت لقلت لذت لياذا كما تقول قمت قياما وكذلك قال ثعلب وقع البناء على لاوذ ملاوذة ولو بني على لاذ يلوذ لقيل لياذا وقيل هذا كان في حفر الخندق كان المنافقون ينصرفون عن غير امر رسول الله ص مختفين \r\n قوله تعالى فليحذر الذي يخالفون عن أمره في هاء الكناية قولان \r\n احدهما أنها ترجع إلى الله عز و جل قال مجاهد \r\n والثاني إلى رسول الله ص قال قتادة \r\n وفي عن قولان أحدهما انها زائدة قال الاخفش والثاني أن معنى يخالفون يعرضون عن أمره وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الضلالة قاله ابن عباس والثاني بلاء في الدنيا قاله مجاهد والثالثك كفر قاله السدي ومقاتل ","part":6,"page":69},{"id":2591,"text":" قوله تعالى أو يصيبهم عذاب اليم فيه قولان \r\n أحدهما القتل في الدنيا والثاني عذاب جهنم في الآخرة \r\n قوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه أي ما في أنفسكم وما تنطوي عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك ","part":6,"page":70},{"id":2592,"text":" سورة الفرقان \r\n بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السموات والارض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا \r\n قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة في آخرين هي مكية وحكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله غفورا رحيما الفرقان \r\n قوله تعالى تبارك قد شرحناه في الأعراف والفرقان القرآن سمي فرقانا لأنه فرق به بين الحق والباطل \r\n والمراد بعبده محمد صلى الله عليه و سلم ليكون فيه قولان ","part":6,"page":71},{"id":2593,"text":" أحدهما أنه كناية عن عبده قاله الجمهور والثاني عن القرآن حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى للعالمين يعني الجن والإنس نذيرا أي مخوفا من عذاب الله \r\n قوله تعالى فقدره تقديرا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها سواه وهيأه لما يصلح له فلا خلل فيه ولا تفاوت والثاني قدر له ما يصلحه ويقيمه والثالث قدر له تقديرا من الأجل والرزق \r\n ثم ذكر ما صنعه المشركون فقال واتخذوا من دونه آلهة يعني الأصنام لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أي وهي مخلوقة ولا يملكون لأنفسهم ضرا أي دفع ضر ولا جر نفع لأنها جماد لا قدرة لها ولا يملكونها موتا أي لا تملك ان تميت أحدا ولا أن تحيي أحدا ولا أن تبعث احدا من الأموات والمعنى كيف يعبدون ما هذه صفته ويتركون عبادة من يقدر على ذلك كله وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا وقالوا اساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا يعني مشركي قريش وقال مقاتل هو قول النضر بن الحارث من بني عبد الدار إن هذا أي ما هذا يعنون القرآن إلا إفك أي كذب افتراه أي اختلفه من تلقاء نفسه وأعانه عليه قوم آخرون قال مجاهد يعنون اليهود وقال مقاتل أشاروا إلى عداس ","part":6,"page":72},{"id":2594,"text":" مولى حويطب ويسار غلام عامر بن الحضرمي وجبر مولى لعامر أيضا وكان الثلاثة من أهل الكتاب \r\n قوله تعالى فقد جاؤوا ظلما وزورا قال الزجاج المعنى فقد جاؤوا بظلم وزور فلما سقطت الباء أفضى الفعل فنصب والزور الكذب وقالوا أساطير الأولين المعنى وقالوا الذي جاء به أساطير الأولين وقد بينا ذلك في الأنعام قال المفسرون والذي قال هذا هو النضر بن الحارث ومعنى اكتتبها أمر أن تكبت له وقرأ أبن مسعود وإبراهيم النخعي وطلحة بن مصرف اكتتبها برفع التاء الأولى وكسر الثانية والابتداء على قراءتهم برفع الهمزة فهي تملي عليه أي تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها لأنه لم يكن كاتبا بكرة وأصيلا أي غدوة وعشيا قل لهم يا محمد أنزله يعني القرآن الذي يعلم السر أي لا يخفي عليه شئ في السماوات والأرض وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا انزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز او تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا \r\n قوله تعالى وقالوا يعني المشركين ما لهذا الرسول يأكل الطعام أنكروا أن يكون الرسول بشرا يأكل الطعام ويمشي في الطرق كما يمشي سائر الناس يطلب المعيشة والمعنى انه ليس بملك ولا ملك لأن الملائكة لا تأكل والملوك لا تتبذل في الأسواق فعجبوا أن يكون مساويا للبشر لا يتميز عليهم ","part":6,"page":73},{"id":2595,"text":" بشئ وإنما جعله الله بشرا ليكون مجانسا للذين أرسل إليهم ولم يجعله ملكا يمتنع من المشي في الأسواق لأن ذلك من فعل الجبابرة ولأنه أمر بدعائهم فاحتاج أن يمشي بينهم \r\n قوله تعالى لولا أنزل إليه ملك وذلك أنهم قالوا له سل ربك أن يبعث ملكا يصدقك ويجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا فذلك قوله أو يلقى إليه كنز أي ينزل إليه من السماء أو تكون له جنة يأكل منها أي بستان يأكل من ثماره قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم وابن عامر ياكل منها بالياء يعنون النبي صلى الله عليه و سلم وقرا حمزة والكسائي نأكل بالنون قال أبو علي المعنى يكون له علينا مزية في الفضل بأكلنا من جنته وباقي الآية مفسر في بني إسرائيل \r\n قوله تعالى انظر يا محمد كيف ضربوا لك الأمثال حين مثلوك بالمسحور وبالكاهن والمجنو والشاعر فضلوا بهذا عن الهدى فلا يستطيعون سبيلا فيه قولان \r\n أحدهما لا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها قاله مجاهد والمعنى أنهم كذبوا ولم يجدوا على قولهم حجة وبرهانا وقال الفراء لا يستطيعون في أمرك حيلة \r\n والثاني سبيلا إلى الطاعة قاله السدي تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ","part":6,"page":74},{"id":2596,"text":" مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا \r\n ثم أخبر أنه لو شاء لأعطاه خيرا مما قالوا في الدنيا وهو قوله خيرا من ذلك يعني لو شئت لأعطيتك في الدنيا خيرا مما قالوا لأنه قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة ويجعل لك قصورا قرا ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويجعل لك قصورا برفع اللام وقرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويجعل بجزم اللام فمن قرأ بالجزم كان المعنى إن يشأ يجعل لك جنات ويجعل لك قصورا ومن رفع فعلى الاستثناء المعنى ويجعل لك قصورا في الآخرة وقد سبق معنى أعتدنا النساء ومعنى السعير النساء \r\n قوله تعالى إذ رأتهم من مكان بعيد قال السدي عن أشياخه من مسيرة مائة عام \r\n فان قيل السعير مذكر فكيف قال إذا رأتهم \r\n فالجواب أنه أراد بالسعير النار \r\n قوله تعالى سمعوا لها تغيظا فيه قولان \r\n أحدهما غليان تغيظ قاله الزجاج قال المفسرون والمعنى أنها تتغيظ عليهم فيسمعون صوت تغيظها وزفيرها كالغضبان إذا غلا صدره من الغيظ \r\n والثاني يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم حكاه ابن قتيبة \r\n قوله تعالى وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا قال المفسرون تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح وهم قد قرنوا مع الشياطين والثبور الهلكة وقرأ عاصم الجحدري وابن السميفع ثبورا بفتح الثاء ","part":6,"page":75},{"id":2597,"text":" قوله تعالى وادعوا ثبورا كثيرا قال الزجاج الثبور مصدر فهو للقليل والكثير على لفظ الواحد كما تقول ضربته ضربا كثيرا والمعنى هلاكهم أكثر من أن يدعوا مرة واحدة وروى انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أول من يكسى من اهل النار يوم القيامة إبليس يكسى حلة من النار فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته خلفه وهو يقول واثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فينادي يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم فيقول الله عز و جل لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا \r\n قوله تعالى قل أذلك يعني السعير خير ام جنة الخلد وهذا تنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين لا على أن في السعير خير وقال الزجاج قد وقع التساوي بين الجنة والنار في أنهما منزلان فلذلك وقع التفضيل بينهما ","part":6,"page":76},{"id":2598,"text":" قوله تعالى كانت لهم جزاء أي ثوابا ومصيرا أي مرجعا \r\n قوله تعالى كان على ربك المشار إليه إما الدخول وإما الخلود وعدا وعدهم الله إياه على ألسنة الرسل \r\n وفي معنى مسؤولا قولان \r\n أحدهما مطلوبا وفي الطالب له قولان أحدهما أنهم المؤمنون سألوا الله في الدنيا إنجاز ما وعدهم به والثاني أن الملائكة سألته ذلك لهم وهو قوله ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم غافر \r\n والثاني أن معنى المسؤول الواجب ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك من اولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا \r\n قوله تعالى ويوم يحشرهم قرا ابن كثير وحفص عن عاصم يحشرهم فيقول بالياء فيهما وقرأ نافع وابو عمرو وحمزة والكسائي ","part":6,"page":77},{"id":2599,"text":" وأبو بكر عن عاصم نحشرهم بالنون فيقول بالياء وقرأ ابن عامر نحشرهم فنقول بالنون فيهما جميعا يعني المشركين وما يعبدون قال مجاهد يعني عيسى وعزيرا والملائكة وقال عكرمة والضحاك يعني الأصنام فيأذن الله للأصنام في الكلام ويخاطبها فيقول أأنتم أضللتم عبادي أي أمرتموهم بعبادتكم أم هم ضلوا السبيل أي أخطأوا الطريق قالوا يعني الأصنام سبحانك نزهوا الله تعالى أن يعبد غيره ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم والمعنى ما كان ينبغي لنا أن نعبد نحن غيرك فكيف ندعو إلى عبادتنا فدل هذا الجواب على انهم لم يأمروا بعبادتهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن جبير والحسن وقتادة وأبو جعفر وابن يعمر وعاصم الجحدري أن نتخذ برفع النون وفتح الخاء ثم ذكروا سبب تركهم الإيمان فقالوا ولكن متعتهم أي أطلت لهم العمر وأوسعت لهم الرزق حتى نسوا الذكر أي تركوا الإيمان بالقرآن والاتعاظ به وكانوا قوما بورا قال ابن عباس هلكي وقال في رواية أخرى البور في لغة أزد عمان الفاسد قال ابن قتيبة هو من بار يبور إذا هلك وبطل يقال بار الطعام إذا كسد وبارت الايم إذا لم يرغب فيها وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتعوذ من بوار الأيم قال وقال أبو عبيدة يقال رجل بور وقوم بور لا يجمع ولا يثنى واحتج بقول الشاعر ","part":6,"page":78},{"id":2600,"text":" يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذا أنابور ... \r\n وقد سمعنا ب رجل بائر ورأيناهم ربما جمعوا فاعلا على فعل نحو عائذ وعوذ وشارف وشرف قال المفسرون فيقال للكفار حينئذ فقد كذبوكم أي فقد كذبكم المعبودون في قولكم إنهم آلهة وقرأ سعيد ابن جبير ومجاهد ومعاذ القارئ وابن شنبوذ عن قنبل بما يقولون بالياء والمعنى كذبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا الآية هذا قول الأكثرين وقال ابن زيد الخطاب للمؤمنين فالمعنى فقد كذبكم المشركون بما تقولون إن محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى فما يستطعيون صرفا ولا نصرا قرأ الأكثرون بالياء وفيه وجهان \r\n أحدهما فما يستطيع المعبودون صرفا للعذاب عنكم ولا نصرا لكم \r\n والثاني فما يستطيع الكفار صرفا لعذاب الله عنهم ولا نصرا لأنفسهم وقرأ حفص عن عاصم تستطيعون بالتاء والخطاب للكفار وحكى ابن قتيبة عن يونس البصري أنه قال الصرف الحيلة من قولهم إنه ليتصرف \r\n قوله تعالى ومن يظلم منكم أي بالشرك نذقه في الآخرة وقرأ عاصم الجحدري والضحاك وأبو الجوزاء وقتادة يذقه بالياء عذابا كبيرا أي شديدا وما ارسلنا قبلك من المرسلين قال الزجاج في الآية محذوف ","part":6,"page":79},{"id":2601,"text":" تقديره وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين فحذفت رسلا لان قوله من المرسلين يدل عليها \r\n قوله تعالى إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي إنهم كانوا على مثل حالك فكيف تكون بدعا منهم \r\n فان قيل لم كسرت إنهم هاهنا وفتحت في براءة في قوله أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم فقد بينا هنالك علة فتح تلك فأما كسر هذه فذكر ابن الأنباري فيه وجهين \r\n أحدهما أن تكون فيها واو حال مضمرة فكسرت بعدها إن للاستئناف فيكون التقدير إلا وإنهم ليأكلون الطعام فأضمرت الواو هاهنا كما أضمرت في قوله أو هم قائلون الأعراف والتأويل أو وهم قائلون \r\n والثاني أن تكون كسرت لإضمار من قبلها فيكون التقدير وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا من إنهم ليأكلون قال الشاعر ... فظلوا ومنهم دمعة سابق له وآخر يثني دمعة العين بالمهل ... \r\n أراد من دمعه \r\n قوله تعالى وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفتنة الابتلاء والاختبار \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه افتتان الفقير بالغني يقول لو شاء لجعلني غنيا والأعمى بالبصير والسقيم بالصحيح قاله الحسن ","part":6,"page":80},{"id":2602,"text":" والثاني ابتلاء الشريف بالوضيع والعربي بالمولى فاذا أراد الشريف أن يسلم فرأى الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره قاله ابن السائب \r\n والثالث أن المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين قالوا انظروا إلى أتباع محمد من موالينا ورذالتنا قاله مقاتل \r\n فعلى الأول يكون الخطاب بقوله أتصبرون لأهل البلاء وعلى الثاني للرؤساء فيكون المعنى أتصبرون على سبق الموالي والأتباع وعلى الثالث للفقراء فالمعنى أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم والمعنى قد علمتم ما وعد الصابرون وكان ربك بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في انفسهم وعتو عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا \r\n قوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يخافون البعث لولا أي هلا انزل علينا الملائكة فكانوا رسلا إلينا وأخبرونا بصدقك ","part":6,"page":81},{"id":2603,"text":" أو نرى ربنا فيخبرنا أنك رسوله لقد استكبروا في أنفسهم أي تكبروا حين سألوا هذه الآيات وعتوا عتوا كبيرا قال الزجاج العتو في اللغة مجاوزة القدر في الظلم \r\n قوله تعالى يوم يرون الملائكة فيه قولان \r\n أحدهما عند الموت والثاني يوم القيامة \r\n قال الزجاج وانتصب اليوم على معنى لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة ويومئذ مؤكد ل يوم يرون الملائكة والمعنى أنهم يمنعون البشرى في ذلك اليوم ويجوز أن يكون يوم منصوبا على معنى اذكر يوم يرون الملائكة ثم أخبر فقال لا بشرى والمجرمون هاهنا الكفار \r\n قوله تعالى ويقولون حجرا محجورا وقرأ قتادة والضحاك ومعاذ القارئ حجرا بضم الحاء قال الزجاج وأصل الحجر في اللغة ما حجرت عليه أي منعت من ان يوصل إليه ومنه حجر القضاة على الأيتام \r\n وفي القائلين لهذا قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة يقولون للكفار حجرا محجورا أي حراما محرما وفيما حرموه عليهم قولان أحدهما البشرى فالمعنى حرام محرم ان تكون لكم البشرى قاله الضحاك والفراء وابن قتيبة والزجاج والثاني أن تدخلوا الجنة قاله مجاهد \r\n والثاني أنه قول المشركين إذا عاينوا العذاب ومعناه الاستعاذة من الملائكة روي عن مجاهد أيضا وقال ابن فارس كان الرجل إذا لقي من يخافه في الشهر الحرام قال حجرا أي حرام عليك أذاي فاذا رأى ","part":6,"page":82},{"id":2604,"text":" المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا حجرا محجورا يظنون أنه ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا \r\n قوله تعالى وقدمنا قال ابن قتيبة أي قصدنا وعمدنا والأصل أن من اراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده \r\n قوله تعالى إلى ما عملوا من عمل أي من أعمال الخير فجعلناه هباء لأن العمل لا يتقبل مع الشرك \r\n وفي الهباء خمسة أقوال \r\n أحدها أنه ما رأيته يتطاير في الشمس التي تدخل من الكوة مثل الغبار قاله علي عليه السلام والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة واللغويون والمعنى ان الله أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء \r\n والثاني أنه الماء المهراق رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه ما تنسفه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس \r\n والرابع أنه الشرر الذي يطير من النار إذا أضرمت فاذا وقع لم يكن شيئا رواه عطية عن ابن عباس \r\n والخامس أنه ما يسطع من حوافر الدواب قاله مقاتل والمنثور المتفرق \r\n قوله تعالى اصحاب الجنة يومئذ أي يوم القيامة خير مستقر ","part":6,"page":83},{"id":2605,"text":" أفضل منزلا من المشركين وأحسن مقيلا قال الزجاج المقيل المقام وقت القائلة وهو النوم نصف النهار وقال الأزهري القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم وقال ابن مسعود وابن عباس لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقبل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا \r\n قوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا هذا معطوف على قوله يوم يرون الملائكة وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تشقق بالتشديد فأدغموا التاء في الشين لأن الأصل تتشقق قال الفراء المعنى تتشقق السماء عن الغمام وتنزل فيه الملائكة وعلى وعن والباء في هذا الموضع بمعنى واحد لان العرب تقول رميت عن القوس وبالقوس وعلى القوس والمعنى واحد وقال أبو علي الفارسي المعنى تتشقق السماء وعليها غمام كما تقول ركب الأمير بسلاحه وخرج بثيابه وإنما تتشقق السماء لنزول الملائكة قال ابن عباس تتشقق السماء عن الغمام وهو الغيم الأبيض وتنزل الملائكة في الغمام وقال مقاتل المراد بالسماء السماوات تتشقق عن الغمام وهو غمام أبيض كهيئة الضباب فتنزل الملائكة عند انشقاقها وقرأ ابن كثير وننزل بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة ","part":6,"page":84},{"id":2606,"text":" واللام مضمومة والملائكة نصبا وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني ونزل بنون واحدة مفتوحة ونصب الزاي وتشديدها وفتح اللام ونصب الملائكة وقرأ ابن يعمر ونزل بفتح النون واللام والزاي والتخفيف الملائكة بالرفع \r\n قوله تعالى الملك يومئذ الحق للرحمن قال الزجاج المعنى الملك الذي هو الملك حقا للرحمن فأما العسير فهو العصب الشديد يشتد على الكفار ويهون على المؤمنين فيكون كمقدار صلاة مكتوبة \r\n قوله تعالى ويوم يعض الظالم على يديه في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن ابي بن خلف كان يحضر عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ويجالسه من غير أن يؤمن به فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك فنزلت هذه الآية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس \r\n والثاني أن عقبة دعا قوما فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لطعام فأكلوا وأبى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأكل وقال لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فشهد بذلك عقبة فبلغ ذلك أبي بن خلف وكان خليلا له فقال صبوت يا عقبة فقال لا والله ولكنه أبى أن يأكل حتى قلت ذلك وليس من نفسي فنزلت هذه الآية قاله مجاهد ","part":6,"page":85},{"id":2607,"text":" والثالث أن عقبة كان خليلا لأمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر وارتد لرضى أمية فنزلت هذه الآية قاله الشعبي \r\n فأما الظالم المذكور هاهنا فهو الكافر وفيه قولان \r\n أحدهما أنه أبي بن خلف رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني عقبة بن أبي معيط قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة قال عطاء يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين ثم تنبتان فلا يزال هكذا كلما نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل \r\n قوله تعالى يا ليتني اتخذت الأكثرون يسكنون يا ليتني وأبو عمرو يحركها قال أبو علي والأصل التحريك لانها بازاء الكاف التي للخطاب إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة ولذلك أسكن من اسكن والمعنى ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا إلى الهدى \r\n قوله تعالى ليتني لم أتخذ فلانا في المشار إليه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه عنى أبي بن خلف قاله ابن عباس والثاني عقبة بن أبي معيط قاله أبو مالك والثالث الشيطان قاله مجاهد والرابع امية ابن خلف قاله السدي \r\n فان قيل إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج إلى المداجاة فما وجه الكناية \r\n فالجواب أنه أراد بالظالم كل ظالم واراد بفلان كل من أطيع في معصية وأرضي بسخط الله وإن كانت الآية نزلت في شخص قاله ابن قتيبة ","part":6,"page":86},{"id":2608,"text":" قوله تعالى لقد أضلني عن الذكر أي صرفني عن القرآن والإيمان به بعد إذ جاءني مع الرسول وهاهنا تم الكلام ثم قال الله تعالى وكان الشيطان للانسان يعني الكافر خذولا يتبرأ منه في الآخرة وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا \r\n قوله تعالى وقال الرسول يعني محمدا صلى الله عليه و سلم وهذا عند كثير من العلماء أنه يقوله يوم القيامة فالمعنى ويقول الرسول يومئذ وذهب آخرون منهم مقاتل إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى الله تعالى حين كذبوه وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو إن قومي اتخذوا بتحريك الياء وأسكنها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي \r\n وفي المراد بقوله مهجورا قولان \r\n أحدهما متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به وهذا معنى قول ابن عباس ومقاتل ","part":6,"page":87},{"id":2609,"text":" والثاني هجروا فيه أي جعلوه كالهذيان ومنه يقال فلان يهجر في منامه أي يهذي قاله ابن قتيبة وقال الزجاج الهجر ما لا ينتفع به من القول قال المفسرون فعزاه الله عز و جل فقال وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك جعلنا لكل نبي عدوا من كفار قومه والمعنى لا يكبرن هذا عليك فلك بالأنبياء أسوة وكفى بربك هاديا ونصيرا يمنعك من عدوك قال الزجاج والباء في قوله بربك زائدة فالمعنى كفى ربك هاديا ونصيرا \r\n وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا \r\n قوله تعالى لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة أي كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور فقال الله عز و جل كذلك أي أنزلناه كذلك متفرقا لأن معنى ما قالوا لم نزل عليه متفرقا فقيل إنما أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك أي لنقوي به قلبك فتزداد بصيرة وذلك أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة فكان أقوى لقلبه وأنور لبصيرته وأبعد لاستيحاشه ورتلناه ترتيلا أي أنزلناه على الترتيل وهو التمكث الذي يضاد العجلة \r\n قوله تعالى ولا يأتونك يعني المشركين بمثل يضربونه لك في مخاصمتك وإبطال أمرك إلا جئناك بالحق أي بالذي هو الحق لترد به كيدهم وأحسن تفسيرا من مثلهم والتفسير البيان والكشف \r\n قال مقاتل ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة فقال الذين يحشرون على ","part":6,"page":88},{"id":2610,"text":" وجوههم وذلك أن كفار مكة قالوا إن محمدا وأصحابه شر خلق الله فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى أولئك شر مكانا أي منزلا ومصيرا وأضل سبيلا دينا وطريقا من المؤمنين ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا \r\n قوله تعالى اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا \r\n إن قيل إنما عاينوا الآيات بعد وجود الرسالة فكيف يقع التكذيب منهم قبل وجود الآيات \r\n فالجواب أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه المتقدمة ومن كذب نبيا فقد كذب سائر الأنبياء ولهذا قال وقوم نوح لما كذبوا الرسل وقال الزجاج يجوز ان يكون المراد به نوح وحده وقد ذكر بلفظ الجنس كما يقال فلان يركب الدواب وإن لم يركب إلا دابة واحدة وقد شرحنا هذا في هود عند قوله وعصوا رسله وقد سبق معنى التدمير الاعراف \r\n قوله تعالى وأصحاب الرس في الرس ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بئر كانت تسمى الرس قاله ابن عباس في رواية العوفي ","part":6,"page":89},{"id":2611,"text":" وقال في رواية عكرمة هي بئر بأذربيجان وزعم ابن السائب أنها بئر دون اليمامة وقال السدي بئر بأنطاكية \r\n والثاني أن الرس قرية من قرى اليمامة قاله قتادة \r\n والثالث أنها المعدن قاله ابو عبيدة وابن قتيبة \r\n وفي تسميتها بالرس قولان \r\n أحدهما أنهم رسوا نبيهم في البئر قاله عكرمة قال الزجاج رسوه أي دسوه فيها \r\n والثاني أن كل ركية لم تطو فهي رس قاله ابن قتيبة \r\n واختلفوا في أصحاب الرس على خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب فحفروا له بئرا وألقوه فيها فهلكوا قاله علي عليه السلام \r\n والثاني أنهم قوم كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوا نبيهم فأهلكهم الله قاله سعيد بن جبير \r\n والثالث أنهم كانوا أهل بئر ينزلون عليها وكانت لهم مواش وكانوا يعبدون الاصنام فبعث الله إليهم شعيبا فتمادوا في طفيانهم فانهارت البئر فخسف بهم وبمنازلهم قاله وهب بن منبه \r\n والرابع أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار قتلوه في بئر لهم وهو الذي قال يا قوم اتبعوا المرسلين يس قاله السدي \r\n والخامس أنهم قوم قتلوا نبيهم وأكلوه وأول من عمل السحر نساؤهم قاله ابن السائب ","part":6,"page":90},{"id":2612,"text":" قوله تعالى وقرونا المعنى وأهلكنا قرونا بين ذلك كثيرا أي بين عاد وأصحاب الرس وقد سبق بيان القرن الانعام وفي هذه القصص تهديد لقريش \r\n قوله تعالى وكلا ضربنا له الأمثال أي أعذرنا إليه بالموعظة وإقامة الحجة وكلا تبرنا قال الزجاج التتبير والتدمير وكل شئ كسرته وفتته فقد تبرته وكسارته التبر ومن هذا قيل لمكسور الزجاج التبر وكذلك تبر الذهب ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم اضل سبيلا \r\n قوله تعالى ولقد أتوا يعني كفار مكة على القرية التي أمطرت مطر السوء يعني قرية قوم لوط التي رميت بالحجارة افلم يكونوا يرونها في أسفارهم فيعتبروا ثم أخبر بالذي جرأهم على التكذيب فقال بل كانوا لا يرجون نشورا أي لا يخافون بعثا هذا قول المفسرين وقال الزجاج الذي عليه اهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف وإنما المعنى بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير فركبوا المعاصي ","part":6,"page":91},{"id":2613,"text":" قوله تعالى وإذا راوك إن يتخذونك أي ما يتخذونك إلا هزوا أي مهزوءا به ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا أي ليصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي على عبادتها قال الله تعالى وسوف يعلمون حين يرون العذاب في الآخرة من أضل أي من أخطأ طريقا عن الهدى اهم أم المؤمنون \r\n ثم عجب نبيه من جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى فقال أرأيت من اتخذ إلهه هواه قال ابن عباس كان أحدهم يعبد الحجر فاذا رأى ماهو أحسن منه رمى به وعبد الآخر وقال قتادة هو الكافر لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال ابن قتيبة المعنى يتبع هواه ويدع الحق فهو له كالإله \r\n قوله أفأنت تكون عليه وكيلا أي حفيظا يحفظه من اتباع هواه وزعم الكلبي ان هذه الآية منسوخة بآية القتال \r\n قوله تعالى أم تحسب أن أكثرهم يسمعون يعني أهل مكة والمراد يسمعون سماع طالب الإفهام او يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام إن هم إلا كالأنعام وفي وجه تشبيههم بالأنعام قولان \r\n أحدهما أن الأنعام تسمع الصوت ولا تفقه القول \r\n والثاني أنه ليس لها هم إلا المأكل والمشرب \r\n قوله تعالى بل هم أضل سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها وتقبل على المحسن إليها وهم على خلاف ذلك ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ","part":6,"page":92},{"id":2614,"text":" وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا \r\n قوله تعالى الم تر إلى ربك أي إلى فعل ربك وقال الزجاج معناه الم تر فهو من رؤية القلب ويجوز أن يكون من رؤية العين فالمعنى ألم تر إلى الظل كيف مده ربك والظل من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا دائما لا يزول ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فالشمس دليل على الظل فلولا الشمس ما عرف أنه شئ كما أنه لولا النور ما عرفت الظلمة فكل الاشياء تعرف بأضدادها \r\n قوله تعالى ثم قبضناه إلينا يعني الظل قبضا يسيرا وفيه قولان \r\n أحدهما سريعا قاله ابن عباس والثاني خفيا قاله مجاهد \r\n وفي وقت قبض الظل قولان أحدهما عند طلوع الشمس يقبض الظل وتجمع أجزاؤه المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخه شيئا فشيئا والثاني عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظل بعد غروبها ويخلف كل جزء منه جزءا من الظلام \r\n قوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا أي ساترا بظلمته لأن ظلمته تغشى الاشخاص وتشتمل عليها اشتمال اللباس على لابسه والنوم ","part":6,"page":93},{"id":2615,"text":" سباتا قال ابن قتيبة أي راحة ومنه يوم السبت لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة وكان الفراغ منه في يوم السبت فقيل لبني إسرائيل استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا فيه شيئا فسمي يوم السبت أي يوم الراحة وأصل السبت التمدد ومن تمدد استراح وقال ابن الأنباري أصل السبت القطع فالمعنى وجعلنا النوم قطعا لأعمالكم \r\n قوله تعالى وجعل النهار نشورا فيه قولان أحدهما تنتشرون فيه لابتغاء الرزق قاله ابن عباس والثاني تنشر الروح باليقظة كما تنشر بالبعث حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى وهو الذي أرسل الرياح قد شرحناه في الأعراف إلى قوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا يعني المطر قال الأزهري الطهور في اللغة الطاهر المطهر والطهور ما يتطهر به كالوضوء الذي يتوضأ به والفطور الذي يفطر عليه \r\n قوله تعالى لنحيي به بلدة ميتا وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو جعفر ميتا بالتشديد قال الزجاج لفظ البلدة مؤنث وإنما قيل ميتا لان معنى البلدة والبلد سواء وقال غيره إنما قال ميتا لأنه أراد بالبلدة المكان وقد سبق معنى صفة البلدة بالموت الأعراف ومعنى ونسقيه الحجر وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء والضحاك والأعمش وابن أبي عبلة ونسقيه بفتح النون فاما الأناسي فقال الزجاج هو جمع إنسي مثل كرسي وكراسي ويجوز أن يكون جمع إنسان وتكون الباء بدلا من النون الأصل أناسين مثل سراحين وقرأ أبو مجلز ","part":6,"page":94},{"id":2616,"text":" والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري وأناسي بتخفيف الياء \r\n قوله تعالى ولقد صرفناه يعني المطر بينهم مرة لهذه البلدة ومرة لهذه ليذكروا أي ليتفكروا في نعم الله عليهم فيحمدوه وقرأ حمزة والكسائي ليذكروا خفيفة الذال قال أبو علي يذكر في معنى يتذكر فأبى أكثر الناس إلا كفورا وهم الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا كفروا بنعمة الله ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا المعنى إنا بعثناك إلى جميع القرى لعظم كرامتك فلا تطع الكافرين وذلك أن كفار مكة دعوه إلى دين آبائهم وجاهدهم به أي بالقرآن جهادا كبيرا أي تاما شديدا وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا \r\n قوله تعالى وهو الذي مرج البحرين قال الزجاج أي خلى بينهما تقول مرجت الدابة وأمرجتها إذا خليتها ترعى ومنه الحديث مرجت ","part":6,"page":95},{"id":2617,"text":" عهودهم واماناتهم أي اختلطت قال المفسرون والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما فما يلتقيان ولا يختلط الملح بالعذب ولا العذب بالملح وهو قوله هذا يعني أحد البحرين عذب أي طيب يقال عذب الماء يعذب عذوبة فهو عذب قال الزجاج والفرات صفة للعذب وهو أشد الماء عذوبة والأجاج صفةللملح وهو المر الشديد المرارة وقال ابن قتيبة هو أشد الماء ملوحة وقيل هو الذي يخالطه مرارة ويقال ماء ملح ولا يقال مالح والبرزخ الحاجز وفي هذا الحاجز وقولان \r\n أحدهما أنه مانع من قدرة الله تعالى قاله الأكثرون قال الزجاج فهما في مرأى العين مختلطان وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر قال أبو سليمان الدمشقي ورأيت عند عبدان من سواد البصرة الماء العذب ينحدر في دجلة نحو البحر ويأتي المد من البحر فيلتقيان فلا يختلط أحد الماءين بالآخر يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة وماء دجلة إلى الحمرة الخفيفة فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبا لا يخالطه شيء وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد \r\n والثاني أن الحاجز الأرض واليبس وهو قول الحسن والأول أصح \r\n قوله تعالى وحجرا محجورا قال الفراء أي حراما محرما أن يغلب أحدهما صاحبه ","part":6,"page":96},{"id":2618,"text":" قوله تعالى وهوالذي خلق من الماء بشرا أي من النطفة بشرا أي إنسانا فجعله نسبا وصهرا أي ذا نسب وصهر قال علي عليه السلام النسب ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه وقال الضحاك النسب سبع وهو قوله حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وبنات الأخت والصهر خمس وهو قوله وأمهاتكم الاتي أرضعنكم إلى قوله من أصلابكم وقال طاووس الرضاعة من الصهر وقال ابن قتيبة نسبا اي قرابة النسب وصهرا أي قرابة النكاح وكل شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ فهم الأحماء واحدهم حما مثل قفا وحمو مثل أبو وحممء مهموز ساكن الميم وحم مثل أب وحماة المرأة أم زوجها لا لغة فيها غير هذه وكل شيء من قبل المرأة فهم الأختان والصهر يجمع ذلك كله وحكى ابن فارس عن الخليل أنه قال لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان ولأهل بيت المرأة إلا أصهار ومن العربمن يجعلهم أصهارا كلهم والصهر إذابة الشيء وذكر الماوردي أن المناكح سميت صهرا لاختلاط الناس بها كما يختلط الشيء إذا صهر \r\n قوله تعالى وكان الكافر على ربه ظهيرا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها معينا للشيطان على ربه لأن عبادته للأصنام معاونة للشيطان \r\n والثاني معينا للمشركين على أن لا يوحدوا الله تعالى \r\n والثالث معينا على أولياء ربه \r\n والرابع وكان الكافر على ربه هينا ذليلا من قولك ظهرت بفلان إذا جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه قالوا والمراد بالكافر هاهنا أبو جهل ","part":6,"page":97},{"id":2619,"text":" وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ان يتخذ إلى ربه سبيلا وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا \r\n قوله تعالى ماأسألكم عليه أي على القرآن وتبليغ الوحي من أجر وهذا توكيد لصدقه لأنه لو سألهم شيئا من أموالهم لا تهموه إلا من شاء معناه لكن من شاء ان يتخذ إلى ربه سبيلا بانفاق ماله في مرضاته فعل ذلك فكأنه قال لا أسألكم لنفسي وقد سبق تفسير الكلمات التي تلي هذه آل عمران البقرة الأعراف إلى قوله فاسأل به خبيرا وبه بمعنى عنه قال علقمة بن عبدة ... فان تسألوني بالنساء فانني بصير بأدواء النساء طبيب ... \r\n وفي هاء به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الله عز و جل والثاني إلى اسمه الرحمن لأنهم قالوا لا نعرف الرحمن والثالث إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض وغير ذلك \r\n وفي الخبير أربعة أقوال \r\n أحدها أنه جبريل قاله ابن عباس والثاني أنه الله عز و جل والمعنى ","part":6,"page":98},{"id":2620,"text":" سلني فأنا الخبير قاله مجاهد والثالث أنه القرآن قاله شمر والرابع مسلمة أهل الكتاب قاله ابو سليمان وهذا يخرج على قولهم لا نعرف الرحمن فقيل سلوا مسلمة أهل الكتاب فان الله تعالى خاطب موسى في التوراة باسمه الرحمن فعلى هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد سواه \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم يعني كفار مكة اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن قال المفسرون إنهم قالوا لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فأنكروا أن يكون من أسماء الله تعالى أنسجد لما تأمرنا وقرأ حمزة والكسائي يأمرنا بالياء أي لما يأمرنا به محمد وهذا استفهام إنكار ومعناه لا نسجد للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له وزادهم ذكر الرحمن نفورا أي تباعدا من الإيمان تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر او أراد شكورا \r\n قوله تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا قد شرحناه في الحجر والمراد بالسراج الشمس وقرأ حمزة والكسائي سرجا بضم السين والراء وإسقاط الألف قال الزجاج أراد الشمس والكواكب العظام ويجوز سرجا بتسكين الراء مثل رسل ورسل قال الماوردي لما اقترن بضوء الشمس وهج حرها جعلها لأجل الحرارة سراجا ولما عدم ذلك في القمر جعله نورا \r\n قوله تعالى وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة فيه قولان \r\n أحدهما أن كل واحد منهما يخالف الآخر في اللون فهذا أبيض وهذا ","part":6,"page":99},{"id":2621,"text":" أسود روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال قتادة \r\n والثاني ان كل واحد منهما يخلف صاحبه رواه عمرو بن قيس الملائي عن مجاهد وبه قال ابن زيد وأهل اللغة وأنشدوا قول زهير ... بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم ... \r\n أي إذا ذهبت طائفة جاءت طائفة \r\n قوله تعالى لمن أراد أن يذكر أي يتعظ ويعتبر باختلافهما وقرأ حمزة يذكر خفيفة الذال مضمومة الكاف وهي في معنى يتذكر أو أراد شكر الله تعالى فيهما وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ","part":6,"page":100},{"id":2622,"text":" قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون وقرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي وابن السميفع يمشون برفع الياء وفتح الميم والشين وبالتشديد وقال ابن قتيبة إنما نسبهم إليه لاصطفائه إياهم كقوله ناقة الله الأعراف ومعنى هونا مشيا رويدا ومنه يقال أحبب حبيبك هونا ما وقال مجاهد يمشون بالوقار والسكينة وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي سدادا وقال الحسن لا يجهلون على أحد وإن جهل عليهم حلموا وقال مقاتل بن حيان قالوا سلاما أي قولا يسلمون فيه من الإثم وهذه الآية محكمة عند الأكثرين وزعم قوم أن المراد بها أنهم يقولون للكفار ليس بيننا وبينكم غير السلام ثم نسخت بآية السيف ","part":6,"page":101},{"id":2623,"text":" قوله تعالى والذين يبيتون لربهم قال الزجاج كل من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم يقال بات فلان قلقا إنما المبيت إدراك الليل \r\n قوله تعالى كان غراما فيه خمسة أقوال متقارب معانيها \r\n احدها دائما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والثاني موجعا رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث ملحا قاله ابن السائب وقال ابن جريج لا يفارق والرابع هلاكا قاله أبو عبيدة والخامس أن الغرام في اللغة أشد العذاب قال الشاعر ... ويوم النسار ويوم الجفا ... ركانا عذبا وكانا غراما ... \r\n قاله الزجاج \r\n قوله تعالى ساءت مستقرا أي بئس موضع الاستقرار وموضع الإقامة هي \r\n قوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يقتروا مفتوحة الياء مكسورة التاء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يقتروا بفتح الياء وضم التاء وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم الياء وكسر التاء \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أن الإسراف مجاوزة الحد في النفقة والإقتار التقصير عما لا بد ","part":6,"page":102},{"id":2624,"text":" منه ويدل على هذا قول عمر بن الخطاب كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى \r\n والثاني أن الإسراف الإنفاق في معصية الله وإن قل والإقتار منع حق الله تعالى قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج في آخرين \r\n قوله تعالى وكان يعني الإنفاق بين ذلك أي بين الإسراف والإقتار قواما أي عدلا قال ثعلب القوام بفتح القاف الاستقامة والعدل وبكسرها ما يدوم عليه الأمر ويستقر والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أي الذنب أعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ","part":6,"page":103},{"id":2625,"text":" ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية \r\n والثاني أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية إلى قوله غفورا رحيما أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث أن وحشيا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قد كنت احب أن أراك على غير جوار فأما إذا أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله قال فاني أشركت بالله وقتلت التي حرم الله وزينت فهل يقبل الله مني توبة فصمت رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزلت هذه الآية فتلاها عليه فقال أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا أنا في جوارك حتى اسمع كلام الله فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فدعاه فتلاها عليه فقال ولعلي ممن لا يشاء الله أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية الزمر فقال نعم الآن لا أرى شرطا فأسلم رواه عطاء عن ابن عباس وهذا وحشي هو قاتل حمزة وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر وهو بعيد الصحة والمحفوظ في إسلامه غير هذا وأنه قدم ","part":6,"page":104},{"id":2626,"text":" مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط وقوله يدعون معناه يعبدون وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في الأنعام \r\n قوله تعالى يلق أثاما وقرأ سعيد بن جبير وأبو المتوكل يلق برفع الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة قال ابن عباس يلق جزاء وقال مجاهد وعكرمة وهو واد في جهنم وقال ابن قتيبة يلق عقوبة وأنشد جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثام قال الزجاج وقوله يلق أثاما جزما على الجزاء قال أبو عمرو الشيباني يقال قد لقي أثام ذلك أي جزاء ذلك وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه يلقى جزاء الأثام قال سيبويه وإنما جزم يضاعف له العذاب لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام فلذلك جزمت كما قال الشاعر ... متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا ... \r\n لأن الإتيان هو الإلمام فجزم تلمم لانه بمعنى تأتي وقرأ الحسن يضعف وهو جيد بالغ تقول ضاعفت الشئ وضعفته وقرأ عاصم يضاعف بالرفع على تفسير يلق اثاما كأن قائلا قال ما لقي الأثام فقيل يضاعف للآثم العذاب وقرأ أبو المتوكل وقتادة وأبو حيوة يضعف برفع الياء وسكون الضاد وفتح العين خفيفة من غير ألف وقرأ أبو حصين الأسدي والعمري عن أبي جعفر مثله إلا أن العين مكسورة والعذاب بالنصب ","part":6,"page":105},{"id":2627,"text":" قوله تعالى ويخلد وقرأ أبو حيوة وقتادة والأعمش ويخلد برفع الياء وسكون الخاء وفتح اللام مخففة وقرأ عاصم الجحدري وابن يعمر وأبو المتوكل مثله إلا أنهم شددوا اللام فصل \r\n ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان \r\n أحدهما أنها منسوخة وفي ناسخها ثلاثة أقوال أحدها أنه قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم النساء قاله ابن عباس وكان يقول هذه مكية والتي في النساء مدنية والثاني انها نسخت بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك الآية النساء والثالث أن الأولى نسخت بالثانية وهي قوله إلا من تاب \r\n والقول الثاني أنها محكمة والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل والزنا وفساد القول الأول ظاهر لأن القتل لا يوجب تخليدا عند الأكثرين وقد بيناه في سورة النساء والشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه والاستثناء ليس بنسخ \r\n قوله تعالى إلا من تاب قال ابن عباس قرأنا على عهد رسول الله سنتين والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ثم نزلت إلا من تاب فما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فرح بشئ فرحه بها وب إنا فتحنا لك فتحا مبينا الفتح ","part":6,"page":106},{"id":2628,"text":" قوله تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات اختلفوا في كيفية هذا التبديل وفي زمان كونه فقال ابن عباس يبدل الله شركهم إيمانا وقتلهم إمساكا وزناهم إحصانا وهذا يدل على أنه يكون في الدنيا وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والثاني أن هذا يكون في الآخرة قاله سلمان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وقال عمرو بن ميمون يبدل الله سيئات المؤمن إذا غفرها له حسنات حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر مما هي وعن الحسن كالقولين وروي عن الحسن أنه قال ود قوم يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا استكثروا من الذنوب فقيل من هم قال هم الذين قال الله تعالى فيهم فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات ويؤكد هذا القول حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه صغار ذنوبه وتنحى عنه كبارها فيقال عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار فيقال أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة أخرجه مسلم في صحيحه ","part":6,"page":107},{"id":2629,"text":" ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب إلى الله متابا والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما \r\n قوله تعالى ومن تاب ظاهر هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة وقال ابن عباس يعني ممن لم يقتل ولم يزن وعمل صالحا فاني قد قدمتهم وفضلتهم على من قاتل نبيي واستحل محارمي \r\n قوله تعالى فانه يتوب إلى الله متابا قال ابن الأنباري معناه من اراد التوبة وقصد حقيقتها فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط بها ما يفسدها وهذا كما يقول الرجل من تجر فانه يتجر في البز ومن ناظر فانه يناظر في النحو أي من أراد ذلك فينبغي أن يقصد هذا الفن قال ويجوز أن يكون معنى هذه الآية ومن تاب وعمل صالحا فان ثوابه وجزاءه يعظمان له عند ربه الذي أراد بتوبته فلما كان قوله فانه يتوب إلى الله متابا يؤدي عن هذا المعنى كفى منه وهذا كما يقول الرجل للرجل إذا تكلمت فاعلم ","part":6,"page":108},{"id":2630,"text":" أنك تكلم الوزير أي تكلم من يعرف كلامك ويجازيك ومثله قوله تعالى إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت يونس أي فاني أتوكل على من ينصرني ولا يسلمني وقال قوم معنى الآية فانه يرجع إلى الله مرجعا يقبله منه \r\n قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه الصم روى الضحاك عن ابن عباس ان الزور صنم كان للمشركين والثاني أنه الغناء قاله محمد بن الحنفية ومكحول وروى ليث عن مجاهد قال لا يسمعون الغناء والثالث الشرك قاله الضحاك وأبو مالك والرابع لعب كان لهم في الجاهلية قاله عكرمة والخامس الكذب قاله قتادة وابن جريج والسادس شهادة الزور قاله علي بن أبي طلحة والسابع أعياد المشركين قاله الربيع بن أنس والثامن مجالس الخنا قاله عمرو بن قيس ","part":6,"page":109},{"id":2631,"text":" وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدها المعاصي قاله الحسن والثاني أذى المشركين إياهم قاله مجاهد والثالث الباطل قاله قتادة والرابع الشرك قاله الضحاك والخامس إذا ذكروا النكاح كنوا عنه قاله مجاهد وقال محمد بن علي إذا ذكروا الفروج كنوا عنها \r\n قوله تعالى مروا كراما فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مروا حلماء قاله ابن السائب والثاني مروا معرضين عنه قاله مقاتل والثالث أن المعنى إذا مروا باللغو جاوزوه قاله الفراء \r\n قوله تعالى والذين إذا ذكروا أي وعظوا بآيات ربهم وهي القرآن لم يخروا عليها صما وعميانا قال ابن قتيبة لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها وقال غيره من أهل اللغة لم يثبتوا على حالتهم الأولى كأنهم لم يسمعوا ولم يروا وإن لم يكونوا خروا حقيقة تقول العرب شتمت فلانا فقام يبكي وقعد يندب وأقبل يعتذر وظل يتحير وإن لم يكن قام ولا قعد ","part":6,"page":110},{"id":2632,"text":" قوله تعالى هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وذرياتنا على الجمع وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وحفص عن عاصم وذريتنا على التوحيد قرة أعين وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة قرات أعين يعنون من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة وسئل الحسن عن قوله قرة أعين في الدنيا أم في الآخرة قال لا بل في الدنيا وأي شئ أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله والله ما طلب القوم إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم قال الفراء إنما قال قرة لأنها فعل والفعل لا يكاد يجمع ألا ترى إلى قوله وادعوا ثبورا كثيرا الفرقان فلم يجمعه والقرة مصدر تقول قرت عينه قرة ولو قيل قرة عين او قرات اعين كان صوابا وقال غيره أصل القرة من البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد \r\n قوله تعالى واجعلنا للمتقين إماما فيه قولان \r\n أحدهما اجعلنا ائمة يقتدى بنا قاله ابن عباس وقال غيره هذا من الواحد الذي يراد به الجمع كقوله إنا رسول رب العالمين الشعراء وقوله فانهم عدو لي الشعراء \r\n والثاني اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم قاله مجاهد فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب فيكون المعنى واجعل المتقين لنا إماما ","part":6,"page":111},{"id":2633,"text":" أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما \r\n قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة قال ابن عباس يعني الجنة وقال غيره الغرفة كل بناء عال مرتفع والمراد غرف الجنة وهي من الزبرجد والدر والياقوت بما صبروا على دينهم وعلى أذى المشركين \r\n قوله تعالى ويلقون فيها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ويلقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويلقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف تحية وسلاما قال ابن عباس يحيي بعضهم بعضا بالسلام ويرسل إليهم الرب عز و جل بالسلام وقال مقاتل تحية يعني السلام وسلاما أي سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم \r\n قوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما يصنع بكم قاله ابن عباس والثاني أي وزن يكون لكم عنده تقول ما عبأت بفلان أي ما كان له عندي وزن ولا قدر قاله الزجاج والثالث ما يعبأ بعذابكم قاله ابن قتيبة \r\n وفي قوله لولا دعاؤكم أربعة أقوال \r\n أحدها لولا إيمانكم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ","part":6,"page":112},{"id":2634,"text":" والثاني لولا عبادتكم رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه قاله مجاهد والمراد نفع الخلق لأن الله تعالى غير محتاج \r\n والرابع لولا توحيدكم حكاه الزجاج وعلى قول الأكثرين ليس في الآية إضمار وقال ابن قتيبة فيها إضمار تقديره ما يعبأ بعذابكم لولا ما تدعونه من الشريك والولد ويوضح ذلك قوله فسوف يكون لزاما يعني العذاب ومثله قول الشاعر ... من شاء دلى النفس في هوة ... ضنك ولكن من له بالمضيق ... \r\n أي بالخروج من المضيق وهل هذا خطاب للمؤمنين أو للكفار فيه قولان فأما قوله تعالى فقد كذبتم فهو خطاب لأهل مكة حين كذبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسوف يكون يعني تكذيبكم لزاما أي عذابا لازما لكم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قتلهم يوم بدر فقتلوا يومئذ واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم وهذا مذهب ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد في آخرين والثاني أنه الموت قاله ابن عباس والثالث أن اللزام القتال قاله ابن زيد ","part":6,"page":113},{"id":2635,"text":" سورة الشعراء \r\n وهي مكية كلها إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله والشعراء يتبعهم الغاوون الشعراء إلى آخرها قاله ابن عباس وقتادة بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فيسأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤون أولم يروا إلى الأرض كم أنبئنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى طسم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر طسم بفتح الطاء وإدغام النون من هجاء سين عند الميم وقرأ حمزة والكسائي وخلف وأبان والمفضل طسم وطس النمل بامالة الطاء فيهما وأظهر النون من هجاء سين عند الميم حمزة هاهنا وفي القصص ","part":6,"page":114},{"id":2636,"text":" وفي معنى طسم أربعة أقوال \r\n أحدها أنها حروف من كلمات ثم فيها ثلاثة أقوال أحدها ما رواه علي بن أبي طالب عليه السلام قال لما نزلت طسم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الطاء طور سيناء والسين الاسكندرية والميم مكة والثاني أن الطاء طيبة وسين بيت المقدس وميم مكة رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث الطاء شجرة طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد صلى الله عليه و سلم قاله جعفر الصادق \r\n والثاني أنه قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقد بينا كيف يكون مثل هذا من أسماء الله تعالى في فاتحة مريم وقال القرظي أقسم الله بطوله وسنائه وملكه \r\n والثالث انه اسم للسورة قاله مجاهد \r\n والرابع أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة وأبو روق وما بعد ","part":6,"page":115},{"id":2637,"text":" هذا قد سبق تفسيره المائدة الكهف إلى قوله ألا يكونوا مؤمنين والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان \r\n ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزل عليهم ما يضطرهم إلى الإيمان لفعل فقال إن نشأ ننزل وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل إن يشأ ينزل بالياء فيهما عليهم من السماء آية فظلت لها خاضعين جعل الفعل أولا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون وقيل لما وصف الأعناق بالخضوع وهو من صفات بني آدم أخرج الفعل مخرج الآدميين كما بينا في قوله والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين يوسف وهذا اختيار أبي عبيدة وقال الزجاج قوله فظلت معناه فتظل لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل كقولك إن تأتني أكرمتك معناه أكرمك وإنما قال خاضعين لأن خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها وذلك أن الخضوع لما لم يكن إلا بخضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه كما قال الشاعر ... رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال ... \r\n فلما كانت السنون لا تكون إلا بمر أخبر عن السنين وإن كان أضاف إليها المرور قال وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ورؤساءهم وجاء في ","part":6,"page":116},{"id":2638,"text":" اللغة أن أعناقهم جماعاتهم يقال جاءني عنق من الناس أي جماعة وما بعد هذا قد سبق تفسيره الأنبياء إلى قوله أو لم يروا إلى الأرض يعني المكذبين بالبعث كم أنبتنا فيها بعد أن لم يكن فيها نبات من كل زوج كريم قال ابن قتيبة من كل جنس حسن وقال الزجاج الزوج النوع والكريم المحمود \r\n قوله تعالى إن في ذلك الإنبات لآية تدل على وحدانية الله وقدرته وما كان أكثرهم مؤمنين أي ما كان أكثرهم يؤمن في علم الله وإن ربك لهو العزيز المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل \r\n قوله تعالى وإذ نادى المعنى واتل هذه القصة على قومك \r\n قوله تعالى أن يكذبون ياء يكذبون محذوفة ومثلها أن يقتلون الشعراء سيهدين الشعراء فهو يدين الشعراء ","part":6,"page":117},{"id":2639,"text":" ويسقين الشعراء فهو يشفين الشعراء ثم يحيين الشعراء كذبون الشعراء وأطيعون الشعراء فهذه ثمان آيات أثبتهن في الحالين يعقوب \r\n قوله تعالى ويضيق صدري أي بتكذيبهم إياي ولا ينطلق لساني للعقدة التي كانت بلسانه وقرأ يعقوب ويضيق ولا ينطلق بنصب القاف فيهما فأرسل إلى هارون المعنى ليعينني فحذف لأن في الكلام دليلا عليه ولهم علي ذنب وهو القتيل الذي وكزه فقضى عليه والمعنى ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلون به قال كلا وهو ردع وزجر عن الإقامة على هذا الظن والمعنى لن يقتلوك لأني لا اسلطهم عليك فاذهبا يعني أنت وأخوك بآياتنا وهي ما أعطاهما من المعجزة إنا يعني نفسه عز و جل معكم فأجراها مجرى الجماعة مستمعون نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به \r\n قوله تعالى إنا رسول رب العالمين قال ابن قتيبة الرسول يكون بمعنى الجميع كقوله هؤلاء ضيفي الحجر وقوله ثم نخرجكم طفلا الحج وقال الزجاج المعنى إنا رسالة رب العالمين أي ذوو رسالة رب العالمين قال الشاعر ... لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول ... \r\n أي برسالة ","part":6,"page":118},{"id":2640,"text":" قوله تعالى أن أرسل المعنى بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي أطلقهم من الاستعباد فأتياه فبلغاه الرسالة ف قال ألم نر بك فينا وليدا أي صبيا صغيرا ولبثت فينا من عمرك سنين وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها ثماني عشرة سنة قاله ابن عباس والثاني أربعون سنة قاله ابن السائب والثالث ثلاثون سنة قاله مقاتل والمعنى فجازيتنا على ان ربيناك أن كفرت نعمتنا وقتلت منا نفسا وهو قوله وفعلت فعلتك وهي قتل النفس قال الفراء وإنما نصبت الفاء لأنها مرة واحدة ولو أريد بها مثل الجلسة والمشية جاز كسرها \r\n وفي قوله وأنت من الكافرين قولان \r\n أحدهما من الكافرين لنعمتي قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك وابن زيد \r\n والثاني من الكافرين بالهك كنت معنا على ديننا الذي تعيب قاله الحسن والسدي فعلى الاول وأنت من الكافرين الآن وعلى الثاني وكنت \r\n وفي قوله وأنا من الضالين ثلاثة أقوال \r\n أحدها من الجاهلين قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وقال بعض المفسرين المعنى إني كنت جاهلا لم يأتني من الله شئ \r\n والثاني من الخاطئين والمعنى إني قتلت النفس خطأ قاله ابن زيد \r\n والثالث من الناسين ومثله أن تضل إحداهما البقرة قاله أبو عبيدة \r\n قوله تعالى ففررت منكم أي ذهبت من بينكم لما خفتكم على ","part":6,"page":119},{"id":2641,"text":" نفسي إلى مدين وقرأ عاصم الجحدري والضحاك وابن يعمر لما بكسر اللام وتخفيف الميم فوهب لي ربي حكما وفيه قولان \r\n أحدهما النبوة قاله ابن السائب والثاني العلم والفهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وتلك نعمة تمنها علي يعني التربية ان عبدت بني إسرائيل أي اتخذتهم عبيدا يقال عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته إذا اتخذته عبدا \r\n وفي أن وجهان \r\n أحدهما أن تكون في موضع رفع على البدل من نعمة \r\n والثاني أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض تقديره لأن عبدت أو لتعبيدك \r\n واختلف العلماء في تفسير الآية ففسرها قوم على الإنكار وقوم على الإقرار فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام أو تلك نعمة على طريق الاستفهام ومثله هذا ربي الانعام وقوله فهم الخالدون الانبياء وانشدوا ... لم أنس يوم الرحيل وقفتها وجفنها من دموعها شرق ... وقولها والركاب سائرة ... تتركنا هكذا وتنطلق ","part":6,"page":120},{"id":2642,"text":" وهذا قول جماعة منهم ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال \r\n أحدها أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها فأبطل موسى النعمة لأنها أموال بني إسرائيل قاله الحسن \r\n والثاني أن المعنى إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي وكانت أمي تستغني عن قذفي في اليم فكأنك تمن علي بما كان بلاؤك سببا له وهذا قول المبرد والزجاج والأزهري \r\n والثالث أن المعنى تمن علي باحسانك إلي خاصة وتنسى إساءتك بتعبيدك بني إسرائيل قاله مقاتل \r\n والرابع أن المعنى كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي ومن أهين قومه فقد ذل فقد حبط إحسانك إلي بتعبيدك قومي حكاه الثعلبي \r\n فأما من فسرها على الإقرار فانه قال عدها موسى نعمة حيث رباه ولم يقتله ولا استعبده فالمعنى هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل ف أن تدل على المحذوف ومثله في الكلام أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر فيقول المتروك هذه نعمة علي أن ضربت فلانا وتركتني ثم تحذف وتركتني لان المعنى معروف هذا قول الفراء قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الاولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ","part":6,"page":121},{"id":2643,"text":" قوله تعالى قال فرعون وما رب العالمين سأله عن ماهية من لا ماهية له فأجابه بما يدل عليه من مصنوعاته \r\n وفي قوله إن كنتم موقنين قولان \r\n أحدهما أنه خلق السماوات والأرض \r\n والثاني إن كنتم موقنين أن ما تعاينوه كما تعاينونه فكذلك فأبقنوا أن رب العالمين رب السماوات والارض قال يعني فرعون لمن حوله من أشراف قومه ألا تستمعون معجبا لهم \r\n فان قيل فأين جوابهم \r\n فالجواب أنه أراد ألا تستمعون قول موسى فرد موسى لأنه المراد ","part":6,"page":122},{"id":2644,"text":" بالجواب ثم زاد في البيان بقوله ربكم ورب آبائكم الأولين فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إلى الجنون فلم يحفل موسى بقول فرعون واشتغل بتأكيد الحجة ف قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون أي إن كنتم ذوي عقول لم يخف عليكم ما أقول قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشئ مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فاذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون \r\n قوله تعالى أولو جئتك بشئ مبين أي بأمر ظاهر تعرف به صدقي أتسجنني وما بعد هذا مفسر في الأعراف إلى قوله فجمع ","part":6,"page":123},{"id":2645,"text":" السحرة لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة وكان عيدا لهم وقيل للناس يعني أهل مصر وذهب ابن زيد إلى أن اجتماعهم كان بالاسكندرية \r\n قوله تعالى لعلنا نتبع السحرة قال الاكثرون أرادوا سحرة فرعون فالمعنى لعلنا نتبعهم على امرهم وقال بعضهم ارادوا موسى وهارون وإنما قالوا ذلك استهزاء قال ابن جرير ولعل هاهنا بمعنى كي وقوله بعزة فرعون أي بعظمته قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لاضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين \r\n قوله تعالى فلسوف تعلمون قال الزجاج اللام دخلت للتوكيد \r\n قوله تعالى لا ضير أي لا ضرر قال ابن قتيبة هو من ضاره يضوره ويضيره بمعنى ضره والمعنى لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا لأنا ننقلب إلى ربنا في الآخرة مؤملين غفرانه \r\n قوله تعالى أن كنا أي لأن كنا أول المؤمنين بآيات موسى في هذه الحال وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم ","part":6,"page":124},{"id":2646,"text":" من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل \r\n قوله تعالى إنكم متبعون أي يتبعكم فرعون وقومه \r\n قوله تعالى إن هؤلاء المعنى وقال فرعون إن هؤلاء يعني بني إسرائيل ذ شرذمة قال ابن قتيبة أي طائفة قال الزجاج والشر ذمة في كلام العرب القليل قال المفسرون وكانوا ستمائة ألف وإنما استقلهم بالاضافة إلى جنده وكان جنده لا يحصى \r\n قوله تعالى وإنهم لنا لغائظون تقول غاظني الشئ إذا أغضبك قال ابن جرير وذكر أن غيظهم كان لقتل الملائكة من قتلت من أبكارهم قال ويحتمل أن غيظهم لذهابهم بالعواري التي استعاروها من حليهم ويحتمل أن يكون لفراقهم إياهم وخروجهم من أرضهم على كره منهم \r\n قوله تعالى وإنا لجميع حذرون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو حذرون بغير ألف وقرأ الباقون حاذرون بألف وهل بينهما فرق فيه قولان \r\n أحدهما أن الحاذر المستعد والحذر المتيقظ وجاء في التفسير أن معنى حاذرين مؤدون أي ذوو أداة وهي السلاح لأنها أداة الحرب \r\n والثاني أنهما لغتان معناهما واحد قال ابو عبيدة يقال رجل حذر وحذر وحاذر والمقام الكريم المنزل الحسن \r\n وفي قوله كذلك قولان \r\n أحدهما كذلك أفعل بمن عصاني قاله ابن السائب والثاني الامر كذلك أي كما وصفنا قاله الزجاج ","part":6,"page":125},{"id":2647,"text":" قوله تعالى وأورثناها بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى ردهم إلى مصر بعد غرق فرعون وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن والأموال وقال ابن جرير الطبري إنما جعل ديار آل فرعون ملكا لبني إسرائيل ولم يرددهم إليها لكنه جعل مساكنهم الشام فأتبعوهم مشرقين فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى فأتبعوهم قال ابن قتيبة لحقوهم مشرقين أي حين شرقت الشمس أي طلعت يقال أشرقنا دخلنا في الشروق كما يقال أمسينا وأصبحنا وقرأ الحسن وأيوب السختياني فاتبعوهم بالتشديد \r\n قوله تعالى فلما تراءى الجمعان وقرأ أبو رجاء والنخعي والأعمش تراأى بكسر الراء وفتح الهمزة أي تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه \r\n قوله تعالى كلا أي لن يدركونا إن معي ربي سيهدين أي سيدلني على طريق النجاة \r\n قوله تعالى فانفلق فيه إضمار فضرب فانفلق أي انشق الماء اثني عشر طريقا فكان كل فرق أي كل جزء انفرق منه وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري كل فلق باللام كالطود وهو الجبل ","part":6,"page":126},{"id":2648,"text":" قوله تعالى وأزلفنا ثم الآخرين أي قربنا الآخرين من الغرق وهم اصحاب فرعون وقال ابو عبيدة أزلفنا أي جمعنا قال الزجاج وكلا القولين حسن لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض واصل الزلفى في كلام العرب القربى وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو رجاء والضحاك وابن يعمر أزلقنا بقاف وكذلك قرأوا وأزلقت الجنة الشعراء بقاف أيضا \r\n قوله تعالى إن في ذلك لآية يعني في إهلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم وما كان أكثرهم مؤمنين أي لم يكن أكثر اهل مصر مؤمنين إنما آمنت آسية وخربيل مؤمن آل فرعون وفنة الماشطة ومريم امرأة دلت موسى على عظام يوسف هذا قول مقاتل وما أخللنا به من تفسير كلمات في قصة موسى فقد سبق بيانها وكذلك ما يفقد ذكره في مكان فهو إما أن يكون قد سبق وإما أن يكون ظاهرا فتنبه لهذا واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم او يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقين وإذا ","part":6,"page":127},{"id":2649,"text":" مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين \r\n قوله تعالى هل يسمعونكم والمعنى هل يسمعون دعاءكم وقرأ سعيد بن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري هل يسمعونكم بضم الياء وكسر الميم إذ تدعون قال الزجاج إن شئت بينت الذال وإن شئت أدغمتها في التاء وهو أجود في العربية لقرب الذال من التاء \r\n قوله تعالى أو ينفعونكم أي إن عبدتموهم او يضرون إن لم تعبدوهم فأخبروا عن تقليد آبائهم \r\n قوله تعالى فانهم عدو لي فيه وجهان \r\n أحدهما أن لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع فالمعنى فانهم أعداء لي \r\n والثاني فان كل معبود لكم عدو لي \r\n فان قيل ما وجه وصف الجماد بالعدواة \r\n فالجواب من وجهين أحدهما أن معناه فانهم عدو لي يوم القيامة إن عبدتهم والثاني أنه من المقلوب والمعنى فاني عدو لهم لأن من عاديته عاداك قاله ابن قتيبة \r\n وفي قوله إلا رب العالمين قولان \r\n أحدهما أنه استثناء من الجنس لأنه علم انهم كانوا يعبدون الله مع آلهتهم قاله ابن زيد \r\n والثاني أنه من غير الجنس والمعنى لكن رب العالمين ليس كذلك قاله أكثر النحويين ","part":6,"page":128},{"id":2650,"text":" قوله تعالى الذي خلقني فهو يهدين أي إلى الرشد لا ما تعبدون والذي هو يطعمني ويسقين أي هو رازقي الطعام والشراب \r\n فان قيل لم قال مرضت ولم يقل أمرضني \r\n فالجواب أنه أراد الثناء على ربه فأضاف إليه الخير المحض لأنه لو قال أمرضني لعد قومه ذلك عيبا فاستعمل حسن الادب ونظيره قصة الخضر حين قال في العيب فأردت الكهف وفي الخير المحض فأراد ربك الكهف \r\n فان قيل فهذا يرده قوله والذي يميتني \r\n فالجواب أن القوم كانوا لا ينكرون الموت وإنما يجعلون له سببا سوى تقدير الله عز و جل فاضافه إبراهيم إلى الله عز و جل وقوله ثم يحيين يعني البعث وهو امر لا يقرون به وإنما قاله استدلالا عليهم والمعنى أن ما وافقتموني عليه موجب لصحة قولي فيما خالفتموني فيه \r\n قوله تعالى والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يعني ما يجري على مثلي من الزلل والمفسرون يقولون إنما عنى الكلمات الثلاث التي ذكرناها في الأنبياء يوم الدين يعني يوم الحشر والحساب وهذا احتجاج على قومه أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن فعل هذه الأفعال رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر ","part":6,"page":129},{"id":2651,"text":" لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم \r\n قوله تعالى هب لي حكما فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها النبوة قاله ابو صالح عن ابن عباس والثاني اللب قاله عكرمة والثالث الفهم والعلم قاله مقاتل وقد بينا قوله وألحقني بالصالحين في سورة يوسف وبينا معنى لسان صدق في مريم والمراد بالآخرين الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة \r\n قوله تعالى واغفر لأبي قال الحسن بلغني أن امه كانت مسلمة على دينه فلذلك لم يذكرها \r\n فان قيل فقد قال اغفر لي ولوالدي إبراهيم \r\n قيل أكثر الذكر إنما جرى لأبيه فيجوز أن يسأل الغفران لأمه وهي مؤمنة فأما أبوه فلا شك في كفره وقد بينا سبب استغفاره لأبيه في براءة وذكرنا معنى الخزي في آل عمران \r\n قوله تعالى يوم يبعثون يعني الخلائق \r\n قوله تعالى إلا من اتى الله بقلب سليم فيه ستة أقوال \r\n أحدها سليم من الشرك قاله الحسن وابن زيد \r\n والثاني سليم من الشك قاله مجاهد \r\n والثالث سليم أي صحيح وهو قلب المؤمن لان قلب الكافر والمنافق مريض قاله سعيد بن المسيب ","part":6,"page":130},{"id":2652,"text":" والرابع أن السليم في اللغة اللديغ فالمعنى كاللديغ من خوف الله تعالى قاله الجنيد \r\n والخامس سليم من آفات المال والبنين قاله الحسين بن الفضل \r\n والسادس سليم من البدعة مطمئن على السنة حكاه الثعلبي وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما اضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت إليهم حتى نظروا إليها وبرزت الجحيم أي أظهرت للغاوين وهم الضالون وقيل لهم على وجه التوبيخ أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أي يمنعونكم من العذاب أو يمتنعون منه \r\n قوله تعالى فكبكبوا قال السدي هم المشركون قال ابن قتيبة ألقوا على رؤوسهم وأصل الحرف كببوا من قولك كببت الإناء فأبدل من الباء الوسطى كافا استثقالا لاجتماع ثلاث باءات كما قالوا كمكموا من الكمة والأصل كمموا وقال الزجاج ","part":6,"page":131},{"id":2653,"text":" معناه طرح بعضهم على بعض وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب كأنه إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها \r\n وفي الغاوين ثلاثة اقوال \r\n أحدها المشركون قاله ابن عباس \r\n والثاني الشياطين قاله قتادة ومقاتل \r\n والثالث لآلهة قاله السدي وجنود إبليس أتباعه من الجن والإنس قالوا وهم فيها يختصمون يعني هم وآلهتهم تالله إن كنا قال الفراء لقد كنا وقال الزجاج ما كنا إلا في ضلال \r\n قوله تعالى إذ نسويكم أي نعدلكم بالله في العبادة وما أضلنا إلا المجرمون فيهم قولان \r\n أحدهما الشياطين والثاني أولوهم الذين اقتدوا بهم قال عكرمة إبليس وابن آدم القاتل \r\n قوله تعالى فما لنا من شافعين هذا قولهم إذا شفع الأنبياء والملائكة والمؤمنون وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الرجل يقول في الجنة مافعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله عز و جل أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم والحميم القريب الذي توده ويودك والمعنى مالنا ","part":6,"page":132},{"id":2654,"text":" من ذي قرابة يهمه أمرنا فلو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين \r\n لتحل لنا الشفاعة كما حلت للموحدين كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون \r\n قوله تعالى كذبت قوم نوح قال الزجاج القوم مذكرون والمعنى كذبت جماعة قوم نوح \r\n قوله تعالى إذ قال لهم أخوهم نوح كانت الأخوة من جهة النسب بينهم لا من جهة الدين ألا تتقون عذاب الله بتوحيده وطاعته إني لكم رسول أمين على الرسالة فيما بيني وبين ربكم وما أسألكم عليه من أجر أي على الدعاء إلى التوحيد قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمني بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ","part":6,"page":133},{"id":2655,"text":" قوله تعالى واتبعك الأرذلون وقرأ يعقوب بفتح الهمزة وتسكين التاء وضم العين وأتباعك الأرذلون وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها الحاكة رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني الحاكة والأساكفة قاله عكرمة \r\n والثالث المساكين الذين ليس لهم مال ولا عز قاله عطاء وهذا جهل منهم لأن الصناعات لا تضر في باب الديانات \r\n قوله تعالى وما علمي بما كانوا يعملون أي لم أعلم أعمالهم وصنائعهم ولم أكلف ذلك إنما كلفت أن أدعوهم إن حسابهم فيما يعملون إلا على ربي لو تشعرون بذلك ما عبتموهم في صنائعهم وما أنا بطارد المؤمنين أي ما أنا بالذي لا أقبل إيمانهم لزعمكم أنهم الأرذلون \r\n وفي قوله لتكونن من المرجومين ثلاثة أقوال \r\n أحدها من المشتومين قاله الضحاك والثاني من المضروبين بالحجارة قاله قتادة والثالث من المقتولين بالرجم قاله مقاتل قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى فافتح بيني وبينهم أي اقض بيني وبينهم قضاء يعني بالعذاب ونجني ومن معي من ذلك العذاب والفلك قد تقدم بيانه البقرة والمشحون المملوء يقال شحنت الإناء إذا ملأته وكانت ","part":6,"page":134},{"id":2656,"text":" سفينة نوح قد ملئت من الناس والطير والحيوان كله ثم أغرقنا بعد بعد نجاة نوح ومن معه الباقين كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله واطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم \r\n قوله تعالى أتبنون بكل ريع وقرا عاصم الجحدري وأبو حيوة وابن أبي عبلة بكل ريع بفتح الراء قال الفراء هما لغتان ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه المكان المرتفع روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال بكل شرف قال الزجاج هو في اللغة الموضع المرتفع من الأرض \r\n والثاني أنه الطريق رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة \r\n والثالث الفج بين الجبلين قاله مجاهد والآية العلامة \r\n وفيما أراد بهذا البناء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أراد تبنون مالا تسكنون رواه عطاء عن ابن عباس والمعنى أنه جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا \r\n وللثاني بروج الحمام قاله سعيد بن جبير ومجاهد ","part":6,"page":135},{"id":2657,"text":" والثالث أنهم كانوا يبنون في المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم وهو معنى قول الضحاك \r\n قوله تعالى وتتخذون مصانع فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها قصور مشيدة قاله مجاهد والثاني مصانع الماء تحت الارض قاله قتادة والثالث بروج الحمام قاله السدي \r\n وفي قوله لعلكم تخلدون قولان \r\n أحدهما كأنكم تخلدون قاله ابن عباس وأبو مالك \r\n والثاني كيما تخلدوا قاله الفراء وابن قتيبة وقرا عكرمة والنخعي وقتادة وابن يعمر تخلدون برفع التاء وتسكين الخاء وفتح اللام مخففة وقرأ عاصم الجحدري وأبو حصين تخلدون بفتح الخاء وتشديد اللام \r\n قوله تعالى وإذا بطشتم بطشتم جبارين المعنى إذا ضربتم ضربتم بالسياط ضرب الجبارين وإذا عاقبتم قتلتم وإنما أنكر عليهم ذلك لأنه صدر عن ظلم إذ لو ضربوا بالسيف أو بالسوط في حق ماليموا \r\n وفي قوله عذاب يوم عظيم قولان \r\n أحدهما ما عذبوا به في الدنيا والثاني عذاب جهنم ","part":6,"page":136},{"id":2658,"text":" قالوا سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين \r\n قوله تعالى إن هذا إلا خلق الأولين قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي خلق بفتح الخاء وتسكين اللام قال ابن قتيبة أرادوا اختلافهم وكذبهم يقال خلقت الحديث واختلقته أي افتعلته قال الفراء والعرب تقول للخرافات أحاديث الخلق وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة وخلف ونافع خلق الاولين بضم الخاء واللام وقرأ ابن عباس وعكرمة وعاصم الجحدري خلق برفع الخاء وتسكين اللام والمعنى عادتهم وشأنهم قال قتادة قالوا له هكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث لهم ولا حساب \r\n قوله تعالى وما نحن بمعذبين أي على ما نفعله في الدنيا \r\n أتتركون في ما ههنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ","part":6,"page":137},{"id":2659,"text":" قوله تعالى أتتركون فيما هاهنا أي فيما أعطاكم الله في الدنيا آمنين من الموت والعذاب \r\n قوله تعالى طلعها هضيم الطلع الثمر وفي الهضيم سبعة أقوال \r\n أحدها أنه الذي قد اينع وبلغ رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه الذي يتهشم تهشما قاله مجاهد والثالث انه الذي ليس له نوى قاله الحسن والرابع أنه المذنب من الرطب قاله سعيد بن جبير والخامس اللين قاله قتادة والفراء والسادس أنه الحمل الكثير الذي يركب بعضه بعضا قاله الضحاك والسابع أنه الطلع قبل أن ينشق عنه القشر وينفتح يريد أنه منضم مكتنز ومنه قيل رجل أهضم الكشحين إذا كان منضمهما قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو فرهين وقرأ الباقون فارهين بالف قال ابن قتيبة فرهين اشرين بطرين ويقال الهاء فيه مبدلة من حاء أي فرحين والفرح قد يكون السرور وقد يكون الأشر ومنه قوله إن الله لا يحب الفرحين القصص أي الأشرين ومن قرأ فارهين فهي لغة أخرى يقال فره وفاره كما يقال فرح وفارح ويقال فارهين أي حاذقين قال عكرمة حاذقين بنحتها ","part":6,"page":138},{"id":2660,"text":" قوله تعالى ولا تطيعوا امر المسرفين قال ابن عباس يعني المشركين وقال مقاتل هم التسعة الذين عقروا الناقة \r\n قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فات بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين \r\n قوله تعالى إنما أنت من المسحرين قال الزجاج أي ممن له سحر والسحر الرئة والمعنى أنت بشر مثلنا وجائز أن يكون من المفعلين من السحر والمعنى ممن قد سحر مرة بعد مرة \r\n قوله تعالى لها شرب أي حظ من الماء قال ابن عباس لها شرب معروف لا تحضروه معها ولكم شرب لا تحضر معكم فكانت إذا كان يومهم حضروا الماء فاقتسموه وإذا كان يومها شربت الماء كله وقال قتادة كانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم أول النهار وسقتهم اللبن آخر النهار وقرأ ابي بن كعب وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن أبي عبلة لها شرب بضم الشين ","part":6,"page":139},{"id":2661,"text":" قوله تعالى فأصبحوا نادمين قال ابن عباس ندموا حين رأوا العذاب على عقرها وعذابهم كان بالصيحة \r\n أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ماخلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى أتأتون الذكران وهو جمع ذكر من العالمين أي من بني آدم وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم قال الزجاج وقرأ ابن مسعود ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم يعني به الفروج وقال مجاهد تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال \r\n قوله تعالى بل أنتم قوم عادون أي ظالمون معتدون قالوا لئن لم تنته يا لوط أي لئن لم تسكت عن نهينا لتكونن من المخرجين من بلدنا قال إني لعملكم يعني إتيان الرجال من القالين قال ابن قتيبة أي من المبغضين يقال قليت الرجل إذا أبغضته \r\n قوله تعالى رب نجني وأهلي مما يعملون أي من عقوبة عملهم فنجيناه وأهله وقد ذكرناهم في هود إلا عجوزا يعني امرأته في الغابرين أي الباقين في العذاب ثم دمرنا الآخرين أهلكناهم بالخسف والحصب وهو قوله وأمطرنا عليهم مطرا يعني الحجارة ","part":6,"page":140},{"id":2662,"text":" كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين \r\n قوله تعالى كذب أصحاب الأيكة قرأ أبن كثير ونافع وابن عامر أصحاب ليكة هاهنا وفي ص بغير همز والتاء مفتوحة وقرا الباقون الايكة بالهمز فيهما والألف وقد سبق هذا الحرف الحجر إذ قال لهم شعيب إن قيل لم لم يقل أخوهم كما قال في الأعراف فالجواب أن شعيبا لم يكن من نسل أصحاب الأيكة فلذلك لم يقل أخوهم وإنما أرسل إليهم بعد أن أرسل إلى مدين وهو من نسل مدين فلذلك قال هناك أخوهم هذا قول مقاتل بن سليمان وقد ذكرنا في سورة هود عن محمد بن كعب القرظي أن أهل مدين عذبوا بعذاب الظلة فان كانوا غير أصحاب الأيكة كما زعم مقاتل فقد تساووا في العذاب وإن كان أصحاب مدين هم أصحاب الايكة وهو مذهب ابن جرير الطبري كان حذف ذكر الأخ تخفيفا والله أعلم ","part":6,"page":141},{"id":2663,"text":" أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين \r\n قوله تعالى ولا تكونوا من المخسرين أي من الناقصين للكيل يقال أخسرت الكيل والوزن إذا نقصته وقد ذكرنا القسطاس في بني إسرائيل \r\n قوله تعالى واتقوا الذي خلقكم والجبلة أي وخلق الجبلة وقيل المعنى واذكروا ما نزل بالجبلة الأولين وقرا الحسن وأبو مجلز وابو رجاء وابن يعمر وابن ابي عبلة والجبلة برفع الجيم والباء جميعا مشددة اللام وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك وعاصم الجحدري بكسر الجيم وتسكين الباء وتخفيف اللام قال ابن قتيبة الجبلة الخلق يقال جبل فلان على كذا أي خلق قال الشاعر \r\n ... والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة ... \r\n قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه ","part":6,"page":142},{"id":2664,"text":" فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى فأسقط علينا كسفا قال ابن قتيبة أي قطعة من السماء وكسف جمع كسفة كما يقال قطع وقطعة \r\n قوله تعالى ربي أعلم بما تعملون أي من نقصان الكيل والميزان والمعنى إنه يجازيكم إن شاء وليس عذابكم بيدي فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة قال المفسرون بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية فبعث الله عليهم سحابة أظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ونادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا فكان ذلك من اعظم العذاب والظلة السحابة التي أظلتهم \r\n وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أولم يكن لهم آية أن يعلمه علموءا بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين \r\n قوله تعالى وإنه يعني القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به ","part":6,"page":143},{"id":2665,"text":" الروح الأمين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم نزل به خفيفا الروح الأمين بالرفع وقرأ أبن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم نزل مشددة الزاي الروح الأمين بالنصب والمراد بالروح الأمين جبريل وهو أمين على وحي الله تعالى إلى أنبيائه على قلبك قال الزجاج معناه نزل عليك فوعاه قلبك فثبت فلا تنساه أبدا \r\n قوله تعالى لتكون من المنذرين أي ممن أنذر بآيات الله المكذبين بلسان عربي مبين قال ابن عباس بلسان قريش ليفهموا ما فيه \r\n قوله تعالى وإنه لفي زبر الأولين وقرأ الاعمش زبر بتسكين الباء وفي هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والمعنى وإن ذكر القرآن وخبره هذا قول الأكثرين والثاني أنها تعود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله مقاتل والزبر الكتب \r\n قوله تعالى أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرئيل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي أو لم يكن لهم بالياء آية بالنصب وقرأ ابن عامر وابن أبي عبلة تكن بالتاء آية بالرفع وقرأ أبو عمران الجوني وقتادة تكن بالتاء آية بالنصب قال الزجاج إذا قلت يكن بالياء فالاختيار نصب آية ويكون أن اسم كان ويكون آية خبر كان المعنى أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن النبي صلى الله عليه و سلم حق وأن نبوته حق آية أي علامة موضحة لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل ","part":6,"page":144},{"id":2666,"text":" وجدوا ذكر النبي صلى الله عليه و سلم مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ومن قرأ أو لم تكن بالتاء آية جعل آية هي الاسم وأن يعلمه خبر تكن ويجوز أيضا أو لم تكن بالتاء آية بالنصب كقوله ثم لم تكن فتنتهم الأنعام وقرأ الشعبي والضحاك وعاصم الجحدري أن تعلمه بالتاء \r\n قال ابن عباس بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه و سلم فقالوا إن هذا لزمانه وإنا لنجد في التوراة صفته فكان ذلك آية لهم على صدقه \r\n قوله تعالى على بعض الأعجميين قال الزجاج هو جمع أعجم والأنثى عجماء والأعجم الذي لا يفصح وكذلك الأعجمي فأما العجمي فالذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح \r\n قوله تعالى ما كانوا به مؤمنين أي لو قرأه عليهم أعجمي لقالوا لانفقه هذا فلم يؤمنوا \r\n كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ","part":6,"page":145},{"id":2667,"text":" فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين \r\n قوله تعالى كذلك سلكناه قد شرحناه في الحجر والمجرمون هاهنا المشركون \r\n قوله تعالى لا يؤمنون به قال الفراء المعنى كي لا يؤمنوا فأما العذاب الأليم فهو عند الموت فيقولوا عند نزول العذاب هل نحن منظرون أي مؤخرون لنؤمن ونصدق قال مقاتل فلما أوعدهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعذاب قالوا فمتى هو تكذيبا به فقال الله تعالى أفبعذابنا يستعجلون \r\n قوله تعالى أفرأيت إن متعناهم سنين قال عكرمة عمر الدنيا \r\n قوله تعالى ثم جاءهم ما كانوا يوعدون أي من العذاب وما أهلكنا من قرية بالعذاب في الدنيا إلا لها منذرون يعني رسلا تنذرهم العذاب ذكرى أي موعظة وتذكيرا \r\n وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون \r\n قوله تعالى وما تنزلت به الشياطين سبب نزولها أن قريشا قالت إنما ","part":6,"page":146},{"id":2668,"text":" تجئ بالقرآن الشياطين فتلقيه على لسان محمد فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وما ينبغي لهم أي أن ينزلوا بالقرآن وما يستطيعون أن يأتوا به من السماء لأنهم قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب إنهم عن السمع أي عن الاستماع للوحي من السماء لمعزولون فكيف ينزلون به وقال عطاء عن سماع القرآن لمحجوبون لأنهم يرجمون بالنجوم \r\n فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فان عصوك فقل إني برئ مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم \r\n قوله تعالى فلا تدع مع الله إلها آخر قال ابن عباس يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت من دوني إلها لعذبتك \r\n قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أنزل الله وأنذر عشيرتك الاقربين فقال يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت ما أغني عنك من الله شيئا ","part":6,"page":147},{"id":2669,"text":" وفي بعض الألفاظ سلوني من مالي ما شئتم وفي لفظ غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ومعنى قوله عشيرتك الأقربين رهطك الأدنين فان عصوك يعني العشيرة فقل إني برئ مما تعملون من الكفر وتوكل على العزيز الرحيم أي ثق به وفوض أمرك إليه فهو عزيز في نقمته رحيم لم يعجل بالعقوبة وقرا نافع وابن عامر فتوكل بالفاء وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام \r\n الذي يراك حين تقوم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها حين تقوم إلى الصلاة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني حين تقوم من مقامك قاله أبو الجوزاء والثالث حين تخلو قاله الحسن \r\n قوله تعالى وتقلبك أي ونرى تقلبك في الساجدين وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها وتقلبك في أصلاب الأنبياء حتى أخرجك رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني وتقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة والمعنى يراك وحدك ويراك في الجماعة وهذا قول الأكثرين منهم قتادة ","part":6,"page":148},{"id":2670,"text":" والثالث وتصرفك في ذهابك ومجيئك في اصحابك المؤمنين قاله الحسن \r\n هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون \r\n قوله تعالى هل أنبئكم على من تنزل الشياطين هذا رد علهيم حين قالوا إنما يأتيه بالقرآن الشياطين فأما الأفاك فهو الكذاب والأثيم الفاجر قال قتادة وهم الكهنة \r\n قوله تعالى يلقون السمع أي يلقون ما سمعوه من السماء إلى الكهنة \r\n وفي قوله وأكثرهم كاذبون قولان \r\n أحدهما أنهم الشياطين والثاني الكهنة \r\n والشعراء يتبعهم الغاون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا ","part":6,"page":149},{"id":2671,"text":" الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون \r\n قوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون وقرا نافع يتبعهم بسكون التاء والوجهان حسنان يقال تبعت واتبعت مثل حقرت واحتقرت وروى العوفي عن ابن عباس قال كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تهاجيا فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه فقال الله والشعراء يتبعهم الغاوون وفي رواية آخرى عن ابن عباس قال هم شعراء المشركين قال مقاتل منهم عبد الله بن الزبعري وأبو سفيان بن حرب وهبيرة ابن أبي وهب المخزومي في آخرين قالوا نحن نقول مثل قول محمد وقالوا الشعر فاجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم ويروون عنهم \r\n وفي الغاوين ثلاثة أقوال \r\n أحدها الشياطين قاله مجاهد وقتادة والثاني السفهاء قاله الضحاك والثالث المشركون قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى ألم تر أنهم في كل واد يهيمون هذا مثل بمن يهيم في الأودية والمعنى أنهم يأخذون في كل فن من لغو وكذب وغير ذلك فيمدحون بباطل ويذمون بباطل ويقولون فعلنا ولم يفعلوا ","part":6,"page":150},{"id":2672,"text":" قوله تعالى إلا الذين آمنوا قال ابن عباس لما نزل ذم الشعراء جاء كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالوا يا رسول الله أنزل الله هذا وهو يعلم أنا شعراء فنزلت هذه الآية قال المفسرون وهذا الاستثناء لشعراء المسلمين الذين مدحوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وذموا من هجاء وذكروا الله كثيرا أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ولم يجعلوا الشعر همهم وقال ابن زيد وذكروا الله في شعرهم وقيل المراد بالذكر الشعر في طاعة الله عز و جل \r\n قوله تعالى وانتصروا أي من المشركين من بعد ما ظلموا لأن المشركين بدؤوا بالهجاء ثم أوعد شعراء المشركين فقال وسيعلم الذين ظلموا أي أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين أي منقلب ","part":6,"page":151},{"id":2673,"text":" ينقلبون قال الزجاج أي منصوبة بقوله ينقلبون لا بقوله سيعلم لأن أيا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها ومعنى الكلام إنهم ينقلبون إلى نار يخلدون فيها \r\n وقرأ ابن مسعود ومجاهد عن ابن عباس وأبو المتوكل وأبو رجاء أي متقلب يتقلبون بتاءين مفتوحتين وبقافين على كل واحدة منهما نقطتان وتشديد اللام فيهما وقرأ ابي كعب وابن عباس وأبو العالية وأبو مجلز وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري أي منفلت ينفلتون بالفاء فيهما وبنونين ساكنين وبتاءين وكان شريح يقول سيعلم الظالمون حظ من نقصوا إن الظالم ينتظر العقاب وإن المظلوم ينتظر النصر ","part":6,"page":152},{"id":2674,"text":" سورة النمل \r\n وهي مكية كلها باجماعها \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين قوله تعالى طس فيه ثلاثة أقوال 3أحدها أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي رواية أخرى عنه قال هو اسم الله الأعظم ","part":6,"page":153},{"id":2675,"text":" والثاني اسم من أسماء القرآن قاله قتاده \r\n والثالث الطاء من اللطيف والسين من السميع حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى وكتاب مبين وقرأ أبو المتوكل وأبو عمران وابن أبي عبلة وكتاب مبين بالرفع فيهما \r\n قوله تعالى وبشرى أي بشرى بما فيه من الثواب للمصدقين \r\n قوله تعالى زينا لهم أعمالهم أي حببنا إليهم قبيح فعلهم وقد بينا حقيقة التزيين والعمه في البقرة 212 , 15 وسوء العذاب شديده \r\n قوله تعالى هم الأخسرون لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار \r\n قوله تعالى وإنك لتلقى القرآن قال ابن قتيبة اي يلقى عليك فتلقاه أنت أي تأخذه إذ قال موسى المعنى أذكر أذ قال موسى \r\n قال تعالى بشهاب قبس قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب إلا زيدا بشهاب بالتنوين وقرأالباقون على الإضافة غير منون قال الزجاج من نون الشهاب وجعل القبس من صفة الشهاب وكل أبيض ذي نور فهو شهاب فأما من أضاف فقال الفراء هذا مما يضاف إلى نفسه إذا اختلفت الاسماء كقوله ولدار الآخرة يوسف 109 قال ابن قتيبة الشهاب النار والقبس النار تقبس يقال قبست النار قبسا واسم ماقبست قبس ","part":6,"page":154},{"id":2676,"text":" قوله تعالى تصطلون أي تستدفئون وكان الزمان شتاء \r\n قوله تعالى فلما جائها أي جاء موسى النار وإنما كان نورا فاعتقده نارا نودي أن بورك من في النار فيه ثلاثة أقوال أحدها أن المعنى قدس من في النار وهو الله عز و جل قاله ابن عباس والحسن والمعنى قدس من ناداه من النار لا أن الله عز و جل يحل في شيء والثاني أن من زائدة والمعنى بوركت النار قاله مجاهد والثالث أن المعنى بورك على من في النار أوفيمن في النار قال الفراء والعرب تقول باركه الله وبارك عليه وبارك فيه بمعنى واحد والتقدير بورك من في طلب النار وهو موسى فحذف المضاف وهذه تحية من الله تعالى لموسى بالبركة كما حيا إبراهيم بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت هود73 فخرج في قوله بورك قولان أحدهما قدس والثاني من البركة وفي قوله ومن حولها ثلاثة أقوال أحدها الملائكة قاله ابن عباس والحسن والثاني موسى والملائكة قاله محمد بن كعب والثالث موسى فالمعنى بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى لا تخف إني لايخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد ","part":6,"page":155},{"id":2677,"text":" سوء فاني غفور رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين \r\n قوله تعالى إنه أنا الله الهاء عماد في قول أهل اللغة وعلى قول السدي هي كناية عن المنادي لأن موسى قال من هذا الذي يناديني فقيل إنه أنا الله \r\n قوله تعالى وألق عصاك في الآية محذوف تقديره فألقاها فصارت حية فلما رآها تهتز كأنها جان قال الفراء الجان الحية التي ليست بالعظيمة ولا بالصغيرة \r\n قوله تعالى ولم يعقب فيه قولان \r\n أحدهما لم يلتفت قاله قتادة والثاني لم يرجع قاله ابن قتيبة والزجاج قال ابن قتيبة وأهل النظر يرون أنه مأخوذ من العقب \r\n قوله تعالى إني لا يخاف لدي المرسلون أي لا يخافون عندي وقيل المراد في الموضع الذي يوحي إليهم فيه فكأنه نبهه على أن من آمنه الله بالنبوة من عذابه لا ينبغي أن يخاف من حية \r\n وفي قوله إلا من ظلم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه استثناء صحيح قاله الحسن وقتادة ومقاتل والمعنى إلا من ظلم منهم فانه يخاف قال ابن قتيبة علم الله تعالى أن موسى مستشعر ","part":6,"page":156},{"id":2678,"text":" خيفة من ذنبه في الرجل الذي وكزه فقال إلا من ظلم ثم بدل حسنا أي توبة وندما فانه يخاف وإني غفور رحيم \r\n والثاني أنه استثناء منقطع والمعنى لكن من ظلم فانه يخاف قاله ابن السائب والزجاج وقال الفراء من مستثناه من الذين تركوا في الكلام كأنه قال لا يخاف لدي المرسلون إنما الخوف على غيرهم إلا من ظلم فتكون من مستثناة وقال ابن جرير في الآية محذوف تقديره إلا من ظلم فمن ظلم ثم بدل حسنا \r\n والثالث أن إلا بمعنى الواو فهو كقوله لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم البقرة حكاه الفراء عن بعض النحويين ولم يرضه \r\n وقرأ أبي بن كعب وسعيد بن جبير والضحاك وعاصم الجحدري وابن يعمر ألا من ظلم بفتح الهمزة وتخفيف اللام \r\n وللمفسرين في المراد بالظلم هاهنا قولان \r\n أحدهما المعاصي والثاني الشرك ومعنى حسنا توبة وندما \r\n وقرأ ابن مسعود والضحاك وأبو رجاء والأعمش وابن السميفع وعبد الوارث عن ابي عمرو حسنا بفتح الحاء والسين بعد سوء أي بعد إساءة وقيل ألإشارة بهذا إلى أن موسى وإن كان قد ظلم نفسه بقتل القبطي فان الله يغفر له لأنه ندم على ذلك وتاب ","part":6,"page":157},{"id":2679,"text":" قوله تعالى وأدخل يدك في جيبك الجيب حيث جيب من القميص أي قطع قال ابن جرير إنما أمر بادخاله يده في جيبه لأنه كان عليه حينئذ مدرعة من صوف ليس لها كم والسوء البرص \r\n قوله تعالى في تسع آيات قاله الزجاج في من صلة قوله وألق عصاك وأدخل يدك فالتأويل أظهر هاتين الآيتين في تسع آيات وفي بمعنى من فتأويله من تسع آيات تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها فحلان وقد شرحنا الآيات في بني إسرائيل \r\n قوله تعالى إلى فرعون وقومه أي مرسلا إلى فرعون وقومه فحذف ذلك لأنه معروف فلما جاءتهم آياتنا مبصرة أي بينة واضحة وهو كقوله وآتينا ثمود الناقة مبصرة الاسراء وقد شرحناه \r\n قوله تعالى قالوا هذا أي هذا الذي نراه عيانا سحر مبين وجحدوا بها أي أنكروا واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله ظلما أي شركا وعلوا أي تكبرا قال الزجاج المعنى وجحدوا بها ظلما وعلوا أي ترفعا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند الله ","part":6,"page":158},{"id":2680,"text":" ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين \r\n قوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما قال المفسرون علما بالقضاء وبكلام الطير والدواب وتسبيح الجبال وقالا الحمد لله الذي فضلنا بالنبوة والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن والإنس على كثير من عباده المؤمنين قال مقاتل كان داود أشد تعبدا من سليمان وكان سليمان أعظم ملكا منه وأفطن \r\n قوله تعالى وورث سليمان داود أي ورث نبوته وعلمه وملكه وكان لداود تسعة عشر ذكرا فخص سليمان بذلك ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيها سواء \r\n قوله تعالى وقال يعني سليمان لبني إسرائيل يا أيها الناس علمنا منطق الطير قرأ أبي بن كعب علمنا بفتح العين واللام قال الفراء منطق الطير كلام الطير كالمنطق إذا فهم قال الشاعر ","part":6,"page":159},{"id":2681,"text":" عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما ... \r\n ومعنى الآية فهمنا ما تقول الطير قال قتادة والنمل من الطير وأوتينا من كل شئ قال الزجاج أي من كل شئ يجوز ان يؤتاه الأنبياء والناس وقال مقاتل أعطينا الملك والنبوة والكتاب والرياح ومنطق الطير وسخرت لنا الجن والشياطين \r\n وروى جعفر بن محمد عن أبيه قال أعطي سليمان ملك مشارق الارض ومغاربها فملك سبعمائة سنة وستة أشهر وملك اهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع وأعطي علم كل شئ ومنطق كل شئ وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة فذلك قوله علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ \r\n قوله تعالى إن هذا يعني الذي أعطينا لهو الفضل المبين أي الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا وحشر لسليمان جنوده أي جمع له كل صنف من جنده على حدة وهذا كان في مسير له فهم يوزعون قال مجاهد يحبس أولهم على آخرهم قال ابن قتيبة وأصل الوزع الكف والمنع يقال وزعت الرجل أي كفقته ووازع الجيش الذي يكفهم عن التفرق ويرد من شذ منهم \r\n قوله تعالى حتى إذا أتوا أي أشرفوا على وادي النمل وفي موضعه قولان ","part":6,"page":160},{"id":2682,"text":" أحدهما أنه بالطائف قاله كعب والثاني بالشام قاله قتادة \r\n قوله تعالى قالت نملة وقرأ ابو مجلز وأبو رجاء وعاصم الجحدري وطلحة بن مصرف نملة بضم الميم أي صاحت بصوت فلما كان ذلك الصوت مفهوما عبر عنه بالقول ولما نطق النمل كما ينطق بنو آدم أجري مجرى الآدميين فقيل ادخلوا وألهم الله تلك النملة معرفة سليمان معجزا له وقد ألهم الله النمل كثيرا من مصالحها تزيد به على الحيوانات فمن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها قطعتين لئلا تنبت إلا الكزبرة فانها تكسرها أربع قطع لأنها تنبت إذا كسرت قطعتين فسبحان من ألهمها هذا \r\n وفي صفة تلك النملة قولان \r\n أحدهما أنها كانت كهيئة النعجة قال نوف الشامي كان النمل في زمن سليمان بن داود كأمثال الذئاب \r\n والثاني كانت نملة صغيرة \r\n ادخلوا مساكنكم وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وعاصم الجحدري مسكنكم على التوحيد \r\n قوله تعالى لا يحطمنكم الحطم الكسر وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء ليحطمنكم بغير ألف بعد اللام وقرأ ابن مسعود ","part":6,"page":161},{"id":2683,"text":" لا يحطمكم بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وسكون الميم وحذف النون وقرأ عمرو بن العاص وأبان يحطمنكم بفتح الياء وسكون الحاء والنون ساكنة أيضا والطاء خفيفة وقرا أبو المتوكل وأبو مجلز لا يحطمنكم بفتح الياء وكسر الحاء وتشديد الطاء والنون جميعا وقرأ ابن السميفع وابن يعمر وعاصم الجحدري يحطمنكم برفع الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون والحطم الكسر والحطام ما تحطم قال مقاتل سمع سليمان كلامها من ثلاثة اميال \r\n وفي قوله وهم لا يشعرون قولان \r\n أحدهما وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة قاله ابن عباس \r\n والثاني واصحاب سليمان لا يشعرون بمكانكم لانها علمت أنه ملك لا بغي فيه وأنهم لو علموا بالنمل ما توطؤوهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فتبسم ضاحكا قال الزجاج ضاحكا منصوب حال مؤكدة لأن تبسم بمعنى ضحك قال المفسرون تبسم تعجبا مما قالت وقيل من ثنائها عليه وقال بعض العلماء هذه الآية من عجائب القرآن لأنها بلفظة يا نادت أيها نبهت النمل عينت ادخلوا أمرت مساكنكم نصت لا يحطمنكم حذرت سليمان خصت وجنوده عمت وهم لا يشعرون عذرت \r\n قوله تعالى وقال رب أوزعني قال ابن قتيبة ألهمني أصل الإيزاع الإغراء بالشئ يقال اوزعته بكذا أي أغريته به وهو موزع بكذا ومولع بكذا وقال الزجاج تأويله في اللغة كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك والمعنى كفني عما يباعد منك وأن أعمل أي ","part":6,"page":162},{"id":2684,"text":" وألهمني أن أعمل صالحا ترضاه قال المفسرون إنما شكر الله عز و جل لأن الريح أبلغت إليه صوتها ففهم ذلك \r\n وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم \r\n قوله تعالى وتفقد الطير التفقد طلب ما غاب عنك والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير والطير اسم جامع للجنس وكانت الطير تصحب سليمان في سفره تظله بأجنحتها فقال ما لي لا ارى الهدهد قرأ ابن كثير وعاصم والكسائي مالي لا أرى الهدهد بفتح الياء وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة بالسكون والمعنى ما للهدهد لا أراه تقول العرب مالي أراك كئيبا أي مالك فهذا من المقلوب الذي معناه معلوم قال المفسرون لما فصل سليمان عن وادي النمل وقع في قفر من الأرض فعطش الجيش فسألوه الماء وكان الهدهد يدله على الماء فاذا قال له هاهنا الماء شققت الشياطين الصخر وفجرت العيون قبل أن يضربوا أبنيتهم وكان الهدهد يرى الماء في الارض كما يرى الماء في الزجاجة فطلبه يومئذ فلم يجده ","part":6,"page":163},{"id":2685,"text":" وقال بعضهم إنما طلبه لأن الطير كانت تظلهم من الشمس فأخل الهدهد بمكانه فطلعت الشمس عليهم من الخلل \r\n قوله تعالى أم كان قال الزجاج معناه بل كان \r\n قوله تعالى لاعذبنه عذابا شديدا فيه ستة أقوال \r\n أحدها نتف ريشه قاله ابن عباس والجمهور والثاني نتفه وتشميسه قاله عبد الله بن شداد والثالث شد رجله وتشميسه قاله الضحاك والرابع أن يطليه بالقطران ويشمسه قاله مقاتل بن حيان والخامس ان يودعه القفص والسادس أن يفرق بينه وبين إلفه حكاهما الثعلبي \r\n قوله تعالى أو ليأتيني وقرأ ابن كثير ليأتينني بنونين وكذلك هي في مصاحفهم فأما السلطان فهو الحجة وقيل العذر \r\n وجاء في التفسير أن سليمان لما نزل في بعض مسيره قال الهدهد إنه قد اشتغل بالنزول فأرتفع أنا إلى السماء فأنظر إلى طول الدنيا وعرضها فارتفع فرأى بستانا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فاذا هو بهدهد قد لقيه فقال من اين أقبلت قال من الشام مع صاحبي سليمان فمن أين أنت قال من هذه البلاد وملكها امرأة يقال لها بلقيس فهل انت منطلق معي حتى ترى ملكها قال اخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء قال إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة فانطلق معه فنظر إلى بلقيس وملكها فمكث غير بعيد قرأالجمهور بضم الكاف وقرأ عاصم بفتحها وقرأ ابن مسعود فتمكث بزيادة تاء والمعنى لم يلبث إلا يسيرا حتى جاء فقال سليمان ما الذي أبطأ بك فقال أحطت بما لم تحط به أي علمت شيئا من جميع جهاته مما لم تعلم به وجئتك من سبأ قرأ ابن كثير ","part":6,"page":164},{"id":2686,"text":" وأبو عمرو سبأ نصبا غير مصروف وقرأ الباقون خفضا منونا وجاء في الحديث عن رسول الله ص - أن سبأ رجل من العرب وقال قتادة هي ارض باليمن يقال لها مأرب وقال أبو الحسن الأخفش إن شئت صرفت سبأ فجعلته اسم أبيهم أو اسم الحي وإن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة أو اسم الأرض قال الزجاج وقد ذكر قوم من النحويين أنه اسم رجل وقال آخرون الاسم إذا لم يدر ما هو لم يصرف وكلا القولين خطأ لأن الأسماء حقها الصرف وإذا لم يعلم هل الاسم للمذكر أم للمؤنث فحقه الصرف حتى يعلم أنه لا ينصرف لان أصل الأسماء الصرف وقول الذين قالوا هو اسم رجل غلط لأن سبأ هي مدينة تعرف بمأرب من اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام فمن لم يصرفه جعله اسم مدينة ومن صرفه فلأنه اسم البلد فيكون مذكرا سمي بمذكر \r\n قوله تعالى بنبأ يقين أي بخبر صادق إني وجدت امرأة تملكهم يعني بلقيس وأوتيت من كل شيء قال الزجاج معناه من كل شيء يعطاه الملوك ويؤتاه الناس والعرش سرير الملك قال قتادة كان عرشها من ذهب قوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ وكان أحد أبويها من الجن وكان مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة وقال مجاهد كان قدماها كحافر الحمار وقال ابن السائب لم يكن بقدميها شيء إنما وقع الجن فيها عند سليمان بهذا القول فلما جعل لها الصرح بان له كذبهم قال مقاتل كان ارتفاع عرشها ","part":6,"page":165},{"id":2687,"text":" ثمانين ذراعا في عرض ثمانين وكانت أمها من الجن قال ابن جرير وانما صار هذا الخبر عذرا للهدهد لأن سليمان كان لا يرى لاحد في الارض مملكة سواه وكان مع ذلك يحب الجهاد فلما دله الهدهد على مملكة لغيره وعلى قوم كفرة يجاهدهم صار ذلك عذرا له \r\n قوله تعالى ألا يسجدوا قرأ الأكثرون ألا بالتشديد قال الزجاج والمعنى وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا أي فصدهم لئلا يسجدوا وقرأ ابن عباس وابو عبد الرحمن السلمي والحسن والزهري وقتادة وأبو العالية وحميد الأعرج والأعمش وابن أبي عبلة والكسائي ألا يسجدوا مخففة على معنى ألا يا هؤلاء اسجدوا فيكون في الكلام إضمار هؤلاء ويكتفى منها ب يا ويكون الوقف ألا يا والابتداء اسجدوا قال الفراء فعلى هذه القراءة هي سجدة وعلى قراءة من شدد لا ينبغي لها أن تكون سجدة وقال أبو عبيدة هذا أمر من الله مستأنف يعني ألا يا أيها الناس اسجدوا وقرأ ابن مسعود وأبي هلا يسجدوا بهاء \r\n قوله تعالى الذي يخرج الخبء في السموات والأرض قال ابن قتيبة أي المستتر فيهما وهو من خبأت الشيء إذا أخفيته ويقال خبء السموات المطر وخبء الأرض النبات وقال الزجاج كل ما خبأته فهو خبء فالخبء كل ما غاب فالمعنى يعلم الغيب في السموات والأرض وقال ابن جرير في بمعنى من فتقديره يخرج الخبء من السموات \r\n قوله تعالى ويعلم ما تخفون وما تعلنون قرأ حفص عن عاصم والكسائي بالتاء فيهما وقرأ الباقون بالياء قال ابن زيد من قوله أحطت إلى قوله العظيم كلام الهدهد وقرأ الضحاك وابن محيصن العظيم برفع الميم ","part":6,"page":166},{"id":2688,"text":" قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الموءا إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين \r\n فلما فرغ الهدهد من كلامه قال سننظر فيما أخبرتنا به أصدقت فيما قلت أم كنت من الكاذبين وانما شك في خبره لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض سلطان ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي فألقهي موصولة بياء وقرأ أبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وحمزة فألقه بسكون الهاء وروى قالون عن نافع كسر الهاء من غير إشباع ويعني إلى أهل سبأ ثم تول عنهم فيه قولان \r\n أحدهما أعرض والثاني انصرف فانظر ماذا يرجعون أي ماذا يردون من الجواب \r\n فان قيل إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم فعنه جوابان \r\n أحدهما أن المعنى ثم تول عنهم مستترا من حيث لا يرونك فانظر ماذا يردون من الجواب وهذا قول وهب بن منبه \r\n والثاني أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم وهذا مذهب ابن زيد \r\n قال قتادة أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب على نحرها فقرأته وأخبرت قومها وقال مقاتل حمله في منقاره حتى وقف على رأس المرأة فرفرف ساعة ","part":6,"page":167},{"id":2689,"text":" والناس ينظرون فرفعت رأسها فألقي الكتاب في حجرها فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود \r\n واختلفوا لأي علة سمته كريما على سبعة أقوال \r\n أحدها لأنه كان مختوما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني لانها ظنته من عند الله عز و جل روي عن ابن عباس أيضا والثالث أن معنى قولها كريم حسن ما فيه قاله قتادة والزجاج والرابع لكرم صاحبه فانه كان ملكا ذكره ابن جرير والخامس لانه كان مهيبا ذكره أبو سليمان الدمشقي والسادس لتسخير الهدهد لحمله حكاه الماوردي السابع لأنها رأت في صدره بسم الله الرحمن الرحيم حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى إنه من سليمان أي إن الكتاب من عنده وإنه أي وإن المكتوب بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي أي لا تتكبروا وقرأ ابن عباس تغلوا بغين معجمة وأتوني مسلمين أي منقادين طائعين ثم استشارت قومها ف قالت يا أيها الملا يعني الاشراف وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا كل رجل منهم على عشرة آلاف وقال ابن عباس كان معها مائة ألف قيل مع كل قيل مائة ألف وقيل كانت جنودها ألف ألف ومائتي الف \r\n قالت يا أيها الملؤ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن اولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية ","part":6,"page":168},{"id":2690,"text":" أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون \r\n قوله تعالى أفتوني في أمري أي بينوا لي ما أفعل وأشيروا علي قال الفراء جعلت المشورة فتيا وذلك جائز لسعة اللغة \r\n قوله تعالى ما كنت قاطعة أمرا أي فاعلته حتى تشهدون أي تحضرون والمعنى إلا بحضوركم ومشورتكم \r\n قالوا نحن أولوا قوة فيه قولان \r\n أحدهما أنهم أرادوا القوة في الأبدان والثاني كثرة العدد والبأس والشجاعة في الحرب \r\n وفيما أرادوا بذلك القول قولان أحدهما تفويض الأمر إلى رأيها والثاني تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم \r\n ثم قالوا والأمر إليك أي في القتال وتركه قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية قال الزجاج المعنى إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة \r\n قوله تعالى أفسدوها أي خربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي أهانوا أشرافها ليستقيم لهم الأمر ومعنى الكلام أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادها \r\n قوله تعالى وكذلك يفعلون فيه قولان \r\n أحدهما أنه من تصديق الله تعالى لقولها قاله الزجاج \r\n والثاني من تمام كلامها والمعنى وكذلك يفعل سليمان وأصحابه إذا دخلوا بلادنا حكاه الماوردي ","part":6,"page":169},{"id":2691,"text":" قوله تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية قال ابن عباس إنما أرسلت الهدية لتعلم أنه إن كان نبيا لم يرد الدنيا وإن كان ملكا فسيرضى بالحمل وأنها بعثت ثلاث لبنات من ذهب في كل لبنة مائة رطل وياقوتة حمراء طولها شبر مثقوبة وثلاثين وصيفا وثلاثين وصيفة وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف الذكر من الأنثى ثم كتبت إليه إني قد بعثت إليك بهدية فاقبلها وبعثت إليك بياقوتة طولها شبر فأدخل فيها خيطا واختم على طرفي الخيط بخاتمك وقد بعثت إليك ثلاثين وصيفا وثلاثين وصيفة فميز بين الجواري والغلمان فجاء أمير الشياطين فأخبره بما بعثت إليه فقال له انطلق فافرش على طريق القوم من باب مجلسي ثمانية أميال في ثمانية أميال لبنا من الذهب فانطلق فبعث الشياطين فقطعوا اللبن من الجبال وطلوه بالذهب وفرشوه ونصبوا في الطريق أساطين الياقوت الأحمر فلما جاء الرسل قال بعضهم لبعض كيف تدخلون على هذا الرجل بثلاث لبنات وعنده ما رأيتم فقال رئيسهم إنما نحن رسل فدخلوا عليه فوضعوا اللبن بين يديه فقال أتمدونني بمال ثم دعا ذرة فربط فيها خيطا وأدخلها في ثقب الياقوتة حتى خرجت من طرفها الآخر ثم جمع بين طرفي الخيط فختم عليه ودفعها إليهم ثم ميز بين الغلمان والجواري هذا كله مروي عن ابن عباس وقال مجاهد جعلت لباس الغلمان للجواري ولباس الجواري للغلمان فميزهم ولم يقبل هديتها ","part":6,"page":170},{"id":2692,"text":" وفي عدد الوصائف والوصفاء خمسة أقوال \r\n أحدها ثلاثون وصيفا وثلاثون وصيفة وقد ذكرناه عن ابن عباس والثاني خمسمائة غلام و \r\n خمسمائة جارية قاله وهب والثالث مائتا غلام ومائتا جارية قاله مجاهد والرابع عشرة غلمان وعشر جوار قاله ابن السائب والخامس مائة وصيف ومائة وصيفة قاله مقاتل \r\n وفي ما ميزهم به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أمرهم بالوضوء فبدأ الغلام من مرفقه إلى كفه وبدأت الجارية من كفها إلى مرفقها فميزهم بذلك قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني أن الغلمان بدؤوا بغسل ظهور السواعد قبل بطونها والجواري على عكس ذلك قاله قتادة \r\n والثالث أن الغلام اغترف بيده والجارية أفرغت على يدها قاله السدي وجاء في التفسير أنها أمرت الجواري ان يكلمن سليمان بكلام الرجال وأمرت الرجال أن يكلموه كلام النساء وأرسلت قدحا تسأله أن يملأها ماء ليس من ماء السماء ولا من ماء الأرض فأجرى الخيل وملأه من عرقها \r\n قوله تعالى فناظرة بم يرجع المرسلون أي بقبول أم برد قال ابن جرير وأصل بم بما وإنما أسقطت الألف لأن العرب إذا كانت ما بمعنى أي ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام والخبر كقوله عم يتساءلون النبأ وقالوا فيم كنتم النساء وربما أثبتوا فيها الألف كما قال الشاعر ","part":6,"page":171},{"id":2693,"text":" على ما قام يشتمنا لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد ... \r\n فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم \r\n قوله تعالى فلما جاء سليمان قال الزجاج لما جاء رسولها ويجوز فلما جاء برها \r\n قوله تعالى أتمدونني بمال قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أتمدونني بنونين وياء في الوصل وروى المسيبي عن نافع أتمدوني بنون واحدة خفيفة وياء في الوصل والوقف وقرأ عاصم وابن عامر والكسائي أتمدونن بغير ياء في الوصل والوقف وقرأ حمزة أتمدوني بمال بنون واحدة مشددة ووقف على الياء \r\n قوله تعالى فما آتاني الله قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم فما آتان الله بكسر النون من غير ياء وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم آتاني بفتح الياء وكلهم ","part":6,"page":172},{"id":2694,"text":" فتحوا التاء غير الكسائي فانه أمالها من آتاني الله وأمال حمزة أنا آتيك به أشم النون شيئا من الكسر والمعنى فما آتاني الله أي من النبوة والملك خير مما آتاكم من المال بل أنتم بهديتكم تفرحون يعني إذا أهدى بعضكم إلى بعض فرح فأما أنا فلا ثم قال للرسول إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل أي لا طاقة لهم بها ولنخرجنهم منها يعني بلدتهم فلما رجعت رسلها إليها بالخبر قالت قد علمت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة فبعثت إليه إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما تدعو إليه ثم أمرت بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب ووكلت به حرسا يحفظونه وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف ملك تحت يدي كل ملك منهم ألوف وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشئ حتى يسأل عنه فجلس يوما على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس قد نزلت بهذا المكان وكان قدر فرسخ وقد كان بلغه أنها احتاطت على عرشها قبل خروجها ف قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها وفي سبب طلبه له خمسة أقوال \r\n أحدها ليعلم صدق الهدهد قاله ابن عباس \r\n والثاني ليجعل ذلك دليلا على صدق نبوته لأنها خلفته في دارها واحتاطت عليه فوجدته قد تقدمها قاله وهب بن منبه \r\n والثالث ليختبر عقلها وفطنتها أتعرفه أم تنكره قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع لأن صفته أعجبته فخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها فأراد أخذه قبل ذلك قاله قتادة \r\n والخامس ليريها قدرة الله تعالى وعظم سلطانه حكاه الثعلبي ","part":6,"page":173},{"id":2695,"text":" قوله تعالى قال عفريت من الجن قال أبو عبيدة العفريت من كل جن أو إنس الفائق المبالغ الرئيس وقال ابن قتيبة العفريت الشديد الوثيق وقال الزجاج العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء \r\n وقرأ أبي بن كعب والضحاك وأبو العالية وابن يعمر وعاصم الجحدري قال عفريت بفتح العين وكسر الراء وروى ابن ابي شريح عن الكسائي عفرية بفتح الياء وتخفيفها وروي عنه أيضا تشديدها وتنوين الهاء على التأنيث وقرأ ابن مسعود وابن السميفع عفراة بكسر العين وفتح الراء وبألف من غير ياء \r\n قوله تعالى قبل أن تقوم من مقامك أي من مجلسك ومثله في مقام أمين الدخان وكان سليمان يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى طلوع الشمس وقيل إلى نصف النهار وإني عليه أي على حمله لقوي \r\n وفي قوله أمين قولان \r\n أحدهما أمين على ما فيه من الجوهر والدر وغير ذلك قاله ابن السائب \r\n والثاني أمين ان لا آتيك بغيره بدلا منه قاله ابن زيد \r\n قال سليمان أريد اسرع من ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب وهل هو إنسي أم ملك فيه قولان \r\n أحدهما إنسي قاله ابن عباس والضحاك وأبو صالح ثم فيه أربعة أقوال أحدها أنه رجل من بني إسرائيل واسمه آصف بن برخيا قاله مقاتل قال ابن عباس دعا آصف وكان آصف يقوم على رأس سليمان بالسيف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير تحت الأرض يخدون الأرض خدا حتى انخرقت ","part":6,"page":174},{"id":2696,"text":" الأرض بالسرير بين يدي سليمان والثاني أنه سليمان عليه السلام وإنما قال له رجل انا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فقال هات قال انت النبي ابن النبي فان دعوت الله جاءك فدعا الله فجاءه قاله محمد بن المكندر والثالث أنه الخضر قاله ابن لهيعة والرابع انه عابد خرج يومئذ من جزيرة في البحر فوجد سليمان فدعا فأتي بالعرش قاله ابن زيد والقول الثاني أنه من الملائكة قولان \r\n أحدهما أنه جبريل عليه السلام والثاني ملك من الملائكة أيد الله به سليمان حكاهما الثعلبي \r\n وفي العلم الذي عنده من الكتاب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اسم الله الأعظم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور \r\n والثاني أنه علم كتاب سليمان إلى بلقيس \r\n والثالث أنه علم ما كتب الله لبني آدم وهذا على أنه ملك حكى القولين الماوردي \r\n وفي قوله قبل أن يرتد إليك طرفك أربعة أقوال \r\n أحدها قبل أن يأتيك أقصى ما تنظر إليه قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني قبل أن ينتهي طرفك إذا مددته إلى مداه قاله وهب \r\n والثالث قبل أن يرتد طرفك حسيرا إذا أمدت النظر قاله مجاهد \r\n والرابع بمقدار ما تفتح عينك ثم تطرف قاله الزجاج قال مجاهد دعا فقال ياذا الجلال والاكرام وقال ابن السائب إنما قال ياحي ياقيوم \r\n قوله تعالى فلما رآه في الكلام محذوف تقديره فدعا الله فاتي ","part":6,"page":175},{"id":2697,"text":" به فلما رآه يعني سليمان مستقرا عنده أي ثابتا بين يديه قال هذا يعني التمكن من حصول المراد \r\n قوله تعالى أأشكر أم أكفر فيه قولان أحدهما أأشكر على السرير إذ أتيت به أم أكفر إذا رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني قاله ابن عباس \r\n و الثاني أأشكر ذلك من فضل الله علي أم أكفر نعمته بترك الشكر له قاله ابن جرير \r\n قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لايهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن لله رب العالمين \r\n قوله تعالى قال نكروا لها عرشها قال المفسرون خافت الشياطين أن يتزوج سليمان بلقيس فتفشي إليه أسرار الجن لأن أمها كانت جنية فلا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده فأساؤوا الثناء عليها وقالوا إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح قال ابن قتيبة ومعنى نكروا غيروا يقال نكرت الشئ فتنكر أي غيرته فتغير ","part":6,"page":176},{"id":2698,"text":" وللمفسرين في كيفية تغييره ستة أقوال \r\n أحدها أنه زيد فيه ونقص منه رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم جعلوا صفائح الذهب التي كانت عليه مكان صفائح الفضة وصفائح الفضة مكان صفائح الذهب والياقوت مكان الزبرجد والدر مكان اللؤلؤ وقائمتي الزبرجد مكان قائمتي الياقوت قاله ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنهم نزعوا ما عليه من فصوصه وجواهره روي عن ابن عباس أيضا \r\n والرابع أنهم جعلوا ما كان منه أحمر أخضر وما كان أخضر أحمر قاله مجاهد \r\n والخامس أنهم جعلوا أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره وزادوا فيه ونقصوا منه قاله قتادة \r\n والسادس أنهم جعلوا فيه تماثيل السمك قاله أبو صالح \r\n وفي قوله كأنه هو قولان \r\n أحدهما أنها لما رأته جعلت تعرف وتنكر ثم قالت في نفسها من أين يخلص إلى ذلك وهو في سبعة أبيات والحرس حوله ثم قالت كأنه هو قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال قتادة شبهته بعرشها وقال السدي وجدت فيه ما تعرفه فلم تنكر ووجدت فيه ما تنكره فلم تثبت فلذلك قالت كأنه هو \r\n والثاني أنها عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها فلو أنهم قالوا هذا عرشك لقالت نعم قاله مقاتل قال المفسرون فقيل لها فانه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الابواب \r\n وفي قوله وأوتينا العلم ثلاثة أقوال ","part":6,"page":177},{"id":2699,"text":" أحدها أنه قول سليمان قاله مجاهد ثم في معناه قولان أحدهما وأوتينا العلم بالله وقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة والثاني أوتينا العلم باسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين لله \r\n والقول الثاني انه من قول بلقيس فانها لما رأت عرشها قالت قد عرفت هذه الآية وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة تعني أمر الهدهد والرسل التي بعثت من قبل هذه الآية وكنا مسلمين منقادين لأمرك قبل أن نجئ \r\n والثالث أنه من قول قوم سليمان حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى وصدها ما كانت تعبد من دون الله قال الفراء معنى الكلام هي عاقلة إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر وكان عادة من دين آبائها والمعنى وصدها أن تعبد الله ما كانت تعبد قال وقد قيل صدها سليمان أي منعها ما كانت تعبد قال الزجاج المعنى صدها عن الإيمان العادة التي كانت عليها لأنها نشأت ولم تعرف إلا قوما يعبدون الشمس وبين عبادتها بقوله إنها كانت من قوم كافرين وقرأ سعيد بن جبير وابن ابي عبلة أنها كانت بفتح الهمزة \r\n قوله تعالى قيل لها ادخلي الصرح قال المفسرون أمر الشياطين فبنوا له صرحا كهيئة السطح من زجاج \r\n وفي سبب أمره بذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أراد ان يريها ملكا هو اعز من ملكها قاله وهب بن منبه \r\n والثاني انه اراد ان ينظر إلى قدمها من غير ان يسألها كشفها لأنه ","part":6,"page":178},{"id":2700,"text":" قيل له إن رجلها كحافر الحمار فامر ان يهيأ لها بيت من قوارير فوق الماء ووضع سرير سليمان في صدر البيت هذا قول محمد بن كعب القرظي \r\n والثالث أنه فعل ذلك ليختبرها كما اختبرته بالوصائف والوصفاء ذكره ابن جرير فأما الصرح فقال ابن قتيبة هو القصر وجمعه صروح ومنه قول الهذلي \r\n ... على طرق كنحور الركا ... ب تحسب أعلامهن الصروحا ... \r\n قال ويقال الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير وجعل تحتها ماء وسمك قال مجاهد كانت بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير وقال مقاتل كان قصرا من قوارير بني على الماء وتحته السمك \r\n قوله تعالى حسبته لجة وهي معظم الماء وكشفت عن ساقيها لدخول الماء فناداها سليمان إنه صرح ممرد أي مملس من قوارير أي من زجاج فعلمت حينئذ أن ملك سليمان من الله تعالى ف قالت رب إني ظلمت نفسي أي بعبادة غيرك وقيل ظنت في سليمان أنه يريد تفريقها في الماء فلما علمت أنه صرح ممرد قالت رب ","part":6,"page":179},{"id":2701,"text":" إني ظلمت نفسي بذلك الظن وأسلمت مع سليمان ثم تزوجها سليمان وقيل إنه ردها إلى مملكتها وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وأنها ولدت منه وقيل إنه زوجها ببعض الملوك ولم يتزوجها هو \r\n ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ان اعبدوا الله فاذا هم فريقان يختصمون قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون \r\n قوله تعالى فاذا هم فريقان أي مؤمن وكافر يختصمون وفيه قولان أحدهما أنه قولهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه الآيات الأعراف \r\n والثاني أنه قول كل فريق منهم الحق معي \r\n قوله تعالى لم تستعجلون بالسيئة وذلك حين قالوا إن كان ما أتيتنا به حقا فائتنا بالعذاب وفي السيئة والحسنة قولان \r\n أحدهما أن السيئة العذاب والحسنة الرحمة قاله مجاهد \r\n والثاني أن السيئة البلاء والحسنة العافية قاله السدي \r\n قوله تعالى لولا أي هلا تستغفرون الله من الشرك لعلكم ترحمون فلا تعذبون قالوا اطيرنا قال ابن قتيبة المعنى تطيرنا وتشاءمنا بك فأدغمت التاء في الطاء وأثبتت الألف ليسلم السكون ","part":6,"page":180},{"id":2702,"text":" لما بعدها وقال الزجاج الأصل تطيرنا فأدغمت التاء في الطاء واجتلبت الألف لسكون الطاء فاذا ابتدأت قلت اطيرنا وإذا وصلت لم تذكر الألف وتسقط لأنها ألف وصل وإنما تطيروا به لأنهم قحطوا وجاعوا ف قال لهم طائركم عند الله وقد شرحنا هذا المعنى في الاعراف \r\n وفي قوله تفتنون ثلاثة أقوال \r\n أحدها تختبرون بالخير والشر قاله ابن عباس والثاني تصرفون عن دينكم قاله الحسن والثالث تبتلون بالطاعة والمعصية قاله قتادة \r\n وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون \r\n قوله تعالى وكان في المدينة وهي الحجر التي نزلها صالح تسعة رهط يفسدون في الأرض يريد في أرض الحجر وفسادهم كفرهم ومعاصيهم وكانوا يسفكون الدماء ويثبتون على الأموال والفروج وهم الذين عملوا في قتل الناقة وروي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح قالا كان فسادهم كسر الدراهم والدنانير قالوا فيما بينهم تقاسموا بالله أي احلفوا بالله لنبيتنه أي لنقتلن صالحا وأهله ليلا ثم لنقولن وقرأ حمزة والكسائي لتبيتنه وأهله ثم لتقولن بالتاء فيهما وقرأ مجاهد ","part":6,"page":181},{"id":2703,"text":" وأبو رجاء وحميد بن قيس ليبيتنه بياء وتاء مرفوعتين ثم ليقولن بياء مفتوحة وقاف مرفوعة وواو ساكنة ولام مرفوعة لوليه أي لولي دمه إن سألنا عنه ما شهدنا أي ما حضرنا مهلك أهله قرأ الاكثرون بضم الميم وفتح اللام والمهلك يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإهلاك ويجوز ان يكون الموضع وروى ابو بكر وأبان عن عاصم بفتح الميم واللام يريد الهلاك يقال هلك يهلك مهلكا وروى عنه حفص والمفضل بفتح الميم وكسر اللام وهو اسم المكان على معنى ما شهدنا موضع هلاكهم فهذا كان مكرهم فجازاهم الله عليه فأهلكهم \r\n وفي صفة إهلاكهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة فقتلتهم قاله ابن عباس \r\n والثاني رماهم الله بصخرة فقتلتهم قاله قتادة \r\n والثالث أنهم دخلوا غارا ينتظرون مجئ صالح فبعث الله صخرة سدت باب الغار قاله ابن زيد \r\n والرابع أنهم نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح فجثم عليهم الجبل فأهلكهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى أنا دمرناهم قرأ عاصم وحمزة والكسائي أنا دمرناهم بفتح الألف وقرأ بكسرها فمن كسر استأنف ومن فتح فقال أبو علي فيه وجهان \r\n أحدهما أن يكون بدلا من عاقبة مكرهم ","part":6,"page":182},{"id":2704,"text":" والثاني ان يكون محمولا على مبتدأ مضمر كأنه قال هو أنا دمرناهم \r\n قوله تعالى فتلك بيوتهم خاوية قال الزجاج هي منصوبة على الحال المعنى فانظر إلى بيوتهم خاوية \r\n ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين \r\n قوله تعالى أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون فيه قولان \r\n أحدهما وأنتم تعلمون أنها فاحشة والثاني وبعضكم يبصر بعضا \r\n قوله تعالى بل أنتم قوم تجهلون قال ابن عباس تجهلون القيامة وعاقبة العصيان \r\n قوله تعالى قدرناها من الغابرين أي جعلناها بتقديرنا وقضائنا عليها من الباقين في العذاب وقرأ أبو بكر عن عاصم قدرناها خفيفة وهي في معنى المشددة وباقي القصة قد تقدم تفسيره هود \r\n قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ءإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض ","part":6,"page":183},{"id":2705,"text":" قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى قل الحمد لله هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أن يحمد الله على هلاك الأمم الكافرة وقيل على جميع نعمه وسلام على عباده الذين اصطفى فيهم أربعة أقوال \r\n أحدها الرسل رواه أبو صالح عن ابن عباس وروى عنه عكرمة قال اصطفى إبراهيم بالخلة وموسى بالكلام ومحمدا بالرؤية ","part":6,"page":184},{"id":2706,"text":" والثاني أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم رواه أبو مالك عن ابن عباس وبه قال السدي \r\n والثالث أنهم الذين وحدوه وآمنوا به رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والرابع أنه محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى الله خير أما يشركون قال ابو عبيدة مجازه أو ما يشركون وهذا خطاب للمشركين والمعنى الله خير لمن عبده أم الأصنام لعابديها ومعنى الكلام أنه لما قص عليهم قصص الأمم الخالية أخبرهم أنه نجى عابديه ولم تغن الأصنام عنهم \r\n قوله تعالى أمن خلق السماوات تقديره أما يشركون خير أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة فأما الحدائق فقال ابن قتيبة هي البساتين واحدها حديقة سميت بذلك لأنه يحدق عليها أي يحظر والبهجة الحسن \r\n قوله تعالى ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أي ما ينبغي لكم ذلك لأنكم لا تقدرون عليه ثم قال مستفهما منكرا عليهم أإله مع الله أي ليس معه ","part":6,"page":185},{"id":2707,"text":" إله بل هم يعني كفار مكة قوم يعدلون وقد شرحناه في فاتحة الأنعام أمن جعل الارض قرارا أي مستقرا لا تميد بأهلها وجعل خلالها أي فيما بينها أنهارا وجعل لها رواسي أي جبالا ثوابت وجعل بين البحرين حاجزا أي مانعا من قدرته بين العذاب والملح ان يختلطا بل أكثرهم لا يعلمون قدر عظمة الله \r\n أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض ءإله مع الله قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ءإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض ءإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادراك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون وقال الذين كفروا ءإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى ان يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون وإن ربك ليعلم ما تكن ","part":6,"page":186},{"id":2708,"text":" صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين \r\n قوله تعالى أمن يجيب المضطر وهو المكروب المجهود ويكشف السوء يعني الضر ويجعلكم خلفاء الارض أي يهلك قرنا وينشئ آخرين وتذكرون بمعنى تتعظون وقرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء أمن يهديكم أي يرشدكم إلى مقاصدكم إذا سافرتم في ظلمات البر والبحر وقد بيناها في الأنعام وشرحنا ما يليها من الكلمات فيما مضى الأعراف ويونس إلى قوله وما يشعرون يعني من في السماوات والأرض أيان يبعثون أي متى يبعثون بعد موتهم ","part":6,"page":187},{"id":2709,"text":" قوله تعالى بل أدرك علمهم في الآخرة قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل أدرك قال مجاهد بل بمعنى أم والمعنى لم يدرك علمهم وقال الفراء المعنى هل ادرك علمهم علم الآخرة فعلى هذا يكون المعنى إنهم لا يقفون في الدنيا على حقيقة العلم بالآخرة وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بل ادارك على معنى بل تدارك أي تتابع وتلاحق فأدغمت التاء في الدال ثم في معناها قولان \r\n أحدهما بل تكامل علمهم يوم القيامة لانهم مبعوثون قاله الزجاج وقال ابن عباس ما جهلوه في الدنيا علموه في الآخرة \r\n والثاني بل تدارك ظنهم وحدسهم في الحكم على الآخرة فتارة يقولون إنها كائنة وتارة يقولون لا تكون قاله ابن قتيبة وروى أبو بكر عن عاصم بل ادرك على وزن افتعل من ادركت \r\n قوله تعالى بل هم في شك منها أي بل هم اليوم في شك من القيامة بل هم منها عمون قال ابن قتيبة أي من علمها وما بعد هذا قد سبق بيانه النحل المؤمنون إلى قوله متى هذا الوعد يعنون العذاب الذي تعدنا قل عسى أن يكون ردف لكم قال ابن عباس قرب لكم وقال ابن قتيبة تبعكم واللام زائدة كأنه قال ردفكم \r\n وفي ما تبعهم مما استعجلوه قولان \r\n أحدهما يوم بدر والثاني عذاب القبر \r\n قوله تعالى وإن ربك لذو فضل على الناس قال مقاتل على أهل مكة حين لا يعجل عليهم بالعذاب \r\n قوله تعالى وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم أي ما تخفيه ","part":6,"page":188},{"id":2710,"text":" وما يعلنون بألسنتهم من عداوتك وخلافك والمعنى أنه يجازيهم عليه وما من غائبة أي وما من جملة غائبة إلا في كتاب يعني اللوح المحفوظ والمعنى إن علم ما يستعجلونه من العذاب بين عند الله وإن غاب عن الخلق \r\n إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون \r\n إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل وذلك أن اهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه فلو أخذوا به لسلموا إن ربك يقضي بينهم يعني بين بني إسرائيل بحكمه وقرأ أبو المتوكل وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري بحكمه بكسر الحاء وفتح الكاف \r\n قوله تعالى إنك لا تسمع الموتى قال المفسرون هذا مثل ضربه الله للكفار فشبههم بالموتى \r\n قوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء وقرأ ابن كثير ولا يسمع الصم بفتح ميم يسمع وضم ميم الصم \r\n قوله تعالى إذا ولوا مدبرين أي أن الصم إذا أدبروا عنك ثم ","part":6,"page":189},{"id":2711,"text":" ناديتهم لم يسمعوا فكذلك الكافر وما أنت بهاد العمي أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى إن تسمع إسماع إفهام إلا من يؤمن بآياتنا \r\n قوله تعالى وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض وقع بمعنى وجب \r\n وفي المراد بالقول ثلاثة أقوال \r\n أحدها العذاب قاله ابن عباس والثاني الغضب قاله قتادة والثالث الحجة قاله ابن قتيبة ومتى ذلك فيه قولان \r\n أحدهما إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر قاله ابن عمر وأبو سعيد الخدري \r\n والثاني إذا لم يرج صلاحهم حكاه أبو سليمان الدمشقي وهو معنى قول أبي العالية والإشارة بقوله عليهم إلى الكفار الذين تخرج الدابة عليهم \r\n وللمفسرين في صفة الدابة اربعة أقوال \r\n أحدها أنها ذات وبر وريش رواه حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس ذات زغب وريش لها اربع قوائم \r\n والثاني أن رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا رواه ابن جريج عن ابي الزبير ","part":6,"page":190},{"id":2712,"text":" والثالث أن وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير قاله وهب \r\n والرابع أن لها أربع قوائم وزغبا وريشا وجناحين قاله مقاتل \r\n وفي المكان الذي تخرج منه خمسة أقوال \r\n أحدها من الصفا روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون تضطرب الأرض تحتهم وينشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال طولها ستون ذراعا وكذلك قال ابن مسعود تخرج من الصفا وقال ابن عمر تخرج من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها وقال عبد الله بن عمر تخرج الدابة فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا \r\n والثاني أنها تخرج من شعب أجياد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن ابن عمر مثله \r\n والثالث تخرج من بعض أودية تهامة قاله ابن عباس \r\n والرابع من بحر سدوم قاله وهب بن منبه ","part":6,"page":191},{"id":2713,"text":" والخامس أنها تخرج بتهامة بين الصفا والمروة حكاه الزجاج وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل البيت ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال تسم المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين وقال حذيفة بن أسيد إن للدابة ثلاث خرجات خرجة في بعض البوادي ثم تنكتم وخرجة في بعض القرى ثم تنكتم فبينما الناس عند أشرف المساجد يعني المسجد الحرام إذ ارتفعت الأرض فانطلق الناس هرابا فلا يفوتونها حتى إنها لتأتي الرجل وهو يصلي فنقول أتتعوذ بالصلاة والله ما كنت من أهل الصلاة فتخطمه وتجلو وجه المؤمن وقال عبد الله بن عمرو ","part":6,"page":192},{"id":2714,"text":" إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في وجهه فيسود وجهه وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه فيعرف الناس المؤمن والكافر ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج \r\n قوله تعالى تكلمهم قرأ الأكثرون بتشديد اللام فهو من الكلام \r\n وفيما تكلمهم به ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها تقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قاله قتادة \r\n والثاني تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الاسلام قاله السدي \r\n والثالث تقول هذا مؤمن وهذا كافر حكاه الماوردي \r\n وقرأ ابن ابي عبلة والجحدري بتسكين الكاف وكسر اللام وفتح التاء فهو من الكلم قال ثعلب والمعنى تجرحهم وسئل ابن عباس عن القراءتين فقال كل ذلك والله تفعله تكلم المؤمن وتكلم الفاجر والكافر أي تجرحه \r\n قوله تعالى أن الناس قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة وكسرها الباقون فمن فتح أراد تكلمهم بأن الناس وهكذا قرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني تكلمهم بأن الناس بزيادة باء مع فتح الهمزة ومن كسر فلأن معنى تكلمهم تقول لهم إن الناس والكلام قول ","part":6,"page":193},{"id":2715,"text":" ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى ويوم نحشر من كل أمة فوجا الفوج الجماعة من الناس كالزمرة والمراد به الرؤساء والمتبوعون في الكفر حشروا وأقيمت الحجة عليهم وقد سبق معنى يوزعون النمل حتى إذا جاؤوا إلى موقف الحساب قال الله تعالى لهم أكذبتم بآياتي هذا استفهام إنكار عليهم ووعيد لهم ولم تحيطوا بها علما فيه قولان \r\n أحدهما لم تعرفوها حق معرفتها \r\n والثاني لم تحيطوا علما ببطلانها والمعنى إنكم لم تتفكروا في صحتها \r\n أم ماذا كنتم تعملون في الدنيا فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه \r\n قوله تعالى ووقع القول عليهم قد شرحناه آنفا النمل بما ظلموا أي بما أشركوا فهم لا ينطقون بحجة عن أنفسهم ثم احتج عليهم بالآية التي تلي هذه ومعنى قوله والنهار مبصرا أي يبصر فيه لابتغاء الرزق \r\n ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل ","part":6,"page":194},{"id":2716,"text":" شئ إنه خبير بما تفعلون من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى ويوم ينفخ في الصور قال ابن عباس هذه النفخة الأولى \r\n قوله تعالى ففزع من في السماوات ومن في الارض قال المفسرون المعنى فيفزع من في السماوات ومن في الارض والمراد أنهم ماتوا بلغ بهم الفزع إلى الموت \r\n وفي قوله إلا من شاء الله ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم الشهداء قاله أبو هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير \r\n والثاني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم إن الله تعالى يميتهم بعد ذلك قاله مقاتل \r\n والثالث أنهم الذين في الجنة من الحور وغيرهن وكذلك من في النار لأنهم خلقوا للبقاء ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا \r\n قوله تعالى وكل أي من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا آتوه وقرأ حمزة وحفص عن عاصم أتوه بفتح التاء مقصورة أي يأتون الله يوم القيامة داخرين قال ابن عباس ومجاهد وقتادة صاغرين قال أبو عبيدة كل لفظه لفظ الواحد ومعناه يقع على الجميع فهذه الآية في موضع جمع \r\n قوله تعالى وترى الجبال قال ابن قتيبة هذا يكون إذا نفخ في الصور تجمع الجبال وتسير فهي لكثرتها تحسب جامدة أي واقفة ","part":6,"page":195},{"id":2717,"text":" وهي تمر أي تسير سير السحاب وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من بعيد واقفا وهو يسير لكثرته قال الجعدي يصف جيشا \r\n ... بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج ... \r\n قوله تعالى صنع الله قال الزجاج هو منصوب على المصدر لأن قوله وترى الجبال تحسبها جامدة دليل على الصنعة فكأنه قال صنع الله ذلك صنعا ويجوز الرفع على معنى ذلك صنع الله فأما الإتقان فهو في اللغة إحكام الشئ \r\n قوله تعالى إنه خبير بما تفعلون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر يفعلون بالياء وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء \r\n قوله تعالى من جاء بالحسنة قد شرحنا الحسنة والسيئة في آخر الأنعام \r\n قوله تعالى فله خير منها فيه قولان \r\n أحدهما فله خير منها يصل إليه وهو الثواب قاله ابن عباس والحسن وعكرمة \r\n والثاني فله أفضل منها لأنه يأتي بحسنة فيعطى عشر أمثالها قاله زيد ابن أسلم \r\n قوله تعالى وهم من فزع يومئذ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر من فزع يومئذ مضافا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي من فزع بالتنوين يومئذ بفتح الميم وقال الفراء الإضافة أعجب ","part":6,"page":196},{"id":2718,"text":" إلي في العربية لأنه فزع معلوم ألا ترى إلى قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر الانبياء فصيره معرفة فاذا أضفت مكان المعرفة كان أحب إلي واختار أبو عبيدة قراءة التنوين وقال هي أعم التأويلين فيكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم قال أبو علي الفارسي إذا نون جاز أن يعنى به فزع واحد وجاز أن يعنى به الكثرة لأنه مصدر والمصادر تدل على الكثرة وإن كانت مفردة الألفاظ كقوله إن أنكر الأصوات لصوت الحمير لقمان وكذلك إذا أضيف جاز أن يعنى به فزع واحد وجاز أن يعنى به الكثرة وعلى هذا القول القراءتان سواء فان اريد به الكثرة فهو شامل لكل فزع يكون يوم القيامة وإن أريد به الواحد فهو المشار إليه بقوله لا يحزنهم الفزع الأكبر الأنبياء وقال ابن السائب إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع \r\n قوله تعالى ومن جاء بالسيئة قال المفسرون هي الشرك فكبت وجوههم يقال كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه وتقول لهم خزنة جهنم هل تجزون إلا ما كنتم تعملون أي إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك \r\n إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون ","part":6,"page":197},{"id":2719,"text":" قوله تعالى إنما أمرت المعنى قل للمشركين إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني التي حرمها وهي مكة وتحريمها تعظيم حرمتها بالمنع من القتل فيها والسبي والكف عن صيدها وشجرها وله كل شئ لأنه خالقه ومالكه وأمرت أن أكون من المسلمين أي من المخلصين لله بالتوحيد وأن أتلو القرآن عليكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه أي فله ثواب اهتدائه ومن ضل أي أخطأ طريق الهدى فقل إنما أنا من المنذرين أي ليس علي إلا البلاغ وذكر المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف وقل الحمد لله أي قل لمن ضل الحمد لله الذي وفقنا لقبول ما امتنعتم منه سيريكم آياته \r\n ومتى يريهم فيه قولان \r\n أحدهما في الدنيا ثم فيها ثلاثة أقوال أحدها أن منها الدخان وانشقاق القمر وقد أراهم ذلك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني سيريكم آياته فتعرفونها في السماء وفي أنفسكم وفي الرزق قاله مجاهد والثالث القتل ببدر قاله مقاتل \r\n والثاني سيريكم آياته في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا قاله الحسن ","part":6,"page":198},{"id":2720,"text":" قوله تعالى وما ربك بغافل عما تعملون وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم تعلمون بالتاء على معنى قل لهم وقرأ الباقون بالياء على أنه وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم ","part":6,"page":199},{"id":2721,"text":" سورة القصص \r\n وهي مكية كلها غير آية منها وهي قوله إن الذي فرض عليك القرآن القصص فانها نزلت عليه وهو بالجحفة في وقت خروجه للهجرة هذا قول ابن عباس وروي عن الحسن وعطاء وعكرمة أنها مكية كلها وزعم مقاتل أن فيها من المدني الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص إلى قوله لا نبتغي الجاهلين القصص وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية وهي قوله إن الذي فرض عليك القرآن القصص نزلت بالجحفة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ","part":6,"page":200},{"id":2722,"text":" قوله تعالى طسم قد سبق تفسيره الشعراء \r\n قوله تعالى إن فرعون علا في الارض أي طغى وتجبر في ارض مصر وجعل أهلها شيعا أي فرقا وأصنافا في خدمته يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل واستضعافه إياهم استعبادهم إنه كان من المفسدين بالقتل والعمل بالمعاصي يذبح أبناءهم وقرأ أبو رزين والزهري وابن محيصن وابن ابي عبلة يذبح بفتح الياء وسكون الذال خفيفة \r\n قوله تعالى ونريد أن نمن أي ننعم على الذين استضعفوا وهم بنو إسرائيل ونجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير وقال قتادة ولاة وملوكا ونجعلهم الوارثين لملك فرعون بعد غرقه \r\n قوله تعالى ونري فرعون وهامان وجنودهما وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويرى بياء مفتوحة وإمالة الالف التي بعد الراء فرعون وهامان وجنودهما بالرفع ومعنى الآية أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل منهم فأراهم الله ما كانوا يحذرون \r\n وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون \r\n قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إلهام قاله ابن عباس والثاني أن جبريل أتاها بذلك ","part":6,"page":201},{"id":2723,"text":" قاله مقاتل والثالث أنه كان رؤيا منام حكاه الماوردي قال مقاتل واسم أم موسى يوخابذ \r\n قوله تعالى أن أرضعيه قال المفسرون كانت امرأة من القوابل مصافية لأم موسى فلما وضعته تولت أمرها ثم خرجت فرآها بعض العيون فجاؤوا ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجر فدخلوا ثم خرجوا فقال لأخته أين الصبي قالت لا أدري فسمعت بكاءه من التنور فاطلعت وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما فأرضعته بعد ولادته ثلاثة أشهر وقيل أربعة أشهر فلما خافت عليه صنعت له التابوت \r\n وفي قوله فاذا خفت عليه قولان \r\n أحدهما إذا خفت عليه القتل قاله مقاتل \r\n والثاني إذا خفت عليه أن يصيح أو يبكي فيسمع صوته قاله ابن السائب \r\n وفي قوله ولا تخافي قولان ","part":6,"page":202},{"id":2724,"text":" أحدهما أن يغرق قاله ابن السائب والثاني أن يضيع قاله مقاتل \r\n وقال الأصمعي قلت لأعرابية ما أفصحك فقالت أو بعد هذه الآية فصاحة وهي قوله وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين \r\n قوله تعالى فالتقطه آل فرعون الالتقاط إصابة الشئ من غير طلب والمراد بآل فرعون الذين تولوا أخذ التابوت من البحر \r\n وفي الذين التقطوه ثلاثة أقوال \r\n أحدها جواري امرأة فرعون قاله السدي والثاني ابنة فرعون قاله محمد بن قيس والثالث أعوان فرعون قاله ابن إسحاق \r\n قوله تعالى ليكون لهم عدوا أي ليصير بهم الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا وهذه اللام تسمى لام العاقبة وقد شرحناه في يونس \r\n وللمفسرين في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما ليكون لهم عدوا في دينهم وحزنا لما يصنعه بهم \r\n والثاني عدو لرجالهم وحزنا على نسائهم فقتل الرجال بالغرق واستعبد النساء وقالت امرأة فرعون وهي آسية بنت مزاحم وكانت من بني إسرائيل تزوجها فرعون قرة عين قال الزجاج رفع قرة عين على إضمار هو قال المفسرون كان فرعون لا يولد إلا البنات فقالت عسى ","part":6,"page":203},{"id":2725,"text":" أن ينفعنا فنصيب منه خيرا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون فيه أربعة أقوال \r\n أحدها لا يشعرون أنه عدو لهم قاله مجاهد والثاني أن هلاكهم على يديه قاله قتادة والثالث لا يشعر بنو إسرائيل أنا التقطناه قاله محمد ابن قيس والرابع لا يشعرون أني أفعل ما أريد لا ما يريدون قاله محمد ابن إسحاق \r\n وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك \r\n والثاني أصبح فؤادها فزعا رواه الضحاك عن ابن عباس وهي قراءة أبي رزين وأبي العالية والضحاك وقتادة وعاصم الجحدري فإنهم قرؤوا فزعا بزاي معجمة \r\n والثالث فارغا من وحينا بنسيانه قاله الحسن وابن زيد ","part":6,"page":204},{"id":2726,"text":" والرابع فارغا من الحزن لعلمها أنه لم يقتل قاله أبو عبيدة قال ابن قتيبة وهذا من أعجب التفسير كيف يكون كذلك والله يقول لولا أن ربطنا على قلبها وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون \r\n قوله تعالى إن كادت لتبدي به في هذه الهاء قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى موسى ومتى أرادت هذا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه حين فارقته روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال كادت تقول يا بنياه قال قتادة وذلك من شدة وجدها والثاني حين حملت لرضاعه ثم كادت تقول هو ابني قاله السدي والثالث أنه لما كبر وسمعت الناس يقولون موسى بن فرعون كادت تقول لا بل هو ابني قاله ابن السائب \r\n والقول الثاني أنها ترجع إلى الوحي والمعنى إن كادت لتبدي بالوحي حكاه ابن جرير \r\n قوله تعالى لولا أن ربطنا على قلبها قال الزجاج المعنى لولا ربطنا على قلبها والربط إلهام الصبر وتشديد القلب وتقويته \r\n قوله تعالى لتكون من المؤمنين أي من المصدقين بوعد الله وقالت لأخته قصيه قال ابن عباس قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أي أحي هو أو قد أكلته الدواب ونسيت الذي وعدها الله فيه وقال وهب إنما قالت لأخته قصيه لأنها سمعت أن فرعون قد أصاب صبيا في تابوت قال مقاتل واسم أخته مريم قال ابن قتيبة ومعنى قصيه قصي أثره واتبعيه فبصرت به عن جنب أي عن ","part":6,"page":205},{"id":2727,"text":" بعد منها عنه وإعراض لئلا يفطنوا والمجانبة من هذا وقرأ ابي ابن كعب وأبو مجلز عن جناب بفتح الجيم والنون وبألف بعدهما وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني عن جانب بفتح الجيم وكسر النون وبينهما ألف وقرأ قتادة وأبو العالية وعاصم الجحدري عن جنب بفتح الجيم وإسكان النون من غير ألف \r\n قوله تعالى وهم لا يشعرون فيه قولان \r\n أحدهما وهم لا يشعرون أنه عدو لهم قاله مجاهد \r\n والثاني لا يشعرون أنها أخته قاله السدي \r\n قوله تعالى وحرمنا عليه المراضع وهي جمع مرضع من قبل أي من قبل أن نرده على أمه وهذا تحريم منع لا تحريم شرع قال المفسرون بقي ثمانية أيام وليالهين كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها فأهمهم ذلك واشتد عليهم فقالت لهم أخته هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم فقالوا لها نعم من تلك فقالت أمي قالوا وهل لها لبن قالت لبن هارون فلما جاءت قبل ثديها وقيل إنها لما قالت وهم له ناصحون قالوا لعلك تعرفين أهله قالت لا ولكني إنما قلت وهم للملك ناصحون \r\n قوله تعالى فرددناه إلى أمه قد شرحناه في طه \r\n قوله تعالى ولتعلم أن وعد الله يرد ولدها حق وهذا علم عيان ومشاهدة ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله وعدها أن يرده إليها ","part":6,"page":206},{"id":2728,"text":" ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين \r\n ولما بلغ أشده قد فسرنا هذه الآية في سورة يوسف وكلام المفسرين في لفظ الآيتين متقارب إلا أنهم فرقوا بين بلوغ الأشد وبين الاستواء فأما بلوغ الأشد فقد سلف بيانه الانعام \r\n وفي مدة الاستواء لهم قولان \r\n أحدهما أنه أربعون سنة قاله مجاهد وقتادة وابن زيد \r\n والثاني ستون سنة ذكره ابن جرير قال المفسرون مكث عند أمه حتى فطمته ثم ردته إليهم فنشأ في حجر فرعون وامرأته واتخذاه ولدا \r\n قوله تعالى ودخل المدينة فيها قولان \r\n أحدهما أنها مصر والثاني مدينة بالقرب من مصر \r\n قال السدي ركب فرعون يوما وليس عنده موسى فلما جاء موسى ركب في أثره فأدركه المقيل في تلك المدينة وقال غيره لما توهم فرعون في موسى أنه عدوه أمر باخراجه من مدينته فلم يدخل إلا بعد أن كبر فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها ","part":6,"page":207},{"id":2729,"text":" وفي ذلك الوقت أربعة أقوال \r\n أحدها أنه كان يوم عيد لهم وكانوا قد اشتغلوا فيه بلهوهم قاله علي عليه السلام \r\n والثاني أنه دخل نصف النهار رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال سعيد ابن جبير \r\n والثالث بين المغرب والعشاء قاله وهب بن منبه \r\n والرابع أنهم لما أخرجوه لم يدخل عليهم حتى كبر فدخل على حين غفلة عن ذكره لأنه قد نسي أمره قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى هذا من شيعته أي من أصحابه من بني إسرائيل وهذا من عدوه أي من أعدائه من القبط والعدو يذكر للواحد وللجمع قال الزجاج وإنما قيل في الغائب هذا وهذا على جهة الحكاية للحضرة والمعنى أنه إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته وهذا من عدوه قال المفسرون وإن القبطي كان قد سخر الإسرائيلي أن يحمل حطبا إلى مطبخ فرعون فاستغاثه أي فاستنصره فوكزه قال الزجاج الوكز أن يضربه بجميع كفه وقال ابن قتيبة فوكزه أي لكزه يقال وكزته ولكزته ولهزته إذا دفعته فقضى عليه أي قتله وكل شئ فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه وللمفسرين فيما وكزه به قولان \r\n أحدهما كفه قاله مجاهد والثاني عصاه قاله قتادة \r\n فلما مات القبطي ندم موسى لأنه لم يرد قتله وقال هذا من عمل الشيطان أي هو الذي هيج غضبي حتى ضربت هذا إنه عدو ","part":6,"page":208},{"id":2730,"text":" لابن آدم مضل له مبين عداوته ثم استغفر ف قال رب إني ظلمت نفسي أي بقتل هذا ولا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر قال رب بما أنعمت علي بالمغفرة فلن أكون ظهيرا للمجرمين قال ابن عباس عونا للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا \r\n فأصبح في المدينة خائفا يترقب فاذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين \r\n قوله تعالى فأصبح في المدينة وهي التي قتل بها القبطي خائفا على نفسه يترقب أي ينتظر سوءا يناله منهم ويخاف أن يقتل به فاذا الذي استنصره بالأمس وهو الاسرائيلي يستصرخه أي يستغيث به على قبطي آخر أراد أن يسخره ايضا قال له موسى في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى القبطي والثاني إلى الإسرائيلي وهو أصح \r\n فعلى الأول يكون المعنى إنك لغوي بتسخيرك وظلمك \r\n وعلى الثاني فيه قولان \r\n أحدهما أن يكون الغوي بمعنى المغوي كالأليم والوجيع بمعنى المؤلم ","part":6,"page":209},{"id":2731,"text":" والموجع والمعنى إنك لمضل حين قتلت بالأمس رجلا بسببك وتدعوني اليوم إلى آخر \r\n والثاني أن يكون الغوي بمعنى الغاوي والمعنى إنك غاو في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك \r\n قوله تعالى فلما ان اراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما أي بالقبطي قال يا موسى هذا قول الإسرائيلي من غير خلاف علمناه بين المفسرين قالوا لما رأى الاسرائيلي غضب موسى عليه حين قال له إنك لغوي مبين ورآه قد هم أن يبطش بالفرعوني ظن أنه يريده فخاف على نفسه ف قال يا موسى أتريد أن تقتلني وكان قوم فرعون لم يعلموا من قاتل القبطي إلا أنهم أتوا إلى فرعون فقالوا إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا فقال ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لآخذ لكم حقكم فبينا هم يطوفون ولا يدرون من القاتل وقعت هذه الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي في اليوم الثاني فلما قال الإسرائيلي لموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس انطلق القبطي إلى فرعون فأخبره أن موسى هو الذي قتل الرجل فأمر بقتل موسى فعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه فأخبره فذلك قوله وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى فأما الجبار فقال السدي هو القتال وقد شرحناه في هود وأقصى المدينة آخرها وأبعدها ويسعى بمعنى يسرع قال ابن عباس وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون وسيأتي الخلاف في اسمه في سورة المؤمن فأما الملأ فهم الوجوه من الناس والاشراف \r\n وفي قوله يأتمرون بك ثلاثة اقوال ","part":6,"page":210},{"id":2732,"text":" أحدها يتشاورون فيك ليقتلوك قاله أبو عبيدة والثاني يهمون بك قاله ابن قتيبة والثالث يأمر بعضهم بعضا بقتلك قاله الزجاج \r\n فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجرته إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل \r\n قوله تعالى فخرج منها أي من مصر خائفا وقد مضى تفسيره القصص \r\n قوله تعالى نجني من القوم الظالمين يعني المشركين أهل مصر \r\n ولما توجه تلقاء مدين قال ابن قتيبة أي تجاه مدين ونحوها وأصله اللقاء وزيدت فيه التاء قال الشاعر ","part":6,"page":211},{"id":2733,"text":" أملت خيرك هل تأتي مواعده ... فاليوم قصر عن تلقائك الامل ... \r\n أي عن لقائك \r\n قال المفسرون خرج خائفا بغير زاد ولا ظهر وكان بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له بالطريق علم ف قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي قصده قال ابن عباس لم يكن له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه وقال السدي بعث الله له ملكا فدله قالوا ولم يكن له في طريقه طعام إلا ورق الشجر فورد ماء مدين وخضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال والأمة الجماعة وهم الرعاة يسقون مواشيهم ووجد من دونهم أي من سوى الأمة امرأتين وهما ابنتا شعيب قال مقاتل واسم الكبرى صبورا والصغرى عبرا تذودان قال ابن قتيبة أي تكفان غنمهما فحذف الغنم اختصارا قال المفسرون وإنما فعلتا ذلك ليفرغ الناس وتخلو لهما البئر قال موسى ما خطبكما أي ما شأنكما لا تسقيان قالتا لا نسقي وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وابن يعمر وابن السميفع لانسقي برفع النون حتى يصدر الرعاء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو حعفر يصدر بفتح الياء وضم الدال أي حتى يرجع الرعاء وقرأ الباقون يصدر بضم الياء وكسرالدال أرادوا حتى يرد الرعاء غنمهم عن الماء والرعاء جمع راع كما يقال صاحب وصحاب وقرأ عكرمة ","part":6,"page":212},{"id":2734,"text":" وسعيد بن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري الرعاء بضم الراء والمعنى نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ كبير لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر فلذلك احتجنا نحن إلى ان نسقي وكان على تلك البئر صخرة عظيمة فاذا فرغ الرعاء من سقيهم أعادوا الصخرة فتأتي المرأتان إلى فضول حياض الرعاء فتسقيان غنمهما فسقى لهما موسى \r\n وفي صفة ما صنع قولان \r\n أحدهما أنه ذهب إلى بئر أخرى عليها صخرة لا يقتلعها إلا جماعة من الناس فاقتلعها وسقى لهما قاله عمر بن الخطاب وشريح \r\n والثاني أنه زاحم القوم على الماء وسقى لهما قاله ابن إسحاق والمعنى سقى غنمهما لأجلهما \r\n ثم تولى أي انصرف إلى الظل وهو ظل شجرة فقال رب إني لما اللام بمعنى إلى فتقديره إني إلى ما أنزلت إلي من خير فقير وأراد بالخير الطعام وحكى ابن جرير أنه أسمع المرأتين ","part":6,"page":213},{"id":2735,"text":" هذا الكلام تعريضا أن تطعماه فجاءته إحداهما المعنى فلما شربت غنمهما رجعتا إلى أبيهما فأخبرتاه خبر موسى فبعث إحداهما تدعو موسى وفيها قولان أحدهما الصغرى والثاني الكبرى فجاءته تمشي على استحياء قد سترت وجهها بكم درعها \r\n وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان من صفتها الحياء فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج والدخول \r\n والثاني لأنها دعته لتكافئه وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة \r\n والثالث لأنها رسول أبيها \r\n قوله تعالى ليجزيك أجر ما سقيت لنا قال المفسرون لما سمع موسى هذا القول كرهه وأراد أن لا يتبعها فلم يجد بدا للجهد الذي به من اتباعها فتبعها فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها فناداها يا أمة الله كوني خلفي ودليني الطريق فلما جاءه أي جاء موسى شعيبا وقص ","part":6,"page":214},{"id":2736,"text":" عليه القصص أي أخبره بأمره من حين ولد والسبب الذي أخرجه من أرضه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي لا سلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته قالت إحداهما وهي الكبرى يا أبت استأجره أي اتخذه أجيرا إن خير من استأجرت القوي الأمين أي خير من استعملت على عملك من قوي على عملك وأدى الأمانة وإنما سمته قويا لرفعه الحجر عن رأس البئر وقيل لأنه استقى بدلو لا يقلها إلا العدد الكثير من الرجال وسمته أمينا لأنه امرها أن تمشي خلفه وقال السدي قال لها شعيب قد رأيت قوته فما يدريك بأمانته فحدثته قال المفسرون فرغب فيه شعيب فقال له إني أريد أن أنكحك أي أزواجك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج قال الفراء تأجرني وتأجرني بضم الجيم وكسرها لغتان قال الزجاج والمعنى تكون أجيرا لي ثماني سنين فإن أتممت عشرا فمن عندك أي فذلك تفضل منك وليس بواجب عليك \r\n قوله تعالى وما أريد أن أشق عليك أي في العشر ستجدني ان شاء الله من الصالحين أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال له موسى ذلك بيني وبينك أي ذلك الذي وصفت وشرطت علي فلك وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي فالأمر كذلك بيننا وتم الكلام هاهنا ثم قال أيما الأجلين يعني الثماني والعشر قال أبو عبيدة ما زائدة \r\n قوله تعالى قضيت أي أتممت فلا عدوان علي أي لا سبيل علي والمعنى لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه والله على ما نقول وكيل قال الزجاج أي والله شاهدنا على ما عقد بعضنا على بعض ","part":6,"page":215},{"id":2737,"text":" واختلف العلماء في هذا الرجل الذي استأجر موسى على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه شعيب نبي الله صلى الله عليه و سلم وعلى هذا أكثر أهل التفسير وفيه أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم يدل عليه وبه قال وهب ومقاتل \r\n والثاني أنه صاحب مدين واسمه يثرى قاله ابن عباس \r\n والثالث رجل من قوم شعيب قاله الحسن \r\n والرابع أنه يثرون ابن اخي شعيب رواه عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود وبه قال ابن السائب \r\n واختلفوا في التي تزوجها موسى من الإبنتين على قولين \r\n أحدهما الصغرى روي عن ابن عباس والثاني الكبرى قاله مقاتل ","part":6,"page":216},{"id":2738,"text":" وفي اسم التي تزوجها ثلاثة أقوال \r\n أحدها صفوريا حكاه ابو عمران الجوني والثاني صفورة قاله شعيب الجبائي والثالث صبورا قاله مقاتل \r\n فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون \r\n قوله تعالى فلما قضى موسى الأجل روى ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه سئل أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما وأطيبهما قال مجاهد مكث بعد قضاء الأجل عندهم عشرا ","part":6,"page":217},{"id":2739,"text":" أخر وقال وهب بن منبه أقام عندهم بعد أن أدخل عليه امرأته سنين وقد سبق تفسير هذه الآية طه إلى قوله أو جذرة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي جذوة بكسر الجيم وقرأ عاصم بفتحها وقرأ حمزة وخلف والوليد عن ابن عامر بضمها وكلها لغات قال ابن عباس الجذوة قطعة حطب فيها نار وقال أبو عبيدة قطعة غليظة من الحطب ليس فيها لهب وهي مثل الجذمة من أصل الشجرة قال ابن مقبل \r\n ... باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا دعر ... \r\n والدعر الذي قد نخر ومنه رجل داعر أي فاسد \r\n قوله تعالى نودي من شاطئ الواد وهو جانبه الأيمن وهو الذي عن يمين موسى في البقعة وهي القطعة من الأرض المباركة بتكليم الله موسى فيها من الشجرة أي من ناحيتها وفي تلك الشجرة قولان \r\n أحدهما أنها شجرة العناب قاله ابن عباس \r\n والثاني عوسجة قاله قتادة وابن السائب ومقاتل ","part":6,"page":218},{"id":2740,"text":" وما بعد هذا قد سبق بيانه النمل إلى قوله إنك من الآمنين أي من أن ينالك مكروه \r\n قوله تعالى أسلك يدك أي أدخلها واضمم إليك جناحك قد فسرنا الجناح في طه إلا ان بعض المفسرين خالف بين تفسير اللفظين فشرحناه وقال ابن زيد جناحه الذراع والعضد والكف وقال الزجاج الجناح هاهنا العضد ويقال لليد كلها جناح وحكى ابن الأنباري عن الفراء انه قال الجناح هاهنا العصا قال ابن الأنباري الجناح للانسان مشبه بالجناح للطائر ففي حال تشبه العرب رجلي الإنسان بجناحي الطائر فيقولون قد مضى فلان طائرا في جناحيه يعنون ساعيا على قدميه وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي الطائر كقوله واضمم يدك إلى جناحك وفي حال يجعلون العصا بمنزلة الجناح لأن الإنسان يدفع بها عن نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه كقوله واضمم إليك جناحك من الرهب وإنما يوقع الجناح على هذه الأشياء تشبيها واستعارة كما يقال قد قص جناح الإنسان وقد قطعت يده ورجله إذا وقعت به جائحه أبطلت تصرفه ويقول الرجل للرجل أنت يدي ورجلي أي أنت من به أصل إلى محابي قال جرير \r\n ... سأشكر أن رددت إلي ريشي ... وأنبت القوادم في جناحي ... \r\n وقالت امرأة من العرب ترثي زوجها الأغر \r\n ... يا عصمتي في النائبات ويا ... ركني الأغر ويا يدي اليمنى ... لا صنت وجها كنت صائنه ... أبدا ووجهك في الثرى يبلى ... \r\n فأما الرهب فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو من الرهب بفتح ","part":6,"page":219},{"id":2741,"text":" الراء والهاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم من الرهب بضم الراء وسكون الهاء وقرأ حفص وأبان عن عاصم من الرهب بفتح الراء وسكون الهاء وهي قراءة ابن مسعود وابن السميفع وقرأ أبي بن كعب والحسن وقتادة بضم الراء والهاء قال الزجاج الرهب والرهب بمعنى واحد مثل الرشد والرشد وقال أبو عبيدة الرهب والرهبة بمعنى الخوف والفرق وقال ابن الأنباري الرهب والرهب والرهب مثل الشغل والشغل والشغل والبخل والبخل والبخل وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف والفرق \r\n وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لما هرب من الحية أمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفزع قال ابن عباس المعنى اضمم يدك إلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك وقال مجاهد كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع \r\n والثاني أنه لما هاله بياض يده وشعاعها أمر أن يدخلها في جيبه فعادت إلى حالتها الأولى \r\n والثالث أن معنى الكلام سكن روعك وثبت جأشك قال أبو علي ليس يراد به الضم بين الشيئين إنما أمر بالعزم على ما أمر به والجد فيه ومثله اشدد حيازيمك للموت \r\n قوله تعالى فذانك قرأ ابن كثير وأبو عمرو فذانك بالتشديد وقرأ الباقون فذانك بالتخفيف قال الزجاج التشديد تثنية ذلك والتخفيف تثنية ذاك فجعل اللام في ذلك بدلا من تشديد النون في ذانك برهانان أي بيانان اثنان قال المفسرون فذانك يعني ","part":6,"page":220},{"id":2742,"text":" العصا واليد حجتان من الله لموسى على صدقه إلى فرعون أي أرسلنا بهاتين الآيتين إلى فرعون وقد سبق تفسير ما بعد هذا الشعراء إلى قوله هو أفصح مني لسانا أي أحسن بيانا لأن موسى كان في لسانه أثر الجمرة التي تناولها فأرسله معي ردءا قرأ الأكثرون ردءا بسكون الدال وبعدها همزة وقرأ أبو جعفر ردا بفتح الدال وألف بعدها من غير تنوين ولا همز وقرأ نافع كذلك إلا أنه نون وقال الزجاج الردء العون يقال ردأته أردؤه ردءا إذا أعنته \r\n قوله تعالى يصدقني قرأ عاصم وحمزة يصدقني بضم القاف وقرأ الباقون بسكون القاف قال الزجاج من جزم يصدقني فعلى جواب المسألة أرسله يصدقني ومن رفع فالمعنى ردءا مصدقا لي وأكثر المفسرين على أنه أشار بقوله يصدقني إلى هارون وقال مقاتل بن سليمان لكي يصدقني فرعون \r\n قوله تعالى سنشد عضدك بأخيك قال الزجاج المعنى سنعينك بأخيك ولفظ العضد على جهة المثل لأن اليد قوامها عضدها وكل معين فهو عضد ونجعل لكما سلطانا أي حجة بينة وقيل للزيت السليط لانه يستضاء به والسلطان أبين الحجج \r\n قوله تعالى فلا يصلون إليكما أي بقتل ولا أذى ","part":6,"page":221},{"id":2743,"text":" وفي قوله بآياتنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المعنى تمتنعان منهم بآياتنا وحججنا فلا يصلون إليكما \r\n والثاني أنه متعلق بما بعده فالمعنى بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون أي تغلبون بآياتنا \r\n والثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما \r\n فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون \r\n قوله تعالى ما هذا إلا سحر مفترى أي ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبل نفسك ولم تبعث به وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم وقرأ ابن كثير قال موسى بلا واو وكذلك هي في مصاحفهم بمن جاء بالهدى أي هو بالمحق منا ومن تكون له عاقبة الدار وقرأ حمزة والكسائي وخلف والمفضل يكون بالياء والباقون بالتاء \r\n وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ","part":6,"page":222},{"id":2744,"text":" وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين \r\n قوله تعالى فأوقد لي يا هامان على الطين قال ابن قتيبة المعنى اصنع لي الآجر فاجعل لي صرحا أي قصرا عاليا وقال الزجاج الصرح كل بناء متسع مرتفع وجاء في التفسير أنه لما أمر هامان وهو وزيره ببناء الصرح جمع العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد قط فلما تم ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت وهي متلطخة بالدم فقال قد قتلت إله موسى فبعث الله تعالى جبريل فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ووقعت قطعة أخرى في البحر وأخرى في المغرب \r\n قوله تعالى لعلي أطلع إلى إله موسى أي أصعد إليه واشرف عليه وإني لأظنه يعني موسى من الكاذبين في ادعائه إلها غيري وقال ابن جرير المعنى أظن موسى كاذبا في ادعائه أن في السماء ربا أرسله واستكبر هو وجنوده في الارض يعني أرض مصر بغير الحق أي بالباطل والظلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون بالبعث للجزاء قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يرجعون برفع الياء وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتحها ","part":6,"page":223},{"id":2745,"text":" قوله تعالى وجعلناهم أي في الدنيا أئمة أي قادة في الكفر يأتم بهم العتاة يدعون إلى النار لأن من أطاعهم دخلها وينصرون بمعنى يمنعون من العذاب وما بعد هذا مفسر في هود \r\n قوله تعالى من المقبوحين أي من المبعدين الملعونين قال ابو زيد يقال قبح الله فلانا أي أبعده من كل خير وقال ابن جريج معنى الآية واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة أخرى ثم استقبل الكلام فقال هم من المقبوحين \r\n ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين \r\n قوله تعالى من بعد ما أهلكنا القرون الأولى يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم بصائر للناس أي ليبصروا به ويهتدوا ","part":6,"page":224},{"id":2746,"text":" قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي قال الزجاج أي وما كنت بجانب الجبل الغربي \r\n قوله تعالى إذ قضينا إلى موسى الأمر أي أحكمنا الأمر معه بارساله إلى فرعون وقومه وما كنت من الشاهدين لذلك الأمر وفي هذا بيان لصحة نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم لأنهم يعلمون أنه لم يقرأ الكتب ولم يشاهد ما جرى فلولا أنه أوحي إليه ذلك ما علم \r\n قوله تعالى ولكنا أنشأنا قرونا أي خلقنا أمما من بعد موسى فتطاول عليهم العمر أي طال إمهالهم فنسوا عهد الله وتركوا أمره وهذا ","part":6,"page":225},{"id":2747,"text":" يدل على أنه قد عهد إلى موسى وقومه عهود في امر محمد صلى الله عليه و سلم وأمروا بالإيمان به فلما طال إمهالهم أعرضوا عن مراعاة العهود وما كنت ثاويا أي مقيما في أهل مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة ولكنا كنا مرسلين ارسلناك إلى أهل مكة وأخبرناك خبر المتقدمين ولولا ذلك ما علمته وما كنت بجانب الطور أي بناحية الجبل الذي كلم عليه موسى إذ نادينا موسى وكلمناه هذا قول الأكثرين وقال أبو هريرة كان هذا النداء يا امة محمد أعطيتكم قبل ان تسألوني وأستجيب لكم قبل أن تدعوني \r\n قوله تعالى ولكن رحمة من ربك قال الزجاج المعنى لم تشاهد قصص الأنبياء ولكنا أوحينا إليك وقصصناها عليك رحمة من ربك \r\n ولولا أن تصيبهم مصيبة جواب لولا محذوف تقديره لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة وقيل لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل ومؤاثرة الاحتجاج \r\n فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما أبتعه إن كنتم صادقين فان لم يستجيبوا ","part":6,"page":226},{"id":2748,"text":" لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين \r\n قوله تعالى فلما جاءهم يعني أهل مكة الحق من عندنا وهو محمد عليه السلام والقرآن قالوا لولا أي هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما اوتي موسى كالعصا واليد قال المفسرون أمرت اليهود قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى فقال الله تعالى أو لم يكفروا بما أوتي موسى أي فقد كفروا بآيات موسى وقالوا في المشار إليهم قولان أحدهما اليهود والثاني قريش سحران قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ساحران تظاهرا أي تعاونا وروى العباس الانصاري عن أبي عمرو تظاهرا بتشديد الظاء \r\n وفيمن عنوا ثلاثة أقوال \r\n أحدها موسى ومحمد قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير فعلى هذا هو من قول مشركي العرب \r\n والثاني موسى وهارون قاله مجاهد فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة ","part":6,"page":227},{"id":2749,"text":" والثالث محمد وعيسى قاله قتادة فعلى هذا هو من قول اليهود الذين لم يؤمنوا بنبينا \r\n وقرأ عاصم وحمزة والكسائي سحران وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها التوراة والفرقان قاله ابن عباس والسدي والثاني الإنجيل والقرآن قاله قتادة والثالث التوراة والإنجيل قاله أبو مجلز وإسماعيل ابن أبي خالد ومعنى الكلام كل سحر منهما يقوي الآخر فنسب التظاهر إلى السحرين توسعا في الكلام وقالوا إنا بكل كافرون يعنون ما تقدم ذكره على اختلاف الأقوال فقال الله لنبيه قل لكفار مكة فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أي من التوراة والقرآن إن كنتم صادقين أنهما ساحران فان لم يستجيبوا لك أي فان لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن فاعلم أنما يتبعون أهواءهم أي أن ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حجة وإنما آثروا فيه الهوى ومن أضل أي ولا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير هدى أي بغير رشاد ولا بيان جاء من الله ولقد وصلنا لهم القول وقرأ الحسن وأبو المتوكل وابن يعمر وصلنا بتخفيف الصاد \r\n وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم قريش قاله الأكثرون منهم مجاهد \r\n والثاني اليهود قاله رفاعة القرظي \r\n والمعنى أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا ويخبر عن الأمم الخالية كيف عذبوا لعلهم يتعظون \r\n الذين آتيناهم الكتاب وفيهم ثلاثة أقوال ","part":6,"page":228},{"id":2750,"text":" أحدها أنهم مؤمنو أهل الكتاب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني مسلمو أهل الإنجيل روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فشهدوا معه أحدا فنزلت فيهم هذه الآية \r\n والثالث مسلمو كعبد الله بن سلام وغيره قاله السدي \r\n قوله تعالى من قبله أي من قبل القرآن هم به في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم لأن ذكره كان مكتوبا عندهم في كتبهم فآمنوا به والثاني إلى القرآن \r\n قوله تعالى وإذا يتلى عليهم يعني القرآن قالوا آمنا به إنا كنا من قبله أي من قبل نزول القرآن مسلمين أي مخلصين لله مصدقين بمحمد وذلك لأن ذكره كان في كتبهم فآمنوا به أولئك يؤتون أجرهم مرتين في المشار إليهم قولان \r\n احدهما أنهم مؤمنو أهل الكتاب وهذ قول الجمهور وهو الظاهر ","part":6,"page":229},{"id":2751,"text":" وفيما صبروا عليه قولان أحدهما أنهم صبروا على الكتاب الأول وصبروا على اتباعم محمدا قاله قتادة وابن زيد والثاني أنهم صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث ثم على اتباعه حين بعث قاله الضحاك \r\n والقول الثاني انهم قوم من المشركين اسلموا فكان قومهم يؤذونهم فصبروا على الأذى قاله مجاهد \r\n قوله تعالى ويدرؤون بالحسنة السيئة فيه اقوال قد شرحناها في الرعد 22 \r\n قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو فيه ثلاث اقوال \r\n احدها الاذى والسب قاله مجاهد والثاني الشرك قاله الضحاك والثالث انهم قوم من اليهود آمنوا فكانوا يسمعون ما غيراليهود من صفة رسول الله صلى الله عليه و سلم فيكرهون ذلك ويعرضون عنه قاله ابن زيد وهل هذا منسوخ ام لا فيه قولان \r\n وفي قوله وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم قولان \r\n أحدهما لنا ديننا ولكم دينكم والثاني لنا حلمنا ولكم سفهكم \r\n سلام عليكم قال الزجاج لم يريدوا التحية وانما ارادوا بيننا وبينكم المتاركة وهذا قبل ان يؤمر المسلمون بالقتال وذكر المفسرون ان هذا منسوخ بآية السيف \r\n وفي قوله لا نبتغي الجاهلين ثلاثة اقوال \r\n احدها لا نبتغي دين الجاهلين والثاني لا نطلب مجاورتهم والثالث لا نريد ان نكون جهالا ","part":6,"page":230},{"id":2752,"text":" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين \r\n قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين التوبة وقد روى مسلم فيما انفرد به عن البخاري من حديث ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال لولا أن تعيرني نساء قريش يقلن إنما حمله على ذلك الجزع لأ قررت بها عينك فأنزل الله عز و جل إنك لا تهدي من أحببت قال الزجاج اجمع المفسرون انها نزلت في ابي طالب ","part":6,"page":231},{"id":2753,"text":" وفي قوله من أحببت قولان \r\n أحدهما من أحببت هدايته والثاني من أحببته لقرابته \r\n ولكن الله يهدي من يشاء أي يرشد لدينه من يشاء وهو أعلم بالمهتدين أي من قدر له الهدى \r\n قوله تعالى وقالوا ان نتبع الهدى معك قال ابن عباس في رواية العوفي هم ناس من قريش قالوا ذلك وقال في رواية ابن ابي مليكة ان الحارث بن عامر بن نوفل قال ذلك وذكر مقاتل ان الحارث بن عامر قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم انا لنعلم ان الذي تقول حق ولكن يمنعنا ان نتبع الهدى معك مخافة ان تتخطفنا العرب من ارضنا يعنون مكة ومعنى الاية ان اتبعناك على دينك خفنا العرب لمخالفتنا اياها والتخطف الانتزاع بسرعة فرد الله عليهم قولهم فقال أو لم نمكن لهم حرما أي أو لم نسكنهم ","part":6,"page":232},{"id":2754,"text":" حرما ونجعله مكانا لهم ومعنى آمنا ذو أمن يأمن فيه الناس وذلك أن العرب كان يغير بعضها على بعض وأهل مكة آمنون في الحرم من القتل والسبي والغارة أي فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمن يجبي قرأ نافع تجبي بالتاء أي تجمع إليه وتحمل من كل النواحي الثمرات رزقا من لدنا أي من عندنا ولكن أكثرهم يعني أهل مكة لا يعلمون أن الله هو الذي فعل بهم ذلك فيشكرونه ومعنى الآية إذا كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري فكيف تخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي ثم خوفهم عذاب الأمم الخالية فقال وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها قال الزجاج معيشتها منصوبة باسقاط في والمعنى بطرت في معيشتها والبطر الطغيان في النعمة قال عطاء عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام \r\n قوله تعالى فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة والمعنى لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا وكنا نحن الوارثين أي لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في منازلهم فبقيت خرابا غير مسكونة \r\n وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين \r\n وما كان ربك مهلك القرى يعني القرى الكافر أهلها حتى يبعث ","part":6,"page":233},{"id":2755,"text":" في أمها أي في أعظمها رسولا وإنما خص الأعظم ببعثة الرسول لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف وأشراف القوم ملوكهم وإنما يسكنون المواضع التي هي أم ما حولها وقال قتادة أم القرى مكة والرسول محمد \r\n قوله تعالى يتلو عليهم آياتنا قال مقاتل يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا \r\n قوله تعالى وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون أي بظلمهم أهلكهم وظلمهم شركهم وما أوتيتم من شئ أي ما أعطيتم من مال وخير فمتاع الحياة الدنيا تتمتعون به ايام حياتكم ثم يفنى وينقضي وما عند الله من الثواب خير وأبقى أفضل وأدوم لأهله أفلا تعقلون ان الباقي أفضل من الفاني \r\n قوله تعالى أفمن وعدناه وعدا حسنا اختلف فيمن نزلت على أربعة أقوال أحدها أنها نزلت في رسول الله ص وأبي جهل والثاني في علي وحمزة عليهما السلام وأبي جهل والقولان مرويان عن مجاهد والثالث في المؤمن والكافر قاله قتادة والرابع في عمار والوليد بن المغيرة قاله السدي ","part":6,"page":234},{"id":2756,"text":" وفي الوعد الحسن قولان أحدهما الجنة والثاني النصر \r\n قوله تعالى فهو لاقيه أي مصيبه ومدركه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا أي كمن هو ممتع بشئ يفنى ويزول عن قريب ثم هو يوم القيامة من المحضرين فيه قولان أحدهما من المحضرين في عذاب الله قاله قتادة والثاني من المحضرين للجزاء حكاه الماوردي ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين \r\n قوله تعالى ويوم يناديهم أي ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة فيقول أين شركائي هذا على حكاية قولهم والمعنى أين شركائي في قولكم قال الذين حق عليهم أي وجب عليهم العذاب وهم رؤساء الضلالة ","part":6,"page":235},{"id":2757,"text":" وفيهم قولان أحدهما أنهم رؤوس المشركين والثاني أنهم الشياطين ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعنون الأتباع اغويناهم كما غوينا أي أضللناهم كما ضللنا تبرأنا إليك أي تبرأنا منهم إليك والمعنى أنهم يتبرأ بعضهم من بعض ويصيرون أعداءا وقيل لكفار بني آدم ادعوا شركاءكم أي استغيثوا بآلهتكم لتخلصكم من العذاب فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي فلم يجيبوهم إلى نصرهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون قال الزجاج جواب لو محذوف والمعنى لو انهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم ولما رأوا العذاب \r\n قوله تعالى ويوم يناديهم أي ينادي الله الكفار ويسألهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء وقرأ أبو رزين العقيلي وقتادة وأبو العالية وأبو المتوكل وعاصم الجحدري فعميت برفع العين وتشديد الميم قال المفسرون خفيت عليهم الحجج وسميت أنباء لأنها اخبار يخبر بها قال ابن قتيبة والمعنى عموا عنها من شدة الهول فلم يجيبوا والأنباء هاهنا الحجج \r\n قوله تعالى فهم لا يتساءلون فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجة قاله الضحاك والثاني أن المعنى سكتوا فلا يتساءلون في تلك الساعة قاله الفراء والثالث لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا من ذنوبه حكاه الماوردي \r\n فأما من تاب من الشرك وآمن أي صدق بتوحيد الله وعمل صالحا أدى الفرائض فعسى أن يكون من المفلحين وعسى من الله واجب ","part":6,"page":236},{"id":2758,"text":" وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهوالله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون \r\n قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار روى العوفي عن ابن عباس في قوله وربك يخلق ما يشاء ويختار قال كانوا يجعلون لآلهتهم خير أموالهم في الجاهلية وقال مقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف والمعنى أنه لا تبعث الرسل باختيارهم قال الزجاج والوقف الجيد على قوله ويختار وتكون ما نفيا والمعنى ليس لهم أن يختاروا على الله ويجوز أن تكون ما بمعنى الذي فيكون المعنى ويختار الذي لهم فيه الخيرة مما يتعبدهم به ويدعوهم إليه قال الفراء والعرب تقول لما تختاره أعطني الخيرة والخيرة والخيرة قال ثعلب كلها لغات \r\n قوله تعالى ما تكن صدورهم أي ما تخفي من الكفر والعداوة وما يعلنون بألسنتهم ","part":6,"page":237},{"id":2759,"text":" قوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة أي يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الجنة وله الحكم وهو الفصل بين الخلائق والسرمد الدائم قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى أفلا تسمعون أي سماع فهم وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى ومعنى تسكنون فيه تستريحون من الحركة والنصب أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة منه وقوله لتسكنوا فيه يعني في الليل ولتبتغوا من فضله أي لتلتمسوا من رزقه بالمعاش في النهار ولعلكم تشكرون الذي أنعم عليكم بهما \r\n قوله تعالى ونزعنا من كل أمة شهيدا أي أخرجنا من كل أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ فقلنا هاتوا برهانكم أي حجتكم على ما كنتم تعبدون من دوني فعلموا أن الحق لله أي علموا أنه لا إله إلا هو وضل عنهم أي بطل في الآخرة ما كانوا يفترون في الدنيا من الشركاء ","part":6,"page":238},{"id":2760,"text":" إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين \r\n قوله تعالى إن قارون كان من قوم موسى أي من عشيرته وفي نسبه إلى موسى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان ابن عمه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عبد الله بن الحارث وإبراهيم وابن جريج \r\n والثاني ابن خالته رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث انه كان عم موسى قاله ابن إسحاق \r\n قال الزجاج قارون اسم أعجمي لا ينصرف ولو كان فاعولا من العربية من قرنت الشئ لا نصرف \r\n قوله تعالى فبغى عليهم فيه خمسة أقوال أحدها أنه جعل لبغي جعلا على أن تقذف موسى بنفسها ففعلت فاستحلفها موسى على ما قالت فأخبرته بقصتها فكان هذا بغيه قاله ابن عباس والثاني أنه بغى بالكفر بالله تعالى قاله الضحاك والثالث بالكبر قاله قتادة والرابع أنه زاد في طول ثيابه شبرا قاله عطاء الخراساني وشهر بن حوشب والخامس أنه كان يخدم فرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم حكاه الماوردي ","part":6,"page":239},{"id":2761,"text":" وفي المراد بمفاتحه قولان \r\n أحدهما أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب قاله مجاهد وقتادة وروي الأعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون وقر ستين بغلا وكانت من جلود كل مفتاح مثل الإصبع \r\n والثاني أنها خزائنه قاله السدي وأبو صالح والضحاك قال الزجاج وهذا الأشبه أن تكون مفاتحه خزائن ماله وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة قال ابو صالح كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا \r\n قوله تعالى لتنوء بالعصبة أي تثقلهم وتميلهم ومعنى الكلام لتنئ العصبة فلما دخلت الباء في العصبة انفتحت التاء كما تقول هذا يذهب بالأبصار وهذا يذهب الأبصار وهذا اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج في آخرين وقال بعضهم هذا من المقلوب وتقديره ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه كما يقال إنها لتنوء بها عجيزتها أي هي تنوء بعجيزتها وأنشدوا ... فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق ... \r\n أي فديت بنفسي وبمالي نفسه وهذا اختيار ابي عبيدة والأخفش وقد بينا معنى العصبة في سورة يوسف وفي المراد بها ها هنا ستة أقوال أحدها أربعون رجلا رواه العوفي عن ابن عباس والثاني ما بين الثلاثة إلى العشرة رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث خمسة عشر قاله مجاهد والرابع فوق العشرة إلى الأربعين قاله قتادة والخامس سبعون رجلا قاله ابو صالح والسادس ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين حكاه الزجاج ","part":6,"page":240},{"id":2762,"text":" قوله تعالى إذ قال له قومه في القائل له قولان أحدهما أنهم المؤمنون من قومه قاله السدي والثاني أنه قول موسى له حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى لا تفرح قال ابن قتيبة المعنى لا تأشر ولا تبطر قال الشاعر ... ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتحول ... \r\n أي لست بأشر فأما السرور فليس بمكروه إن الله لا يحب الفرحين وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة وعاصم الجحدري وابن أبي عبلة الفارحين بألف \r\n قوله تعالى وابتغ فيما آتاك الله أي اطلب فيما أعطاك الله من الأموال وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع واتبع بتشديد التاء وكسر الباء بعدها وعين ساكنة غير معجمة الدار الآخرة وهي الجنة وذلك يكون بانفاقه في رضى الله تعالى وشكر المنعم به ولا تنس نصيبك من الدنيا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن يعمل في الدنيا للآخرة قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور والثاني أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه قاله الحسن والثالث أن يستغني بالحلال عن الحرام قاله قتادة \r\n وفي معنى وأحسن كما أحسن الله إليك ثلاثة أقوال حكاها الماوردي أحدها أعط فضل مالك كما زادك على قدر حاجتك والثاني أحسن فيما ","part":6,"page":241},{"id":2763,"text":" افترض عليك كما أحسن في إنعامه إليك والثالث أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال \r\n قوله تعالى ولا تبغ الفساد في الأرض فتعمل فيها بالمعاصي قال إنما أوتيته على علم عندي او لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون \r\n قوله تعالى إنما أوتيته يعني المال على علم عندي فيه خمسة أقوال \r\n أحدها على علم عندي بصنعة الذهب رواه أبو صالح عن ابن عباس قال الزجاج وهذا لا أصل له لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له والثاني برضى الله عني قاله ابن زيد والثالث على خير علمه الله عندي قاله مقاتل والرابع إنما أعطيته لفضل علمي قاله الفراء قال الزجاج ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة والخامس على علم عندي بوجوه المكاسب حكاه الماوردي ","part":6,"page":242},{"id":2764,"text":" قوله تعالى أولم يعلم يعني قارون أن الله قد أهلك بالعذاب من قبله من القرون في الدنيا حين كذبوا رسلهم من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا للأموال \r\n وفي قوله ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ثلاثة أقوال أحدها لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم وإن سئلوا سؤال توبيخ قاله الحسن والثاني أن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسألهم عن ذنوبهم قاله مجاهد والثالث يدخلون النار بغير حساب قاله قتادة وقال السدي يعذبون ولا يسألون عن ذنوبهم \r\n فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقها إلا الصابرون \r\n قوله تعالى فخرج على قومه في زينته قال الحسن في ثياب حمر وصفر وقال عكرمة في ثياب معصفرة وقال وهب بن منبه خرج على بغلة شهباء عليها سرج أحمر من أرجوان ومعه أربعة آلاف مقاتل وثلاثمائة وصيفة عليهن الحلي والزينة على بغال بيض قال الزجاج الأرجوان في اللغة صبغ أحمر \r\n قوله تعالى لذو حظ أي لذو نصيب وافر من الدنيا \r\n وقوله وقال الذين أوتوا العلم قال ابن عباس يعني الأحبار من بني إسرائيل وقال مقاتل الذين أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة قالوا للذين تمنوا ما أوتي قارون ويلكم ثواب الله أي ما عنده من الجزاء خير لمن آمن مما أعطي قارون ","part":6,"page":243},{"id":2765,"text":" قوله تعالى ولا يلقاها قال أبو عبيدة لا يوفق لها ويرزقها وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة ولا يلقاها بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف وفي المشار إليها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الأعمال الصالحة قاله مقاتل والثاني أنها الجنة والمعنى لا يعطاها في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله قاله ابن السائب \r\n والثالث أنها الكلمة التي قالوها وهي قولهم ثواب الله خير قاله الفراء \r\n فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا ان من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون \r\n قوله تعالى فخسفنا به وبداره الأرض لما أمر قارون البغي ","part":6,"page":244},{"id":2766,"text":" بقذف موسى على ما سبق شرحه القصص غضب موسى فدعا عليه فأوحى الله تعالى إليه إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها فقال موسى يا أرض خذيه فأخذته حتى غيبت سريره فلما رأى ذلك ناشده بالرحم فقال خذيه فأخذته حتى غيبت قدميه فما زال يقول خذيه حتى غيبته فأوحى الله تعالى إليه يا موسى ما أفظك وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته قال ابن عباس فخسفت به الأرض إلى الأرض السفلى وقال سمرة بن جندب إنه يخسف به كل يوم قامة فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة وقال مقاتل فلما هلك قارون قال بنو إسرائيل إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره فخسف الله بداره وماله بعده بثلاثة ايام \r\n قوله تعالى ينصرونه من دون الله أي يمنعونه من الله وما كان من المنتصرين أي من الممتنعين مما نزل به ثم أعلمنا أن المتمنين مكانه ندموا على ذلك التمني بالآية التي تلي هذه ","part":6,"page":245},{"id":2767,"text":" وقوله لخسف بنا الأكثرون على ضم الخاء وكسر السين وقرأ يعقوب والوليد عن ابن عامر وحفص وأبان عن عاصم بفتح الخاء والسين \r\n فأما قوله ويك فقال ابن عباس معناه ألم تر وكذلك قال أبو عبيده والكسائي وقال الفراء ويك ان في كلام العرب تقرير كقول الرجل أما ترى إلى صنع الله وإحسانه أنشدني بعضهم ... ويك أن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ... \r\n وقال ابن الأنباري في قوله ويك أنه ثلاثة أوجه \r\n إن شئت قلت ويك حرف وأنه حرف والمعنى ألم تر أنه والدليل على هذا قول الشاعر ... سألتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر ... ويك أن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ... \r\n والثاني ان يكون ويك حرفا وأنه حرفا والمعنى ويلك اعلم أنه فحذفت اللام كما قالوا قم لا اباك يريدون لا أبالك وأنشدوا ... أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني ... \r\n أراد لا أبالك فحذف اللام ","part":6,"page":246},{"id":2768,"text":" والثالث أن يكون وي حرفا وكأنه حرفا فيكون معنى وي التعجب كما تقول وي لم فعلت كذا كذا ويكون معنى كأنه أظنه وأعلمه كما تقول في الكلام كأنك بالفرج قد أقبل فمعناه أظن الفرج مقبلا وإنما وصلوا الياء بالكاف في قوله ويكأنه لأن الكلام بهما كثر كما جعلوا يا ابن أم في المصحف حرفا واحدا وهما حرفان طه وكان جماعة منهم يعقوب يقفون على ويك في الحرفين ويبتدؤون أن وأنه في الموضعين وذكر الزجاج عن الخليل أنه قال وي مفصولة من كأن وذلك أن القوم تندموا فقالوا وي متندمين على ما سلف منهم وكل من ندم فأظهر ندامته قال وي وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنه قال معنى ويكأن رحمة لك بلغة حمير \r\n قوله تعالى لولا أن من الله علينا أي بالرحمة والمعافاة والإيمان لخسف بنا ","part":6,"page":247},{"id":2769,"text":" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي الذين عملوا السيآت إلا ما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى تلك الدار الآخرة يعني الجنة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض وفيه خمسة أقوال احدها أنه البغي قاله سعيد بن جبير والثاني الشرف والعز قاله الحسن والثالث الظلم قاله الضحاك والرابع الشرك قاله يحيى بن سلام والخامس الاستكبار عن الإيمان قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ولا فسادا فيه قولان أحدهما العمل بالمعاصي قاله عكرمة والثاني الدعاء إلى غير عبادة الله قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى والعاقبة للمتقين أي العاقبة المحمودة لهم \r\n قوله تعالى من جاء بالحسنة قد فسرناه في سورة النمل ","part":6,"page":248},{"id":2770,"text":" قوله تعالى فلا يجزي الذين عملوا السيئات يريد الذين اشركوا إلا ما كانوا يعملون أي إلا جزاء عملهم من الشرك وجزاؤه النار \r\n إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولاتكونن من المشركين ولاتدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون \r\n قوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن قال مقاتل خرج رسول الله ص من الغار ليلا فمضى من وجهه إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع إلى الطريق فنزل الجحفة بين مكة والمدينة فعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها وذكر مولده فأتاه جبريل فقال أتشتاق إلى بلدك ومولدك قال نعم قال فان الله تعالى يقول إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فنزلت هذه الآية بالجحفة \r\n وفي معنى فرض عليك ثلاثة أقوال أحدها فرض عليك العمل ","part":6,"page":249},{"id":2771,"text":" بالقرآن قاله عطاء بن أبي رباح وابن قتيبة والثاني أعطاك القرآن قاله مجاهد والثالث أنزل عليك القرآن قاله مقاتل والفراء وأبو عبيدة د \r\n وفي قوله لرادك إلى معاد أربعة اقوال \r\n أحدها إلى مكة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية والضحاك قال ابن قتيبة معاد الرجل بلده لانه يتصرف في البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إلى بلده \r\n والثاني إلى معادك من الجنة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن والزهري فإن اعترض على هذا فقيل الرد يقتضي أنه قد كان فيما رد إليه فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج كان كأن ولده أخرج منها فاذا دخلها فكأنه أعيد والثاني أنه دخلها ليلة المعراج فاذا دخلها يوم القيامة كان ردا إليها ذكرهما ابن جرير والثالث أن العرب تقول رجع الأمر إلى كذا وإن لم يكن له كون فيه قط وأنشدوا ... وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ... \r\n وقد شرحنا هذا في قوله وإلى الله ترجع الأمور البقرة ","part":6,"page":250},{"id":2772,"text":" والثالث لرادك إلى الموت رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال أبو سعيد الخدري \r\n والرابع لرادك إلى القيامة بالبعث قاله الحسن والزهري ومجاهد في رواية والزجاج \r\n ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي ص إلى الضلال فقال قل ربي أعلم من جاء بالهدى والمعنى قد علم أني جئت بالهدى وأنكم في ضلال مبين ثم ذكره نعمه فقال وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب أي ان تكون نبيا وأن يوحى إليك القرآن إلا رحمة من ربك قال الفراء هذا استثناء منقطع والمعنى إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك فلا تكونن ظهيرا للكافرين أي عونا لهم على دينهم وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فأمر بالاحتراز منهم والخطاب بهذا وأمثاله له والمراد أهل دينه لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم \r\n قوله تعالى كل شئ هالك إلا وجهه فيه قولان ","part":6,"page":251},{"id":2773,"text":" أحدهما إلا ما أريد به وجهه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الثوري والثاني إلا هو قاله الضحاك وأبو عبيدة \r\n قوله تعالى له الحكم أي الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره وإليه ترجعون في الآخرة ","part":6,"page":252},{"id":2774,"text":" سورة العنكبوت \r\n فصل في نزولها \r\n روى العوفي عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن وقتادة وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل وفي رواية عن ابن عباس أنها مدنية وقال هبة الله ابن سلامة المفسر نزل من اولها إلى رأس العشر بمكة وباقيها بالمدينة وقال غيره عكس هذا نزل العشر بالمدينة وباقيها بمكة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئآت أن يسبقونا ساء ما يحكمون \r\n قوله تعالى آلم أحسب الناس أن يتركوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال ","part":6,"page":253},{"id":2775,"text":" أحدها أنه لما أمر بالهجرة كتب المسلمون إلى إخوانهم بمكة أنه لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا فخرجوا نحو المدينة فأدركهم المشركون فردوهم فأنزل الله عز و جل من أول هذه السورة عشر آيات فكتبوا إليهم يخبرونهم بما نزل فيهم فقالوا نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله عز و جل فيهم ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا النحل هذا قول الحسن والشعبي \r\n والثاني أنها نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله عز و جل قاله عبد الله بن عبيد بن عمير \r\n والثالث أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب حين قتل ببدر فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى في أبويه وامرأته هذه الآية \r\n قوله تعالى أحسب الناس قال ابن عباس يريد بالناس الذين آمنوا بمكة كعياش بن ابي ربيعة وعمار بن ياسر وسلمة بن هشام وغيرهم \r\n قال الزجاج لفظ الآية استخبار ومعناه معنى التقرير والتوبيخ والمعنى أحسب الناس أن يتركوا بأن يقولوا آمنا ولأن يقولوا آمنا أي أحسبوا أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون بما يبين ","part":6,"page":254},{"id":2776,"text":" حقيقة إيمانهم وهم لا يفتنون أي لا يختبرون بما يعلم به صدق إيمانهم من كذبه \r\n وللمفسرين فيه قولان أحدهما لا يفتنون في أنفسهم بالقتل والتعذيب قاله مجاهد والثاني لا يبتلون بالأوامر والنواهي \r\n قوله تعالى ولقد فتنا الذين من قبلهم أي ابتليناهم واختبرناهم فليعلمن الله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم عند البلاء إذا صبروا لقضائه وليرين الكاذبين في إيمانهم إذا شكوا عند البلاء قاله مقاتل \r\n والثاني فليميزن لأنه قد علم ذلك من قبل قاله ابو عبيدة \r\n والثالث فليظهرن ذلك حتى يوجد معلوما حكاه الثعلبي \r\n وقرأ علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد فليعلمن الله وليعلمن الكاذبين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين العنكبوت بضم الياء وكسر اللام \r\n قوله تعالى أم حسب أي أيحسب الذين يعملون السيئات ","part":6,"page":255},{"id":2777,"text":" يعني الشرك أن يسبقونا أي يفوتونا ويعجزونا ساء ما يحكمون أي بئس ما حكموا لانفسهم حين ظنوا ذلك قال ابن عباس عنى بهم الوليد ابن المغيرة وابا جهل والعاص بن هشام وغيرهم \r\n من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيآتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون \r\n قوله تعالى من كان يرجو لقاء الله قد شرحناه في آخر الكهف فإن أجل الله لآت يعني الأجل المضروب للبعث والمعنى فليعمل لذلك اليوم وهو السميع لما يقول العليم بما يعمل ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه أي إن ثوابه إليه يرجع \r\n قوله تعالى لنكفرن عنهم سيآتهم أي لنبطلنها حتى تصير بمنزلة مالم يعمل ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم \r\n ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين \r\n قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وقرأ ابي بن كعب وأبو مجلز وعاصم الجحدري إحسانا بألف وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء حسنا بفتح الحاء والسين ","part":6,"page":256},{"id":2778,"text":" روى أبو عثمان النهدي عن سعد ابن أبي وقاص قال في أنزلت هذه الآية كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت لا تفعلي يا أماه إني لا أدع ديني هذا لشئ قال فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوما آخر وليلة لا تأكل فلما رأيت ذلك قلت تعلمين والله ياأماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشئ فكلي وإن شئت لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه الآية وقيل أنها نزلت في عياش بن ابي ربيعة وقد جرى له مع أمه نحو هذا وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية والتي في لقمان وفي الأحقاف نزلن في قصة سعد ","part":6,"page":257},{"id":2779,"text":" قال الزجاج من قرأ حسنا فمعناه ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن ومن قرأ إحسانا فمعناه ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه وكان حسنا أعم في البر \r\n وإن جاهداك قال أبو عبيدة مجاز هذا الكلام مجاز المختصر الذي فيه ضمير والمعنى وقلنا له وإن جاهداك \r\n قوله تعالى لتشرك بي معناه لتشرك بي شريكا لا تعلمه لي وليس لأحد بذلك علم فلا تطعهما \r\n قوله تعالى لندخلنهم في الصالحين أي في زمرة الصالحين في الجنة وقال مقاتل في بمعنى مع \r\n ومن الناس من يقول آمنا بالله فاذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين \r\n قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا رواه عكرمة عن ابن عباس ","part":6,"page":258},{"id":2780,"text":" والثاني نزلت في قوم كانوا يؤمنون بألسنتهم فاذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا قاله مجاهد \r\n والثالث نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فاذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الشرك قاله الضحاك \r\n والرابع أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة كان أسلم فخاف على نفسه من أهله وقومه فخرج من مكة هاربا إلى المدينة وذلك قبل قدوم رسول الله ص إلى المدينة فجزعت أمه فقالت لأخويه ابي جهل والحارث ابني هشام وهما أخواه لأمه والله لا آوي بيتا ولا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تأتياني به فخرجا في طلبه فظفرا به فلم يزالا به حتى تابعهما وجاءا به إليها فقيدته وقالت والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه حتى كفر بمحمد عليه السلام جزعا من الضرب فنزلت فيه هذه الآية ثم هاجر بعد وحسن إسلامه هذا قول ابن السائب ومقاتل وفي رواية عن مقاتل أنهما جلداه في الطريق مائتي جلدة فتبرأ من دين محمد فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى فإذا أوذي في الله أي ناله أذى أو عذاب بسبب إيمانه جعل فتنة الناس أي ما يصيبه من عذابهم في الدنيا كعذاب الله في ","part":6,"page":259},{"id":2781,"text":" الآخرة وإنما ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله تعالى لما يرجو من ثوابه ولئن جاء نصر من ربك يعني دولة للمؤمنين ليقولن يعني المنافقين للمؤمنين إنا كنا معكم على دينكم فكذبهم الله عز و جل وقال أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين من الإيمان والنفاق وقد فسرنا الآية التي تلي هذه في أول السورة \r\n وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون \r\n قوله تعالى \r\n أتبعوا سبيلنا يعنون ديننا قال مجاهد هذا قول كفار قريش لمن آمن من اهل مكة قالوا لهم لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا فان كان عليكم شئ فهو علينا \r\n قوله تعالى ولنحمل خطاياكم قال الزجاج هو امر في تأويل الشرط والجزاء يعني إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم وقال الأخفش كأنهم أمروا أنفسهم بذلك وقرأ الحسن ولنحمل بكسر اللام قال ابن قتيبة الواو زائدة والمعنى لنحمل خطاياكم \r\n قوله تعالى إنهم لكاذبون أي فيما ضمنوا من حمل خطاياهم ","part":6,"page":260},{"id":2782,"text":" قوله تعالى وليحملن أثقالهم أي أوزار أنفسهم وأثقالا مع أثقالهم أي اوزارا مع اوزارهم وهي أوزار الذين أضلوهم وهذا كقوله ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم النحل وليسألن يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يفترون من الكذب على الله عز و جل وقال مقاتل عن قولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله عز و جل \r\n ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين \r\n قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه في هذه القصة تسلية للنبي ص حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله وفيها وعيد شديد لمن أقام على الشرك فانهم وإن أمهلوا فقد أمهل قوم نوح أكثر ثم أخذوا \r\n قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما اختلفوا في عمر نوح على خمسة أقوال \r\n أحدها بعث بعد أربعين سنة وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم وعاش بعد الطوفان ستين سنة رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس \r\n والثاني أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد ذلك سبعين عاما فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة قاله كعب الأحبار ","part":6,"page":261},{"id":2783,"text":" والثالث أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة قاله عون بن ابي شداد \r\n والرابع أنه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم ثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة قاله قتادة وقال وهب ابن منبه بعث لخمسين سنة \r\n والخامس أن هذه الآية بينت مقدار عمره كله حكاه الماوردي \r\n فإن قيل ما فائدة قوله إلا خمسين عاما فهلا قال تسعمائة وخمسين \r\n فالجواب ان المراد به تكثير العدد وذكر الألف أفخم في اللفظ وأعظم للعدد \r\n قال الزجاج تأويل الاستثناء في كلام العرب التوكيد تقول جاءني إخوتك إلا زيدا فتؤكد أن الجماعة جاؤوا وتنقص زيدا واستثناء نصف الشئ قبيح جدا لا تتكلم به العرب وإنما تتكلم بالاستثناء كما تتكلم بالنقصان تقول عندي درهم ينقص قيراطا فلو قلت ينقص نصفه كان الاولى ان تقول عندي نصف درهم ولم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير \r\n قوله تعالى فأخذهم الطوفان فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها الموت روت عائشة عن رسول الله ص في قوله فأخذهم الطوفان قال الموت ","part":6,"page":262},{"id":2784,"text":" والثاني المطر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة قال ابن قتيبة هو المطر الشديد \r\n والثالث الغرق قاله الضحاك \r\n قال الزجاج الطوفان من كل شئ ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة كلها فالغرق الذي يشتمل على المدن الكثيرة طوفان وكذلك القتل الذريع والموت الجارف طوفان \r\n قوله تعالى وهم ظالمون قال ابن عباس كافرون \r\n قوله تعالى وجعلناها يعني السفينة قال قتادة أبقاها الله آية للناس بأعلى الجودي قال ابو سليمان الدمشقي وجائز ان يكون اراد الفعلة التي فعلها بهم من الغرق آية أي عبرة للعالمين بعدهم \r\n وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين \r\n قوله تعالى وإبراهيم قال الزجاج هو معطوف على نوح والمعنى أرسلنا إبراهيم \r\n قوله تعالى ذلكم يعني عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان ","part":6,"page":263},{"id":2785,"text":" إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم مما هو شر لكم والمعنى ولكنكم لا تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا قال الفراء إنما في هذا الموضع حرف واحد وليست على معنى الذي وقوله وتخلقون إفكا مردود على إنما كقولك أنما تفعلون كذا وإنما تفعلون كذا وقال مقاتل الأوثان الأصنام قال ابن قتيبة واحدها وثن وهو ما كان من حجارة أو جص \r\n قوله تعالى وتخلقون إفكا وقرأ ابن السميفع وأبو المتوكل وتختلقون بزيادة تاء ثم فيه قولان أحدهما تختلقون كذبا في زعمكم أنها آلهة والثاني تصنعون الأصنام والمعنى تعبدون أصناما أنتم تصنعونها ثم بين عجزهم بقوله لا يملكون لكم رزقا أي لا يقدرون على أن يرزقوكم فابتغوا عند الله الرزق أي فاطلبوا من الله فانه القادر على ذلك \r\n قوله تعالى وإن تكذبوا هذا تهديد لقريش فقد كذب أمم من قبلكم والمعنى فأهلكوا أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم \r\n أولم يروا قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر ","part":6,"page":264},{"id":2786,"text":" يروا بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء وعن عاصم كالقراءتين وعنى بالكلام كفار مكة كيف يبدئ الله الخلق أي كيف يخلقهم ابتداء من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى أن يتم الخلق ثم يعيده أي ثم هو يعبده في الآخرة عند البعث وقال أبو عبيدة مجازه أولم يروا كيف استأنف الله الخلق الاول ثم يعيده وفيه لغتان أبدأ وأعاد وكان مبدئا ومعيدا وبدأ وعاد وكان بادئا وعائدا \r\n قوله تعالى إن ذلك على الله يسير يعني الخلق الأول والخلق الثاني \r\n قوله تعالى قل سيروا في الأرض أي انظروا إلى المخلوقات التي في الأرض وابحثوا عنها هل تجدون لها خالقا غير الله فاذا علموا أنه لا خالق لهم سواه لزمتهم الحجة في الإعادة وهو قوله ثم الله ينشئ النشأة الآخرة أي ثم الله ينشئهم عند البعث نشأة أخرى وأكثر القراء فرؤوا النشأة بتسكين الشين وترك المد وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بالمد \r\n قوله تعالى يعذب من يشاء فيه قولان \r\n أحدهما أنه في الآخرة بعد إنشائهم \r\n والثاني أنه في الدنيا ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي أحدها يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة والثاني يعذب بسوء الخلق ويرحم بحسن الخلق والثالث يعذب بمتابعة البدعة ويرحم بملازمة السنة والرابع يعذب بالانقطاع إلى الدنيا ويرحم بالإعراض عنها والخامس يعذب من يشاء ببغض الناس له ويرحم من يشاء بحب الناس له \r\n قوله تعالى وإليه تقلبون أي تردون وما أنتم بمعجزين في الأرض فيه قولان حكاهما الزجاج ","part":6,"page":265},{"id":2787,"text":" أحدهما وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في السماء \r\n والثاني وما أنتم بمعجزين في الارض ولا لو كنتم في السماء وقال قطرب هذا كقولك ما يفوتني فلان لا هاهنا ولا بالبصرة أي ولا بالبصرة لو صار إليها قال مقاتل والخطاب لكفار مكة والمعنى لا تسبقون الله حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة وما لكم من دون الله من ولي أي قريب ينفعكم ولا نصير يمنعكم من الله \r\n قوله تعالى والذين كفروا بآيات الله ولقائه أي بالقرآن والبعث أولئك يئسوا من رحمتي في الرحمة قولان أحدهما الجنة قاله مقاتل والثاني العفو والمغفرة قاله أبو سليمان قال ابن جرير وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب فما كان جواب قومه إلا ان قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين \r\n ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم وهو قوله فما كان جواب قومه أي حين دعاهم إلى الله ونهاهم عن الأصنام إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا \r\n قوله تعالى فأنجاه الله المعنى فحرقوه فانجاه الله من النار \r\n قوله تعالى إن في ذلك يشير إلى إنجائه إبراهيم \r\n قوله تعالى وقال يعني إبراهيم إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ","part":6,"page":266},{"id":2788,"text":" مودة بينكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو مودة بينكم بالرفع والإضافة قال الزجاج مودة مرفوعة باضمار هي كأنه قال تلك مودة بينكم أي ألفتكم واجتماعكم على الأصنام مودة بينكم والمعنى إنما أتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها في الحياة الدنيا ويجوز أن تكون ما بمعنى الذي \r\n وقرأ ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وابن ابي عبلة مودة بالرفع بينكم بالنصب \r\n وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم مودة بينكم قال ابو علي المعنى اتخذتم الأصنام للمودة وبينكم نصب على الظرف والعامل فيه المودة \r\n وقرأ حمزة وحفص عن عاصم مودة بينكم بنصب مودة مع الإضافة وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسما لما أضيف إليه \r\n قال المفسرون معنى الكلام إنما اتخذتموها لتتصل المودة بينكم واللقاء والاجتماع عندها وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض أي يتبرأ القادة من الأتباع ويلعن بعضكم بعضا يلعن الأتباع القادة لانهم زينوا لهم الكفر فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه ","part":6,"page":267},{"id":2789,"text":" إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين \r\n قوله تعالى فآمن له لوط أي صدق بابراهيم وقال يعني إبراهيم إني مهاجر إلى ربي فيه قولان أحدهما إلى رضى ربي والثاني إلى حيث أمرني ربي فهاجر من سواد العراق إلى الشام وهجر قومه المشركين ووهبنا له إسحاق بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وذلك أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه وآتيناه أجره في الدنيا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها الذكر الحسن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني الثناء الحسن والولد الصالح رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث العافية والعمل الحسن والثناء فلست تلقى أحدا من اهل الملل إلا يتولاه قاله قتادة والرابع أنه أري مكانه من الجنة قاله السدي \r\n قوله تعالى وإنه في الآخرة لمن الصالحين قد سبق بيانه البقرة قال ابن جرير له هناك جزاء الصالحين غير منقوص من الآخرة بما أعطي في الدنيا من الأجر وما بعد هذا قد سبق بيانه الأعراف إلى قوله وتقطعون السبيل وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا يعترضون من مر بهم لعملهم الخبيث قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم كانوا إذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة فيقطعون سبيل المس قاله مقاتل \r\n والثالث أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال حكاه الماوردي ","part":6,"page":268},{"id":2790,"text":" قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قال ابن قتيبة النادي المجلس والمنكر يجمع الفواحش من القول والفعل \r\n وللمفسرين في المراد بهذا المنكر اربعة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم فذلك المنكر روته أم هانئ بنت أبي طالب عن رسول الله ص وقال عكرمة والسدي كانوا يحذفون كل من مر بهم \r\n والثاني لف القميص على اليد وجر الإزار وحل الأزرار والحذف والرمي بالبندق ولعب الحمام والصفير في خصال أخر رواها ميمون بن مهران عن ابن عباس \r\n والثالث أنه الضراط رواه عروة عن عائشة وكذلك فسره القاسم ابن محمد \r\n والرابع أنه إتيان الرجال في مجالسهم قاله مجاهد وقتادة وابن زيد ","part":6,"page":269},{"id":2791,"text":" وهذه الآية تدل على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إلا على ما يقرب من الله عز و جل ولا ينبغي ان يجتمعوا على الهزء واللعب \r\n قوله تعالى رب انصرني أي بتصديق قولي في العذاب ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا أمرأته كانت من الغابرين ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا أمرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون \r\n قوله تعالى إنا مهلكو أهل هذه القرية يعنون قرية لوط \r\n قوله تعالى لننجينه قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم لننجينه وإنا منجوك بتشديد الحرفين وخففهما حمزة والكسائي وروى أبوبكر عن عاصم لننجينه مشدده وإنا منجوك مخففة ساكنة النون وقد سبق شرح ما أخللنا بذكره هود إلى قوله إنا منزلون على اهل هذه القرية رجزا وهو الحصب والخسف \r\n قوله تعالى ولقد تركنا منها في المكني عنها قولان \r\n أحدهما أنها الفعلة التي فعل بهم فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال أحدها أنها الحجارة التي أدركت أوائل هذه الأمة قاله قتادة والثاني الماء الاسود على وجه الارض قاله مجاهد والثالث الخبر عما صنع بهم ","part":6,"page":270},{"id":2792,"text":" والثاني أنها القرية فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها آثار منازلهم الخربة قاله ابن عباس \r\n والثاني أن الآية في قريتهم إلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها حكاه ابو سليمان \r\n والثالث أن المعنى تركناها آية تقول إن في السماء لآية تريد أنها هي الآية قاله الفراء وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجعوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جائمين \r\n قوله تعالى وارجوا اليوم الآخر قال المفسرون اخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنكم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون \r\n قوله تعالى وعادا وثمود قال الزجاج المعنى وأهلكنا عادا وثمودا لان قبل هذا فأخذتهم الرجفة \r\n قوله تعالى وقد تبين لكم من مساكنهم أي ظهر لكم يا أهل مكة ","part":6,"page":271},{"id":2793,"text":" من منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم وكانوا مستبصرين قال الفراء أي ذوي بصائر وقال الزجاج أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن عاقبته عذابهم وقال غيره كانوا عند أنفسهم مستبصرين يظنون أنهم على حق \r\n قوله تعالى وما كانوا سابقين أي ما كانوا يفوتون الله ان يفعل بهم ما يريد \r\n قوله تعالى فكلا أخذنا بذنبه أي عاقبنا بتكذيبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا يعني قوم لوط ومنهم من أخذته الصيحة يعني ثمودا وقوم شعيب ومنهم من خسفنا به الأرض يعني قارون وأصحابه ومنهم من أغرقنا يعني قوم نوح وفرعون وما كان الله ليظلمهم فيعذبهم على غير ذنب ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالإقامة على المعاصي مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون \r\n قوله تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعني الأصنام يتخذها المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها فمثلهم في ضعف احتيالهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا قال ثعلب والعنكبوت أنثى وقد يذكرها بعض العرب قال الشاعر ","part":6,"page":272},{"id":2794,"text":" على هطالهم منهم بيوت ... كأن العنكبوت هو ابتناها ... \r\n قوله تعالى إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ أي هو عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك والمعنى أنه يجازيهم على كفرهم وتلك الأمثال يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار وقيل إن تلك بمعنى هذه والعالمون الذين يعقلون عن الله عز و جل خلق الله السماوات والارض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون \r\n خلق الله السماوات والأرض بالحق أي للحق ولإظهار الحق \r\n قوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في المراد بالصلاة قولان \r\n أحدهما أنها الصلاة المعروفة قاله الأكثرون وروى أنس بن مالك عن رسول الله ص أنه قال من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ","part":6,"page":273},{"id":2795,"text":" والثاني أن المراد بالصلاة القرآن قاله ابن عمر ويدل على هذا قوله ولا تجهر بصلاتك الاسراء وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق البقرة النحل \r\n وفي معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الإنسان إذا أدى الصلاة كما ينبغي وتدبر ما يتلو فيها نهته عن الفحشاء والمنكر هذا مقتضاها وموجبها \r\n والثاني أنها تنهاه ما دام فيها \r\n والثالث أن المعنى ينبغي أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر \r\n قوله تعالى ولذكر الله اكبر فيه أربعة أقوال \r\n أحدها ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه رواه ابن عمر عن ","part":6,"page":274},{"id":2796,"text":" رسول الله ص وبه قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين \r\n والثاني ولذكر الله افضل من كل شئ سواه وهذا مذهب أبي الدرداء وسلمان وقتادة \r\n والثالث ولذكر الله في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء والمنكر قاله عبد الله بن عون \r\n والرابع ولذكر الله العبد ماكان في صلاته أكبر من ذكر العبد لله قاله ابن قتيبة ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون \r\n قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في التي هي أحسن ثلاثة أقوال أحدها أنها لا إله إلا الله رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنها الكف عنهم إذا بذلوا الجزية فان أبوا قوتلوا قاله مجاهد والثالث أنها القرآن والدعاء إلى الله بالآيات والحجج \r\n قوله تعالى إلا الذين ظلموا منهم وهم الذين نصبوا الحرب وأبوا أن يؤدوا الجزية فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وقولوا ","part":6,"page":275},{"id":2797,"text":" لمن أدى الجزية منهم إذا أخبركم بشئ مما في كتبهم آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية وقد روى ابو هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ص لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية \r\n فصل \r\n واختلف في نسخ هذه الآية على قولين ","part":6,"page":276},{"id":2798,"text":" أحدهما أنها نسخت بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله وهم صاغرون التوبة قاله قتادة والكلبي \r\n والثاني أنها ثابتة الحكم وهو مذهب ابن زيد وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون \r\n قوله تعالى وكذلك أي وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به يعني مؤمني أهل الكتاب ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وهم الذين أسلموا وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون قال قتادة إنما يكون الجحد بعد المعرفة قال مقاتل وهم اليهود \r\n قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب قال أبو عبيدة مجازة ما كنت تقرأ قبله كتابا ومن زائدة فأما الهاء في قبله فهي عائدة إلى القرآن والمعنى ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا وهكذا كانت صفته في التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب وهذا يدل على ان الذي جاء به من عند الله تعالى ","part":6,"page":277},{"id":2799,"text":" قوله تعالى إذا لارتاب المبطلون أي لو كنت قارئا كاتبا لشك اليهود فيك ولقالوا ليست هذه صفته في كتابنا والمبطلون الذين يأتون بالباطل وفيهم ها هنا قولان أحدهما كفار قريش قاله مجاهد والثاني كفار اليهود قاله مقاتل \r\n قوله تعالى بل هو آيات بينات في المكني عنه قولان \r\n أحدهما أنه النبي محمد ص ثم في معنى الكلام قولان احدهما ان المعنى بل وجدان أهل الكتاب في كتبهم ان محمدا ص لا يكتب ولا يقرأ وأنه أمي آيات بينات في صدورهم وهذا مذهب ابن عباس والضحاك وابن جريج والثاني أن المعنى بل محمد ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته قاله قتادة \r\n والثاني أنه القرآن والذين أوتوا العلم المؤمنون الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله ص وحملوه بعده وإنما أعطي الحفظ هذه الأمة وكان من قبلهم لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا فاذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه سوى الأنبياء وهذا قول الحسن \r\n وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان أحدهما المشركون قاله ابن عباس والثاني كفار اليهود قاله مقاتل وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ","part":6,"page":278},{"id":2800,"text":" يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله اولئك هم الخاسرون \r\n قوله تعالى وقالوا يعني كفار مكة لولا أنزل عليه آيات من ربه قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم آيات على الجمع وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم آية على التوحيد وإنما أرادوا كآيات الأنبياء قل إنما الآيات عند الله أي هو القادر على إرسالها وليست بيدي وزعم بعض علماء التفسير أن قوله وإنما أنا نذير مبين منسوخ بآية السيف \r\n ثم بين الله عز و جل ان القرآن يكفي من الآيات التي سألوها بقوله أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب وذكر يحيى بن جعدة أن ناسا من المسلمين أتوا رسول الله ص بكتب قد كتبوها فيها بعض ما يقول اليهود فلما نظر إليها ألقاها وقال كفى بها حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى قوم غيرهم فنزلت أولم يكفهم إلى آخر الآية \r\n قوله تعالى قل كفى بالله قال المفسرون لما كذبوا بالقرآن نزلت ","part":6,"page":279},{"id":2801,"text":" قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يشهد لي أني رسوله ويشهد عليكم بالتكذيب وشهادة الله له إثبات المعجزة له بانزال الكتاب عليه والذين آمنوا بالباطل قال ابن عباس بغير الله وقال مقاتل بعبادة الشيطان ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغاشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب قال مقاتل نزلت في النضر بن الحارث حين قال فأمطر علينا حجارة من السماء الأنفال \r\n وفي الأجل المسمى أربعة أقوال أحدها أنه يوم القيامة قاله سعيد ابن جبير والثاني أجل الحياة إلى حين الموت وأجل الموت إلى حين البعث قاله قتادة والثالث مدة اعمارهم قاله الضحاك والرابع يوم بدر حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى وليأتينهم يعني العذاب وقرأ معاذ القارئ وأبو نهيك وابن أبي عبلة ولتأتينهم بالتاء بغتة وهم لا يشعرون باتيانه \r\n قوله تعالى وإن جهنم لمحيطة بالكافرين أي جامعة لهم \r\n قوله تعالى ويقول ذوقوا قرأ ابن كثير بالنون وقرأ نافع بالياء فمن قرأ بالياء أراد الملك الموكل بعذابهم ومن قرأ بالنون فلأن ذلك لما كان يأمر الله تعالى جاز ان ينسب إليه ومعنى ما كنتم تعملون أي جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب ","part":6,"page":280},{"id":2802,"text":" يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فاياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرقا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم \r\n قوله تعالى يا عبادي الذين آمنوا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر يا عبادي بتحريك الياء وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي باسكانها \r\n قوله تعالى إن أرضي واسعة وقرأ ابن عامر وحده أرضي بفتح الياء وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه خطاب لمن آمن من أهل مكة قيل لهم إن أرضي يعني المدينة واسعة فلا تجاوروا الظلمة في أرض مكة قاله أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال مقاتل نزلت في ضعفاء مسلمي مكة أي إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فارض المدينة واسعة \r\n والثاني أن المعنى إذا عمل بالمعاصي في ارض فاخرجوا منها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عطاء \r\n والثالث إن رزقي لكم واسع قاله مطرف بن عبد الله \r\n قوله تعالى فاياي فاعبدون أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين وحذفها الباقون قال الزجاج أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله إلى حيث تتهيأ لهم العبادة ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة فقال كل نفس ذائقة الموت المعنى فلا تقيموا في دار الشرك خوفا من الموت ثم ","part":6,"page":281},{"id":2803,"text":" إلينا ترجعون بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم والأكثرون قرؤوا ترجعون بالتاء على الخطاب وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء \r\n قوله تعالى لنبوئنهم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر لنبوئنهم بالباء أي لننزلنهم وقرأ حمزة والكسائي وخلف لنثوينهم بالثاء وهو من ثويت بالمكان إذا أقمت به قال الزجاج يقال ثوى الرجل إذا اقام وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه \r\n قوله تعالى وكأين من دابة لا تحمل رزقها قال ابن عباس لما أمرهم رسول الله ص بالخروج إلى المدينة قالوا يا رسول الله نخرج إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال فمن يؤوبنا ويطعمنا فنزلت هذه الآية قال ابن قتيبة ومعنى الآية كم من دابة لا ترفع شيئا لغد قال ابن عيينة ليس يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة ","part":6,"page":282},{"id":2804,"text":" قال المفسرون وقوله الله يرزقها أي حيثما توجهت وإياكم أي ويرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة وهو السميع لقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة العليم بما في قلوبكم ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون \r\n قوله تعالى ولئن سألتهم يعني كفار مكة وكانوا يقرون بأنه الخالق والرازق وإنما أمره أن يقول الحمد لله على إقرارهم لأن ذلك يلزمهم الحجة فيوجب عليهم بل أكثرهم لا يعقلون توحيد الله مع إقرارهم بأنه الخالق والمراد بالأكثر الجميع وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فاذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون \r\n قوله تعالى وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والمعنى وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل وإن الدار الآخرة يعني الجنة لهي الحيوان قال ابو عبيدة اللام في لهي زائدة للتوكيد والحيوان والحياة واحد والمعنى لهي دار الحياة التي لا موت فيها ولا تنفيص ","part":6,"page":283},{"id":2805,"text":" يشوبها كما يشوب الحياة الدنيا لو كانوا يعلمون أي لو علموا لرغبوا عن الفاني في الباقي ولكنهم لا يعلمون \r\n قوله تعالى فاذا ركبوا في الفلك يعني المشركين دعوا الله مخلصين له الدين أي افردوه بالدعاء قال مقاتل والدين بمعنى التوحيد والمعنى أنهم لا يدعون من يدعونه شريكا له فلما نجاهم أي خلصهم من أهوال البحر وأفضوا إلى البر إذا هم يشركون في البر وهذا إخبار عن عنادهم ليكفروا بما آتيناهم هذه لام الأمر ومعناه التهديد والوعيد كقوله اعملوا ما شئتم فصلت والمعنى ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم وليتمتعوا قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي باسكان اللام على معنى الامر والمعنى ليتمتعوا بباقي أعمارهم فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وقرأ الباقون بكسر اللام في ليتمتعوا فجعلوا اللامين بمعنى كي فتقديره لكي يكفروا ولكي يتمتعوا فيكون معنى الكلام إذا هم يشركون ليكفروا وليتمتعوا أي لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمنون به في العاجلة من غير نصب لهم في الآخرة أولم يروا أنا جعلنا حرما امنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين \r\n قوله تعالى أو لم يروا يعني كفار مكة أنا جعلنا حرما آمنا يعني مكة وقد شرحنا هذا المعنى في القصص ","part":6,"page":284},{"id":2806,"text":" ويتخطف الناس من حولهم أي أن العرب يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون أفبالباطل وفيه ثلاثة أقوال أحدها الشرك قاله قتادة والثاني الأصنام قاله ابن السائب والثالث الشيطان قاله مقاتل \r\n قوله تعالى يؤمنون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعاصم الجحدري تؤمنون وبنعمة الله تكفرون بالتاء فيهما \r\n قوله تعالى وبنعمة الله يعني محمدا والإسلام وقيل بانعام الله عليهم حين أطعمهم وآمنهم يكفرون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي زعم أن له شريكا وأنه أمر بالفواحش أو كذب بالحق لما جاءه يعني محمدا والقرآن أليس في جهنم مثوى للكافرين وهذا استفهام بمعنى التقرير كقول جرير ... ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ... \r\n والذين جاهدوا فينا أي قاتلوا أعداءنا لاجلنا لنهدينهم سبلنا أي لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة وقيل لنزيدنهم هداية وإن الله لمع المحسنين بالنصرة والعون قال ابن عباس يريد بالمحسنين الموحدين وقال غيره يريد المجاهدين وقال ابن المبارك من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها لقوله لنهدينهم سبلنا ","part":6,"page":285},{"id":2807,"text":" سورة الروم \r\n وهي مكية كلها باجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى غلبت الروم ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه كان بين فارس والروم حرب فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك رسول الله ص وأصحابه فشق ذلك عليهم وفرح المشركون بذلك لأن فارس لم يكن لهم كتاب وكانوا يجحدون البعث ويعبدون الأصنام والروم أصحاب كتاب فقال المشركون لأصحاب رسول الله ص إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من اهل فارس على إخوانكم من ","part":6,"page":286},{"id":2808,"text":" الروم فان قاتلتمونا لنظهرن عليكم فنزلت هذه الآية فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين فقالوا هذا كلام صاحبك فقال الله أنزل هذا فقالوا لأبي بكر نراهنك على ان الروم لا تغلب فارس فقال ابو بكر البضع ما بين الثلاث إلى التسع فقالوا الوسط من ذلك ست فوضعوا الرهان وذلك قبل أن يحرم الرهان فرجع ابو بكر إلى أصحابه فأخبرهم فلاموه وقالوا هلا أقررتها كما أقرها الله لو شاء أن يقول ستا لقال فلما كانت سنة ست لم تظهر الروم على فارس فاخذوا الرهان فلما كانت سنة سبع ظهرت الروم على فارس وروى ابن عباس قال لما نزلت آلم غلبت الروم ناحب ابو بكر قريشا فقال له رسول الله ص ألا احتطت فان البضع مابين السبع والتسع وذكر بعضهم أنهم ضربوا الاجل خمس سنين وقال بعضهم ثلاث سنين فقال رسول الله ص إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فخرج ابو بكر فقال لهم أزايد كم ","part":6,"page":287},{"id":2809,"text":" في الخطر وامد في الأجل إلى تسع سنين ففعلوا فقهرهم أبو بكر وأخذ رهانهم \r\n وفي الذي تولى وضع الرهان من المشركين قولان أحدهما أبي بن خلف قال قتادة والثاني أبو سفيان بن حرب قاله السدي \r\n قوله تعالى في أدنى الارض وقرأ أبي بن كعب والضحاك وابو رجاء وابن السميفع في أداني الارض بألف مفتوحة الدال أي اقرب الأرض أرض الروم إلى فارس قال ابن عباس وهي طرف الشام \r\n وفي اسم هذا المكان ثلاثة أقوال احدها أنه الجزيرة وهي أقرب أرض الروم إلى فارس قاله مجاهد والثاني أذرعات وكسكر قاله عكرمة والثالث الاردن وفلسطين قاله السدي \r\n قوله تعالى وهم يعني الروم من بعد غلبهم وقرأ أبو الدرداء وأبو رجاء وعكرمة والأعمش غلبهم بتسكين اللام أي من بعد غلبة فارس إياهم والغلب والغلبة لغتان سيغلبون فارس في بضع سنين في البضع تسعة أقوال قد ذكرناها في يوسف قال المفسرون وهي هاهنا سبع سنين وهذا من علم الغيب الذي يدل على أن القرآن حق لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل ان تغلب الروم ومن بعد ما غلبت والمعنى أن غلبة الغالب وخذلان المغلوب بامر الله وقضائه ","part":6,"page":288},{"id":2810,"text":" ويومئذ يعني يوم غلبت الروم فارس يفرح المؤمنون بنصر الله للروم وكان التقاء الفريقين في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم فغلبتهم الروم وجاء جبريل يخبر بنصر الروم على فارس فوافق ذلك يوم بدر وقيل يوم الحديبية \r\n وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقأي ربهم لكافرون \r\n قوله تعالى وعد الله أي وعد الله وعدا لا يخلف الله وعده أن الروم يظهرون على فارس ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون ان الله لا يخلف وعده في ذلك \r\n ثم وصف كفار مكة فقال يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا قال عكرمة هي المعايش وقال الضحاك يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وقال الحسن يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي \r\n قوله تعالى وهم عن الآخرة هم غافلون لأنهم لا يؤمنون بها قال الزجاج وذكرهم ثانية يجري مجرى التوكيد كما تقول زيد هو عالم وهو اوكد من قولك زيد عالم \r\n قوله تعالى أولم يتفكروا في أنفسهم قال الزجاج معناه أولم يتفكروا فيعلموا فحذف فيعلموا لأن في الكلام دليلا عليه ومعنى إلا بالحق ","part":6,"page":289},{"id":2811,"text":" إلا للحق أي لإقامة الحق وأجل مسمى وهو وقت الجزاء وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون المعنى لكافرون بلقاء ربهم فقدمت الباء لأنها متصلة بكافرون وما اتصل بخبر إن جاز أن يقدم قبل اللام ولايجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين لا يجوز ان تقول إن زيدا كافر لبالله لأن اللام حقها أن تدخل على الابتداء أو الخبر أو بين الابتداء والخبر لأنها تؤكد الجملة وقال مقاتل في قوله وأجل مسمى للسماوات والأرض أجل ينتهيان إليه وهو يوم القيامة وإن كثيرا من الناس يعني كفار مكة بلقاء ربهم أي بالبعث لكافرون \r\n أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآي أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون \r\n قوله تعالى أولم يسيروا في الأرض أي أولم يسافروا فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا قوله تعالى وأثاروا الأرض أي قلبوها للزراعة ومنه قيل للبقرة منيرة وقرأ ابي بن كعب ومعاذ القارئ وأبو حيوة وآثروا الأرض بمد الهمزة وفتح الثاء مرفوعة الراء وعمروها أكثر مما عمروها أي أكثر من عمارة أهل مكة لطول أعمار أولئك وشدة قوتهم وجاءتهم رسلهم بالبينات أي بالدلالات فما كان الله ليظلمهم بتعذيبهم على غير ذنب ","part":6,"page":290},{"id":2812,"text":" ولكن كانوا انفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا \r\n ثم أخبر عن عاقبتهم فقال ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى يعني الخلة السيئة وفيها قولان أحدهما انها العذاب قاله الحسن والثاني جهنم قاله السدي \r\n قوله تعالى أن كذبوا قال الفراء معناه لأن كذبوا فلما ألقيت اللام كان نصبا وقال الزجاج لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم وقيل السوأى مصدر بمنزلة الإساءة فالمعنى ثم كان التكذيب آخر أمرهم أي ماتوا على ذلك كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم ان طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبة لهم وقال مكي بن أبي طالب النحوي عاقبة اسم كان والسوأى خبرها وأن كذبوا مفعول من أجله ويجوز أن يكون السوأى مفعولة ب أساؤوا وأن كذبوا خبر كان ومن نصب عاقبة جعلها خبر كان والسوأى اسمها ويجوز أن يكون أن كذبوا اسمها وقرأ الأعمش أساؤوا السوء برفع السوء \r\n قوله تعالى الله يبدأ الخلق ثم يعيده أي يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا ثم إليه ترجعون قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ترجعون بالتاء فعلى هذا يكون الكلام عائدا من الخبر إلى الخطاب وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء لأن المتقدم ذكره غيبة والمراد بذكر الرجوع الجزاء على الاعمال والخلق بمعنى المخلوقين وإنما قال يعيده على لفظ الخلق ","part":6,"page":291},{"id":2813,"text":" ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاؤا وكانوا بشركائهم كافرين ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقائ الآخرة فأولئك في العذاب محضرون \r\n قوله تعالى يبلس المجرمون قد شرحنا الإبلاس في الأنعام \r\n قوله تعالى ولم يكن لهم من شركائهم أي من أوثانهم التي عبدوها شفعاء في القيامة وكانوا بشركائهم كافرين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم \r\n قوله تعالى يومئذ يتفرقون وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إلى الجنة وقوم إلى النار \r\n قوله تعالى فهم في روضة الروضة المكان المخضر من الارض وإنما خص الروضة لأنها كانت أعجب الأشياء إلى العرب قال ابو عبيدة ليس شئ عند العرب أحسن من الرياض المعشبة ولا أطيب ريحا قال الأعشى ... ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل ... يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل ... \r\n قال المفسرون والمراد بالروضة رياض الجنة \r\n وفي معنى يحبرون أربعة اقوال ","part":6,"page":292},{"id":2814,"text":" أحدها يكرمون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني ينعمون قاله مجاهد وقتادة قال الزجاج والحبرة في اللغة كل نغمة حسنة \r\n والثالث يفرحون قاله السدي وقال ابن قتيبة يحبرون يسرون والحبرة السرور \r\n والرابع أن الحبر السماع في الجنة فاذا أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة إلا وردت قاله يحيى بن أبي كثير وسئل يحيى بن معاذ أي الأصوات أحسن فقال مزامير أنس في مقاصير قدس بألحان تحميد في رياض تمجيد في مقعد صدق عند مليك مقتدر القمر \r\n قوله تعالى فأولئك في العذاب محضرون أي هم حاضرون العذاب أبدا لا يخفف عنهم \r\n فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون \r\n ثم ذكر ما تدرك به الجنة ويتباعد به من النار فقال فسبحان الله حين تمسون قال المفسرون المعنى فصلوا لله حين تمسون أي حين تدخلون في الظهيرة وهي وقت الزوال وعشيا أي وسبحوه عشيا وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس فقوله حين تمسون يعني به ","part":6,"page":293},{"id":2815,"text":" صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون يعني به صلاة الفجر وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر \r\n قوله تعالى وله الحمد في السماوات والارض قال ابن عباس يحمده أهل السماوات وأهل الأرض ويصلون له \r\n قوله تعالى يخرج الحي من الميت فيه أقوال قد ذكرناها في آل عمران \r\n قوله تعالى ويحيي الأرض بعد موتها أي يجعلها منبتة بعد أن كانت لا تنبت وتلك حياتها وكذلك تخرجون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر تخرجون بضم التاء وفتحها حمزة والكسائي والمراد تخرجون يوم القيامة من الارض أي كما أحيا الأرض بالنبات يحييكم بالبعث ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون ","part":6,"page":294},{"id":2816,"text":" وله من في السماوات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين \r\n قوله تعالى ومن آياته أي من دلائل قدرته أن خلقكم من تراب يعني آدم لأنه أصل البشر ثم إذا أنتم بشر من لحم ودم يعني ذريته تنتشرون أي تنبسطون في الأرض \r\n قوله تعالى أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا فيه قولان \r\n أحدهما أنه يعني بذلك آدم خلق حواء من ضلعه وهو معنى قول قتادة \r\n والثاني ان المعنى جعل لكم آدميات مثلكم ولم يجعلهن من غير جنسكم قاله الكلبي \r\n قوله تعالى لتسكنوا إليها أي لتأووا إلى الأزواج وجعل بينكم مودة ورحمة وذلك أن الزوجين يتوادان ويتراحمان من غير رحم بينهما إن في ذلك الذي ذكره من صنعه لآيات لقوم يتفكرون في قدرة الله وعظمته \r\n قوله تعالى واختلاف ألسنتكم يعني اللغات من العربية والعجمية وغير ذلك وألوانكم لأن الخلق بين أسود وأبيض وأحمر وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة وقيل المراد باختلاف الألسنة اختلاف النغمات والأصوات حتى إنه لا يشتبه صوت أخوين من اب وأم والمراد باختلاف الألوان اختلاف ","part":6,"page":295},{"id":2817,"text":" الصور فلا تشتبه صورتان مع التشاكل إن في ذلك لآيات للعالمين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم للعالمين بفتح اللام وقرأ حفص عن عاصم للعالمين بكسر اللام \r\n قوله تعالى ومن آياته منامكم بالليل والنهار أي نومكم قال ابو عبيدة المنام من مصادر النوم بمنزلة قام يقوم قياما ومقاما وقال يقول مقالا قال المفسرون وتقدير الآية منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله وهو طلب الرزق بالنهار إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع اعتبار وتذكر وتدبر ومن آياته يريكم البرق قال اللغويون إنما حذف أن لدلالة الكلامة عليه وأنشدوا ... وما الدهر إلا تارتان فتارة أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح ... \r\n ومعناه فتارة أموت فيها وقال طرفة ... ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ... \r\n أراد أن أحضر وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البرق في سورة الرعد \r\n قوله تعالى أن تقوم السماء والأرض أي تدوما قائمتين بأمره ثم إذا دعاكم دعوة وهي نفحة إسرافيل الأخيرة في الصور بامر الله عز و جل ","part":6,"page":296},{"id":2818,"text":" من الأرض أي من قبوركم إذا أنتم تخرجون منها وما بعد هذا قد سبق بيانه البقرة العنكبوت إلى قوله وهو أهون عليه وفيه اربعة أقوال \r\n أحدها أن الإعادة أهون عليه من البداية وكل هين عليه قاله مجاهد وأبو العالية \r\n والثاني أن أهون بمعنى هين فالمعنى وهو هين عليه وقد يوضع أفعل في موضع فاعل ومثله قولهم في الأذان الله أكبر أي الله كبير قال الفرزدق ... إن الذي سمك السماء بني لنا بيتا دعائمه أعز وأطول ... \r\n وقال معن بن أوس المزني ... لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تغدو المنية أول ... \r\n أي وإني لوجل وقال غيره \r\n ... أصبحت أمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل ... \r\n وأنشدوا أيضا ","part":6,"page":297},{"id":2819,"text":" تمنى رجال أن اموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد ... \r\n أي بواحد هذا قول أبي عبيدة وهو مروي عن الحسن وقتادة وقد قرأ ابي بن كعب وأبو عمران الجوني وجعفر بن محمد وهو هين عليه \r\n والثالث أنه خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم فمن قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه هذا اختيار الفراء والمبرد والزجاج وهو قول مقاتل وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في عليه عائدة إلى الله تعالى \r\n والرابع أن الهاء تعود على المخلوق لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة ويوم القيامة يقول له كن فيكون رواه ابو صالح عن ابن عباس وهو اختيار قطرب \r\n قوله تعالى وله المثل الأعلى قال المفسرون أي له الصفة العليا في السماوات والأرض وهي أنه لا إله غيره \r\n قوله تعالى ضرب لكم مثلا سبب نزولها أن اهل الجاهلية كانوا يلبون فيقولون لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير ومقاتل ومعنى الآية بين لكم أيها المشركون شبها وذلك الشبه من أنفسكم ثم بينه فقال هل لكم مما ملكت أيمانكم أي من عبيدكم من شركاء فيما رزقناكم من المال والأهل والعبيد أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم فأنتم فيه سواء أي أنتم ","part":6,"page":298},{"id":2820,"text":" وشركاؤكم من عبيدكم سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي كما تخافون امثالكم من الأحرار وأقرباءكم كالآباء والأبناء قال ابن عباس تخافونهم ان يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا وقال غيره تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء والمعنى هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء الأحرار فاذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي كذلك أي كما بينا هذا المثل نفصل الآيات لقوم يعقلون عن الله ثم بين أنهم إنما اتبعوا الهوى في إشراكهم فقال بل اتبع الذين ظلموا أي أشركوا بالله أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وهذا يدل على أنهم إنما اشركوا باضلال الله إياهم وما لهم من ناصرين أي مانعين من عذاب الله فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ","part":6,"page":299},{"id":2821,"text":" أيديهم إذا هم يقنطون أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون \r\n قوله تعالى فأقم وجهك قال مقاتل أخلص دينك الإسلام للدين أي للتوحيد وقال ابو سليمان الدمشقي استقم بدينك نحو الجهة التي وجهك الله إليها وقال غيره سدد عملك والوجه ما يتوجه إليه وعمل الإنسان ودينه ما يتوجه إليه لتسديده وإقامته \r\n قوله تعالى حنيفا قال الزجاج الحنيف الذي يميل إلى الشيء ولا يرجع عنه كالحنف في الرجل وهو ميلها إلى خارجها خلقة لا يقدر الأحنف أن يرد حنفه وقوله فطرة الله منصوب بمعنى اتبع فطرة الله لأن معنى فأقم وجهك اتبع الدين القيم واتبع فطرة الله أي دين الله والفطرة الخلقة التي خلق الله عليها البشر وكذلك قوله عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة أي على الإيمان بالله وقال مجاهد في قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها قال الإسلام وكذلك قال قتادة والذي ","part":6,"page":300},{"id":2822,"text":" أشار إليه الزجاج أصح وإليه ذهب ابن قتيبة فقال فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث أن الفطرة عندهم الإسلام والفطرة عندنا الإقرار بالله والمعرفة به لا الإسلام ومعنى الفطرة ابتداء الخلقة والكل أقروا حين قوله ألست بربكم قالوا بلى ولست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا وإن عبد شيئا دونه وسماه بغير اسمه فمعنى الحديث إن كل مولود في العالم على ذلك العهد وذلك الإقرار الأول وهو للفطرة ثم يهود اليهود أبناءهم أي يعلمونهم ذلك وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم ولا ثواب وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على انه لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ثم أجمعوا على ان اليهودي إذا مات له ولد صغير ورثه وكذلك النصراني والمجوسي ولو كان معنى الفطرة الإسلام ما ورثه إلا المسلمون ولا دفن إلا معهم وإنما أراد بقوله عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة أي على تلك البداية التي أقروا له فيها بالوحدانية حين أخذهم من صلب آدم فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره ومثل هذا الحديث ","part":6,"page":301},{"id":2823,"text":" حديث عياض بن حمار عن النبي ص قال قال الله عز و جل إني خلقت عبادي حنفاء وذلك أنه لم يدعهم يوم الميثاق إلا إلى حرف واحد فأجابوه \r\n قوله تعالى لا تبديل لخلق الله لفظه لفظ النفي ومعناه النهي والتقدير لا تبدلوا خلق الله وفيه قولان أحدهما أنه خصاء البهائم قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه والثاني دين الله قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي في آخرين وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين \r\n قوله تعالى ذلك الدين القيم يعني التوحيد المستقيم ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون توحيد الله ","part":6,"page":302},{"id":2824,"text":" قوله تعالى منيبين إليه قال الزجاج زعم جميع النحويين أن معنى هذا فأقيموا وجوهكم منيبين لأن مخاطبة النبي ص تدخل معه فيها الأمة ومعنى منيبين راجعين إليه في كل ما أمر فلا يخرجون عن شئ من امره وما بعد هذا قد سبق تفسيره البقرة الأنعام إلى قوله وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة وفيه قولان أحدهما أنه القحط والرحمة المطر والثاني أنه البلاء والرحمة العافية إذا فريق منهم وهم المشركون والمعنى إن الكل يلتجؤون إليه في شدائدهم ولا يلتفت المشركون حينئذ إلى أوثانهم \r\n قوله تعالى ليكفروا بما آتيناهم قد شرحناه في آخر العنكبوت وقوله فتمتعوا خطاب لهم بعد الإخبار عنهم \r\n قوله تعالى أم أنزلنا عليهم أي على هؤلاء المشركين سلطانا أي حجة وكتابا من السماء فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أي يأمرهم بالشرك وهذا استفهام إنكار معناه ليس الأمر كذلك \r\n قوله تعالى وإذا أذقنا الناس قال مقاتل يعني كفار مكة رحمة وهي المطر والسيئة الجوع والقحط وقال ابن قتيبة الرحمة النعمة والسيئة المصيبة قال المفسرون وهذا الفرح المذكور هاهنا هو فرح البطر الذي لا شكر فيه والقنوط اليأس من فضل الله وهو خلاف وصف المؤمن فانه يشكر عند النعمة ويرجو عند الشدة وقد شرحناه في بني إسرائيل إلى قوله ذلك يعني إعطاء الحق خير أي افضل من الإمساك للذين يريدون وجه الله أي يطلبون بأعمالهم ثواب الله ","part":6,"page":303},{"id":2825,"text":" وما آتيناهم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون \r\n قوله تعالى وما آتيتم من ربا في هذه الآية أربعة أقوال \r\n أحدها أن الربا هاهنا أن يهدي الرجل للرجل الشئ يقصد أن يثيبه عليه أكثر من ذلك هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وطاووس والضحاك وقتادة والقرظي قال الضحاك فهذا ليس فيه أجر ولا وزر وقال قتادة ذلك الذي لا يقبله الله ولا يجزي به وليس فيه وزر \r\n والثاني أنه الربا المحرم قاله الحسن البصري \r\n والثالث أن الرجل يعطي قرابته المال ليصير به غنيا لا يقصد بذلك ثواب الله تعالى قاله إبراهيم النخعي \r\n والرابع أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل خدمته لا لأجل الله تعالى قاله الشعبي \r\n قوله تعالى ليربو في أموال الناس وقرأ نافع ويعقوب لتربو بالتاء وسكون الواو أي في اجتلاب اموال الناس واجتذابها فلا يربو عند الله أي لا يزكو ولا يضاعف لأنكم قصدتم زيادة العوض ولم تقصدوا القربة \r\n وما آتيتم من زكاة أي ما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة ","part":6,"page":304},{"id":2826,"text":" إنما تريدون بها ما عند الله فأولئك هم المضعفون قال ابن قتيبة الذين يجدون التضعيف والزيادة وقال الزجاج أي ذووا الأضعاف من الحسنات كما يقال رجل مقو أي صاحب قوة وموسر صاحب يسار ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل ان يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون \r\n قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر في هذا الفساد أربعة أقوال أحدها نقصان البركة قاله ابن عباس والثاني ارتكاب المعاصي قاله أبو العالية والثالث الشرك قاله قتادة والسدي والرابع قحط المطر قاله عطية \r\n فأما البر فقال ابن عباس البر البرية التي ليس عندها نهر \r\n وفي البحر قولان \r\n أحدهما أنه ما كان من المدائن والقرى على شط نهر قاله ابن عباس وقال عكرمة لا أقول بحركم هذا ولكن كل قرية عامرة وقال قتادة المراد بالبر أهل البوادي وبالبحر أهل القرى وقال الزجاج المراد بالبحر مدن البحر على الأنهار وكل ذي ماء فهو بحر \r\n والثاني أن البحر الماء المعروف قال مجاهد ظهور الفساد في البر قتل ","part":6,"page":305},{"id":2827,"text":" ابن آدم أخاه وفي البحر ملك جائر يأخذ كل سفينة غصبا وقيل لعطية أي فساد في البحر فقال إذا قل المطر قل الغوص \r\n قوله تعالى بما كسبت أيدي الناس أي بما عملوا من المعاصي ليذيقهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة وقتادة وابن محيصن وروح عن يعقوب وقنبل عن ابن كثير لنذيقهم بالنون بعض الذي عملوا أي جزاء بعض أعمالهم فالقحط جزاء ونقصان البركة جزاء ووقوع المعصية منهم جزاء معجل لمعاصيهم ايضا \r\n قوله تعالى لعلهم يرجعون في المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الذين أذيقوا الجزاء ثم في معنى رجوعهم قولان أحدهما يرجعون عن المعاصي قاله أبو العالية والثاني يرجعون إلى الحق قاله إبراهيم \r\n والثاني أنهم الذين يأنون بعدهم فالمعنى لعله يرجع من بعدهم قاله الحسن \r\n قوله تعالى قل سيروا في الأرض أي سافروا فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل أي الذين كانوا قبلكم والمعنى انظروا إلى مساكنهم وآثارهم كان أكثرهم مشركين المعنى فأهلكوا بشركهم ","part":6,"page":306},{"id":2828,"text":" فأقم وجهك للدين أي أقم قصدك لاتباع الدين القيم وهو الإسلام المستقيم من قبل ان يأتي يوم لا مرد له من الله يعني يوم القيامة لا يقدر احد على رد ذلك اليوم لأن الله تعالى قد قضى كونه يومئذ يصدعون أي يتفرقون إلى الجنة والنار من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين \r\n من كفر فعليه كفره أي جزاء كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون أي يوطئون وقال مجاهد يسوون المضاجع في القبور قال أبو عبيدة من يقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث ومجازها هاهنا مجاز الجميع ويمهد بمعنى يكتسب ويعمل ويستعد ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين \r\n قوله تعالى ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات تبشر بالمطر ","part":6,"page":307},{"id":2829,"text":" وليذيقكم من رحمته وهو الغيث والخصب ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره ولتبتغوا بالتجارة في البحر من فضله وهو الرزق وكل هذا بالرياح \r\n قوله تعالى فجاؤوهم بالبينات أي بالدلالات على صدقهم فانتقمنا من الذين أجرموا أي عذبنا الذين كذبوهم وكان حقا علينا أي واجبا هو أوجبه على نفسه نصر المؤمنين إنجاؤهم مع الرسل من عذاب المكذبين الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فاذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون فانك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ","part":6,"page":308},{"id":2830,"text":" فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون \r\n قوله تعالى يرسل الرياح وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء والنخعي وطلحة بن مصرف والأعمش يرسل الريح بغير ألف \r\n قوله تعالى فتثير سحابا أي تزعجه فيبسطه الله في السماء كيف يشاء إن شاء بسطة مسيرة يوم أو يومين أو اقل أو أكثر ويجعله كسفا أي قطعا متفرقة والأكثرون فتحوا سين كسفا وقرأ أبو رزين وقتادة وابن عامر وأبو جعفر وابن ابي عبلة بتسكينها قال ابو علي يمكن ان يكون مثل سدرة وسدر فيكون معنى القراءتين واحدا فترى الودق يخرج من خلاله وقرأ ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وأبو العالية من خلله وقد شرحناه في النور فاذا أصاب به أي بالودق ومعنى يستبشرون يفرحون بالمطر وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه للتأكيد كقوله فسجد الملائكة كلهم أجمعون الحجر قاله الأخفش في آخرين \r\n والثاني أن قبل الأولى للتنزيل والثانية للمطر قاله قطرب قال ابن الأنباري والمعنى من قبل نزول المطر من قبل المطر وهذا مثلما يقول القائل آتيك من قبل أن تتكلم من قبل ان تطمئن في مجلسك فلا تنكر الإعادة لاختلاف الشيئين \r\n والثالث أن الهاء في قوله من قبله ترجع إلى الهدى وإن لم يتقدم له ذكر فيكون المعنى كانوا يقطنون من قبل نزول المطر من قبل الهدى ","part":6,"page":309},{"id":2831,"text":" فلما جاء الهدى والإسلام زال القنوط ذكره ابن الأنباري عن ابي عمر الدوري وأبي جعفر بن قادم والمبلسون الآيسون وقد سبق الكلام في هذا الأنعام \r\n فانظر إلى آثار رحمة الله قرأ أبن كثير ونافع وابو عمرو وأبو بكر عن عاصم إلى أثر وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم إلى آثار على الجمع والمراد بالرحمة هاهنا المطر وأثرها النبت والمعنى انظر إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحيي الارض أي كيف يجعلها تنبت بعد ان لم يكن فيها نبت وقرا عثمان بن عفان وأبو رجاء وأبو عمران الجوني وسليمان التيمي كيف تحيي بتاء مرفوعة مكسورة الياء الأرض بفتح الضاد \r\n قوله تعالى ولئن أرسلنا ريحا أي ريحا باردة مضرة والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها العذاب ولهذا كان رسول الله ص يقول عند هبوب الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا فرأوه مصفرا ","part":6,"page":310},{"id":2832,"text":" يعني النبت والهاء عائدة إلى الأثر قال الزجاج المعنى فرأوا النبت قد اصفر وجف لظلوا من بعده يكفرون ومعناه ليظلن لأن معنى الكلام الشرط والجزاء فهم يستبشرون بالغيث ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث وجف النبت وقال غيره المراد برحمة الله المطر وظلوا بمعنى صاروا من بعده أي من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة وما بعد هذا مفسر في سورة النمل إلى قوله الله الذي خلقكم من ضعف وقد ذكرنا الكلام فيه في الأنفال قال المفسرون المعنى خلقكم من ماء ذي ضعف وهو المني ثم جعل من بعد ضعف يعني ضعف الطفولة قوة الشباب ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر وشيبة يخلق ما يشاء أي من ضعف وقوة وشباب وشيبة وهو العليم بتدبير خلقه القدير على ما يشاء \r\n ويوم تقوم الساعة قال الزجاج الساعة في القرآن على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة فلذلك لم تعرف أي ساعة هي \r\n قوله تعالى يقسم المجرمون أي يحلف المشركون ما لبثوا في القبور غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون قال ابن قتيبة يقال أفك الرجل إذا عدل به عن الصدق فالمعنى أنهم قد كذبوا في هذا الوقت كما كذبوا في الدنيا وقال غيره أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين المؤمنين فحلفوا على شئ يبين للمؤمنين كذبهم فيه ويستدلون على كذبهم في الدنيا ","part":6,"page":311},{"id":2833,"text":" ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله وقال الذين أوتوا العلم والإيمان وفيهم قولان أحدهما أنهم الملائكة والثاني المؤمنون \r\n قوله تعالى لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فيه قولان \r\n أحدهما أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين \r\n والثاني أنه على نظمه ثم في معناه قولان أحدهما لقد لبثتم في علم الله قاله الفراء والثاني لقد لبثتم في خبر الكتاب قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى فهذا يوم البعث أي اليوم الذي كنتم تنكرونه ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء لأن التأنيث غير حقيقي \r\n قال ابن عباس لا يقبل من الذين أشركوا عذر ولا توبة \r\n قوله تعالى ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون \r\n قوله تعالى ولئن جئتهم بآية أي كعصا موسى ويده ليقولن الذين كفروا إن انتم أي ما أنتم يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أي أصحاب أباطيل وهذا بيان لعنادهم كذلك أي كما طبع على قلوبهم حتى ","part":6,"page":312},{"id":2834,"text":" لا يصدقون الآيات يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون توحيد الله فالسبب في امتناع الكفار من التوحيد الطبع على قلوبهم \r\n قوله تعالى فاصبر إن وعد الله بنصرك وإظهارك على عدوك حق ولا يستخفنك وقرأ يعقوب إلا روحا وزيدا يستخفنك بسكون النون قال الزجاج لا يستفزنك عن دينك الذين لا يوقنون أي هم ضلال شاكون وقال غيره لا يوقنون بالبعث والجزاء وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة ","part":6,"page":313},{"id":2835,"text":" سورة لقمان \r\n وهي مكية في قول الأكثرين وروي عن عطاء أنه قال هي مكية سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والتي بعدها لقمان وروي عن الحسن أنه قال إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لقمان لأن الصلاة والزكاة مدنيتان بسم الله الرحمن الرحيم آلم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ","part":6,"page":314},{"id":2836,"text":" وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فانبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم \r\n قوله تعالى هدى ورحمة وقرأ حمزة وحده ورحمة بالرفع قال الزجاج القراءة بالنصب على الحال والمعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة ويجوز الرفع على إضمار هو هدى ورحمة وعلى معنى تلك هدى ورحمة وقد سبق تفسير مفتتح هذه السورة البقرة إلى قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية مغنية وقال مجاهد نزلت في شراء القيان والمغنيات وقال ابن السائب ومقاتل نزلت في النضر بن الحارث وذلك أنه كان ","part":6,"page":315},{"id":2837,"text":" تاجرا إلى فارس فكان يشتري أخبار الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول لهم إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستحملون حديثه ويتركون استماع القرآن فنزلت فيه هذه الآية \r\n وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الغناء كان ابن مسعود يقول هو الغناء والذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وبهذا قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال اللهو الطبل \r\n والثاني أنه ما ألهى عن الله قاله الحسن وعنه مثل القول الاول \r\n والثالث أنه الشرك قاله الضحاك \r\n والرابع الباطل قاله عطاء \r\n وفي معنى يشتري قولان \r\n أحدهما يشتري بماله وحديث النضر يعضده والثاني يختار ويستحب قاله قتادة ومطر ","part":6,"page":316},{"id":2838,"text":" وإنما قيل لهذه الأشياء لهو الحديث لأنها تلهي عن ذكر الله \r\n قوله تعالى ليضل المعنى ليصير أمره إلى الضلال وقد بينا هذا الحرف في الحج \r\n وقرأ أبو رزين والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش وأبو جعفر ليضل بضم الياء والمعنى ليضل غيره وإذا أضل غيره فقد ضل هو ايضا \r\n قوله تعالى ويتخذها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويتخذها برفع الذال وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب الذال قال أبو علي من نصب عطف على ليضل ويتخذ ومن رفع عطفه على من يشتري ويتخذ \r\n وفي المشار إليه بقوله ويتخذها قولان \r\n أحدهما أنها الآيات والثاني السبيل \r\n وما بعد هذا مفسر في مواضع قد تقدمت الاسراء الانعام البقرة الرعد النحل الشعراء إلى قوله ولقد آتينا لقمان الحكمة وفيها قولان أحدهما الفهم والعقل قاله الأكثرون والثاني النبوة وقد اختلف في نبوته على قولين \r\n أحدهما أنه كان حكيما ولم يكن نبيا قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وقتادة \r\n والثاني انه كان نبيا قاله الشعبي وعكرمة والسدي هكذا حكاه ","part":6,"page":317},{"id":2839,"text":" عنهم الواحدي ولا يعرف إلا ان هذا مما تفرد به عكرمة والقول الأول اصح \r\n وفي صناعته ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان خياطا قاله سعيد بن المسيب والثاني راعيا قاله ابن زيد والثالث نجارا قاله خالد الربعي \r\n فأما صفته فقال ابن عباس كان عبدا حبشيا وقال سعيد بن المسيب كان لقمان أسود من سودان مصر وقال مجاهد كان غليظ الشفتين مشقق القدمين وكان قاضيا على بني إسرائيل \r\n قوله تعالى أن اشكر لله المعنى وقلنا له ان أشكر لله على ما أعطاك من الحكمة ومن يشكر فانما يشكر لنفسه أي إنما يفعل لنفسه ومن كفر النعمة فان الله لغني عن عبادة خلقه ","part":6,"page":318},{"id":2840,"text":" ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات او في الأرض يات بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور \r\n قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه قال مقاتل نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد شرحنا ذلك في العنكبوت \r\n قوله تعالى حملته أمه وهنا على وهن وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري وهنا على وهن بفتح الهاء فيهما قال الزجاج أي ضعفا على ضعف والمعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة وموضع أن نصب ب وصينا المعنى ووصينا الإنسان أن أشكر لي ولواليدك أي وصيناه بشكرنا وشكر والديه \r\n قوله تعالى وفصاله في عامين أي فطامه يقع في انقضاء عامين وقرأ إبراهيم النخعي وأبو عمران والأعمش وفصاله بفتح الفاء وقرأ أبي بن كعب والحسن وأبو رجاء وطلحة بن مصرف وعاصم الجحدري وقتادة وفصله بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف والمراد التنبيه على مشقة الوالدة بالرضاع بعد الحمل ","part":6,"page":319},{"id":2841,"text":" قوله تعالى وإن جاهداك قد فسرنا ذلك في سورة العنكبوت إلى قوله وصاحبهما في الدنيا معروفا قال الزجاج أي مصاحبا معروفا تقول صاحبه مصاحبا ومصاحبة والمعروف ما يستحسن من الأفعال \r\n قوله تعالى واتبع سبيل من أناب إلي أي من رجع إلي وأهل التفسير يقولون هذه الآية نزلت في سعد وهو المخاطب بها \r\n وفي المراد بمن أناب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أبو بكر الصديق قيل لسعد اتبع سبيله في الإيمان هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء وقال ابن اسحاق أسلم على يدي أبي بكر الصديق عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف والثاني أنه رسول الله ص قاله ابن السائب \r\n والثالث من سلك طريق محمد وأصحابه ذكره الثعلبي \r\n ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال يا بني وقال ابن جرير وجه اعتراض هذه الآيات بين الخبرين عن وصية لقمان أن هذا مما أوصى به لقمان ابنه \r\n قوله تعالى إنها أن تك مثقال حبة وقرأ نافع وحده مثقال حبة برفع اللام ","part":6,"page":320},{"id":2842,"text":" وفي سبب قول لقمان لابنه هذا قولان \r\n أحدهما أن ابن لقمان قال لأبيه أرأيت لو كانت حبة في قعر البحر أكان الله يعلمها فأجابه بهذه الآية قاله السدي \r\n والثاني أنه قال يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله فأجابه بهذا قاله مقاتل \r\n قال الزجاج من قرأ برفع المثقال مع تأنيث تك فلأن مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردلة فهي بمنزلة إن تك حبة من خردل ومن قرأ مثقال حبة فعلى معنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة وعلى معنى إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله وقد بينا معنى مثقال حبة من خردل في الأنبياء \r\n قوله تعالى فتكن في صخرة قال قتادة في جبل وقال السدي هي الصخرة التي تحت الارض السابعة ليست في السماوات ولا في الأرض \r\n وفي قوله يأت بها الله ثلاثة أقوال \r\n أحدها يعلمها الله قاله أبو مالك والثاني يظهرها قاله ابن قتيبة والثالث يأت بها الله في الآخرة للجزاء عليها ","part":6,"page":321},{"id":2843,"text":" إن الله لطيف قال الزجاج لطيف باستخراجها خبير بمكانها وهذا مثل لأعمال العباد والمراد أن الله تعالى يأتي بأعمالهم يوم القيامة من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره \r\n قوله تعالى واصبر على ما أصابك أي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأذى وباقي الآية مفسر في آل عمران ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير \r\n قوله تعالى ولا تصعر خدك للناس قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب تصعر بتشديد العين من غير ألف وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بألف من غير تشديد قال الفراء هما لغتان ومعناهما الإعراض من الكبر وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء وابن السميفع وعاصم الجحدري ولا تصعر باسكان الصاد وتخفيف العين من غير ألف وقال الزجاج معناه لا تعرض عن الناس تكبرا يقال أصاب البعير صعر إذا أصابه داء يلوي منه عنقه وقال ابن عباس هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر وقال ابو العالية ليكن الغني والفقير عندك في العلم سواء وقال مجاهد هو الرجل يكون بينه وبين أخيه الحنة فيراه فيعرض عنه وباقي الآية بعضه مفسر في بني إسرائيل وبعضه في سورة النساء ","part":6,"page":322},{"id":2844,"text":" قوله تعالى واقصد في مشيك أي ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا قال عطاء امش بالوقار والسكينة \r\n قوله تعالى واغضض من صوتك أي انقص منه قال الزجاج ومنه قولهم غضضت بصري وفلان يغص من فلان أي يقصر به \r\n إن أنكر الأصوات وقرأ أبو المتوكل وابن ابي عبلة ان انكر الاصوات بفتح الهمزة ومعنى أنكر أقبح تقول أتانا فلان بوجه منكر أي قبيح وقال المبرد تأويله أن الجهر بالصوت ليس بمحمود وأنه داخل في باب الصوت المنكر وقال ابن قتيبة عرفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية قال ابن زيد لو كان رفع الصوت خيرا ما جعله الله للحمير وقال سفيان الثوري صياح كل شئ تسبيح لله عز و جل إلا الحمار فانه ينهق بلا فائدة \r\n فان قيل كيف قال لصوت ولم يقل لأصوات الحمير \r\n الجواب أن لكل جنس صوتا فكأنه قال إن أنكر أصوات الأجناس صوت هذا الجنس \r\n ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبائنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير \r\n قوله تعالى وأسبغ عليكم أي أوسع وأكمل نعمه قرأ نافع ","part":6,"page":323},{"id":2845,"text":" وأبو عمرو وحفص عن عاصم نعمه أرادوا جميع ما انعم به وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم نعمة على التوحيد قال الزجاج هو ما أعطاهم من توحيده وروى الضحاك عن ابن عباس قال سألت رسول الله ص فقلت يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة فقال أما ما ظهر فالإسلام وما سوى الله من خلقك وما أفضل عليك من الرزق وأما ما بطن فستر مساوئ عملك ولم يفضحك وقال الضحاك الباطة المعرفة والظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الاعضاء \r\n قوله تعالى أولو كان الشيطان يدعوهم هو متروك الجواب تقديره أفتتبعونه \r\n ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ","part":6,"page":324},{"id":2846,"text":" يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم قوله تعالى ومن يسلم وجهه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وقتادة ومن يسلم بفتح السين وتشديد اللام وذكر المفسرون أن قوله ومن كفر فلا يحزنك كفره منسوخ بآية السيف ولا يصح لانه تسلية عن الحزن وذلك لا ينافي الأمر بالقتال وما بعد هذا قد تقدم تفسير ألفاظه في مواضع هود 48 , العنكبوت61 , البقرة267 إلى قوله ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام وفي سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله ص أرأيت قول الله عز و جل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الاسراء إيانا يريد أم قومك فقال كلا فقالوا ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شئ فقال إنها في علم الله قليل فنزلت هذه الآية رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن المشركين قالوا في القرآن إنما هو كلام يوشك أن ينفد وينقطع فنزلت هذه الآية قاله قتادة ","part":6,"page":325},{"id":2847,"text":" ومعنى الآية لو كانت شجر الأرض أقلاما وكان البحر ومعه سبعة أبحر مدادا وفي الكلام محذوف تقديره فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله لتكسرت الأقلام ونفذت البحور ولم تنفذ كلمات الله أي لم تنقطع \r\n فأما قوله والبحر فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والبحر بالرفع ونصبه أبو عمرو وقال الزجاج من قرأ والبحر بالنصب فهو عطف على ما المعنى ولو أن ما في الأرض ولو أن البحر والرفع حسن على معنى والبحر هذه حاله قال اليزيدي ومعنى يمده من بعده يزيد فيه يقال مد قدرك أي زد في مائها وكذلك قال ابن قتيبة يمده من المداد لا من الإمداد يقال مددت دواتي بالمداد وأمددته بالمال والرجال ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أن الله سميع بصير ألم تر ان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ","part":6,"page":326},{"id":2848,"text":" الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور \r\n قوله تعالى ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة سبب نزولها أن أبي بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبي ص إن الله خلقنا أطوارا نطفة علقة مضغة عظاما لحما ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة فنزلت هذه الآية ومعناها ما خلقكم ايها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم جميعا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة قاله مقاتل \r\n وما بعد هذا قد تقدم تفسيره آل عمران الرعد الحج إلى قوله ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله قال ابن عباس من نعمه جريان الفلك ليريكم من آياته أي ليريكم من صنعته عجائبه في ","part":6,"page":327},{"id":2849,"text":" البحر وابتغاء الرزق إن في ذلك لآيات لكل صبار قال مقاتل أي لكل صبور على أمر الله شكور في نعمه \r\n قوله تعالى وإذا غشيهم يعني الكفار وقال بعضهم هو عام في الكفار والمسلمين موج كالظل قال ابن قتيبة وهي جمع ظلة يراد أن بعضه فوق بعض فله سواد من كثرته \r\n قوله تعالى دعوا الله مخلصين له الدين وقد سبق شرح هذا يونس والمعنى أنهم لا يذكرون أصنامهم في شدائدهم إنما يذكرون الله وحده وجاء في الحديث أن عكرمة بن ابي جهل لما هرب يوم الفتح من رسول الله ص ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فقال اهل السفينة أخلصوا فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا فقال عكرمة ما هذا الذي تقولون فقالوا هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله فقال هذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره ارجعوا بنا فرجع فأسلم \r\n قوله تعالى فمنهم مقتصد فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مؤمن قاله الحسن \r\n والثاني مقتصد في قوله وهو كافر قاله مجاهد يعني أنه يعترف بأن الله وحده القادر على إنجائه وإن كان مضمرا للشرك \r\n والثالث أنه العادل في الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد قاله مقاتل \r\n فأما الختار فقال الحسن هو الغدار قال ابن قتيبة الختر أقبح الغدر وأشده ","part":6,"page":328},{"id":2850,"text":" يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي أرض تموت إن الله عليم خبير \r\n قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم قال المفسرون هذا خطاب لكفار مكة وقوله لا يجزي والد عن ولده أي لا يقضي عنه شيئا من جنايته ومظالمه قال مقاتل وهذا يعني به الكفار وقد شرحنا هذا في البقرة قال الزجاج وقوله هو جاز جاءت في المصاحف بغير ياء والأصل جازي بضمة وتنوين وذكر سيبويه والخليل أن الإختيار في الوقف هو جاز بغير ياء هكذا وقف الفصحاء من العرب ليعلموا أن هذه الياء تسقط في الوصل وزعم يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقف بياء ولكن الاختيار اتباع المصحف \r\n قوله تعالى إن وعد الله حق أي بالبعث والجزاء فلا تغرنكم الحياة الدنيا بزينتها عن الاسلام والتزود لللآخرة ولا يغرنكم بالله أي بحلمه وإمهاله الغرور يعني الشيطان وهو الذي من شأنه أن يغر قال الزجاج الغرور على وزن الفعول وفعول من أسماء المبالغة يقال فلان أكول إذا كان كثير الأكل وضروب إذا كان كثير الضرب فقيل للشيطان غرور لأنه يغر كثيرا وقال ابن قتيبة الغرور بفتح الغين الشيطان وبضمها الباطل \r\n قوله تعالى إن الله عنده علم الساعة سبب نزولها أن رجلا من ","part":6,"page":329},{"id":2851,"text":" أهل البادية جاء إلى النبي ص فقال إن امرأتي حبلى فأخبرني ما ذا تلد وبلدنا مجدب فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى اموت فنزلت هذه الآية قاله مجاهد \r\n ومعنى الآية إن الله عز و جل عنده علم الساعة متى تقوم لا يعلم سواه ذلك وينزل الغيث وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وينزل بالتشديد فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث أليلا أم نهارا ويعلم ما في الأرحام لا يعلم سواه ما فيها أذكرا أم أنثى أبيض أو أسود وما تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا وما تدري نفس بأي أرض تموت أي بأي مكان وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب ","part":6,"page":330},{"id":2852,"text":" وابن أبي عبلة بأية أرض بتاء مكسورة والمعنى ليس أحد يعلم أين مضجعه من الأرض حتى يموت أفي بر او بحر او سهل أو جبل وقال ابو عبيدة يقال بأي أرض كنت وبأية ارض كنت لغتان وقال الفراء من قال باي أرض اجتزأ بتأنيث الارض من ان يظهر في أي تأنيثا آخر قال ابن عباس هذه الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل مصطفى قال الزجاج فمن أدعى أنه يعلم شيئا من هذه كفر بالقرآن لأنه خالفه ","part":6,"page":331},{"id":2853,"text":" سورة السجدة \r\n وتسمى سورة المضاجع وهي مكية باجماعهم \r\n وقال الكلبي فيها من المدني ثلاث آيات أولها قوله أفمن كان مؤمنا السجدة وقال مقاتل فيها آية مدنية وهي قوله تتجافى جنوبهم الآية السجدة وقال غيرهما فيها خمس آيات مدنيات أولها تتجافى جنوبهم السجدة بسم الله الرحمن الرحيم آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون الله الذي خلق السماوات ","part":6,"page":332},{"id":2854,"text":" والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون \r\n قوله تعالى تنزيل الكتاب لا ريب فيه قال مقاتل المعنى لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين \r\n أم يقولون بل يقولون يعني المشركين افتراه محمد من تلقاء نفسه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما اتاهم من نذير من قبلك يعني العرب الذين أدركوا رسول الله ص لم يأتهم نذير من قبل محمد عليه السلام وما بعده قد سبق تفسيره الاعراف إلى قوله ما لكم من دونه من ولي يعني الكفار يقول ليس لكم من دونه عذابه من ولي أي قريب يمنعكم فيرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم أفلا تتذكرون فتؤمنوا يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون \r\n قوله تعالى يدبر الامر من السماء إلى الأرض في معنى الآية قولان احدهما يقضي القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض ثم يعرج الملك إليه في يوم من ايام الدنيا فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من ايام الدنيا في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدمي \r\n والثاني يدبر امر الدنيا مدة ايام الدنيا فينزل القضاء والقدر من ","part":6,"page":333},{"id":2855,"text":" السماء إلى الارض ثم يعرج إليه أي يعود إليه الأمر والتدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام وينفرد الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة وذلك في يوم القيامة لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة \r\n وقال مجاهد يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد ثم يلقيه إلى الملائكة فاذا مضت قضى لألف سنة آخرى ثم كذلك أبدا \r\n وللمفسرين في المراد بالأمر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الوحي قاله السدي والثاني القضاء قاله مقاتل والثالث أمر الدنيا \r\n ويعرج بمعنى يصعد قال الزجاج يقال عرجت في السلم أعرج وعرج الرجل يعرج إذا صار أعرج \r\n وقرأ معاذ القارئ وابن السميفع وابن أبي عبلة ثم يعرج إليه بياء مرفوعة وفتح الراء وقرأ ابو المتوكل وأبو الجوزاء يعرج بياء مفتوحة وكسر الراء وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري ثم تعرج بتاء مفتوحة ورفع الراء \r\n قوله تعالى الذي أحسن كل شئ خلقه فيه خمسة أقوال \r\n أحدها جعله حسنا والثاني أحكم كل شئ رويا عن ابن عباس وبالاول قال قتادة وبالثاني قال مجاهد والثالث أحسنه لم يتعلمه من احد كما يقال فلان يحسن كذا إذا علمه قاله السدي ومقاتل والرابع ","part":6,"page":334},{"id":2856,"text":" أن المعنى ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه كأنه أعلمهم كل ذلك وأحسنهم قاله الفراء والخامس أحسن إلى كل شئ خلقه حكاه الماوردي \r\n وفي قوله خلقه قراءتان قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر خلقه ساكنة اللام وقرأ الباقون بتحريك اللام وقال الزجاج فتحها على الفعل الماضي وتسكينها على البدل فيكون المعنى أحسن خلق كل شئ والعرب تفعل مثل هذا يقدمون ويؤخرون \r\n قوله تعالى وبدأ خلق الإنسان يعني آدم ثم جعل نسله أي ذريته وولده وقد سبق شرح الآية المؤمنون \r\n ثم رجع إلى آدم فقال ثم سواه ونفخ فيه من روحه وقد سبق بيان ذلك الحجر ثم عاد إلى ذريته فقال وجعل لكم السمع والأبصار أي بعد كونكم نطفا وقالوا ءإذا ضللنا في الأرض ءإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون \r\n قوله تعالى وقالوا يعني منكري البعث أإذا ضللنا في الأرض وقرا علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وابو رجاء وأبو مجلز وحميد وطلحة ضللنا بضاد معجمة مفتوحة وكسر اللام الأولى قال الفراء ضللنا وضللنا لغتان إذا صارت عظامنا ولحومنا ترابا ","part":6,"page":335},{"id":2857,"text":" كالأرض تقول ضل الماء في اللبن وضل الشئ في الشئ إذا أخفاه وغلب عليه وقرأ أبو نهيك وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو حيوة وابن ابي عبلة ضللنا بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى وكسرها وقرأ الحسن وقتادة ومعاذ القارئ صللنا بصاد غير معجمة مفتوحة وذكر لها الزجاج معنيين أحدهما أنتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا يقال صل اللحم وأصل إذا أنتن وتغير والثاني صرنا من جنس الصلة وهي الأرض اليابسة \r\n قوله تعالى أإئنا لفي خلق جديد هذا استفهام إنكار \r\n قوله تعالى الذي وكل بكم أي بقبض أرواحكم ثم إلى ربكم ترجعون يوم الجزاء \r\n ثم اخبر عن حالهم في القيامة فقال ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم أي مطأطئوها حياء وندما ربنا فيه إضمار يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا أي علمنا صحة ما كنا به مكذبين فارجعنا إلى الدنيا وجواب لو متروك تقديره لو رأيت حالهم لرأيت ما يعتبر به ولشاهدت العجب ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ","part":6,"page":336},{"id":2858,"text":" ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة اعين جزاء بما كانوا يعملون \r\n قوله تعالى ولكن حق القول مني أي وجب وسبق والقول هو قوله لإبليس لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين قوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من كفار الفريقين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا قال مقاتل إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة فذوقوا العذاب وقال غيره إذا اصطرخوا فيها قيل لهم ذوقوا بما نسيتم أي بما تركتم العمل للقاء يومكم هذا إنا نسيناكم أي تركناكم من الرحمة \r\n قوله تعالى إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها أي وعظوا بها خروا سجدا أي سقطوا على وجوههم ساجدين وقيل المعنى إنما يؤمن بفرائضنا من الصلاوات الخمس الذين إذا ذكروا بها بالأذان والإقامة خروا سجدا \r\n قوله تعالى تتجافى جنوبهم اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي تتجافى لها جنوبهم على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في المتهجدين بالليل روى معاذ بن جبل عن رسول الله ص في قوله تتجافى جنوبهم قال قيام العبد من الليل وفي ","part":6,"page":337},{"id":2859,"text":" لفظ آخر أنه قال لمعاذ إن شئت أنبأتك بأبواب الخير قال قلت أجل يا رسول الله قال الصوم جنة والصدقة تكفر الخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله ثم قرأ تتجافى جنوبهم عن المضاجع وكذلك قال الحسن ومجاهد وعطاء وأبو العالية وقتادة وابن زيد أنها في ","part":6,"page":338},{"id":2860,"text":" قيام الليل وقد روى العوفي عن ابن عباس قال تتجافى جنوبهم لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله إما في الصلاة وإما في قيام او في قعود أو على جنوبهم فهم لا يزالون يذكرون الله عز و جل \r\n والثاني أنها نزلت في ناس من اصحاب رسول الله ص كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء قاله انس بن مالك \r\n والثالث أنها نزلت في صلاة العشاء كان أصحاب رسول الله ص لا ينامون حتى يصلوها قاله ابن عباس \r\n والرابع انها صلاة العشاء والصبح في جماعة قاله ابو الدرداء والضحاك \r\n ومعنى تتجافى ترتفع والمضاجع جمع مضجع وهو الموضع الذي يضطجع عليه \r\n يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في رحمته وثوابه ومما رزقناهم ينفقون في الواجب والتطوع \r\n فلا تعلم نفس ما أخفي لهم وأسكن ياء أخفي حمزة ويعقوب قال الزجاج في هذا دليل على أن المراد بالآية التي قبلها الصلاة في جوف الليل لأنه عمل يستر الإنسان به فجعل لفظ ما يجازي به أخفي لهم فاذا فتحت ياء أخفي فعلى تأويل الفعل الماضي وإذا أسكنتها فالمعنى ما أخفي انا لهم إخبار عن الله تعالى وكذلك قال الحسن البصري أخفي لهم بالخفية خفية وبالعلانية علانية وروى أبو هريرة عن رسول الله ص قال يقول الله عز و جل أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ","part":6,"page":339},{"id":2861,"text":" قوله تعالى من قرة اعين وقرا أبو الدرداء وأبو هريرة وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وقتادة من قرات اعين بألف على الجمع أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون اما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون \r\n قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا في سبب نزولها قولان \r\n احدهما ان الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعلي بن أبي طالب أنا أحد منك سنانا وأبسط منك لسانا وأملأ للكتيبة منك فقال له علي اسكت فانما أنت فاسق فنزلت هذه الآية فعنى بالمؤمن عليا وبالفاسق الوليد ","part":6,"page":340},{"id":2862,"text":" رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عطاء بن يسار وعبد الرحمن ابن ابي ليلى ومقاتل \r\n والثاني أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل قاله شريك \r\n قوله تعالى لا يستوون قال الزجاج المعنى لا يستوي المؤمنون والكافرون ويجوز ان يكون لاثنين لأن معنى الاثنين جماعة وقد شهد الله بهذا الكلام لعلي عليه السلام بالايمان وأنه في الجنة لقوله أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف جنة المأوى على التوحيد \r\n قوله تعالى نزلا وقرأ الحسن والنخعي والاعمش وابن ابي عبلة نزلا بتسكين الزاي وما بعد هذا قد سبق بيانه الحج إلى قوله ولنذيقنهم من العذاب الأدنى وفيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه ما أصابهم يوم بدر رواه مسروق عن ابن مسعود وبه قال قتادة والسدي \r\n والثاني سنون أخذوا بها رواه ابو عبيدة عن ابن مسعود وبه قال النخعي وقال مقاتل أخذوا بالجوع سبع سنين \r\n والثالث مصائب الدنيا قاله ابي بن كعب وابن عباس في رواية ابن ابي طلحة وأبو العالية والحسن وقتادة والضحاك \r\n والرابع الحدود رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والخامس عذاب القبر قاله البراء \r\n والسادس القتل والجوع قاله مجاهد ","part":6,"page":341},{"id":2863,"text":" قوله تعالى دون العذاب الأكبر أي قبل العذاب الأكبر وفيه قولان احدهما أنه عذاب يوم القيامة قاله ابن مسعود والثاني أنه القتل ببدر قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لعلهم يرجعون قال أبو العالية لعلهم يتوبون وقال ابن مسعود لعل من بقي منهم يتوب وقال مقاتل لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان \r\n قوله تعالى ومن اظلم قد فسرناه في الكهف \r\n قوله تعالى إنا من المجرمين منتقمون قال زيد بن رفيع هم اصحاب القدر وقال مقاتل هم كفار مكة انتقم الله منهم بالقتل ببدر وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل أرواحهم إلى النار ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات ","part":6,"page":342},{"id":2864,"text":" أفلا يسمعون اولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فلا تكن في مرية من لقائه فيه أربعة أقوال \r\n أحدها فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه رواه ابن عباس عن رسول الله ص \r\n والثاني من لقاء موسى ليلة الإسراء قاله أبو العالية ومجاهد وقتادة وابن السائب \r\n والثالث فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى قاله الحسن \r\n والرابع لا تكن في مرية من تلقى موسى كتاب الله بالرضى والقبول قاله السدي قال الزجاج وقد قيل فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب فتكون الهاء للكتاب وقال ابو علي الفارسي المعنى من لقاء موسى الكتاب فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل ","part":6,"page":343},{"id":2865,"text":" وفي قوله وجعلناه هدى قولان أحدهما الكتاب قاله الحسن والثاني موسى قاله قتادة \r\n وجعلنا منهم أي من بني إسرائيل أئمة أي قادة في الخير يهدون بأمرنا أي يدعون الناس إلى طاعة الله لما صبروا قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر لما صبروا بفتح اللام وتشديد الميم وقرأ حمزة والكسائي لما بكسر اللام خفيفة وقرا ابن مسعود بما بباء مكان اللام والمراد صبرهم على دينهم وأذى عدوهم وكانوا بآياتنا يوقنون أنها من الله عز و جل وفيهم قولان أحدهما أنهم الأنبياء والثاني أنهم قوم صالحون سوى الأنبياء وفي هذا تنبيه لقريش انكم إن أطعتم جعلت منكم أئمة \r\n قوله تعالى إن ربك هو يفصل بينهم أي يقضي ويحكم وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الأنبياء وأممهم والثاني المؤمنون والمشركون \r\n ثم خوف كفار مكة بقوله أو لم يهد لهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي نهد بالنون وقد سبق تفسيره في طه \r\n او لم يروا أنا نسوق الماء يعني المطر والسيل إلى الأرض الجرز وهي التي لا تنبت وقد ذكرناها في أول الكهف فاذا جاء الماء أنبت فيها ما يأكل الناس والأنعام \r\n ويقولون يعني كفار مكة متى هذا الفتح وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه ما فتح يوم بدر روى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال يوم بدر فتح للنبي ص فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت \r\n والثاني أنه يوم القيامة وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب قاله مجاهد ","part":6,"page":344},{"id":2866,"text":" والثالث أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا قاله السدي \r\n والرابع فتح مكة قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة وقد اعترض على هذا القول فقيل كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح وقد أسلم جماعة وقبل إسلامهم يومئذ فعنه جوابان \r\n أحدهما لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ إيمانهم بعد الموت وقد ذكرناه عن ابن عباس وقد ذكر أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من غير الطريق التي دخل منها رسول الله ص فلقيه صفوان بن أمية وسهيل ابن عمرو في آخرين فقاتلوه فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين من قريش وأربعة من هذيل وانهزموا فلما ظهر رسول الله ص قال ألم أنه عن القتال فقيل إن خالدا قوتل فقاتل \r\n والثاني لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان لأن النبي ص قال ","part":6,"page":345},{"id":2867,"text":" من اغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن قال الزجاج يقال آمنت فلانا إيمانا فعلى هذا يكون المعنى لا يدفع هذا الأمان عنهم عذاب الله وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس بالمختار وإنما بينا وجهه لانه قد قيل \r\n وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان أحدهما أنه الحكم والقضاء وهو الذي نختاره والثاني فتح البلد \r\n قوله تعالى فأعرض عنهم وانتظر أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون بك حوادث الدهر قال المفسرون وهذه الآية منسوخة بأية السيف ","part":6,"page":346},{"id":2868,"text":" سورة الأحزاب \r\n وهي مدنية باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاءي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل \r\n قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن ابي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا على رسول الله ص في الموادعة التي كانت بينهم فنزلوا على عبد الله بن ابي ومتعب بن قشير والجد بن قيس فتكلموا فيما بينهم وأتوا رسول الله ص فدعوه إلى أمرهم ","part":6,"page":347},{"id":2869,"text":" وعرضوا عليه أشياء كرهها فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس قال مقاتل سألوا رسول الله ص أن يرفض ذكر اللات والعزى ويقول إن لها شفاعة فكره ذلك ونزلت هذه الآية وقال ابن جرير ولا تطع الكافرين الذين يقولون اطرد عنا أتباعك من ضعفاء المسلمين والمنافقين فلا تقبل منهم رأيا \r\n فإن قيل ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى وهو سيد المتقين فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه والثاني الإكثار مما هو فيه والثالث أنه خطاب ووجه به والمراد أمته \r\n قال الفسرون وأراد بالكافرين في هذه الآية أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور وبالمنافقين عبد الله بن أبي وعبد الله بن سعد بن ابي سرح وطعمة بن أبيرق وما بعد هذا قد سبق بيانه النساء إلى قوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وفي سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن المنافقين كانوا يقولون لمحمد قلبان قلب معنا وقلب مع أصحابه فأكذبهم الله تعالى ونزلت هذه الآية قاله ابن عباس ","part":6,"page":348},{"id":2870,"text":" والثاني أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري كذا نسبه جماعة من المفسرين وقال الفراء جميل بن أسد ويكنى أبا معمر وقال مقاتل أبو معمر بن أنس الفهري وكان لبيبا حافظا لما سمع فقالت قريش ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه وكان يقول إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما افضل من عقل محمد فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له ما حال الناس فقال انهزموا قال فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك قال ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده وهذا قول جماعة من المفسرين وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا قال بلغنا أن ذلك في زيد ابن حارثة ضرب له مثل يقول ليس ابن رجل آخر ابنك قال الأخفش من زائدة في قوله من قلبين ","part":6,"page":349},{"id":2871,"text":" قال الزجاج أكذب الله عز و جل هذا الرجل الذي قال لي قلبان ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له فقال وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم فأعلم الله تعالى ان الزوجة لا تكون اما وكانت الجاهلية تطلق بهذا الكلام وهو أن يقول لها انت علي كظهر أمي وكذلك قوله وما جعل أدعياءكم أبناءكم أي ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا ذلكم قولكم بأفواهكم أي نسب من لا حقيقة لنسبة قول بالفم لا حقيقة تحته والله يقول الحق أي لا يجعل غير الابن ابنا وهو يهدي السبيل أي للسبيل المستقيم ","part":6,"page":350},{"id":2872,"text":" وذكر المفسرون أن قوله وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن نزلت في اوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة \r\n ومعنى الكلام ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن كامهاتكم في التحريم إنما قولكم معصية وفيه كفارة وأزواجكم لكم حلال وسنشرح هذا في سورة المجادلة إن شاء الله وذكروا أن قوله وما جعل أدعياءكم ابناءكم نزل في زيد بن حارثة أعتقه رسول الله ص وتبناه قبل الوحي فلما تزوج رسول الله ص زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون تزوج محمد امراة ابنه وهو ينهى الناس عنها فنزلت هذه الآية أدعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا \r\n قوله تعالى أدعوهم لآبائهم قال ابن عمر ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت أدعوهم لآبائهم ","part":6,"page":351},{"id":2873,"text":" قوله تعالى هو أقسط أي أعدل فان لم تعلموا آباءهم أي إن لم تعرفوا آباءهم فاخوانكم أي فهم إخوانكم فليقل أحدكم يا أخي ومواليكم قال الزجاج أي بنو عمكم ويجوز أن يكون مواليكم أولياءكم في الدين \r\n وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فيما أخطأتم به قبل النهي قاله مجاهد \r\n والثاني في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك قاله قتادة \r\n والثالث فيما سهوتم فيه قاله حبيب بن أبي ثابت \r\n فعلى الأول يكون معنى قوله ولكن ما تعمدت قلوبكم أي بعد النهي وعلى الثاني والثالث ما تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه \r\n قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي احق فله أن يحكم فيهم بما يشاء قال ابن عباس إذا دعاهم إلى شئ ودعتهم أنفسهم إلى شئ كانت طاعته أولى من طاعة أنفسهم وهذا صحيح فان أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم والرسول يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم ","part":6,"page":352},{"id":2874,"text":" قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم أي في تحريم نكاحهن على التأبيد ووجوب إجلالهن وتعظيمهن ولا تجري عليهن أحكام الامهات في كل شئ إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن ولورثن المسلمين ولجازت الخلوة بهن وقد روى مسروق عن عائشة أن أمرأة قالت يا أماه فقالت لست لك بأم إنما أنا ام رجالكم فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط وقال مجاهد وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وما بعد هذا مفسر ","part":6,"page":353},{"id":2875,"text":" في آخر الأنفال إلى قوله تعالى من المؤمنين والمهاجرين والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة كما كانوا يفعلون قبل النسخ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا وهذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح الوصية للمعاقدين فللانسان ان يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلثه فالمعروف ها هنا الوصية \r\n قوله تعالى كان ذلك يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام في الكتاب يعني اللوح المحفوظ مسطورا أي مكتوبا وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا \r\n قوله تعالى وإذ أخذنا المعنى واذكر إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي عهدهم وفيه قولان \r\n أحدهما أخذ ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا قاله قتادة \r\n والثاني أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته ويصدق بعضهم بعضا وأن ينصحوا لقومهم قاله مقاتل ","part":6,"page":354},{"id":2876,"text":" وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذر قال ابي بن كعب لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر \r\n فان قيل لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء \r\n فالجواب أنه نبه بذلك على فضلهم لانهم أصحاب الكتب والشرائع وقدم نبينا ص بيانا لفضله عليهم قال قتادة كان نبينا أول النبيين في الخلق \r\n وقوله ميثاقا غليظا أي شديدا على الوفاء بما حملوا وذكر المفسرون أن ذلك العهد الشديد اليمين بالله عز و جل ","part":6,"page":355},{"id":2877,"text":" ليسأل الصادقين يقول أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغهم ومعنى سؤال الأنبياء وهو يعلم صدقهم تبكيت مكذبيهم وها هنا تم الكلام ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم أيام الخندق \r\n الإشارة إلى القصة \r\n ذكر أهل العلم بالسيرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم لما اجلي بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وخرجوا يقودهم أبو سفيان ووافتهم بنو سليم ب مر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة فكان جميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف وهم الأحزاب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خروجهم من مكة أخبر الناس خبرهم وشاورهم فأشار سلمان بالخندق فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سفح سلع وجعل سلعا خلف ظهره ودس أبو سفيان بن حرب حيي ابن اخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم ويكونوا معهم عليه فأجابوا واشتد الخوف وعظم البلاء ثم جرت بينهم مناوشة وقتال وحصر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص ","part":6,"page":356},{"id":2878,"text":" إليهم الكرب وكان نعيم بن مسعود الاشجعي قد أسلم فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم فاستوحش كل منهم من صاحبه واعتلت قريظة بالسبت فقالوا لا نقاتل فيه وهبت ليلة السبت ريح شديدة فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله لستم بدار مقام لقد هلك الخف والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا قريظة ولقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فاني مرتحل فأصبحت العساكر قد أقشعت كلها قال مجاهد والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذ وقيل إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم وتكبر في جوانب عسكرهم فاشتدت عليهم فانهزموا من غير قتال \r\n قوله تعالى لم تروها وقرأ النخعي والجحدري والجوني وابن السميفع لم يروها بالياء وكان الله بما تعملون بصيرا وقرأ أبو عمرو يعملون بالياء اذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ","part":6,"page":357},{"id":2879,"text":" قوله تعالى إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم أي من فوق الوادي ومن أسفله وإذا زاغت الأبصار أي مالت وعدلت فلم تنظر إلى شئ إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب وبلغت القلوب الحناجر وهي جمع حنجرة والحنجرة جوف الحلقوم قال قتادة شخصت عن مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها ان تخرج لخرجت وقال غيره المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والفراء وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف وقال ابن الأنباري كاد لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم ينطق به \r\n قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا قال الحسن اختلفت ظنونهم فظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون وظن المؤمنون أنه ينصر \r\n قرأ ابن كثير والكسائي وحفص عن عاصم الظنونا والرسولا الأحزاب و السبيلا الأحزاب بألف إذا وقفوا عليهن وبطرحها في الوصل وقال هبيرة عن حفص عن عاصم وصل أو وقف بالف وقرا نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالألف فيهن وصلا ووقفا وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بغير ألف في وصل ولا وقف قال الزجاج والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من قرائهم أن يقرؤوا الظنونا ويقفون على الألف ولا يصلون وإنما فعلوا ذلك لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها الألف في الوقف \r\n قوله تعالى هنالك أي عند ذلك ابتلى المؤمنون أي اختبروا بالقتال والحصر ليتبين المخلص من المنافق وزلزلوا أي ازعجوا وحركوا ","part":6,"page":358},{"id":2880,"text":" بالخوف فلم يوجدوا إلا صابرين وقال الفراء حركوا إلى الفتنة تحريكا فعصموا \r\n قوله تعالى وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض فيه قولان \r\n أحدهما أنه الشرك قاله الحسن والثاني النفاق قاله قتادة ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا قال المفسرون قالوا يومئذ إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع ان يجاوز رحله هذا والله الغرور وزعم ابن السائب أن قائل هذا معتب بن قشير \r\n وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا \r\n قوله تعالى وإذ قالت طائفة منهم يعني من المنافقين وفي القائلين لهذا منهم قولان أحدهما عبد الله بن ابي وأصحابه قاله السدي والثاني بنو سالم من المنافقين قاله مقاتل \r\n قوله تعالى يا أهل يثرب قال أبو عبيدة يثرب اسم أرض ومدينة النبي صلى الله عليه و سلم في ناحية منها ","part":6,"page":359},{"id":2881,"text":" قوله تعالى لا مقام لكم وقرأ حفص عن عاصم لا مقام بضم الميم قال الزجاج من ضم الميم فالمعنى لا إقامة لكم ومن فتحها فالمعنى لا مكان لكم تقيمون فيه وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى فارجعوا أي إلى المدينة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا ب سلع وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم فقال المنافقون للناس ليس لكم هاهنا مقام لكثرة العدو وهذا قول الجمهور وحكى الماوردي قولين آخرين \r\n أحدهما لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن \r\n والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي \r\n قوله تعالى ويستأذن فريق منهم النبي فيه قولان \r\n أحدهما أنهم بنو حارثة قاله ابن عباس وقال مجاهد بنو حارثة ابن الحارث بن الخزرج وقال السدي إنما استأذنه رجلان من بني حارثة \r\n والثاني بنو حارثة وبنو سلمة بن جشم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى إن بيوتنا عورة قال ابن قتيبة أي خالية فقد ","part":6,"page":360},{"id":2882,"text":" امكن من أراد دخولها وأصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت فاذا ذهبوا أعورت البيوت تقول العرب أعور منزلي إذا ذهب ستره أو سقط جداره وأعور الفارس إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن يقول الله وما هي بعورة لأن الله يحفظها ولكن يريدون الفرار وقال الحسن ومجاهد قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق وقال قتادة قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن على أهلنا فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الفرار \r\n قوله تعالى ولو دخلت عليهم من أقطارها يعني المدينة والأقطار النواحي والجوانب واحدها قطر ثم سئلوا الفتنة وقرأ علي بن ابي طالب عليه السلام والضحاك والزهري وابو عمران وأبو جعفر وشيبة ثم سيلوا برفع السين وكسر الياء من غير همز وقرأ أبي بن كعب ومجاهد وأبو الجوزاء ثم سوءلوا برفع السين ومد الواو بهمزة مكسورة بعدها وقرأ الحسن وأبو الأشهب ثم سولوا برفع السين وسكون الواو من غير مد ولا همز وقرا الأعمش وعاصم الجحدري ثم سيلوا بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا واو ومعنى سئلوا الفتنة أي سئلوا فعلها والفتنة الشرك لآتوها قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر لاتوها بالقصر أي لقصدوها ولفعلوها وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي لآتوها بالمد أي لاعطوها قال ابن عباس في معنى الآية لو ان الأحزاب دخلوا المدينة ثم امروهم بالشرك لأشركوا \r\n قوله تعالى وما تلبثوا بها إلا يسيرا فيه قولان \r\n أحدهما وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا قاله قتادة ","part":6,"page":361},{"id":2883,"text":" والثاني وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى يعذبوا قاله السدي وحكى ابو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا وهو ان الفتنة هاهنا الحرب والمعنى ولو دخلت المدينة على أهلها من أقطارها ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين وما تلبثوا يعني الجيوش الداخلة عليهم بها إلا قليلا حتى يخرجوهم منها وإنما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك قال وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي \r\n قوله تعالى ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر فلما علموا ما اعطى الله اهل بدر من الكرامة قالوا لئن شهدنا قتالا لنقاتلن قاله قتادة ","part":6,"page":362},{"id":2884,"text":" والثاني أنهم أهل العقبة وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على طاعة الله ونصرة رسوله قاله مقاتل \r\n والثالث أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل عاهد الله معتب بن قشير وثعلبة بن حاطب لا نولي دبرا قط فلما كان يوم الأحزاب نافقا قاله الواقدي واختاره ابو سليمان الدمشقي وهو اليق مما قبله وإذا كان الكلام في حق المنافقين فكيف يطلق القول على أهل العقبة كلهم \r\n قوله تعالى وكان عهد الله مسؤولا أي يسألون عنه في الآخرة \r\n ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم فقال قل لن ينفعك الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا قليلا وهو باقي آجالكم \r\n ثم أخبر ان ما قدره عليهم لا يدفع بقوله من ذا الذي يعصمكم من الله أي يجيركم ويمنعكم منه إن أراد بكم سوءا وهو الإهلاك والهزيمة والبلاء او اراد بكم رحمة وهي النصر والعافية والسلامة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا أي لا يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد الله فيهم \r\n قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور اعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فاذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير اولئك لم يؤمنوا فأحبط الله اعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب ","part":6,"page":363},{"id":2885,"text":" يودوا لو انهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما \r\n قوله تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم في سبب نزولها قولان \r\n احدهما ان رجلا انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاحزاب فوجد أخاه لأمه وابيه وعنده شواء ونبيذ فقال له انت هاهنا ورسول الله بين الرماح والسيوف فقال هلم إلي لقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا فقال له كذبت والذي يحلف به اما والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمرك فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليخبره فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله يسيرا هذا قول ابن زيد \r\n والثاني أن عبد الله بن ابي ومعتب بن قشير والمنافقين الذين رجعوا من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له ويحك اجلس فلا تخرج ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا بالمدينة فانا ننتظركم يثبطونهم عن القتال وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدا فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم فاذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب \r\n والمعوق المثبط تقول عاقني فلان واعتاقني وعوقني إذا ","part":6,"page":364},{"id":2886,"text":" منعك عن الوجه الذي تريده وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نصاره \r\n قوله تعالى والقائلين لإخوانهم هلم إلينا فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد \r\n والثاني أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال قاله مقاتل \r\n والثالث أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله ص حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى ولا يأتون البأس أي لا يحضرون القتال في سبيل الله إلا قليلا للرياء والسمعة من غير احتساب ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا \r\n قوله تعالى أشحة عليكم قال الزجاج هو منصوب على الحال المعنى لا يأتون الحرب إلا تعذيرا بخلاء عليكم \r\n وللمفسرين فيما شحوا به اربعة أقوال أحدها أشحة بالخير قاله مجاهد ","part":6,"page":365},{"id":2887,"text":" والثاني بالنفقة في سبيل الله والثالث بالغنيمة رويا عن قتادة وقال الزجاج بالظفر والغنيمة والرابع بالقتال معكم حكاه الماوردي \r\n ثم أخبر عن جبنهم فقال فإذا جاء الخوف أي إذا حضر القتال رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت وهو الذي دنا موته وغشيته أسبابه فانه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف فكذلك هؤلاء لأنهم يخافون القتل \r\n فاذا ذهب الخوف سلقوكم قال الفراء آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة حداد سليطة ذربة والعرب تقول صلقوكم بالصاد ولا يجوز في القراءة وهذا قول الفراء وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني وابن ابي عبلة في آخرين وقال الزجاج معنى سلقوكم خاطبوكم اشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة يقال خطيب مسلاق إذا كان بليغا في خطبته أشحة على الخير أي خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة قال قتادة إذا كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون أعطونا فلستم أحق بها منا فاما عند الباس فأجبن قوم وأخذله للحق وأما عند الغنيمة فأشح قوم \r\n وفي المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الغنيمة والثاني على المال أن ينفقوه في سبيل الله تعالى والثالث على رسول الله ص بظفره ","part":6,"page":366},{"id":2888,"text":" قوله تعالى أولئك لم يؤمنوا أي هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين لنفاقهم فأحبط الله أعمالهم قال مقاتل أبطل جهادهم لانه لم يكن في إيمان وكان ذلك الإحباط على الله يسيرا \r\n ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم فقال يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب أي يرجعوا إليهم كرة ثانية للقتال يودوا لو انهم بادون في الأعراب أي يتمنوا لو كانوا في بادية الاعراب من خوفهم يسألون عن أنبائكم أي ودوا لو انهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم فيقولون ما فعل محمد وأصحابه ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فرقا وجبنا وقيل بل يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم ولو كانوا فيكم أي لو كانوا يشهدون القتال معكم ما قاتلوا إلا قليلا فيه قولان \r\n أحدهما إلا رميا بالحجارة قاله ابن السائب \r\n والثاني إلا رياء من غير احتساب قاله مقاتل \r\n ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة والمعنى لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في الصبر معه كما صبر يوم احد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه وآساكم مع ذلك بنفسه \r\n وقرأ عاصم أسوة بضم الألف والباقون بكسر الألف وهما لغتان قال الفراء أهل الحجاز وأسد يقولون إسوة بالكسر وتميم وبعض قيس يقولون أسوة بالضم وخص الله تعالى بهذه الأسوة المؤمنين فقال لمن كان يرجو الله واليوم الآخر والمعنى أن الأسوة برسول الله إنما كانت لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وفيه قولان ","part":6,"page":367},{"id":2889,"text":" أحدهما يرجو ما عنده من الثواب والنعيم قاله ابن عباس والثاني يخشى الله ويخشى البعث قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وذكر الله كثيرا أي ذكرا كثيرا لأن ذاكر الله متبع لأوامره بخلاف الغافل عنه \r\n ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وفي ذلك الوعد قولان \r\n أحدهما أنه قوله ام حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية البقرة فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله قاله ابن عباس وقتادة في آخرين \r\n والثاني ان رسول الله ص وعدهم النصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحيرة ذكره الماوردي وغيره \r\n قوله تعالى وما زادهم يعني ما رأوه إلا إيمانا بوعد الله وتسليما لأمره من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ","part":6,"page":368},{"id":2890,"text":" إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا \r\n قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n احدهما أنها نزلت في أنس بن النضر قاله انس بن مالك وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فلما قدم قال غبت عن اول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه و سلم المشركين لئن اشهدني الله عز و جل قتالا ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف الناس فقال اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ثم ","part":6,"page":369},{"id":2891,"text":" مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون احد واها لريح الجنة قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم قد مثلوا به قال فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه قال أنس فكنا نقول أنزلت هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فيه وفي أصحابه \r\n والثاني أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله روى النزال بن سبرة عن علي عليه السلام أنهم قالوا له حدثنا عن طلحة قال ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى فمنهم من قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل ","part":6,"page":370},{"id":2892,"text":" وقد جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة وأولها في أنس قال ابن جرير ومعنى الآية وفوا لله بما عاهدوه عليه وفي ذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإسلام والنصرة \r\n والثاني أنهم قوم لم يشهدوا بدرا فعاهدوا الله ان لا يتأخروا بعدها \r\n والثالث أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا فصدقوا \r\n والرابع أنهم عاهدوا على البأساء والضراء وحين البأس \r\n قوله تعالى فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فمنهم من مات ومنهم من ينتظر الموت قاله ابن عباس \r\n والثاني فمنهم من قضى عهده قتل او عاش ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال او صدق لقاء قاله مجاهد \r\n والثالث فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر قاله ابو عبيدة فيكون النحب على القول الأول الأجل وعلى الثاني العهد وعلى الثالث النذر وقال ابن قتيبة قضى نحبه أي قتل وأصل النحب النذر كأن قوما نذورا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله عليهم فقتلوا فقيل فلان قضى نحبه أي قتل فاستعير النحب مكان الأجل لان الأجل وقع بالنحب وكان النحب سببا له ومنه قيل للعطية من لأن من أعطى فقد من قال ابن عباس ممن قضى ","part":6,"page":371},{"id":2893,"text":" نحبه حمزة بن عبد المطلب وانس بن النضر وأصحابه وقال ابن إسحاق فمنهم من قضى نحبه من استشهد يوم بدر وأحد ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصره أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه وما بدلوا أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم عليه كما غير المنافقون \r\n قوله تعالى ليجزي الله الصادقين بصدقهم وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا الله عليه ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء وهو ان يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم في الدنيا فيخرجهم من النفاق إلى الإيمان فيغفر لهم \r\n ورد الله الذين كفروا يعني الأحزاب صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين بغيظهم أي لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيرا أي لم يظفروا بالمسلمين وكان ذلك عندهم خيرا فخوطبوا على استعمالهم وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة وأنزل الذين ظاهروهم ","part":6,"page":372},{"id":2894,"text":" أي عاونوا الأحزاب وهم بنو قريظة وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم من العهد وصاروا مع المشركين يدا واحدة \r\n وهذه الإشارة إلى قصتهم \r\n ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما انصرف من الخندق وضع عنه اللأمة واغتسل فتبدى له جبريل فقال ألا أراك وضعت اللأمة وما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فاني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم فدعا عليا فدفع لواءه إليه وبعث بلالا فنادى في الناس إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة ثم سار إليهم فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار وقيل عشرين ليلة فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إليهم بيده إنه الذبح ثم ندم فقال خنت الله ورسوله فانصرف فارتبط في المسجد حتى أنزل الله ","part":6,"page":373},{"id":2895,"text":" توبته ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمر بهم رسول الله محمد ابن مسلمة وكتفوا ونحوا ناحية وجعل النساء والذرية ناحية وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه و سلم ان يهبهم لهم وكانوا حلفاءهم فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ هكذا ذكر محمد بن سعد وحكى غيره أنهم نزلوا اولا على حكم سعد بن معاذ وكان بينهم وبين قومه حلف فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي وتسبى النساء والذراري وتقسم الأموال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة وانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر بهم فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدود في السوق وجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه أصحابه وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة \r\n قوله تعالى من صياصيهم قال ابن عباس وقتادة من حصونهم قال ابن قتيبة وأصل الصياصي قرون البقر لأنها تمتنع بها وتدفع عن أنفسها ","part":6,"page":374},{"id":2896,"text":" فقيل للحصون الصياصي لأنها تمنع وقال الزجاج كل قرن صيصية وصيصية الديك شوكة يتحصن بها \r\n قوله تعالى وقذف في قلوبهم الرعب أي ألقى فيها الخوف فريقا تقتلون وهم المقاتلة وتأسرون وقرأ ابن يعمر وابن أبي عبلة وتأسرون برفع السين فريقا وهم النساء والذراري وأورثكم ارضهم وديارهم يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء وأرضا لم تطئوها أي لم تطؤوها باقدامكم بعد وهي مما سنفتحها عليكم وفيها اربعة أقوال \r\n أحدها أنها فارس والروم قاله الحسن والثاني ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة قاله عكرمة والثالث مكة قاله قتادة والرابع خيبر قاله ابن زيد وابن السائب وابن اسحاق ومقاتل \r\n يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ","part":6,"page":375},{"id":2897,"text":" مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا \r\n قوله تعالى يا أيها النبي قل لازواجك الآية ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فآلى رسول الله صلى الله عليه و سلم منهن شهرا وصعد إلى غرفة له فمكث فيها فنزلت هذه الآية وكن أزواجه يومئذ تسعا عائشة وحفصة وام حبيبة وسودة وام سلمة وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية وزينب بنت جحش وجويرية بنت الحارث فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض الآية عليهن فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله ثم قالت يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال إن الله بعثني مبلغا ولم يبعثني متعنتا وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب الحدائق وفي المغنى بطوله ","part":6,"page":376},{"id":2898,"text":" وفي ما خيرهن فيه قولان \r\n أحدهما أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه هذا قول عائشة عليها السلام \r\n والثاني أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن أو اختيار الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق قاله الحسن وقتادة \r\n وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهن سألنه زيادة النفقة والثاني أنهن آذينه بالغيرة والقولان مشهوران في التفسير \r\n والثالث أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة أمر بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله حكاه أبو القاسم الصيمري \r\n والمراد بقوله أمتعكن متعة الطلاق والمراد بالسراح الطلاق ","part":6,"page":377},{"id":2899,"text":" وقد ذكرنا ذلك في البقرة والمراد بالدار الآخرة الجنة والمحسنات المؤثرات للآخرة \r\n قال المفسرون فلما اخترنه أثابهن الله عز و جل ثلاثة أشياء أحدها التفضيل على سائر النساء بقوله لستن كأحد من النساء والثاني أن جعلهن امهات المؤمنين والثالث أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله لا يحل لك النساء من بعد الأحزاب وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى \r\n قوله تعالى من يأت منكن بفاحشة مبينة أي بمعصية ظاهرة قال ابن عباس يعني النشوز وسوء الخلق يضاعف لها العذاب ضعفين أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين كما انها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين وإنما ضوعف عقابهن لأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة مالا يشاهد غيرهن فاذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب ولان في معصيتهن أذى لرسول الله صلى الله عليه و سلم وجرم من آذى رسول الله صلى الله عليه و سلم أكبر من جرم غيره \r\n قوله تعالى وكان ذلك على الله يسيرا أي وكان عذابها على الله هينا ومن يقنت أي تطع وأعتدنا قد سبق بيانه النساء والرزق الكريم الحسن وهو الجنة \r\n ثم اظهر فضيلتهن على النساء بقوله لستن كأحد من النساء قال الزجاج لم يقل كواحدة من النساء لان أحدا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة قال ابن عباس يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم إن اتقيتن فشرط عليهن التقوى بيانا ان فضيلتهن إنما تكون بالتقوى لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":6,"page":378},{"id":2900,"text":" قوله تعالى فلا تخضعن بالقول أي لا تلن بالكلام فيطمع الذي في قلبه مرض أي فجور والمعنى لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى موافقتكن له والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة \r\n وقلن قولا معروفا أي صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا \r\n وقرن في بيوتكن قرأ نافع وعاصم إلا أبان وهبيرة والوليد بن مسلم عن ابن عامر وقرن بفتح القاف وقرأ الباقون بكسرها قال الفراء من قرأ بالفتح فهو من قررت في المكان فخففت كما قال ظلت عليه عاكفا طه ومن قرأ بالكسر فمن الوقار يقال قر في منزلك وقال ابن قتيبة من قرأ بالكسر فهو من الوقار يقال وقر في منزله يقر وقورا ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل واقررن باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة مثله إلا أنهما كسرا الراء الأولى \r\n قال المفسرون ومعنى الآية الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وان لا يخرجن \r\n قوله تعالى ولا تبرجن قال ابو عبيدة التبرج أن يبرزن ","part":6,"page":379},{"id":2901,"text":" محاسنهن وقال الزجاج التبرج إظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل \r\n وفي الجاهلية الأولى أربعة اقوال \r\n أحدها أنها كانت بين إدريس ونوح وكانت ألف سنة رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام وهو قول عائشة رضي الله عنها \r\n والثالث بين نوح وآدم قاله الحكم \r\n والرابع ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام قاله الشعبي قال الزجاج وإنما قيل الأولى لأن كل متقدم أول وكل متقدمة أولى فتأويله أنهم تقدموا أمة محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وفي صفة تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال \r\n أحدها أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال فهو التبرج قاله مجاهد والثاني أنها مشية فيها تكسر وتغنج قاله قتادة والثالث أنه التبختر قاله أبن أبي نجيح والرابع أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام ","part":6,"page":380},{"id":2902,"text":" قاله الكلبي والخامس أنها كانت تلقي عن رأسها ولا تشده فيرى قرطها وقلائدها قاله مقاتل أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال لا تواري جسدها حكاه الفراء \r\n قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس وفيه للمفسرين خمسة أقوال \r\n أحدها الشرك قاله الحسن والثاني الإثم قاله السدي والثالث الشيطان قاله ابن زيد والرابع الشك والخامس المعاصي حكاهما الماوردي قال الزجاج الرجس كل مستقذر من مأكول أو عمل أو فاحشة \r\n ونصب أهل البيت على وجهين أحدهما على معنى أعني أهل البيت والثاني على النداء فالمعنى يا أهل البيت \r\n وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنهن في بيته رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال عكرمة وابن السائب ومقاتل ويؤكذ هذا القول أن ما قبله وبعده متعلق وبعده متعلق بأزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى أرباب هذا القول اعتراض وهو ان جمع المؤنث بالنون فكيف قيل عنكم ويطهركم فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهن فغلب المذكر \r\n والثاني أنه خاص في رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين قاله ابو سعيد الخدري وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك \r\n والثالث أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأزواجه قاله الضحاك ","part":6,"page":381},{"id":2903,"text":" وحكى الزجاج أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم والرجال الذين هم آله قال واللغة تدل على انها للنساء والرجال جميعا لقوله عنكم بالميم ولو كانت للنساء لم يجز إلا عنكن ويطهركن \r\n قوله تعالى ويطهركم تطهيرا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من الشرك قاله مجاهد والثاني من السوء قاله قتادة والثالث من الإثم قاله السدي ومقاتل \r\n قوله تعالى واذكرن فيه قولان \r\n أحدهما أنه تذكيرلهن بالنعم \r\n والثاني أنه أمر لهن بحفظ ذلك فمعنى واذكرن واحفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله يعني القرآن ","part":6,"page":382},{"id":2904,"text":" وفي الحكمة قولان أحدهما أنها السنة قاله قتادة والثاني الامر والنهي قاله مقاتل \r\n قوله تعالى إن الله كان لطيفا أي ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما \r\n قوله تعالى إن المسلمين والمسلمات في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم قلن ما له ليس يذكر إلا المؤمنون ولا تذكر المؤمنات بشئ فنزلت هذه الآية رواه أبو ظبيان عن ابن عباس \r\n والثاني أن أم سلمة قالت يا رسول الله يذكر الرجال ولا ذكر فنزلت هذه الآية ونزل قوله لا أضيع عمل عامل منكم آل عمران قاله مجاهد ","part":6,"page":383},{"id":2905,"text":" والثالث أن أم عمارة الأنصارية قالت قلت يارسول الله بأبي وأمي ما بال الرجال يذكرون ولا تذكر النساء فنزلت هذه الآية قاله عكرمة وذكر مقاتل بن سليمان أن أم سلمة وأم عمارة قالتا ذلك فنزلت هذه الآية في قولهما \r\n والرابع أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات عليهن فقلن ذكرتن ولم نذكر ولو كان فينا خير ذكرنا فنزلت هذه الآية قاله قتاده \r\n والخامس أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت هل نزل فينا شئ من القرآن قلن لا فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار قال ومم ذاك قالت لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال فنزلت هذه الآية ذكره مقاتل بن حيان \r\n وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع البقرة الأحزاب آل عمران البقرة يوسف البقرة الأنبياء آل عمران وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ","part":6,"page":384},{"id":2906,"text":" أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا \r\n قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الآية في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فقالت لا أرضاه ولست بناكحته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بلى فانكحيه فاني قد رضيته لك فأبت فنزلت هذه الآية وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وذكر بعض المفسرين أن عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب فلما نزلت الآية رضيا وسلما قال مقاتل والمراد بالمؤمن عبد الله بن جحش والمؤمنة زينب بنت جحش \r\n والثاني أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول أمرأة هاجرت فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قد قبلتك وزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله فزوجها عبده فنزلت هذه الآية قاله ابن زيد والاول عند المفسرين أصح ","part":6,"page":385},{"id":2907,"text":" قوله تعالى إذا قضى الله ورسوله أمرا أي حكما بذلك أن تكون وقرأ أهل الكوفة أن يكون بالياء لهم الخيرة وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء الخيرة باسكان الياء فجمع في الكناية في قوله لهم لان المراد جميع المؤمنين والمؤمنات والخيرة الاختيار فأعلم الله عز و جل أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله فلما زوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم زيدا مكثت عنده حينا ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش فوقعت في قلبه فقال سبحان مقلب القلوب وفطن زيد فقال يا رسول الله ائذن لي في طلاقها وقال بعضهم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم منزل زيد فرأى زينب فقال سبحان مقلب القلوب فسمعت ذلك زينب فلما جاء زيد ذكرت له ذلك فعلم أنها قد وقعت في نفسه فأتاه فقال يا رسول الله ائذن لي في طلاقها وقال ابن زيد جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى باب زيد وعلى الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر فرأى زينب فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر فجاء فقال يا رسول الله أريد فراقها فقال له اتق الله وقال مقاتل لما فطن زيد لتسبيح رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا رسول الله ائذن لي في طلاقها فان فيها كبرا فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أمسك عليك زوجك واتق الله ثم إن زيدا طلقها ","part":6,"page":386},{"id":2908,"text":" بعد ذلك فأنزل الله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بالاسلام وأنعمت عليه بالعتق \r\n قوله تعالى واتق الله أي في أمرها فلا تطلقها وتخفي في نفسك أي تسر وتضمر في قلبك ما الله مبديه أي مظهره وفيه أربعة اقوال \r\n أحدها حبها قاله ابن عباس \r\n والثاني عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة فلما أتى زيد يشكوها قال له أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى في نفسه ما الله مبديه قاله علي بن الحسين \r\n والثالث إيثاره لطلاقها قاله قتادة وابن جريج ومقاتل \r\n والرابع أن الذي أخفاه إن طلقها زيد تزوجتها قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى وتخشى الناس فيه قولان \r\n أحدهما أنه خشي اليهود أن يقولوا تزوج محمد امرأة ابنه رواه عطاء عن ابن عباس ","part":6,"page":387},{"id":2909,"text":" والثاني أنه خشي لوم الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها \r\n قوله تعالى والله احق ان تخشاه أي أولى أن تخشى في كل الأحوال وليس المراد أنه لم يخش في هذه الحال ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق قيل له الله احق أن تخشى منهم قالت عائشة ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم آية هي أشد عليه من هذه الآية ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها فصل \r\n وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها وإن كان ذلك شائعا في التفسير قالوا وإنما عوتب في هذه القصة على شيئين ","part":6,"page":388},{"id":2911,"text":" أحدهما أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له فقال لزيد أمسك عليك زوجك فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد ان يقول له إن زوجتك ستكون امرأتي وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين وقد نصره الثعلبي والواحدي \r\n والثاني أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب ظن أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها وإشفاقا عليها لانها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفاؤه حين قال لزيد أمسك عليك زوجك وأراد منه ان يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله هلا أومأت إلينا بقتله فقال ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمه الله عليه \r\n قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا قال الزجاج الوطر كل حاجة لك فيها همة فاذا بلغها البالغ قيل قد قضى وطره وقال غيره قضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشئ ثم صار عبارة عن الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة والمعنى لما قضى زيد حاجته من نكاحها زوجناكها وإنما ذكر قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبني تحل وإن وطئها وهو قوله لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا والمعنى زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لكيلا يظن أن امرأة المتبني لا يحل نكاحها وروى مسلم في ","part":6,"page":390},{"id":2912,"text":" أفراده من حديث أنس بن مالك قال لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لزيد اذهب فاذكرها علي قال زيد فانطلقت فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت يا زينب أرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل عليها بغير إذن \r\n وذكر أهل العلم أن من خصائص رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه أجيز له التزويج بغير مهر ليخلص قصد زوجاته لله دون العوض وليخفف عنه وأجيز له التزويج بغير ولي لأنه مقطعوع بكفاءته وكذلك هو مستغن في نكاحه عن الشهود وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه و سلم وتقول زوجكن أهلوكن وزجني الله عز و جل ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان امر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما ","part":6,"page":391},{"id":2913,"text":" قوله تعالى ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له قال قتادة فيما أحل الله له من النساء \r\n قوله تعالى سنة الله هي منصوبة على المصدر لأن معنى ما كان على النبي من حرج سن الله سنة واسعة لا حرج فيها والذين خلوا هم النبيون فالمعنى أن سنة الله في التوسعة على محمد فيما فرض له كسنته في الأنبياء الماضين قال ابن السائب هكذا سنة الله في الأنبياء كداود فانه كان له مائة امرأة وسليمان كان له سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية ","part":6,"page":392},{"id":2914,"text":" وكان أمر الله قدرا مقدورا أي قضاء مقضيا وقال ابن قتيبة سنة الله في الذين خلوا معناه لا حرج على احد فيما لم يحرم عليه \r\n ثم اثنى الله على الأنبياء بقوله الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله أي لا يخافون لائمة الناس وقولهم فيما أحل لهم وباقي الآية قد تقدم بيانه النساء \r\n قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم قال المفسرون لما تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب قال الناس إن محمدا قد تزوج امرأة ابنه فنزلت هذه الآية والمعنى ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته ولكن رسول الله قال الزجاج من نصبه فالمعنى ولكن كان رسول الله وكان خاتم النبيين ومن رفعه فالمعنى ولكن هو رسول الله ومن قرأ خاتم بكسر التاء فمعناه وختم النبيين ومن فتحها فالمعنى آخر النبيين قال ابن عباس يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا ","part":6,"page":393},{"id":2917,"text":" يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما \r\n قوله تعالى اذكروا الله ذكرا كثيرا قال مجاهد هو أن لا ينساه أبدا وقال ابن السائب يقال ذكرا كثيرا بالصلوات الخمس وقال مقاتل بن حيان هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال وقد روى ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يقول ربكم أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ","part":6,"page":396},{"id":2918,"text":" قوله تعالى وسبحوه بكرة وأصيلا قال ابو عبيدة الأصيل ما بين العصر إلى الليل وللمفسرين في هذا التسبيح قولان \r\n أحدهما أنه الصلاة واتفق أرباب هذا القول على أن المراد بالتسبيح بكرة صلاة الفجر \r\n واختلفوا في صلاة الأصيل على ثلاثة أقوال أحدها أنها صلاة العصر ","part":6,"page":397},{"id":2919,"text":" قاله أبو العالية وقتادة والثاني أنها الظهر والعصر والمغرب والعشاء قاله ابن السائب والثالث أنها الظهر والعصر قاله مقاتل \r\n والقول الثاني أنه التسبيح باللسان وهو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قاله مجاهد \r\n قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته في صلاة الله علينا خمسة أقوال \r\n أحدها أنها رحمته قاله الحسن والثاني مغفرته قاله سعيد بن جبير والثالث ثناؤه قاله ابو العالية والرابع كرامته قاله سفيان والخامس بركته قاله ابو عبيدة \r\n وفي صلاة الملائكة قولان \r\n أحدهما أنها دعاؤهم قاله أبو العالية والثاني استغفارهم قاله مقاتل \r\n وفي الظلمات والنور ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها الضلالة والهدى قاله ابن زيد والثاني الإيمان والكفر قاله مقاتل والثالث الجنة والنار حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى تحيتهم الهاء والميم كناية عن المؤمنين \r\n فأما الهاء في قوله يلقونه ففيها قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى الله عز و جل ثم فيه ثلاثة أقوال احدها أن معناه تحيتهم من الله يوم يلقونه سلام وروى صهيب عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الله يسلم على أهل الجنة والثاني تحيتهم من الملائكة يوم يلقون الله سلام ","part":6,"page":398},{"id":2920,"text":" قاله مقاتل وقال أبو حمزة الثمالي تسلم عليهم الملائكة يوم القيامة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم والثالث تحيتهم بينهم يوم يلقون ربهم سلام وهو ان يحيي بعضهم بعضا بالسلام ذكره أبو سليمان الدمشقي \r\n والقول الثاني أن الهاء ترجع إلى ملك الموت وقد سبق ذكره في ذكر الملائكة قال ابن مسعود إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له ربك يقرئك السلام وقال البراء بن عازب في قوله تحيتهم يوم يلقونه قال ملك الموت ليس مؤمن يقبض روحه إلا سلم عليه فأما الأجر الكريم فهو الحسن في الجنة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ","part":6,"page":399},{"id":2921,"text":" قوله تعالى يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا أي على أمتك بالبلاغ ومبشرا بالجنة لمن صدقك ونذيرا أي منذرا بالنار لمن كذبك وداعيا إلى الله أي إلى توحيده وطاعته باذنه أي بأمره لا أنك فعلته من تلقاء نفسك وسراجا منيرا أي أنت لمن اتبعك سراجا أي كالسراج المضئ في الظلمة يهتدي به \r\n قوله تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا وهو الجنة قال جابر بن عبد الله لما أنزل قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا الآيات الفتح قال الصحابة هنيئا لك يا رسول الله فما لنا فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى ولا تطع الكافرين قد سبق في أول السورة \r\n قوله تعالى ودع أذاهم قال العلماء معناه لا تجازهم عليه وتوكل على الله في كفاية شرهم وهذا منسوخ بآية السيف ","part":6,"page":400},{"id":2922,"text":" يا أيها الذين آمنوا إذ نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا \r\n قوله تعالى إذ نكحتم المؤمنات قال الزجاج معنى نكحتم ","part":6,"page":401},{"id":2923,"text":" تزوجتم ومعنى تمسوهن تقربوهن وقرأ حمزة والكسائي تماسوه بألف \r\n قوله تعالى فما لكم عليهن من عدة تعتدونها أجمع العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة وعندنا أن الخلوة توجب العدة وتقرر الصداق خلافا للشافعي \r\n قوله فمتعوهن المراد به من لم يسم لها مهرا لقوله في البقرة أو تفرضوا لهن فريضة وقد بينا المتعة هنالك وكان سعيد بن المسيب وقتادة يقولان هذه الآية منسوخة بقوله فنصف ما فرضتم البقرة \r\n قوله تعالى وسرحوهن سراحا جميلا أي من غير إضرار وقال قتادة هو طلاقها طاهرا من غير جماع وقال القاضي أبو يعلي الأظهر أن هذا التسريح ليس بطلاق لانه قد ذكر الطلاق وإنما هو بيان أنه لا سبيل له عليها وأن عليه تخليتها من يده وحباله فصل \r\n واختلف العلماء فيمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثم تزوجها فعندنا أنها لا تطلق وهو قول ابن عباس وعائشة والشافعي واستدل أصحابنا ","part":6,"page":402},{"id":2924,"text":" بهذه الآية وأنه جعل الطلاق بعد النكاح وقال سماك بن الفضل النكاح عقدة والطلاق يحلها فكيف يحل عقدة لم تعقد فجعل بهذه الكلمة قاضيا على صنعاء وقال ابو حنيفة ينعقد الطلاق فاذا وجد النكاح وقع مالك ينعقد ذلك في خصوص النساء وهو إذا كان في امرأة بعينها ولا ينعقد في عمومهن فأما إذا قال إن ملكت فلانا فهو حر ففيه عن احمد روايتان يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ترجى من تشاء منهن وتؤي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا \r\n قوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك ذكر الله تعالى أنواع الأنكحة التي أحلها له فقال أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أي مهورهن وهن اللواتي تزوجتهن بصداق وما ملكت يمينك يعني الجواري ","part":6,"page":403},{"id":2925,"text":" مما أفاء الله عليك أي رد عليك من الكفار كصفية وجويرية فانه أعتقهما وتزوجهما وبنات عمك وبنات عماتك يعني نساء قريش وبنات خالك وبنات خالاتك يعني نساء بني زهرة اللاتي هاجرن معك إلى المدينة قال القاضي أبو يعلى وظاهر هذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحل له نكاحها وقالت أم هانئ خطبني رسول الله صلى الله عليه و سلم فاعتذرت إليه بعذر ثم أنزل الله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله اللاتي هاجرن معك قالت فلم أكن لاحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء وهذا يدل من مذهبها أن تخصيصه بالمهاجرات قد أوجب حظر من لم تهاجر \r\n وذكر بعض المفسرين أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ ولم يذكر ناسخة وحكى الماوردي في ذلك قولين أحدهما أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق والثاني أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات ","part":6,"page":404},{"id":2926,"text":" قوله تعالى وامرأة مؤمنة أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك إن اراد النبي أن يستنكحها أي إن آثر نكاحها خالصة لك أي خاصة قال الزجاج وإنما قال إن وهبت نفسها للنبي ولم يقل لك لأنه لو قال لك جاز أن يتوهم أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه و سلم كما جاز في بنات العم وبنات العمات وخالصة منصوب على الحال \r\n وللمفسرين في معنى خالصة ثلاثة أقوال \r\n أحدها ان المراة إذا هبت له نفسها لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين قاله أنس بن مالك وسعيد بن المسيب \r\n والثاني أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره قاله قتادة \r\n والثالث خالصة لك ان تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين وهذا قول الشافعي وأحمد \r\n وفي المرأة التي وهبت له نفسها أقوال أحدها أم شريك والثاني خولة بنت حكيم ولم يدخل بواحدة منهما وذكروا أن ليلى بنت الخطيم وهبت ","part":6,"page":405},{"id":2927,"text":" نفسها له فلم يقبلها قال ابن عباس لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم امرأة وهبت نفسها له وقد حكي عن ابن عباس ان التي وهبت نفسها له ميمونة بنت الحارث وعن الشعبي أنها زينب بنت خزيمة والأول اصح \r\n قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم على المؤمنين غيرك في أزواجهم وفيه قولان \r\n أحدهما أن لا يجاوز الرجل اربع نسوة قاله مجاهد \r\n والثاني أن لا يتزوج الرجل المرأة ألا بولي وشاهدين وصداق قاله قتادة قوله تعالى وما ملكت أيمانهم أي وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور \r\n قوله تعالى لكيلا يكون عليك حرج هذا فيه تقديم المعنى ","part":6,"page":406},{"id":2928,"text":" أحللنا لك أزواجك إلى قوله خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج \r\n قوله تعالى ترجي من تشاء منهن قرأ ابن كثير وأبوعمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ترجئ مهموزا وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بغير همز وسبب نزولها أنه لما نزلت آية التخيير المتقدمة أشفقن أن يطلقن فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية قاله ابو رزين \r\n وفي معنى الآية اربعة أقوال \r\n أحدها تطلق من تشاء من نسائك وتمسك من تشاء من نسائك قاله ابن عباس \r\n والثاني تترك نكاح من تشاء وتنكح من نساء أمتك من تشاء قاله الحسن \r\n والثالث تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها بغير طلاق وتأتي من تشاء فلا تعز لها قاله مجاهد والرابع تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي يهبن أنفسهن وتترك من تشاء قاله الشعبي وعكرمة \r\n وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه و سلم مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن غير أنه كان يسوي ","part":6,"page":407},{"id":2929,"text":" بينهن وقال الزهري ما علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أرجأ منهن أحدا ولقد آواهن كلهن حتى مات وقال ابو رزين آوى عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء وأرجأ سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة وكان يقسم لهن ما شاء وكان أراد فراقهن فقلن اقسم لنا ما شئت ودعنا على حالنا وقال قوم إنما أرجأ سودة وحدها لأنها وهبت يومها لعائشة فتوفي وهو يقسم لثمان \r\n قوله تعالى وتؤوي أي تضم ومن ابتغيت ممن عزلت أي إذا أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلت من القسمة فلا جناح عليك أي لا ميل عليك بلوم ولا عتب ذلك أدنى أن تقر أعينهن أي ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن والمعنى إنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله كان أطيب لأنفسهن وقرأ ابن محيصن وأبو عمران الجوني أن تقر بضم التاء وكسر القاف أعينهن بنصب النون ","part":6,"page":408},{"id":2930,"text":" ويرضين بما آتيتهن كلهن أي بما أعطيتهن من تقريب وتأخير والله يعلم ما في قلوبكم من الميل إلى بعضهن والمعنى إنما خيرناك تسهيلا عليك \r\n قوله تعالى لا يحل لك النساء كلهم قرأ لا يحل بالياء غير أبي عمرو فانه قرأ بالتاء والتأنيث ليس بحقيقي إنما هو تأنيث الجمع فالقراءتان حسنتان \r\n وفي قوله من بعد ثلاثة أقوال \r\n أحدها من بعد نسائك اللواتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله قاله ابن عباس والحسن وقتادة في آخرين وهن التسع فصار مقصورا عليهن ممنوعا من غيرهن وذكر أهل العلم أن طلاقه لحفصة وعزمه على طلاق سودة كان قبل التخيير ","part":6,"page":409},{"id":2931,"text":" والثاني من بعد الذي أحللنا لك فكانت الإباحة بعد نسائه مقصورة على المذكور في قوله إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله خالصة لك قاله أبي بن كعب والضحاك \r\n والثالث لا تحل لك النساء غير المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات وتحل لك المسلمات قاله مجاهد \r\n قوله تعالى ولا أن تبدل بهن فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن تطلق زوجاتك وتستبدل بهن سواهن قاله الضحاك \r\n والثاني أن تبدل بالمسلمات المشركات قاله مجاهد في آخرين والثالث أن تعطي الرجل زوجتك وتأخذ زوجته وهذه كانت عادة للجاهلية قاله أبو هريرة وابن زيد \r\n قوله تعالى إلا ما ملكت يمينك يعني الإماء \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها إلا أن تملك بالسبي فيحل لك وطؤها وإن كانت من غير الصنف الذي أحللته لك وإلى هذا أومأ أبي بن كعب في آخرين \r\n والثاني إلا أن تصيب يهودية أو نصرانية فتطأها بملك اليمين قاله ابن عباس ومجاهد ","part":6,"page":410},{"id":2932,"text":" والثالث إلا أن تبدل أمتك بامة غيرك قاله ابن زيد \r\n قال أبو سليمان الدمشقي وهذه الأقوال جائزة إلا أنا لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نكح يهودية ولا نصرانية بتزويج ولا ملك يمين ولقد سبى ريحانة القرظية فلم يدن منها حتى اسلمت \r\n فصل \r\n واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين \r\n أحدهما أنها منسوخة بقوله إنا أحللنا لك أزواجك وهذا مروي عن علي وابن عباس وعائشة وام سلمة وعلي بن الحسين والضحاك وقالت عائشة ما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أحل له النساء قال ابو سليمان الدمشقي يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات وغير المهاجرات \r\n والقول الثاني أنها محكمة ثم فيها قولان \r\n أحدهما أن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن فلم يحل له غيرهن ولم ينسخ هذا قاله الحسن وابن سيرين وأبو أمامة بن سهل وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث \r\n والثاني أن المراد بالنساء ها هنا الكافرات ولم يجز له ان يتزوج كافرة قاله مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد ","part":6,"page":411},{"id":2933,"text":" يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية في سبب نزولها ستة أقوال ","part":6,"page":412},{"id":2934,"text":" القول الأول أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام وقعد ثلاثة فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل فاذا القوم جلوس فرجع وإنهم قاموا فانطلقوا وجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه و سلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله تعالى هذه الآية \r\n والثاني أن ناسا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه و سلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتأذى بهم فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثالث أن عمر بن الخطاب قال قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل ","part":6,"page":413},{"id":2935,"text":" عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب أخرجه البخاري من حديث أنس وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر كلاهما عن عمر \r\n والرابع ان عمر أمر نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجاب فقالت زينب يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا فنزلت الآية قاله ابن مسعود \r\n والخامس أن عمر كان يقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم احجب نساءك فلا يفعل فخرجت سودة ليلة فقال عمر قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فنزل الحجاب رواه عكرمة عن عائشة ","part":6,"page":414},{"id":2936,"text":" والسادس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يطعم معه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم فكره النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فنزلت آية الحجاب قاله مجاهد \r\n قوله تعالى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام أي ان تدعوا إليه غير ناظرين أي منتظرين إناه قال الزجاج موضع أن نصب والمعنى إلا بأن يؤذن لكم أو لأن يؤذن وغير منصوبة على الحال والمعنى إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين وإناه نضجه وبلوغه \r\n قوله تعالى فانتشروا أي فاخرجوا \r\n قوله تعالى ولا مستأنسين لحديث المعنى ولا تدخلوا مستأنسين أي طالبي الانس لحديث وذلك أنهم كانوا يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلا وكان ذلك يؤذيه ويستحيي أن يقول لهم قوموا فعلمهم الله الأدب فذلك قوله والله لا يستحيي من الحق أي لا يترك ان يبين لكم ما هو الحق وإذا سألتموهن متاعا أي شيئا يستمتع به وينتفع به من آلة المنزل فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الريبة ","part":6,"page":415},{"id":2937,"text":" قوله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله أي ما كان لكم أذاه في شئ من الأشياء قال ابو عبيدة وكان من حروف الزوائد والمعنى ما لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا روى عطاء عن ابن عباس قال كان رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لو توفي رسول الله ص - تزوجت عائشة فأنزل الله ما أنزل وزعم مقاتل أن ذلك الرجل طلحة بن عبيد الله \r\n قوله تعالى إن ذلكم يعني نكاح أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم كان عند الله عظيما أي ذنبا عظيم العقوبة ","part":6,"page":416},{"id":2938,"text":" إن تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا \r\n قوله تعالى إن تبدوا شيئا أو تخفوه قيل إنها نزلت فيما أبداه القائل لئن مات رسول الله لأتزوجن عائشة \r\n قوله تعالى لا جناح عليهن في آبائهن قال المفسرون لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى لا جناح عليهن في آبائهن أي في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم إلى قوله و لا نسائهن قال ابن عباس يعني نساء المؤمنين لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم إن رأينهن \r\n فإن قيل ما بال العم والخال لم يذكرا فعنه جوابان ","part":6,"page":417},{"id":2939,"text":" أحدهما لأن المرأة تحل لأبنائهما فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها لأنهما ينعتانها لأبنائهما هذا قول الشعبي وعكرمة \r\n والثاني لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يذكرا قاله الزجاج \r\n فأما قوله ولا ما ملكت أيمانهن ففيه قولان \r\n أحدهما أنه أراد الإماء دون العبيد قاله سعيد بن المسيب \r\n والثاني انه عام في العبيد والإماء قال ابن زيد كن أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يحتجبن من المماليك وقد سبق بيان هذا في سورة النور \r\n قوله تعالى واتقين الله أي أن يراكن غير هؤلاء إن الله كان على كل شئ شهيدا أي لم يغب عنه شئ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا \r\n قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي في صلاة الله وصلاة الملائكة أقوال قد تقدمت في هذه السورة الأحزاب \r\n قوله تعالى صلوا عليه قال كعب بن عجرة قلنا يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ","part":6,"page":418},{"id":2940,"text":" أخرجه البخاري ومسلم ومعنى قوله قد علمنا التسليم عليك ما يقال في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم سلموا لما يأمركم به \r\n قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ","part":6,"page":419},{"id":2941,"text":" أحدها في الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اتخذ صفية بنت حيي قاله ابن عباس \r\n والثاني نزلت في المصورين قاله عكرمة \r\n والثالث في المشركين واليهود والنصارى وصفوا الله بالولد وكذبوا رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته وقالوا مجنون شاعر ساحر كذاب ومعنى أذى الله وصفه بما هو منزه عنه وعصيانه ولعنهم في الدنيا بالقتل والجلاء وفي الآخرة بالنار \r\n قوله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات في سبب نزولها أربعة أقوال ","part":6,"page":420},{"id":2942,"text":" أحدها أن عمر بن الخطاب رأى جارية متبرجة فضربها وكف ما رأى من زينتها فذهبت إلى أهلها تشكو فخرجوا إليه فآذوه فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها وإنما كانوا يؤذون الإماء غير أنه لم تكن الامة تعرف من الحرة فشكون ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية قاله السدي \r\n والثالث أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك قاله الضحاك \r\n والرابع ان ناسا من المنافقين آذوا علي بن أبي طالب فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قال المفسرون ومعنى الآية يرمونهم بما ليس فيهم يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما لئن لم ينته المنافقون والذين في ","part":6,"page":421},{"id":2943,"text":" قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا \r\n قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك الآية سبب نزولها أن الفساق كانوا يؤذون النساء \r\n إذا خرجن بالليل فاذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا هذه حرة وإذا رأوها بغير قناع قالوا أمة فآذوها فنزلت هذه الآية قاله السدي \r\n قوله تعالى يدنين عليهن من جلابيبهن قال ابن قتيبة يلبسن الأردية وقال غيره يغطين رؤوسهن ووجوهن ليعلم أنهن حرائر ذلك أدنى أي أحرى وأقرب أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين \r\n قوله تعالى لئن لم ينته المنافقون أي عن نفاقهم والذين في قلوبهم مرض أي فجور وهم الزناة والمرجفون في المدينة بالكذب والباطل يقولون أتاكم العدو وقتلت سراياكم وهزمت لنغرينك بهم أي لنسلطنك عليهم بأن نأمرك بقتالهم قال المفسرون وقد أغري بهم فقيل له ","part":6,"page":422},{"id":2944,"text":" جاهد الكفار والمنافقين التوبة التحريم وقال يوم الجمعة اخرج يا فلان من المسجد فانك منافق قم يا فلان فانك منافق ثم لا يجاورونك فيها أي في المدينة إلا قليلا حتى يهلكوا ملعونين منصوب على الحال أي لا يجاورونك إلا وهم ملعونون أينما ثقفوا أي وجدوا وأدركوا أخذوا وقتلوا تقتيلا معنى الكلام الأمر أي هذا الحكم فيهم سنة الله أي سن في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم ان يفعل بهم هذا \r\n يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا \r\n قوله تعالى يسألك الناس عن الساعة قال عروة الذي سأله عنها عتبة بن ربيعة \r\n قوله تعالى وما يدريك أي أي شئ يعلمك امر الساعة ومتى تكون والمعنى أنت لا تعرف ذلك ثم قال لعل الساعة تكون قريبا \r\n فان قيل هلا قال قريبة فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه أراد الظرف ولو أراد صفة الساعة بعينها لقال قريبة ","part":6,"page":423},{"id":2945,"text":" هذا قول أبي عبيدة والثاني أن المعنى راجع إلى البعث أو إلى مجئ الساعة والثالث أن تأنيث الساعة غير حقيقي ذكرهما الزجاج وما بعد هذا قد سبق بيان ألفاظه البقرة النساء الاسراء \r\n فأما قوله وأطعنا الرسول فقال الزجاج الاختيار الوقف بألف لأن أواخر الآي وفواصلها تجري أواخر الأبيات وإنما خوطبوا بما يعقلونه من الكلام المؤلف ليدل بالوقف بزيادة الحرف أن الكلام قد تم وقد أشرنا إلى هذا في قوله الظنونا الأحزاب \r\n قوله تعالى أطعنا سادتنا وكبراءنا أي أشرافنا وعظماءنا قال مقاتل هم المطعمون في غزوة بدر وكلهم قرأوا سادتنا على التوحيد غير ابن عامر فانه قرأ سادتنا على الجمع مع كسر التاء ووافقه المفضل ويعقوب إلا أبا حاتم فأضلونا السبيل أي عن سبيل الهدى ربنا آتهم يعنون السادة ضعفين أي ضعفي عذابنا والعنهم لعنا كبيرا قرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو وحمزة والكسائي كثيرا بالثاء وقرأ عاصم وابن عامر كبيرا بالباء وقال ابو علي الكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما \r\n قوله تعالى لا تكونوا كالذين آذوا موسى أي لا توذوا محمدا كما آذى بنو إسرائيل موسى فينزل بكم ما نزل بهم ","part":6,"page":424},{"id":2946,"text":" و في ما آذوا به موسى أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم قالوا هو آدر فذهب يوما يغتسل ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج في طلبه فرأوه فقالوا والله ما به من بأس والحديث مشهور في الصحاح كلها من حديث ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد ذكرته باسناده في المغني والحدائق قال ابن قتيبة والآدر عظيم الخصيتين \r\n والثاني أن موسى صعد الجبل ومعه هارون فمات هارون فقال بنو إسرائيل أنت قتلته فآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مرت به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات فبرأه الله من ذلك قاله علي عليه السلام ","part":6,"page":425},{"id":2947,"text":" والثالث أن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على ملأ من بني إسرائيل فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك قاله ابو العالية \r\n والرابع أنهم رموه بالسحر والجنون حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى وكان عند الله وجيها قال ابن عباس كان عند الله حظيا لا يسأله شيئا إلا أعطاه وقد بينا معنى الوجيه في آل عمران وقرأ ابن مسعود والاعمش وأبو حيوة وكان عبدا لله بالتنوين والباء وكسرا اللام \r\n قوله تعالى وقولوا قولا سديدا فيه أربعة أقوال ","part":6,"page":426},{"id":2948,"text":" أحدها صوابا قاله ابن عباس والثاني صادقا قاله الحسن والثالث عدلا قاله السدي والرابع قصدا قاله ابن قتيبة \r\n ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لا إله إلا الله قاله ابن عباس وعكرمة والثاني أنه العدل في جميع الأقوال والأعمال قاله قتادة والثالث في شأن زينب وزيد ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ما لا يصلح قاله مقاتل بن حيان \r\n قوله تعالى يصلح لكم أعمالكم فيه قولان \r\n أحدهما يتقبل حسناتكم قاله ابن عباس والثاني يزكي أعمالكم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فقد فاز فوزا عظيما أي نال الخير وظفر به إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فابين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى إنا عرضنا الامانة فيها قولان \r\n أحدهما أنها الفرائض عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدتها أثابها وإن ضيعتها عذبها فكرهت ذلك وعرضها على آدم فقبلها بما فيها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال سعيد بن جبير عرضت الأمانة على آدم فقيل له تأخذها بما فيها إن أطعت غفرت لك وإن ","part":6,"page":427},{"id":2949,"text":" عصيت عذبتك فقال قبلت فما كان إلا كما بين صلاة العصر إلى أن غربت الشمس حتى أصاب الذنب وممن ذهب إلى أنها الفرائض قتادة والضحاك والجمهور \r\n والثاني أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها روى السدي عن أشياخه أن آدم لما أراد الحج قال للسماء احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض فأبت وقال للجبال فأبت فقال لقابيل فقال نعم تذهب وتجئ وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قتل قابيل هابيل فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه فذلك حيث يقول الله عز و جل إنا عرضنا الأمانة إلى قوله وحملها الإنسان وهو ابن آدم فما قام بها \r\n وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين ان آدم لما حضرته الوفاة قال يا رب من أستخلف من بعدي فقيل له اعرض خلافتك على جميع الخلق فعرضها فكل أباها غير ولده \r\n وللمفسرين في المراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض قولان \r\n أحدهما أن الله تعالى ركب العقل في هذه الأعيان وأفهمهن خطابه وأنطقهن بالجواب حين عرضها عليهن ولم يرد بقوله أبين المخالفة ","part":6,"page":428},{"id":2950,"text":" ولكن أبين للخشية والمخافة لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما وأشفقن بمعنى خفن منها ان لا يؤذنها فيلحقن العقاب هذا قول الأكثرين \r\n والثاني أن المراد بالآية إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة قاله الحسن \r\n وفي المراد بالإنسان أربعة أقوال أحدها آدم في قول الجمهور والثاني قابيل في قول السدي والثالث الكافر والمنافق قاله الحسن والرابع جميع الناس قاله ثعلب \r\n قوله تعالى إنه كان ظلوما جهولا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ظلوما لنفسه غرا بأمر ربه قاله ابن عباس والضحاك \r\n والثاني ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة امره قاله مجاهد \r\n والثالث ظلوما بمعصية ربه جهولا بعقاب الأمانة قاله ابن السائب \r\n وذكر الزجاج في الآية وجها يخالف أكثر الأقوال وذكر أنه موافق للتفسير فقال إن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له فأما السماوات والأرض فقالتا أتينا طائعين فصلت وأعلمنا ان من الحجارة ما يهبط من خشية الله وأن الشمس والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجدون لله فعرفنا الله تعالى أن السماوات والأرض لم تحتمل الأمانة لأنها أدتها وأداؤها طاعة الله وترك معصيته وكل من خان الأمانة فقد احتملها وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم وكذلك قال الحسن وحملها الإنسان أي الكافر والمنافق حملاها أي خانا ولم يطيعا فأما من أطاع فلا يقال كان ظلوما جهولا ","part":6,"page":429},{"id":2951,"text":" قوله تعالى ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات قال ابن قتيبة المعنى عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم أي يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إن وقع منهم تقصير في الطاعات ","part":6,"page":430},{"id":2952,"text":" سورة سبأ \r\n وهي مكية باجماعهم \r\n وقال الضحاك وابن السائب ومقاتل فيها آية مدنية وهي قوله ويرى الذين أوتوا العلم سبأ \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الارض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور وقال الذين كفروا لاتأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم ","part":6,"page":431},{"id":2953,"text":" عذاب من رجز أليم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد \r\n قوله تعالى الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا وله الحمد في الآخرة يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة فيقولون الحمد لله الذي صدقنا وعده الحمد لله الذي هدانا لهذا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن \r\n يعلم ما يلج في الأرض من بذر أو مطر أو كنز او غير ذلك وما يخرج منها من زرع ونبات وغير ذلك وما ينزل من السماء من مطر او رزق او ملك وما يعرج فيها من ملك او عمل أو دعاء \r\n وقال الذين كفروا يعني منكري البعث لا تأتينا الساعة أي لا نبعث ","part":6,"page":432},{"id":2954,"text":" قوله تعالى عالم الغيب قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو عالم الغيب بكسر الميم وقرأ نافع وابن عامر برفعها وقرأ حمزة والكسائي علام الغيب بالكسر ولام قبل الألف قال ابو علي من كسر فعلى معنى الحمد لله عالم الغيب ومن رفع جاز ان يكون عالم الغيب خبر مبتدأ محذوف تقديره هو عالم الغيب ويجوز أن يكون ابتداء خبره لا يعزب عنه و علام أبلغ من عالم وقرأ الكسائي وحده لا يعزب بكسر الزاي وهما لغتان \r\n قوله تعالى ولا أصغر من ذلك وقرأ ابن السميفع والنخعي والأعمش ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالنصب فيهما \r\n قوله تعالى ليجزي الذين آمنوا قال الزجاج المعنى بلى وربي لنأتينكم المجازاة وقال ابن جرير المعنى أثبث مثقال الذرة وأصغر منه في كتاب مبين ليجزي الذين آمنوا وليري الذين أوتوا العلم \r\n قوله تعالى من رجز أليم قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب والمفضل من رجز أليم رفعا والباقون بالخفض فيهما \r\n وفي الذين أوتوا العلم قولان \r\n أحدهما أنهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم قاله قتادة ","part":6,"page":433},{"id":2955,"text":" قوله تعالى الذي أنزل إليك من ربك يعني القرآن هو الحق قال الفراء هو عماد فلذلك انتصب الحق وما أخللنا به فقد سبق في مواضع الحج البقرة \r\n وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا ام به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا وهم منكروا البعث قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل ينبئكم أي يقول لكم إنكم إذا مزقتم كل ممزق أي فرقتم كل تفريق والممزق هاهنا مصدر بمعنى التمزيق إنكم لفي خلق جديد أي يجدد خلقكم للبعث ثم أجاب بعضهم فقالوا أفترى على الله كذبا حين زعم أنا نبعث وألف أفترى ألف استفهام وهو استفهام تعجب وإنكار أم به جنة أي جنون فرد الله عليهم فقال بل أي ليس الأمر كما تقولون من الافتراء والجنون بل الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم الذين يجحدون البعث في العذاب إذا بعثوا في الآخرة والضلال البعيد من الحق في الدنيا \r\n ثم وعظهم فقال أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ","part":6,"page":434},{"id":2956,"text":" والأرض وذلك أن الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدماه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فالمعنى أنهم اين كانوا فأرضي وسمائي محيطة بهم وأنا القادر عليهم إن شئت خسفت بهم الارض وإن شئت اسقطت عليهم قطعة من السماء إن في ذلك أي فيما يرون من السماء والأرض لآية تدل على قدرة الله تعالى على بعثهم والخسف بهم لكل عبد منيب أي راجع إلى طاعة الله متأمل لما يرى \r\n ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى ولقد آتينا داود منا فضلا وهو النبوة والزبور وتسخير الجبال والطير إلى غير ذلك مما أنعم الله به عليه يا جبال أوبي معه وروى الحلبي عن عبد الوارث أوبي بضم الهمزة وتخفيف الواو قال الزجاج المعنى وقلنا يا جبال أوبيء معه أي رجعي معه والمعنى سبحي معه ورجعي التسبيح ومن قرأ أوبي معناه عودي في التسبيح معه كلما عاد وقال ابن قتيبة أوبي أي سبحي واصل التأويب في السير وهو ان يسير النهار كله وينزل ليلا فكأنه أراد ادأبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل ","part":6,"page":435},{"id":2957,"text":" قوله تعالى والطير وقرأ أبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي وابو العالية وابن ابي عبلة والطير بالرفع فأما قراءة النصب فقال أبو عمرو بن العلاء هو عطف على قوله ولقد آتينا داود منا فضلا والطير أي وسخرنا له الطير قال الزجاج ويجوز ان يكون نصبا على النداء كأنه قال دعونا الجبال والطير فالطير معطوف على موضع الجبال وكل منادي عند البصريين فهو في موضع نصب قال وأما الرفع فمن جهتين إحداهما ان يكون نسقا على ما في أوبي فالمعنى يا جبال رجعي التسبيح معه أنت والطير والثانية على النداء المعنى يا جبال ويا أيها الطير أوبي معه \r\n قال ابن عباس كانت الطير تسبح معه إذا سبح وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه وقال وهب بن منبه كان يقول للجبال سبحي وللطير أجيبي ثم يأخذ هو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك ولا يسمعون شيئا أطيب منه \r\n قوله تعالى وألنا له الحديد أي جعلناه لينا قال قتادة سخر الله له الحديد بغير نار فكان يسويه بيده لا يدخله النار ولا يضربه بحديدة وكان اول من صنع الدروع وكانت قبل ذلك صفائح \r\n قوله تعالى أن اعمل قال الزجاج معناه وقلنا له اعمل ويكون في معنى لأن يعمل سابغات أي دروعا سابغات فذكر الصفة لانها تدل على الموصوف \r\n قال المفسرون كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء ","part":6,"page":436},{"id":2958,"text":" فيعمل الدرع في بعض يوم فيبيعه بمال كثير فيأكل ويتصدق والسابغات الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض \r\n وقدر في السرد أي اجعله على قدر الحاجة قال ابن قتيبة السرد النسج ومنه يقال لصانع الدروع سراد وزراد تبدل من السين الزاي كما يقال سراط وزراط وقال الزجاج السرد في اللغة تقدمة الشئ إلى الشئ تأني به متسقا بعضه في إثر بعض متتابعا ومنه قولهم سرد فلان الحديث \r\n وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما عدل المسمار في الحلقة ولا تصغره فيقلق ولا تعظمه فتنفصم الحلقة قاله مجاهد \r\n والثاني لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها قاله قتادة \r\n قوله تعالى واعملوا صالحا خطاب لداود وآله \r\n ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ","part":6,"page":437},{"id":2959,"text":" قوله تعالى ولسليمان الريح قرأ الأكثرون بنصب الريح على معنى وسخرنا لسليمان الريح وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم الريح رفعا أي له تسخير الريح وقرأ أبو جعفر الرياح على الجمع \r\n غدوها شهر قال قتادة تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين قال الحسن لما شغلت نبي الله سليمان الخيل عن الصلاة فعقرها أبدله الله خيرا منها وأسرع وهي الريح فكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع ثم يروح من إصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للمسرع \r\n قوله تعالى وأسلنا له عين القطر قال الزجاج القطر النحاس وهو الصفر أذيب مذ ذاك وكان قبل سليمان لا يذوب \r\n قال المفسرون أجرى الله لسليمان عين الصفر حتى صنع منها ما أراد من غير نار كما الين لداود الحديد بغير نار فبقيت تجري ثلاثة أيام ولياليهن كجري الماء وإنما يعمل الناس اليوم مما اعطي سليمان ","part":6,"page":438},{"id":2960,"text":" قوله تعالى ومن الجن المعنى وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه باذن ربه أي بأمره سخرهم الله له وأمرهم بطاعته والكلام يدل على أن منهم من لم يسخر له ومن يزغ منهم أي يعدل عن امرنا له بطاعة سليمان نذقه من عذاب السعير وهل هذا في الدنيا أم في الآخرة فيه قولان أحدهما في الآخرة قاله الضحاك والثاني في الدنيا قاله مقاتل وقيل إنه كان مع سليمان ملك بيده سوط من نار فمن زاغ من الجن ضربه الملك بذلك السوط \r\n يعملون له ما يشاء من محاريب وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها المساجد قاله مجاهد وابن قتيبة والثاني القصور قاله عطية والثالث المساجد والقصور قاله قتادة وأما التماثيل فهي الصور قال الحسن ولم تكن يومئذ محرمة ثم فيها قولان \r\n أحدهما أنها كانت كالطواويس والعقبان والنسور على كرسيه ودرجات سريره لكي يهابها من أراد الدنو منه قاله الضحاك \r\n والثاني أنها كانت صور النبيين والملائكة لكي يراهم الناس مصورين فيعبدوا مثل عبادتهم ويتشبهوا بهم قاله ابن السائب \r\n وفي ما كانوا يعملونها منه قولان أحدهما من النحاس قاله مجاهد والثاني من الرخام والشبه قاله قتادة \r\n قوله تعالى وجفان كالجوابي الجفان جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة والجوابي جمع جابية وهي الحوض الكبير يجبي فيه الماء أي يجمع ","part":6,"page":439},{"id":2961,"text":" قرأ ابن كثير وأبو عمرو كالجوابي بياء إلا أن ابن كثير يثبت الياء في الوصل والوقف وأبو عمرو يثبتها في الوصل دون الوقف قال الزجاج وأكثر القراء على الوقف بغير ياء وكان الأصل الوقف بالياء إلا أن الكسرة تنوب عنها \r\n قال المفسرون كانوا يصنعون له القصاع كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها \r\n قوله تعالى وقدور راسيات أي ثوابت يقال رسا يرسو إذا ثبت \r\n وفي علة ثبوتها في مكانها قولان أحدهما ان أثافيها منها قاله ابن عباس والثاني أنها لا تنزل لعظمها قاله ابن قتيبة \r\n قال المفسرون وكانت القدور كالجبال لا تحرك من أماكنها يأكل من القدر ألف رجل \r\n قوله تعالى اعملوا آل داود شكرا المعنى وقلنا اعملوا بطاعة الله شكرا له على ما آتاكم \r\n قوله تعالى فلما قضينا عليه الموت يعني على سليمان ","part":6,"page":440},{"id":2962,"text":" قال المفسرون كانت الإنس تقول إن الجن تعلم الغيب الذي يكون في غد فوقف سليمان في محرابه يصلي متوكئا على عصاه فمات فمكث كذلك حولا والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته حتى اكلت الأرض عصا سليمان فخر فعلموا بموته وعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب \r\n وقيل أن سليمان سأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته فأخفاه الله عنهم حولا \r\n وفي سبب سؤاله قولان \r\n أحدهما لأن الجن كانوا يقولون للانس إننا نعلم الغيب فأراد تكذيبهم \r\n والثاني لانه كان قد بقي من عمارة بيت المقدس بقية \r\n فاما دابة الأرض فهي الأرضة وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري دابة الارض بفتح الراء \r\n والمنسأة العصا قال الزجاج وإنما سميت منسأة لأنه ينسأ بها أي يطرد ويزجر قال الفراء أهل الحجاز لا يهمزون المنسأة وتميم وفصحاء قيس يهمزونها \r\n قوله تعالى فلما خر أي سقط تبينت الجن أي ظهرت وانكشف للناس أنهم لا يعلمون الغيب ولو علموا ما لبثوا في العذاب المهين ","part":6,"page":441},{"id":2963,"text":" أي ما عملوا مسخرين وهو ميت وهم يظنونه حيا وقيل تبينت الجن أي علمت لانها كانت تتوهم باستراقها السمع أنها تعلم الغيب فعلمت حينئذ خطأها في ظنها وروى رويس عن يعقوب تبينت برفع التاء والباء وكسر الياء \r\n لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ \r\n قوله تعالى لقد كان لسبأ في مساكنهم آية قرأ ابن كثير ","part":6,"page":442},{"id":2964,"text":" ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في مساكنهم وقرأ حمزة وحفص عن عاصم مسكنهم بفتح الكاف من غير ألف وقرأ الكسائي وخلف مسكنهم بكسر الكاف وهي لغة \r\n قال المفسرون المراد بسبأ هاهنا القبيلة التي هم من أولاد سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان وقد ذكرنا في سورة النمل الخلاف في هذا وأن قوما يقولون هو اسم بلد وليس باسم رجل وذكر الزجاج في هذا المكان أن من قرأ لسبأ بالفتح وترك الصرف جعله اسما للقبيلة ومن صرف وكسر ونون جعله اسما للحي واسما لرجل وكل جائز حسن وآية رفع اسم كان وجنتان رفع على نوعين أحدهما أنه بدل من آية والثاني على إضمار كأنه لما قيل آية قيل الآية جنتان \r\n الإشارة إلى قصتهم \r\n ذكر العلماء بالتفسير والسير أن بلقيس لما ملكت قومها جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم فجعلت تناهم فلا يطيعونها فتركت ملكها وانطلقت إلى قصرها فنزلته فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت فقالوا لترجعن أو لنقتلنك فقالت إنكم لا تطيعونني وليست لكم عقول فقالوا فانا نطيعك فجاءت إلى واديهم وكانوا ","part":6,"page":443},{"id":2965,"text":" إذا مطروا أتاه السيل من مسيرة أيام فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة وحبست الماء من وراء السد وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض وبنت من دونه بركة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم فكان الماء يخرج بينهم بالسوية إلى أن كان من شأنها مع سليمان ما سبق ذكره النمل وبقوا بعدها على حالهم وقيل إنما بنوا ذلك البنيان لئلا يغشى السيل أموالهم فيهلكها فكانوا يفتحون من ابواب السد ما يريدون فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه وكانت لهم جنتان عن يمين واديهم وعن شماله فأخصبت أرضهم وكثرت فواكههم وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل على رأسها فترجع وقد امتلأ من الثمر ولا تمس بيدها شيئا منه ولم يكن يرى في بلدهم حية ولا عقرب ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب هوائها وقيل لهم كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة أي هذه بلدة طيبة أو بلدتكم بلدة طيبة ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي ورب غفور أي والله رب غفور وكانت ثلاث عشرة قرية فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوا الرسل ولم يقروا بنعم الله فذلك قوله فأعرضوا أي عن الحق وكذبوا أنبياءهم فأرسلنا عليهم سيل العرم وفيه أربعة أقوال ","part":6,"page":444},{"id":2966,"text":" أحدها أن العرم الشديد رواه علي بن أبي طالب عن ابن عباس وقال ابن الأعرابي العرم السيل الذي لا يطاق \r\n والثاني أنه اسم الوادي رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك ومقاتل \r\n والثالث أنه المسناة قاله مجاهد وأبو ميسرة والفراء وابن قتيبة وقال أبو عبيدة العرم جمع عرمة وهي السكر والمسناة \r\n والرابع أن العرم الجرذ الذي نقب عليهم السكر حكاه الزجاج \r\n وفي صفة إرسال هذا السيل عليهم قولان \r\n أحدهما أن الله تعالى بعث على سكرهم دابة من الأرض فنقبت فيه نقبا فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به رواه العوفي عن ابن عباس وقال قتادة والضحاك في آخرين بعث الله عليهم جرذا يسمى الخلد والخلد الفأر الأعمى فنقبه من أسفله فأغرق الله به جناتهم وخرب به أرضهم \r\n والثاني أنه أرسل عليهم ماء أحمر أرسله في السد فنسفه وهدمه وحفر الوادي ولم يكن الماء أحمر من السد وإنما كان سيلا أرسل عليهم قاله مجاهد \r\n قوله تعالى وبدلناهم بجنتيهم يعني اللتين تطعمان الفواكه جنتين ذواتي أكل خمط قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أكل بالتنوين وقرأ أبو عمرو أكل بالإضافة وخفف الكاف ابن كثير ونافع وثقلها الباقون أما الأكل فهو الثمر \r\n وفي المراد ب الخمط ثلاثة أقوال ","part":6,"page":445},{"id":2967,"text":" أحدها أنه الأراك قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور فعلى هذا أكله ثمره ويسمى ثمر الأراك البرير \r\n والثاني أنه كل شجرة ذات شوك قاله ابو عبيدة \r\n والثالث أنه كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله قاله المبرد والزجاج فعلى هذا القول الخمط اسم للمأكول فيحسن على هذا قراءة من نون الأكل وعلى ما قبله هو اسم شجرة والأكل ثمرها فيحسن قراءة من أصناف \r\n فأما الأثل ففيه ثلاثة اقوال أحدها أنه الطرفاء قاله ابن عباس والثاني أنه السمر حكاه ابن جرير والثالث أنه شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه \r\n قوله تعالى وشيء من سدر قليل فيه تقديم وتقديره وشئ قليل من سدر وهو شجر النبق والمعنى أنه كان الخمط والأثل في جنتيهم ","part":6,"page":446},{"id":2968,"text":" أكثر من السدر قال قتادة بينا شجرهم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر \r\n قوله تعالى ذلك جزيناهم أي ذلك التبديل جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور \r\n فان قيل قد يجازي المؤمن والكافر فما معنى هذا التخصيص فعنه جوابان \r\n أحدهما أن المؤمن يجزى ولا يجازى فيقال في أفصح اللغة جزى الله المؤمن ولا يقال جازاه لأن جازاه بمعنى كافأه فالكافر يجازى بسيئته مثلها مكافأة له والمؤمن يزاد في الثواب ويتفضل عليه هذا قول الفراء \r\n والثاني أن الكافر ليست له حسنة تكفر ذنوبه فهو يجازي بجميع الذنوب والمؤمن قد أحبطت حسناته سيئاته هذا قول الزجاج وقال طاووس الكافر يجازى ولا يغفر له والمؤمن لا يناقش الحساب \r\n قوله تعالى وجعلنا بينهم هذا معطوف على قوله تعالى لقد كان لسبأ والمعنى كان من قصصهم أنا جعلنا بينهم وبين القرى التي ","part":6,"page":447},{"id":2969,"text":" باركنا فيها وهي قرى الشام وقد سبق بيان معنى البركة فيها الانبياء هذا قول الجمهور وحكى ابن السائب ان الله تعالى لما أهلك جنتيهم قالوا للرسل قد عرفنا نعمة الله علينا فلئن رد إلينا ما كنا عليه لنعبدنه عبادة شديدة فرد عليهم النعمة وجعل لهم قرى ظاهرة فعادوا إلى الفساد وقالوا باعد بين أسفارنا فمزقوا \r\n قوله تعالى قرى ظاهرة أي متواصلة ينظر بعضها إلى بعض وقدرنا فيها السير فيه قولان \r\n أحدهما أنهم كانوا يغدون فيقيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية قاله الحسن وقتادة \r\n والثاني أنه جعل ما بين القرية والقرية مقدارا واحدا قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى سيروا فيها والمعنى وقلنا لهم سيروا فيها ليالي وأياما أي ليلا ونهارا آمنين من مخاوف السفر من جوع أو عطش أو سبع أو تعب وكانوا يسيرون أربعة أشهر في أمان فبطروا النعمة وملوها كما مل بنو إسرائيل المن والسلوى فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا قرأ ابن كثير وأبو عمرو بعد بتشديد العين وكسرها وقرأ نافع وعاصم وحمزة باعد بألف وكسر العين وعن ابن عباس كالقراءتين قال ابن عباس إنهم قالوا لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن يشتهى جناها قال أبو سليمان الدمشقي لما ذكرتهم الرسل نعم الله أنكروا أن يكون ماهم فيه نعمة ","part":6,"page":448},{"id":2970,"text":" وسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم وقرأ يعقوب ربنا برفع الباء باعد بفتح العين والدال جعله فعلا ماضيا على طريق الإخبار للناس بما أنزله الله عز و جل بهم وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء وابن السميفع وابن أبي عبلة بعد برفع العين وتخفيفها وفتح الدال من غير ألف على طريق الشكاية إلى الله عز و جل وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني بوعد برفع الباء وبواو ساكنة مع كسر العين \r\n قوله تعالى وظلموا أنفسهم فيه قولان أحدهما بالكفر وتكذيب الرسل والثاني بقولهم بعد بين أسفارنا \r\n فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم يتحدثون بما فعل بهم ومزقناهم كل ممزق أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق لأن الله لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل في الفرقة بسبأ إن في ذلك أي فيما فعل بهم لآيات أي لعبرا لكل صبار عن معاصي الله شكور لنعمه \r\n قوله تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه عليهم بمعنى فيهم ","part":6,"page":449},{"id":2971,"text":" وصدقه في ظنه أنه ظن بهم أنهم يتبعونه إذ أغواهم فوجدهم كذلك وإنما قال ولأضلنهم ولأمنينهم النساء بالظن لا بالعلم فمن قرأ صدق بتشديد الدال فالمعنى حقق ما ظنه فيهم بما فعل بهم ومن قرأ بالتخفيف فالمعنى صدق عليهم في ظنه بهم \r\n وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم أهل سبأ والثاني سائر المطيعين لإبليس \r\n قوله تعالى وما كان له عليهم من سلطان قد شرحناه في قوله ليس لك عليهم سلطان الحجر قال الحسن والله ما ضربهم بعصا ولا قهرهم على شئ إلا أنه دعاهم إلى الأماني والغرور \r\n قوله تعالى إلا لنعلم أي ما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين وقرأ الزهري إلا ليعلم بياء مرفوعة على ما لم يسم فاعله وقرأ ابن يعمر ليعلم بفتح الياء \r\n وفي المراد بعلمه هاهنا ثلاثة أقوال قد شرحناه في أول العنكبوت \r\n وربك على كل شئ من الشك والإيمان حفيظ وقال ابن قتيبة والحفيظ بمعنى الحافظ قال الخطابي وهو فعيل بمعنى فاعل كالقدير والعليم فهو يحفظ السماوات والأرض بما فيها لتبقى مدة بقائها ويحفظ عباده من ","part":6,"page":450},{"id":2972,"text":" المهالك ويحفظ عليهم أعمالهم ويعلم نياتهم ويحفظ أولياءه عن مواقعة الذنوب ويحرسهم من مكايد الشيطان قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يعلمون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير \r\n قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم المعنى قل للكفار ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لينعموا عليكم بنعمة أو يكشفوا عنكم بلية ثم أخبر عنهم فقال لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض أي من خير وشر ونفع وضر وما لهم فيهما من شرك لم يشاركونا في شئ من خلقهما وماله أي وما لله منهم أي من الآلهة من ظهير أي من معين على شئ \r\n ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له قرا ابن كثير ونافع وابن عامر أذن له بفتح الألف وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف أذن له برفع الألف وعن عاصم كالقراءتين أي لا تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة وقيل حتى يؤذن له فيمن يشفع وفي هذا رد عليهم حين قالوا إن هذه الآلهة تشفع لنا ","part":6,"page":451},{"id":2973,"text":" حتى إذا فزع عن قلوبهم قرأ الأكثرون فزع بضم الفاء وكسر الزاي قال ابن قتيبة خفف عنها الفزع وقال الزجاج معناه كشف الفزع عن قلوبهم وقرأ ابن عامر ويعقوب وأبان فزع بفتح الفاء والزاي والفعل لله عز و جل وقرأ الحسن وقتادة وابن يعمر فرغ بالراء غير معجمة وبالغين معجمة وهو بمعنى الأول لأنها فرغت من الفزع وقال غيره بل فرغت من الشك والشرك \r\n وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة وقد دل الكلام على انهم يفزعون لأمر يطرأ عليهم من أمر الله ولم يذكره في الآية لأن إخراج الفزع يدل على حصوله وفي سبب فزعهم قولان \r\n أحدهما أنهم يفزعون لسماع كلام الله تعالى روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فاذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك قال فيقول الحق فينادون الحق الحق وروى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قضى الله عز و جل الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ","part":6,"page":452},{"id":2974,"text":" للذي قال الحق وهو العلي الكبير \r\n والثاني أنهم يفزعون من قيام الساعة وفي السبب الذي ظنوه بدنو الساعة ففزعوا قولان \r\n أحدهما أنه لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ثم بعث الله محمدا أنزل الله جبريل بالوحي فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشئ من أمر الساعة فصعقوا لذلك فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي قاله قتادة ومقاتل وابن السائب وقيل لما علموا بالإيحاء إلى محمد صلى الله عليه و سلم فزعوا لعلمهم أن ظهوره من أشراط الساعة \r\n والثاني أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الله تعالى فانحدروا يسمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة وهذا كلما مروا عليهم رواه الضحاك عن ابن مسعود \r\n والقول الثاني أن الذي أشير إليهم المشركون ثم في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أن المعنى حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق فأقروا حين لم ينفعهم الإقرار قاله الحسن وابن زيد ","part":6,"page":453},{"id":2975,"text":" والثاني حتى إذا كشف الغطاء عن قلوبهم يوم القيامة قيل لهم ماذا قال ربكم قاله مجاهد قل من يرزقكم من السماوات والارض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى قل من يرزقكم من السماوات يعني المطر والأرض يعني النبات والثمر وإنما أمر أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة وهم لا يثبتون رازقا سواه ولهذا قيل له قل الله لأنهم لا يجيبون بغير هذا وهاهنا تم الكلام ثم أمره أن يقول لهم وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين مذهب المفسرين أن أو هاهنا بمعنى الواو وقال أبو عبيدة معنى الكلام وإنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين وقال الفراء معنى أو عند المفسرين معنى الواو وكذلك هو في المعنى غير أن العربية على غير ذلك لا تكون او بمنزلة الواو ولكنها تكون في الأمر المفوض كما تقول إن شئت فخذ درهما أو اثنين فله أن يأخذ واحدا أو اثنين وليس له أن يأخذ ثلاثة وإنما معنى الآية وإنا لضالون أو مهتدون وإنكم أيضا لضالون أو مهتدون وهو يعلم أن ","part":6,"page":454},{"id":2976,"text":" رسوله المهتدي وأن غيره الضال كما تقول للرجل تكذبه والله إن أحدنا لكاذب وأنت تعنيه فكذبته تكذيبا غير مكشوف ويقول الرجل والله لقد قدم فلان فيقول له من يعلم كذبه قل إن شاء الله فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب ومن كلام العرب أن يقولوا قاتله الله ثم يستقبحونها فيقول قاتعه الله ويقول بعضهم كاتعه الله ويقولون جوعا دعاء على الرجل ثم يستقبحونها فيقولون جودا وبعضهم يقول جوسا ومن ذلك قولهم ويحك وويسك وإنما هي في معنى ويلك إلا أنها دونها \r\n قوله تعالى قل لا تسألون عما أجرمنا أي لا تؤاخذون به ولا نسأل عما تعلمون من الكفر والتكذيب والمعنى إظهار التبري منهم وهذه الآية عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف ولا وجه لذلك \r\n قوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا يعني عند البعث في الآخرة ثم يفتح بيننا أي يقضي بالحق أي بالعدل وهو الفتاح القاضي العليم بما يقضي قل للكفار أروني الذين ألحقتم به شركاء أي أعلموني من أي وجه ألحقتموهم وهم لا يخلقون ولا يرزقون كلا ردع وتنبيه والمعنى ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالتكم فليس الأمر على ما أنتم عليه ","part":6,"page":455},{"id":2977,"text":" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون \r\n قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس أي عامة لجميع الخلائق وفي الكلام تقديم تقديره وما أرسلناك إلا للناس كافة وقيل معنى كافة للناس تكفهم عما هم عليه من الكفر والهاء فيه للمبالغة \r\n ويقولون متى هذا الوعد يعنون العذاب الذي يعدهم به في يوم القيامة وإنما قالوا هذا لأنهم ينكرون البعث قل لكم ميعاد يوم وفيه قولان أحدهما أنه يوم الموت عند النزع والسياق قاله الضحاك والثاني يوم القيامة قاله ابو سليمان الدمشقي ","part":6,"page":456},{"id":2978,"text":" وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانو يعملون \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا يعني مشركي مكة لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه يعنون التوراة والإنجيل وذلك أن مؤمني أهل الكتاب قالوا إن صفة محمد في كتابنا فكفر أهل مكة بكتابهم \r\n ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال ولو ترى إذ الظالمون يعني مشركي مكة موقوفون عند ربهم في الآخرة يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يرد بعضهم على بعض في الجدال واللوم يقول الذين استضعفوا وهم الأتباع للذين استكبروا وهم الأشراف والقادة لولا أنتم لكنا مؤمنين أي مصدقين بتوحيد الله والمعنى أنتم منعتمونا عن الإيمان فأجابهم المتبوعون فقالوا أنحن صددناكم عن الهدى أي منعناكم عن الإيمان بعد إذ جاءكم به الرسول بل كنتم مجرمين بترك الإيمان وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سببا للعداوة في الآخرة فرد عليهم الأتباع فقالوا بل مكر الليل والنهار أي بل مكركم بنا في الليل والنهار قال الفراء ","part":6,"page":457},{"id":2979,"text":" وهذا مما تتوسع فيه العرب لوضوح معناه كما يقولون ليله قائم ونهاره صائم فتضيف الفعل إلى غير الآدميين والمعنى لهم وقال الأخفش وهذا كقوله من قريتك التي أخرجتك محمد قال جرير ... لقد لمتنا يا أم غيلان في السري ونمت وما ليل المطي بنائم ... \r\n وقرأ سعيد بن جبير وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري بل مكر بفتح الكاف والراء الليل والنهار برفعهما وقرأ ابن يعمر بل مكر باسكان الكاف ورفع الراء وتنوينها الليل والنهار بنصبهما \r\n قوله تعالى إذ تأمورننا ان نكفر بالله وذلك أنهم كانوا يقولون لهم إن ديننا حق ومحمد كذاب وأسروا الندامة وقد سبق بيانه في يونس \r\n قوله تعالى وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا إذا دخلوا جهنم غلت أيديهم إلى أعناقهم وقالت لهم خزنة جهنم هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا قال ابو عبيدة مجاز هل هاهنا مجاز الإيجاب وليس باستفهام والمعنى ما تجزون إلا ما كنتم تعملون وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون والذين ","part":6,"page":458},{"id":2980,"text":" يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين \r\n وما أرسلنا في قرية من نذير أي نبي ينذر إلا قال مترفوها وهم أغنياؤهم ورؤساؤها \r\n قوله تعالى وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا في المشار إليهم ","part":6,"page":459},{"id":2981,"text":" قولان أحدهما أنهم المترفون من كل أمة والثاني مشركو مكة فظنوا من جهلهم أن الله خولهم المال والولد لكرامتهم عليه فقالوا وما نحن بمعذبين لأن الله أحسن إلينا بما أعطانا فلا يعذبنا فأخبر أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر والمعنى أن بسط الرزق وتضييقه ابتلاء وامتحان لا أن البسط يدل على رضى الله ولا التضييق يدل على سخطه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك ثم صرح بهذا المعنى بقوله وما اموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى قال الفراء يصلح أن تقع التي على الأموال والأولاد جميعا لأن الأموال جمع والأولاد جمع وإن شئت وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد وأنشد لمرار الأسدي ... نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف ... \r\n وقد شرحنا هذا في قوله ولا ينفقونها في سبيل الله التوبة وقال الزجاج المعنى وما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالذين يقربونكم فحذف اختصارا وقرأ أبي بن كعب والحسن وأبو الجوزاء باللاتي تقربكم قال الأخفش وزلفى هاهنا اسم مصدر كأنه قال تقربكم عندنا ازدلافا وقال ابن قتيبة زلفى أي قربى ومنزلة عندنا ","part":6,"page":460},{"id":2982,"text":" قوله تعالى إلا من آمن قال الزجاج المعنى ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة الله فأولئك لهم جزاء الضعف والمراد به ها هنا عشر حسنات تأويله لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمتكم مقداره وقال ابن قتيبة لم يرد فيما يرى أهل النظر والله اعلم أنهم يجازون بواحد مثله ولا اثنين ولكنه أراد جزاء التضعيف وهو مثل يضم إلى مثل ما بلغ وكأن الضعف الزيادة فالمعنى لهم جزاء الزيادة وقرأ سعيد بن جبير وأبو المتوكل ورويس وزيد عن يعقوب لهم جزاء بالنصب والتنوين وكسر التنوين وصلا الضعف بالرفع وقرأ أبو الجوزاء وقتادة وأبو عمران الجوني لهم جزاء بالرفع والتنوين الضعف بالرفع \r\n قوله تعالى وهم في الغرفات يعني في غرف الجنة وهي البيوت فوق الأبنية وقرأ حمزة في الغرفة على التوحيد أراد اسم الجنس وقرأ الحسن وأبو المتوكل في الغرفات بضم الغين وسكون الراء مع الألف وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر بضم الغين وفتح الراء مع الألف آمنون من الموت والغير وما بعد هذا قد تقدم تفسيره الحج الرعد إلى قوله وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه أي يأتي ببدله يقال أخلف الله له وعليه إذا أبدل ما ذهب عنه وفي معنى الكلام اربعة أقوال \r\n أحدهما ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني ما أنفقتم في طاعته فهو يخلفه في الآخرة بالأجر قاله السدي \r\n والثالث ما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلفه إما أن يعجله في الدنيا أو يدخره لكم في الآخرة قاله ابن السائب ","part":6,"page":461},{"id":2983,"text":" والرابع أن الإنسان قد ينفق ماله في الخير ولا يرى له خلفا أبدا وإنما معنى الآية ما كان من خلف فهو منه ذكره الثعلبي \r\n قوله تعالى وهو خير الرازقين لما دار على الألسن أن السلطان يرزق الجند وفلان يرزق عياله أي يعطيهم أخبر أنه خير المعطين ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ","part":6,"page":462},{"id":2984,"text":" قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا يعني المشركين وقال مقاتل يعني الملائكة ومن عبدها ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون وهذا استفهام تقرير وتوبيخ للعابدين فنزهت الملائكة ربها عن الشرك فقالوا سبحانك أي تنزيها لك مما أضافوه إليك من الشركاء أنت ولينا من دونهم أي نحن نتبرأ إليك منهم ما تولينا ولا اتخذناهم عابدين ولسنا نريد وليا غيرك بل كانوا يعبدون الجن أي يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا أكثرهم بهم أي بالشياطين مؤمنون أي مصدقون لهم فيما يخبرونهم من الكذب أن الملائكة بنات الله فيقول الله تعالى فاليوم يعني في الآخرة لا يملك بعضكم لبعض يعني العابدين والمعبودين نفعا بالشفاعة ولا ضرا بالتعذيب ونقول للذين ظلموا فعبدوا غير الله ذوقوا عذاب النار الآية \r\n ثم أخبر أنهم يكذبون محمدا والقرآن بالآية التي تلي هذه وتفسيرها ظاهر \r\n ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة ولم يكذبوا محمدا عن يقين ولم يأتهم قبله كتاب ولا نبي يخبرهم بفساد أمره فقال وما آتيناهم من كتب يدرسونها قال قتادة ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ","part":6,"page":463},{"id":2985,"text":" ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد وهذا محمول على الذين أنذرهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقد كان إسماعيل نذيرا للعرب \r\n ثم أخبر عن عاقبة المكذبين قبلهم مخوفا لهم فقال وكذب الذين من قبلهم يعني الامم الكافرة وما بلغوا معشار ما آتيناهم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما بلغ كفار مكة معشار ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة والمال وطول العمر قاله الجمهور \r\n والثاني ما بلغ الذين من قبلهم معشار ما أعطينا هؤلاء من الحجة والبرهان \r\n والثالث ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم حكاهما الماوردي \r\n والمعشار العشر والنكير اسم بمعنى الإنكار قال الزجاج والمعنى فكيف كان نكيري وإنما حذفت الياء لأنه آخر آية قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد قل ماسألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شئ شهيد قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد قل إن ضللت فانما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب \r\n قوله تعالى قل إنما أعظكم أي آمركم وأوصيكم بواحدة وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها لا إله إلا الله رواه ليث عن مجاهد ","part":6,"page":464},{"id":2986,"text":" والثاني طاعة الله رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثالث أنها قوله أن تقوموا لله مثنى وفرادى قاله قتادة والمعنى ان التي أعظكم بها قيامكم وتشميركم لطلب الحق وليس بالقيام على الأقدام والمراد بقوله مثنى أي يجتمع اثنان فيتناظران في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم والمراد به فرادى أن يتفكر الرجل وحده ومعنى الكلام ليتفكر الإنسان منكم وحده وليخل بغيره وليناظر وليستشر فيستدل بالمصنوعات على صانعها ويصدق الرسول على اتباعه وليقل الرجل لصاحبه هلم فلنتصادق هل رأينا بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبا قط وتم الكلام عند قوله ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة وفيه اختصار تقديره ثم تتفكروا لتعلموا صحة ما أمرتكم به وأن الرسول ليس بمجنون إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد في الآخرة \r\n قوله تعالى قل ما سألتكم من أجر على تبليغ الرسالة فهو لكم ","part":6,"page":465},{"id":2987,"text":" والمعنى ما أسألكم شيئا ومثله قول القائل ما لي في هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شئ \r\n قوله تعالى قل إن ربي يقذف بالحق أي يلقي الوحي إلى أنبياءه علام الغيوب وقرأ أبو رجاء علام بنصب الميم \r\n قل جاء الحق وهو الإسلام والقرآن \r\n وفي المراد بالباطل ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الشيطان لا يخلق أحدا ولا يبعثه قاله قتادة \r\n والثاني أنه الأصنام لا تبدئ خلقا ولا تحيي قاله الضحاك وقال أبو سليمان لا يبتدئ الصنم من عنده كلاما فيجاب ولا يرد ما جاء من الحق بحجة \r\n والثالث أنه الباطل الذي يضاد الحق فالمعنى ذهب الباطل بمجئ الحق فلم تبق منه بقية يقبل بها او يدبر أو يبدي او يعيد ذكره جماعة من المفسرين \r\n قوله تعالى قل إن ضللت فانما أضل على نفسي أي إثم ضلالتي ","part":6,"page":466},{"id":2988,"text":" على نفسي وذلك أن كفار مكة زعموا أنه قد ضل حين ترك دين آبائه وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي من الحكمة والبيان ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب \r\n قوله تعالى ولو ترى إذ فزعوا في زمان هذا الفزع قولان \r\n أحدهما أنه حين البعث من القبور قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه عند ظهور العذاب في الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال سعيد بن جبير هو الجيش الذي يخسف به بالبيداء يبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقوا وهذا حديث مشروح في التفسير وأن هذا الجيش يؤم البيت الحرام لتخريبه فيخسف بهم وقال الضحاك وزيد ابن أسلم هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من المشركين ","part":6,"page":467},{"id":2990,"text":" قوله تعالى فلا فوت المعنى فلا فوت لهم أي لا يمكنهم أن يفوتونا وأخذوا من مكان قريب فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من مكانهم يوم بدر قاله زيد بن أسلم والثاني من تحت أقدامهم بالخسف قاله مقاتل والثالث من القبور قاله ابن قتيبة وأين كانوا فهم من الله قريب \r\n قوله تعالى وقالوا أي حين عاينوا العذاب آمنا به في هاء الكناية أربعة أقوال \r\n أحدها أنها تعود إلى الله عز و جل قاله مجاهد والثاني إلى البعث قاله الحسن والثالث إلى الرسول قاله قتادة والرابع إلى القرآن قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وأنى لهم التناوش قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم التناوش غير مهموز وقرا أبو عمرو وحمزة ة والكسائي والمفضل عن عاصم بالهمز قال الفراء من همز جعله من نأشت ومن لم يهمز جعله من نشت وهما متقاربان والمعنى تناولت الشئ بمنزلة ذمت الشئ وذامته إذا عبته وقد تناوش القوم في القتال إذ تناول بعضهم بعضا بالرماح ولم يتدانوا كل التداني وقد يجوز همز التناؤش وهي من نشت لانضمام الواو مثل قوله وإذا الرسل أقتت المرسلات وقال الزجاج من همز التناؤش فلأن واو التناوش مضمومة وكل واو مضمونة ضمتها لازمة إن شئت أبدلت منها همزة وإن شئت لم تبدل نحو أدؤر وقال ابن قتيبة معنى الآية وأنى لهم ","part":6,"page":469},{"id":2991,"text":" التناوش لما أرادوا بلوغه وإدراك ما طلبوا من التوبة من مكان بعيد وهو الموضع الذي تقبل فيه التوبة وكذلك قال المفسرون انى لهم بتناول الإيمان والتوبة وقد تركوا ذلك في الدنيا والدنيا قد ذهبت \r\n قوله تعالى وقد كفروا به في هاء الكناية أربعة أقوال قد تقدمت في قوله آمنا به سبأ ومعنى من قبل أي في الدنيا من قبل معاينة أهوال الآخرة ويقذفون بالغيب أي يرمون بالظن من مكان بعيد وهو بعدهم عن العلم بما يقولون \r\n وفي المراد بمقالتهم هذه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم يظنون أنهم يردون إلى الدنيا قاله ابو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه قولهم في الدنيا لا بعث لنا ولا جنة ولا نار قاله الحسن وقتادة \r\n والثالث أنه قولهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو ساحر هو كاهن هو شاعر قاله مجاهد \r\n قوله تعالى وحيل بينهم وبين ما يشتهون أي منع هؤلاء الكفار مما يشتهون وفي ستة اقوال \r\n احدها انه الرجوع إلى الدنيا قاله ابن عباس والثاني الأهل والمال والولد قاله مجاهد والثالث الإيمان قاله الحسن والرابع طاعة الله قاله قتادة والخامس التوبة قاله السدي والسادس حيل بين الجيش الذي ","part":6,"page":470},{"id":2992,"text":" خرج لتخريب الكعبة وبين ذلك بأن خسف بهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى كما فعل وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو عمران كما فعل بفتح الفاء والعين بأشياعهم من قبل قال الزجاج أي بمن كان مذهبه مذهبهم قال المفسرون والمعنى كما فعل بنظرائهم من الكفار من قبل هؤلاء فانهم حيل بينهم وبين ما يشتهون وقال الضحاك هم أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة إنهم كانوا في شك من البعث ونزول العذاب بهم مريب أي موقع للريبة والتهمة ","part":6,"page":471},{"id":2993,"text":" سورة فاطر \r\n وتسمى سورة الملائكة وهي مكية باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى الحمد لله فاطر السماوات والأرض أي خالقهما مبتدئا على غير مثال قال ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى اختصم أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتداءتها \r\n قوله تعالى جاعل الملائكة وروى الحلبي والقزاز عن عبد الوارث ","part":6,"page":472},{"id":2994,"text":" جاعل بالرفع والتنوين الملائكة بالنصب رسلا يرسلهم إلى الأنبياء وإلى ما يشاء من الأمور أولي أجنحة أي أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع فبعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة وبعضهم له اربعة ويزيد في الخلق ما يشاء فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه زاد في خلق الملائكة الأجنحة رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني يزيد في الاجنحة ما يشاء رواه عباد بن منصور عن الحسن وبه قال مقاتل \r\n والثالث أنه الخلق الحسن رواه عوف عن الحسن \r\n والرابع أنه حسن الصوت قاله الزهري وابن جريج \r\n والخامس الملاحة في العينين قاله قتادة \r\n قوله تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة أي من خير ورزق وقيل أراد بها المطر فلا ممسك لها وقرأ أبي بن كعب وابن ابي عبلة فلا ممسك له وفي الآية تنبيه على أنه لا إله إلا هو إذ لا يستطيع أحد إمساك ما فتح وفتح ما أمسك يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء الأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ","part":6,"page":473},{"id":2995,"text":" ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير \r\n قوله تعالى يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم قال المفسرون الخطاب لأهل مكة واذكروا بمعنى احفظوا ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم \r\n هل من خالق غير الله وقرأ حمزة والكسائي غير الله بخفض الراء قال أبو علي جعلاه صفة على اللفظ وذلك حسن لإتباع الجر وهذا استفهام تقرير وتوبيخ والمعنى لا خالق سواه يرزقكم من السماء المطر و من الأرض النبات وما بعد هذا قد سبق بيانه الأنعام آل عمران البقرة لقمان إلى قوله إن الشيطان لكم عدو أي إنه يريد هلاككم فاتخذوه عدوا أي أنزلوه من أنفسكم منزلة الأعداء وتجنبوا طاعته إنما يدعو حزبه أي شيعته إلى الكفر ليكونوا من أصحاب السعير أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ","part":6,"page":474},{"id":2996,"text":" قوله تعالى أفمن زين له سوء عمله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في ابي جهل ومشركي مكة قاله ابن عباس \r\n والثاني في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى قاله سعيد بن جبير \r\n والثالث أنهم اليهود والنصارى والمجوس قاله أبو قلابة \r\n فان قيل اين جواب أفمن زين له \r\n فالجواب من وجهين ذكرهما الزجاج \r\n أحدهما أن الجواب محذوف والمعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله ويدل على هذا قوله فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء \r\n والثاني أن المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم حسرات ويدل على هذا قوله فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ","part":6,"page":475},{"id":2997,"text":" وقرأ أبو جعفر فلا تذهب بضم التاء وكسر الهاء نفسك بنصب السين \r\n وقال ابن عباس لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم الإيمان \r\n قوله تعالى فتثير سحابا أي تزعجه من مكانه وقال أبو عبيدة تجمعه وتجئ به وسقناه بمعنى نسوقه والعرب قد تضع فعلنا في موضع نفعل وأنشدوا ... إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما سمعوا من صالح دفنوا ... \r\n المعنى يطيروا ويدفنوا \r\n قوله تعالى كذلك النشور وهو الحياة وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما كما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الموتى يوم البعث روى أبو رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه فقال هل مررت بوادي أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا قلت نعم قال فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه \r\n والثاني كما أحيا الله الأرض المينة بالماء كذلك يحيي الله الموتى بالماء ","part":6,"page":476},{"id":2998,"text":" قال ابن مسعود يرسل الله تعالى ماء من تحت العرش كمني الرجال قال فتنبت لحمانهم وجسمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى ثم قرأ هذه الآية وقد ذكرنا في الأعراف نحو هذا الشرح من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور \r\n قوله تعالى من كان يريد العزة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من كان يريد العزة بعبادة الأوثان فلله العزة جميعا قاله مجاهد \r\n والثاني من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله قاله قتادة وقد روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال إن ربكم يقول كل يوم انا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز \r\n والثالث من كان يريد العزة لمن هي فانها لله جميعا قاله الفراء \r\n قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي والنخعي والجحدري والشيزري عن الكسائي ","part":6,"page":477},{"id":2999,"text":" يصعد الكلام الطيب وهو توحيده وذكره والعمل الصالح يرفعه قال علي بن المديني الكلم الطيب لا إله إلا الله والعمل الصالح أداء الفرائض واجتناب المحارم \r\n وفي هاء الكناية في قوله يرفعه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها ترجع إلى الكلم الطيب فالمعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وكان الحسن يقول يعرض القول على الفعل فان وافق القول الفعل قبل وإن خالف رد \r\n والثاني أنها ترجع إلى العمل الصالح فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فهو عكس القول الأول وبه قال أبو صالح وشهر بن حوشب فاذا قلنا إن الكلم الطيب هو التوحيد كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل عمل صالح إلا من موحد \r\n والثالث أنها ترجع إلى الله عز و جل فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله قاله قتادة \r\n قوله تعالى والذين يمكرون السيئات قال أبو عبيدة يمكرون بمعنى يكتسبون ويجترحون ثم في المشار إليهم اربعة أقوال ","part":6,"page":478},{"id":3000,"text":" أحدها أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه و سلم في دار الندوة قاله أبو العالية \r\n والثاني أنهم أصحاب الرياء قاله مجاهد وشهر بن حوشب \r\n والثالث أنهم الذين يعملون السيئات قاله قتادة وابن السائب \r\n والرابع أنهم قائلو الشرك قاله مقاتل \r\n وفي معنى يبور قولان \r\n أحدهما يبطل قاله ابن قتيبة والثاني يفسد قاله الزجاج والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ","part":6,"page":479},{"id":3001,"text":" تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير \r\n قوله تعالى والله خلقكم من تراب يعني آدم ثم من نطفة يعني نسله ثم جعلكم أزواجا أي أصنافا ذكورا وإناثا قال قتادة زوج بعضهم ببعض \r\n قوله تعالى وما يعمر من معمر أي ما يطول عمر أحد ولا ينقص وقرأ الحسن ويعقوب ينقص بفتح الياء وضم القاف من عمره في هذه الهاء قولان \r\n أحدهما أنها كناية عن آخر فالمعنى ولا ينقص من عمر آخر وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد في آخرين قال الفراء وإنما كني عنه كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال ولا ينقص من عمر معمر ومثله في الكلام عندي درهم ونصفه والمعنى ونصف آخر \r\n والثاني أنها ترجع إلى المعمر المذكور فالمعني ما يذهب من عمر هذا المعمر يوم أو ليلة إلا وذلك مكتوب قال سعيد بن جبير مكتوب في أول الكتاب عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ","part":6,"page":480},{"id":3002,"text":" ذهب يومان ذهبت ثلاثة إلى أن ينقطع عمره وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس وبه قال عكرمة وأبو مالك في آخرين \r\n فأما الكتاب فهو اللوح المحفوظ \r\n وفي قوله إن ذلك على الله يسير قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى كتابة الآجال والثاني إلى زيادة العمر ونقصانه \r\n قوله تعالى وما يستوي البحران يعني العذب والملح وهذه الآية وما بعدها قد سبق بيانه الفرقان النحل آل عمران الرعد إلى قوله ما يملكون من قطمير قال ابن عباس هو القشر الذي يكون على ظهر النواة \r\n قوله تعالى إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأنهم جماد ولو سمعوا بأن يخلق الله لهم أسماعا ما استجابوا لكم أي لم يكن عندهم إجابة ويوم القيامة يكفرون بشرككم أي يتبرؤون من عبادتكم ولا ينبئك يا محمد مثل خبير أي عالم بالأشياء يعني نفسه عز و جل والمعنى أنه لا أخبر منه عز و جل بما أخبر أنه سيكون ","part":6,"page":481},{"id":3003,"text":" يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير \r\n يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله أي المحتاجون إليه والله هو الغني عن عبادتكم الحميد عند خلقه باحسانه إليهم وما بعد هذا قد تقدم ","part":6,"page":482},{"id":3004,"text":" بيانه إبراهيم الأنعام إلى قوله وإن تدع مثقلة أي نفس مثقلة بالذنوب إلى حملها الذي حملت من الخطايا لا يحمل منه شئ ولو كان الذي تدعوه ذا قربى ذا قرابة إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب أي يخشونه ولم يروه والمعنى إنما تنفع بانذارك أهل الخشية فكأنك تنذرهم دون غيرهم لمكان اختصاصهم بالانتفاع ومن تزكى أي تطهر من الشرك والفواحش وفعل الخير فانما يتزكى لنفسه أي فصلاحه لنفسه وإلى الله المصير فيجزي بالأعمال \r\n وما يستوي الاعمى والبصير يعني المؤمن والمشرك ولا الظلمات يعني الشرك والضلالات ولا النور الهدى والإيمان ولا الظل ولا الحرور فيه قولان \r\n أحدهما ظل الليل وسموم النهار قاله عطاء \r\n والثاني الظل الجنة والحرور النار قاله مجاهد قال الفراء الحرور بمنزلة السموم وهي الرياح الحارة والحرور تكون بالنهار وبالليل والسموم لا تكون إلا بالنهار وقال ابو عبيدة الحرور تكون بالنهار مع الشمس وكان رؤبة يقول الحرور بالليل والسموم بالنهار \r\n قوله تعالى وما يستوي الأحياء ولا الأموات فيهم قولان \r\n أحدهما أن الأحياء المؤمنون والأموات الكفار \r\n والثاني أن الأحياء العقلاء والأموات الجهال ","part":6,"page":483},{"id":3005,"text":" وفي لا المذكورة في هذه الآية قولان \r\n أحدهما أنها زائدة مؤكدة والثاني أنها نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر \r\n قال قتادة هذه أمثال ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر يقول كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن \r\n إن الله يسمع من يشاء أي يفهم من يريد إفهامه وما انت بمسمع من في القبور وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن والجحدري بمسمع من على الإضافة يعني الكفار شبههم بالموتى إن أنت إلا نذير قال بعض المفسرين نسخ معناها بآية السيف ","part":6,"page":484},{"id":3006,"text":" قوله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي ما من أمة إلا قد جاءها رسول وما بعد هذا قد سبق بيانه آل عمران الحج إلى قوله فكيف كان نكير أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب وافقه في الوصل ورش ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور \r\n قوله تعالى ومن الجبال جدد بيض أي ومما خلقنا من الجبال جدد قال ابن قتيبة الجدد الخطوط والطرائق تكون في الجبال فبعضها بيض وبعضها حمر وبعضها غرابيب سود والغرابيب جمع غربيب وهو الشديد السواد يقال أسود غربيب وتمام الكلام عند قوله كذلك يقول من الجبال مختلف ألوانه ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك أي كاختلاف الثمرات قال الفراء وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب ","part":6,"page":485},{"id":3007,"text":" وقلما يقال غربيب أسود وقال الزجاج المعنى ومن الجبال غرابيب سود وهي ذوات الصخر الأسود وقال ابن دريد الغربيب الأسود أحسب أن اشتقاقه من الغراب \r\n وللمفسرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال \r\n أحدها الطرائق السود قاله ابن عباس والثاني الأودية السود قاله قتادة والثالث الجبال السود قاله السدي \r\n ثم ابتدأ فقال إنما يخشى الله من عباده العلماء يعني العلماء بالله عز و جل قال ابن عباس يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني وقال مجاهد والشعبي العالم من خاف الله وقال الربيع ابن انس من لم يخش الله فليس بعالم إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير \r\n قوله تعالى إن الذين يتلون كتاب الله يعني قراء القرآن فأثنى عليهم بقراءة القرآن وكان مطرف يقول هذه آية القراء \r\n وفي قوله يتلون قولان أحدهما يقرؤون والثاني يتبعون ","part":6,"page":486},{"id":3008,"text":" قال أبو عبيدة وأقاموا الصلاة بمعنى ويقيمون وهو إدامتها لمواقيتها وحدودها \r\n قوله تعالى يرجون تجارة قال الفراء هذا جواب قوله إن الذين يتلون قال المفسرون والمعنى يرجون بفعلهم هذا تجارة لن تفسد ولن تهلك ولن تكسد ليوفيهم أجورهم أي جزاء أعمالهم ويزيدهم من فضله قال ابن عباس سوى الثواب مالم ترعين ولم تسمع أذن \r\n فأما الشكور فقال الخطابي هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب ويعطي الجزيل من النعمة ويرضي باليسير من الشكر ومعنى الشكر المضاف إليه الرضى بيسير الطاعة من العبد والقبول له وإعظام الثواب عليه وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة قلت أو كثرت لئلا يستقلوا القليل من العمل ولا يتركوا اليسير منه ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير \r\n قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب في ثم وجهان أحدهما أنها بمعنى الواو والثاني أنها للترتيب والمعنى أنزلنا الكتب المتقدمة ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم الأنبياء وأتباعهم قاله الحسن ","part":6,"page":487},{"id":3009,"text":" وفي الكتاب قولان \r\n أحدهما أنه اسم جنس والمراد به الكتب التي انزلها الله عز و جل وهذا يخرج على القولين فان قلنا الذين اصطفوا أمة محمد فقد قال ابن عباس إن الله أورث أمة محمد صلى الله عليه و سلم كل كتاب انزله وقال ابن جرير الطبري ومعنى ذلك أورثهم الإيمان بالكتب كلها وجميع الكتب تأمر باتباع القرآن فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها واستدل على صحة هذا القول بأن الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق وأتبعه بقوله ثم أورثنا الكتاب فعلمنا أنهم أمة محمد إذ كان معنى الميراث انتقال شئ من قوم إلى قوم ولم تكن أمة على عهد نبينا انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته فان قلنا هم الأنبياء وأتباعهم كان المعنى أورثنا كل كتاب أنزل على نبي ذلك النبي وأتباعه \r\n والقول الثاني أن المراد بالكتاب القرآن \r\n وفي معنى أورثنا قولان \r\n أحدهما أعطينا لأن الميراث عطاء قاله مجاهد \r\n والثاني أخرنا ومنه الميراث لأنه تأخر عن الميت فالمعنى أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة إكراما لها ذكره بعض أهل المعاني \r\n قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه فيه أربعة أقوال ","part":6,"page":488},{"id":3010,"text":" أحدها أنه صاحب الصغائر روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الآية قال كلهم في الجنة \r\n والثاني أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث أنه الكافر رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس وقد رواه ابن عمر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من أنزل عليه الكتاب كما قال وإنه لذكر لك ولقومك الزخرف أي لشرف لكم وكم من مكرم لم يقبل الكرامة \r\n والرابع أنه المنافق حكي عن الحسن وقد روي عن الحسن أنه ","part":6,"page":489},{"id":3011,"text":" قال الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته والمقتصد الذي قد استوت حسناته وسيئاته والسابق من رجحت حسناته وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية فقال سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا \r\n قوله تعالى ومنهم سابق وقرأ أبو المتوكل والجحدري وابن السميفع سباق مثل فعال بالخيرات أي بالأعمال الصالحة إلى الجنة أو إلى الرحمة باذن الله أي بارادته وأمره ذلك هو الفضل الكبير يعني إيراثهم الكتاب \r\n ثم أخبر بثوابهم فجمعهم في دخول الجنة فقال جنات عدن يدخلونها قرأ أبو عمرو وحده يدخلونها بضم الياء وفتحها الباقون وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ولؤلؤا بالنصب وروى ","part":6,"page":490},{"id":3012,"text":" أبو بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز الأولى وفي رواية أخرى أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية والآية مفسرة في سورة الحج قال كعب تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ثم أعطوا الفضل بأعمالهم وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك تجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمر كم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا \r\n ثم أخبر عما يقولون عند دخولها وهو قوله الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن الحزن والحزن واحد كالبخل والبخل \r\n وفي المراد بهذا الحزن خمسة أقوال أحدها أنه الحزن لطول المقام في المحشر روى ابو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فانه حزين في ذلك المقام فهو الحزن والغم وذلك قوله تعالى الحمد لله الذي ","part":6,"page":491},{"id":3013,"text":" أذهب عنا الحزن \r\n والثاني أنه الجوع رواه أبو الدرداء أيضا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يصح وبه قال شمر بن عطية وفي لفظ عن شمر أنه قال الحزن هم الخبز وكذلك روي عن سعيد بن جبير أنه قال الحزن هم الخبز في الدنيا \r\n والثالث أنه حزن النار رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والرابع حزنهم في الدنيا على ذنوب سلفت منهم رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والخامس حزن الموت قاله عطية \r\n والآية عامة في هذه الأقوال وغيرها ومن القبيح تخصيص هذا الحزن بالخبز وما يشبهه وإنما حزنوا على ذنوبهم وما يوجبه الخوف ","part":6,"page":492},{"id":3014,"text":" قوله تعالى الذي أحلنا أي أنزلنا دار المقامة قال الفراء المقامة هي الإقامة والمقامة المجلس بالفتح لا غير قال الشاعر ... يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب ... \r\n قوله تعالى من فضله قال الزجاج أي بتفضله لا بأعمالنا والنصب التعب واللغوب الإعياء من التعب ومعنى لغوب شئ يلغب أي لا نتكلف شيئا نعنى منه \r\n قوله تعالى لا يقضى عليهم فيموتوا أي لايهلكون فيستريحوا مما هم فيه ومثله فوكزه موسى فقضى عليه القصص ","part":6,"page":493},{"id":3015,"text":" قوله تعالى كذلك نجزي كل كفور وقرأ أبو عمرو يجزي بالياء كل برفع اللام وقرأ الباقون نجزي بالنون كل بنصب اللام \r\n قوله تعالى وهم يصطرخون فيها وهو افتعال من الصراخ والمعنى يستغيثون فيقولون ربنا أخرجنا نعمل صالحا أي نوحدك ونطيعك غير الذي كنا نعمل من الشرك والمعاصي فوبخهم الله تعالى بقوله أولم نعمركم قال أبو عبيدة معناه التقرير وليس باستفهام والمعنى أو لم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر \r\n وفي مقدار هذا التعمير أربعة أقوال \r\n أحدها أنه سبعون سنة قال ابن عمر هذه الآية تعبير لأبناء السبعين \r\n والثاني أربعون سنة \r\n والثالث ستون سنة رواهما مجاهد عن ابن عباس وبالأول منهما قال الحسن وابن السائب \r\n والرابع ثماني عشرة سنة قاله عطاء ووهب بن منبه وأبو العالية وقتادة \r\n قوله تعالى وجاءكم النذير فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الشيب قاله ابن عمر وعكرمة وسفيان بن عيينة والمعنى او لم نعمر كم حتى شبتم والثاني النبي صلى الله عليه و سلم قاله قتادة وابن زيد ","part":6,"page":494},{"id":3016,"text":" وابن السائب ومقاتل والثالث موت الأهل والأقارب والرابع الحمى ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى فذوقوا يعني العذاب فما للظالمين من نصير أي من مانع يمنع عنهم وما بعد هذا قد تقدم بيانه المائدة إلى قوله خلائف في الأرض وهي الأمة التي خلفت من قبلها ورأت فيمن تقدمها ما ينبغي أن تعتبر به فمن كفر فعليه كفره أي جزاء كفره قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا \r\n قوله تعالى أرأيتم شركاءكم المعنى أخبروني عن الذين عبدتم من دون الله واتخذتموهم شركاء بزعمكم بأي شئ أوجبتم لهم الشركة في العبادة أبشئ ","part":6,"page":495},{"id":3017,"text":" خلقوه من الارض أم شاركوا خالق السماوات في خلقها ثم عاد إلى الكفار فقال أم آتيناهم كتابا يامرهم بما يفعلون فهم على بينة منه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم على بينة على التوحيد وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بينات جمعا والمراد البيان بأن مع الله شريكا بل إن يعد الظالمون يعني المشركين يعد بعضهم بعضا أن الأصنام تشفع لهم وأنه لاحساب عليهم ولا عقاب وقال مقاتل ما يعد الشيطان الكفار من شفاعة الآلهة إلا باطلا \r\n قوله تعالى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا أي يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع قال الفراء ولئن بمعنى ولو وإن بمعنى ما فالتقدير ولو زالتا ما أمسكهما من احد وقال الزجاج لما قالت النصارى المسيح ابن الله وقالت اليهود عزير ابن الله كادت السماوات يتفطرن والجبال أن تزول والارض أن تنشق فأمسكها الله عز و جل وإنما وحد الارض مع جمع السماوات لأن الأرض تدل على الأرضين ولئن زالتا تحتمل وجهين أحدهما زوالهما يوم القيامة والثاني أن يقال تقديرا وإن لم تزولا وهذا مكان يدل على القدرة غير أنه ذكر الحلم فيه لأنه لما أمسكهما ","part":6,"page":496},{"id":3018,"text":" عند قولهم اتخذ الرحمن ولدا مريم حلم فلم يعجل لهم العقوبة وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا إستكبارا في الأرض ومكر السئ ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا \r\n قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم يعني كفار مكة حلفوا بالله قبل إرسال محمد صلى الله عليه و سلم لئن جاءهم نذير أي رسول الله ليكونن أهدى أي أصوب دينا من إحدى الأمم يعني اليهود والنصارى الصائبين فلما جاءهم نذير وهو محمد صلى الله عليه و سلم ما زادهم مجيئه إلا نفورا أي تباعدا عن الهدى استكبارا في الارض أي عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان به قال الاخفش نصب استكبارا على البدل من النفور قال الفراء المعنى ","part":6,"page":497},{"id":3019,"text":" فعلوا ذلك استكبارا ومكر السئ فأضيف المكر إلى السئ كقوله وإنه لحق اليقين الحاقة وتصديقه في قراءة عبد الله ومكرا سيئا والهمزة في السئ مخفوضة وقد جزمها الأعمش وحمزة لكثرة الحركات قال الزجاج وهذا عند النحويين الحذاق لحن إنما يجوز في الشعر اضطرارا وقال أبو جعفر النحاس كان الأعمش يقف على مكر السئ فيترك الحركة وهو وقف حسن تام فغلط الراوي فروى أنه كان يحذف الإعراب في الوصل فتابع حمزة الغالط فقرأ في الإدراج بترك الحركة \r\n وللمفسرين في المراد ب مكر السئ قولان \r\n أحدهما أنه الشرك قال ابن عباس عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك \r\n والثاني أنه المكر برسول الله صلى الله عليه و سلم حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى فهل ينظرون أي ينتظرون إلا سنة الأولين أي إلا أن ينزل العذاب بهم كما نزل بالأمم المكذبة قبلهم فلن تجد لسنة الله في العذاب تبديلا وإن تأخر ولن تجد لسنة الله تحويلا أي لا يقدر احد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ ","part":6,"page":498},{"id":3020,"text":" في السماوات ولا في الارض إنه كان عليما قديرا ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيرا \r\n قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا هذا عام وبعضهم يقول أراد بالناس المشركين والمعنى لو واخذهم بأفعالهم لعجل لهم العقوبة وقد شرحنا هذه الآية في النحل وما أخللنا به فقد سبق بيانه يوسف الروم الأعراف النحل \r\n قوله تعالى فإن الله كان بعباده بصيرا قال ابن جرير بصيرا بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة ","part":6,"page":499},{"id":3021,"text":" سورة يس وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مكية قاله ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة والجمهور وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا إنها مكية إلا آية منها وهي قوله وإذا قيل أنفقوا مما رزقكم الله يس 45 \r\n والثاني أنها مدنية حكاه أبو سليمان الدمشقي وقال ليس بالمشهور بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون \r\n وفي قوله يس خمسة أقوال \r\n أحدها أن معناها يا إنسان بالحبشية رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل \r\n والثاني أنها قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث أن معناها يا محمد قاله ابن الحنفية والضحاك ","part":7,"page":3},{"id":3022,"text":" والرابع أن معناها يا رجل قاله الحسن \r\n والخامس اسم من أسماء القرآن قاله قتادة \r\n وقرأ الحسن وأبو الجوزاء يس بفتح الياء وكسر النون وقرأ أبو المتوكل وأبو رجاء وابن ابي عبلة بفتح الياء والنون جميعا وقرأ أبو حصين الأسدي بكسر الياء وإظهار النون قال الزجاج والذي عند أهل العربية أن هذا بمنزلة افتتاح السور وبعض العرب يقول يس والقرآن بفتح النون وهذا جائز في العربية لوجهين أحدهما أن يس اسم للسورة فكأنه قال اتل يس وهو على وزن هابيل وقابيل لا ينصرف والثاني أنه فتح لالتقاء الساكنين والتسكين أجود لأنه حرف هجاء \r\n قوله تعالى والقرآن الحكيم هذا قسم وقد سبق معنى الحكيم البقرة 32 قال الزجاج وجوابه إنك لمن المرسلين وأحسن ما جاء في العربية أن يكون لمن المرسلين خبر إن ويكون قوله على صراط مستقيم خبرا ثانيا فيكون المعنى إنك لمن المرسلين إنك على صراط مستقيم ويجوز أن يكون على صراط من صلة المرسلين فيكون المعنى إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة \r\n قوله تعالى تنزيل العزيز قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تنزيل ","part":7,"page":4},{"id":3023,"text":" برفع اللام وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي تنزيل بنصب اللام وعن عاصم كالقراءتين قال الزجاج من قرأ بالنصب فعلى المصدر على معنى نزل الله ذلك تنزيلا ومن قرأ بالرفع فعلى معنى الذي أنزل إليك تنزيل العزيز وقال الفراء من نصب أراد إنك لمن المرسلين تنزيلا حقا منزلا ويكون الرفع على الاستئناف كقوله ذلك تنزيل العزيز وقرأ أبي بن كعب وأبو رزين وأبو العالية والحسن والجحدري تنزيل بكسر اللام وقال مقاتل هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه \r\n قوله تعالى لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم في ما قولان \r\n أحدهما أنها تنفي وهو قول قتادة والزجاج في الأكثرين \r\n والثاني أنها بمعنى كما قاله مقاتل وقيل هي بمعنى الذي \r\n قوله تعالى فهم غافلون أي عن حجج التوحيد وأدلة البعث \r\n لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لايبصرون وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين \r\n لقد حق القول فيه قولان أحدهما وجب العذاب والثاني سبق القول بكفرهم ","part":7,"page":5},{"id":3024,"text":" قوله تعالى على أكثرهم يعني أهل مكة وهذه إشارة إلى إرادة الله تعالى السابقة لكفرهم فهم لا يؤمنون لما سبق من القدر بذلك \r\n إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها مثل وليس هناك غل حقيقة قاله أكثر المحققين ثم لهم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها مثل لمنعهم عن كل خير قاله قتادة والثاني لحبسهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال قاله الفراء وابن قتيبة والثالث لمنعهم من الإيمان بالله قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والقول الثاني أنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل قال مقاتل بن سليمان حلف أبو جهل لئن رأى النبي صلى الله عليه و سلم يصلي ليدمغنه فجاءه وهو يصلي فرفع حجرا فيبست يده والتصق الحجر بيده فرجع إلى أصحابه فأخبرهم الخبر فقام رجل منهم فأخذ الحجر فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم طمس الله على بصره فلم يره فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه فنزل في أبي جهل إنما جعلنا في أعناقهم أغلالا الآية ونزل في الآخر وجعلنا من بين أيديهم سدا ","part":7,"page":6},{"id":3025,"text":" والقول الثالث أنه على حقيقته إلا أنه وصف لما سينزله الله تعالى بهم في النار حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى فهي إلى الأذقان قال الفراء فهي كناية عن الأيمان ولم تذكر لأن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لهما فاكتفي بذكر أحدهما عن صاحبه وقال الزجاج هي كناية عن الأيدي ولم يذكر إيجازا لأن الغل يتضمن اليد والعنق وأنشد ... وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني ... \r\n وإنما قال أيهما لأنه قد علم أن الخير والشر معرضان للانسان قال الفراء والذقن أسفل اللحيين والمقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه قال أبو عبيده كل رافع رأسه فهو مقامح وقامح والجمع قماح فان فعل ذلك بانسان فهو مقمح ومنه هذه الآية وقال ابن قتيبة يقال بعير قامح وإبل قماح إذا رويت من الماء فقمحت قال الشاعر وذكر سفينة ... ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح وقال الأزهري المراد أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها ","part":7,"page":7},{"id":3026,"text":" قوله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سدا قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح السين والباقون بضمها وقد تكلمنا على الفرق بينهما في الكهف 94 وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج عن الكفر \r\n والثاني حجبناهم عن أذى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالظلمة لما قصدوه بالأذى \r\n قوله تعالى فأغشيناهم قال ابن قتيبة أغشينا عيونهم وأعميناهم عن الهدى وقرأ ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ويحيى بن يعمر فأغشيناهم بعين غير معجمة ثم ذكر ان الإنذار لا ينفعهم لإضلاله إياهم بالآية التي بعد هذه ثم أخبر عمن ينفعه الإنذار بقوله إنما تنذر أي إنما ينفع إنذارك من اتبغ الذكر وهو القرآن فعمل به وخشي الرحمن بالغيب وقد شرحناه في الأنبياء 49 والأجر الكريم الحسن وهو الجنة إنا نحن نحيي الموتى للبعث ونكتب ما قدموا من خير وشر في دنياهم وقرأ النخعي والجحدري ويكتب بياء مرفوعة وفتح التاء وآثارهم برفع الراء \r\n وفي أثارهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها خطاهم بأرجلهم قاله الحسن ومجاهد وقتادة قال أبو سعيد الخدري شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى ونكتب ما قدموا وآثارهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم عليكم منازلكم فانما تكتب آثاركم وقال قتادة وعمر بن عبد العزيز لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدم ابن آدم ","part":7,"page":8},{"id":3027,"text":" والثاني أنها الخطا إلى الجمعة قاله أنس بن مالك \r\n والثالث ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم قاله ابن عباس وسعيد بن جبير واختاره الفراء وابن قتيبة والزجاج \r\n قوله تعالى وكل شيء وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة وكل برفع اللام أي من الأعمال أحصيناه أي حفظناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ ","part":7,"page":9},{"id":3028,"text":" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون \r\n قوله تعالى واضرب لهم مثلا المعنى صف لأهل مكة مثلا أي شبها وقال الزجاج المعنى مثل لهم مثلا أصحاب القرية وهو بدل من مثل كأنه قال اذكر لهم أصحاب القرية وقال عكرمة وقتادة هذه القرية هي أنطاكية \r\n إذ أرسلنا إليهم اثنين وفي اسميهما ثلاثة أقوال أحدها صادق وصدوق قاله ابن عباس وكعب والثاني يوحنا وبولس قاله وهب بن منبه والثالث تومان وبولس قاله مقاتل ","part":7,"page":10},{"id":3029,"text":" قوله تعالى فعززنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم فعززنا بتشديد الزاي قال ابن قتيبة المعنى قوينا وشددنا يقال تعزز لحم الناقة إذا صلب وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم فعززنا خفيفة قال أبو علي أراد فغلبنا قال مقاتل واسم هذا الثالث شمعون وكان من الحواريين وهو وصي عيسى عليه السلام قال وهب وأوحى الله إلى شمعون يخبره خبر الاثنين ويأمره بنصرتهما فانطلق يؤمهما وذكر الفراء أن هذا الثالث كان قد أرسل قبلهما قال ونراه في التنزيل كأنه بعدهما وإنما المعنى فعززنا بالثالث الذي قبلهما والمفسرون على أنه إنما أرسل لنصرتهما ثم إن الثالث إنما يكون بعد ثان فأما إذا سبق الاثنين فهو أول وإني لأتعجب من قول الفراء واختلف المفسرون فيمن أرسل هؤلاء الرسل على قولين تعالى أرسلهم وهو ظاهر القرآن وهو مروي عن ابن عباس وكعب ووهب \r\n والثاني أن عيسى أرسلهم وجاز أن يضاف ذلك إلى الله تعالى لأنهم رسل رسوله قاله قتادة وابن جريج \r\n قوله تعالى قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا أي مالكم علينا فضل في شيء وما أنزل الرحمن من شيء أي لم ينزل كتابا ولم يرسل رسولا ","part":7,"page":11},{"id":3030,"text":" وما بعده ظاهر إلى قوله قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا إنما أصابنا هذا من قبلكم لئن لم تنتهوا أي تسكتوا عنا لنرجمنكم أي لنقتلنكم \r\n قالوا طائركم معكم أي شؤمكم معكم بكفركم لا بنا أئن ذكرتم قرأ ابن كثير أين ذكرتم بهمزة واحدة بعدها ياء وافقه أبو عمرو إلا أنه كان يمد قال الأخفش معناه حيث ذكرتم أي وعظتم وخوفتم وهذا استفهام جوابه محذوف تقديره أئن ذكرتم تطيرتم بنا وقيل أئن ذكرتم قلتم هذا القول والمسرفون هاهنا المشركون \r\n وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كما منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم خامدون \r\n قوله تعالى وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى واسمه حبيب النجار وكان مجذوما وكان قد آمن بالرسل لما وردوا القرية وكان منزله عند أقصى باب من أبواب القرية فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم جاء يسعى فقال ما قصه الله علينا إلى قوله وهم مهتدون يعنى ","part":7,"page":12},{"id":3031,"text":" الرسل فأخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له الملك أفأنت تتبعهم فقال ومالى أسكن هذه الياء حمزة وخلف ويعقوب لا أعبد الذي فطرني أي وأي شيء لي إذا لم أعبد خالقي وإليه ترجعون عند البعث فيجزيكم بكفركم \r\n فان قيل لم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو يعلم أن الله قد فطرهم جميعا كما يبعثهم جميعا \r\n فالجواب أن إيجاد الله تعالى نعمة يوجب الشكر والبعث في القيامة وعيد يوجب الزجر فكانت إضافة النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ في الزجر \r\n ثم أنكر عبادة الأصنام بقوله أأتخذ من دونه آلهة \r\n قوله تعالى لا تغن عني شفاعتهم يعني أنه لا شفاعة لهم فتغني ولا ينقذون أثبت ها هنا الياء في الحالين يعقوب وورش والمعنى لا يخلصوني من ذلك المكروه إني إذا فتح هذه الياء نافع وأبو عمرو \r\n قوله تعالى إني آمنت بربكم فتح هذه الياء أهل الحجاز وأبو عمرو \r\n وفيمن خاطبهم بايمانه قولان أحدهما أنه خاطب قومه بذلك قاله ابن مسعود والثاني أنه خاطب الرسل \r\n ومعنى فاسمعون اشهدوا لي بذلك قاله الفراء وقال أبو عبيدة المعنى فاسمعوا مني وأثبت ياء فاسمعوني في الحالين يعقوب قال ابن مسعود لما خاطب قومه بذلك وطئوه بأرجلهم وقال السدي رموه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي \r\n قوله تعالى قيل ادخل الجنة لما قتلوه فلقي الله قيل ادخل الجنة ","part":7,"page":13},{"id":3032,"text":" فلما دخلها قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وفي ما قولان \r\n أحدهما أنها مع غفر في موضع مصدر والمعنى بغفران الله لي \r\n والثاني أنها بمعنى الذي فالمعنى ليتهم يعلمون بالذي غفر لي به ربي فيؤمنون فنصحهم حيا وميتا \r\n فلما قتلوه عجل الله لهم العذاب فذلك قوله وما أنزلنا على قومه يعنى قوم حبيب من بعده أي من بعد قتله من جند من السماء يعني الملائكة أي لم ينتصر منهم بجند من السماء وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم وقيل المعنى ما بعثنا إليهم بعده نبيا ولا أنزلنا عليهم رسالة \r\n إن كانت إلا صيحة واحدة قال المفسرون أخذ جبريل عليه السلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فاذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت وهو قوله فاذا هم خامدون أي ساكنون كهيأة الرماد الخامد \r\n يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وإن كل لما جميع لدينا محضرون وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكروه سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ","part":7,"page":14},{"id":3033,"text":" قوله تعالى يا حسرة على العباد قال الفراء المعنى يالها حسرة على العباد وقال الزجاج الحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم مالا نهاية له حتى يبقى قلبه حسيرا وفي المتحسر على العباد قولان \r\n أحدهما أنهم يتحسرون على أنفسهم قال مجاهد والزجاج استهزاؤهم بالرسل كان حسرة عليهم في الآخرة وقال أبو العالية لما عاينوا العذاب قالوا يا حسرتنا على المرسلين كيف لنا بهم الآن حتى نؤمن \r\n والثاني أنه تحسر الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل قاله الضحاك \r\n ثم خوف كفار مكة فقال ألم يروا أي ألم يعلموا كم أهلكنا قبلهم من القرون فيعتبروا ويخافوا أن نعجل لهم الهلاك كما عجل لمن أهلك قبلهم ولم يرجعوا إلى الدنيا قال الفراء وألف أنهم مفتوحة لأن المعنى ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون وقد كسرها الحسن كأنه لم يوقع الرؤية على كم فلم يقعها على أن وإن استأنفتها كسرتها \r\n قوله تعالى وإن كل لما وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة لما بالتشديد جميع لدينا محضرون أي إن الأمم يحضرون يوم القيامة فيجازون بأعمالهم قال الزجاج من قرأ لما بالتخفيف ف ما زائدة مؤكدة والمعنى وإن كل لجميع ومعناه وما كل إلا جميع لدينا محضرون ومن قرأ لما بالتشديد فهو بمعنى إلا تقول سألتك لما فعلت وإلا فعلت ","part":7,"page":15},{"id":3034,"text":" وآية لهم الأرض الميتة وقرأ نافع الميتة بالتشديد وهو الأصل والتخفيف أكثر وكلاهما جائز وآية مرفوعة بالابتداء وخبرها لهم ويجوز أن يكون خبرها الأرض الميتة والمعنى وعلامة تدلهم على التوحيد وأن الله يبعث الموتى أحياء الأرض الميتة \r\n قوله تعالى فمنه يأكلون يعنى ما يقتات من الحبوب \r\n قوله تعالى وجعلنا فيها وقوله وفجرنا فيها يعني في الأرض \r\n قوله تعالى ليأكلوا من ثمره يعني النخيل وهو في اللفظ مذكر \r\n وما عملته أيديهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم عملته بهاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم عملت بغير هاء والهاء مثبتة في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة ومحذوفة من مصاحف أهل الكوفة قال الزجاج موضع ما خفض والمعنى ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم ويجوز أن يكون ما نفيا المعنى ولم تعمله أيديهم وهذا على قراءه من أثبت الهاء فاذا حذفت الهاء فالاختيار أن تكون ما في موضع خفض وتكون بمعنى الذي فيحسن حذف الهاء وكذلك ذكر المفسرون القولين فمن قال بالأول قال ليأكلوا مما عملت أيديهم وهو الغروس والحروث التي تعبوا فيها ومن قال بالثاني قال ليأكلوا ما ليس من صنعهم ولكنه من فعل الحق عز و جل أفلا يشكرون الله تعالى فيوحدوه \r\n ثم نزه نفسه بقوله سبحان الذي خلق الأزواج كلها يعني الأجناس كلها مما تنبت الأرض من الفواكهة والحبوب وغير ذلك ","part":7,"page":16},{"id":3035,"text":" ومن أنفسهم وهم الذكور والإناث ومما لا يعلمون من دواب البر والبحر وغير ذلك مما لم يقفوا على علمه \r\n وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النار وكل في فلك يسبحون \r\n قوله تعالى وآية له الليل نسلخ منه النهار أي وعلامة لهم تدل على توحيدنا وقدرتنا الليل نسلخ منه النهار قال الفراء نرمي بالنهار عنه ومنه بمعنى عنه وقال أبو عبيدة نخرج منه النهار ونميزه منه فتجيء الظلمة قال الماوردي وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فاذا خرج منه أظلم وقوله فاذا هم مظلمون أي داخلون في الظلام \r\n والشمس أي وآية لهم الشمس تجرى لمستقر لها وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها إلى موضع قرارها روى أبو ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قوله لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش وقال إنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها فتستأذن في الطلوع فيؤذن لها ","part":7,"page":17},{"id":3037,"text":" والثاني أن مستقرها مغربها لا تجاوزه ولا تقتصر عنه قاله مجاهد \r\n والثالث لوقت واحد لا تعدوه قاله قتاده وقال مقاتل لوقت لها إلى يوم القيامة \r\n والرابع تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها قاله ابن السائب وقال ابن قتيبة إلى مستقر لها ومستقرها أقصى منازلها في الغروب وذلك لأنها لا تزال تتقدم إلى أقصى مغاربها ثم ترجع \r\n وقرأ ابن مسعود وعكرمة وعلي بن الحسين والشيزري عن الكسائي لا مستقر لها والمعنى أنها تجري أبدا لا تثبت في مكان واحد \r\n قوله تعالى ذلك الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير العزيز في ملكه العليم بما يقدر قوله تعالى والقمر قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والقمر بالرفع وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والقمر بالنصب قال الزجاج من قرأ بالنصب فالمعنى وقدرنا القمر قدرناه منازل ومن قرأ بالرفع فالمعنى وآية لهم القمر قدرناه ويجوز أن يكون على الابتداء ","part":7,"page":19},{"id":3038,"text":" وقدرناه الخبر \r\n قال المفسرون ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا ينزلها من أول الشهر إلى آخره وقد سميناها في سورة يونس 5 فاذا صار إلى آخر منازله دق فعاد كالعرجون وهو عود العذق الذي تركته الشماريخ فاذا جف وقدم يشبه الهلال قال ابن قتيبة والقديم هاهنا الذي قد أتى عليه حول شبه القمر آخر ليلة يطلع به قال الزجاج وتقدير عرجون فعلون من الانعراج \r\n وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء والضحاك وعاصم الجحدري وابن السميفع كالعرجون بكسر العين \r\n قوله تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أنهما إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر فلا يشتركان في المنازل قاله ابن عباس \r\n والثاني لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر قاله مجاهد \r\n والثالث لا يجمتع ضوء أحدهما مع الآخر فاذا جاء سلطان أحدهما ذهب سلطان الآخر قاله قتادة فيكون وجه الحكمة في ذلك أنه لو اتصل الضوء لم يعرف الليل \r\n قوله تعالى ولا الليل سابق النهار وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء ","part":7,"page":20},{"id":3039,"text":" وأبو عمران وعاصم الجحدري سابق بالتنوين النهار بالنصب وفيه قولان \r\n أحدهما لا يتقدم الليل قبل استكمال النهار \r\n والثاني لا يأتي ليل بعد ليل من غير نهار فاصل بيهما وباقي الآية مفسر في سورة الأنبياء33 \r\n وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين \r\n قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم قرأ نافع وابن عامر ذرياتهم على الجمع وقرأ الباقون من السبعة ذريتهم على التوحيد قال المفسرون أراد في سفينة نوح فنسب الذرية إلى المخاطبين لأنهم من جنسهم كأنه قال ذرية الناس وقال الفراء أي ذرية من هو منهم فجعلها ذرية لهم وقد سبقتهم وقال غيره هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا السفينة ومنه قول العباس ... بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق ... \r\n قال المفضل بن سلمة الذرية النسل لأنهم من ذرأهم الله منهم والذرية ","part":7,"page":21},{"id":3040,"text":" أيضا الآباء لأن الذر وقع منهم فهو من الأضداء ومنه هذه الآية وقد شرحنا هذا في قوله ذرية بعضها من بعض آل عمران 34 والمشحون المملوء \r\n قوله تعالى وخلقنا لهم من مثله فيه قولان \r\n أحدهما مثل سفينة نوح وهي السفن روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الضحاك وأبو مالك وأبو صالح والمراد بهذا ذكر منته بأن خلق الخشب الذي تعمل منه السفن \r\n والثاني أنها الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وعن الحسن وقتادة كالقولين \r\n قوله تعالى فلا صريخ لهم أي لا مغيث ولا مجير ولا هم ينقذون أي ينجون من الغرق يقال أنقذه واستنقذه إذا خلصه من المكروه إلا رحمة منا المعنى إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم يعني الكفار اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب وما خلفكم ما يأتي من الذنوب قاله مجاهد ","part":7,"page":22},{"id":3041,"text":" والثاني ما بين أيدكم ما تقدم من عذاب الله للأمم وما خلفكم من أمر الساعة قاله قتادة \r\n والثالث ما بين أيديكم من الدنيا وما خلفكم من عذاب الآخرة قاله سفيان \r\n والرابع ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أمر الدنيا فلا تغتروا بها قاله ابن عباس والكلبي \r\n لعلكم ترحمون أي لتكونوا على رجاء الرحمة من الله وجواب إذا محذوف تقديره إذا قيل لهم هذا أعرضوا ويدل على هذا المحذوف قوله وما تأتيهم من آية أي من دلالة تدل على صدق الرسول \r\n وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ويقولون متى هذا الوعد إ ن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فاذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم ","part":7,"page":23},{"id":3042,"text":" قوله تعالى وإذا قيل لهم أنفقوا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها في اليهود قاله الحسن والثاني في الزنادقة قاله قتادة والثالث في مشركي قريش قاله مقاتل وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة أنفقوا على المساكين النصيب الذي زعمتم أنه لله من الحرث والأنعام فقالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وقال ابن السائب كان العاص بن وائل إذا سأله مسكين قال اذهب إلى ربك فهو أولى بك مني ويقول قد منعه الله أطعمه أنا ومعنى الكلام أنهم قالوا لو أراد الله أن يرزقهم لرزقهم فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا نطعمهم وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وافقر بعضا ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في ماله من الزكاة والمؤمن لا يعترض على المشيئة وإنما يوافق الأمر وقيل إنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء \r\n وفي قوله إن أنتم إلا في ضلال مبين قولان أحدهما أنه من قول الكفار للمؤمنين يعنون إنكم في خطأ من اتباع محمد والثاني أنه من قول الله للكفار لما ردوه من جوانب المؤمنين \r\n قوله تعالى متى هذا الوعد يعنون القيامة والمعنى متى إنجاز هذا الوعد إن كنتم صادقين يعنون محمدا وأصحابه \r\n ما ينظرون أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي النفخة الأولى و يخصمون بمعنى يختصون فأدغمت التاء في الصاد قرأ ابن كثير وابو عمرو يخصمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد وروي عن أبي عمرو اختلاس حركة الخاء وقرأ عاصم وابن عامر والكسائي ","part":7,"page":24},{"id":3043,"text":" يخصمون بفتح الياء وكسر الخاء وعن عاصم كسر الياء والخاء وقرأ نافع بسكون الخاء وتشديد الصاد وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد أي يخصم بعضهم بعضا وقرأ أبي بن كعب يختصمون بزيادة تاء والمعنى أن الساعة تأتيهم أغفل ما كانوا عنها وهم متشاغلون في متصرفاتهم وبيعهم وشرائهم فلا يستطيعون توصية قال مقاتل أعجلوا عن الوصية فماتوا ولا إلى أهلهم يرجعون أي لا يعودون من الأسواق إلى منازلهم فهذا وصف ما يلقون في النفخة الأولى ثم ذكر ما يلقون في النفخة الثانية فقال ونفخ في الصور فاذا هم من الأجداث يعني القبور إلى ربهم ينسلون أي يخرجون بسرعة وقد شرحنا هذا المعنى في سورة الأنبياء 96 قالوا يا وليلنا من بعثنا من مرقدنا وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين والضحاك وعاصم الجحدري من بعثنا بكسر الميم والثاء وسكون العين قال المفسرون إنما قالوا هذا لأن الله تعالى رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين قال أبي بن كعب ينامون نومة قبل البعث فاذا بعثوا قالوا هذا ","part":7,"page":25},{"id":3044,"text":" قوله تعالى هذا ما وعد الرحمن في قائلي هذا الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قول المؤمنين قاله مجاهد وقتادة وابن أبي ليلى قال قتادة أول الآية للكافرين وآخرها للمؤمنين \r\n والثاني أنه قول الملائكة لهم قاله الحسن \r\n والثالث أنه قول الكافرين يقول بعضهم لبعض هذا الذي أخبرنا به المرسلون أننا نبعث ونجازى قاله ابن زيد \r\n قال الزجاج من مرقدنا هو وقف التمام ويجوز أن يكون هذا من نعت مرقدنا على معنى من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنا راقدين فيه ويكون في قوله ما وعد الرحمن أحد إضمارين إما هذا وإما حق فيكون المعنى حق ما وعد الرحمن ","part":7,"page":26},{"id":3045,"text":" ثم ذكر النفخة الثانية فقال إن كانت إلا صيحة واحدة وما بعد هذا ظاهر إلى قوله إن أصحاب الجنة اليوم يعني في الآخرة في شغل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو في شغل باسكان الغين وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في شغل بضم الشين والغين وقرأ أبو هريرة وأبو رجاء وأيوب السختياني في شغل بفتح الشين والغين وقرأ أبو مجلز وأبو العالية وعكرمة والضحاك والنخعي وابن يعمر والجحدري في شغل بفتح الشين وسكون الغين وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن شغلهم اقتضاض العذارى رواه شقيق عن ابن مسعود ومجاهد عن ابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة والضحاك \r\n والثاني ضرب الأوتار رواه عكرمة عن ابن عباس وعن عكرمة كالقولين ولا يثبت هذا القول \r\n والثالث النعمة قاله مجاهد وقال الحسن شغلهم نعيمهم عما فيه أهل النار من العذاب ","part":7,"page":27},{"id":3046,"text":" قوله تعالى فاكهون وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وقتادة وأبو الجوزاء والنخعي وأبو جعفر فكهون وهل بينهما فرق فيه قولان \r\n أحدهما أن بينهما فرقا \r\n فأما فاكهون ففيه أربعه أقوال أحدها فرحون قاله ابن عباس والثاني معجبون قاله الحسن وقتادة والثالث ناعمون قاله أبو مالك ومقاتل والرابع ذوو فاكهة كما يقال فلان لابن تامر قاله أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n وأما فكهون ففيه قولان أحدهما أن الفكه الذي يتفكه تقول العرب للرجل إذا كان يتفكه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراض الناس إن فلانا لفكه بكذا ومنه يقال للمزاح فكاهة قاله أبو عبيدة \r\n والثاني أن فكهين بمعنى فرحين قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n والقول الثاني أن فاكهين وفكهين بمعنى واحد كما يقال حاذر وحذر قاله الفراء وقال الزجاج فاكهون وفكهون بمعنى فرحين وقال أبو زيد الفكه الطيب النفس الضحوك يقال رجل فاكه وفكه \r\n قوله تعالى هم وأزواجهم يعنى حلائلهم في ظلال وقرأ حمزة والكسائي وخلف في ظلل قال الفراء الظلال جمع ظل والظلل جمع ظلة وقد تكون الظلال جمع ظلة أيضا كما يقال خلة وخلل فاذا كثرت فهي الخلال والحلال والقلال قال مقاتل والظلال أكنان القصور ","part":7,"page":28},{"id":3047,"text":" قال أبو عبيدة والمعنى أنهم لا يضحون فأما الأرائك فقد بيناها في سورة الكهف 31 \r\n قوله تعالى ولهم ما يدعون قال ابن قتيبة ما يتمنون ومنه يقول الناس هو في خير ما ادعى أي ما تمنى والعرب تقول ادع ما شئت أي تمن ما شئت وقال الزجاج هو مأخوذ من الدعاء والمعنى كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم وقوله سلام بدل من ما المعنى لهم ما يتمنون سلام أي هذا منى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم و قولا منصوب على معنى سلام يقوله الله قولا قال أبو عبيدة سلام رفع على لهم فالمعنى لهم فيها فاكهة ولهم فيها سلام وقال الفراء معنى الكلام لهم ما يدعون مسلم خالص ونصب القول كأنك قلت قاله قولا وإن شئت جعلته نصبا من قوله ولهم ما يدعون قولا كقولك عدة من الله وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والجحدري سلاما قولا بنصبهما جميعا \r\n وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون إصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ","part":7,"page":29},{"id":3048,"text":" قوله تعالى وامتازوا اليوم أيها المجرمون قال ابن قتيبة أي انقطعوا عن المؤمنين وتميزوا منهم يقال مزت الشيء من الشيء إذا عزلته عنه فانماز وامتاز وميزته فتميز \r\n قال المفسرون إذا اختلط الإنس والجن في الآخرة قيل وامتازوا اليوم أيها المجرمون فيقال للمجرمين ألم أعهد إليكم أي ألم آمركم ألم أوصيكم وتعبدوا بمعنى تطيعوا والشيطان هو إبليس زين لهم الشرك فأطاعوه إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة أخرج أبويكم من الجنة \r\n وأن اعبدوني قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وأن اعبدوني بضم النون وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة وأن اعبدوني بكسر النون والمعنى وحدوني هذا صراط مستقيم يعني التوحيد \r\n ولقد أضل منكم جبلا قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف جبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام وقرأ أبو عمرو وابن عامر جبلا بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وقرأ نافع وعاصم جبلا بكسر الجيم والباء مع تشديد اللام وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي والزهري والأعمش جبلا بضم الجيم والباء مع تشديد اللام وقرأ عبد الله بن عمرو وابن السميفع جبلا بكسر الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام وقرأ سعيد بن جبير وأبو المتوكل ومعاذ القارئ جبلا برفع الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام وقرأ أبو العالية وابن يعمر جبلا بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام وقرأ أبو عمران الجوني وعمرو بن دينار جبالا مكسورة الجيم مفتوحة الباء وبألف ومعنى الكلمة كيف تصرفت في هذه اللغات الخلق والجماعة فالمعنى ","part":7,"page":30},{"id":3049,"text":" ولقد أضل منكم خلقا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون فالمعنى قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة الشيطان أفلم تعقلوا ذلك وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء ومجاهد وابن يعمر أفلم يكونوا يعقلون بالياء فيهما فاذا أدنوا إلى جهنم قيل لهم هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا اصلوها أي قاسوا حرها \r\n اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستقبوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون \r\n قوله تعالى اليوم نختم على أفواهم وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء يختم بياء مضمومة وفتح التاء وتكلمنا قرأ ابن مسعود ولتكلمنا بزيادة لام مكسورة وفتح الميم و واو قبل اللام وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة لتكلمنا بلام مكسورة من غير واو قبلها وبنصب الميم وقرأوا جميعا ولتشهد أرجلهم بلام مكسورة وبنصب الدال \r\n ومعنى نختم نطبع عليها وقيل منعها من الكلام هو الختم عليها وفي سبب ذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم لما قالوا والله ربنا ما كنا مشركين الأنعام 23 ختم الله على أفواهم ونطقت جوارحهم قاله أبو موسى الأشعري \r\n والثاني ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي صارت شهودا عليهم ","part":7,"page":31},{"id":3050,"text":" والثالث ليعرفهم أهل الموقف فيتميزوا منهم بذلك \r\n والرابع لأن إقرار الجوارح أبلغ في الإقرار من نطق اللسان ذكرهن الماوردي \r\n فان قيل ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاما ونطق الرجل شهادة \r\n فالجواب أن اليد كانت مباشرة والرجل حاضرة وقول الحاضر على غيره شهادة بما رأى وقول الفاعل على نفسه إقرار بما فعل \r\n قوله تعالى ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ولو نشاء لأذهبنا أعينهم حتى لا يبدو لها شق ولا جفن والمطموس الذي لا يكون بين جفينه شق فاستبقوا الصراط أي فتبادروا إلى الطريق فأنى يبصرون أي فكيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم وقرأ أبو بكر الصديق وعروة بن الزبير وأبو رجاء فاستبقوا بكسر الباء فأنى تبصرون بالتاء وهذا تهديد لأهل مكة وهو قول الأكثرين \r\n والثاني ولو نشاء لأضللناهم وأعميناهم عن الهدى فأنى يبصرون الحق رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم روي عن جماعة منهم مقاتل \r\n قوله تعالى ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم وروى أبو بكر عن عاصم على مكاناتهم وقد سبق بيان هذا البقرة آية 65 ","part":7,"page":32},{"id":3051,"text":" وفي المراد بقوله لمسخناهم أربعة أقوال أحدها لأهلكناهم قاله ابن عباس والثاني لأقعدناهم على أرجلهم قاله الحسن وقتادة والثالث لجعلناهم حجارة قاله أبو صالح ومقاتل والرابع لجعلناهم قردة وخنازير لا أرواح فيها قاله ابن السائب \r\n وفي قوله فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ثلاثة أقوال أحدها فما استطاعوا أن يتقدموا ولا أن يتأخروا قاله قتادة والثاني فما استطاعوا مضيا عن العذاب ولا رجوعا إلى الخلقة الأولى بعد المسخ قاله الضحاك والثالث مضيا من الدنيا ولا رجوعا إليها قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n قوله تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق قرأ حمزة ننكسه مشددة مع ضمن النون الأولى وفتح الثانية والباقون بفتح النون الأولى وتسكين الثانية من غير تشديد وعن عاصم كالقراءتين ومعنى الكلام من نطل عمره ننكس خلقه فنجعل مكان القوة الضعف وبدل الشباب الهرم فنرده إلى أرذل العمر أفلا يعقلون قرأ نافع وأبو عمرو أفلا تعقلون بالتاء والباقون بالياء والمعنى أفلا يعقلون أن من فعل هذا قادر على البعث \r\n وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين \r\n قوله تعالى وما علمناه الشعر قال المفسرون إن كفار مكة قالوا إن ","part":7,"page":33},{"id":3052,"text":" هذا القرآن شعر وإن محمدا شاعر فقال الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يتسهل له ذلك قال الفسرون ما كان يتزن له بيت شعر حتى إنه روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه تمثل يوما فقال كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر يا رسول الله إنما قال الشاعر كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا أشهد أنك رسول الله ما علمك الله الشعر وما ينبغي لك ودعا يوما بعباس بن مرادس فقال أنت القائل أتجعل نهبي ونهب العبي د بين الأقرع وعيينة فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي لم يقل كذلك فأنشده أبو بكر فقال ","part":7,"page":34},{"id":3053,"text":" رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يضرك بأيهما بدأت فقال أبو بكر والله ما أنت بشاعر ولا ينبغي لك الشعر وتمثل يوما فقال ويأتيك من لم تزوده بالأخبار فقال أبو بكر ليس هكذا يا رسول الله فقال إني لست بشاعر ولا ينبغي لي وإنما منع من قول الشعر لئلا تدخل الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن فيقولون قوي على ذلك بما في طبعه من الفطنة للشعر ","part":7,"page":35},{"id":3055,"text":" قوله تعالى إن هو يعني القرآن إلا ذكر إلا موعظة وقرآن مبين فيه الفرائض والسنن والأحكام \r\n قوله تعالى لينذر قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي لينذر بالياء يعنون القرآن وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب لتنذر بالتاء يعنون النبي صلى الله عليه و سلم أي لتنذر يا محمد بما في القرآن وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن السميفع لينذر بياء مرفوعة وفتح الذال والراء جميعا \r\n قوله تعالى من كان حيا وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها حي القلب حي البصر قاله قتاده \r\n والثاني من كان عاقلا قاله الضحاك قال الزجاج من كان يعقل ما يخاطب به فان الكافر كالميت في ترك النذير \r\n والثالث مهتديا قاله السدي وقال مقاتل من كان مهتديا في علم الله \r\n والرابع من كان مؤمنا قاله يحيى بن سلام وهذا على المعنى الذي قد سبق في قوله إنما تنذر الذين يخشون ربهم فاطر 18 ويجوز أن يريد إنما ينفع إنذارك من كان مؤمنا في علم الله \r\n قوله تعالى ويحق القول على الكافرين معناه يجب وفي المراد بالقول قولان أحدهما أنه العذاب والثاني الحجة \r\n أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم ","part":7,"page":37},{"id":3056,"text":" جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون \r\n ثم ذكرهم قدرته فقال أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما قال ابن قتيبة يجوز أن يكون المعنى مما عملناه بقوتنا وقدرتنا وفي اليد القدرة والقوة على العمل فتستعار اليد فتوضع موضعها هذا مجاز للعرب يحتمله هذا الحرف والله أعلم بما أراد وقال غيره ذكر الأيدي ها هنا يدل على انفراده بما خلق والمعنى لم يشاركنا أحد في إنشائنا والواحد منا إذا قال عملت هذا بيدي دل ذلك على انفراده بعمله وقال أبو سليمان الدمشقي معنى الآية مما أوجدناه بقدرتنا وقوتنا وهذا إجماع أنه لم يرد هاهنا إلا ما ذكرنا \r\n قوله تعالى فهم لها مالكون فيه قولان \r\n أحدهما ضابطون قاله قتادة ومقاتل قال الزجاج ومثله في الشعر ... أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا ... \r\n أي لا أضبط رأس البعير \r\n والثاني قادرون عليها بالتسخير لهم قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى وذللناها لهم أي سخرناها فهي ذليلة لهم فمنها ركوبهم قال ابن قتيبة الركوب ما يركبون والحلوب ما يحلبون قال الفراء ولو قرأ قارئ فمنها ركوبهم كان وجها كما تقول منها أكلهم وشربهم وركوبهم وقد قرأ بضم الراء الحسن وأبو العالية ","part":7,"page":38},{"id":3057,"text":" والأعمش وابن يعمر في آخرين وقرأ أبي بن كعب وعائشة ركوبتهم بفتح الراء والباء وزيادة تاء مرفوعة قال المفسرون يركبون من الأنعام الإبل ويأكلون الغنم ولهم فيها منافع من الأصواف والأوبار والأشعار والنسل ومشارب من ألبانها أفلا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه \r\n ثم ذكر جهلهم فقال واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون أي لتمنعهم من عذاب الله ثم أخبر أن ذلك لا يكون بقوله لا يستطيعون نصرهم أي لا تقدر الأصنام على منعهم من أمر أراده الله بهم وهم يعني الكفار لهم يعني الأصنام جند محضرون وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها جند في الدنيا محضرون في النار قاله الحسن \r\n والثاني محضرون عند الحساب قاله مجاهد \r\n والثالث المشركون جند للأصنام يغضبون لها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا قاله قتادة وقال مقاتل الكفار يغضبون للآلهة ويحضرونها في الدنيا وقال الزجاج هم للأصنام ينتصرون وهي لا تستطيع نصرهم \r\n والرابع هم جند محضرون عند الأصنام يعبدونها قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى فلا يحزنك قولهم يعني قول كفار مكة في تكذيبك إنا نعلم ما يسرون في ضمائرهم من تكذيبك وما يعلنون بألسنتهم من ذلك والمعنى إنا نثيبك ونجازيهم ","part":7,"page":39},{"id":3058,"text":" أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون \r\n قوله تعالى أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية والتي بعدها على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه العاص بن وائل السهمي أخذ عظما من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم أيحيي الله هذا بعد ما أرى فقال نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت هذه الآيات رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنه عبد الله بن أبي بن سلول جرى له نحو هذه القصة رواه العوفي عن ابن عباس ","part":7,"page":40},{"id":3059,"text":" والثالث أنه أبو جهل ابن هشام وأن هذه القصة جرت له رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والرابع أنه أمية بن خلف قاله الحسن \r\n والخامس أنه أبي بن خلف الجمحي وهذه القصة جرت له قاله مجاهد وقتادة والجمهور وعليه المفسرون \r\n ومعنى الكلام التعجب من جهل هذا المخاصم في إنكاره البعث والمعنى ألا يعلم أنه مخلوق فيتفكر في بدء خلقه فيترك خصومته وقيل هذا تنبيه له على نعمة الله عليه حيث أنشأه من نطفة فصار مجادلا \r\n وضرب لنا مثلا في إنكار البعث بالعظم البالي حين فته بيده وتعجب ممن يقول إن الله يحييه ونسى خلقه أي نسي خلقنا له أي ","part":7,"page":41},{"id":3060,"text":" ترك النظر في خلق نفسه إذ خلق من نطفة قال من يحيي العظام وهي رميم أي بالية يقال رم العظم إذا بلي فهو رميم لأنه معدول عن فاعله وكل معدول عن وجهه و وزنه فهو مصروف عن إعرابه كقوله وما كانت أمك بغيا مريم 28 فأسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية فقاس هذا الكافر قدرة الله تعالى بقدرة الخلق فأنكر إحياء العظم البالي لأن ذلك ليس في مقدور الخلق قل يحييها الذي أنشأها أي ابتدأ خلقها أول مرة وهو بكل خلق من الابتداء والإعادة عليم \r\n الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا قال ابن قتيبة أراد الزنود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار فإن قيل لم قال الشجر الأخضر ولم يقل الشجر الخضر \r\n فالجواب أن الشجر جمع وهو يؤنث ويذكر قال الله تعالى فمالئون منها البطون الواقعة 53 وقال فاذا أنتم منه توقدون \r\n ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر وقرأ أبو بكر الصديق وعاصم الجحدري يقدر بياء من غير ألف على أن يخلق مثلهم وهذا استفهام تقرير والمعنى من قدر على ذلك العظيم قدر على هذا اليسير وقد فسرنا ","part":7,"page":42},{"id":3061,"text":" معنى أن يخلق مثلهم في بني إسرائيل 99 ثم أجاب هذا الاستفهام فقال بلى وهو الخلاق يخلق خلقا بعد خلق وقرأ أبي بن كعب والحسن وعاصم الجحدري وهو الخالق العليم بجميع المعلومات والملكوت والملك واحد وباقي السورة قد تقدم شرحه البقرة 117 32 الأنعام 75 ","part":7,"page":43},{"id":3062,"text":" سورة الصافات وهي مكية كلها باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق \r\n قوله تعالى والصافات صفا فيها قولان \r\n أحدهما أنها الملائكة قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور قال ابن عباس هم الملائكة صفوف في السماء لا يعرف ملك منهم من إلى جانبه لم يلتفت منذ خلقه الله عز و جل وقيل هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة إلى أن يأمرها الله عز و جل بما يشاء \r\n والثاني أنها الطير كقوله والطير صافات النور 41 حكاه الثعلبي ","part":7,"page":44},{"id":3063,"text":" وفي الزاجرات قولان \r\n أحدهما أنها الملائكة التي تزجر السحاب قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أنها زواجر القرآن وكل ما ينهى ويزجر عن القبيح قاله قتادة \r\n وفي التاليات ذكرا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى قاله ابن مسعود والحسن والجمهور \r\n والثاني أنهم الرسل رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم قاله قتادة \r\n وهذا قسم بهذه الأشياء وجوابه إن إلهكم لواحد وقيل معناه ورب هذه الأشياء إنه واحد \r\n قوله تعالى ورب المشارق قال السدي المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا والمغارب مثلها على عدد أيام السنة \r\n فإن قيل لم ترك ذكر المغارب ","part":7,"page":45},{"id":3064,"text":" فالجواب أن المشارق تدل على المغارب لأن الشروق قبل الغروب \r\n إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب \r\n قوله تعالى إنا زينا السماء الدنيا يعني التي تلي الأرض وهي أدنى السموات إلى الأرض بزينة الكواكب قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو والكسائي بزينة الكواكب مضافا أي بحسنها وضوئها وقرأ حمزة وحفص عن عاصم بزينة منونة وخفض الكواكب وجعل الكواكب بدلا من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد فالمعنى إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب وقرأ أبو بكر عن عاصم بزينة بالتنوين وبنصب الكواكب والمعنى زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب فيها حين ألقيناها في منازلها وجعلناها ذات نور قال الزجاج ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلا من قوله بزينة لأن قوله بزينة في موضع نصب وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ وأبو نهيك وأبو حصين الأسدي في آخرين بزينة بالتنوين الكواكب برفع الباء قال الزجاج والمعنى إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب وبأن زينت الكواكب وحفظا أي وحفظناها حفظا فأما المارد فهو العاتي وقد شرحنا هذا في قوله شيطانا مريدا النساء 117 \r\n قوله تعالى لا يسمعون قال الفراء لا هاهنا كقوله كذلك ","part":7,"page":46},{"id":3065,"text":" سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به الشعراء 200 201 ويصلح في لا على هذا المعنى الجزم فان العرب تقول ربطت الفرس لا ينفلت وقال غيره لكي لا يسمعوا إلى الملأ الأعلى وهم الملائكة الذين في السماء وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف لا يسمعون بتشديد السين وأصله يتسمعون فأدغمت التاء في السين وإنما قال إلى الملأ الأعلى لأن العرب تقول سمعت فلانا وسمعت من فلان وإلى فلان \r\n ويقذفون من كل جانب بالشهب دحورا قال قتادة أي قذفا بالشهب وقال ابن قتيبة أي طردا يقال دحرته دحرا ودحورا أي دفعته وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن والضحاك وأيوب السختياني وابن أبي عبلة دحورا بفتح الدال \r\n وفي الواصب قولان \r\n أحدهما أنه الدائم قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والفراء وابن قتيبة \r\n والثاني أنه الموجع قاله أبو صالح والسدي \r\n وفي زمان هذا العذاب قولان أحدهما أنه في الآخرة والثاني أنه في الدنيا فهم يخرجون بالشهب ويخبلون إلى النفخة الأولى في الصور \r\n قوله تعالى إلا من خطف الخطفة قرأ ابن السميفع خطف بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها وقرأ أبو رجاء والجحدري بكسر الخاء والطاء جميعا والتخفيف قال الزجاج خطف وخطف بفتح الطاء وكسرها يقال خطفت أخطف وخطفت أخطف إذا أخذت الشيء بسرعة ","part":7,"page":47},{"id":3066,"text":" ويجوز إلا من خطف بفتح الخاء وتشديد الطاء ويجوز خطف بكسر الخاء وفتح الطاء والمعنى اختطف فأدغمت التاء في الطاء وسقطت الألف لحركة الخاء فمن فتح الخاء ألقى عليها فتحة التاء التي كانت في اختطف ومن كسر الخاء فلسكونها وسكون الطاء فأما من روى خطف بكسر الخاء والطاء فلا وجه لها إلا وجها ضعيفا جدا وهو أن يكون على إتباع الطاء كسرة الخاء قال المفسرون والمعنى إلا من اختطف الكلمة من كلام الملائكة مسارقة فأتبعه أي لحقه شهاب ثاقب قال ابن قتيبة أي كوكب مضيء يقال أثقب نارك أي أضئها والثقوب ما تذكى به النار \r\n فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا يا ولينا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤلون مالكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون \r\n قوله تعالى فاستفتهم أي فسلهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا أي أحكم صنعة أم من خلقنا فيه قولان ","part":7,"page":48},{"id":3067,"text":" أحدهما أن المعنى أم من عددنا خلقه من الملائكة والشياطين والسموات والأرض قاله ابن جرير \r\n والثاني أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة والمعنى إنهم ليسوا بأقوى من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمن هؤلاء \r\n ثم ذكر خلق الناس فقال إنا خلقناهم من طين لازب قال الفراء وابن قتيبة أي لاصق لازم والباء تبدل من الميم لقرب مخرجيهما قال ابن عباس هو الطين الحر الجيد اللزق وقال غيره هو الطين الذي ينشف عنه الماء وتبقى رطوبته في باطنه فيلصق باليد كالشمع وهذا إخبار عن تساوي الأصل في خلقهم وخلق من قبلهم فمن قدر على إهلاك الأقوياء قدر على إهلاك الضعفاء \r\n قوله تعالى بل عجبت بل معناه ترك الكلام الأول والأخذب في الكلام الآخر كأنه قال دع يا محمد ما مضى \r\n وفي عجبت قراءتان قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر بل عجبت بفتح التاء وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة وقتادة وأبو مجلز والنخعي وطلحة بن مصرف والأعمش وابن أبي ليلى وحمزة والكسائي في آخرين بل عجبت بضم التاء واختارها الفراء فمن فتح أراد بل عجبت يا محمد ويسخرون هم قال ابن السائب أنت تعجب منهم وهم يسخرون منك وفي ما عجب منه قولان أحدهما من الكفار إذ لم يؤمنوا بالقرآن والثاني إذ كفروا بالبعث ومن ضم أراد الإخبار عن الله عز و جل ","part":7,"page":49},{"id":3068,"text":" أنه عجب قال الفراء وهي قراءة علي وعبد الله وابن عباس وهي أحب إلي وقد أنكر هذه القراءة قوم منهم شريح القاضي فإنه قال إن الله لا يعجب إنما يعجب من لا يعلم قال الزجاج وإنكار هذه القراءة غلط لأن العجب من الله خلاف العجب من الآدمين وهذا كقوله ويمكر الله الأنفال 30 وقوله سخر الله منهم التوبة 79 وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال قد عجبت من كذا وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله عز و جل جاز أن يقول عجبت والله قد علم الشيء قبل كونه وقال ابن الأنباري المعنى جازيتهم على عجبهم من الحق فسمى الجزاء على الشيء باسم الشيء الذي له الجزاء فسمى فعله عجبا وليس بعجب في الحقيقة لأن المتعجب يدهش ويتحير والله عز و جل قد جل عن ذلك وكذلك سمي تعظيم الثواب عجبا لأنه إنما يتعجب من الشيء إذا كان في النهاية والعرب تسمي الفعل باسم الفعل إذا داناه من بعض وجوهه وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه قال عدي ... ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذلك الدهر يودي بالرجال ... فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا وقال ابن جريرمن ضم التاء فالمعنى بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكا وتكذيبهم تنزيلي وقال غيره إضافة العجب إلى الله على ضربين أحدهما بمعنى الإنكار والذم كهذه الآية والثاني بمعنى الاستحسان والإخبار عن تمام الرضى كقوله عليه السلام عجب ربك من شاب ليست له صبوة ","part":7,"page":50},{"id":3069,"text":" قوله تعالى وإذا ذكروا لا يذكرون أي إذا وعظوا بالقرآن لا يذكرون ولا يتعظون وقرأ سعيد بن جبير والضحاك وأبو المتوكل وعاصم الجحدري وأبو عمران ذكروا بتخفيف الكاف \r\n وإذا رأوا آية قال ابن عباس يعني انشقاق القمر يستسخرون قال أبو عبيدة يستسخرون ويسخرون سواء قال ابن قتيبة يقال سخر واستسخر كما يقال قر واستقر وعجب واستعجب ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من رسول الله كما يقال استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته أي سألته الهبة واستعفيته سألته العفو \r\n وقالوا إن هذا يعنون انشقاق القمر إلا سحر مبين أي بين لمن تأمله أنه سحر \r\n أإذا متنا قد سبق بيان هذه الآية مريم 66 ","part":7,"page":51},{"id":3070,"text":" أو آباؤنا هذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف كقوله أو أمن أهل القرى الاعراف 98 وقرأ نافع وابن عامر أو آباؤنا الأولون بسكون الواو هاهنا وفي الواقعة 48 \r\n قل نعم أي نعم تبعثون وأنتم داخرون أي صاغرون \r\n فانما هي زجرة واحدة أي فانما قصة البعث صيحة واحدة من إسرافيل وهي نفخة البعث وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر فاذا هم ينظرون قال الزجاج أي يحيون ويبعثون بصراء ينظرون فاذا عاينوا بعثهم ذكروا إخبار الرسل عن البعث وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين أى يوم الحساب والجزاء فتقول الملائكة هذا يوم الفصل أي يوم القضاء الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء ويقول الله عز و جل يومئذ للملائكة احشروا أي اجمعوا الذين ظلموا من حيث هم وفيهم قولان أحدهما أنهم المشركون والثاني أنه عام في كل ظالم وفي أزواجهم أربعة أقوال \r\n أحدها أمثالهم وأشباههم وهو قول عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ومجاهد في أخرين وروي عن عمر قال يحشر صاحب الربا مع صاحب الربا وصاحب الزنا مع صاحب الزنا وصاحب الخمر مع صاحب الخمر \r\n والثاني أن أزواجهم المشركات قاله الحسن \r\n والثالث أشياعهم قاله قتادة \r\n والرابع قرناؤهم من الشياطين الذين أضلوهم قاله مقاتل \r\n وفي قوله وما كانوا يعبدون ثلاثة أقوال أحدها الأصنام قاله عكرمة وقتادة والثاني إبليس وحده قاله مقاتل والثالث الشياطين ذكره الماوردي وغيره ","part":7,"page":52},{"id":3071,"text":" قوله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم أي دلوهم على طريقها والمعنى اذهبوا بهم إليها قال الزجاج يقال هديت الرجل إذا دللته وهديت العروس إلى زوجها وأهديت الهدية فاذا جعلت العروس كالهدية قلت أهديتها \r\n قوله تعالى وقفوهم أي احبسوهم إنهم مسؤولون وقرأ ابن السميفع أنهم بفتح الهمزة قال المفسرون لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال هناك وفي هذا السؤال ستة أقوال \r\n أحدها أنهم سئلوا عن أعمالهم وأقوالهم في الدنيا الثاني عن لا إله إلا الله رويا جميعا عن ابن عباس والثالث عن خطاياهم قاله الضحاك والرابع سألهم خزنة جهنم ألم يأتكم نذير الملك 8 ونحو هذا قاله مقاتل والخامس أنهم يسألون عما كانوا يعبدون ذكره ابن جرير والسادس أن سؤالهم قوله ما لكم لا تناصرون ذكره الماوردي قال المفسرون المعنى مالكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا وهذا جواب أبي جهل حين قال يوم بدر نحن جميع منتصر القمر 44 فقيل لهم ذلك يومئذ توبيخا والمستسلم المنقاد الذليل والمعنى أنهم منقادون لا حيلة لهم \r\n وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنما لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ","part":7,"page":53},{"id":3072,"text":" ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعلمون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون \r\n قوله تعالى وأقبل بعضهم على بعض فيهم قولان أحدهما الإنس على الشياطين والثاني الأتباع على الرؤساء يتساءلون تسآل توبيخ وتأنيب ولوم فيقول الأتباع للرؤساء لم غررتمونا ويقول الرؤساء لم قبلتم منا فذلك قوله قالوا يعنى الأتباع للمتبوعين إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها كنتم تقهروننا بقدرتكم علينا لأنكم كنتك أعز منا رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني من قبل الدين فتضلونا قاله الضحاك وقال الزجاج تأتوننا من قبل الدين فتخدعونا بأقوى الأسباب \r\n والثالث كنتم توثقون ما كنتم تقولون بأيمانكم فتأتوننا من قبل الأيمان التي تحلفونها حكاه علي بن أحمد النيسابوري فيقول المتبوعون لهم بل لم تكونوا مؤمنين أي لم تكونوا على حق فنضلكم عنه إنما الكفر من قبلكم \r\n وما كان عليكم من سلطان فيه قولان أحدهما انه القهر والثاني الحجة فيكون المعنى على الأول وما كان لنا عليكم من قوة نقهركم بها ","part":7,"page":54},{"id":3073,"text":" ونكرهكم على متابعتنا وعلى الثاني لم نأتكم بحجة على ما دعوناكم إليه كما أتت الرسل \r\n قوله تعالى فحق علينا قول ربنا أي فوجبت علينا كلمة العذاب وهي قوله لأملأن جهنم الاعراف 18 إنا لذائقون العذاب جميعا نحن وأنتم فأغويناكم أي أضللناكم عن الهدى بدعائكم إلى ما نحن عليه وهو قوله إنا كنا غاوين \r\n ثم أخبر عن الأتباع والمتبوعين بقوله فانهم يومئذ في العذاب مشتركون والمجرمون هاهنا المشركون إنهم كانوا في الدنيا إذا قيل لهم لا إله إلا الله أي قولوا هذه الكلمة يستكبرون أي يتعظمون عن قولها ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا المعنى أنترك عبادة آلهتنا لشاعر أي لاتباع شاعر يعنون رسول الله صلى الله عليه و سلم فرد الله عليهم فقال بل أي ليس الأمر على ما قالوا بل جاء بالحق وهو التوحيد والقرآن وصدق المرسلين الذين كانوا قبله والمعنى أنه أتى بما أتوا به ثم خاطب المشركين بما يعد هذا إلى قوله إلا عباد الله المخلصين يعني الموحدين قال أبو عبيدة والعرب تقول إنكم لذاهبون إلا زيدا وفي ما استثناهم منه قولان \r\n أحدهما من الجزاء على الأعمال فالمعنى إنا لا نؤاخذهم بسوء أعمالهم بل نغفر لهم قاله ابن زيد \r\n والثاني من دون العذاب فالمعنى فإنهم لا يذوقون العذاب قاله مقاتل \r\n قوله تعالى أولئك لهم رزق معلوم فيه قولان أحدهما أنه الجنة قاله قتادة والثاني أنه الرزق في الجنة قاله السدي ","part":7,"page":55},{"id":3074,"text":" فعلى هذا في معنى معلوم قولان أحدهما أنه بمقدار الغداة والعشي قاله ابن سائب والثاني أنهم حين يشتهونه يؤتون به قاله مقاتل \r\n ثم بين الرزق فقال فواكه وهي جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وهم مكرمون بما أعطاهم الله وما بعد هذا قد تقدم تفسيره الحجر 47 إلى قوله يطاف عليهم بكأس من معين قال الضحاك كل كأس ذكرت في القرآن فإنما عني بها الخمر قال أبو عبيدة الكأس الإناء بما فيه والمعين الماء الطاهر الجاري قال الزجاج الكأس الإناء الذي فيه الخمر ويقع الكأس على كل إناء مع شرابه فإن كان فارغا فليس بكأس والمعين الخمر تجري كما يجري الماء على وجه الأرض من العيون \r\n قوله تعالى بيضاء قال الحسن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن قال أبو سليمان الدمشقي ويدل على أنه أراد بالكأس الخمر أنه قال بيضاء فأنث ولو أراد الإناء على انفراده أو الإناء والخمر لقال أبيض وقال ابن جرير إنما أراد بقوله بيضاء الكأس ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء \r\n قوله تعالى لذة قال ابن قتيبة أي لذيذة يقال شراب لذاذ إذا كان طيبا وقال الزجاج أي ذات لذة \r\n لا فيها غول فيه سبعة أقوال \r\n أحدها ليس فيها صداع رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني ليس فيها وجع بطن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وابن زيد ","part":7,"page":56},{"id":3075,"text":" والثالث ليس فيها صداع رأس قاله قتادة \r\n والرابع ليس فيها أذى ولا مكروه قاله سعيد بن جبير \r\n والخامس لا تغتال عقولهم قاله السدي وقال الزجاج لا تغتال عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها وجع \r\n والسادس ليس فيها إثم حكاه ابن جرير \r\n والسابع ليس فيها شيء من هذه الآفات لأن كل من ناله شيء من هذه الآفات قيل قد غالته غول فالصواب أن يكون نفي الغول عنها يعم جميع هذه الأشياء هذا اختيار ابن جرير \r\n قوله تعالى ولاهم عنها ينزفون قرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي هاهنا وفيه الواقعة 19 وفتح عاصم الزاي هاهنا وكسرها في الواقعة 19 وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتح الزاي في السورتين قال الفراء فمن فتح فالمعنى لا تذهب عقولهم بشربها يقال للسكران نزيف ومنزوف ومن كسر ففيه وجهان أحدهما لا ينفدون شرابهم أي هو دائم أبدا والثاني لا يسكرون قال الشاعر ... لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا ... \r\n قوله تعالى وعندهم قاصرات الطرف فيه قولان \r\n أحدهما أنهن النساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرنن إلى غيرهم وأصل القصر الحبس قال ابن زيد إن المرأة منهن لتقول ","part":7,"page":57},{"id":3076,"text":" لزوجها وعزة ربى ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي \r\n والثاني أنهن قد قصرن طرف الأزواج عن غيرهن لكمال حسنهن سمعته من الشيخ أبي محمد ابن الخشاب النحوي \r\n وفي العين ثلاثة أقوال أحدها حسان العيون قاله مجاهد والثاني عظام الأعين قاله السدي وابن زيد والثالث كبار العيون حسانها وواحدتهن عيناء قاله الزجاج \r\n قوله تعالى كأنهن بيض مكنون في المراد بالبيض هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنه اللؤلؤ رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة \r\n والثاني بيض النعام قاله الحسن وابن زيد والزجاج قال جماعة من أهل اللغة والعرب تشبه المرأة الحسناء في بياضها وحسن لونها بيضة النعامة وهو أحسن ألوان النساء وهو أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة \r\n والثالث أنه البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي قاله السدي وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وقتادة وابن جرير \r\n فأما المكنون فهو المصون فعلى القول الأول هو مكنون في صدفه وعلى الثاني هو مكنون بريش النعام وعلى الثالث هو مكنون بقشرة ","part":7,"page":58},{"id":3077,"text":" فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول ءإنك لمن المصدقين ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ءإنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآة في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون \r\n قوله تعالى فأقبل بعضهم على بعض يعني أهل الجنة يتساءلون عن أحوال كانت في الدنيا \r\n قال قائل منهم إني كان لي قرين فيه أربعة أقوال أحدها أنه الصاحب في الدنيا والثاني أنه الشريك رويا عن ابن عباس والثالث أنه الشيطان قاله مجاهد والرابع أنه الأخ قال مقاتل وهما الأخوان المذكوران في سورة الكهف 32 في قوله واضرب لهم مثلا رجلين والمعنى كان لي صاحب أو أخ ينكر البعث يقول أئنك لمن المصدقين قال الزجاج هي مخففة الصاد من صدق يصدق فهو مصدق ولا يجوز هاهنا تشديد الصاد قال المفسرون والمعنى أئنك لمن المصدقين بالبعث وقرأ بكر بن عبد الرحمن القاضي عن حمزة المصدقين بتشديد الصاد ","part":7,"page":59},{"id":3078,"text":" قوله تعالى أئنا لمدينون أي مجزيون بأعمالنا يقال دنته بما صنع أي جازيته فأحب المؤمن أن يرى قرينة الكافر فقال لأهل الجنة هل أنتم مطلعون أي هل تحبون الاطلاع إلى النار لتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهلها وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو عمران وابن يعمر هل أنتم مطلعون باسكان الطاء وتخفيفها فاطلع بهمزة مرفوعة وسكون الطاء وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة مطلعون بكسر النون قال ابن مسعود اطلع ثم التفت إلى أصحابه فقال لقد رأيت جماجم القوم تغلي قال ابن عباس وذلك أن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار \r\n قوله تعالى فرآه يعني قرينة الكافر في سواء الجحيم أي في وسطها وقيل إنما سمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب قال خليد العصري والله لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه لقد تغير حبره وسبره فعند ذلك قال تالله إن كدت لتردين قال المفسرون معناه والله ما كدت إلا تهلكني يقال أرديت فلانا أي أهلكته ولولا نعمة ربي أي إنعامه علي بالإسلام لكنت من المحضرين معك في النار قوله تعالى أفما نحن بميتين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إذا ذبح الموت قال أهل الجنة أفما نحن بميتين ","part":7,"page":60},{"id":3079,"text":" إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين فيقال لهم لا فعند ذلك قالوا إن هذا لهو الفوز العظيم فيقول الله تعالى لمثل هذا فليعمل العاملون قاله ابن السائب وقيل يقول ذلك للملائكة \r\n والثاني أنه قوله المؤمن لأصحابه فقالوا له إنك لا تموت فقال إن هذا لهو الفوز العظيم قاله مقاتل وقال أبو سفيان الدمشقي إنما خاطب المؤمن أهل الجنة بهذا على طريق الفرح بدوام النعيم لا على طريق الاستفهام لأنه قد علم أنهم ليسوا بميتين ولكن أعاد الكلام ليزداد بتكراره على سمعه سرورا \r\n والثالث أنه قول المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ بما كان ينكره ذكره الثعلبي \r\n قوله تعالى لمثل هذا يعنى النعيم الذي ذكره في قوله أولئك لهم رزق معلوم الصافات 41 فليعمل العاملون وهذا ترغيب في طلب ثواب الله عز و جل بطاعته \r\n أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه ","part":7,"page":61},{"id":3080,"text":" رؤوس الشياطين فانهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين \r\n أذلك خير يشير إلى ما وصف لأهل الجنة نزلا قال ابن قتيبة أي رزقا ومنه إقامة الأنزال وأنزال الجنود أرزاقها وقال الزجاج النزل هاهنا الريع والفضل يقال هذا طعام له نزل ونزل بتسكين الزاي وضمها والمعنى أذلك خير في باب الأنزال التي تتقوت ويمكن معها الإقامة أم نزل أهل النار وهو قوله أم شجرة الزقوم \r\n واختلف العملماء هل هذه الشجرة في الدنيا أم لا \r\n فقال قطرب هي شجرة مرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر وقال غيره الزقوم ثمرة شجرة كريهة الطعم وقيل إنها لا تعرف في شجر الدنيا وإنما هي في النار يكره أهل النار على تناولها \r\n قوله تعالى إنا جعلناها فتنة للظالمين يعني للكافرين وفي المراد بالفتنة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه لما ذكر أنها في النار افتتنوا وكذبوا فقالوا كيف يكون ","part":7,"page":62},{"id":3081,"text":" في النار شجرة والنار تأكل الشجر فنزلت هذه الآية قاله قتادة وقال السدي فتنة لأبي جهل وأصحابه \r\n والثاني أن الفتنة بمعنى العذاب قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أن الفتنة بمعنى الاختبار اختبروا بها فكذبوا قاله الزجاج \r\n قوله تعالى تخرج في أصل الجحيم أي في قعر النار قال الحسن أصلها في قعر النار وأغصانها ترتفع إلى دركاتها طلعها أي ثمرها وسمي طلعا لطلوعة كأنه رؤوس الشياطين \r\n فإن قيل كيف شبهها بشيء لم يشاهد فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين وإن لم تشاهد فجاز تشبيهها بما قد علم قبحه قال امرؤ القيس ... أيقتلني والمشر في مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... \r\n قال الزجاج هو لم ير الغول ولا أنيابها ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ في باب المذكر أن يمثل بالشياطين وفي باب المؤنث أن يشبه بالغول \r\n والثاني أن بين مكة واليمن شجر يسمى رؤوس الشياطين فشبهها بها قاله ابن السائب ","part":7,"page":63},{"id":3082,"text":" والثالث أنه أراد بالشياطين حيات لها رؤوس ولها أعراف شبه طلعها برؤوس الحيات ذكره الزجاج قال الفراء والعرب تسمي بعض الحيات شيطانا وهو حية ذو عرف قبيح الوجه \r\n قوله تعالى فانهم لآكلون منها أي من ثمرها فمالئون منها البطون وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم \r\n ثم إن لهم عليها لشوبها من حميم قال ابن قتيبة أي خلطا من الماء الحار يشربونه عليها قال أبو عبيدة تقول العرب كل شيء خلطته بغيره فهو مشوب قال المفسرون إذا أكلوا الزقوم ثم شربوا عليه الحميم شاب الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوبا له \r\n ثم إن مرجعهم أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم لإلى الجحيم وذلك أن الحميم خارج الجحيم فهم يوردونه كما تورد الإبل الماء ثم يردون إلى الجحيم ويدل على هذا قوله يطوفون بينها وبين حميم آن الرحمن 44 و ألفوا بمعنى وجدوا و يهرعون مشروح في هود 78 والمعنى أنهم يتبعون آباءهم في سرعة ولقد ضل قبلهم أي قبل هؤلاء المشركين أكثر الأولين من الأمم الخالية ","part":7,"page":64},{"id":3083,"text":" قوله تعالى إلا عباد الله المخلصين يعنى الموحدين فإنهم نجوا من العذاب قال ابن جرير وإنما حسن الاستثناء لأن المعنى فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله \r\n ولقد نادانا نوح فلنعم الموجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين \r\n ولقد نادانا نوح أي دعانا وفي دعائه قولان أحدهما أنه دعا مستنصرا على قومه والثاني أن ينجيه من الغرق فلنعم المجيبون نحن والمعنى إنا أنجيناه وأهلكنا قومه \r\n وفي الكرب العظيم قولان أحدهما أنه الغرق والثاني أذى قومه \r\n وجعلنا ذريته هم الباقين وذلك أن نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده فالناس كلهم من ولد نوح وتركنا عليه أي تركنا عليه ذكرا جميلا في الآخرين وهم الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة قال الزجاج وذلك الذكر الجميل قوله سلام على نوح في العالمين وهم الذين جاؤوا ","part":7,"page":65},{"id":3084,"text":" من بعده والمعنى تركنا عليه أن يصلى عليه في الآخرين إلى يوم القيامة إنا كذلك نجزي المحسنين قال مقاتل جزاه الله باحسانه الثناء الحسن في العالمين \r\n وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم \r\n قوله تعالى وإن من شيعته لإبراهيم أي من أهل دينه وملته والهاء في شيعته عائدة على نوح في قول الأكثرين وقال ابن السائب تعود إلى محمد صلى الله عليه و سلم واختاره الفراء ","part":7,"page":66},{"id":3085,"text":" فان قيل كيف يكون من شيعته وهو قبله \r\n فالجواب أنه مثل قوله حملنا ذريتهم يس 41 فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم وقد شرحنا هذا فيما مضى يس 41 \r\n قوله تعالى إذ جاء ربه أي صدق الله وآمن به بقلب سليم من الشرك وكل دنس وفيه أقوال ذكرناها في الشعراء 89 \r\n قوله تعالى ماذا تعبدون هذا استفهام توبيخ كأنه وبخهم على عبادة غير الله أءفكا أي أتأفكون إفكا وتعبدون آلهة سوى الله فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره كأنه قال فما ظنكم أن يصنع بكم \r\n فنظر نظرة في النجوم فيه قولان \r\n أحدهما أنه نظر في علم النجوم وكان القوم يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث هم وأراهم أني أعلم من ذ لك ما تعلمون لئلا ينكروا عليه ذلك قال ابن المسيب رأى نجما طالعا فقال إني مريض غدا \r\n والثاني أنه نظر إلى النجوم لا في علمها \r\n فان قيل فما كان مقصوده \r\n فالجواب أنه كان لهم عيد فأراد التخلف عنهم ليكيد أصناهم فاعتل بهذا القول \r\n قوله تعالى إني سقيم من معاريض الكلام ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناه سأسقم قاله الضحاك قال ابن الأنباري أعلمه الله عز و جل أنه يمتحنه بالسقم إذا طلع نجم يعرفه فلما رأى النجم علم أنه سيسقم ","part":7,"page":67},{"id":3086,"text":" والثاني إني سقيم القلب عليكم إذ تكهنتم بنجوم لا تضر ولا تنفع ذكره ابن الأنباري \r\n والثالث أنه سقم لعلة عرضت له حكاه الماوردي وذكر السدي أنه خرج معهم إلى يوم عيدهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال أني سقيم أشتكي رجلي فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتم أي مال إليها وكانوا قد جعلوا بين يديها طعاما لتبارك فيه على زعمهم فقال إبراهيم استهزاء بها ألا تأكلون \r\n وقوله ضربا باليمين في اليمين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها اليد اليمنى قاله الضحاك ","part":7,"page":68},{"id":3087,"text":" والثاني بالقوة والقدرة قاله السدي والفراء \r\n والثالث باليمين التي سبقت منه وهي قوله وتالله لأكيدن أصناكم الأنبياء 57 حكاه الماوردي \r\n قال الزجاج ضربا مصدر والمعنى فمال على الأصنام يضربها ضربا باليمين وإنما قال عليهم وهي أصنام لأنهم جعلوها بمنزلة ما يميز \r\n فأقبلوا إليه يزفون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي يزفون بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء وقرأ حمزة والمفضل عن عاصم يزفون برفع الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء وقرأ ابن السميفع وأبو المتوكل والضحاك يزفون بفتح الياء وكسر الزاي وتخفيف الفاء وقرأ ابن أبي عبلة وأبو نهيك يزفون بفتح الياء وسكون الزاي وتخفيف الفاء قال الزجاج أعرب القراءات فتح الياء وتشديد الفاء وأصله من زفيف النعام وهو ابتداء عدو النعام يقال زف النعام يزف وأما ضم الياء فمعناه يصيرون إلى الزفيف وأنشدوا ... تمنى حصين ان يسود جذاعه ... فأضحى حصين قد أذل واقهرا ... \r\n أي صار إلى القهر واما كسر الزاي مع تخفيف الفاء فهو من وزف يزف بمعنى أسرع يسرع ولم يعرفه الكسائي ولا الفراء وعرفه غيرهما ","part":7,"page":69},{"id":3088,"text":" قال المفسرون بلغهم ما صنع إبراهيم فأسرعوا فلما انتهوا إليه قال لهم محتجا عليهم أتعبدون ما تنحتون بأيديكم والله خلقكم وما تعملون قال ابن جرير في ما وجهان \r\n أحدهما أن تكون بمعنى المصدر فيكون المعنى والله خلقكم وعملكم \r\n والثاني أن تكون بمعنى الذي فيكون المعنى والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله \r\n فلما لزمتهم الحجة قالوا ابنوا له بنيانا وقد شرحنا قصته في سورة الأنبياء 52 74 وبينا معنى الجحيم في البقرة 119 والكيد الذي أرادوا به إحراقه \r\n ومعنى قوله فجعلناهم الأسفلين أن إبراهيم علاهم بالحجة حيث سلمه الله من كيدهم وحل الهلاك بهم \r\n وقال يعني إبراهيم إني ذاهب إلى ربي في هذا الذهاب قولان \r\n أحدهما أنه ذاهب حقيقة وفي وقت قوله هذا قولان أحدهما أنه حين أراد هجرة قومه فالمعنى إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي عز و جل سيهدين إلى حيث أمرني وهو الشام قاله الأكثرون والثاني حين ألقي في النار قاله سليمان بن صرد فعلى هذا في المعنى قولان أحدهما ذاهب إلى الله بالموت ","part":7,"page":70},{"id":3089,"text":" سيهدين إلى الجنة والثاني ذاهب إلى ماقضى به ربي سيهدين إلى الخلاص من النار \r\n والقول الثاني إني ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي قاله قتادة \r\n فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال رب هب لي من الصالحين أي ولدا صالحا من الصالحين فاجتزأ بما ذكر عما ترك ومثله وكانوا فيه من الزاهدين يوسف 20 فاستجاب له وهو قوله فبشرناه بغلام حليم وفيه قولان أحدهما أنه إسحاق والثاني أنه إسماعيل قال الزجاج هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إ نه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ","part":7,"page":71},{"id":3090,"text":" قوله تعالى فما بلغ معه السعي فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المراد بالسعي هاهنا العمل قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه المشي والمعنى مشى مع أبيه قاله قتاده قال ابن قتيبة بلغ أن ينصرف معه ويعينه قال ابن السائب كان ابن ثلاث عشرة سنة \r\n والثالث أن المراد بالسعي العبادة قاله ابن زيد فعلى هذا يكون قد بلغ \r\n قوله تعالى إني أرى في المنام أني أذبحك أكثر العلماء على أنه لم ير أنه ذبحه في المنام وإنما المعنى أنه أمر في المنام بذبحه ويدل عليه قوله افعل ما تؤمر وذهب بعضهم إلى أنه رأى أنه يعالج ذبحه ولم ير إراقة الدم قال قتادة ورؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا فعلوه وذكر السدي عن أشياخه أنه لما بشر جبريل سارة بالولد قال إبراهيم هو إذا لله ذبيح فلما فرغ من بنيان البيت أتي في المنام فقيل له أوف بنذرك واختلفوا في الذبيح على قولين \r\n أحدهما أنه إسحاق قاله عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والعباس ابن عبد المطلب وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأنس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ومسروق وعبيد بن عمير والقاسم ابن أبي بزة ومقاتل بن سليمان واختاره ابن جرير وهؤلاء يقولون كانت هذه القصة بالشام وقيل طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ساعة \r\n والثاني أنه إسماعيل قاله ابن عمر وعبد الله بن سلام والحسن البصري وسعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد ويوسف بن مهران وأبو صالح ","part":7,"page":72},{"id":3091,"text":" ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن سابط واختلفت الرواية عن ابن عباس فروى عنه عكرمة أنه إسحاق وروى عنه عطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران أنه إسماعيل وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين وعن سعيد بن جبير وعكرمة والزهري وقتادة والسدي روايتان وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان ولكل قوم حجة ليس هذا موضعها وأصحابنا ينصرون القول الأول \r\n الإشارة إلى قصة الذبح ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن إبراهيم لما أراد ذبح ولده قال له انطلق فنقرب قربنا إلى الله عز و جل فأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق حتى إذا ذهبا بين الجبال قال له الغلام يا أبت أين قربانك قال يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فقال له اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن واسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي فاذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني فأقبل عليه إبراهيم يقبله ويبكي ويقول نعم العون أنت يا بني ","part":7,"page":73},{"id":3093,"text":" على أمر الله عز و جل ثم إنه أمر السكين على حلقه فلم يحك شيئا وقال مجاهد لما أمرها على حلقه انقلبت فقال مالك انقلبت قال اطعن بها طعنا وقال السدي ضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس وهذا لا يحتاج إليه بل منعها بالقدرة أبلغ قالوا فلما طعن بها نبت وعلم الله منهما الصدق في التسليم فنودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا هذا فداء ابنك فنظر إبراهيم فاذا جبريل معه كبش أملح \r\n قوله تعالى فانظر ماذا ترى لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله عز و جل ولكن أراد أن ينظر ما عنده من الرأي وقرأ حمزة والكسائي وخلف ماذا تري بضم التاء وكسر الراء وفيها قولان أحدهما ماذا تريني من صبرك أو جزعك قاله الفراء والثاني ماذا تبين قاله الزجاج وقال غيره ماذا تشير \r\n قوله تعالى افعل ما تؤمر قال ابن عباس افعل ما أوحي إليك من ذبحي ستجدني إن شاء الله من الصابرين على البلاء \r\n قوله تعالى فلما أسلما أي استسلما لأمر الله عز و جل فأطاعا ورضيا وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والأعمش وابن أبي عبلة فلما سلما بتشديد اللام من غير همز قبل السين والمعنى سلما لأمر الله عز و جل \r\n وفي جواب قوله فلما أسلما قولان \r\n أحدهما أن جوابه وناديناه والواو زائدة قاله الفراء \r\n والثاني أن الجواب محذوف لأن في الكلام دليلا عليه والمعنى فلما فعل ذلك سعد وأجزل ثوابه قاله الزجاج ","part":7,"page":75},{"id":3094,"text":" قوله تعالى وتله للجبين قال ابن قتيبة أي صرعه على جبينه فصار أحد جبينيه على الأرض وهما جبينان والجبهة بينهما وهي ما أصاب الأرض في السجود والناس لا يكادون يفرقون بين الجبين والجبهة فالجبهة مسجد الرجل الذي يصيبه ندب السجود والجبينان يكتنفانها من كل جانب جبين \r\n قوله تعالى وناديناه قال المفسرون نودي من الجبل يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وفيه قولان \r\n أحدهما قد عملت ما أمرت وذلك أنه قصد الذبح بما أمكنه وطاوعه الابن بالتمكين من الذبح إلا أن الله عز و جل صرف ذلك كما شاء فصار كأنه قد ذبح وإن لم يتحقق الذبح \r\n والثاني أنه رأى في المنام معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم فلما فعل في اليقظة ما رأى في المنام قيل له قد صدقت الرؤيا \r\n وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو عمران والجحدري قد صدقت الرؤيا بتخفيف الدال وهاهنا تم الكلام ثم قال تعالى إنا كذلك أي كما ذكرنا من العفو من ذبح ولده نجزي المحسنين ","part":7,"page":76},{"id":3095,"text":" إن هذا لهو البلاء المبين في ذلك قولان أحدهما النعم البينة قاله ابن السائب ومقاتل والثاني الاختبار العظيم قاله ابن زيد وابن قتيبة فعلى الأول يكون قوله هذا إشارة إلى العفو عن الذبح وعلى الثاني يكون إشارة إلى امتحانه بذبح ولده \r\n قوله تعالى وفديناه يعني الذبيح بذبح وهو بكسر الذال اسم ما ذبح وبفتح الذال مصدر ذبحت قاله ابن قتيبة ومعنى الآية خلصناه من الذبح بأن جعلنا الذبح فداء له وفي هذا الذبح ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كان كبشا أقرن قد رعى في الجنة قبل ذلك أربعين عاما قاله ابن عباس في رواية مجاهد وقال في رواية سعيد بن جبير هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه كان في الجنة حتى فدي به \r\n والثاني أن إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين رواه أبو الطفيل عن ابن عباس \r\n والثالث أنه ما فدي إلا بتيس من الأورى أهبط عليه من ثبير قاله الحسن \r\n وفي معنى عظيم أربعة أقوال \r\n أحدها لأنه كان قد رعى في الجنة قاله ابن عباس وابن جبير ","part":7,"page":77},{"id":3096,"text":" والثاني لأنه ذبح على دين إبراهيم وسنته قاله الحسن \r\n والثالث لأنه متقبل قاله مجاهد وقال أبو سليمان الدمشقي لما قر به ابن آدم رفع حيا فرعى في الجنة ثم جعل فداء الذبيح فتقبل مرتين \r\n والرابع لأنه عظيم الشخص والبركة ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وتركنا عليه قد فسرناه في هذه السورة الصافات 78 \r\n قوله تعالى وبشرناه باسحاق من قال إن إسحق الذبيح قال بشر إبراهيم بنبوة إسحاق وأثيب إسحاق بصبره النبوة وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة وبه قال قتادة والسدي ومن قال الذبيح إسماعيل قال بشر الله إبراهيم بولد يكون نبيا بعد هذه القصة جزاء لطاعته وصبره وهذا قول سعيد ابن المسيب \r\n قوله تعالى وباركنا عليه وعلى إسحاق يعني بكثرة ذريتهما وهم الأسباط كلهم ومن ذريتهما محسن أي مطيع لله وظالم وهو العاصي له وقيل المحسن المؤمن والظالم الكافر ","part":7,"page":78},{"id":3097,"text":" ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبدانا المؤمنين وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه في الآخرين سلام على آل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين \r\n قوله تعالى ولقد مننا على موسى وهارون أي أنعمنا عليهما بالنبوة \r\n وفي الكرب العظيم قولان أحدهما استعباد فرعون وبلاؤه وهو معنى قول قتادة والثاني الغرق قاله السدي \r\n قوله تعالى ونصرناهم فيه قولان أحدهما أنه يرجع إلى موسى وهارون وقومهما والثاني أنه يرجع إليهما فقط فجمعا لأن العرب تذهب بالرئيس إلى الجمع لجنوده وأتباعه ذكرهما ابن جرير وما بعد هذا قد تقدم بيانه الأنبياء 48 إلى قوله وإن إلياس لمن المرسلين فيه قولان \r\n أحدهما أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه إدريس قاله ابن مسعود وقتادة وكذلك كان يقرأ ابن مسعود وأبوالعالية وأبو عثمان النهدي وإن إدريس مكان إلياس ","part":7,"page":79},{"id":3098,"text":" قوله تعالى إذ قال لقومه ألا تتقون أي ألا تخافون الله فتوحدونه وتعبدونه أتدعون بعلا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها انه بمعنى الرب قاله ابن عباس ومجاهد وأبوعبيدة وابن قتيبة وقال الضحاك كان ابن عباس قد أعياه هذا الحرف فبينا هو جالس إذ مر أعرابي قد ضلت ناقته وهو يقول من وجد ناقة أنا بعلها فتبعه الصبيان يصيحون به يازوج الناقة يازوج الناقة فدعاه ابن عباس فقال ويحك ما عنيت ببعلها قال أنا ربها فقال ابن عباس صدق الله أتدعون بعلا ربنا وقال قتادة هذه لغة يمانية \r\n والثاني أنه اسم صنم كان لهم قاله الضحاك وابن زيد وحكى ابن جرير أنه به سميت بعلبك \r\n والثالث أنها امرأه كانوا يعبدونها حكاه محمد بن إسحاق \r\n قوله تعالى الله ربكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم الله ربكم بالرفع وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب الله بالنصب ","part":7,"page":80},{"id":3099,"text":" قوله تعالى فكذبوه فانهم لمحضرون النار إلا عباد الله المخلصين الذين لم يكذبوه فإنهم لا يحضرون النار \r\n الإشارة إلى القصة \r\n ذكر أهل العلم بالتفسير والسير أنه لما كثرت الأحداث بعد قبض حزقيل النبي عليه السلام وعبدت الأوثان بعث الله تعالى إليهم إلياس قال ابن إسحاق وهو إلياس بن تشبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران فجعل يدعوهم فلا يسمعون منه فدعا عليهم بحبس المطر فجهدوا جهدا شديدا واستخفى إلياس خوفا منهم على نفسه ثم إنه قال لهم يوما إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والشجر بخطاياكم فاخرجوا بأصنامكم وادعوها فان استجابت لكم فالأمر كما تقولون وإن لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم عنه ودعوت الله ففرج عنكم فقالوا أنصفت فخرجوا بأصنامهم وأوثانهم فدعوا فلم يستجب لهم فعرفوا ضلالهم فقالوا ادع الله لنا فدعا لهم فأرسل المطر وعاشت بلادهم فلم بنزعوا عما كانوا عليه فدعا إلياس ربه ان يقبضه إليه ويريحه منهم فقيل له اخرج يوم كذا إلى مكان كذا فما جاءك من شيء فاربكه ولا تهبه فخرج فأقبل فرس من نار فوثب عليه فانطلق به وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا ","part":7,"page":81},{"id":3100,"text":" قوله تعالى سلام على إلياسين قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي إلياسين موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام فجعلوها كلمة واحدة وقرأ الحسن مثلهم إلا أنه فتح الهمزة وقرأ نافع وابن عامر وعبد الوارث ويعقوب إلا زيدا إل ياسين مقطوعة فجعلوها كلمتين \r\n وفي قراءة الوصل قولان \r\n أحدهما أنه جمع لهذا النبي وامته المؤمنين به وكذلك يجمع ما ينسب إلى الشيء بلفظ الشيء فتقول رأيت المهالبة تريد بني المهلب والمسامعة تريد بني مسمع \r\n والثاني أنه اسم النبي وحده وهو اسم عبراني والعجمي من الأسماء قد يفعل به هكذا كما تقول ميكال وميكائيل ذكر القولين الفراء والزجاج \r\n فأما قراءة من قرأ إل ياسين مفصولة ففيها قولان \r\n أحدهما أنهم آل هذا النبي المذكور وهو يدخل فيهم كقوله عليه السلام اللهم صل على آل أبي أوفى فهو داخل فيهم لأنه هو المراد بالدعاء ","part":7,"page":82},{"id":3102,"text":" والثاني أنهم آل محمد صلى الله عليه و سلم قاله الكلبي وكان عبد الله بن مسعود يقرأ سلام على إدراسين وقد بينا مذهبه في أن إلياس هو إدريس \r\n فان قيل كيف قال إدراسين وإنما الواحد إدريس والمجموع إدريسي لا إدراس ولا إدراسي \r\n فالجواب أنه يجوز أن يكون لغة كابراهيم إبراهام و مثله ... قدني من نصر الخبيبين قدي وقرأ أبي بن كعب وأبو نهيك سلام على ياسين بحذف الهمزة واللام ","part":7,"page":84},{"id":3103,"text":" وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون \r\n قوله تعالى إذ نجيناه إذ هاهنا لا يتعلق بما قبله لأنه لم يرسل إذ نجي ولكنه يتعلق بمحذوف تقديره واذكر يامحمد إذ نجيناه وقد تقدم تفسير ما بعد هذا الشعراء 171 إلى قوله وإنكم لتمرون عليهم مصبحين هذا خطاب لأهل مكة كانوا إذا ذهبوا إلى الشام وجاؤوا مروا على قرى قوم لوط صباحا ومساء أفلا تعقلون فتعتبرون \r\n وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ","part":7,"page":85},{"id":3104,"text":" فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين \r\n قوله تعالى إذ أبق قال المبرد تأويل أبق تباعد وقال أبو عبيدة فزع وقال الزجاج هرب وقال بعض أهل المعاني خرج ولم يؤذن له فكان بذلك كالهارب من مولاه قال الزجاج والفلك السفينة والمشحون المملوء وساهم بمعنى قارع من المدحضين اي المغلوبين قال ابن قتيبة يقال أدحض الله حجته فدحضت أي أزالها فزالت وأصل الدحض الزلق \r\n الإشارة إلى قصته قد شرحنا بعض قصته في آخر يونس وفي الأنبياء 86 على قدر ما تحتمله الآيات ونحن نذكر هاهنا ما تحتمله قال عبد الله بن مسعود لما وعد يونس قومه بالعذاب بعد ثلاث جأروا إلى الله عز و جل واستغفروا فكف عنهم العذاب فانطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم في سفينة فعرفوه فحملوه فلما ركب السفينة وقفت فقال ما لسفينتكم قالوا لا ندري قال لكني أدري فيها عبد آبق من ربه إنها والله لا تسير حتى تلقوه فقالوا أما أنت يا نبي الله فوالله لا نلقيك قال فاقترعوا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرع يونس فأبوا أن يمكنوه من الوقوع فعادوا إلى القرعة حتى قرع يونس ثلاث مرات وقال طاووس إن صاحب السفينة هو الذي قال إنما يمنعها أن تسير ","part":7,"page":86},{"id":3105,"text":" أن فيكم رجلا مشؤوما فاقترعوا لنلقي أحدنا فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات \r\n قال المفسرون وكل الله به حوتا فلما ألقى نفسه في الماء التقمه وأمر أن لا يضره ولا يكلمه وسارت السفينة حينئذ ومعنى التقمه ابتعله \r\n وهو مليم قال ابن قتيبة أي مذنب يقال ألام الرجل إذا أتى ذنبا يلام عليه قال الشاعر ... تعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يخذل أخاه فقد ألاما ... \r\n قوله تعالى فلولا أنه كان من المسبحين فيه ثلاثة أقوال أحدها من المصلين قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والثاني من العابدين قاله مجاهد ووهب بن منبه والثالث قول لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين الأنبياء 87 قاله الحسن وروى عمران القطان عن الحسن قال والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت فعلى هذا القول يكون تسبيحه في بطن الحوت وجمهور العلماء على أنه أراد لولا ما تقدم له قبل التقام الحوت إياه من التسبيح للبث في بطنه إلى يوم يبعثون قال قتادة لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة ولكنه كان كثير الصلاة في الرخاء فنجاه الله تعالى بذلك ","part":7,"page":87},{"id":3106,"text":" وفي قدر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال أحدها أربعون يوما قاله أنس بن مالك وكعب وأبو مالك وابن جريج والسدي والثاني سبعة أيام قاله سعيد بن جبير وعطاء والثالث ثلاثة أيام قاله مجاهد وقتادة والرابع عشرون يوما قاله الضحاك والخامس بعض يوم التقمة ضحى ونبذه قبل غروب الشمس قاله الشعبي \r\n قوله تعالى فنبذناه قال ابن قتيبة أي ألقيناه بالعراء وهي الأرض التي لا يتوارى فيها بشجر ولا غيره وكأنه من عري الشيء \r\n قوله تعالى وهو سقيم أي مريض قال ابن مسعود كهيأة الفرخ الممعوط الذي ليس له ريش وقال سعيد بن جبير أوحى الله تعالى إلى الحوت أن ألقه في البر فألقاه لا شعر عليه ولا جلد ولا ظفر \r\n قوله تعالى وأنبتنا عليه شجرة من يقطين قال ابن عباس هو القرع وقد قال أمية بن أبي الصلت قبل الإسلام ... فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا ... قال الزجاج كل شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الارض نحو القرع والبطيخ والحنظل فهي يقطين واشتقاقه من قطن بالمكان إذا أقام فهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل له يقطين قال ابن مسعود كان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها فأوحى الله إليه أتبكي على شجرة أن يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم قال يزيد بن عبد الله بن قسيط قيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيا فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه ","part":7,"page":88},{"id":3107,"text":" فان قيل ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها \r\n فالجواب أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا وجلده قد ذاب فأدنى شيء يمر به يؤذيه وفي ورق اليقطين خاصية وهو أنه إذا ترك على شيء لم يقربه ذباب فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه \r\n قوله تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف اختلفوا هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إياه أم بعد ذلك على قولين \r\n أحدهما أنها كانت بعد نبذ الحوت إياه على ما ذكرنا في يونس 98 وهو مروي عن ابن عباس \r\n والثاني أنها كانت قبل التقام الحوت له وهو قول الاكثرين منهم الحسن ومجاهد وهو الأصح والمعنى وكنا أرسلناه إلى مائة ألف فلما خرج من بطن الحوت أمر أن يرجع إلى قومه الذين أرسل إليهم \r\n وفي قوله أو ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى بل قاله ابن عباس والفراء \r\n والثاني أنها بمعنى الواو قاله ابن قتيبة وقد قرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ وأبو المتوكل وأبو عمران الجوني ويزيدون من غير ألف ","part":7,"page":89},{"id":3108,"text":" والثالث أنها على أصلها والمعنى أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون \r\n وفي زيادتهم أربعة أقوال أحدها أنهم كانوا مائة ألف يزيدون عشرين ألفا رواه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والثاني أنهم كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا والثالث مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا رويا عن ابن عباس والرابع أنهم كانوا يزيدون سبعين ألفا قاله سعيد بن جبير ونوف \r\n قوله تعالى فآمنوا في وقت إيمانهم قولان أحدهما عند معاينة العذاب والثاني حين أرسل إليهم يونس فمتعناهم إلى حين إلى منتهى آجالهم \r\n فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم \r\n قوله تعالى فاستفتهم أي سل أهل مكة سؤال توبيخ وتقرير لأنهم زعموا أن الملائكة بنات الله وهم شاهدون أى حاضرون ألا أنهم من إفكهم أي كذبهم ليقولون ولد الله حين زعموا أن الملائكة بناته ","part":7,"page":90},{"id":3109,"text":" قوله تعالى أصطفى البنات قال الفراء هذا استفهام فيه توبيخ لهم وقد تطرح ألف الاستفهام من التوبيخ ومثله أذهبتم طيباتكم الأحقاف 20 وأذهبتم يستفهم بها ولا يستفهم ومعناهما واحد وقرأ أبو هريرة وابن المسيب والزهري وابن جماز عن نافع وأبو جعفر وشيبة وإنهم لكاذبون اصطفى بالوصل غير مهموز ولا ممدود قال أبو علي وهو على وجه الخبر كأنه قال اصطفى البنات على البنين كما يقولون كقوله ذق انك أنت العزيز الكريم الدخان 49 \r\n قوله تعالى مالكم كيف تحكمون لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين أم لكم سلطان مبين أي حجة بينة على ما تقولون فائتوا بكتابكم الذي فيه حجتكم \r\n وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قالوا هو وإبليس أخوان رواه العوفي عن ابن عباس قال الماوردي وهو قول الزنادقة والذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس \r\n والثاني أن كفار قريش قالوا الملائكة بنات الله والجنة صنف من الملائكة يقال لهم الجنة قاله مجاهد \r\n والثالث أن اليهود قالت إن الله تعالى تزوج إلى الجن فخرجت من بينهم الملائكة قاله قتادة وابن السائب \r\n فخرج في معنى الجنة قولان أحدهما أنهم الملائكة والثاني الجن \r\n فعلى الأول يكون معنى قوله ولقد علمت الجنة أي علمت الملائكة إنهم أي إن هؤلاء الشركين لمحضرون النار ","part":7,"page":91},{"id":3110,"text":" وعلى الثاني ولقد علمت الجنة إنهم أي إن الجن أنفسها لمحضرون الحساب \r\n قوله تعالى إلا عباد الله المخلصين يعني الموحدين وفيما استثنوا منه قولان \r\n أحدهما أنهم استثنوا من حضور النار قاله مقاتل والثاني مما يصف أولئك وهو معنى قول ابن السائب قوله \r\n تعالى فانكم يعني المشركين وما تعبدون من دون الله ما أنتم عليه أي على ما تعبدون بفاتنين أي بمضلين أحدا إلا من هو صال الجحيم أي من سبق له في علم الله أنه يدخل النار \r\n وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ثم أخبر عن الملائكة بقوله وما منا والمعنى ما منا ملك إلا له ","part":7,"page":92},{"id":3111,"text":" مقام معلوم أي مكان في السموات مخصوص يعبد الله فيه وإنا لنحن الصافون قال قتادة صفوف في السماء وقال السدي هو الصلاة وقال ابن السائب صفوفهم في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض \r\n قوله تعالى وإنا لنحن المسبحون فيه قولان أحدهما المصلون والثاني المنزهون لله عز و جل عن السوء وكان عمر بن الخطاب إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه وقال يا أيها الناس استووا فإنما يريد الله بكم هدي الملائكة وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون \r\n ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين فقال وإن كانوا ليقولون اللام في ليقولون لام توكيد والمعنى وقد كان كفار قريش يقولون قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم لو أن عندنا ذكرا أي كتابا من الأولين أي مثل كتب الأولين وهم اليهود والنصارى لكنا عباد الله المخلصين أي لأخلصنا العبادة لله عز و جل \r\n فكفروا به فيه اختصار تقديره فلما آتاهم ما طلبوا كفروا به فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وهذا تهديد لهم \r\n ولقد سبقت كلمتنا أي تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم والكلمة قوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلي المجادلة 21 إنهم لهم المنصرون بالحجة وإن جندنا يعني حزبنا المؤمنين لهم الغالبون بالحجة أيضا والظفر فتول عنهم أي أعرض عن كفار مكة حتى حين أي حتى تنقضي مدة إمهالهم وقال مجاهد حتى نأمرك بالقتال ","part":7,"page":93},{"id":3112,"text":" فعلى هذا الآية محكمة وقال في رواية حتى الموت وكذلك قال قتادة وقال ابن زيد حتى القيامة فعلى هذا يتطرق نسخها وقال مقاتل بن حيان نسختها آية القتال \r\n قوله تعالى وأبصرهم أي انظر إليهم إذا نزل العذاب قال مقاتل بن سليمان هو العذاب ببدر وقيل أبصر حالهم بقلبك فسوف يبصرون ما انكروا وكانوا يستعجلون بالعذاب تكذيبا به فقيل أفبعذابنا يستعجلون \r\n فاذا نزل يعني العذاب وقرأ ابن مسعود وأبو عمران والجحدري وابن يعمر فإذا نزل برفع النون وكسر الزاي وتشديدها بساحتهم أي بفنائهم وناحيتهم والساحة فناء الدار قال الفراء العرب تكتفي بالساحة والعقوة من القوم فيقولون نزل بك العذاب وبساحتك قال الزجاج فكان عذاب هؤلاء القتل فساء صباح المنذرين أي بئس صباح الذين أنذروا العذاب \r\n ثم كرر ما تقدم توكيدا لوعده بالعذاب فقال وتول عنهم الآيتين \r\n ثم نزه نفسه عن قولهم بقوله سبحان ربك رب العزة قال مقاتل يعني عزة من يتعزز من ملوك الدنيا \r\n قوله تعالى عما يصفون أي من اتخاذ النساء والأولاد ","part":7,"page":94},{"id":3113,"text":" وسلام على المرسلين فيه وجهان أحدهما تسليمه عليهم إكراما لهم والثاني إخباره بسلامتهم والحمد لله رب العالمين على هلاك المشركين ونصرة الأنبياء والمرسلين ","part":7,"page":95},{"id":3114,"text":" سورة ص \r\n ويقال لها سورة داود وهي مكية كلها باجماعهم \r\n فأما سبب نزول أولها فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أبي طالب فقال يا ابن أخي ما تريد من قومك فقال يا عم إنما اريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قال كلمة قال كلمة واحدة قال ماهي قال لا إله إلا الله فقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا فنزلت فيهم ص والقرآن إلى قوله إن هذا إلا اختلاق بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ","part":7,"page":96},{"id":3115,"text":" واختلفوا في معنى ص على سبعة أقوال \r\n أحدها أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه بمعنى صدق محمد رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث صدق الله قاله الضحاك وقد روي عن ابن عباس أنه قال معناه صادق فيما وعد وقال الزجاج معناه الصادق الله تعالى \r\n والرابع أنه اسم من أسماء القرآن أقسم الله به قاله قتادة \r\n والخامس أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى حكاه أبو سليمان الدمشقي وقال أظنه عن عكرمة \r\n والسادس أنه بمعنى حادث القرآن أي انظر فيه قاله الحسن وهذا على قراءة من كسروا منهم ابن عباس والحسن وابن أبي عبلة قال ابن جرير فيكون المعنى صاد بعملك القرآن أي عارضه وقيل اعرضه على عملك فانظر أين هو منه \r\n والسابع أنه بمعنى صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه حكاه الثعلبي وهذا على قراءة من فتح وهي قراءة أبي رجاء وأبي الجوزاء ","part":7,"page":97},{"id":3116,"text":" وحميد ومحبوب عن أبي عمرو قال الزجاج والقراءة صاد بتسكين الدال لأنها من حروف التهجي وقد قرئت بالفتح وبالكسر فمن فتحها فعلى ضربين أحدهما لالتقاء الساكنين والثاني على معنى أتل صاد ويكون صاد اسما للسورة لاينصرف ومن كسر فعلى ضربين أحدهما لالتقاء الساكنين أيضا والثاني على معنى صاد القرآن بعملك من قولك صادى يصادي إذا قابل وعادل يقال صاديته إذا قابلته \r\n قوله تعالى ذي الذكر في المراد بالذكر ثلاثة أقوال أحدها أنه الشرف قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي والثاني البيان قاله قتادة والثالث التذكير قاله الضحاك \r\n فإن قيل أين جواب القسم بقوله ص والقرآن ذي الذكر \r\n فعنه خمسة أجوبة \r\n أحدها أن ص جواب لقوله والقرآن ف ص في معناها كقولك وجب والله نزل والله حق والله قاله الفراء وثعلب ","part":7,"page":98},{"id":3117,"text":" والثاني أن جواب ص قوله كم أهلكنا من قبلهم من قرن ومعناه لكم فلما طال الكلام حذفت اللام ومثله والشمس وضحاها قد أفلح الشمس 1 و 9 فإن المعنى لقد أفلح غير أنه لما اعترض بينهما كلام تبعه قوله قد أفلح حكاه الفراء وثعلب أيضا \r\n والثالث أنه قوله إن كل إلا كذب الرسل ص 14 حكاه الأخفش \r\n والرابع أنه قوله إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ص 64 قاله الكسائي وقال الفراء لا نجده مستقيما في العربية لتأخره جدا عن قوله والقرآن \r\n والخامس أن جوابه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار ويدل على هذا المحذوف قوله بل الذين كفروا في عزة وشقاق ذكره جماعة من المفسرين وإلى نحوه ذهب قتادة والعزة الحمية والتكبر عن الحق وقرأ عمرو بن العاص وأبو رزين وابن يعمر وعاصم الجحدري ومحبوب عن أبي عمرو في غرة بغين معجمة و راء غير معجمة والشقاق الخلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه و سلم وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا البقرة 206 138 \r\n ثم خوفهم بقوله كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعنى الأمم الخالية فنادوا عند وقوع الهلاك بهم وفي هذا النداء قولان أحدهما أنه الدعاء والثاني الاستغاثة ","part":7,"page":99},{"id":3118,"text":" قوله تعالى ولات حين مناص وقرأ الضحاك وأبو المتوكل وعاصم الجحدري وابن يعمر ولات حين بفتح التاء ورفع النون قال ابن عباس ليس حين يروه فرار وقال عطاء في لغة أهل اليمن لات بمعنى ليس وقال وهب بن منبه هي بالسريانية وقال الفراء لات بمعنى ليس والمعنى ليس بحين فرار ومن القراء من يخفض لات والوجه النصب لأنها في معنى ليس أنشدني المفضل ... تذكر حب ليلى لات حينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا ... \r\n قال ابن الأنباري كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله ولات منقطعة من حين قال وقال أبو عبيدة الوقف عندي على هذا الحرف ولا والابتداء تحين لثلاث حجج \r\n إحداهن أن تفسير ابن عباس يشهد لها لأنه قال ليس حين يروه فرار فقد علم أن ليس هي أخت لا وفي معناها \r\n والحجة الثانية أنا لا نجد في شيء من كلام العرب ولات إنما المعروفة لا \r\n والحجة الثالثة أن هذه التاء إنما وجدناها تلحق مع حين ومع الآن ومع ال أوان فيقولون كان هذا تحين كان ذلك وكذلك تأوان ويقال اذهب تلان ومنه قول أبي وجزة السعدي ","part":7,"page":100},{"id":3119,"text":" العاطفون تحين مامن عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم ... \r\n وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت العاطفونة بالهاء ثم تبتدئ حين مامن عاطف قال ابن الأنباري وهذا غلط لأن الهاء إنما تقحم على النون في مواضع القطع والسكون فأما مع الاتصال فانه غير موجود وقال علي بن أحمد النيسابوري النحويون يقولون في قوله ولات هي لا زيدت فيها التاء كما قالوا ثم وثمت ورب وربت وأصلها هاء وصلت ب لا فقالوا لاه فلما وصلوها جعلوها تاء والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وأبي علي وعند الكسائي بالهاء وعند أبي عبيد الوقف على لا \r\n فأما المناص فهو الفرار قال الفراء النوص في كلام العرب التأخر والبوص التقدم قال إمرؤ القيس ... أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص ","part":7,"page":101},{"id":3120,"text":" وقال أبوعبيدة المناص مصدر ناص ينوص وهوالمنجى والفوز \r\n وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذ لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ءأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب \r\n قوله تعالى وعجبوا يعني الكفار أن جاءهم منذر منهم يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم النار \r\n أجعل الآلهة إلها واحدا لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلتهم وهذا قولهم لما اجتمعوا عند أبي طالب وجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم وهي لا إله إلا الله فقاموا يقولون أجعل الآلهة إلها واحدا ونزلت هذه الآية فيهم إن هذا الذي يقول محمد من أن الآلهة إلها واحدا لشيء عجاب أي لأمر عجب وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وابن يعمر وابن السميفع ","part":7,"page":102},{"id":3121,"text":" عجاب بتشديد الجيم قال اللغويون العجاب والعجاب والعجيب بمعنى واحد كما تقول كبير وكبار وكبار وكريم وكرام وكرام وطويل وطوال وطوال وأنشد الفراء ... جاؤوا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب ... \r\n قال قتادة عجب المشركون أن دعي الله وحده وقالوا أيسمع لحاجتنا جميعا إله واحد \r\n وقوله تعالى وانطلق الملأ منهم قال المفسرون لما اجتمع أشراف قريش عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما سبق بياه نفروا من قوله لا إله إلا الله وخرجوا من عند أبي طالب فذلك قوله وانطلق الملأ منهم الانطلاق الذهاب بسهولة ومنه طلاقة الوجه والملأ أشراف قريش فخرجوا يقول بعضهم لبعض امشوا و أن بمعنى أي فالمعنى أي امشوا قال الزجاج ويجوز أن يكون المعنى انطلقوا بأن امشوا أي انطلقوا بهذا القول وقال بعضهم المعنى انطلقوا يقولون امشوا إلى أبي طالب فاشكوا إليه ابن أخيه واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادتها إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لشيء يراد أي لأمر يراد بنا \r\n ما سمعنا بهذا الذي جاء به محمد من التوحيد في الملة الآخرة وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها النصرانية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وإبراهيم بن المهاجر عن مجاهد وبه قال محمد بن كعب القرظي ومقاتل ","part":7,"page":103},{"id":3122,"text":" والثاني أنها ملة قريش رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال قتادة \r\n والثالث اليهودية والنصرانية قاله الفراء والزجاج والمعنى أن اليهود أشركت بعزير والنصارى قالت ثالث ثلاثة فلهذا أنكرت التوحيد \r\n إن هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه و سلم إلا اختلاق أي كذب أأنزل عيه الذكر يعنون القرآن عليه يعنون رسول الله صلى الله عليه و سلم من بيننا أي كيف خص بهذا دوننا وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا قال الله تعالى بل هم في شك من ذكري أي من القرآن والمعنى أنهم ليسوا على يقين مما يقولون إنما هم شاكون بل لما قال مقاتل لما بمعنى لم كقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم الحجرات 14 وقال غيره هذا تهديد لهم والمعنى أنه لو نزل بهم العذاب علموا أن ما قاله محمد حق وأثبت ياء عذابي في الحالين يعقوب \r\n قال الزجاج ولما دل قولهم أأنزل عليه الذكر على حسدهم له أعلم الله عز و جل أن الملك والرسالة إليه فقال أم عندهم خزائن رحمة ربك قال المفسرون ومعنى الآية أبأيديهم مفاتيح النبوة فيضعونها حيث شاؤوا والمعنى ليست بأيديهم ولا ملك السموات والأرض لهم فان ادعوا شيئا من ذلك فليرتقوا في الأسباب قال سعيد بن أي في أبوبا السماء وقال الزجاج فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء \r\n قوله تعالى جند أي هم جند والجند الأتباع فكأنه قال هم اتباع مقلدون ليس فيهم عالم راشدو ما زائدةو هنالك إشارة إلى بدر والأحزاب جميع من تقدمهم من الكفار الذين تحزبوا على ","part":7,"page":104},{"id":3123,"text":" الأنبياء قال قتادة أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها يوم بدر \r\n كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذوالأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب وما ينظر هؤلاء إلا صحية واحدة مالها من فواق \r\n قوله تعالى كذبت قبلهم قوم نوح قال أبو عبيدة قوم من العرب يؤنثون القوم وقوم يذكرون فان احتج عليهم بهذه الآية قالوا وقع المعنى على العشيرة واحتجوا بقوله كلا إنها تذكرة عبس11 قالوا والمضمر مذكر \r\n قوله تعالى وفرعون ذو الأوتاد فيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه كان يعذب الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها ثم يرفع صخرة فتلقى على الإنسان فتشدخه قاله ابن مسعود وابن عباس وكذلك قال الحسن ومجاهد كان يعذب الناس بأوتاد يوتدها في أيديهم وأرجلهم والثاني أنه ذو البناء المحكم روي عن ابن عباس أيضا وبه قال الضحاك والقرظي واختاره ابن قتيبة قال والعرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد وملك ثابت الأوتاد يريدون أنه دائم شديد وأصل هذا أن البيت من بيوتهم يثبت بأوتاد قال الأسود بن يعفر ","part":7,"page":105},{"id":3124,"text":" ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثاتب الأوتاد ... والثالث أن المراد بالأوتاد الجنود رواه عطية عن ابن عباس وذلك أنهم كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشيء \r\n والرابع أنه كان يبني منارا يذبح عليها الناس \r\n والخامس أنه كان له أربع أسطوانات فيأخذ الرجل فيمد كل قائمة إلى أسطوانة فيعذبه روي القولان عن سعيد بن جبير \r\n والسادس أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها قاله عطاء وقتادة \r\n ولما ذكر المكذبين قال أولئك الأحزاب فأعلمنا أن مشركي قريش من هؤلاء وقد عذبوا وأهلكوا فحق عقاب أثبت الياء في الحالين ","part":7,"page":106},{"id":3125,"text":" يعقوب وما ينظر أي وما ينتظر هؤلاء يعني كفار مكة إلا صيحة واحدة وفيها قولان أحدهما أنها النفخة الأولى قاله مقاتل والثاني النفخة الأخيرة قاله ابن السائب \r\n وفي الفواق قراءتان قرأ حمزة وخلف والكسائي بضم الفاء وقرأ الباقون بفتحها وهل بينهما فرق أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنهما لغتان بمعنى واحد وهو معنى قول الفراء وابن قتيبة والزجاج قال الفراء والمعنى مالها من راحة ولا إفاقة واصله من الإفاقة في الرضاع إذا ارتضعت البهيمة أمها ثم تركتها حتى تنزل شيئا من اللبن فتلك الإفاقة وجاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال العيادة قدر فواق ناقة ومن يفتح الفاء فيه لغة جيدة عالية وقال ابن قتيبة الفواق والفواق واحد وهو أن تحلب الناقة وتترك ساعة حتى تنزل شيئا من اللبن ثم تحلب فما بين الحلبتين فواق فاستعير الفواق في موضع المكث والانتظار وقال الزجاج الفواق ما بين حلبتي الناقة وهو مشتق من الرجوع لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين يقال أفاق من مرضه أي رجع الى الصحة \r\n والثاني أن من فتحها أراد مالها من راحة ومن ضمها أراد فواق الناقة قاله أبو عبيدة ","part":7,"page":107},{"id":3126,"text":" وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال \r\n أحدها مالها من رجعة ثم فيه قولان أحدهما مالها من ترداد قاله ابن عباس والمعنى أن تلك الصيحة لا تكرر والثاني مالها من رجوع إلى الدنيا قاله الحسن وقتادة والمعنى أنهم لا يعودون بعدها إلى الدنيا \r\n والثاني ما لهم منها من إفاقة بل تهلكهم قاله ابن زيد \r\n والثالث مالها من فتور ولا انقطاع قاله ابن جرير والرابع مالها من راحة حكاه جماعة من المفسرين \r\n وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب إصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب \r\n قوله تعالى وقالوا ربنا عجل لنا قطنا في سبب قولهم هذا قولان \r\n أحدهما أنه لما ذكر لهم ما في الجنة قالوا هذا قاله سعيد بن جبير والسدي \r\n والثاني أنه لما نزل قوله فأما من أوتي كتابه بيمينه الآيات الحاقة 19 37 قالت قريش زعمت يا محمد أنا نؤتى كتبنا بشمائلنا فعجل لنا قطنا يقولون ذلك تكذيبا له قاله أبو العالية ومقاتل \r\n وفي المراد بالقط أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الصحيفة قاله أبو صالح عن ابن عباس قال الفراء القط ","part":7,"page":108},{"id":3127,"text":" في كلام العرب الصك وقال أبو عبيدة القط الكتاب والقطوط الكتب بالجوائز وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ومقاتل وابن قتيبة \r\n والثاني أن القط الحساب رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أنه القضاء قاله عطاء الخراساني والمعنى أنهم لما وعدوا بالقضاء بينهم سألوا ذلك \r\n والرابع أنه النصيب قاله سعيد بن جبير قال الزجاج القط النصيب وأصله الصحيفة يكتب للانسان فيها شيء يصل إليه واشتقاقة من قططت أي قطعت فالنصيب هو القطعة من الشيء ثم في هذا القول للمفسرين قولان أحدهما أنهم سألوه نصيبهم من الجنة قاله سعيد بن جبير والثاني سألوه نصيبهم من العذاب قاله قتادة وعلى جميع الأقوال إنما سألوا ذلك استهزاء لتكذيبهم بالقيامة \r\n إصبر على ما يقولون أي من تكذيبهم وأذاهم وفي هذا قولان ","part":7,"page":109},{"id":3128,"text":" أحدهما أنه أمر بالصبر سلوكا لطريق أولي العزم وهذا محكم \r\n والثاني أنه منسوخ بآية السيف فيما زعم الكلبي \r\n قوله تعالى واذكر عبدنا داود في وجه المناسبة بين قوله إصبر وبين قوله واذكر عبدنا داود قولان \r\n أحدهما أنه أمر أن يتقوى علىالصبر بذكر قوة داود على العبادة والطاعة \r\n والثاني أن المعنى عرفهم أن الأنبياء عليهم السلام مع طاعتهم كانوا خائفين مني هذا داود مع قوته على العبادة لم يزل باكيا مستغفرا فكيف حالهم مع أفعالهم \r\n فأما قوله ذا الأيد فقال ابن عباس هي القوة في العبادة وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه \r\n وفي الأواب أقوال قد ذكرناها في بني اسرائيل 25 إنا سخرنا الجبال معه يسبحن قد ذكرنا تسبيح الجبال معه في الانبياء 79 وذكرنا معنى العشي في مواضع مما تقدم آل عمران 41 الأنعام 53 وذكرنا معنى الإشراق في الحجر 73 عند قوله مشرقين قال الزجاج الإشراق طلوع الشمس وإضاءتها وروي عن ابن عباس ","part":7,"page":110},{"id":3129,"text":" أنه قال طلبت صلاة الضحى فلم أجدها إلا في هذه الآية وقد ذكرنا عنه أن صلاة الضحى مذكورة في النور 36 في قوله بالغدو والآصال \r\n قوله تعالى والطير محشورة وقرأ عكرمة وأبو الجوزاء والضحاك وابن أبي عبلة والطير محشورة بالرفع فيهما أي مجموعة إليه تسبح الله معه كل له في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى داود أي كل لداود أواب أي رجاع إلى طاعته وأمره والمعنى كل له مطيع بالتسبيح معه هذا قول الجمهور \r\n والثاني أنها ترجع إلى الله تعالى فالمعنى كل مسبح لله قاله السدي قوله تعالى وشددنا ملكه أي قويناه وفي ما شد به ملكه قولان \r\n احدهما أنه الحرس والجنود قال ابن عباس كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل \r\n والثاني أنه هيبة ألقيت له في قلوب الناس وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا \r\n قوله تعالى وآتيناه الحكمة وفيها أربعة أقوال أحدها أنها الفهم قاله ابن عباس والحسن وابن زيد والثاني الصواب قاله مجاهد والثالث السنة قاله قتادة والرابع النبوة قاله السدي وفي فصل الخطاب أربعة أقوال \r\n أحدها علم القضاء والعدل قاله ابن عباس والحسن ","part":7,"page":111},{"id":3130,"text":" والثاني بيان الكلام روي عن ابن عباس أيضا وذكر الماوردي أنه البيان الكافي في كل غرض مقصود \r\n والثالث قوله أما بعد وهو أول من تكلم بها قاله أبو موسى الأشعري والشعبي \r\n والرابع تكليف المدعي البينة والمدعى عليه اليمين قاله شريح وقتادة وهو قول حسن لأن الخصومة إنما تفصل بهذا \r\n وهل آتك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب \r\n قوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم قال أبو سليمان المعنى قد أتاك فاستمع له نقصص عليك ","part":7,"page":112},{"id":3131,"text":" واختلف العلماء في السبب الذي امتحن لأجله داود عليه السلام بما امتحن به على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه قال يارب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله فقال الله تعالى إني ابتليتهم بما لم أبتلك به فان شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم قال نعم فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت فذهب ليأخذها فرأى امرأة تغتسل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال السدي \r\n والثاني أنه مازال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة وكانوا يصلون معه ويسعدونه بالبكاء فلما استأنس بهم قال أخبروني بأي شيء أنتم موكلون قالوا مانكتب عليك ذنبا بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه ليت شعري كيف أكون لو خلوني ونفسي وتمنى أن يخلى بينه وبين نفسه ليعلم كيف يكون فأمر الله تعالى قرناءه أن يعتزلوه ليعلم انه لا غناء به عن الله عزوجل فلما فقدهم جد واجتهد ضعف عبادته إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه فأراد الله تعالى أن يعرفه ضعفه فأرسل إليه طائرا من طيور الجنة فسقط في محرابه فقطع صلاته ومد يده إليه فتنحى عن مكانه فأتبعه بصره فاذا امرأة أوريا هذا قول وهب بن منبه ","part":7,"page":113},{"id":3132,"text":" والثالث أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه احد واكب على قراءه الزبور فاذا حمامة من ذهب فأهوى إليها فطارت فتبعها فرأى المرأة رواه مطر عن الحسن \r\n والرابع أنه قال لبني إسرائيل حين ملك والله لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلي رواه قتادة عن الحسن \r\n والخامس أنه أعجبه كثرة عمله فابتلي قاله أبو بكر الوراق \r\n الإشارة إلى قصة ابتلائه \r\n قد ذكرنا عن وهب أنه قال كانت الحمامة من طيور الجنة وقال السدي تصور له الشيطان في صورة حمامة قال المفسرون إنه لما تبع الحمامة رأى امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل وقيل بل على سطح لها فعجب ","part":7,"page":114},{"id":3133,"text":" من حسنها فحانت منها التفاته فرأت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجابا فسأل عنها فقيل هذه امرأة أرويا وزوجها في غزاة فكتب داود إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح عليه أو يستشهد ففعل ذلك ففتح عليه فكتب إلى داود يخبره فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا ففتح عليه فكتب إلى داود يخبره فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا فقتل في المرة الثالثة فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود فهي أم سليمان فلما دخل بها لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله عز و جل ملكين في صورة إنسيين وقيل لم يأته الملكان حتى جاء منها سليمان وشب ثم اتياه فوجداه في محراب عبادته فمنعهما الحرس من الدخول إليه فتسوروا المحراب عليه وعلى هذا الذي ذكرناه من القصة اكثر المفسرين وقد روى نحوه العوفي عن ابن عباس وروي عن الحسن وقتادة والسدي ومقاتل في آخرين وذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة سأل عنها وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قتل فتزوجها وروي مثل هذا عن ابن عباس ووهب والحسن في جماعة قال المصنف وهذا لا يصح من طريق النقل ولا يجوز من حيث المعنى لأن الأنبياء منزهون عنه \r\n وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عوتب عليه على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه لما هويها قال لزوجها تحول لي عنها فعوتب على ذلك وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال مازاد داود على ان قال لصاحب ","part":7,"page":115},{"id":3134,"text":" المرأة أكفلنيها وتحول لي عنها ونحو ذلك روي عن ابن مسعود وقد حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غزاته فأدناه وأكرمه جدا إلى أن قال له يوما انزل لي عن امرأتك وانظر أي امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها أو أي أمة شئت أبتاعها لك فقال لا أريد بامرأتي بديلا فلما لم يجبه إلى ما سأل أمره أن يرجع إلى غزاته \r\n والثاني أنه تمنى تلك المرأة حلالا وحدث نفسه بذلك فاتفق غزو أوريا وهلاكه من غير أن يسعى في سبب قتله ولا في تعريضه للهلاك فلما بلغة قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ثم تزوج امرأته فعوتب على ذلك وذنوب الأنبياء عليهم السلام وإن صغرت فهي عظيمة عند الله عز و جل \r\n والثالث أنه لما وقع بصره عليها أشبع النظر إليها حتى علقت بقلبه \r\n والرابع أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة فخطبها داود مع علمه بأن أوريا قد خطبها فتزوجها فاغتم أوريا وعاتب الله تعالى داود إذ لم يتركها لخاطبها الأول واختار القاضي أبو يعلى هذا القول واستدل عليه بقوله وعزني في الخطاب قال فدل هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزوج الآخر فعوتب داود عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التنزه عنهما أحدهما خطبته على خطبته غيره والثاني إظهار الحرص على التزويج مع كثرة نسائه ولم يعتقد ذلك معصية فعاتبه الله تعالى عليها قال فأما ماروي أنه نظر إلى المرأة فهويها وقدم زوجها للقتل ","part":7,"page":116},{"id":3135,"text":" فانه وجه لا يجوز على الأنبياء لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها \r\n الزجاج إنما قال الخصم بلفظ الواحد وقال تسوروا المحراب بلفظ الجماعة لأن قولك خصم يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى تقول هذا خصم وهي خصم وهما خصم وهم خصم وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه مصدر تقول خصمته أخصمه خصما والمحراب هاهنا كالغرفة قال الشاعر ","part":7,"page":117},{"id":3136,"text":" ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما ... \r\n و تسوروا يدل على علو \r\n قال المفسرون كانا ملكين وقيل هما جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياه لينبهاه على التوبة وإنما قال تسوروا وهما اثنان لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء والاثنان فما فوقهما جماعة \r\n قوله تعالى إذ دخلوا على داود قال الفراء يجوز أن يكون معنى تسوروا دخلوا فيكون تكرارا ويجوز أن تكون إذ بمعنى لما فيكون المعنى إذ تسوروا المحراب لما دخلوا ولما تسوروا إذ دخلوا \r\n قوله تعالى ففزع منهم وذلك أنهما أتيا على غير صفة مجيء الخصوم وفي غير وقت الحكومة ودخلا تسورا من غير إذن وقال أبو الأحوص دخلا عليه وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه و خصمان مرفوع باضمار نحن قال ابن الأنباري المعنى نحن كخصمين ومثل خصمين فسقطت الكاف وقام الخصمان مقامها كما تقول العرب عبد الله القمر حسنا وهم يريدون مثل القمر قالت هند بنت عتبة ترثي أباها وعمها ... من حس لي الأخوين ... كالغصنين أو من راهما ... أسدين في عيل يحيد ... القوم عن عرواهما ","part":7,"page":118},{"id":3137,"text":" صقرين لا يتذللان ... ولا يباح حماهما ... رمحين خطيين في ... كبد السماء تراهما ... \r\n أرادت مثل أسدين ومثل صقرين فأسقطت مثلا وأقامت الذي بعده مقامه ثم صرف الله عز و جل النون والألف في بعضنا إلى نحن المضمر كما تقول العرب نحن قوم شرف أبونا ونحن قوم شرف أبوهم والمعنى واحد والحق هاهنا العدل \r\n ولا تشطط أي لا تجر يقال شط وأشط إذا جار وقرأ ابن أبي عبلة ولا تشطط بفتح التاء وضم الطاء قال الفراء وبعض العرب يقول شططت علي في السموم وأكثر الكلام أشططت بالألف وشطت الدار تباعدت \r\n قوله تعالى واهدنا إلى سواء الصراط أي إلى قصد الطريق والمعنى احملنا على الحق فقال داود تكلما فقال أحدهما إن هذا أخي قال ابن الأنباري المعنى قال أحد الخصمين اللذين شبه الملكان بهما إن هذا أخي فأضمر القول لوضوح معناه له تسع وتسعون نعجة قال الزجاج كني عن المرأة بالنعجة وقال غيره العرب تشبه النساء بالنعاج وتوري عنها بالشاء والبقر قال ابن قتيبة ورى عن ذكر النساء بذكر النعاج كما قال عنترة ","part":7,"page":119},{"id":3138,"text":" يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم ... يعرض بجارية يقول أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك فأما أنا فان حرمة الجوار قد حرمتك علي وإنما ذكر الملك هذا العدد لأنه عدد نساء داود \r\n قوله تعالى ولي نعجة واحدة فتح الياء حفص عن عاصم وأسكنها الباقون \r\n فقال أكفلنيها قال ابن قتيبة أي ضمها إلي واجعلني كافلها وقال الزجاج انزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها \r\n قوله تعالى وعزني في الخطاب أي غلبني في القول وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين العقبلي والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة وعازني بألف أي غالبني قال ابن مسعود وابن عباس في قوله وعزني في الخطاب ما زاد على أن قال انزل لي عنها وروى العوفي عن ابن عباس قال إن دعوت ودعا كان أكثر وإن بطشت وبطش كان أشد مني \r\n فان قيل كيف قال الملكان هذا وليس شيء منه موجودا عندهما \r\n فالجواب أن العلماء قالوا إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة داود وتقدير كلامهما ما تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا وكان داود لا يرى أن عليه تبعة فيما فعل فنبهه الله بالملكين وقال ابن قتيبة هذا مثل ضربه الله له ونبهه على خطيئته وقد ذكرنا آنفا أن المعنى نحن كخصمين \r\n قوله تعالى قال يعني داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ","part":7,"page":120},{"id":3139,"text":" قال الفراء أي بسؤاله نعجتك فاذا ألقيت الهاء من السؤال أضفت الفعل إلى النعجة ومثله لا يسأم الإنسان من دعاء الخير فصلت 49 أي من دعائه بالخير فلما ألقى الهاء أضاف الفعل إلى الخير وألقى من الخير الباء وأنشدوا ... فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير ... \r\n أي بتسليم على الأمير \r\n قوله تعالى إلى نعاجه أي ليضمها إلى نعاجه قال ابن قتيبة المعنى بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه فاختصر قال ويقال إلى بمعنى مع \r\n فان قيل كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر \r\n فالجواب أن الخصم الآخر اعترف فحكم عليه باعترافه وحذف ذكر الاعتراف اكتفاء بفهم السامع والعرب تقول أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال أي فاتجرت فكسبت ويدل عليه قول السدي إن داود قال للخصم الآخر ما تقول قال نعم أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي وهو كاره قال إذا لا ندعك وإن رمت هذا ضربنا منك هذا ويشير إلى أنفه وجبهته فقال أنت ياداود أحق أن يضرب هذا منك حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا واحدة فنظر داود فلم ير أحدا فعرف ما وقع فيه \r\n قوله تعالى وإن كثيرا من الخلطاء يعني الشركاء واحدهم خليط وهو المخالط في المال وإنما قال هذا لأنه ظنهما شريكين إلا الذين آمنوا ","part":7,"page":121},{"id":3140,"text":" أي فانهم لا يظلمون أحدا وقليل ماهم ما زائدة والمعنى وقليل هم وقيل المعنى هم قليل يعني الصالحين الذين لا يظلمون \r\n قوله تعالى وظن داود أي أيقن وعلم أنما فتناه فيه قولان أحدهما اختبرناه والثاني ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها وقرأ عمر بن الخطاب أنما فتناه بتشديد التاء والنون جميعا وقرأ أنس بن مالك وأبو رزين والحسن وقتادة وعلي بن نصر عن أبي عمرو أنما فتناه بتخفيف التاء والنون جميعا يعني الملكين قال أبو علي الفارسي يريد صمدا له وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الملكين أفصحا له بذلك على ماذكرناه عن السدي \r\n والثاني أنهما عرجا وهما يقولان قضى الرجل على نفسه فعلم أنه عني بذلك قاله وهب \r\n والثالث أنه لما حكم بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك ثم صعدا إلى السماء وهو ينظر فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فاستغفر ربه قال المفسرون لما فطن داود بذنبه خر راكعا قال ابن عباس أي ساجدا وعبر عن السجود بالركوع لأنهما بمعنى الانحناء وقال بعضهم فخر بعد أن كان راكعا فصل \r\n واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود على قولين أحدهما ليست ","part":7,"page":122},{"id":3141,"text":" من عزائم السجود قاله الشافعي والثاني أنها من عزائم السجود قاله أبو حنيفة وعن أحمد روايتان قال المفسرون فبقي في سجوده أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة لا بد منها ولا يأكل ولا يشرب فأكلت الأرض من جبينه ونبت العشب من دموعه ويقول في سجوده رب داود زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب قال مجاهد نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه ثم نادى رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء فنودي أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فينتصر لك فنحب نحيبا هاج كل شيء نبت فعند ذلك غفر له وقال ثابت البناني اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهن من الرماد ثم بكى حتى أنفذها دموعا ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه وقال وهب بن منبه نودي يا داود ارفع رأسك فانا قد غفرنا لك فرفع راسه وقد زمن وصار مرعشا ","part":7,"page":123},{"id":3142,"text":" فأما قوله وأناب فمعناه رجع من ذنبه تائبا إلى ربه فغفرنا له ذلك يعني الذنب وإن له عندنا لزلفى قال ابن قتيبة أي تقدم وقربة \r\n قوله تعالى وحسن مآب قال مقاتل حسن مرجع وهو ما أعد الله له في الجنة \r\n قوله تعالى يا داود المعنى وقلنا له يا داود إنا جعلناك أي صيرناك خليفة في الأرض أي تدبر أمر العباد من قبلنا بأمرنا فكأنك خليفة عنا فاحكم بين الناس بالحق أي بالعدل ولا تتبع الهوى أي لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله عز و جل فيضلك عن سبيل الله أي عن دينه إن الذين يضلون وقرأ أبو نهيك وأبو حيوة وابن يعمر يضلون بضم الياء \r\n قوله تعالى بما نسوا يوم الحساب فيه قولان \r\n أحدهما بما تركوا العمل ليوم الحساب قاله السدي قال الزجاج لما تركوا العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين \r\n والثاني أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل وهو قول عكرمة ","part":7,"page":124},{"id":3143,"text":" وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الأبصار \r\n قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا أي عبثا ذلك ظن الذين كفروا أن ذلك خلق لغير شيء وإنما خلق للثواب والعقاب \r\n أم نجعل الذين آمنوا قال مقاتل قال كفار قريش للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون فنزلت هذه الآية وقال ابن السائب نزلت في الستة الذين تبارزوا يوم بدر علي رضي الله عنه وحمزة رضي الله عنه وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة فذكر أولئك بالفساد في الأرض لعملهم فيها بالمعاصي وسمى المؤمنين بالمتقين لاتقائهم الشرك وحكم الآية عام \r\n قوله تعالى كتاب أي هذا كتاب يعني القرآن وقد بينا معنى بركته في سورة الأنعام 92 ","part":7,"page":125},{"id":3144,"text":" ليدبروا آياته وقرأ عاصم في رواية لتدبروا آياته بالتاء خفيفة الدال أي ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها وليتذكر بما فيه من المواعظ أولوا الألباب وقد سبق بيان هذا الرعد 19 \r\n ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب \r\n قوله تعالى نعم العبد يعني به سليمان ","part":7,"page":126},{"id":3145,"text":" وفي الأواب أقوال قد تقدمت في بني إسرائيل 25 أليقها بهذا المكان أنه رجاع بالتوبة إلى الله تعالى مما يقع منه من السهو والغفلة \r\n قوله تعالى إذ عرض عليه بالعشي وهو ما بعد الزوال الصافنات وهي الخيل وفي معنى الصافنات قولان \r\n أحدهما أنها القائمة على ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وابن زيد واختاره الزجاج وقال هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها قال الشاعر ... ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا ... \r\n والثاني أنها القائمة سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث قال الفراء على هذا رأيت العرب وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة وقال ابن قتيبة الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل وغيرها ومنه قوله صلى الله عليه و سلم من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار ","part":7,"page":127},{"id":3146,"text":" أي يديمون القيام له \r\n فأما الجياد فهي السراع في الجرى وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه عرضها لأنه أراد جهاد عدو له قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه \r\n والثاني أنها كانت من دواب البحر قال الحسن بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة وقال إبراهيم التيمي كانت عشرين فرسا ذات أجنحة وقال ابن زيد أخرجتها له الشياطين من البحر \r\n والثالث أنه ورثها من أبيه داود عليه السلام فعرضت عليه قاله وهب بن منبه ومقاتل والرابع \r\n أنه غزا جيشا فظفر به وغنمها فدعا بها فعرضت عليه قاله ابن السائب \r\n وفي عددها أربعة أقوال أحدها ثلاثة عشر ألفا قاله وهب والثاني عشرون ألفا قاله سعيد بن مسروق والثالث ألف فرس قاله ابن السائب ومقاتل والرابع عشرون فرسا وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي ","part":7,"page":128},{"id":3147,"text":" قال المفسرون ولم تزل تعرض عليه إلى أن غابت الشمس ففاتته صلاة العصر وكان مهيبا لا يبتدئه أحد بشيء فلم يذكروه ونسي هو فلما غابت الشمس ذكر الصلاة فقال إني أحببت فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو حب الخير وفيه قولان أحدهما أنه المال قاله سعيد بن جبير والضحاك والثاني حب الخيل قاله قتادة والسدي والقولان يرجعان إلى معنى واحد لأنه أراد بالخير الخيل وهي مال وقال الفراء العرب تسمي الخيل الخير قال الزجاج وقد سمى رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد الخيل زيد الخير ومعنى أحببت آثرت حب الخير على ذكر ربي وكذلك قال غير الزجاج عن بمعنى على وقال بعضهم يحتمل المعنى فشغلني عن ذكر ربي قال أبو عبيدة ومعنى الكلام أحببت حبا ثم أضاف الحب إلى الخير وقال ابن قتيبة سمى الخيل خيرا لما فيها من الخير والمفسرون على أن المراد بذكر ربه صلاة العصر قاله علي وابن مسعود وقتادة في آخرين وقال الزجاج لا أدري هل كانت صلاة العصر مفروضة أم لا إلا أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه حتى توارت بالحجاب ","part":7,"page":129},{"id":3148,"text":" قال المصنف وأهل اللغة يقولون يعني الشمس ولم يجر لها ذكر ولا أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه لأن في الآية دليلا على الشمس وهو قوله بالعشي ومعناه عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب ولا يجوز الإضمار إلا أن يجري ذكر أو دليل ذكر فيكون بمنزلة الذكر وأما الحجاب فهو ما يحجبها عن الأبصار \r\n قوله تعالى ردوها علي قال المفسرون لما شغله عرض الخيل عليه عن الصلاة فصلاها بعد خروج وقتها اغتم وغضب وقال ردوها علي يعني أعيدوا الخيل علي فطفق قال ابن قتيبة أي أقبل مسحا قال الأخفش أي يمسح مسحا \r\n فأما السوق فجمع ساق مثل دور ودار وهمز السؤق ابن كثير قال أبو علي وغير الهمز أحسن منه وقرأ أبو عمران الجوني وابن محيصن بالسؤوق مثل الرؤوس وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنه ضربها بالسيف وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ","part":7,"page":130},{"id":3149,"text":" قوله فطفق مسحا بالسوق والأعناق قال بالسيف وروى مجاهد عن ابن عباس قال مسح أعناقها وسوقها بالسيف وقال الحسن وقتادة وابن السائب قطع أعناقها وسوقها وهذا اختيار السدي ومقاتل والفراء وأبي عبيدة والزجاج وابن قتيبة وأبي سليمان الدمشقي والجمهور \r\n والثاني أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد مسحها بيده وهذا اختيار ابن جرير والقاضي أبي يعلى ","part":7,"page":131},{"id":3150,"text":" والثالث أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى حكاه الثعلبي \r\n والمفسرون على القول الأول وقد اعترضوا على القول الثاني وقالوا أي مناسبة بين شغلها إياه عن الصلاة وبين مسح اعرافها حبا لها ولا أعلم قوله حبا لها يثبت عن ابن عباس وحملوا قول مجاهد مسحها بيده أي تولى ضرب أعناقها \r\n فان قيل فالقول الأول يفسد بأنه لا ذنب للحيوان فكيف وجه العقوبة إليه وقصد التشفي بقتله وهذا يشبه فعل الجبارين لا فعل الأبياء \r\n فالجواب أنه لم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أبيح له وجائز ان يباح له ما يمنع منه في شرعنا على أنه إذا ذبحها كانت قربانا وأكل لحمها جائز فما وقع تفريط قال وهب بن منبه لما ضرب سوقها وأعناقها شكر الله تعالى له ذلك فسخر له الريح مكانها وهي أحسن في المنظر وأسرع في السير وأعجب في الأحدوثة \r\n قوله تعالى ولقد فتنا سليمان أي ابتليناه وامتحناه بسلب ملكه وألقينا على كرسيه أي على سريره جسدا وفيه قولان \r\n أحدهما أنه شيطان قاله ابن عباس والجمهور وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة اقوال أحدها صخر رواه العوفي عن ابن عباس وذكر العلماء أنه كان شيطانا مريدا لم يسخر لسليمان والثاني آصف قاله مجاهد إلا أنه ليس بالمؤمن الذي عنده الاسم الأعظم إلا أن بعض ناقلي التفسير حكى أنه ","part":7,"page":132},{"id":3151,"text":" آصف الذي عنده علم من الكتاب وأنه لما فتن سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثبت فقال آصف أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك فقام في مقامه وسار بالسيرة الجميلة هذا لا يصح ولا ذكره من يوثق به والثالث حبقيق قاله السدي والمعنى أجلسنا على كرسيه في ملكه شيطانا ثم أناب أي رجع وفيما رجع إليه قولان أحدهما تاب من ذنبه قاله قتادة والثاني رجع إلى ملكه قاله الضحاك \r\n وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال أحدها أنه كانت له امرأة يقال لها جرادة وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا وأوحى الله تعالى إليه أنه سيصيبك بلاء فكان لا يدري أيأتيه من السماء أو من الأرض رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أن زوجته جرادة كانت آثر النساء عنده فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان خصومة وإني أحب أن تقضي له فقال نعم ولم يفعل فابتلي لأجل ما قال قاله السدي والثالث أن زوجته جرادة كان قد سباها في غزاة له وكانت بنت ملك فأسلمت وكانت تبكي عنده بالليل والنهار فسألها عن حالها فقالت أذكر أبي وما كنت فيه فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري فأتسلى بها ففعل فكانت إذا خرج سليمان تسجد له هي و ولائدها أربعين صباحا فلما علم سليمان كسر تلك الصورة وعاقب المرأة و ولائدها ثم تضرع إلى الله تعالى مستغفرا مما كان في داره فسلط الشيطان على خاتمه هذا قول وهب بن منبه والرابع أنه احتجب عن الناس ثلاث أيام فأوحى الله تعالى ","part":7,"page":133},{"id":3152,"text":" إليه ياسليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف مظلوما من ظالم فسلط الشيطان على خاتمه قاله سعيد ابن المسيب والخامس أنه قارب امرأة من نسائه في الحيض أو غيره قاله الحسن \r\n والقول الثاني أن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين فقال بعضهم لبعض إن عاش له ولد لم ينفعك من البلاء ","part":7,"page":134},{"id":3153,"text":" فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله وعدا ابنه في السحاب خوفا من الشياطين فعاتبه الله تعالى على تخوفه من الشياطين ومات الولد فألقي على كرسيه ميتا جسدا قاله الشعبي والمفسرون على القول الأول ونحن نذكر قصة ابتلائه على قول الجمهور \r\n الإشارة إلى ذلك \r\n اختلف العلماء في كيفية ذهاب خاتم سليمان على قولين \r\n أحدهما أنه كان جالسا على شاطئ البحر فوقع منه في البحر قاله علي رضي الله عنه والثاني أن شيطانا أخذه وفي كيفية ذلك أربعة أقوال \r\n أحدها أنه دخل ذات يوم الحمام ووضع الخاتم تحت فراشه فجاء الشيطان فأخذه وألقاه في البحر وجعل الشيطان يقول أنا نبي الله قاله سعيد ابن المسيب \r\n والثاني أن سليمان قال للشيطان كيف تفتنون الناس قال أرني خاتمك أخبرك فأعطاه إياه فنبذه في البحر فذهب ملك سليمان وقعد الشيطان على كرسيه قاله مجاهد \r\n والثالث أنه دخل الحمام ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه فأتاها الشيطان فتمثل لها في صورة سليمان وأخذ الخاتم منها فلما خرج سليمان طلبه ","part":7,"page":135},{"id":3154,"text":" منها فقالت قد دفعته إليك فهرب سليمان وجاء الشيطان فجلس على ملكه قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع أنه دخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه الشيطان في البحر فذهب ملك سليمان وألقي على الشيطان شبهه قاله قتادة \r\n فأما قصة الشيطان فذكر أكثر المفسرين أنه لما أخذ الخاتم رمى به في البحر وألقي عليه شبه سليمان فجلس على كرسيه وتحكم في سلطانه وقال السدي لم يلقه في البحر حتى فر من مكان سليمان وهل كان يأتي نساء سليمان فيه قولان أحدهما أنه لم يقدر عليهن قاله الحسن وقتادة والثاني أنه كان يأتيهن في زمن الحيض فأنكرنه قاله سعيد ابن المسيب والأول أصح قالوا وكان يقضي بقضايا فاسدة ويحكم بما لا يجوز فأنكره بنو إسرائيل فقال بعضهم لبعض إما أن تكونوا قد هلكتم أنتم وإما أن يكون ملككم قد هلك فاذهبوا إلى نسائه فاسألوهن فذهبوا فقلن إنا والله قد أنكرنا ذلك فلم يزل على حاله إلى أن انقضى زمن البلاء \r\n وفي كيفية بعد الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال \r\n أحدها أن سليمان وجد خاتمه فتختم به ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان قاله سعيد بن المسيب ","part":7,"page":136},{"id":3155,"text":" والثاني أن سليمان لما رجع إلى ملكه وجاءته الريح والطير والشياطين فر الشيطان حتى دخل البحر قاله مجاهد \r\n والثالث أنه لما مضى أربعون يوما طار الشيطان من مجلسه قاله وهب \r\n والرابع أن بني إسرائيل لما أنكروه أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا فطار بين أيديهم حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت قاله السدي \r\n وفي قدر مكث الشيطان قولان أحدهما أربعون يوما قاله الأكثرون والثاني أربعة عشر يوما حكاه الثعلبي \r\n وأما قصة سليمان عليه السلام فانه لما سلب خاتمه ذهب ملكه فانطلق هاربا في الأرض قال مجاهد كان يستطعم فلا يطعم فيقول لو عرفتموني أعطيتموني أنا سليمان فيطردونه حتى أعطته امرأة حوتا فوجد خاتمه في بطن الحوت وقال سعيد بن جبير انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر فوجد صيادين قد صادوا سمكا كثيرا وقد أنتن عليهم بعضه فأتاهم يستطعم فقالوا اذهب إلى تلك الحيتان فخذ منها فقال لا أطعموني من هذا فأبوا عليه فقال أطعموني فاني سليمان فوثب إليه رجل منهم فضربه بالعصا غضبا لسليمان فأتى تلك الحيتان فأخذ منها شيئا فشق بطن حوت فاذا هو بالخاتم وقال الحسن ذكر لي أنه لم يؤوه أحد من الناس ولم يعرف أربعين ليلة وكان يأوي إلى امرأة مسكينة فبينا هو يوما على شط نهر وجد سمكة فأتى بها المراة فشقتها فاذا بالخاتم وقال الضحاك اشترى سمكة من امرأة فشق بطنها فوجد خاتمه \r\n وفي المدة التي سلب فيها الملك قولان أحدهما أربعون ليلة ","part":7,"page":137},{"id":3156,"text":" كما ذكرنا عن الحسن والثاني خمسون ليلة قاله سعيد بن جبير قال المفسرون فلما جعل الخاتم في يده رد الله عليه بهاءه وملكه فأظلته الطير وأقبل لا يستقبله جني ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا سجد له حتى انتهى إلى منزله قال السدي ثم أرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وأقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه إلى أن تقوم الساعة وقال وهب جاب صخرة فأدخله فيها ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم قذفه في البحر \r\n قوله تعالى وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فتح الياء نافع وأبو عمرو وفيه قولان \r\n أحدهما لا يكون لأحد بعدي قاله مقاتل وأبو عبيدة وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا ","part":7,"page":138},{"id":3157,"text":" والثاني لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي كما فعل الشيطان الذي جلس على كرسيه قاله الحسن وقتادة وإنما طلب هذا الملك ليعلم أنه قد غفر له ويعرف منزلته باجابة دعوته قاله الضحاك ولم يكن في ملكه حين دعا بهذا الريح ولا الشياطين فسخرنا له الريح وقرأ أبو الجوزاء وأبو جعفر وأبو المتوكل الرياح على الجمع ","part":7,"page":139},{"id":3158,"text":" قوله تعالى رخاء فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها مطيعة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن والضحاك والثاني أنها الطيبة قاله مجاهد والثالث اللينة مأخوذ من الرخاوة قاله اللغويون \r\n فان قيل كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة الأنبياء 81 بأنها عاصفة \r\n فالجواب أن المفسرين قالوا كان يأمر العاصف تارة ويأمر الرخاء أخرى وقال ابن قتيبة كأنها كانت تشتد إذا أراد وتلين إذا أراد \r\n قوله تعالى حيث أصاب أي حيث قصد وأراد قال الأصمعي تقول العرب أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب أي أراد الصواب \r\n قوله تعالى والشياطين أي وسخرنا له الشياطين كل بناء يبنون له ما يشاء وغواص يغوصون له في البحار فيستخرجون الدر وآخرين أي وسخرنا له آخرين وهم مردة الشياطين سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم قال مقاتل أوثقهم في الحديد وقد شرحنا ","part":7,"page":140},{"id":3159,"text":" معنى مقرنين في الأصفاد في سورة نبي الله إبراهيم عليه السلام إبراهيم 49 هذا عطاؤنا المعنى قلنا له هذا عطاؤنا وفي المشار إليه قولان \r\n أحدهما أنه جميع ما أعطي فامنن أو أمسك أي أعط من شئت من المال وامنع من شئت والمن الإحسان إلى من لا يطلب ثوابه \r\n والثاني أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له فالمعنى فامنن على من شئت باطلاقه وأمسك من شئت منهم وقد روي معنى القولين عن ابن عباس \r\n قوله تعالى بغير حساب قال الحسن لا تبعة عليك في الدنيا ولا في الآخرة وقال سعيد بن جبير ليس عليك حساب يوم القيامة وقيل في الكلام تقديم وتأخير تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك \r\n وما بعد هذا قد سبق تفسيره سبأ 37 الرعد29 الانبياء83 إلى قوله مسني الشيطان وذلك أن الشيطان سلط عليه فأضاف ما أصابه إليه \r\n قوله تعالى بنصب قرأ الأكثرون بضم النون وسكون الصاد وقرأ ","part":7,"page":141},{"id":3160,"text":" الحسن وابن أبي عبلة وابن السميفع والجحدري ويعقوب بفتحهما وهل بينهما فرق فيه قولان \r\n أحدهما أنهما سواء قال الفراء هما كالرشد والرشد والعدم والعدم والحزن والحزن وكذلك قال ابن قتيبة والزجاج قال المفسرون والمراد بالنصب الضر الذي أصابه \r\n والثاني أن النصب بتسكين الصاد الشر وبتحريكها الإعياء قاله أبو عبيدة \r\n وقرأت عائشة ومجاهد وأبو عمران وأبو جعفر وشيبة وأبو عمارة عن حفص بنصب بضم النون والصاد جميعا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء وهبيرة عن حفص بنصب بفتح النون وسكون الصاد \r\n وفي المراد بالعذاب قولان أحدهما أنه العذاب الذي أصاب جسده والثاني أنه أخذ ماله وولده \r\n قوله تعالى أركض أي اضرب الأرض برجلك ","part":7,"page":142},{"id":3161,"text":" ومنه ركضت الفرس فركض فنبعت عين ماء فذلك قوله عز و جل هذا مغتسل بارد وشراب قال ابن قتيبة المغتسل الماء وهو الغسول أيضا قال الحسن ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا ثم ركض برجله فنبعت عين فشرب منها وعلى هذا جمهور العلماء أنه ركض ركضتين فنبعت له عينان فاغتسل من واحدة وشرب من الأخرى \r\n قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا كان قد حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته مائة جلدة وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن إبليس جلس في طريق زوجة أيوب كأنه طبيب فقالت له يا عبد الله إن ها هنا إنسانا مبتلى فهل لك أن تداويه قال نعم إن شاء شفيته على أن يقول إذا برأ أنت شفيتني فجاءت فأخبرته فقال ذاك الشيطان لله علي إن شفاني أن أجلدك مائة جلدة رواه يوسف بن مهران ","part":7,"page":143},{"id":3162,"text":" عن ابن عباس \r\n والثاني أن إبليس لقيها فقال إني أنا الذي فعلت بأيوب مابه وأنا إله الأرض وما أخذته منه فهو بيدي فانطلقي أريك فمشى بها غير بعيد ثم سحر بصرها فأراها واديا عميقا فيه أهلها وولدها ومالها فأنت أيوب فأخبرته فقال ذاك الشيطان ويحك كيف وعى قوله سمعك والله لئن شفاني الله عز و جل لأجلدنك مائة قاله وهب بن منبه \r\n والثالث أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة فقال ليذبح لي هذه وقد برأ فأخبرته فحلف ليجلدنها وقد ذكرنا هذا القول في سورة الأنبياء 83 عن الحسن \r\n فأما الضغث فقال الفراء هو كل ما جمتعه من شيء مثل الحزمة الرطبة قال وما قام على ساق واستطال ثم جمعته فهو ضغث وقال ابن قتيبة هو الحزمة من الخلال والعيدان قال الزجاج هو الحزمة من الحشيش والريحان وما أشبههه قال المفسرون جزى الله زوجته بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها فسهل الأمر فجمع لها مائة عود وقيل مائة سنبلة وقيل كانت أسلا وقيل من الإذخر وقيل كانت شماريخ فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمنيه وهل ذلك خاص له أم لا فيه قولان ","part":7,"page":144},{"id":3163,"text":" أحدهما أنه عام وبه قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وابن أبي ليلى والثاني أنه خاص لأيوب قاله مجاهد فصل \r\n وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه بها ضربة واحدة فقال مالك والليث بن سعد لا يبر وبه قال أصحابنا وقال أبو حنيفة والشافعي إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها فقد بر واحتجوا بعموم قصة أيوب عليه الصلاة و السلام \r\n قوله تعالى إنا وجدناه صابرا أي على البلاء الذي ابتليناه به \r\n واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ","part":7,"page":145},{"id":3164,"text":" قوله تعالى واذكر عبادنا وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير عبدنا إشارة إلى إبراهيم وجعلوا إسحاق ويعقوب عطفا عليه لأنه الأصل وهما ولداه والمعنى اذكر صبرهم فابراهيم ألقي في النار وإسحاق أضجع للذبح ويعقوب صبر على ذهاب بصره وابتلي بفقد ولده ولم يذكر إسماعيل معهم لأنه لم يبتل كما ابتلوا \r\n أولي الأيدي يعني القوة في الطاعة والأبصار البصائر في الدين والعلم قال ابن جرير وذكر الأيدي مثل وذلك لأن باليد البطش وبالبطش تعرف قوة القوي فلذلك قيل للقوي ذو يد وعنى بالبصر بصر القلب وبه تنال معرفة الأشياء وقرأ ابن مسعود والأعمش وابن أبي عبلة أولي الأيد بغير ياء في الحالين قال الفراء ولها وجهان أحدهما أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي فحذف الياء وهو صواب مثل الجوار والمناد والثاني أن يكون من القوة والتأييد من قوله وأيدناه بروح القدس البقرة 87 \r\n قوله تعالى إنا أخلصناهم أي اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين فأفردناهم بمفردة من خصال الخير ثم أبان عنها بقوله ذكرى الدار \r\n وفي المراد بالدار هاهنا قولان أحدهما الآخرة والثاني الجنة \r\n وفي الذكرى قولان ","part":7,"page":146},{"id":3165,"text":" أحدهما أنها من الذكر فعلى هذا يكون المعنى أخلصناهم بذكر الآخرة فليس لهم ذكر غيرها قاله مجاهد وعطاء والسدي وكان الفضيل ابن عياض رحمة الله عليه يقول هو الخوف الدائم في القلب \r\n والثاني أنها التذكير فالمعنى أنهم يدعون الناس إلى الآخرة وإلى عبادة الله تعالى قاله قتادة \r\n وقرأ نافع بخالصة ذكرى الدار فأضاف خالصة إلى ذكرى الدار \r\n قال أبو علي تحتمل قراءة من نون وجهين أحدهما أن تكون ذكرى بدلا من خالصة والتقدير أخلصناهم بذكر الدار والثاني أن يكون المعنى أخلصناهم بأن يذكروا الدار بالتأهب للآخرة والزهد في الدنيا ومن أضاف فالمعنى أخلصناهم باخلاصهم ذكرى الدار بالخوف منها وقال ابن زيد أخلصناهم بأفضل ما في الجنة \r\n قوله تعالى وإنهم عندنا لمن المصطفين أي من الذين اتخذهم الله صفوة فصفاهم من الأدناس الأخيار الذين اختارهم \r\n واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل أي اذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم واليسع نبي واسمه أعجمي معرب وقد ذكرناه في الأنعام 85 وشرحنا في سورة الأنبياء 85 قصة ذي الكفل وتكلمنا في البقرة 125 في اسم إسماعيل وزعم مقاتل أن إسماعيل هذا ليس بابن إبراهيم ","part":7,"page":147},{"id":3166,"text":" قوله تعالى هذا ذكر أي شرف وثناء جميل يذكرون به أبدا وإن للمتقين لحسن مآب أي حسن مرجع يرجعون إليه في الآخرة \r\n ثم بين ذلك المرجع فقال جنات مفتحة لهم الأبواب قال الفراء إنما رفعت الأبواب لأن المعنى مفتحة لهم أبوابها والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة فيقولون مررت على رجل حسن العين وقبيح الأنف والمعنى حسنة عينة قبيح أنفه ومنه قوله تعالى فان الجحيم هي المأوى النازعات 39 والمعنى مأواه وقال الزجاج المعنى مفتحة لهم الأبواب منها فالألف واللام للتعريف لا للبدل قال ابن جرير والفائدة في ذكر تفتيح الأبواب أن الله عز و جل أخبر عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها لها بيد ولكن بالأمر قال الحسن هي أبواب تكلم فتكلم انفتحي انغلقي \r\n قوله تعالى وعندهم قاصرات الطرف قد مضى بيانه في الصافات 48 قال الزجاج والأتراب اللواتي أسنانهن واحدة وهن في غاية الشباب والحسن قوله تعالى هذا ما توعدون قرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء والباقون بالتاء قوله تعالى ليوم الحساب اللام بمعنى في والنفاد الانقطاع قال السدي كلما أخذ من رزق الجنة شيء عاد مثله ","part":7,"page":148},{"id":3167,"text":" هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار إن ذلك لحق تخاصم أهل النار قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار \r\n قوله تعالى هذا المعنى هذا الذي ذكرناه وإن للطاغين يعني الكافرين لشر مآب ثم بين ذلك بقوله جهنم والمهاد الفراش هذا فليذوقوه قال الفراء في الآية تقديم وتأخير تقديره هذا حميم وغساق فليذوقوه وإن شئت جعلت الحميم مستأنفا كأنك قلت هذا فليذوقوه ثم قلت منه حميم ومنه غساق كقول الشاعر ... حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود ... \r\n فأما الحميم فهوالماء الحار وأما الغساق ففيه لغتان قرأ حمزة والكسائي ","part":7,"page":149},{"id":3168,"text":" وخلف وحفص بالتشديد وكذلك في عم يتساءلون 25 تابعهم لمفضل في عم يتساؤلون وقرأ الباقون بالتخفيف وفي الغساق أربعة أقوال \r\n أحدها الزمهرير رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد الغساق لا يستطيعون أن يذوقوه من برد \r\n والثاني أنه ما يجري من صديد أهل النار رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال عطية وقتادة وابن زيد \r\n والثالث أن الغساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها فيستنقع فيؤتي بالآدمي فيغمس فيها غمسة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويجر لحمه جر الرجل ثوبه قاله كعب \r\n والرابع أنه ما يسيل من دموعهم قاله السدي قال أبو عبيدة الغساق ما سال يقال غسقت العين والجرح وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب وكان يقول هو اتفاق يقع بين اللغتين وكان غيره يزعم أن الغساق البارد المنتن بلسان الترك وقيل فعال من غسق يغسق فعلى هذا يكون عربيا وقيل في معناه إنه الشديد البرد يحرق من برده وقيل هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد \r\n قوله تعالى وآخر قرأ أبو عمرو والمفضل وأخر بضم الهمزة من غير مد فجمعا لأجل نعته بالأزواج وهي جمع وقرأ الباقون بفتح الألف ومده على التوحيد واحتجوا بأن العرب تنعت الاسم إذا كان فعلا بالقليل ","part":7,"page":150},{"id":3169,"text":" والكثير قال الفراء تقول عذاب فلان ضروب شتى وضربان مختلفان وإن شئت جعلت الأزواج نعتا للحميم والغساق والآخر فهن ثلاثة والأشبه أن تجعله صفة لواحد وقال الزجاج من قرأ وآخر بالمد فالمعنى وعذاب آخر من شكله أي مثل الأول ومن قرأ وأخر فالمعنى وأنواع أخر لأن قوله أزواج بمعنى أنواع وقال ابن قتيبة من شكله أي من نحوه أزواج أي أصناف وقال ابن جرير من شكله أي من نحو الحميم قال ابن مسعود في قوله وآخر من شكله هو الزمهرير وقال الحسن لما ذكر الله تعالى العذاب الذي يكون في الدنيا قال وآخر من شكله أي وآخر لم ير في الدنيا \r\n قوله تعالى هذا فوج هذا قول الزبانية للقادة المتقدمين في الكفر إذا جاؤوهم بالأتباع وقيل بل هو قول الملائكة لأهل النار كلما جاؤوهم بأمة بعد أمة والفوج الجماعة من الناس وجمعه أفواج والمقتحم الداخل في الشيء رميا بنفسه قال ابن السائب إنهم يضربون بالمقامع فيلقون أنفسهم في النار ويثبون فيها خوفا من تلك المقامع فلما قالت ","part":7,"page":151},{"id":3170,"text":" الملائكة ذلك لأهل النار قالوا لا مرحبا بهم فاتصل الكلام كأنه قول واحد وإنما الأول من قول الملائكة والثاني من قول أهل النار وقد بينا مثل هذا في قوله ليعلم إني لم أخنه بالغيب يوسف52 والمرحب والرحب السعة والمعنى لا اتسعت بهم مساكنهم قال أبو عبيدة تقول العرب للرجل لا مرحبا بك أي لا رحبت عليك الأرض وقال ابن قتيبة معنى قولهم مرحبا وأهلا أي اتيت رحبا أي سعة وأهلا أي أتيت أهلا لا غرباء فائنس ولا تستوحش وسهلا أي أتيت سهلا لا حزنا وهو في مذهب الدعاء كما تقول لقيت خيرا قال الزجاج ومرحبا منصوب بقوله رحبت بلادك مرحبا وصادفت مرحبا فأدخلت لا على ذلك المعنى \r\n قوله تعالى إنهم صالوا النار أي داخلوها كما دخلناها ومقاسون حرها فأجابهم القوم ف قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا إن قلنا إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى أنتم زينتم لنا الكفر وإن قلنا إنه قول الأمة المتأخرة للامة المتقدمة فالمعنى أنتم شرعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار أي بئس المستقر والمنزل \r\n قالوا ربنا من قدم لنا هذا أي من سنة وشرعه فزده عذابا ضعفا في النار وقد شرحناه في الأعراف 38 وفي القائلين لهذا قولان أحدهما أنه قول جميع أهل النار قاله ابن السائب والثاني قول الأتباع قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وقالوا يعني أهل النار ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار قال المفسرون إذا دخلوا النار نظروا فلم يروا من كان ","part":7,"page":152},{"id":3171,"text":" يخالفهم من المؤمنين فيقولون ذلك قال مجاهد يقول أبو جهل في النار أين صهيب أين عمار أين خباب أين بلال \r\n قوله تعالى أتخذناهم سخريا قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي من الأشرار اتخذناهم بالوصل على الخبر أي إنا اتخذناهم وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة وقال الفراء وهذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والمعنى أنهم يوبخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين وسخريا يقرأ بضم السين وكسرها وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنين 110 أم زاغت عنهم الأبصار أي وهم معنا في النار ولا نراهم وقال أبو عبيدة أم هاهنا بمعنى بل \r\n قوله تعالى إن ذلك لحق قال الزجاج أي إن الذي وصفناه عنهم لحق ثم بين ما هو فقال هو تخاصم أهل النار وقرأ أبوالجوزاء وأبو الشعثاء وأبو عمران وابن أبي عبلة تخاصم برفع الصاد وفتح الميم وكسر اللام من أهل وقرأ أبو مجلز وأبو العالية وأبو المتوكل وابن السميفع تخاصم أهل بفتح الصاد والميم ورفع اللام \r\n قل هو نبؤا عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ","part":7,"page":153},{"id":3172,"text":" فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فانك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين \r\n قوله تعالى قل هو نبأ عظيم النبأ الخبر وفي المشار إليه قولان أحدهما أنه القرآن قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور والثاني أنه البعث بعد الموت قاله قتادة أنتم عنه معرضون أي لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي وأن ما جئت به من الأخبار عن قصص الماضين لم أعلمه إلا بوحي من الله ويدل على هذا المعنى قوله ما كان لي من علم بالملأ الأعلى يعني الملائكة إذ يختصمون في شأن آدم حين قال الله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة البقرة 30 والمعنى إني ","part":7,"page":154},{"id":3173,"text":" ما علمت هذا إلا بوحي إن يوحى إلي أي ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير أي إلا أني نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه \r\n إذ قال ربك هذا متصل بقوله يختصمون وإنما اعترضت تلك الآية بينهما قال ابن عباس اختصموا حين شووروا في خلق آدم فقال الله لهم إني جاعل في الأرض خليفة وهذه الخصومة منهم إنما كانت مناظرة بينهم وفي مناظرتهم قولان \r\n أحدهما أنه قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها البقرة 30 قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني أنهم قالوا لن يخلق الله خلقا إلا كنا أكرم منه وأعلم قاله الحسن هذا قول الأكثر من المفسرين وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال رأيت ربي عز و جل فقال لي فيم يختصم الملأ الأعلى قلت أنت أعلم يارب قال في الكفارات والدرجات فأما الكفارات فاسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة وأما الدرجات فافشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ","part":7,"page":155},{"id":3175,"text":" قوله تعالى أستكبرت أي أستكبرت بنفسك حين أبيت السجود أم كنت من العالين أي من قوم يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك من قوم يتكبرون \r\n قوله تعالى فأنك رجيم أي مرجوم بالذم واللعن \r\n قوله تعالى إلى يوم الوقت المعلوم وهو وقت النفخة الأولى وهو حين موت الخلائق \r\n وقوله فبعزتك يمين بمعنى فوعزتك وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف 12 , الحجر 34 وغيرهما مما تقدم قوله تعالى قال فالحق والحق أقول قرأ عاصم إلا حسنون عن هبيرة وحمزة وخلف وزيد عن يعقوب فالحق بالرفع في الأول ونصب الثاني وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد قال ابن عباس في معناه ","part":7,"page":157},{"id":3176,"text":" فأنا الحق وأقول الحق وقال غيره خبر الحق محذوف تقديره الحق مني وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجاج من رفعهما جميعا كان المعنى فأنا الحق والحق أقول وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بالنصب فيهما قال الفراء وهو على معنى قولك حقا لآتينك ووجود الألف واللام وطرحهما سواء وهو بمنزلة قولك حمدا لله وقال مكي بن أبي طالب انتصب الحق الأول على الإغراء أي اتبعوا الحق واسمعوا والزموا الحق وقيل هو نصب على القسم كما تقول الله لأفعلن فتنصب حين حذفت الجار لأن تقديره فبالحق فأما الحق الثاني فيجوز أن يكون الأول وكرره توكيدا ويجوز أن يكون منصوبا ب أقول كأنه قال وأقول الحق وقرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو رجاء ومعاذ القارئ والأعمش فالحق بكسر القاف والحق بنصبها وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين جميعا وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو نهيك فالحق بالنصب والحق بالرفع \r\n قوله تعالى لأملأن جهنم منك أي من نفسك وذريتك \r\n قل ما أسألكم عليه من أجر أي على تبليغ الوحي وما أنا من المتكلفين أي لم أتكلف إتيانكم من قبل نفسي إنما أمرت أن آتيكم ولم أقل القرآن من تلقاء نفسي إنما أوحي إلي ","part":7,"page":158},{"id":3177,"text":" إن هو أي ماهو يعني القرآن إلا ذكر أي موعظة للعالمين \r\n ولتعلمن يا معاشر الكفار نبأه أي خبر صدق القرآن بعد حين وفيه ثلاثة أقوال أحدها بعد الموت والثاني يوم القيامة رويا عن ابن عباس وبالأول يقول قتادة وبالثاني يقول عكرمة والثالث يوم بدر قاله السدي ومقاتل وقال ابن السائب من بقي إلى أن ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم علم ذلك ومن مات علمه بعد الموت وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا وجه لذلك ","part":7,"page":159},{"id":3178,"text":" سورة الزمر وتسمى سورة الغرف فصل في نزولها \r\n روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وجابر بن زيد وروي عن ابن عباس أنه قال فيها آيتان نزلتا بالمدينة قوله الله نزل أحسن الحديث الزمر 23 وقوله يا عبادي الذين أسرفوا الزمر 53 وقال مقاتل فيها من المدني قل يا عبادي الذين أسرفوا الآية الزمر 53 وقوله للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة الزمر 10 وفي رواية أخرى عنه قال فيها آيتان مدنيتان يا عبادي الذين أسرفوا الزمر 53 وقوله يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم الزمر 10 وقال بعض السلف فيها ثلاث آيات مدنيات قل يا عبادي الذين أسرفوا إلى قوله وأنتم تشعرون الزمر55 - 53 ","part":7,"page":160},{"id":3179,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار \r\n قوله تعالى تنزيل الكتاب قال الزجاج الكتاب هاهنا القرآن ورفع تنزيل من وجهين أحدهما الابتداء ويكون الخبر من الله فالمعنى نزل من عند الله والثاني على إضمار هذا تنزيل الكتاب و مخلصا منصوب على الحال فالمعنى فاعبد الله موحدا لا تشرك به شيئا \r\n قوله تعالى ألا لله الدين الخالص يعني الخالص من الشرك وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به وقيل المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله \r\n والذين اتخذوا من دونه أولياء يعنى آلهة ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا عزير ابن الله والنصارى لقولهم المسيح ابن الله التوبة 30 وجميع عباد الأصنام ويدل عليه قوله بعد ذلك لو أراد الله أن يتخذ ولدا الزمر 4 ","part":7,"page":161},{"id":3180,"text":" قوله تعالى ما نعبدهم أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي إلا ليشفعوا لنا إلى الله والزلفى القربى وهو اسم أقيم مقام المصدر فكأنه قال إلا ليقربونا إلى الله تقريبا \r\n إن الله يحكم بينهم أي بين أهل الأديان فيما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا وجه لذلك \r\n قوله تعالى إن الله لا يهدي أي لا يرشد من هو كاذب في قوله إن الآلهه تشفع كفار أي كافر باتخاذها آلهة وهذا إخبار عمن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية \r\n لو أراد الله أن يتخذ ولدا أي على ما يزعم من ينسب ذلك إلى الله لاصطفى أي لاختار مما يخلق قال مقاتل أي من الملائكة \r\n خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار \r\n قوله تعالى خلق السموات والأرض بالحق أي لم يخلقهما لغير شيء ","part":7,"page":162},{"id":3181,"text":" يكور الليل على النهار قال أبو عبيدة يدخل هذا على هذا قال ابن قتيبة وأصل التكوير اللف ومنه كور العمامة وقال غيره التكوير طرح الشيء بعضه على بعض \r\n وسخر الشمس والقمر أي ذللهما للسير على ما أراد كل يجري لأجل مسمى أي إلى الأجل الذي وقت الله للدنيا وقد شرحنا معنى العزيز في البقرة 129 ومعنى الغفار في طه 82 \r\n خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون \r\n قوله تعالى خلقكم من نفس واحدة يعني آدم ثم جعل منها زوجها أي قبل خلقكم جعل منها زوجها لأن حواء خلقت قبل الذرية ومثله في الكلام أن تقول قد أعطيتك اليوم شيئا ثم الذي أعطيتك أمس أكثر هذا اختيار الفراء وقال غيره ثم أخبركم أنه خلق منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام أي خلق ثمانية أزواج وقد بيناها في سورة الأنعام 143 \r\n خلقا من بعد خلق أي نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظما ثم لحما ثم أنبت الشعر إلى غير ذلك من تقلب الأحوال إلى إخراج الأطفال هذا قول الجمهور وقال ابن زيد خلقا في البطون من بعد خلقكم في ظهر آدم \r\n قوله تعالى في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة ","part":7,"page":163},{"id":3182,"text":" المشيمة قاله الجمهور وابن زيد معهم وقال أبو عبيدة إنها ظلمة صلب الأب وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم \r\n قوله تعالى فأنى تصرفون أي من أين تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعلمون إنه عليم بذات الصدور \r\n إن تكفروا فإن الله غني عنكم أي عن إيمانكم وعبادتكم ولا يرضى لعباده الكفر فيه قولان أحدهما لا يرضاه للمؤمنين قاله ابن عباس والثاني لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته وفرق بين الإرادة والرضى وقد أشرنا إلى هذا في البقرة 205 عند قوله والله لا يحب الفساد \r\n وإن تشكروا يرضه لكم أي يرضى ذلك الشكر لكم إنه عليم بذات الصدور أي بما في القلوب \r\n وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ","part":7,"page":164},{"id":3183,"text":" قوله تعالى وإذا مس الإنسان ضر اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما في عتبة بن ربيعة قاله عطاء والثاني في أبي حذيفة بن المغيرة قاله مقاتل والضر البلاء والشدة \r\n منيبا إليه أي راجعا إليه من شركه \r\n ثم إذا خولة أي أعطاه وملكه نعمة منه بعد البلاء الذي أصابه كالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر نسي أي ترك ما كان يدعو إليه وفيه ثلاثة أقوال أحدها نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله تعالى والثاني نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والثالث نسي الله الذي كان يتضرع إليه قال الزجاج وقد تدل ما على الله عز و جل كقوله ولا أنتم عابدون ما أعبد الكافرون 3 وقال الفراء ترك ما كان يدعو إليه وقد سبق معنى الأنداد البقرة 22 ومعنى ليضل عن سبيل الله الحج 9 \r\n قوله تعالى قل تمتع بكفرك لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد ومثله فتمتعوا فسوف تعلمون النحل 55 \r\n أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب \r\n قوله تعالى أمن هو قانت قرأ ابن كثير ونافع وحمزة وأبو جعفر ","part":7,"page":165},{"id":3184,"text":" والمفضل عن عاصم وزيد عن يعقوب أمن بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد فأما المشددة فمعناها أهذا الذي ذكرنا خير أمن هو قانت والأصل في أمن أم من فأدغمت الميم في الميم وأما المخففه ففي تقديرها ثلاثة أوجه \r\n أحدها أنها بمعنى النداء قال الفراء فسرها الذين قرؤوا بها فقالوا يامن هو قانت وهو وجه حسن والعرب تدعو بالألف كما تدعوا بياء فيقولون يا زيد أقبل وأزيد أقبل فيكون المعنى أنه ذكر الناسي الكافر ثم قص قصة الصالح بالنداء كما تقول فلان لا يصوم ولا يصلي فيامن يصوم أبشر \r\n والثاني أن تقديرها أمن هو قانت كمن ليس بقانت \r\n والثالث أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا \r\n وقد ذكرنا معنى القنوت في البقرة116 ومعنى آناء الليل في آل عمران 113 \r\n قوله تعالى ساجدا وقائما يعني في الصلاة وفيمن نزلت فيه هذه الآية خمسة أقوال أحدها أنه أبو بكر الصديق رواه عطاء عن ابن عباس ","part":7,"page":166},{"id":3185,"text":" والثاني عثمان بن عفان قاله ابن عمر والثالث عمار بن ياسر قاله مقاتل والرابع ابن مسعود وعمار وصهيب وابو ذر قاله ابن السائب والخامس أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم حكاه يحيى بن سلام \r\n قوله تعالى يحذر الآخرة أي عذاب الآخرة وقد قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعروة وسعيد بن جبير وأبو رجاء وأبو عمران يحذر عذاب الآخرة بزيادة عذاب ويرجو رحمة ربه فيها قولان أحدهما أنها المغفرة قاله ابن السائب والثاني الجنة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى قل هل يستوي الذي يعلمون أن ما وعد الله من الثواب ","part":7,"page":167},{"id":3186,"text":" والعقاب حق والذين لا يعلمون وباقي الآية قد تقدم قي الرعد 19 وكذلك قوله للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة قد تقدم في النحل 30 \r\n وفي قوله وأرض الله واسعة قولان أحدهما أنه حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون والثاني أنها أرض الجنة رغبهم فيها \r\n إنما يوفى الصابرون الذين صبروا لأجل الله تعالى على مانالهم بغير حساب أي يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب وأعظم من أن يحاط به لا على قدر أعمالهم \r\n قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ماشئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب \r\n قوله تعالى قل إني أمرت قال مقاتل وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ما حملك على الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة آبائك ","part":7,"page":168},{"id":3187,"text":" فتأخذ بها فنزلت هذه الآية والمعنى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين أي أمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص السالم من الشرك وأمرت لأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة \r\n قل إني أخاف إن عصيت ربي بالرجوع إلى دين آبائي عذاب يوم عظيم وقد اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بينا في نظيرتها في الأنعام 15 \r\n قل الله أعبد مخلصا له ديني بالتوحيد فاعبدوا ماشئتم وهذا تهديد وبعضهم يقول هو منسوخ بآية السيف وهذا باطل لأنه لو كان أمرا كان منسوخا فأما أن يكون بمعنى الوعيد فلا وجه لنسخه \r\n قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار و خسروا أهليهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم خسروا الحور العين اللواتي أعددن لهم في الجنة لو أطاعوا قاله الحسن وقتادة \r\n والثاني خسروا الأهل في النار إذ لا أهل لهم فيها قاله مجاهد وابن زيد \r\n والثالث خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا إذ صاروا إلى النار بكفرهم وصار أهلوههم إلى الجنة بإيمانهم قاله الماوردي \r\n قوله تعالى لهم من فوقهم ظلل من النار وهي الأطباق من النار وإنما قال ومن تحتهم ظلل لأنها ظلل لمن تحتهم ذلك الذي وصف الله من العذاب يخوف الله به عباده المؤمنين ","part":7,"page":169},{"id":3188,"text":" قوله تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت روى ابن زيد عن أبيه أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله تعالى زيد ابن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضى الله عنهم قال أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي \r\n وفي المراد بالطاغوت هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الشياطين قاله مجاهد والثاني الكهنة قاله ابن السائب والثالث الأوثان قاله مقاتل فعلى قول مقاتل هذا إنما قال يعبدوها لأنها مؤنثة وقال الأخفش إنما قال يعبدوها لأن الطاغوت في معنى جماعة وإن شئت جعلته واحدا مؤنثا قوله تعالى وأنابوا إلى الله أي رجعوا إليه بالطاعة لهم البشرى بالجنة فبشر عبادي بباء وحرك الياء أبوعمرو \r\n ثم نعتهم فقال الذين يستمعون القول وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن قاله الجمهور فعلى هذا في معنى فيتبعون أحسنه أقوال قد شرحناها في الأعراف 145 عند قوله وأمر قومك يأخذوا بأحسنها \r\n والثاني أنه جميع الكلام ثم في المعنى قولان أحدهما أنه الرجل ","part":7,"page":170},{"id":3189,"text":" يجلس مع القوم فيسمع كلامهم فيعمل بالمحاسن ويحدث بها ويكف عن المساوئ ولايظهرها قاله ابن السائب والثاني أنه لما ادعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن وأتت الكهنة بالكلام المزخرف في الأباطيل فرق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله فاتبعوا كلام الله ورفضوا أباطيل أولئك قاله أبو سليمان الدمشقي \r\n أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله المعياد \r\n قوله تعالى أفمن حق عليه كلمة العذاب قال ابن عباس سبق في علم الله أنه في النار \r\n فان قيل كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب \r\n قيل أما الفراء فانه يقول هذا مما يراد به استفهام واحد فسبق الاستفهام إلى غير موضعه فرد إلى موضعه الذي هو له فيكون المعنى أفأنت تنقذ من في النار من حقت عليه كلمة العذاب ومثله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون المؤمنون 35 فرد أنكم مرتين والمعنى أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم ومثله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ثم قال فلا تحسبنهم آل عمران 188 فرد تحسبن مرتين والمعنى لا تحسبن الذين يفرحون بمفازة من العذاب وقال الزجاج يجوز أن يكون في الكلام محذوف تقديره أفمن حق عليه كلمة العذاب فيتخلص منه أو ينجو أفأنت تنقذه قال المفسرون أفأنت ","part":7,"page":171},{"id":3190,"text":" تخلصه مما قدر له فتجعله مؤمنا والمعنى ما تقدر على ذلك قال عطاء يريد بهذه الآية أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه و سلم عن الإيمان \r\n قوله تعالى لكن الذين اتقوا وقرأ أبو المتوكل وأبوجعفر لكن بتشديد النون وفتحها قال الزجاج والغرف هي المنازل الرفيعة في الجنة من فوقها غرف أي منازل أرفع منها \r\n وعد الله منصوب على المصدر فالمعنى وعدهم الله غرفا وعدا ومن قرأ وعد الله بالرفع المعنى ذلك وعد الله \r\n ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب \r\n قوله تعالى أنزل من السماء ماء قال الشعبي كل مافي الأرض فمن السماء ينزل فسلكه ينابيع قال ابن قتيبة أي أدخله فجعله ينابيع أي عيونا تنبع ثم يهيج أي ييبس قال الأصمعي يقال للثبت إذا تم جفافه قد هاج يهيج هيجا \r\n فأما الحطام فقال أبو عبيدة هو ما يبس فتحات من النبات ومثله الرفات قال مقاتل هذا مثل ضرب الدنيا بينا ترى النبت أخضر إذ تغير فيبس ثم هلك وكذلك الدنيا وزينتها وقال غيره هذا البيان للدلالة على قدرة الله عز و جل ","part":7,"page":172},{"id":3191,"text":" أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين \r\n قوله تعالى أفمن شرح الله صدره قال الزجاج جوابه متروك لأن الكلام دال عليه تقديره أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد ويدل على هذا قوله فويل للقاسية قلوبهم وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تلا هذه الآية فقلنا يا رسول الله وما هذا الشرح فذكر حديثا قد ذكرناه في قوله فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام الأنعام 125 \r\n قوله تعالى فهو على نور فيه أربعة أقوال أحدها اليقين قاله ابن عباس والثاني كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه قاله قتادة والثالث البيان قاله ابن السائب والرابع الهدى قاله مقاتل ","part":7,"page":173},{"id":3192,"text":" وفيمن نزلت هذه الآية فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أبي بكر الصديق وأبي بن خلف رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني في علي وحمزة وأبي لهب و ولده قاله عطاء \r\n والثالث في رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي أبي جهل قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله قد بينا معنى القساوة في البقرة 74 \r\n فان قيل كيف يقسو القلب من ذكر الله عز و جل \r\n فالجواب أنه كلما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذبون به قست قلوبهم عن الإيمان به وذهب مقاتل في آخرين إلى أن من هاهنا بمعنى عن قال الفراء كما تقول أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته وإنما قست قلوبهم من ذكر الله لأنهم جعلوه كذبا فأقسى قلوبهم ومن قال قست قلوبهم عنه أراد أعرضت عنه وقد قرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة وأبو عمران قلوبهم عن ذكر الله مكان قوله من \r\n الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ","part":7,"page":174},{"id":3193,"text":" قوله تعالى الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن وقد ذكرنا سبب نزولها في أول يوسف \r\n قوله تعالى كتابا متشابها فيه قولان \r\n أحدهما أن بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف فالآية تشبه الآية والكلمة تشبه الكلمة والحرف يشبه الحرف \r\n والثاني أن بعضه يصدق بعضا فليس فيه اختلاف ولا تناقض \r\n وإنما قيل له مثاني لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود والثواب والعقاب \r\n فان قيل ما الحكمة في تكرار القصص والواحدة قد كانت تكفي \r\n فالجواب أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا لهم وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة مكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم فأراد الله تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كل سمع فأما فائدة تكرار الكلام من جنس واحد كقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان الرحمن وقوله لا أعبد ما تعبدون الكافرون وقوله أولى لك فأولى القيامة 34 35 وما أدراك ما يوم الدين الانفطار 17 18 فسنذكرها في سورة الرحمن عز و جل \r\n قوله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم أي تأخذهم ","part":7,"page":175},{"id":3194,"text":" قشعريرة وهو تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل وروى العباس ابن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها \r\n وفي معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها تقشعر من وعيده وتلين عند وعده قاله السدي والثاني تقشعر من الخوف وتلين من الرجاء والثالث تقشعر الجلود لإعظامه وتلين عند تلاوته ذكرهما الماوردي \r\n وقال بعض أهل المعاني مفعول الذكر في قوله إلى ذكر الله محذوف لأنه معلوم والمعنى تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله الجنة والثواب قال قتادة هذا نعت أولياء الله تقشعر جلودهم وتلين قلوبهم ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان وقد روى أبو حازم قال مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق فقال ما شأنه فقالوا إنه إذا قرئ عيه القرآن يصيبه هذا قال إنا لنخشى الله عز و جل وما نسقط وقال عامر بن عبد الله بن الزبير جئت أبي فقال لي أين كنت فقلت وجدت قوما ما رأيت خيرا منهم قط يذكرون الله عز و جل فيرعد واحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله عز و جل فقعدت معهم فقال لا تقعد معهم بعدها أبدا قال فرآني ","part":7,"page":176},{"id":3195,"text":" كأني لم يأخذ ذلك في فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله تعالى أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر قال فرأيت ذلك كذلك وقال عكرمة سئلت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف قالت لا ولكنهم كانوا يبكون وقال عبد الله بن عروة بن الزبير قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن قالت كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم فقلت لها إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكان جواب يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم النخعي إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك ","part":7,"page":177},{"id":3196,"text":" قوله تعالى ذلك هدى الله في المشار إليه قولان أحدهما أنه القرآن قاله مقاتل والثاني أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود عند الوعيد ولينها عند الوعد قاله ابن الأنباري \r\n أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون كذب الذين من قبلهم فأتهام العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون \r\n قوله تعالى أفمن يتقي بوجه سوء العذاب أي شدته قال الزجاج جوابه محذوف تقديره كمن يدخل الجنة وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النار مغلولا ولا يتهيأ له أن يتقيها إلا بوجه \r\n ثم أخبر عما يقول الخزنة للكفار بقوله وقيل للظالمين يعني الكافرين ذوقوا ما كنتم تكسبون أي جزاء كسبكم \r\n قوله تعالى كذب الذين من قبلهم أي من قبل كفار مكة فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أي وهم آمنون غافلون عن العذاب ","part":7,"page":178},{"id":3197,"text":" فأذاقهم الله الخزي يعني الهوان والعذاب ولعذاب الآخرة أكبر مما أصابهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ولكنهم لا يعلمون ذلك \r\n ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن أي وصفنا لهم من كل مثل أي من كل شبه يشبه أحوالهم \r\n قوله تعالى قرآنا عربيا قال الزجاج عربيا منصوب على الحال المعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه فذكر قرآنا توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا وجاءني عمرو إنسانا عاقلا فذكر رجلا وإنسانا توكيدا \r\n قوله تعالى غير ذي عوج روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال غير مخلوق وقال غيره مستقيم غير مختلف \r\n ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون \r\n قوله تعالى ضرب الله مثلا ثم بينه فقال رجلا فيه شركاء متشاكسون قال ابن قتيبة أي مختلفون يتنازعون ويتشاحون فيه يقال رجل شكس وقال اليزيدي الشكس من الرجال الضيق الخلق \r\n قال المفسرون وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فان الكافر يعبد ","part":7,"page":179},{"id":3198,"text":" آلهة شتى فمثله بعبد يملكه جماعة يتافسون في خدمته ولا يقدرون أن يلغ رضاهم أجمعين والمؤمن يعبد الله وحده فمثله بعبد لرجل واحد قد علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاكس الخلطاء فيه فذلك قوله سالما لرجل قرأ ابن كثير وأبو عمرو إلا عبد الوارث في غير رواية القزاز وأبان عن عاصم ورجلا سلما بألف وكسر اللام وبالنصب والتنوين فيهما والمعنى ورجلا خالصا لرجل قد سلم له من غير منازع ورواه عبد الوارث إلا القزاز كذلك إلا أنه رفع الاسمين فقال ورجل سالم لرجل وقرأ ابن أبي عبلة سلم لرجل بكسر السين ورفع الميم وقرأ الباقون ورجلا سلما بفتح السين واللام وبالنصب فيهما والتنوين والسلم بفتح السين واللام معناه الصلح والسلم بكسر السين مثله قال الزجاج من قرأ سلما وسلما فهما مصدران وصف بهما فالمعنى ورجلا ذا سلم لرجل وذا سلم لرجل فالمعنى ذا سلم والسلم الصلح والسلم بكسر السين مثله وقال ابن قتيبة من قرأ سلما لرجل أراد سلم إليه فهو سلم له وقال أبو عبيدة السلم والسلم الصلح \r\n قوله تعالى هل يستويان مثلا هذا استفهام معناه الإنكار أي لا يستويان لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين وقيل لا يستويان في باب الراحة لأنه هذا قد عرف الطريق إلى رضى مالكه وذاك متحير بين الشركاء قال ثعلب وإنما قال هل يستويان مثلا ولم يقل مثلين لأنهما جميعا ضربا ","part":7,"page":180},{"id":3199,"text":" مثلا واحدا ومثله وجعلنا ابن مريم وأمه آية المؤمنون 50 ولم يقل آيتين لأن شأنهما واحد وتم الكلام هاهنا ثم قال الحمد لله أي له الحمد دون غيره من المعبودين بل أكثرهم لا يعلمون والمراد بالأكثر الكل \r\n ثم أخبر نبيه بما بعد هذا الكلام أنه يموت وأن الذين يكذبونه يموتون وأنهم يجتمعون للخصومة عند الله عز و جل المحق والمبطل والمظلوم والظالم وقال ابن عمر نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها وما نرى أنها نزلت إلا فينا وفي أهل الكتابين حتى قتل عثمان فعرفت أنها فينا نزلت وفي لفظ آخر حتى وقعت الفتنة بين علي ومعاوية \r\n فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاؤا المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون ","part":7,"page":181},{"id":3200,"text":" قوله تعالى فمن أظلم ممن كذب على الله بأن دعا له ولدا وشريكا وكذب بالصدق إذ جاءه وهو التوحيد والقرآن أليس في جهنم مثوى للكافرين أي مقام للجاحدين وهذا استفهام بمعنى التقرير يعني إنه كذلك \r\n قوله تعالى والذي جاء بالصدق فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله علي بن أبي طالب وابن عباس وقتادة وابن زيد ثم في الصدق الذي جاء به قولان أحدهما أنه لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والثاني أنه القرآن قاله قتادة وفي الذي صدق به ثلاثة أقوال أحدها أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم أيضا هو جاء بالصدق وهو صدق به قاله ابن عباس والشعبي والثاني أنه أبو بكر قاله علي بن أبي طالب والثالث أنهم المؤمنون قاله قتادة والضحاك وابن زيد \r\n والقول الثاني أن الذي جاء بالصدق أهل القرآن وهو الصدق الذي يجيبون به يوم القيامة وقد أدوا حقه فهم الذين صدقوا به قاله مجاهد \r\n والثالث أن الذي جاء بالصدق الأنبياء قاله الربيع فعلى هذا يكون الذي صدق به المؤمنون \r\n والرابع أن الذي جاء بالصدق جبريل وصدق به محمد قاله السدي ","part":7,"page":182},{"id":3201,"text":" قوله تعالى أولئك هم المتقون أي الذين اتقوا الشرك وإنما قيل هم لأن معنى الذي معنى الجمع كذلك قال اللغويون وأنشد أبو عبيدة والزجاج ... فان الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد ... \r\n قوله تعالى ليكفر الله عنهم المعنى أعطاهم ماشاؤوا ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا أي ليستر ذلك بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بمحاسن أعمالهم لا بمساوئها \r\n أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ","part":7,"page":183},{"id":3202,"text":" قوله تعالى أليس الله بكاف عبده ذكر المفسرون أن مشركي مكة قالوا يا محمد ما تزال تذكر آلهتنا وتعيبها فاتق أن تصيبك بسوء فنزلت هذه الآية والمراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وقرأ حمزة والكسائي عباده على الجمع وهم الأنبياء لأن الأمم قصدتهم بالسوء فالمعنى أنه كما كفى الأنبياء قبلك يكفيك وقرأ سعد بن أبي وقاص وأبو عمران الجوني بكافي مثبتة الياء عبده بكسر الدال والهاء من غير ألف وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وأبو الجوزاء والشعبي مثله إلا أنهم أثبتوا الألف في عباده وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر وشيبة والأعمش بكاف بالتنوين عباده على الجمع وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء العطاردي يكافي بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء عباده على الجمع \r\n ويخوفونك بالذين من دونه أي بالذين يعبدون من دونه وهم الأصنام \r\n ثم أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى وأنه منتقم ممن عصاه ثم أخبر أنهم مع عبادتهم يقرون أنه الخالق ثم أمر أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون لا يملك كشف ضر ولا جذب خير \r\n وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم كاشفات ضره وممسكات رحمته منونا والباقون كاشفات ضره وممسكات رحمته على الإضافة ","part":7,"page":184},{"id":3203,"text":" قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل \r\n قوله تعالى قل يا قوم اعملوا ذكر بعض المفسرين أنها والآية التي تليا نسخت بآية السيف \r\n قوله تعالى إنا أنزلنا عليك الكتاب يعني القرآن للناس أي لجمع الخلق بالحق ليس فيه باطل وتمام الآية مفسر في آخر يونس 108 وذكروا أنه مسنوخ بآية السيف \r\n الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها أي يقبض الأرواح حين موت أجسادها والتي لم تمت أي ويتوفى التي لم تمت في منامها \r\n فيمسك أي عن الجسد والنفس التي قضى عليها الموت وقرأ حمزة والكسائي قضي بضم القاف وفتح الياء الموت بالرفع ويرسل الأخرى إلى الجسد إلى أجل مسمى وهو انقضاء العمر إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون في أمر البعث وروى ","part":7,"page":185},{"id":3204,"text":" سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام فيتعارفون ويتساءلون ثم ترد ارواح الأحياء إلى أجسادها فلا يخطىء بشيء منها فذلك قوله إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وقال ابن عباس في رواية أخرى في ابن آدم نفس وروح فبالنفس العقل والتمييز وبالروح النفس والتحريك فاذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه وقال ابن جريج في الغنسان روح ونفس بينهما حاجز فهو تعالى يقبض النفس عند النوم يردها إلى الجسد عند الانتباه فاذا أراد إماتة العبد في نومه لم يرد النفس وقبض الروح \r\n وقد اختلف العلماء هل بين النفس والروح فرق على قولين قد ذكرتهما في الوجوه والنظائر وزدت هذه الآية شرحا في باب التوفي في كتاب النظائر وذهب بعض العلماء إلى أن التوفي المذكور في حق النائم هو نومه وهذا اختيار الفراء وابن الأنباري فعلى هذا يكون معنى توفي النائم قبض نفسه عن التصرف وإرسالها إطلاقها باليقظة للتصرف أم اتخذوا من دون الله قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون \r\n قوله تعالى أم اتخذوا يعني كفار مكة ","part":7,"page":186},{"id":3205,"text":" وفي المراد بالشفعاء قولان أحدهما أنها أصنام زعموا أنها تشفع لهم في حاجاتهم قاله الأكثرون والثاني الملائكة قاله مقاتل قل أولو كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة ولا يعقلون أنكم تعبدونهم وجواب هذا الإستفهام محذوف تقديره أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم \r\n قل لله الشفاعة جميعا أي لا يملكها أحد إلا بتمليكه ولا يشفع عنده أحد باذنه \r\n وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيآت ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن \r\n قوله تعالى وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فيه ثلاثة أقوال أحدها انقبضت عن التوحيد قاله ابن عباس ومجاهد والثاني استكبرت قاله قتادة والثالث نفرت قاله أبو عبيدة والزجاج \r\n قوله تعالى وإذا ذكر الذين من دونه يعني الأصنام إذا هم يستبشرون يفرحون وما بعد هذا قد تقدم تفسيره الأنعام 14 73 البقرة 113 الرعد18 إلى قوله وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ","part":7,"page":187},{"id":3206,"text":" قال السدي ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات وقال غيره عملوا أعمالا ظنوا أنها تنفعهم فلم تنفع مع شركهم قال مقاتل ظهر لهم حين بعثوا مالم يحتسبوا أنه نازل بهم فهذا القول يحتمل وجهين \r\n أحدهما أنهم كانوا يرجون القرب من الله بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون \r\n والثاني أن البعث والجزاء لم يكن في حسابهم وروي عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت وقال أخشى هذه الآية أن يبدو لي مالا أحتسب \r\n قوله تعالى وحاق بهم أي نزل بهم ما كانوا به يستهزؤن أي ما كانوا ينكرونه ويكذبون به \r\n فاذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيآت ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيآت ما كسبوا وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون \r\n قوله تعالى فاذا مس الإنسان ضر دعانا قال مقاتل هو أبو حذيفة ابن المغيرة وقد سبق في هذه السورة نظيرها الزمر 8 وإنما كنى عن النعمة بقوله أوتيته لأن المراد بالنعمة الإنعام \r\n على علم عندي أي على خير علمه الله عندي وقيل على علم من الله بأني له أهل قال الله تعالى بل هي يعني النعمة التي أنعم الله عليه بها فتنة أي بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو يكفر ","part":7,"page":188},{"id":3207,"text":" ولكن اكثرهم لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم وامتحان وقيل بل هي أي المقالة التي قالها فتنة \r\n قد قالها يعني تلك الكلمة وهي قوله إنما أوتيتة على علم الذين من قبلهم وفيهم قولان أحدهما أنهم الأمم الماضية قاله السدي والثاني قارون قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فما أغنى عنهم أي ما \r\n دفع عنهم العذاب ما كانوا يكسبون وفيه ثلاثة أقوال أحدها من الكفر والثاني من عبادة الأصنام والثالث من الأموال \r\n فأصابهم سيئات ما كسبوا أي جزاء سيئاتهم وهو العذاب \r\n ثم أوعد كفار مكة فقال والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أي إنهم لا يعجزون الله ولا يفوتونه \r\n قال مقاتل ثم وعظهم ليعلموا وحدانيته حين مطروا بعد سبع سنين فقال أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك أي في بسط الرزق وتقتيره لآيات لقوم يؤمنون \r\n قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون \r\n قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في سبب نزولها أربعة أقوال ","part":7,"page":189},{"id":3208,"text":" أحدها أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم عذبوا فافتتنوا فكان أصحاب رسول الله يقولون لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا قوم تركوا دينهم بعذاب عذبوه فنزلت هذه الآية فكتبها عمر إلى عياش والوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا وهذا قول ابن عمر \r\n والثالث أنها نزلت في وحشي وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر الفرقان 68 عن ابن عباس \r\n والرابع أن أهل مكة قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان ","part":7,"page":190},{"id":3209,"text":" وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف نهاجر ونسلم وقد فعلنا ذلك فنزلت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n ومعنى أسرفوا على أنفسهم ارتكبوا الكبائر والقنوط بمعنى اليأس وأنيبوا بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب وأسلموا له أي أخلصوا له التوحيد وتنصرون بمعنى تمنعون \r\n واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم قد بيناه في قوله يأخذوا بأحسنها الأعراف 145 \r\n أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ","part":7,"page":191},{"id":3210,"text":" قوله تعالى أن تقول نفس قال المبرد المعنى بادروا قبل أن تقول نفس وحذرا من أن تقول نفس وقال الزجاج خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول ومعنى يا حسرتا يا ندامتا ويا حزنا والتحسر الاغتمام على ما فات والألف في يا حسرتا هي ياء المتكلم والمعنى يا حسرتي على الإضافة قال الفراء والعرب تحول الياء إلى الألف في كل كلام معناه الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء وربما أدخلت العرب الهاء بعد هذه الألف فيخفضونها مرة ويرفعونها أخرى وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمران وأبو الجوزاء يا حسرتي بكسر التاء على الإضافة إلى النفس وقرأ معاذ القارئ وأبو جعفر يا حسرتاي بألف بعد التاء وياء مفتوحة قال الزجاج وزعم الفراء أنه يجوز يا حسرتاه على كذا بفتح الهاء ويا حسرتاه بالضم والكسر والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع الوصل \r\n قوله تعالى في جنب الله فيه خمسة أقوال أحدها في طاعة الله تعالى قاله الحسن والثاني في حق الله قاله سعيد بن جبير والثالث في أمر الله قاله مجاهد والزجاج والرابع في ذكر الله قاله عكرمة والضحاك والخامس في قرب الله روي عن الفراء أنه قال الجنب القرب أي في قرب الله وجواره يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في قربة وجواره فعلى هذا يكون المعنى على ما فرطت في طلب قرب الله تعالى وهو الجنة ","part":7,"page":192},{"id":3211,"text":" قوله تعالى وإن كنت لمن الساخرين أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا \r\n أو تقول لو أن الله هداني أي أرشدني إلى دينه لكنت من المتقين الشرك فيقال لهذا القائل بلى قد جاءتك آياتي قال الزجاج وبلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي غير أن معنى لو أن الله هداني ما هديت فقيل بلى قد جاءتك آياتي وروى ابن أبي سريج عن الكسائي جاءتك فكذبت واستكبرت وكنت بكسر التاء فيهن مخاطبة للنفس ومعنى استكبرت تكبرت عن الإيمان بها \r\n ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يسمهم السوء ولاهم يحزنون \r\n قوله تعالى ويوم القايمة ترى الذين كذبوا على الله فزعموا أن له ولدا وشريكا وجوهم مسودة وقال الحسن هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل وباقي الآية قد ذكرناه آنفا الزمر 32 \r\n قوله تعالى وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم قال الفراء وهو كما تقول قد تبين أمر القوم وأمورهم وارتفع الصوت والأصوات والمعنى واحد وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال أحدها بفضائلهم قاله السدي والثاني بأعمالهم قاله ابن السائب ومقاتل والثالث بفوزهم من النار ","part":7,"page":193},{"id":3212,"text":" قال المبرد المفازة مفعلة من الفوز وإن جمع فحسن كقولك السعادة والسعادات والمعنى ينجيهم الله بفوزهم أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة \r\n الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون \r\n قوله تعالى له مقاليد السموات والأرض قال ابن قتيبة أي مفاتيحها وخزائنها لأن مالك المفاتيح مالك الخزائن واحدها إقليد وجمع على غير واحد كما قالوا مذاكير جمع ذكر ويقال هو فارسي معرب وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي الإقليد المفتاح فارسي معرب قال الراجز ... لم يؤذها الديك بصوت تغريد ... ولم تعالج غلقا باقليد ... \r\n والمقليد لغة في الإقليد والجمع مقاليد \r\n وللمفسرين في المقاليد قولان أحدهما المفاتيح قاله ابن عباس والثاني الخزائن قاله الضحاك وقال الزجاج تفسيره أن كل شيء في السموات والأرض فهو خالقه وفاتح بابه قال المفسرون مفاتيح السموات المطر ومفاتيح الأرض النبات \r\n قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ","part":7,"page":194},{"id":3213,"text":" قوله تعالى أفغير الله تأمروني أعبد قرأ نافع وابن عامر تأمروني أعبد مخففة غير أن نافعا فتح الياء ولم يفتحها ابن عامر وقرأ ابن كثير تأمروني بتشديد النون وفتح الياء وقرأ الباقون بسكون الياء وذلك حين دعوه إلى دين آبائه أيها الجاهلون أي فيما تأمرون \r\n قوله تعالى ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وكذلك أوحي إلى الذين من قبلك قال أبو عبيدة ومجازها مجاز الامرين اللذين يخبر عن أحدهما ويكف عن الآخر قال ابن عباس هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم وتهديد لغيره لأن الله عز و جل قد عصمه من الشرك وقال غيره إنما خاطبه بذلك ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها ولو وقع من نبي وقرأ أبو عمران وابن السميفع ويعقوب لنحبطن بالنون عملك بالنصب بل الله فاعبد أي وحد \r\n وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون \r\n قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره سبب نزولها أن رجلا من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أبا القاسم بلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله ","part":7,"page":195},{"id":3214,"text":" ابن مسعود وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين نحوه في ابن مسعود وقد فسرنا أول هذه الآية في الأنعام 91 قال ابن عباس هذه الآية في الكفار فأما من آمن بأنه على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره \r\n ثم ذكر عظمته بقوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمنه وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وأخرجا من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يطوي الله عز و جل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال ابن عباس الأرض والسموات كلها بيمينه ","part":7,"page":196},{"id":3215,"text":" وقال سعيد بن جبير السموات قبضة والأرضون قبضة \r\n ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ماعملت وهو أعلم بما يفعلون \r\n قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق وقرأ ابن السميفع وابن يعمر والجحدري فصعق بضم الصاد من في السموات ومن في الأرض أي ماتوا من الفزع وشدة الصوت وقد بينا هذه الآية والخلاف في الذين استثنوا في سورة النمل 87 \r\n ثم نفخ فيه أخرى وهي نفخة البعث فاذا هم يعني الخلائق قيام ينظرون ","part":7,"page":197},{"id":3216,"text":" قوله تعالى وأشرقت الأرض بنور ربها أي أضاءت والمراد بالأرض عرصات القيامة \r\n قوله تعالى ووضع الكتاب فيه قولان أحدهما كتاب الأعمال قاله قتادة ومقاتل والثاني الحساب قاله السدي وفي الشهداء قولان \r\n أحدهما أنهم الذين يشهدون على الناس بأعمالهم قاله الجمهور ثم فيهم أربعة أقوال أحدها أنهم المرسلون من الأنبياء والثاني أمة محمد يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم رويا عن ابن عباس رضي الله عنه والثالث الحفظة قاله عطاء والرابع النبيون والملائكة وأمة محمد صلى الله عليه و سلم والجوارح قاله ابن زيد \r\n والثاني أنهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قاله قتادة والأول أصح \r\n ووفيت كل نفس ما علمت أي جزاء عملها وهو أعلم بما يفعلون أي لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد \r\n وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها ","part":7,"page":198},{"id":3217,"text":" وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبؤا من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين \r\n قوله تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا قال أبو عبيدة الزمر جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض واحدها زمرة \r\n قوله تعالى رسل منكم أي من أنفسكم و كلمة العذاب هي قوله لأملأن جهنم الأعراف 18 \r\n قوله تعالى فتحت أبوابها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فتحت وفتحت مشددتين وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف \r\n وفي هذه الواو ثلاثة أقوال \r\n احدها أنها زائدة روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء \r\n والثاني أنها واو الحال فالمعنى جاؤوها وقد فتحت أبوابها فدخلت ","part":7,"page":199},{"id":3218,"text":" الواو لبيان أن الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم وحذفت من قصة أهل النار لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه \r\n أحدها أن أهل الجنة جاؤوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا السرور والفرح إذا رأوا الأبواب مفتحة وأهل النار يأتونها وأبوابها مغلقة ليكون أشد لحرها ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا \r\n والثاني أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل فصين أهل الجنة عنه وجعل في حق أهل النار ذكره لي بعض مشايخنا \r\n والثالث أنه لو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثر انتظار فتحه في كمال الكرم ومن كمال الكرم غلق باب النار إلى حين مجيء أهلها لأن الكريم يعجل المثوبة ويؤخر العقوبة وقد قال عز و جل ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم النساء 147 قال المصنف هذا وجه خطر لي \r\n والقول الثالث أن الواو زيدت لأن أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة والعرب تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه في قوله ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم الكهف 22 حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي \r\n واختلف العلماء أين جواب هذه الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الجواب محذوف قاله أبو عبيدة والمبرد والزجاج في آخرين وفي تقدير هذا المحذوف قولان أحدهما أن تقديره حتى إذا جاؤوها إلى آخر الآية سعدوا قاله المبرد والثاني حتى إذا جاؤوها إلى قوله ","part":7,"page":200},{"id":3219,"text":" فادخلوها خالدين دخلوها وإنما حذف لأن في الكلام دليلا عليه وهذا اختيار الزجاج \r\n والقول الثاني أن الجواب قال لهم خزنتها والواو زائدة ذكره الأخفش قال ومثله في الشعر ... فاذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال ... \r\n أي فاذا ذلك \r\n والثالث الجواب حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها والواو زائدة حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة \r\n وفي قوله طبتم خمسة أقوال أحدها أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إحداهما فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج ويغتسلون من الأخرى فلا تغبر جلودهم ولا تشعث أشعارهم أبدا حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها سلام عليكم طبتم رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه وقد ذكرنا في الأعراف 44 نحوه عن ابن عباس والثاني طاب لكم ","part":7,"page":201},{"id":3220,"text":" المقام قاله ابن عباس والثالث طبتم بطاعة الله قاله مجاهد والرابع أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة واقتص من بعضهم لبعض فلما هذبوا قالت لهم الخزنة طبتم قاله قتادة والخامس كنتم طيبين في الدنيا قاله الزجاج \r\n فلما دخلوها قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده بالجنة وأورثنا الأرض أي أرض الجنة نتبوأ منها حيث نشاء أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء وحكى أبو سليمان الدمشقي أن أمة محمد صلى الله عليه و سلم يدخلون الجنة قبل الأمم فينزلون منها حيث شاؤوا ثم تنزل الأمم بعدهم فيها فلذلك قالوا نتبوأ من الجنة حيث نشاء يقول الله عز و جل فنعم أجر العاملين أي نعم ثواب المطيعين في الدنيا الجنة \r\n قوله تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش أي محدقين به يقال حف القوم بفلان إذا أحدقوا به ودخلت من للتوكيد كقولك ما جاءني من أحد \r\n يسبحون بحمد ربهم قال السدي ومقاتل بأمر ربهم وقال بعضهم يسبحون بالحمد له حيث دخل الموحدون الجنة وقال ابن جرير التسبيح هاهنا بمعنى الصلاة \r\n قوله تعالى وقضي بينهم أي بين الخلائق بالحق أي بالعدل وقيل الحمد لله رب العالمين هذا قول أهل الجنة شكرا لله تعالى على إنعامه \r\n قال المفسرون ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي ","part":7,"page":202},{"id":3221,"text":" خلق السموات والأرض الأنعام 1 وختم غاية الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم بالحمد لله بهذه الآية فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته ","part":7,"page":203},{"id":3222,"text":" سورة المؤمن \r\n قال أبو سليمان الدمشقي ويقال لها سورة الطول وهي مكية قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا بالمدينة قوله الذين يجادلون في آيات الله والتي بعدها المؤمن 35 36 قال الزجاج وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة قال ابن قتيبة يقال إن حم اسم من أسماء الله أضيفت هذه السورة إليه كأنه قيل سورة الله لشرفها وفضلها فقيل آل حاميم وإن كان القرأن كله سور الله وإن هذا كما يقال بيت الله وحرم الله وناقة الله قال الكميت ... وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها منا تقي ومعرب ... \r\n وقد تجعل حمم اسما للسورة ويدخل الإعراب ولا يصرف ومن قال هذا في الجميع الحواميم كما يقال طس والطواسين وقال محمد بن القاسم الأنباري العرب تقول وقع في الحواميم وفي آل حميم أنشد أبو عبيدة ... حلفت بالسبع اللواتي طولت ... وبمئين بعدها قد أمئيت ... وبمثان ثنيت فكررت ... وبالطواسين اللواتي ثلثت ","part":7,"page":204},{"id":3223,"text":" وبالحواميم اللواتي سبعت ... وبالمفصل اللواتي فصلت ... \r\n فمن قال وقع في آل حاميم جعل حاميم اسما لكلهن ومن قال وقع في الحواميم جعل حم كأنه حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال من الخطأ أن تقول قرأت الحواميم وليس من كلام العرب والصواب أن تقول قرأت آل حاميم وفي حديث ابن مسعود إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات وقال الكميت وجدنا لكم في آل حاميم آية \r\n بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير \r\n وفي حم أربعة أقوال \r\n أحدها قسم أقسم الله به وهو من أسمائه عز و جل رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال أبو سليمان وقد قيل إن جواب القسم قوله إن الذين كفروا ينادون المؤمن 10 ","part":7,"page":205},{"id":3224,"text":" والثاني أنها حروف من أسماء الله عز و جل ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الر وحم ونون حروف الرحمن رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أن الحاء مفتاح اسمه حميد والميم مفتاح اسمه مجيد قاله أبو العالية والثالث أن الحاء مفتاح كل اسم لله ابتداؤه حاء مثل حكيم وحليم وحي والميم مفتاح كل اسم له ابتداؤه ميم مثل ملك ومتكبر ومجيد حكاه أبو سليمان الدمشقي وروي نحوه عن عطاء الخراساني \r\n والثالث أن معنى حم قضي ما هو كائن رواه أبو صالح عن ابن عباس وروي عن الضحاك والكسائي مثل هذا كأنهما أرادا الإشارة إلى حم بضم الحاء وتشديد الميم قال الزجاج وقد قيل في حم حم الأمر \r\n والرابع أن حم اسم من أسمء القرآن قاله قتادة وقرأ ابن كثير حم بفتح الحاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرها واختلف عن الباقين قال الزجاج أما الميم فساكنة في قراءةالقراء كلهم إلا عيسى ابن عمر فانه فتحها وفتحها على ضربين أحدهما أن يجعل حم اسما للسورة فينصبه ولا ينونه لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو هابيل وقابيل والثاني على معنى اتل حم والأجود أن يكون فتح لالتقاء الساكنين حيث جعله اسما للسورة ويكون حكاية حروف الهجاء \r\n قوله تعالى تنزيل الكتاب أي هذا تنزيل الكتاب والتوب ","part":7,"page":206},{"id":3225,"text":" جمع توبة وجائز أن يكون مصدرا من تاب يتوب توبا والطول الفضل قال أبو عبيدة يقال فلان ذو طول على قومه أي ذو فضل وقال ابن قتيبة يقال طل علي يرحمك الله أي تفضل قال الخطابي ذو حرف النسبة والنسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه بالياء كقولهم أسدي وبكري والثاني على الجمع كقولهم المهالبة والمسامعة والأزارقة والثالث ب ذي وذات كقولهم رجل مال أي ذو مال وكبش صاف أي ذو صوف وناقة ضامر أي ذات ضمر فقوله ذو الطول معناه أهل الطول والفضل \r\n ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار \r\n قوله تعالى ما يجادل في آيات الله أي ما يخاصم فيها بالتكذيب لها ودفعها بالباطل إلا الذين كفروا وباقي الآية في آل عمران 196 والمعنى إن عاقبة أمرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم \r\n قوله تعالى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه فيه قولان أحدهما ليقتلوه قاله ابن عباس وقتادة والثاني ليحبسوه ويعذبوه ويقال للأسير أخيذ حكاه ابن قتيبة قال الأخفش وإنما قال ليأخذوه فجمع على الكل لأن الكل مذكر ومعناه معنى الجماعة وما بعد هذا مفسر في الكهف 56 إلى قوله فأخذتخم أي عاقبتهم وأهلكتهم ","part":7,"page":207},{"id":3226,"text":" فكيف كان عقاب استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم وكذلك أي مثل الذي حق على الأمم المكذبة حقت كلمة ربك بالعذاب وهي قوله لأملأن جهنم الأعراف 18على الذين كفروا من قومك وقرأ نافع وابن عامر حقت كلمات ربك أنهم قال الأخفش لأنهم أو بأنهم أصحاب النار \r\n الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيآت ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوزالعظيم \r\n ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال الذين يحملون العرش وهم أربعة أملاك فاذا كان يوم القيامة جعلوا ثمانية ومن حوله قال وهب بن منبه حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس فيهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبحه الآخر وقال غيره الذين حول العرش هم الكروبيون وهم سادة الملائكة وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله يسبحون بحمد ربهم الزمر 75 \r\n قوله تعالى ربنا أي يقولون ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما قال الزجاج هو منصوب على التمييز وقال غيره المعنى وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فاغفر للذين تابوا من الشرك واتبعوا سبيلك ","part":7,"page":208},{"id":3227,"text":" وهو دين الإسلام وما بعد هذا ظاهر إلى قوله وقهم السيئات قال قتادة يعني العذاب \r\n إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا ينادون لمقت الله قال المفسرون لما رأوا أعمالهم وأدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء فعلهم فناداهم مناد لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم \r\n ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وهذا مثل قوله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم البقرة 28 وقد فسرناه هنالك \r\n قوله تعالى فهل إلى خروج أي من النار إلى الدنيا لنعمل بالطاعة من سبيل وفي الكلام اختصار تقديره فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك وقيل لهم ذلكم يعني العذاب الذي نزل بهم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم أي إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم وإن جعل له شريكا شريك آمنتم فالحكم لله فهو الذي حكم على المشركين بالنار وقد بينا في سورة البقرة 255 معنى العلي وفي الرعد 9 معنى الكبير ","part":7,"page":209},{"id":3228,"text":" هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب \r\n هو الذي يريكم آياته أي مصنوعاته التي تدل على وحدانيته وقدرته والرزق هاهنا المطر سمي رزقا لأنه سبب الأرزاق ويتذكر بمعنى يتعظ وينيب بمعنى يرجع إلى الطاعة \r\n ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال فادعوا الله مخلصين له الدين أي موحدين \r\n قوله تعالى رفيع الدرجات قال ابن عباس يعني رافع السموات وحكى الماوردي عن بعض المفسرين قال معناه عظيم الصفات \r\n قوله تعالى ذو العرش أي خالقه ومالكه \r\n قوله تعالى يلقي الروح فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن والثاني النبوة والقولان مرويان عن ابن عباس وبالأول قال ابن زيد وبالثاني قال السدي والثالث الوحي قاله قتادة وإنما سمي القرآن والوحي روحا لأن قوام الدين به كما أن قوام البدن بالروح والرابع جبريل قاله الضحاك والخامس الرحمة حكاه إبراهيم الحربي ","part":7,"page":210},{"id":3229,"text":" قوله تعالى من أمره فيه ثلاثة أقوال أحدها من قضائه قاله ابن عباس والثاني بأمره قاله مقاتل والثالث من قوله ذكره الثعلبي \r\n قوله تعالى على من يشاء من عباده يعني الأنبياء \r\n لينذر في المشار إليه قولان أحدهما أنه الله عز و جل والثاني النبي الذي يوحى إليه \r\n والمراد ب يوم التلاق يوم القيامة وأثبت ياء التلاقي في الحالين ابن كثير ويعقوب وأبو جعفر وافقهما في الوصل والباقون بغير ياء في الحالين وفي سبب تسميته بذلك خمسة أقوال \r\n أحدها أنه يلتقي فيه أهل السماء والأرض رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس \r\n والثاني يلتقي فيه الأولون والآخرون روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث يلتقي فيه الخلق والخالق قاله قتادو ومقاتل \r\n والرابع يلتقي المظلوم والظالم قاله ميمون بن مهران والخامس يلتقي المرء بعمله حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى يوم هم بارزون أي ظاهرون من قبورهم لا يخفى على الله منهم شيء \r\n فان قيل فهل يخفى عليه منهم اليوم شيء \r\n فالجواب أن لا غير أن معنى الكلام التهديد بالجزاء وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يخفى عليه مما عملوا شيء قاله ابن عباس والثاني ","part":7,"page":211},{"id":3230,"text":" لا يستترون منه بجبل ولا مدر قاله قتادة والثالث أن المعنى أبرزهم جميعا لأنه لا يخفى عليه منهم شيء حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى لمن الملك اليوم اتفقوا على أن هذا يقوله الله عز و جل بعد فناء الخلائق واختلفوا في وقت قوله له على قولين \r\n أحدهما أنه يقوله عند فناء الخلائق إذا لم يبق مجيب فيرد هو على نفسه فيقول لله الواحد القهار قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه يقوله يوم القيامة \r\n وفيمن يجيبه حينئذ قولان أحدهما أنه يجيب نفسه وقد سكت الخلائق لقوله قاله عطاء والثاني أن الخلائق كلهم يجيبونه فيقولون لله الواحد القهار قاله ابن جريج \r\n وأنذرهم يوم الآزفة إذا القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور \r\n قوله تعالى وأنذرهم يوم الآزفة فيه قولان \r\n أحدهما أنه يوم القيامة قاله الجمهور قال ابن قتيبة وسميت القيامة بذلك لقربها يقال أزف شخوص فلان أي قرب \r\n والثاني أنه يوم حضور المنية قاله قطرب ","part":7,"page":212},{"id":3231,"text":" قوله تعالى إذا القلوب لدى الحناجر وذلك أنها ترتقي إلى الحناجر فلا تخرج ولا تعود هذا على القول الأول وعلى الثاني القلوب هي النفوس تبلغ الحناجر عند حضور المنية قال الزجاج و كاظمين منصوب على الحال والحال محمولة على المعنى لأن القلوب لا يقال لها كاظمين وإنما الكاظمون أصحاب القلوب فالمعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم قال المفسرون كاظمين أي مغمومين ممتلئين خوفا وحزنا والكاظم الممسك للشيء على ما فيه وقد أشرنا إلى هذا عند قوله والكاظمين الغيظ آل عمران 134 \r\n ما للظالمين يعني الكافرين من حميم أي قريب ينفعهم ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته \r\n يعلم خائنة الأعين قال ابن قتيبة الخائنة والخيانة واحد وللمفسرين فيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره فإذا رأى منهم غفلة لحظ إليها فان خاف أن يفطنوا له غض بصره قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه نظر العين إلى ما نهي عنه قاله مجاهد \r\n والثالث الغمز بالعين قاله الضحاك والسدي قال قتادة هو الغمز بالعين فيما لا يحبه الله ولا يرضاه \r\n والرابع النظرة بعد النظرة قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى وما تخفي الصدور فيه ثلاثة أقوال أحدها ما تضمره من الفعل أن لو قدرت على ما نظرت إليه قاله ابن عباس والثاني الوسوسة ","part":7,"page":213},{"id":3232,"text":" قاله السدي والثالث ما يسره القلب من أمانة أو خيانة حكاه المارودي \r\n والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال \r\n قوله تعالى والله يقضي بالحق أي يحكم به فيجزي بالحسنة والسيئة والذين يدعون من دونه من الآلهة وقرأ نافع وابن عامر تدعون بالتاء على معنى قل لهم لا يقضون بشيء أي لا يحكمون بشيء ولا يجازون به وقد نبه الله عز و جل بهذا على أنه حي لأنه إنما يأمر ويقضي من كان حيا وأيد ذلك بذكر السمع والبصر لأنهما إنما يثبتان لحي ","part":7,"page":214},{"id":3233,"text":" قاله أبو سليمان الدمشقي وما بعد هذا قد تقدم بعضه يوسف 109 وبعضه ظاهر إلى قوله كانوا هم أشد منهم قوة وقرأ ابن عامر أشد منكم بالكاف وكذلك هو في مصاحفهم وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب وما كان لهم من الله أي من عذاب الله من واق بقي العذاب عنهم \r\n ذلك أي ذلك العذاب الذي نزل بهم بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات إلى آخر الآية \r\n ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا وأراد بقوله اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه أعيدوا القتل عليهم كما كان أولا قاله ابن عباس وقال قتادة كان فرعون قد كف عن قتل الولدان فلما بعث الله موسى أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متعابة موسى \r\n قوله تعالى وما كيد الكافرين إلا في ضلال أي إنه يذهب باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز و جل \r\n وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى أني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم ","part":7,"page":215},{"id":3234,"text":" إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قولم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب \r\n وقال فرعون ذروني أقتل موسى وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله فليمنعه من القتل إني أخاف أن يبدل دينكم أي عبادتكم إياي وأن يظهر في الأرض الفساد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأن بغير ألف وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أو أن بألف قبل الواو على معنى إن لم يبدل دينكم أوقع الفساد إلا أن نافعا وأبا عمرو قرآ يظهر بضم الياء الفساد بالنصب وقرأ الباقون يظهر بفتح الياء الفساد بالرفع والمعنى يظهر الفساد بتغيير أحكامنا فجعل ذلك فسادا بزعمه وقيل يقتل أبناءكم كما تفعلون بهم \r\n فلما قال فرعون هذا استعاذ موسى بربه فقال إني عذت بربي وربكم قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر عذت مبينة الذال وأدغمها أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف من كل متكبر أي متعظم عن الإيمان فقصد فرعون قتل موسى فقال حينئذ رجل مؤمن من آل فرعون ","part":7,"page":216},{"id":3235,"text":" وفي الآل هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الأهل والنسب قال السدي ومقاتل كان ابن عم فرعون وهو المراد بقوله وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى القصص 20 \r\n والثاني أنه بمعنى القبيلة والعشيرة قال قتادة ومقاتل كان قبطيا وقال قوم كان إسرائيليا وإنما المعنى قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وفي اسمه خمسة أقوال \r\n أحدها حزبيل قاله ابن عباس ومقاتل والثاني حبيب قاله كعب والثالث سمعون بالسين المهملة قاله شعيب الجبائي والرابع جبريل والخامس شمعان بالشين المعجمة رويا عن ابن إسحاق وكذلك حكى الزجاج شمعان بالشين وذكره ابن ماكولا بالشين المعجمة أيضا والأكثرون على أنه آمن بموسى لما جاء وقال الحسن كان مؤمنا قبل مجيء موسى وكذلك امرأة فرعون قال مقاتل كتم إيمانه من فرعون مائة سنة قوله تعالى أتقتلون رجلا أن يقول أي لأن يقول ربي الله وهذا استفهام إنكار وقد جاؤكم بالبينات أي بما يدل على صدقه وإن يك كاذبا فعليه كذبه أي لا يضركم ذلك وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب وفي بعض ثلاثة أقوال ","part":7,"page":217},{"id":3236,"text":" أحدها أنها بمعنى كل قاله أبو عبيدة وأنشد للبيد ... تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها ... \r\n أراد كل النفوس \r\n والثاني أنها صلة والمعنى يصبكم الذي يعدكم حكي عن الليث \r\n والثالث أنها على أصلها ثم في ذلك قولان أحدهما أنه وعدهم النجاة إن آمنوا والهلاك إن كفروا فدخل ذكر البعض لأنهم على أحد الحالين والثاني أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة فصار هلاكهم في الدنيا بعض الوعد ذكرهما الماوردي \r\n قال الزجاج هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس في هذا نفي إصابة الكل ومثله قول الشاعر ... قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون من المستعجل الزلل ... \r\n وإنما ذكر البعض ليوجب الكل لأن البعض من الكل ولكن القائل إذا قال أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة وأقل ما يكون للمستعجل الزلل فقد أبان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه فكأن المؤمن قال لهم أقل ما يكون في صدقة أن يصبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم قال وأما بيت لبيد فإنه أراد ببعض النفوس نفسه وحدها ","part":7,"page":218},{"id":3237,"text":" قوله تعالى إن الله لا يهدي أي لا يوفق للصواب من هو مسرف وفيه قولان أحدهما أنه المشرك قاله قتادة والثاني أنه السفاك للدم قاله مجاهد قوله تعالى ظاهرين في الأرض أي عالين في أرض مصر فمن ينصرنا أي من يمنعنا من بأس الله أي من عذابه والمعنى لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب وقتل النبي فقال فرعون عند ذلك ما أريكم من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي وما أهديكم أي أدعوكم إلا إلى طريق الهدى في تكذيب موسى والإيمان بي وهذا يدل على أنه انقطع عن جواب المؤمن \r\n وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب قال الزجاج أي مثل يوم حزب حزب والمعنى أخاف أن تقيموا على كفركم فينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بالأمم المكذبة رسلهم \r\n قوله تعالى يوم التناد قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي التناد بغير ياء وأثبت الياء في الوصل والوقف ابن كثير ويعقوب وافقهم أبو جعفر في الوصل وقرأ أبو بكر الصديق وابن عباس وسعيد بن المسيب وابن جبير وأبو العالية والضحاك التناد بتشديد الذال قال الزجاج أما إثبات الياء فهو الأصل وحذفها حسن جميل ","part":7,"page":219},{"id":3238,"text":" لأن الكسرة تدل على الياء وهو رأس آية وأواخر هذه الآيات على الدال ومن قرأ بالتشديد فهو من قولهم ند فلان وند البعير إذا هرب على وجهه ويدل على هذا قوله يوم تولون مدبرين وقوله يوم يفر المرء من أخيه عبس 34 قال أبو علي معنى الكلام إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد قال الضحاك إذا سمع الناس زفير جهنم وشقيقها ندوا فرارا منها في الأرض فلا يتوجهون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاؤوا وقال غيره يؤمر بهم إلى النار فيفرون ولا عاصم لهم فأما قراءة التخفيف فهي من النداء وفيها للفسرين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه عند نفخة الفزع ينادي الناس بعضهم بعضا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يأمر الله عز و جل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول أنفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله فتسير الجبال وترج الأرض وتذهل المراضع وتضع الحوامل ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهو قوله يوم التناد ","part":7,"page":220},{"id":3239,"text":" والثاني أنه نداء أهل الجنة والنار بعضهم بعضا كما ذكر في الأعراف 44 50 وهذا قول قتادة \r\n والثالث أنه قولهم يا حسرتنا يا ويلتنا قاله ابن جريج \r\n والرابع أنه ينادى فيه كل أناس بامامهم بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء \r\n قوله تعالى يوم تولون مدبرين فيه قولان أحدهما هربا من النار والثاني أنه انصرافهم إلى النار \r\n قوله تعالى مالكم من الله من عاصم أي من مانع \r\n قوله تعالى ولقد جاءكم يوسف وهو يوسف بن يعقوب ويقال إنه ليس به وليس بشيء \r\n قوله تعالى من قبل أي من قبل موسى بالبينات وهي الدلالات على التوحيد كقوله أأرباب متفرقون خير الآية يوسف 39 وقال ابن السائب البينات تعبير الرؤيا وشق القميص وقيل بل بعثه الله تعالى بعد موت ملك مصر إلى القبط \r\n قوله تعالى فما زلتم في شك مما جاءكم به أي من عبادة الله وحده حتى إذا هلك أي مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا أي إنكم أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد الحجة عليكم كذلك ","part":7,"page":221},{"id":3240,"text":" أي مثل هذا الضلال يضل الله من هو مسرف أي مشرك مرتاب أي شاك في التوحيد وصدق الرسل \r\n والذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب \r\n قوله تعالى الذين يجادلون قال الزجاج هذا تفسير المسرف المرتاب والمعنى هم الذين يجادلون في آيات الله قال المفسرون يجادلون في إبطالها والتكذيب بها بغير سلطان أي بغير حجة أتتهم من الله \r\n كبر مقتا أي كبر جدالهم مقتا عند الله وعند الذين آمنوا والمعنى يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون بذلك الجدال \r\n كذلك أي كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا بالباطل يطبع على كل قلب متكبر عن عبادة الله وتوحيده وقد سبق بيان معنى الجبار ","part":7,"page":222},{"id":3241,"text":" في هود 59 وقرأ أبو عمرو على كل قلب بالتنوين وغيره من القراء السبعة يضيفه وقال ابوعلي المعنى يطبع على جملة القلب من المتكبر واختار قراءة الإضافة الزجاج قال لأن المتكبر هو الإنسان لا القلب \r\n فان قيل لو كانت هذه القراءة أصوب لتقدم القلب على الكل \r\n فالجواب أن هذا جائز عند العرب قال الفراء تقدم هذا وتأخره واحد سمعت بعض العرب يقول هو يرجل شعره يوم كل جمعة يريد كل يوم جمعة والمعنى واحد وقد قرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني على قلب كل متكبر بتقديم القلب \r\n قال المفسرون فلما وعظ المؤمن فرعون وزجره عن قتل موسى قال فرعون لوزيره يا هامان ابن لي صرحا وقد ذكرناه في القصص 38 \r\n قوله تعالى لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات قال ابن عباس وقتادة يعني أبوابها وقال ابوصالح طرقها وقال غيره المعنى لعلي أبلغ الطرق من سماء الى سماء وقال الزجاج لعلي ما يؤديني إلى السموات وما بعد هذا المفسر في القصص 38 إلى قوله وكذلك أي ومثل ما وصفنا زين لفرعون سوء عمله وصد عن سبيل الهدى قرأ عاصم وحمزة والكسائي وصد بضم الصاد والباقون بفتحها وما كيد فرعون في إبطال آيات موسى إلا في تباب أي في بطلان وخسران ","part":7,"page":223},{"id":3242,"text":" وقال الذين آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب \r\n ثم عاد الكلام إلى نصيحة المؤمن لقومه وهو قوله اتبعون أهدكم سبيل الرشاد أي طريق الهدى يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع يعني الحياة في هذه الدار متاع يتمتع بها أياما ثم تنقطع وإن الآخرة هي دار القرار التي لازوال لها \r\n من عمل سيئة فيها قولان أحدهما أنها الشرك ومثلها جهنم قاله الأكثرون والثاني المعاصي ومثلها العقوبة بمقدارها قاله ابو سليمان الدمشقي فعلى الأول العمل الصالح التوحيد وعلى الثاني هو على الإطلاق \r\n قوله تعالى فأولئك يدخلون الجنة قرأ ابن كثير وأبو عمرو يدخلون بضم الياء وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بالفتح وعن عاصم كالقراءتين \r\n وفي قوله بغير حساب قولان أحدهما أنهم لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة قاله مقاتل والثاني أنه يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير قاله أبو سليمان الدمشقي ","part":7,"page":224},{"id":3243,"text":" ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لاجرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الأخرة وأن مردنا إلى الله وان المسرفين هم اصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري الى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيآت مامكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب \r\n قوله تعالى ويا قوم مالي أدعوكم أي مالكم كما تقول ما لي أراك حزينا معناه مالك ومعنى الآية أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان وتدعونني إلى النار أي إلى الشرك الذي يوجب النار ثم فسر الدعوتين بما بعد هذا \r\n ومعنى ليس لي به علم أي لا أعلم هذا الذي ادعوه شريكا له وقد سبق بيان ما بعد هذا البقرة 129 طه 82 إلى قوله ليس له دعوة وفيه قولان أحدهما ليس له استجابة دعوة قاله السدي والثاني ليس له شفاعة قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى وأن مردنا إلى الله أي مرجعنا والمعنى انه يجازينا بأعمالنا وفي المسرفين قولان قد ذكرناهما عند قوله مسرف كذاب غافر 28 \r\n قوله تعالى فستذكرون ما أقول لكم وقرأ ابن مسعود وأبو العالية ","part":7,"page":225},{"id":3244,"text":" وأبو عمران الجوني وأبو رجاء فستذكرون بفتح الذال وتخفيفها وتشديد الكاف وفتحها وقرأ أبي بن كعب وأيوب السختياني بفتح الذال والكاف وتشديدهما جميعا أي إذا نزل العذاب بكم ما أقول لكم في الدنيا من النصيحة \r\n وأفوض أمري إلى الله أي أرده وذلك أنهم تواعدوه لمخالفته دينهم إن الله بصير بالعباد اي بأوليائه وأعدائه \r\n ثم خرج المؤمن عنهم فطلبوه فلم يقدروا عليه ونجا مع موسى لما عبر البحر فذلك قوله فوقاه الله سيئات ما مكروا أي ما أرادوا به من الشر وحاق بآل فرعون لما لجوا في البحر سوء العذاب قال المفسرون هو الغرق \r\n قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا قال ابن مسعود ","part":7,"page":226},{"id":3246,"text":" وابن عباس إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال يا آل فرعون هذه داركم ورورى ابن جرير قال حدثنا عبد الكريم بن ابي عمير قال حدثنا حماد بن محمد البلخي قال سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية الغرب بيضا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله فاذا كان العشي رجع مثلها سودا قال وفطنتم إلى ذلك قال نعم إن تلك الطير في حواصلها ارواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء فينبت عليها من الليل رياش بيض وتتناثر السود ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا وعشيا ثم ترجع إلى وكورها فذلك دأبها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله عزوجل ادخلوا ","part":7,"page":228},{"id":3247,"text":" آل فرعون أشد العذاب وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة \r\n وهذه الآية تدل على عذاب القبر لانه بين ما لهم في الآخرة فقال ويوم تقوم الساعة ادخلوا قرأ ابن كثير وابن عامر وابو عمرو وأبو بكر وأبان عن عاصم الساعة ادخلوا بالضم وضم الخاء على معنى الأمر لهم بالدخول والابتداء على قراءة هؤلاء بضم الألف وقرأ الباقون بالقطع مع كسر الخاء على جهة الأمر للملائكة بادخالهم وهؤلاء يبتدئون بفتح الألف \r\n وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعوا ! الكافرين إلا في ضلال إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار \r\n قوله تعالى وإذ يتحاجون في النار المعنى واذكر لقومك يا محمد ","part":7,"page":229},{"id":3248,"text":" إذ يختصمون يعني أهل النار والآية مفسرة في سورة إبراهيم 21 والذين استكبروا هم القادة ومعنى إنا كل فيها أي نحن وأنتم إن الله قد حكم بين العباد أي قضى هذا علينا وعليكم ومعنى قول الخزنة لهم فادعوا أي نحن لا ندعو لكم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي إن ذلك يبطل ولا ينفع \r\n إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ذلك باثبات حججهم والثاني باهلاك عدوهم والثالث بأن العاقبة تكون لهم وفصل الخطاب أن نصرهم حاصل لابد منه فتارة يكون باعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر وأظهر محمدا صلى الله عليه و سلم على مكذبيه وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بانجاء الرسل وإهلاك أعدائهم كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد فان الله منجيهم من العذاب وواحد الأشهاد شاهد كما أن واحد الأصحاب صاحب وفي الأشهاد ثلاثة أقوال \r\n أحدها الملائكة شهدوا للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب قاله مجاهد والسدي قال مقاتل وهم الحفظة من الملائكة ","part":7,"page":230},{"id":3249,"text":" والثاني الملائكة والأنبياء قاله قتادة \r\n والثالث أنهم أربعة الأنبياء والملائكة والمؤمنون والجوارح قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى يوم لا ينفع قرأ ابن كثير وأبو عمرو تنفع بالتاء والباقون بالياء لأن المعذرة والاعتذار بمعنى الظالمين معذرتهم أي لا يقبل منهم إن اعتذروا ولهم اللعنة أي البعد من الرحمة وقد بينا في الرعد 25 أن لهم بمعنى عليهم وسوء الدار النار \r\n ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو ","part":7,"page":231},{"id":3250,"text":" فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلك الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون هو الذي يحي ويميت فاذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون \r\n ولقد آتينا موسى الهدى من الضلالة يعني التوراة وأورثنا بني إسرائيل الكتاب بعد موسى وهو التوراة أيضا في قول الأكثرين وقال ابن السائب التوراة والإنجيل والزبور والذكرى بمعنى التذكير \r\n فاصبر على أذاهم إن وعد الله حق في نصرك وهذه الآية في هذه السورة في موضعين غافر 55 77 وقد ذكروا أنها منسوخة بآية السيف ومعنى سبح صل \r\n وفي المراد بصلاة العشي والإبكار ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الصلوات الخمس قاله ابن عباس ","part":7,"page":232},{"id":3251,"text":" والثاني صلاة الغداة وصلاة العصر قاله قتادة \r\n والثالث أنها صلاة كانت قبل أن تفرض الصلوات ركعتان غدوة وركعتان عشية قاله الحسن \r\n وما بعد هذا قد تقدم آنفا المؤمن 4 إلى قوله إن في صدورهم إلا كبر الآية نزلت في قريش والمعنى ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من التكبر عليك وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم فاستعذ بالله من شرهم ثم نبه على قدرته بقوله لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس أي من إعادتهم ","part":7,"page":233},{"id":3252,"text":" وذلك لكثرة أجزائها وعظم جرمها فنبههم على قدرته على إعادة الخلق ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني الكفار حين لا يستدلون بذلك على التوحيد وقال مقاتل عظمت اليهود الدجال وقالوا إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان فقال الله إن الذين يجادلون في آيات الله لأن الدجال من آياته بغير سلطان أي بغير حجة فاستعذ بالله من فتنة الدجال قال والمراد ب خلق الناس الدجال وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية والأول أصح \r\n وما بعد هذا ظاهر إلى قوله ادعوني أستجب لكم فيه قولان أحدهما وحدوني واعبدوني أثبكم قاله ابن عباس والثاني سلوني أعطكم قاله السدي إن الذين يستكبرون عن عبادتي فيه قولان أحدهما عن توحيدي والثاني عن دعائي ومسألتي سيدخلون جهنم قرأ ابن كثير وأبو بكر ","part":7,"page":234},{"id":3253,"text":" عن عاصم وعباس بن الفضل عن أبي عمرو سيدخلون بضم الياء والباقون بفتحها والداخر الصاغر \r\n وما بعد هذا قد سبق في مواضع متقرفة يونس 67 القصص 73 الأنعام 95 النمل 61 الأعراف 54 29 الحج 5 إلى قوله ولتبلغوا أجلا مسمى وهو أجل الحياة إلى الموت ولعلكم تعقلون توحيد الله وقدرته \r\n ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق فاما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم ","part":7,"page":235},{"id":3254,"text":" من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وكانوا أشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون \r\n ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله يعني القرآن يقولون ليس من عند الله أنى يصرفون أي كيف صرفوا عن الحق إلى الباطل وفيهم قولان أحدهما أنهم المشركون قاله ابن عباس والثاني أنهم القدرية ذكره جماعة من المفسرين وكان ابن سيرين يقول إن لم تكن نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت \r\n وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو رزين وأبو مجلز والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة والسلاسل يسحبون بفتح اللام والياء وقال ابن عباس إذا سحبوها كان أشد عليهم ","part":7,"page":236},{"id":3255,"text":" قوله تعالى يسجرون قال مجاهد توقد بهم النار فصاروا وقودها \r\n قوله تعالى أين ما كمتم تشركون مفسر في الأعراف 190 \r\n وفي قوله لم نكن ندعو من قبل شيئا قولان \r\n أحدهما أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئا لأنها لم تكن تضر ولا تنفع وهو قول الأكثرين \r\n والثاني أنهم قالوه على وجه الجحود قاله أبو سليمان الدمشقي كذلك أي كما أضل الله هؤلاء يضل الكافرين \r\n ذلكم العذاب الذي نزل بكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق أي بالباطل وبما كنتم تمرحون وقد شرحنا المرح في بني إسرائيل 37 وما بعد هذا قد تقدم بتمامه النحل 29 يونس 109 النساء 164 إلى قوله وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا باذن الله وذلك لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات فاذا جاء أمر الله وهو قضاؤه بين الأنبياء وأممهم و المبطلون أصحاب الباطل \r\n قوله تعالى ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم أي حوائجكم في البلاد \r\n قوله تعالى فأي آيات الله تنكرون استفهام توبيخ \r\n قوله تعالى فما أغنى عنهم في ما قولان أحدهما أنها للنفي ","part":7,"page":237},{"id":3256,"text":" والثاني أنها للاستفهام ذكرهما ابن جرير \r\n قوله تعالى فرحوا بما عندهم من العلم في المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الأمم المكذبة قاله الجمهور ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أنهم قالوا نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نحاسب قاله مجاهد والثاني فرحوا بما كان عندهم أنه علم قاله السدي \r\n والقول الثاني أنهم الرسل والمعنى فرح الرسل لما هلك المكذبون ونجوا بما عندهم من العلم بالله إذ جاء تصديقه حكاه أبو سليمان وغيره \r\n قوله تعالى وحاق بهم يعني بالمكذبين العذاب الذي كانوا به يستهزؤون والبأس العذاب ومعنى سنة الله أنه سن هذه السنة في الأمم أي أن إيمانهم لا ينفعهم إذا رأوا العذاب وخسر هنالك الكافرون ","part":7,"page":238},{"id":3257,"text":" فان قيل كأنهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك \r\n فعنه جوابان أحدهما أن خسر بمعنى هلك قاله ابن عباس والثاني أنه إنما بين لهم خسرانهم عند نزول العذاب قاله الزجاج ","part":7,"page":239},{"id":3258,"text":" سورة السجدة مكية كلها باجماعهم ويقال لها سجدة المؤمن ويقال لها المصابيح بسم الله الرحمن الرحيم \r\n حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون \r\n قوله تعالى تنزيل قال الفراء يجوز أن يرتفع تنزيل ب حم ويجوز أن يرتفع باضمار هذا وقال الزجاج تنزيل مبتدأ وخبره ","part":7,"page":240},{"id":3259,"text":" كتاب فصلت آياته هذا مذهب البصريين و قرآنا منصوب على الحال المعنى بينت آياته في حال جمعه لقوم يعلمون أي لمن يعلم \r\n قوله تعالى فأعرض أكثرهم يعني أهل مكة فهم لا يسمعون تكبرا عنه وقالوا قلوبنا في أكنة أي في أغطية فلا نفقه قولك وقد سبق بيان الأكنة والوقر في الأنعام 25 ومعنى الكلام إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم ومن بيننا وبينك حجاب أي حاجز في النحلة والدين قال الأخفش ومن هاهنا للتوكيد \r\n قوله تعالى فاعمل فيه قولان أحدهما اعمل في إبطال أمرنا إنا عاملون على إبطال أمرك والثاني اعمل على دينك إنا عاملون على ديننا قل إنما أنا بشر مثلكم أي لولا الوحي لما دعوتكم غنما أنا يشر مثلكم أي لولا الوحي لما دعوتكم \r\n فاستقيموا إليه أي توجهوا إليه بالطاعة واستغفروه من الشرك \r\n قوله تعالى الذين لا يؤتون الزكاة فيه خمسة أقوال \r\n أحدها لا يشهدون أن لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عكرمة والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد \r\n والثاني لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها قاله الحسن وقتادة ","part":7,"page":241},{"id":3260,"text":" والثالث لا يزكون أعمالهم قاله مجاهد والربيع \r\n والرابع لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعات قاله الضحاك ومقاتل \r\n والخامس لا يعطون زكاة أموالهم قال ابن السائب كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون \r\n قوله تعالى غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص \r\n قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ","part":7,"page":242},{"id":3261,"text":" للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم \r\n قوله تعالى خلق الأرض في يومين قال ابن عباس في يوم الأحد والاثنين وبه قال عبد الله بن سلام والسدي والأكثرون وقال مقاتل في يوم الثلاثاء والأربعاء وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فقال خلق الله عز و جل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وهذا الحديث يخالف ما تقدم وهو أصح ","part":7,"page":243},{"id":3262,"text":" قوله تعالى وتجعلون له أندادا قد شرحناه في البقرة 22 وذلك الذي فعل ما ذكر رب العالمين \r\n وجعل فيها رواسي أي جبالا ثوابت من فوق الأرض وبارك فيها بالأشجار والثمار والحبوب والأنهار وقيل البركة فيها أن ينمي فيها الزرع فتخرج الحبة حبات والنواة نخلة وقدر فيها أقواتها قال أبو عبيدة هي جمع قوت وهي الأرزاق وما يحتاج إليه \r\n وللمفسرين في هذا التقدير خمسة أقوال \r\n أحدها أنه شقق الأنهار وغرس الأشجار قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه قسم أرزاق العباد والبهائم قاله الحسن \r\n والثالث أقواتها من المطر قاله مجاهد \r\n والرابع قدر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أن ثياب اليمن لا تصلح إلا ب اليمن والهروية ب هراة ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة قاله عكرمة والضحاك \r\n والخامس قدر البر لأهل قطر والتمر لأهل قطر والذرة لأهل قطر قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى في أربعة أيام أي في تتمة أربعة أيام قال الأخفش ومثله أن تقول تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين وإحداهما التي تزوجتها أمس \r\n قال المفسرون يعني الثلاثاء وهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام ","part":7,"page":244},{"id":3263,"text":" قوله تعالى سواء قرأ أبو جعفر سواء بالرفع وقرأ يعقوب وعبد الوارث سواء بالجر وقرأ الباقون من العشرة بالنصب قال الزجاج من قرأ بالخفض جعل سواء من صفة الأيام فالمعنى في أربعة أيام مستويات تامات ومن نصب فعلى المصدر فالمعنى استوت سواء واستواء ومن رفع فعلى معنى هي سواء \r\n وفي قوله للسائلين وجهان أحدهما للسائلين القوت لأن كلا يطلب القوت ويسأله والثاني لمن يسأل في كم خلقت الأرض فيقال خلقت في أربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان \r\n قوله تعالى ثم استوى إلى السماء قد شرحناه في البقرة 29 وهي دخان وفيه قولان \r\n أحدهما أنه لما خلق الماء أرسل عليه الريح فثار منه دخان فارتفع وسما فسماه سماء \r\n والثاني أنه لما خلق الأرض أرسل عليها نارا فارتفع منها دخان فسما \r\n قوله تعالى فقال لها وللأرض قال ابن عباس قال للسماء أظهري شمسك وقمرك ونجومك وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين قال الزجاج هو منصوب على الحال وإنما لم يقل طائعات لأنهن جرين مجرى ما يعقل ويميز كما قال في النجوم وكل في فلك يسبحون يس 40 قال وقد قيل أتينا نحن ومن فينا طائعين \r\n فقضاهن أي خلقهن وصنعهن قال أبو ذئيب الهذلي ","part":7,"page":245},{"id":3264,"text":" وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع ... \r\n معناه عملهما وصنعهما \r\n قوله تعالى في يومين قال ابن عباس وعبد الله بن سلام وهما يوم الخميس ويوم الجمعة وقال مقاتل الأحد والاثنين لأن مذهبه أنها خلقت قبل الأرض وقد بينا مقدار هذه الأيام في الأعراف 54 \r\n وأوحى في كل سماء أمرها فيه قولان أحدهما أوحى ما أراد وأمر بما شاء قاله مجاهد ومقاتل والثاني خلق في كل سماء خلقها قاله السدي \r\n قوله تعالى وزينا السماء الدنيا أي القربى إلى الأرض بمصابيح وهي النجوم والمصابيح السرج فسمي الكوكب مصباحا لإضاءته وحفظا قال الزجاج معناه وحفظناها من استماع الشياطين بالكواكب حفظا \r\n فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فانا بما أرسلتم به كافرون فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ","part":7,"page":246},{"id":3265,"text":" الآخرة أخزى وهم لا ينصرون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون \r\n قوله تعالى فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان فقل أنذرتكم صاعقة الصاعقة المهلك من كل شيء والمعنى أنذرتكم عذابا مثل عذابهم وإنما خص القبيلتين لأن قريشا يمرون على قرى القوم في أسفارهم \r\n إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم أي أتت آباءهم ومن كان قبلهم ومن خلفهم أي من خلف الآباء وهم الذين أرسلوا إلى هؤلاء المهلكين ألا تعبدوا أي بأن لا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا أي لو أراد دعوة الخلق لأنزل ملائكة \r\n قوله تعالى فاستكبروا أي تكبروا عن الإيمان وعملوا بغير الحق وكان هود قد تهددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا والآيات هاهنا الحجج \r\n وفي الريح الصرصر أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الباردة قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وقال الفراء هي الريح الباردة تحرق كالنار وكذلك قال الزجاج هي الشديدة البرد جدا فالصرصر متكرر فيها البرد كما تقول أقللت الشيء وقلقلته فأقللته بمعنى رفعته وقلقلته كررت رفعه ","part":7,"page":247},{"id":3266,"text":" والثاني أنها الشديدة السموم قاله مجاهد \r\n والثالث الشديدة الصوت قاله السدي وأبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والرابع الباردة الشديدة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى في أيام نحسات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو نحسات باسكان الحاء وقرأ الباقون بكسرها قال الزجاج من كسر الحاء فواحدهن نحس ومن أسكنها فواحدهن نحس والمعنى مشؤومات \r\n وفي أول هذه الأيام ثلاثة أقوال أحدها غداة يوم الأحد قاله السدي والثاني يوم الجمعة قاله الربيع بن أنس والثالث يوم الأربعاء قاله يحيى بن سلام والخزي الهوان \r\n قوله تعالى وأما ثمود فهديناهم فيه ثلاثة أقوال أحدها بينا لهم قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقال قتادة بينا لهم سبيل الخير والشر والثاني دعوناهم قاله مجاهد والثالث دللناهم على مذهب الخير قاله الفراء ","part":7,"page":248},{"id":3267,"text":" قوله تعالى فاستحبوا العمى أي اختاروا الكفر على الإيمان فأخذتهم صاعقة العذاب الهون أي ذي الهوان وهو الذي يهينهم \r\n ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين \r\n قوله تعالى ويوم يحشر أعداء الله وقرأ نافع نحشر بالنون أعداء بالنصب ","part":7,"page":249},{"id":3268,"text":" قوله تعالى فهم يوزعون أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا \r\n حتى إذا ما جاؤوها يعني النار التي حشروا إليها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وفي المراد بالجلود ثلاثة أقوال أحدها الأيدي والأرجل والثاني الفروج رويا عن ابن عباس والثالث أنه الجلود نفسها حكاه الماوردي وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فضحك فقال هل تدرون مم أضحك قال قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يارب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل \r\n قوله تعالى قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء أي مما نطق وهاهنا تم الكلام وما بعده ليس من جواب الجلود \r\n قوله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي وختناه قرشيان كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه ","part":7,"page":250},{"id":3269,"text":" فقال أحدهم أترون الله يسمع كلامنا هذا فقال الأخران إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإن لم نرفع لم يسمع وقال الآخر إن سمع منه شيئا سمعه كله فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم إلى قوله من الخاسرين ومعنى تستترون تستخفون أن يشهد أي من أن يشهد عليكم سمعكم لأنكم لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ولا تظنون أنها تشهد ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون قال ابن عباس كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما يظهر وذلكم ظنكم أي أن الله لا يعلم ما تعملون أرداكم أهلككم \r\n فان يصبروا أي على النار فهي مسكنهم وإن يستعتبوا أي يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون لم يرجع لهم لأنهم لا يستحقون ","part":7,"page":251},{"id":3270,"text":" ذلك يقال أعتبني فلان أي أرضاني بعد إسخاطه إياي واستعتبته أي طلبت منه أن يعتب أي يرضى \r\n قوله تعالى وقيضنا لهم قرناء أي سببنا لهم قرناء من الشياطين فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم فيه ثلاثة أقوال أحدها ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير \r\n والثاني ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة على عكس الأول \r\n والثالث ما بين أيديهم ما فعلوه وما خلفهم ما عزموا على فعله وباقي الآية قد تقدم تفسيره الاسراء 16 الأعراف 38 \r\n وقال الذين كفروالا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعلمون ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بأياتنا يجحدون \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن أي لا تسمعوه والغوا فيه أي عارضوه باللغو وهو الكلام الخالي عن فائدة وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم قولهم وقال مجاهد والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرأ لعلكم تغلبون فيسكتون \r\n قوله تعالى ذلك جزاء أعداء الله يعني العذاب المذكور وقوله النار بدل من الجزاء لهم فيها دار الخلد أي دار الإقامة قال الزجاج النار ","part":7,"page":252},{"id":3271,"text":" هي الدار ولكنه كما تقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها قال الشاعر ... أخور رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ... \r\n وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا لما دخلوا النار ربنا أرنا اللذين أضلانا وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم أرنا بسكون الراء قال المفسرون يعنون إبليس وقابيل لأنهما سنا المعصية نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين أي في الدرك الأسفل وهو أشد عذابا من غيره \r\n ثم ذكر المؤمنين فقال إن الذين قالوا ربنا الله أي وحدوه ثم استقاموا فيه ثلاثة أقوال ","part":7,"page":253},{"id":3272,"text":" أحدها استقاموا على التوحيد قاله أبو بكر الصديق ومجاهد \r\n والثاني على طاعة الله وأداء فرائضه قاله ابن عباس والحسن وقتادة \r\n والثالث على الإخلاص والعمل إلى الموت قاله أبو العالية والسدي وروى عطاء عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وذلك أن المشركين قالوا ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله فلم يستقيموا وقالت اليهود ربنا الله وعزيز ابنه ومحمد ليس بنبي فلم يستقيموا وقالت النصارى ربنا الله والمسيح ابنه ومحمد ليس بنبي فلم يستقيموا وقال أبو بكر ربنا الله وحده ومحمد عبده ورسوله فاستقام \r\n قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا أي بأن لا تخافوا وفي وقت نزولها عليهم قولان \r\n أحدهما عند الموت قاله ابن عباس ومجاهد فعلى هذا في معنى لا تخافوا قولان أحدهما لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم قاله مجاهد والثاني لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفكم قاله عكرمة والسدي \r\n والقول الثاني تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور قاله قتادة فيكون معنى لا تخافوا أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة ","part":7,"page":254},{"id":3273,"text":" قوله تعالى نحن أولياؤكم قال المفسرون هذا قول الملائكة لهم والمعنى نحن الذين كنا نتولاكم في الدنيا لأن الملائكة تتولى المؤمنين وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة إلى السماء وفي الآخرة أي ونحن معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة وقال السدي هم الحفظة على ابن آدم فلذلك قالوا نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقيل هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح \r\n قوله تعالى ولكم فيها أي في الجنة \r\n نزلا قال الزجاج معناه أبشروا بالجنة تنزلونها نزلا وقال الأخفش لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا \r\n ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي ","part":7,"page":255},{"id":3274,"text":" هي أحسن فاذا الذين بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هوالسميع العليم \r\n قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فيمن أريد بهذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المؤذنون روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال نزلت في المؤذنين وهذا قول عائشة ومجاهد وعكرمة ","part":7,"page":256},{"id":3275,"text":" والثاني أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله قاله ابن عباس والسدي وابن زيد \r\n والثالث أنه المؤمن أجاب الله إلى ما دعاه ودعا الناس إلى ذلك وعمل صالحا في إجابته قاله الحسن \r\n وفي قوله وعمل صالحا ثلاثة أقوال أحدها صلى ركعتين بعد الأذان وهو قول عائشة ومجاهد وروى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله قال الأذان وعمل صالحا قال الصلاة بين الأذان والإقامة \r\n والثاني أدى الفرائض وقام لله بالحقوق قاله عطاء \r\n والثالث صام وصلى قاله عكرمة \r\n قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة قال الزجاج لا زائدة مؤكدة والمعنى ولا تستوي الحسنة والسيئة وللمفسرين فيهما ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الحسنة الإيمان والسيئة الشرك قاله ابن عباس ","part":7,"page":257},{"id":3276,"text":" والثاني الحلم والفحش قاله الضحاك والثالث النفور والصبر حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن وذلك كدفع الغضب بالصبر والإساءة بالعفو فاذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب وقال عطاء هو السلام على من تعاديه إذا لقيته قال المفسرون وهذه الآية منسوخة بآية السيف \r\n قوله تعالى وما يلقاها أي ما يعطاها قال الزجاج ما يلقى هذه الفعلة وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من الخير وقال السدي إلا ذو جد وقال قتادة الحظ العظيم الجنة فالمعنى ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة \r\n قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ قد فسرناه في الأعراف 200 ","part":7,"page":258},{"id":3277,"text":" ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى فان استكبروا أي تكبروا عن التوحيد والعبادة فالذين عند ربك يعني الملائكة يسبحون أي يصلون ويسأمون بمعنى يملون \r\n وفي موضع السجدة قولان \r\n أحدهما أنه عند قوله يسأمون قاله ابن عباس ومسروق وقتادة واختاره القاضي أبو يعلى لأنه تمام الكلام \r\n والثاني أنه عند قوله إن كنتم إياه تعبدون روي عن أصحاب عبد الله والحسن وأبي عبد الرحمن ","part":7,"page":259},{"id":3278,"text":" قوله تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة قال قتادة غبراء متهشمة قال الأزهري إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل خشعت \r\n قوله تعالى اهتزت أي تحركت بالنبات وربت أي علت لأن النبت إذا أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض وقد سبق بيان هذا الحج 5 \r\n إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ","part":7,"page":260},{"id":3279,"text":" قوله تعالى إن الذين يلحدون في آياتنا قال مقاتل نزلت في أبي جهل وقد شرحنا معنى الإلحاد في النحل 103 وفي المراد به هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدها أنه وضع الكلام على غير موضعه رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه المكاء والصفير عند تلاوة القرآن قاله مجاهد \r\n والثالث أنه التكذيب بالآيات قاله قتادة \r\n والرابع أنه المعاندة قاله السدي \r\n والخامس أنه الميل عن الإيمان بالآيات قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لا يخفون علينا هذا وعيد بالجزاء أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة وهذا عام غير أن المفسرين ذكروا فيمن أريد به سبعة أقوال \r\n أحدها أنه أبو جهل وأبو بكر الصديق رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أبو جهل وعمار بن ياسر قاله عكرمة والثالث أبو جهل ورسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن السائب ومقاتل والرابع أبو جهل وعثمان بن عفان حكاه الثعلبي والخامس أبوجهل وحمزة حكاه الواحدي والسادس أبو جهل وعمر بن الخطاب والسابع الكافر والمؤمن حكاهما الماوردي ","part":7,"page":261},{"id":3280,"text":" قوله تعالى اعملوا ما شئتم قال الزجاج لفظه لفظ الأمر ومعناه الوعيد والتهديد \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا بالذكر يعني القرآن ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب إن وفي جوابها هاهنا قولان أحدهما أنه أولئك ينادون من مكان بعيد ذكره الفراء \r\n والثاني أنه متروك وفي تقديره قولان أحدهما إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به والثاني إن الذين كفروا يجازون بكفرهم \r\n قوله تعالى وإنه لكتاب عزيز فيه أربعة أقوال أحدها منيع من الشيطان لا يجد إليه سبيلا قاله السدي والثاني كريم على الله قاله ابن السائب والثالث منيع من الباطل قاله مقاتل والرابع يمتنع على الناس أن يقولوا مثله حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى لا يأتيه الباطل فيه ثلاثة أقوال أحدها التكذيب قاله سعيد بن جبير والثاني الشيطان والثالث التبديل رويا عن مجاهد قال قتادة لا يستطيع إبليس أن ينقص منه حقا ولا يزيد فيه باطلا وقال مجاهد لا يدخل فيه ماليس منه وفي قوله من بين يديه ولا من خلفه ثلاثة اقوال أحدها بين يدي تنزيله وبعد نزوله والثاني أنه ليس قبله كتاب يبطله ولا يأتي بعده كتاب يبطله والثالث لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم ولا في إخباره عما تأخر \r\n ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى ","part":7,"page":262},{"id":3281,"text":" وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد \r\n قوله تعالى ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فيه قولان \r\n أحدهما أنه قد قيل فيمن أرسل قبلك ساحر وكاهن ومجنون وكذبوا كما كذبت هذا قول الحسن وقتادة والجمهور \r\n والثاني ما تخبر إلا بما أخبر الأنبياء قبلك من أن الله غفور وأنه ذو عقاب حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى ولو جعلناه يعني الكتاب الذي أنزل عليه قرآنا أعجميا أي بغير لغة العرب لقالوا لولا فصلت آياته أي هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمه أأعجمي وعربي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم آعجمي بهمزة ممدودة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أأعجمي بهمزتين والمعنى أكتاب أعجمي ونبي عربي وهذا استفهام إنكار أي لو كان كذلك لكان أشد لتكذيبهم \r\n قل هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى من الضلالة وشفاء للشكوك والأوجاع والوقر الصمم فهم في ترك القبول بمنزلة من في أذنه صمم \r\n وهو عليهم عمى أي ذو عمى قال قتادة صموا عن القرآن وعموا عنه أولئك ينادون من مكان بعيد أي إنهم لا يسمعون ولا يفهمون كالذي ينادي من بعيد \r\n ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب ","part":7,"page":263},{"id":3282,"text":" من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد \r\n قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم والمعنى كما آمن بكتابك قوم وكذب به قوم فكذلك كتاب موسى ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب إلى أجل مسمى وهو القيامة لقضي بينهم بالعذاب الواقع بالمكذبين وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب أي موقع لهم الريبة \r\n إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركاءي قالوا آذناك مامنا من شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص \r\n قوله تعالى إليه يرد علم الساعة سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولا كما تزعم قاله مقاتل ومعنى الآية لا يعلم قيامها إلا هو فاذا سئل عنها فعلمها مردود إليه \r\n وما تخرج من ثمرة قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ","part":7,"page":264},{"id":3283,"text":" وأبو بكر عن عاصم من ثمرة وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم من ثمرات على الجمع من أكمامها أي أوعيتها قال ابن قتيبة أي من المواضع التي كانت فيها مستترة وغلاف كل شيء كمه وإنما قيل كم القميص من هذا قال الزجاج الأكمام ما غطى وكل شجرة تخرج ماهو مكمم فهي ذات أكمام وأكمام النخلة ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع وكل ما أخرجته النخلة فهو ذو أكمام فالطلعة كمها قشرها ومن هذا قيل للقلنسوة كمة لأنها تغطي الرأس ومن هذا كما القميص لأنهما يغطيان اليدين \r\n قوله تعالى ويوم يناديهم أي ينادي الله تعالى المشركين أين شركائي الذين كنتم تزعمون قالوا آذناك قال الفراء وابن قتيبة أعلمناك وقال مقاتل أسمعناك ما منا من شهيد فيه قولان \r\n أحدهما أنه من قول المشركين والمعنى ما منا من شهيد بأن لك شريكا فيتبرؤون يومئذ مما كانوا يقولون هذا قول مقاتل \r\n والثاني أنه من قول الآلهة التي كانت تعبد والمعنى ما منا من شهيد لهم بما قالوا قاله الفراء وابن قتيبة \r\n قوله تعالى وضل عنهم أي بطل عنهم في الآخرة ما كانوا يدعون أي يعبدون في الدنيا وظنوا أي أيقنوا ما لهم من محيص وقد شرحنا المحيص في سورة النساء 121 ","part":7,"page":265},{"id":3284,"text":" لا يسئم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولون هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد \r\n قوله تعالى لا يسأم الإنسان قال المفسرون المراد به الكافر فالمعنى لا يمل الكافر من دعاء الخير أي من دعائه بالخير وهو المال والعافية وإن مسه الشر وهو الفقر والشدة والمعنى إذا اختبر بذلك يئس من روح الله وقنط من رحمته وقال أبو عبيدة اليؤوس فعول من يأس والقنوط فعول من قنط \r\n قوله تعالى لئن أذقناه رحمة منا أي خيرا وعافية وغنى ليقولن هذا لي أى هذا واجب لي بعملي وأنا محقوق به ثم يشك في البعث فيقول وما أظن الساعة قائمة أي لست على يقين من البعث ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى يعني الجنة أي كما أعطاني في الدنيا يعطيني في الآخرة فلننبئن الذين كفروا أي لنخبرنهم بمساوئ أعمالهم وما بعده قد سبق إبراهيم 17 الإسراء 83 إلى قوله تعالى ونأى بجانبه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ونأى مثل نعى وقرأ ابن عامر وناء مفتوحة النون ممدودة والهمزة بعد الألف وقرأ ","part":7,"page":266},{"id":3285,"text":" حمزة نئى مكسورة النون والهمزة \r\n فذو دعاء عريض قال الفراء وابن قتيبة معنى العريض الكثير وإن وصفته بالطول أو بالعرض جاز في الكلام \r\n قل يامحمد لأهل مكة أرأيتم إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق أي خلاف للحق بعيد عنه وهو اسم والمعنى فلا أحد أضل منكم وقال ابن جرير معنى الآية ثم كفرتم به ألستم في شقاق للحق وبعد عن الصواب فجعل مكان هذا باقي الآية \r\n سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل شيء محيط \r\n قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فيه خمسة أقوال \r\n أحدها في الآفاق وقائع الله في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر قاله قتادة ومقاتل \r\n والثالث أنها في الآفاق إمساك القطر عن الأرض كلها وفي أنفسهم البلايا التي تكون في أجسادهم قاله ابن جريج \r\n والرابع أنها في الآفاق آيات السماء كالشمس والقمر والنجوم وفي أنفسهم ","part":7,"page":267},{"id":3286,"text":" حوادث الأرض قاله ابن زيد وحكي عن ابن زيد أن التي في أنفسهم سبيل الغائط والبول فان الإنسان يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين \r\n والخامس أنها في الأفاق آثار من مضى قبلهم من المكذبين وفي أنفسهم كونهم خلقوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما إلى ان نقلوا إلى العقل والتمييز قاله الزجاج \r\n قوله تعالى حتى يتبين لهم أنه الحق في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والثاني إلى جميع ما دعاهم إليه الرسول وقال ابن جرير معنى الآية حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا على محمد وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو دينه على الأديان كلها \r\n أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد أي أولم يكف به أنه شاهد على كل شيء قال الزجاج المعنى أو لم يكفهم شهادة ربك ","part":7,"page":268},{"id":3287,"text":" ومعنى الكفاية هاهنا أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده وتثبيت رسله ","part":7,"page":269},{"id":3288,"text":" سورة حم عسق واسمها سورة الشورى \r\n وهي مكية رواه العوفي وغيره عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور وحكي عن ابن عباس وقتادة قالا إلا أربع آيات نزلن بالمدينة أولها قل لا أسألكم عليه أجرا الشورى 23 وقال مقاتل فيها من المدني قوله ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا الشورى 23 إلى قوله بذات الصدور الشورى 24 وقوله والذين إذا أصابهم البغي الشورى 39 إلى قوله من سبيل الشورى 41 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور ","part":7,"page":270},{"id":3289,"text":" الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل \r\n قوله تعالى حم قد سبق تفسيره المؤمن \r\n قوله تعالى عسق فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه حروف من أسماء ثم فيه خمسة أقوال أحدها أن العين علم الله والسين سناؤه والقاف قدرته رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن والثاني أن العين فيها عذاب والسين فيها مسخ والقاف فيها قذف رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والثالث أن الحاء من حرب والميم من تحويل ملك والعين من عدو مقهور والسين استئصال بسنين كسني يوسف والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض قاله عطاء والرابع أن العين من عالم والسين من قدوس والقاف من قاهر قاله سعيد بن جبير والخامس أن العين من العزيز والسين من السلام والقاف من القادر قاله السدي \r\n والثالث أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة \r\n قوله تعالى كذلك يوحي إليك فيه أربعة أقوال ","part":7,"page":271},{"id":3290,"text":" أحدها أنه كما أوحيت حم عسق إلى كل نبي كذلك نوحيها إليك قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى من قبلك رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث أن حم عسق نزلت في أمر العذاب فقيل كذلك نوحي إليك أن العذاب نازل بمن كذبك كما أوحينا ذلك إلى من كان قبلك قاله مقاتل \r\n والرابع أن المعنى هكذا نوحي إليك قاله ابن جرير \r\n وقرأ ابن كثير يوحى بضم الياء وفتح الحاء كأنه إذا قيل من يوحي قيل الله وروى أبان عن عاصم نوحي بالنون وكسر الحاء \r\n تكاد السموات يتفطرن قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكاد بالتاء يتفطرن بياء وتاء مفتوحة وفتح الطاء وتشديدها وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء يتفطرن مثل قراءة ابن كثير وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم تكاد بالتاء ينفطرن بالنون وكسر الطاء وتخفيفها أي يتشققن من فوقهن أي من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وقيل من قول المشركين اتخذ الله ولدا ونظيرها التي في مريم 90 \r\n والملائكة يسبحون بحمد ربهم قال بعضهم يصلون بأمر ربهم وقال بعضهم ينزهونه عما لا يجوز في صفته ويستغفرون لمن في الأرض فيه قولان \r\n أحدهما أنه أراد المؤمنين قاله قتادة والسدي ","part":7,"page":272},{"id":3291,"text":" والثاني أنهم كانوا يستغفرون للمؤمنين فلما ابتلى هاروت وماروت استغفروا لمن في الأرض \r\n ومعنى استغفارهم سؤالهم الرزق لهم قاله ابن السائب وقد زعم قوم منهم مقاتل أن هذه الآية منسوخة بقوله ويستغفرون للذين آمنوا غافر 7 وليس بشيء لأنهم إنما يستغفرون للمؤمنين دون الكفار فلفظ هذه الآية عام ومعناها خاص ويدل على التخصيص قوله ويستغفرون للذين آمنوا غافر 7 لأن الكافر لا يستحق أن يستغفر له \r\n قوله تعالى والذين اتخذوا من ندونه أولياء يعني كفار مكة اتخذوا آلهة فعبدوها من دونه الله حفيظ عليهم أي حافظ لأعمالهم ليجازيهم بها وما أنت عليهم بوكيل أي لم نوكلك بهم فتؤخذ بهم وهذه الآية عند جمهور المفسرين منسوخة بآية السيف ولا يصح \r\n وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى وكذلك أي ومثل ما ذكرنا أوحينا إليك قرآنا عربيا ليفهموا مافيه لتنذر أم القرى يعني مكة والمراد أهلها ","part":7,"page":273},{"id":3292,"text":" وتنذر يوم الجمع أي وتنذرهم يوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين لا ريب فيه أي لا شك في هذا الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون وهو قوله فريق في الجنة وفريق في السعير \r\n ثم ذكر سبب افتراقهم فقال ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة أي على دين واحد كقوله لجمعهم على الهدى الأنعام 35 ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي في دينه والظالمون وهم الكافرون مالهم من ولي يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم منه أم اتخذوا من دونه اي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء يعني آلهة يتولونهم فالله هو الولي أي ولي أوليائه فليتخذوه وليا دون الآلهة وقال ابن عباس وليك يا محمد وولي من اتبعك \r\n وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعمام أزواجا يذرؤكم فيه ليس ","part":7,"page":274},{"id":3293,"text":" كمثله شيء وهو السميع البصير له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب \r\n قوله تعالى وما اختلفتم فيه من شيء أي من أمر الدين وقيل بل هو عام فحكمه إلى الله فيه قولان أحدهما علمه عند الله والثاني هو يحكم فيه قال مقاتل وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن بعضهم فقال الله أنا الذي أحكم فيه ذلكم الله الذي يحكم بين المختلفين هو ربي عليه توكلت في مهماتي وإليه أنيب أي أرجع في المعاد \r\n فاطر السموات قد سبق بيانه الأنعام 14 جعل لكم من أنفسكم أي من مثل خلقكم أزواجا نساء ومن الأنعام أزواجا أصنافا ذكورا وإناثا والمعنى أنه خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله يذرؤكم فيها ثلاثة أقوال أحدها يخلقكم قاله السدي والثاني يعيشكم قاله مقاتل والثالث يكثركم قاله الفراء وفي قوله فيه قولان \r\n أحدهما أنها على أصلها قاله الأكثرون فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال ","part":7,"page":275},{"id":3294,"text":" أحدها أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج قاله زيد بن أسلم فعلى هذا يكون المعنى يخلقكم في بطون النساء وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة فقال يخلقكم في الرحم أو في الزوج وقال ابن جرير يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام \r\n والثاني أنها ترجع إلى الأرض قاله ابن زيد فعلى هذا يكون المعنى يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض \r\n والثالث أنها ترجع إلى الجعل المذكور ثم في معنى الكلام قولان أحدهما يعيشكم فيما جعل من الأنعام قاله مقاتل والثاني يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج قاله الواحدي \r\n والقول الثاني أن فيه بمعنى به والمعنى يكثركم بما جعل لكم قاله الفراء والزجاج \r\n قوله تعالى ليس كمثله شيء قال ابن قتيبة أي ليس كهو شيء والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي هذا وقال الزجاج الكاف مؤكدة والمعنى ليس مثله شيء وما بعد هذا قد سبق بيانه الزمر 63 الرعد 26 إلى قوله شرع لكم أي بين وأوضح من الدين ما وصى به نوحا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه تحليل الحلال وتحريم الحرام قاله قتادة والثاني تحريم الأخوات والأمهات قاله الحكم والثالث التوحيد وترك الشرك \r\n قوله تعالى والذي أوحينا إليك أي من القرآن وشرائع الإسلام قال الزجاج المعنى وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم ","part":7,"page":276},{"id":3295,"text":" وموسى وعيسى وقوله أن أقيموا الدين تفسير قوله ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى وجائز أن يكون تفسيرا لما وصى به نوحا ولقوله والذي أوحينا إليك ولقوله وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى فيكون المعنى شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك الفرقة وشرع الاجتماع على اتباع الرسل وقال مقاتل أن أقيموا الدين يعني التوحيد ولا تتفرقوا فيه أي لا تختلفوا كبر على المشركين أي عظم على مشركي مكة ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد \r\n قوله تعالى الله يجتبي إليه أي يصطفي من عباده لدينه من يشاء ويهدي إلى دينه من ينيب أي يرجع إلى طاعته \r\n ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاه بترك الفرقة فقال وما تفرقوا يعني أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها من بعد كثرة علمهم للبغي والثاني من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال والثالث من بعد ما جاءهم القرآن بغيا منهم على محمد صلى الله عليه و سلم ","part":7,"page":277},{"id":3296,"text":" ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير المكذبين من هذه الأمة إلى يوم القيامة لقضي بينهم بانزال العذاب على المكذبين وإن الذين أورثوا الكتاب يعني اليهود والنصارى من بعدهم أي من بعد أنبيائهم لفي شك منه أي من محمد صلى الله عليه و سلم \r\n فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد \r\n قوله تعالى فلذلك فادع قال الفراء المعنى فالى ذلك تقول دعوت إلى فلان ودعوت لفلان وذلك بمعنى هذا وللمفسرين \r\n قولان أحدهما أنه القرآن قاله ابن السائب والثاني أنه التوحيد قاله مقاتل ","part":7,"page":278},{"id":3297,"text":" قوله تعالى ولا تتبع أهواءهم يعني أهل الكتاب لأنهم دعوه إلى دينهم \r\n قوله تعالى وأمرت لأعدل بينكم قال بعض النحويين المعنى أمرت كي أعدل وقال غيره المعنى أمرت بالعدل وتقع أمرت على أن وعلى كي وعلى اللام يقال أمرت أن أعدل وكي أعدل ولأعدل \r\n ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان أحدهما في الأحكام إذا ترافعوا إليه والثاني في تبليغ الرسالة \r\n قوله تعالى الله ربنا وربكم أي هو آلهنا وإن اختلفنا فهو يجازينا بأعمالنا فذلك قوله لنا أعمالنا أي جزاؤها \r\n لا حجة بيننا وبينكم قال مجاهد لا خصومة بيننا وبينكم فصل \r\n وفي هذه الآية قولان \r\n أحدهما أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار وذلك قبل القتال ثم نزلت آية السيف فنسختها قاله الأكثرون \r\n والثاني أن معناها إن الكلام بعد ظهور الحجج والبراهين قد سقط بيننا فعلى هذا هي محكمة حكاه شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من المفسرين \r\n قوله تعالى والذين يحاجون في الله أي يخاصمون في دينه قال قتادة هم اليهود قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم وعلى قول مجاهد هم المشركون طمعوا أن تعود الجاهلية ","part":7,"page":279},{"id":3298,"text":" قوله تعالى من بعد ما استجيب له أي من بعد إجابة الناس إلى الإسلام حجتهم داحضة أي خصومتهم باطلة \r\n الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب \r\n قوله تعالى الله الذي أنزل الكتاب يعني القرآن بالحق أي لم ينزله لغير شيء والميزان فيه قولان أحدهما أنه العدل قاله ابن عباس وقتادة والجمهور والثاني أنه الذي يوزن به حكي عن مجاهد ومعنى إنزاله إلهام الخلق أن يعملوا به وأمر الله عز و جل إياهم بالإنصاف وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق وتمام الآية مشروح في الأحزاب 63 \r\n قوله تعالى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها لأنهم لا يخافون ما فيها إذ لم يؤمنوا بكونها فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء والذين آمنوا مشفقون أي خائفون منها لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون ولا يدرون ما يكون منهم ويعلمون أنها الحق أي أنها كائنة لا محالة ألا إن الذين يمارون في الساعة أي يخاصمون في كونها لفي ضلال بعيد حين لم يتفكروا فيعلموا قدرة الله على إقامتها ","part":7,"page":280},{"id":3299,"text":" الله لطيف بعباده قد شرحنا معنى اسمه اللطيف في الأنعام 103 وفي عبادة هاهنا قولان أحدهما أنهم المؤمنون والثاني أنه عام في الكل ولطفه بالفاجر أنه لا يهلكه \r\n يرزق من يشاء أي يوسع له الرزق \r\n قوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة قال ابن قتيبة أي عمل الآخرة يقال فلان يحرث الدنيا أي يعمل لها ويجمع المال فالمعنى من أراد بعمله الآخرة نزد له في حرثه أي نضاعف له الحسنات \r\n قال المفسرون من أراد العمل لله بما يرضيه أعانه الله على عبادته ومن أراد الدنيا مؤثرا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة يؤته منها وهو الذي قسم له وما له في الآخرة من نصيب لأنه كافر بها لم يعمل لها فصل \r\n اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى حرثه محكم واختلفوا في باقيها على قولين ","part":7,"page":281},{"id":3300,"text":" أحدهما أنه مسنوخ بقوله عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الإسراء 18 وهذا قول جماعة منهم مقاتل \r\n والثاني أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى لأنه لم يقل في هذه الآية نؤته مراده فعلم أنه إنما يؤتيه الله ما أراد وهذا موافق لقوله لمن نريد ويحقق هذا أن لفظ الآيتين لفظ الخبر ومعناهما معنى الخبر وذلك لا يدخله النسخ وهذا مذهب جماعة منهم قتادة \r\n أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى أم لهم شركاء يعني كفار مكة والمعنى ألهم آلهة شرعوا أي ابتدعوا لهم دينا لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ","part":7,"page":282},{"id":3301,"text":" وهي القضاء السابق بأن الجزاء يكون في القيامة لقضي بينهم في الدنيا بنزول العذاب على المكذبين والظالمون في هذه الآية والتي تليها يراد بهم المشركون والاشفاق الخوف والذي كسبوا هو الكفر والتكذيب وهو واقع بهم يعني جزاؤه وما بعد هذا ظاهر إلى قوله ذلك يعني ما تقدم ذكره من الجنات الذي يبشر الله عباده قال أبو سلمان الدمشقي ذلك بمعنى هذا الذي أخبرتكم به بشرى يبشر الله بها عباده وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي يبشر بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين \r\n قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثاني أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله به وليس في يده سعة فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم ففعلوا ثم أتوه به فنزفت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض أترون محمد يسأل على ما يتعاطاه أجرا فنزلت هذه الآية قاله قتادة ","part":7,"page":283},{"id":3302,"text":" والهاء في عليه كناية عما جاء به من الهدى \r\n وفي الاستثناء هاهنا قولان \r\n أحدهما أنه من الجنس فعلى هذا يكون سائلا أجرا وقد أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى ثم قال نسخت هذه بقوله قل ما سألتكم من أجر فهو لكم الآية سبأ 47 وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل \r\n والثاني أنه استثناء من غير الأول لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرا وإنما المعنى لكني أذكركم المودة في القربى وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس منهم العوفي وهذا اختيار المحققين وهو الصحيح فلا يتوجه النسخ أصلا \r\n وفي المراد بالقربى خمسة أقوال أحدها أن معنى الكلام إلا أن تودوني لقرابتي منكم قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد في الأكثرين قال ابن عباس ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم قرابة \r\n والثاني إلا أن تودوا قرابتي قاله علي بن الحسين وسعيد بن جبير والسدي ثم في المراد بقرابته قولان أحدهما علي وفاطمة وولدها وقد رووه ","part":7,"page":284},{"id":3303,"text":" مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والثاني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب \r\n والثالث أن المعنى إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من العمل الصالح قاله الحسن وقتادة \r\n والرابع إلا أن تودوني كما تودون قرابتكم قاله ابن زيد \r\n والخامس إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم حكاه الماوردي والأول أصح \r\n قوله تعالى ومن يقترف أي من يكتسب حسنة نزد له فيها حسنا أي نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا وقرأ ابن السميفع وابن يعمر والجحدري يزد له بالياء إن الله غفور للذنوب شكور للقليل حتى يضاعفه \r\n أم يقولون أي بل يقول كفار مكة افترى على الله كذبا حين زعم أن القرآن من عند الله فان يشأ الله يختم على قلبك فيه قولان ","part":7,"page":285},{"id":3304,"text":" أحدهما يختم على قلبك فينسيك القرآن قاله قتادة \r\n والثاني يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم إنك مفتر قاله مقاتل والزجاج \r\n قوله تعالى ويمح الله الباطل قال الفراء ليس بمردود على يختم فيكون جزما وإنما هو مستأنف ومثله مما حذفت منه الواو ويدع الإنسان بالشر الاسراء 11 وقال الكسائي فيه تقديم وتأخير تقديره والله يمحو الباطل وقال الزجاج الوقف عليها ويمحوا بواو وألف والمعنى والله يمحو الباطل على كل حال غير أنها كتبت في المصاحف بغير واو لأن الواو تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين فكتبت على الوصل ولفظ الواو ثابت والمعنى ويمحو الله الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفوا عن السيآت ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير \r\n قوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قد ذكرناه في براءة 104 \r\n قوله تعالى ويعلم ما تفعلون أي من خير وشر قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وقرأ الباقون بالياء على الإخبار عن المشركين والتهديد لهم \r\n ويستجيب بمعنى يجيب وفيه قولان ","part":7,"page":286},{"id":3305,"text":" أحدهما أن الفعل فيه لله والمعنى يجيبهم إذا سألوه وقد روى قتادة عن أبي إبراهيم اللخمي ويستجيب الذين آمنوا قال يشفعون في إخوانهم ويزيدهم من فضله قال يشفعون في إخوان إخوانهم \r\n والثاني أنه للمؤمنين فالمعنى يجيبونه والأول أصح \r\n قوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده قال خباب بن الأرت فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير فتمنيناها فنزلت هذه الآية ومعنى الآية لو أوسع الله الرزق لعباده لبطروا وعصوا وبغى بعضهم على بعض ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ولا يطغيهم إنه بعباده خبير بصير فمنهم من لا يصلحه إلا الغنى ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر ","part":7,"page":287},{"id":3306,"text":" وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفوا عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير \r\n وهو الذي ينزل الغيث يعني المطر وقت الحاجة من بعد ما قنطوا أي يئسوا وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله وينشر رحمته في الرحمة هاهنا قولان أحدهما المطر قاله مقاتل والثاني الشمس بعد المطر حكاه أبو سليمان الدمشقي وقد ذكرنا الولي في سورة النساء 45 والحميد في البقرة 267 \r\n قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة وهو ما يلحق المؤمن من مكروه فبما كسبت أيديكم من المعاصي وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت أيديكم بغير فاء وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام ويعفوا عن كثير من السيئات فلا يعاقب بها وقيل لأبي سليمان الداراني ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم قال إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية \r\n قوله تعالى وما أنتم بمعجزين في الأرض إن أراد الله عقوبتكم وهذا يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل ","part":7,"page":288},{"id":3307,"text":" صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون \r\n قوله تعالى ومن آياته الجواري في البحر والمراد بالجوار السفن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو الجواري بياء في الوصل إلا أن ابن كثير يقف أيضا بياء وأبو عمرو بغير ياء ويعقوب يوافق ابن كثير والباقون بغير ياء في الوصل والوقف قال أبو علي والقياس ما ذهب إليه ابن كثير ومن حذف فقد كثر حذف مثل هذا في كلامهم كالأعلام قال ابن قتيبة كالجبال واحدها علم وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم \r\n قوله تعالى إن يشأ يسكن الريح التي تجريها فيظللن يعني الجواري رواكد على ظهره أي سواكن على ظهر البحر لا يجرين \r\n أو يوبقهن أي يهلكهن ويغرقهن والمراد أهل السفن ولذلك قال بما كسبوا أي من الذنوب ويعف عن كثير من ذنوبهم فينجيهم من الهلاك \r\n ويعلم الذين يجادلون قرأ نافع وابن عامر ويعلم بالرفع على الاستئناف وقطعه من الأول وقرأ الباقون بالنصب قال الفراء هو مردود على الجزم إلا أنه صرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب \r\n وللمفسرين في معنى الآية قولان ","part":7,"page":289},{"id":3308,"text":" أحدهما ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ملجأ لهم \r\n والثاني أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب \r\n قوله تعالى فما أوتيتم من شيء أي ما أعطيتم من الدنيا فهو متاع تتمتعون به ثم يزول سريعا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا لا للكافرين لأنه إنما أعد لهم في الآخرة العذاب \r\n والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور \r\n قوله تعالى والذين يجتنبون كبائر الإثم وقرأ حمزة والكسائي كبير الإثم على التوحيد من غير ألف والباقون بألف وقد شرحنا الكبائر في سورة النساء 31 وفي المراد بالفواحش هاهنا قولان أحدهما الزنا والثاني موجبات الحدود \r\n قوله تعالى وإذا ما غضبوا هم يغفرون أي يعفون عمن ظلمهم ","part":7,"page":290},{"id":3309,"text":" طلبا لثواب الله تعالى \r\n والذين استجابوا لربهم أي أجابوه فيما دعاهم إليه \r\n وأمرهم شورى بينهم قال ابن قتيبة أي يتشاورون فيه بينهم وقال الزجاج المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه \r\n قوله تعالى والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون اختلفوا في هذا البغي على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه بغي الكفار على المسلمين قال عطاء هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم ثم مكنهم الله منهم فانتصروا وقال زيد بن اسلم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فرقتين بمكة فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين وفرقة كانت تؤذى فتنتصر فأثنى الله عز و جل عليهم جميعا فقال في الذين لم ينتصروا وإذا ما غضبوا هم يغفرون وقال في المنتصرين وإذا أصابهم البغي هم ينتصرون أي من المشركين وقال ابن زيد ذكر المهاجرين وكانوا صنفين صنفا عفا وصنفا انتصر فقال وإذا ما غضبوا هم يغفرون فبدأ بهم وقال في المنتصرين والذين إذا أصابهم ","part":7,"page":291},{"id":3310,"text":" البغي هم ينتصرون أي من المشركين وقال والذين استجابوا لربهم إلى قوله ينفقون وهم الانصار ثم ذكر الصنف الثالث فقال \r\n والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون من المشركين \r\n والثاني أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة \r\n والثالث أنه عام في جميع البغاة سواء كانوا مسلمين أو كافرين فصل \r\n واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف فكانهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال دل على أنها منسوخة وللقائلين بأنها في المسليمن قولان \r\n أحدهما أنها منسوخة بقوله ولمن صبر وغفر الشورى 43 فكأنها نبهت على مدح المنتصر ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح فبان وجه النسخ \r\n والثاني أنها محكمة لأن الصبر والغفران فضيلة والانتصار مباح فعلى هذا تكون محكمة وهو الأصح \r\n فان قيل كيف الجمع بين هذه الآية وظاهرها مدح المنتصر وبين آيات الحث على العفو فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه انتصار المسلمين من الكافرين وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن عطاء ","part":7,"page":292},{"id":3311,"text":" والثاني أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له وإن كان العفو أفضل ومن لم يخرج من الشرع بفعله حسن مدحه قال ابن زيد جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفو فبدأ بذكره وصنف ينتصر \r\n والثالث أنه إذا بغي على المؤمن فاسق فلأن له اجتراء الفساق عليه وليس للمؤمن أن يذل نفسه فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق فاذا قدروا عفوا وقال القاضي أبو يعلى هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر على ذلك وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما \r\n قوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها قال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال له كلمة اجابة بمثلها من غير أن يعتدي وقال مقاتل هذا في القصاص في الجراحات والدماء \r\n فمن عفا فلم يقتص وأصلح العمل فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين يعني من بدأ بالظلم وإنما سمى المجازاة سيئة لما بينا عند قوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه البقرة 194 قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا \r\n ولمن انتصر بعد ظلمه أي بعد ظلم الظالم إياه والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ونظيره من دعاء الخير فصلت 49 و وبسؤال نعجتك ص 24 فأولئك يعني المنتصرين ما عليهم من سبيل أي من طريق إلى لوم ولا حد إنما السبيل على الذين يظلمون الناس أي يبتدؤون بالظلم ويبغون في الأرض بغير الحق أي يعملون فيها بالمعاصي ","part":7,"page":293},{"id":3312,"text":" قوله تعالى ولمن صبر فلم ينتصر وغفر إن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور وقد شرحناه في آل عمران 186 \r\n ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل \r\n قوله تعالى ومن يضلل الله فما له من ولي أي من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه \r\n وترى الظالمين يعني المشركين لما رأوا العذاب في الآخرة يسألون الرجعة إلى الدنيا يقولون هل إلى مرد من سبيل \r\n وتراهم يعرضون عليها أي على النار خاشعين أي خاضعين متواضعين من الذل ينظرون من طرف خفي وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها من طرف ذليل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقال الأخفش ينظرون من عين ضعيفة وقال غيره من بمعنى الباء \r\n والثاني يسارقون النظر قاله قتادة والسدي \r\n والثالث ينظرون ببعض العين قاله أبو عبيدة \r\n والرابع أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم قد حشروا عميا فلم يروها بأعينهم حكاه الفراء والزجاج وما بعد هذا قد سبق بيانه الأنعام 12 هود 39 إلى قوله ينصرونهم من دون الله أي يمنعونهم من عذاب الله ","part":7,"page":294},{"id":3313,"text":" إستجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير فان أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الإنسان كفور لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير \r\n قوله تعالى استجيبوا لربكم أي أجيبوه فقد دعاكم برسوله من قبل أن يأتي يوم وهو يوم القيامة لا مرد له من الله أي لا يقدر أحد على رده ودفعه مالكم من ملجأ تلجؤون إليه وما لكم من نكير قال مجاهد من ناصر ينصركم وقال غيره من قدرة على تغيير ما نزل بكم \r\n فإن أعرضوا عن الإجابة فما أرسلناك عليهم حفيظا لحفظ أعمالهم إن عليك إلا البلاغ أي ما عليك إلا أن تبلغهم وهذا عند المفسرون منسوخ بآية السيف \r\n قوله تعالى وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها قال المفسرون ","part":7,"page":295},{"id":3314,"text":" المراد به الكافر والرحمة الغنى والصحة والمطر ونحو ذلك والسيئة المرض والفقر والقحط ونحو ذلك والإنسان هاهنا اسم جنس فلذلك قال وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم أي بما سلف من مخالفتهم فان الإنسان كفور بما سلف من النعم \r\n لله ملك السموات والأرض أي له التصرف فيها بما يريد يهب لمن يشاء إناثا يعني البنات ليس فيهن ذكر كما وهب للوط صلى الله عليه و سلم فلم يولد له إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يعني البنين ليس معهم أنثى كما وهب لإبراهيم عليه الصلاة و السلام فلم يولد له إلى الذكور \r\n أو يزوجهم يعني الإناث والذكور قال الزجاج ومعنى يزوجهم يقرنهم وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان ويقال لكل واحد منهما زوج تقول عندي زوجان من الخفاف يعني اثنين \r\n وفي معنى الكلام للمفسرين قولان أحدهما أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية قاله مجاهد والجمهور والثاني أنه وضع المرأة جارية وغلاما توأمين قاله ابن الحنفية قالوا وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه و سلم فانه وهب له بنين وبنات ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما السلام وهذه الأقسام موجودة في سائر الناس وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا \r\n وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ","part":7,"page":296},{"id":3315,"text":" وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور \r\n قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا قال المفسرون سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ونظر إليه فقال لهم لم ينظر موسى إلى الله ونزلت هذه الآية والمراد بالوحي هاهنا الوحي في المنام \r\n أو من وراء حجاب كما كلم موسى \r\n أو يرسل قرأ نافع وابن عامر يرسل بالرفع فيوحي بسكون الياء وقرأ الباقون يرسل بنصب اللام فيوحي بتحريك الياء والمعنى أو يرسل رسولا كجبرائيل فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه باذنه ما يشاء قال مكي بن أبي طالب من قرأ أو يرسل بالنصب عطفه على معنى قوله إلا وحيا لأنه بمعنى إلا أن يوحي ","part":7,"page":297},{"id":3316,"text":" ومن قرأ بالرفع فعلى الابتداء كأنه قال أو هو يرسل قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب في دار الدنيا \r\n قوله تعالى وكذلك أي وكما أوحينا إلى الرسل أوحينا إليك وقيل الواو عطف على أول السورة فالمعنى كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك \r\n وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا قال ابن عباس هو القرآن وقال مقاتل وحيا بأمرنا \r\n قوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل الوحي ولا الإيمان فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان قاله أبو العالية \r\n والثاني أن المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان وقد سمى الصلاة إيمانا بقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم البقرة 143 هذا اختيار ابن قتيبة ومحمد بن إسحاق بن خزيمة \r\n والثالث أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا قبل البلوغ حكاه الواحدي والقول ما اختاره ابن قتيبة وابن خزيمة وقد اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله ويبغض اللات والعزى ويحج ويعتمر ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان على دين قومه فهو قول سوء أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب وقال ابن قتيبة قد جاء في الحديث ","part":7,"page":298},{"id":3317,"text":" أنه كان على دين قومه أربعين سنة ومعناه أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل من ذلك حج البيت والختان وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين ودية النفس مائة من الإبل والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر وكان عليه الصلاة و السلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج وكان لا يقرب الأوثان ويعيبها وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه فذلك قوله ما كنت تدري ما الكتاب يعني القرآن ولا الإيمان يعني شرائع الإيمان ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له البيت مع شركهم \r\n قوله تعالى ولكن جعلناه في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والثاني إلى الإيمان \r\n نورا أي ضياء ودليلا على التوحيد نهدي به من نشاء من عبادنا إلى دين الحق ","part":7,"page":299},{"id":3318,"text":" وإنك لتهدي أي لتدعو إلى صراط مستقيم وهو الإسلام ","part":7,"page":300},{"id":3319,"text":" سورة الزخرف أو هي مكية باجماعهم \r\n وقال مقاتل هي مكية إلا آية وهي قوله واسأل من أرسلنا الزخرف 45 بسم الله الرحمن الرحيم \r\n حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ","part":7,"page":301},{"id":3320,"text":" قوله تعالى حم قد تقدم بيانه المؤمن \r\n والكتاب المبين قسم بالقرآن \r\n إنا جعلناه قال سعيد بن جبير أنزلناه وما بعد هذا تقدم بيانه النساء 82 يوسف 2 إلى قوله وإنه يعني القرآن في أم الكتاب قال الزجاج أي في أصل الكتاب وأصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله عز و جل في اللوح المحفوظ \r\n قوله تعالى لدينا أي عندنا لعلى أي رفيع وفي معنى الحكيم قولان أحدهما محكم أي ممنوع من الباطل قاله مقاتل والثاني حاكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الكفر بالنار ذكره أبو سليمان الدمشقي والمعنى إن كذبتم به يا أهل مكة فانه عندنا شريف عظيم المحل \r\n قوله تعالى أفنضرب عنكم الذكر صفحا قال ابن قتيبة أي نمسك عنكم فلا نذكركم صفحا أي إعراضا يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عنه والأصل في ذلك أن توليه صفحة عنقلك قال كثير يصف امرأة ... صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت ... \r\n أي معرضة بوجهها يقال ضربت عن فلان كذا إذا أمسكته وأضربت عنه أن كنتم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر أن كنتم بالنصب أي لأن كنتم قوما مسرفين وقرأ نافع وحمزة ","part":7,"page":302},{"id":3321,"text":" والكسائي إن كنتم بكسر الهمزة قال الزجاج وهذا على معنى الاستقبال أي إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر \r\n وفي المراد بالذكر قولان \r\n أحدهما أنه ذكر العذاب فالمعنى أفنمسك عن عذابكم ونترككم على كفركم وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد والسدي \r\n والثاني أنه القرآن فالمعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا تؤمنون به وهو معنى قول قتادة وابن زيد \r\n وقال قتادة مسرفين بمعنى مشركين \r\n ثم أعلم نبيه أني قد بعثت رسلا فكذبوا فأهلكت المكذبين بالآيات التي تلي هذه \r\n قوله تعالى أشد منهم أي من قريش بطشا أي قوة ومضى مثل الأولين أي سبق وصف عقابهم فيما أنزل عليك وقيل سبق تشبيه حال أولئك بهؤلاء في التكذيب فستقع المشابهة بينهم في الإهلاك \r\n ثم أخبر عن جهلهم حين أقروا بأنه خالق السموات والأرض ثم عبدوا غيره بالآية التي تلي هذه ثم التي تليها مفسرة في طه 53 إلى قوله لعلكم تهتدون أي لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم \r\n والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ","part":7,"page":303},{"id":3322,"text":" قوله تعالى والذي نزل من السماء ماء بقدر قال ابن عباس يريد انه ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر فأغرقهم بل هو بقدر ليكون نافعا ومعنى أنشرنا أحيينا \r\n قوله تعالى كذلك تخرجون قرأ حمزة والكسائي وابن عامر تخرجون بفتح التاء وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء وما بعد هذا قد سبق يس 36 42 إلى قوله تعالى لتستووا على ظهوره قال أبو عبيدة هاء التذكير ل ما \r\n ثم تذكروا نعمة ربكم إذ سخر لكم ذلك المركب في البر والبحر وما كنا له مقرنين قال ابن عباس ومجاهد أي مطيقين قال ابن قتيبة يقال أنا مقرن لك أي مطيق لك ويقال هو من قولهم أنا قرن لفلان إذا كنت مثله في الشدة فان قلت أنا قرن لفلان بفتح القاف فمعناه أن تكون مثله بالسن وقال أبو عبيدة مقرنين أي ضابطين يقال فلان مقرن لفلان أي ضابط له \r\n قوله تعالى وإنا إلى ربنا لمنقللبون أي راجعون في الآخرة ","part":7,"page":304},{"id":3323,"text":" وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين \r\n قوله تعالى وجعلوا له من عباده جزءا أما الجعل هاهنا فمعناه الحكم بالشيء وهم الذين زعموا أن الملائكة بنات الله والمعنى جعلوا له نصيبا من الولد قال الزجاج وأنشدني بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيت قديم أو مصنوع ... إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزي الحرة المذكار أحيانا ... \r\n أي آنثت ولدت أنثى \r\n قوله تعالى إن الإنسان يعني الكافر لكفور أي جحود لنعم الله عز و جل مبين أي ظاهر الكفر \r\n ثم أنكر عليهم فقال أم اتخذ مما يخلق بنات وهذا استفهام توبيخ وإنكار وأصفاكم أي أخلصكم بالبنين \r\n وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا أي بما جعل لله شبها وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه والآية مفسرة في النحل 58 ","part":7,"page":305},{"id":3324,"text":" قوله تعالى أومن ينشأ قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص ينشأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون النون قال المبرد تقديره أو يجعلون من ينشأ في الحلية قال أبو عبيدة الحلية الحلى \r\n قال المفسرون والمراد بذلك البنات فانهن ربين في الحلي والخصام بمعنى المخاصمة غير مبين حجة قال قتادة قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها \r\n وقال بعضهم هي الأصنام \r\n وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون أن آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين \r\n قوله تعالى وجعلوا الملائكة قال الزجاج الجعل هاهنا بمعنى القول والحكم على الشيء نقول قد جعلت زيدا أعلم الناس أي قد وصفته بذلك وحكمت به قال المفسرون وجعلهم الملائكة إناثا قولهم هن بنات الله ","part":7,"page":306},{"id":3325,"text":" قوله تعالى الذين هم عباد الرحمن قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب وأبان عن عاصم والشيزري عن الكسائي عند الرحمن بنون من غير ألف وقرأ الباقون عباد الرحمن ومعنى هذه القراءة جعلوا له من عباده بنات والقراءة الأولى موافقة لقوله إن الذين عند ربك الأعراف 206 وإذا كانوا في السماء كان أبعد للعلم بحالهم أشهدوا خلقهم قرأ نافع والمفضل عن عاصم أأشهدوا بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة وروى المسيبي عن نافع أو شهدوا ممدودة من أشهدت والباقون لا يمدون \r\n أشهدوا من شهدت أي أحضروه فعرفوا أنهم إناث وهذا توبيخ لهم إذ قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من غير مشاهدة ستكتب شهادتهم على الملائكة أنها بنات الله وقال مقاتل لما قال الله عز و جل أشهدوا خلقهم سئلوا عن ذلك فقالوا لا فقال النبي صلى الله عليه و سلم فما يدريكم أنها إناث فقالوا سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال الله ستكتب شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة وقرأ أبو رزين ومجاهد سنكتب بنون مفتوحة شهادتهم بنصب التاء ووافقهم ابن أبي عبلة في سنكتب وقرأ شهاداتهم بألف \r\n قوله تعالى وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم في المكني عنهم قولان أحدهما أنهم الملائكة قاله قتادة ومقاتل في آخرين والثاني الأوثان قاله مجاهد وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا لها لعجل عقوبتنا فرد عليهم قولهم بقوله ما لهم بذلك من علم وبعض المفسرين يقول إنما أشار بقوله ","part":7,"page":307},{"id":3326,"text":" مالهم بذلك من علم إلى ادعائهم أن الملائكة إناث قال ولم يتعرض لقولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم لأنه قول صحيح والذي اعتمدنا عليه أصح لأن هذه الآية كقوله لو شاء الله ما أشركنا الانعام 148 وقوله أنطعم من لو يشاء الله أطعمه يس 470 وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك ويخرصون بمعنى يكذبون وإنما كذبهم لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم الكفر دينا \r\n أم آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل هذا القرآن أي بأن يعبدوا غير الله فهم به مستمسكون يأخذون بما فيه \r\n بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على سنة وملة ودين وإنا على آثارهم مهتدون فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول فقال وكذلك أي وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم وإنا على آثارهم مقتدون بهم \r\n قل أولو جئتكم وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم قال أولو جئتكم بألف قال أبو علي فاعل قال النذير المعنى فقال لهم النذير وقرأ أبو جعفر أولو جئناكم بألف ونون بأهدى أي بأصوب وأرشد ","part":7,"page":308},{"id":3327,"text":" قال الزجاج ومعنى الكلام قل أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئنكم بأهدى منه وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد قال مقاتل فردوا على النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ثم رجع إلى الأمم الخالية فقال فانتقمنا منهم الآية \r\n وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون \r\n قوله تعالى إنني براء قال الزجاج البراء بمعنى البرئ والعرب تقول للواحد أنا البراء منك وكذلك للاثنين والجماعة وللذكر والأنثى يقولون نحن البراء منك والخلاء منك لا يقولون نحن البراءان منك ولا البراءون منك وأنما المعنى أنا ذو البراء منك ونحن ذو البراء منك ","part":7,"page":309},{"id":3328,"text":" كما يقال رجل عدل وامرأة عدل وقد بينا استثناء إبراهيم ربه عز و جل مما يعبدون عند قوله إلا رب العالمين الشعراء 77 \r\n قوله تعالى وجعلها يعني كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه أي فيمن يأتي بعده من ولده فلا يزال فيهم موحد لعلهم يرجعون إلى التوحيد كلهم إذا سمعوا أن أباهم تبرأ من الأصنام ووحد الله عز و جل \r\n ثم ذكر نعمته على قريش فقال بل متعت هؤلاء وآباءهم والمعنى إني أجزلت لهم النعم ولم أعاجلهم بالعقوبة حتى جاءهم الحق وهو القرآن ورسول مبين وهو محمد صلى الله عليه و سلم فكان ينبغي لهم أن يقابلوا النعم بالطاعة للرسول فخالفوا \r\n ولما جاءهم يعني قريشا في قول الأكثرين وقال قتادة هم اليهود و الحق القرآن \r\n وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ","part":7,"page":310},{"id":3329,"text":" ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين \r\n قوله تعالى وقالوا لولا أي هلا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أما القريتان فمكة والطائف قاله ابن عباس والجماعة وأما عظيم مكة ففيه قولان \r\n أحدهما الوليد بن المغيرة القرشي رواه العوفي وغيره عن ابن عباس وبه قال قتادة والسدي \r\n والثاني عتبة بن ربيعة قاله مجاهد وفي عظيم الطائف خمسة أقوال \r\n أحدها حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني مسعود بن عمرو بن عبيد الله رواه الضحاك عن ابن عباس \r\n والثالث أنه أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي رواه ليث عن مجاهد وبه قال قتادة \r\n والرابع أنه ابن عبد ياليل رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والخامس كنانة بن عبد بن عمرو بن عمير الطائفي قاله السدي ","part":7,"page":311},{"id":3330,"text":" فقال الله عز و جل ردا عليهم وإنكارا أهم يقسمون رحمة ربك يعني النبوة فيضعونها حيث شاؤوا لأنهم اعترضوا على الله بما قالوا نحن قسمنا بينهم معيشتهم المعنى أنه إذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال وهو دون النبوة فكيف تكون النبوة قال قتادة إنك لتلقى ضعيف الحيلة عيي اللسان قد بسط له الرزق وتلقى شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتور عليه \r\n قوله تعالى ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات فيه قولان أحدهما بالغنى والفقر والثاني بالحرية والرق ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وقرأ ابن السميفع وابن محيصن سخريا بكسر السين ثم فيه قولان \r\n أحدهما يستخدم الأغنياء بأموالهم فيلتئم قوام العالم وهذا على القول الأول \r\n والثاني ليملك بعضهم بعضا بالأموال فيتخذونهم عبيدا وهذا على الثاني ","part":7,"page":312},{"id":3331,"text":" قوله تعالى ورحمة ربك فيها قولان أحدهما النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها قاله ابن عباس والثاني الجنة خير مما يجمعون في الدنيا قاله السدي \r\n قوله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة فيه قولان أحدهما لولا أن يجتمعوا على الكفر قاله ابن عباس والثاني على إيثار الدنيا على الدين قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة لهوان الدنيا عندنا قال الفراء إن شئت جعلت اللام في لبيوتهم مكررة كقوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه البقرة 217 وإن شئت جعلتها بمعنى على كأنه قال جعلنا لهم على بيوتهم تقول للرجل جعلت لك لقومك الأعطية أي جعلتها من أجلك لهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سقفا على التوحيد وقرأ الباقون سقفا بضم السين والقاف جميعا \r\n قال الزجاج والسقف واحد يدل على الجمع فالمعنى جعلنا لبيت كل واحد منهم سقفا من فضة ومعارج وهي الدرج والمعنى وجعلنا معارج ","part":7,"page":313},{"id":3332,"text":" من فضة وكذلك ولبيوتهم أبوابا أي من فضة وسررا أي من فضة \r\n قوله تعالى عليها يظهرون قال ابن قتيبة أي يعلون يقال ظهرت على البيت إذا علوت سطحه \r\n قوله تعالى وزخرفا وهو الذهب والمعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهبا وغنى وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا المعنى لمتاع الحياة الدنيا وما زائدة وقرأ عاصم وحمزة لما بالتشديد فجعلاه بمعنى إلا والمعنى إن ذلك يتمتع به قليلا ثم يزول والآخرة عند ربك للمتقين خاصة لهم \r\n ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ","part":7,"page":314},{"id":3333,"text":" مشتركون أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين \r\n قوله تعالى ومن يعش فيه ثلاثة أقوال أحدها يعرض قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة والفراء والزجاج والثاني يعم روي عن ابن عباس أيضا وبه قال عطاء وابن زيد والثالث أنه البصر الضعيف حكاه الماوردي وقال أبوعبيدة تظلم عينه عنه وقال الفراء من قرأ يعش فمعناه يعرض ومن نصب الشين أراد يعم عنه قال ابن قتيبة لا أرى القول إلا قول أبي عبيدة ولم نر أحدا يجيز عشوت عن الشيء أعرضت عنه إنما يقال تعاشيت عن كذا أي تغافلت عنه كأني لم أره ومثله تعاميت والعرب تقول عشوت إلى النار إذا استدللت إليها ببصر ضعيف قال الحطيئة ... متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ... \r\n ومنه حديث ابن المسيب أن إحدى عينيه ذهبت وهو يعشو بالأخرى أي يبصر بها بصرا ضعيفا قال المفسرون ومن يعش عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه ولم يلتفت إلى كلامه نقيض له أي نسبب له شيطانا فنجعل ذلك جزاءه فهو له قرين لا يفارقه ","part":7,"page":315},{"id":3334,"text":" وإنهم يعني الشياطين ليصدونهم يعني الكافرين أي يمنعونهم عن سبيل الهدى وإنما جمع لأن من في موضع جمع ويحسبون يعني كفار بني آدم أنهم على هدى \r\n حتى إذا جاءنا وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم جاءنا واحد يعني الكافر وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جاءانا بألفين على التثنية يعنون الكافر وشيطانه وجاء في التفسير أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة فلا يفترقان حتى يصيرهما الله إلى النار قال الكافر للشيطان يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي بعدما بين المشرقين وفيهما قولان \r\n أحدهما أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في السنة ومشرقها في أطول يوم قاله ابن السائب ومقاتل \r\n والثاني أنه أراد المشرق والمغرب فغلب ذكر المشرق كما قالوا سنة العمرين يريدون أبا بكر وعمر وأنشدوا من ذلك اخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع ... \r\n يريد الشمس والقمر وأنشدوا ... فبصرةالأزد منا والعراق لنا ... والموصلان ومنا مصر والحرم ... \r\n يريد الجزيرة والموصل وهذا اختيار الفراء والزجاج ","part":7,"page":316},{"id":3335,"text":" قوله تعالى فبئس القرين أي أنت أيها الشيطان ويقول الله عز و جل يومئذ للكفار ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم اي أشركتم في الدنيا أنكم في العذاب مشتركون أي لن ينفعكم الشركة في العذاب لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر قال المبرد منعوا روح التأسي لان التأسي يسهل المصيبة وأنشد للخنساء أخت صخر بن مالك في هذا المعنى ... ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي ... وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي ... \r\n وقرأ ابن عامر إنكم بكسر الألف \r\n ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة بقوله أفأنت تسمع الصم الآية \r\n فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون \r\n قوله تعالى فإما نذهبن بك قال أبو عبيدة معناها فإن نذهبن وقال الزجاج دخلت ما توكيدا للشرط ودخلت النون الثقيلة في نذهبن توكيدا أيضا والمعنى إنا ننتقم منهم إن توفيت أو نرينك ما وعدناهم ووعدناك فيهم من النصر قال ابن عباس ذلك يوم بدر وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله فاما نذهبن بك منسوخ بآية السيف ولا وجه له ","part":7,"page":317},{"id":3336,"text":" قوله تعالى وإنه يعني القرآن لذكر لك أي شرف لك بما أعطاك الله ولقومك في قومه ثلاثة أقوال أحدها العرب قاطبة والثاني قريش والثالث جميع من آمن به وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر من بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل قال لقريش وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية لشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم ومذهب مجاهد أن القوم هاهنا العرب والقرآن شرف لهم إذ أنزل بلغتهم قال ابن قتيبة إنما وضع الذكر موضع الشرف لأن الشريف يذكر وفي قوله وسوف تسألون قولان أحدهما عن شكر ما أعطيتم من ذلك والثاني عما لزمكم فيه من الحقوق وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون ","part":7,"page":318},{"id":3337,"text":" وملائه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين \r\n قوله تعالى واسأل من أراسلنا من قبلك من رسلنا إن قيل كيف يسأل الرسل وقد ماتوا قبله فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها أنه لما أسري به جمع له الأنبياء فصلى بهم ثم قال له جبريل سل من أرسلنا قبلك الآية فقال لا أسأل قد اكتفيت رواه عطاء عن ابن عباس وهذا قول سعيد بن جبير والزهري وابن زيد قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم فما شك ولا سأل \r\n والثاني أن المراد اسأل مؤمني أهل الكتاب من الذين أرسلت إليهم الأنبياء روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في آخرين قال ابن الأنباري والمعنى سل أتباع من أرسلنا قبلك ","part":7,"page":319},{"id":3338,"text":" كما تقول السخاء حاتم أي سخاء حاتم والشعر زهير أي شعر زهير وعند المفسرين أنه لم يسأل على القولين وقال الزجاج هذا سؤال تقرير فاذا سأل جميع الأمم لم يأتوا بان في كتبهم أن اعبدوا غيري \r\n والثالث أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه و سلم خطاب أمته فيكون المعنى سلوا قاله الزجاج وما بعد هذا ظاهر إلى قوله إذ هم منها يضحكون استهزاء بها وتكذيبا وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها يعني ما ترادف عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس فكانت كل آية أكبر من التي قبلها وهي العذاب المذكور في قوله وأخذناهم بالعذاب فكانت عذابا لهم ومعجزات لموسى عليه السلام \r\n قوله تعالى وقالوا يا أيها الساحر في خطابهم له بهذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم أرادوا يا أيها العالم وكان الساحر فيهم عظيما رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم قالوه على جهة الاستهزاء قاله الحسن \r\n والثالث أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر قاله الزجاج \r\n قوله تعالى إننا لمهتدون أي مؤمنون بك فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا وقد ذكرنا ما تركناه هاهنا في الأعراف 135 \r\n قوله تعالى تجري من تحتي أي من تحت قصوري أفلا تبصرون عظمتي وشدة ملكي ","part":7,"page":320},{"id":3339,"text":" أم أنا خير قال أبو عبيدة أراد بل أنا خير وحكى الزجاج عن سيبويه والخليل أنهما قالا عطف أنا ب أم على أفلا تبصرون فكأنه قال أفلا تبصرون أم أنتم بصراء لانهم إذا قالوا أنت خير منه فقد صاروا عنده بصراء قال الزجاج والمهين القليل يقال شيء مهين أي قليل وقال مقاتل مهين بمعنى ذليل ضعيف \r\n قوله تعالى ولا يكاد يبين أشار إلى عقدة لسانه التي كانت به ثم أذهبها الله عنه فكأنه عيره بشيء قد كان وزال ويدل على زواله قوله تعالى قد أوتيت سؤلك يا موسى طه 36 وكان في سؤاله واحلل عقدة من لساني طه 27 وقال بعض العلماء ولا يكاد يبين الحجة ولا يأتي ببيان يفهم \r\n فلولا أي فهلا ألقي عليه أساورة من ذهب وقرأ حفص عن ","part":7,"page":321},{"id":3340,"text":" عاصم أسورة بغير ألف قال الفراء واحد الأساورة إسوار وقد تكون الأساورة جمع أسورة كما يقال في جمع الأسقية الأساقي وفي جمع الأكرع الاكارع وقال الزجاج يصلح أن تكون الأساورة جمع الجمع تقول أسورة وأساورة كما تقول أقوال وأقاويل ويجوز أن تكون جمع إسوار وإنما صرفت أساورة لأنك ضممت الهاء إلى أساور فصار اسما واحدا وصار له مثال في الواحد نحو علانية \r\n قال المفسرون إنما قال فرعون هذا لأنهم كانوا إذا سودوا الرجل منهم سوروه بسوار \r\n أو حاء معه الملائكة مقترنين فيه قولان أحدهما متتابعين قاله قتادة والثاني يمشون معه قاله الزجاج \r\n قوله تعالى فاستخف قومه قال الفراء استفزهم وقال غيره استخف أحلامهم وحملهم على خفة الحلم بكيده وغروره فأعطوه في تكذيب موسى \r\n فلما آسفونا قال ابن عباس أغضبونا قال ابن قتيبة الأسف الغضب يقال آسفت آسف أسفا أي غضبت \r\n فجعلناهم سلفا أي قوما تقدموا وقرأها أبو هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد وحميد الأعرج سلفا بضم السين وفتح اللام كأن واحدته سلفة من الناس مثل القطعة يقال تقدمت سلفة من الناس أي قطعة منهم وقرأ حمزة والكسائي سلفا بضم السين واللام وهو ","part":7,"page":322},{"id":3341,"text":" جمع سلف كما قالوا خشب وخشب وثمر وثمر ويقال هو جمع سليف وكله من التقدم وقال الزجاج السليف جمع قد مضى والمعنى جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون \r\n قوله تعالى ومثلا أي عبرة وعظة \r\n ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكمن ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون \r\n قوله تعالى ولما ضرب ابن مريم مثلا أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نزل قوله إنكم وما تعبدون من دون الله الآية الأنبياء 98 وقد شرحنا القصة في سورة الأنبياء 101 والمشركون هم الذين ضربوا عيسى مثلا لآلهتهم ","part":7,"page":323},{"id":3342,"text":" وشبههوه بها لأن تلك الآية إنما تضمنت ذكر الأصنام لأنها عبدت من دون الله فألزموه عيسى وضربوه مثلا لأصنامهم لأنه معبود النصارى والمراد بقومه المشركون \r\n فأما يصدون فقرأ ابن عامر ونافع والكسائي بضم الصاد وكسرها الباقون قال الزجاج ومعناهما جميعا يضجون ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون وقال أبو عبيدة من كسر الصاد فمجازها يضجون ومن ضمها فمجازها يعدلون \r\n قوله تعالى وقالوا أآلهتنا خير أم هو المعنى ليست خيرا منه قال كان في النار لأنه عبد من دون الله فقد رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلته \r\n ما ضربوه لك إلا جدلا أ ما ذكروا عيسى إلا ليجادلوك به لأنهم قد علموا أن المراد ب حصب جهنم ما اتخذوه من الموات بل هم قوم خصمون أي أصحاب خصومات \r\n قوله تعالى وجعلناه مثلا أي آية وعبرة لبني إسرائيل يعرفون به قدرة الله على ما يريد إذ خلقه من غير أب ","part":7,"page":324},{"id":3343,"text":" ثم خاطب كفار مكة فقال ولو نشاء لجعلنا منكم فيه قولان \r\n أحدهما أن المعنى لجعلنا بدلا منكم ملائكة ثم في معنى يخلفون ثلاثة أقوال أحدها يخلف بعضهم بعضا قاله ابن عباس والثاني يخلفونكم ليكونوا بدلا منكم قاله مجاهد والثالث يخلفون الرسل فيكونون رسلا إليكم بدلا منهم حكاه الماوردي \r\n والقول الثاني أن المعنى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة أي قلبنا الخلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وإنه لعلم للساعة في هاء الكناية قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى عيسى عليه السلام ثم في معنى الكلام قولان أحدهما نزول عيسى من اشراط الساعة يعلم به قربها وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثاني أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى قاله ابن إسحاق \r\n والقول الثاني أنها ترجع إلى القرآن قاله الحسن وسعيد بن جبير وقرأ الجمهور لعلم بكسر العين وتسكين اللام وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن وقتادة وحميد وابن محيصن بفتحهما \r\n قال ابن قتيبة من قرأ بكسر العين فالمعنى أنه يعلم به قرب الساعة ومن فتح العين واللام فانه بمعنى العلامة والدليل ","part":7,"page":325},{"id":3344,"text":" قوله تعالى فلا تمترن بها أي فلا تشكن فيها واتبعون على التوحيد هذا الذي أنا عليه صراط مستقيم \r\n ولما جاء عيسى بالبينات قد شرحنا هذا في البقرة 87 \r\n قال قد جئتكم بالحكمة وفيها قولان أحدهما النبوة قاله عطاء والسدي والثاني الإنجيل قاله مقاتل \r\n ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه أي من أمر دينكم وقال مجاهد بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة وقال ابن جرير من أحكام التوراة وقد ذهب قوم إلى أن البعض هاهنا بمعنى الكل وقد شرحنا ذلك في حم المؤمن 28 قال الزجاج والصحيح أن البعض لا يكون في معنى الكل وإنما بين لهم عيسى بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا إليه وقد قال ابن جرير كان بينهم اختلاف في أمر دينهم ودنياهم فبين لهم أمر دينهم فقط وما بعد هذا قد سبق بيانه النساء 175 مريم 37 إلى قوله هل ينظروه يعني كفار مكة ","part":7,"page":326},{"id":3345,"text":" الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهية الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التي أورثتموها بما كمتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون \r\n قوله تعالى الأخلاء أي في الدنيا يومئذ أي في القيامة بعضهم لبعض عدو لأن الخلة إذا كانت في الكفر والمعصية صارت عداوة يوم القيامة وقال مقاتل نزلت في امية بن خلف وعقبة بن أبي معيط إلا المتقين يعني الموحدين فاذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد يا عابد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيرفع الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين فينكس الكفار رؤوسهم ","part":7,"page":327},{"id":3346,"text":" قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يا عبادي باثبات الياء في الحالين وإسكانها وحذفها في الحالين ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم وخلف \r\n وفي أزواجهم قولان أحدهما زوجاتهم والثاني قرناؤهم \r\n وقد سبق معنى تحبرون الروم 15 \r\n قوله تعالى يطاف عليهم بصحاف قال الزجاج واحدها صحفة وهي القصعة والأكواب واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له قال الفراء الكوب الكوز المستدير الرأس الذي لا أذن له وقال عدي ... متكئا تصفق أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب ... \r\n وقال ابن قتيبة الأكواب الأباريق التي لا عرى لها وقال شيخنا أبو منصور اللغوي وإنما كانت بغير عرى ليشرب الشارب من أين شاء لأن العروة ترد الشارب من بعض الجهات \r\n قوله تعالى وفيها ما تشتهي الأنفس وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم تشتهية بزيادة ها وحذف الهاء كاثباتها في المعنى \r\n قوله تعالى وتلذ الأعين يقال لذذت الشيء واستلذذته والمعنى ما من شيء اشتهته نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين فانه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين وتمام النعيم الخلود لأنه لو انقطع لم تطب ","part":7,"page":328},{"id":3347,"text":" وتلك الجنة يعني التي ذكرها في قوله ادخلوا الجنة التي أورثتموها قد شرحنا هذا في الأعراف 43 عند قوله أورثتموها \r\n إن المجرمين في عذاب جهنم خالدين لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ما كثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ام أبرموا أمرا فانا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون \r\n قوله تعالى إن المجرمين يعني الكافرين لا يفتر أي لا يخفف عنهم وهم فيه يعني في العذاب مبلسون قال ابن قتيبة آيسون من رحمة الله وقد شرحنا هذا في الأنعام 44 وما ظلمناهم أي ما عذبناهم على غير ذنب ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم بما جنوا عليها قال الزجاج والبصريون يقولون هم هاهنا فصل كذلك يسمونها ويسميها الكوفيون العماد \r\n قوله تعالى ونادوا يا مالك وقرأ علي بن أبي طالب رضى الله عنه وابن مسعود وابن يعمر يا مال بغير كاف مع كسر اللام قال الزجاج وهذا يسميه النحويون الترخيم ولكني أكرهها لمخالفة المصحف \r\n قال المفسرون يدعون مالكا خازن النار فيقولون ليقض علينا ربك ","part":7,"page":329},{"id":3348,"text":" أي ليمتنا والمعنى أهم توسلوا به ليسأل اله تعالى لهم الموت فيستريحوا من العذاب فيسكت عن جوابهم مدة فيها أربعة أقوال أحدها أربعون عاما قاله عبد الله بن عمرو ومقاتل والثاني ثلاثون سنة قاله أنس والثالث ألف سنة قاهل ابن عباس والرابع مائة سنة قاله كعب \r\n وفي سكوته عن جوابهم هذه المدة قولان أحدهما أنه سكت حتى أوحى الله إليه أن أجبهم قاله مقاتل والثاني لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل \r\n قال الماوردي فرد عليهم مالك فقال إنكم ماكثون أي مقيمون في العذاب لقد جئناكم بالحق أي أرسلنا رسلنا بالتوحيد ولكن أكثركم قال ابن عباس يريد كلكم كارهون لما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى أم ابرموا أمرا في أم قولان أحدهما أنها للاستفهام والثاني بمعنى بل والإبرام الإحكام وفي هذا الأمر ثلاثة أقوال \r\n أحدها المكر برسول الله صلى الله عليه و سلم ليقتلوه أو يخرجوه حين اجتمعوا في دار الندوة وقد سبق بيان القصة الأنفال 30 قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه إحكام أمرهم في تكذيبهم قاله قتادة \r\n والثالث أنه إبرام أمرهم ينجيهم من العذاب قاله الفراء ","part":7,"page":330},{"id":3349,"text":" فانا مبرمون أي محكمون أمرا في مجازاتهم \r\n أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم وهو ما يسرونه من غيرهم ونجواهم ما يتناجون به بينهم بلى والمعنى إنا نسمع ذلك ورسلنا يعني من الحفظة لديهم يكتبون \r\n قل إن كان للرحمن ولد في إن قولان أحدهما أنها بمعنى الشرط والمعنى إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم فعلى هذا في قوله فأنا أول العابدين أربعة أقوال أحدها فأنا أول الجاحدين رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن أعرابيين اختصما إليه فقال أحدهما إن هذا كانت لي في يده أرض فعبدنيها فقال ابن عباس الله أكبر فأنا أول العبادين الجاحدين أن لله ولدا \r\n والثاني فأنا أول من عبد الله مخالفا لقولكم هذا قول مجاهد وقال الزجاج معناه إن كنتم تزعمون للرحمن ولدا فأنا أول الموحدين \r\n والثالث فأنا أول الآنفين لله مما قلتم قاله ابن السائب وأبو عبيدة قال ابن قتيبة يقال عبدت من كذا أعبد عبدا فأما عبد وعابد قال الفرزدق ","part":7,"page":331},{"id":3350,"text":" أولئك قوم إن هجوني هجوتهم ... وأعبد أن تهجى تميم بدارم ... أي آنف وأنشد ابو عبيدة ... وأعبد أن أسبهم بقومي ... وأوثر دارما وبني رزاح ... \r\n والرابع أن معنى الآية كما أني لست أول عابد لله فكذلك ليس له ولد وهذا كما تقول إن كنت كاتبا فأنا حاسب أي لست كاتبا ولا أنا حاسب حكى هذا القول الواحدي عن سفيان بن عيينة \r\n والقول الثاني أن إن بمعنى ما قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد فيكون المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله على يقين أنه لا ولد له وقال أبو عبيدة الفاء على هذا القول بمعنى الواو \r\n قوله تعالى فذرهم يعني كفار مكة يخضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن محيصن وأبو جعفر حتى يلقوا بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف والمراد يلاقوا يوم القيامة وهذه الآية عند الجمهور منسوخة بآية السيف \r\n وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون ","part":7,"page":332},{"id":3351,"text":" من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سالتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون \r\n قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله قال مجاهد وقتادة يعبد في السماء ويعبد في الأرض وقال الزجاج هو الموحد في السماء وفي الأرض وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وابن السميفع وابن يعمر والجحدري في السماء الله وفي الأرض الله بألف ولام من غير تنوين ولا همز فيهما وما بعد هذا سبق بيانه الأعراف 54 لقمان 34 إلى قوله ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ","part":7,"page":333},{"id":3352,"text":" وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما أنه أراد بالذين يدعون من دونه آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزير والملائكة فقال إلا من شهد بالحق وهو أن يهشد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة \r\n والثاني أن المراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة الذين عبدهم المشركون بالله لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد إلا من شهد أي إلا لمن شهد بالحق وهي كلمة الإخلاص وهم يعلمون أن الله عز و جل خلق عيسى وعزير والملائكة وهذا مذهب قوم منهم مجاهد وفي الآية دليل على ان شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به \r\n قوله تعالى وقيله يارب قال قتادة هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه وقال ابن عباس شكا إلى الله تخلف قومه عن الإيمان قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وقيله بنصب اللام وفيها ثلاثة أوجه أحدها أنه أضمر معها قولا كأنه قال وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه \r\n والثاني أنه عطف على قوله أم يحسبون أنا لانسمع سرهم ونجواهم وقيله فالمعنى ونسمع قيله ذكر القولين الفراء والأخفش \r\n والثالث أنه منصوب على معنى وعنده علم الساعة ويعلم قيله لأن معنى وعنده علم الساعة يعلم الساعة ويعلم قيله هذا اختيار الزجاج وقرأ عاصم وحمزة وقيله بكسر اللام والهاء حتى تبلغ إلى الياء والمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله وقرأ أبو هريرة وأبو رزين ","part":7,"page":334},{"id":3353,"text":" وسعيد بن جبير وأبو رجاء والجحدري وقتادة وحميد برفع اللام والمعنى ونداؤه هذه الكلمة يارب ذكر علة الخفض والرفع الفراء والزجاج \r\n قوله تعالى فاصفح عنهم أي فأعرض عنهم وقل سلام فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها قل خيرا بدلا من شرهم قاله السدي \r\n والثاني اردد عليهم معروفا قاله مقاتل \r\n والثالث قل ما تسلم به من شرهم حكاه الماوردي \r\n فسوف يعلمون فيه ثلاثة أقوال أحدها يعلمون عاقبة كفرهم والثاني أنك صادق والثالث حلول العذاب بهم وهذا تهديد لهم فسوف يعلمون وقرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء ومن قرأ بالياء فعلى الأمر للنبي صلى الله عليه و سلم بأن يخاطبهم بهذا قاله مقاتل فنسخت آية السيف الإعراض والسلام ","part":7,"page":335},{"id":3354,"text":" سورة الدخان وهي مكية كلها باجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون \r\n قوله عز و جل حم والكتاب المبين قد تقدم بيانه المؤمن والزخرف وجواب القسم إنا أنزلناه والهاء كناية عن الكتاب وهو القرآن في ليلة مباركة وفيها قولان \r\n أحدهما أنها ليلة القدر وهو قول الأكثرين وروى عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن من عند الرحمن ليلة القدر جملة واحدة ","part":7,"page":336},{"id":3355,"text":" فوضع في السماء الدنيا ثم أنزل نجوما وقال مقاتل نزل القرآن كله في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا \r\n والثاني أنها ليلة النصف من شعبان قاله عكرمة \r\n قوله تعالى إنا كنا منذرين أي مخوفين عقابنا \r\n فيها أي في تلك الليلة يفرق كل أي يفصل وقرأ أبو المتوكل وأبو نهيك ومعاذ القارئ يفرق بفتح الياء وكسر الراء ","part":7,"page":337},{"id":3356,"text":" كل بنصب اللام أمر حكيم أي محكم قال ابن عباس يكتب من ام الكتاب في ليلة القدر ماهو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحاج وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وعلى ماروي عن عكرمة أن ذلك في ليلة النصف من شعبان والرواية عنه بذلك مضطربة قد خولف الراوي لها فروي عن عكرمة أنه قال في ليلة القدر وعلى هذا المفسرون \r\n قوله تعالى أمرا من عندنا قال الأخفش امرا ورحمة منصوبان على الحال المعنى إنا انزلناه آمرين أمرا وراحمين رحمة قال الزجاج ويجوز أن يكون منصوبا ب يفرق بمنزلة يفرق فرقا لأن أمرا بمعنى فرقا قال الفراء ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها فتكون الرحمة هي النبي صلى الله عليه و سلم وقال مقاتل مرسلين بمعنى منزلين هذا القرآن أنزلناه رحمة لمن آمن به وقال غيره أمرا من عندنا أي إنا نأمر بنسخ ما ينسخ من اللوح إنا كنا مرسلين الأنبياء رحمة منا بخلقنا رب السموات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر رب بالرفع وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم رب بكسر الباء وما بعد هذا ظاهر إلى قوله بل هم يعني الكفار في شك مما جئناهم به يلعبون يهزؤون به ","part":7,"page":338},{"id":3357,"text":" فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون \r\n فارتقب أي فانتظر يوم تأتي السماء بدخان مبين اختلفوا في هذا الدخان ووقته على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام وروى عبد الله بن أبي مليكة قال غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت لم قال طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يطرق الدخان وهذا المعنى مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة والحسن ","part":7,"page":339},{"id":3358,"text":" والثاني أن قريشا أصابهم جوع فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا من الجوع فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مسروق قال كنا عند عبد الله فدخل علينا رجل فقال جئتك من المسجد وتركت رجلا يقول في هذه الآية يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشاهم يوم القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام فقال عبد الله من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه و سلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام والميتة وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ","part":7,"page":340},{"id":3359,"text":" فقال الله تعالى إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون فكشف عنهم ثم عادوا إلى الكفر فأخذوا يوم بدر فذلك قوله يوم نبطش البطشة الكبرى وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وأبو العالية والضحاك وابن السائب ومقاتل \r\n والثالث أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى هذا عذاب أي يقولون هذا عذاب \r\n ربنا اكشف عنا العذاب فيه قولان أحدهما الجوع والثاني الدخان إنا مؤمنون بمحمد صلى الله عليه و سلم والقرآن \r\n أنى لهم الذكرى أي من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول هذا البلاء و حالهم أنه قد جاءهم رسول مبين أي ظاهر الصدق \r\n ثم تولوا عنه أي أعرضوا ولم يقبلوا قوله وقالوا معلم مجنون أي هو معلم يعلمه بشر مجنون بادعائه النبوة قال الله تعالى إنا كاشفوا العذاب قليلا أي زمانا يسيرا وفي العذاب قولان \r\n أحدهما الضر الذي نزل بهم كشف بالخصب هذا على قول ابن مسعود قال مقاتل كشفه إلى يوم بدر \r\n والثاني أنه الدخان قاله قتادة \r\n قوله تعالى إنكم عائدون فيه قولان أحدهما إلى الشرك قاله ابن مسعود والثاني إلى عذاب الله قاله قتادة ","part":7,"page":341},{"id":3360,"text":" قوله تعالى يوم نبطش البطشة الكبرى وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو عمران يوم تبطش بتاء مرفوعة وفتح الطاء البطشة بالرفع قال الزجاج المعنى واذكر يوم نبطش ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله منتقمون لأن ما بعد إنا لا يجوز أن يعمل فيما قبلها \r\n وفي هذا اليوم قولان \r\n أحدهما يوم بدر قاله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو هريرة وأبو العالية ومجاهد والضحاك \r\n والثاني يوم القيامة قاله ابن عباس والحسن والبطش الأخذ بقوة \r\n ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين \r\n قوله تعالى ولقد فتنا أي ابتلينا قبلهم أي قبل قومك قوم فرعون بارسال موسى إليهم وجاءهم رسول كريم وهو موسى بن عمران \r\n وفي معنى كريم ثلاثة أقوال أحدها حسن الخلق قاله مقاتل ","part":7,"page":342},{"id":3361,"text":" والثاني كريم على ربه قاله الفراء والثالث شريف وسيط النسب قاله أبو سليمان \r\n قوله تعالى أن أدوا أي بان أدوا إلى عباد الله وفيه قولان \r\n أحدهما أدوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق باتباعي روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس فعلى هذا ينتصب عباد الله بالنداء قال الزجاج ويكون المعنى أن أدوا إلي ما آمركم به يا عباد الله \r\n والثاني أرسلوا معي بني إسرائيل قاله مجاهد وقتادة والمعنى أطلقوهم من تسخيركم وسلموهم إلي \r\n وأن لا تعلوا على الله فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تفتروا عليه قاله ابن عباس والثاني لا تعتوا عليه قاله قتادة والثالث لا تعظموا عليه قاله ابن جريج إني آتيكم بسلطان مبين أي بحجة تدل على صدقي \r\n فلما قال هذا تواعدوه بالقتل فقال وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وفيه قولان \r\n أحدهما أنه رجم القول قاله ابن عباس فيكون المعنى أن يقولوا شاعر أو مجنون \r\n والثاني القتل قاله السدي وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون أي فاتركوني لا معي ولا علي فكفروا ولم يؤمنوا فدعا ربه أن هؤلاء قال الزجاج من فتح أن فالمعنى بأن هؤلاء ومن كسر فالمعنى قال إن هؤلاء وإن بعد القول مكسورة وقال المفسرون المجرمون هاهنا المشركون ","part":7,"page":343},{"id":3362,"text":" فأجاب الله دعاءه وقال فأسر بعبادي ليلا يعني بالمؤمنين إنكم متبعون يتبعكم فرعون وقومه فأعلمهم أنهم يتبعونهم وأنه سيكون سببا لغرقهم \r\n واترك البحر رهوا أي ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك ولا تأمره أن يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده والرهو مشي في سكون \r\n قال قتادة لما قطع موسى عليه السلام البحر عطف يضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده فقيل له واترك البحر رهوا أي كما هو طريقا يابسا \r\n قوله تعالى إنهم جند مغرقون أخبره الله عز و جل بغرقهم ليطمئن قلبه في ترك البحر على حاله \r\n كم تركوا أي بعد غرقهم من جنات وقد فسرنا الآية في الشعراء 57 فأما النعمة فهو العيش اللين الرغد وما بعد هذا قد سبق بيانه يس 55 إلى قوله وأورثناها قوما آخرين يعني بني إسرائيل \r\n فما بكت عليهم السماء أي على آل فرعون وفي معناه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه على الحقيقة روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من مسلم إلا وله في السماء بابان باب يصعد فيه عمله وباب ينزل منه ","part":7,"page":344},{"id":3363,"text":" رزقه فاذا مات بكيا عليه وتلا صلى الله عيه وسلم هذه الآية وقال علي رضي الله عنه إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء وإن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في السماء مصعد عمل فقال الله تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس والضحاك ومقاتل وقال ابن عباس الحمرة التي في السماء بكاؤها وقال مجاهد ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا فقيل له أو تبكي قال وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل \r\n والثاني أن المراد أهل السماء وأهل الأرض قاله الحسن ونظير هذا قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها محمد 4 أي أهل الحرب \r\n والثالث أن العرب تقول إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم أظلمت الشمس له وكسف القمر لفقده وبكته الريح والبرق والسماء والأرض يريدون المبالغة في وصف المصيبة وليس ذلك بكذب منهم لأنهم جميعا ","part":7,"page":345},{"id":3364,"text":" متواطئون عليه والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم أظلمت الشمس كادت تظلم وكسف القمر كاد يكسف ومعنى كاد هم أن يفعل ولم يفعل قال ابن مفرغ يرثي رجلا ... الريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه ... \r\n وقال الآخر ... الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا ... \r\n أراد الشمس طالعة تبكي عليه وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر لأنها مظلمة وإنما تكسف بضوئها فنجوم الليل بادية بالنهار فيكون معنى الكلام إن الله لما أهلك قوم فرعون لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فقد هذا كله كلام ابن قتيبة \r\n ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين ","part":7,"page":346},{"id":3365,"text":" من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم \r\n قوله تعالى من العذاب المهين يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في أعمال فرعون إنه كان عاليا أي جبارا \r\n ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل على علم علمه الله فيهم على عالمي زمانهم وآتيناهم من الآيات كانفراق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك ما فيه بلاء مبين أي نعمة ظاهرة \r\n ثم رجع إلى ذكر كفار مكة فقال إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى يعنون التي تكون في الدنيا وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين فائتوا بآبائنا أي ابعثوهم لنا إن كنتم صادقين في البعث وهذا جهل منهم من وجهين \r\n أحدهما أنهم قد رأوا من الآيات ما يكفي في الدلالة فليس لهم أن يتنطعوا \r\n والثاني أن الإعادة للجزاء وذلك في الآخرة لا في الدنيا ثم خوفهم عذاب الأمم قبلهم فقال أهم خير أي أشد وأقوى أم قوم تبع أي ليسوا خيرا منهم روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ما أدري تبعا نبي أو غير نبي وقالت ","part":7,"page":347},{"id":3366,"text":" عائشة لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه وقال وهب أسلم تبع ولم يسلم قومه فلذلك ذكر قومه ولم يذكر وذكر بعض المفسرين أنه كان يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه \r\n فأما تسميته ب تبع فقال أبو عبيدة كل ملك من ملوك اليمن كان يسمى تبعا لأنه يتبع صاحبه فموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وقال مقاتل إنما سمي تبعا لكثرة أتباعه واسمه ملكيكرب وإنما ذكر قوم تبع لأنهم كانوا أقرب في الهلاك إلى كفار مكة من غيرهم وما بعد هذا قد تقدم الأنبياء 16 الحجر 85 إلى قوله تعالى إن يوم الفصل وهو يوم يفصل الله عز و جل بين العباد ميقاتهم أي ميعادهم أجمعين يأتيه الأولون والآخرون \r\n يوم لايغني مولى عن مولى شيئا فيه قولان \r\n أحدهما لا ينفع قريب قريبا قاله مقاتل وقال ابن قتبة لا يغني ولي عن وليه بالقرابة أو غيرها ","part":7,"page":348},{"id":3367,"text":" والثاني لا ينفع ابن عم ابن عمه قاله أبو عبيدة \r\n ولا هم ينصرون أي لا يمنعون من عذاب الله إلا من رحم الله وهم المؤمنون فانه يشفع بعضهم في بعض \r\n إن شجرت الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتفكرون فارتقب إنهم مرتقبون \r\n إن شجرة الزقوم قد ذكرناها في الصافات 62 والأثيم الفاجر وقال مقاتل هو أبو جهل وقد ذكرنا معنى المهل في الكهف 29 \r\n قوله تعالى يغلي في البطون قرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم يغلي بالياء والباقون بالتاء فمن قرأ تغلي بالتاء فلتأنيث الشجرة ومن قرأ بالياء حمله على الطعام قال أبو علي الفارسي ولا يجوز ان يحمل الغلي على المهل لأن المهل ذكر للتشبيه في الذوب وإنما يغلي ما شبه به كغلي الحميم وهو الماء الحار إذا اشتد غليانه ","part":7,"page":349},{"id":3368,"text":" قوله تعالى خذوه أي يقال للزبانية خذوه فاعتلوه وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب بضم التاء وكسرها الباقون قال ابن قتيبة ومعناه قودوه بالعنف يقال جيء بفلان يعتل إلى السلطان وسواء الجحيم وسط النار قال مقاتل الآيات في أبي جهل يضربه الملك من خزان جهنم على رأسه بمقمعة من حديد فتنقب عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه ثم يقول له الملك ذق العذاب إنك أنت العزيز الكريم هذا توبيخ له بذلك وكان أبو جهل يقول أنا أعز قريش وأكرمها وقرأ الكسائي ذق أنك بفتح الهمزة والباقون بكسرها قال أبو علي من كسرها فالمعنى أنت العزيز في زعمك ومن فتح فالمعنى بأنك \r\n فان قيل كيف سمي بالعزيز وليس به \r\n فالجواب من ثلاثة أوجه \r\n أحدها أنه قيل ذلك استهزاء به قاله سعيد بن جبير ومقاتل \r\n والثاني أنت العزيز الكريم عند نفسك قاله قتادة \r\n والثالث أنت العزيز في قومك الكريم على أهلك حكاه الماوردي \r\n ويقول الخزان لأهل النار إن هذا ما كنتم به تمترون أي تشكون في كونه \r\n ثم ذكر مستقر المتقين فقال إن المتقين في مقام أمين قرأ نافع وابن عامر في مقام بضم الميم والباقون بفتحها قال الفراء المقام بفتح الميم المكان وبضمها الإقامة \r\n قوله تعالى أمين أي أمنوا فيه الغير والحوادث وقد ذكرنا ","part":7,"page":350},{"id":3369,"text":" الجنات في البقرة 25 وذكرنا معنى العيون ومعنى متقابلين في الحجر 45 47 وذكرنا السندس والإستبرق في الكهف 31 \r\n قوله تعالى كذلك أي الأمر كما وصفنا وزوجناهم بحور عين قال المفسرون المعنى قرناهم بهن وليس من عقد التزويج قال أبو عبيدة المعنى جعلنا ذكور أهل الجنة أزواجا بحور عين من النساء تقول للرجل زوج هذه النعل الفرد بالنعل الفرد أي اجعلهما زوجا والمعنى جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس العرب لا تقول تزوج بها إنما يقولون تزوجها ومعنى وزوجناهم بحور عين قرناهم وقال ابن قتيبة يقال زوجته امرأة وزوجته بامرأة وقال أبوعلي الفارسي والتنزيل على ما قال يونس وهو قوله تعالى زوجناكها الأحزاب 37 وما قال زوجناك بها \r\n فأما الحور فقال مجاهد الحور النساء النقيات البياض وقال الفراء الحوراء البيضاء من الإبل قال وفي الحور العين لغتان حور عين وحير عين وأنشد ... أزمان عيناء سرور المسير ... وحوراء عيناء من العين الحير ... \r\n وقال أبو عبيدة الحوراء الشديدة بياض بياض العين الشديدة سواد سوادها وقد بينا معنى العين في الصافات 48 \r\n قوله تعالى يدعون فيها بكل فاكهة آمنين فيه قولان أحدهما آمنين من انقطاعها في بعض الأزمنة والثاني آمنين من التخم والأسقام والآفات \r\n قوله تعالى إلا الموتة الأولى فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها بمعنى سوى فتقدير الكلام لا يذوقون في الجنة الموت ","part":7,"page":351},{"id":3370,"text":" سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا ومثله ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف النساء 22 وقوله خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك هود 107 أي سوى ما شاء لهم ربك من الزيادة على مقدار الدنيا هذا قول الفراء والزجاج \r\n والثاني أن السعداء حين يموتون يصيرون إلى الروح والريحان وأسباب من الجنة يرون منازلهم منها وإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لا تصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها قاله ابن قتيبة \r\n والثالث أن إلا بمعنى بعد كما ذكرنا في أحد الوجوه في قوله إلا ما قد سلف النساء 22 وهذا قول ابن جرير \r\n قوله تعالى فضلا من ربك أي فعل الله ذلك بهم فضلا منه \r\n فانما يسرناه أي سهلناه والكناية عن القرآن بلسانك أي بلغة العرب لعلهم يتذكرون أي لكي يتعظوا فيؤمنوا فارتقب ","part":7,"page":352},{"id":3371,"text":" أي انتظر بهم العذاب إنهم مرتقبون هلاكك وهذه عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف وليس بصحيح ","part":7,"page":353},{"id":3372,"text":" سورة الجاثية وتسمى سورة الشريعة \r\n روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور وقال مقاتل هي مكية كلها وحكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا هي مكية إلا آية وهي قوله قل للذين أمنوا يغفروا الجاثية 14 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ","part":7,"page":354},{"id":3373,"text":" فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون \r\n قوله تعالى حم تنزيل الكتاب قد شرحناه في أول المؤمن \r\n قوله تعالى وفي خلقكم أي من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل خلق الإنسان وما يبث من دابة أي وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق على اختلاف ذلك في الخلق والصور آيات تدل على وحدانيته قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر آيات رفعا وتصريف الرياح آيات رفعا أيضا وقرأ حمزة والكسائي بالكسر فيهما والرزق هاهنا بمعنى المطر \r\n قوله تعالى تلك آيات الله أي هذه حجج الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله أي بعد حديثه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون \r\n قوله تعالى ويل لكل أفاك أثيم روى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت في النضر بن الحارث وقد بينا معناها في الشعراء 222 والآية التي تليها مفسرة في لقمان 7 ","part":7,"page":355},{"id":3374,"text":" قوله تعالى وإذا علم من آياتنا شيئا قال مقاتل معناه إذا سمع وقرأ ابن مسعود وإذا علم برفع العين وكسر اللام وتشديدها \r\n قوله تعالى اتخذها هزوا أي سخر منها وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان 43 44 فدعا بتمر وزبد وقال تزقموا فما يعدكم محمد إلا هذا وإنما قال أولئك لأنه رد الكلام إلى معنى كل \r\n من ورائهم جهنم قد فسرناه في إبراهيم 16 ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا من الأموال ولا ما عبدوا من الآلهة \r\n قوله تعالى هذا هدى يعني القرآن والذين كفروا به لهم عذاب من رجز أليم قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم أليم بالرفع على نعت العذاب وقرأ الباقون بالكسر على نعت الرجز والرجز بمعنى العذاب وقد شرحناه في الأعراف 134 \r\n قوله تعالى جميعا منه اي ذلك التسخير منه لا من غيره فهو من فضله وقرأ عبد الله بن عمرو وابن عباس وأبو مجلز وابن السميفع وابن محيصن والجحدري جميعا منه بفتح النون وتشديدها وتاء منصوبة منونة وقرأ سعيد بن جبير منه بفتح الميم ورفع النون والهاء مشددة النون \r\n قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ولقد آتينا ","part":7,"page":356},{"id":3375,"text":" بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون أم حسب الذي اجترحوا السيآت أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون \r\n قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا الآية في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له ما حبسك قال غلام عمر ما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه و سلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس ","part":7,"page":357},{"id":3376,"text":" والثاني أنها لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة 245 قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص احتاج رب محمد فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية فبعث النبي صلى الله عليه و سلم في طلب عمر فلما جاء قال يا عمر ضع سيفك وتلا عليه الآية رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس \r\n والثالث أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية قاله القرظي والسدي \r\n والرابع أن رجلا من كفار قريش شتم عمر بن الخطاب فهم عمر أن يبطش به فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n ومعنى الآية قل للذين آمنوا اغفروا ولكن شبه بالشرط والجزاء كقوله قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة إبراهيم 31 وقد مضى بيان هذا \r\n وقوله للذين لا يرجون أي لا يخافون وقائع الله في الأمم الخالية لأنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه وقيل لا يدرون أنعم الله عليهم أم لا وقد سبق بيان معنى أيام الله في سورة إبراهيم 5 ","part":7,"page":358},{"id":3377,"text":" فصل \r\n وجمهور المفسرين على أن هذه الآية منسوخة لأنها تضمنت الأمر بالإعراض عن المشركين واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 رواه معمر عن قتادة \r\n والثاني أنه قوله في الأنفال 57 فأما تثقفنهم في الحرب وقوله في براءة 36 وقاتلوا المشركين كافة رواه سعيد عن قتادة \r\n والثالث أنه قوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الحج 39 قاله أبو صالح \r\n قوله تعالى ليجزي قوما وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي لنجزي بالنون قوما يعني الكفار فكأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن \r\n وما بعد هذا قد سبق الإسراء 7 إلى قوله ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة والحكم وهو الفهم في الكتاب ورزقناهم من الطيبات يعني المن والسلوى وفضلناهم على العالمين أي عالمي زمانهم \r\n وآتيناهم بينات من الأمر فيه قولان \r\n أحدهما بيان الحلال والحرام قاله السدي \r\n والثاني العلم بمبعث النبي صلى الله عليه و سلم وشواهد نبوته ذكره الماوردي \r\n وما بعد هذا قد تقدم بيانه آل عمران 19 إلى قوله ","part":7,"page":359},{"id":3378,"text":" ثم جعلناك على شريعة من الأمر سبب نزولها أن رؤساء قريش دعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ملة آبائه فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n فأما قوله على شريعة فقال ابن قتيبة أي على ملة ومذهب ومنه يقال شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه ومنه مشارع الماء وهي الفرض التي شرع فيها الوارد \r\n قال المفسرين ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر أي من الدين فاتبعها و الذين لا يعلمون كفار قريش \r\n إنهم لن يغنوا عنك أي لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتبعتهم وإن الظالمين يعني المشركين والله ولي المتقين الشرك والآية التي بعدها مفسرة في آخر الأعراف 203 ","part":7,"page":360},{"id":3379,"text":" أم حسب الذين اجترحوا السيئات سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثلما تعطون من الأجر قاله مقاتل والاستفهام هاهنا استفهام إنكار واجترحوا بمعنى اكتسبوا \r\n سواء محياهم ومماتهم قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وزيد عن يعقوب سواء نصبا وقرا الباقون بالرفع فمن رفع فعلى الابتداء ومن نصب جعله مفعولا ثانيا على تقدير أن نجعل محياهم ومماتهم سواء والمعنى إن هؤلاء يحيون مؤمنين ويموتون مؤمنين وهؤلاء يحيون كافرين ويموتون كافرين وشتان ماهم في الحال والمآل ساء ما يحكمون أي بئس ما يقضون \r\n ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السموات والأرض بالحق أي للحق والجزاء بالعدل لئلا يظن الكافر أنه لا يجزي بكفره ","part":7,"page":361},{"id":3380,"text":" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين واما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين \r\n قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قد شرحناه في الفرقان 43 وقال مقاتل نزلت هذه الآية في الحارث بن قيس السهمي \r\n قوله تعالى وأضله الله على علم أي على علمه السابق فيه أنه ","part":7,"page":362},{"id":3381,"text":" لا يهتدي وختم على سمعه أي طبع عليه فلم يسمع الهدى و على قلبه فلم يعقل الهدى وقد ذكرنا الغشاوة والختم في البقرة7 \r\n فمن يهديه من بعد الله أي من بعد إضلاله إياه أفلا تذكرون فتعرفوا قدرته على ما يشاء وما بعد هذا مفسر في سورة المؤمنون 37 إلى قوله وما يهلكنا إلا الدهر أي اختلاف الليل والنهار وما لهم بذلك من علم أي ما قالوه عن علم إنما قالوه شاكين فيه ومن أجل هذا قال نبينا عليه الصلاة و السلام لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي هو الذي يهلككم لا ماتتوهمونه من مرور الزمان وما بعد هذا ظاهر وقد تقدم بيانه البقرة 28 الشورى 7 إلى قوله يخسر المبطلون يعني المكذبين الكافرين أصحاب الأباطيل ","part":7,"page":363},{"id":3382,"text":" والمعنى يظهر خسرانهم يومئذ وترى كل أمة قال الفراء ترى أهل كل دين جاثية قال الزجاج أي جالسة على الركب يقال قد جثا فلان جثوا إذا جلس على ركبتيه ومثله جذا يجذو والجذو أشد استيفازا من الجثو لأن الجذور أن يجلس صاحبه على أطراف أصابعه قال ابن قتيبة والمعنى أنها غير مطمئنة \r\n قوله تعالى كل أمة تدعى إلى كتابها فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه كتابها الذي فيه حسناتها وسيئاتها قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنه حسابها قاله الشعبي والفراء وابن قتيبة \r\n والثالث كتابها الذي أنزل على رسوله حكاه الماوردي \r\n ويقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون \r\n هذا كتابنا وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كتاب الأعمال الذي تكتبه الحفظة قاله ابن السائب والثاني اللوح المحفوظ قاله مقاتل والثالث القرآن والمعنى أنهم يقرؤنه فيدلهم ويذكرهم فكأنه ينطق عليهم قاله ابن قتيبة ","part":7,"page":364},{"id":3383,"text":" قوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون اي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقا ما يعملونه قالوا والاستنساخ لا يكون إلا من أصل قال الفراء يرفع الملكان العمل كله فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو وقال الزجاج نستنسخ ما تكتبه الحفظة ويثبت عند الله عز و جل \r\n قوله تعالى في رحمته قال مقاتل في جنته \r\n قوله تعالى أفلم تكن آياتي فيه إضمار تقديره فيقال لهم ألم تكن آياتي يعني آيات القرآن تتلى عليكم فاستكبرتم عن الإيمان بها وكنتم قوما مجرمين قال ابن عباس كافرين \r\n وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبدا لهم سيآت ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ","part":7,"page":365},{"id":3384,"text":" قوله تعالى وإذا قيل إن وعد الله بالبعث حق أي كائن والساعة قرأ حمزة والساعة بالنصب لا ريب فيها أي كائنة بلا شك قلتم ما ندري ما الساعة أي أنكرتموها إن نظن إلا ظنا أي ما نعلم ذلك إلا ظنا وحدسا ولا نستيقن كونها \r\n وما بعد هذا قد تقدم الزمر 48 إلى قوله وقيل اليوم ننساكم أي نترككم في النار كما نستم لقاء يومكم هذا أي كما تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم \r\n ذلكم الذي فعلنا بكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا أي مهزوءا بها وغرتكم الحياة الدنيا حتى قلتم إنه لا بعث ولا حساب فاليوم لا يخرجون وقرأ حمزة والكسائي لا يخرجون بفتح الياء وضم الراء وقرأ الباقون لا يخرجون بضم الياء وفتح الراء منها أي من النار ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله عز و جل لأنه ليس بحين توبة ولا اعتذار \r\n قوله تعالى وله الكبرياء فيه ثلاثة أقوال أحدها السلطان قاله مجاهد والثاني الشرف قاله ابن زيد والثالث العظمة ","part":7,"page":366},{"id":3385,"text":" قاله يحيى بن سلام والزجاج ","part":7,"page":367},{"id":3386,"text":" سورة الأحقاف بسم الله الرحمن الرحيم \r\n حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين فصل في نزولها \r\n روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا فيها آية مدنية وهي قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله الأحقاف 10 وقال مقاتل نزلت بمكة غير آيتين قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله الأحقاف 10 وقوله فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل الأحقاف 35 نزلتا بالمدينة وقد تقدم تفسير فاتحتها المؤمن الحجر 85 ","part":7,"page":368},{"id":3387,"text":" إلى قوله وأجل مسمى وهو أجل فناء السموات والأرض وهو يوم القيامة \r\n قوله تعالى قل أرأيتم مفسر في فاطر 40 إلى قوله إيتوني بكتاب وفي الآية اختصار تقديره فان ادعوا أن شيئا من المخلوقات صنعة آلهتهم فقل لهم إيتوني بكتاب من قبل هذا أي من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من أن الأصنام شركاء الله أو أثارة من علم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الشيء يثيره مستخرجه قاله الحسن \r\n والثاني بقية من علم تؤثر عن الأولين قاله ابن قتيبة وإلى نحوه ذهب الفراء وأبو عبيدة \r\n والثالث علامة من علم قاله الزجاج وقرأ ابن مسعود وأبو رزين وأيوب السختياني ويعقوب أثرة بفتح الثاء مثل شجرة ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الخط قاله ابن عباس وقال هو خط كانت العرب تخطه في الأرض قال أبو بكر بن عياش الخط هو العيافة \r\n والثاني أو علم تأثرونه عن غيركم قاله مجاهد \r\n والثالث خاصة من علم قاله قتادة \r\n وقرأ أبي بن كعب وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والضحاك وابن يعمر أثرة بسكون الثاء من غير ألف بوزن نظرة ","part":7,"page":369},{"id":3388,"text":" وقال الفراء قرئت أثارة وأثره وهي لغات ومعنى الكل بقية من علم ويقال أو شيء مأثور من كتب الأولين فمن قرأ أثارة فهو المصدر مثل قولك السماحة والشجاعة ومن قرأ أثرة فإنه بناه على الأثر كما قيل قترة ومن قرأ أثرة فكأنه أراد مثل قوله الخطفة الصافات 10 والرجفة الأعراف 78 \r\n وقال اليزيدي الأثارة البقية والأثرة مصدر أثره يأثره أي يذكره ويرويه ومنه حديث مأثور \r\n ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم \r\n قوله تعالى من لا يستجيب له يعني الأصنام وهم عن دعائهم غافلون لأنها جماد لا تسمع فاذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء لعابديها في الدنيا ثم ذكر بما بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا وأن محمدا افتراه ","part":7,"page":370},{"id":3389,"text":" قوله تعالى فلا تملكون لي من الله شيئا أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذابه أي فكيف أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عني هو أعلم بما تفيضون فيه أي بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر كفى به شهيدا بيني وبينكم أن القرآن جاء من عند الله وهو الغفور الرحيم في تأخير العذاب عنكم وقال الزجاج إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ليعلمهم أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فان الله تعالى غفور له رحيم به \r\n قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين \r\n قوله تعالى قل ما كنت بدعا من الرسل اي ما أنا بأول رسول والبدع والبديع من كل شيء المبتدأ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وقرأ ابن يعمر وابن أبي عبلة ما يفعل بفتح الياء ثم فيه قولان ","part":7,"page":371},{"id":3390,"text":" أحدهما أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا ثم فيه قولان \r\n أحدهما أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا يا رسول الله متى تهاجر إلى الأرض التي رأيت فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فانزل الله تعالى وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يعني لا أدري اخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ثم قال إنما هو شيء رايته في منامي وما أبتع إلا ما يوحى إلي رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال عطية ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها \r\n والثاني ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلوا ولا أدري ما يفعل بكم أتعذبون أم تؤخرون أتصدقون أم تكذبون قاله الحسن \r\n والقول الثاني أنه أراد ما يكون في الآخرة روى ابن أبي طلحة عن ","part":7,"page":372},{"id":3391,"text":" ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية نزل بعدها ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح 2 وقال ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات الآية الفتح 5 فأعلم ما يفعل به وبالمؤمنين وقيل إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فنزل قوله ليغفر لك الله الآية الفتح 2 فقال الصحابة هنيئا لك يا رسول الله فماذا يفعل بنا فنزلت ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات الآية الفتح 5 وممن ذهب إلى هذا القول أنس وعكرمة وقتادة وروي عن الحسن ذلك \r\n قوله تعالى قل أرايتم إن كان من عند الله يعني القرآن وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل وفيه قولان \r\n أحدهما أنه عبد الله بن سلام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد \r\n والثاني أنه موسى بن عمران عليه السلام قاله الشعبي ومسروق \r\n فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة فيكون المعنى وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه أي على أنه من عند الله فآمن الشاهد وهو ابن سلام واستكبرتم يا معشر اليهود \r\n وعلى الثاني يكون المعنى وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن ","part":7,"page":373},{"id":3392,"text":" أنها من عند الله كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله فآمن من آمن بموسى والتوراة واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن \r\n فان قيل أين جواب إن قيل هو مضمر وفي تقديره ستة أقوال أحدها أن جوابه فمن أضل منكم قاله الحسن والثاني أن تقدير الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن أتؤمنون قاله الزجاج والثالث أن تقديره أتأمنون عقوبة الله قاله أبو علي الفارسي والرابع أن تقديره أفما تهلكون ذكره الماوردي والخامس من المحق منا ومنكم ومن المبطل ذكره الثعلبي والسادس أن تقديره أليس قد ظلمتم ويدل على هذا المحذوف قوله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ذكره الواحدي \r\n وقال الذي كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذي نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ","part":7,"page":374},{"id":3393,"text":" ونتجاوز عن سيآتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون \r\n قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا الآية في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها أن الكفار قالوا لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية قاله مسروق \r\n والثاني أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت وكان الأشراف من قريش يهزؤون بها ويقولون والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه فنزلت هذه الآية قاله أبو الزناد \r\n والثالث أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام فقالت قريش لو كان خيرا ما سبقونا إليه فنزلت هذه الآية قاله أبو المتوكل \r\n والرابع أنه لما اهتدت مزينة وجهينة وأسلمت قالت اسد وغطفان لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء يعنون مزينة وجهينة فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب \r\n والخامس أن اليهود قالوا لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه لأنه لا علم لكم بذلك ولو كان حقا لدخلنا فيه ذكره أبو سليمان الدمشقي وقال هو قول من يقول إن الآية نزلت بالمدينة ومن قال هي مكية قال هو قول المشركين فقد خرج في الذين كفروا قولان أحدهما أنهم المشركون والثاني اليهود \r\n وقوله لو كان خيرا أي لو كان دين محمد خيرا ما سبقونا إليه ","part":7,"page":375},{"id":3394,"text":" فمن قال هم المشركون قال أرادوا إنا أعز وأفضل ومن قال هم اليهود قال أرادوا لأنا أعلم \r\n قوله تعالى وإذا لم يهتدوا به أي بالقرآن فسيقولون هذا إفك قديم أي كذب متقدم يعنون أساطير الأولين \r\n ومن قبله كتاب موسى أي من قبل القرآن التوراة وفي الكلام محذوف تقديره فلم يهتدوا لأن المشركين لم يهتدوا بالتوارة إماما قال الزجاج هو منصوب على الحال ورحمة عطف عليه وهذا كتاب مصدق المعنى مصدق للتوراة لسانا عربيا منصوب على الحال المعنى مصدق لما بين يديه عربيا وذكر لسانا توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا تريد جاءني زيد صالحا \r\n قوله تعالى لينذر الذين ظلموا قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي لينذر بالياء وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب لتنذر بالتاء وعن ابن كثير كالقراءتين والذين ظلموا المشركين وبشرى أي وهو بشرى للمحسنين وهم الموحدون يبشرهم بالجنة \r\n وما بعد هذا قد تقدم تفسيره فصلت 30 إلى قوله بوالديه حسنا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي إحسانا بألف \r\n حملته أمه كرها قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو كرها بفتح الكاف وقرأ الباقون بضمها قال الفراء والنحويون يستحبون الضم هاهنا ويكرهون الفتح للعلة التي بيناها عند قوله وهو كره لكم البقرة 216 قال الزجاج والمعنى حملته على مشقة ووضعته على مشقة ","part":7,"page":376},{"id":3395,"text":" وفصاله أي فطامه وقرأ يعقوب وفصله بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف ثلاثون شهرا قال ابن عباس ووضعته كرها يريد به شدة الطلق واعلم أن هذه المدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع فأما الأشد ففيه أقوال قد تقدمت واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شأنه وتمييزه وقال ابن قتيبة أشد الرجل غير أشد اليتيم لأن أشد الرجل الاكتهال والحنكة وأن يشتد رأيه وعقله وذلك ثلاثون سنة ويقال ثمان وثلاثون سنة وأشد الغلام أن يشتد خلقه ويتناهى نباته وقد ذكرنا بيان الأشد في الانعام 153 وفي يوسف 22 وهذا تحقيقه واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه و سلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين فقال له من الرجل الذي في ظل السدرة فقال ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ","part":7,"page":377},{"id":3396,"text":" فقال هذا والله نبي وما استظل تحتها أحد بعد عيسى إلا محمد نبي الله فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق فكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه و سلم في أسفاره وحضره فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الأكثرون قالوا فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة دعا الله عز و جل بما ذكره في هذه الأية فاجابه الله فأسلم والداه و أولاده ذكورهم وإناثهم ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة \r\n والقول الثاني أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد شرحنا قصته في سورة العنكبوت 8 وهذا مذهب الضحاك والسدي \r\n والثالث أنها نزلت على العموم قاله الحسن وقد شرحنا في سورة النمل 19 معنى قوله أوزعني \r\n قوله تعالى وأن أعمل صالحا ترضاه قال ابن عباس أجابه الله يعني أبا بكر فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يعذبون في الله عز و جل ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه واستجاب له في ذريته فآمنوا إني تبت إليك أي رجعت إلى كل ما تحب ","part":7,"page":378},{"id":3397,"text":" قوله تعالى أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يتقبل ويتجاوز بالياء المضمومة فيهما وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف نتقبل ونتجاوز بالنون فيهما وقرأ أبو المتوكل وأبو رجاء وأبو عمران الجوني يتقبل ويتجاوز بياء مفتوحة فيهما يعني أهل هذا القول والأحسن بمعنى الحسن \r\n في أصحاب الجنة أي في جملة من يتجاوز عنهم وهم أصحاب الجنة وقيل في بمعنى مع \r\n وعد الصدق قال الزجاج هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله أولئك الذين نتقبل عنهم بمعنى الوعد لأنه وعدهم القبول بقوله وعد الصدق يؤكد ذلك قوله الذين كانوا يوعدون أي على ألسنة الرسل في الدنيا \r\n والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ","part":7,"page":379},{"id":3398,"text":" والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون \r\n قوله تعالى والذي قال لوالديه أف لكما قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أف لكما بالخفض من غير تنوين وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الفاء وقرأ نافع وحفص عن عاصم أف بالخفض والتنوين وقرأ ابن يعمر أف بتشديد الفاء مرفوعة منونة وقرأ حميد والجحدري أفا بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين وقرأ عمرو بن دينار أف بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين وقرأ أبو المتوكل وعكرمة وأبو رجاء أف لكما باسكان الفاء خفيفة وقرأ أبو العالية وأبو عمران أفي بتشديد الفاء والياء ساكنة ممالة وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى وعلى هذا جمهور المفسرين وقد روي عن عائشة أنها كانت تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن وتحلف على ذلك وتقول لوشئت لسميت الذي نزلت فيه قال الزجاج وقول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن باطل بقوله أولئك الذين حق عليهم القول فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون وعبد الرحمن مؤمن والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاق وروي عن مجاهد أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر وعن ","part":7,"page":380},{"id":3399,"text":" الحسن أنها نزلت في جماعة من كفار قريش قالوا ذلك لآبائهم \r\n قوله تعالى وقد خلت القرون من قبلي فيه قولان أحدهما مضت القرون فلم يرجع منهم أحد قاله مقاتل والثاني مضت القرون مكذبة بهذا قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى وهما يستغيثان الله أي يدعوان الله له بالهدى ويقولان له ويلك آمن أي صدق بالبعث فيقول ما هذا الذي تقولان إلا أساطير الأولين وقد سبق شرحها الأنعام25 القول أي وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار في أمم أي مع أمم فذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز و جل ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم يطع ربه ولا والديه إنهم كانوا خاسرين وقرأ ابن السميفع وأبو عمران أنهم بفتح الهمزة \r\n ثم قال ولكل درجات مما عملوا أي منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إيمان وكفر فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة وأهل النار في ","part":7,"page":381},{"id":3400,"text":" العذاب وليوفيهم أعمالهم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وليوفيهم بالياء وقرأ الباقون بالنون أي جزاء أعمالهم \r\n قوله تعالى ويوم يعرض المعنى واذكر لهم يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم أي ويقال لهم أذهبتم قرأ ابن كثير آذهبتم بهمزة مطولة وقرأ ابن عامر أأذهبتم بهمزتين وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي أذهبتم على الخبر وهو توبيخ لهم قال الفراء والزجاج العرب توبخ بالألف وبغير الأف فتقول أذهبت وفعلت كذا وذهبت ففعلت قال المفسرون والمراد بطيباتهم ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها ولما وبخهم الله بذلك آثر النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا فقال يا رسول الله أنت نبي الله وصفوته وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير فقال صلى الله عليه و سلم يا عمر إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع وإنا أخرت لنا طيباتنا وروى جابر بن عبد الله قال رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال ما هذا ياجابر فقلت اشتهيت لحما فاشتريته فقال أو كلما اشتهيت ","part":7,"page":382},{"id":3401,"text":" اشتريت يا جابر أما تخاف هذة الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وروي عن عمر أنه قيل له لو أمرت أن نصنع لك طعاما ألين من هذا فقال إني سمعت الله عير أقواما فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا \r\n قوله تعالى تستكبرون في الأرض أي تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به \r\n واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين \r\n قوله تعالى واذكر أخا عاد يعني هودا إذ أنذر قومه بالأحقاف قال الخليل الأحقاف الرمال العظام وقال ابن قتيبة واحد الأحقاف حقف وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى وقال ابن جرير هو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا \r\n واختلفوا في المكان الذي سمي بهذا الاسم على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه جبل بالشام قاله ابن عباس والضحاك ","part":7,"page":383},{"id":3402,"text":" والثاني أنه واد ذكره عطية وقال مجاهد هي أرض وحكى ابن جرير أنه واد بين عمان ومهرة وقال ابن إسحاق كانوا ينزلون ما بين عمان وحضرموت واليمن كله \r\n والثالث أن الأحقاف رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها الشحر قاله قتادة \r\n قوله تعالى وقد خلت النذر أي قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده بانذار أممها ألا تعبدوا إلا الله والمعنى لم يبعث رسول قبل هود ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه ثم عاد إلى كلام هود فقال إني أخاف عليكم \r\n قوله تعالى لتأفكنا أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك \r\n قوله تعالى إنما العلم عند الله أي هو يعلم متى يأتيكم العذاب \r\n فلما رأوه يعني ما يوعدون في قوله بما تعدنا عارضنا أي سحاب يعرض من ناحية السماء قال ابن قتيبة العارض السحاب قال المفسرون كان المطر قد حبس عن عاد فساق الله إليهم سحابة سوداء فلما رأوها فرحوا و قالوا هذا عارض ممطرنا فقال لهم هود بل هو ما استعجلتم به ثم بين ما هو فقال ريح فيها عذاب أليم فنشأت الريح من تلك السحابة تدمر كل شيء أي تهلك كل شيء مرت به من الناس والدواب والأموال قال عمرو بن ميمون لقد كانت الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة فأصبحوا يعني عادا لا يرى إلا مساكنهم ","part":7,"page":384},{"id":3403,"text":" قرأ عاصم وحمزة لا يرى برفع الياء إلا مساكنهم بدفع النون وقرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والجحدري لا ترى بتاء مضمومة وقرأ أبو عمران وابن السميفع لا ترى بتاء مفتوحة إلا مسكنهم على التوحيد وهذا لأن السكان هلكوا فقيل أصبحوا وقد غطتهم الريح بالرمل فلا يرون \r\n ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ولقد اهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون \r\n ثم خوف كفار مكة فقال عز و جل ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه في إن قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى لم فتقديره فيما لم نمكنكم فيه قاله ابن عباس وابن قتيبة وقال الفراء هي بمنزلة ما في الجحد فتقدير الكلام في الذي لم نمكنكم في \r\n ه والثاني أنها زائدة والمعنى فيما مكناكم فيه وحكاه ابن قتيبة أيضا ","part":7,"page":385},{"id":3404,"text":" ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم فلم يتدبروا بها ولم يتفكروا فيما يدلهم على التوحيد قال المفسرون والمراد بالأفئدة القلوب وهذه الآلات لم ترد عنهم عذاب الله \r\n ثم زاد كفار مكة في التخويف فقال ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى كديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة وصرفنا الآيات أي بيناها لعلهم يعني أهل القرى يرجعون عن كفرهم وهاهنا محذوف تقديره فما رجعوا عن كفرهم \r\n فلولا أي فهلا نصرهم أي منعهم من عذاب الله الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة يعني الأصنام التي تقربوا بعبادتها إلى الله على زعمهم وهذا استفهام إنكار معناه لم ينصروهم بل ضلوا عنهم أي لم ينفعوهم عند نزول العذاب وذلك يعني دعاءهم الآلهة إفكهم أي كذبهم وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن يعمر وأبو عمران وذلك أفكهم بفتح الهمزة وقصرها وفتح الفاء وتشديدها ونصب الكاف وقرأ أبي بن كعب وابن عباس وأبو رزين والشعبي وأبو العالية والجحدري أفكهم بفتح الهمزة وقصرها ونصب الكاف والفاء وتخفيفها قال ابن جرير أي أضلهم وقال الزجاج معناها صرفهم عن الحق فجعلهم ضلالا وقرأ ابن مسعود ","part":7,"page":386},{"id":3405,"text":" وأبو المتوكل آفكهم بفتح الهمزة ومدها وكسر الفاء وتخفيفها ورفع الكاف أي مضلهم \r\n وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين \r\n قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن وبخ الله عز و جل بهذه الآية كفار قريش بما آمنت به الجن وفي سبب صرفهم إلى النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم صرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس قال انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه و سلم وهو ب نخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا ","part":7,"page":387},{"id":3406,"text":" القرآن تسمعوا له فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد الجن 1 2 فأنزل الله على نبيه قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن الجن1 وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم على الجن ولا رآهم وإنما أتوه وهو ب نخلة فسمعوا القرآن \r\n والثاني أنهم صرفوا إليه لينذرهم وأمر أن يقرأ عليهم القرآن هذا مذهب جماعة منهم قتادة وفي أفراد مسلم من حديث علقمة قال قلت لعبد الله من كان منكم مع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة الجن فقال ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة فقلنا اغتيل رسول الله صلى الله عليه و سلم أو استطير فانطلقنا نطلبه في الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء فقلنا يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك وقلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك فقال إنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني فاطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا فأتبعه عبد الله بن مسعود فدخل نبي الله صلى الله عليه و سلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط على عبد الله خطا ليثبته به قال فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه و سلم فلما رجع قلت يا نبي الله ما اللغط ","part":7,"page":388},{"id":3407,"text":" الذي سمعت قال اجتمعوا إلى في قتيل كان بينهم فقضيت بينهم بالحق \r\n والثالث أنهم مروا به وهو يقرأ فسمعوا القرآن فذكر بعض المفسرين أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام وقيل ليلتمس نصرهم وذلك بعد موت أبي طالب فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر فمر به نفر من أشراف جن نصيبين فاستمعوا القرآن فعلى هذا القول والقول الأول لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى وعلى القول الثاني علم بهم حين جاءوا وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه و سلم قولان أحدهما الحجون وقد ذكرناه عن ابن مسعود وبه قال قتادة والثاني بطن نخلة وقد ذكرناه عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n وأما النفر فقال ابن قتيبة يقال إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا سبعة قاله ابن مسعود وزر بن حبيش ومجاهد ورواه عكرمة عن ابن عباس ","part":7,"page":389},{"id":3408,"text":" والثاني تسعة رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث اثني عشر ألفا روي عن عكرمة ولا يصح لأن النفر لا يطلق على الكثير \r\n قوله تعالى فلما حضروه أي حضروا استماعه و قضي يعني فرغ من تلاوته ولوا إلى قومهم منذرين أي محذرين عذاب الله عز و جل إن لم يؤمنوا \r\n وهل أنذروا قومهم من قبل أنفسهم أم جعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم فيه قولان \r\n قال عطاء كان دين أولئك الجن اليهودية فلذلك قالوا من بعد موسى \r\n قوله تعالى أجيبوا داعي الله يعنون محمدا صلى الله عليه و سلم وهذا يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس \r\n قوله تعالى يغفر لكم من ذنوبكم من هاهنا صلة ","part":7,"page":390},{"id":3409,"text":" قوله تعالى فليس بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله تعالى وليس له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى أولئك الذين لا يجيبون الرسل في ضلال مبين أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون \r\n ثم احتج على إحياء الموتى بقوله أولم يروا إلى آخر الآية والرؤية هاهنا بمعنى العلم \r\n ولم يعي أي لم يعجز عن ذلك يقال عي فلان بأمره إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه قال الزجاج يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه وأعييت إذا تعبت ","part":7,"page":391},{"id":3410,"text":" قوله تعالى بقادر قال أبو عبيدة والأخفش الباء زائدة مؤكدة وقال الفراء العرب تدخل الباء مع الجحد مثل قولك ما أظنك بقائم وهذ قول الكسائي والزجاج وقرأ يعقوب يقدر بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف وما بعد هذا ظاهر إلى قوله كما صبر أولوا العزم أي ذوو الحزم والصبر وفيهم عشرة أقوال \r\n أحدها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه و سلم رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وابن السائب \r\n والثاني نوح وهود وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم قاله أبو العالية الرياحي \r\n والثالث أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء قاله الحسن \r\n والرابع أنهم العرب من الأنبياء قاله مجاهد والشعبي \r\n والخامس أنهم إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي \r\n والسادس أن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم آدم ولا يونس ولا سليمان قاله ابن جريج \r\n والسابع أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال قاله ابن السائب وحكي عن السدي \r\n والثامن أنهم جميع الرسل فان الله لم يبعث رسولا إلا كان من أولي العزم قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال من دخلت للتجنيس لا للتبعيض كما تقول قد رأيت الثياب من الخز والجباب من القز ","part":7,"page":392},{"id":3411,"text":" والتاسع أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام 83 86 قاله الحسين بن الفضل \r\n والعاشر أنهم جميع الأنبياء إلا يونس حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى ولا تستعجل لهم يعني العذاب قال بعض المفسرين كان النبي صلى الله عليه و سلم ضجر بعض الضجر وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر \r\n قوله تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون أي من العذاب لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا وقيل لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة وهاهنا تم الكلام ثم قال بلاغ أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليكم \r\n وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان \r\n أحدهما أن البلاغ بمعنى التبليغ \r\n والثاني أن معناه الكفاية فيكون المعنى ما أخبرناهم به لهم فيه كفاية وغنى \r\n وذكر ابن جرير وجها آخر وهو أن المعنى لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ أي ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم ثم حذفت ذلك لبث اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها ","part":7,"page":393},{"id":3412,"text":" وقرأ أبو العالية وأبو عمران بلغ بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين من غير ألف \r\n قوله تعالى فهل يهلك وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل وابن محيصن يهلك بفتح الياء وكسر اللام أي عند رؤية العذاب إلا القوم الفاسقون الخارجون عن أمر الله عز و جل ","part":7,"page":394},{"id":3413,"text":" سورة محمد صلى الله عليه و سلم \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مدنية قاله الأكثرون منهم مجاهد ومقاتل وحكي عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية إلا آية منها نزلت عليه بعد حجة حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت وهي قوله وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك محمد 13 \r\n والثاني أنها مكية قاله الضحاك والسدي بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيآتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتمهوهم ","part":7,"page":395},{"id":3414,"text":" فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منه ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم \r\n قوله تعالى الذين كفروا أي بتوحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان به وهم مشركو قريش أضل أعمالهم أي أبطلها ولم يجعل لها ثوابا فكأنها لم تكن وقد كانوا يطعمون الطعام ويصلون الأرحام ويتصدقون ويفعلون ما يعتقدونه قربة \r\n والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n وأمنوا بما نزل على محمد وقرأ ابن مسعود نزل بفتح النون والزاي وتشديدها وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ أنزل بهمزة مضمومة مكسورة الزاي وقرأ أبو رزين وأبو الجوزاء وأبو عمران نزل بفتح النون والزاي وتخفيفها كفر عنهم سيئاتهم أي غفرها لهم وأصلح بالهم أي حالهم قاله قتادة والمبرد \r\n قوله تعالى ذلك قال الزجاج معناه الأمر ذلك وجائز أن يكون ذلك الإضلال لاتباعهم الباطل وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق كذلك يضرب الله للناس أمثالهم أي كذلك يبين أمثلا حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان \r\n قوله تعالى فضرب الرقاب إغراء والمعنى فاقتلوهم لان الأغلب في موضع القتل ضرب العنق حتى إذا أثخنتموهم أي أكثرتم فيهم ","part":7,"page":396},{"id":3415,"text":" القتل فشدوا الوثاق يعني في الأسر وإنما يكون الأسر بعد المبالغة في القتل والوثاق اسم من الإيثاق تقول أوثقته إيثاقا ووثاقا إذا شددت أسره لئلا يفلت فإما منا بعد قال أبو عبيدة إما أن تمنوا وإما أن تفادوا ومثله سقيا ورعيا وإنما هو سقيت ورعيت وقال الزجاج إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم منا وإما أطلقتموهم بفداء \r\n فصل وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء باق لم ينسخ ابن عمر ومجاهد والحسن وابن سيرين وأحمد والشافعي وذهب قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وممن ذهب إلى هذا ابن جريج والسدي وأبو حنيفة وقد أشرنا إلى القولين في براءة 5 \r\n قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها قال ابن عباس حتى لا يبقى أحد من المشركين وقال مجاهد حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام وقال سعيد بن جبير حتى يخرج المسيح وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما حتى يضع أهل الحرب سلاحهم قال الأعشى ... وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا ","part":7,"page":397},{"id":3416,"text":" وأصل الوزر ما حملته فسمي السلاح أوزارا لأنه يحمل هذا قول ابن قتيبة \r\n والثاني حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ولا يعبدوا إلا الله ذكره الواحدي \r\n قوله تعالى ذلك أي الأمر ذلك الذي ذكرنا ولو يشاء الله لانتصر منهم باهلاكهم أوتغذيتهم بما شاء ولكن أمركم بالحرب ليبلو بعضكم ببعض فيثيب المؤمن ويكرمه بالشهادة ويخزي الكافر بالقتل والعذاب \r\n قوله تعالى والذين قتلوا قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم قتلوا بضم القاف وكسر التاء والباقون قاتلوا بألف \r\n قوله تعالى سيهديهم فيه أربعة أقوال أحدها يهديهم إلى أرشد الأمور قاله ابن عباس والثاني يحقق لهم الهداية قاله الحسن والثالث إلى محاجة منكر ونكير والرابع إلى طريق الجنة حكاهما الماوردي \r\n وفي قوله عرفها لهم قولان \r\n أحدهما عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها هذا قول الجمهور منهم مجاهد وقتادة واختاره الفراء وأبو عبيدة \r\n والثاني طيبها لهم رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن قتيبة وهو قول أصحاب اللغة يقال طعام معرف أي مطيب \r\n وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن عرفها لهم بتخفيف الراء ","part":7,"page":398},{"id":3417,"text":" يا ايها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم \r\n قوله تعالى إن تنصروا الله أي تنصروا دينه ورسوله ينصركم على عدوكم ويثبت أقدامكم عند القتال وروى المفضل عن عاصم ويثبت بالتخفيف والذين كفروا فتعسا لهم قال الفراء المعنى فأتعسهم الله والدعاء قد يجري مجرى الأمر والنهي قال ابن قتيبة هو من قولك تعست ","part":7,"page":399},{"id":3418,"text":" أي عثرت وسقطت وقال الزجاج التعس في اللغة الانحطاط والعثور وما بعد هذا قد سبق بيانه الكهف 105 يوسف 109 إلى قوله دمر الله عليهم أي أهلكم الله وللكافرين أمثالها أي أمثال تلك العاقبة \r\n ذلك الذي فعله بالمؤمنين من النصر وبالكافرين من الدمار بأن الله مولى الذين آمنوا أي وليهم \r\n وما بعد هذا ظاهر إلى قوله ويأكلون كما تأكل الأنعام أي إن الأنعام تأكل وتشرب ولا تدري ما في غد فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة والمثوى المنزل \r\n وكأين مشروح في آل عمران 146 والمراد بقريته مكة وأضاف القوة والإخراج إليها والمراد أهلها ولذلك قال أهلكناهم \r\n قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه فيه قولان أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله بو العالية والثاني أنه المؤمن قاله الحسن \r\n وفي البينة قولان أحدهما القرآن قاله ابن زيد والثاني الدين قاله ابن السائب \r\n كمن زين له سوء عمله يعني عبادة الأوثان وهو الكافر واتبعوا أهواءهم بعبادتها ","part":7,"page":400},{"id":3419,"text":" مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع امعاؤهم \r\n مثل الجنة التي وعد المتقون أي صفتها وقد شرحناه في الرعد 35 والمتقون عند المفسرين الذين يتقون الشرك والآسن المتغير الريح قاله أبو عبيدة والزجاج وقال ابن قتيبة هو المتغير الريح والطعم والآجن نحوه وقرأ ابن كثير غير أسن بغير مد وقد شرحنا قوله لذة للشاربين في الصافات 46 \r\n قوله تعالى من عسل مصفى أي من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا \r\n قوله تعالى كمن هو خالد في النار قال الفراء أراد من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار \r\n قوله تعالى ماء حميما أي حارا شديد الحرارة والأمعاء جميع ما في ","part":7,"page":401},{"id":3420,"text":" البطن من الحوايا ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتهم تقواهم فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم \r\n قوله تعالى ومنهم من يستمع إليك يعني المنافقين وفيما يستمعون قولان أحدهما أنه سماع خطبة رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة والثاني سماع قوله على عموم الأوقات فاما الذين أوتوا العلم فالمراد بهم علماء الصحابة \r\n قوله تعالى ماذا قال آنفا قال الزجاج أي ماذا قال الساعة وهو من قولك استأنفت الشيء إذا ابتدأته وروضة أنف لمن ترع أي لها أول يرعى فالمعنى ماذا قال في أول وقت يقرب منا وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال معنى آنفا مذ ساعة وقرأ ابن كثير في بعض الروايات عنه أنفا بالقصر وهذه قراءة عكرمة وحميد وابن محيصن قال أبو علي يجوز أن يكون ابن كثير توهم مثل حاذر وحذر وفاكه وفكه وفي استفهامهم قولان أحدهما لأنهم لم يعقلوا ما يقول ويدل عليه باقي الآية والثاني أنهم قالوه استهزاء \r\n قوله تعالى والذين اهتدوا فيهم قولان أحدهما أنهم المسلمون ","part":7,"page":402},{"id":3421,"text":" قاله الجمهور والثاني قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه و سلم فلما بعث محمد صلى الله عليه و سلم آمنوا به قاله عكرمة \r\n وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال أحدها أنه الله عز و جل والثاني قول الرسول والثالث استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى ذكرهن الزجاج وفي معنى الهدى قولان أحدهما أنه العلم والثاني البصيرة \r\n وفي قوله وآتاهم تقواهم ثلاثة أقوال أحدها ثواب تقواهم في الآخرة قاله السدي والثاني اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ قاله عطية والثالث أعطاهم التقوى مع الهدى فاتقوا معصيته خوفا من عقوبته قاله أبو سليمان الدمشقي و \r\n ينظرون بمعنى ينتظرون أن تأتيهم وقرأ أبي بن كعب وأبو الأشهب وحميد إن تأتهم بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء والأشراط العلامات قال أبو عبيدة الأشراط الأعلام وإنما سمي الشرط فيما ترى لأنهم أعلموا أنفسهم قال المفسرون ظهور النبي صلى الله عليه و سلم من أشراط الساعة وانشقاق القمر والدخان وغير ذلك ","part":7,"page":403},{"id":3422,"text":" فأنى لهم أي فمن أين لهم إذا جاءتهم الساعة ذكراهم قال قتادة أنى لهم أن يذكروا ويتوبوا إذا جاءت \r\n فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فاذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فاذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم \r\n قوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله قال بعضهم اثبت على علمك وقال قوم المراد بهذا الخطاب غيره وقد شرحنا هذا في فاتحة الأحزاب وقيل إنه كان يضيق صدره بما يقولون فقيل له اعلم انه لا كاشف لما بك إلا الله فأما قوله واستغفر لذنبك فانه كان يستغفر في اليوم مائة مرة وأمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب ","part":7,"page":404},{"id":3423,"text":" والله يعلم متقلبكم ومثواكم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة وهو معنى قول ابن عباس \r\n والثاني متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ومقامكم في القبور قاله عكرمة \r\n والثالث متقلبكم بالنهار ومثواكم أي مأواكم بالليل قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة قال المفسرون سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد فقالوا لولا أي هلا وكان أبو مالك الأشجعي يقول لا هاهنا صلة فالمعنى لو أنزلت سورة شوقا منهم إلى الزيادة في العلم ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض \r\n وفي معنى محكمة ثلاثة أقوال أحدها أنها التي يذكر فيها القتال قاله قتادة والثاني أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام والثالث التي لا منسوخ فيها حكاهما أبو سليمان الدمشقي \r\n ومعنى قوله وذكر فيها القتال أي فرض فيها الجهاد \r\n وفي المراد بالمرض قولان أحدهما النفاق قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور والثاني الشك قاله مقاتل ","part":7,"page":405},{"id":3424,"text":" قوله تعالى ينظرون إليك اي يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت لأنهم يكرهون القتال ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم \r\n فأولى لهم قال الأصمعي معنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره وقال ابن قتيبة هذا وعيد وتهديد تقول للرجل إذا أردت به سوءا ففاتك أولى لك ثم ابتدأ فقال طاعة وقول معروف وقال سيبويه والخليل المعنى طاعة وقول معروف أمثل وقال الفراء الطاعة معروفة في كلام العرب إذا قيل لهم افعلوا كذلك قالوا سمع وطاعة فوصف الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون سمع وطاعة فاذا نزل الأمر كرهوا وأخبروني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قال الله تعالى فأولى ثم قال لهم أي للذين آمنوا منهم طاعة فصارت أولى وعيدا لمن كرهها واستأنف الطاعة ب لهم والأول عندنا كلام العرب وهذا غير مردود يعني حديث أبي صالح وذكر بعض المفسرين أن الكلام متصل بما قبله والمعنى فأولى لهم أن يطيعوا وأن يقولوا معروفا بالإجابة \r\n قوله تعالى فاذا عزم الأمر قال الحسن جد الأمر وقال غيره جد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه في الجهاد ولزم فرض القتال وصار الأمر معروفا عليه وجواب إذا محذوف تقديره فاذا عزم الأمر نكلوا يدل على المحذوف فلو صدقوا الله أي في إيمانهم وجهادهم لكان خيرا لهم من المعصية والكراهة ","part":7,"page":406},{"id":3425,"text":" فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبراهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم \r\n قوله تعالى فهل عسيتم إن توليتم في المخاطب بهذا أربعة أقوال أحدها المنافقون وهو الظاهر والثاني منافقو اليهود قاله مقاتل والثالث الخوارج قاله بكر بن عبد الله المزني والرابع قريش حكاه جماعة منهم الماوردي \r\n وفي قوله توليتم قولان \r\n أحدهما أنه بمعنى الإعراض فالمعنى إن أعرضتم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض بأن تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا ويغير بعضكم على بعض ذكره جماعة من المفسرين \r\n والثاني أنه من الولاية لأمور الناس قاله القرظي فعلى هذا يكون معنى ان تفسدوا في الأرض بالجور والظلم \r\n وقرأ يعقوب وتقطعوا بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف ثم ذم من يريد ذلك بالآية التي بعد هذه ","part":7,"page":407},{"id":3426,"text":" وما بعد هذا قد سبق النساء 82 إلى قوله أم على قلوب أقفالها أم بمعنى بل وذكر الأقفال استعارة والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى قال مجاهد الران أيسر من الطبع والطبع أيسر من الإقفالوالاقفال أشد ذلك كله وقال خالد بن معدان مامن آدمي إلا وله أربع أعين عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله من الغيب فاذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه وإذا أراد به غير ذلك طمس عليهما فذلك قوله أم على قلوب أقفالها قوله تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي رجعوا كفارا وفيهم قولان أحدهما أنهم المنافقون قاله ابن عباس والسدي وابن زيد والثاني أنهم اليهود قاله قتادة ومقاتل من بعد ما تبين لهم الهدى أي من بعد ما وضح لهم الحق ومن قال هم اليهود قال من بعد أن ","part":7,"page":408},{"id":3427,"text":" تبين لهم وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم ونعته في كتابهم و سول بمعنى زين وأملى لهم قرأ أبو عمرو وزيد عن يعقوب وأملي لهم بضم الهمزة وكسر اللام وبعدها ياء مفتوحة وقرا يعقوب إلا زيدا وأبان عن عاصم كذلك إلا أنهما أسكنا الياء وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام وقد سبق معنى الإملاء آل عمران 178 الأعراف 183 \r\n قوله تعالى ذلك قال الزجاج المعنى الأمر ذلك أي ذلك الإضلال بقولهم للذين كرهوا ما نزل الله وفي الكارهين قولان \r\n أحدهما أنهم المنافقون فعلى هذا في معنى قوله سنطيعكم في بعض الأمر ثلاثة أقوال أحدها في القعود عن نصرة محمد صلى الله عليه و سلم قاله السدي والثاني في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه و سلم والثالث في الارتداد بعد الإيمان حكاهما الماوردي \r\n والثاني أنهم اليهود فعلى هذا في الذي أطاعوهم فيه قولان أحدهما في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله الضحاك والثاني في كتم ما علموه من نبوته قاله ابن جريج \r\n والله يعلم إسرارهم قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم والوليد عن يعقوب بكسر الألف على أنه مصدر أسررت وقرأ الباقون بفتحها على أنه جمع سر والمعنى أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين من السر ","part":7,"page":409},{"id":3428,"text":" قوله تعالى فكيف إذا توفتهم الملائكة أي فكيف يكون حالهم حينئذ وقد بينا في الأنفال 50 معنى قوله يضربون وجوهم وأدبارهم \r\n قوله تعالى وكرهوا رضوانه أي كرهوا ما فيه الرضوان وهو الإيمان والطاعة \r\n أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم \r\n قوله تعالى أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي نفاق أن لن يخرج الله أضغانهم قال الفراء أي لن يبدي الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه و سلم وقال الزجاج أي لن يبدي عداوتهم لرسوله صلى الله عليه و سلم ويظهره على نفاقهم ","part":7,"page":410},{"id":3429,"text":" ولو نشاء لأريناكهم أي لعرفنا كهم تقول قد أريتك هذا الأمر أي قد عرفتك إياه المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السماء فلعرفتهم بسيماهم أي بتلك العلامة ولتعرفنهم في لحن القول أي في فحوى القول فدل بهذا على أن قول القائل وفعله يدل على نيته وقول الناس قد لحن فلان تأويله قد أخذ في ناحية عن الصواب وعدل عن الصواب إليها وقول الشاعر ... منطق صائب وتلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كان لحنا ... \r\n تأويله خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد إنما يعرف قولها في أنحاء قولها قال المفسرون ولتعرفنهم في فحوى الكلام ومعناه ومقصده فإنهم يتعرضون بتهجين أمرك والاستهزاء بالمسلمين قال ابن جرير ثم عرفه الله إياهم \r\n قوله تعالى ولنبلونكم أي ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم العلم الذي هو علم وجود وبه يقع الجزاء وقد شرحنا هذا في العنكبوت 3 \r\n قوله تعالى ونبلو أخباركم أي نظهرها ونكشفها باباء من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد وقرأ أبو بكر عن عاصم وليبلونكم بالياء حتى يعلم بالياء ويبلو بالياء فيهن وقرأ معاذ القارئ ","part":7,"page":411},{"id":3430,"text":" وأيوب السختياني أخياركم بالياء جمع خير \r\n قوله تعالى إن الذين كفروا الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أنها في المطعمين يوم بدر قاله ابن عباس والثاني أنها نزلت في الحارث بن سويد ووحوح الأنصاري أسلما ثم ارتدا فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبى صاحبه أن يرجع حتى مات قاله السدي \r\n والثالث أنها في اليهود قاله مقاتل \r\n والرابع أنها في قريظة والنضير ذكره الواحدي \r\n قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال أحدها المعاصي والكبائر قاله الحسن والثاني الشك والنفاق قاله عطاء والثاث الرياء والسمعة قاله ابن السائب والرابع بالمن وذلك ","part":7,"page":412},{"id":3431,"text":" أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا أتيناك طائعين فلنا عليك حق فنزلت هذه الآية ونزل قوله يمنون عليك أن أسلموا الحجرات 17 هذا قول مقاتل قال القاضي أبو يعلى وهذا يدل على أن كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها وهذا على ظاهره في الحج فأما في الصلاة والصيام فهو على سبيل الاستحباب \r\n فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم إنما الحياةالدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم \r\n قوله تعالى فلا تهنوا أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى السلم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم إلى السلم بفتح السين وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر السين والمعنى لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءا وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين و دلالة على أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يدخل مكة صلحا لأنه نهاه عن الصلح ","part":7,"page":413},{"id":3432,"text":" قوله تعالى وأنتم الأعلون أي أنتم أعز منهم والحجة لكم وآخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات والله معكم بالعون والنصرة ولن يتركم قال ابن قتيبة أي لن ينقصكم ولن يظلمكم يقال وترتني حقي أي بخستنيه قال المفسرون المعنى لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا \r\n قوله تعالى ولا يسألكم أموالكم أي لن يسألكموها كلها \r\n قوله تعالى فيحفكم قال الفراء يجهدكم وقال ابن قتيبة يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم تبخلوا يقال أحفاني بالمسألة وألحف إذا ألح وقال السدي إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا \r\n ويخرج أضغانكم وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن يعمر ويخرج بياء مرفوعه وفتح الراء أضغانكم بالرفع وقرأ أبي بن كعب وأبو رزين وعكرمة وابن السميفع وابن محيصن والجحدري وتخرج بتاء مفتوحة ورفع الراء أضغانكم بالرفع وقرأ ابن مسعود والوليد عن ","part":7,"page":414},{"id":3433,"text":" يعقوب ونخرج بنون مرفوعة وكسر الراء أضغانكم بنصب النون أي يظهر بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم ولكنه فرض عليكم يسيرا \r\n وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان \r\n أحدهما إلى الله عز و جل والثاني البخل حكاهما الفراء وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة وليس بصحيح لأنا قد بينا أن معنى الآية إن يسألكم جميع أموالكم والزكاة لا تنافي ذلك \r\n قوله تعالى ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله يعني ما فرض عليكم في أمولكم فمنكم من يبخل بما فرض عليه من الزكاة ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه أي على نفسه بما ينفعها في الآخرة والله الغني عنكم وعن أموالكم وأنتم الفقراء إليه إلى ما عنده من الخير والرحمة وإن تتولوا عن طاعته يستبدل قوما غيركم أطوع له منكم ثم لا يكونوا أمثالكم بل خيرا منكم وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال \r\n احدها أنهم العجم قاله الحسن وفيه حديث يرويه ابو هريرة قال لما نزلت وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا فضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على منكب سلمان فقال هذا وقومه والذي نفسي بيده لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس والثاني فارس والروم قاله ","part":7,"page":415},{"id":3434,"text":" عكرمة والثالث من يشاء من جميع الناس قاله مجاهد والرابع يأتي بخلق جديد غيركم وهو معنى قول قتادة والخامس كندة والنخع قاله ابن السائب والسادس أهل اليمن قاله راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير وشريح ابن عبيد والسابع الأنصار قاله مقاتل والثامن أنهم الملائكة حكاه الزجاج وقال فيه بعد لأنه لا يقال للملائكة قوم إنما يقال ذلك ","part":7,"page":416},{"id":3435,"text":" للآدميين قال وقد قيل إن تولى أهل مكة استبدل الله بهم أهل المدينة وهذا معنى ما ذكرنا عن مقاتل ","part":7,"page":417},{"id":3436,"text":" سورة الفتح وهي مدنية كلها باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا \r\n قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا الآية سبب نزولها أنه لما نزل قوله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم الأحقاف 9 قال اليهود كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس \r\n وفي المراد بالفتح أربعة أقوال \r\n أحدها أنه كان يوم الحديبية قاله الأكثرون قال البراء بن عازب نحن نعد الفتح بيعة الرضوان وقال الشعبي هو فتح الحديبية غفر له ","part":7,"page":418},{"id":3437,"text":" ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس قال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام قال مجاهد يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر الهدي ","part":7,"page":419},{"id":3438,"text":" بالحديبية وحلق رأسه وقال ابن قتيبة إنا فتحنا لك فتحا مبينا أي قضينا لك قضاء عظيما ويقال للقاضي الفتاح قال الفراء والفتح قد يكون صلحا ويكون أخذ الشيء عنوة ويكون بالقتال وقال غيره معنى الفتح في اللغة فتح المنغلق والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى \r\n الإشارة إلى قصة الحديبية \r\n روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى في النوم كأن قائلا يقول له لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين فأصبح فحدث الناس برؤياه وأمرهم بالخروج للعمرة فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة وذلك في سنة ست ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب وساق هو وأصحابه البدن فصلى الظهر ب ذي الحليفة ثم دعا بالبدن فجللت ثم أشعرها وقلدها فعل ذلك أصحابه وأحرم ولبى فبلغ المشركين خروجه فاجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام ","part":7,"page":420},{"id":3439,"text":" وخرجوا حتى عسكروا ب بلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم وسار رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى دنا من الحديبية قال الزجاج وهي بئر فسمي المكان باسم البئر قالوا وبينها وبين مكة تسعة أميال فوقفت يدا راحلته فقال المسلمون حل حل يزجرونها فأبت فقالوا خلأت القصواء والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس فقال ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها ثم جرها فقامت فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها فجاشت لهم بالرواء وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا جئناك من ","part":7,"page":421},{"id":3440,"text":" عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم يقسمون لا يخلون بنيك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فرجع بديل فأخبر قريشا فبعثوا عروة بن مسعود فكلمه بنحو ذلك فأخبر قريشا فقالوا نرده من عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان بن عفان قال اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معنا الهدي ننحره وننصرف فأتاهم فاخبرهم فقالوا لا كان هذا أبدا ولا يدخلها العام وبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن عثمان قد قتل فقال لا نبرح حتى نناجزهم فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة \r\n وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال \r\n أحدها ألف وأربعمائة قاله البراء وسلمة بن الأكوع وجابر ومعقل بن يسار \r\n والثاني ألف وخمسمائة روي عن جابر أيضا وبه قال قتادة \r\n والثالث ألف وخمسمائة وخمس وعشرون رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والرابع ألف وثلاثمائة قاله عبد الله بن أبي أوفى قال وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بشماله على يمينه لعثمان وقال إنه ذهب في حاجة الله ورسوله ","part":7,"page":422},{"id":3441,"text":" وجعلت الرسل تختلف بينهم فأجمعوا على الصلح فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال فصالحه كما ذكرنا في براءة 7 فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما ويقال عشرين ليلة ثم انصرف فلما كان ب ضجنان نزل عليه إنا فتحنا لك فتحا مبينا فقال جبريل يهنيك يا رسول الله وهنأه المسلمون \r\n والقول الثاني أن هذا الفتح فتح مكة رواه مسروق عن عائشة وبه قال السدي وقال بعض من ذهب إلى هذا إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية \r\n والثالث أنه فتح خيبر قاله مجاهد والعوفي وعن أنس بن مالك كالقولين \r\n والرابع أنه القضاء له بالإسلام قاله مقاتل وقال غيره حكمنا لك باظهار دينك والنصرة على عدوك \r\n قوله تعالى ليغفر لك الله قال ثعلب اللام لام كي والمعنى لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة قوله تعالى ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ابن عباس والمعنى ما تقدم في الجاهلية وما تأخر ما لم تعلمه وهذا على سبيل التأكيد كما تقول فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه \r\n قوله تعالى ويتم نعمته عليك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن ذلك في الجنة والثاني أنه بالنبوة والمغفرة رويا عن ابن عباس والثالث بفتح مكة والطائف وخيبر حكاه الماوردي والرابع باظهار دينك على سائر الأديان قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى ويهديك صراطا مستقيما أي ويثبتك عليه وقيل ","part":7,"page":423},{"id":3442,"text":" ويهدي بك وينصرك الله على عدوك نصرا عزيزا قال الزجاج أي نصرا ذا عز لا يقع معه ذل \r\n هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك ","part":7,"page":424},{"id":3443,"text":" شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه الله أجرا عظيما \r\n قوله تعالى هو الذي أنزل السكينة أي السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم فسلموا لقضاء الله وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت حتى قال عمر علام نعطي الدنية في ديننا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين فسلموا وأطاعوا \r\n ليزدادوا إيمانا وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم \r\n ولله جنود السموات والأرض يريد أن جميع أهل السموات والأرض ملك له لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل ولكنه اختاركم لذلك فاشكروه \r\n قوله تعالى ليدخل المؤمنين الآية سبب نزولها أنه لما نزل قوله إنا فتحنا لك قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم هنيئا لك يا رسول الله بما أعطاك الله فما لنا فنزلت هذه الآية قاله أنس بن مالك قال مقاتل ","part":7,"page":425},{"id":3444,"text":" فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك انطلق في نفر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ما لنا عند الله فنزلت ويعذب المنافقين الآية \r\n قال ابن جرير كررت اللام في ليدخل على اللام في ليغفر فالمعنى إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف والمعنى ليدخل وليعذب \r\n قوله تعالى عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون بفتحها \r\n قوله تعالى وكان ذلك أي ذلك الوعد بادخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله أي في حكمه فوزا عظيما والمعنى أنه حكم لهم بالفوز فلذلك وعدهم إدخال الجنة \r\n قوله تعالى الظانين بالله ظن السوء فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم ظنوا أن لله شريكا والثاني أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه والثالث أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أويهزم ولا يعود ظافرا والرابع أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمنزلة واحدة عند الله والخامس ظنوا أن الله لا يبعث الموتى وقد بينا معنى دائرة السوء في براءة 98 \r\n وما بعد هذا قد سبق بيانه الفتح 4 الاحزاب 45 إلى قوله ليؤمنوا ","part":7,"page":426},{"id":3445,"text":" بالله ورسوله قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا بالياء ويعزروه ويوقروه ويسبحوه كلهن بالياء والباقون بالتاء على معنى قل لهم إنا أرسلناك لتؤمنوا وقرا علي بن أبي طالب وابن السميفع ويعززوه بزاءين وقد ذكرنا في الأعراف 157 معنى ويعزروه عند قوله وعزروه ونصرون \r\n قوله تعالى ويوقروه أي يعظموه ويبجلوه واختار كثير من القراء الوقف هاهنا لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده \r\n قوله تعالى ويسبحوه هذه الهاء ترجع إلى الله عز و جل والمراد بتسبيحه هاهنا الصلاة له قال المفسرون والمراد بصلاة البكرة الفجر وبصلاة الأصيل باقي الصلوات الخمس \r\n قوله تعالى إن الذين يبايعونك يعني بيعة الرضوان بالحديبية وعلى ماذا بايعوه فيه قولان \r\n أحدهما أنهم بايعوه على الموت قاله عبادة بن الصامت \r\n والثاني على أن لا يفروا قاله جابر بن عبد الله ومعناهما متقارب لانه أراد على أن لا تفروا ولو متم وسميت بيعة لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فكأنهم بايعوا الله عز و جل لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم \r\n يد الله فوق أيديهم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها يد الله في الوفاء فوق أيديهم والثاني يد الله في الثواب فوق أيديهم والثالث يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ذكر هذه ","part":7,"page":427},{"id":3446,"text":" الأقوال الزجاج والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ذكره ابن جرير وابن كيسان \r\n قوله تعالى فمن نكث أي نقض ما عقده من هذه البيعة فانما ينكث على نفسه أي يرجع ذلك النقض عليه ومن أوفى بما عاهد عليه الله من البيعة فسنؤتيه قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبان عن عاصم فسنؤتيه بالنون وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء أجرا عظيما وهو الجنة قال ابن السائب فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له الجد بن قيس وكان منافقا \r\n سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أوموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السموات ","part":7,"page":428},{"id":3447,"text":" والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما \r\n قوله تعالى سيقول لك المخلفون من الأعراب قال ابن إسحاق لما أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد فتثاقل عنه كثير منهم فهم الذين عنى الله بقوله سيقول لك المخلفون من الأعراب قال أبو صالح عن ابن عباس وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل وأسلم قال يونس النحوي الديل في عبد القيس ساكن الياء والدول من حنيفة ساكن الواو والدئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي فأما المخلفون فانهم تخلفوا مخافة القتل شغلتنا أموالنا وأهلونا أي خفنا عليهم الضيعة فاستغفر لنا أي ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عليهم الضيعة فاستغفر لنا أي ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أي ما يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم \r\n قوله تعالى فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا قرأ حمزة والكسائي وخلف ضرا بضم الضاد والباقون بالفتح قال أبو علي الضر بالفتح خلاف النفع وبالضم سوء الحال ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر والفقر وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم وأموالهم فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا لم يقدر أحد على دفعه عنهم بل كان الله بما تعملون خبيرا من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم سيهلكون وذلك قوله بل ظننتم أي توهمتم أن ","part":7,"page":429},{"id":3448,"text":" لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أي لا يرجعون إلى المدينة لاستئصال العدو إياهم وزين ذلك في قلوبكم وذلك من تزيين الشيطان \r\n قوله تعالى وكنتم قوما بورا قد ذكرناه في الفرقان 18 \r\n سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا \r\n وما بعد هذا ظاهر إلى قوله سيقول المخلفون الذين تخلفوا عن الحديبية إذا انطلقتم إلى مغانم وذلك أنهم لما انصرفوا عن الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر وخص بها من شهد الحديبية فانطلقوا إليها فقال هؤلاء المخلفون ذرونا نتبعكم قال الله تعالى يريون أن يبدلوا كلام الله وقرأ حمزة والكسائي وخلف أن يبدلوا كلم الله بكسر اللام وفي المعنى قولان \r\n أحدهما أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة قاله ابن عباس والثاني أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد وذلك أن الله وعده وهو بالحديبية أن يفتح عليه خيبر ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين قاله مقاتل \r\n وعلى القولين قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يخالف أمر الله فيكون تبديلا لأمره \r\n قوله تعالى كذلكم قال الله من قبل فيه قولان ","part":7,"page":430},{"id":3449,"text":" أحدهما قال إن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية وهذا على القول الأول \r\n والثاني قال لن تتبعونا وهذا قول مقاتل \r\n فسيقولون بل تحسدوننا أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم \r\n قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما \r\n قوله تعالى ستدعون إلى قوم المعنى إن كنتم تريدون الغزو والغنيمة فستدعون إلى جهاد قوم أولي بأس شديد وفي هؤلاء القوم ستة أقوال \r\n أحدها أنهم فارس رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عطاء ابن أبي رباح وعطاء الخراساني وابن أبي ليلى وابن جريج في آخرين والثاني فارس والروم قاله الحسن و رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والثالث أنهم أهل الأوثان رواه ليث عن مجاهد والرابع أنهم الروم قاله كعب والخامس أنهم هوازن وغطفان وذلك يوم حنين قاله سعيد بن جبير وقتادة والسادس بنو حنيفة يوم اليمامة وهم أصحاب مسيلمة الكذاب قاله الزهري وابن السائب ومقاتل قال مقاتل خلافة أبي بكر في هذه بينة مؤكدة ","part":7,"page":431},{"id":3450,"text":" وقال رافع بن خديج كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعي أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم وقال بعض أهل العلم لا يجوز أن تكون هذه الآية إلا في العرب لقوله تقاتلونهم أو يسلمون وفارس والروم إنما يقاتلون حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وقد استدل جماعة من العلماء على صحة إمامة أبي بكر وعمر بهذه الآية لأنه إن أريد بها بنو حنيفة فأبو بكر دعا إلى قتالهم وإن أريد بها فارس والروم فعمر دعا إلى قتالهم والآية تلزمهم اتباع من يدعوهم وتتوعدهم على التخلف بالعقاب قال القاضي أبو يعلى وهذا يدل على صحة إمامتها إذا كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب \r\n قوله تعالى فان تطيعوا قال ابن جريج فان تطيعوا أبا بكر وعمر وإن تتولوا عن طاعتهما كما توليتم عن طاعة محمد صلى الله عليه و سلم في المسير إلى الحديبية وقال الزجاج المعنى إن تبتم وتركتم نفاقكم وجاهدتم يؤتكم الله أجرا حسنا وإن توليتم فأقمتم على نفاقكم وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يعذبكم عذابا أليما ","part":7,"page":432},{"id":3451,"text":" قوله تعالى ليس على الأعمى حرج قال المفسرون عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية \r\n قوله تعالى يدخله جنات قرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء \r\n لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبرا ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ","part":7,"page":433},{"id":3452,"text":" ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله لقد رضي الله عن المؤمنين وقد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا وإنما سميت بيعة الرضوان لقوله لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال بينما نحن قائلون زمن الحديبية نادى منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس قال فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه وقال عبد الله بن مغفل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت الشجرة يبايع الناس وإني لأرفع أغصانها عن رأسه وقال بكير بن الأشج كانت الشجرة بفج نحو مكة قال نافع كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت \r\n قوله تعالى فعلم ما في قلوبهم أي من الصدق والوفاء والمعنى علم أنهم مخلصون فأنزل السكينة عليهم يعني الطمأنينة والرضى حتى ","part":7,"page":434},{"id":3453,"text":" بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا وأثابهم أي عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على أمره فتحا قريبا وهو خيبر ومغانم كثيرة يأخذونها أي من خيبر لأنها كانت ذات عقار وأموال فأما قوله بعد هذا وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فقال المفسرون هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة \r\n فعجل لكم هذه فيها قولان أحدهما أنها غنيمة خيبر قاله مجاهد وقتادة والجمهور والثاني أنه الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين قريش رواه العوفي عن ابن عباس \r\n قوله تعالى وكف أيدي الناس عنكم فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم اليهود هموا أن يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في المدينة فكفهم الله عن ذلك قاله قتادة \r\n والثاني أنهم أسد وغطفان جاؤوا لينصروا أهل خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا عنهم قاله مقاتل وقال الفراء كانت أسد وغطفان مع أهل خيبر فقصدهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فصالحوه وخلوا بينه وبين خيبر وقال غيرهما بل همت أسد وغطفان باغتيال أهل المدينة فكفهم الله عن ذلك \r\n والثالث أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح حكاهما الثعلبي وغيره ","part":7,"page":435},{"id":3454,"text":" ففي قوله عنكم قولان أحدهما أنه على أصله قاله الأكثرون والثاني عن عيالكم قاله ابن قتيبة وهو مقتضى قول قتادة \r\n ولتكون آية للمؤمنين في المشار إليها قولان \r\n احدهما أنها الفعلة التي فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية اللمؤمنين فعلموا أن الله تعالى متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم \r\n والثاني أنها خيبر كان فتحها علامة للمؤمنين في تصديق رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما وعدهم به \r\n قوله تعالى ويهديكم صراطا مستقيما فيه قولان \r\n أحدهما طريق التوكل عليه والتفويض إليه وهذا على القول الأول \r\n والثاني يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه و سلم فيما جاء به من وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة \r\n قوله تعالى وأخرى المعنى وعدكم الله مغانم أخرى وفيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك روى سماك الحنفي عن ابن عباس وأخرى لم تقدروا عليها قال ما فتح لكم من هذه الفتوح وبه قال مجاهد \r\n والثاني أنها خيبر رواه عطية والضحاك عن ابن عباس وبه قال ابن زيد \r\n والثالث فارس والروم روي عن ابن عباس أيضا وبه قال الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى \r\n والرابع مكة ذكره قتادة وابن قتيبة \r\n قوله تعالى قد أحاط الله بها فيه قولان أحدهما أحاط بها علما ","part":7,"page":436},{"id":3455,"text":" أنها ستكون من فتوحكم والثاني حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى فتحتموها \r\n قوله تعالى ولو قاتلكم الذين كفروا هذا خطاب لأهل الحديبية قاله قتادة والذين كفروا مشركو قريش فعلى هذا يكون المعنى لو قاتلوكم يوم الحديبية لولوا الأدبار لما في قلوبهم من الرعب ثم لا يجدون وليا لأن لله قد خذلهم قال الزجاج المعنى لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت عليه لأن سنة الله النصرة لأوليائه وسنة الله منصوبة على المصدر لأن قوله لولوا الأدبار معناه سن الله عز و جل خذلانهم سنة وقد مر مثل هذا في قوله كتاب الله عليكم النساء 24 وقوله صنع الله النمل 88 \r\n قوله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهله مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فأخذهم سلما فاستحياهم وأنزل الله ","part":7,"page":437},{"id":3456,"text":" هذه الآية وروى عبد الله بن مغفل قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحديبة في أصل الشجرة فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم هل جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم ونزلت هذه الآية وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث خيلا فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار فأرسلهم وقال مقاتل خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه و سلم فهزمهم النبي صلى الله عليه و سلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة قال المفسرون ومعنى الآية أن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم وفي بطن مكة ثلاثة أقوال أحدها أنه الحديبية قاله أنس والثاني وادي مكة قاله السدي والثالث التنعيم حكاه أبو سليمان الدمشقي فأما مكة فقال الزجاج مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة وهي معرفة ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة والميم تبدل من الباء يقال ضربة لازم ولازب ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم امتك الفصيل مافي ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى فيه شيئا فيكون سميت ","part":7,"page":438},{"id":3457,"text":" بذلك لشدة الازدحام فيها قال والقول الأول أحسن وقال قطرب مكة من تمككت المخ إذا أكلته وقال ابن فارس تمككت العظم إذا أخرجت مخه والتمكك الاستقصاء وفي الحديث لا تمككوا على غرمائكم \r\n وفي تسمية مكة أربعة أقوال \r\n أحدها لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج وكأنها هي التي تجذبهم إليها وذلك من قول العرب امتك الفصيل ما في ضرع الناقة \r\n والثاني أنها سميت مكة من قولك بككت الرجل إذا وضعت منه ورددت نخوته فكأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه وتنقصه وأنشدوا ... يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذحجا وعكا ... \r\n والثالث أنها سميت بذلك لجهد أهلها \r\n والرابع لقلة الماء بها \r\n وهل مكة وبكة واحد قد ذكرناه في آل عمران 96 \r\n قوله تعالى من بعد أن أظفركم عليهم أي بهم يقال ظفرت بفلان وظفرت عليه \r\n قوله تعالى وكان الله بما تعلمون بصيرا قرأ أبو عمرو يعملون بالياء والباقون بالتاء ","part":7,"page":439},{"id":3458,"text":" هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما \r\n قوله تعالى هم الذين كفروا يعني أهل مكة وصدوهم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم والهدي قال الزجاج أي وصدوا الهدي معكوفا أي محبوسا أن يبلغ أي عن أن يبلغ محله قال المفسرون محله منحره وهو حيث يحل نحره ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وهم المستضعفون بمكة لم تعلموهم أي لم تعرفوهم أن تطؤوهم بالقتل ومعنى الآية لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بالقتل وتوقعوا بهم ولا تعرفونهم فتصيبكم منهم معرة وفيها أربعة أقوال أحدهما إثم قاله ابن زيد والثاني غرم الدية قاله ابن إسحاق والثالث كفارة قتل الخطأ قاله ابن السائب والرابع عيب بقتل من هو على دينكم حكاه جماعة من المفسرين وفي الآية محذوف تقديره لادخلتكم من عامكم هذا وإنما حلت بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته أي في دينه من يشاء من أهل مكة وهم الذين أسلموا بعد الصلح لو تزيلوا قال ابن عباس لو تفرقوا وقال ابن قتيبة والزجاج لو تميزوا ","part":7,"page":440},{"id":3459,"text":" قال المفسرون لو انماز المؤمنون من المشركين لعذبنا الذين كفروا بالقتل والسبي بأيديكم وقال قوم لو تزيل المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا الكفار وقال بعضهم قوله لعذبنا جواب لكلامين أحدهما لولا رجال والثاني لو تزيلوا وقوله اذ جعل من صلة قوله لعذبنا والحمية الانفعة والجبرية قال المفسرون وانما أخذتهم الحمية حين أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم دخول مكة فقالوا يدخلون علينا وقد قتلوا ابناءنا واخواننا فتتحدث العرب بذلك والله لا يكون ذلك فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يدخلهم ما دخل أولئك فيخالفوا الله في قتالهم وقيل الحمية ما تداخل سهيل بن عمرو من الانفة ان يكتب في كتاب الصلح ذكر الرحمن الرحيم وذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى فيه خمسة أقوال \r\n أحدهما لا اله الا الله قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد في آخرين وقد روي مرفوعا الى النبي صلى الله عليه و سلم فعلى هذا يكون معنى الزمهم حكم لهم بها وهي التي تنفي الشرك ","part":7,"page":441},{"id":3460,"text":" والثاني لا إله إلا الله والله أكبر قاله ابن عمر وعن علي بن أبي طالب كالقولين \r\n والثالث لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير قاله عطاء بن أبي رباح \r\n والرابع لا إله إلا الله محمد رسول الله قاله عطاء الخرساني \r\n والخامس بسم الله الرحمن الرحيم قاله الزهري \r\n فعلى هذا يكون المعنى أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في كتاب الصلح ألزمه الله المؤمنين وكانوا أحق بها من المشركين و كانوا أهلها في علم الله تعالى \r\n لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا \r\n قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق قال المفسرون سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان أري في المنام قبل خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له لتدخلن المسجد الحرام إلى قوله لا تخافون ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك فلما رجعوا ","part":7,"page":442},{"id":3461,"text":" ولم يدخلوا قال المنافقون أين رؤياه التي رأى فنزلت هذه الآية فدخلوا في العام المقبل \r\n وفي قوله إن شاء الله ستة أقوال \r\n أحدها أن إن بمعنى إذ قاله أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والثاني أنه استثناء من الله وقد علمه والخلق يستثنون فيما لا يعلمون قاله ثعلب فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء \r\n والثالث أن المعنى لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به قاله الزجاج \r\n والرابع أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم لأنه علم أن بعضهم يموت حكاه الماوردي \r\n والخامس أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه و سلم في المنام أن قائلا يقول لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين حكاه القاضي أبو يعلى ","part":7,"page":443},{"id":3462,"text":" والسادس أنه يعود إلى الأمن والخوف فأما الدخول فلا شك فيه حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى آمنين من العدو محلقين رؤوسكم ومقصرين من الشعر لا تخافون عدوا \r\n فعلم ما لم تعلموا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها علم أن الصلاح في الصلح والثاني أن في تأخير الدخول صلاحا والثالث فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك \r\n قوله تعالى فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فيه قولان \r\n أحدهما فتح خيبر قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد ومقاتل \r\n والثاني صلح الحديبية قاله مجاهد والزهري وابن إسحاق وقد بينا كيف كان فتحا في أول السورة \r\n وما بعد هذا مفسر في براءة 33 وكفى بالله شهيدا وفيه قولان ","part":7,"page":444},{"id":3463,"text":" أحدهما أنه شهد له على نفسه يظهره على الدين كله قاله الحسن \r\n والثاني كفى به شيهدا أن محمدا رسوله قاله مقاتل \r\n محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما \r\n قوله تعالى محمد رسول الله وقرأ الشعبي وأبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري محمدا رسول الله بالنصب فيهما قال ابن عباس شهد له بالرسالة \r\n قوله تعالى والذين معه يعني أصحابه والأشداء جمع شديد قال الزجاج والأصل أشدداء نحو نصيب وأنصباء ولكن الدالين تحركتا فأدغمت الأولى في الثانية ومثله من يرتد منكم المائدة 54 \r\n قوله تعالى رحماء بينهم الرحماء جمع رحيم والمعنى أنهم يغلظون على الكفار ويتوادون بينهم تراهم ركعا سجدا يصف كثرة ","part":7,"page":445},{"id":3464,"text":" صلاتهم يبتغون فضلا من الله وهو الجنة ورضوانا وهو رضى الله عنهم وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور وروى مبارك بن فضاله عن الحسن البصري أنه قال والذين معه أبو بكر أشداء على الكفار عمر رحماء بينهم عثمان تراهم ركعا سجدا علي بن أبي طالب يبتغون فضلا من الله ورضوانا طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة \r\n قوله تعالى سيماهم أي علامتهم في وجوههم وهل هذه العلامة في الدنيا أم في الآخرة فيه قولان \r\n أحدهما في الدنيا ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها السمت الحسن قاله ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة وقال في رواية مجاهد أما إنه ليس بالذي ترون ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه وكذلك قال مجاهد ليس بندب التراب في الوجه ولكنه الخشوع والوقار والتواضع \r\n والثاني أنه ندى الطهور وثرى الأرض قاله سعيد بن جبير وقال أبو العالية لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب وقال الأوزاعي بلغني أنه ما حملت جباههم من الأرض ","part":7,"page":446},{"id":3465,"text":" والثالث أنه السهوم فاذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا قال الحسن البصري سيماهم في وجوههم الصفرة وقال سعيد بن جبير أثر السهر وقال شمر بن عطية هو تهيج في الوجه من سهر الليل \r\n والقول الثاني أنها في الآخرة ثم فيه قولان \r\n أحدهما أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة قاله عطية العوفي وإلى نحو هذا ذهب الحسن والزهري وروى العوفي عن ابن عباس قال صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة \r\n والثاني أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى ذلك مثلهم أي صفتهم والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه و سلم وأصحابه في التوراة هذا \r\n فأما قوله ومثلهم في الإنجيل ففيه ثلاثة أقوال ","part":7,"page":447},{"id":3466,"text":" أحدها أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل قال مجاهد مثلهم في التوراة والإنجيل واحد \r\n والثاني أن المتقدم مثلهم في التوراة فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله كزرع وهذا قول الضحاك وابن زيد \r\n والثالث أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع ذكر هذه الأقوال أبو سليمان الدمشقي \r\n قوله تعالى أخرج شطأه وقرأ ابن كثير وابن عامر شطأه بفتح الطاء والهمزة وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي شطأة بسكون الطاء وكلهم يقرأ بهمزة مفتوحة وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وابن أبي عبلة شطاءه بفتح الطاء وبالمد والهمزة وبألف قال أبو عبيدة أي فراخه يقال أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا أفرخ فآزره أي ساواه وصار مثل الأم وقرأ ابن عامر فأزره مقصورة الهمزة مثل فعله وقال ابن قتيبة آزره أعانه وقواه فاستغلظ أي غلظ فاستوى على سوقه وهي جمع ساق وهذا مثل ضربه الله عز و جل للنبي صلى الله عليه و سلم إذ خرج وحده فأيده بأصحابه كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت وغلظت واستحكمت وقرأ ابن كثير على سؤقه مهموزة والباقون بلا همزة وقال قتادة في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ","part":7,"page":448},{"id":3467,"text":" وفيمن أريد بهذا المثل قولان \r\n أحدهما أن أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه أخرج محمدا صلى الله عليه و سلم فآزره بأبي بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه علي بن أبي طالب رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أن المراد بالزرع محمد صلى الله عليه و سلم أخرج شطاه أبو بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي يعجب الزراع يعني المؤمنين ليغيظ بهم الكفار وهو قول عمر لأهل مكة لا يعبد الله سرا بعد اليوم رواه الضحاك عن ابن عباس ومبارك عن الحسن \r\n قوله تعالى ليغيظ بهم الكفار أي إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار وقال مالك بن أنس من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد أصابته هذه الآية وقال ابن إدريس لا آمن ان يكونوا قد ضاعوا الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول ليغيظ بهم الكفار ","part":7,"page":449},{"id":3468,"text":" قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما قال الزجاج في من قولان \r\n أحدهما أن يكون تخليصا للجنس من غيره كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان الحج 30 ومثله أن تقول أنفق من الدراهم أي اجعل نفقتك من هذا الجنس قال ابن الأنباري معنى الآية وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس أي من جنس الصحابة \r\n والثاني أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح ","part":7,"page":450},{"id":3469,"text":" سورة الحجرات وهي مدنية باجماعهم \r\n روى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله أعطاني السبع الطول مكان التوراه وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني وفضلني ربي بالمفصل أما السبع الطول فقد ذكرناها عند قوله ","part":7,"page":451},{"id":3470,"text":" ولقد آتيناك سبعا من المثاني الحجر 87 وأما المئون فقال ابن قتيبة هي ماولي الطول وإنما سميت بالمئين لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها والمثاني ما ولي المئين من السور التي دون المائة كأن المئين مباد وهذه مثان وأما المفصل فهو ما يلي المثاني من قصار السور وإنما سميت مفصلا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسطر بسم الله الرحمن الرحيم \r\n وقد ذكر الماوردي في أول تفسيره في المفصل ثلاثة أقوال أحدها أنه من أول سورة محمد إلى آخر القرآن قاله الأكثرون والثاني من سورة قاف إلى آخره حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة والثالث من الضحى إلى آخره قاله ابن عباس ","part":7,"page":452},{"id":3471,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ","part":7,"page":453},{"id":3472,"text":" بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في سبب نزولها أربعة أقوال \r\n أحدها أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي وقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتها فنزل قوله يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله إلى قوله ولو أنهم صبروا فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه رواه عبد الله بن الزبير \r\n والثاني أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم النحر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعيدوا الذبح فنزلت الآية قاله الحسن ","part":7,"page":454},{"id":3473,"text":" والثالث أنها نزلت في قوم كانوا يقولون لو أنزل الله في كذا وكذا فكره الله ذلك وقدم فيه قاله قتادة \r\n والرابع أنها نزلت في عمرو بن أمية الضمري وكان قد قتل رجلين من بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن السائب وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة وروى العوفي عنه قال نهو أن يتكلموا بين يدي كلامه وروي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم ومعنى الآية على جميع الأقوال لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم أو يفعل قال ابن قتيبة يقال فلان يقدم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه أي يعجل بالأمر والنهي دونه \r\n فأما تقدموا فقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو رزين وعائشة وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والضحاك وابن سيرين وقتادة وابن يعمر ويعقوب بفتح التاء والدال وقرأ الباقون بضم التاء وكسر الدال قال الفراء ","part":7,"page":455},{"id":3474,"text":" كلاهما صواب يقال قدمت وتقدمت وقال الزجاج كلاهما واحد فأما بين يدي الله ورسوله فهو عبارة عن الأمام لأن ما بين يدي الإنسان أمامه فالمعنى لا تقدموا قدام الأمير \r\n قوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن الزبير وهذا قول ابن أبي مليكة \r\n والثاني أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهوري الصوت فربما كان إذا تكلم تأذى رسول الله صلى الله عليه و سلم بصوته قاله مقاتل ","part":7,"page":456},{"id":3475,"text":" قوله تعالى ولا تجهر له بالقول فيه قولان \r\n أحدهما أن الجهر بالصوت في المخاطبة قاله الأكثرون \r\n والثاني لا تدعوه باسمه يا محمد كما يدعو بعضكم بعضا ولكن قولوا يا رسول الله ويا نبي الله وهو معنى قول سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل \r\n قوله تعالى أن تحبط قال ابن قتيبة لئلا تحبط وقال الأخفش مخافة أن تحبط قال أبو سليمان الدمشقي وقد قيل معنى الإحباط هاهنا نقص المنزلة لا إسقاط العمل من أصله كما يسقط بالكفر \r\n قوله تعالى إن الذين يغضون أصواتهم قال ابن عباس لما نزل قوله لا ترفعوا أصواتكم تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا كأخي السرار فأنزل الله في أبي بكر إن الذين يغضون أصواتهم والغض النقص كما بينا عند قوله قل للمؤمنين يغضوا النور 30 ","part":7,"page":457},{"id":3476,"text":" أولئك الذين امتحن الله قلوبهم قال ابن عباس أخلصها للتقوى من المعصية وقال الزجاج اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين كما تقول قد امتحنت هذا الذهب والفضة أي اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا فعلمت حقيقة كل واحد منهما وقال ابن جرير اختبرها بامتحانه إياها فاصطفاها وأخلصها للتقوى \r\n إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم \r\n قوله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنادوا على الباب يا محمد اخرج إلينا فان مدحنا زين وإن ذمنا شين فخرج وهو يقول إنما ذلكم الله فقالوا ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم قم فاذكر فضلك وفضل قومك فقام فذكر ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابت بن قيس فأجابه وقام شاعرهم فأجابه حسان فقال الأقرع بن حابس والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر ثم دنا فأسلم فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكساهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية هذا قول جابر بن عبد الله في آخرين وقال ابن اسحاق نزلت في جفاة بني تميم وكان فيهم الأقرع ","part":7,"page":458},{"id":3477,"text":" ابن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم المنقري وخالد بن مالك وسويد بن هشام وهما نهشليان والقعقاع بن معبد وعطاء ابن حابس ووكيع بن وكيع \r\n والثاني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري فلما علموا بذلك هربوا وتركوا عليالهم فسباهم عيينة فجاء رجالهم يفدون الذاراري فقدموا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائل فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثالث أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فان يكن نبيا نكن أسعد الناس به وإن يكن ملكا نعش في جناجه فجاؤوا فجعلوا ينادون يا محمد يا محمد فنزلت هذه الآية قاله زيد بن أرقم \r\n فأما الحجرات فقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وأبو العالية وابن يعمر وأبو جعفر وشيبة بفتح الجيم وأسكنها أبو رزين وسعيد بن المسيب وابن أبي عبلة وضمها الباقون قال الفراء وجه ","part":7,"page":459},{"id":3478,"text":" الكلام أن تضم الحاء والجيم وبعض العرب يقول الحجرات والركبات وربما خففوا فقالوا الحجرات والتخفيف في تميم والتثقيل في أهل الحجاز وقال ابن قتيبة واحد الحجرات حجرة مثل ظلمة وظلمات قال المفسرون وإنما نادوا من وراء الحجرات لأنهم لم يعلموا في أي الحجر رسول الله \r\n قوله تعالى ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم قال الزجاج أي لكان الصبر خيرا لهم وفي وجه كونه خيرا لهم قولان \r\n أحدهما لكان خيرا لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم فلو صبروا خلى سبيلهم بغير فداء قاله مقاتل \r\n والثاني لكان أحسن لآدابهم في طاعة الله ورسوله ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى والله غفور رحيم أي لمن تاب منهم \r\n يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلان من الله ونعمة والله عليم حكيم \r\n قول تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فسار بعض الطريق ثم خاف فرجع فقال إنهم قد منعوا ","part":7,"page":460},{"id":3479,"text":" الصدقة وأرادوا قتلي فصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم البعث إليهم فنزلت هذه الآية وقد ذكرت القصد في كتاب المغني وفي الحدائق مستوفاة وذكرت معنى فتبينوا في سورة النساء 94 والنبأ الخبر وأن بمعنى لئلا والجهالة هاهنا أن يجهل حال القوم فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتهم بالخطأ نادمين \r\n ثم خوفهم فقال واعلموا أن فيكم رسول الله أي إن كذبتموه أخبره الله فافتضحتم ثم قال لو يطيعكم في كثير من الأمر أي مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتم أي لوقعتم في عنت قال ابن قتيبة وهو الضرر والفساد وقال غيره هو الإثم والهلاك وذلك أن المسلمين لم سمعوا أن أولئك القوم قد كفروا قالوا ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم ثم خاطب المؤمنين فقال ولكن الله حبب إليكم الإيمان إلى قوله والعصيان ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال أولئك هم الراشدون ","part":7,"page":461},{"id":3480,"text":" أي المهتدون إلى محاسن الأمور فضلا من الله قال الزجاج المعنى ففعل بكم ذلك فضلا أي للفضل والنعمة \r\n وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون \r\n قوله تعالى وإن طائفتان الآية في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما ما روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم لو أتيت عبد الله بن أبي فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون فلما أتاه النبي صلى الله عليه و سلم قال إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنه أنزلت فيهم وإن طائفتان الآية وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج يعود سعد بن عبادة فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي وعبد الله بن رواحة فخمر ابن أبي وجهه بردائه وقال لا تغبروا علينا فذكر الحديث وأن ","part":7,"page":462},{"id":3481,"text":" المسلمين والمشركين واليهود استبوا وقد ذكرت الحديث بطوله في المغني والحدائق وقال مقاتل وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم على الأنصار وهو على حمار له فبال الحمار فقال عبد الله بن أبي أف وأمسك على أنفه فقال عبد الله بن رواحة والله لهو أطيب ريحا منك فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة والله لهو أطيب ريحا منك فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف ونزلت هذه الآية \r\n والقول الثاني أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما فقال أحدهما لآخذن حقي عنوة وذلك لكثرة عشيرته ودعاه الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال قاله قتادة وقال مجاهد المراد بالطائفتين الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي بينهم وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وأبو عمران الجوني اقتتلا على فعل اثنين مذكرين وقرأ أبو المتوكل الناجي وأبو الجون وابن أبي عبلة اقتتلتا بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين وقال الحسن وقتادة والسدي فأصلحوا بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز و جل والرضى بما فيه لهما وعليها فان بغت إحداهما طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصلح فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء أي ترجع إلى أمر الله أي إلى طاعته في الصلح الذي أمر به ","part":7,"page":463},{"id":3482,"text":" قوله تعالى وأقسطوا أي اعدلوا في الإصلاح بينهما \r\n قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة قال الزجاج إذا كانوا متفقين في دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء فاذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب \r\n قوله تعالى فأصلحوا بين أخويكم قرأ الأكثرون بين أخويكم بياء على التثنية وقرأ أبي بن كعب ومعاوية وسعيد بن المسيب وابن جبير وقتادة وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة ويعقوب بين إخوتكم بتاء مع كسر الهمزة على الجمع وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن والشعبي وابن سيرين بين إخوانكم بالنون وألف قبلها قال قتادة ويعني بذلك الأوس والخزرج ","part":7,"page":464},{"id":3483,"text":" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الأسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون \r\n قوله تعالى لا يسخر قوم من قوم هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب فأما أولها إلى قوله تعالى خيرا منهم فنزلت على سبب وفيه قولان أحدهما أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان به صمم فقال لرجل بين يديه افسح فقال له الرجل قد أصبت مجلسا فجلس مغضبا ثم قال للرجل من أنت قال أنا فلان فقال ثابت أنت ابن فلانة فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية فأغضى الرجل ونكس رأسه ونزل قوله تعالى لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لما رأوا من رثاثة حالهم فنزلت هذه الآية قاله الضحاك ومقاتل \r\n وأما قوله تعالى ولا نساء من نساء فنزلت على سبب وفيه ثلاثة أقوال ","part":7,"page":465},{"id":3484,"text":" أحدها أن نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم عيرن أم سلمة بالقصر فنزلت هذه الآية قاله أنس بن مالك وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قصر أم سلمة \r\n والثاني أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم سخرتا من أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها وأرخت الطرف الآخر خلفها ولا تعلم فقالت إحداهما للأخرى انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب قال أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هلا قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n وأما قوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب فنزلت على سبب وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة ولهم ألقاب يدعون بها فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه فقيل له يا رسول الله إنهم يكرهون هذا فنزل ","part":7,"page":466},{"id":3485,"text":" قوله تعالى ولا تنابزوا بالألقاب قاله أبو جبيرة بن الضحاك \r\n والثاني أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة فقال له الرجل يا ابن اليهودية فنزلت ولا تنابزوا بالألقاب قاله الحسن \r\n والثالث أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام فقال له يا أعرابي فقال له عبد الله يا يهودي فنزلت فيهما ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب قاله مقاتل \r\n وأما التفسير فقوله تعالى لا يسخر قوم من قوم أي لا يستهزئ غني بفقير ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه ولا ذو حسب بلئيم الحسب وأشباه ذلك مما ينقصه به عسى أن يكون عند الله خيرا منه وقد بينا في البقرة 54 أن القوم اسم الرجال دون النساء ولذلك قال ولا نساء من نساء وتلمزوا بمعنى تعيبوا وقد سبق بيانه التوبة 58 والمراد بالأنفس هاهنا الإخوان والمعنى لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم والتنابز التفاعل من النبز وهو مصدر والنبز الاسم والألقاب جمع لقب وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الإسم الذي سمي به قال ابن قتيبة ولا تنابزوا بالألقاب أي لا تتداعوا بها والألقاب والأنباز واحد ومنه ","part":7,"page":467},{"id":3486,"text":" الحديث نبزهم الرافضة أي لقبهم وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال \r\n أحدها تعيير التائب بسيئات قد كان عملها رواه عطية العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام كقوله لليهودي إذا أسلم يا يهودي وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والقرظي \r\n والثالث أنه قول الرجل للرجل يا كافر يا منافق قاله عكرمة \r\n والرابع أنه تسميته بالأعمال السيئة كقوله يا زاني يا سارق يا فاسق قاله ابن زيد قال أهل العلم والمراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادى به أو يعد ذما له فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا فلا تكره كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر فاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب ","part":7,"page":468},{"id":3487,"text":" ولخالد سيف الله ونحو ذلك وقوله بئس الاسم الفسوق أي تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن ومن لم يتب من التنابز فأولئك هم الظالمون وفيه قولان \r\n أحدهما الضارون لأنفسهم بمعصيتهم قاله ابن عباس والثاني هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك قاله ابن زيد \r\n يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهمتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم \r\n قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن قال ابن عباس نهى الله تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا وقال سعيد بن جبير هو الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا وقال الزجاج هو أن يظن بأهل الخير سوءا فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم قال القاضي أبو يعلى هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن والظن على أربعة أضرب محظور ومأمور به ومباح ومندوب إليه فأما المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى والواجب حسن الظن بالله وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور وأما الظن المأمور به فهو ما لم ينصب عليه ","part":7,"page":469},{"id":3488,"text":" دليل يوصل إلى العلم به وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه والاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون فأما الظن المباح فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما أمره النبي صلى الله عليه و سلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه وإن فعله كان مباحا وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ظننتم فلا تحققوا وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة فلا ينبغي له أن يحققه وأما الظن المندوب إليه فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه فأما ما روي في الحديث احترسوا من الناس بسوء الظن فالمراد الإحتراس بحفظ المال مثل أن يقول إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق ","part":7,"page":470},{"id":3489,"text":" قوله تعالى إن بعض الظن إثم قال المفسرون هو ما تكلم به مما ظنه من السوء بأخيه المسلم فإن لم يتكلم به فلا بأس وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به \r\n قوله تعالى ولا تجسسوا وقرأ أبو رزين والحسن والضحاك وابن سيرين وأبو رجاء وابن يعمر بالحاء قال أبو عبيدة التجسس والتحسس واحد وهو التبحث ومنه الجاسوس وروي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء الاستماع لحديث القوم قال المفسرون التجسس البحث عن عيب المسليمن وعوراتهم فالمعنى لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله وقيل لابن مسعود هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا فقال إنا نهينا عن التجسس فان يظهر لنا شيء نأخذه به \r\n قوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أي لا يتناول بعضكم بعضا ليظهر الغيب بما يسوؤه وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ","part":7,"page":471},{"id":3490,"text":" ثم ضرب الله للغيبة مثلا فقال أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وقرأ نافع ميتا بالتشديد قال الزجاج وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك قال القاضي أبو يعلى وهذا تأكيد لتحريم الغيبة لأن أكل لحم المسلم محظور ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة \r\n قوله تعالى فكرهتموه وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري فكرهتموه برفع الكاف وتشديد الراء قال الفراء أي فقد بغض إليكم والمعنى واحد قال الزجاج والمعنى كما تكرهون أكل لحمه ميتا فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا \r\n قوله تعالى واتقوا الله أي في الغيبة إن الله تواب على من تاب رحيم به \r\n يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ","part":7,"page":472},{"id":3491,"text":" قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى في سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له أنت ابن فلانة وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله لا يسخر قوم من قوم الحجرات 11 \r\n والثاني أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن وأراد أن يذل المشركين بذلك فلما أذن قال عتاب بن أسيد الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم وقال الحارث بن هشام أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال سهيل بن عمرو إن يكره الله شيئا يغيره وقال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئا فاني إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء ولتخبرن عني الأرض فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n والثالث أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه فأثر ذلك عند الصحابة فنزلت هذه الآية قاله يزيد بن شجرة فأما المراد بالذكر والأنثى فآدم وحواء والمعنى إنكم تتساوون في النسب وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب فأما الشعوب فهي جمع شعب وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة والقبائل دونها كبكر من ربيعة وتميم من ","part":7,"page":473},{"id":3492,"text":" مضر هذا قول الجمهور من المفسرين وأهل اللغة وروى عطاء عن ابن عباس قال يريد بالشعوب الموالي وبالقبائل العرب وقال أبو رزين الشعوب أهل الجبال الذين لا يعتزون لأحد والقبائل قبائل العرب وقال أبو سليمان الدمشقي وقد قيل إن القبائل هي الأصول والشعوب هي البطون التي تتشعب منها وهذا ضد القول الأول \r\n قوله تعالى لتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده قال الزجاج المعنى جعلناكم كذلك لتعارفوا لا لتفاخروا ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم وقرأ أبي بن كعب وابن عباس والضحاك وابن يعمر وأبان عن عاصم لتعرفوا باسكان العين وكسر الراء من غير ألف وقرأ مجاهد وأبو المتوكل وابن محيصن لتعارفوا بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء مخففة وقرأ أبو نهيك والأعمش لتتعرفوا بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها من غير ألف \r\n قوله تعالى إن أكرمكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وأبو الجوزاء أن بفتح الهمزة قال الفراء من فتح أن فكأنه قال لتعارفوا أن الكريم التقي ولو كان كذلك لكانت لتعرفوا غير أنه يجوز لتعارفوا على معنى ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم ","part":7,"page":474},{"id":3493,"text":" قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون \r\n قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قال مجاهد نزلت في أعراب بني أسد ابن خزيمة ووصف غيره حالهم فقال قدموا المدينة في سنة مجدبة فأظهروا ","part":7,"page":475},{"id":3494,"text":" الإسلام ولم يكونوا مؤمنين وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارهم وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك فنزلت فيهم هذه الآية وقال السدي نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح وكانوا يقولون آمنا بالله ليأمنوا على أنفسهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فنزلت فيهم هذه الآية وقال مقاتل كانت منازلهم بين مكة والمدينة فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم فلما سار رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه \r\n قوله تعالى قل لم تؤمنوا أي لم تصدقوا ولكن قولوا أسلمنا قال ابن قتيبة أي استسلمنا من خوف السيف وانقدنا قال الزجاج الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم وبذلك يحقن الدم فان كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي لم تصدقوا إنما أسلمتم تعوذا من القتل وقال مقاتل ولما بمعنى ولم يدخل التصديق في قلوبكم ","part":7,"page":476},{"id":3495,"text":" قوله تعالى وإن تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس إن تخلصوا الإيمان لا يألتكم قرأ أبو عمرو يألتكم بالف وهمز وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة وقرأ الباقون يلتكم بغير ألف ولا همز فقراءة أبي عمرو من ألت يألت وقراءة الباقين من لات يليت قال الفراء وهما لغتان قال الزجاج معناهما واحد والمعنى لا ينقصكم وقال أبو عبيدة فيها ثلاث لغات ألت يألت تقديرها أفك يأفك وألات يليت تقديرها أقال يقيل ولات يليت قال رؤبة ... وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت ... \r\n قوله تعالى من أعمالكم أي من ثوابها ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه ومعنى يرتابوا يشكوا وإنما ذكر الجهاد لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم كان فرضا في ذلك الوقت أولئك هم الصادقون في إيمانهم فلما نزلت هاتان الآيتان أتو رسول الله صلى الله عليه و سلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى قل أتعلمون الله بدينكم وعلم بمعنى أعلم ولذلك دخلت الباء في قوله بدينكم والمعنى أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه ","part":7,"page":477},{"id":3496,"text":" أي هو عالم بذلك لا يحتاج إلى أخباركم وفيهم نزل قوله تعالى يمنون عليك أن أسلموا قالوا أسلمنا ولم نقاتلك والله أعلم ","part":7,"page":478},{"id":3497,"text":" سورة ق ويقال لها سورة الباسقات \r\n روى العوفي وغيره عن ابن عباس أنها مكية وكذلك قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آية مدنية وهي قوله تعالى ولقد خلقنا السموات والأرض الآية ق 38 بسم الله الرحمن الرحيم ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج \r\n قوله تعالى ق قرأ الجمهور باسكان الفاء وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ","part":8,"page":3},{"id":3498,"text":" وأبو المتوكل وأبو رجاء وأبو الجوزاء قاف بنصب الفاء وقرأ أبو رزين وقتادة قاف برفع الفاء وقرأ الحسن وأبو عمران قاف بكسر الفاء وفي ق خمسة أقوال \r\n أحدها أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثاني أنه جبل من زبر جدة خضراء قاله أبو صالح عن ابن عباس وروى عكرمة عن ابن بعاس قال خلق الله جبلا يقال له ق محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله عز و جل أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية وقال مجاهد هو جبل محيط بالأرض وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء وعليه كنفا السماء وخضرة السماء منه \r\n والثالث أنه جبل من نار في النار قاله الضحاك في رواية عنه عن ابن عباس \r\n والرابع أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة \r\n والخامس أنه حرف من كلمة ثم فيه خمسة أقوال أحدها أنه افتتاح اسمه قدير قاله أبو العالية والثاني أنه افتتاح أسمائه القدير والقاهر والقريب ونحو ذلك قاله القرظي والثالث أنه افتتاح قضي الأمر وأنشدوا ... قلنا لها قفي فقالت قاف ... \r\n معناه أقف فاكتفت بالقاف من أقف حكاه جماعة منهم الزجاج والرابع ","part":8,"page":4},{"id":3499,"text":" قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما قاله أبو بكر الوراق والخامس قل يا محمد حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى والقرآن المجيد قال ابن عباس وابن جبير المجيد الكريم وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه مضمر تقديره ليبعثن بعد الموت قاله الفراء وابن قتيبة ويدل عليه قول الكفار هذا هذا شيء عجيب \r\n والثاني أنه قوله قد علمنا ما تنقص الأرض منهم فيكون المعنى قاف والقرآن المجيد لقد علمنا فحذفت اللام لأن ما قبلها عوض منها كقوله والشمس وضحاها قد أفلح أي لقد أفلح أجاز هذا القول الزجاج ","part":8,"page":5},{"id":3500,"text":" والثالث أنه قوله ما يلفظ من قول حكي عن الأخفش \r\n والرابع أنه في سورة أخرى حكاه أبو سليمان الدمشقي ولم يبين في أي سورة \r\n قوله تعالى بل عجبوا مفسر في ص 4 إلى قوله شيء عجيب أي معجب \r\n أئا متنا قال الأخفش هذا الكلام على جواب كأنه قيل لهم إنكم ترجعون فقالوا أئذا متنا وكنا ترابا وقال غيره تقدير الكلام ق والقرآن ليبعثن فقال أئذا متنا وكنا ترابا والمعنى أنبعث إذا كنا كذلك وقال ابن جرير لما تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه و سلم الله عليه وسلم فقالوا هذا شيء عجيب كان كأنه قال لهم ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا فقالوا أئذا متنا وكنا ترابا \r\n قوله تعالى ذلك رجع أي رد إلى الحياة بعيد قال ابن قتيبة أي لا يكون \r\n قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي ما تأكل من لحومهم ودمائهم واشعارهم إذا ماتوا يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه وعندنا مع علمنا بذلك كتاب حفيظ أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون \r\n بل كذبوا بالحق وهو القرآن والمريج المختلط قال ابن قتيبة يقال مرج أمر الناس ومرج الدين وأصل هذا أن يقلق الشيء ولا يستقر يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق للهزال قال المفسرون ومعنى اختلاط أمرهم أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه و سلم مرة ساحر ومرة شاعر ","part":8,"page":6},{"id":3501,"text":" ومرة معلم يوقولون للقرآن مرة سحر ومرة مفترى ومرة رجز فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم \r\n أفلم ينظروا إلى المساء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ولما لها من فروج والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد \r\n ثم دلهم على قدرته على البعث بقوله أفلم ينظروا إلى المساء فوقهم كيف بنيناها بغير عمد وزيناها بالكواكب وما لها من فروج أي من صدوع وشقو والزوج الجنس والبهيج الحسن قاله أبو عبيدة وقال ابن قتيبة البهيج الذي يبتهج به \r\n قوله تعالى تبصرة وذكرى لكل عبد منيب قال الزجاج أي فعلنا ذلك لنبصر وندل على القدرة والمنيب الذي يرجع إلى الله ويفكر في قدرته \r\n قوله تعالى ونزلنا من السماء ماء وهو المطر مباركا أي كثير ","part":8,"page":7},{"id":3502,"text":" الخير فيه حياة كل شيء فأنبتتا به جنات وهي البساتين وحب الحصيد أراد الحب الحصيد فأضافه إلى نفسه كقوله لهو حق اليقين الواقعة 95 وقوله من حبل الوريد ق 16 فالحبل هو الوريد وكما يقال صلاة الأولى يراد الصلاة الأولى ويقال مسجد الجامع يراد المسجد الجامع وإنما تضاف هذه الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها وهذا قول الفراء وابن قتيبة وقال غيرهما أراد حب النبت الحصيد والنخل أي وأنبتنا النخل باسقات وبسوقها طولها قال ابن قتيبة يقال بسق الشيء يبسق بسوقا إذا طال والنضيد المنضود بعضه فوق بعض وذلك قبل أن يتفتح فاذا انشق جف طلعه وتفرق لبس بنضيد \r\n قوله تعالى زرقا للعباد أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق وأحيينا به أي بالمطر بلدة ميتا كذلك الخروج من القبور \r\n ثم ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا وقد سبق بيانه إلى قوله فحق وعيد أي وجب عليهم عذابي \r\n أفعيينا بالخلق الأول هذا جواب لقولهم ذلك رجع بعيد والمعنى أعجزنا عن ابتداء الخلق وهو الخلق الأول فنعيا بالبعث وهو الخلق الثاني وهذا تقرير لهم لأنهم اعرتفوا أنه الخالق وأنكروا البعث بل هم في لبس أي في شك من خلق جديد وهو البعث \r\n ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ ","part":8,"page":8},{"id":3503,"text":" في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد \r\n ولقد خلقنا الإنسان يعني ابن آدم ونعلم ما توسوس به نفسه أي ما تحدثه به نفسه وقال الزجاج نعلم ما يكنه في نفسه \r\n قوله تعالى ونحن أقرب إليه أي بالعلم من حبل الوريد الحبل هو الوريد وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه آنفا في قوله وحب الحصيد ق 9 قال العراء والوريد عرق بين الحلقوم والعباوين وعنه أيضا قال عرق بين اللبة والعلباوين وقال الزجاج الوريد عرق في باطن العنق وهما وريدان والعلباوان العصبتان الصفراوان في متن العنق واللبتان مجرى القرط في العنق وقال ابن الأنباري اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من شحمة الأذن وحكى بعض العلماء أن الوريد عرق متفرق في البدن مخالط لجميع الأعضاء فلما كانت أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضها أعلم أن علمه لا يحجبه شيء والمعنى ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان علمه وقوله إذا يتلقى المتلقيان ","part":8,"page":9},{"id":3504,"text":" أي يأخذان ذلك ويثبتانه عن اليمين كاتب الحسنان وعن الشمال كاتب السيئات قال الزجاج والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فدل أحدهما على ا لآخر فحذف المدلول عليه قال الشاعر ... نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف ... \r\n وقال آخر ... رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوى رماني ... \r\n المعنى كنت منه بريئا وقال ابن قتيبة القعيد بمعنى قاعد كما يقال قدير بمعنى قادر ويكون القعيد بمعنى مقاعد كالأكيل والشريب بمنزلة المؤاكل والمشارب \r\n قوله تعالى ما يلفظ يعني الانسان أي ما يتلكم من كلام فيلفظه أي يرميه من فمه إلا لديه رقيب أي حافظ وهو الملك الموكل به إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال عتيد قال الزجاج العتيد ","part":8,"page":10},{"id":3505,"text":" الثابت اللازم وقال غيره العتيد الحاضر معه أينما كان وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة وأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك عنه سبع ساعات فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيء وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة وقال ابن عباس جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار واختلوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين \r\n أحدهما أنهما يكتبانا عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه قاله مجاهد \r\n والثاني أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يوزر قاله عكرمة فأما مجلسهما فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال وكذلك ذكرنا في حديث أبي أمامة وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما ","part":8,"page":11},{"id":3506,"text":" لا يعنيك وروي عنا لحسن والضحاك قالا مجلسهما تحت الشعر على الحنك \r\n قوله تعالى وجاءت سكرة الموت وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وتدله على أنه ميت بالحق وفيه وجهان \r\n أحدهما أن معناه جاءت بحقيقة الموت \r\n والثاني بالحق من أمر الآخرة فأبانت للإنسان ما لم يكن بينا له من أمر الآخرة ذكر الوجهين الفراء وابن جرير \r\n وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجاءت سكرة الحق بالموت قال ابن جرير ولهذه القراءة وجهان \r\n أحدهما أن يكون الحق هو الله تعالى فيكون المعنى وجاءت سكرة الله بالموت \r\n والثاني أن تكون السكرة هي الموت أضيفت إلى نفسها كقوله إن هذا لهو حق اليقين الواقعة 95 فيكون المعنى وجاءت السكرة الحق بالموت بتقديم الحق وقرأ ابن مسعود وأبو عمران وجاءت سكرات على الجمع الحق بالموت بتقديم الحق وقرأ ابي ابن كعب وسعيد بن جبير وجاءت سكرات الموت على الجمع بالحق بتأخير الحق ","part":8,"page":12},{"id":3507,"text":" قوله تعالى ذلك أي فيقال للإنسان حينئذ ذلك أي ذلك الموت ما كنت منه تحيد أي تهرب وتفر وقال ابن عباس تكره \r\n قوله تعالى ونفخ في الصور يعني نفخة البعث ذلك اليوم يوم الوعيد أي يوم وقوع الوعيد \r\n قوله تعالى معها سائق فيه قولان \r\n أحدهما أن السائق ملك يسوقها إلى محشرها قاله أبو هريرة \r\n والثاني أنه قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها \r\n وفي الشهيد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه ملك يشهد عليها بعملها قاله عثمان بن عفان والحسن وقال مجاهد الملكان سائق وشهيد وقال ابن السائب السائق الذي كان يكتب عليه السيئات والشهيد الذي كان يكتب الحسنات \r\n والثاني أنه العمل يشهد على الإنسان قاله أبو هريرة \r\n والثالث الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله قاله الضحاك \r\n وهل هذه الآيات عامة أم خاصة فيها قولان أحدهما أنها عامة قاله الجمهور الثاني خاصة في ا لكافر قاله الضحاك ومقاتل \r\n قوله تعالى لقد كنت أي ويقال له لقد كنت في غفلة من هذا اليوم وفي المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الكافر قاله ابن عباس وصالح بن كيسان في آخرين ","part":8,"page":13},{"id":3508,"text":" والثاني أنه عام في البر والفجر قاله حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس واختاره ابن جرير \r\n والثالث أنه النبي صلى الله عليه و سلم وهذا قول ابن زيد فعلى القول الأول يكون المعنى لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به وعلى الثاني كنت غافلا عن أهوال القيامة فكشفنا عنك غطاءك الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك وقيل معناه أريناك ما كان مستورا عنك وعلى الثالث لقد كنت قبل الوحي في غفلة عما أوحي إليك فكشفنا عنك غطاءك بالوحي فبصرك اليوم حديد وفي المراد بالبصر قولان \r\n أحدهما البصر المعروف قاله الضحاك والثاني العلم قاله الزجاج \r\n وفي قوله اليوم قولان \r\n أحدهما أنه يوم القيامة قاله الأكثرون والثاني أنه في الدنيا وهذا على قول ابن زيد فأما قوله حديد فقال ابن قتيبة الحديد بمعنى الحاد أي فأنت ثاقب البصر ثم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك قاله مجاهد والثاني أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الأخرة قاله مقاتل والثالث أنه العلم النافذ قاله الزجاج ","part":8,"page":14},{"id":3509,"text":" وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لاتختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد \r\n قوله تعالى وقال قريبنه قال مقاتل هو ملكه الذي كان يكتب عمله السيء في دار الدنيا يقول لربه قد كتبت ما وكلتني به فهذا عندي معد حاضر من عمله الخبيث فقد أتيتك به وبعمله وفي ما قولان أحدهما أنها بمعنى من قاله مجاهد \r\n والثاني أنها بمعنى الشيء فتقديره هذا شيء لدي عتيد قاله الزجاج وقد ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة ق 18 فيقول الله تعالى ألقيا في جهنم وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين قال الفراء والعرب تأمر الواحد والقوم بأمر الاثنين فيقولون للرجل ويلك ارحلاها وازجراها سمعتها من العرب وأنشدني بعضهم ... فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا ... \r\n وأنشدني أبو ثروان ","part":8,"page":15},{"id":3510,"text":" فان تزجراني يابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا ... \r\n ونرى أن كل منهم لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة فجرى الكلام على صاحبيه ألا ترىالشعر أكثر شيء قيلا يا صاحبي ويا خليلي قال المرؤ القيس ... خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب ... \r\n ثم قال ... ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ... فرجع إلى الواحد وأول كلامه اثنان وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل وقال ألقيا خطاب للخازن يعني خازن النار \r\n والثاني أنه فعل ثني توكيدا كأنه لما قال ألقيا ناب عن ألق ألق وكذلك قفا نبك معناه قف قف فلما ناب عن فعلين ثني قاله المبرد \r\n والثالث أنه أمر للملكين يعني السائق والشهيد وهذا اختيار الزجاج ","part":8,"page":16},{"id":3511,"text":" فأما الكفار فهو أشد مبالغة من الكافر والعنيد قد فسرناه في هود 59 \r\n قوله تعالى مناع للخير في المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها الزكاة المفروضة قاله قتادة \r\n والثاني أنه الإسلام يمنع الناس من الدخول فيه قاله الضحاك ومقاتل وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة منع بني أخيه عن الإسلام \r\n والثالث أنه عام في كل خير من قول أو فعل حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى معتد أي ظالم لا يقر بالتوحيد مريب أي شاك في الحق من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب \r\n قوله تعالى قال قرينه فيه قولان \r\n أحدهما شيطانه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وفي الكلام اختصار تقديره إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله ","part":8,"page":17},{"id":3512,"text":" فقال ربنا ما أطغيته أي لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه وإنما طغى هو بضلاله \r\n والثاني أنه الملك الذي كان يكتب السيئات \r\n ثم فيما يدعيه الكافر على الملك قولان \r\n أحدهما أنه يقول زاد علي فيما كتب فيقول الملك ما أطغيته أي ما زدت عليه قاله سعيد بن جبير \r\n والثاني أنه يقول كان يعجلني عن التوبة فيقول ربنا ما أطغيته هذا قول الفراء \r\n قوله تعالى ولكن كان في ضلال بعيد أي بعيد من الهدى فيقول الله تعالى لا تختصموا لدي في هذا الخصام قولان أحدهما أنه اعتذارهم بغير عذر قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أ غووهم قاله أبو العالية فأما اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا فلا يجوز أن يهمل لأنه يوم التناصف \r\n قوله تعالى وقد قدمت إليكم بالوعيد أي قد أخبرتكم على ألسن الرسل بعذابي في الآخرة لمن كفر \r\n ما يبدل القول لدي فيه قولان \r\n أحدهما ما يبدل القول فيما وعدته من ثواب وعقاب قاله الأكثرون \r\n والثاني ما يكذب عندي ولا يغير القول عن جهته لأني أعلم الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم هذا قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة ويدل عليه أنه قال تعالى ما يبدل القول لدي ومل يقل ","part":8,"page":18},{"id":3513,"text":" ما يبدل قولي وما أنا بظلام للعبيد فأزيد على إساءة المسيء أو أنقص من إحسان المحسن يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود \r\n يوم نقول لجهنم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي يوم نقول بالنون المفتوحة وضم القاف وقرأ نافع وابو بكر والمفضل عن عاصم يوم يقول بالياء المفتوحة وضم القاف وقرأ أبي بن كعب والحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو يوم يقال بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف قال الزجاج وانتصاب يوم على وجهين أحدهما على معنى ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم والثاني على معنى وأنذرهم يوم نقول لجهنم \r\n فأما فائدة سؤاله إياها وقد علم هل امتلأت أم لا فإنه توبيخ لمن أدخلها وزيادة في مكروهه ودليل على تصديق قوله لأملأن جهنم \r\n وفي قولها هل من مزيد قولان عند أهل اللغة ","part":8,"page":19},{"id":3514,"text":" أحدهما أنها تقول ذلك بعد امتلائها فالمعنى هل بقي في موضع لم يمتلئ أي قد امتلأت \r\n والثاني أنها تقول تغيظا على من عصى الله تعالى وجعل الله فيها أن تميز وتخاطب كما جعل في النملة أن قالت أدخلوا مساكنكم وفي المخلوقات أن تسبح بحمده \r\n قوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت للمتقين الشرك غير بعيد أي جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف ويقال لهم هذا ا لذي ترونه ما توعدون وقرأ عثمان بن عفان وابن عمر ومجاهد وعكرمة وابن محيصن يوعدون بالياء لكل أواب وفيه أقوال قد ذكرناها في بني إسرائيل 25 وفي حفيظ قولان \r\n أحدهما الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها قاله ابن عباس \r\n والثاني الحافظ لأمر الله تعالى قاله مقاتل \r\n قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب قد بيناه في الأنبياء 9 وجاء بقلب منيب أي راجع إلى طاعة الله عن معصيته \r\n أدخلوها أي يقال لهم أدخلوا الجنة بسلام وذلك أنهم سلموا من عذاب الله وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال وسلم الله وملائكته عليهم ذلك يوم الخلود في الجنة لأنه لا موت فيها ولا زوال \r\n لهم ما يشاؤون فيها وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسائلهم ","part":8,"page":20},{"id":3515,"text":" فيعطون ما شاؤوا ثم يزيدهم ما لم يسألوا فذلك قوله ولدينا مزيد وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه النظر إلى الله عزل وجل روى علي رضي الله عنه عن النبي عليه السلام في قوله ولدينا مزيد قال يتجلى لهم وقال أنس بن مالك في قوله ولدينا مزيد يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة \r\n والثاني أن السحاب يمر بأهل الجنة فيمطرهم الحور فتقول الحور نحن اللواتي قال الله عزل وجل ولدينا مزيد حكاه الزجاج والثالث أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ذكره أبول سليمان الدمشقي \r\n ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله فنقبوا في البلاد قرأ الجمهور فنقبوا بفتح النون والقاف مع تشديدها وقرأ أبي بن كعب وابن عباس والحسن وابن السميفع ويحيى بن يعمر كذلك إلا أنهم كسروا القاف على جهة الأمر تهددا وقرأ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة وابن أبي عبلة وعبيد عن أبي عمر فنقبوا بفتح القاف وتخفيفها قال الفراء ومعنى فنقبوا ساروا في البلاد فهل كان لهم من الموت من محيص فأضمرت كان ها هنا كقوله أهلكناهم فلا ناصر لهم أي فلم يكن لهم ناصر ومن قرأ فنقبوا بكسر القاف فإنه ","part":8,"page":21},{"id":3516,"text":" كالوعيد والمعنى اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من محيص وقال الزجاج نقبوا طوقوا وفتشوا فلم تروا محيصا من الموت قال امرؤ القيس ... لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة ... \r\n فأما المحيص فهو المعدل وقد استوفينا شرحه في سورة النساء 121 \r\n قوله تعالى إن في ذلك يعني الذي ذكره من إهلاك القرى لذكرى أي تذكرة وعظة لمن كان له قلب قال ابن عباس أي عقل قال الفراء وهذا جائز في اللغة أن تقول ما لك قلب وما معك قلبك تريد العقل وقال ابن قتيبة لما كان القلب موضعا للعقل كنى به عنه وقال الزجاج المعنى لمن صرف قلبه إلى التفهم أو ألقى السمع أي استمع مني وهو شهيد أي وقلبه فيما يسمع وقال الفراء وهو شهيد أي شاهد ليس بغائب \r\n قوله تعالى ولقد خلقنا السموات والأرض ذكر المفسرون أن اليهود قالت خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا فنزلت هذه الآيات فأكذبهم الله عز و جل بقوله وما مسنا من لغوب قال الزجاج واللغوب التعب والإعياء ","part":8,"page":22},{"id":3517,"text":" قوله تعالى فاصبر على ما يقولون أي من بهتهم وكذبهم قال المفسرون ونسخ معنى قوله فاصبر بآية السيف وسبح بحمد ربك أي صل بالثناء على ربك والتنزيه له مما يقول المبطلون قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر وقبل الغروب فيها قولان \r\n أحدهما صلاة الظهر والعصر قاله ابن عباس \r\n والثاني صلاة العصر قالة قتادة وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا وقرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب \r\n قوله تعالى ومن الليل فسبحه فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها صلاة الليل كله أي وقت صلى منه قاله مجاهد \r\n والثاني صلاة العشاء قاله ابن زيد \r\n والثالث صلاة المغرب والعشاء قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وأدبار السجود قرأ ابن كثير ونافع وحمزة وخلف ","part":8,"page":23},{"id":3518,"text":" بكسر الهمزة وقرأ الباقون بفتحها قال الزجاج من فتح ألف أدبار فهو جمع دبر ومن كسرها فهو مصدر أدبر يدبر إدبارا \r\n وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الركعتان بعد صلاة المغرب روي عن عمر وعلي والحسن بن علي رضي الله عنهم وأبي هريرة والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة في آخرين وهو رواية العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه النوافل بعد المفروضات قاله ابن زيد \r\n والثالث أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين كذلك واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ا لمصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد \r\n قوله تعالى واستمع يوم ينادي المنادي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ينادي المنادي بياء في الوصل ووقف ابن كثير بياء ووقف نافع وأبو عمرو بغير ياء ووقف الباقون ووصلوا بياء قال أبو سليمان الدمشقي المعنى واستمع حديث يوم ينادي المنادي قال المفسرون والمنادي إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي يا أيها الناس هلموا إلى الحساب إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء وهذه هي النفخة ","part":8,"page":24},{"id":3519,"text":" الأخيرة والمكان القريب صخرة بيت المقدس قال كعب ومقاتل هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا وقال ابن السائب باثني عشر ميلا قال الزجاج ويقال إن تلك الصخرة في وسط الأرض \r\n قوله تعالى يوم يسمعون الصيحة وهي هذه النفخة الثانية بالحق أي بالبعث الذي لا شك فيه ذلك يوم الخروج من القبور \r\n إنا نحن نحيي ونميت أي نميت في الدنيا ونحيي للبعث وإلينا المصير بعد البعث وهو قوله يوم تشقق الأرض عنهم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تشقق بتشديد الشين وقرأ الباقون بتخفيفها سراعا أي فيخرجون منها سراعا ذلك حشر علينا يسير أي هين \r\n ثم عزى نبيه فقال نحن أعلم بما يقولون في تكذيبك يعني كفار مكة وما أنت عليهم بجبار قال ابن عباس لم تبعث لتجبرهم على الاسلام إنما بعثت مذكرا وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم وأنكر الفراء هذا القول فقال العرب لا تقول فعال من أفعلت لا يقولون خراج يريدون مخرج ولا دخال يريدون مدخل إنما يقولون فعال من فعلت وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من الجبرية وقد قالت العرب في حرف واحد دراك من أدركت وهو شاذ فإن جعل هذا على هذه الكلمة فهو وجه وقال ابن قتيبة بجبار أي بمسلط والجبار الملك سمي بذلك لتجبره يقول لست عليهم بملك مسلط ","part":8,"page":25},{"id":3520,"text":" قال اليزيدي لست بمسلط فتقهرهم على الإسلام وقال مقاتل لتقتلهم وذكر المفسرون أن قوله وما أنت عليهم بجبار منسوخ بآية السيف \r\n قوله تعالى فذكر بالقرآن أي فعظ به من يخاف وعيد وقرأ يعقوب وعيدي بياء في الحالين أي ما أوعدت من عصاني من العذاب ","part":8,"page":26},{"id":3521,"text":" سورة الذاريات \r\n مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسئلون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون \r\n قوله تعالى والذاريات ذروا يعني الرياح يقال ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا فرقته قال الزجاج يقال ذرت فهي ذارية وأذرت فهي مذرية بمعنى واحد \r\n والذاريات مجرورة على القسم المعنى أحلف بالذاريات وهذه الأشياء والجواب إنما توعدون لصادق قال قوم المعنى ورب الذاريات ورب الجاريات ","part":8,"page":27},{"id":3522,"text":" قوله تعالى فالحاملات وقرا يعني السحاب التي تحمل وقرها من الماء \r\n فالجاريات يسرا يعني السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا \r\n فالمقسمات أمرا يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به قال ابن السائب والمقسمات أربعة جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح وعزرائيل وهو قابض الأرواح وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته \r\n ثم ذكر المقسم عليه فقال إنما توعدون أي من الثواب والعقاب يوم القيامة لصادق أي لحق \r\n وإن الدين فيه قولان \r\n أحدهما الحساب والثاني الجزاء لواقع أي لكائن \r\n ثم ذكر قسما آخر فقال والسماء ذات الحبك وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين الحبك بكسر الحاء والباء جميعا وقرأ عثمان بن عفان والشعبي وأبو العالية وأبو حيوة الحبك بكسر الحاء وإسكان الباء وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس وأبو رجاء وابن أبي عبلة ا لحبك برفع الحاء وإسكان الباء وقرأ ابن مسعود وعكرمة الحبك بفتح الحاء والباء جميعا ","part":8,"page":28},{"id":3523,"text":" وقرأ أبو الدرداء وأبو الجوزاء وأبو المتوكل وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري الحبك بفتح الحاء وكسر الباء \r\n ثم في معنى الحبك أربعة أقوال أحدها ذات الخلق الحسن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة والثاني البنيان المتقن قاله مجاهد والثالث ذات الزينة قاله سعيد بن جبير وقال الحسن حبكها نجومها والرابع ذات الطرائق قاله الضحاك واللغويون وقال الفراء الحبك تكسر لكل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة والماء القائم إذا مرت به الريح والشعرة الجعدة تكسرها حبك وواحد الحبك حباك وحبيكة وقال الزجاج أهل اللغة يقولون الحبك الطرائق الحسنة والمحبوك في اللغة ما أجيد عمله وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا اصابته الريح فهو حبك وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال هذه هي السماء السابعة \r\n ثم ذكر جواب القسم الثاني قال إنكم يعني أهل مكة لفي قول مختلف في أمر محمد صلى الله عليه و سلم بعضكم يقول شاعر وبعضكم يقول مجنون وفي القرآن بعضكم يقول سحر وبعضكم يقول كهانة ورجز إلى غير ذلك \r\n يؤفك عنه من أفك أي يصرف عن الإيمان به من صرف فحرمه والهاء في عنه عائدة إلى القرآن وقيل يصرف عن هذا ","part":8,"page":29},{"id":3524,"text":" القول أي من أجله وسببه عن الإيمان من صرف وقرأ قتادة من أفك بفتح الألف والفاء وقرأ عمرو بن دينار من أفك بفتح الأف وكسر الفاء \r\n قتل الخراصون قال الفراء يعني لعن الكذابون الذين قالوا إن النبي صلى الله عليه و سلم ساحر وكذاب وشاعر خرصوا ما لا علم لهم به وفي رواية العوفي عن ابن عباس أنهم الكهنة وقال ابن الأنباري والقتل إذ أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك \r\n قوله تعالى الذين هم في غمرة أي في عمى وجهالة بأمر الآخرة ساهون أي غافلون والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه \r\n يسألون أيان يوم الدين أي يقولون يا محمد متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاءا \r\n ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال يوم هم على النار قال الزجاج اليوم منصوب على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون أي يحرقون ويعذبون ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار الفتين \r\n قوله تعالى ذوقوا المعنى يقال لهم ذوقوا فتنتكم وفيها قولان \r\n أحدهما تكذيبكم قاله ابن باس والثاني حريقكم قاله مجاهد قال أبو عبيدة ها هنا تم الكلام ثم ائتنف فقال هذا الذي كنتم به تستعجلون قال المفسرون يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاءا ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال إن المتقين في جنات وعيون وقد سبق شرح هذا البقرة 25 الحجر 45 \r\n قوله تعالى آخذين قال الزجاج هو منصوب على الحال فالمعنى ","part":8,"page":30},{"id":3525,"text":" في جنات وعيون في حال أخذ ما آتاهم ربهم قال المفسرون أي ما أعطاهم الله من الكرامة إنهم كانوا قبل ذلك محسنين في أعمالهم وفي الآية وجه آخر آخذين ما آتاهم ربهم أي عاملين بما أمرهم به من الفرائض إنهم كانوا قبل أن تفرض الفرائض عليهم محسنين أي مطيعين وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين \r\n ثم ذكر إحسانهم فقال كانوا قليلا من الليل ما يهجعون والهجوع النوم بالليل دون النهار \r\n وفي ما قولان أحدهما النفي ثم في المعنى قولان أحدهما كانوا يسهرون قليلا من الليل قال أنس بن مالك وأبو العالية هو ما بين المغرب والعشاء \r\n والثاني كانوا ما ينامون قليلا من الليل واختار قوم الوقف على قوله قليلا على معنى كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ فقال من الليل ما يهجعون على معنى نفي النوم عنهم البتة وهذا مذهب الضحاك ومقاتل ","part":8,"page":31},{"id":3526,"text":" والقول الثاني أن ما بمعنى الذي فاللمعنى كانوا قليلا من الليل الذي يهجعونه وهذا مذهب الحسن والأحنف بن قيس والزهري وعلى هذا يحتمل أن تكون ما زائدة \r\n قوله تعالى وبالأسحار هم يستغفرون وقد شرحناه في آل عمران 17 \r\n قوله تعالى وفي أموالهم حق أي نصيب وفيه قولان \r\n أحدهما أنه ما يصلون به رحما أو يقرون به ضيفا أو يحملون به كلا أو يعينون به محروما وليس بالزكاة قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الزكاة قاله قتادة وابن سيرين \r\n قوله تعالى للسائل وهو الطالب \r\n وفي المحروم ثمانية أقوال \r\n أحدها أنه الذي ليس له سهم في فيء المسلمين وهو المحارف قاله ابن عباس وقال إبراهيم هو الذي لا سهم له في الغنيمة \r\n والثاني أنه الذي لا ينمى له شيء قاله مجاهد وكذلك قال عطاء هو المحروم في الرزق والتجارة \r\n والثالث أنه المسلم الفقير قاله محمد بن علي \r\n والرابع أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا قاله قتادة والزهري \r\n والخامس أنه الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم قاله الحسن ابن محمد بن الحنفية ","part":8,"page":32},{"id":3527,"text":" والسادس أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته قاله ابن زيد \r\n والسابع أنه المملوك حكاه الماوردي \r\n والثامن أنه الكلب روي عن عمر بن عبد العزيز وكان الشعبي يقول أعياني أن أعلم ما المحروم وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري لأنه قرنه بالسائل والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل ثم يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه فيكون محروما من قبل نفسه حين لم يسأل ومن قبل الناس حي لا يعطونه وإنما يفطن له متيقظ وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ولا يصح \r\n قوله تعالى وفي الأرض آيات كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك للموقنين بالله عز و جل الذين يعرفونه بصنعه \r\n وفي أنفسكم آيات إذ كنتم نطفا ثم عظاما ثم علقا ثم مضغا إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف ثم اختلاف الصور والألوان والطبائع وتقويم الأدوات والسمع والبصر والعقل وتسهيل سبيل الحدث إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم وتم الكلام عند قوله وفي أنفسكم ثم قال أفلا تبصرون قال مقاتل أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث \r\n قوله تعالى وفي السماء رزقكم وقرأ أبي بن كعب وحميد ","part":8,"page":33},{"id":3528,"text":" وأبو حصين الأسدي أرزاقكم براء ساكنة وبألف بين الزاي والقاف وقرأ ابن معسود والضحاك وأبو نهيك رازقكم بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما وعن ابن محيصن كهاتين القراءتين وفيه قولان \r\n أحدهما أنه المطر رواه أبو صالح عن ابن عباس وليث عن مجاهد وهو قول الجمهور \r\n والثاني الجنة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n وفي قوله ما توعدون قولان \r\n أحدهما أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء قاله أبو صالح عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثاني الجنة رواه ليث عن مجاهد قال أبو عبيدة في هذه الآية مضمر مجازه عند من في السماء رزقكم وعنده ما توعدون والعرب تضمر قال نابغة ذبيان ... كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن \r\n أراد كأنك جمل من جمال بني أقيش \r\n قوله تعالى إنه لحق قال الزجاج يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه و سلم مثل ما أنكم تنطقون قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم مثل برفع اللام وقرأ البقاون بنصب اللام قال الزجاج فمن رفع مثل فهي من صفة الحق والمعنى إنه لحق مثل نطقكم ومن نصب فعلى ضربين ","part":8,"page":34},{"id":3529,"text":" أحدهما أن يكون في موضع رفع إلا أنه لما أضيف إلى أن فتح \r\n والثاني أن يكون منصوبا على التأكيد على معنى إنه لحق حقا مثل نطقكم وهذا الكلام كما تقول إنه لحق كما أنك تتكلم هل أتك حديث ضيف إبرهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم \r\n قوله تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين هل بمعى قد في قول ابن عباس ومقاتل فيكون المعنى قد أتاك فاستمع نقصصه عليك وضيفه هم الذين جاؤوا بالبشرى وقد ذكرنا عددهم في هود 70 وذكرنا هناك معنى الضيف \r\n وفي معنى المكرمين أربعة أقوال \r\n أحدهما لأنه أكرمهم بالعجل قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما قاله السدي \r\n والثالث أنهم مكرمون عند الله قاله عبد العزيز بن يحيى \r\n والرابع لأنهم أضياف والأضياف مكرمون قاله أبو بكر الوراق ","part":8,"page":35},{"id":3530,"text":" قوله تعالى فقالوا سلاما قد ذكرناه في هود 70 \r\n قوله تعالى قوم منكرون قال الزجاج ارتفع على معنى أنتم قوم منكرون \r\n وللمفسرين في سبب إنكارهم أربعة أقوال \r\n أحدها لأنه لم يعرفهم قاله ابن عباس \r\n والثاني لأنهم سلموا عليه فأنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض قاله أبو العالية \r\n والثالث لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان \r\n والرابع لأنه رأى فيم صورة البشر وصورة الملائكة \r\n قوله تعالى فراغ إلى أهله قال ابن قتيبة أي عدل إليهم في خفية ولا يكون الرواغ إلى أن تخفي ذهابك ومجيئك \r\n قوله تعالى فجاء بعجل سمين وكان مشويا فقربه إليهم قال الزجاج والمعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه فلم يأكلوا فقال ألا تأكلون على النكير أي أمركم في ترك الأكل مما أنكره ","part":8,"page":36},{"id":3531,"text":" قوله تعالى فأوجس منهم خيفة قد شحرناه في هود 70 وذكرنا معنى غلام عليم في الحجر 54 \r\n فأقبلت امرأته وهي سارة قال الفراء وابن قتيبة لم تقبل من موضع إلى موضع وإنما هو كقولك أقبل يشتمني وأقبل يصيح ويتكلم أي أخذ في ذلك والصرة الصيحة وقال أبو عبيدة الصرة شدة الصوت \r\n وفيما قالت في صيحتها قولان \r\n أحدهما أنها تأوهت قال قتادة \r\n والثاني أنها قالت يا ويلتا ذكره الفراء \r\n قوله تعالى فصكت وجهها فيه قولان \r\n أحدهما لطمت وجهها قاله ابن عباس \r\n والثاني ضربت جبينها تعجبا قاله مجاهد ومعن الصك ضرب الشيء بالشيء العريض \r\n وقالت عجوز قال الفراء هذا مرفوع بإضمار أتلد عجوز وقال الزجاج المعنى أنا عجوز عقيم فكيف ألد وقد ذكرنا معنى العقيم في هود 72 \r\n قالوا كذلك قال ربك أنك ستلدين غلاما والمعنى إنما نخبرك ","part":8,"page":37},{"id":3532,"text":" عن الله عز و جل وهو حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا فعلم حينئذ إبراهيم أنهم ملائكة \r\n قال فما خطبكم مفسر في الحجر 57 \r\n قوله تعالى حجارة من طين قال ابن عباس هو الآجر \r\n قوله تعالى مسومة عند ربك قد شرحناه في هود 83 قوله تعالى للمسرفين قال ابن عباس للمشركين \r\n قوله تعالى فأخرجنا 4من كان فيها أي من قرى لوط من المؤمنين وذلك قوله تعالى فأسر بأهلك الآية هود 82 \r\n فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وهو لوط وابنتاه وصفهم الله عز و جل بالإيمان والإسلام لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم \r\n وتركنا فيها آية أي علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على أن الله أهلكهم وقد شرحنا هذا في العنكبوت 35 وبينا المكني عنها وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوا فاسقين والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ","part":8,"page":38},{"id":3533,"text":" قوله تعالى وفي موسى أي وفيه أيضا آية إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة فتولى أي أعرض بركنه قال مجاهد بأصحابه وقال أبو عبيدة بركنه وبجانبه سواء إنما هي ناحيته وقال ساحر أي وقال لموسى هذا ساحر أو مجنون وكان أبو عبيدة يقول أو بمعنى الواو فأما اليم فقد ذكرناه في الأعراف 136 ومليم في الصافات 142 \r\n قوله تعالى وفي عاد أي في إهلاكهم آية أيضا إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم وهي التي لا خير فيها ولا بركة لا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا وإنما هي للإهلاك وقال سعيد بن المسيب هي الجنوب \r\n ما تذر من شيء أتت عليه أي من أنفسهم وأوالهم إلا جعلته كالرميم أي كالشيء الهالك البالي قال الفراء الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس وقال الزجاج الرميم الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم \r\n وفي ثمود آية أيضا إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فيه قولان \r\n أحدهما أنه قيل لهم تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم تهددا لهم \r\n والثاني أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة تمتعوا ثلاثة أيام فكان الحين وقت فناء آجالهم فعتوا عن أمر ربهم قال مقاتل عصوا أمره فأخذتهم الصاعقة يعني العذاب وهو الموت من صيحة جبريل ","part":8,"page":39},{"id":3534,"text":" وقرأ الكسائي وحده الصعقة بسكون العين من غير ألف وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة \r\n قوله تعالى وهم ينظرون فيه قولان \r\n أحدهما يرون ذلك عيانا والثاني وهم ينتظرون العذاب فأتاهم صيحة يوم السبت \r\n قوله تعالى فما استطاعوا من قيام فيه قولان \r\n أحدهما ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة \r\n والثاني ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله وما كانوا منتصرين أي ممتنعين من العذاب قوله تعالى وقوم نوح من قبل قرأ أبو عمرو إلا عبد الوارث وحمزة والكسائي بخفض الميم وروى عبد الوارث رفع الميم والباقون بنصبها قال الزجاج من خفض القوم فالمعنى وفي قوم نوح آية ومن نصب فهو عطف على معنى قوله فأخذتهم الصاعقة فإن معناه أهلكناهم فيكون المعنى وأهلكنا قوم نوح والأحسن والله أعلم أن يكون محمولا على قوله فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم لأن المعنى أغرقناه وأغرقنا قوم نوح \r\n والسماء بنيناها المعنى وبنينا السماء بنيناها بأيد أي بقوة وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر المفسرين واللغويين بأيد أي بقوة \r\n وفي قوله وإنا لموسعون خمسة أقوال ","part":8,"page":40},{"id":3535,"text":" أحدها لموسعون الرزق بالمطر قاله الحسن والثاني لموسعون السماء قاله ابن زيد والثالث لقادرون قاله ابن قتيبة والرابع لموسعون ما بين السماء والأرض قاله الزجاج والخامس لذو سعة لا يضيق عما يريد حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى والأرض فرشناها فنعم الماهدون قال الزجاج هذا عطف على ما قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله فرشناها فالمعنى فرشنا الأرض فرشناها فنعم الماهدون أي فنعم الماهدون نحن قال مقاتل فرشناها أي بسطناها مسيرة خمسمائة عام وهذا بعيد وقد قال قتادة الأرض عشرون ألف فرسخ والله تعالى أعلم \r\n قوله تعالى ومن كل شيء خلقنا زوجين أي صنفين ونوعين كالذكر والأنثى والبر والبحر والليل والنهار والحلو والمر والنور والظلمة وأشباه ذلك لعلكم تذكرون فتعلموا أن خالق الأزواج واحد \r\n ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم والمعنى اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإيمان كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإن للذين ظلموا ذنبوا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ","part":8,"page":41},{"id":3536,"text":" قوله تعالى كذلك أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كانوا من قبلك يقولون للأنبياء \r\n قوله تعالى أتواصوا به أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وهذا استفهام توبيخ وقال أبو عبيدة أتواطؤوا عليه فأخذه بعضهم من بعض \r\n قوله تعالى بل هم قوم طاغون أي يحملهم الطغيان فيا أعطوا من الدنيا على التكذيب والمشار إليهم أهل مكة \r\n فتول عنهم فقد بلغتهم فما أنت عليهم بملوم لأنك قد أديت الرسالة ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة ولهم في ناسخها قولان \r\n أحدهما أنه قوله وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثاني آية السيف وفي قوله وذكر قولان أحدهما عظ قاله مقاتل والثاني ذكرهم بأيام الله وعذابه ورحمته قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أثبت الياء في يعبدون ويطعمون ولا يستعجلون في الحالين يعقوب واختلفوا في هذه الآية على أربعة أقوال \r\n أحدها إلا لآمرهم أن يعبدوني قاله علي بن أبي طالب واختاره الزجاج \r\n والثاني إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها قاله ابن عباس وبيان هذا قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله الزخرف 87 \r\n والثالث أنه خاص في حق المؤمنين قال سعيد بن المسيب ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني وقال الضحاك والفراء وابن قتيبة هذا خاص لأهل طاعته وهذا اختيار القاضي ابي يعلى فإنه قال معنى هذا الخصوص لا العموم لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا ","part":8,"page":42},{"id":3537,"text":" من الإنس فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس الأعراف 179 فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة \r\n والرابع إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ومعنى العبادة في اللغة الذل والانقياد وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز و جل لا يملك خروجا عما قضاه الله عز و جل هذا مذهب جماعة من أهل المعاني \r\n قوله تعالى ما أريد منهم من رزق أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم وما أريد أن يطعمون أي أن يطعموا أحدا من خلقي لأني أنا الرزاق وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه وقد جاء في اللحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يقول الله عز و جل يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني أي لم تطعم عبدي \r\n فأما الرزاق فقرأ الضحاك وابن محيصن الرازق بوزن العالم قال الخطابي هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها ","part":8,"page":43},{"id":3538,"text":" من قوتها والمتين الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ المتين بكسر النون وكذا قرأ أبو رزين وقتادة وأبو العالية والأعمش قال الزجاج ذو القوة المتين أي ذو الاقتدار الشديد ومن رفع المتين فهو صفة الله عز و جل ومن خفضه جعله صفة للقوة لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة فهو كقوله فمن جاءه موعظة من ربه البقرة 275 \r\n قوله تعالى فإن للذين ظلموا يعني مشركي مكة ذنوبا أي نصيبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم الذين أهلكوا كقوم نوح وعاد وثمود قال الفراء الذنوب في كلام العرب الدلو العظيمة ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ قال الشاعر ... لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلما القليب ... \r\n والذنوب يذكر ويؤنث وقال ابن قتيبة أصل الذنوب الدلو العظيمة وكانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب فجعل الذنوب مكان الحظ والنصيب قوله تعالى فلا يستعجلون أي بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة وهو يومهم الذي يوعدون ويقال هو يوم بدر ","part":8,"page":44},{"id":3539,"text":" سورة الطور \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون \r\n قوله تعالى والطور هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز و جل عليه موسى عليه السلام و هو بأرض مدين واسمه زبير \r\n وكتاب مسطور أي مكتوب وفي أربعة أقوال \r\n أحدها أنه اللوح المحفوظ قاله أبو صالح عن ابن عباس ","part":8,"page":45},{"id":3540,"text":" والثاني كتب أعمال بني آدم قاله مقاتل والزجاج \r\n والثالث التوراة \r\n والرابع القرآن حكاهما الماوردي \r\n قوله تعالى في رق قال أبو عبيدة الرق الورق فأما المنشور فهو المبسوط \r\n قوله تعالى والبيت المعمور فيه قولان \r\n أحدهما أنه بيت في السماء وفي أي سماء هو فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه في السماء السابعة رواه أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في الصحيحين يدل عليه \r\n والثاني أنه في السماء السادس قاله علي رضي الله عنه ","part":8,"page":46},{"id":3541,"text":" والثالث أنه في السماء الدنيا روا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة يسمى الضراح وقال الربيع بن أنس كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم فلما كان زمن نوح أمر الناس بحجه فعصوه فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في السماء الدنيا \r\n والثاني أنه البيت الحرام قاله الحسن وقال أبو عبيدة ومعنى المعمور الكثير الغاشية \r\n قوله تعالى والسقف المرفوع فيه قولان \r\n أحدهما أنه السماء قاله علي رضي الله عنه والجمهور \r\n والثاني العرض قاله الربيع \r\n قوله تعالى والبحر فيه قولان \r\n أحدهما أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبوهم قاله علي رضي الله عنه \r\n والثاني أنه بحر الأرض ذكره الماوردي \r\n وفي المسجور أربعة أقوال \r\n أحدها المملوء قاله الحسن وأبو صالح وابن السائب وجميع اللغويين ","part":8,"page":47},{"id":3542,"text":" والثاني أنه الموقد قاله مجاهد وابن زيد وقال شمر بن عطية هو بمنزلة التنور المسجور \r\n والثالث أنه اليابس الذي قد ذهبل ماؤه ونضب قاله أبو العالية وروي عن الحسن قال تسجر يعني البحار حتى يذهب ماؤها فلا يبقى فيها قطرة وقول هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا فتزاد في نار جهنم \r\n والرابع أن المسجور المختلط عذبه بملحه قاله الربيع بن أنس فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب المشركين حق فعال إن عذاب ربك لواقع أي لكائن في الآخرة ثم بين متى يقع فقال يوم تمور السماء مورا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها تدور دورا رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني تحرك تحركا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال أبو عبيدة تمور أي تكفأ وقال الأعشى ... كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرو السحابة لا ريث ولا عجل ... \r\n والثالث يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى قاله الضحاك وما بعد هذا قد سبق بيانه النمل 88 إلى قوله الذين هم في خوض يلعبون ","part":8,"page":48},{"id":3543,"text":" أي يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه و سلم بالتكذيب والاستهزاء ويلهون بذكره فالويل لهم \r\n ويوم يدعون قال ابن قتيبة أي يدفعون يقال دععته أدعه أي دفعته ومنه قوله يدع اليتيم الماعون 2 قال ابن عباس يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار وقال مقاتل تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم على وجوههم حتى إذا دنوا منها قالت لهم خزنتها هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا فأسحر هذا العذاب الي ترون فإنكم زعمتم أن الرسل سحرة أم أنتم لا تبصرون النار فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها إصلوها وقال غيره لما نسبوا محمد صلى الله عليه و سلم إلى أنه ساحر يغطي على الأبصار بالسحر وبخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ وقيل إصلوها أي قاسوا شدتها فاصبوا على العذاب أو لا تصبروا سواء عليكم الصبر والجزع إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين \r\n ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا وقوله فاكهين قرئت بألف وبغير ألف وقد شرحناها في يس 55 ووقاهم أي صرف عنهم والجحيم مذكور في البقرة 119 \r\n كلوا أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا تأمنون حدوث المرض ","part":8,"page":49},{"id":3544,"text":" عنه قال الزجاج المعنى ليهنكم ما صرتم إليه وقد شرحنا هذا في سورة النساء 4 ثم ذكر حالهم عند أكلهم وشربهم فقال متكئين على سرر وقال ابن جرير فيه محذوف تقديره على نمارق على سرر وهي جمع سرير مصفوفة قد وضع بعضها إلى جنب بعض وباقي الآية مفسر في سورة الدخان 54 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امريء بما كسب رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقنا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم \r\n قوله تعالى وأتبعناهم ذرياتهم قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي واتبعتهم بالتاء ذريتهم واحدة بهم ذريتهم واحدة أيضا وقرأ نافع واتبعتهم ذريتهم واحد بهم ذرياتهم جمعا وقرأ ابن عامر وأتبعناهم ذرياتهم بهم ذرياتهم جمعا في الموضعين واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن معناها واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم من المؤمنين في الجنة وإن كانوا لم يبلغوا أعمال آبائهم تكرمة من الله تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس ","part":8,"page":50},{"id":3545,"text":" والثاني واتبعتهم ذريتهم بإيمان أي بلغت أن آمنت ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومعنى هذا القول أن أولادهم الكبار تبعوهم بإيمان منهم وأولادهم الصغار تبعوهم بإيمان الآباء لأن الولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده \r\n والثالث وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء فأدخلناهم الجنة وهذا مروي عن ابن عباس أيضا \r\n قوله تعالى وما ألتناهم قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وما ألتناهم بالهمزة وفتح اللام وقرأ ابن كثير وما ألتناهم بكسر اللام وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه ومالتناهم بإسقاط الهمزة مع كسر اللام وقرأ أبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ باسقاط الهمزة مع فتح اللام وقرأ ابن السميفع وما آلتناهم بمد الهمزة وفتحها وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري وما ولتناهم بواو مفتوحة من غير همة وبنصب اللام وقرأ ابن مسعود وأبو المتوكل وما ألتهم مثل جعلتهم وقد ذكرنا هذه الكلمة في الحجرات 140 والمعنى ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية \r\n كل امريء بما كسب رهين أي مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وقيل هذا الكلام يختص بصفة أهل النار وذلك الكلام قد تم \r\n قوله تعالى وأمددناهم قال ابن عباس هي الزيادة على الذي كان لهم ","part":8,"page":51},{"id":3546,"text":" قوله تعالى يتنازعون قال أبو عبيدة أي يتعاطون ويتداولون وأنشد الأخطل ... نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري ... \r\n قال الزجاج يتناول هذا الكأس من يد هذا وهذا من يد هذا فأما الكأس فقد شرحناها في الصافات 45 \r\n قوله تعالى لا لغو فيها ولا تأثيم قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا لغو فيها ولا تأثيم نصبا وقرأ الباقون لا لغو فيها ولا تأثيم رفعا منونا قال ابن قتيبة أي لا تذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا فيأثموا كما يكون ذلك في خمر الدنيا وقال غيره التأثيم تفعيل من الإثم يقال آثمه إذا جعله ذا إثم والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين \r\n ويطوف عليهم للخدمة غلمان لهم كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون أي مصون لم تمسه الأيدي وسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم فقال إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب \r\n وقوله تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال ابن عباس ","part":8,"page":52},{"id":3547,"text":" يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب وهو قوله قالوا إنا كنا قبل في أهلنا أي في دار الدنيا مشفقين أي خائفين من العذاب فمن الله علينا بالمغفرة ووقانا عذاب السموم أي عذاب النار وقال الحسن السموم من أسماء جهنم وقال غيره سموم جهنم وهو ما يوجد من نفحها وحرها إنا كنا من قبل ندعوه أي نوحده ونخلص له إنه هو البر وقرأ نافع والكسائي أنه بفتح الهمزة وفي معنى البر ثلاثة أقوال \r\n أحدها الصادق فيما وعد رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني اللطيف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والثالث العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عم ببره جميع خلقه قاله أبو سليمان الخطابي فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين \r\n قوله تعالى فذكر أي فعظ بالقرآن فما أنت بنعمة ربك أي بإنعامه عليك بالنبوة بكاهن وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر عما في غد من غير وحي والمعنى إنما تنطق بالوحي لا كما يقول فيك كفار مكة \r\n أم يقولون شاعر أي هو شاعر وقال أبو عبيدة أم بمعنى بل قال الأخطل ","part":8,"page":53},{"id":3548,"text":" كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا ... \r\n لم يستفهم إنما أوجب أنه رأى \r\n قوله تعالى نتربص به ريب المنون فيه قولان \r\n أحدهما أنه الموت قاله ابن عباس \r\n والثاني حوادث الدهر قاله مجاهد قال ابن قتيبة حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه والمنون الدهر قال أبو ذؤيب ... أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع ... \r\n هكذا أنشدناه أصحاب الأصمعي عنه وكان يذهب إلى أن المنون الدهر قال وقوله والدهر ليس بمعتب يدل على ذلك كأنه قال أمن الدهر وريبه تتوجع قال الكسائي العرب تقول لا أكلمك آخر المنون أي آخر الدهر \r\n قوله تعالى قل تربصوا أي انتظروا بي ذلك فإني معكم من المتربصين أي من المنتظرين عذابكم فعذبوا يوم بدر بالسيف وبعض المفسرين يقول هذا منسوخ بآية السيف ولا يصح إذ لا تضاد بين الآيتين \r\n قوله تعالى أم تأمرهم أحلامهم بهذا قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام وهي العقول فأزرى الله بحلومهم إذ لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل وقيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لم يؤمنوا ","part":8,"page":54},{"id":3549,"text":" وقد وصفهم الله تعالى بالعقول فقال تلك عقول كادها بارئها أي لم يصحبها التوفيق \r\n وفي قوله أم تأمرهم وقوله أم هم قولان \r\n أحدهما أنهما بمعنى بل قاله أبو عبيدة \r\n والثاني بمعنى ألف الاستفهام قاله الزجاج قال والمعنى أتأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق وقال ابن قتيبة المعنى أم تدلهم عقولهم على هذا لأن الحلم يكون بالعقل فكنى عنه به \r\n قوله تعالى أم يقولون تقوله أي افتعل القرآن من تلقاء نفسه والتقول تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب بل أي ليس الأمر كما زعموا لا يؤمنون بالقرآن استكبارا \r\n فليأتوا بحديث مثله في نظمه وحسن بيانه وقرأ أبو رجاء وأبو نهيك ومورق العجلي وعاصم الجحدري بحديث مثله بغير تنوين إن كانوا صادقين أن محمدا تقوله أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم الميكدون أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون \r\n قوله تعالى أم خلقوا من غير شيء فيه أربعة أقوال ","part":8,"page":55},{"id":3550,"text":" أحدها أم خلقوا من غير رب خالق \r\n والثاني أم خلقوا من غير آباء ولا أمهات فهم كالجماد لا يعقلون \r\n والثالث أم خلقوا من غير شيء كالسماوات والأرض أي إنهم ليبسوا بأشد خلقا من السماوات والأرض لأنها خلقت من غير شيء وهم خلقوا من آدم وآدم من تراب \r\n والرابع أم خلقوا لغير شيء فتكون من بمعنى اللام والمعنى ما خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون \r\n قوله تعالى أم هم الخالقون فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون لأن الخالق لا يؤمر ولا ينهى \r\n قوله تعالى بل لا يوقنون بالحق وهو توحيد الله وقدرته على البعث قوله تعالى أم عندهم خزائن ربك فيه ثلاثة أقوال أحدها المطر والرزق قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله عكرمة والثالث علم ما يكون من الغيب ذكره العثلبي وقال الزجاج المعنى أعندهم ما في خرائن ربك من العلم وقيل من الرزق فهم معرضون عن ربهم لاستغنائهم \r\n قوله تعالى أم هم المصيطرون قرأ ابن كثير المسيطرون بالسين وقال ابن عباس المسلطون قال أبو عبيدة المصيطرون الأرباب يقال تسيطرت علي أي اتخذتني خولا قال ولم يأت في كلام العرب اسم على مفيعل إلا خمسة أسماء مهيمن ومجيمر ومسيطر ومبيطر ومبيقر فالمهيمن الله الناظر المحصي الذي لا يفوته ","part":8,"page":56},{"id":3551,"text":" شيء ومجيمر جبل والمسيطر المسلط ومبيطر بيطار والمبيقر الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال بيقر إذا خرج من بلد إلى بلد قال امرؤ القيس ... ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا ... \r\n قال الزجاج المسيطرون الأرباب المسلطون يقال قد تسيطر علينا وتصيطر بالسين والصاد والأصل السين وكل سين بعدها طاء فيجوز أن تقلب صادا تقول سطر وصطر وسطا علينا وصطا قال المفسرون معنى الكلام أم هم الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى \r\n قوله تعالى أم لهم سلم أي مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه أي عليه الوحي كقوله في جذوع النخل طه 71 فالمعنى يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم عليه حق فليات مستمعهم إن ادعى ذلك بسلطان مبين أي بحجة واضحة كما أتى محمد بحجة على قوله \r\n أم له البنات ولكم البنون هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله البنات \r\n أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أي هل سألتهم أجرا على ما جئت به فأثقلهم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الاسلام والمغرم بمعنى الغرم وقد شرحناه في براءة 98 \r\n قوله تعالى أم عندهم الغيب هذا جواب لقولهم نتربص به ريب المنون والمعنى أعندهم الغيب وفيه قولان \r\n أحدهما أنه اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس قاله ابن عباس ","part":8,"page":57},{"id":3552,"text":" والثاني أعندهم علم الغيب فيعلمون أن محمدا يموت قبلم فهم يكتبون أي يحكمون فيقولون سنقهرك والكتاب الحكم ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم سأقضي بينكما بكتاب الله أي بحكم الله عز و جل وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة \r\n قوله تعالى أم يريدون كيدا وهو ما كانوا عزموا عليه في دار الندوة وقد شرحنا ذلك في قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا الأنفال 30 ومعنى هم المكيدون هم المجزيون بكيدهم لأن ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها \r\n أم لهم إله غير الله أي ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله والمعنى أن الأصنام ليست بآلهة لأنها لا تنفع ولا تدفع ثم نزه نفسه عن شركهم بباقي الآية وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ","part":8,"page":58},{"id":3553,"text":" وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم \r\n ثم ذكر عنادهم فقال وإن يروا كسفا من السماء ساقطا والمعنى لو سقط بعض السماء عليهم لما انتهوا عن كفرهم ولقالوا هذه قطعة من السحاب قدركم بعضه على بعض \r\n فذرهم أي خل عنهم حتى يلاقوا قرأ أبو جعفر يلقوا بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف يومهم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه يوم موتهم والثاني يوم القيامة والثالث يوم النفخة الأولى \r\n قوله تعالى يصعقون قرأ عاصم وابن عامر يصعقون برفع الياء من أصعقهم غيرهم والباقون بفتحها من صعقوهم \r\n وفي قوله يصعقون قولان \r\n أحدهما يموتون والثاني يغشى عليهم كقوله وخر موسى صعقا الأعراض 143 وهذا يخرج على قول من قال هو يوم القيام فإنهم يغشى عليهم من الأهوال وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا يصح لأن معنى الآية الوعيد \r\n قوله تعالى يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا هذا اليوم الأول والمعنى لا ينفعهم مركهم ولا يدفع عنهم العذاب ولا هم ينصرون أي يمنعون من العذاب \r\n قوله تعالى وإن للذين ظلموا أي أشركوا عذابا دون ذلك أي قبل ذلك اليوم وفيه أربعة أقوال ","part":8,"page":59},{"id":3554,"text":" أحدها أنه عذاب القبر قاله البراء وابن عباس والثاني عذاب القتل يوم بدر وروي عن ابن عباس أيضا وبه قال مقاتل والثالث مصائبهم في الدنيا قاله الحسن وابن زيد والرابع عذاب الجوع قاله مجاهد \r\n قوله تعالى ولكن أكثرهم لا يعلمون أي لا يعلمون ما هو نازل بهم \r\n واصبر لحكم ربك أي لما يحكم به عليك فإنك بأعيننا قال الزجاج فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك فلا يصلون إلى مكروهك وذكر المفسرون أن معنى الصبر نسخ بآية السيف ولا يصح لأنه لا تضاد \r\n وسبح بحمد ربك حين تقوم فيه ستة أقوال \r\n أحدها صل لله حين تقوم من منامك قاله ابن عباس \r\n والثاني قل سبحانك اللهم وبحمدك حين تقوم من مجلسك قاله عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين \r\n والثالث قل سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك حين تقوم في الصلاة قاله الضحاك \r\n والرابع سبح الله إذا قمت من نومك قاله حسان بن عطية \r\n والخامس صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة قاله زيد بن أسلم \r\n والسادس اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى ومن الليل فسبحه قال مقاتل صل المغرب وصل العشاء وإدبار النجوم قرأ زيد عن يعقوب وهارون عن أبي عمرو والجعفي ","part":8,"page":60},{"id":3555,"text":" عن أبي بكر وأدبار النجوم بفتح الهمزة وقرأ الباقون بكسرها وقد شرحناها في ق40 والمعنى صل له في إدبار النجوم أي حين تدبر أي تغيب بضوء الصبح وفي هذه الصلاة قولان \r\n أحدهما أنها الركعتان قبل صلاة الفجر رواه علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو قول الجمهور \r\n والثاني أنها صلاة الغداة قاله الضحاك وابن زيد ","part":8,"page":61},{"id":3556,"text":" سورة النجم \r\n وهي مكية بإجماعهم \r\n إلا أنه قد حكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا إلا آية منها وهي الذين يجتنبون كبائر الإثم النجم 32 وكذلك قال مقاتل قال وهذه أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذى هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى \r\n قوله تعالى والنجم إذا هوى هذا قسم وفي المراد بالنجم خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الثريا رواه العوفي عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد قال ابن قتيبة والعرب تسمي الثريا وهي ستة أنجم نجما وقال غيره هي سبعة فستة ظاهرة وواحد خفي يمتحن به الناس أبصارهم \r\n والثاني الرجوم من النجوم يعني ما يرمى به الشياطين رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه القرآن نزل نجوما متفرقة قاله عطاء عن ابن عباس ","part":8,"page":62},{"id":3557,"text":" والأعمش عن مجاهد وقال مجاهد كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ونحو ذلك \r\n والرابع نجوم السماء كلها وهو مروي عن مجاهد أيضا والخامس أنها الزهرة قاله السدي \r\n فعلى قول من قال النجم الثريا يكون هوى بمعنى غاب ومن قال هو الرجوم يكون هويها في رمي الشياطين ومن قال القرآن يكون معنى هوى نزل ومن قال نجوم السماء كلها ففيه قولان \r\n أحدهما أن هويها أن تغيب والثاني أن تنتثر يوم القيامة \r\n قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها وقرأ أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر وقرأ حمزة والكسائي ذلك كله بالإمالة \r\n قوله تعالى ما ضل صاحبكم هذا جواب القسم والمعنى ما ضل عن طريق الهدى والمراد به رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n وما ينطق عن الهوى أي ما يتكلم بالباطل وقال أبو عبيدة عن بمعنى الباء وذلك أنهم قالوا إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه \r\n إن هو أي ما القرآن إلا وحي من الله يوحى وهذا مما يحتج به من لا يجيز للنبي أن يجتهد وليس كما ظنوا لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي جاز أن ينسب إلى الوحي علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة ","part":8,"page":63},{"id":3558,"text":" المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى \r\n قوله تعالى علمه شديد القوى وهو جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله عليه و سلم قال ابن قتيبة وأصل هذا من قوى الحبل وهي طاقاته الواحدة قوة ذو مرة أي ذو قوة وأصل المرة الفتل قال المفسرون وكان من قوته أنه قلع قريات لوط وحملها على جناحه فقلبها وصاح بثمود فأصبحوا خامدين \r\n قوله تعالى فاستوى وهو بالأفق الأعلى فيه قولان \r\n أحدهما فاستوى جبريل وهو يعني النبي صلى الله عليه و سلم والمعنى أنهما استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه و سلم قاله الفراء ","part":8,"page":64},{"id":3559,"text":" والثاني فاستوى جبريل وهو يعني جبريل بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه و سلم إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل وأحب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق فيكون المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى في صورته هذا قول الزجاج قال مجاهد والأفق الأعلى هو مطلع الشمس وقال غيره إنما قيل له الأعلى لأنه فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء \r\n قوله تعال ثم دنا فتدلى قال الفراء المعنى ثم تدلى فدنا ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا فتقول قد دنا فقرب وقرب فدنا وشتم فأساء وأساء فشتم ومنه قوله اقتربت الساعة وانشق القمر المر 1 المعنى والله أعلم انشق القمر واقتربت الساعة قال ابن قتيبة المعنى تدلى فدنا لأنه تدلى للدنو ودنا بالتدلي وقال الزجاج دنا بمعنى قرب وتدلى زاد في القرب ومعنى اللفظتين واحد وقال غيرهم أصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب \r\n وفي المشار إليه بقوله ثم دنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الله عز و جل روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وروى أبو سلمة عن ابن عباس ثم دنا ","part":8,"page":65},{"id":3560,"text":" قال دنا ربه فتدلى وهذا اختيار مقاتل قال دنا الرب من محمد ليلة أسري به فكان منه قاب قوسين أو أدنى وقد كشفت هذا الوجه في كتاب المغني وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك \r\n والثاني أنه محمد دنا من ربه قاله ابن عباس والقرظي \r\n والثالث أنه جبريل ثم في الكلام قولان \r\n أحدهما دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله الحسن وقتادة والثاني دنا جبريل من ربه عز و جل فكان منه قاب قوسين أو أدنى قاله مجاهد \r\n قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى وقرأ ابن مسعود وأبو رزين فكان قاد قوسين بالدال قوال أبو عبيدة القاب والقاد القدر وقال ","part":8,"page":66},{"id":3561,"text":" ابن فارس القاب القدر ويقال بل القاب ما بين المقبض والسية ولكل قوس قابان وقال ابن قتيبة سية القوس ما عطف من طرفيها \r\n وفي المراد بالقوسين قولان \r\n أحدهما أنها القوس التي يرمى بها قاله ابن عباس واختاره ابن قتيبة فقال قدر قوسين وقال الكسائي اراد بالقوسين قوسا واحد \r\n والثاني أن القوس الذراع فالمعنى كان بينهما قدر ذراعين حكاه ابن قتيبة وهو قول ابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي قال ابن مسعود دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين \r\n قوله تعالى أو أدنى في قولان \r\n أحدهما أنها بمعنى بل قاله مقاتل والثاني أنهم خوطبوا على لغتهم والمعنى كان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل هذا اختيار الزجاج \r\n قوله تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة وهذا على قول من يقول إنه كان في ليلة المعراج \r\n والثاني أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم ما أوحى الله إليه رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث أوحى الله إلى جبريل ما يوحيه روي عن عائشة رضي الله عنها والحسن وقتادة ","part":8,"page":67},{"id":3562,"text":" قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى قرأ أبو جعفر وهشام عن ابن عامر وأبان عن عاصم ما كذب بتشديد الذال وقرأ الباقون بالتخفيف فمن شدد أراد ما أنكر فؤاده ما رأته عينه ومن خفف أراد ما أوهمه فؤاده أنه رأى ولم ير بل صدق الفؤاد رؤيته \r\n وفي الذي رأى قولان \r\n أحدهما أنه رأى ربه عز و جل قاله ابن عباس وأنس والحسن وعكرمة \r\n والثاني أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها قاله ابن مسعود وعائشة \r\n قوله تعالى أفتمارونه وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وخلف ويعقوب أفتمرونه قال ابن قتيبة معنى أفتمارونه أفتجادلونه من المراء ومعنى أفتمرونه أفتجحدونه \r\n قوله تعالى ولد رآه نزلة أخرى قال الزجاج أي رآه مرة أخرى قال ابن عباس رأى محمد ربه وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا فرأى ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى قال كعب إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين وقد ","part":8,"page":68},{"id":3563,"text":" روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا رآه على صورته التي خلق عليها \r\n فأما سدرة المنتهى فالسدرة شجرة النبق وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة وفي مكانها قولان \r\n أحدهما أنها فوق السماء السابعة وهذا مذكور في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة قال مقاتل وهي عن يمين العرش \r\n والثاني أنها في السماء السادسة أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود وبه قال الضحاك قال المفسرون وإنما سميت سدرة المنتهى لأنه إليها منتهى ما يصعد به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وإليها ينتهي علم جميع الملائكة \r\n قوله تعالى عندها وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر وأبو نهيك عنده بهاء مرفوعة على ضمير مذكر جنة المأوى قال ابن عباس هي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة وقال الحسن هي التي يصير إليها أهل الجنة وقال مقاتل هي جنة إليها تأوي أرواح الشهداء وقرأ سعيد بن المسيب والشعبي وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو العالية جنة المأوى بهاء ","part":8,"page":69},{"id":3564,"text":" صحيحة مرفوعة قال ثعلب يريدون أجنه وهي شاذة وقيل معنى عندها أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى إن يغشى السدرة ما يغشى روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال غشيها فراش من ذهب وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها وقال الحسن ومقاتل تغشاها الملائكة أمثلا الغربان حين يقعن على الشجرة وقال الضحاك غشيها نور رب العالمين \r\n قوله تعالى ما زاغ البصر أي ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه و سلم يمينا ولا شمالا وما طغى أي ما زاد ولا جاوز ما رأى وهذا وصف أدبه صلى الله عليه و سلم في ذلك المقام \r\n لقد رأى من آيات ربه الكبرى فيه قولان أحدهما لقد رأى من آيات ربه العظام والثاني لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى ","part":8,"page":70},{"id":3565,"text":" وللمفسرين في المراد بما رأى من الآيات ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق قاله ابن مسعود \r\n والثاني أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات قاله ابن زيد \r\n والثالث أنه رأى من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى قاله ابن جرير أفرأيتم اللات والعزى ومنوة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى \r\n قال الزجاج فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال أفرأيتم اللات والعزى المعنى أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء \r\n فأما اللات فقرأ الجمهور بتخفف التاء وهو اسم صنم كان لثقيف اتخذوه من دون الله وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى قال أبو سليمان الخطابي كان ","part":8,"page":71},{"id":3566,"text":" المشركون يتعاطون الله اسما لبعض أصنامهم فصرفه الله إلى اللات صيانة لهذا الاسم وذبا عنه وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك وابن السميفع ومجاهد وابن يعمر والأعمش وورش عن يعقوب اللات بتشديد التاء ورد في تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد أن رجلا كان يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره فعبدون وقال الزجاج زعموا أن رجلا كا يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم فسمي الصنم اللات وكان الكسائي يقف عليه بالهاء فيقول اللاه وهذا قياس والأجود الوقوف بالتاء لاتباع المصحف \r\n وأما العزى ففيها قولان \r\n أحدهما أنها شجرة لغطفان كانوا يعبدونها قاله مجاهد \r\n والثاني صنم لهم قاله الضحاك قال وأما مناة فهو صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة وقال قتادة بل كانت للأنصار وقال أبو عبيدة كانت اللات والعزى ومناة أصناما من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها وقرأ ابن كثر ومناءة ممدودة مهموزة \r\n فأما قوله الثالثة فإنه نعت ل مناة هي ثالثة الصنمين في الذكر والأخرى نعت لها قال الثعلبي العرب لا تقول للثالثة الأخرى وإنما الأخرى نعت للثانية فيكون في المعنى وجهان \r\n أحدهما أن ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى طه 18 ولم يقل أخر قاله الخليل ","part":8,"page":72},{"id":3567,"text":" والثاني أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة قاله الحسين بن الفضل \r\n قوله تعالى ألكم الذكر قال ابن السائب إن مشركي قريش قالوا للأصنام والملائكة بنات الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره فقال الله تعالى منكرا عليهم ألكم الذكر وله الأنثى يعني الأصنام وهي إناث في أسمائها \r\n تلك إذا قسمة ضيزى قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ضيزى بكسر الضاد من غير همز وافقهم ابن كثير في كسر الضاد لكنه همز وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ ضيزى بفتح الضاد من غير همز قال الزجاج الضيزى في كلام العرب الناقصة الجائرة يقال ضازه يضيزه إذا نقصه حقه ويقال ضأزه يضأزه بالهمز وأجمع النحويون أن أصل ضيزى ضوزى وحجتهم أنها نقلت من فعلى من ضوزى إلى ضيزى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيض وأصله بوض فنقلت الضمة إلى الكسرة وقرأت على بعض العلماء باللغة في ضيزى لغات يقال ضيزى وضوزى وضؤزى وضأزى على فعلى مفتوحة ولا يجوز في القرآن إلا ضيزى بياء غير مهموزة وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام فعلى صفة إنما يعرفون الصفات على فعلى بالفتح نحو سكرى وغضبى أو بالضم نحو حبلى وفضلى \r\n قوله تعالى إن هي يعني الأوثان إلا أسماء والمعنى إن هذه الأوثان ","part":8,"page":73},{"id":3568,"text":" التي سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها لأنها لا تضر ولا تنفع فهي تسميات ألقيت على جمادات ما أنزل الله بها من سلطان أي لم ينزل كتابا فيه حجة بما يقولون إنها آلهة ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال إن يتبعون في أنها آلهة إلا الظن وما تهوى الأنفس وهو ما زين لهم الشيطان ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو البيان بالكتاب والرسول وهذا تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان \r\n ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال أم للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام فلله الآخرة والأولى أي لا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه ثم أكد هذا بقوله وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا فجمع في الكناية لأن معنى الكلام الجمع إلا من بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء ويرضى والمعنى أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنهم إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملئكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى \r\n قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وذلك ين زعموا أنها بنات الله وما لهم بذلك من علم أي ما يستيقنون أنها إناث إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي لا يقوم مقام العلم فالحق ها هنا بمعنى العلم ","part":8,"page":74},{"id":3569,"text":" فأعرض عمن تولى عن ذكرنا يعني القرآن وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف \r\n قوله تعالى ذلك مبلغهم من العلم قال الزجاج إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم وقد نبذوا أمر الآخرة \r\n قوله تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله الآية والمعنى أنه عالم بالفريقين فيجازيهم \r\n ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يتجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى \r\n قوله تعالى ولله ما في السموات وما في الأرض هذا إخبرا عن قدرته وسعة ملكه وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله ليجزي الذين أساؤوا لأن اللام في ليجزي متعلقة بمعنى الآية الأولى لأنه إذا كان أعلم بهما جازى كلا بما يستحقه وهذه لام العاقبة وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك فلذلك أخبر به في قوله ولله ما في السموات وما في الأرض قال المفسرون وأساؤوا بمعنى أشركوا وأحسنوا بمعنى وحدوا والحسنى الجنة والكبائر مذكورة في سورة النساء 31 وقيل كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وخلف يجتنبون كبير الإثم واللمم في كلام العرب المقاربة للشيء وفي المراد به ها هنا ستة أقوال ","part":8,"page":75},{"id":3570,"text":" أحدها ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية فإنه يغفر في الإسلام قاله زيد بن ثابت \r\n والثاني أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود قاله ابن عباس والحسن والسدي \r\n والثالث أنه صغار الذنوب كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا قاله ابن مسعود وأبو هريرة والشعبي ومسروع ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تشتهي وتتمنى ويصدق ذلك ويكذبه الفرج فإن تقدم بفرجه كان الزنا وإلا فهو اللمم \r\n والرابع أنه ما يهم به الإنسان قاله محمد بن الحنفية \r\n والخامس أنه ألم بالقلب أي خطر قاله سعيد بن المسيب \r\n والسادس أنه النظر من غير تعمد قاله الحسين بن الفضل فعلى القولين الأولين يكون الاستثناء من الجنس وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس \r\n قوله تعالى إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس لمن فعل ذلك ثم تاب وها هنا تم الكلام ثم قال هو أعلم بكم يعني قبل خلقكم إذ أنشأكم من الأرض يعني آدم عليه ا لسلام وإذ أنتم أجنة جمع جنين والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون فلا تزكوا أنفسكم أي لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي وقيل لا تمدحوها بحسن أعمالها وفي سبب نزول هذه الآية قولان ","part":8,"page":76},{"id":3571,"text":" أحدهما أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي قالوا صديق فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة رضي الله عنها \r\n والثاني أن ناسا من المسلمين قالوا قد صلينا وصمنا وفعلنا يزكون أنفسهم فنزلت هذه الآية قاله مقاتل \r\n قوله تعالى وهو أعلم بمن اتقى فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها عمل حسنة و أرعوى عن معصية قاله علي رضي الله عنه \r\n والثاني أخلص العمل لله قاله الحسن والثالث اتقى الشرك فآمن قاله الثعلبي \r\n أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبرهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى \r\n قوله تعالى أفرأيت الذي تولى اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الوليد بن المغيرة وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه و سلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال تركت دين الأشياخ وضللتهم قال إني خشيت عذاب الله فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز و جل ففعل فأعطاه بعض الذي ضمن له ثم بخل ومنعه فنزلت هذه الآية قاله مجاهد وابن زيد ","part":8,"page":77},{"id":3572,"text":" والثاني أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص حتى ارتد عن إسلامه وضمن له أن يحمل عنه إثمه قاله الضحاك \r\n والثالث أنه أبو جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق قاله محمد بن كعب القرظي \r\n والرابع أنه العاص بن وائل السهمي وكان ربما وافق رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض الأمور قاله السدي \r\n ومعنى تولى أعرض عن الإيمان وأعطى قليلا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أطاع قليلا ثم عصى قاله ابن عباس والثاني أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع قاله مجاهد والثالث أعطى قليلا من ماله ثم منع قاله الضحاك والرابع أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع قاله مقاتل قال ابن قتيبة ومعنى أكدى قطع وهو من كدية الركية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى \r\n قوله تعالى أعنده علم الغيب فهو يرى فيه قولان \r\n أحدهما فهو يرى حاله في الآخرة قاله الفراء والثاني فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى أم لم ينبأ بما في صحف موسى يعني التوراة وإبراهيم أي وصحف إبراهيم وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الله تعالى أنزل ","part":8,"page":78},{"id":3573,"text":" على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف \r\n قوله تعالى الذي وفى قرأ سعيد بن جبير وأبو عمران الجوني وابن السميفع اليماني وفي بتخفيف الفاء قال الزجاج قوله وفى أبلغ من وفى لأن الذي امتحن به من أعظم المحن وللمفسرين في الذي وفي عشرة أقوال \r\n أحدها أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار رواه أبوأمامة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنه وفي في كلمات كان يقولها روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الروم 17 وختم الآية ","part":8,"page":79},{"id":3574,"text":" والثالث أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال القرظي \r\n والرابع أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس \r\n والخامس أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة روي عن ابن عباس أيضا \r\n والسادس أنه عمل بما أمر به قاله الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وقال مجاهد وفى ما فرض عليه \r\n والسابع أنه وفى بتبليغ هذه الآيات وهي ألا تزر وازرة وزر أخرى وما بعدها وهذا مروى عن عكرمة ومجاهد والنخعي \r\n والثامن وفي شأن المناسك قاله الضحاك \r\n والتاسع أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا فلما قذف في النار قال له جبريل ألك حاجة فقال أما إليك فلا فوفى بما عاهد ذكره عطاء بن السائب \r\n والعاشر أنه أدى الأمانة قاله سفيان بن عيينة \r\n ثم بين ما في صحفهما فقال ألا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى والمعنى لا تؤخذ بإثم غيرها \r\n وأن ليس للإنسان إلا ما سعى قال الزجاج هذا في صحفهما أيضا ومعناه ليس للإنسان إلا جزاء سعيه إن عمل خيرا جزي عليه خيرا وإن عمل شرا جزي شرا واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال ","part":8,"page":80},{"id":3575,"text":" أحدها أنها منسوخة بقوله وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الطور 21 فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء قاله ابن عباس ولا يصح لأن لفظ الآيتين لفظ خبر والأخبار لا تنسخ \r\n والثاني أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم قاله عكرمة واستدل بقول النبي صلى الله عليه و سلم للمرأة التي سألته إن أبي مات ولم يحج فقال حجي عنه \r\n والثالث أن المراد بالإنسان ها هنا الكافر فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له قاله الربيع بن أنس \r\n والرابع أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله عز و جل ما يشاء قاله الحسين بن الفضل \r\n والخامس أن معنى ما سعى ما نوى قاله أبو بكر الوراق \r\n والسادس ليس للكافر من الخير إلى ما عمله في الدنيا فيثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير ذكره الثعلبي \r\n والسابع أن اللام بمعنى على فتقديره ليس على الإنسان إلا ما سعى \r\n والثامن أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق وتارة يسعى في خدمة الدين ","part":8,"page":81},{"id":3576,"text":" والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين فيكون ذلك سببا حصل بسعيه حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني \r\n قوله تعالى وأن سعيه سوف يرى فيه قولان \r\n أحدهما سوف يعلم قاله ابن قتيبة \r\n والثاني سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة أي يرى عمله في ميزانه قاله الزجاج \r\n قوله تعالى يجزاه الهاء عائدة على السعي الجزاء الأوفى أي الأكمل الأتم \r\n وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى \r\n وأن إلى ربك المنتهى أي منتهى العباد ومرجعهم قال الزجاج هذا كله في صحف إبراهيم وموسى \r\n قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى قالت عائشة مرة رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوم يضحكون فقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية فرجع إليهم فقال ","part":8,"page":82},{"id":3577,"text":" ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال إئت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول وأنه هو أضحك وأبكى وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى الضحك والبكاء وقال مجاهد أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار وقال الضحاك أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر \r\n قوله تعالى وأنه هو أمات في الدنيا وأحيا للبعث \r\n وأنه خلق الزوجين أي الصنفين الذكر والأنثى من جميع الحيوانات من نطفة إذا تمنى فيه قولان \r\n أحدهما إذا تراق في الرحم قاله ابن السائب \r\n والثاني إذا تخلق وتقدر وأن عليه النشأة الأخرى وهي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة \r\n وأنه هو أغنى فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أغنى بالكفاية قاله ابن عباس والثاني بالمعيشة قاله الضحاك والثالث بالأموال قاله أبو صالح والرابع بالقناعة قاله سفيان \r\n وفي قوله أقنى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أرضى بما أعطى قاله ابن عباس \r\n والثاني أخدم قاله الحسن وقتادة وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث جعل للإنسان قنية وهو أصل مال قاله أبو عبيدة ","part":8,"page":83},{"id":3578,"text":" قوله تعالى وأنه هو رب الشعرى قال ابن قتيبة هو الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء وكان ناس من العرب يعبدونها \r\n قوله تعالى وأنه أهلك عادا الأولى قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي عادا الأولى منونة وقرأ نافع وأبو عمرو عادا لولى موصولة مدغمة ثم فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم قوم هود وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى هذا قول الجمهور \r\n والثاني أن قوم هود هم عاد الأخرى وهم من أولاد عاد الأولى قاله كعب الأحبار وقال الزجاج وفي الأولى لغات أجودها سكون اللام وإثبات الهمزة والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة ومن العرب من يقول لولى يريد الأولى فتطرح الهمزة لتحرك اللام \r\n قوله تعالى وقوم نوح من قبل أي من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم \r\n والمؤتفكة قرى قوم لوط أهوى أي أسقط وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد أن رفعها وأتبعهم الله بالحجارة فذلك قوله فغشاها أي ألبسها ما غشى يعني الحجارة فبأي آلاء ربك تتمارى هذا خطاب للإنسان لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته قال فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك وقال ابن عباس فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد يعني الوليد بن المغيرة ","part":8,"page":84},{"id":3579,"text":" هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا \r\n قوله تعالى هذا نذير فيه قولان \r\n أحدهما أنه القرآن نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة قاله قتادة \r\n والثاني أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم نذير بما أنذرت به الأنبياء قاله ابن جريج \r\n قوله تعالى أزفت الآزفة أي دنت القيامة ليس لها من دون الله كاشفة فيه قولان \r\n أحدهما إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها قاله عطاء وقتادة والضحاك \r\n والثاني ليس لعلمها كاشف دون الله أي لا يعلم علمها إلا الله قاله الفراء قال وتأنيث كاشفة كقوله هل ترى لهم من باقية الحاقة 8 يريد من بقاء والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر وقال غيره تأنيث كاشفة على تقدير نفس كاشفة \r\n قوله تعالى أفمن هذا الحديث قال مقاتل يعني القرآن تعجبون تكذيبا به وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد ويعني بهذا كفار مكة وأنتم سامدون فيه خمسة أقوال ","part":8,"page":85},{"id":3580,"text":" أحدها لاهون رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الفراء والزجاج قال أبو عبيدة يقال دع عنك سمودك أي لهوك \r\n والثاني معرضون قاله مجاهد \r\n والثالث أنه الغناء وهي لغة يمانية يقولون اسمد لنا أي تغن لنا رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عكرمة هو الغناء بالحميرية \r\n والرابع غافلون قاله قتادة \r\n والخامس أشرون بطرون قاله الضحاك \r\n قوله تعالى فاسجدوا لله فيه قولان \r\n أحدهما أنه سجود التلاوة قاله ابن مسعود \r\n والثاني سجود الفرض في الصلاة \r\n قال مقاتل يعني بقوله فاسجدوا الصلوات الخمس \r\n وفي قوله واعبدوا قولان \r\n أحدهما أنه التوحيد والثاني العبادة ","part":8,"page":86},{"id":3581,"text":" سورة القمر \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر \r\n وهي مكية بإجماعهم وقال مقاتل مكية غير آية سيهزم الجمع القمر 45 وحكي عنه أنه قال إلا ثلاث آيات أولها أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله وأمر القمر 44 46 قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن كت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إن فعلت تؤمنون قالوا نعم فسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين ورسول الله صلى الله عليه و سلم ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا وذلك بمكة قبل الهجرة وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":8,"page":87},{"id":3582,"text":" اشهدوا وقد روى حديث الانشقاق جماعة منهم عبد الله بن عمر وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عباس وأنس بن مالك وعلى هذا جميع المفسرين إلا أن قوما شذوا فقالوا سينشق يوم القيامة وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع ولأن قوله وانشق لفظ ماض وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل وليس ذلك موجودا وفي قوله وإن يروا آية يعرضوا دليل على أنه قد كان ذلك ومعنى اقتربت دنت والساعة القيامة وقال الفراء فيه تقديم وتأخير تقديره انشق القمر واقتربت الساعة وقال مجاهد انشق القمر فصار فرقتين فثبتت فرقة وذهبت فرقة وراء الجبل وقال ابن زيد لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان والنصف الآخر على أبي قبيس قال ابن مسعود لما انشق القمر قالت قريش سحركم ابن أبي كبشة فاسألوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله عز و جل اقتربت الساعة وانشق القمر ","part":8,"page":88},{"id":3583,"text":" قوله تعالى وإن يروا آية أي آية تدلهم على صدق الرسول والمراد بها ها هنا انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق ويقولوا سحر مستمر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ذاهب من قولهم مر الشيء واستمر إذا ذهب قاله مجاهد وقتادة والكسائي والفراء فعلى هذا يكون المعنى هذا سحر والسحر يذهب ولا يثبت \r\n والثاني شديد قوي قاله أبو العالية والضحاك وابن قتيبة قال وهو مأخوذ من المرة والمرة الفتل والثالث دائم حكاه الزجاج \r\n قوله تعالى وكذبوا يعني كذبوا النبي صلى الله عليه و سلم وما عاينوا من قدرة الله تعالى واتبعوا أهواءهم ما زين لهم الشيطان وكل أمر مستقر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن كل أمر مستقر بأهله فالخير يستقر بأهل الخير والشر يستقر بأهل الشر قاله قتادة \r\n والثاني لكل حديث منتهى وحقيقة قاله مقاتل \r\n والثالث أن قرار تكذيبهم مستقر وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا حقيقته بالثواب والعقاب قاله الفراء \r\n قوله تعالى ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ما فيه مزدجر قال ابن قتيبة أي متعظ ومنتهى \r\n قوله تعالى حكمة بالغة قال الزجاج هي مرفوعة لأنها بدل من ","part":8,"page":89},{"id":3584,"text":" ما فالمعنى ولقد جاءهم حكمة بالغة وإن شئت رفعتهما بإضمار هو حكمة بالغة وما في قوله فما تغن النذر جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ فيكون المعنى أي شيء تغني النذر وجائز أن يكون نفيا على معنى فليست تغني النذر قال المفسرون والمعنى جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية فما تغني النذر إذا لم يؤمنوا فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر \r\n فتول عنهم قال الزجاج هذا وقف التمام ويوم منصوب بقوله يخرجون من الأجداث وقال مقاتل فتول عنهم إلى يوم يدع الداعي أثبت هذه الياء في الحالين يعقوب وافقه أبو جعفر وأبو عمرو في الوصل وحذفها الأكثرون في الحالين والداعي إسرافيل ينفخ النفخة الثانية إلى شيء نكر وقرأ ابن كثير نكر خفيفة أي إلى أمر فظيع وقال مقاتل النكر بمعنى المنكر وهو القيامة وإنما ينكرونه إعظاما له والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين بآية السيف \r\n قوله تعالى خشعا أبصارهم قرأ أهل الحجاز وابن عامر وعاصم خشعا بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي خاشعا بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين قال الزجاج المعنى يخرجون خشعا وخاشعا منصوب على الحال وقرأ ابن مسعود خاشعة ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتأنيث ","part":8,"page":90},{"id":3585,"text":" والجمع تقول مررت بشبان حسن أوجههم وحسان أوجههم وحسنة أوجههم قال الشاعر ... وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد ... \r\n قال المفسرون والمعنى أن أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب والأجداث القبور وإنما شبههم بالجراد المنتشر لأن الجراد لا جهة له يقصدها فهو أبدا مختلف بعضه في بعض فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها والداعي إسرافيل وقد أثبت ياء الداعي في الحالين ابن كثير ويعقوب تابعهما في الوصل نافع وأبو عمرو والباقون بحذفها في الحالين وقد بينا معنى مهطعين في سورة إبراهيم 43 والعسر الصعب الشديد \r\n كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازد جر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ","part":8,"page":91},{"id":3586,"text":" قوله تعالى كذبت قبلهم أي قبل أهل مكة قوم نوح فكذبوا عبدنا نوحا وقالوا مجنون وازدجر قال أبو عبيدة افتعل من زجر قال المفسرون زجروه عن مقالته فدعا عليهم نوح ربه ب أني مغلوب فانتصر أي فانتقم لي ممن كذبني قال الزجاج وقرأ عيسى بن عمر النحوي إني بكسر الألف وفسرها سيبويه فقال هذا على إرادة القول فالمعنى قال إني مغلوب ومن فتح وهو الوجه فالمعنى دعا ربه أني مغلوب \r\n قوله تعالى ففتحنا أبواب المساء قرأ ابن عامر ففتحنا بالتشديد فأما المنهمر فقال ابن قتيبة هو الكثير السريع الانصباب ومنه يقال همر الرجل إذا أكثر من الكلام وأسرع وروى علي رضي الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة وهي شرج السماء وعلى ما ذكرنا من القصة في هود 44 أن المطر جاءهم يكون هو المراد بقوله ففتحنا أبواب السماء قال المفسرون جاءهم الماء من فوقهم أربعين يوما وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما \r\n فالتقى الماء وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء وعاصم الجحدري المآءان بهمزة وألف ونون مكسورة وقرأ ابن مسعود المايان بياء وألف ونون مكسورة من غير همز وقرأ الحسن وأبو عمران الماوان بواو وألف وكسر النون قال الزجاج يعني بالماء ماء السماء وماء الأرض ويجوز الماءان لأن اسم الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء \r\n قوله تعالى على أمر قد قدر فيه قولان \r\n أحدهما كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض قاله مقاتل ","part":8,"page":92},{"id":3587,"text":" والثاني قد قدر في اللوح المحفوظ قاله الزجاج فيكون المعنى على أمر قد قضي عليهم وهو الغرق قوله تعالى وحملناه يعني نوحا على ذات ألواح ودسر قال الزجاج أي على سفينة ذات ألواح قال المفسرون ألواحها خشباتها العريضة التي منها جمعت وفي الدسر أربعة أقوال \r\n أحدها أنها المسامير رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال قتادة والقرظي وابن زيد وقال الزجاج الدسر المسامير والشرط التي تشد بها الألواح وكل شيء نحو السمر أو إدخال شيء في شيء بقوة وشدة قهر فهو دسر يقال دسرت المسمار أدسره وأدسره والدسر واحدها دسار نحو حمار وحمر \r\n والثاني أنه صدر السفينة سمي بذلك لأنه يدسر الماء أي يدفعه رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومنه الحديث في العنبر أنه شيء دسره البحر أي دفعه \r\n والثالث أن الدسر أضلاع السفينة قاله مجاهد \r\n والرابع أن الدسر طرفاها وأصلها والألواح جانباها قاله الضحاك \r\n قوله تعالى تجري بأعيننا أي بمنظر ومرأى منا جزاء قال الفراء فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به \r\n وفي المراد ب من ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الله عز و جل وهو مذهب مجاهد فيكون المعنى عوقبوا لله ولكفرهم به ","part":8,"page":93},{"id":3588,"text":" والثاني أنه نوح كفر به وجحد أمره قاله الفراء \r\n والثالث أن من بمعنى ما فالمعنى جزاء لما كان كفر من نعم الله عند الذين أغرقهم حكاه ابن جرير وقرأ قتادة لمن كان كفر بفتح الكاف والفاء \r\n قوله تعالى ولقد تركناها في المشار إليها قولان \r\n أحدهما أنها السفينة قال قتادة أبقاها الله على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة \r\n والثاني أنها الفعلة فالمعنى تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية أي علامة ليعتبر بها فهل من مدكر وأصله مدتكر فأبدلت التاء دالا على ما بينا في قوله وادكر بعد أمة يوسف 45 قال ابن قتيبة أصله مذتكر فأدغمت التاء في الذال ثم قلبت دالا مشددة قال المفسرون والمعنى هل من متذكر يعتبر بذلك فكيف كان عذابي ونذر وفي هذه السورة ونذر ستة مواضع أثبت الياء فيهن في الحالين يعقوب تابعه في الوصل ورش والباقون بحذفها في الحالين وقوله فكيف كان عذابي استفهام عن تلك الحالة ومعناه التعظيم لذلك العذاب قال ابن قتيبة والنذر ها هنا جمع نذير وهو بمعنى الإنذار ومثله النكير بمعنى الإنكار قال المفسرون وهذا تخويف لمشركي مكة \r\n ولقد يسرنا القرآن أي سهلناه للذكر أي للحفظ والقراءة فهل من مدكر أي من ذاكر يذكره ويقرؤه والمعنى هو الحث على ","part":8,"page":94},{"id":3589,"text":" قراءته وتعلمه قال سعيد بن جبير ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن وأما الريح الصرصر فقد ذكرناها في حم السجدة 160 \r\n قوله تعالى في يوم نحس مستمر قرأ الحسن في يوم بالتنوين على أن اليوم منعوت بالنحس والمستمر الدائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه وقال ابن عباس كانوا يتشاءمون بذلك اليوم وقيل إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر \r\n تنزع الناس أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على رقابهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد ف كأنهم أعجاز نخل وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع أعجز نخل برفع الجيم من غير ألف بعد الجيم وقرأ ابن مسعود وأبو مجلز وأبو عمران كأنهم عجز نخل بضم العين والجيم ومعنى الكلام كأنهم أصول نخل منقعر أي منقلع وقال الفراء المنقعر المنصرع من النخل قال ابن قتيبة يقال قعرته فانقعر أي قلته فسقط قال أبو عبيدة والنخل يذكر ويؤنث فهذه الآية على لغة من ذكر وقوله أعجاز نخل خاوية الحاقة 8 على ","part":8,"page":95},{"id":3590,"text":" لغة من أنث وقال مقاتل شبههم حين وقعوا من شدة العذاب بالنخل الساقطة التي لا رؤوس لها وإنما شبههم بالنخل لطولهم وكان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا \r\n كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ءألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر \r\n قوله تعالى كذبت ثمود بالنذر فيه قولان \r\n أحدهما أنه جمع نذير وقد بينا أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل \r\n والثاني أن النذر بمعنى الإنذار كما بينا في قوله فكيف كان عذابي ونذر فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به صالح قالوا أبشرا منا قال الزجاج هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره المعنى أنتبع بشرا منا واحدا قال المفسرون قالوا هو آدمي مثلنا وهو واحد فلا نكون له تبعا إنا إذا إن فعلنا ذلك لفي ضلال أي خطأ وذهاب عن الصواب وسعر قال ابن عباس أي جنون قال ابن قتيبة هو من تسعرت النار إذا التهبت يقال ناقة مسعورة أي كأنها مجنونة من النشاط وقال غيره لفي شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته ","part":8,"page":96},{"id":3591,"text":" ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا أألقي الذكر أي أنزل الوحي عليه من بيننا أي كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي بل هو كذاب أشر وفيه قولان \r\n أحدهما أنه المرح المتكبر قاله ابن قتيبة \r\n والثاني البطر قاله الزجاج \r\n قوله تعالى سيعلمون غدا قرأ ابن عامر وحمزة ستعلمون بالتاء غدا فيه قولان \r\n أحدهما يوم القيام قاله ابن السائب \r\n والثاني عند نزول العذاب بهم قاله مقاتل \r\n قوله تعالى إنا مرسلو الناقة وذلك أنهم سألوا صالحا أن يظهر لهم ناقة من صخرة فقال الله تعالى إنا مرسلو الناقة أي مخرجوها كما أرادوا فتنة لهم أي محنة واختبارا فارتقبهم أي فانتظر ما هم صانعون واصطبر على ما يصيبك من الأذى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم أي بين ثمود وبين الناقة يوم لها ويوم لهم فذلك قوله كل شرب محتضر يحضره صاحبه ويستحقه \r\n قوله تعالى فنادوا صاحبهم واسمه قدار بن سالف فتعاطى قال ابن قتيبة تعاطى عقر الناقة فعقر أي قتل وقد بينا هذا في الأعراف 77 \r\n قوله تعالى إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة وذلك أن جبريل عليه ","part":8,"page":97},{"id":3592,"text":" السلام صاح بهم وقد أشرنا إلى قصتهم في هود 61 فكانوا كهشيم المحتظر قال ابن عباس هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم وقد بينا معنى الهشيم في الكهف 45 وقال الزجاج الهشيم ما يبس من الورق وتكسر وتحطم والمعنى كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف فهو يجمع ليوقد وقرأ الحسن المحتظر بفتح الظاء وهو اسم الحظيرة والمعنى كهشيم المكان الذي يحتظر فيه الهشيم من الحطب وقال سعيد بن جبير هو التراب الي يتناثر من الحيطان وقال قتادة كالعظام النخرة المحترقة والمراد من جميع ذلك أنهم بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشيء المتحطم \r\n كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر \r\n قوله تعالى إنا أرسلنا عليهم حاصبا قال المفسرون هي الحجارة التي قذفوا بها إلا آل لوط يعني لوط وابنتيه نجيناهم من ذلك العذاب بسحر قال الفراء سحر ها هنا يجري لأنه نكرة كقوله نجيناهم بليل فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجر لأن لفظهم به بالألف واللام يقولون ما زال عندنا منذ السحر لا يكادون يقولون غيره فإذا حذفت منه الألف واللام لم يصرف وقال الزجاج إذا كان السحر نكرة يراد به سحر من الأسحار انصرف فإذا أردت سحر يومك لم ينصرف ","part":8,"page":98},{"id":3593,"text":" قوله تعالى كذلك نجزي من شكر قال مقاتل من وحد الله تعالى لم يعذب مع المشركين \r\n قوله تعالى ولقد راودوه عن ضيفه أي طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه وهم الملائكة فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبا وقد ذكرنا القصة في سورة هود 81 وتم الكلام ها هنا ثم قال فذوقوا أي فقلنا لقوط لوط لما جاءهم العذاب ذوقوا عذابي ونذر أي ما أنذركم به لوط ولقد صبحهم بكرة أي أتاهم صباحا عذاب مستقر أي نازل بهم قال مقاتل استقر بهم العذاب بكرة قال الفراء والعرب تجري غدوة وبكرة ولا تجريهما وأكثر الكلام في غدوة ترك الإجراء وأكثر في بكرة أن تجري فمن لم يجرها جعلها معرفة لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة أمس وغد وأكثر ما تجري العرب غدوة إذا قرنت بعشية يقولون إني لآتيهم غدوة وعشية وبعضهم يقول غدوة فلا يجريها وعشية فيجريها ومنهم من لا يجري عشية لكثرة ما صحبت غدوة وقال الزجاج الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين نونتا وصرفتا فإذا أردت بهما بكرة يومك وغداة يومك لم تصرفهما والبكرة ها هنا نكرة فالصرف أجود لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في شهر كذا \r\n ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ","part":8,"page":99},{"id":3594,"text":" قوله تعالى ولقد جاء آل فرعون يعني القبط النذر فيهم قولان \r\n أحدهما أنه جمع نذير وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى \r\n والثاني أن النذر بمعنى الإنذار وقد بيناه آنفا فأخذناهم بالعذاب أخذ عزيز أي غالب في انتقامه مقتدر قادر على هلاكهم \r\n ثم خوف أهل مكة فقال أكفاركم يا معشر العرب خير أي أشد وأقوى من أولئكم وهذا استفهام معناه الإنكار والمعنى ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود وقد أهلكناهم أم لكم براءة من العذاب أنه لا يصيبكم ما أصابهم في الزبر أي في الكتب المتقدمة أم يقولون نحن جميع منتصر المعنى أيقولون نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم وإنما وحد المنتصر للفظ الجميع فإنه على لفظ واحد وإن كان اسما للجماعة سيهزم الجمع وروى أبو حاتم بن يعقوب سنهزم بالنون الجمع بالنصب وتولون بالتاء ويعني بالجمع جمع كفار مكة ويولون الدبر ولم يقل الأدبار وكلاهما جائز قال الفراء مثله أن يقول إن فلانا لكثير الدينار والدرهم وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب فكانت الهزيمة يوم بدر \r\n قوله تعالى والساعة أدهى قال مقاتل هي أفظع وأمر من القتل قال الزجاج ومعنى الداهية الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه ومعنى أمر أشد مرارة من القتل والأسر \r\n إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ","part":8,"page":100},{"id":3595,"text":" قوله تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية إلى قوله خلقناه بقدر انفرد بإخراجه مسلم من حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن هذه الآية نزلت في القدرية \r\n والثاني أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم الله عليه وسلم فقال يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر وليس كذلك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنتم خصماء الله فنزلت إن المجرمين إلى قوله بقدر قاله عطاء \r\n قوله تعالى وسعر فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها الجنون والثاني العناء وقد ذكرناهما في صدر السورة \r\n والثالث أنه نار تستعر عليهم قاله الضحاك \r\n فأما سقر فقال الزجاج هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها معرفة وهي مؤنثة وقرأت على شيخنا أبي منصور قال سقر اسم لنار الأخرة أعجمي ويقال بل هو عربي من قولهم سقرته الشمس إذا أذابته سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا ","part":8,"page":101},{"id":3596,"text":" فنادى نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله فتقوم القدرية فيؤمر بهم إلى النار يقول الله تعالى ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وإنما قيل لهم خصماء الله لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها وروى هشام بن حسان عن الحسن قال والله لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل ثم صلى حتى يصير كالوتر ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس وقال ابن عباس كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك وقال الزجاج معنى بقدر أي كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ونصب كل شيء بفعل مضمر المعنى إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر \r\n قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة قال الفراء أي إلا مرة واحدة وكذلك قال مقاتل مرة واحدة لا مثنوية لها وروى عطاء عن ابن عباس قال يريد إن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال ابن السائب المعنى وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر ومعنى اللمح بالبصر النظر بسرعة \r\n ولقد أهلكنا أشياعكم أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية فهل من مدكر أي متعظ وكل شيء فعلوه يعني الأمم ","part":8,"page":102},{"id":3597,"text":" وفي الزبر قولان \r\n أحدهما أنه كتب الحفظة والثاني اللوح المحفوظ \r\n وكل صغير وكبير أي من الأعمال المتقدمة مستطر أي مكتوب قال ابن قتيبة هو مفتعل من سطرت إذا كتبت وهو مثل مسطور \r\n قوله تعالى في جنات ونهر قال الزجاج المعنى في جنات وأنهار والاسم الواحد يدل على الجميع فيجتزأ به من الجميع أنشد سيبويه والخليل ... بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب ... \r\n يريد وأما جلودها ومثله ... في حلقكم عظم وقد شجينا ... \r\n ومثله ... كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... \r\n وحكى ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رؤوس الآي قال ويقال النهر الضياء والسعة من قولك أنهرت الطعنة إذا وسعتها قال قيس بن الخطيم يصف طعنة ... ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها ","part":8,"page":103},{"id":3598,"text":" أي أوسعت فتقها قلت وهذا قول الضحاك وقرأ الأعمش ونهر \r\n قوله تعالى في مقعد صدق أي مجلس حسن وقد نبهنا على هذا المعنى في قوله أن لهم قدم صدق يونس 2 فأما المليك فقال الخطابي المليك هو المالك وبناء فعيل للمبالغة في الوصف ويكون المليك بمعنى الملك ومنه هذه الآية والمقتدر مشروح في الكهف 45 ","part":8,"page":104},{"id":3599,"text":" سورة الرحمن \r\n وفي نزولها قولان \r\n أحدهما أنها مكية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء ومقاتل والجمهور إلا أن ابن عباس قال سوى آية وهي قوله يسأله من في السموات والأرض الرحمن 29 \r\n والثاني أنها مدنية رواه عطية عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى الرحمن علم القرآن قال مقاتل لما نزل قوله اسجدوا للرحمن الفرقان 60 قال كفار مكة وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فقال تعالى الرحمن الذي أنكروه هو الذي علم القرآن ","part":8,"page":105},{"id":3600,"text":" وفي قوله علم القرآن قولان أحدهما علمه محمدا وعلم محمد أمته قاله ابن السائب والثاني يسر القرآن قاله الزجاج \r\n قوله تعالى خلق الإنسان فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه اسم جنس فالمعنى خلق الناس جميعا قاله الأكثرون فعلى هذا في البيان ستة أقوال أحدها النطق والتمييز قاله الحسن والثاني الحلال والحرام قاله قتادة والثالث ما يقول وما يقال له قاله محمد بن كعب والرابع الخير والشر قاله الضحاك والخامس طرق الهدى قاله ابن جريج والسادس الكتابة والخط قاله يمان \r\n والثاني أنه آدم قاله ابن عباس وقتادة فعلى هذا في البيان ثلاثة أقوال أحدها أسماء كل شيء والثاني بيان كل شيء والثالث اللغات \r\n والقول الثالث أنه محمد صلى الله عليه و سلم علمه بيان ما كان وما يكون قاله ابن كيسان قوله تعالى الشمس والقمر بحسبان أي بحساب ومنازل لا يعدوانها وقد كشفنا هذا المعنى في الأنعام 96 قال الأخفش أضمر الخبر وأظنه والله أعلم أراد يجريان بحسبان ","part":8,"page":106},{"id":3601,"text":" قوله تعالى والنجم والشجر يسجدان في النجم قولان أحدهما أنه كل نبت ليس له ساق وهو مذهب ابن عباس والسدي ومقاتل واللغويين والثاني أنه نجم السماء والمراد به جميع النجوم قاله مجاهد فأما الشجر فكل ما له ساق قال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذ أشرقت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء وقد أشرت في النحل 49 إلى معنى سجود ما لا يعقل قال أبو عبيدة وإنما ثني فعلهما على لفظهما \r\n قوله تعالى والسماء رفعها وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد الأنفاس وأجرى الريح بينها وبين الأرض كيما يتروح الخلق ولولا ذلك لماتت الخلائق كربا \r\n قوله تعالى ووضع الميزان فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه العدل قاله الأكثرون منهم مجاهد والسدي واللغويون قال الزجاج وهذا لأن المعادلة موازنة الأشياء والثاني أنه الميزان المعروف ليتناصف الناس في الحقوق قاله الحسن وقتادة والضحاك والثالث أنه القرآن قاله الحسين بن الفضل \r\n قوله تعالى ألا تطغوا ذكر الزجاج في أن وجهين أحدهما أنها بمعنى اللام والمعنى لئلا تطغوا والثاني أنها للتفسير فتكون لا للنهي والمعنى أي لا تطغوا أي لا تجاوزوا العدل قوله تعالى ولا تخسروا الميزان قال ابن قتيبة أي لا تنقصوا الوزن \r\n فأما الأنام ففيهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم الناس رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني كل ذي روح رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ","part":8,"page":107},{"id":3602,"text":" مجاهد والشعبي وقتادة والسدي والفراء والثالث الإنس والجن قاله الحسن والزجاج \r\n قوله تعالى فيها فاكهة أي ما يتفكه به من ألوان الثمار والنخل ذات الأكمام والأكمام الأوعية والغلف وقد استوفينا شرح هذا في حم السجدة 47 \r\n قوله تعالى والحب يريد جميع الحبوب كالبر والشعير وغير ذلك وقرأ ابن عامر والحب بنصب الباء ذا العصف بالألف والريحان بنصب النون وقرأ حمزة والكسائي إلا ابن أبي سريج وخلف والحب و العصف والريحان بخفض النون وقرأ الباقون بضم النون \r\n وفي العصف قولان أحدهما أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح قاله ابن عباس وكذلك قال مجاهد هو ورق الزرع قال ابن قتيبة العصف ورق الزرع ثم يصير إذا جف ويبس وديس تبنا والثاني أن العصف المأكول من الحب حكاه الفراء \r\n وفي الريحان أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الرزق رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي قال الفراء الريحان في كلام العرب الرزق تقول خرجنا نطلب ريحان الله وأنشد الزجاج للنمر بن تولب ... سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر ","part":8,"page":108},{"id":3603,"text":" والثاني أنه خضرة الزرع رواه الوالبي عن ابن عباس قال أبو سليمان الدمشقي فعلى هذا سمي ريحانا لاستراحة النفس بالنظر إليه \r\n والثالث أنه ريحانكم هذا الذي يشم روى العوفي عن ابن عباس قال الريحان ما أنبتت الأرض من الريحان وهذا مذهب الحسن والضحاك وابن زيد \r\n والرابع أنه ما لم يؤكل من الحب والعصف المأكول منه حكاه الفراء \r\n قوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن قيل كيف خاطب اثنين وإنما ذكر الإنسان وحده فعنه جوابان ذكرهما الفراء أحدهما أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بينا في قوله ألقيا في جهنم ق24 والثاني أن الذكر أريد به الإنسان والجان فجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها قال الزجاج لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والسماء والأرض خاطب الجن والإنس قال فبأي ألاء ربكما تكذبان أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم وقال ابن قتيبة الآلاء النعم واحدها ألا مثل قفا وإلا مثل معى \r\n خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ","part":8,"page":109},{"id":3604,"text":" فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى خلق الإنسان يعني آدم من صلصال قد ذكرنا في الحجر 26 27 الصلصال والجان فأما قوله كالفخار فقال أبو عبيدة خلق من طين يابس لم يطبخ فله صوت إذا نقر فهو من يبسه كالفخار والفخار ما طبخ بالنار \r\n فأما المارج فقال ابن عباس هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت وقال مجاهد هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت وقال مقاتل هو لهب النار الصافي من غير دخان وقال أبو عبيدة المارج خلط من النار وقال ابن قتيبة المارج لهب النار من قولك قد مرج الشيء إذا اضطرب ولم يستقر وقال الزجاج هو اللهب المختلط بسواد النار \r\n فإن قيل قد أخبر الله تعالى عن خلق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة فتارة يقول خلقه من تراب آل عمران 59 وتارة من صلصال وتارة من طين لازب الصافات 11 وتارة كالفخار الرحمن 14 وتارة من حمأ مسنون الحجر 29 فالجواب أن الأصل التراب فجعل طينا ثم صار كالحمإ المسنون ثم صار صلصالا كالفخار هذه أخبار عن حالات أصله فإن قيل ما الفائدة في تكرار قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان الجواب أن ذلك التكرير لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها قال ابن قتيبة من مذاهب العرب التكرار للتوكيد ","part":8,"page":110},{"id":3605,"text":" والإفهام كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد يقول القائل منهم والله لا أفعله ثم والله لا أفعله إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله كما يقول والله أفعله بإضمار لا إذا أراد الاختصار ويقول القائل المستعجل اعجل اعجل وللرامي ارم ارم قال الشاعر ... كم نعمة كانت له وكم وكم ... \r\n وقال الآخر ... هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا ... \r\n وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحدة فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى كقولهم عطشان نطشان وشيطان ليطان وحسن بسن قال ابن دريد ومن الإتباع جائع نائع ومليح قريح وقبيح شقيح وشحيح نحيح وخبيث نبيث وكثير بثير وسيغ ليغ وسائغ لائغ وحقير نقير وضئيل بئيل وخضر مضر وعفريت نفريت وثقة نقة وكن إن وواحد فاحد وحائر بائر وسمح لمح قال ابن قتيبة فلما عدد الله تعالى في هذه السورة نعماءه ","part":8,"page":111},{"id":3606,"text":" وأذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم ويقررهم بها كقولك للرجل ألم أبوئك منزلا وكنت طريدا أفتنكر هذا ألم أحج بك وأنت صرورة أفتنكر هذا وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال مالي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فباي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد \r\n قوله تعالى رب المشرقين قرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة رب المشرقين ورب المغربين بالخفض وهما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء للشمس والقمر جميعا \r\n قوله تعالى مرج البحرين أي أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما يلتقيان بينهما برزخ أي حاجز من قدرة الله تعالى لا يبغيان أي لا يختلطان فيبغي أحدهما على الآخر وقال ابن عباس بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام قال الحسن مرج البحرين يعني بحر فارس والروم بينهما برزخ يعني الجزائر وقد سبق بيان هذا في الفرقان 53 ","part":8,"page":112},{"id":3607,"text":" قوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان قال الزجاج إنما يخرج من البحر الملح وإنما جمعهما لأنه إذا خرج من أحدهما فقد أخرج منهما ومثله وجعل القمر فيهن نورا نوح 16 قال أبو علي الفارسي أراد يخرج من أحدهما فحذف المضاف وقال ابن جرير إنما قال منهما لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء \r\n فأما اللؤلؤ والمرجان ففيهما قولان \r\n أحدهما أن المرجان ما صغر من اللؤلؤ واللؤلؤ العظام قاله الأكثرون منهم ابن عباس وقتادة والضحاك والفراء وقال الزجاج اللؤلؤ اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر والمرجان صغاره \r\n والثاني أن اللؤلؤ الصغار والمرجان الكبار قاله مجاهد والسدي ومقاتل قال ابن عباس إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ قال ابن جرير حيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة وقرات على شيخنا أبي منصور اللغوي قال ذكر بعض أهل اللغة أن المرجان أعجمي معرب قال أبو بكر يعني ابن دريد ولم أسمع فيه بفعل منصرف وأحر به أن يكون كذلك قال ابن مسعود المرجان الخرز الأحمر وقال الزجاج المرجان أبيض شديد البياض وحكى القاضي أبو يعلى أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان \r\n قوله تعالى وله الجوار يعني السفن المنشآت قال مجاهد هو ما قد رفع قلعه من السفن دون ما لم يرفع قلعه قال ابن قتيبة هن اللواتي أنشئن أي ابتدئ بهن في البحر وقرأ حمزة المنشئات فجعلهن ","part":8,"page":113},{"id":3608,"text":" اللواتي ابتدأن يقال أنشأت السحابة تمطر إذا ابتدأت وأنشأ الشاعر يقول والأعلام الجبال وقد سبق هذا الشورى 32 \r\n كل من عليها فان ويبقى وجه ربك و الجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان يسئله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى كل من عليها فان أي على الأرض وهي كناية عن غير المذكور فان أي هالك \r\n ويبقى وجه ربك أي ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام قال أبو سليمان الخطابي الجلال مصدر الجليل يقال جليل بين الجلالة والجلال والإكرام مصدر أكرم يكرم إكراما والمعنى أن الله تعالى مستحق أن يجل ويكرم ولا يجحد ولا يكفر به وقد يحتمل أن يكون المعنى أنه يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله تعالى بمعنى الصفة له والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه كقوله تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة المدثر 56 فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة والآخر إلى العباد وهو التقوى \r\n قوله تعالى يسأله من في السموات والأرض لا المعنى أن الكل يحتاجون إليه فيسألونه وهو غني عنهم كل يوم هو في شأن مثل أن يحيي ويميت ويعز ويذل ويشفي مريضا ويعطي سائلا إلى غير ذلك من أفعاله وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت قال مقاتل وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت إن الله لا يقضي في يوم السبت شيئا فنزلت كل يوم هو في شأن ","part":8,"page":114},{"id":3609,"text":" سنفرغ لكم أيه الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى سنفرغ لكم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر سنفرغ بنون مفتوحة وقرأ ابن مسعود وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي وعبد الوارث سيفرغ بياء مفتوحة وقرأ ابن السميفع وابن يعمر وابن أبي عبلة وعاصم الجحدري عن عبد الوارث سيفرغ بضم الياء وفتح الراء قال الفراء هذا وعيد من الله تعالى لأنه لا يشغله شيء عن شيء تقول للرجل الذي لا شغل له قد فرغت لي قد فرغت تشتمني أي قد أخذت في هذا وأقبلت عليه قال الزجاج الفراغ في اللغة على ضربين أحدهما الفراغ من شغل والآخر القصد للشيء تقول قد فرغت مما كنت فيه أي قد زال شغلي به وتقول سأتفرغ لفلان أي سأجعله قصدي ومعنى الآية سنقصد لحسابكم فأما الثقلان فهما الجن والإنس سميا بذلك لأنهما ثقل الأرض \r\n قوله تعالى أن تنفذوا أي تخرجوا يقال نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية والأقطار النواحي والجوانب وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا قاله ابن عباس ","part":8,"page":115},{"id":3610,"text":" والثاني إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها والمراد أنكم حيثما كنتم أدرككم الموت هذا قول الضحاك ومقاتل في آخرين \r\n والثالث إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة ذكره ابن جرير \r\n قوله تعالى لا تنفذون إلا بسلطان فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تنفذون إلا في سلطان الله وملكه لأنه مالك كل شيء قاله ابن عباس والثاني لا تنفذون إلا بحجة قاله مجاهد والثالث لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك قاله قتادة \r\n قوله تعالى يرسل عليكما فثنى على اللفظ وقد جمع في قوله إن استطعتم على المعنى \r\n فأما الشواظ ففيه ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه لهب النار قاله ابن عباس وقال مجاهد هو اللهب الأخضر المنقطع من النار والثاني الدخان قاله سعيد بن جبير والثالث النار المحضة قاله الفراء وقال أبو عبيدة هي النار التي تأجج لا دخان فيها ويقال شواظ وشواظ وقرأ ابن كثير بكسر الشين وقرأ أيضا هو وأهل البصرة ونحاس بالخفض والباقون برفعهما \r\n وفي النحاس قولان \r\n أحدهما أنه دخان النار رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والفراء وابو عبيدة وابن قتيبة والزجاج ومنه قول الجعدي يذكر امرأة ","part":8,"page":116},{"id":3611,"text":" تضيء كضوء سراج السلي ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا \r\n وذكر الفراء في السليط ثلاثة أقوال أحدها أنه دهن السنام وليس له دخان إذا استصبح به والثاني أنه دهن السمسم والثالث الزيت \r\n والثاني أنه الصفر المذاب يصب على رؤوسهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة قال مقاتل والمراد بالآية كفار الجن والإنس يرسل عليهما في الآخرة لهب النار والصفر الذائب وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار نهار الدنيا فلا تنتصران أي فلا تمتنعان من ذلك \r\n فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيؤمئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى فإذا انشقت السماء أي انفرجت من المجرة لنزول من فيها يوم القيامة فكانت وردة وفيها قولان \r\n أحدهما كلون الفرس الوردة قاله أبو صالح والضحاك وقال الفراء الفرس الوردة تكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا اشتد الحر ","part":8,"page":117},{"id":3612,"text":" كانت وردة حمراء فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وكذلك قال الزجاج فكانت وردة أي كلون فرس وردة والكميت الورد يتلون فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في الصيف ولونه في الصيف خلاف لونه في الشتاء فالسماء تتلون من الفزع الأكبر وقال ابن قتيبة المعنى فكانت حمراء في لون الفرس الورد \r\n والثاني أنها وردة النبات وقد تختلف ألوانها إلا أن الأغلب عليها الحمرة ذكره الماوردي \r\n وفي الدهان قولان أحدهما أنه واحد وهو الأديم الأحمر قاله ابن عباس والثاني أنه جمع دهن والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة وصفرة حكاه اليزيدي وإلى نحوه ذهب مجاهد وقال الفراء شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن \r\n قوله تعالى فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يسألون ليعلم حالهم لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك \r\n والثاني لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه روي القولان عن ابن عباس \r\n والثالث لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم فالكافر أسود الوجه والمؤمن أغر محجل من أثر وضوئه قاله الفراء قال الزجاج لا يسأل أحد عن ذنبه ليستفهم ولكنه يسأل سؤال توبيخ \r\n قوله تعالى يعرف المجرمون بسيماهم قال الحسن بسواد الوجوه وزرق الأعين فيؤخذ بالنواصي والأقدام فيه قولان أحدهما أن خزنة جهنم تجمع بين نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم ثم يدفعونهم على وجوههم ","part":8,"page":118},{"id":3613,"text":" في النار قاله مقاتل والثاني يؤخذ بالنواصي والأقدام فيسحبون إلى النار ذكره الثعلبي وروى مردويه الصائغ قال صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة الرحمن ومعنا علي بن الفضيل بن عياض فلما قرأ يعرف المجرمون بسيماهم خر علي مغشيا عليه حتى فرغنا من الصلاة فلما كان بعد ذلك قلنا له أما سمعت الإمام يقرأ حور مقصورات في الخيام قال شغلني عنها يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام قوله تعالى هذه جهنم أي يقال لهم هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يعني المشركين يطوفون بينها وقرأ أبو العالية وأبو عمران الجوني يطوفون بياء مضمومة مع تشديد الواو وقرأ الأعمش مثله إلا أنه بالتاء \r\n قوله تعالى وبين حميم آن قال ابن قتيبة الحميم الماء الحار والآني الذي قد انتهت شدة حره قال المفسرون المعنى أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد الحرارة \r\n ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فيه قولان أحدهما قيامه بين يدي ربه عز و جل يوم الجزاء والثاني قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسب وجاء في التفسير أن العبد يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز ","part":8,"page":119},{"id":3614,"text":" وجل فله جنتان وهما بستانان \r\n ذواتا أفنان فيه قولان \r\n أحدهما أنها الأغصان وهي جمع فنن وهو الغصن المستقيم طولا وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطية والفراء والزجاج \r\n والثاني أنها الألوان والضروب من كل شيء وهي جمع فنن وهذا قول سعيد بن جبير وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة \r\n وجمع عطاء بين القولين فال في كل غصن فنون من الفاكهة \r\n قوله تعالى فيهما عينان تجريان قال ابن عباس تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم وقال عطية إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر وقال أبو بكر الوراق فيهما عينان تجريان لمن كانت له في الدنيا عينان تجريان من البكاء \r\n قوله تعالى فيهما من كل فاكهة زوجان أي صنفان ونوعان قال المفسرون فيهما من كل ما يتفكه به نوعان رطب ويابس لا يقصر أحدهما عن الآخر في فضله \r\n متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان فبأي ","part":8,"page":120},{"id":3615,"text":" آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما تكذبان \r\n متكئين هذا حال المذكورين على فرش جمع فراش بطائنها جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة وقال أبو هريرة هذه البطائن فما ظنكم بالظهائر وقال ابن عباس إنما ترك وصف الظواهر لأنه ليس أحد يعلم ما هي وقال قتادة البطائن هي الظواهر بلغة قوم وكان الفراء يقول قد تكون البطانة ظاهرة والظاهرة بطانة لأن كل واحد منهما قد يكون وجها والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها وهو الذي نراه وقال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية فقتلهم الله كل قتلة ونجا منهم من نجا تحت بطون الكواكب يعني هربوا ليلا فجعلوا ظهور الكواكب بطونا وذلك جائز في العربية وأنكر هذا القول ابن قتيبة جدا وقال إنما أراد الله أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض منها إستبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف وهل يجوز لأحد أن يقول لوجه مصل هذا بطانته ولما ولي الأرض منه هذا ظهارته وإنما يجوز هذا في ذي الوجهين المتساوين تقول لما وليك من الحائط هذا ظهر الحائط ويقول جارك لما وليه هذا ظهر الحائط وكذلك السماء ما ولينا منها ظهر وهي لمن فوقها بطن وقد ذكرنا الإستبرق في سورة الكهف 31 ","part":8,"page":121},{"id":3616,"text":" قوله تعالى وجنى الجنتين دان قال أبو عبيدة أي ما يجتنى قريب لا يعني الجاني \r\n قوله تعالى فيهن قاصرات الطرف قد شرحناه في الصافات 48 \r\n وفي قوله فيهن قولان \r\n أحدهما أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه القصة قاله الزجاج والثاني أنها تعود إلى الفرش ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله تعالى لم يطمثهن قرأ الكسائي بضم الميم والباقون بكسرها وهما لغتنان يطمث ويطمث مثل يعكف ويعكف وفي معناه قولان \r\n أحدهما لم يقتضضهن والطمث النكاح بالتدمية ومنه قيل للحائض طامث قاله الفراء \r\n والثاني لم يمسسهن يقال ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه قاله أبو عبيدة قال مقاتل وذلك لأنهن خلقن من الجنة فعلى قوله هذا صفة الحور وقال الشعبي هن من نساء الدنيا لم يمسسهن مذ أنشئن خلق وفي الآية دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي \r\n قوله تعالى كأنهن الياقوت والمرجان قال قتادة هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان والمرجان صغار اللؤلؤ وهو أشد بياضا وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الياقوت فارسي ","part":8,"page":122},{"id":3617,"text":" معرب والجمع اليواقيت وقد تكلمت به العرب قال مالك بن نويرة اليربوعي ... لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به ... من الزبرجد والياقوت والذهب ... \r\n قوله تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال الزجاج أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا ان يحسن إليه في الآخرة وقال ابن عباس هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم إلى الجنة وروى أنس بن مالك قال قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية وقال هل تدرون ما قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن ربكم يقول هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة \r\n ومن دونهما جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ","part":8,"page":123},{"id":3618,"text":" ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام \r\n قوله تعالى ومن دونهما جنتان قال الزجاج المعنى ولمن خاف مقام ربه جنتان وله من دونهما جنتان \r\n وفي قوله ومن دونهما قولان \r\n أحدهما دونهما في الدرج قاله ابن عباس \r\n والثاني دونهما في الفضل كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال جنتان من ذهب وجنتان من فضة وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد ومقاتل \r\n قوله تعالى مدهامتان قال ابن عباس وابن الزبير خضراوان من الري وقال أبو عبيدة من خضرتهما قد اسودتا قال الزجاج يعني أنهما خضراوان تضرب خضرتهما إلى السواد وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد \r\n قوله تعالى نضاختان قال أبو عبيدة فوارتان وقال ابن قتيبة تفوران والنضخ أكثر من النضح وفيما يفوران به أربعة أقوال \r\n أحدها بالمسك والكافور قاله ابن مسعود والثاني بالماء قاله ابن عباس والثالث بالخير والبركة قاله الحسن والرابع بأنواع الفاكهة قاله سعيد بن جبير \r\n قوله تعالى ونخل ورمان قال ابن عباس نخل الجنة جذوعها ","part":8,"page":124},{"id":3619,"text":" زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وقال سعيد بن جبير نخل الجنة جذوعها من ذهب وعروقها من ذهب وكرانيفها من زمرد ورطبها كالدلاء أشد بياضا من اللبن وألين من الزبد و أحلى من العسل ليس له عجم قال أبو عبيدة الكرانيف أصول السعف الغلاظ الواحدة كرنافة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وقد دخلا في الفاكهة لبيان فضلهما كما ذكرنا في قوله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة 98 هذا قول جمهور المفسرين واللغويين وحكى الفراء والزجاج أن قوما قالوا ليسا من الفاكهة قال الفراء وقد ذهبوا مذهبا ولكن العرب تجعلهما فاكهة قال الأزهري ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة وإنما قال من قال لقلة علمه بكلام العرب فالعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه كقوله وجبريل وميكال البقرة 98 فمن قال ليسا من الملائكة كفر ومن قال ثمر النخل والرمان ليسا من الفاكهة جهل \r\n قوله تعالى فيهن يعني في الجنان الأربع خيرات يعني الحور وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابو نهيك خيرات بتشديد الياء قال اللغويون أصله خيرات بالتشديد فخفف كما ","part":8,"page":125},{"id":3620,"text":" قيل هين لين وهين لين وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه \r\n قوله تعالى حور مقصورات قد بينا في سورة الدخان 54 معنى الحور \r\n وفي المقصورات قولان \r\n أحدهما المحبوسات في الحجال قاله ابن عباس وهو مذهب الحسن وأبي العالية والقرظي والضحاك وابي صالح \r\n والثاني المقصورات الطرف على أزواجهن فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم قاله الربيع وعن مجاهد كالقولين والأول أصح فإن العرب تقول امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة إذا كانت ملازمة خدرها قال كثير ... لعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي وما تدري بذاك القصائر ... عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر ... \r\n وبعضهم ينشده قصورة وقصورات والبحاتر القصار \r\n وفي الخيام قولان \r\n أحدهما أنها البيوت \r\n والثاني خيام تضاف إلى القصور وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون ","part":8,"page":126},{"id":3621,"text":" يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا وقال عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس الخيام در مجوف وقال ابن عباس الخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب \r\n قوله تعالى متكئين على رفرف وقرأ عثمان بن عفان وعاصم الجحدري وابن محيصن على رفارف جمع غير مصروف وقرأ الضحاك وأبو العالية وأبو عمران الجوني مثلهم إلا أنهم صرفوا رفارف قال ثعلب إنما لم يقل أخضر لأن الرفرف جمع واحدته رفرفة كقوله الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا يس 80 ولم يقل الخضر لأن الشجر جمع تقول هذا حصى أبيض وحصى أسود قال الشاعر ... أحقا عباد الله أن لست ماشيا ... بهرجاب ما دام الأراك به خضرا ... \r\n واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها فضول المحابس والبسط رواه العوفي عن ابن عباس وقال أبو عبيدة هي الفرش والبسط وحكى الفراء وابن قتيبة أنها المحابس وقال النقاش الرفرف المحابس الخضر فوق الفرش \r\n والثاني أنها رياض الجنة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير \r\n والثالث أنها الوسائد قاله الحسن ","part":8,"page":127},{"id":3622,"text":" قوله تعالى وعبقري حسان فيه قولان \r\n أحدهما أنها الزرابي قاله ابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك وابن زيد وكذلك قال ابن قتيبة العبقري الطنافس الثخان قال أبو عبيدة يقال لكل شيء من البسط عبقري \r\n والثاني أنه الديباج الغليظ قاله مجاهد قال الزجاج أصل العبقري في اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه وأصله أن عبقر بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها فنسب كل شيء جيد إليه قال زهير ... بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا ... \r\n وقرأ عثمان بن عفان وعاصم الجحدري وابن محيصن وعباقري بألف مكسورة القاف مفتوحة الياء من غير تنويه قال الزجاج ولا وجه لهذه القراءة في العربية لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان نحو مساجد ومفاتح لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب فلو جمعت عبقري كان جمعه عباقرة كما أنك لو جمعت مهلبي كان جمعه مهالبة ولم تقل مهالبي قال فإن قيل عبقري واحد وحسان جمع فكيف جاز هذا فالأصل أن واحد هذا عبقرية والجمع عبقري كما تقول تمرة وتمر ولوزة ولوز ويكون أيضا عبقري اسما للجنس \r\n وقرأ الضحاك وابو العالية وأبو عمران وعباقري بألف مع التنوين ","part":8,"page":128},{"id":3623,"text":" قوله تعالى تبارك اسم ربك فيه قولان \r\n أحدهما أن ذكر الاسم صلة والمعنى تبارك ربك \r\n والثاني أنه أصل قال ابن الأنباري المعنى تفاعل من البركة أي البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه وقد بينا معنى تبارك في الأعراف 54 وذكرنا في هذه السورة معنى ذي الجلال والإكرام الرحمن 27 وكان ابن عامر يقرأ ذو الجلال وكذلك هي في مصاحف أهل الشام والباقون ذي الجلال وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق وهم متفقون على الموضوع الأول أنه ذو ","part":8,"page":129},{"id":3624,"text":" سورة الواقعة \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مكية قاله الأكثرون منهم ابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وقتادة وجابر ومقاتل وحكي عن ابن عباس أن فيها آية مدنية وهي قوله وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الواقعة 83 \r\n والثاني أنها مدنية رواه عطية عن ابن عباس \r\n بسم الله الرحمن الرحيم إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم \r\n قوله تعالى إذا وقعت الواقعة قال أبو سليمان الدمشقي لما قال المشركون متى هذا الوعد متى هذا الفتح نزل قوله إذا وقعت الواقعة فالمعنى يكون إذا وقعت الواقعة قال المفسرون والواقعة القيامة وكل آت يتوقع يقال له إذا كان قد وقع والمراد بها ها هنا النفخة في الصور لقيام الساعة ","part":8,"page":130},{"id":3625,"text":" ليس لوقعتها أي لظهورها ومجيئها كاذبة أي كذب كقوله لا تسمع فيها لاغية الغاشية 11 أي لغوا قال الزجاج وكاذبة مصدر كقولك عافاه الله عافية وكذب كاذبة فهذه أسماء في موضع المصدر وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما لا رجعة لها ولا ارتداد قاله قتادة والثاني ليس الإخبار عن وقوعها كذبا حكاه المواردي \r\n قوله تعالى خافضة أي هي خافضة رافعة وقرأ أبو رزين وابو عبد الرحمن وأبو العالية والحسن وابن أبي عبلة وأبو حيوة واليزيدي في اختياره خافضة رافعة بالنصب فيهما وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أنها خفضت فأسمعت القريب ورفعت فأسمعت البعيد رواه العوفي عن ابن عباس وهذا يدل على أن المراد بالواقعة صيحة القيامة \r\n والثاني أنها خفضت ناسا ورفعت آخرين رواه عكرمة عن ابن عباس قال المفسرون تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار وترفع أقواما إلى عليين في الجنة \r\n قوله تعالى إذا رجت الأرض رجا أي حركة حركة شديدة وزلزلت وذلك أنها ترتج حتى ينهدم ما عليها من بناء ويتفتت ما عليها من جبل وفي ارتجاجها قولان \r\n أحدهما أنه لإماتة من عليها من الأحياء والثاني لإخراج من في بطنها من الموتى \r\n قوله تعالى وبست الجبال بسا فيه قولان ","part":8,"page":131},{"id":3626,"text":" أحدهما فتتت فتا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد قال ابن قتيبة فتتت حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس \r\n والثاني لتت قاله قتادة وقال الزجاج خلطت ولتت قال الشاعر ... لا تخبزوا خبزا وبسا بسا ... \r\n وفي الهباء أقوال قد ذكرناها في الفرقان 23 وذكر ابن قتيبة أن الهباء المنبث ما سطع من سنابك الخيل وهو من الهبوة والهبوة الغبار والمعنى كانت ترابا منتشرا \r\n قوله تعالى وكنتم أزواجا أي أصنافا ثلاثة \r\n فأصحاب الميمنة فيهم ثمانية أقوال \r\n أحده أنهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من صلبه قاله ابن عباس \r\n والثاني أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم قاله الضحاك والقرظي \r\n والثالث أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم أي مباركين قاله الحسن والربيع \r\n والرابع أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن قاله زيد بن أسلم \r\n والخامس أنهم الذين منزلتهم علن اليمين قاله ميمون بن مهران \r\n والسادس أنهم أهل الجنة قاله السدي \r\n والسابع أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة قاله الزجاج ","part":8,"page":132},{"id":3627,"text":" والثامن أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ذكره علي بن أحمد النيسابوري \r\n قوله تعالى ما أصحاب الميمنة قال الفراء عجب نبيه صلى الله عليه و سلم منهم والمعنى أي شيء هم قال الزجاج وهذا اللفظ في العربية مجراه مجرى التعجب ومجراه من الله عز و جل في مخاطبة العباد ما يعظم به الشأن عندهم ومثله ما الحاقة الحاقة 2 ما القارعة القارعة 2 قال ابن قتيبة ومثله أن يقول زيد ما زيد أي أي رجل هو واصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة أي أصحاب الشمال والعرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى والجانب الأيسر الأشأم ومنه قيل اليمن والشؤم فاليمن كأنه ما جاء عن اليمين والشؤم ما جاء عن الشمال ومنه سميت اليمن والشأم لأنها عن يمين الكعبة وشمالها قال المفسرون أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين ويعطون كتبهم بأيمانهم وتفسير أصحاب المشأمة على ضد تفسر أصحاب الميمنة سواء والمعنى أي قوم هم ماذا أعد لهم من العذاب \r\n قوله تعالى والسابقون السابقون فيهم خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة قاله الحسن وقتادة والثاني أنهم الذين صلوا إلى القبلتين قاله ابن سيرين والثالث أهل القرآن قاله كعب والرابع الأنبياء قاله محمد بن كعب والخامس السابقون إلىالمساجد وإلى الخروج في سبيل الله قاله عثمان بن أبي سودة \r\n وفي إعادة ذكرهم قولان ","part":8,"page":133},{"id":3628,"text":" أحدهما أن ذلك للتوكيد \r\n والثاني أن المعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله ذكرهما الزجاج \r\n قوله تعالى أولئك المقربون قال أبو سليمان الدمشقي يعني عند الله في ظل عرشه وجواره \r\n ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما \r\n قوله تعالى ثلة من الأولين الثلة الجماعة غير محصورة العدد \r\n وفي الأولين والآخرين ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الأولين الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه و سلم والآخرون هذه الأمة \r\n والثاني أن الأولين أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والآخرين التابعون \r\n والثالث أن الأولين والآخرين من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم \r\n فعلى الأول يكون المعنى إن الأولين السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا وقليل من أمة محمد صلى الله عليه و سلم لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا وصدق به ","part":8,"page":134},{"id":3629,"text":" وعلى الثاني أن السابقين جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم الأولون من المهاجرين والأنصار وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم باحسان \r\n وعلى الثالث أن السابقين الأولون من المهاجرين والأنصار وقليل ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين فقليل منهم من يقاربهم في السبق \r\n وأما الموضونة فقال ابن قتيبة هي المنسوجة كأن بعضها أدخل في بعض أو نضد بعضها على بعض ومنه قيل للدرع موضونة ومنه قيل وضين الناقة وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول الآجر موضون بعضه على بعض أي مشرج \r\n وللمفسرين في معنى موضونة قولان \r\n أحدهما مرمولة بالذهب رواه مجاهد عن ابن عباس وقال عكرمة مشبكة بالدر والياقوت وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة وبه قال الأكثرون \r\n والثاني مصفوفة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n وما بعد هذا قد تقدم بيانه الكهف 30 إلى قوله ولدان مخلدون الولدان الغلمان وقال الحسن البصري هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع \r\n وفي المخلدين قولان \r\n أحدهما أنه من الخلد والمعنى أنهم مخلوقون للبقاء لا يتغيرون وهم على سن واحد قال الفراء والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط أو لم تذهب أسنانه عن الكبر إنه لمخلد هذا قول الجمهور ","part":8,"page":135},{"id":3630,"text":" والثاني أنهم المقرطون ويقال المسورون ذكره الفراء وابن قتيبة وانشدوا في ذلك ... ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان ... \r\n قوله تعالى بأكواب وأباريق الكوب إناء لا عروة له ولا خرطوم وقد ذكرناه في الزخرف 72 والأباريق آنية لها عرى وخراطيم وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الإبريق فارسي معرب وترجمته من الفارسية أحد شيئين إما أن يكون طريق الماء أو صب الماء على هينة وقد تكلمت به العرب قديما قال عدي بن زيد ... ودعا بالصبوح ويوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق ... \r\n وباقي الآيات في الصافات 46 \r\n قوله تعالى لا يصدعون عنها ولا ينزفون فيه قولان \r\n أحدهما لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا وعنها كفاية عن الكأس المذكور والمراد بها الخمر وهذا قول الجمهور \r\n والثاني لا يتفرقون عنها من قولك صدعته فانصدع حكاه ابن قتيبة ولا ينزفون مفسر في الصافات 47 ","part":8,"page":136},{"id":3631,"text":" قوله تعالى مما يتخيرون أي يختارون تقول تخيرت الشيء إذا أخذت خيره \r\n قوله تعالى ولحم طير قال ابن عباس يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى وقال مغيث بن سمي تقع على أغصان شجرة طوبى طير كأمثال البخت فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه فيجيء حتى يقع على خوانه فيأكل من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء ثم يعود طيرا فيطير فيذهب \r\n قوله تعالى وحور عين قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحور عين بالرفع فيهما وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم بالخفض فيهما وقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو العالية وعاصم الجحدري وحورا عينا بالنصب فيهما قال الزجاج والذين رفعوا كرهوا الخفض لأنه معطوف على قوله يطوف عليهم قالوا والحور ليس مما يطاف به ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء لأن المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها وكذلك ينعمون بلحم طير فكذلك ينعمون بحور عين والرفع أحسن والمعنى ولهم حور عين ومن قرأ وحورا عينا حمله على المعنى لأن المعنى يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا إلا أنها تخالف المصحف فتكره ومعنى كأمثال اللؤلؤ أي صفاؤهن وتلألؤهن كصفاء اللؤلؤ وتلألئه والمكنون الذي لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه ","part":8,"page":137},{"id":3632,"text":" جزاء منصوب مفعول له والمعنى يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون يجازون جزاء بأعمالهم وأكثر النحويين على هذا الوجه \r\n وقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا قد فسرنا معنى اللغو والسلام في سورة مريم 62 ومعنى التأثيم في الطور 23 ومعنى ما أصحاب اليمين في اول هذه السورة الواقعة 9 \r\n فإن قيل التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع \r\n فالجواب أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر فيقولون أكلت خبزا ولبنا واللبن لا يؤكل إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل قال الفراء أنشدني بعض العرب ... إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا ... \r\n قال والعين لا تزجج إنما تكحل فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف وأنشدني آخر ... ولقيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا ... \r\n وأنشدني آخر ... علفتها تبنا وماء باردا ... \r\n والماء لا يعلف وإنما يشرب فجعله تابعا للتبن قال الفراء وهذا هو ","part":8,"page":138},{"id":3633,"text":" وجه قراءة من قرأ وحور عين بالخفض لإتباع آخر الكلام أوله وهو وجه العربية \r\n وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين \r\n وقد شرحنا معنى قوله واصحاب اليمين في قوله فأصحاب الميمنة الواقعة 9 وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال أصحاب اليمين أطفال المؤمنين \r\n قوله تعالى في سدر مخضود سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى وج وهو واد بالطائف مخصب فأعجبهم سدره فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت هذه الآية قاله أبو العالية والضحاك \r\n وفي المخضود ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الذي لا شوك فيه رواه أبو طلحة عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقسامة بن زهير قال ابن قتيبة كأنه خضد شوكه أي قلع ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم في المدينة لا يخضد شوكها ","part":8,"page":139},{"id":3634,"text":" والثاني أنه الموقر حملا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك \r\n والثالث أنه الموقر الذي لاشوك فيه ذكره قتادة \r\n وفي الطلح قولان \r\n أحدهما أنه الموز قاله علي وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنه شجر عظام كبار الشوك قال أبو عبيدة هذا هو الطلح عند العرب قال الحادي ... بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا ... \r\n فإن قيل ما الفائدة في الطلح \r\n فالجواب أن له نورا وريحا طيبة فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون إليه وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا وقال مجاهد كانوا يعجبون ب وج وظلاله من طلحه وسدره فأما المنضود فقال ابن قتيبة هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلىآخره فليس له ساق بارزة وقال مسروق شجر الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها \r\n قوله تعالى وظل ممدود أي دائم لا تنسخه الشمس \r\n وماء مسكوب أي جار غير منقطع ","part":8,"page":140},{"id":3635,"text":" قوله تعالى لا مقطوعة ولا ممنوعة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا مقطوعة في حين دون حين ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير إنما هي مطلقة لمن أرادها هذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ولخصه بعضهم فقال لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان \r\n والثاني لا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من أحد إذا أريدت روي عن ابن عباس \r\n والثالث لا مقطوعة بالفناء ولا ممنوعة بالفساد ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى وفرش مرفوعة فيها قولان \r\n أحدهما أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم وفي رفعها قولان أحدهما أنها مرفوعة فوق السرر والثاني أن رفعها زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها \r\n والثاني أن المراد بالفراش النساء والعرب تسمي المرأة فراشا وإزارا ولباسا وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال أحدها أنهن رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا والثاني رفعن عن الأدناس والثالث في القلوب لشدة الميل إليهن \r\n قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء يعني النساء قال ابن قتيبة اكتفى بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن وفي المشار إليهن قولان \r\n أحدهما أنهن نساء أهل الدنيا المؤمنات ثم في إنشائهن قولان أحدهما أنه إنشاؤهن من القبور قاله ابن عباس والثاني إعادتهن بعد الشمط والكبر أبكارا صغارا قاله الضحاك ","part":8,"page":141},{"id":3636,"text":" والثاني أنهن الحور العين وإنشاؤهن إيجادهن عن غير ولادة قاله الزجاج والصواب أن يقال إن الإنشاء عمهن كلهن فالحور أنشئن ابتداء والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير الصفات وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا \r\n قوله تعالى جعلناهن أبكارا أي عذارى وقال ابن عباس لا يأتيها زوجها إلا وجدها بكرا \r\n قوله تعالى عربا قرأ الجمهور بضم الراء وقرأ حمزة وخلف بإسكان الراء قال ابن جرير هي لغة تميم وبكر \r\n وللمفسرين في معنى عربا خمسة أقوال \r\n أحدها أنهن المتحببات إلى أزواجهن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وابن قتيبة والزجاج \r\n والثاني أنهن العواشق رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة ومقاتل والمبرد وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث الحسنة التبعل رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة \r\n والرابع الغنجات قاله عكرمة ","part":8,"page":142},{"id":3637,"text":" والخامسة الحسنة الكلام قاله ابن زيد \r\n فأما الأتراب فقد ذكرناهن في ص 52 \r\n قوله تعال ثلة من الأولين وثلة من الآخرين هذا من نعت أصحاب اليمين وفي الأولين والآخرين خلاف وقد سبق شرحه الواقعة 13 وقد زعم مقاتل أنه لما نزلت الآية الأولى وهي قوله وقليل من الآخرين وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت وثلة من الآخرين فنسختها وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى \r\n قلت وادعاء النسخ ها هنا لا وجه له لثلاثة أوجه \r\n أحدها أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا \r\n والثاني أن الكلام في الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ فهو ها هنا لا وجه له \r\n والثالث أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة قال الزجاج اشتقاقهما من القطعة والثل الكسر والقطع فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل \r\n وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالؤن منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين ","part":8,"page":143},{"id":3638,"text":" قوله تعالى ما أصحاب الشمال قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم والمعنى ما لهم وما أعد لهم من الشر ثم بين لهم سوء منقلبهم فقال في سموم قال ابن قتيبة هو حر النار \r\n قوله تعالى وظل من يحموم قال ابن عباس ظل من دخان قال الفراء اليحموم الدخان الأسود لا بارد ولا كريم فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله ومثله زيتونة لا شرقية ولا غربية النور 35 وكذلك قوله وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ولو رفعت ما بعد لا كان صوابا والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوي به الذم فتقول ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة وما هذا بسمين ولا كريم قال ابن عباس لا بارد المدخل ولا كريم المنظر \r\n قوله تعالى إنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا مترفين أي متنعمين في ترك أمر الله فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد \r\n وكانوا يصرون أي يقيمون على الحنث وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الشرك قاله ابن عباس والحسن والضحاك وابن زيد \r\n والثاني الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه قاله مجاهد وعن قتادة كالقولين \r\n والثالث أنه اليمين الغموس قاله الشعبي \r\n والرابع الشرك والكفر بالبعث قاله الزجاج \r\n قوله تعالى أو آباؤنا الأولون قال أبو عبيدة الواو متحركة لأنها ليست بواو أو إنما هي وآباؤنا فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة وقرأ أهل المدينة وابن عامر أو آباؤنا بإسكان الواو ","part":8,"page":144},{"id":3639,"text":" وقد سبق بيان ما لم يذكر ها هنا هود 1903 الصافات 62 الأنعام 70 إلى قوله فشاربون شرب الهيم قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة شرب بضم الشين والباقون بفتحها قال الفراء والعرب تقوم شربته شربا وأكثر أهل نجد يقولون شربا بالفتح أنشدني عامتهم ... تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويكفي شربه الغمر ... \r\n وزعم الكسائي أن قوما من بني سعسد بن تميم يقولون شرب الهيم بالكسر وقال الزجاج الشرب المصدر والشرب بالضم الاسم قال وقد قيل إنه مصدر أيضا \r\n وفي الهيم قولان \r\n أحدهما الإبل العطاش رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة قال ابن قتيبة هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء يقال بعير أهيم وناقة هيماء \r\n والثاني أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء وهو مروي عن ابن عباس أيضا قال أبو عبيدة الهيم ما لا يروى من رمل أو بعير \r\n قوله تعالى هذا نزلهم أي رزقهم ورواه عباس عن أبي عمرو ","part":8,"page":145},{"id":3640,"text":" نزلهم بسكون الزاى أي رزقهم و طعامهم و فى الدين قولان قد ذكرناهما فى الفاتحة \r\n نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون \r\n قوله تعالى نحن خلقناكم أي أوجدناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تقرون بهذا فلولا أي فهلا تصدقون بالبعث \r\n ثم احتج على بعثهم بالقدرة على ابتدائهم فقال أفرأيتم ما تمنون قال الزجاج أي ما يكون منكم من المني يقال أمنى الرجل يمنى ومنى يمني فيجوز على هذا تمنون بفتح التاء إن ثبتت به رواية \r\n قوله تعالى أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أي تخلقون ما تمنون بشرا وفيه تنبيه على شيئين \r\n أحدهما الامتنان إذا خلق من الماء المهين بشرا سويا \r\n والثاني أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ما غاب عنكم من إعادتكم \r\n قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وقرأ ابن كثير قدرنا بتخفيف الدال وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما قضينا عليكم بالموت \r\n والثاني سوينا بينكم في الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم قال الزجاج المعنى إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا ","part":8,"page":146},{"id":3641,"text":" سابق ولا يفوتنا ذلك وقال ابن قتيبة لسنا مغلوبين على أن نستبدل بكم أمثالكم \r\n قوله تعالى وننشئكم في ما لا تعلمون وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم قاله الحسن \r\n والثاني ننشئكم في حواصل طير سود تكون ب برهوت كأنها الخطاطيف قاله سعيد بن المسيب \r\n والثالث نخلقكم في أي خلق شئنا قاله مجاهد \r\n والرابع نخلقكم في سوى خلقكم قاله السدي قال قاتل نخلقكم سوى خلقكم في ما لا تعلمون من الصور \r\n قوله تعالى ولد علمتم النشأة الأولى وهي ابتداء خلقكم من نطفة وعلقة فلولا تذكرون أي فهلا تعتبرون فتعلموا قدرة الله فتقروا بالبعث \r\n أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزراعون لم نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم \r\n أفرأيتم ما تحرثون أي ما تعملون في الأرض من إثارتها وإلقاء ","part":8,"page":147},{"id":3642,"text":" البذور فيه أأنتم تزرعونه أي تنبتونه وقد نبه هذا الكلام على أشياء منها إحياء الموتى ومنها الامتنان بإخراج القوت ومنها القدرة العظيمة الدالة على التوحيد \r\n قوله تعالى لجعلناه يعني الزرع حطاما قال عطاء تبنا لا قمح فيه وقال الزجاج أبطلناه حتى يكون محتطما لا حنطة فيه ولا شيء \r\n قوله تعالى فظلتم وقرأ الشعبي وابو العالية وابن أبي عبلة فظلتم بكسر الظاء وقد بيناه في قوله ظلت عليه عاكفا طه 97 \r\n قول تعالى تفكهون وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع والقاسم بن محمد وعروة تفكنون بالنون وفي المعنى أربعة أقوال \r\n أحدها تعحبون قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء ومقاتل قال الفراء تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم \r\n والثاني تندمون قاله الحسن والزجاج وعن قتادة كالقولين قال ابن قتيبة يقال تفكهون تندمون ومثلها تفكنون وهي لغة لعكل \r\n والثالث تتلاومون قاله عكرمة \r\n والرابع تتفجعون قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى إنا لمغرمون قال الزجاج أي تقولون قد غرمنا وذهب زرعنا وقال ابن قتيبة لمغرمون أي لمعذبون ","part":8,"page":148},{"id":3643,"text":" قوله تعالى بل نحن محرومون أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع وقد نبه بهذا على أمرين \r\n أحدهما إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما \r\n والثاني قدرته على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع فأما المزن فهي السحاب واحدته مزنة \r\n وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تورون قال أبو عبيدة تستخرجون من أوريت وأكثر ما يقال وريت وقال ابن قتيبة التي تستخرجون من الزنود قال الزجاج تورون أي تقدحون تقول أوريت النار إذا قدحتها \r\n قوله تعالى أأنتم أنشأتم شجرتها في المراد بشجرتها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الحديد رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها الشجرة التي تتخذ منها الزنود وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار هذا قول ابن قتيبة والزجاج \r\n والثالث أن شجرتها أصلها ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى نحن جعلناها تذكرة قال المفسرون إذا رآها الرائي ذكر نار جهنم وما يخاف من عذابها فاستجار بالله منها ومتاعا أي منفعة للمقوين وفيهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم المسافرون قاله ابن عباس وقتادة والضحاك قال ابن قتيبة سموا بذلك لنزلهم القوى وهو القفر وقال بعض العلماء المسافرون أكثر حاجة إليها من المقيمين لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى به الضال ","part":8,"page":149},{"id":3644,"text":" والثاني أنهم المسافرون والحاضرون قاله مجاهد \r\n والثالث أنهم الجائعون قال ابن زيد المقوي الجائع في كلام العرب \r\n والرابع أنهم الذين لا زاد معهم ولا مرد لهم قاله أبو عبيدة \r\n قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم قال الزجاج لما ذكر ما يدل على توحيده وقدرته وإنعامه قال فسبح أي برء الله ونزهه عما يقولون في وصفه وقال الضحاك معناه فصل باسم ربك أي استفتح الصلاة بالتكبير وقال ابن جرير سبح بذكر ربك وتسميته وقيل الباء زائدة والاسم يكون بمعنى الذات والمعنى فسبح ربك \r\n فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلى المطهرون تنزيل من رب العالمين أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قوله تعالى فلا أقسم في لا قولان \r\n أحدهما أنها دخلت توكيدا والمعنى فأقسم ومثله لئلا يعلم أهل الكتاب الحشر 29 قال الزجاج وهو مذهب سعيد بن جبير \r\n والثاني أنها على أصلها ثم في معناها قولان \r\n أحدهما أنها ترجع إلى ما تقدم ومعناها النهي تقدير الكلام فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج قاله الماوردي ","part":8,"page":150},{"id":3645,"text":" والثاني أن لا رد لما يقوله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم قاله علي بن أحمد النيسابوري وقرأ الحسن فلأقسم بغير ألف بين اللام والهمزة \r\n قوله تعالى بمواقع وقرأ حمزة والكسائي بموقع على التوحيد قال أبو علي مواقعها مساقطها ومن أفرد فلأنه اسم جنس ومن جمع فلاختلاف ذلك وفي النجوم قولان \r\n أحدهما نجوم السماء قاله الأكثرون فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال \r\n أحدها انكدارها وانتثارها يوم القيامة قاله الحسن \r\n والثاني منازلها قاله عطاء وقتادة \r\n والثالث مغيبها في المغرب قاله أبو عبيدة \r\n والثاني أنها نجوم القرآن رواه ابن جبير عن ابن عباس فعلى هذا سميت نجوما لنزولها متفرقة ومواقعها نزولها وإن لقسم الهاء كناية عن القسم وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وإنه لقسم عظيم لو تعلمون عظمه ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى إنه لقرآن كريم والكريم اسم جامع لما يحمد وذلك أن فيه البيان والهدى والحكمة وهو معظم عند الله عز و جل \r\n قوله تعالى في كتاب فيه قولان \r\n أحدهما أنه اللوح المحفوظ قاله ابن عباس والثاني أنه المصحف الذي بأيدينا قاله مجاهد وقتادة \r\n وفي المكنون قولان \r\n أحدهما مستور عن الخلق قاله مقاتل وهذا على القول الأول \r\n والثاني مصون قاله الزجاج ","part":8,"page":151},{"id":3646,"text":" قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون من قال إنه اللوح المحفوظ فالمطهرون عنده الملائكة وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير فعلى هذا يكون الكلام خبرا ومن قال هو المصحف ففي المطهرين أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم المطهرون من الأحداث قاله الجمهور فيكون ظاهر الكلام النفي ومعناه النهي \r\n والثاني المطهرون من الشرك قاله ابن السائب \r\n والثالث المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس \r\n والرابع أن معنى الكلام لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به حكاه الفراء ","part":8,"page":152},{"id":3647,"text":" قوله تعالى تنزيل أي هو تنزيل والمعنى هو منزل فسمي المنزل تنزيلا في اتساع اللغة كما تقول للمقدور قدر وللمخلوق خلق \r\n قوله تعالى أفبهذا الحديث يعني القرآن أنتم مدهنون فيه قولان \r\n أحدهما مكذبون قاله ابن بعاس والضحاك والفراء \r\n والثاني ممالئون الكفار على الكفر به قاله مجاهد قال أبو عبيدة المدهن المداهن وكذلك قال ابن قتيبة مدهنون أي مداهنون يقال أدهن في دينه وداهن وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة وضعها الله حيث شاء وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ أنكم تكذبون وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما المؤمن فقال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ","part":8,"page":153},{"id":3648,"text":" وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الرزق ها هنا بمعنى الشكر روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال وتجعلون رزقكم قال شكركم وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وكان علي يقرأ وتجعلون شكركم \r\n والثاني أن المعنى وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم قاله الأكثرون وذلك أنهم كانوا يمطرون فيقولون مطرنا بنوء كذا \r\n والثالث أن الرزق بمعنى الحظ فالمعنى وتعجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون ذكره الثعلبي وقرأ أبي بن كعب والمفضل عن عاصم تكذبون بفتح التاء وإسكان الكاف مخففة الذال \r\n فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم وأما إن ","part":8,"page":154},{"id":3649,"text":" كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم \r\n قوله تعالى فلولا أي فهلا إذا بلغت الحلقوم يعني النفس فترك ذكرها لدلالة الكلام وأنشدوا من ذلك ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ... \r\n قوله تعالى وأنتم يعني أهل الميت تنظرون إلى سلطان الله وأمره والثاني تنظرون إلى الإنسان في تلك الحالة ولا تملكون له شيئا ونحن أقرب إليه منكم فيه قولان \r\n أحدهما ملك الموت أدنى إليه من أهله ولكن لا تبصرون الملائكة رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة والرؤية ولكن لا تبصرون أي لا تعلمون والخطاب للكفار ذكره الواحدي \r\n قوله تعالى غير مدينين فيه خمسة أقوال \r\n أحدها محاسبين رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن وابن جبير وعطاء وعكرمة والثاني موقنين قاله مجاهد والثالث ","part":8,"page":155},{"id":3650,"text":" مبعوثين قاله قتادة والرابع مجزيين ومنه يقال دنته وكما تدين تدان قاله أبو عبيدة والخامس مملوكين أذلاء من قولك دنت له بالطاعة قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى ترجعونها أي تردون النفس والمعنى إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم فهلا تردون هذه النفس فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر لغيركم \r\n قال الفراء وقوله تعالى ترجعونا هو جواب لقوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم ولقوله تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين فإنهما أجيبتا بجواب واحد ومثله قوله تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم البقرة 38 ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال تعالى فأما إن كان يعني الذي بلغت نفسه الحلقوم من المقربين عند الله قال أبو العالية هم السابقون فروح أي فله روح والجمهور يفتحون الراء وفي معناها ستة أقوال \r\n أحدها الفرح رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني الراحة رواه أبو طلحة عن ابن عباس والثالث المغفرة والرحمة رواه العوفي عن ابن عباس والرابع الجنة قاله مجاهد والخامس روح من الغم الذي كانوا فيه قاله محمد بن كعب والسادس روح في القبر أي طيب نسيم قاله ابن قتيبة وقرأ أبو بكر الصديق وابو رزين والحسن وعكرمة ","part":8,"page":156},{"id":3651,"text":" وابن يعمر وقتادة ورويس عن يعقوب وابن أبي سريج عن الكسائي فروح برفع الراء وفي معنى هذه القراءة قولان \r\n أحدهما أن معناها فرحمة قاله قتادة \r\n والثاني فحياة وبقاء قاله ابن قتيبة وقال الزجاج معناه فحياة دائمة لا موت معها وفي الريحان أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الرزق رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثاني أنه المستراح رواه ابن أبي طلحة عن ابن بعاس \r\n والثالث أنه الجنة قاله مجاهد وقتادة \r\n والرابع أنه الريحان المشموم وقال أبو العالية لا يخرج أحد من ","part":8,"page":157},{"id":3652,"text":" المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض فيه روحه وإلى نحو هذا ذهب الحسن وقال أبو عمران الجوني بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر الريحان من الجنة فتجعل روحه فيه \r\n قوله تعالى فسلام لك من أصحاب اليمين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فسلامة لك من العذاب قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني تسلم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين قاله عطاء والثالث أن المعنى أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وأما إن كان من المكذبين أي بالبعث الضالين عن الهدى فنزل وقد بيناه في هذه السورة الواقعة 56 \r\n قوله تعالى إن هذا يعني ما ذكر في هذه السورة لهو حق اليقين أي هو اليقين حقا فأضافه إلى نفسه كقولك صلاة الأولى وصلاة العصر ومثله ولدار الآخرة يوسف 109 وقد سبق هذا المعنى وقال قوم معناه وإنه للمتقين حقا وقيل للحق اليقين ","part":8,"page":158},{"id":3653,"text":" قوله تعالى فسبح باسم ربك قد ذكرناه في هذه السورة الواقعة 74 ","part":8,"page":159},{"id":3654,"text":" سورة الحديد \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مدنية رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة ومقاتل \r\n والثاني أنها مكية قاله ابن السائب \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور \r\n قوله تعالى سبح لله ما في السموات والأرض أما تسبيح ما يعقل فمعلوم وتسبيح ما لا يعقل قد ذكرنا معناه في قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء 44 ","part":8,"page":160},{"id":3655,"text":" قوله تعالى هو الأول قال أبو سليمان الخطابي هو السابق للأشياء والآخر الباقي بعد فناء الخلق والظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وشواهده الدالة على صحة وحدانيته ويكون الظاهر فوق كل شيء بقدرته وقد يكون الظهور بمعنى العلو ويكون بمعنى الغلبة والباطن هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين وتجليه لبصائر المتفكرين ويكون معناه العالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما بطن من الغيوب هو الذي خلق السموات والأرض مفسر في الأعراف 54 إلى قوله تعالى يعلم ما يلج في الأرض وهو مفسر في سبأ 2 إلى قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم أي بعلمه وقدرته وما بعده ظاهر إلى قوله تعالى آمنوا بالله ورسوله ","part":8,"page":161},{"id":3656,"text":" قال المفسرون هذا الخطاب لكفار قريش وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني المال الذي كان بأيدي غيرهم فأهلكهم الله وأعطى قريشا ذلك المال فكانوا فيه خلفاء من مضى \r\n آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات و الأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم \r\n قوله تعالى وما لكم لا تؤمنون بالله هذا استفهام إنكار والمعنى أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله وقد أخذ ميثاقكم قرأ أبو عمرو أخذ بالرفع وقرأ الباقون أخذ بفتح الخاء ميثاقكم بالفتح ","part":8,"page":162},{"id":3657,"text":" والمراد به حين أخرجتم من ظهر آدم إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل \r\n قوله تعالى هو الذي ينزل على عبده يعني محمدا صلى الله عليه و سلم آيات بينات يعني القرآن ليخرجكم من الظلمات يعني الشرك إلى نور الإيمان وإن الله بكم لرؤوف رحيم حين بعث الرسول ونصب الأدلة ثم حثهم على الإنفاق فقال وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات و الأرض أي أي شيء لكم في ترك الإنفاق مما يقرب إلى الله عز و جل وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق فقال لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وفيه قولان \r\n أحدهما أنه فتح مكة قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني أنه فتح الحديبية قاله الشعبي والمعنى لا يستوي من أنفق قبل ذلك وقاتل ومن فعل ذلك بعد الفتح قال المفسرون نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق أولئك أعظم درجة قال ابن عباس أعظم ","part":8,"page":163},{"id":3658,"text":" منزلة عند الله قال عطاء درجات الجنة تتفاضل فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها قال الزجاج لأن المتقدمين كانت بصائرهم أنفذ ونالهم من المشقة أكثر وكلا وعد الله الحسنى أي وكلا الفرقين وعده الله الجنة وقرأ ابن عامر وكل بالرفع \r\n قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له قرأ ابن كثير وابن عامر فيضعفه مشددة بغير ألف إلا أن ابن كثير يضم الفاء وابن عامر يفتحها وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي فيضاعفه بالألف وضم الفاء وافقهم عاصم إلا أنه فتح الفاء قال أبو علي يضاعف ويضعف بمعنى واحد إلا أن الرفع في يضاعف هو الوجه لأنه محمول على يقرض أو على الانقطاع من الأول كأنه قال فهو يضاعف ويحمل قول الذي نصب على المعنى لأنه إذا قال من ذا الذي يقرض الله معناه أيقرض الله أحد قرضا فيضاعفه والآية مفسرة في البقرة 245 والأجر الكريم الجنة ","part":8,"page":164},{"id":3659,"text":" يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأوكم النار هي مولكم وبئس المصير \r\n قوله تعالى يسعى نورهم قال المفسرون يضيء لهم نور عملهم على الصراط على قدر أعمالهم قال ابن مسعود منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرة ويتقد أخرى وفي قوله تعالى وبأيمانهم قولان \r\n أحدهما أنه كتبهم يعطونها بأيمانهم قاله الضحاك \r\n والثاني أنه نورهم يسعى أي يمضي بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم والباء بمعنى في وفي بمعنى عن هذا قول الفراء \r\n قوله تعالى بشراكم اليوم هذا قول الملائكة لهم \r\n قوله تعالى انظرونا نقتبس وقرأ حمزة أنظرونا بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء قال المفسرون يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة فيعطى المؤمنون النور فيمشي المنافقون في نور المؤمنين فإذا سبقهم المؤمنون قالوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم في القائل قولان \r\n أحدهما أنهم المؤمنون قاله ابن عباس ","part":8,"page":165},{"id":3660,"text":" والثاني الملائكة قاله مقاتل وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها ارجعوا إلى المكان الذي قبستم فيه النور فيرجعون فلا يرون شيئا \r\n والثاني ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله لكم نورا \r\n والثالث أن المعنى لا نور لكم عندنا فضرب بينهم بسور قال ابن عباس هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وهي الجنة وظاهره يعني من وراء السور من قبله العذاب وهو جهنم وقد ذهب قوم إلى أن هذا السور يكون ببيت المقدس في مكان السور الشرقي بين الوادي الذي يسمى وادي جهنم وبين الباب الذي يسمى باب الرحمة وإلى نحو هذا ذهب عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب \r\n قوله تعالى ينادونهم أي ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور الم نكن معكم أي على دينكم نصلي بصلاتكم ونغزو معكم فيقول لهم المؤمنون بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم قال الزجاج استعملتموها في الفتنة وقال غيره آثمتموها بالنفاق وتربصتم فيه قولان ","part":8,"page":166},{"id":3661,"text":" أحدهما تربصتم بالتوبة \r\n والثاني تربصتم بمحمد الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح وارتبتم شككتم في الحق وغرتكم الأماني يعني ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين حتى جاء أمر الله وفيه قولان \r\n أحدهما أنه الموت \r\n والثاني إلقاؤهم في النار وغركم بالله الغرور أي غركم الشطيان بحكم الله وإمهاله فاليوم لا يؤخذ منكم فدية وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب لا تؤخذ بالتاء أي بدل وعوض عن عذابكم وهذا خطاب للمنافقين ولهذا قال تعالى ولا من الذين كفروا \r\n قوله تعالى هي مولاكم قال أبو عبيدة أي أولى بكم \r\n ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلبوهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون إعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون \r\n قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهم أنها نزلت في المؤمنين قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا \r\n والثاني أنها نزلت في المنافقين قاله أبو صالح عن ابن عباس قال ","part":8,"page":167},{"id":3662,"text":" مقاتل سأل المنافقون سلمان الفارسي فقالوا حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية وقال الزجاج نزلت هذه الآية في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع فأما من كان وصفه الله عز و جل بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء فعلى الأول يكون الإيمان حقيقة وعلى الثاني يكون المعنى ألم يأن للذين آمنوا بألسنتهم قال ابن قتيبة المعنى ألم يحن تقول أنى الشيء إذا حان \r\n قوله تعالى أن تخشع قلوبهم أي ترق وتلين لذكر الله المعنى أنه يجب أن يورثهم الذكر خشوعا وما نزل من الحق قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وما نزل بفتح النون والزاي مع تشديد الزاي وقرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم نزل بفتح النون وتخفيف الزاي وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وابن يعمر ويونس بن حبيب عن أبي عمرو وأبان عن عاصم نزل برفع النون وكسر الزاي مع تشديدها وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء وما أنزل بهمزة مفتوحة وفتح الزاي وقرأ أبو مجلز وعمرو بن دينار مثله إلا أنه بضم الهمزة وكسر الزاي والحق القرآن ولا يكونوا قرأ رويس عن يعقوب لا تكونوا بالتاء كالذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى ","part":8,"page":168},{"id":3663,"text":" فطال عليهم الأمد وهو الزمان وقال ابن قتيبة الأمد الغاية والمعنى أنه بعد عهدهم بالأنبياء والصالحين فقست قلبوهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يؤمنوا بعيسى ومحمد عليهما السلام إعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها أي يخرج منها النبات بعد يبسها فكذلك يقدر على إحياء الأموات قد بينا لكم الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته لعلكم تعقلون أي لكي تتأملوا إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم \r\n قوله تعالى إن المصدقين والمصدقات قرأ ابن كثير وعاصم إلا حفصا بتخفيف الصاد فيهما على معنى التصديق وقرأ الباقون بالتشديد على معنى الصدقة ","part":8,"page":169},{"id":3664,"text":" قوله تعالى أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم اختلفوا في نظم الآية على قولين \r\n أحدهما أن تمام الكلام عند قوله تعالى أولئك هم الصديقون ثم ابتدأ فقال تعالى والشهداء عند ربهم هذا قول ابن عباس ومسروق والفراء في آخرين \r\n والثاني أنها على نظمها والواو في والشهداء واو النسق ثم في معناها قولان \r\n أحدهما أن كل مؤمن صديق شهيد قاله ابن مسعود ومجاهد \r\n والثاني أنها نزلت في قوم مخصوصين وهم ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة بن عبد المطلب وطلحة والزبير وسعد وزيد قاله الضحاك وفي الشهداء قولان \r\n أحدهما أنه جمع شاهد ثم فيهم قولان أحدهما أنهم الأنبياء خاصة ","part":8,"page":170},{"id":3665,"text":" قاله ابن عباس والثاني أنهم الشاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان لله قاله مجاهد \r\n والقول الثاني أنه جمع شهيد قاله الضحاك ومقاتل \r\n إعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى إعلموا أنما الحياة الدنيا يعني الحياة في هذه الدار لعب ولهو أي غرور ينقضي عن قليل وذهب بعض المفسرين إلى أن المشار بهذا إلى حال الكافر في دنياه لأن حياته تنقضي على لهو ولعب وتزين الدنيا ويفاخر قرناءه وجيرانه ويكاثرهم بالأموال والأولاد فيجمع من غير حله ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده فيفنى عمره في هذه الأشياء ولا يتلفت إلى العمل للآخرة ثم بين لهذه الحياة شبها فقال كمثل غيث يعني مطرا أعجب الكفار وهم الزراع وسموا كفارا لأن الزارع إذا ألقى البذر في الأرض كفره أي غطاه نباته أي ما نبت من ذلك الغيث ثم يهيج أي ييبس فتراه مصفرا بعد خضرته وريه ثم يكون حطاما أي ينحطم وينكسر بعد يبسه وشرح هذا المثل قد تقدم في يونس عند قوله تعالى ","part":8,"page":171},{"id":3666,"text":" إنما مثل الحياة الدنيا آية 24 وفي الكهف عند قوله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا آية 45 \r\n قوله تعالى وفي الآخرة عذاب شديد أي لأعداء الله ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته وما بعد هذا مذكور في آل عمران 185 إلى قوله ذلك فضل الله فبين أنه لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله \r\n ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ","part":8,"page":172},{"id":3667,"text":" قوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض يعني قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار ولا في أنفسكم من الأمراض وفقد الأولاد إلا في كتاب وهو اللوح المحفوظ من قبل أن نبراها أن نخلقها يعني الأنفس إن ذلك على الله يسير أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز و جل لكيلا تأسوا أي تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم وقرأ أبو عمرو الا اختيار اليزيدي بالقصر على معنى جاءكم من الدنيا وقرأ الباقون بالمد على معنى أعطاكم الله منها وأعلم أنه من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه وقد روى قتيبة بن سعيد قال دخلت بعض أحياء العرب فإذا بفضاء من الأرض فيه من الإبل ما لا يحصى عدده كلها قد مات فسألت عجوزا لمن كانت هذه الإبل فأشارت إلى شيخ على تل يغزل الوف فقلت له يا شيخ ألك كانت هذه الإبل قال كانت باسمي قلت فما أصابها قال ارتجعها الذي أعطاها قلت فهل قلت في ذلك شيئا قال نعم قلت ... لا والذي أنا عبد في عبادته ... والمرء في الدهر نصب الرزء والحزن ... ما سرني أن إبلي في مباركها ... وما جرى في قضا رب الورى يكن ... \r\n وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة النساء 37 والذي قيل في البخل هناك هو الذي قيل ها هنا إلى قوله ومن يتول أي عن الإيمان فإن الله هو الغني عن عباده الحميد إلى أوليائه وقد سبق معنى الاسمين في البقرة 267 ","part":8,"page":173},{"id":3668,"text":" وقرأ نافع وابن عامر فإن الله الغني الحميد ليس فيها هو وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام \r\n لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعمل الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز \r\n قوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي بالآيات والحجج وأنزلنا معهم الكتاب ببيان الشرائع والأحكام وفي الميزان قولان \r\n أحدهما أنه العدل قاله ابن عباس وقتادة \r\n والثاني أنه الذي يوزن به قاله ابن زيد ومقاتل فعلى القول الأول يكون المعنى وأمرنا بالعدل وعلى الثاني ووضعنا الميزان أي أمرنا به ليقوم الناس بالقسط أي لكي يقوموا بالعدل \r\n قوله تعالى وأنزلنا الحديد فيه قولان \r\n أحدهما أن الله تعالى أنزل مع آدم السندان والكلبتين والمطرقة قاله ابن عباس \r\n والثاني أن معنى أنزلنا أنشأنا وخلقنا كقوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج الزمر 6 \r\n قوله تعالى فيه بأس شديد قال الزجاج وذلك أنه يمتنع به ويحارب به ومنافع للناس في أدواتهم وما ينتفعون به من آنية وغيرها ","part":8,"page":174},{"id":3669,"text":" قوله تعالى وليعلم الله هذا معطوف على قوله تعالى ليقوم الناس والمعنى ليتعامل الناس بالعدل وليعلم الله من ينصره بالقتال في سبيله ونصرة دينه وذلك أنه أمر في الكتاب الذي أنزل بذلك وقد سبق معنى قوله تعالى وليعلم الله في مواضع وقوله تعالى بالغيب أي ولم يرى الله ولا أحكام الآخرة وإنما يجهد ويثاب من أطاع بالغيب \r\n ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون \r\n قوله تعالى وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب يعني الكتب فمنهم يعني من الذرية مهتد وكثير منهم فاسقون فيه قولان \r\n أحدهما كافرون قاله ابن عباس والثاني عاصون قاله مقاتل \r\n قوله تعالى ثم قفينا على آثارهم أي أتبعنا على آثار نوح وإبراهيم وذريتهما بعيسى وكان آخر أنبياء بني إسرائيل وجعلنا في قلوب الذين ","part":8,"page":175},{"id":3670,"text":" اتبعوه يعني الحواريين وغيرهم من أتباعه على دينه رأفة وقد سبق بيانها النور 2 متوادين كما وصف الله تعالى أصحاب نبينا عليه الصلاة و السلام فقال تعالى رحماء بينهم الفتح 29 \r\n قوله تعالى ورهبانية ابتدعوها ليس هذا معطوفا على ما قبله وإنما انتصب بفعل مضمر يدل عليه ما بعده تقديره وابتدعوا رهبانية ابتدعوها أي جاؤوا بها من قبل أنفسهم وهي غلوهم في العبادة وحمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال ما كتبناها عليهم أي ما فرضناها عليهم وفي قوله تعالى إلا ابتغاء رضوان الله قولان \r\n أحدهما أنه يرجع إلى قوله تعالى ابتدعوها وتقديره ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ذكره علي بن عيسى والرماني عن قتادة وزيد بن أسلم \r\n والثاني أنه راجع إلى قوله تعالى ما كتبناها ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعا إلا ابتغاء رضوان الله قال الحسن تطوعوا بابتداعها ثم كتبها الله عليهم وقال الزجاج لما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إتمامه كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفترض عليه لزمه أن يتمه قال القاض ابو يعلى والابتداع قد يكون بالقول ","part":8,"page":176},{"id":3671,"text":" وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه وقد يكون بالفعل بالدخول فيه وعموم الآية تتضمن الأمرين فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها والثاني أن المعنى ما أمرناهم منها إلا بما يرضي الله عز و جل لا غير ذلك قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى فما رعوها حق رعايتها في المشار إليم قولان \r\n أحدهما أنهم الذين ابتدعوا الرهبانية قاله الجمهور ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنهم ما رعوها لتبديل ديدنهم وتغييرهم له قاله عطية العوفي والثاني لتقصيرهم فيما ألزموه أنفسهم والثالث لكفرهم برسول الله صلى الله عليه و سلم لما بعث ذكر القولين الزجاج \r\n والثاني أنهم الذين ابتعوا مبتدعي الرهبانية في رهبانيتهم ما رعوها بسلوك طريق أوليهم روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n قوله تعالى فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم فيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يؤمنوا به \r\n والثاني أن الذين آمنوا المؤمنون بعيسى والفاسقون المشركون \r\n والثالث أن الذين آمنوا مبتدعو الرهبانية والفاسقون متبعوهم على غير القانون الصحيح ","part":8,"page":177},{"id":3672,"text":" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله عامة المفسرين على أن هذا الخطاب لليهود والنصارى والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه و سلم يؤتكم كفلين أي نصيبين وحظين من رحمته قال الزجاج الكفل كساء يمنع الراكب أن يسقط فالمعنى يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي وقد بينا معنى الكفل في سورة النساء 85 وفي المراد بالكفلين ها هنا قولان \r\n أحدهما لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس \r\n والثاني أن أحدهما أجر الدنيا والثاني أجر الآخرة قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى ويجعل لكم نورا فيه أربعة أقوال ","part":8,"page":178},{"id":3673,"text":" أحدها القرآن رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني نورا تمشون به على الصراط رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث الهدى قاله مجاهد والرابع الإيمان قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى لئلا يعلم لا زائدة قاله الفراء والعرب تجعل لا صلة في كل كلام دخل في آخره أو أوله جحد فهذا مما جعل في آخره جحد والمعنى ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ألا يقدرون أي أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله والمعنى أنه جعل الأجرين لمن آمن بمحمد صلى الله عليه و سلم ليعلم من لم يؤمن به أنه لا أجر لهم ولا نصيب في فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فآتاه المؤمنين هذا تلخيص قول الجمهور في هاتين الآيتين وقد ذهب قوم إلى أنه لما نزل في مسلمة أهل الكتاب الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص 52 54 افتخروا على المسلمين بزيادة الآجر فشق ذلك على المسلمين فنزلت هاتان الآيتان وهذا المعنى في رواية أبي صالح عن ابن عباس وبه قال قاتل فعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين ويكون المعنى يؤتكم أجرين ليعلم مؤمنو أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي خصكم فإنه فضلكم على جميع الخلائق وقال قتادة لما نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله الآية حسد أهل الكتاب المسلمين علهيا فأنزل الله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب الآية ","part":8,"page":179},{"id":3674,"text":" سورة المجادلة \r\n وهي مدنية في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والجمهور وروي عن عطاء أنه قال العشر الأول منها مدني والباقي مكي وعن ابن السائب أنها مدنية سوى آية وهي قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير \r\n قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها أما سبب نزولها فروي عن عائشة أنها قالت تبارك الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة فكلمت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها وتقول يا رسول الله أبلى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات ","part":8,"page":180},{"id":3675,"text":" فأما تفسيرها فقوله تعالى قد سمع الله قال الزجاج إدغام الدال في السين حسن لقرب المخرجين لأنهما من حروف طرف اللسان وإظهار الدال جائز لأنه وإن قرب من مخرج السين فله حيز على حدة ومن موضع الدال الطاء والتاء فهذه الأحرف الثلاثة موضعها واحد والسين والزاي والصاد من موضع واحد وهي تسمى حروف الصغير وفي اسم هذه المجادلة ونسبتها أربعة أقوال \r\n أحدها خولة بنت ثعلبة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة والقرظي \r\n والثاني خولة بنت خويلد رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث خولة بنت الصامت رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والرابع خولة بنت الدليج قاله أبو العالية واسم زوجها أوس بن الصامت وكانا من الأنصار \r\n قال ابن عباس كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس ثم ندم وقال لامرأته انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسليه فأتته فنزلت هذه الآيات فأما مجادلتها رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه كان كلما قال لها قد حرمت عليه تقول والله ما ذكر طلاقا فقال ما أوحي إلي في هذا شيء فجعلت تشتكي إلى الله وتشتكي بمعنى تشكو يقال اشتكيت ما بي وشكوته وقالت إن لي ","part":8,"page":181},{"id":3676,"text":" صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فأما التحاور فهو مراجعة الكلام قال عنترة في فرسه ... لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ... \r\n الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لم قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعا ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم \r\n قوله تعالى الذين يظاهرون منكم من نسائهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يظهرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء وفتحهما من غير ألف وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء وبألف وتخفيف الهاء وقرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء والهاء وكسر الهاء في الموضعين مع إثبات الألف وقرأ ابن مسعود يتظاهرون بياء وتاء وألف وقرأ أبي بن كعب يتظهرون بياء وتاء وتخفيف الياء وتشديد الهاء من غير ألف وقرأ الحسن وقتادة والضحاك يظهرون بفتح الياء وفتح الظاء مخففة مكسورة الهاء مشددة والمعنى تقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا ما هن أمهاتهم قرأ الأكثرون بكسر التاء وروى المفضل عن عاصم رفعها والمعنى ما اللواتي تجعلن كالأمهات بأمهات له إن أمهاتهم ","part":8,"page":182},{"id":3677,"text":" أي ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم قال الفراء وانتصاب الأمهات ها هنا بإلقاء الباء وهي قراءة عبد الله ما هن بأمهاتهم ومثله ما هذا بشرا يوسف 31 المعنى ما هذا ببشر فلما ألقيت الباء أبقي أثرها وهو النصب وعلى هذا كلام أهل الحجاز فأما أهل نجد فإنهم إذا ألقوا الباء رفعوا وقالوا ما هن أمهاتهم وما هذا بشر أنشدني بعض العرب ... ركاب حسيل آخر الصيف بدن ... وناقة عمرو ما يحل لها رحل ... ويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ... \r\n قوله تعالى وإنهم يعني المظاهرين ليقولون منكرا من القول لتشبيههم الزوجات بالأمهات والأمهات محرمات على التأبيد بخلاف الزوجات وزورا أي كذبا وإن الله لعفو غفور إذ شرع الكفارة لذلك \r\n قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا اللام في لما بمعنى إلى والمعنى ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم من وطء الزوجة بالعزم على الوطء قال الفراء معنى الآية يرجعون عما قالوا وفي نقض ما قالوا وقال سعيد بن جبير المعنى يريدون أن يعودوا إلى الجماع الذي قد حرموه على ","part":8,"page":183},{"id":3678,"text":" أنفسهم وقال الحسن وطاووس والزهري العود هو الوطء وهذا يرجع إلى ما قلناه وقال الشافعي هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه طلاقها فيه فلا يطلقها فإذا وجد هذا استقرت عليه الكفارة لأنه قصد بالظهار تحريمها فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه وان سكت عن الطلاق فقد ندم على ما ابتدأ به فهو عود إلى ما كان عليه فحينئذ تجب الكفارة وقال داود هو إعادة اللفظ ثانيا لأن ظاهر قوله تعالى يعودون يدل على تكرير اللفظ قال الزجاج وهذا قول من لا يدري اللغة وقال أبو علي الفارسي ليس في هذا كما ادعوا لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن الإنسان عليه قبل وسميت الآخرة معادا ولم يكن فيها أحد ثم عاد إليه قال الهذلي ... وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئا واستراح العواذل ... \r\n وقد شرحنا هذا في قوله تعالى وإلى الله ترجع الأمور البقرة 210 قال ابن قتيبة من توهم أن الظهار لا يقع حتى يلفظ به ثانية فليس بشيء لأن الناس قد أجمعوا ان الظهار يقع بلفظ واحد وإنما تأويل الآية أن أهل الجاهلية كانوا يطلقوا بالظهار فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في ","part":8,"page":184},{"id":3679,"text":" الجاهلية وأنزل قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم يريد في الجاهلية ثم يعودون لما قالوا في الإسلام أي يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام فتحرير رقبة قال المفسرون المعنى فعليهم أو فكفارتهم تحرر رقبة أي عتقها وهل يشترط أن تكون مؤمنة فيه عن أحمد روايتان \r\n قوله تعالى من قبل أن يتماسا وهو كناية عن الجماع على أن العلماء قد اختلفوا هل يباح للمظاهر الاستمتاع باللمس والقبلة وعن أحمد روايتان وقال أبو الحسن الأخفش تقدير الآية والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم ","part":8,"page":185},{"id":3680,"text":" فصل \r\n إذا وطئ المظاهر قبل أن يكفر أثم واستقرت الكفارة وقال أبو حنيفة يسقط الظهار والكفارة واختلف العلماء فيما يجب عليه إذا فعل ذلك فقال الحسن وسعيد بن المسيب وطاووس ومجاهد وإبراهيم وابن سيرين عليه كفارة واحدة وقال الزهري وقتادة في آخرين عليه كفارتان فإن قال أنت علي كظهر أمي اليوم بطل الظهار بمضي اليوم هذا قول أصحابنا وابي حنيفة والثوري والشافعي وقال ابن أبي ليلى ومالك والحسن بن صالح هو مظاهر أبدا \r\n واختلفوا في الظهار من الأمة فقال ابن عباس ليس من أمة ظهار وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وابو حنيفة والشافعي وقال سعيد بن جبير وطاووس وعطاء والأوزاعي والثوري ومالك هو ظهار ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال لا يكون مظاهرا من أمته ولكن تلزمه كفارة الظهار كما قال في المرأة إذا ظاهرت من زوجها لم تكن مظاهرة وتلزمها كفارة الظهار \r\n واختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أبو حنيفة و الشافعي إن كان في مجالس فكفارات وإن كان في مجلس واحد فكفارة قال القاضي أبو يعلى وعلى قول أصحابنا يلزمه كفارة واحدة سواء كان في مجلس أو في مجالس ما لم يكفر وهذا قول مالك \r\n قوله تعالى ذلكم توعظون به قال الزجاج ذلكم التغليظ توعظون به والمعنى أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ","part":8,"page":186},{"id":3681,"text":" قوله تعالى فمن لم يجد يعني الرقبة فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع الصيام ف كفارته إطعام ستين مسكينا ذلك أي الفرض ذلك الذي وصفنا لتؤمنوا بالله ورسوله أي تصدقوا بأن الله أمر بذلك وتصدقوا بما أتى به الرسول وتلك حدود الله يعني ما وصفه الله من الكفارات في الظهار وللكافرين عذاب أليم قال ابن عباس لمن جحد هذا وكذب به \r\n إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلى هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم \r\n قوله تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله قد ذكرنا معنى المحادة في التوبة 63 ومعنى كبتوا في آل عمران عند قوله تعالى أو يكبتهم آية 127 وقال ابن عباس أخزوا يوم الخندق بالهزيمة كما أخزي الذين من قبلهم ممن قاتل الرسل \r\n قوله تعالى يوم يبعثهم الله جميعا أي من قبورهم فينبئهم بما عملوا من معاصيه وتضييع فرائضه أحصاه الله أي حفظه الله عليهم ونسوه والله على كل شيء من أعمالهم في السر والعلانية شهيد ألم تر أي ألم تعلم \r\n قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة وقرأ أبو جعفر ما تكون بالتاء قال ابن قتيبة النجوى السرار وقال الزجاج ما يكون من خلوة ","part":8,"page":187},{"id":3682,"text":" ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به إلا هو رابعهم أي عالم به ونجوى مشتق من النجوة وهو ما ارتفع وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع وقال الضحاك إلا هو معهم أي علمه معهم \r\n ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون \r\n قوله تعالى ألم ترى إلى الذين نهوا عن النجوى في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا ما نراهم إلا قد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة فيقع ذلك في قلبوهم ويحزنهم فلا يزالون كذلك حتى تقدم أصحابهم فلما طال ذلك وكثر شكا المؤمنون إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس \r\n والثاني نزلت في اليهود قاله مجاهد قال مقاتل وكان بين اليهود وبين رسول الله موادعة فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده تناجوا بينهم فيظن ","part":8,"page":188},{"id":3683,"text":" المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره فيترك الطريق من المخافة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إليها فنزلت هذه الآية وقال ابن السائب نزلت في المنافقين والنجوى بمعنى المناجاة ثم يعودون إلى المناجاة التي نهوا عنها ويتناجون قرأ حمزة ويعقوب إلا زيدا وروحا ويتنجون وقرأ الباقون ويتناجون بألف وفي معنى تناجيهم بالإثم والعدوان وجهان \r\n أحدهما يتناجون بما يسوء المسلمين فذلك الإثم والعدوان ويوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول \r\n والثاني يتناجون بعد نهي الرسول ذلك هو الاثم والعدوان ومعصية الرسول \r\n قوله تعالى وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما نزلت في اليهود قالت عائشة رضي الله عنها جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقلت السام عليكم وفعل الله بكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش فقلت يا رسول الله ترى ما يقولون فقا ألست تريني أرد عليهم ما يقولون وأقول وعليكم قالت فنزلت هذه الآية في ذلك قال الزجاج والسام الموت ","part":8,"page":189},{"id":3684,"text":" والثاني أنها نزلت في المنافقين رواه عطية عن ابن عباس \r\n قال المفسرون ومعنى حيوك سلموا عليك بغير سلام الله عليك وكانوا يقولون سام عليك فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فيها قولان \r\n أحدهما نزلت في المنافقين فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بزعمهم وهذا قول عطاء ومقاتل \r\n والثاني أنها في المؤمنين والمعنى أنه نهاهم عن فعل المنافقين واليهود وهذا مذهب جماعة منهم الزجاج \r\n قوله تعالى تتناجوا هكذا قرأ الجماعة بألف وقرأ يعقوب وحده فلا تتنجوا فأما البر فقال مقاتل هو الطاعة والتقوى ترك المعصية وقال أبو سليمان الدمشقي البر الصدق والتقوى ترك الكذب ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من الشطيان فقال تعالى إنما النجوى من الشيطان أي من تزيينه والمعنى إنما يزين لهم ذلك ليحزن الذين آمنوا وقد بينا اتقاء ما كان يحزن المؤمنين من هذه النجوى وليس بضارهم شيئا أي وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئا إلا بإذن الله أي بإرادته وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي فليكلوا أمورهم إليه ","part":8,"page":190},{"id":3685,"text":" يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير \r\n قوله تعالى إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس وقرأ عاصم في المجالس على الجمع وذلك لأن كل جالس له مجلس فالمعنى ليفسح كل رجل منكم في مجلسه قال المفسرون نزلت في نفر من المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أقبل المهاجرون وأهل السابقة لم يجدوا موضعا وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحب أن يليه أولو الفضل ليحفظوا عنه فبينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم جمعة جالس في صفة ضيقة في المسجد جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس ابن شماس فسلموا وانتظروا أن يوسعوا لهم فأوسعوا لبعضهم وبقي بعضهم فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قم يا فلان قم يا فلان حتى أقام من المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة فرأى رسول الله صلى الله عليه و سلم في وجوه من أقامهم الكراهة وتكلم المناقون في ذلك وقالوا والله ما عدل فنزلت هذه الآية وقال قتادة كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض قال المفسرون ومعنى تفسحوا توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متضايقين حول رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوي الناس في الحظ منه ويظهر فضلة المقربين إليه من أهل بدر وغيرهم \r\n وفي المراد بالمجلس ها هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه مجلس الحرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم في ","part":8,"page":191},{"id":3686,"text":" الصف فيقول لهم توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال وهذا قول ابن عباس والحسن وأبي العالية والقرظي \r\n والثاني أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد وقال قتادة كان هذا للنبي صلى الله عليه و سلم ومن حوله خاصة \r\n والثالث مجالس الذكر كلها روي عن قتادة أيضا وقرأ علي ابن أبي طالب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن ومجاهد والحسن وعكرمة وقتادة وابن أبي عبلة والأعمش تفسحوا في المجالس بألف على الجمع \r\n قوله تعالى يفسح الله لكم أي يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيا وإذا قيل انشزوا قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم انشزوا فانشزوا برفع الشين وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الشين فيهما ومعنى انشزوا قوموا قال الفراء وهما لغتنان وفي المراد بهذا القيام خمسة أقوال \r\n أحدها أنه القيام إلى الصلاة وكان رجال يتثاقلون عنها فقيل لهم إذا نودي للصلاة فانهضوا هذا قول عكرمة والضحاك \r\n والثاني أنه القيام إلى قتال العدو قاله الحسن \r\n والثالث أنه القيام إلى كل خير من قتال أو أمر بمعروف ونحو ذلك قاله مجاهد ","part":8,"page":192},{"id":3687,"text":" والرابع أنه الخروج من بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أطالوا ليكون كل واحد منهم آخرهم عهدا به فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا قاله ابن زيد \r\n والخامس أن المعنى قوموا وتحركوا وتوسعوا لإخوانكم قاله الثعلبي \r\n قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم أي يرفعهم بإيمانهم على من ليس بمنزلتهم من الإيمان و يرفع الذين أوتوا العلم على من ليس بعالم وهل هذا الرفع في الدنيا ام في الآخرة فيه وجهان \r\n أحدهما أنه إخبار عن ارتفاع درجاتهم في الجنة والثاني أنه ارتفاع مجالسهم في الدنيا فيكون ترتيبهم فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم وكان ","part":8,"page":193},{"id":3688,"text":" ابن مسعود يقول أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق من لا يعلم درجات \r\n يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأظهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجوكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون \r\n قوله تعالى إذا ناجيتم الرسول في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية قاله ابن عباس ","part":8,"page":194},{"id":3689,"text":" والثاني أنها نزلت في الأغنياء وذلك أنهم كانوا يكثرون مناجاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله ص - ذلك فنزلت هذه الآية فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما أهل الميسرة فبخلوا واشتد ذلك على اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت الرخصة قاله مقاتل بن حيان وإلى نحوه ذهب مقاتل بن سليمان إلا أنه قال فقدر الفقراء حينئذ على مناجاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يقدم أحد من أهل الميسرة صدقة غير علي بن أبي طالب \r\n وروى مجاهد عن علي رضي الله عنه قال آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولن يعمل بها أحد بعدي آية النجوى كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه و سلم قدمت درهما فنسختها الآية الأخرى أأشفقتم أن تقدموا الآية \r\n قوله تعالى ذلك خير لكم وأظهر أي تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم لما فيه من طاعة الله وأطهر لذنوبكم فإن لم تجدوا يعني الفقراء فإن الله غفور رحيم إذ عفا عمن لا يجد \r\n قوله تعالى أأشفقتم أي خفتم بالصدقة الفاقة وتاب الله عليكم أي فتجاوز عنكم وخفف بنسخ إيجاب الصدقة قال مقاتل بن حيان إنما كان ذلك عشر ليال قال قتادة ما كان إلا ساعة من نهار \r\n ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ","part":8,"page":195},{"id":3690,"text":" ألا إنهم هم الكاذبون إستحوذ عليهم الشيطان فأنسهم ذكر الله أولئك حزب الشطيان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون \r\n قوله تعالى ألم ترى إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم نزلت في المنافين الذين تولوا اليهود ونقولوا إليهم أسرار المؤمنين وقال السدي ومقاتل نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق وذلك أنه كان يجالس رسول الله ص - ويرفع حديثه إلى اليهود فدخل عليه يوما وكان أزرق فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له النبي صلى الله عليه و سلم فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله هذه الآيات وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال علام تشتمني أنت وفلان وفلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه فأنزل الله تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون الآية \r\n فأما التفسير الذين تولوا هم المنافقون والمغضوب عليهم هم اليهود ما هم منكم يعني المنافين ليسوا من المسلمين ولا من اليهود ويحلفون على الكذب وهو ما ذكرنا في سبب نزولها وقال بعضهم حلفوا أنهم ما سبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا تولوا اليهود وهم يعلمون انهم كذبة اتخذوا أيمانهم ","part":8,"page":196},{"id":3691,"text":" جنة أي سترة يتقون بها القتل قال ابن قتيبة المعنى استتروا بالحلف فكلما ظهر لهم شيء يوجب معاقبتهم حلفوا كاذبين فصدوا عن سبيل الله فيه قولان \r\n أحدهما صدوا الناس عن دين الإسلام قاله السدي \r\n والثاني صدوا عن جهادهم بالقتل وأخذ مالهم \r\n قوله تعالى فيحلفون له قال مقاتل وقتادة يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين كما حلفوا لأوليائه في الدنيا ويحسبون أنهم على شيء من أيمانهم الكاذبة ألا إنهم هم الكاذبون في قولهم وأيمانهم \r\n قوله تعالى استحوذ عليهم الشيطان قال أبو عبيدة غلب عليهم وحاذهم وقد بينا هذا في سورة النساء عند قوله تعالى نستحوذ عليكم آية 141 وما بعد هذا ظاهرا إلى قوله تعالى أولئك في الأذلين أي في المغلوبين فلهم في الدنيا ذل وفي الآخرة خزي إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ألولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون \r\n قوله تعالى كتب الله أي قضى الله لأغلبن أنا ورسلي وفتح الياء نافع وابن عامر ","part":8,"page":197},{"id":3692,"text":" قال المفسرون من بعث من الرسل بالحرب فعاقبة الأمر له ومن لم يبعث بالحرب فهو غالب بالحجة إن الله قوي عزيز أي مانع حزبه من أن يذل \r\n قوله تعالى لا تجد قوما الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال \r\n أحدها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز فقال يا رسول الله دعني أكون في الرعلة الأولى فقال متعنا بنفسك يا أبا بكر وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن حمنة يوم أحد وفي عمرو قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر وفي علي وحمزة قتلا عتبة وشيبة يوم بدر قاله ابن مسعود \r\n والثاني أنها نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه و سلم فصكه ابو بكر الصديق صكة شديدة سقط منها ثم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أو فعلته قال نعم قال فلا تعد إليه فقال أبو بكر والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته فنزلت هذه الآية قاله ابن جريج ","part":8,"page":198},{"id":3693,"text":" والثالث نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي وذلك أنه كان جالسا إلى جنب رسول الله فشرب رسول الله ماء فقال عبد الله يا رسول الله أبق فضلة من شرابك قال وما تصنع بها قال أسقيها أبي لعل الله سبحانه يطهر قلبه ففعل فأتى بها أباه فقال ما هذا قال فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها لعل الله يطهر قلبك فقا لهلا جئتني ببول أمك فرجع لى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله ائذن لي في قتل أبي قال فال رسول الله صلى الله عليه و سلم ارفق به وأحسن إليه فنزلت هذه الآية قاله السدي \r\n والرابع أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عزم على قصدهم قاله مقاتل واختاره الفراء والزجاج \r\n وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان وأن من كان مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته \r\n قوله تعالى أولئك الذين يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله كتب في قلوبهم الإيمان وقرأ المفضل عن عاصم كتب برفع الكاف والنون من الإيمان وفي معنى كتب خمسة أقوال \r\n أحدها أثبت في قلوبهم الإيمان قاله الربيع بن أنس \r\n والثاني جعل قاله مقاتل \r\n والثالث كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان حكاه الماوردي والرابع حكم لهم بالإيمان وإنما ذكر القلوب لأنها موضع الإيمان ذكره الثعلبي ","part":8,"page":199},{"id":3694,"text":" والخامس جمع في قلوبهم الإيمان حى استكملوه قاله الواحدي \r\n قوله تعالى وأيدهم أي قواهم بروح منه وفي المراد بالروح ها ها خمسة أقوال \r\n أحدها أنه النصر قاله ابن عباس والحسن فعلى هذا سمي النصر روحا لأن أمرهم يحيا به والثاني الإيمان قاله السدي والثالث القرآن قاله الربيع والرابع الرحمة قاله مقاتل والخامس جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر ذكره الماوردي فأما حزب الله فقال الزجاج هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم وارتضاهم وألا كلمة تنبيه وتوكيد للقصة ","part":8,"page":200},{"id":3695,"text":" سورة الحشر \r\n وهي مدنية كلها بإجماعهم \r\n وذكر المفسرون أن جميعها أنزلت في بني النضير وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير وهذه الإشارة إلى قصتهم \r\n ذكر أهل العلم بالتفسير والسير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج إلى مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه فصلى فيه ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما فقتلهما عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم فقالوا نفعل وهموا بالغدر به وقال عمرو بن جحاش أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة فقال سلام بن مشكم لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتهم به وجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم الخبر فنهض سريعا فتوجه إلى المدينة فلحقه أصحابه فقالوا قمت ولم نشعر فقال همت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت وبعث إليهم رسول الله محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدتي ","part":8,"page":201},{"id":3696,"text":" فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به وقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا أياما يتجهزون فأرسل إليهم ابن أبي لا تخرجوا فإن معي ألفين من قومي وغيرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان وطمع حيي فيما قال ابن أبي فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا لا نخرج فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود ثم سار إليهم في أصحابه فلما رأوه قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة فاعتزلتهم قريظة وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان وكان رئيسهم كعب بن الأشرف قد خرج إلى مكة فعاقد المشركين على التظاهر على رسول الله فأخبر الله رسوله بذلك فبعث محمد بن مسلمة فاغتره فقتله وحاصرهم رسول الله وقطع نخلهم فقالوا نحن نخرج عن بلادك فأجلاهم عن المدينة فمضى بعضهم إلى الشام وبعضهم إلى خيبر وقبض سلاحهم وأموالهم فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا \r\n فأما التفسير فقد ذكرنا فاتحة هذه السورة في الحديد 1 ","part":8,"page":202},{"id":3697,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ","part":8,"page":203},{"id":3698,"text":" قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب يعني يهود بني النضير من ديارهم أي من منازلهم لأول الحشر فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم أول من حشر وأخرج من داره قاله ابن عباس وقال ابن السائب هم أول من نفي من أهل الكتاب \r\n والثاني أن هذا كان أول حشرهم والحشر الثاني إلى أرض المحشر يوم القيامة قاله الحسن قال عكرمة من شك أن المحشر إلى الشام فليقرأ هذه الآية وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم يومئذ اخرجوا فقالوا إلى أين قال إلى أرض المحشر \r\n والثالث أن هذا كان أول حشرهم والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب قاله قتادة \r\n والرابع أن هذا كان أول حشرهم من المدينة والحشر الثاني من خيبر ","part":8,"page":204},{"id":3699,"text":" وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام في أيام عمر بن الخطاب قاله مرة الهمداني \r\n قوله تعالى ما ظننتم يخاطب المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم لعزهم ومنعتهم وحصونهم وظنوا يعني بني النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وذلك أنه أمر نبيه بقتالهم وإجلائهم ولم يكونوا يظنون أن ذلك يكون ولا يحسبونه وقذف في قلوبهم الرعب لخوفهم من رسول الله وقيل ص - لقتل سيدهم كعب بن الأشرف يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين قرأ أبو عمرو يخربون بالتشديد وقرأ البقاون يخربون وهل بينهما فرق أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أن المشددة معناها النقض والهدم والمخففة معناها يخرجون منها ويتركونها خرابا معطلة حكاه ابن جرير روي عن أبي عمرو أنه قال إنما اخترت التشديد لأن بني النضير نقضوا منازلهم ولم يرتحلوا عنها وهي معمورة \r\n والثاني أن القراءتين بمعنى واحد والتخريب والإخراب لغتنان بمعنى حكاه ابن جرير عن أهل اللغة وللمفسرين فيما فعلوا بمنازلهم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه كان المسلمون كلما ظهروا على دار من دورهم هدموها ليتسع ","part":8,"page":205},{"id":3700,"text":" لهم مكان القتال وكانوا هم ينقبون دورهم فيخرجون إلى ما يليها قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه كان المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم نقضوا ما يبنون به الذي خربه المسلمون قاله الضحاك \r\n والثالث أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم أو العمود أو الباب فيستحسنونه فيهدمون البيوت وينزعون ذلك منها ويحملونه معهم ويخرب المؤمنون باقيها قاله الزهري \r\n والرابع أنهم كانوا يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغيا قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها والأبصار العقول والمعنى تدبروا ما نزل بهم ولولا أن كتب الله أي قضى عليهم الجلاء وهو خروجهم من أوطانهم وذكر الماوردي بين الإخراج والجلاء فرقين \r\n أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد \r\n والثاني أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة والإخراج قد يكون لواحد ولجماعة والمعنى لولا أن الله قضى عليهم بالخروج لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي كما فعل بقريظة ولهم في الآخرة مع ما حل بهم في الدنيا عذاب النار ذلك الذي أصابهم بأنهم شاقوا الله وقد سبق بيان الآية الأنفال 13 ومحمد 32 قال القاضي أبو يعلى فقد دلت هذه الآية على جواز مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ","part":8,"page":206},{"id":3701,"text":" ولا جزية ولا دخول في ذمة وهذا حكم منسوخ إذا كان في المسلمين قوة على قتالهم لأن الله تعالى أمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وإنما يجوز هذا الحكم إذا عجز المسلمون عن مقاومتهم فلم يقدروا على إدخالهم في الإسلام أو الذمة فيجوز له حينئذ مصالحتهم على الجلاء من بلادهم وفي هذه القصة دلالة على جواز مصالحتهم على مجهول من المال لأن النبي صلى الله عليه و سلم صالحهم على أرضهم وعلى الحلقة وترك لهم ما أقلت الإبل وذلك مجهول \r\n قوله تعالى ما قطعتم من لينة سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حرق نخل بني النضير وقطع فنزلت هذه الآية أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وذكر المفسرون أنه لما نزلت ببني النضير تحصنوا في حصونهم فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا وقالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وهل وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض فشق ذلك على رسول الله ص - ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم واختلف المسلمون فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعها فنزلت هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى \r\n وفي المراد باللينة ستة أقوال \r\n أحدها أنه النخل كله ما خلا العجوة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة والفراء ","part":8,"page":207},{"id":3702,"text":" والثاني أنه النخل والشجر رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثالث أنه ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية قاله الزهري وأبو عبيدة وابن قتيبة وقال الزجاج أهل المدينة يسمون جميع النخيل الألوان ما خلا البرني والعجوة وأصل لينة لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها \r\n والرابع أنها النخل كله قاله مجاهد وعطية وابن زيد قال ابن جرير معنى الآية ما قطعتم من ألوان النخيل \r\n والخامس أنها كرام النخل قاله سفيان والسادس أنها ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهي شديد الصفرة ترى نواه من خارخ وكان أعجب ثمرهم إليهم قاله مقاتل وفي عدد ما قطع المسلمون ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قطعوا وأحرقوا ست نخلات قاله الضحاك والثاني أحرقوا نخلة وقطعوا نخلة قاله ابن إسحاق والثالث قطعوا أربع نخلات قاله مقاتل \r\n قوله تعالى فبإذن الله قال يزيد بن رومان ومقاتل بأمر الله \r\n قوله تعالى وليخزي الفاسقين يعني اليهود وخزيهم أن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا والمعنى وليخزي الفاسقين أذن في ذلك ودل على المحذوف قوله فبإذن الله ","part":8,"page":208},{"id":3703,"text":" وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم \r\n قوله تعالى وما أفاء الله على رسوله أي ما رد عليهم منهم يعني من بني النضير فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب قال أبو عبيدة الإيجاف الإيضاع والركاب الإبل قال ابن قتيبة يقال وجف الفرس والبعير وأوجفته ومثله الإيضاع وهو الإسراع في السير وقال الزجاج معنى الآية أنه لا شيء لكم في هذا إنما هو لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة \r\n قال المفسرون طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخمس أموال بني النضير لما أجلوا فنزلت هذه الآية تبين أنها فيئ لم تحصل لهم بمحاربتهم وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو له خاصة يفعل فيه ما يشاء فقسمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة نفر كانت ","part":8,"page":209},{"id":3704,"text":" بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة ثم ذكر حكم الفيء فقال تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي من أموال كفار أهل القرى فلله أي يأمركم فيه بما أحب ولرسوله بتحليل الله إياه وقد ذكرنا ذوي القرى واليتامى في الأنفال 41 وذكرنا هناك الفرق بين الفيء والغنيمة \r\n فصل \r\n واختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب قوم أن المراد بالفيء ها هنا الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة وكانت في بدو الإسلام للذين سماهم الله ها هنا دون الغالبين الموجفين عليها ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال 41 واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية هذا قول قتادة ويزيد بن رومان وذهب قوم إلى أن هذا الفيئ ما أخذ من أموال المشركين ما لم يوجف بخيل ولا ركاب كالصلح والجزية والعشور ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له فهذا كان يقسم في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسة أخماس فأربعة لرسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل بها ما يشاء والخمس الباقي للمذكورين في هذه الآية \r\n واختلف العلماء فيما يصنع بسهم رسول الله ص - بعد موته على ما بينا في الأنفال 41 فعلى هذا تكون هذه الآية مثبتة لحكم الفيء والتي في الأنفال 41 مثبتة لحكم الغنيمة فلا يتوجه النسخ ","part":8,"page":210},{"id":3705,"text":" قوله تعالى كي لا يكون يعني الفيء دولة وهو اسم للشيء يتداوله القوم والمعنى لئلا يتداوله الأغنياء بينهم فيغلبوا الفقراء عليه قال الزجاج الدولة اسم الشيء يتداول والدولة بالفتح الفعل والانتقال من حال إلى حال وما آتاكم الرسول من الفيئ فخذوه وما نهاكم عن أخذه فانتهوا وهذا نزل في أمر الفيئ وهو عام في كل ما أمر به ونهى عنه قال الزجاج ثم بين من المساكين الذي لهم الحق فقال تعالى للفقراء ","part":8,"page":211},{"id":3706,"text":" المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم قال المفسرون يعني بهم المهاجرين يبتغون فضلا من الله أي رزقا يأتيهم ورضوانا رضي ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة أولئك هم الصادقون في إيمانهم ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء فقال تعالى والذين تبوؤا الدار يعني دار الهجرة وهي المدينة والإيمان من قبلهم فيها تقديم وتأخير تقديره والذين تبوؤوا الدار من قبلهم أي من قبل المهاجرين والإيمان عطف على الدار في الظاهر لا في المعنى لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ وإنما تقديره وآثروا الإيمان وإسلام المهاجرين قبل الأنصار وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين وقيل الكلام على ظاهره والمعنى تبوؤوا الدار والإيمان قبل الهجرة يحبون من هاجر إليهم وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم وأموالهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون \r\n وفيما أوتوه قولان \r\n أحدهما مال الفيء قاله الحسن وقد ذكرنا آنفا أن النبي صلى الله عليه و سلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر ","part":8,"page":212},{"id":3707,"text":" والثاني الفضل والتقدم ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ولو كان بهم خصاصة أي فقر وحاجة فبين الله عز و جل أن إيثارهم لم يكن عن غنى وفي سبب نزول هذا الكلام قولان \r\n أحدهما أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد أصابه الجهد فقال يا رسول الله إني جائع فأطعمني فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أزواجه هل عندكن شيء فكلهن قلن والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء فقال ما عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يطعمك هذه الليلة ثم قال من يضيف هذا هذه الليلة يC فقام رجل فقال أنا يا رسول الله فأتى به منزله فقال لأهله هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه و سلم فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا فقالت ما عندنا إلا قوت الصبية فقال قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا ثم أصبحي سراجك فإذا أخذ الضيف ليأكل فقومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله ","part":8,"page":213},{"id":3708,"text":" صلى الله عليه و سلم حتى يشبع ففعلت ذلك وظن الضيف أنهما يأكلان معه فشبع هو وباتا طاويين فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما نظر إليهما تبسم ثم قال ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الآية أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة أن الضيف كان من أهل الصفة والمضيف كان من الأنصار وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لقد عجب من فعالكما أهل السماء \r\n والثاني أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أهدي له رأس شاة فقال إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تداولها سبعة أهل أبيات حتى رجعت إلى أولئك فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك ","part":8,"page":214},{"id":3709,"text":" قال أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهودا فوجه به إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأول فنزلت هذه الآية قوله تعالى ومن يوق شح نفسه وقرأ ابن السميفع وأبو رجاء ومن يوق بتشديد القاف قال المفسرون هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه والمعنى أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيئ للمهاجرين \r\n فصل \r\n وقد اختلف العلماء في الشح والبخل هل بينهما فرق أم لا فقال ابن جرير الشح في كلام العرب هو منع الفضل من المال وقال أبو سليمان الخطابي الشح أبلغ في المنع من البخل وإنما الشح بمنزلةالجنس والبخل بمنزلة النوع وأكثر ما يقال في البخل إنما هو في أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال البخل أن يضن بماله والشح أن يبخل بماله ومعروفه وقد روى أبو الشعثاء أن رجلا أتى ابن مسعود فقال إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال أسمع الله يقول ومن يوق ","part":8,"page":215},{"id":3710,"text":" شح نفسه وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما إنما ذلك البخل وبئس الشيء البخل وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة \r\n قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم يعني التابعين إلى يوم القيامة قال الزجاج والمعنى ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ودليل هذا قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم أي الذين جاؤوا في حال قولهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيئ المسلمين ومن شتمهم ولم يترحم عليهم وكان في قلبه غل لهم فما جعل الله له حقا في شيء من فيئ المسلمين بنص الكتاب وكذلك روي عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال من تنقص اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيئ المسلمين ثم تلا هذه الآيات ","part":8,"page":216},{"id":3711,"text":" ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليؤولن الأدبار ثم لا ينصرون لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤا الظالمين \r\n قوله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يعني عبد الله بن أبي وأصحابه يقولون لإخوانهم في الدين لأنهم كفار مثلهم وهم اليهود لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أي في خذلانكم أحدا أبدا فكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله والله يشهد إنهم لكاذبون ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر بالآية التي تلي هذه فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى لأنهم أخرجوا فلم يخرج معهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصورهم ومعنى ولئن نصروهم لئن قدر وجود نصرهم لأن الله نفى نصرهم فلا يجوز وجوده وقوله تعالى ثم لا ينصرون يعني بني النضير \r\n قوله تعالى لأنتم أشد يعني المؤمنين أشد رهبة في صدورهم وفيهم قولان ","part":8,"page":217},{"id":3712,"text":" أحدهما أنهم المنافقون قاله مقاتل والثاني بنو النضير قاله الفراء \r\n قوله تعالى لا يقاتلونكم جميعا فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود قاله الأكثرون \r\n والثاني اليهود والمنافقون قاله أبو سليمان الدمشقي والمعنى أنهم لا يبرزون لحربكم إنما يقاتلون متحصنين في قرى محصنة أو من وراء جدر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبان جدار بألف وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي جدر بضم الجيم والدال وقرأ أبو بكر الصديق وابن أبي عبلة جدر بفتح الجيم والدال جميعا وقرأ عمر بن الخطاب ومعاوية وعاصم الجحدري جدر بفتح الجيم وسكون الدال وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والحسن وابن سيرين وابن يعمر جدر بضم الجيم وإسكان الدال بأسهم بينهم شديد فيما وراء الحصون شديد وإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله \r\n قوله تعالى تحسبهم جميعا فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود والمنافقون قاله مقاتل \r\n والثاني بنو النضير قاله الفراء \r\n قوله تعالى وقلوبهم شتى قال الزجاج أي هم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة لأن الله تعالى ناصر حزبه وخاذل أعدائه \r\n قوله تعالى ذلك يعني ذلك الاختلاف بأنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم ثم ضرب لليهود مثلا فقال تعالى كمثل الذين من قبلهم قريبا وفيه ثلاثة أقوال ","part":8,"page":218},{"id":3713,"text":" أحدها بنو قينقاع وكانوا وادعوا رسول الله ثم غدروا فحصروهم ثم نزلوا على حكمه أن له أموالهم ولهم النساء والذرية فالمعنى مثل بني النضير فيما فعل بهم كبني قينقاع فيما فعل بهم \r\n والثاني أنهم كفار قريش يوم بدر قاله مجاهد والمعنى مثل هؤلاء اليهود كمثل المشركين الذين كانوا من قبلهم قريبا وذلك لقرب غزاة بني النضير من غزاة بدر والثالث أنهم بنو قريظة فالمعنى مثل بني النضير كبني قريظة ذاقوا وبال أمرهم بأن قتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم وهؤلاء أجلوا عن ديارهم فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم في الآخرة ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال تعالى كمثل الشيطان والمعنى مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وقولهم لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولئن قوتلتم لننصرنكم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر وفيه قولان \r\n أحدهما أنه مثل ضربه الله تعالى للكافر في طاعة الشيطان وهو عام في جميع الناس قاله مجاهد \r\n والثاني أنه مثل ضربه الله لشخص معين وعلى هذا جمهور المفسرين وهذا شرح قصته \r\n ذكر أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له برصيصا تعبد في صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان فجمع إبليس يوما مردة الشياطين فقال ألا أحد منكم يكفيني برصيصا فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء أنا أكفيكه فانطلق على صفة الرهبان وأتى صومعته فناداه فلم ","part":8,"page":219},{"id":3714,"text":" يجبه وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة فناداه ما حاجتك فقال إني أحببت أن أكون معك أقتبس من عملك وأتأدب بأدبك ونجتمع على العبادة فقال برصيصا إني لفي شغل عنك ثم أقبل على صلاته وأقبل الأبيض يصلي فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما ثم انفتل فرآه يصلي فلما رأى شدة اجتهاده قال ما حاجتك فأعاد عليه القول فأذن له فصعد إليه فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما وربما زاد على ذلك فلما رأى برصيصا اجتهاده أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا إني منطلق عنك فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى فاشتد ذلك على برصيصا وكره مفارقته فلما ودعه قال له الأبيض إن عندي دعوات أعلمكها يشفي الله بها السقيم ويعافي بها المبتلي فقال برصيصا إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا فأخاف أن يعلم الناس بهذا فيشغلوني عن العبادة فلم يزل به حتى علمه إياها ثم انطلق إلى إبليس فقال قد والله أهلكت الرجل فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم جنونا فأعالجه قالوا نعم فقال لهم إني لا أقوى على جنيه ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى فقالوا له دلنا قال انطلقوا إلى برصيصا العابد فإن عنده اسم الله الأعظم فانطلقوا إليه فدعا بتلك الكلمات فذهب عنهم الشيطان وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك ثم يرشدهم إلى برصيصا فيعافون فلما طال ذلك ","part":8,"page":220},{"id":3715,"text":" عليه انطلق إلى جارية من بنات ملوك بني إسرائيل لها ثلاثة إخوة فخنقها ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال أعالجها قالوا نعم فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تدعونها عنده فإذا جاء شيطانها دعا لها قالوا ومن هو قال بريصصا قالوا فكيف لنا أن يقبلها منا وهو أعظم شأنا من ذلك قال إن قبلها والا فضعوها في صومعته وقولوا له هي أمانة عندك فانطلقوا إليه فأبى عليهم فوضعوها عنده وفي بعض الروايات أنه قال ضعوها في ذلك الغار وهو غار إلى جنب صومعته فوضعوها فجاء الشيطان فقال له انزل إليها فامسحها بيدك تعافى وتنصرف إلى أهلها فنزل فلما دنا إلى باب الغار دخل الشيطان فيها فإذا هي تركض فسقطت عنها ثيابها فنظر العابد إلى شيء لم ير مثله حسنا وجمالا فلم يتمالك أن وقع عليها وضرب على أذنه فجعل يختلف إليها إلى أن حملت فقال له الشيطان ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتل هذه وتتوب فإن سألوك عنها فقل جاء شيطانها فذهب بها فلم يزل بها حتى قتلها ودفنها ثم رجع إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يسألون عنها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا وفي بعض الروايات أنه قال دعوت لها فعافاها الله ورجعت إليكم فتفرقوا ينظرون لها أثرا فلما أمسوا جاء الشيطان إلى كبيرهم في منامه فقال ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا فقال هذا حلم وبرصيصا خير من ذلك فتتابع عليه ثلاث ليال ولا يكترث فانطلق إلى الأوسط كذلك ثم إلى الأصغر مثل ذلك فقال الأصغر لإخوته لقد رأيت كذا وكذا فقال ","part":8,"page":221},{"id":3716,"text":" الأوسط وأنا والله فقال الأكبر وأنا والله فأتوا برصيصا فسألوه عنها فقال قد أعلمتكم بحالها فكأنكم اتهمتموني قالوا لا والله واستحيوا وانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا وإن إزارها لخارج من التراب فانطلقوا فحفروا عنها فرأوها فقالوا يا عدو الله لم قتلتها اهبط فهدموا صومعته ثم أوثقوه وجعلوا في عنقه حبلا ثم قادوه إلى الملك فأقر على نفسه وذلك أن الشطيان عرض له فقال تقتلها ثم تكابر فاعترف فأمر الملك بقتله وصلبه فعرض له الأبيض فقال أتعرفني قال لا قال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات ويحك ما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها أما استحييت من الله ألم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك وأشباهك بين الناس فإن مت على هذه الحالة لم تفلح ولا أحد من نظرائك قال فكيف أصع قال تطيعني في خصلة حتى أنجيك وآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك قال ما هي قال تسجد لي فسجد له فقال هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك أن كفرت إني بريء منك ثم قتل فضرب الله هذا المثل لليهود حين غرهم المنافقون ثم أسلموهم ","part":8,"page":222},{"id":3717,"text":" قوله تعالى إني أخاف الله ونصب ابن كثير ونافع وأبو عمرو ياء إني وأسكنها الباقون وقد بينا المعنى في الأنفال 48 فكان عاقبتهما يعني الشيطان وذلك الكافر ","part":8,"page":223},{"id":3718,"text":" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون \r\n قوله تعالى ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي لينظر أحدكم أي شيء قدم أعملا صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي تركوا أمره فأنساهم أنفسه أي أنساهم حظوظ أنفسهم فلم يعملوا بالطاعة ولم يقدموا خيرا قال ابن عباس يريد قريظة والنضير وبني قينقاع \r\n لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن على جبل أخبر الله بهذا عن تعظيم شأن القرآن وأنه لو جعل في جبل على قساوته وصلابته تمييزا كما جعل في بني آدم ثم أنزل عليه القرآن لتشقق من خشية الله وخوفا أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن والخاشع المتطاطىء الخاضع والمتصدع المتشقق وهذا توبيخ لمن لا يحترم القرآن ولا يؤثر في قلبه مع الفهم والعقل ويدلك على هذا المثل قوله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس ثم أخبر بعظمته وربوبيته فقال تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو قال الزجاج قوله ","part":8,"page":224},{"id":3719,"text":" تعالى هو الله رد على قوله تعالى في أول السورة سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم \r\n فأما هذه الأسماء فقد سبق ذكر الله والرحمن والرحيم في الفاتحة وذكرنا معنى عالم الغيب والشهادة في الأنعام 73 والملك في سورة المؤمنين 116 \r\n فأما القدوس فقرأ أبو الأشهب وأبو نهيك ومعاذ القارىء بفتح القاف قال أبو سليمان الخطابي القدوس الطاهر من العيوب المنزه عن الأنداد والأولاد والقدس الطهارة ومنه سمي بيت المقدس ومعناه المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب وقيل للجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا والقدس السطل الذي يتطهر فيه ولم يأت من الأسماء على فعول بضم الفاء إلا قدوس وسبوح وقد يقال أيضا قدوس وسبوح بالفتح فيهما وهو القياس في الأسماء كقولهم سفود وكلوب \r\n فأما السلام فقال ابن قتيبة سمى نفسه سلاما لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء وقال الخطابي معناه ذو السلام والسلام في صفة الله سبحانه هو الذي سلم من كل عيب وبرىء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين قال وقد قيل هو الذي سلم الخلق من ظلمه \r\n فأما المؤمن ففيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه الذي أمن الناس ظلمه وأمن من آمن به عذابه قاله ابن عباس ومقاتل \r\n والثاني أنه المجير قاله القرظي ","part":8,"page":225},{"id":3720,"text":" والثالث الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه قاله ابن زيد \r\n والرابع أنه الذي وحد نفسه لقوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو آل عمران 18 ذكره الزجاج \r\n والخامس أنه الذي يصدق عباده وعده قاله ابن قتيبة \r\n والسادس أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين ولا يخيب آمالهم كقول النبي عليه الصلاة و السلام فيما يحكيه عن ربه عز و جل أنا عند ظن عبدي بي حكاه الخطابي \r\n فأما المهيمن ففيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الشهيد قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائي قال الخطابي ومنه قوله تعالى ومهيمنا عليه المائدة 48 فالله الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل \r\n والثاني أنه الأمين قاله الضحاك قال الخطابي وأصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة ولم يأت مفيعل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف مسيطر ومبيطر ومهيمن وقد ذكرنا في سورة الطور 37 عن أبي عبيدة أنها خمسة أحرف \r\n والثالث المصدق فيما أخبر قاله ابن زيد \r\n والرابع أنه الرقيب على الشيء والحافظ له قاله الخليل قال الخطابي وقال بعض أهل اللغة الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له وأنشد ... ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر ","part":8,"page":226},{"id":3721,"text":" يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم وقد زدنا هذا شرحا في المائدة 48 وبينا معنى العزيز في البقرة 129 \r\n فأما الجبار ففيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه العظيم قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريد قاله القرظي والسدي وقال قتادة جبر خلقه على ما شاء وحكى الخطابي أنه الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره ونهيه يقال جبره السلطان وأجبره \r\n والثالث أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق \r\n والرابع أنه العالي فوق خلقه من قولهم تجبر النبات إذا طال وعلا ذكر القولين الخطابي \r\n فأما المتكبر ففيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الذي تكبر عن كل سوء قاله قتادة \r\n والثاني أنه الذي تكبر عن ظلم عباده قاله الزجاج ","part":8,"page":227},{"id":3722,"text":" والثالث أنه ذو الكبرياء وهو الملك قاله ابن الأنباري \r\n والرابع أنه المتعالي عن صفات الخلق \r\n والخامس أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فقصمهم ذكرهما الخطباي قال والتاء في المتكبر تاء التفرد والتخصص لأن التعاطي والتكلف والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين وإنما سمة العبد الخضوع والتذلل وقيل إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله لا من الكبر الذي هو مذموم في الخلق \r\n وأما الخالق فقال الخطابي هو المتبدىء للخلق المخترع لهم على غير مثال سبق فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق كقول زهير ... ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري ... \r\n يقول إذا قدرت شيئا قطعته وغيرك يقدر ما لا يقطعه أي يتمنى ما لا يبلغه والبارئ الخالق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم والمصور ","part":8,"page":228},{"id":3723,"text":" الذي أنشأ خلته على صور مختلفة ليتعارفوا بها ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل وقرأ الحسن وأبو الجوزاء وأبو عمران وابن السميفع البارئ المصور بفتح الواو والراء جميعا يعني آدم عليه السلام وما بعد هذا قد تقدم بيانه الأعراف 180 والإسراء 110 إلى آخر السورة ","part":8,"page":229},{"id":3724,"text":" سورة الممتحنة \r\n وهي مدينة كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير \r\n قوله تعالى أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء أهل التفسير أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه و سلم يتجهز لفتح مكة فقال لها أمسلمة جئت قالت لا قال فما جاء بك قالت أنتم الأهل والعشيرة والموالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت إليكم لتعطوني قال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأين أنت من شباب أهل مكة وكانت مغنية فقالت ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر ","part":8,"page":230},{"id":3725,"text":" فحث رسول الله صلى الله عليه و سلم بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة فكتب معها كتابا إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب من حاطب إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريدكم فخذوا حذركم فخرجت به سارة ونزل جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بما فعل حاطب فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها فقالوا لها أين الكتاب فحلفت بالله ما معها من كتاب ففتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا فهموا بالرجوع فقال علي والله ما كذبنا ولا كذبنا وسل سيفه وقل أخرجي الكتاب وإلا ضربت عنقك فلما رأت الجد أخرجته من فؤابتها فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل إلى حاطب فأتاه فقال له هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا فيهم وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وكتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله ","part":8,"page":231},{"id":3726,"text":" صلى الله عليه و سلم وعذره ونزلت هذه السورة تنهى حاطبا عما فعل وتنهى المؤمنين أن يفعلوا كفعله فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وقد أخرج هذا الحديث في الصحيحين مختصرا وفيه ذكر علي وابن الزبير وأبي مرثد فقط \r\n قوله تعالى تلقون إليهم بالمودة وفيه قولان \r\n أحدهما أن الباء زائدة والمعنى تلقون إليهم المودة ومثله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم الحج 25 هذا قول الفراء وأبي عبيدة وابن قتيبة والجمهور \r\n والثاني تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه و سلم وسره بالمودة التي بينكم وبينه قاله الزجاج ","part":8,"page":232},{"id":3727,"text":" قوله تعالى وقد كفروا الواو للحال وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق وهو القرآن يخرجون الرسول وإياكم من مكة أن تؤمنوا بالله إن كنتم خرجتم هذا شرط جوابه متقدم وفي الكلام تقديم وتأخير قال الزجاج معنى الآية إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء \r\n قوله تعالى تسرون إليهم بالمودة الباء في المودة حكمها حكم الأولى قال المفسرون والمعنى تسرون إليهم النصيحة وأنا أعلم بما أخفيتم من المودة للكفار وما أعلنتم أي أظهرتم بألسنتكم وقال ابن قتيبة المعنى كيف تستسرون بمودتكم لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون وما تظهرون \r\n قوله تعالى ومن يفعله منكم يعني الإسرار والإلقاء إليهم فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ طريق الهدى ثم أخبر بعداوة الكفار فقال تعالى إن يثقفوكم أي يظفروا بكم يكونوا لكم أعداء لا موالين ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسوء وهو الشتم وودوا لو تكفرون فترجعون إلى دينهم والمعنى أنه لا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى لن تنفعكم أرحامكم أي قراباتكم والمعنى ذوو أرحامكم أراد لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة يفصل بينكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يفصل برفع الياء وتسكين الفاء ونصب الصاد وقرأ ابن عامر يفصل بينكم برفع الياء والتشديد وفتح الصاد وافقه حمزة والكسائي وخلف إلا أنهم كسروا الصاد وقرأ عاصم غير المفضل ويعقوب بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد وتخفيفها وقرأ أبي بن كعب ","part":8,"page":233},{"id":3728,"text":" وابن عباس وأبو العالية نفصل بنون مرفوعة وفتح الفاء مكسورة الصاد مشددة وقرأ أبو رزين وعكرمة والضحاك نفصل بنون مفتوحة ساكنة الفاء مكسورة الصاد خفيفة أي نفصل بين المؤمن والكافر وإن كان ولده قال القاضي أبو يعلى في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر كما يبيح في الخوف على النفس ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقية وإنما قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن غير تأويل \r\n قد كانت لكم أسوة حنسة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ","part":8,"page":234},{"id":3729,"text":" قوله تعالى قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم وقرأ عاصم أسوة بضم الألف وهما لغتان أي اقتداء حسن به وبمن معه وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم الأنبياء \r\n والثاني المؤمنون إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم قال الفراء يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم وقومه فتبرأت من أهلك كما تبرؤوا من قومهم \r\n قوله تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه قال المفسرون والمعنى تأسوا بإبراهيم الا في استغفار إبراهيم لأبيه فلا تأسوا به في ذلك فإنه كان عن موعدة وعدها إياه وما أملك لك من الله من شيء أي ما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه ربنا عليك توكلنا إلى قوله تعالى العزيز الحكيم قال الفراء قولوا أنتم ربنا عليك توكلنا وقد بينا معنى قوله تعالى لا تجعلنا فتنة للذين كفروا في يونس آية 85 ثم أعاد الكلام في ذكر الأسوة فقال تعالى لقد كان لكم فيهم أي في إبراهيم ومن معه وذلك أنهم كانوا يبغضون من خالف الله وقوله تعالى لمن كان يرجو الله بدل من قوله تعالى لكم وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخشى عقاب الآخرة \r\n قوله تعالى ومن يتول أي يعرض عن الإيمان ويوال الكفار فإن الله هو الغني عن خلقه الحميد إلى أوليائه فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادوا أقرباءهم فأنزل الله تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم أي من كفار مكة مودة ففعل ذلك بأن أسلم كثير منهم يوم الفتح وتزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم أم حبيبة بنت أبي سفيان فانكسر أبو سفيان ","part":8,"page":235},{"id":3730,"text":" عن كثير مما كان عليه حتى هداه الله للإسلام والله قدير على جعل المودة والله غفور لهم رحيم بهم بعدما أسلموا \r\n قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال \r\n أحدها أنها في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا فلم تقبل هداياها ولم تدخلها منزلها فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها قاله عبد الله بن الزبير والثاني أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا قاله ابن عباس وروي عن الحسن ","part":8,"page":236},{"id":3731,"text":" البصري أنها نزلت في خزاعة وبني الحارث بن عبد مناف وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم عهد فداموا على الوفاء به \r\n والثالث نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس قاله عطية العوفي ومرة والرابع أنها عامة في جميع الكفار وهي منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 قاله قتادة \r\n والخامس نزلت في النساء والصبيان حكاه الزجاج \r\n قال المفسرون وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم وإن كانت الموالاة منقطعة منهم \r\n قوله تعالى ولم يخرجوكم من دياركم أي من مكة أن تبروهم وتقسطوا إليهم أي تعاملوهم بالعدل فيما بينكم وبينهم \r\n قوله تعالى وظاهروا على أخراجكم أي عاونوا على ذلك أن تولوهم والمعنى إنما ينهاكم عن أن تولوا هؤلاء لأن مكاتبتهم بإظهار ما اسره رسول الله صلى الله عليه و سلم موالاة وذكر بعض المفسرين أن معنى الآية والتي قبلها منسوخ بآية السيف قال ابن جرير لا وجه لادعاء النسخ لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح أو دلالة لهم على عورة أهل الإسلام ويدل على ذلك حديث أسماء وأمها الذي سبق \r\n ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم ","part":8,"page":237},{"id":3732,"text":" حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون \r\n قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن قال ابن عباس إن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم وكتبوا بذلك الكتاب وختموه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحديبية فأقبل زوجها وكان كافرا فقال يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت هذه الآية وذكر جماعة من العلماء منهم محمد ابن سعد كاتب الواقدي أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ","part":8,"page":238},{"id":3733,"text":" معيط وهي أول من هاجر من النساء إلى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقدمت المدينة في هدنة الحديبية فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة فقالا يا محمد أوف لنا بشرطنا وقالت أم كلثوم يا رسول الله أنا امرأة وحال النساء إلى الضعف ما قد علمت فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي فنقض الله عز و جل العهد في النساء وأنزل فيهن المحنة وحكم فيهن بحكم رضوه كلهم ونزل في أم كلثوم فامتحنوهن فامتحنها رسول الله صلى الله عليه و سلم وامتحن النساء بعدها يقول والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله وما خرجتن لزوج ولا مال فإذا قلن ذلك تركن فلم يرددن إلى أهليهن \r\n وقد اختلف العلماء في المرأة التي كانت سببا لنزول هذه الآية على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها سبيعة وقد ذكرناه عن ابن عباس والثاني أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وقد ذكرناه عن جماعة من أهل العلم وهو المشهور \r\n والثالث أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف ذكره أبو نعيم الأصبهاني قال الماوردي وقد اختلف أهل العلم هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما ","part":8,"page":239},{"id":3734,"text":" فقالت طائفة قد كان شرط ردهن في لفظ الهدنة لفظا صريحا فنسخ الله تعالى ردهن من العقد ومنع منه وأبقاها في الرجال على ما كان وقالت طائفة لم يشرط ردهن في العقد صريحا وإنما أطلق العقد وكان ظاهر العموم اشتماله مع الرجال فبين الله عز و جل خروجهن عن عمومه وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين \r\n أحدهما أنهن ذوات فروج تحرمن عليهم \r\n والثاني أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم وقال القاضي أبو يعلى وإنما لم يرد النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكين من الفعل وإن لم يقع الفعل \r\n قال المفسرون والمراد بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن ويراد به سائر المؤمنين عند غيبته صلى الله عليه و سلم قال ابن زيد وإنما أمرنا بامتحانهن لأن المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة قال لألحقن بمحمد وفيما كان يمتحنهن به ثلاثة أقوال ","part":8,"page":240},{"id":3735,"text":" أحدها أنه كان يمتحنهن ب شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه كان يستحلف المرأة بالله ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنه كان يمتحنهن بقوله تعالى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فمن أقرت بهذا الشرط قالت قد بايعتك هذا قول عائشة \r\n قوله تعالى الله أعلم بإيمانهن أي إن هذا الامتحان لكم والله أعلم بهن فإن علمتموهن مؤمنات وذلك يعلم بإقرارهن فحينئذ لا يحل ردهن إلى الكفار لأن الله تعالى لم يبح مؤمنة لمشرك وآتوهم يعني أزواجهن الكفار ما أنفقوا يعني المهر قال مقاتل هذا إذا تزوجها مسلم فإن لم يتزوجها أحد فليس لزوجها الكافر شيء ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن وهي المهور ","part":8,"page":241},{"id":3736,"text":" فصل \r\n عندنا إذا هاجرت الحرة بعد دخول زوجها بها وقعت الفرقة على انقضاء عدتها فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي امرأته وهذا قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين \r\n قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي تمسكوا بضم التاء والتخفيف وقرأ أبو عمرو ويعقوب تمسكوا بضم التاء وبالتشديد وقرأ ابن عباس وعكرمة والحسن وابن يعمر وابو حيوة تمسكوا بفتح التاء والميم والسين مشددة والكوافر جمع كافرة والمعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عن المقام على نكاح الكافر وأمرهم بفراقهن وقال الزجاج المعنى أنها إذا كفرت فقد زالت العصمة بينها وبين المؤمن أي قد انبت عقد النكاح وأصل العصمة الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه \r\n قوله تعالى واسألوا ما أنفقتم أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم يدفعوها إليكم وليسألوا ما أنفقوا يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم فليسأل أزواجهن الكفار من تزوجهن ما أنفقوا وهو المهر والمعنى عليكم أن تغرموا لهم الصداق كما يغرمون لكم ","part":8,"page":242},{"id":3737,"text":" قال أهل السير وكانت أم كلثوم حين هاجرت عاتقا لم يكن لها زوج فيبعث إليه قدر مهرها فلما هاجرت تزوجت زيد بن حارثة \r\n قوله تعالى ذلكم حكم الله يعني ما ذكر في هذه الآية \r\n فصل \r\n وذكر بعضهم في قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر أنه نسخ ذلك في حرائر أهل الكتاب بقوله تعالى والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب المائدة 5 وهذا تخصيص لا نسخ \r\n قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجدكم إلى الكفار فعاقبتم قال الزجاج أي أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم وقرأ ابن مسعود والأزهري والنخعي فعقبتم بغير ألف وبفتح العين والقاف وبتخفيفها وقرأ ابن عباس وعائشة وحميد والأعمش مثل ذلك إلا أن القاف مشددة قال الزجاج المعنى في التشديد والتخفيف واحد فكانت العقبى لكم بأن غلبتم وقرأ أبي بن كعب وعكرمة ومجاهد فأعقبتم بهمزة ساكنة العين مفتوحة القاف خفيفة وقرأ معاذ القارئ وأبو عمران الجوني فعقبتم بفتح العين وكسر القاف وتخفيفها من غير ألف فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا أي أعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر \r\n وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في عياض بن غنم كانت زوجته ","part":8,"page":243},{"id":3738,"text":" مسلمة وهي أم الحكم بنت أبي سفيان فارتدت فلحقت بمكة فأمر الله المسلمين أن يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من المهر ثم نسخ ذلك بقوله تعالى براءة من الله ورسوله التوبة 1 إلى رأس الخمس \r\n قال القاضي أبو يعلى وهذه الأحكام في أداء المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب منسوخة عند جماعة من أهل العلم وقد نص أحمد على هذا قلت وكذا قال مقاتل كل هؤلاء الآيات نسختها آية السيف \r\n يا أيها ا لنبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم \r\n قوله تعالى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك قال المفسرون لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة جاءته النساء يبايعنه فنزلت هذه الآية وشرط في مبايعتهن الشرائط المذكورة في الآية فبايعهن وهو على الصفا فلما قال ولا يزنين قالت هند أوتزني الحرة فقال ولا يقتلن أولادهن فقال ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم ","part":8,"page":244},{"id":3739,"text":" لم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام وقد سمينا من أحصينا من ","part":8,"page":245},{"id":3740,"text":" المبايعات في كتاب التلقيح على حروف المعجم وهن أربعمائة وسبع وخمسون امرأة والله الموفق \r\n قوله تعالى ولا يقتلن أولادهن قال المفسرون هو الوأد الذي كانت الجاهلية تفعله \r\n قوله تعالى ولا يتأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم قاله ابن عباس والجمهور وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى وإنما قال بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها وقيل معنى يفترينه بين أيديهن يأخذنه لقيطا وارجلهن ما ولدنه من زنى \r\n السحر \r\n والثالث المشي بالنميمة والسعي في الفساد ذكرهما الماوردي \r\n قوله تعالى ولا يعصينك في معروف فيه ثلاثة أقوال ","part":8,"page":246},{"id":3741,"text":" أحدها أنه النوح قاله ابن عباس وروي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أنه لا يدعين ويلا ولا يخدشن وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا قاله زيد بن أسلم \r\n والثالث جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه و سلم من شرائع الإسلام وآدابه قاله أبو سليمان الدمشقي وفي هذه الآية دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور \r\n قوله تعالى فبايعهن المعنى إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور \r\n قوله تعالى أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوا غضب الله عليهم اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم فنزلت هذه الآية ","part":8,"page":247},{"id":3742,"text":" قوله تعالى قد يئسوا من الآخرة وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا وهم يعرفون صدقه قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير والمعنى قد يئسوا من ثواب الآخرة هذا قول الجمهور وهو الصحيح وقال قتادة قد يئسوا أن يبعثوا كما يئس الكفار فيه قولان \r\n أحدهما كما يئس الكفار من بعث من في القبور قاله ابن عباس \r\n والثاني كما يئس الكفار الذين ماتوا من ثواب الآخرة لأنهم أيقنوا بالعذاب قاله مجاهد ","part":8,"page":248},{"id":3743,"text":" سورة الصف \r\n ويقال لها سورة الحواريين \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مدنية قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور \r\n والثاني مكية قاله ابن يسار \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص \r\n قوله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون في سبب نزولها خمسة أقوال \r\n أحدها ما روى أبو سلمة عن عبد الله بن سلام قال قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز و جل عملناه فأنزل الله سبح لله ما في السموات إلى آخر السورة ","part":8,"page":249},{"id":3744,"text":" والثاني أن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فيقول فعلت كذا وكذا وما فعل فنزلت لم تقولون ما لا تفعلون رواه عكرمة عن ابن عباس وكذلك قال الضحاك كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وصبرت ولم يصبر فنزلت هذه الآية \r\n والثالث أن ناسا من المسلمين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لوددنا أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه فلما نزل الجهاد كرهه ناس من المؤمنين فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس \r\n والرابع أن صهيبا قتل رجلا يوم بدر فجاء رجل فادعى أنه قتله وأخذ سلبه فقال صهيب أنا قتلته يا رسول الله فأمره أن يدفع سلبه إلى صهيب ونزلت هذه الآية رواه سعيد بن المسيب عن صهيب \r\n والخامس أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه لو قد خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم فلما خرج النبي صلى الله عليه و سلم نكصوا عنه فنزلت هذه الآية قاله ابن زيد ","part":8,"page":250},{"id":3745,"text":" قول تعالى كبر مقتا عند الله قال الزجاج مقتا منصوب على التمييز والمعنى كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله ثم أعلم عز و جل ما الذي يحبه فقال تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص أي بنيان لاصق بعضه ببعض فأعلم أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البنيان المرصوص ويجوز أن يكون عنى أن يستوي ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص وللمفسرين في المراد ب المرصوص قولان \r\n أحدهما أنه الملتصق بعضه ببعض فلا يرى فيه خلل لإحكامه قاله الأكثرون \r\n والثاني أنه المبني بالرصاص وإلى نحو هذا ذهب الفراء وكان أبو بحرية ","part":8,"page":251},{"id":3746,"text":" يقول كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لهذه الآية اسم أبي بحرية عبد الله بن قيس الترغمي يروي عن معاذ وكأنه أشار بذلك إلى أن الفرسان لا يصطفون في الغالب إنما يصطف الرجالة \r\n وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ","part":8,"page":252},{"id":3747,"text":" قوله تعالى وإذ قال موسى المعنى اذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما صنعت بالذين آذوا موسى وقد ذكرنا ما آذوا به موسى في الأحزاب 69 \r\n قوله تعالى فلما زاغوا أي مالوا عن الحق أزاغ الله قلبوهم أي أمالها عن الحق جزاء لما ارتكبوه وما بعد هذا ظاهر إلى قول تعالى يأتي من بعدي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم من بعدي اسمه بفتح الياء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من بعدي اسمه بإسكان الياء ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم اليهود قاله مقاتل \r\n والثاني النصارى حين قالوا عيسى ابن الله قاله أبو سليمان الدمشقي وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري وطلحة بن مصرف يدعي إلى الإسلام بفتح الياء والدال وتشديدها وبكسر العين وما بعد هذا في براءة 32 إلى قوله تعالى متم نوره قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف متم نوره مضاف وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم متم رفع منون ","part":8,"page":253},{"id":3748,"text":" يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين \r\n قوله تعالى هل أدلكم على تجارة قال المفسرون نزلت هذه الآية حين قالوا لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به أبدا فدلهم الله على ذلك وجعله بمنزلة التجارة لمكان ربحهم فيه \r\n قوله تعالى تنجيكم قرأ ابن عامر تنجيكم بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف ثم بين التجارة فقال تعالى تؤمنون بالله إلى قوله تعالى يغفر لكم قال الزجاج وقوله يغفر لكم جواب قوله وتجاهدون لأن معناه معنى الأمر والمعنى آمنوا بالله وجاهدوا يغفر لكم أي إن فعلتم ذلك يغفر لكم وقد غلط بعض النحويين فقال هذا جواب هل وهذا غلط بين لأنه ليس إذا دلهم على ما ينفعهم غفر لهم إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك ومن قرأ يغفر لهم بإدغام الراء في اللام فغير جائز عند سيبويه ","part":8,"page":254},{"id":3749,"text":" والخليل لأنه لا تدغم الراء في اللام في قولهم وقد رويت عن ابي عمرو بن العلاء وهو إمام عظيم ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب وقد زعم سيبويه والخليل وجميع البصريين ما خلا أبا عمرو أن اللام تدغم في الراء وأن الراء لا تدغم في اللام وحجتهم أن الراء حرف مكرر قوي فإذا أدغمت في اللام ذهب التكرير منها وما بعد هذا قد سبق إلى قوله تعالى وأخرى تحبونها قال الفراء والمعنى ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى تحبونها ثم فسرها فقال تعالى نصر من الله وفتح قريب وفيه قولان \r\n أحدهما أنه فتح مكة قاله ابن عباس \r\n والثاني فتح فارس والروم قاله عطاء \r\n قوله تعالى وبشر المؤمنين أي بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ثم حضهم على نصر دينه بقوله تعالى كونوا أنصار الله قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو كونوا أنصارا لله منونة وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أنصار الله ومعنى الآية دوموا على ما أنتم عليه وانصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله وحرك نافع ياء من أنصاري إلى الله وقد سبق تفسير هذا الكلام آل عمران 52 فآمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى وكفرت طائفة فأيدنا الذين ","part":8,"page":255},{"id":3750,"text":" آمنوا بعيسى على عدوهم وهم مخالفو عيسى كذلك قال ابن عباس ومجاهد والجمهور وقال مقاتل تم الكلام عند قوله تعالى وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا بمحمد على عدوهم فأصبحوا ظاهرين بمحمد على الأديان وقال إبراهيم النخعي أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق محمد صلى الله عليه و سلم أن عيسى كلمة الله وروحه بتعليم الحجة قال ابن قتيبة فأصبحوا ظاهرين أي غالبين عليهم بمحمد من قولك ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه ","part":8,"page":256},{"id":3751,"text":" سورة الجمعة \r\n وهي مدنية كلها بإجماعهم \r\n وقد سبق شرح فاتحتها وقرأ أبو الدرداء وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والنخعي والوليد عن يعقوب الملك القدوس العزيز الحكيم بالرفع فيهن \r\n فإن قيل فما الفائدة في إعادته ذكر التسبيح في هذه السورة \r\n فالجواب أن ذلك لاستفتاح السور بتعظيم الله عز و جل كما تستفتح ب بسم الله الرحمن الرحيم وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم \r\n قوله تعالى هو الذي بعث في الأميين يعني العرب وكانوا لا يكتبون وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة 78 رسولا يعني محمدا صلى الله عليه و سلم منهم أي من جنسهم ونسبهم ","part":8,"page":257},{"id":3752,"text":" فإن قيل فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميا \r\n فعنه ثلاثة أجوبة \r\n أحدها لموافقة ما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء \r\n والثاني لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب لموافقتهم \r\n والثالث لئلا يظن به أنه يعلم كتب من قبله وما بعد هذا في سورة البقرة 129 إلى قوله تعالى وإن كانوا من قبل أي وما كانوا قبل بعثته إلا في ضلال مبين بين وهو الشرك ","part":8,"page":258},{"id":3753,"text":" قوله تعالى وآخرين منهم فيه قولان \r\n أحدهما وبعث محمدا في آخرين منهم أي من الأميين \r\n والثاني ويعلم آخرين منهم ويزكيهم وفي المراد بالآخرين أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم العجم قاله ابن عمر وسعيد بن جبير وهي رواية ليث عن مجاهد فعلى هذا إنما قال منهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم إذ المسلمون يد واحدة وملة واحدة \r\n والثاني أنهم التابعون قاله عكرمة ومقاتل \r\n والثالث جميع من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة قاله ابن زيد وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ","part":8,"page":259},{"id":3754,"text":" والرابع أنهم الأطفال حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى لما يلحقوا بهم أي لم يلحقوا بهم \r\n قوله تعالى ذلك فضل الله يعني الإسلام والهدى والله ذو الفضل العظيم بإرسال محمد صلى الله عليه و سلم \r\n مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون \r\n ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوارة مثلا فقال تعالى مثل الذين حملوا التوراة أي كلفوا العمل بما فيها ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بموجبها ولم يؤدوا حقها كمثل الحمار يحمل أسفارا وهي جمع سفر والسفر الكتاب فشبههم بالحمار لا يعقل ما يحمل إذ لم ينتفعوا بما في التوارة وهي دالة على الإيمان بمحمد وهذا المثل يلحق من لم يعمل بالقرآن ولم يفهم معانيه بئس مثل القوم ذم مثلهم والمراد ذمهم واليهود كذبوا بالقرآن وبالتوارة حين لم يؤمنوا بمحمد والله لا يهدي القوم الظالمين أنفسهم بتكذيب الأنبياء ","part":8,"page":260},{"id":3755,"text":" قوله تعالى إن زعمتم أنكم أولياء لله وذلك أن اليهود قالوا نحن ولد إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله ونحن أولى بالله عز و جل من سائر الناس وإنما تكون النبوة فينا فقال الله عز و جل لنبيه عليه الصلاة و السلام قل لهم إن كنتم أولياء لله فتمنوا الموت لأن الموت خير لأولياء الله من الدنيا وقد بينا هذا وما بعده في البقرة 94 إلى قوله تعالى قل إن الموت الذي تفرون منه وذلك أن اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمدا وكانوا يكرهون الموت فقيل لهم لابد من نزوله بكم بقوله تعالى فإنه ملاقيكم قال الفراء العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل مثل من و الذي فمن فمن أدخل الفاء ها هنا ذهب بالذي إلى تأويل الجزاء وفي قراءة عبد الله إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم وهذا على القياس لأنك تقول إن أخاك قائم ولا تقول فقائم ولو قلت إن ضاربك فظالم لجاز لأن تأويله إن من يضربك فظالم وقال الزجاج إنما جاز دخول الفاء لأن في الكلام معنى الشرط والجزاء ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله تعالى تفرون منه كأنه قيل إن فررتم من أي موت كان من قتل أو غيره فإنه ملاقيكم وتكون فإنه اسئنافا بعد الخبر الأول \r\n يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون \r\n قوله تعالى إذا نودي للصلاة وهذا هو النداء الذي ينادى به إذا جلس الإمام على المنبر ولم يكن في عهد رسول الله نداء سواه كان إذا ","part":8,"page":261},{"id":3756,"text":" جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد وكذلك كان على عهد أبي بكر وعمر فلما كثر الناس على عهد عثمان أمر بالتأذين على دار له بالسوق يقال لها الزوراء وكان إذا جلس أذن أيضا \r\n قوله تعالى للصلاة أي لوقت الصلاة وفي الجمعة ثلاث لغات ضم الجيم والميم وهي قراءة الجمهور وضم الجيم مع إسكان الميم وبها قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء وعكرمة والزهري وابن أبي ليلى وابن أبي عبلة والأعمش وبضم الجيم مع فتح الميم وبها قرأ ابو مجلز وأبو العالية والنخعي وعدي بن الفضل عن أبي عمرو قال الزجاج من قرأ بتسكين الميم فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين وأما فتح الميم فمعناها الذي يجمع الناس كما تقول رجل لعنة يكثر لعنة الناس وضحكة يكثر الضحك ","part":8,"page":262},{"id":3757,"text":" وفي تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة ثلاثة أقوال \r\n أحدها لأن فيه جمع آدم روى سلمان قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أتدري ما الجمعة قلت لا قال فيه جمع أبوك يعني تمام خلقه في يوم ","part":8,"page":263},{"id":3758,"text":" والثاني لاجتماع الناس فيه للصلاة \r\n والثالث لاجتماع المخلوقات فيه لأنه اليوم الذي منه فرغ من خلق الأشياء \r\n وفي أول من سماها بالجمعة قولان \r\n أحدهما أنه كعب بن لؤي سماها بذلك وكان يقال ليوم الجمعة العروبة قاله أبو سلمة وقيل إنما سماها بذلك لاجتماع قريش فيه \r\n والثاني أول من سماها بذلك الأنصار قاله ابن سيرين \r\n قوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وفي هذا السعي ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه المشي قاله ابن عباس وكان ابن سمعود يقرؤها فامضوا ويقول لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يقسط ردائي وقال عطاء هو الذهاب والمشي إلى الصلاة ","part":8,"page":264},{"id":3759,"text":" والثاني أن المراد بالسعي العمل قاله عكرمة والقرظي والضحاك فيكون المعنى فاعملوا على المضي إلى ذكر الله بالتفرغ له والاشتغال بالطهارة ونحوها \r\n والثالث أنه النية بالقلب قاله الحسن وقال ابن قبيبة هو المبادرة بالنية والجد \r\n وفي المراد بذكر الله قولان \r\n أحدهما أنه الصلاة قاله الأكثرون والثاني موعظة الإمام قاله سعيد بن المسيب \r\n قوله تعالى وذروا البيع أي دعوا التجارة في ذلك الوقت وعندنا أنه لا يجوز البيع في وقت النداء ويقع البيع باطلا في حق من يلزمه فرض ","part":8,"page":265},{"id":3760,"text":" الجمعة وبه قال مالك فلافا للأكثرين \r\n فصل \r\n تجب الجمعة على من سمع النداء من المصر إذا كان المؤذن صيتا والريح سانكة وقد حده مالك بفرسخ ولم يحده الشافعي وعن أحمد في التحديد نحوهما وتجب الجمعة على أهل القرى وقال أبو حنيفة لا تجب إلا على أهل الأمصار ويجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة في الصحراء القريبة من المصر خلافا للشافعي ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين وعن أحمد أقله خمسون وعنه أقله ثلاثة وقال أبو حنيفة تنعقد بثلاثة والإمام والعدد شرط في ","part":8,"page":266},{"id":3761,"text":" الجمعة وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين يصح أن يخطب منفردا وهل تجب الجمعة على العبيد فيه عن أحمد روايتان وعندنا تجب على الأعمى إذا وجد قائدا خلافا لأبي حنيفة ولا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين خلافا لأبي حنيفة وهل تجب الجمعة والعيدان من غير إذن سلطان فيه عن أحمد روايتان وتجوز الجمعة في موضعين في البلد مع الحاجة وقال مالك والشافعي وأبو يوسف لا تجوز إلا في موضع واحد وتجوز إقامة الجمعة قبل الزوال خلافا لأكثرهم وإذا وقع العيد يوم الجمعة أجزأ حضوره عن يوم الجمعة وبه قال الشعبي والنخعي خلافا للأكثرين والمستحب لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر في جماعة وقال أبو حنيفة يكره ولا يجوز السفر يوم الجمعة بعد الزوال وقال أبو حنيفة يجوز وهل يجوز السفر بعد طلوع الفجر فيه عن أحمد روايتان ونقل عن أحمد أنه لا يجوز الخروج في الجمعة إلا للجهاد وقال أبو حنيفة يجوز لكل سفر وقال الشافعي لا يجوز أصلا \r\n والخطبة شرط في الجمعة وقال داود هي مستحبة والطهارة لا تشترط في الخطبة خلافا للشافعي في أحد قوليه والقيام ليس بشرط في الخطبة خلافا للشافعي ولا تجب القعدة بين الخطبتين خلافا له أيضا ","part":8,"page":267},{"id":3762,"text":" ومن شرط الخطبة التحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وقراءة آية والموعظة وقال أبو حنيفة يجوز أن يخطب بتسبيحة \r\n والخطبتان واجبتان وأما القراءة في الخطبة الثانية فهي شرط خلافا للشافعي \r\n والسنة للإمام إذا صعد المنبر واستقبل الناس أن يسلم خلافا لأبي حنيفة ومالك وهل يحرم الكلام في حال سماع الخطبة فيه عن أحمد روايتان ويحرم على المستمع دون الخاطب خلافا للأكثرين ولا يكره الكلام قبل الابتداء بالخطبة وبعد الفراغ منها خلافا لأبي حنيفة \r\n ويستحب له أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب خلافا لأبي حنيفة ومالك \r\n وهل يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر فيه عن أحمد روايتان \r\n قوله تعالى ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أي إن كان لكم علم بالأصلح فإذا قضيت الصلاة أي فرغتم منها فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحة وابتغوا من فضل الله إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى وذروا البيع وقال الحسن وابن جبير هو طلب العلم ","part":8,"page":268},{"id":3763,"text":" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين \r\n قوله تعالى وإذا رأوا تجارة سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا إثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قاله الحسن وذلك أنهم أصابهم جوع وغلاء سعر فلما سمعوا بها خرجوا إليها فقال النبي صلى الله عليه و سلم لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا قال المفسرون كان الذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي قال مقاتل وذلك قبل أن يسلم قالوا قدم بها من الشام وضرب لها طبل يؤذن الناس بقدومها وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير قال جابر بن عبد الله كانت التجارة طعاما وقال أبو مالك كانت زيتا والمراد باللهو ضرب الطبل وانفضوا بمعنى تفرقوا عنك فذهبوا إليها والضمير للتجارة وإنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم هذا قول الفراء والمبرد وقال الزجاج المعنى وإذا رأوا ","part":8,"page":269},{"id":3764,"text":" تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف خبر أحدهما لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة انفضوا إليهما على التثنية وعن ابن مسعود وابن أبي عبلة انفضوا إليه على ضمير مذكر وتركوك قائما وهذا القيام كان في الخطبة قل ما عند الله من ثواب الصلاة والثبات مع رسول الله صلى الله عليه و سلم خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده ومن يكفر به ويجحده فهو يعطي من سأل ويبتدئ من لا يسأل وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته ويقبل على خدمته ","part":8,"page":270},{"id":3765,"text":" سورة المنافقون \r\n وهي مدنية بإجماعهم \r\n وذكر أهل التفسير أنها نزلت في عبد الله بن أبي ونظرائه وكان السبب أن عبد الله خرج مع النبي صلى الله عليه و سلم في خلق كثير من المنافقين إلى المريسيع وهو ماء لبني المصطلق طلبا للغنيمة لا للرغبة في الجهاد لأن السفر قريب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوه أقبل رجل من جهينة يقال له سنان وهو حليف لعبد الله بن أبي ورجل من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد وهو أجير لعمر بن الخطاب لاستقاء الماء فدار بينهما كلام فرفع الغفاري يده فلطم الجهني فأدماه فنادى الجهني يا آل الخزرج فأقبلوا ونادى الغفاري يا آل قريش فأقبلوا فأصلح الأمر قوم من المهاجرين فبلغ الخبر عبد الله ابن أبي فقال وعنده جماعة من المنافقين والله ما مثلكم ومثل هؤلاء الرهط من قريش إلا مثل ما قال الأول سمن كلبك يأكلك ولكن هذا فعلكم بأنفسكم آويتموهم في منازلكم وأنفقتم عليهم أموالكم فقووا وضعفتم وايم الله لو أمسكتم أيديكم لتفرقت عن هذا جموعه ولئن ردجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وكان في القوم زيد بن أرقم وهو غلام يومئذ لا يؤبه له فقال لعبد الله أنت والله الذليل القليل فقال إنما كنت ألعب فأقبل زيد بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال دعني أضرب عنقه فقال إذن ترعد له آنف كبيرة قال فإن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين فمر سعد بن عبادة أو محمد بن مسلمة أو عباد بن بشر فليقتله فقال إذن يتحدث ","part":8,"page":271},{"id":3766,"text":" الناس أن محمدا يقتل أصحابه فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام فقال والذي أنزل عليك ما قلت شيئا من هذا وإن زيدا لكذاب فقال من حضر لا يصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم فعذره رسول الله صلى الله عليه و سلم وفشت الملامة من الأنصار لزيد وكذبوه وقال له عمه ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون ومقتوك فاستحيا زيد وجلس في بيته فبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك راسه فإني أخشى أن يقتله غيري فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بل تحسن صحبته ما بقي معنا وأنزل الله سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأها عليه فقال إن الله قد صدقك ولما أراد عبد الله بن أبي أن يدخل المدينة جاء ابنه فقال ما وراءك قال مالك ويلك قال والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه و سلم ليعلم اليوم من الأعز ومن الأذل فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما صنع فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن خل عنه حتى يدخل فلما نزلت السورة وبان كذبه قيل له يا أبا حباب إنه قد نزلت فيك آيات شداد فاذهب إلى رسول الله ليستغفر لك فلوى به راسه فذلك قوله تعالى لووا رؤوسهم وقيل الذي قال له هذا ","part":8,"page":272},{"id":3767,"text":" عبادة بن الصامت \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكذابون إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ","part":8,"page":273},{"id":3768,"text":" قوله تعالى إذا جاءك المنافقون يعني عبد الله بن أبي وأصحابه قالوا نشهد إنك لرسول الله وها هنا تم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال تعالى والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وإنما جعلهم كاذبين لأنهم أضمروا غير ما أظهروا قال الفراء إنما كذب ضميرهم اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله قد ذكرناه في المجادلة 16 قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية تدل على أن قول القائل أشهد يمين لأنهم قالوا نشهد فجعله يمينا بقوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة وقد قال أحمد والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة أشهد وأقسم وأعزم وأحلف كلها أيمان وقال الشافعي أقسم ليس بيمين وإنما قوله أقسم بالله يمين إذا أراد اليمين \r\n قوله تعالى ذلك أي ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان ثم كفروا في السر فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون الإيمان والقرآن وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم يعني أن لهم أجساما ومناظر قال ابن عباس كان ","part":8,"page":274},{"id":3769,"text":" عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه و سلم قوله وقال غيره المعنى تصغي إلى قولهم فتحسب أنه حق كأنهم خشب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة خشب بضم الخاء والشين جميعا وهو جمع خشبة مثل ثمرة وثمر وقرأ الكسائي بضم الخاء وتسكين الشين مثل بدنة وبدن وأكمة وأكم وعن ابن كثير وأبي عمرو مثله وقرأ أبو بكر الصديق وعروة وابن سيرين خشب بفتح الخاء والشين جميعا وقرأ أبو نهيك وأبو المتوكل وأبو عمران بفتح الخاء وتسكين الشين فوصفهم الله بحسن الصورة وإبانة المنطق ثم أعلم أنهم في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب والمسندة الممالة إلى الجدار والمراد أنها ليست بأشجار تثمر وتنمي بل خشب مسندة إلى حائط ثم عابهم بالجبن فقال تعالى يحسبون كل صيحة عليهم أي لا يسمعون صوتا إلا ظنوا أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله أسرارهم وهذه مبالغة في الجبن وأنشدوا في هذا المعنى ... ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما ... \r\n أي لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين \r\n قوله تعالى هم العدو فاحذرهم أي لا تأمنهم على سرك لأنهم ","part":8,"page":275},{"id":3770,"text":" عيون لأعدائك من الكفار قاتلهم الله أنى يؤفكون مفسر في براءة 30 \r\n وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله قد بينا سببه في نزول الصورة لووا رؤوسهم وقرأ نافع والمفضل عن عاصم ويعقوب لووا بالتخفيف واختار أبو عبيدة التشديد وقال لأنهم فعلوا ذلك مرة بعد مرة قال مجاهد لما قيل لعبد الله بن أبي تعال يستغفر لك رسول الله لوى رأسه قال ماذا قلت وقال مقاتل عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وقال الفراء حركوها استهزاء بالنبي وبدعائه \r\n قوله تعالى ورأيتهم يصدون أي يعرضون عن الاستغفار وهم مستكبرون أي متكبرون عن ذلك ثم ذكر أن استغفاره لهم لا ينفعهم بقوله تعالى سواء عليهم أستغفرت لهم وقرأ أبو جعفر آستغفرت بالمد \r\n قوله تعالى هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله قد بينا أنه قول ابن أبي وينفضوا بمعنى يتفرقوا ولله خزائن السموات والأرض قال المفسرون خزائن السموات المطر وخزائن الأرض النبات والمعنى أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين لا أولئك ولكن المنافقين ","part":8,"page":276},{"id":3771,"text":" لا يفقهون أي لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم يقولون لئن رجعنا من هذه الغزوة وقد تقدم ذكرها وهذا قول ابن أبي ليخرجن الأعز يعني نفسه وعنى ب الأذل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقرأ الحسن لنخرجن بالنون مضمومة وكسر الراء الأعز بنصب الزاي والأذل منصوب على الحال بناء على جواز تعريف الحال أو زيادة أل فيه أو بتقدير مثل المعنى لنخرجنه ذليلا على أي حال ذل والكل نصبوا الأذل فرد الله عز و جل عليه فقال ولله العزة وهي المنعة والقوة ولرسوله وللمؤمنين بإعزاز الله ونصره إياهم ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك \r\n يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون \r\n قوله تعالى لا تلهكم أي لا تشغلكم وفي المراد بذكر الله ها هنا أربعة أقوال \r\n أحدها طاعة الله في الجهاد قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني الصلاة المكتوبة قاله عطاء ومقاتل \r\n والثالث الفرائض من الصلاة وغيرها قاله الضحاك \r\n والرابع أنه على إطلاقه قال الزجاج حضهم بهذا على إدامة الذكر \r\n قوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم في هذه النفقة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه زكاة الأموال قاله ابن عباس \r\n والثاني أنها النفقة في الحقوق الواجبة بالمال كالزكاة والحج ونحو ذلك وهذا المعنى مروي عن الضحاك ","part":8,"page":277},{"id":3772,"text":" والثالث أنه صدقة التطوع ذكره الماوردي فعلى هذا يكون الأمر ندبا وعلى ما قبله يكون أمر وجوب \r\n قوله تعالى من قبل أن يأتي أحدكم الموت قال الزجاج أي من قبل أن يعاين ما يعلم منه أنه ميت \r\n قوله تعالى لولا أخرتني أي هلا أخرتني إلى أجل قريب يعني بذلك الاستزادة في أجله ليتصدق ويزكي وهو قوله تعالى فأصدق قال أبو عبيدة فأصدق نصب لأن كل جواب بالفاء للاستفهام منصوب تقول من عندك فآتيك هلا فعلت كذا فأفعل كذا ثم تبعتها وأكن من الصالحين بغير واو وقال أبو عمرو إنما هي وأكون فذهبت الواو من الخط كما يكتب أبو جاد أبجد هجاء وهكذا يقرؤها أبو عمرو وأكون بالواو ونصب النون والباقون يقرؤون وأكن بغير واو قال الزجاج من قرأ وأكون فهو على لفظ فأصدق ومن جزم أكن فهو على موضع فأصدق لأن المعنى إن أخرتني أصدق وأكن وروى أبو صالح عن ابن عباس فأصدق أي أزكي مالي وأكن من الصالحين أي أحج مع المؤمنين وقال في قوله تعالى والله خبير بما تعملون والمعنى بما تعملون من التكذيب بالصدقة قال مقاتل يعني المنافقين وروى الضحاك عن ابن عباس ما من أحد يموت وقد كان له مال لم يزكه وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الله الرجعة عند الموت فقالوا له إنما يسأل الرجعة الكفار فقال أنا أتلو عليكم به قرآنا ثم قرأ هذه الآية ","part":8,"page":278},{"id":3773,"text":" سورة التغابن \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مدنية قاله الجمهور منهم ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة \r\n والثاني أنها مكية قاله الضحاك وقال عطاء بن يسار هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلن بالمدنية قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم واللتان بعدها \r\n بسم الله الرحمن \r\n الرحيم يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا واستغنى الله والله غني حميد \r\n وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله تعالى فمنكم كافر ومنكم مؤمن وفيه قولان \r\n أحدهما أن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا رواه الوالبي عن ابن عباس ","part":8,"page":279},{"id":3774,"text":" والأحاديث تعضد هذ القول كقوله عليه الصلاة و السلام خلق فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وقوله فيؤمر الملك بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد \r\n والثاني أن تمام الكلام عند قوله تعالى خلقكم ثم وصفهم فقال تعالى فمنكم كافر ومنكم مؤمن واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال \r\n أحدها فمنكم كافر يؤمن ومنكم مؤمن يكفر قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس \r\n والثاني فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة قاله أبو سعيد الخدري \r\n والثالث فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر ","part":8,"page":280},{"id":3775,"text":" بالكواكب قاله عطاء بن أبي رباح وعنى بذلك شأن الأنواء \r\n والرابع فمنكم كافر بالله خلقه ومؤمن بالله خلقه حكاه الزجاج والكفر بالخلق مذهب الدهرية وأهل الطبائع وما بعد هذا قد سبق إلى قوله تعالى وصوركم فأحسن صوركم قال الزجاج أي خلقكم أحسن الحيوان كله وقرأ الأعمش صوركم بكسر الصاد ويقال في جمع صورة صور وصور كما يقال في جمع لحية لحى ولحى وذكر ابن السائب أن معنى فأحسن صوركم أحكمها وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى ويعلم ما تسرون وروى المفضل عن عاصم يسرون ويعلنون بالياء فيهما ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم فذلك قوله تعالى فذاقوا وبال أمرهم أي جزاء أعمالهم وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة ذلك الذي اصباهم بأنه كانت تاتيهم رسلهم بالبينات فينكرون ذلك ويقولون أبشر أي ناس مثلنا يهدوننا والبشر اسم جنس معناه الجمع وإن كان لفظه واحد فكفروا وتولوا أي أعرضوا عن الإيمان واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ت عملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيآته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ","part":8,"page":281},{"id":3776,"text":" فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم \r\n قوله تعالى زعم الذين كفروا كان ابن عمر يقول زعموا كناية الكذب وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل زعم فلان \r\n قوله تعالى وذلك على الله يسير يعني البعث والنور هو القرآن وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء \r\n قوله تعالى يوم يجمعكم هو منصوب بقوله تعالى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم يوم يجمعكم ليوم الجمع وهو يوم القيامة وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس وأهل السموات وأهل الأرض ذلك يوم التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة فيرث ذلك المؤمن فيغبن حينئذ الكافر ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس ","part":8,"page":282},{"id":3777,"text":" والثاني غبن أهل الجنة أهل النار قاله مجاهد والقرظي والثالث أنه يوم غبن المظلوم الظالم لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا فصار في الآخرة غابنا ذكره الماوردي \r\n والرابع أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان ذكره الثعلبي قال الزجاج وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء كقوله تعالى فما ربحت تجارتهم البقرة 16 وقوله تعالى هل أدلكم على تجارة الصف 10 وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى يكفر عنه سيئاته قرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم نكفر وندخله بالنون فيهما والباقون بالياء ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله قال ابن عباس بعلمه وقضائه ومن يؤمن بالله يهد قلبه فيه ستة أقوال \r\n أحدها يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من قبل الله تعالى فيسلم ويرضى \r\n والثاني يهد قلبه للاسترجاع وهو أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون قاله مقاتل \r\n والثالث أنه إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظلم غفر قاله ابن السائب وابن قتيبة \r\n والرابع يهد قلبه أي يجعله مهتديا قاله الزجاج والخامس يهد وليه بالصبر والرضى قاله أبو بكر الوراق والسادس يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه قاله أبو عثمان الحيري وقرأ أبو بكر الصديق وعاصم الجحدري وابو نهيك يهد بياء مفتوحة ","part":8,"page":283},{"id":3778,"text":" ونصب الدال قلبه بالرفع قال الزجاج هذا من هدأ يهدأ إذا سكن فالمعنى إذا سلم لأمر الله سكن قلبه وقرأ عثمان بن عفان والضحاك وطلحة بن مصرف والأزرق عن حمزة نهد بالنون وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن يهد بضم الياء وفتح الدال قلبه بالرفع وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم سبب نزولها أن الرجل كان يسلم فإذا أراد الهجرة منعه أهله وولده وقالوا ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال فمنهم من يرق لهم ويقيم فلا يهاجر فنزلت هذه الآية فلما هاجر أولئك ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهلهم الذين منعوهم فأنزل الله تعالى وإن تعفوا وتصفحوا إلى آخر الآية هذا قول ابن عباس وقال الزجاج لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم وأولادهم قد صبرنا لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم ومفراقة الأموال والمساكن فأعلم الله عز و جل أن من كان بهذه الصورة فهو عدو وإن كان ولدا أو كانت زوجة وقال مجاهد كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه وقال قتادة كان من أزواجهم وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام ويثبطهم عنه فخرج في قوله تعالى عدوا لكم ثلاثة أقوال ","part":8,"page":284},{"id":3779,"text":" أحدها بمنعه من الهجرة وهذا على قول ابن عباس والثاني بكونهم سببا للمعاصي وعلى هذا قول مجاهد والثالث بنهيهم عن الإسلام وهذا على قول قتادة \r\n قوله تعالى فاحذروهم قال الفراء لا تطيعوهم في التخلف \r\n قوله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله وقال ابن قتيبة أي إغرام يقال فتن فلان بالمرأة وشغف بها أي أغرم بها وقال الفراء قال أهل المعاني إنما دخل من في قوله تعالى إن من أزواجكم لأنه ليس كل الأزواج والأولاد أعداء ولم يذكر من في قوله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنها لا تخلو من الفتنة واشتغال القلب بها وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله عز و جل إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما \r\n قوله تعالى والله عنده أجر عظيم أي ثواب جزيل وهو الجنة ","part":8,"page":285},{"id":3780,"text":" والمعنى لا تعصوه بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فاتقوا الله ما استطعتم أي ما أطقتم واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم وفي هذه النفقة ثلاثة أ قوال \r\n أحدها الصدقة قاله ابن عباس \r\n والثاني نفقة المؤمن على نفسه قاله الحسن \r\n والثالث النفقة في الجهاد قاله الضحاك ومن يوق شح نفسه حتى يعطي حق الله في ماله وقد تقدم بيان هذا في الحشر 9 وما بعده قد سبق بيانه إلى آخر السورة البقرة 254 والحديد 11 18 والحشر 23 24 ","part":8,"page":286},{"id":3781,"text":" سورة الطلاق \r\n وتسمى سورة النساء القصرى وهي مدنية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا \r\n قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء قال الزجاج هذا خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنون داخلون معه فيه ومعناه إذا أردتم طلاق النساء كقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة المائدة 6 وفي سبب نزول هذه الآية قولان \r\n أحدهما أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه و سلم حفصة وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من إحدى زوجاتك في الجنة قاله أنس بن مالك \r\n والثاني أنها نزلت في عبد الله بن عمر وذلك أنه طلق امرأته حائضا ","part":8,"page":287},{"id":3782,"text":" فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر قاله السدي \r\n قوله تعالى لعدتهن أي لزمان عدتهن وهو الطهر وهذا للمدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها \r\n والطلاق على ضربين سني وبدعي \r\n فالسني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه وذلك هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدة وتقع في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة \r\n والطلاق البدعي أن يقع في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فهو واقع وصاحبه آثم وإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد فالمنصور من مذهبنا أنه بدعة \r\n قوله تعالى وأحصوا العدة أي زمان العدة وفي إحصائها فوائد منها مراعاة زمان الرجعة وأوان النفقة والسكنى وتوزيع الطلاق على الإقرار إذا أراد أن يطلق ثلاثا وليعلم أنها قد بانت فيتزوج بأختها وأربع سواها ","part":8,"page":288},{"id":3783,"text":" قوله تعالى واتقوا الله ربكم أي فلا تعصوه فيما أمرمكم به ولا تخرجوهن من بيوتهن فيه دليل على وجوب السكنى ونسب البيوت إليهن لسكناهن قبل الطلاق فيهن ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت إلا أن يأتين بفاحشة وفيها أربعة أقوال \r\n أحدها المعنى إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة فخروجهن هو الفاحشة المبينة وهذا قول عبد الله بن عمر والسدي وابن السائب \r\n والثاني أن الفاحشة الزنا رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وعكرمة والضحاك فعلى هذا يكون المعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن \r\n والثالث الفاحشة أن تبذؤ على أهلها فيحل لهم إخراجها رواه محمد ابن إبراهيم عن ابن عباس \r\n والرابع أنها إصابة حد فتخرج لإقامة الحد عليها قاله سعيد ابن المسيب \r\n قوله تعالى وتلك حدود الله يعني ما ذكر من الأحكام ومن يتعد ","part":8,"page":289},{"id":3784,"text":" حدود الله التي بينها وأمر بها فقد ظلم نفسه أي أثم فيما بينه وبين الله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أي يوقع في قلب الزوج المحبة لرجعتها بعد الطلقة و الطلقتين وهذا يدل على أن المستحب في الطلاق تفريقه وأن لا يجمع الثلاث \r\n فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا \r\n قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن أي قاربن انقضاء العدة فأمسكوهن بمعروف وهذا مبين في البقرة 231 وأشهدوا ذوي عدل منكم قال المفسرون أشهدوا على الطلاق أو المراجعة واختلف العلماء هل الإشهاد على المراجعة واجب أم مستحب وفيه عن أحمد روايتان وعن الشافعي قولان ثم قال للشهداء وأقيموا الشهادة لله أي اشهدوا بالحق وأدوها على الصحة طلبا لمرضاة الله وقياما بوصيته وما بعده قد سبق بيانه البقرة 232 إلى قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا فذكر أكثر ","part":8,"page":290},{"id":3785,"text":" المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم وشكا إليه الفاقة فقال اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت هذه الآية وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال \r\n أحدها ومن يتق الله ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة قاله ابن عباس \r\n والثاني بأن مخرجه علمه بأن ما أصابه من عطاء أو منع من قبل الله وهو معنى قول ابن مسعود \r\n والثالث ومن يتق الله فيطلق للسنة ويراجع للسنة يجعل له مخرجا قاله السدي \r\n والرابع ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة قاله ابن السائب \r\n والخامس يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال قاله الزجاج والصحيح أن هذا عام فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه ومن لا يتقي يقع في كل شدة قال الربيع بن خثيم يجعل له مخرجا من كل ما يضيق ","part":8,"page":291},{"id":3786,"text":" على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من حيث لا يأمل ولا يرجو قال الزجاج ويجوز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه وجرى في ذلك على السنة رزقه الله أهلا بدل أهله ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي من وثق به فيما نابه كفاه الله ما أهمه إن الله بالغ أمره وروى حفص والمفضل عن عاصم بالغ أمره مضاف والمعنى يقضي ما يريد قد جعل الله لكل شيء قدرا أي أجلا ومنتهى ينتهي إليه قدر الله ذلك كله فلا يقدم ولا يؤخر قال مقاتل قد جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء قدرا فقدر متى يكون هذا الغني فقيرا وهذا الفقير غنيا \r\n واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيآته ويعظم له أجرا \r\n قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض في سبب نزولها قولان ","part":8,"page":292},{"id":3787,"text":" أحدهما أنها لما نزلت عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها في البقرة 227 232 قال أبي بن كعب يا رسول الله إن نساء من أهل المدينة يقلن قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال وما هو قال الصغار والكبار وذوات الحمل فنزلت هذه الآية قاله عمرو بن سالم \r\n والثاني أنه لما نزل قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية البقرة 228 قال خلاد بن النعمان الأنصاري يا رسول الله فما عدة التي لا تحيض وعدة التي لم تحض وعدة الحبلى فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية إن ارتبتم أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن كذلك \r\n فصل \r\n قال القاضي أبو يعلى والمراد بالارتياب ها هنا ارتياب المخاطبين في مقدار عدة الآيسة والصغيرة كما هو وليس المراد به ارتياب المعتدات في اليأس من المحيض أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية ولأنه لو أريد ","part":8,"page":293},{"id":3788,"text":" بذلك النساء لتوجه الخطاب إليهن فقيل إن ارتبتن أو ارتبن لأن الحيض إنما يعلم من جهتهن \r\n وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس فمذهب أصحابنا أنها تجلس غالب مدة الحمل وهو تسعة أشهر ثم ثلاثة والعدة هي الثلاثة التي بعد التسعة فإن حاضت قبل السنة بيوم استأنفت ثلاث حيض وإن تمت السنة من غير حيض حلت وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد تمكث أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا وهي أن تصير في حد لا يحيض مثلها فتعتد بعد ذلك ثلاثة اشهر \r\n قوله تعالى واللائي لم يحضن يعني عدتهن ثلاثة أشهر أيضا لأنه كلام لا يستقل بنفسه فلابد له من ضمير وضميره تقدم ذكره مظهرا وهو العدة بالشهور وهذا على قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض أنها تعتد ثلاثة أشهر فأما من أتى عليها زمان الحيض ولم تحض فإنها تعتد سنة \r\n قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن وهذا قول عمر وابن عمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار وقد روي عن ابن عباس أنه قال تعتد آخر الأجلين ويدل على قولنا عموم الآية وقول ابن مسعود من شاء لاعنته ما نزلت وأولات الأحمال إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها ","part":8,"page":294},{"id":3789,"text":" وقول أم سلمة إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجا بأيام فأمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تتزوج \r\n قوله تعالى ومن يتق الله أي فيما أمر به يجعل له من أمره يسرا يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة وهذا قول الأكثرين وقال الضحاك ومن يتق الله في طلاق السنة يجعل الله له من أمره يسرا في الرجعة ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله بطاعته يكفر عنه سيآته أي يمح عنه خطاياه ويعظم له أجرا في الآخرة \r\n أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتها سيجعل الله بعد عسر يسرا \r\n أسكنوهن من حيث سكنتم ومن صلة قوله من وجدكم ","part":8,"page":295},{"id":3790,"text":" قرأ الجمهور بضم الواو وقرأ أبو هريرة وأبو عبد الرحمن وأبو رزين وقتادة وروح عن يعقوب بكسر الواو وقرأ ابن يعمر وابن أبي عبلة وأبو حيوة بفتح الواو قال ابن قتيبة أي بقدر وسعكم والوجد المقدرة والغنى يقال افتقر فلان بعد وجد قال الفراء يقول على ما يجد فإن كان موسعا عليه وسع عليها في المسكن والنفقة وإن كان مقترا عليه فعلى قدر ذلك \r\n قوله تعالى ولا تضاروهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة وأنتم تجدون سعة قال القاضي أبو يعلى المراد بهذا الملطقة الرجعية دون المبتوتة بدليل قوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا الطلاق 1 وقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف الطلاق 2 فدل ذلك على أنه أراد الرجعية \r\n وقد اختلف الفقهاء في المبتوتة هل لها سكنى ونفقة في مدة العدة أم لا فالمشهور عند أصحابنا أنه لا سكنى لها ولا نفقة وهو قول ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة لها السكنى والنفقة وقال مالك والشافعي لها السكنى دون النفقة وقد رواه الكوسج عن أحمد ويدل على الأول حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة فإذا لم يكن له عليها فلا نفقة ولا سكنى ومن حيث المعنى إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها ","part":8,"page":296},{"id":3791,"text":" واختلفوا في الحامل والمتوفى عنها زوجها فقال ابن مسعود وابن عمر وأبو العالية والشعبي وشريح وإبراهيم نفقتها من جميع المال وبه قال مالك وابن ابي ليلى والثوري وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء نفقتها في مال نفسها وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد كالقولين \r\n قوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن يعني أجرة الرضاع وفي هذا دلالة على أن الأم إذا رضيت أن ترضعه بأجرة مثله لم يكن للأب أن يسترضع غيرها وأتمروا بينكم بمعروف أي لا تشتط المرأة على الزوج فيما تطلبه من أجرة الرضاع ولا يقصر الزوج عن المقدار المستحق وإن تعاسرتم في الأجرة ولم يتراض الوالدان على شيء فسترضع له أخرى لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي \r\n لينفق ذو سعة من سعته أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم وقرأ ابن السميفع لينفق بفتح القاف ومن قدر عليه رزقه أي ضيق عليه من المطلقين وقرأ ابي بن كعب وحميد قدر بضم القاف وتشديد الدال وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة قدرة بفتح القاف وتشديد الدال رزقه بنصب القاف فلينفق مما آتاه الله على قدر ما أعطاه لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها أي على قدر ما أعطاها من المال سيجعل الله بعد عسر يسرا أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة وكان الغالب عليهم حنيئذ الفقر فأعلمهم أنه سيفتح عليهم بعد لك ","part":8,"page":297},{"id":3792,"text":" وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذاب نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا \r\n قوله تعالى وكأين أي وكم من قرية عتت عن أمر ربها ورسله أي عن أمر رسله والمعنى عتا أهلها قال ابن زيد عتت أي كفرت وتركت أمر بها فلم تقبله وفي باقي الآية قولان \r\n أحدهما أن فيها تقديما وتأخيرا والمعنى عذبناها عذاب نكرا في الدنيا بالجوع والسيف والبلايا وحسبناها حسابا شديدا في الآخرة قاله ابن عباس والفراء في آخرين \r\n والثاني أهنا على نظمها والمعنى حاسبناها بعملها في الدنيا فجازيناها بالعذاب على مقدار عملها فذلك قوله تعالى وعذبناها فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة والحساب الشديد الذي لا عفو فيه والنكر المنكر فذاقت وبال أمرها أي جزاء ذنبها وكان عاقبة أمرها خسرا في الدنيا والآخرة وقال ابن قتيبة الخسر الهلكة \r\n قوله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكرا أي قرآنا رسولا أي وبعثه رسولا قاله مقاتل وإلى نحوه ذهب السدي وقال ابن السائب الرسول ها هنا جبرائيل فعلى هذا يكون الذكر والرسول جميعا منزلين وقال ثعلب الرسول هو الذكر وقال غيره معنى الذكر ها هنا الشرف ","part":8,"page":298},{"id":3793,"text":" وما بعده قد تقدم البقرة 257 والأحزاب 43 والتغابن 9 إلى قوله تعالى قد أحسن الله له رزقا يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها \r\n الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما \r\n قوله ومن الأرض مثلهن أي وخلق الأرض بعددهن وجاء في الحديث كثافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام وما بينها وبين الأخرى كذلك وكثفاة كل أرض خمسمائة عام وما بينها وبين الأرض الأخرى كذلك وقد ","part":8,"page":299},{"id":3794,"text":" روى أبو الضحى عن ابن عباس قال في كل أرض آدم مثل آدمكم ونوح مثل نوحكم وإبراهيم مثل إبراهيمكم وعيسى كعيسى فهذا الحديث تارة يرفع إلى ابن عباس وتارة يوقف على أبي الضحى وليس له معنى إلا ما حكى أبو سليمان الدمشقي قال سمعت أن معناه إن في كل أرض خلقا من خلق الله لهم سادة يقوم كبيرهم ومتقدمهم في الخلق مقام آدم فينا وتقوم ذريته في السن والقدم كمقام نوح وعلى هذا المثال سائرهم وقال كعب ساكن الأرض الثانية البحر العقيم وفي الثالثة حجارة جهنم والرابعة كبريت جهنم والخامسة حيات جهنم والسادسة عقارب جهنم والسابعة فيها إبليس \r\n قوله تعالى يتنزل الأمر بينهن في الأمر قولان \r\n أحدهما قضاء الله وقدره قاله الأكثرون قال قتادة في كل أرض ","part":8,"page":300},{"id":3795,"text":" من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه \r\n والثاني أنه الوحي قاله مقاتل \r\n قوله تعالى لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما أعلمكم بهذا لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء ","part":8,"page":301},{"id":3796,"text":" سورة التحريم \r\n وهي مدنية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولكم وهو العليم الحكيم وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو موله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا \r\n قوله تعالى لم تحرم ما أحل الله لك في سبب نزولها قولان \r\n أحدهما أن حفصة ذهبت إلى أبيها تتحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه و سلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة ","part":8,"page":302},{"id":3797,"text":" فرجعت حفصة فوجدتها في بيتها فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة فلما دخلت حفصة قالت قد رأيت من كان عندك والله لقد سؤتني فقال النبي صلى الله عليه و سلم والله لأرضينك وإني مسر إليك سرا فاحفظيه قالت وما هو قال إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضى لك وكانت عائشة وحفصة متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه و سلم فانطلقت حفصة إلى عائشة فقالت لها أبشري إن النبي صلى الله عليه و سلم قد حرم عليه فتاته فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وقد روي عن عمر نحو هذا المعنى وقال فيه فقالت حفصة كيف تحرمها عليك وهي جاريتك فحلف لها أن لا يقربها فقال لها لا تذكريه لأحد فذكرته لعائشة فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرا فنزلت هذه الآية وقال الضحاك قال لها لا تذكري لعائشة ما رأيت فذكرته فغضبت عائشة ولم تزل بنبي الله حتى حلف أن لا يقربها فنزلت هذه الآية وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون ","part":8,"page":303},{"id":3798,"text":" والثاني ما روى عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحب الحلواء والعسل وكان إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه فدخل على حفصة بنت عمر واحتبس عندها فسألت عن ذلك فقيل أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت أما والله لنحتالن له فقلت لسودة إنه سيدنوا منك إذا دخل عليك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي جرست نحلة العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك فلما دار إلى حفصة قالت له يا رسول الله أسقيك منه قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله والله لقد حرمناه قلت لها اسكتي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وفي رواية ابن ابي ملكية عن ابن عباس ","part":8,"page":304},{"id":3799,"text":" أن التي شرب عندها العسل سودة فقالت له عائشة إني لأجد منك ريحا ثم دخل على حفصة فقالت إني أجد منك ريحا فقال إني أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه فنزلت هذه الآية وفي حديث عبيد بن عمير عن عائشة ان التي شرب عندها العسل زيتب بنت جحش فتواطأت حفصة وعائشة أن تقولا له ذلك القول قال أبو عبيد المغافير شيء شبيه بالصمغ فيه حلاوة وخرج الناس يتمغفرون إذا خرجوا يجتنونه ويقال المغاثير بالثاء مثل جدث وجدف وقال الزجاج المغافير صمغ متغير الرائحة فخرج في المراد بالذي أحل الله له قولان ","part":8,"page":305},{"id":3800,"text":" أحدهما أنه جاريته والثاني العسل \r\n قوله تعالى تبتغي مرضات أزواجك أي تطلب رضاهن بتحريم ذلك والله غفور رحيم غفر الله لك التحريم قد فرض الله لكم قال مقاتل قد بين الله لكم تحلة أيمانكم أي كفارة أيمانكم وذلك البيان في المائدة 89 قال المفسرون وأصل تحلة تحلله على وزن تفعلة فأدغمت والمعنى قد بين الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة فأمره الله أن يكفر يمينه فأعتق رقبة ","part":8,"page":306},{"id":3801,"text":" واختلفوا هل حرم مارية على نفسه بيمين أم لا على قولين \r\n أحدهما حرمها من غير ذكر يمين فكان التحريم موجبا لكفارة اليمين قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه حلف يمينا حرمها بها قاله الحسن والشعبي وقتادة والله مولاكم أي وليكم وناصركم \r\n قوله تعالى وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا يعني حفصة من غير خلاف علمناه \r\n وفي هذا السر ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قال لها إني مسر إليك سرا فاحفظيه سريتي هذه علي حرام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء والشعبي والضحاك وقتادة وزيد بن أسلم وابنه والسدي ","part":8,"page":307},{"id":3802,"text":" والثاني أنه قال لها أبوك وأبو عائشة واليا الناس من بعدي فإياك أن تخبري أحدا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي قاله ميمون بن مهران ","part":8,"page":308},{"id":3803,"text":" قوله تعالى فلما نبأت به أي أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه أي أطلع الله نبيه على قوله حفصة لعائشة فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم غضبا شديدا لأنه استكتم حفصة ذلك ثم دعاها فأخبرها ببعض ما قالت فذلك قوله تعالى عرف بعضه وأعرض عن بعض وفي الذي عرفها إياه قولان \r\n أحدهما أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر وسكت عما أخبرت عائشة من تحريم مارية لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أن الذي عرف تحريم مارية والذي أعرض عنه ذكر الخلافة لئلا ينتشر قاله الضحاك وهذا اختيار الزجاج قال ومعنى عرف بعضه عرف حفصة بعضه وقرأ الكسائي عرف بالتخفيف قال الزجاج على هذه القراءة قد عرف كل ما أسره غير أن المعنى جاري على بعضه كقوله تعالى وما تفعلوا من خير يعلمه الله البقرة 179 أي يعلمه ويجاز عليه وكذلك فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 أي ير جزاءه فقيل إن النبي صلى الله عليه و سلم طلق حفصة تطليقة فكان ذلك جزاءها عنده فأمره الله أن يراجعها وقال مقاتل بن حيان لم يطلقها وإنما هم بطلاقها فقال له جبريل لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وقال الحسن ما استقصى كريم قط ثم قرأ عرف ","part":8,"page":309},{"id":3804,"text":" بعضه وأعرض عن بعض وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابن السميفع عراف برفع العين وتشديد الراء وبألف بعضه بالخفض \r\n قوله تعالى فلما نبأها به أي أخبر حفصة بإفشائها السر قالت من أنبأك هذا أي من أخبرك بأني أفشيت سرك قال نبأني العليم الخبير ثم خاطب عائشة وحفصة فقال إن تتوبا إلى الله أي من التعاون على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالإيذاء فقد صغت قلبوكما قال ابن عباس زاغت وأثمت قال الزجاج عدلت وزاغت عن الحق قال مجاهد كنا نرى قوله تعالى فقد صغت قلوبكما شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود فقد زاغت قلبوكما وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة وقد أشرنا إلى هذا في قوله تعالى فإن كان له إخوة النساء 11 وقوله تعالى إذ تسوروا المحراب ص11 قال المفسرون وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله صلى الله عليه و سلم من اجتاب جاريته وإن تظاهرا وقرأ ابن مسعود وأبو عبدالرحمن ومجاهد والأعمش تظاهرا بتخفيف الظاء أي تعاونا على النبي صلى الله عليه و سلم بالإيذاء فإن الله هو مولاه أي وليه في العون والنصرة وجبريل وليه وصالح المؤمنين وفي المراد بصالح المؤمنين ستة اقوال \r\n أحدها أنهم أبو بكر وعمر قاله ابن مسعود وعكرمة والضحاك \r\n والثاني أبو بكر رواه مكحول عن أبي أمامة \r\n والثالث عمر قاله ابن جبير ومجاهد \r\n والرابع خيار المؤمنين قاله الربيع بن أنس ","part":8,"page":310},{"id":3805,"text":" والخامس أنهم الأنبياء قاله قتادة والعلاء بن زياد العدوي وسفيان \r\n والسادس أنه علي رضي الله عنه حكاه الماوردي قاله الفراء وصالح المؤمنين موحد في مذهب جميع كما تقول لا يأتيني إلا سائس الحرب فمن كان ذا ساسة للحرب فقد أمر بالمجيء ومثله قوله تعالى والسارق السارقة المائدة 38 وقوله تعالى واللذان يأتيانها منكم النساء 16 وقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا المعارج 19 في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجميع \r\n قوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير أي ظهرا وهذا مما لفظه لفظ الواحد ومعناه الجميع ومثله يخرجكم طفلا غافر 67 وقد شرحناه هناك ثم خوف نساءه فقال تعالى عسى ربه إن طلقكن وسبب نزولها ما روى أنس عن عمر بن الخطاب قال بلغني بعض ما آذى به رسول الله نسؤاه فدخلت عليهن فجعلت أستقرئهن واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن فنزلت هذه الآية والمعنى واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات أي خاضعات لله بالطاعة مؤمنات مصدقات بتوحيد الله قانتات أي طائعات سائحات فيه قولان ","part":8,"page":311},{"id":3806,"text":" أحدهما صائمات قاله ابن عباس والجمهور وقد شرحنا هذا المعنى عند قوله تعالى السائحون التوبة 112 \r\n والثاني مهاجرات قاله زيد بن أسلم وابنه والثيبات جمع ثيب وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ثابت إلى بيت أبويها فعادت كما كانت غير ذات زوج والأبكار العذارى \r\n يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ؤمرون يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون يا أيها الذين آموا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيآتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربمنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير \r\n قوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقاية النفس بامتثال الأوامر واجتاب النواهي ووقاية الأهل بأن يؤمروا بالطاعة وينهوا عن المعصية وقال علي رضي الله عنه علموهم وأدبوهم وقودها الناس والحجارة وقد ","part":8,"page":312},{"id":3807,"text":" ذكرناه في البقرة 24 عليها ملائكة غلاظ على أهل النار شداد عليهم وقيل غلاظ القلوب شداد الأبدان وروى أبو صالح عن ابن عباس قال خزنة النار تسعة عشر ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة وقوته أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألفا فيهوون في قعر جهنم لا يعصون الله ما أمرهم أي لا يخافون فيما يأمر ويفعون ما يؤمرون فيه قولان \r\n أحدهما لا يتجاوزون ما يؤمرون والثاني يفعلونه في وقته لا يؤخرونه ولا يقدمونه ويقال لأهل النار يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم \r\n قوله تعالى توبوا إلى الله توبة نصوحا قرأ أبو بكر عن عاصم وخارجة عن نافع نصوحا بضم النون والبقاون بفتحها قال الزجاج فمن فتح فعلى صفة التوبة ومعناه توبة بالغة في النصح وفعول من أسماء الفاعلين التي تستعمل للمبالغة في الوصف تقول رجل صبور وشكور ومن قرأ بالضم فمعناه ينصحون فيها نصوحا يقال نصحت له نصحا ونصاحة ونصوحا وقال غيره من ضم أراد توبة نصح لأنفسكم وقال ","part":8,"page":313},{"id":3808,"text":" عمر بن الخطاب التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدث نفسه أنه لا يعود وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال دم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود وقال ابن مسعود التوبة النصوح تكفر كل سيئة ثم قرأ هذه الآية \r\n قوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي قد بينا معنى الخزي في آل عمران 192 وبينا معنى قوله تعالى نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في الحديد 12 يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة قال ابن عباس ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة فأما المنافق فيطفأ نوره والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق فهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا \r\n يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأوهم جنهم وبئس المصير ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين \r\n قوله تعالى جاهد الكفار والمنافين قد شرحناه في براءة 73 \r\n قوله تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح قال المفسرون منهم مقال هذا المثل يتضمن تخويف عائشة وحفصة أنهما إن عصيا ربهما لم يغن ","part":8,"page":314},{"id":3809,"text":" رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهما شيئا قال مقاتل اسم امرأة نوح والهة وامرأة لوط والغة \r\n قوله تعالى كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين يعني نوحا ولوطا عليهما السلام فخانتاهما قال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف فإذا نزل بلوط ضيف بالليل أوقدت النار وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه قد نزل به ضيف وقال السدي كانت خيانتهما كفرهما وقال الضحاك نميمتهما وقال ابن السائب نفاقهما \r\n قوله تعالى فلم يغنيا عنهما من الله شيئا أي فلم يدفعا عنهما من عذاب الله شيئا وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره ثم أخبر أن معصية الغير لا تضر المطيع بقوله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها وقال يحيى بن سلام ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما ثم ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسك بالطاعة وكانت آسية قد آمنت بموسى قال أبو هريرة ضرب فرعون لامرأته أوتادا في يديها ورجليها وكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة فقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته قبل موتها ونجني من فرعون وعمله فيه قولان ","part":8,"page":315},{"id":3810,"text":" أحدهما أن عمله جماعه والثاني أنه دينه رويا عن ابن عباس ونجني من القوم الظالمين يعني أهل دين المشركين \r\n قوله تعالى والتي أحصنت فرجها قد ذكرنا فيه قولين في سورة الأنبياء 92 فمن قال هو فرج ثوبها قال الهاء في قوله تعالى فنفخنا فيه يرجع إليه وذلك أن جبريل مد جيب درعها فدخل فيه ومن قال هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها \r\n قوله تعالى وصدقت بكلمات ربها وفيه قولان \r\n أحدهما أنها قول جبريل إنما أنا رسول ربك مريم 19 \r\n والثاني أن الكلمات هي التي تضمنتها كتب الله المنزلة وقرأ أبي ابن كعب وأبو مجلز وعاصم الجحدري بكلمة ربها على التوحيد وكتبه قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم وكتابه على التوحيد وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجة عن نافع وكتبه ","part":8,"page":316},{"id":3811,"text":" جماعة وهي التي أنزلت على الأنبياء ومن قرأ وكتابه فهو اسم جنس على ما بينا في خاتمة البقرة 285 وقد بينا فيها القنوت مشروحا البقرة 116 ومعنى الآية وكانت من القانتين ولذلك لم يقل من القانتات ","part":8,"page":317},{"id":3812,"text":" سورة الملك \r\n وهي مكية بإجماعهم \r\n قال ابن مسعود هي المانعة من عذاب القبر \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير وللذين كفروا بربهم عابا جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ","part":8,"page":318},{"id":3813,"text":" قوله تعالى تبارك قد شرحناه في الأعراف 54 \r\n قوله تعالى الذي بيده الملك قال ابن عباس يعني السلطان يعز ويذل \r\n قوله تعالى الذي خلق الموت والحياة قال الحسن خلق الموت المزيل للحياة والحياة التي هي ضد الموت ليبلوكم أيكم أحسن عملا قد شرحناه في هود 7 قال الزجاج والمعلق ب أيكم مضمر تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا وهذا علم وقوع وارتفعت أي بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها على أصل الاستفهام ومثله أي الحزبين أحصى الكهف 12 والمعنى خلق الحياة ليختبركم فيها وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم وقال غيره اللام في ليبلوكم متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت لأن الابتلاء بالحياة الذي خلق سبع سموات طباقا أي خلقهن مطابقات أي بعضها فوق بعض ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من تفاوت قرأ حمزة والكسائي من تفوت بتشديد الواو من غير ألف وقرأ الباقون بألف قال الفراء وهما بمنزلة واحدة كما تقول تعاهدت الشيء وتعهدته والتفاوت الاختلاف وقال ابن قتيبة التفاوت الاضطراب والاختلاف وأصله من الفوت وهو أن يفوت شيء شيئا فيقع الخلل ولكنه متصل بعضه ببعض \r\n قوله تعالى فارجع البصر أي كرر البصر هل ترى من فطور ","part":8,"page":319},{"id":3814,"text":" وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي هل ترى بإدغام اللام في التاء أي هل ترى فيها فروجا وصدوعا \r\n قوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين أي مرة بعد مرة ينقلب إليك البصر خاسئا قال ابن قتيبة أي مبعدا من قولك خسأت الكلب إذا باعدته وهو حسير أي كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه وقال الزجاج قد أعيا من قبل أن يرى في المساء خللا \r\n قوله تعالى ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وقد شرناه في حم السجد 12 وجعلناها رجوما للشياطين أي يرجم بها مسترقوا السمع وقد سبق بيان هذا المعنى الحجر 18 وأعتدنا لهم أي في الآخرة عذاب السعير وهذا وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله تعالى سمعوا لها شهيقا أي صوتا مثل صوت الحمار وقد بينا معنى الشهيق في هود 106 وهي تفور أي تغلي بهم كغلي المرجل تكاد تميز أي تتقطع من تغيظها عليهم كلما ألقي فيها فوج أي جماعة منهم سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير وهذا سؤال توبيخ \r\n قوله تعالى إن أنتم أي قلنا للرسل إن أنتم إلا في ضلال أي في ذهاب عن الحق بعيد قال الزجاج ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا لو كنا نسمع أي سماع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار فسحقا أي بعدا وهو منصوب على المصدر المعنى أسحقهم الله سحقا أي باعدهم الله من رحمته مباعدة والسحيق البعيد وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فسحقا أي بعدا وقال سعيد بن جبير وأبو صالح السحق واد في جهنم يقال له سحق ","part":8,"page":320},{"id":3815,"text":" إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور \r\n قوله تعالى إن الذين يخشون ربهم بالغيب قد شرحناه في سورة الأنبياء 49 لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير وهو الجنة ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به قال ابن عباس نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيخبره جبرائيل بما قالوا فيقول بعضهم أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد \r\n قوله تعالى ألا يعلم من خلق أي ألا يعلم ما في الصدور خالقها واللطيف مشروح في الأنعام 103 والخبير في البقرة 234 \r\n قوله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا أي مذللة سهلة لم يجعلها ممتنعة بالحزونة والغلظ \r\n قوله تعالى فامشوا في مناكبها فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها طرقاتها رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد \r\n والثاني جبالها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة واختاره الزجاج قال لأن المعنى سهل لكم السلوك فيها فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذليل ","part":8,"page":321},{"id":3816,"text":" والثالث في جوانبها قاله مقاتل والفراء وأبو عبيدة واختاره ابن قتيبة قال ومنكبا الرجل جانباه \r\n قوله تعالى وإليه النشور أي إليه تبعثون من قبوركم \r\n ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير \r\n ثم خوف الكفار فقال أأمتم قرأ ابن كثير وإليه النشور وأمنتم وقرأ نافع وأبو عمرو النشرو آمنتم بهمزة ممدودة وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أأمنتم بهمزتين من في السماء قال ابن عباس أمنتم عذاب من في السماء وهو الله عز و جل وتمور بمعنى تدور قال مقاتل والمعنى تدور بكم إلى الأرض السفلى \r\n قوله تعالى أن يرسل عليكم حاصبا وهي الحجارة كما أرسل على قوم لوط فستعلمون كيف نذير أي كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم العذاب ولقد كذب الذين من قبلهم يعني كفار الأمم فكيف كان نكير أي إنكاري عليهم بالعذاب \r\n أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي تصف أجنحتها في الهواء وتقبض أجنحتها بعد البسط وهذا معنى الطيران وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط ما يمسكهن أن يقعن إلا الرحمن ","part":8,"page":322},{"id":3817,"text":" أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأض وإليه تحشرون ويقولون متى هذ الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون \r\n قوله تعالى أمن هذا الذي هو جند لكم هذا استفهام إنكار ولفظ الجند موحد فلذلك قال تعالى هذا الذي هو والمعنى لا جند لكم ينصركم أي يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم إن الكافرون إلا في غرور وذلك أن الشيطان يغرهم فيقول إن العذاب لا ينزل بكم أمن هذا الذي يرزقكم المطر وغيره إن أمسك الله ذلك عنكم بل لجوا في عتوا أي تماد في كفر ونفور عن الإيمان \r\n ثم ضرب مثلا فقال تعالى أفمن يمشي مكبا على وجهه قال ابن قتيبة أي لا يبصر يمينا ولا شمالا ولا من بين يديه يقال أكب فلان على وجهه بالأف وكبه الله لوجهه وأراد الأعمى قال المفسرون هذا مثل للمؤمن والكافر والسوي المعتدل أي الذي يبصر الطريق وقال قتادة هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه والمؤمن يمشي سويا \r\n قوله تعالى قليلا ما تشكرون فيه قولان ","part":8,"page":323},{"id":3818,"text":" أحدهما أنهم لا يشكرون قاله مقاتل والثاني يشركون قليلا قاله أبو عبيد \r\n قوله تعالى ذرأكم أي خلقكم ويقولون متى هذا الوعد يعنون بالوعد العذاب فلما رأوه زلفة أي رأوا العذاب قريبا منهم سيئت وجوه الذين كفروا قال الزجاج أي تبين فيها السوء وقال غيره قبحت بالسواد وقيل هذا الذي كنتم به تدعون فيه قولان \r\n أحدهما أن تدعون بالتشديد بمعنى تدعون بالتخفيف وهو تفتعلون من الدعاء يقال دعوت وادعيت كما يقال خبرت واختبرت ومثله يدكرون ويدكرون هذا قول الفراء وابن قتيبة \r\n والثاني أن المعنى هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب تدعون أنكم إذا متم لا تبعثون وهذا اختيار الزجاج وقرأ أبو رزين والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وابن أبي عبلة ويعقوب تدعون بتخفيف الدال وسكونها بمعنى تفعلون من الدعاء وقال قتادة كانوا يدعون بالعذاب \r\n قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين \r\n قوله تعالى قل ارأيتم إن أهلكني الله بعذابه ومن معي من المؤمنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم معي بفتح الياء وقرأ أبو بكر عن عاصم والكسائي معي بالإسكان أو رحمنا فلم يعذبنا فمن يجير الكافرين أي يمنعهم ويؤمنهم من ","part":8,"page":324},{"id":3819,"text":" عذاب أليم ومعنى الآية إنا مع إيماننا بين الخوف الرجاء فمن يجيبركم مع كفركم من العذاب أي لأنه لا رجاء لكم كرجاء المؤمنين قل هو الرحمن الذي نعبد فستعلمون وقرأ الكسائي فسيعلمون بالياء عند معاينة العذاب من الضال نحن أم أنتم \r\n قوله تعالى إن أصبح ماؤكم غورا قد بيناه في الكهف 41 فمن يأتيكم بماء معين أي بماء ظاهر تراه العيون وتناله الأرشية ","part":8,"page":325},{"id":3820,"text":" سورة القلم \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n إلا ما حكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها من المدني قوله تعالى إنا بلوناهم إلى قوله تعالى لو كانوا يعلمون \r\n بسم الله الرحم الرحيم \r\n ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هوأعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين \r\n قوله تعالى ن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص ن والقلم النون في آخر الهجاء من نون ظاهرة عندالواو وهذا اختيار الفراء وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان لا يبين النون من نون وبها قرأ الكسائي وخلف ويعقوب وهو اختيار الزجاج وقرأ ابن عباس وأبو رزين وقتادة والأعمش نون والقلم بكسر النون وقرأ الحسن وأبو عمران وأبو نهيك ن والقلم برفع النون \r\n وفي معنى نون سبعة أقوال \r\n أحدها أنها الدواة روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ","part":8,"page":326},{"id":3821,"text":" أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وبه قال الحسن وقتادة \r\n والثاني أنه آخر حروف الرحمن رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والثالث أنه الحوت الذي على ظهر الأرض وهذا المعنى في رواية أبي ظبيان عن ابن عباس وهو مذهب مجاهد والسدي وابن السائب ومقاتل \r\n والرابع أنه لوح من نور قاله معاوية بن قرة \r\n والخامس أنه افتتاح اسمه نصير وناصر قاله عطاء \r\n والسادس أنه قسم بنصرة الله للمؤمنين قاله القرظي \r\n والسابع أنه نهر في الجنة قاله جعفر الصادق ","part":8,"page":327},{"id":3822,"text":" وفي القلظم قولان \r\n أحدهما أنه الذي كتب به في اللوح المحفوظ \r\n والثاني أنه الذي يكتب به الناس وإنما أقسم به الأن كتبه إنما تكتب ويسطرون بمعنى يكتبون وفي المشار إليهم قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة وفيما أرادوا بما يكتبونه قولان أحدهما أنه الذكر قاله مجاهد والسدي والثاني أعمال بني آدم قاله مقاتل \r\n والقول الثاني أنهم جميع الكتبة حكاه الثعلبي ما أنت بنعمة ربك بمجنون أي ما أنت بإنعام ربك عليكم بالإيمان والنبوة بمجنون قال الزجاج هذا جواب قولهم إنك لمجنون وتأويله فارقك الجنون بنعمة الله \r\n قوله تعالى وإن لك بصبرك على افترائهم عليك ونسبتهم إياك إلى الجنون لأجرا غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص وإنك لعلى خلق عظيم فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها دين الإسلام قاله ابن عباس \r\n والثاني أدب القرآن قاله الحسن \r\n والثالث الطبع الكريم وحقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب فسمي خلقا لأنه يصير كالخلقة في صاحبه فأما ما طبع عليه فيسمى الخيم فيكون الخيم الطبع الغريزي والخلق الطبع المتكلف هذا قول الماوردي وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":8,"page":328},{"id":3823,"text":" فقالت كان خلقه القرآن تعني كان على ما أمره الله به في القرآن \r\n قوله تعالى فستبصر ويبصرون يعني أهل مكة وهذا وعيد لهم بالعذاب والمعنى سترى ويرون إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون وفيه أربعة أقوال \r\n أحدها الضال قاله الحسن والثاني الشيطان قاله مجاهد والثالث المجنون قاله الضحاك والمعنى الذي قد فتن بالجنون والرابع المعذب حكاه الماوردي \r\n وفي الباء قولان \r\n أحدهما أنها زائدة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا ... نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ","part":8,"page":329},{"id":3824,"text":" والثاني أنها أصلية وهذا قول الفراء والزجاج قال الزجاج ليس كونها لغوا بجائز في العربية في قول أحد من اهلها \r\n وفي الكلام قولان للنحويين \r\n أحدهما أن المفتون ها هنا الفتون والمصادر تجيئ على المفعول تقول العرب ليس هذا معقود رأي أي عقد رأي وتقول دعه إلى ميسوره أي يسره والمعنى بأيكم الجنون \r\n والثاني بأيكم المفتون بالفرقة التي أنت فيها أم بفرقة الكفار فيكون المعنى في أي الفرقتين المجنون وقد ذكر الفراء نحو ما شرحه الزجاج وقد قرأ أبي بن كعب وأبو عمران وابن أبي عبلة في أي المفتون ثم أخبر أنه عالم بالفريقين بما بعد هذا \r\n فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم \r\n قوله تعالى فلا تطع المكذبين وذلك أن رؤساء أهل مكة دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم ودوا لو تدهن فيدهنون فيه سبعة أقوال \r\n أحدها لو ترخص فيرخصون قاله ابن عباس \r\n والثاني لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم قاله الحسن ","part":8,"page":330},{"id":3825,"text":" والثالث لو تكفر فيكفرون قاله عطية والضحاك ومقاتل \r\n والرابع لو تلين فيلينون لك قاله ابن السائب \r\n والخامس لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون قاله زيد بن أسلم \r\n والسادس ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم وكانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة قاله ابن قتيبة وقال أبو عبيدة هو من المداهنة \r\n والسابع لو تقاربهم فيقاربونك قاله ابن كيسان \r\n قوله تعالى ولا تطع كل كلاف وهو كثير الحلف بالباطل مهين وهو الحقير الدنيء وروى العوفي عن ابن عباس قال المهين الكذاب \r\n واختلفوا فيمن نزل هذا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الوليد بن الغيرة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني الأخنس بن شريق قاله عطاء واسلدي والثالث الأسود بن عبد يغوث قاله مجاهد ","part":8,"page":331},{"id":3826,"text":" قوله تعالى هماز قال ابن عباس هو المغتاب وقال ابن قتيبة هو العياب \r\n قوله تعالى مشاء بنميم أي يمشي بين الناس بالنميمة وهو نقل الكلام السيء من بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم مناع للخير فيه قولان \r\n أحدهما أنه منع ولده وعشيرته الإسلام قاله ابن عباس \r\n والثاني مناع للحقوق في ماله ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى معتد أي ظلوم أثيم فاجر عتل بعد ذلك أي مع ما وصفناه به وفي العتل سبعة أقوال \r\n أحدها أنه العاتي الشديد المنافق قاله ابن عباس والثاني أنه المتوفر الجسم قاله الحسن والثالث الشديد الأشر قاله مجاهد والرابع القوي في كفره قاله عكرمة والخامس الأكول الشروب القوي الشديد قاله عبيد بن عمير والسادس الشديد الخصومة بالباطل قاله الفراء والسابع أنه الغليظ الجافي قاله ابن قتيبة ","part":8,"page":332},{"id":3827,"text":" وفي الزنيم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه الدعي في قريش وليس منهم رواه عطاء عن ابن عباس وهذا معروف في اللغة أن الزنيم هوالملتصق في القوم وليس منهم وبه قال الفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة قال حسان ... وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد ... \r\n والثاني أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة وقال ابن عباس نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم فعرف وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه من ذكر عيوب الوليد لأنه وصفه بالحلف والمهانة والعيب للناس والمشي بالنميمة والبخل والظلم والإثم والجفاء والدعوة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة والزنمتان المعلقتان عند حلوق المعزى وقال ابن فارس يعني التي تتعلق من أذنها \r\n والرابع أنه الظلوم رواه الوالبي عن ابن عباس \r\n قوله تعالى أن كان ذا مال وبنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم أن كان على الخبر أي لأن كان والمعنى لا تطعه لماله وبنيه وقرأ ابن عباس بهمزتين الأولى مخففة والثانية ملينة وفصل بينهما بألف أبو جعفر وقرأ حمزة أأن كان بهمزتين مخففتين على الاستفهام وله وجهان ","part":8,"page":333},{"id":3828,"text":" أحدهما لأن كان ذا مال تطيعه \r\n والثاني ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا يكفر بها فيقول أساطير الأولين ذكر القولين الفراء وقرأ ابن مسعود أن كان بهمزة واحدة مقصورة ثم أوعده فقال تعالى سنسمه علىالخرطوم الخرطوم الأنف وفي هذه السمة ثلاثة أقوال \r\n أحدها سنسمه بالسيف فنجعل ذلك علامة على أنفه ما عاش فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف قاله ابن عباس \r\n والثاني سنلحق به شيئا لا يفارقه قاله قتادة واختاره ابن قتيبة \r\n والثالث أن المعنى سنسود وجهه قال الفراء والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإنه في مذهب الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن البعض وقال الزجاج سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم وجائز والله أعلم أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول الله صلى الله عليه و سلم يتبين بها عن غيره \r\n إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ","part":8,"page":334},{"id":3829,"text":" إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم أفنجعل المسملمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين \r\n قوله تعالى إنا بلوناهم يعني أهل مكة أي ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنة حين هلكت جنتهم \r\n وهذه الإشارة إلى قصتهم \r\n ذكر أهل التفسر أن رجلا كان بناحية اليمن له بستان وكان مؤمنا وذلك بعد عيسى بن مريم عليهما السلام وكان يأخذ منه قدر قوته وكان يتصدق بالباقي وقيل كان يترك للمساكين ما تعداه المنجل وما يسقط من رؤوس النخل وما ينتثر عند الدراس فكان يجتمع من هذا شيء كثير فمات الرجل عن ثلاث بنين فقالوا والله إن المال لقليل وإن العيال لكثير وإنما كان أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا والعيال قليلا وأما الآن فلا نستطيع أن نفعل هذا فعزموا على حرمان المساكين وتحالفوا بينهم ليغدن قبل خروج الناس فليصرمن نخلهم فذلك قوله تعالى إذ أقسموا أي حلفوا ليصرمنها أي ليقطعن نخلهم مصبحين أي في أول الصباح وقد بقيت من الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين شيء \r\n وفي قوله تعالى ولا يستثنون قولان \r\n أحدهما لا يقولون إن شاء الله قاله الأكثرون ","part":8,"page":335},{"id":3830,"text":" والثاني لا يستثنون حق المساكين قاله عكرمة فطاف عليها طائف من ربك أي من أمر ربك قال الفراء الطائف لا يكون إلا بالليل قال المفسرون بعث الله عليها نارا بالليل فاحترقت فصارت سوداء فذلك قوله تعالى فأصبحت كالصريم وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها كالرماد الأسود قاله ابن عباس \r\n والثاني كالليل المسود قاله الفراء وكذلك قال ابن قتيبة أصبحت سوداء كالليل محترقة والليل هو الصريم والصبح أيضا صريم لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه \r\n والثالث أصبحت وقد ذهب ما فيها من الثمر فكأنه قد صرم أي قطع وجذ حكاه ابن قتيبة أيضا \r\n قوله تعالى فتنادوا مصبحين أي نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا ان اغدوا على حرثكم يعني الثمار والزروع والأعناب إن كنتم صارمين أي قاطعين للنخل فانطلقوا أي ذهبوا إلى جنتهم وهم يتخافتون قال ابن قتيبة يتساررون ب أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد فيه ثمانية أقوال \r\n أحدهما على قدرة قاله ابن عباس \r\n والثاني على فاقة قاله الحسن في رواية \r\n والثالث على جد قاله الحسن في رواية وقتادة وأبو العالية والفراء ومقاتل \r\n والرابع على أمر مجمع قد أسسوه بينهم قاله مجاهد وعكرمة \r\n والخامس أن الحرد اسم الجنة قاله السدي ","part":8,"page":336},{"id":3831,"text":" والسادس أنه الحنق والغضب على المساكين قاله الشعبي وسفيان وأنشد أبو عبيدة ... أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود ... \r\n والسابع أه المنع مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر وحاردت الناقة فليس لها لبن قاله أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n والثامن أنه القصد يقال حردت حردك أي قصدت قصدك حكاه الفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا ... قد جاء سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة ... \r\n أي يقصد قصدها قال ابن قتيبة وفيها لغتان حرد وحرد كما يقال الدرك والدرك ","part":8,"page":337},{"id":3832,"text":" وفي قوله تعالى قادرين ثلاثة أقوال \r\n أحدها قادرين على جنتهم عند أنفسهم قاله قتادة \r\n والثاني قادرين على المساكين قاله الشعبي 3والثالث أن المعنى منعوا وهم قادرون أي واجدون قاله ابن قتيبة قالوا فلما رأوها محترقة قالوا إنا لضالون أي قد ضللنا طريق جنتنا فليست هذه ثم علموا أنها عقوبة فقالوا بل نحن محرومون أي حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المسكين قال أوسطهم أي أعدلهم وأفضلهم لولا أي هلا تسبحون وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها هلا تستثنون عند قولكم ليصرمنها مصبحين قاله ابن جريج والجمهور والمعنى هلا قلتم إن شاء الله قال الزجاج وإنما قيل للاستثناء تسبيح لأن التسبيح في اللغة تنزيه الله عز و جل عن السوء والاستثناء تعظيم لله وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا بمشيئة الله \r\n والثاني أنه كان استثناؤهم قول سبحان الله قاله أبو صالح \r\n والثالث هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم حكاه الثعلبي وقوله تعالى قالوا سبحان ربنا فنزهوه أن يكون ظالما فيما صنع وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا إنا كنا ظالمين بمنعنا المساكين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون أي يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم يقول هذا ","part":8,"page":338},{"id":3833,"text":" لهذا أنت أشرت علينا ويقول الآخر أنت فعلت ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين حين لم نصنع ما صنع آباؤنا ثم رجعوا إلى الله تعالى فسألوه أن يبدلهم خيرا منها فذلك قوله عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها وقرأ قوم يبدلنا بالتخفيف وهما لغتنان وفرق قوم بينهما فقالوا التبديل تغيير حال الشيء وصفته والعين باقية والإبدال إزالة الشيء ووضع غيره مكانه ونقل أن القوم أخلصوا فبدلهم الله جنة العنقود منها وقر بغل \r\n قوله تعالى كذلك العذاب ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا وها هنا انتهت قصة أهل الجنة ثم قال تعالى ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون يعني المشركين ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا فقال المشركون إنا لنعطى في الآخرة أفضل مما تعطون فقال تعالى مكذبا لهم فأنجعل المسلمين كالمجرمين قال الزجاج هذه ألف الاستفهام مجازها ها هنا مجاز التوبيخ والتقرير \r\n قوله تعالى كيف تحكمون أي كيف تقضون بالجور أم لكم كتاب أنزل من عند الله فيه هذا تدرسون أي تقرؤون ما فيه إن لكم في ذلك الكتاب لما تخيرون أي ما تختارون وتشتهون وقرأ أبو الجوزاء وعاصم الجحدري وأبو عمران أن لكم بفتح الهمزة وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل سلهم أيهم بذلك زعيم أم لكم أيمان علينا بالغة أي ألكم عهود على الله تعالى حلف لك على ما تدعون بأيمان بالغة أي مؤكدة وكل شيء متناه في الجودة والصحة فهو بالغ ويجوز أن يكون المعنى بالغة إلى يوم القيامة أي تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها وتوكيدها إن لكم لما تحكمون لأنفسكم به من الخير والكرامة عند ","part":8,"page":339},{"id":3834,"text":" الله تعالى قال الفراء والقراء على رفع بالغة إلا الحسن فإنه نصبها على مذهب المصدر كقوله تعالى حقا الروم 47 ومعنى الآية هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون فلما كانت اللام في جواب إن كسرتها \r\n قوله تعالى سلهم أيهم بذلك زعيم فيه قولان \r\n أحدهما أنه الكفيل قاله ابن عباس وقتادة والمعنى أيهم كفل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين من الخير \r\n والثاني أنه الرسول قاله الحسن \r\n قوله تعالى أم لهم شركاء يعني الأصنام التي جعلوها شركاء لله تعالى والمعنى ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا وقيل يشهدون لهم بصدق ما ادعوا فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين في أنها شركاء الله وإنما أضيف الشركاء إليهم لادعائهم أنهم شركاء الله \r\n يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون \r\n يوم يكشف المعنى فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق قرأ الجمهور يكشف بضم الياء وفتح الشين وقرأ ابن أبي عبلة وعاصم الجحدري وأبو الجوزاء بفتح الياء وبكسر الشين وقرأ أبي بن كعب وابن عباس تكشف بتاء مفتوحة وكسر الشين وقرأ ابن مسعود وأبو مجلز وابن يعمر والضحاك نكشف بنون ","part":8,"page":340},{"id":3835,"text":" مفتوحة مع كسر الشين وهذا اليوم هو يوم القيامة وقد روى عكرمة عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال يكشف عن شدة وأنشد ... وقامت الحرب بنا على ساق ... \r\n وهذا قول مجاهد وقتادة \r\n قال ابن قتيبة وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه شمر عن ساقه فاستعيرت الساق في موضع الشدة هذا قول الفراء وأبي عبيدة واللغويين وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى فروي في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه يكشف عن ساقه وهذا إضافة إليه لأن الكل له وفعله وقال أبو عمر الزاهد يراد بها النفس ومنه قول علي رضي الله عنه أقاتلهم ولو تلفت ساقي أي نفسي فعلى هذا يكون المعنى يتجلى لهم \r\n قوله تعالى ويدعون إلى السجود يعني المنافقين فلا يستطيعون كأن في ظهورهم سفافيد الحديد قال النقاش وليس ذلك بتكليف لهم أن ","part":8,"page":341},{"id":3836,"text":" يسجدوا وهم عجزة ولكنه توبيخ لهم بتركهم السجود خاشعة أبصارهم أي خاضعة ترهقهم ذلة أي تغشاهم وقد كانوا يدعون إلى السجود يعني بالأذان في دار الدنيا ويؤمرون بالصلاة المكتوبة وهم سالمون أي معافون ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد وفي هذا وعيد لمن ترك صلاة الجماعة وكان كعب يقول والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات فذرني ومن يكذب بهذا الحديث يعني القرآن والمعنى خل بيني وبينه قال الزجاج أي لا تشغل قلبك به كله إلي فأنا أكفيك أمره وذكر بعض المفسرين أن هذا القدر من الآية إلى قوله الحديث منسوخ بآية السيف وما بعد هذا مفسر في الأعراف 182 183 إلى قوله تعالى أم تسألهم أجرا فإنها مفسرة والتي قبلها في الطور 39 40 \r\n فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتبه ربه فجعله من الصالحين وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين \r\n قوله تعالى فاصبر لحكم ربك أي اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت وقيل معنى الأمر بالصبر منسوخ بآية السيف \r\n قوله تعالى ولا تكن كصاحب الحوت وهو يونس وفيماذا نهي أن يكون مثله قولان \r\n أحدهما أنه العجلة والغضب قاله قتادة \r\n والثاني الضعف عن تبليغ الرسالة قاله ابن جرير \r\n قال ابن الأنباري وهذا لا يخرج يونس من أولي العزم لأنها خطيئة ","part":8,"page":342},{"id":3837,"text":" ولو قلنا إن كل مخطئ من النبياء ليس من أولي العزم خرجوا كلهم إلا يحيى ثم أخبر عن عقوبته إذ لم يصبر فقال تعالى إذ نادى وهو مكظوم قال الزجاج مملوء غما وكربا \r\n قوله تعالى لولا أن تداركه وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة لولا أن تداركته بتاء خفيفة وبتاء ساكنة بعد الكاف مع تخفيف الدال وقرأ أبو هريرة وأبو المتوكل تداركه بتاء واحدة خفيفة مع تشديد الدال وقرأ أبي بن كعب تتداركه بتاءين خفيفتين نعمة من ربه فرحمه بها وتاب عليه من معاصيه لنبذ بالعراء وهو مذموم وقد بينا معنى العراء في الصافات 145 ومعنى الآية أنه نبذ غير مذموم لنعمة الله عليه بالتوبة والرحمة وقال ابن جريج نبذ بالعراء وهي أرض المحشر فالمعنى أنه كان يبقى مكانه إلى يوم القيامة فاجتباه ربه أي استخلصه واصطفاه وخلصه مم الذم فجعله من الصالحين فرد عليه الوحي وشفعه في قومه ونفسه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قرأ الأكثرون بضم الياء من أزلقته وقرأ أهل المدينة وأبان بفتحها من زلقته أزلقه وهما لغتنان مشهورتان في العرب قال الزجاج يقال زلق الرجل رأسه وأزلقه إذا حلقه وفي معنى الآية للمفسرين قولان \r\n أحدهما أن الكفار قصدوا ان يصيبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعين وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا ثم يرفع جانب خبائه فتمر به النعم فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعين فعصم الله نبيه وأنزل هذه الآية هذا قول الكلبي وتابعه قوم من المفسرين ","part":8,"page":343},{"id":3838,"text":" تلقفوا ذلك من تفسيره منهم الفراء \r\n والثاني أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقه من شدته أي يلقيه إلى الأرض وهذا مستعمل في كلام العرب يقول القائل نظر إلي فلان نظرا كاد يصرعني وأنشدوا ... يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطن الأقدام ... \r\n أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام وإلى هذا ذهب المحققون منهم ابن قتيبة والزجاج ويدل على صحته أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن وهو قوله تعالى لما سمعوا الذكر والقوم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة فيحدون النظر إليه بالبغضاء وإصابة العين إنما تكون مع الإعجاب والاستحسان لا مع البغض فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى الآية وما هو يعني القرآن إلا ذكر أي موعظة ","part":8,"page":344},{"id":3839,"text":" سورة الحاقة \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية وجاء فرعون ومن قبله والؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية \r\n الحاقة القيامة قال الفراء إنما قيل لها حاقة لأن فيها حواق الأمور وقال الزجاج إنما سميت الحاقة لأنها تحق كل إنسان بعمله من خير وشر \r\n قوله تعالى ما الحاقة هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها كما تقول زيد وما زيد على التعظيم لشأنه ثم زاد في التهويل بأمرها فقال تعالى وما أدراك ما الحاقة أي لأنك لم تعاينها ولم تدر ما فيها من الأهوال ثم أخبر عن المكذبين بها فقال تعالى كذبت ثمود وعاد بالقارعة قال ابن عباس القارعة اسم من أسماء يوم القيامة قال مقاتل وإنما سميت ","part":8,"page":345},{"id":3840,"text":" بالقارعة لأن الله تعالى يقرع أعداءه بالعذاب وقال ابن قتيبة القارعة القيامة لأنها تقرع يقال أصابتهم قوارع الدهر وقال الزجاج لأنها تقرع بالأهوال وقال غيرهم لأنها تقرع القلوب بالفزع فأما الطاغية ففيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها طغيانهم وكفرهم قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبو عبيدة وابن قتيبة قال الزجاج ومعنى الطاغية عند أهل اللغة طغيانهم وفاعلة قد يأتي بمعنى المصادر نحو عاقبة وعافية \r\n والثاني بالصيحة الطاغية قاله قتادة وذلك أنها جاوزت مقدار الصياح فأهلكتهم \r\n والثالث أن الطاغية عاقر الناقة قاله ابن زيد والريح الصرصر قد فسرناها في حم السجد 16 والعاتية التي جاوزت المقدار وجاء في التفسير أنها عتت على خزانها يومئذ فلم يكن لهم عليها سبيل \r\n قوله تعالى سخرها عليهم أرسلها وسلطها والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار وفي قوله تعالى حسوما ثلاثة أقوال \r\n أحدها تباعا قاله ابن عباس قال الفراء الحسوم التباع يقال في الشيء إذا تتابع فلم ينقطع أوله عن آخره حسوم وإنما أخذ والله أعلم من حسم الداء إذا كوي صاحبه لأنه يحمى ثم يكوى ثم يتابع الكي عليه \r\n والثاني كاملة قاله الضحاك فيكون المعنى أنها حسمت الليالي والأيام فاستوفتها علىالكمال لأنها ظهرت مع طلوع الشمس وذهبت مع غروبها قال مقاتل هاجت الريح غدوة وسكنت بالعشي في اليوم الثامن ","part":8,"page":346},{"id":3841,"text":" وقبضت أرواحهم في ذلك اليوم ثم بعث الله طيرا أسود فالتقطهم حتى ألقاهم في البحر \r\n والثالث أنها حسمتهم فلم تبق منهم أحدا أي أذهبتهم وأفنتهم هذا قول ابن زيد \r\n قوله تعالى فترى القوم فيها أي في تلك الليالي والأيام صرعى وهو جمع صريع لأنهم صرعوا بموتهم كأنهم أعجاز نخل أي أصول نخل خاوية أي بالية وقد بينا هذا في سورة القمر 20 \r\n قوله تعالى فهل ترى لهم من باقية فيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها من بقاء قاله الفراء \r\n والثاني من بقية قاله أبو عبيدة قال وهو مصدر كالطاغية \r\n والثالث هل ترى لهم من أثر قاله ابن قتيبة وجاء فرعون ومن قبله قرأ أبو عمرو ويعقوب والكسائي وابان بكسر القاف وفتح الباء والباقون بفتح القاف وإسكان الباء فمن كسر القاف أراد من يليه ويحف به من جنوده وأتباعه ومن فتحها أراد من كان قبله من الأمم الكافرة وفي المؤتفكات ثلاثة أقوال \r\n أحدها قرى قوم لوط والمعنى وأهل المؤتفكات قاله الأكثرون \r\n والثاني أنهم الذين ائتفكوا بذنوبهم أي هلكوا بالذنوب التي معظمها الإفك وهو الكذب قاله الزجاج \r\n والثالث أنه قارون وقومه حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى بالخاطئة قال ابن قتيبة أي بالذنوب وقال الزجاج ","part":8,"page":347},{"id":3842,"text":" الخاطئة الخطأ العظيم فعصوا رسول ربهم أي كذبوا رسلهم فأخذهم أخذة رابية أي زائدة على الأحداث إنا لما طغى الماء أي تجاوز حده حتى علا على كل شيء في زمن نوح حملناكم يعني حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم في الجارية وهي السفينة التي تجري في الماء لنجعلها أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه تذكرة أي عبرة وموعظة وتعيها أذن واعية أي أذن تحفظ ما سمعت وتعمل به وقال الفراء لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعده \r\n فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيؤمئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يؤمئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يؤمئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الححيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فيلس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون \r\n قوله تعالى فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وفيها قولان \r\n أحدهما أنها النفخة الأولى قاله عطاء \r\n والثاني الأخيرة قاله ابن السائب ومقاتل وحملت الأرض ","part":8,"page":348},{"id":3843,"text":" والجبال أي حملت الأض والجبال وما فيها فدكتا دكة واحدة أي كسرتا ودقتا دقة واحدة لا يثنى عليها حتى تستوي بما عليها من شيء فتصير كالأديم الممدود وقد أشرنا إلى هذا المعنى في الأعراف عند قوله تعالى جعله دكا آية 143 قال الفراء وإنما قال فدكتا ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد كقوله تعالى أن السموات والأرض كانتا رتقا الأنبياء 30 وانشدوا ... هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا أن يسرت غنماهما ... \r\n والعرب تقول قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة \r\n قوله تعالى فيومئذ وقعت الواقعة أي قامت القيامة وانشقت السماء لنزول من فيها من الملائكة فهي يومئذ واهية فيه قولان \r\n أحدهما أن وهيها ضعفها وتمزقها من الخوف قاله مقاتل \r\n والثاني أنه تشققها قاله الفراء والملك عني الملائكة فهو اسم جنس على أرجائها أي على جوانبها قال الزجاج ورجاء كل شيء ناحيته مقصور والتثنية رجوان والجمع أرجاء وأكثر المفسرين على أن ","part":8,"page":349},{"id":3844,"text":" المشار إليها السماء قال الضحاك إذ انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الله تعالى فينزلون إلى الأرض فيحيطون بها ومن عليها وروي عن سعيد بن جبير أنه قال على أرجاء الدنيا \r\n قوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها فوق رؤوسهم أي العرش على رؤوس الحملة قاله مقاتل \r\n والثاني فوق الذين على أرجائها أي أن حملة العرش فوق الملائكة الذيي هم على أرجائها \r\n والثالث أنهم فوق أهل القيامة حكاهما الماوردي يومئذ أي يوم القيامة ثمانية فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها ثمانية أملاك وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة أملاك آخرين هذا قول الجمهور \r\n والثاني ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عزل وجل قاله ابن عباس وابن جبير وعكرمة ","part":8,"page":350},{"id":3845,"text":" والثالث ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عددهم إلا الله قاله مقاتل وقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام \r\n قوله تعالى يومئذ تعرضون على الله لحسابكم لا تخفى عليه قرأ حمزة والكسائي لا يخفى بالياء وقرأ الباقون بالتاء والمعنى لا يخفى عليه منكم خافية أي نفس خافية أو فعلة خافية وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وكان عمر بن الخطاب يقول حاسبوا أنفسكم قل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ لا تخفى منكم خافية فيقول هاؤم قال الزجاج هاؤم أمر من الجماعة بمنزلة هاكم تقول للواحد ها يا رجل وثلاثين هاؤما يا رجلان وللثلاثة هاؤم يا رجال ","part":8,"page":351},{"id":3846,"text":" قال المفسرون إنما يقول هذا ثقة بسلامته وسرورا بنجاته وذكر مقاتل أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد \r\n قوله تعالى إني ظننت أي علمت وأيقنت في الدنيا أني ملاق حسابيه أي أبعث وأحساب في الآخرة فهو في عيشة أي حالة من العيش راضية قال الفراء أي فيها الرضى وقال الزجاج أي ذات رضى يرضاها من يعيش فيها وقال أبو عبيدة مجازها مجاز مرضية في جنة عالية أي عالية المنازل قطوفها أي ثمارها جانية أي قريبة ممن يتناولها وهي جمع قطف والقطف ما يقطف من الثمار قال البراء بن عازب يتناول الثمرة وهو نائم \r\n قوله تعالى كلوا أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم أي قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية الماضية وهي أيام الدنيا وأما من أوتي كتابه بشماله قال مقاتل نزلت في الأسود بن عبد الأسود قتله حمزة ببدر وهو أخو أبي سلمة وقيل نزلت في أبي جهل \r\n قوله تعالى يا ليتني لم أوت كتابيه وذلك لما يرى فيه من القباحج ولم أدر ما حسابيه لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب إنما كله عليه وكان ابن مسعود وقتادة ويعقوب يحذفون الهاء من كتابيه وحاسبيه في الوصل قال الزجاج والوجه أن يوقف على هذه الهاآت ولا توصل لأنها أدخلت للوقف وقد حذفها قوم في الوصل ولا أحب مخالفة المصحف وكذلك قوله تعالى وما أدراك ما هيه القارعة 10 \r\n قوله تعالى يا ليتها يعني الموتة التي ماتها في الدنيا كانت القاضية ","part":8,"page":352},{"id":3847,"text":" أي القاطعة للحياة فكأنه تمنى دوام الموت وانه لم يبعث للحساب هلك عني سلطانيه فيه قولان \r\n أحدهما ضلت عني حجتي قاله مجاهد وعكرمة والضحاك والسدي \r\n والثاني زال عني ملكي قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى خذوه أي يقول الله تعالى خذوه فغلوه أي اجمعوا يده إلى عنقه ثم الجحيم صلوه أي أدخلوه النار وقال الزجاج اجعلوه يصلى النار ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة ذرعها سبعون ذراعا قال ابن عباس بذراع الملك وقال نوف الشامي كل ذراع سبعون باعا الباع أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة وقال سفيان كل ذراع سبعون ذراعا وقال مقاتل ذرعها سبعون ذراعا بالذراع الأول ويقال إن جميع أهل النار في تلك السلسلة \r\n قوله تعالى فاسلكوه أي أدخلوه قال الفراء وذكر أنها تدخل في دبر الكافر فتخرج من رأسه فذلك سلكه فيها والمعنى ثم اسكلوا فيه السلسلة ولكن العرب تقول أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي ويقال الخاتم لا يدخل في يدي وإنما اليد تدخل في الخاتم وإنما استجازوا ذلك لأن معناه معروف \r\n قوله تعالى إنه كان لا يؤمن بالله العظيم أي لا يصدق بوحدانيته وعظمته ولا يحض على طعام المسكين أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه ","part":8,"page":353},{"id":3848,"text":" فليس له اليوم ها هنا حميم أي قريب ينفعه أي يشفع له ولا طعام إلا من غسلين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه صديد أهل النار قاله ابن عباس قال مقاتل إذا سال القيح والدم بادروا أكله قبل أن تأكله النار \r\n والثاني شجر يأكله أهل النار قاله الضحاك والربيع \r\n والثالث أنه غسالة أجوافهم قاله يحيى بن سلام قال ابن قتيبة وهو فعلين من غسلت كأنه غسالة \r\n وقوله تعالى إلا الخاطئون يعني الكافرين \r\n فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين \r\n قوله تعالى فلا أقسم لا رد لكلام المشركين كأنه قيل ليس الأمر كما يقول المشركون أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون وقال قوم لا زائدة مؤكدة والمعنى أقسم بما ترون وما لا ترون فأراد جميع الموجودات وقيل الأجسام والأرواح إنه يعني القرآن لقول رسول كريم فيه قولان \r\n أحدهما محمد صلى الله عليه و سلم قاله الأكثرون \r\n والثاني جبريل قاله ابن السائب ومقاتل قال ابن قتيبة لم يرد أنه قول الرسول وإنما أراد أنه قول الرسول عن الله تعالى وفي الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به من أن يقول عن الله وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ","part":8,"page":354},{"id":3849,"text":" وقرأ ابن كثير يؤمنون ويذكرون بالياء فيهما قال الزجاج ما مؤكدة وهي لغو في باب الإعراب والمعنى قليلا تؤمنون وقال غيره أراد نفي إيمانهم أصلا وقد بينا معنى الكاهن في الطور 29 قال الزجاج وقوله تعالى تنزيل مرفوع ب هو مضمرة يدل عليها قوله تعالى وما هو بقول شاعر هو تنزيل \r\n ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم \r\n قوله تعالى ولو تقول علينا أي لو تكلف محمد أن يقول علينا ما لم نقله لأخذنا منه باليمين أي لأخذناه بالقوة والقدرة قاله الفراء والمبرد والزجاج قال ابن قتيبة إنما أقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه \r\n قوله تعالى ثم لقطعنا منه الوتين وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه قال أبو عبيدة الوتين نياط القلب وأنشد الشماخ ... إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين ... \r\n وقال الزجاج الوتين عرق أبيض غليظ كأنه قصبة ","part":8,"page":355},{"id":3850,"text":" قوله تعالى فما منكم من أحد عنه حاجزين أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه وإنما قال تعالى حاجزين لأن أحدا يقع على الجمع كقوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله البقرة 285 هذا قول الفراء وابي عبيدة والزجاج ومعنى الكلام أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه ثم لم يقدر على دفع عقوبتنا عنه وإنه يعني القرآن لحسرة على الكافرين في يوم القيامة يندمون إذ لم يؤمنوا به وإنه لحق اليقين إضافة إلى نفسه لاختلاف اللفظين كقوله تعالى ولدار الأخرة يوسف 109 وقال الزجاج المعنى وإنه لليقين حق اليقين وقد شرحنا هذا المعنى وما بعده في الواقعة 95 96 ","part":8,"page":356},{"id":3851,"text":" سورة المعارج \r\n سورة سأل سائل ويقال لها سورة المعارج ويقال لها سورة الواقع وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسئل حميم حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى \r\n قوله تعالى سأل سائل قال المفسرون نزلت في النضر بن الحارث حين قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الأنفال 32 وهذا مذهب الجمهور منهم ابن عباس ومجاهد وقال الربيع بن أنس هو أبو جهل قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ","part":8,"page":357},{"id":3852,"text":" سال بغير همز والباقون بالهمز فمن قرأ سأل بالهمز ففيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها دعا داع على نفسه بعذاب واقع \r\n والثاني سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو وعلى من ينزل ومتي يكون وذلك على سبيل الاستهزاء فتكون الباء بمعنى عن وأنشدوا ... فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب ... \r\n والثالث سأل سائل عذابا واقعا والباء زائدة \r\n ومن قرأ بلا همز ففيه قولان \r\n أحدهما أنه من السؤال أيضا وإنما لين الهمزة يقال سأل وسال وأنشد الفراء ... تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا ... لصاحبه في أول الدهر تابع ... \r\n والثاني المعنى سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون سال سيل بفتح السين وسكون الياء من غير ألف ولا همز ","part":8,"page":358},{"id":3853,"text":" وإذا قلنا إنه من السؤال فقوله تعالى للكافرين جواب للسؤال كأنه لما سأل لمن هذا العذاب قيل للكافرين والواقع الكائن والمعنى أن العذاب للذي سأله هذا الكافر كائن لا محالة في الآخرة للكافرين ليس له دافع من الله قال الزجاج المعنى ذلك العذاب واقع من الله للكافرين \r\n قوله تعالى ذي المعارج فيه قولان \r\n أحدهما أنها السموات قاله ابن عباس وقال مجاهد هي معارج الملائكة قال ابن قتيبة واصل المعارج الدرج وهي من عرج إذا صعد قال الفراء لما كانت الملائكة تعرج إليه وصف نفسه بذلك قال الخطابي المعارج الدرج واحداه معرج وهو المصعد فهو الذي يصعد إليه بأعمال العباد وبأرواح المؤمنين فالمعارج الطرائق التي يصعد فيها \r\n والثاني أن المعارج الفواضل والنعم قاله قتادة \r\n قوله تعالى تعرج الملائكة قرأ الكسائي يعرج بالياء \r\n والروح في الروح قولان \r\n أحدهما جبريل قاله الأكثرون \r\n والثاني روح الميت حين تقبض قاله قبيصة بن ذؤيب \r\n قوله تعالى إليه أي إلى الله عز و جل في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فيه قولان \r\n أحدهما أنه يوم القيامة قاله ابن عباس والحسن وقتادة والقرظي وهذا هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق وفي ","part":8,"page":359},{"id":3854,"text":" الحديث إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة وقيل بل لو ولي حساب الخلق سوى الله عز و جل لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة والحق يفرغ منه في ساعة من نهار وقال عطاء يفرغ الله من حساب الخلق في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فعلى هذا يكون المعنى ليس دافع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وقيل المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير \r\n والثاني أن مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده غيرهم قطعه في خسين ألف سنة وهذا معنى قول مجاهد \r\n قوله تعالى فاصبر أي اصبر على تكذيبهم إياك صبرا جميلا لا جزع فيه وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم ثم نسخ بآية السيف إنهم يرونه يعني العذاب بعيدا غير كائن ونراه قريبا كائنا لأن كل ما هو آت قريب ثم أخبر متى يكون فقال تعالى يوم تكون السماء كالمهل وقد شرحناه في الكهف 29 وتكون الجبال كالعهن أي كالصوف فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف وقيل شبهها به في خفتها وسيرها لأنه قد نقل أنها تسير على صورها وهي كالهباء قال الزجاج العهن الصوف واحدته عهنة ويقال عهنة وعهن مثل صوفة وصوف وقال ابن قتيبة العهن الصوف المصبوغ ","part":8,"page":360},{"id":3855,"text":" وقوله تعالى ولا يسأل حميم حميما قرأ الأكثرون سأل بفتح الياء والمعنى لا يسأل قريب عن قرابته لاشتغاله بنفسه وقال مقاتل لا يسأل الرجل قرابته ولا يكلمه من شدة الأهوال وقرأ معاوية وأبو رزين والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو جعفر بضم الياء والمعنى لا يقال للحميم أين حميمك \r\n قوله تعالى يبصرونهم أي يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه ولا يكلمه اشتغالا بنفسه يقال بصرت زيدا كذا إذا عرفته إياه قال ابن قتيبة معنى الآية لا يسأل ذو قرابة عن قرابته ولكنهم يبصرونهم أي يعرفونهم وقرأ قتادة وأبو المتوكل وأبو عمران يبصرونهم بإسكان الباء وتخفيف الصاد وكسرها \r\n قوله تعالى يود المجرم يعني يتمنى المشرك لو قبل منه الفداء يومئذ ببنيه وصاحبته وهي الزوجة وفصيلته قال ابن قتيبة أي عشيرته وقال الزجاج هي أدنى قبيلته منه ومعنى تؤويه تضمه فيود أن يفتدي بهذه المذكورات ثم ينجيه ذلك الفداء كلا لا ينجيه ذلك إنها لظى قال الفراء هو اسم من أسماء جهنم فلذلك لم يجر وقال غيره معناها في اللغة اللهب الخالص وقال ابن الانباري سميت لظى لشدة توقدها وتلهبها يقال هو يتلظى أي يتلهب ويتوقد وكذلك النار تتلظى يراد بها هذا المعنى وأنشدوا ... جحيما تلظى لا تفتر ساعة ... ولا الحر منها غابر الدهر يبرد ... \r\n نزاعة للشوى قرأ الجمهور نزاعة للشوى بالرفع على معنى هي نزاعة ","part":8,"page":361},{"id":3856,"text":" وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة وابن أبي عبلة وحفص عن عاصم نزاعة بالنصب قال الزجاج وهذا على أنها حال مؤكدة كما قال تعالى هو الحق مصدقا فاطر 31 ويجوز أن ينصب على معنى إنها تتلظى نزاعة \r\n وفي المراد ب الشوى أربعة أقوال \r\n أحدها جلدة الرأس قاله مجاهد والثاني محاسن الوجه قاله الحسن وابو العالية والثالث العصب والعقب قاله ابن جبير والرابع الأطراف اليدان والرجلان والرأس قاله الفراء والزجاج \r\n قوله تعالى تدعو من أدبر عن الإيمان وتولى عن الحق قال المفسرون تقول إلي يا مشرك إلي يا منافق وجمع فأوعى قال الفراء أي جمع المال في وعاء فلم يؤد منه زكاة ولم يصل منه رحما \r\n إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا إنا خلقناهم مما يعلمون فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين فذرهم ","part":8,"page":362},{"id":3857,"text":" يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون \r\n قوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا قال مقاتل عنى به أمية بن خلف الجمحي وفي الهلوع سبعة أقوال \r\n أحدها أنه الموصوف بما يلي هذه الآية رواه عطية عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة والزجاج \r\n والثاني أنه الحريص على ما لا يحل له رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث البخيل قاله الحسن والضحاك \r\n والرابع الشحيح قاله ابن جبير \r\n والخامس الشره قاله مجاهد \r\n والسادس الضجور قاله عكرمه وقتادة ومقاتل والفراء \r\n والسابع الشديد الجزع قاله ابن قتيبة \r\n قوله تعالى إذا مسه الشر أي اصابه الفقر جزوعا لا يصبر ولا يحتسب وإذا مسه الخير أصابه المال منوعا بمنعه من حق الله عز و جل إلا المصلين وهم أهل الإيمان بالله وإنما استثنى الجمع من الإنسان لأنه اسم جنس الذين هم على صلاتهم دائمون وفيهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم الذين يحافظون على المكتوبات وهو معنى قول ابن مسعود \r\n والثاني أنهم لا يلتفتون عن أيمانهم وشمائلهم في الصلاة قاله عقبة بن عامر واختاره الزجاج قال ويكون اشتقاقه من الدائم وهو الساكن كما جاء ","part":8,"page":363},{"id":3858,"text":" في الحديث أنه نهى عن البول في الماء الدائم \r\n والثالث أنهم الذين يكثرون فعل التطوع قاله ابن جريج والذين في أموالهم حق معلوم قد سبق شرح هذه الآية والتي بعدها في الذاريات 19 وبينا معنى يوم الدين في الفاتحة وما بعد هذا قد شرحناه في المؤمنين 7 8 إلى قوله تعالى لأماناتهم قرأ ابن كثير وحده لأمانتهم والذين هم بشهاداتهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم بشهادتهم على التوحيد وقرأ حفص عن عاصم بشهاداتهم جمعا قائمون أي يقومون فيها بالحق ولا يكتمونها فمال الذين كفروا قبلك مهطعين نزلت في جماعة من الكفار جلسوا حول رسول الله صلى الله عليه و سلم يستهزؤون بالقرآن ويكذبون به قال الزجاج والمهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله وكانوا ينظرون إلى النبي نظر عداوة وقد سبق الخلاف في قوله تعالى مهطعين إبراهيم 43 والقمر 8 \r\n قوله عن اليمين وعن الشمال عزين قال الفراء العزون الحلق الجماعات واحدتها عزة وكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه و سلم فيقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه و سلم فلندخلنها قبلهم فنزل قوله تعالى أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم وقرأ ابن مسعود والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش والمفضل عن عاصم أن يدخل بفتح الياء وضم الخاء وقال أبو عبيدة عزين جمع عزة مثل ثبة وثبين فهي ","part":8,"page":364},{"id":3859,"text":" جماعات في تفرقة \r\n قوله تعالى كلا أي لا يكون ذلك إنا خلقناهم مما يعلمون فيه قولان \r\n أحدهما من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة فالمعنى لا يستوجب الجنة أحد بما يدعيه من الشرف على غيره إذ الأصل واحد وإنما يستوجبها بالطاعة \r\n والثاني إنا خلقناهم من أقذار فبماذا يستحقون الجنة ولم يؤمنوا وقد روى بشر بن جحاش عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه تلا هذه الآية إنا خلقناهم ما يعلمون ثم بزق قال يقول الله عز و جل أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك ","part":8,"page":365},{"id":3860,"text":" وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة \r\n قوله تعالى فلا أقسم قد تكلمنا عليه في الحاقة 38 والمراد بالمشارق والمغارب شرق كل يوم ومغربه إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم أي نخلق أمثل منهم وأطوع لله حين عصوا وما نحن بمسبوقين مفسر في الواقعة 60 فذرهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا أي يلهوا في دنياهم حتى يلاقوا وقرأ ابن محيصن يلقوا يومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة وهذا لفظ أمر معناه الوعيد وذكر المفسرون أنه منسوخ بآية السيف وإذا قلنا إنه وعيد بلقاء يوم القيامة فلا وجه للنسخ يوم يخرجون من الأجداث سراعا أي يخرجون بسرعة كأنهم يستبقون \r\n قوله تعالى كأنهم إلى نصب قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بضم النون والصاد وقال ابن جرير وهو واحد الأنصاب وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها فعلى هذا يكون المعنى كأنهم إلى آلهتهم التي كانوا يعبدونها يسرعون وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الصاد وهي في معنى القراءة الأولى إلا أنه مصدر كقول القائل نصبت الشيء أنصبه نصبا قال قتادة معناه كأنهم إلى شيء منصوب يسرعون وقال ابن جرير تأويله كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون وقرأ ابن عباس ","part":8,"page":366},{"id":3861,"text":" وأبو مجلز والنخعي نصب برفع النوه وإسكان الصاد وقرأ الحسن وأبو عثمان النهدي وعاصم الجحدري إلى نصب بفتح النون والصاد جميعا قال ابن قتيبة النصب حجر ينصب أو صنم يقال نصب ونصب ونصب وقال الفراء النصب والنصب واحد وهو مصدر والجمع الأنصاب وقال الزجاج النصب والنصب العلم المنصوب قال الفراء والإيفاض الإسراع \r\n قوله تعالى ترهقهم ذلة قرا أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعمرو ابن دينار ذلة ذلك اليوم بغير تنوين وبخفض الميم وباقي السورة قد تقدم بيانه المعارج 42 ","part":8,"page":367},{"id":3862,"text":" سورة نوح \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون \r\n قوله تعالى أن أنذر قومك أي بأن أنذر قومك والعذاب الأليم الغرق \r\n قوله تعالى أن اعبدوا الله قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وعلي بن نصر عن أبي عمرو أن اعبدوا الله بضم النون وقرأ عاصم وحمزة وعبد الوارث عن ابي عمرو أن اعبدوا الله بكسر النون قال أبو علي من ضم كره الكسر \r\n قوله تعالى وأطيعون أثبت الياء في الحالين يعقوب \r\n قوله تعالى من ذنوبكم من ها هنا صلة والمعنى يغفر لكم ذنوبكم قاله السدي ومقاتل وقال الزجاج إنما دخلت من ها هنا لتختص الذنوب من سائر الأشياء ولم تدخل لتبعيض الذنوب ومثله فاجتنبوا الرجس من ","part":8,"page":368},{"id":3863,"text":" الأوثان الحج 30 وذهب بعض أهل المعاني إلى أنها للتبعيض والمعنى يغفر لكم من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ويؤخركم أي عن العذاب إلى أجل مسمى وهو منتهى آجالهم والمعنى فتموتوا عند منتهى آجالكم غير ميتة المعذبين إن أجل الله فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أجل الموت قاله مجاهد فيكون المعنى إن أجل الله الذي أجلكم إليه لا يؤخر إذا جاء فلا يمكنكم حينئذ الإيمان \r\n والثاني أنه أجل البعث قاله الحسن \r\n والثالث أجل العذاب قاله السدي ومقاتل \r\n قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهار ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ","part":8,"page":369},{"id":3864,"text":" قوله تعالى فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أي تباعدا من الإيمان وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان والطاعة جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوتي واستغشوا ثيابهم أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني وأصروا على كفرهم واستكبروا عن الإيمان بك واتباعي ثم إني دعوتهم جهارا أي معلنا لهم بالدعاء قال ابن عباس بأعلى صوتي ثم إني أعلنت لهم أي كررت الدعاء معلنا وأسررت لهم إسرارا قال ابن عباس يريد أكلم الرجل بعد الرجل في السر وأدعوه إلى توحيدك وعبادتك فقلت استغفروا ربكم قال المفسرون منع الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فقال لهم نوح استغفروا ربكم من الشرك أي استدعوا مغفرته بالتوحيد يرسل السماء عليكم مدرارا قد شرحناه في أول الأنعام 6 ومعنى الكلام أنه أخبرهم أن الإيمان يجمع لهم خير الدنيا والآخرة \r\n قوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها لا ترون لله عظمة قال الفراء وابن قتيبة \r\n والثاني لا تخافون عظمة الله قاله الفراء وابن قتيبة \r\n والثالث لا ترون لله طاعة قاله ابن زيد \r\n والرابع لا ترجون عاقبة الإيمان والتوحيد قاله الزجاج ","part":8,"page":370},{"id":3865,"text":" وقد خلقكم أطوارا أي وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده من خلقه إياكم من نطفة ثم من علقة شيئا بعد شيء إلى آخر الخلق قال ابن الأنباري الطور الحال وجمعه أطوار وقال ابن فارس الطور التارة طورا بعد طور أي تارة بعد تارة وقيل أراد بالأطوار اختلاف المناظر والأخلاق من طويل وقصير وغير ذلك ثم قررهم فقال تعالى ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة طباق بتنوين القاف وكسرها من غير ألف وقد بينا هذا في سورة الملك 3 \r\n قوله تعالى وجعل القمر فيهن نورا فيه قولان \r\n أحدهما أن وجه القمر قبل السموات وظهره قبل الأرض يضيء لأهل السموات كما يضيء لأهل الأرض وكذلك الشمس هذا قول عبد الله ابن عمرو \r\n والثاني أن القمر في السماء الدنيا وإنما قال فيهن لأنهن كالشيء الواحد ذكره الأخفش والزجاج وغيرهما وهذا كما تقول أتيت بني تميم وإنما أتيت بعضهم وكركبت السفن وجعل الشمس سراجا يستضيء بها العالم والله أنبتكم من الأرض يعني أن مبتدأ خلقكم من الأرض هو ","part":8,"page":371},{"id":3866,"text":" آدم نباتا قال الخليل معناه فنبتم نباتا وقال الزجاج نباتا محمول في المصدر على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا قال ابن قتيبة هذا مما جاء فيه المصدر على غير المصدر لأنه جاء في نبت ومثله وتبتل إليه تبتيلا المزمل 8 فجاء على بتل \r\n قال الشاعر ... وخير الأمر ما استقبلت من ... ه وليس بأن تتبعه اتباعا ... \r\n فجاء على اتبعت \r\n وقال الآخر ... وإن شئتم تعاودنا عوادا ... \r\n فجاء على عوادنا وإنما تجيء المصادر مخالفة الأفعال لأن الأفعال وإن اختلفت أبنيتها واحدة في المعنى \r\n قوله تعالى سبلا فجاجا قال الفراء هي الطرق الواسعة \r\n قوله تعالى واتبعوا من لم يزده ماله وولده قرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم وولده بفتح اللام والواو وقرأ الباقون ولده بضم الواو ","part":8,"page":372},{"id":3867,"text":" وسكون اللام قال الزجاج وهما بمعنى واحد مثل العرب والعرب والعجم والعجم وقرأ الحسن وأبو العالية وابن يعمر والجحدري وولده بكسر الواو وإسكان اللام قال المفسرون المعنى ان الأتباع والفقراء اتبعوا رأي الرؤساء والكبراء \r\n قوله تعالى ومكروا مكرا كبارا قرأ أبو رجاء وأبو عمران كبارا برفع الكاف وتخفيف الباء وقرأ ابن يعمر وأبو الجوزاء وابن محيصن كبارا بكسر الكاف مع تخفيف الباء والمعنى كبيرا يقال كبير وكبار وقد شرحنا هذا في أول ص ومعنى المكر السعي في الفساد وذلك أن الرؤساء منعوا أتباعهم من الإيمان بنوح وقالوا لا تذرن آلهتكم أي لا تدعن عبادتها ولا تذرن ودا قرأ أبو جعفر ونافع بضم الواو والباقون بفتحها وهذا الاسم وما بعده أسماء آلهتهم وجاء في التفسير أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ونشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق للعبادة ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم وكان ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء وقيل إنما هي أسماء لأولاد آدم مات منهم واحد فجاء الشيطان فقال هل لكم أن أصور لكم صورته فتذكرونه بها فصورها ثم مات آخر فصور لهم صورته إلى أن صور صورا خمسة ثم طال الزمان وتركوا عبادة الله فقال لهم الشيطان ما لكم لا تعبدون شيئا فقالوا لمن نعبد قال هذه آلهتكم وآلهة آبائكم ألا ترونها مصورة في مصلاكم فعبدوها ","part":8,"page":373},{"id":3868,"text":" وقال الزجاج هذه الأصنام كانت لقوم نوح ثم صارت إلى العرب فكان ود لكلب و سواع لهمدان و يغوث لبني غطيف وهم حي من مراد وقيل لما جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام وطمها التراب فلما ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين قال الواقدي كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد و يعوق على صورة فرس و نسر على صورة النسر من الطير \r\n قوله تعالى وقد أضلوا كثيرا فيه قولان \r\n أحدهما وقد أضلت الأصنام كثيرا من الناس أي ضلوا بسببها \r\n والثاني وقد أضل الكبراء كثيرا من الناس ولا تزد الظالمين يعني الكافرين إلا ضلالا وهذا دعاء من نوح عليهم لما أعلمه الله أنهم لا يؤمنون \r\n مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا \r\n قوله تعالى مما خطيآتهم ما صلة والمعنى من خطيآتهم أي من أجلها وسببها وقرأ أبو عمرو مما خطاياهم وقرأ أبو الجوزاء والجحدري خطيأتهم من غير ألف أغرقوا فأدخلوا نارا قال ابن السائب المعنى سيدخلون في الآخرة نارا فجاء لفظ الماضي بمعنى الاستقبال لأن الوعد حق هذا قول الأكثرين وقال الضحاك فأدخلوا نارا في الدنيا وذلك أنهم كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب ","part":8,"page":374},{"id":3869,"text":" قوله تعالى فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله \r\n قوله تعالى ديارا قال ابن قتيبة أي أحدا يقال ما بالمنازل ديار أي ما بها أحد وهو من الدار أي ليس بها نازل دارا وقال الزجاج أصلها ديوار فيعال فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى وإنما دعا عليهم نوح لأن الله تعالى أوحى إليه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن هود 36 \r\n قوله تعالى يضلوا عبادك وذلك أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح فيحذره تصديقه \r\n وقوله تعالى ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا قال المفسرون إن الله تعالى أخبر نوحا أنهم لا يلدون مؤمنا فلذلك علم الفاجر الخارج عن الطاعة \r\n قوله تعالى رب اغفر لي ولوالدي قال الحسن وذلك أنهما كانا مؤمنين وقرأ أبو بكر الصديق وسعيد بن المسيب وابن جبير والجحدري والجوني ولوالدي ساكنة الياء على التوحيد وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وابن يعمر والزهري والنخعي ولولدي من غير ألف على التثنية ولمن دخل بيتي وقرا حفص عن عاصم بيتي بفتح الياء وفيه ثلاثة اقوال \r\n أحدها منزله قاله ابن عباس والثاني مسجده قاله الضحاك والثالث سفينته حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى وللمؤمنين والمؤمنات هذا عام في كل من آمن ولا تزد الظالمين يعني الكافرين إلا تبارا أي هلاكا ومنه قوله تعالى تبرنا تتبيرا الفرقان 39 ","part":8,"page":375},{"id":3870,"text":" سورة الجن \r\n كلها مكية بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ","part":8,"page":376},{"id":3871,"text":" قوله تعالى قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن قد ذكرنا سبب نزول هذه الآية في الأحقاف 29 وبينا هنالك سبب استماعهم ومعنى النفر وعددهم فأما قوله تعالى قرآنا عجبا فمعناه بليغا يعجب منه لبلاغته يهدي إلى الرشد أي يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان ولن نشرك بربنا أي لن نعدل بربنا أحدا من خلقه وقيل عنوا إبليس أي لا نطيعه في الشرك بالله \r\n قوله تعالى وأنه تعالى جد ربنا اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة وهي وأنه تعالى وأنه كان يقول وأنا ظننا وأنه كان رجال وأنهم ظنوا وأنا لمسنا وأنا كنا وأنا لا ندري وأنا منا وأنا ظننا أن لن نعجز الله وأنا لما سمعنا وأنا منا ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع و أنه تعالى وأنه كان يقول وأنه كان رجال وكسر الباقيات وقرأ الباقون بكسرهن وقال الزجاج والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه أن بالفتح وما كان من قول الجن قيل إن بالكسر معطوف على قوله تعالى إنا سمعنا قرآنا عجبا وعلى هذا يكون المعنى وقالوا إنه تعالى جد ربنا وقالوا إنه كان يقول سفيهنا فأما من فتح فذكر بعض النحويين يعني الفراء أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى فآمنا به وبأنه تعالى جد ربنا وكذلك ما بعد هذا وهذا رديء في القياس لا يعطف على الهاء المتمكنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض ولكن وجهه ","part":8,"page":377},{"id":3872,"text":" أن يكون محمولا على معنى أمنا به فيكون المعنى وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وللمفسرين في معنى تعالى جد ربنا سبعة أقوال \r\n أحدها قدرة ربنا قاله ابن عباس والثاني غنى ربنا قاله الحسن والثالث جلال ربنا قاله مجاهد وعكرمة والرابع عظمة ربنا قاله قتادة والخامس أمر ربنا قاله السدي والسادس ارتفاع ذكره وعظمته قاله مقاتل والسابع ملك ربنا وثناؤه وسلطانه قاله أبو عبيدة وأنه كان يقول سفيهنا فيه قولان \r\n أحدهما أنه إبليس قاله مجاهد وقتادة \r\n والثاني أنه كفارهم قاله مقاتل والشطط الجور والكذب وهو وصفه بالشريك والولد ثم قالت الجن وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وقرأ يعقوب أن لن تقول بفتح القاف وتشديد الواو والمعنى ظنناهم صادقين في قولهم لله صاحبة وولد وما ظنناهم يكذبون حتى سمعنا القرآن يقول الله عز و جل وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فنادى يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه ","part":8,"page":378},{"id":3873,"text":" يا سرحان أرسله فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله ص - وأنه كان رجال من الإنس الآية \r\n وفي قوله تعالى فزادوهم رهقا قولان \r\n أحدهما أن الإنس زادوا الجن رهقا لتعوذهم بهم قاله مقاتل والمعنى أنهم لما استعاذوا بسادتهم قالت السادة قد سدنا الجن والإنس \r\n والثاني أن الجن زادوا الإنس رهقا ذكره الزجاج قال أبو عبيدة زادوهم سفها وطغيانا وقال ابن قتيبة زادوهم ضلالا واصل الرهق العيب ومنه يقال فلان يرهق في دينه \r\n قوله تعالى وأنهم ظنوا يقول الله عز و جل ظن الجن كما ظننتم ","part":8,"page":379},{"id":3874,"text":" أيها الإنس المشركون أنه لا بعث وقالت الجن وأنا لمسنا السماء أي أتيناها فوجناها ملئت حرسا شديدا وهم الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع وشهبا جمع شهاب وهو النجم المضيء وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع أي كنا نستمع فالآن حين حاولنا الاستماع بعد بعث محمد ص - رمينا بالشهب ومعنى رصدا قد أرصد له المرمى به وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم فيكذبونه فيهلكون أم أراد بهم ربهم رشدا وهو أن يؤمنوا فيهتدوا قاله مقاتل والثاني أنه قول كفرة الجن والمعنى لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بحدوث الرجم بالكواكب أم صلاح قاله الفراء ثم أخبروا عن حالهم فقالوا وأنا منا الصالحون وهم المؤمنون المخلصون ومنا دون ذلك فيه قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون \r\n والثاني أنهم أهل الشر دون الشرك كنا طرائق قددا قال الفراء أي فرقا مختلفة أهواؤنا وقال أبو عبيدة واحد الطرائق طريقة وواحد القدد قدة أي ضروبا وأجناسا ومللا قال الحسن والسدي الجن مثلكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة \r\n قوله تعالى وأنا ظننا أي أيقنا أن لن نعجز الله في الأرض أي لن نفوته إذا أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا أي أنه يدركنا حيث كنا وأنا لما سمعنا الهدى وهو القرآن الذي أتى به محمد ص - آمنا به أي صدقنا أنه من عند الله عز و جل فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا أي نقصا من الثواب ولا رهقا أي ولا ظلما ومكروها يغشاه وأنا منا المسلمون قال مقاتل المخلصون لله ومنا القاسطون وهم المردة قال ","part":8,"page":380},{"id":3875,"text":" ابن قتيبة القاسطون الجائرون يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل قال المفسرون هم الكافرون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا أي توخوه وأموه ثم انقطع كلام الجن قال مقاتل ثم رجع إلى كفار مكة فقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة يعني طريقة الهدى وهذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وقتادة والسدي واختاره الزجاج قال لأن الطريقة ها هنا بالألف واللام معرفة فالأوجب أن تكون طريقة الهدى وذهب قوم إلى أن المراد بها طريقة الكفر قاله محمد بن كعب والربيع والفراء وابن قتيبة وابن كيسان فعلى القول الأول يكون المعنى لو آمنوا لوسعنا عليهم لنفتنهم أي لنختبرهم فيه فننظر كيف شكرهم والماء الغدق الكثير وإنما ذكر الماء مثلا لأن الخير كله يكون بالمطر فأقيم مقامه إذ كان سببه وعلى الثاني يكون المعنى لو استقاموا على الكفر فكانوا كفارا كلهم لأكثرنا لهم المال لنفتنهم فيه عقوبة واستدارجا ثم نعذبهم على ذلك وقيل لأكثرنا لهم الماء فأغرقناهم كقوم نوح ومن يعرض عن ذكر ربه يعني القرآن يسلكه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر نسلكه بالنون وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء عذابا صعدا قال ابن قتيبة أي عذابا شاقا يقال تصعدني الأمر إذا شق علي ومنه قول عمر ما تصعدني شيء ما تصعدني خطبة النكاح ونرى أصل هذا كله من الصعود لأنه شاق فكني به عن المشقات وجاء في التفسير أنه جبل في النار يكلف صعوده وسنذكره عند قوله تعالى سأرهقه ","part":8,"page":381},{"id":3876,"text":" صعودا المدثر 17 إن شاء الله تعالى \r\n وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا واقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا \r\n قوله تعالى وأن المساجد لله فيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها المساجد التي هي بيوت الصلوات قاله ابن عباس قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر الله عز و جل المسلمين أن يخلصوا له إذا دخلوا مساجدهم \r\n والثاني الأعضاء التي يسجد عليها العبد قاله سعيد بن جبير وابن الأنباري وذكره الفراء فيكون المعنى لا تسجدوا عليها لغيره ","part":8,"page":382},{"id":3877,"text":" والثالث أن المراد بالمساجد ها هنا البقاع كلها قاله الحسن فيكون المعنى أن الأرض كلها مواضع للسجود فلا تسجدوا عليها لغير خالقها \r\n والرابع أن المساجد السجود فإنه جمع مسجد يقال سجدت سجودا ومسجدا كما يقال ضربت في الأرض ضربا ومضربا ثم يجمع فيقال المساجد والمضارب قال ابن قتيبة فعلى هذا يكون واحدها مسجدا بفتح الجيم والمعنى أخلصوا له ولا تسجدا لغيره ثم رجع إلى ذكر الجن فقال تعالى وأنه لما قام عبد الله يعني محمدا ص - يدعوه أي يعبده وكان يصلي ببطن نخلة على ما سبق بيانه في الأحقاف 29 كادوا يكونون عليه لبدا قرأ الأكثرون لبدا بكسر اللام وفتح الباء وقرأ هشام عن ابن عامر وابن محيصن لبدا بضم اللام وفتح الباء مع تخفيفها قال الفراء ومعنى القراءتين واحد يقال لبدة ولبدة قال الزجاج والمعنى كاد يركب بعضهم بعضا ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش وكل شيء أضفته إلى شيء فقد لدبته وقرأ قوم منهم الحسن والجحدري لبدا بضم اللام مع تشديد الباء قال الفراء فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال كقولك ركعا وركوعا وسجدا وسجودا قال الزجاج هو جمع لابد مثل راكع وركع وفي معنى الآية ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم والمعنى أنه لما قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا حرصا على سماع القرآن رواه عطية عن ابن عباس \r\n والثاني أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم فوصفوا لهم طاعة أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم وائتمامهم به في الركوع والسجود فكأنهم قالوا ","part":8,"page":383},{"id":3878,"text":" لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبدا وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس \r\n والثالث أن المعنى لما قام رسول الله ص - بالدعوة تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به قاله الحسن وقتادة وابن زيد \r\n قوله تعالى قل إنما أدعو ربي قرأ عاصم وحمزة قل إنما أدعو ربي بغير ألف وقرأ الباقون قال على الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال مقاتل إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم إنك جئت بأمر عظيم لم يسمع بمثله فارجع عنه فنزلت هذه الآية \r\n قوله تعالى قل لا أملك لكم ضرا أي لا أدفعه عنكم ولا أسوق إليكم رشدا أي خيرا أي إن الله تعالى يملك ذلك لا أنا قل إني لن يجيرني من الله أحد أي إن عصيته لم يمنعني منه أحد وذلك أنهم قالوا اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ولن أجد من دونه ملتحدا وقد بيناه في الكهف 27 إلا بلاغا من الله فيه وجهان ذكرهما الفراء \r\n أحدهما أنه استثناء من قوله تعالى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا أن أبلغكم \r\n والثاني لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالته وبالأول قال ابن السائب ","part":8,"page":384},{"id":3879,"text":" وبالثاني قال مقاتل وقال بعضهم المعنى لن يجيرني من عذاب الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت فذلك البلاغ هو الذي يجيرني ومن يعص الله ورسوله بترك الإيمان والتوحيد \r\n قوله تعالى حتى إذا رأوا يعني الكفار ما يوعدون من العذاب في الدنيا وهو القتل وفي الآخرة فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أي جندا ونصرا أهم أم المؤمنون قل إن أدري أي ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب أم يجعل له ربي أمدا أي غاية وبعدا وذلك لأن علم الغيب لله وحده فلا يظهر أي فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس إلا من ارتضى من رسول لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب والمعنى أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب فهو كافر ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول فقال تعالى فإنه يسلك من بين يديه أي ","part":8,"page":385},{"id":3880,"text":" من بين يدي الرسول ومن خلفه رصدا أي يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة فيتكلون به قبل أن يخبر النبي صلى الله عليه و سلم الناس وقال الزجاج يسلك من بين يدي الملك ومن خلفه رصدا وقيل يسلك من بين يدي الوحي فالرصد من الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ما ينزل من الوحي \r\n قوله تعالى ليعلم فيه خمسة أقوال \r\n أحدها ليعلم محمد صلى الله عليه و سلم أن جبرائيل قد بلغ إليه قاله ابن جبير \r\n والثاني ليعلم محمد صلى الله عليه و سلم أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن الله قد حفظها فدفع عنها قاله قتادة \r\n والثالث ليعلم مكذبوا الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم قاله مجاهد \r\n والرابع ليعلم الله عز و جل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب فهو كقوله تعالى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم آل عمران 142 قاله ابن قتيبة \r\n والخامس ليعلم النبي أن الرسل قد أتته ولم تصل إلى غيره ذكره الزجاج وقرأ رويس عن يعقوب ليعلم بضم الياء على ما لم يسم فاعله وقال ابن قتيبة ويقرأ لتعلم بالتاء يريد لتعلم الجن أن الرسل قد بلغت عن آلههم بما رجوا من استراق السمع وأحاط بما لديهم أي علم الله ما عند الرسل وأحصى كل شيء عددا فلم يفته شيء حتى الذر والخردل ","part":8,"page":386},{"id":3881,"text":" سورة المزمل \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n إلا أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال سوى آيتين منها قوله تعالى واصبر على ما يقولون والتي بعدها المزمل 10 1 وقال ابن يسار ومقاتل فيها آية مدنية وهي قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم المزمل 20 بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعولا ","part":8,"page":387},{"id":3882,"text":" قوله تعالى يا أيها المزمل وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وأبو مجلز وأبو عمران والأعمش المتزمل بإظهار التاء وقرأ عكرمة وابن يعمر المزمل بحذف التاء وتخفيف الزاي قال اللغويون المزمل المتلف في ثيابه واصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي فثقلت وكل من التف بثوبه فقد تزمل قال الزجاج وإنما أدغمت فيها لقربها منها قال المفسرون وكان النبي صلى الله عليه و سلم يتزمل في ثياه في أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به وقال السدي كان قد تزمل للنوم وقال مقاتل خرج من البيت وقد لبس ثياه فناداه جبريل يا أيها المزمل وقيل أريد به متزمل النبوة قال عكرمة في معنى هذه الآية زملت هذا الأمر فقم به وقيل إنما لم يخاطب بالنبي والرسول ها هنا لأنه لم يكن قد بلغ وإنما كان في بدء الوحي \r\n قوله تعالى قم الليل أي للصلاة وكان قيام الليل فرضا عليه إلا قليلا نصفه هذا بدل من الليل كا تقول ضربت زيدا رأسه فإنا ذكرت زيدا لتوكيد الكلام لأنه أوكد من قولك ضربت رأس زيد والمعنى قم من الليل النصف إلا قليلا أو انقص منه قليلا أي من النصف أو زد عليه أي على النصف قال المفسرون انقص من النصف إلى الثلث أو زد عليه إلى الثلثين فجعل له سعة في مدة قيامه إذ لم تكن محدودة فكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين فشق ذلك عليه وعليهم فكان الرجل لا يدري كم صلى وكم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل الآية هذا مذهب جماعة من المفسرين وقالوا ليس في القرآن ","part":8,"page":388},{"id":3883,"text":" سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة وذهب قوم إلى أنه نسخ قيام الليل في حقه بقوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك الإسراء 79 ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس وقيل نسخ عن الأمة وبقي عليه فرضه أبدا وقيل إنما كان مفروضا عليه دونهم وفي مدة فرضه قولان \r\n أحدهما سنة قال ابن عباس كان بين أول المزمل وآخرها سنة \r\n والثاني ستة عشر شهرا حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى ورتل القرآن قد ذكرنا الترتيل في الفرقان 32 \r\n قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وهو القرآن وفي معنى ثقله ستة أقوال \r\n أحدها أنه كان يثقل عليه إذا أوحي إليه وهذا قول عائشة قالت ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه يعني يتخلص عنه ","part":8,"page":389},{"id":3884,"text":" وإن جبينه ليتفصد عرقا \r\n والثاني أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه قاله الحسن وقتادة \r\n والثالث أنه يثقل في الميزان يوم القيامة قاله ابن زيد \r\n والرابع أنه المهيب كما يقال للرجل العاقل هو رزين راجح قاله عبد العزيز بن يحيى \r\n والخامس أنه ليس بالخفيف ولا السفساف لأنه كلام الرب عز و جل قاله الفراء \r\n والسادس أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه كما تقول هذا كلام رصين وهذا قول وزن إذا استجدته ذكره الزجاج \r\n قوله تعالى إن ناشئة الليل قال ابن مسعود وابن عباس هي قيام الليل بلسان الحبشة وهل هي في وقت مخصوص من الليل أم في جميعه فيه قولان \r\n أحدهما أنها في جميع الليل وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال الليل كله ناشئة وإلى هذا ذهب اللغويون قال ابن قتيبة ناشئة الليل ","part":8,"page":390},{"id":3885,"text":" ساعاته الناشئة من نشأت إذا ابتدأت وقال الزجاج ناشئة الليل ساعات الليل كل ما نشأ منه أي كل ما حدث وقال أبو علي الفارسي كأن المعنى إن صلاة ناشئة أو عمل ناشئة الليل \r\n والثاني أنها في وقت مخصوص من الليل ثم فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنها ما بين المغرب والعشاء قاله أنس بن مالك \r\n والثاني أنها القيام بعد النوم وهذا قول عائشة وابن الأعرابي وقد نص عليه أحمد في رواية المرودي \r\n والثالث أنها ما بعد العشاء قاله الحسن ومجاهد وقتادة وأبو مجلز \r\n والرابع أنها بدء الليل قاله عطاء وعكرمة \r\n والخامس أنها القيام من آخر الليل قاله يمان وابن كيسان \r\n قوله تعالى هي أشد وطا قرأ ابن عامر وأبو عمرو وطاء بكسر الواو مع المد وهو مصدر واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء واراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم للقرآن والإحكام لتأويله ومنه قوله تعالى ليواطئوا عدة ما حرم الله التوبة 37 وقرأ الباقون وطأ بفتح الواو مع القصر والمعنى إنه أثقل على المصلي من ساعات النهار من قول العرب اشتدت على القوم وطأة السلطان إذا ثقل عليهم ما يلزمهم ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم اللهم اشدد وطأتك على مضر ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة وقرأ ابن محيصن أشد وطاء بفتح الواو والطاء وبالمد ","part":8,"page":391},{"id":3886,"text":" قوله تعالى وأقوم قيلا أي أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات فتخلص القراءة ويفرغ القلب لفهم التلاوة فلا يكون دون سمعه وتفهمه حائل \r\n قوله تعالى إن لك في النهار سبحا طويلا أي فراغا لنومك وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك قاله ابن عباس وعطاء وقرأ علي وابن مسعود وابو عمران وابن أبي عبلة سبخا بالخاء المعجمة قال الزجاج ومعناها في اللغة صحيح يقال قد سبخت القطن بمعنى نفشته ومعنى نفشته وسعته فيكون المعنى إن لك في النهار توسعا طويلا \r\n قوله تعالى واذكر اسم ربك أي بالنهار أيضا وتبتل إليه تبتيلا قال مجاهد أخلص له إخلاصا وقال ابن قتيبة انقطع إليه من قولك بثلت الشيء إذا قطعته وقال الزجاج انقطع إليه في العبادة ومنه قيل لمريم البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة وكذلك صدقة بتلة منقطعة من مال المصدق والأصل في مصدر تبتل تبتلا وإنما قوله تعالى تبتيلا محمول على معنى تبتل رب المشرق قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم رب بالرفع وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم بالكسر وما بعد هذا قد سبق الشعراء 28 إلى قوله تعالى واصبر على ما يقولون من التكذيب لك والأذى واهجرهم هجرا جميلا لا جزع فيه وهذه الآية عند المفسرين منسوخة بآية السيف وذرني والمكذبين أي لا تهتم بهم فأنا أكفيكهم أولي النعمة يعني التنعم وفيمن عني بهذا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم المطعمون ببدر قاله مقاتل بن حيان ","part":8,"page":392},{"id":3887,"text":" والثاني أنهم بنو المغيرة بن عبد الله قاله مقاتل بن سليمان \r\n والثالث أنهم المستهزئون وهم صناديد قريش حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى ومهلهم قليلا قالت عائشة فلم يكن إلا اليسير حتى كانت وقعة بدر وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف وليس بصحيح \r\n قوله تعالى إن لدينا أنكالا وهي القيود واحدها نكل وقد شرحنا معنى الجحيم في البقرة 119 وطعاما ذا غصة وهو الذي لا يسوغ في الحلق وفيه للمفسرين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج قاله ابن عباس وعكرمة والثاني الزقوم قاله مقاتل والثالث الضريع قاله الزجاج والرابع الزقوم والغسلين والضريع حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى يوم ترجف الأرض قال الزجاج هو منصوب بقوله تعالى إن لدينا أنكالا والمعنى ينكل الكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض أي تزلزل وتحرك أغلظ حركة \r\n قوله تعالى وكانت الجبال قال مقاتل المعنى وصارت بعد الشدة والقوة كثيبا قال الفراء الكثيب الرمل والمهيل الذي ترحك أسفله فينهال عليكم من أعلاه والعرب تقول مهيل ومهيول ومكيل ومكيول وقال الزجاج الكثيب جمعه كثبان وهي القطع العظام من الرمل والمهيل السائل \r\n قوله تعالى إنا أرسلنا إليكم يعني أهل مكة رسولا يعني محمدا صلى الله عليه و سلم ","part":8,"page":393},{"id":3888,"text":" شاهدا عليكم بالتبليغ وإيمان من آمن وكفر من كفر كما أرسلنا إلى فرعون رسولا وهو موسى عليه السلام والوبيل الشديد قال ابن قتيبة هو من قولك استوبلت المكان إذا استوخمته ويقال كلأ مستوبل أي لا يستمرأ قال الزجاج الوبيل الثقيل الغليظ جدا ومنه قيل للمطر العظيم وابل قال مقاتل والمراد بهذا الأخذ الوبيل الغرق وهذا تخويف لكفار مكة أن ينزل بهم العذاب لتكذيبهم كما نزل بفرعون \r\n قوله تعالى فكيف تتقون إن كفرتم يوما أي عذاب ويوم قال الزجاج المعنى بأي شيء تتحصنون من عذاب يوم من هوله يشيب الصغير من غير كبر وقرأ أبي بن كعب وأبو عمران نجعل الولدان بالنون \r\n قوله تعالى السماء منفطر به قال الفراء السماء تذكر وتؤنث وهي ها هنا في وجه التذكير قال الشاعر ... فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب ... \r\n قال الزجاج وتذكير السماء على ضربين \r\n أحدهما على أن معنى السماء معنى السقف \r\n والثاني على قولهم امرأة مرضع على جهة النسب فالمعنى السماء ذات انفطار كما أن المرضع ذات الرضاع وقال ابن قتيبة ومعنى الآية السماء منشق به أي فيه يعني في ذلك اليوم ","part":8,"page":394},{"id":3889,"text":" قوله تعالى كان وعده مفعولا وذلك أنه وعد بالبعث فهو كائن لا محالة \r\n إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم \r\n إن هذه يعني آيات القرآن تذكرة أي تذكير وموعظة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة \r\n قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى أي أقل من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة بفتح الفاء والثاء والباقون بكسرهما \r\n قوله تعالى وطائفة من الذين معك يعني المؤمنين والله يقدر الليل والنهار يعلم مقاديرهما فيعلم القدر الذي تقومون به من الليل علم أن لن تحصوه وفيه قولان \r\n أحدهما لن تطيقوا قيام ثلثي الليل ولا ثلث الليل ولا نصف الليل قاله مقاتل ","part":8,"page":395},{"id":3890,"text":" والثاني لن تحفظوا مواقيت الليل قاله الفراء فتاب عليكم أي عاد عليكم بالمغفرة والتخفيف فاقرؤوا ما تيسر عليكم من القرآن يعني في الصلاة من غير أن يوقت وقتا وقال الحسن هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء ثم ذكر أعذارهم فقال تعالى علم أن سيكون منكم مرضى فلا يطيقون قيام الليل وآخرون يضربون في الأرض وهم المسافرون للتجارة يبتغون من فضل الله أي من رزقه فلا يطيقون قيام الليل وآخرون يقاتلون في سبيل الله وهم المجاهدون فلا يطيقون قيام الليل وفاقرؤوا ما تيسر من القرآن وذكروا أن هذا نسخ عن المسلمين بالصلوات الخمس فذلك قوله تعالى وأقيموا الصلاة أي الصلوات الخمس في أوقاتها وأقرضوا الله قرضا حسنا وقد سبق بيانه الحديد 18 قال ابن عباس يريد سوى الزكاة في صلة الرحم وقرى الضيف وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله أي تجدوا ثوابه في الآخرة هو خيرا قال أبو عبيدة المعنى تجدوه خيرا قال الزجاج ودخلت هو فصلا وقال المفسرون ومعنى خيرا أي ","part":8,"page":396},{"id":3891,"text":" أفضل مما أعطيتم وأعظم أجرا من الذي تؤخرونه إلى وقت الوصية عند الموت ","part":8,"page":397},{"id":3892,"text":" سورة المدثر \r\n وهي مكية بإجماعهم \r\n وقال مقاتل فيها من المدني آية وهي قوله تعالى وما جعلنا عدتهم إلا فتنة المدثر 31 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدرك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من ","part":8,"page":398},{"id":3893,"text":" يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر \r\n فأما سبب نزولها فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو في الهواء يعني جبريل عليه السلام فأقبلت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر قال المفسرون فلما رأى جبريل وقع مغشيا عليه فلما أفاق دخل إلى خديجة ودعا بماء فصبه عليه وقال دثروني فدثروه بقطيفة فأتاه جبريل فقال يا أيها المدثر وقرأ أبي بن كعب وابو عمران والأعمش المتدثر بإظهار التاء وقرأ أبو رجاء وعكرمة وابن يعمر المدثر بحذف التاء وتخفيف الدال قال اللغويون وأصل المدثر المتدثر فأدغمت التاء كما ذكرنا في المتزمل وهذا في قول الجمهور من التدثير بالثياب وقيل المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قال عكرمة دثرت هذا الأمر فقم به ","part":8,"page":399},{"id":3894,"text":" قوله تعالى قم فأنذر كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا وربك فكبر أي عظمه عما يقول عبدة الأوثان وثيابك فطهر فيه ثمانية أقوال \r\n أحدها لا تلبسها على معصية ولا على غدر قال غيلان بن سلمة الثقفي ... وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع ... \r\n روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس \r\n والثاني لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث طهر نفسك من الذنب قاله مجاهد وقتادة ويشهد له قول عنترة ... فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم ... \r\n أي نفسه وهذا مذهب ابن قتيبة قال المعنى طهر نفسك من الذنوب فكنى عن الجسم بالثياب لأنها تشتمل عليه قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا ... رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا ... \r\n أي ركبوها فرموها بأنفسهم والعرب تقول للعفاف إزار لأن العفيف كأنه استتر لما عف ","part":8,"page":400},{"id":3895,"text":" والرابع وعملك فأصلح قاله الضحاك \r\n والخامس خلقك فحسن قاله الحسن والقرظي \r\n والسادس وثيابك فقصر وشمر قاله طاووس \r\n والسابع قلبك فطهر قاله سعيد بن جبير ويشهد له قول امرئ القيس ... فإن يك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ... \r\n أي قلبي من قلبك \r\n والثامن اغسل ثيابك بالماء ونقها قاله ابن سيرين وابن زيد \r\n قوله تعالى والرجز فاهجر قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم إلا أبا بكر ويعقوب وابن محصين وابن السميفع والرجز بضم الراء والبقاون بكسرها ولم يختلفوا في غير هذا الموضع قال الزجاج ومعنى القراءتين واحد وقال أبو علي قراءة الحسن بالضم وقال هو اسم صنم وقال قتادة صنمان إساف ونائلة ومن كسر فالوجز العذاب فالمعنى ذو العذاب فاهجر \r\n وفي معنى الرجز للمفسرين ستة أقوال \r\n أحدها أنه الأصنام والأوثان قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والزهري والسدي وابن زيد ","part":8,"page":401},{"id":3896,"text":" والثاني أنه الإثم روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث الشرك قاله ابن جبير والضحاك \r\n والرابع الذنب قاله الحسن \r\n والخامس العذاب قاله ابن السائب قال الزجاج الرجز في اللغة العذاب ومعنى الآية اهجر ما يؤدي إلى عذاب الله \r\n والسادس الشيطان قاله ابن كيسان ولا تمنن تستكثر فيه أربعة أقوال \r\n أحدها لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة قال المفسرون معناه أعط لربك وأرد به الله فأدبه بأشرف الآداب ومعنى لا تمنن لا تعط شيئا من مالك لتعطى أكثر منه وهذا الأدب للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة وليس على أحد من أمته إثم أن يهدي هدية يرجو بها ثوابا أكثر منها \r\n والثاني لا تمنن بعملك تستكثره على ربك قاله الحسن \r\n والثالث لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه قاله مجاهد \r\n والرابع لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا قاله ابن زيد ","part":8,"page":402},{"id":3897,"text":" ولربك فيه أربعة أقوال \r\n أحدها لأجل ربك والثاني لثواب ربك والثالث لأمر ربك والرابع لوعد ربك فاصبر فيه قولان \r\n أحدهما على طاعته وفرائضه والثاني على الأذى والتكذيب \r\n قوله تعالى فإذا نقر في الناقور أي نفخ في الصور وهل هذه النفخة هي الأولى أو الثانية فيه قولان فذلك يومئذ يوم عسير أي يعسر الأمر فيه على الكافرين غير يسير غير هين ذرني قد شرحناه في المزمل 11 ومن خلقت أي ومن خلقته وحيدا فيه قولان \r\n أحدهما خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد قاله مجاهد \r\n والثاني خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد قاله الزجاج قال ابن عباس جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله فقال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني فوالله ما يشبهها الذي يقول والله إن لقوله حلاوة وإن عليه طلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلوا ولا يعلى قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال فدعني حتى أفكر فيه فقال هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ذرني ومن خلقت وحيدا الآيات كلها وقال مجاهد قال الوليد لقريش إن لي إليكم ","part":8,"page":403},{"id":3898,"text":" حاجة فاجتمعوا في دار الندوة فقال إنكم ذوو أحساب وأحلام وإن العرب يأتونكم وينطلقون من عندكم على أمر مختلف فأجمعوا على شيء واحد ما تقولون في هذا الرجل قالوا نقول إنه شاعر فعبس عندها وقال قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر فقالوا نقول إنه كاهن قال إذن يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة قالوا نقول إنه مجنون قال إذن يأتونه فلا يجدونه مجنونا فقالوا نقول إنه ساحر قال وما الساحر قالوا بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين قال فهو ساحر فخرجوا لا يلقى أحد منهم النبي إلا قال يا ساحر فاشتد ذلك عليه فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر إلى قوله تعالى إن هذا إلا سحر يؤثر وذكر بعض المفسرين أن قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا منسوخ بآية السيف ولا يصح \r\n قوله تعالى وجعلت له مالا ممدودا في معنى الممدود ثلاثة أقوال \r\n أحدها كثيرا قاله أبو عبيدة والثاني دائما قاله ابن قتيبة والثالث غير منقطع قاله الزجاج \r\n وللمفسرين في مقداره أربعة أقوال \r\n أحدها غلة شهر بشهر قاله عمر بن الخطاب \r\n والثاني ألف دينار قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير قال الفراء ","part":8,"page":404},{"id":3899,"text":" نرى أن الممدود جعل غاية للعدد لأن ألف غاية للعدد يرجع في أول العدد من الألف \r\n والثالث أربعة آلاف قاله قتادة \r\n والرابع أنه بستان كان له بالطائف لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا قاله قاتل \r\n قوله تعالى وبنين شهودا أي حضروا معه لا يحتاجون إلى التصرف والسفر فيغيبوا عنه وفي عددهم أربعة أقوال \r\n أحدها عشرة قاله مجاهد وقتادة والثاني ثلاثة عشر قاله ابن جبير والثالث اثنا عشر قاله السدي والرابع سبعة قاله مقاتل ومهدت له تمهيدا أي بسطت له العيش وطول العمر ثم يطمع أن أزيد فيه قولان أحدهما يطمع أن أدخله الجنة قاله الحسن والثاني أن أزيده من المال والولد قاله مقاتل \r\n قوله تعالى كلا أي لا أفعل فمنعه الله المال والولد حتى مات فقيرا إنه كان لآياتنا عنيدا أي معاندا \r\n وفي المراد بالآيات هنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه القرآن قاله ابن جبير والثاني الحق قاله مجاهد والثالث رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله السدي \r\n وقوله تعالى سأرهقه صعودا قال الزجاج سأحمله على مشقة من العذاب وقال غيره سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها وقال ابن قتيبة الصعود ","part":8,"page":405},{"id":3900,"text":" العقبة الشاقة وكذلك الكؤود وفي حديث أبي سعيد عن نبي الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى سأرهقه صعودا قال جبل من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع رجله عليها ذابت فإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا وذكر ابن السائب أنه جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه سلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين سنة \r\n قوله تعالى إنه فكر أي تفكر ماذا يقول في القرآن وقدر القول في نفسه فقتل أي لعن كيف قدر ثم قتل كيف قدر أي لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام وقيل كيف ها هنا بمعنى التعجب والإنكار والتوبيخ وإنما كرر تأكيدا ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن ويرده ثم عبس وبسر قال اللغويون أي كره وجهه وقطب يقال بسر الرجل وجهه أي قبضه وأنشدوا لتوبة ","part":8,"page":406},{"id":3901,"text":" وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها ... \r\n قال المفسرون كره وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم المتفكر في الشيء ثم أدبر عن الإيمان واستكبر أي تكبر حين دعي إليه فقال إن هذا أي ما هذا القرآن إلا سحر يؤثر أي يروى عن السحرة إن هذا إلا قول البشر أي من كلام الإنس وليس من كلام الله تعالى فقال الله تعالى سأصليه سقر أي سأدخله النار وقد ذكر سقر في سورة القمر 48 وما أدراك ما سقر لعظم شأنها لا تبقي ولا تذر أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا لواحة أي مغيرة يقال لاحته الشمس أي غيرته وأنشدوا ... يا ابنة عمي لاحني الهواجر ... \r\n ابن مسعود وابن السميفع وابن أبي عبلة لواحة بالنصب وفي البشر قولان \r\n أحدهما أنه جمع بشرة وهي جلدة الإنسان الظاهرة وهذا قول مجاهد والفراء والزجاج \r\n والثاني أنهم الإنس من أهل النار قاله الأخفش وابن قتيبة في آخرين \r\n قوله تعالى عليها تسعة عشر وهم خزانها مالك ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين ","part":8,"page":407},{"id":3902,"text":" منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر قد نزعت منهم الرحمة فلما نزلت هذه الآية قال أبو جهل يخوفكم محمد بتسعة عشر أما له من الجنود إلا هؤلاء أيعجز كل عشرة منكم أن يبطش بواحد منهم ثم يخرجون من النار فقال أبو الأشدين قال مقاتل اسمه أسيد بن كلدة وقال غيره كلدة بن خلف الجمحي يا معشر قريش أنا أمشي بين أيديكم فأرفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر فندخل الجنة فأنزل الله تعالى وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة لا أدميين فمن يطيقهم ومن يغلبهم وما جعلنا عدتهم في هذه القلة إلا فتنة أي ضلالة للذين كفروا حتى قالوا ما قالوا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ما جاء به محمد حق لأن عدتهم في التوارة تسعة عشر ويزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب إيمانا أي تصديقا بمحمد صلى الله عليه و سلم إذ وجدوا ما يخبرهم موافقا لما في كتابهم ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون أي ولا يشك هؤلاء في عدد الخزنة وليقول الذين في قلوبهم مرض وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه النفاق ذكره الأكثرون \r\n والثاني أنه الشك قاله مقاتل وزعم أنهم يهود أهل المدينة وعنده أن هذه الآية مدنية ","part":8,"page":408},{"id":3903,"text":" والثالث أنه الخلاف قاله الحسين بن الفضل وقال لم يكن بمكة نفاق وهذه مكية فأما الكافرون فهم مشركو العرب ماذا أراد الله أي أي شيء أراد الله بهذا الحديث والخبر مثلا والمثل يكون بمعنى الحديث نفسه ومعنى الكلام يقولون ما هذا من الحديث كذلك أي كما أضل من انكر عدد الخزنة وهدى من صدق يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وأنزل في قول ابي جهل أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر وما يعلم جنود ربك إلا هو يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار وذلك أن لكل واحد من هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه إلا الله وذكر الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا فقال التسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل وأقل الكثير لأن الآحاد أقل الأعداد وأكثرها تسعة وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير وأكثر القليل ثم رجع إلى ذكر النار فقال تعالى وما هي إلا ذكرى أي ما النار في الدنيا إلا مذكرة لنار الآخرة كلا أي حقا والقمر والليل إذ أدبر قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم إذا أدبر وقرأ نافع وحمزة وحفص والفضل عن عاصم ويعقوب إذ بسكون الذال من غير ألف بعدها أدبر بسكون الدال وبهمزة قبلها وهل عنى القراءتين واحد أم لا فيه قولان \r\n أحدهما أنهما لغتان بمعنى واحد يقال دبر الليل وأدبر ودبر الصيف وأدبر هذا قول الفراء والأخفش وثعلب ","part":8,"page":409},{"id":3904,"text":" والثاني أن دبر بمعنى خلف وأدبر بمعنى ولى يقال دبرني فلان جاء خلفي وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة \r\n قوله تعالى إذا أسفر أي أضاء وتبين إنها يعني سقر لإحدى الكبر قال ابن قتيبة الكبر جمع كبرى مثل الأول والأولى والصغر والصغرى وهذا كما يقال إنها لإحدى العظائم قال الحسن والله ما أنذر الله بشيء أوهى منها \r\n وقال ابن السائب ومقاتل أراد بالكبر دركات جهنم السبعة \r\n قوله تعالى نذيرا للبشر قال الزجاج نصب نذيرا على الحال والمعنى إنها لكبيرة في حالة الإنذار وذكر النذير لأن معناه معنى العذاب ويجوز أن يكون نذيرا منصوبا متعلقا بأول السورة على معنى قم نذيرا للبشر \r\n قوله تعالى لمن شاء منكم بدل من قوله تعالى للبشر أن يتقدم أو يتأخر فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عن معصيته قاله ابن جريج \r\n والثاني أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة قاله السدي \r\n والثالث أن يتقدم في الخير أو يتأخر إلى الشر قاله يحيى بن سلام \r\n والرابع أن يتقدم في الإيمان أو يتأخر عنه والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل أحد ممن أقر أو كفر ","part":8,"page":410},{"id":3905,"text":" كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتنا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة \r\n قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها كل نفس بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين وهم أطفال المسلمين فإنه لا حساب عليهم لأنه لا ذنوب لهم قاله علي واختاره الفراء \r\n والثاني كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنون فإنهم في الجنة قاله الضحاك \r\n والثالث كل نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين فإنهم لا يحاسبون قاله ابن جريج \r\n قوله تعالى يتساءلون عن المجرمين قال مقاتل إذا خرج أهل التوحيد من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار ما سلككم في سقر قال المفسرون سلككم بمعنى أدخلكم وقال مقاتل ما حبسكم فيها قالوا لم نك من المصلين لله في دار الدنيا ولم نك نطعم المسكين أي لم نتصدق لله وكنا نخوض مع الخائضين أهل الباطل والتكذيب وكنا نكذب بيوم الدين أي بيوم الجزاء والحساب حتى أتانا اليقين وهو الموت يقول الله تعالى فما تننعهم ","part":8,"page":411},{"id":3906,"text":" شفاعة الشافعين وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء والمؤمنين وهذا يدل على نفع الشفاعة لمن آمن فما لهم عن التذكرة معرضين يعني كفار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه والمعنى لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به ثم شبههم في نفورهم عنه بالحمر فقال تعالى كأنهم حمر مستنفرة قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل عن عاصم بفتح الفاء والباقون بكسرها قال أبو عبيدة وابن قتيبة من قرأ بفتح الفاء أراد مذعورة استنفرت فنفرت ومن قرأ بكسر الفاء أراد نافرة قال الفراء أهل الحجاز يقولون حمر مستنفرة وناس من العرب يكسرون الفاء والفتح أكثر في كلام العرب وقراءتنا بالكسر أنشدني الكسائي ... احبس حمارك إنه مستنفر ... في إثر أحمرة عمدن لغرب ... \r\n وغرب موضع \r\n وفي القسورة سبعة أقوال \r\n أحدها أنه الأسد رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس وبه قال أبو هريرة وزيد بن أسلم وابنه قال ابن عباس الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه و سلم هربوا منه ","part":8,"page":412},{"id":3907,"text":" وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والزجاج قال ابن قتيبة كأنه من القسر والقهر فالأسد يقهر السباع \r\n والثاني أن القسورة الرماة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال أبو موسى الأشعري ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل وابن كيسان \r\n والثالث أن القسروة حبال الصيادين رواه عكرمة عن ابن عباس \r\n والرابع أنهم عصب الرجال رواه أبو همزة عن ابن عباس واسم ابي حمزة نصر بن عمران الضبعي \r\n والخامس أنه ركز الناس وهذا في رواية عطاء أيضا عن ابن عباس وركز الناس حسهم وأصواتهم \r\n والسادس أنه الظلمة والليل قاله عكرمة \r\n والسابع أنه النبل قاله قتادة \r\n قوله تعالى يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم إن سرك أن نتبعك فليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان بن فلان يؤمر فيه باتباعك قاله الجمهور \r\n والثاني أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذبوا بها قاله أبو صالح \r\n والثالث أنهم قالوا كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا أصبح في رقعة فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت هذه الآية قاله الفراء فقال الله تعالى كلا أي لا يؤتون الصحف بل لا يخافون الآخرة أي لا يخشون عذابها والمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات بعد قيام ","part":8,"page":413},{"id":3908,"text":" الدلالة كلا أي حقا وقيل معنى كلا ليس الأمر كما يريدون ويقولون إنه تذكرة أي تذكير وموعظة فمن شاء ذكره الهاء عائدة على القرآن فالمعنى فمن شاء أن يذكر القرآن ويتعظ به ويفهمه ذكره ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال تعالى وما يذكرون إلا أن يشاء الله أي إلا أن يريد لهم الهدى هو أهل التقوى أي أهل أن يتقى وأهل المغفرة أي أهل أن يغفر لمن تاب روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه تلا هذه الآية فقال قال ربكم عز و جل أنا أهل أن أتقى فلا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له ","part":8,"page":414},{"id":3909,"text":" سورة القيامة \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n لا أقسم بيوم القيمة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنساني يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره \r\n قوله تعالى لا أقسم اتفقوا على أن المعنى أقسم واختلفوا في لا فجعلها بعضهم زائدة كقوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب الحديد 29 وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث ويدل عليه أنه أقسم على كون البعث قال ابن قتيبة زيدت لا على نية الرد على المكذبين كما تقول لا والله ما ذاك ولو حذفت جاز ولكنه أبلغ في الرد وقرأ ابن كثير إلا ابن فليح لأقسم بغير ألف بعد اللام فجعلت لاما دخلت على أقسم وهي قراءة ابن عباس وأبي عبد الرحمن والحسن ومجاهد وعكرمة ","part":8,"page":415},{"id":3910,"text":" وابن محيصن قال الزجاج من قرأ لأقسم فاللام لام القسم والتوكيد وهذه القراءة بعيدة في العربية لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون تقول لأضربن زيدا ولا يجوز لأضرب زيدا \r\n قوله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة قال الحسن أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية وقال قتادة حكمها حكم الأولى \r\n وفي النفس اللوامة ثلاثة اقوال \r\n أحدها أنها المذمومة قاله ابن عباس فعلى هذا هي التي تلوم نفسها حين لا ينفعها اللوم \r\n والثاني أنها النفس المؤمنة قاله الحسن قال لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال \r\n والثالث أنها جميع النفوس قال الفراء ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قال هلا زدت وإن كانت عملت سوءا قال ليتني لم أفعل \r\n قوله تعالى أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه المراد بالإنسان ها هنا الكافر وقال ابن عباس يريد أبا جهل وقال مقاتل عدي بن ربيعة وذلك أنه قال أيجمع الله هذه العظام فقال النبي صلى الله عليه و سلم له نعم فاستهزأ ","part":8,"page":416},{"id":3911,"text":" منه فنزلت هذه الآية قال ابن الأنباري وجواب القسم محذوف كأنه لتبعثن لتحاسبن فدل قوله تعالى أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه على الجواب فحذف \r\n قوله تعالى بلى وقف حسن ثم يبتدأ قادرين على معنى بلى نجمعها قادرين ويصلح نصب قادرين على التكرير بل فليحسبنا قادرين على أن نسوي بنانه وفيه قولان \r\n أحدهما أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحد كخف البعير وحافر الحمار فيعدم الاتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة هذا قول الجمهور ","part":8,"page":417},{"id":3912,"text":" والثاني نقدر على أن نسوي بنانه كما كانت وإن صغرت عظامها ومن قدر على جمع صغار العظام كان على جمع كبارها أقدر هذا قول ابن قتيبة والزجاج وقد بينا معنى البنان في الأنفال 12 \r\n قوله تعالى بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فيه قولان \r\n أحدهما يكذب بما أمامه من البعث والحساب قاله ابن عباس \r\n والثاني يقدم الذنب ويؤخر التوبة ويقول سوف أتوب قاله سعيد بن جبير فعلى هذا يكون المراد بالإنسان المسلم وعلى الأول الكافر \r\n قوله تعالى يسأل أيان يوم القيامة أي متى هو تكذيبا به وهذا هو الكافر فإذا برق البصر قرأ أهل المدينة وأبان عن عاصم برق بفتح الراء والباقون بكسرها قال الفراء العرب تقول برق البصر يبرق وبرق يبرق إذا رأى هولا يفزع منه وبرق أكثر وأجود قال الشاعر ... فنفسك فانع ولا تنعنى ... وداو الكلوم ولا تبرق ","part":8,"page":418},{"id":3913,"text":" بالفتح يقول لا تفزع من هول الجراح التي بك قال المفسرون يشخص بصر الكافر يوم القيامة فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا وقال مجاهد برق البصر عند الموت \r\n قوله تعالى وخسف القمر قال أبو عبيدة كسف وخسف بمعنى واحد أي ذهب ضوؤه \r\n قوله تعالى وجمع الشمس والقمر إنما قال جمع لتذكير القمر هذا قول أبي عبيدة وقال الفراء إنما لم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما وفي معنى الآية قولان \r\n أحدهما جمع بين ذاتيهما وقال ابن مسعود جمعا كالبعيرين القرينين وقال عطاء بن يسار يجمعان ثم يقذفان في البحر وقيل يقذفان في النار وقيل يجمعان فيطلعان من المغرب \r\n والثاني جمع بينهما في ذهاب نورهما قاله الفراء والزجاج \r\n قوله تعالى يقول الإنسان يعني المكذب بيوم القيامة أين المفر قرأ الجمهور بفتح الميم والفاء وقرأ ابن عباس ومعاوية وأبو رزين وأبو عبد الرحمن والحسن وعكرمة والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة ","part":8,"page":419},{"id":3914,"text":" بكسر الفاء قال الزجاج فمن فتح فالمعنى أين الفرار ومن كسر فالمعنى أين مكان الفرار تقول جلست مجلسا بالفتح يعني جلوسا فإذا قلت مجلسا بالكسر فأنت تريد المكان \r\n قوله تعالى كلا لا وزر قال ابن قتيبة لا ملجأ واصل الوزر الجبل الذي يمتنع فيه إلى ربك يومئذ المستقر أي المنتهى والمرجع \r\n ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر فيه ستة أقوال \r\n أحدها بما قدم قبل موته وما سن من شيء فعمل به بعد موته قاله ابن مسعود وابن عباس \r\n والثاني ينبأ بأول عمله وآخره قاله مجاهد \r\n والثالث بما قدم من الشر وأخر من الخير قاله عكرمة \r\n والرابع بما قدم من فرض وأخر من فرض قاله الضحاك \r\n والخامس بما قدم من معصية وأخر من طاعة \r\n والسادس بما قدم من أمواله وما خلف للورثة قاله زيد بن أسلم \r\n قوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة قال الفراء المعنى بل على الإنسان من نفسه بصيرة أي رقباء يشهدون عليه بعمله وهي الجوارح قال ابن قتيبة فلما كانت جوارحه منه أقامها مقامه وقال أبو عبيدة جاءت الهاء في بصيرة في صفة الذكر كما جاءت في رجل راوية و طاغية وعلامة \r\n قوله تعالى ولو ألقى معاذيره في المعاذير قولان \r\n أحدهما أنه جمع عذر فالمعنى لو اعتذر وجادل عن نفسه فعليه من يكذب عذره وهي الجوارح وهذا قول الأكثرين ","part":8,"page":420},{"id":3915,"text":" والثاني أن المعاذير جمع معذار وهو الستر والمعاذير الستور فالمعنى ولو أرخى ستوره هذا قول الضحاك والسدي والزجاج فيخرج في معنى ألقى قولان \r\n أحدهما قال ومنه فألقوا إليهم القول النحل 36 وهذا على القول الأول \r\n والثاني أرخى وهذا على القول الثاني \r\n لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة \r\n قوله تعالى لا تحرك به لسانك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي ص - يعالج من التنزيل شدة وكان يشتد عليه حفظه وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظه فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعناها لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه إن علينا جمعه وقرآنه قال ابن قتيبة أي ضمه وجمعه في صدرك فإذا قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه أي جمعه قال المفسرون ","part":8,"page":421},{"id":3916,"text":" يعني اقرأ إذا فرغ جبريل من قراءته قال ابن عباس فاتبع قرآنه أي اعمل به وقال قتادة فاتبع حلاله وحرامه ثم إن علينا بيانه فيه أربعة أقوال \r\n أحدها نبينه بلسانك فتقرؤه كما أقرأك جبريل وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله قاله ابن عباس \r\n والثاني إن علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد قاله الحسن \r\n والثالث إن علينا بيان ما فيه من الأحكام والحلال والحرام قاله قتادة \r\n والرابع علينا أن ننزله قرآنا عربيا فيه بيان للناس قاله الزجاج \r\n قوله تعالى كلا قال عطاء أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه وقال ابن جرير المعنى ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون ولكن دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم للعاجلة \r\n قوله تعالى بل تحبون العاجلة قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل يحبون العاجلة ويذرون بالياء فيهما وقرأ الباقون بالتاء فيهما والمراد كفار مكة يحبونها ويعملون لها ويذرون الآخرة أي يتركون العمل لها إيثارا للدنيا عليها \r\n قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة أي مشرقة بالنعيم إلي ربها ناظرة روى عطاء عن ابن عباس قال إلى الله ناظرة قال الحسن حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق وهذا مذهب عكرمة ورؤية الله عز و جل ","part":8,"page":422},{"id":3917,"text":" حق لا شك فيها والأحاديث فيها صحاح قد ذكرت جملة منها في المغنى والحدائق \r\n قوله تعالى ووجوه يومئذ باسرة قال ابن قتيبة أي عابسة مقطبة \r\n قوله تعالى تظن قال الفراء أي تعلم والفاقرة الداهية قال ابن قتيبة إنه من فقارة الظهر كأنها تكسره يقال فقرت الرجل إذا كسرت فقاره كما يقال رأسته إذا ضربت رأسه وبطنته إذا ضربت بطنه قال ابن زيد والفاقرة دخول النار قال ابن السائب هي أن تحجب عن ربها فلا تنظر إليه \r\n كلا إذ بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى الم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى \r\n قوله تعالى كلا قال الزجاج كلا ردع وتنبيه المعنى ارتدعوا ","part":8,"page":423},{"id":3918,"text":" عما يؤدي إلى العذاب وقال غيره معنى كلا لا يؤمن الكافر بهذا \r\n قوله تعالى إذا بلغت يعني النفس وهذه كناية عن غير مذكور والتراقي العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال وواحدة التراقي ترقوة ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت وقيل من راق فيه قولان \r\n أحدهما أنه قول الملائكة بعضهم لبعض من يرقى روحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس وبه قال أبو العالية ومقاتل \r\n والثاني أنه قول أهله هل من راق يرقيه بالرقى وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال عكرمة والضحاك وابو قلابة وقتادة وابن زيد وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج \r\n قوله تعالى وظن أي ايقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق للدنيا والتفت الساق بالساق فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أمر الدنيا بأمر الآخرة رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال مقاتل \r\n والثاني اجتمع فيه الحياة والموت قاله الحسن وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث التفت ساقاه في الكفن قاله سعيد بن المسيب \r\n والرابع التفت ساقاه عند الموت قاله الشعبي ","part":8,"page":424},{"id":3919,"text":" والخامس الشدة بالشدة قاله قتادة قال الزجاج آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة \r\n قوله تعالى إلى ربك يومئذ المساق أي إلى الله المنتهى فلا صدق ولا صلى قال أبو عبيدة لا ها هنا في موضع لم قال المفسرون هو أبو جهل ولكن كذب وتولى عن الإيمان ثم ذهب إلى أهله يتمطى أي رجع إليهم يتبختر ويختال قال الفراء يتمطى أي يتبختر لأن الظهر هو المطا فيلوي ظهره متبخترا وقال ابن قتيبة أصله يتمطط فقلبت الطاء فيه ياء كما قيل يتظنى واصله يتظنن ومنه المشية المطيطاء واصل الطاء في هذا كله دال إنما هو مد يده في المشي إذا تبختر يقال مططت ومددت بمعنى \r\n قوله تعالى أولى لك فأولى قال ابن قتيبة هو تهديد ووعيد وقال الزجاج العرب تقول أولى لفلان إذا دعت عليه بالمكروه ومعناه وليك المكروه يا أبا جهل \r\n قوله تعالى أيحسب الإنسان يعني أبا جهل أن يترك سدى قال ابن قتيبة أي يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب يقال أسديت الشيء أي أهملته ثم دل على البعث بقوله تعالى ألم يك نطفة من مني يمنى قرأ أبن كثير ونافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم تمنى بالتاء وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب يمنى بالياء وعن ","part":8,"page":425},{"id":3920,"text":" أبو عمرو كالقراءتين وقد شرحنا هذا في النجم 24 ثم كان علقة بعد النطفة فخلق فيه الروح وسوى خلقه فجعل منه أي خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا اليس ذلك الذي فعل هذا بقادر وقرأ أبو بكر الصديق وأبو رجاء وعاصم الجحدري يقدر على أن يحيي الموتى وهذا تقرير لهم أي إن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة قال ابن عباس إذا قرأ أحدكم هذه الآية فليقل اللهم بلى ","part":8,"page":426},{"id":3921,"text":" سورة الدهر \r\n سورة هل أتى ويقال لها سورة الإنسان \r\n وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها مدنية كلها قاله الجمهور منهم مجاهد وقتادة \r\n والثاني مكية قاله ابن يسار ومقاتل وحكي عن ابن عباس \r\n والثالث أن فيها مكيا ومدنيا ثم في ذلك قولان \r\n أحدهما أن المكي منها آية وهو قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا وباقيها جميعه مدني قاله الحسن وعكرمة \r\n والثاني أن أولها مدني إلى قوله تعالى إنا نحن نزلنا عليك القرآن الإنسان 24 ومن هذه الآية إلى آخرها مكي حكاه الماوردي \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا \r\n قوله تعالى هل أتى قال الفراء معناه قد أتى وهل تكون خبرا وتكون جحدا فهذا من الخبر لأنك تقول هل وعظتك هل ","part":8,"page":427},{"id":3922,"text":" أعطيتك فتقرره بأنك قد فعلت ذلك والجحد أن تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا وهذا قول المفسرين وأهل اللغة وفي هذا الإنسان قولان \r\n أحدهما أنه آدم عليه السلام والحين الذي أتى عليه أربعون سنة وكان مصورا من طين لم ينفخ فيه الروح هذا قول الجمهور \r\n والثاني أنه جميع الناس روي عن ابن عباس وابن جريج فعلى هذا يكون الإنسان اسم جنس ويكون الحين زمان كونه نطفة وعلقة ومضغة \r\n قوله تعالى لم يكن شيئا مذكورا المعنى أنه كان شيئا غير أنه لم يكن مذكورا \r\n قوله تعالى إنا خلقنا الإنسان يعني ولد آدم من نطفة أمشاج قال ابن قتيبة أي أخلاط يقال مشجته فهو مشيج يريد اختلاط ماء المرأة بماء الرجل \r\n قوله تعالى نبتليه قال الفراء هذا مقدم ومعناه التأخير لأن المعنى خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه قال الزجاج المعنى جعلناه كذلك لنختبره وقوله تعالى إنا هديناه السبيل أي بينا له سبيل الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسول إما شاكرا أي خلقناه إما شاكرا وإما كفورا قال ","part":8,"page":428},{"id":3923,"text":" الفراء بينا له الطريق إن شكر أو كفر \r\n إنا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقهم الله شر ذلك اليوم ولقهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الآرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة قدورها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا ","part":8,"page":429},{"id":3924,"text":" أمثالهم تبديلا إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما \r\n قوله تعالى إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة سلاسل بغير تنوين ووقفوا بألف ووقف أبو عمرو بألف قال مكي بن أبي طالب النحوي سلاسل و قوارير أصله ان لا ينصرف ومن صرفه من القراء فإنها لغة لبعض العرب وقيل إنما صرفه لأنه وقع في المصحف بالألف فصرفه لاتباع خط المصحف قال مقاتل السلاسل في أعناقهم والأغلال في أيديهم وقد شرحنا معنى السعير في النساء 10 \r\n قوله تعالى إن الأبرار واحدهم بر وبار وهم الصادقون وقيل المطيعون وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر يشربون من كأس أي من إناء فيه شراب كان مزاجها يعني مزاج الكأس كافورا وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الكافور المعروف قاله مجاهد ومقاتل فعلى هذا في المراد بالكافور ثلاثة أقوال أحدها برده قاله الحسن والثاني ريحه قاله قتادة والثالث طعمه قاله السدي \r\n والثاني أنه اسم عين في الجنة قاله عطاء وابن السائب \r\n والثالث أن المعنى مزاجها كالكافور لطيب ريحه أجازه الفراء والزجاج \r\n قوله تعالى عينا قال الفراء هي المفسرة للكافور وقال الأخفش هي منصوبة على معنى أعني عينا وقال الزجاج الأجود أن يكون المعنى من عين يشرب بها فيه ثلاثة أقوال ","part":8,"page":430},{"id":3925,"text":" أحدها يشرب منها والثاني يشربها والباء صلة والثالث يشرب بها عباد الله الخمر يمزجونها بها وفي هذه العين قولان \r\n أحدهما أنها الكافور الذي سبق ذكره \r\n والثاني التسنيم و عباد الله ها هنا أولياؤه يفجرونها تفجيرا قال مجاهد يقودونها إلى حيث شاؤوا من الجنة قال الفراء حيث ما أحب الرجل من أهل الجنة فجرها لنفسه \r\n قوله تعالى يوفون بالنذر قال الفراء فيه إضمار كانوا يوفون بالنذر وفيه قولان \r\n أحدهما يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله قاله مجاهد وعكرمة \r\n والثاني يوفون بما فرض الله عليهم قاله قتادة ومعنى النذر في اللغة الإيجاب فالمعنى يوفون بالواجب عليهم ويخافون يوما كان شره مستطيرا قال ابن عباس فاشيا وقال ابن قتيبة فاشيا منتشرا يقال استطار الحريق إذا انتشر واستطار الفجر إذا انتشر الضوء وانشدوا للأعشى ... فبانت وقد أسأرت في الفؤا ... د صدعا على نأيها مستطيرا ","part":8,"page":431},{"id":3926,"text":" وقال مقاتل كان شره فاشيا في السموات فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة وكورت الشمس والقمر في الأرض ونسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شيء على وجه الأرض من جبل وبناء وفشا شر يوم القيامة فيها \r\n قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه اختلفوا فيمن نزلت على قولين \r\n أحدهما نزلت في علي بن أبي طالب آجر نفسه ليسقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى اصبح فلما قبض الشعير طحن ثلثه واصلحوا منه شيئا يأكلونه فلما استوى أتى مسكين فأخرجوه إليه ثم عمل الثلث الثاني فلما تم أتى يتيم فأطعموه ثم عمل الثلث الباقي فلما استوى جاء أسير من المشركين فأطعموه وطووا يومهم ذلك فنزلت هذه الآيات رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري صام يوما فلما أراد أن يفطر جاء مسكين ويتيم وأسير فأطعمهم ثلاثة أرغفة وبقي له ولأهله رغيف واحد فنزلت فيهم هذه الآية قاله مقاتل ","part":8,"page":432},{"id":3927,"text":" وفي هاء الكناية في قوله تعالى على حبه قولان \r\n أحدهما ترجع إلى الطعام فكأنهم كانوا يؤثرون وهم محتاجون إليه وهذا قول ابن عباس ومجاهد والزجاج والجمهور \r\n والثاني ترجع إلى الله تعالى قاله الداراني وقد سبق معنى المسكين واليتيم البقرة 83 وفي السير أربعة أقوال \r\n أحدها أنه المسجون من أهل القبلة قاله عطاء ومجاهد وابن جبير والثاني أنه الأسير المشرك قاله الحسن وقتادة والثالث المرأة قاله ","part":8,"page":433},{"id":3928,"text":" أبو حمزة الثمالي والرابع العبد ذكره الماوردي \r\n فصل \r\n وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تضمنت مدحهم على إطعام الأسير المشرك قال وهذا منسوخ بآية السيف وليس هذا القول لبشيء فإن في إطعام الأسير المشرك ثوابا وهذا محمول على صدقة التطوع فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار ذكره القاضي أبو يعلى \r\n قوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله أي لطلب ثواب الله قال مجاهد وابن جبير أما إنهم ما تكلموا بهذا ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب \r\n قوله تعال لا نريد منكم جزاء أي بالفعل ولا شكورا بالقول إنا نخاف من ربنا يوما أي ما في يوم عبوسا قال ابن قتيبة أي تعبس فيه الوجوه فجعله من صفة اليوم كقوله تعالى في يوم عاصف ابراهيم أراد عاصف الريح فأما القمطرير فروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه الطويل وروى عنه العوفي أنه قال هو الذي يقبض فيه الرجل ما بين عينيه فعلى هذا يكون اليوم موصوفا بما يجري فيه كما قلنا في العبوس لأن اليوم لا يوصف بتقبيض ما بين العينين وقال مجاهد وقتادة ","part":8,"page":434},{"id":3929,"text":" القمطرير الذي يقلص الوجوه ويقبض الحياة وما بين العين من شدته وقال الفراء هو الشديد يقال يوم قمطرير ويوم قماطر وأنشدني بعضهم ... بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر ... \r\n وقال أبو عبيدة العبوس والمقطرير والقماطر والعصيب والعصبصب أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء \r\n قوله تعالى فوقاهم الله شر ذلك اليوم بطاعتهم في الدنيا ولقاهم نضرة أي حسنا وبياضا في الوجوه وسرورا لا انقطاع له وقال الحسن النضرة في الوجوه والسرور في القلوب وجزاهم بما صبروا على طاعته وعن معصيته جنة وحريرا وهو لباس أهل الجنة متكئين فيها قال الزجاج هو منصوب على الحال أي جزاهم جنة في حال اتكائهم فيها وقد شرحنا هذا في الكهف 31 \r\n قوله تعالى لا يرون فيها شمسا فيؤذيهم حرها ولا زمهريرا وهو البرد الشديد والمعنى لا يجدون فيها الحر والبرد وحكي عن ثعلب أنه قال الزمهرير القمر وأنشد ... وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر ... \r\n أي لم يطلع القمر ","part":8,"page":435},{"id":3930,"text":" قوله تعالى ودانية قال الفراء المعنى وجزاهم جنة ودانية عليهم ظلالها أي قريبة منهم ظلال أشجارها وذللت قطوفها تذليلا قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول ما يريد وقال غيره قربت إليهم مذللة كيف شاؤوا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين فهو كقوله تعالى قطوفها دانية الحاقة 23 فأما الأكواب فقد شرحناها في الزخرف 71 كانت قواريرا أي تلك الأكواب هي قوارير ولكنها من فضة قال ابن عباس لو ضربت فضة الدنيا حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها وقوارير الجنة من فضة في صفاء القارورة وقال الفراء وابن قتيبة هذا على التشبيه المعنى كأنها من فضة أي لها بياض كبياض الفضة وصفاء كصفاء القوارير وكان نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم يقرؤون قواريرا قواريرا فيصلونهما جميعا بالتنوين ويقفون عليهما بالألف وكان ابن عامر وحمزة يصلانهما جميعا بغير تنوين ويقفان عليهما بغير ألف وكان ابن كثير يصل الأول بالتنوين ويقف عليه بالألف ويصل الثاني بغير تنوين ويقف بغير ألف وروى حفص عن عاصم أنه كان يقرأ سلاسل و قوارير قوارير يصل الثلاثة بغير تنوين ويقف على الثلاثة بالألف وكان أبو عمرو يقرأ الأول قواريرا فيقف عليه بالألف ويصل بغير تنوين وقال الزجاج الاختيار عند النحويين أن لا يصرف قوارير لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف ومن قرأ قواريرا يصرف الأول علامة رأس آية وترك صرف الثاني لأنه ليس بآخر آية ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ لأن العرب ربما قلبت إعراب ","part":8,"page":436},{"id":3931,"text":" الشيء لتتبع اللفظ اللفظ كما قالوا جحر ضب خرب وإنما الخرب من نعت الجحر \r\n قوله تعالى قدروها تقديرا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو عمران والجحدري وابن يعمر قدروها برفع القاف وكسر الدال وتشديدها وقرأ حميد وعمرو بن دينار قدروها بفتح القاف والدال وتخفيفها \r\n ثم في معنى الآية قولان \r\n أحدهما قدروها في أنفسهم فجاءت على ما قدروا قاله الحسن وقال الزجاج جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على تقديرهم \r\n والثاني قدروها على مقدار لا يزيد ولا ينقص قاله مجاهد وقال غيره قدر الكأس على قدر ريهم لا يزيد عن ريهم فيثقل الكف ولا ينقص منه فيطلب الزيادة وهذا ألذ الشراب فعلى هذا القول يكون الضمير في قدروا للسقاة والخدم وعلى الأول للشاربين \r\n قوله تعالى ويسقون فيها يعني في الجنة كأسا كان مزاجها زنجبيلا والعرب تضرب المثل بالزنجبيل والخمر ممزوجين قال المسيب بن علس يصف فم امرأة ... فكأن طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر ","part":8,"page":437},{"id":3932,"text":" وقال آخر ... كأن القرنفل والزنجبي ... ل باتا بفيها وأريا مشارا ... \r\n العسل والمشار المستخرج من بيوت النحل قال مجاهد والزنجبيل اسم العين التي منها شراب الأبرار وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الزنجبيل معرب وقال الدينوري ينبت في أرياف عمان وهي عروق تسري في الأرض وليس بشجرة تؤكل رطبا وأجود ما يحمل من بلاد الصين قال الزجاج وجائز أن يكون فيها طعم الزنجبيل والكلام فيه كالكلام السابق في الكافور وقيل شراب الجنة عل برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك \r\n قوله تعالى عينا فيها قال الزجاج يسقون عينا وسلسبيل اسم العين إلا أنه صرف لأنه رأس آية وهو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة فكأن العين وصفت وسميت بصفتها وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قوله تعالى تسمى سلسبيلا قيل هو اسم أعجمي نكرة فلذلك انصرف وقيل هو اسم معرفة إلا أنه أجري لأنه رأس آية وعن مجاهد قال حديدة الجرية وقيل سلسبيل سلس ماؤها مستقيد لهم وقال ابن الأنباري السلسبيل صفة للماء لسلسه وسهولة مدخله في الحلق يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وحكى الماوردي أن عليا قال المعنى سل سبيلا إليها ولا يصح ","part":8,"page":438},{"id":3933,"text":" قوله تعالى ويطوف عليهم ولدان مخلدون قد سبق بيانه الواقعة 17 إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا أي في بياض اللؤلؤ وحسنه واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظرا وإنما شبهوا باللؤلؤ المنثور لانتشارهم في الخدمة ولو كانوا صفا لشبهوه بالمنظوم وإذا رأيت ثم يعني الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا كبيرا أي عظيما واسعا لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه ولا يدخل عليهم ملك إلا باستئذان \r\n قوله تعالى عاليهم قرأ أهل المدينة وحمزة والمفضل عن عاصم بإسكان الياء وكسر الهاء وقرأ الباقون بفتح الياء إلا أن الجعفي عن أبي بكر قرأ عاليتهم بزيادة تاء مضمومة وقرأ أنس بن مالك ومجاهد وقتادة عليهم بفتح اللام وإسكان الياء من غير تاء ولا ألف \r\n قال الزجاج فأما تفسير إعراب عاليهم بإسكان الياء فيكون رفعه بالابتداء ويكون الخبر ثياب سندس وأما عاليهم بفتح الياء فنصبه على الحال من شيئين أحدهما من الهاء والميم والمعنى يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليا للأبرار ثياب سندس لأنه وصف احوالهم في الجنة فيكون المعنى يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء ويجوز أن يكون حالا من الولدان المعنى إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب وأما عاليتهم فقد قرئت بالرفع وبالنصب وهما وجهان جيدان في العربية إلا أنهما يخالفان المصحف فلا أرى القراءة بهما وتفسيرها كتفسير عاليهم \r\n قوله تعالى ثياب سندس خضر قرأ ابن عامر وأبو عمرو خضر رفعا وإستبرق خفضا وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم خضر ","part":8,"page":439},{"id":3934,"text":" خفضا وإستبرق رفعا وقرأ نافع وحفص عن عاصم خضر وإستبرق كلاهما بالرفع وقرأ حمزة والكسائي خضر وإستبرق كلاهما بالخفض قال الزجاج من قرأ خضر بالرفع فهو نعت الثياب ولفظ الثياب لفظ الجمع ومن قرأ خضر فهو من نعت السندس والسندس في المعنى راجع إلى الثياب ومن قرأ واستبرق فهو نسق على ثياب المعنى وعليهم إستبرق ومن خفض عطفه على السندس فيكون المعنى عليهم ثياب من هذين النوعين وقد بينا في الكهف 31 معنى السندس والإستبرق والأساور \r\n قوله تعالى وسقاهم ربهم شرابا طهورا فيه قولان \r\n أحدهما لا يحدثون ولا يبولون عن شرب خمر الجنة قاله عطية \r\n والثاني لأن خمر الجنة طاهرة وليست بنجسة كخمر الدنيا قاله الفراء وقال أبو قلابة يؤتون بعد الطعام بالشراب الطهور فيشربون فتضمر بذلك بطونهم ويفيض من جلودهم عرق مثل ريح المسك \r\n قوله تعالى إن هذا يعني ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم وكان سعيكم أي عملكم في الدنيا بطاعته مشكورا قال عطاء يريد شكرتكم عليه وأثبتكم أفضل الثواب إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا أي فصلناه في الإنزال فلم ننزله جملة واحدة فاصبر لحكم ربك وقد سبق بيانه في مواضع الطور 48 والقلم 48 والمفسرون يقولون هذا منسوخ بآية السيف ولا يصح ولا تطع منهم أي من مشركي أهل مكة آثما أو كفورا أو بمعنى الواو كقوله تعالى أو الحوايا الأنعام 146 وقد سبق هذا وللمفسرين في المراد بالآثم والكفور ثلاثة أقوال ","part":8,"page":440},{"id":3935,"text":" أحدها أنهما صفتان لأبي جهل والثاني أن الآثم عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيرة والثالث الآثم الوليد والكفور عتبة وذلك أنهما قالا له ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج واذكر اسم ربك أي اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة يعني الفجر وأصيلا يعني العصر وبعضهم يقول صلاة الظهر والعصر ومن الليل فاسجد له يعني المغرب والعشاء وسبحه ليلا طويلا وهي صلاة الليل كانت فريضة عليه وهي لأمته تطوع إن هؤلاء يعني كفار مكة يحبون العاجلة أي الدار العاجلة وهي الدنيا ويذرون وراءهم أي أمامهم يوما ثقيلا أي عسيرا شديدا والمعنى أنهم يتركون الإيمان به والعمل له ثم ذكر قدرته فقال تعالى نحن خلقناهم وشددنا أسرهم أي خلقهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والفراء وابن قتيبة والزجاج قال ابن قتيبة يقال امرأة حسنة الأسر أي حسنة الخلق كأنها أسرت أي شدت واصل هذا من الإسار وهو القد الذي تشد به الأقتاب يقال ما أحسن ما أسر قتبه أي ما أحسن ما شده بالقد وروي عن أبي هريرة قال مفاصلهم وعن الحسن قال أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وإذا شئنا بدلنا أمثالهم أي إن شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم إن هذه تذكرة قد شرحنا الآية في المزمل 19 \r\n قوله تعالى وما تشاؤون إيجاد السبيل إلا أن يشاء الله ذلك لكم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وما يشاؤون بالياء ","part":8,"page":441},{"id":3936,"text":" قوله تعالى يدخل من يشاء في رحمته قال المفسرون الرحمة ها هنا الجنة والظالمين المشركون قال أبو عبيدة نصب الظالمين بالجوار المعنى ولا يدخل الظالمين في رحمته وقال الزجاج إنما نصب الظالمين لأن قبله منصوبا المعنى يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين ويكون قوله تعالى أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر وقرأ أبو العالية وابو الجوزاء وابن أبي عبلة والظالمون رفعا ","part":8,"page":442},{"id":3937,"text":" سورة المرسلات \r\n مكية كلها في قول الجمهور \r\n وحكي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل أن فيها آية مدنية وهي قوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون المرسلات 48 \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدرك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات واسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالت صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن ","part":8,"page":443},{"id":3938,"text":" لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فيكدون ويل يومئذ للمكذبين إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون \r\n قوله تعالى والمرسلات عرفا فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الرياح يتبع بعضها بعضا رواه أبو العبيدين عن ابن مسعود والعوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة \r\n والثاني أنها الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه رواه مسروق عن ابن مسعود وبه قال أبو هريرة ومقاتل وقال الفراء هي الملائكة \r\n فأما قوله تعالى عرفا فيقال أرسلت بالمعروف ويقال تتابعت كعرف الفرس والعرب تقول يركب الناس إلى فلان عرفا واحدا إذا توجهوا إليه فأكثروا قال ابن قتيبة يريد أن الملائكة متتابعة بما ترسل به وأصله من عرف الفرس لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا ","part":8,"page":444},{"id":3939,"text":" والثالث أنهم الرسل بما يعرفون به من المعجزات وهذا معنى قول أبي صالح ذكره الزجاج \r\n والرابع الملائكة والريح قاله أبو عبيدة قال ومعنى عرفا يتبع بعضها بعضا يقال جاؤوني عرفا وفي العاصفات قولان \r\n أحدهما أنها الرياح الشديدة الهبوب قاله الجمهور \r\n والثاني الملائكة قاله مسلم بن صبيح قال الزجاج تعصف بروح الكافر وفي الناشرات خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الرياح تنشر السحاب قاله ابن مسعود والجمهور \r\n والثاني الملائكة تنشر الكتب قاله أبو صالح \r\n والثالث الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد قاله الضحاك \r\n والرابع البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح قاله الربيع \r\n والخامس المطر ينشر النبات حكاه الماوردي ","part":8,"page":445},{"id":3940,"text":" وفي الفارقات أربعة أقوال \r\n أحدها الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل قاله الأكثرون \r\n والثاني آي القرآن فرقت بين الحلال والحرام قاله الحسن وقتادة وابن كيسان \r\n والثالث الريح تفرق بين السحاب فتبدده قاله مجاهد \r\n والرابع الرسل حكاه الزجاج \r\n فالملقيات ذكرا قولان \r\n أخدهما الملائكة تلقي ما حملت من الوحي إلى الأنبياء وهذا مذهب ابن عباس وقتادة والجمهور \r\n والثاني الرسل يلقون ما أنزل عليهم إلى الأمم قاله قطرب \r\n قوله تعالى عذرا أو نذرا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم عذرا خفيفا أو نذرا مثقلا وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص وخلف عذرا أو نذرا خفيفتان قال الفراء وهو مصدر مثقلا كان أو مخففا ونصبه على معنى أرسلت بما أرسلت به إعذارا من الله وإنذارا وقال الزجاج المعنى فالملقيات عذرا أو نذرا ويجوز أن يكون المعنى فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار وهذه المذكورات مجرورات بالقسم وجواب القسم إنما توعدون لواقع قال المفسرون ","part":8,"page":446},{"id":3941,"text":" إن ما توعدون به من أمر الساعة والبعث والجزاء لواقع أي لكائن ثم ذكر متى يقع فقال تعالى فإذا النجوم طمست أي محي نورها وإذا السماء فرجت أي شقت وإذا الجبال نسفت قال الزجاج أي ذهب بها كلها بسرعة يقال انتسفت الشيء إذا أخذته بسرعة \r\n قوله تعالى وإذا الرسل أقتت قرأ أبو عمر وقتت بواو مع تشديد القاف ووافقه أبو جعفر إلا أنه خفف القاف وقرأ الباقون أقتت بألف مكان الواو مع تشديد القاف قال الزجاج وقتت وأقتت بمعنى واحد فمن قرأ أقتت بالهمز فإنه أبدل الهمزة من الواو لانضمام الواو وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز أن تبدل منها همزة وقال الفراء الواو إذا كانت أول حرف وضمت همزت تقول صلى القوم أحدانا وهذه اجوه حسان ومعنى أقتت جمعت لوقتها يوم القيامة وقال ابن قتيبة جمعت لوقت وهو يوم القيامة وقال الزجاج جعل لها وقت واحد لفصل القضاء بين الأمة \r\n قوله تعالى لأي يوم أجلت أي أخرت وضرب الأجل لجمعهم يعجب العباد من هول ذلك اليوم ثم بينه فقال تعالى ليوم الفصل وهو يوم يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق ثم عظم ذلك اليوم بقوله وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين بالبعث ثم أخبر الله تعالى عما فعل بالأمم المكذبة فقال ألم نهلك الأولين يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم ثم نتبعهم الآخرين والقراء على رفع العين في نتبعهم وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة بإسكان العين قال الفراء نتبعهم مرفوعة ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود وسنتبعهم الآخرين ولو جزمت ","part":8,"page":447},{"id":3942,"text":" على معنى ألم نقدر على إهلاك الأولين وإتباعهم الآخرين كان وجها جيدا وقال الزجاج الجزم عطف على نهلك ويكون المعنى لمن أهلك أولا وآخرا والرفع على معنى ثم نتبع الأول الآخر من كل مجرم وقال مقاتل ثم نتبعهم الآخرين يعني كفار مكة حين كذبوا بالنبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن جرير الأولون قوم نوح وعاد وثمود والآخرون قوم إبراهيم ولوط ومدين \r\n قوله تعالى كذلك أي مثل ذلك نفعل بالمجرمين يعني المكذبين \r\n فإن قيل ما الفائدة في تكرار قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين \r\n فالجواب أنه أراد بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى لأنه كلما ذكر شيئا قال ويل يومئذ للمكذبين بهذا \r\n قوله تعالى ألم نخلقكم قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف وقرأ الباقون بإدغامها \r\n قوله تعالى من ماء مهين أي ضعيف فجعلناه في قرار مكين يعني الرحم إلى قدر معلوم وهو مدة الحمل فقدرنا قرأ أهل المدينة والكسائي فقدرنا بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف وهل بينهما فرق \r\n فيه قولان \r\n أحدهما أنهما لغتنان بمعنى واحد قال الفراء تقول العرب قدر عليه وقدر عليه وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال لو كانت مشددة لقال فنعم المقدرون فأجاب الفراء فقال قد تجمع العرب بين اللغتين كقوله تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا الطارق 17 قال الشاعر ","part":8,"page":448},{"id":3943,"text":" وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا ... \r\n يقول ما أنكرت إلا ما يكون في الناس \r\n والثاني أن المخففة من القدرة والملك والمشددة من التقدير والقضاء ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوجدوه فقال تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا قال اللغويون الكفت في اللغة الضم والمعنى أنها تضم أهلها أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها قال ابن قتيبة يقال اكفت هذا إليك أي ضمه وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة لأنه مقبرة يضم الموتى \r\n وفي قوله تعالى أحياء وأمواتا قولان \r\n أحدهما أن المعنى تكفتهم أحياء وأمواتا قاله الجمهور قال الفراء وانتصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليهم كأنك قلت ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات فإذا نونت نصب تكما يقرأ أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما البلد 14 وقال الأخفش انتصب على الحال \r\n والقول الثاني أن المعنى ألم نجعل الأرض أحياء بالنبات والعمارة وأمواتا بالخراب واليبس هذا قول مجاهد وأبي عبيدة \r\n قوله تعالى وجعلنا فيها رواسي قد سبق بيان شامخات أي عاليات وأسقيناكم قد سبق معنى أسقينا الحجر 22 والجن 16 ومعنى الفرات الفرقان 53 وفاطر 12 والمعنى إن هذه الأشياء اعجب من البعث ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا وهو النار انطلقوا إلى ظل قرأ الجمهور هذه الثانية بكسر اللام على الأمر وقرأ أبي بن كعب ","part":8,"page":449},{"id":3944,"text":" وابي عمران ورويس عن يعقوب بفتح اللام على الخبر بالفعل الماضي قال ابن قتيبة والظل ها هنا ظل من دخان نار جهنم سطع ثم افترق ثلاث فرق وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب فيقال لهم كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب كما يكون أولياء الله في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار لا ظليل أي لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم من لعب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس قال مجاهد تكون شعبة فوق الإنسان وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فتحيط به وقال الضحاك الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين فعلى هذا القول يكون هذا بعد دخول النار \r\n قوله تعالى ولا يغني من اللهب أي لا يدفع عنكم لهب جهنم ثم وصف النار فقال تعالى إنها ترمي بشرر وهو جمع شررة وهو ما يتطاير من النار متفرقا كالقصر قرأ الجمهور بإسكان الصاد على أنه واحد القصور المبنية وهذا المعنى في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس وهو قول الجمهور وقرأ ابن عباس وأبو رزين ومجاهد وأبو الجوزاء كالقصر بفتح الصاد وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل فنرفعه للشتاء فنسميه القصر قال ابن قتيبة من فتح الصاد أراد أصول النخل المقطوعة المقلوعة قال الزجاج أراد أعناق الإبل وقرأ سعد ابن أبي وقاص وعائشة وعكرمة وأبو مجلز وأبو المتوكل وابن يعمر كالقصر بفتح القاف وكسر الصاد وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة والنخعي كالقصر برفع القاف والصاد جميعا وقرأ أبو الدرداء وسعيد بن ","part":8,"page":450},{"id":3945,"text":" جبير كالقصر بكسر القاف وفتح الصاد وقرأ ابو العالية وأبو عمران وأبو نهيك ومعاذ القارئ كالقصر بضم القاف وإسكان الصاد \r\n قوله تعالى كأنه جمالات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جمالات بألف وكسر الجيم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم جمالة على التوحيد وقرأ رويس عن يعقوب جمالات بضم الجيم وقرأ أبو رزين وحميد وابو حيوة جمالة برفع الجيم على التوحيد قال الزجاج من قرأ جمالات بالكسر فهو جمع جمال كما تقول بيوت وبيوتات وهو جمع الجمع فالمعنى كأن الشرارات كالجمالات ومن قرأ جمالات بالضم فهو جمع جمالة ومن قرأ جمالة فهو جمع جمل وجمالة كما قيل حجر وحجارة وذكر وذكارة وقرئت جمالة على ما فسرناه في جمالات بالضم والصفر ها هنا السود يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصفرة إبل صفر وقال الفراء الصفر سود الإبل لا يرى الأسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة فلذلك سمت العرب سود الإبل صفرا كما سموا الظباء أدما لما يعلوها من الظلمة في بياضها \r\n قوله تعالى هذا يوم لا ينطقون قال المفسرون هذا في بعض مواقف القيامة قال عكرمة تكلموا واختصموا ثم ختم على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم فحينئذ لا ينطقون بحجة تنفعهم وقرأ ابو رجاء والقاسم ابن محمد والأعمش وابن أبي عبلة هذا يوم لا ينطقون بنصب الميم \r\n قوله تعالى هذا يوم الفصل أي بين أهل الجنة وأهل النار جمعناكم يعني مكذبي هذه الأمة والأولين من المذكبين الذين كذبوا أنبياءهم ","part":8,"page":451},{"id":3946,"text":" فإن كان لكم كيد فكيدون أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب أي إن قدرتم على حيلة فاحتالوا لأنفسكم ثم ذكر ما للمؤمنين فقال تعالى إن المتقين في ظلال يعني ظلال الشجر وظلال أكنان القصور وعيون الماء وهذا قد تقدم بيانه إلى قوله تعالى كلوا أي ويقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون في الدنيا بطاعة الله ثم قال لكفار مكة كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا إلى منتهى آجالكم إنكم مجرمون أي مشركون بالله \r\n قوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا فيه قولان \r\n أحدهما أنه حين يدعون إلى السجود يوم القيامة رواه العوفي عن ابن عباس \r\n والثاني أنه في الدنيا كانوا إذا قيل لهم اركعوا أي صلوا لا يركعون أي لا يصلون وإلى نحو هذا ذهب مجاهد في آخرين وهو الأصح وقيل نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة فقالوا لا نحني فإنها مسبة علينا فقال لا خير في دين ليس فيه ركوع \r\n قوله تعالى فبأي حديث بعده يؤمنون أي إن لم يصدقوا بهذا القرآن فبأي كتاب بعده يصدقون ولا كتاب بعده تم بعون الله تعالى وتوفيقه الجزء الثامن من كتاب زاد المسير في علم التفسير للإمام ابن الجوزي ويليه 444الجزء التاسع وأوله تفسير سورة النبأ ","part":8,"page":452},{"id":3947,"text":" سورة النبأ \r\n ويقال لها سورة التساؤل \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مأبا لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزآء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزآء من ربك عطاء حسابا رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون ","part":9,"page":3},{"id":3948,"text":" منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ الى ربه مأبا إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا \r\n قوله تعالى عم يتساءلون أصله عن ما فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما كقولهم فيم وبم قال المفسرون لما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل المشركون يتساءلون بينهم فيقولون ما الذي أتى به ويتجادلون ويختصمون فيما بعث به فنزلت هذه الآية واللفظ لفظ استفهام والمعنى تفخيم القصة كما يقولون أي شيء زيد إذا أردت تعظيم شأنه ثم بين ما الذي يتساءلون عنه فقال تعالى عن النبأ العظيم يعني عن الخبر العظيم الشأن وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها القرآن قاله مجاهد ومقاتل والفراء قال الفراء فلما أجاب صارت عم كأنها في معنى لأي شيء يتساءلون عن القرآن \r\n والثاني البعث قاله قتادة \r\n والثالث أنه أمر النبي صلى الله عليه و سلم حكاه الزجاج \r\n قوله تعالى الذي هم فيه مختلفون من قال إنه القرآن فإن المشركين اختلفوا فيه فقال بعضهم هو سحر وقال بعضهم هو شعر وقال بعضهم ","part":9,"page":4},{"id":3949,"text":" أساطير الأولين الى غير ذلك وكذلك من قال هو أمر النبي صلى الله عليه و سلم فأما من قال إنه البعث والقيامة ففي اختلافهم فيه قولان \r\n أحدهما أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به فمنهم من صدق وآمن ومنهم من كذب وهذا معنى قول قتادة \r\n والثاني أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه فصدق به المسلمون وكذب به المشركون قاله يحيى بن سلام \r\n قوله تعالى كلا قال بعضهم هي ردع وزجر وقال بعضهم هي نفي لاختلافهم والمعنى ليس الأمر على ما قالوا سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر ثم كلا سيعلمون وعيد على إثر وعيد وقرأ ابن عامر ستعلمون في الحرفين بالتاء ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده فقال تعالى ألم نجعل الأرض مهادا أي فراشا وبساطا والجبال أوتادا للأرض لئلا تميد وخلقناكم أزواجا أي أصنافا واضدادا ذكورأ وإناثا سودا وبيضا وحمرا وجعلنا نومكم سباتا قال ابن قتيبة أي راحة لأبدانكم وقد شرحنا هذا في الفرقان 47 وشرحنا هناك قوله تعالى وجعلنا الليل لباسا \r\n قوله تعالى وجعلنا النهار معاشا أي سببا لمعاشكم والمعاش العيش وكل شيء يعاش به فهو معاش والمعنى جعلنا النهار مطلبا للمعاش وقال ابن قتيبة معاشا أي عيشا وهو مصدر وبنينا فوقكم سبعا شدادا قال مقاتل هي السموات غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين مثل ذلك وهي فوقكم يا بني آدم فاحذروا أن تعصوا فتخر عليكم ","part":9,"page":5},{"id":3950,"text":" قوله تعالى وجعلنا سراجا يعني الشمس وهاجا قال ابن عباس هو المضيء وقال اللغويون الوهاج الوقاد وقيل الوهاج يجمع النور والحرارة \r\n قوله تعالى وأنزلنا من المعصرات فيها ثلاث أقوال \r\n أحدها أنها السموات قاله أبي بن كعب والحسن وابن جبير \r\n والثاني أنها الرياح رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة ومقاتل وقال زيد بن أسلم هي الجنوب فعلى هذا القول تكون من بمعنى الباء فتقديره بالمعصرات وإنما قيل للرياح معصرات لأنها تستدر المطر \r\n والثالث أنها السحاب رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال أبو العالية والضحاك والربيع قال الفراء السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر ولما يجتمع مثل الجارية المعصر قد كادت تحيض ولما تحض وكذلك قال ابن قتيبة شبهت السحاب بمعاصير الجواري والمعصر الجارية التي قد دنت من الحيض وقال الزجاج إنما قيل للسحاب معصرات كما قيل أجز الزرع فهو مجز أي صار الى أن يجز فكذلك السحاب إذا صار الى أن يمطر فقد أعصر \r\n قوله تعالى ماء ثجاجا قال مقاتل أي مطرا كثيرا منصبا يتبع بعضه بعضا وقال غيره يقال ثج الماء يثج إذا انصب لنخرج به أي بذلك الماء حبا ونباتا وفيه قولان \r\n أحدهما أن الحب ما يأكله الناس والنبات ما تنبته الأرض مما يأكل ","part":9,"page":6},{"id":3951,"text":" الناس والأنعام هذا قول الجمهور وقال الزجاج كل ما حصد حب وكل ما أكلته الماشية من الكلإ فهو نبات \r\n والثاني أن الحب اللؤلؤ والنبات العشب قال عكرمة ما أنزل الله من السماء قطرا إلا أنبت به في البحر لؤلؤا وفي الأرض عشبا \r\n قوله تعالى وجنات يعني بساتين ألفافا قال أبو عبيدة أي ملتفة من الشجر ليس بينها خلال الواحدة لفاء وجنات لف وجمع الجمع ألفاف قال المفسرون فدل بذكر المخلوقات على البعث ثم أخبر عن يوم القيامة فقال تعالى إن يوم الفصل أي يوم القضاء بين الخلائق كان ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب يوم ينفخ في الصور فتأتون من قبوركم أفواجا أي زمرا زمرا من كل مكان وفتحت السماء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وفتحت بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف وإنما تفتح لنزول الملائكة فكانت أبوابا أي ذات أبواب وسيرت الجبال عن أماكنها فكانت سرابا أي كالسراب لأنها تصير هباء منبثا فيراها الناظر كالسراب بعد شدتها وصلابتها إن جهنم كانت مرصادا قال المبرد مرصادا يرصدون به أي هو معد لهم يرصد بها خزنتها الكفار وقال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو ثم بين لمن هي مرصاد فقال تعالى للطاغين قال ابن عباس للمشركين مآبا أي مرجعا \r\n قوله تعالى لا بثين وقرأ حمزة لبثين والمعنى فيهما واحد يقال هو لابث بالمكان ولبث ومثله طامع وطمع وفاره وفره وأما الأحقاب فجمع حقب وقد ذكرنا الاختلاف فيه في الكهف 60 ","part":9,"page":7},{"id":3952,"text":" فإن قيل ما معنى ذكر الأحقاب وخلودهم في النار لا نفاد له فعنه جوابان \r\n أحدهما أن هذا لا يدل على غاية لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب \r\n ولو \r\n أنه قال لا بثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة دل على غاية هذا قول ابن قتيبة والجمهور وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد وان لم يكن لها نهاية \r\n والثاني أن المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ولا شرابا فأما خلودهم في النار فدائم هذا قول الزجاج وبيانه أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب وفي المراد بالبرد ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه برد الشراب روى أبو صالح عن ابن عباس قال لا يذوقون فيها برد الشراب ولا الشراب \r\n والثاني أنه الروح والراحة قاله الحسن وعطاء \r\n والثالث أنه النوم قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا \r\n ... فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا ... \r\n قال ابن قتيبة النقاخ الماء والبرد النوم سمي بذلك لأنه تبرد فيه الحرارة ","part":9,"page":8},{"id":3953,"text":" وقال مقاتل لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها ولا شرابا ينفعهم من عطش إلا حميما وغساقا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر غساقا بالتخفيف وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وحفص عن عاصم بالتشديد \r\n وقد تقدم ذكر الحميم والغساق ص 57 جزاء وفاقا قال الفراء وفقا لأعمالهم وقال غيره جوزوا جزاء وفاقا لأعمالهم على مقدارها فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار \r\n إنهم كانوا لا يرجون حسابا فيه قولان \r\n أحدهما لا يخافون أن يحاسبوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث قاله الجمهور \r\n والثاني لا يرجون ثواب حساب لأنهم لا يؤمنون بالبعث قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وكذبوا بآياتنا كذابا قال الفراء الكذاب بالتشديد لغة يمانية فصيحة يقولون كذبت به كذابا وخرقت القميص خراقا وكل فعلت فمصدره في لغتهم مشدد قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني الحلق أحب اليك أم القصار وأنشدني بعض بني كلاب \r\n ... لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي ... وعن حوج قضاؤها من شفائيا ... \r\n وأما أهل نجد فيقولون كذبت به تكذيبا وقال أبو عبيدة الكذاب أشد من الكذاب وهما مصدر المكاذبة قال الأعشى ","part":9,"page":9},{"id":3954,"text":" فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه ... \r\n قوله تعالى وكل شيء أحصيناه قال الزجاج كل منصوب بفعل مضمر تفسيره أحصيناه والمعنى أحصينا كل شيء وكتابا توكيد ل أحصيناه لأن معنى أحصيناه و كتبناه فيما يحصل ويثبت واحد فالمعنى كتبناه كتابا قال المفسرون وكل شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ فذوقوا أي فيقال لهم ذوقوا جزاء فعالكم فلن نزيدكم إلا عذابا إن للمتقين الذين لم يشركوا مفازا وفيه قولان \r\n أحدهما متنزها قاله ابن عباس والضحاك \r\n والثاني فازوا بأن نجوا من النار بالجنة ومن العذاب بالرحمة قاله قتادة قال ابن قتيبة مفازا في موضع فوز حدائق قال ابن قتيبة الحدائق بساتين نخل واحدها حديقة \r\n قوله تعالى وكواعب قال ابن عباس الكواعب النواهد قال ابن فارس يقال كعبت المرأة كعابة فهي كاعب إذا نتأ ثديها وقد ذكرنا معنى الأتراب في ص 52 \r\n قوله تعالى وكأسا دهاقا فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها انها الملأى رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد ","part":9,"page":10},{"id":3955,"text":" والثاني أنها المتتابعة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال ابن جبير وعن مجاهد كالقولين \r\n والثالث انها الصافية قاله عكرمة \r\n قوله تعالى لا يسمعون فيها أي في الجنة إذا شربوها لغوا وقد ذكرناه في الطور 23 وغيرها ولا كذابا أي لا يكذب بعضهم بعضا لأن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل وأهل الجنة منزهون عن ذلك \r\n قال الفراء وقراءة علي رضي الله عنه كذابا بالتخفيف كأنه والله أعلم لا يتكاذبون فيها وكان الكسائي يخفف هذه ويشدد وكذبوا بآياتنا كذابا لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر وهذه ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا \r\n وقد ذكرنا عن أبي عبيدة أن الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة وقال أبو علي الفارسي الكذاب بالتخفيف مصدر كذب مثل الكتاب مصدر كتب \r\n قوله تعالى جزاء قال الزجاج المعنى جازاهم بذلك جزاء وكذلك عطاء لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد وحسابا معناه ما يكفيهم أي فيه كل ما يشتهون يقال أحسبني كذا بمعنى كفاني رب السموات قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والمفضل رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن برفع الباء من رب والنون من الرحمن على معنى هو رب السموات وقرأ عاصم وابن عامر بخفض الباء والنون على الصفة من ربك وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ورفع النون واختار هذه القراءة الفراء ووافقه على هذا جماعة وعللوا بأن الرب قريب من المخفوض والرحمن بعيد منه ","part":9,"page":11},{"id":3956,"text":" قوله تعالى لا يملكون منه خطابا فيه قولان \r\n أحدهما لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه قاله ابن السائب والثاني لا يقدر الخلق أن يكلموا الرب إلا بإذنه قاله مقاتل \r\n قوله تعالى يوم يقوم الروح فيه سبعة أقوال \r\n أحدها أنه جند من جند الله تعالى وليسوا بملائكة رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال مجاهد هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون \r\n والثاني أنه ملك أعظم من السموات والجبال والملائكة قاله ابن مسعود ومقاتل بن سليمان وروى عطاء عن ابن عباس قال الروح ملك ما خلق الله أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم \r\n والثالث أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الى الأجسام رواه عطية عن ابن عباس \r\n والرابع أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك ","part":9,"page":12},{"id":3957,"text":" والخامس أنهم بنو آدم قاله الحسن وقتادة \r\n والسادس أنه القرآن قاله زيد بن أسلم \r\n والسابع أنهم أشرف الملائكة قاله مقاتل بن حيان \r\n قوله تعالى والملائكة صفا قال الشعبي هما سماطان سماط من الروح وسماط من الملائكة فعلى هذا يكون المعنى يوم يقوم الروح صفا والملائكة صفا وقال ابن قتيبة معنى قوله تعالى صفا صفوفا \r\n قوله تعالى لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن في الكلام وقال صوابا أي قال في الدنيا صوابا وهو الشهادة بالتوحيد عند أكثر المفسرين وقال مجاهد قال حقا في الدنيا وعمل به ذلك اليوم الحق الكائن الواقع بلا شك فمن شاء اتخذ الى ربه مآبا أي مرجعا اليه بطاعته ثم خوف كفار مكة فقال تعالى انا أنذرناكم عذابا قريبا وهو عذاب الآخرة وكل آت قريب يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي يرى عمله مثبتا في صحيفته خيرا كان أو شرا ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا يا ليتني لم أبعث وحكى الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم لأنه خلق من التراب فتمنى يوم القيامة أنه كان بمكان آدم فقال يا ليتني كنت ترابا ","part":9,"page":13},{"id":3958,"text":" سورة النازعات \r\n مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة \r\n قوله تعالى والنازعات فيه سبعة أقوال \r\n أحدها أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار قاله علي وابن مسعود وروى عطية عن ابن عباس قال هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم وبه قال مسروق \r\n والثاني أنه الموت ينزع النفوس قاله مجاهد \r\n والثالث أنها النفس حين تنزع قاله السدي \r\n والرابع أنها النجوم تنزع من أفق الى أفق تطلع ثم تغيب قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والأخفش وابن كيسان ","part":9,"page":14},{"id":3959,"text":" والخامس أنها القسي تنزع بالسهم قاله عطاء وعكرمة \r\n والسادس أنها الوحوش تنزع وتنفر حكاه الماوردي \r\n والسابع أنها الرماة حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى غرقا اسم أقيم الإغراق قال ابن قتيبة والمعنى والنازعات إغراقا كما يغرق النازع في الفوس يعني أنه يبلغ به غاية المد \r\n قوله تعالى والناشطات نشطا فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الملائكة ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أنها حين تنشط أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغم قاله علي رضي الله عنه قال مقاتل ينزع ملك الموت روح الكافر فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه فيعذ به في حياته ثم ينشطها من حلقه أي يجذبها كما ينشط السفود من الصوف المبتل والثاني أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها قاله ابن عباس وقال الفراء الذي سمعته من العرب كما أنشط من عقال بألف تقول إذا ربطت الحبل في يد البعير نشطته فإذا حللته قلت أنشطته \r\n والقول الثاني أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط نفسه لذلك ","part":9,"page":15},{"id":3960,"text":" والثالث أن الناشطات الموت ينشط نفس الإنسان قاله مجاهد \r\n والرابع النجوم تنشط من أفق الى أفق أي تذهب قاله قتادة وأبو عبيدة والأخفش ويقال لبقر الوحش نواشط لأنها تذهب من موضع الى موضع قال أبو عبيدة والهموم تنشط بصاحبها قال هميان بن قحافة ... أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا ... \r\n والخامس أنها النفس حين تنشط بالموت قاله السدي \r\n قوله تعالى والسابحات سبحا فيه ستة أقوال \r\n أحدها أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين قاله علي رضي الله عنه قال ابن السائب يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح \r\n والثاني أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه قاله مجاهد وأبو صالح والفراء \r\n والثالث أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم روي عن مجاهد أيضا \r\n والرابع أنها السفن تسبح في الماء قاله عطاء \r\n والخامس أنها النجوم والشمس والقمر كل في فلك يسبحون قاله قتادة وأبو عبيدة \r\n والسادس أنها الخيل حكاه الماوردي ","part":9,"page":16},{"id":3961,"text":" قوله تعالى فالسابقات سبقا فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الملائكة ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنها تسبق الشياطين بالوحي الى الأنبياء قاله علي ومسروق والثاني أنها تسبق بأرواح المؤمنين الى الجنة قاله مجاهد وأبو روق والثالث أنها سبقت بني آدم الى الإيمان قاله الحسن \r\n والقول الثاني أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا الى لقاء الله فيقبضونها وقد عاينت السرور قاله ابن مسعود \r\n والثالث أنه الموت يسبق الى النفوس روي عن مجاهد أيضا \r\n والرابع أنها الخيل قاله عطاء \r\n والخامس أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير قاله قتادة \r\n قوله تعالى فالمدبرات أمرا قال ابن عباس هي الملائكة قال عطاء وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها وقال عبد الرحمن بن سابط يدبر أمر الدنيا أربعة أملاك جبريل وهو موكل بالرياح والجنود وميكائيل وهو موكل بالقطر والبنات وملك الموت وهو موكل بقبض الأنفس وإسرافيل وهو ينزل بالأمر عليهم وقيل بل جبريل للوحي وإسرافيل للصور وقال ابن قتيبة فالمدبرات أمرا تنزل بالحلال والحرام \r\n فإن قيل اين جواب هذه الأقسام فعنه جوابان \r\n أحدهما أن الجواب قوله تعالى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى قاله مقاتل ","part":9,"page":17},{"id":3962,"text":" والثاني أن الجواب مضمر تقديره لتبعثن ولتحاسبن ويدل على هذا قوله تعالى أئذا كنا عظاما نخرة قاله الفراء \r\n قوله تعالى يوم ترجف الراجفة وهي النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلائق و الراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمحض و وترجف بمعنى تتحرك حركة شديدة تتبعها الرادفة وهي النفخة الثانية ردفت الأولى أي جاءت بعدها وكل شيء جاء بعد شيء فهو يردفه قلوب يومئذ واجفة أي شديدة الإضطراب لما عاينت من أهوال القيامة أبصارها خاشعة أي ذليلة لمعاينة النار قال عطاء وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام ويدل على هذا أنه ذكر منكري البعث فقال تعالى يقولون أئنا لمردودون في الحافرة قرأ ابن عامر وأهل الكوفة أئنا بهمزتين مخففتين على الإستفهام وقرأ الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو \r\n وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن الحافرة الحياة بعد الموت فالمعنى أنرجع أحياء بعد موتنا وهذا قول ابن عباس وعطية والسدي قال الفراء يعنون أنرد الى أمرنا الأول الى الحياة والعرب تقول أتيت فلانا ثم رجعت على حافرتي أي رجعت من حيث جئت قال أبو عبيدة يقال رجع فلان في حافرته وعلى حافرته إذا رجع من حيث جاء وهذا قول الزجاج \r\n والثاني أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم فسميت حافرة والمعنى محفورة كما يقال ماء دافق الطارق 6 وعيشة راضية الحاقة 21 وهذا قول مجاهد والخليل فيكون المعنى أئنا لمردودون الى الأرض خلقا جديدا ","part":9,"page":18},{"id":3963,"text":" قال ابن قتيبة في الحافرة أي الى أول أمرنا ومن فسرها بالأرض فإلى هذا يذهب لأنا منها بدئنا قال الشاعر \r\n ... أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار ... \r\n كأنه قال أأرجع الى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد ما شبت وصلعت \r\n والثالث أن الحافرة النار قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى أئذا كنا عظاما نخرة وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ناخرة قال الفراء وهما بمعنى واحد في اللغة مثل طمع وطامع وحذر وحاذر وقال الأخفش هما لغتان وقال الزجاج يقال نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن الشيء يعفن فهو عفن وناخرة على معنى عظاما فارغة يجيىء فيها من هبوب الريح كالنخير قال المفسرون والمراد أنهم أنكروا البعث وقالوا نرد أحياء إذا متنا وبليت عظامنا تلك إذن كرة خاسرة أي إن رددنا بعد الموت لنحسرن بما يصيبنا مما يعدنا به محمد فأعلمهم الله بسهولة البعث عليه فقال تعالى فإنما هي يعني النفخة الأخيرة زجرة واحدة أي صيحة في الصور يسمعونها من إسرافيل وهم في الأرض فيخرجون فإذا هم بالساهرة وفيها أربعة أقوال ","part":9,"page":19},{"id":3964,"text":" احدها ان الساهرة وجه الأرض قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك واللغويون قال الفراء كأنها سميت بهذا الأسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم \r\n والثاني أنه جبل عند بيت المقدس قاله وهب بن منبه \r\n والثالث أنها جهنم قاله قتادة \r\n والرابع أنها أرض الشام قاله سفيان \r\n هل أتك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى إذهب الى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك الى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى أأنتم اشد خلقا أم السماء بنها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال ارسها متاعا لكم ولأنعامكم \r\n قوله تعالى هل أتاك حديث موسى أي قد جاءك وقد بينا هذا في طه 9 وما بعده الى قوله تعالى طوى اذهب قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طوى اذهب غير مجراة وقرأ الباقون طوى منونة فقل هل لك الى أن تزكى وقرأ ابن كثير ونافع تزكى بتشديد الزاي أي تطهر من الشرك وأهديك الى ربك أي أدعوك الى توحيده وعبادته فتخشى عذابه فأراه الآية الكبرى وفيها قولان ","part":9,"page":20},{"id":3965,"text":" أحدهما أنها اليد والعصا قاله جمهور المفسرين والثاني أنها اليد قاله الزجاج \r\n قوله تعالى فكذب أي بأنها من الله وعصى نبيه ثم أدبر أي أعرض عن الإيمان يسعى أي يعمل بالفساد في الأرض فحشر أي فجمع قومه وجنوده فنادى لما اجتمعوا فقال أنا ربكم الأعلى أي لا رب فوقي وقيل أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم وقيل أراد أنا رب السادة والقادة \r\n قوله تعالى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أن الاولى قوله ما علمت لكم من إله غيري القصص 38 والآخرة قوله أنا ربكم الأعلى قاله ابن عباس وعكرمة والشعبي ومقاتل والفراء ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ابن عباس وكان بينهما أربعون سنة قال السدي فبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة قال الفراء فالمعنى أخذه الله أخذا نكالا للآخرة والاولى \r\n والثاني المعنى جعله الله نكال الدنيا والآخرة أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة قاله الحسن وقتادة وقال الربيع بن أنس عذبه الله في أول النهار بالغرق وفي آخرة بالنار \r\n والثالث أن الأولى تكذيبه وعصيانه والآخرة قوله أنا ربكم الأعلى قاله أبو رزين \r\n والرابع أنها اول أعماله وآخرها رواه منصور عن مجاهد قال الزجاج النكال منصوب مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله نكل الله به نكال الآخرة ","part":9,"page":21},{"id":3966,"text":" والأولى فأغرقة في الدنيا ويعذبه في الآخرة قوله تعالى ان في ذلك الذي فعل بفرعون لعبرة أي لعظة لمن يخشى الله \r\n ثم خاطب منكري البعث فقال تعالى أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها قال الزجاج ذهب بعض النحويين الى أن قوله تعالى بناها من صفة السماء فيكون المعنى أم السماء التي بناها وقال قوم السماء ليس مما توصل ولكن المعنى أأنتم أشد خلقا أم السماء أشد خلقا ثم بين كيف خلقها فقال تعالى بناها قال المفسرون أخلقكم بعد الموت أشد عندكم أم السماء في تقديركم وهما في قدرة الله واحد ومعنى بناها رفعها وكل شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء ومعنى رفع سمكها رفع ارتفاعها وعلوها في الهواء فسواها بلا شقوق ولا فطور ولا تفاوت يرتفع فيه بعضها علىبعض وأغطش ليلها أي أظلمه فجعله مظلما قال الزجاج يقال غطش الليل وأغطش وغبش وأغبش وغسق وأغسق وغشي وأغشى كله بمعنى أظلم \r\n قوله تعالى وأخرج ضحاها أي أبرز نهارها والمعنى أظهر نورها بالشمس وإنما أضاف النور والظلمة الى السماء لأنهما عنها يصدران والأرض بعد ذلك أي بعد خلق السماء دحاها أي بسطها وبعض من يقول إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن بعد هاهنا بمعنى قبل كقوله ","part":9,"page":22},{"id":3967,"text":" تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر الأنبياء 105 وبعضهم يقول هي بمعنى مع كقوله تعالى عتل بعد ذلك زنيم القلم 13 ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد كمال السماء وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص وقد أشرنا الى هذا الخلاف في البقرة 29 ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله تعالى دحاها \r\n أخرج منها ماءها أي فجر العيون منها ومرعاها وهو ما يأكله الناس والأنعام والجبال أرساها قال الزجاج أي أثبتها متاعا لكم أي للإمتاع لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك وقال ابن قتيبة متاعا لكم أي منفعة لكم \r\n فإذا جآءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وأثر الحيوة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى يسئلونك عن الساعة أيان مرسها فيم أنت من ذكرها الى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها \r\n قوله تعالى فإذا جاءت الطامة الكبرى والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها أي تعلو فوقه وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال \r\n أحدها النفخة الثانية التي فيها البعث ","part":9,"page":23},{"id":3968,"text":" والثاني أنها حين يقال لأهل النار قوموا الى النار \r\n والثالث أنها حين يساق أهل الجنة الى الجنة وأهل النار الى النار \r\n قوله تعالى يتذكر الإنسان ما سعى أي ما عمل من خير وشر وبرزت الجحيم لمن يرى أي لأبصار الناظرين قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فينظر اليها الخلق وقرأ أبو مجلز وابن السميفع لمن ترى بالتاء وقرأ ابن عباس ومعاذ القارىء لمن رأى بهمزة بين الراء والألف \r\n قوله تعالى فأما من طغى في كفره وآثر الحياة الدنيا على الآخرة فإن الجحيم هي المأوى قال الزجاج أي هي المأوى له وهذا جواب فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك \r\n قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه قد ذكرناه في سورة الرحمن 46 \r\n قوله تعالى ونهى النفس عن الهوى أي عما تهوى من المحارم قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها \r\n قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قد سبق في الأعراف 187 فيم أنت من ذكراها أي لست في شيء من علمها وذكرها والمعنى إنك لا تعلمها الى ربك منتهاها أي منتهى علمها إنما أنت منذر من يخشاها وقرأ أبو جعفر منذر بالتنوين ومعنى الكلام إنما أنت مخوف من يخافها والمعنى إنما ينفع إنذارك م يخافها وهو المؤمن بها وأما من لا يخافها فكأنه لم ينذر كأنهم يعني كفار قريش يوم يرونها أي يعاينون القيامه لم يلبثوا في الدنيا وقيل في قبورهم إلا عشية أو ضحاها أي قدر آخر النهار من بعد العصر أو أوله الى أن ترتفع ","part":9,"page":24},{"id":3969,"text":" الشمس قال الزجاج والهاء والألف في ضحاها عائدان الى العشية \r\n والمعنى إلا عشية أو ضحى العشية قال الفراء \r\n فإن قيل للعشية ضحى إنما الضحى لصدر النهار \r\n فالجواب أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا آتيك العشية أو غداتها أو آتيك الغداة أو عشيتها فتكون العشية في معنى آخر والغداة في معنى أول أنشدني بعض بني عقيل \r\n ... نحن صبحنا عامرا في دارها ... عشية الهلال أو سرارها ... \r\n أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية فهذا أشد من قولهم آتيك الغداة أو عشيتها ","part":9,"page":25},{"id":3970,"text":" سورة عبس \r\n مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جآءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة \r\n قوله تعالى عبس وتولى قال المفسرون كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وأمية وأبيا ابني خلف ويدعوهم الى الله تعالى ويرجو إسلامهم فجاء ابن أم مكتوم الأعمى فقال علمني يا رسول الله مما علمك الله وجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره حتى ظهرت الكراهية في وجهه صلى الله عليه و سلم لقطعه كلامه فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقبل على القوم يكلمهم فنزلت هذه الآيات فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكرمه بعد ذلك ويقول مرحبا بمن عاتبني فيه ","part":9,"page":26},{"id":3971,"text":" ربي وذهب قوم منهم مقاتل الى أنه إنما جاء ليؤمن فأعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم اشتغالا بالرؤساء فنزلت فيه هذه الآيات \r\n ومعنى عبس قطب وكلح وتولى أعرض بوجهه أن جاءه أي لأن جاءه وقرأ أبي بن كعب والحسن وأبو المتوكل وأبو عمران آن جاءه بهمزة واحدة مفتوحة ممدودة وقرأ ابن مسعود وابن السميفع أأن بهمزتين مقصورتين مفتوحتين والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عمرو بن قيس وقيل اسمه عبد الله بن عمرو وما يدريك لعله يزكى أي يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك وقال مقاتل لعله يؤمن أو يذكر أي يتعظ بما يتعلمه من مواعظ القرآن فتنفعه الذكرى قرأ حفص عن عاصم فتنفعه بفتح العين والباقون برفعها قال الزجاج من نصب فعلى جواب لعل ومن رفع فعلى العطف على يزكى \r\n قوله تعالى أما من استغنى قال ابن عباس استغنى عن الله وعن الإيمان بماله قال مجاهد أما من استغنى عتبة وشيبة فأنت له تصدى قرأ ابن كثير ونافع تصدى بتشديد الصاد وقرأ عاصم وأبو عمرو ","part":9,"page":27},{"id":3972,"text":" وابن عامر وحمزة والكسائي تصدى بفتح التاء والصاد وتخفيفها وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وعمرو بن دينار تتصدى بتاءين مع تخفيف الصاد قال الزجاج الأصل تتصدى ولكن حذفت التاء الثانية لإجتماع تاءين ومن قرأ تصدى بإدغام التاء فالمعنى أيضا تتصدى إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج التاء من الصاد قال ابن عباس تصدى تقبل عليه بوجهك وقال ابن قتيبة تتعرض وقرأ ابن مسعود وابن السميفع والجحدري تصدى بتاء واحدة مضمومة وتخفيف الصاد \r\n قوله تعالى وما عليك أي أي شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه الى الإسلام يعني أنه ليس عليه إلا البلاغ \r\n وأما من جاءك يسعى فيه قولان \r\n أحدهما يمشي \r\n والثاني يعمل في الخير وهو ابن أم مكتوم وهو يخشى الله فأنت عنه تلهى وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وأبو الجوزاء تتلهى بتاءين \r\n وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع والجحدري تلهى بتاء واحدة خفيفة مرفوعة قال الزجاج أي تتشاغل عنه يقال لهيت عن الشيء ألهى عنه إذا تشاغلت عنه \r\n قوله تعالى كلا أي لا تفعل ذلك انها في المكني عنها قولان أحدهما آيات القرآن قاله مقاتل \r\n والثاني هذه السورة قاله الفراء والتذكرة بمعنى التذكير فمن شاء ذكره مفسر في آخر المدثر 55 ثم أخبر بجلالة القرآن عنده فقال تعالى ","part":9,"page":28},{"id":3973,"text":" في صحف مكرمة أي هو في صحف أي في كتب مكرمة وفيها قولان \r\n أحدهما انها اللوح المحفوظ قاله مقاتل \r\n والثاني كتب الأنبياء ذكره الثعلبي فعلى هذا يكون معنى مرفوعة عالية القدر وعلى الأول يكون رفعها كونها في السماء \r\n وفي معنى المطهرة أربعة أقوال \r\n أحدها مطهرة من أن تنزل على المشركين قاله الحسن والثاني مطهرة من الشرك والكفر قاله مقاتل والثالث لأنه لا يمسها إلا المطهرون قاله الفراء والرابع مطهرة من الدنس قاله يحيى بن سلام \r\n قوله تعالى بأيدي سفرة فيهم قولان \r\n أحدهما أنهم الملائكة قاله الجمهور \r\n والثاني أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم قاله وهب بن منبه وفي معنى سفرة ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنهم الكتبة قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج قال الزجاج واحدهم سافر وسفرة مثل كاتب وكتبة وكافر وكفرة وإنما قيل للكتاب سفر وللكاتب سافر لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه يقال أسفر الصبح إذا أضاء وسفرت المرأة إذا كشفت النقاب عن وجهها ومنه سفرت بين القوم أي كشفت ما في قلب هذ1 وقلب هذا لأصلح بينهم \r\n والثاني أنهم القراء قاله قتادة ","part":9,"page":29},{"id":3974,"text":" والثالث أنهم السفراء وهم المصلحون قال الفراء تقول العرب سفرت بين القوم أي أصلحت بينهم فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله كالسفير الذي يصلح بين القوم قال الشاعر \r\n ... وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش إن مشيت ... \r\n قوله تعالى كرام أي على ربهم برزة أي مطيعين قال الفراء واحد البررة في قياس العربية بار لأن العرب لا تقول فعلة ينوون به الجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة وفاجر وفجرة \r\n قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الإنسان الى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم \r\n قوله تعالى قتل الإنسان أي لعن والمراد بالإنسان هاهنا الكافر وفيمن عنى بهذا القول ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه أشار الى كل كافر قاله مجاهد والثاني أنه أمية بن خلف قاله الضحاك والثالث عتبة بن أبي لهب قاله مقاتل \r\n وفي قوله تعالى ما أكفره ثلاثة أقوال \r\n أحدها ما أشد كفره قاله ابن جريج ","part":9,"page":30},{"id":3975,"text":" والثاني أي شيء أكفره قاله السدي فعلى هذا يكون استفهام توبيخ \r\n الثالث أنه على وجه التعجب وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى اعجبوا أنتم من كفره قاله الزجاج \r\n قوله تعالى من أي شيء خلقه ثم فسره فقال تعالى من نطفة خلقه وفي معنى فقدره ثلاثة أقوال \r\n أحدها قدر أعضاءه رأسه وعينيه ويديه ورجليه قاله ابن السائب \r\n والثاني قدره أطوارا نطفة ثم علقه الى آخر خلقه قاله مقاتل \r\n والثالث فقدره على الإستواء قاله الزجاج \r\n ثم السبيل يسره فيه قولان \r\n أحدهما سهل له العلم بطريق الحق والباطل قاله الحسن ومجاهد قال الفراء والمعنى ثم يسره للسبيل \r\n والثاني يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه قاله السدي ومقاتل \r\n قوله تعالى فأقبره قال الفراء أي جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير فكأن القبر مما أكرم به المسلم ولم يقل قبره لأن القابر هو الدافن بيده \r\n والمقبر الله لأنه صيره مقبورا فليس فعله كفعل الآدمي والعرب تقول بترت ذنب البعير والله أبتره وعضبت قرن الثور والله أعضبه وطردت فلانا عني والله أطرده أي صيره طريدا وقال أبو عبيدة أقبره أي أمر أن يقبر وجعل له قبرا قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل ","part":9,"page":31},{"id":3976,"text":" صالح بن عبد الرحمن أقبرنا صالحا فقال دونكموه والذي يدفن بيده هو القابر قال الأعشى \r\n ... لو أسندت ميتأ الى نحرها ... عاش ولم يسلم الى قابر ... \r\n قوله تعالى ثم إذا شاء أنشره أي بعثه يقال أنشر الله الموتى فنشروا ونشر الميت حيي هو بنفسه وواحدهم ناشر قال الأعشى \r\n ... حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر ... \r\n قوله تعالى كلا قال الحسن حقا لما يقض ما أمره به ربه ولم يؤد ما فرض عليه ي وهل هذا عام أم خاص فيه قولان \r\n أحدهما أنه عام قال مجاهد لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه ","part":9,"page":32},{"id":3977,"text":" والثاني أنه خاص للكافر لم يقض ما أمر به من الإيمان والطاعة قاله يحيى بن سلام ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر وليستدل بالنبات على البعث فقال تعالى فلينظر الإنسان الى طعامه قال مقاتل يعني به عتبة بن أبي لهب ومعنى الكلام فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته ثم بين فقال تعالى أنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر إنا بالكسر وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أنا صببنا بفتح الهمزة في الوصل وفي الإبتداء ووافقهم رويس على فتحها في الوصل فإذا ابتدأ كسر قال الزجاج من كسر إنا فعلى الإبتداء والإستئناف ومن فتح فعلى البدل من الطعام المعنى فلينظر الإنسان أنا صببنا قال المفسرون أراد بصب الماء المطر ثم شققنا الأرض بالنبات شقا فأنبتنا فيها حبا يعني به جميع الحبوب التي يتغذى بها وعنبا وقضبا قال الفراء هو الرطبة وأهل مكة يسمون القت القضب قال ابن قتيبة ويقال انه سمي بذلك لأنه يقضب مرة بعد مرة أي يقطع وكذلك القصيل لأنه يقصل أي يقطع \r\n قوله تعالى وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا قال الفراء كل بستان كان عليه حائط فهو حديقة وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة والغلب ما غلظ من النخل قال أبو عبيدة يقال شجرة غلباء إذا كانت غليظة وقال ابن قتيبة الغلب الغلاظ الأعناق وقال الزجاج هي المتكاثفة العظام ","part":9,"page":33},{"id":3978,"text":" قوله تعالى وفاكهة يعني ألوان الفاكهة وأبأ فيه قولان \r\n أحدهما أنه ما ترعاه البهائم قاله ابن عباس وعكرمة واللغويون وقال الزجاج هو جميع الكلأ التي تعتلفه الماشية \r\n والثاني أنه الثمار الرطبة رواه الوالبي عن ابن عباس \r\n متاعا لكم ولأنعامكم قد بيناه في السورة التي قبلها النازعات 33 \r\n فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يؤمنذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة \r\n قوله تعالى فإذا جاءت الصاخة وهي الصيحة الثانية قال ابن قتيبة الصاخة تصخ صخا أي تصم يقال رجل أصخ وأصلخ إذا كان ","part":9,"page":34},{"id":3979,"text":" لا يسمع والداهية صاخة ايضا وقال الزجاج هي الصيحة التي تكون عليها القيامة تصخ الأسماع أي تصمها فلا تسمع إلا ما تدعي به لإحيائها ثم فسر في أي وقت تجيء فقال تعالى يوم يفر المرء من أخيه قال المفسرون المعنى لا يلتفت الإنسان إلى أحد من أقاربه لعظم ما هو فيه قال الحسن أول من يفر من أخيه هابيل ومن أمه وأبيه إبراهيم ومن صاحبته نوح ولوط ومن ابنه نوح وقال قتادة يفر هابيل من قابيل والنبي صلى الله عليه و سلم من أمه وإبراهيم من أبيه ولوط من صاحبته ونوح من ابنه \r\n قوله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه قال الفراء أي يشغله عن قرابته وقال ابن قتيبة أي يصرفه ويصده عن قرابته يقال اغن عني وجهك أي اصرفه واغن عني السفيه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والزهري وأبو العالية وابن السميفع وابن محيصن وابن أبي عبلة يعنيه بفتح الياء و العين غير معجمة قال الزجاج معنى الآية له شأن لايقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره وكذلك قراءة من قرأ يغنيه بالغين معناه له شأن لا يهمه معه غيره ","part":9,"page":35},{"id":3980,"text":" وقد روى أنس بن مالك قال قالت عائشة للنبي صلى الله عليه و سلم أنحشر عراة قال نعم قالت واسوءتاه فأنزل الله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه \r\n قوله تعالى وجوه يومئذ مسفرة أي مضيئة قد علمت ما لها من الخير ضاحكة لسرورها مستبشرة أي فرحة بما نالها من كرامة الله عز و جل ووجوه يومئذ عليها غبرة أي غبار وقال مقاتل أي سواد وكآبة ترهقها أي تغشاها قترة أي ظلمة وقال الزجاج يعلوها سواد كالدخان ثم بين من أهل هذه الحال فقال تعالى أولئك هم الكفرة الفجرة وهوجمع كافر وفاجر ","part":9,"page":36},{"id":3981,"text":" سورة التكوير \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت \r\n روى ابو عبدالله الحاكم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أحب أن ينظر الى يوم القيامة فليقرأ قوله تعالى إذا الشمس كورت \r\n وفي قوله تعالى كورت أربعة أقوال ","part":9,"page":37},{"id":3982,"text":" أحدها أظلمت رواه الوالبي عن ابن عباس وكذلك قال الفراء ذهب ضوؤها وهذا قول قتادة ومقاتل \r\n والثاني ذهبت رواه عطية عن ابن عباس وكذلك قال مجاهد اضمحلت \r\n والثالث غورت روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وابن الأنباري وهذا من قول الناس بالفارسية كوربكرد وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال هو بالفارسية كوربور \r\n والرابع أنها تكور مثل تكوير العمامة فتلف وتمحى قاله أبو عبيدة \r\n قال الزجاج ومعنى كورت جمع ضوؤها ولفت كما تلف العمامة ويقال كورت العمامة على رأسي أكورها إذا لففتها قال المفسرون تجمع الشمس بعضها الى بعض ثم تلف ويرمى بها في البحر وقيل في النار وقيل تعاد الى ما خلقت منه \r\n قوله تعالى وإذا النجوم انكدرت أي تناثرت وتهافتت يقال انكدر الطائر في الهواء إذا انقض وإذا الجبال سيرت عن وجه الأرض فاستوت مع الأرض وإذا العشار عطلت قال المفسرون وأهل اللغة العشار النوق الحوامل وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها العشار لذلك وذلك الوقت أحسن زمان حملها وهي تضع إذاوضعت لتمام في سنة فهي أنفس ما للعرب عندهم فلا يعطلونها إلا لإتيان ما يشغلهم عنها وإنما ","part":9,"page":38},{"id":3983,"text":" خوطبت العرب بأمر العشار لأن أكثر عيشهم ومالهم من الإبل ومعنى عطلت سيبت وأهملت لإشتغالهم عنها بأهوال القيامة \r\n قوله تعالى وإذا الوحوش يعني دواب البحر حشرت وفيه قولان \r\n أحدهما ماتت قاله ابن عباس \r\n والثاني جمعت الى القيامة قاله السدي وقد زدنا هذا شرحا في الأنعام 111 \r\n قوله تعالى وإذا البحار سجرت قرأ ابن كثير وأبو عمرو سجرت بتخفيف الجيم وقرأ الباقون بتشديدها \r\n وفي المعنى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أوقدت فاشتعلت نارا قاله علي وابن عباس \r\n والثاني يبست قاله الحسن \r\n والثالث ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة \r\n قوله تعالى وإذا النفوس زوجت فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها قرنت بأشكالها قاله عمر رضي الله عنه الصالح مع الصالح في الجنة والفاجر مع الفاجر في النار وهذا قول الحسن وقتادة \r\n والثاني ردت الأرواح الى الأجساد فزوجت بها قاله الشعبي وعن عكرمة كالقولين \r\n والثالث زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين قاله عطاء ومقاتل ","part":9,"page":39},{"id":3984,"text":" قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت قال اللغويون الموؤودة البنت تدفن وهي حية وكان هذا من فعل الجاهلية ويقال وأد ولده أي دفنه حيا قال الفرزدق \r\n ... ومنا الذي منع الوائدا ... ت فأحيا الوئيد ولم يوأد ... \r\n يعني صعصعة بن صوحان وهو جد الفرزدق قال الزجاج ومعنى سؤالها تبكيت قاتليها في القيامة لأن جوابها قتلت بغير ذنب ومثل هذا التبكيت قوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين المائدة 116 \r\n وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن وابن يعمر وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو سألت بفتح السين وألف بعدها بأي ذنب قتلت بإسكان اللام وضم التاء الأخيرة وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها قال ابن عباس كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكان أوان ولادها حفرت حفيرة فتمخضت على رأس الحفيرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة وان ولدت غلاما حبسته \r\n قوله تعالى وإذا الصحف نشرت قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب نشرت بالتخفيف والباقون بالتشديد والمراد بالصحف صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب وإذا السماء كشطت قال الفراء نزعت فطويت وفي قراءة عبد الله قشطت بالقاف وهكذا تقوله قيس وتميم وأسد بالقاف وأما قريش فتقوله بالكاف والمعنى واحد ","part":9,"page":40},{"id":3985,"text":" والعرب تقول القافور والكافور والقسط والكسط وإذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في اللغات كما يقال حدث وحدت قال ابن قتيبة كشطت كما يكشط الغطاء عن الشيء فطويت وقال الزجاج قلعت كما يقلع السقف و سعرت أوقدت وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم سعرت مشددة قال الزجاج المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة و أزلفت قربت من المتقين وجواب هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت أي إذا كانت هذا الأشياء علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل فأثيبت على قدر عملها وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت لهذا جرى الحديث وقال ابن عباس من أول السورة الى هاهنا اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة \r\n فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء رب العالمين \r\n قوله تعالى فلا أقسم لا زائدة والمعنى أقسم بالخنس وفيها خمسة أقوال ","part":9,"page":41},{"id":3986,"text":" أحدها أنها خمسة أنجم تخنس بالنهار فلا ترى وهي زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة قاله علي وبه قال مقاتل وابن قتيبة وقيل اسم المشتري البرجس واسم المريخ بهرام \r\n والثاني أنها النجوم قاله الحسن وقتادة على الإطلاق وبه قال أبو عبيدة \r\n والثالث أنها بقر الوحش قاله ابن مسعود \r\n والرابع الظباء رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير \r\n والخامس الملائكة حكاه الماوردي والأكثرون على أنها النجوم \r\n قال ابن قتيبة وإنما سماها خنسا لأنها تسير في البروج والمنازل كسير الشمس والقمر ثم تخنس أي ترجع بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعا الى أوله وسماها كنسا لأنها تكنس أي تسير كما تكنس الظباء وقال الزجاج تخنس أي تغيب وكذلك تكنس أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها وإذا كان المراد الظباء فهو يدخل الكناس وهو الغصن من أغصان الشجر ووقف يعقوب على الجواري بالياء \r\n قوله تعالى والليل إذا عسعس فيه قولان \r\n أحدهما ولى قاله ابن عباس وابن زيد والفراء \r\n والثاني أقبل قاله ابن جبير وقتادة قال الزجاج يقال عسعس الليل إذا أقبل وعسعس إذا أدبر واستدل من قال إن المراد إدباره ","part":9,"page":42},{"id":3987,"text":" بقوله تعالى والصبح إذا تنفس وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط \r\n ... حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وإنجاب عنها ليلها وعسعسا ... \r\n وفي قوله تعالى تنفس قولان \r\n أحدهما أنه طلوع الفجر قاله علي وقتادة \r\n والثاني طلوع الشمس قاله الضحاك قال الزجاج معناه إذا امتد حتى يصير نهارا بينا وجواب القسم في قوله فلا أقسم بالخنس وما بعده قوله إنه لقول رسول كريم يعني ان القرآن نزل به جبريل وقد بينا هذا في الحاقة 40 ثم وصف جبريل بقوله تعالى ذي قوة وهو كقوله تعالى ذو مرة وقد شرحناه في النجم آية 6 ذي قوة عند ذي العرش مكين يعني في المنزلة مطاع ثم أمين أي في السموات تطيعه الملائكة فمن طاعة الملائكة له أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه و سلم فدخلها ورأى ما فيها وأمر خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر اليها وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وأبو حيوة ثم بضم الثاء ومعنى أمين على وحي الله ورسالاته قال أبو صالح أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن \r\n قوله تعالى وما صاحبكم بمجنون يعني محمدا ثلى الله عليه وسلم والخطاب لأهل مكة قال الزجاج وهذا أيضا من جواب القسم وذلك أنه أقسم أن القرآن نزل به جبريل وأن محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة ","part":9,"page":43},{"id":3988,"text":" قوله تعالى ولقد رآه بالأفق المبين قال المفسرون رأى محمد صلى الله عليه و سلم جبريل على صورته بالأفق وقد ذكرنا هذا في سورة النجم 7 \r\n قوله تعالى وما هو يعني محمدا صلى الله عليه و سلم على الغيب أي على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض بضنين قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس بظنين بالظاء وقرأ الباقون بالضاد وقال ابن قتيبة من قرأ بالظاء فالمعنى ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله ومن قرأ بالضاد فالمعنى ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم وقال غيره ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه \r\n قوله تعالى وما هو يعني القرآن بقول شيطان رجيم قال مقاتل وذلك أن كفار مكة قالوا إنما يجيء به الشيطان فيلقيه على لسان محمد \r\n قوله تعالى فأين تذهبون قال الزجاج معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم إن هو أي ما هو يعني القرآن إلا ذكر للعالمين أي موعظة للخلق أجمعين لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان والمعنى أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق وقد بينا سبيل الإستقامة فمن شاء أخذ في تلك السبيل ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه بما بعد هذا وقد بينا هذا في سورة الإنسان 30 قال أبو هريرة لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فنزل قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقيل القائل لذلك أبو جهل وقرأ أبو بكر الصديق وأبو المتوكل وأبو عمران وما يشاؤون بالياء ","part":9,"page":44},{"id":3989,"text":" فصل \r\n وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم وقوله تعالى في عبس 12 فمن شاء ذكره وقوله تعالى في سورة الإنسان 29 وفي سورة المزمل 18 فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا كله منسوخ بقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ولا أرى هذا القول صحيحا لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجه النسخ فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته فليس للنسخ وجه ","part":9,"page":45},{"id":3990,"text":" سورة الإنفطار وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدرك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا يومئذ لله \r\n قوله تعالى إذا السماء انفطرت انفطارها انشقاقها و انتثرت بمعنى تساقطت وفجرت بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا \r\n وقال الحسن ذهب ماؤها وبعثرت بمعنى أثيرت قال ابن قتيبة قلبت فأخرج ما فيها يقال بعثرت المتاع وبحثرته إذا جعلت أسفله أعلاه ","part":9,"page":46},{"id":3991,"text":" قوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت هذا جواب الكلام وقد شرحناه في قوله تعالى ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر القيامة 13 \r\n قوله تعالى يا أيها الإنسان فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنه عني به أبو الأشدين وكان كافرا قاله ابن عباس ومقاتل وقد ذكرنا اسمه في المدثر 30 \r\n والثاني أنه الوليد بن المغيرة قاله عطاء \r\n والثالث أبي بن خلف قاله عكرمة \r\n والرابع أنه أشار الى كل كافر ذكره الماوردي \r\n قوله تعالى ما غرك قال الزجاج أي ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك وقال غيره المعنى ما الذي أمنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذ لم يعاقبك عاجلا وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة وقال ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول قال أقول غرني ستورك المرخاة وقال يحيى بن معاذ لو قال لي ما غرك بي قلت برك سالفا وآنفا قيل لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون سائر صفاته كان كأنه لقن عبده الجواب ليقول غرني كرم الكريم \r\n قوله تعالى الذي خلقك ولم تك شيئا فسواك إنسانا تسمع وتبصر ","part":9,"page":47},{"id":3992,"text":" فعدلك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فعدلك بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي فعدلك بالتخفيف قال الفراء من قرأ بالتخفيف فوجهه والله أعلم فصورك الى أي صورة شاء إما حسن وإما قبيح وإما طويل وإما قصير وقيل في صورة أب في صورة عم في صورة بعض القرابات تشبيها ومن قرأ بالتشديد فإنه أراد والله أعلم جعلك معتدلا معدل الخلقة وقال غيره عدل أعضاءك فلم تفضل يد على يد ولا رجل على رجل وعدل بك أن يجعلك حيوانا بهيما \r\n قوله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك قال الزجاج يجوز أن تكون ما زائدة ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك وفي معنى الآية أربعة أقوال \r\n أحدها في أي صورة من صور القرابات ركبك وهو معنى قول مجاهد \r\n والثاني في أي صورة من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى وهو معنى قول الفراء \r\n والثالث إن شاء أن يركبك في غير صورة الإنسان ركبك قاله مقاتل وقال عكرمة إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير \r\n والرابع إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير وإن شاء في صورة حمار بالبلادة والبلة وإن شاء في صورة كلب بالبخل أو خنزير بالشره ذكره الثعلبي \r\n قوله تعالى بل تكذبون بالدين وقرأ أبو جعفر بالياء أي بالجزاء والحساب تزعمون أنه غير كائن ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة فقال ","part":9,"page":48},{"id":3993,"text":" تعالى وإن عليكم لحافظين أي من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كراما على ربهم كاتبين يكتبون أعمالكم يعلمون ما تفعلون من خير وشر فيكتبونه عليكم \r\n قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة وإن الفجار وفيهم قولان \r\n أحدهما أنهم المشركون \r\n والثاني الظلمة ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم يا ليت شعري ما لنا عند الله فقال له اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عنده فقال وأين أجده قال عند قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم قال سليمان فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين \r\n قوله تعالى يصلونها يعني يدخلون الجحيم مقاسين حرها يوم الدين أي يوم الجزاء على الأعمال وما هم عنها أي عن الجحيم بغائبين وهذا يدل على تخليد الكفار وأجاز بعض العلماء أن تكون عنها كناية عن القيامة فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث ويشتمل هذا على الأبرار والفجار ثم عظم ذلك اليوم بقوله تعالى وما أدراك ما يوم الدين ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه وكان ابن السائب يقول الخطاب بهذا للإنسان الكافر لا لرسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى يوم لا تملك نفس لنفس قرأ ابن كثير وأبو عمرو يوم ","part":9,"page":49},{"id":3994,"text":" بالرفع والباقون بالفتح قال الزجاج من رفع اليوم فعلى أنه صفة لقوله تعالى يوم الدين ويجوز أن يكون رفعه بإضمار هو ونصبه على معنى هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئا قال المفسرون ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدا من الخلق شيئا كما ملكهم في الدنيا وكان مقاتل يقول لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة والقول على الإطلاق أصح لأن مقاتلا فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه ","part":9,"page":50},{"id":3995,"text":" سورة المطففين \r\n وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها مكية قاله ابن مسعود والضحاك ويحيى بن سلام \r\n والثاني مدنية قاله ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومقاتل إلا أن ابن عباس وقتادة قالا فيها ثمان آيات مكية من قوله تعالى إن الذين أجرموا المطففين 29 الى آخرها وقال مقاتل فيها آية مكية وهي قوله تعالى إذا تتلى عليه قال أساطير الأولين المطففين 13 \r\n والثالث أنها نزلت بين مكة والمدينة قاله جابر بن زيد وابن السائب وذكر هبة الله ابن سلامة المفسر انها نزلت في الهجرة بين مكة والمدينة نصفها يقارب مكة ونصفها يقارب المدينة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين قوله تعالى ويل للمطففين قال ابن عباس لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":9,"page":51},{"id":3996,"text":" المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى ويل للمطففين فأحسنوا الكيل بعد ذلك وقال السدي قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية وقد شرحنا معنى الويل في البقرة 79 وقال ابن قتيبة المطفف الذي لا يوفي الكيل يقال إناء طفان إذا لم يكن مملوءا وقال الزجاج إنما قيل مطفف لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف وإنما أخذ من طف الشيء وهو جانبه \r\n قوله تعالى الذين إذا اكتالوا على الناس أي من الناس ف على بمعنى من في قول المفسرين واللغويين قال الفراء على و من يعتقبان في هذا الموضع لأنك إذا قلت اكتلت عليك فكأنك قلت أخذت ما عليك كيلا وإذا قلت اكتلت منك فهو كقولك استوفيت منك كيلا قال الزجاج المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل وكذلك إذا اتزنوا ولم يذكر إذا اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يكال ويوزن فأحدهما يدل على الآخر وإذا كالوهم أي كالوا لهم أو وزنوهم أي وزنوا لهم يخسرون أي ينقصون في الكيل والوزن فعلى هذا لا يجوز أن يقف على كالوا ومن الناس من يجعل هم توكيدا لما كالوا ويجوز أن يقف على كالوا والاختيار الأول قال الفراء سمعت أعرابية تقول ","part":9,"page":52},{"id":3997,"text":" إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكليلنا المد والمدين الى الموسم المقبل \r\n قوله تعالى ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون قال الزجاج المعنى لو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن ليوم عظيم يعني به يوم القيامة يوم يقوم الناس منصوب بقوله تعالى مبعوثون قال المفسرون والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين ومعنى يقوم الناس أي من قبورهم لرب العالمين أي لأمره أو لجزائه وحسابه وقيل يقومون بين يديه لفصل القضاء وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في هذه الآية يقوم أحدهم في رشحه الى أنصاف أذنيه وقال كعب يقفون ثلاثمائة عام قال مقاتل وذلك إذا خرجوا من قبورهم \r\n كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدرك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدرئك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون ","part":9,"page":53},{"id":3998,"text":" قوله تعالى كلا ردع وزجر أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء وكان أبو حاتم يقول كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا إن كتاب الفجار قال مقاتل إن كتاب أعمالهم لفي سجين وفيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنها الأرض السابعة وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ومقاتل وروي عن مجاهد قال سجين صخرة تحت الأرض السابعة يجعل كتاب الفجار تحتها وهذه علامة لخسارتهم ودلالة على خساسة منزلتهم \r\n والثاني أن المعنى إن كتابهم لفي سفال قاله الحسن \r\n والثالث لفي خسار قاله عكرمة \r\n والرابع لفي حبس فعيل من السجن قاله أبو عبيدة \r\n قوله تعالى وما أدراك ما سجين هذا تعظيم لأمرها وقال الزجاج أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك \r\n قوله تعالى كتاب مرقوم أي ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب ","part":9,"page":54},{"id":3999,"text":" مرقوم أي مكتوب قال ابن قتيبة والرقم الكتاب قال أبو ذؤيب \r\n ... عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبره الكاتب الحميري ... \r\n وأنشده الزجاج يذبرها بالذال المعجمة وكسر الباء قال الأصمعي يقال زبر كتب وذبر قرأ وروى أبو عمرو عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال الصواب زبرت بالزاي كتبت وذبرت بالذال أتقنت ما حفظت قال والبيت يزبرها بالزاي والضم وقال ابن قتيبة يروى يزبرها ويذبرها وهو مثله يقال زبر الكتاب يزبره ويزبره وذبره يذبره ويذبره وقال قتادة رقم له بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر وقيل المعنى إنه مثبت لهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به \r\n قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين هذا منتظم بقوله تعالى يوم يقوم الناس وما بينهما كلام معترض وما بعده قد سبق بيانه الى قوله تعالى بل ران على قلوبهم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بل ران بفتح الراء مدغمة وقرأ أبو بكر عن عاصم بل ران مدغمة بكسر الراء وقرأ حفص عن عاصم بل بإظهار اللام ران بفتح الراء قال اللغويون أي غلب على قلوبهم يقال الخمرة ترين على عقل السكران قال الزجاج قرئت بإدغام اللام في الراء لقرب ما بين الحرفين وإظهار اللام جائز لأنه من كلمة والرأس من كلمة أخرى ويقال ران على قلبه الذنب يرين رينا إذا ","part":9,"page":55},{"id":4000,"text":" غشي على قلبه ويقال غان يغين غنيا والغين كالغيم الرقيق والرين كالصدأ يغشى على القلب وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول الغين يقال بالراء وبالغين ففي القرآن كلا بل ران وفي الحديث إنه ليغان على قلبي وكذلك الراية تقال بالراء وبالغين والرميصاء تكتب بالغين وبالراء لأن الرمص يكتب بهما قال المفسرون لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم قال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب \r\n قوله تعالى كلا أي لا يصدقون ثم استأنف إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال ابن عباس إنهم عن النظر الى ربهم يومئذ لمحجوبون والمؤمن لا يحجب عن رؤيته وقال مالك بن أنس لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه وقال الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى وقال الزجاج في هذه الآية دليل على أن الله عز و جل يرى ","part":9,"page":56},{"id":4001,"text":" في القيامة ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم ثم من بعد حجبهم عن الله يدخلون النار فذلك قوله تعالى ثم إنهم لصالواالجحيم \r\n قوله تعالى ثم يقال أي يقول لهم خزنة النار هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون كلا أي لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار فقال تعالى لفي عليين وفيها سبعة أقوال \r\n أحدها أنها الجنة رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أنها السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين قاله كعب وهو مذهب مجاهد وابن زيد \r\n والرابع أنها قائمة العرش اليمنى قاله قتادة وقال مقاتل ساق العرش \r\n والخامس أنه سدرة المنتهى قاله الضحاك \r\n والسادس أنه في علو وصعود الى الله عز و جل قاله الحسن وقال الفراء في ارتفاع بعد ارتفاع \r\n والسابع أنه أعلى الأمكنة قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وما أدراك ما عليون هذا تعظيم لشأنها \r\n قوله تعالى كتاب مرقوم الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها ","part":9,"page":57},{"id":4002,"text":" قوله تعالى يشهده المقربون أي يحضر المقربون من الملائكة ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به الى عليين وما بعد هذا قد سبق بيانه الإنفطار 13 الى قوله تعالى ينظرون وفيه قولان \r\n أحدهما الى ما أعطاهم الله من الكرامة \r\n والثاني الى أعدائهم حين يعذبون \r\n قوله تعالى تعرف في وجوههم نضرة النعيم وقرأ أبو جعفر ويعقوب تعرف بضم التاء وفتح الراء نضرة بالرفع قال الفراء بريق النعيم ونداه قال المفسرون إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم لما ترى من الحسن والنور وفي الرحيق ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الخمر قاله الجمهور ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقوال أحدها أجود الخمر قاله الخليل بن أحمد والثانية الخالصة من الغش قاله الأخفش والثالث الخمر البيضاء قاله مقاتل والرابع الخمر العتيقة حكاه ابن قتيبة \r\n والقول الثاني أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك قاله الحسن \r\n والثالث أنه الشراب الذي لا غش فيه قاله ابن قتيبة والزجاج وفي قوله تعالى مختوم ثلاثة أقوال \r\n أحدها ممزوج قاله ابن مسعود \r\n والثاني مختوم على إنائه والى نحو هذا ذهب مجاهد ","part":9,"page":58},{"id":4003,"text":" والثالث له ختام أي عاقبة ريح وتلك العاقبة هي قوله تعالى ختامه مسك أي عاقبته هذا قول أبي عبيدة \r\n ختامه مسك قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ختامه بكسر الخاء وبفتح التاء وبألف بعدهما مرفوعه الميم وقرأ الكسائي خاتمه بخاء مفتوحة بعدها ألف وبعدها تاء مفتوحة وروى الشيزري خاتمه مثل ذلك إلا أنه يكسر التاء وقرأ أبي بن كعب وعروة وأبو العالية ختمه بفتح الخاء والتاء و بضم الميم من غير ألف \r\n وللمفسرين في قوله تعالى ختامه مسك أربعة أقوال \r\n أحدها خلطه مسك قاله ابن مسعود ومجاهد \r\n والثاني أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك قاله ابن عباس \r\n والثالث أن طعمه وريحه مسك قاله علقمة \r\n والرابع أن آخر طعمه مسك قاله سعيد بن جبير والفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج في آخرين \r\n قوله تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي فليجدوا في طلبه وليحرصوا عليه بطاعة الله والتنافس كالتشاح على الشيء والتنازع فيه \r\n قوله تعالى ومزاجه من تسنيم فيه قولان ","part":9,"page":59},{"id":4004,"text":" أحدهما أنه اسم عين في الجنة يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين \r\n والثاني أن التسنيم الماء قاله الضحاك قال مقاتل وإنما سمي تسنيما لأنه يتسنم عليه من جنة عدن فينصب عليهم انصبابا فيشربون الخمر من ذلك الماء قال ابن قتيبة يقال ان التسنيم أرفع شراب في الجنة ويقال إنه يمتزج بماء ينزل من تسنيم أي من علو وأصل هذا من سنام البعير ومن تسنيم القبور وهذا أعجب الي لقول المسيب بن علس في وصف امرأة \r\n ... كأن بريقتها للمزا ... ج من ثلج تسنيم شيبت عقارا ... \r\n أراد كأن بريقتها عقارا شيبت للمزاج من ثلج تسنيم يريد جبلا قال الزجاج المعنى ومزاجه من تسنيم عينا تأتيهم من تسنيم أي من علو يتسنم عليهم من الغرف ف عينا في هذا القول منصوبة كما قال تعالى أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما البلد 15 ويجوز أن تكون عينا منصوبة بقوله يسقون عينا أي من عين وقد بينا معنى يشرب بها في هل أتى 6 \r\n إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا الى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون \r\n قوله تعالى إن الذين أجرموا أي أشركوا كانوا من الذين آمنوا يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل عمار وبلال وخباب وغيرهم يضحكون ","part":9,"page":60},{"id":4005,"text":" على وجه الإستهزاء بهم وإذا مروا يعني المؤمنين بهم أي بالكفار يتغامزون أي يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء بهم وإذا انقلبوا يعني الكفار الى أهلهم انقلبوا فكهين أي متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم وقرأ أبو جعفر وحفص عن عاصم وعبد الرزاق عن ابن عامر فكهين بغير ألف وقد شرحنا معنى القراءتين في يس 55 وإذا رأوهم أي رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا إن هؤلاء لضالون يقول الله تعالى وما أرسلوا يعني الكفار عليهم أي على المؤمنين حافظين يحفظون أعمالهم عليهم أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم فاليوم يعني في الآخرة الذين آمنوا من الكفار يضحكون إذا رأوهم يعذبون في النار قال أبو صالح يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها فإذا أقبلوا يريدون الخروج غلقت أبوابها دونهم والمؤمنون على الأرآئك ينظرون الى عذاب عدوهم قال مقاتل لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون الى أعداء الله كيف يعذبون فيحمدون الله على ما أكرمهم به فهم يكلمون أهل النار ويكلمونهم الى أن تطبق النار على أهلها فتسد حينئذ الكوى \r\n قوله تعالى هل ثوب الكفار وقرأ حمزة والكسائي وهارون عن أبي عمرو هل ثوب بإدغام اللام أي هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا وهذا الإستفهام بمعنى التقرير ","part":9,"page":61},{"id":4006,"text":" سورة الإنشقاق \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب الى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور \r\n قوله تعالى إذا السماء انشقت قال المفسرون انشقاقها من علامات الساعة وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن الفرقان 225 الرحمن 37 الحاقة 16 وأذنت لربها أي استمعت وأطاعت في الإنشقاق من الأذن وهو الإستماع للشيء والإصغاء اليه وأنشدوا \r\n ... صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ","part":9,"page":62},{"id":4007,"text":" وحقت أي حق لها أن تطيع ربها الذي خلقها وإذا الأرض مدت قال ابن عباس تمد مد الأديم ويزاد في سعتها وقال مقاتل لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل فيها \r\n قوله تعالى وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلت أي خلت من ذلك فلم يبق في باطنها شيء واختلفوا في جواب هذه الأشياء المذكورات على أربعة أقوال \r\n أحدها أنه متروك لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن \r\n والثاني أنه يا أيها الإنسان كقول القائل إذا كان كذا وكذا فيا أيها الناس ترون ما عملتم فيجعل يا أيها الإنسان هو الجواب وتضمر فيه الفاء كأن المعنى يرى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت وذكر القولين الفراء \r\n والثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت قاله المبرد \r\n والرابع أن الجواب مدلول عليه بقوله تعالى فملاقيه فالمعنى إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله قاله الزجاج \r\n قوله تعالى إنك كادح الى ربك كدحا فيه قولان \r\n أحدهما إنك عامل لربك عملا قاله ابن عباس \r\n والثاني ساع الى ربك سعيا قاله مقاتل قال الزجاج و الكدح في اللغة السعي والدأب في العمل في باب الدنيا والآخرة قال تميم بن مقبل \r\n ... وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت أخرى أبتغي العيش أكدح ","part":9,"page":63},{"id":4008,"text":" وفي قوله تعالى الى ربك قولان \r\n أحدهما عامل لربك وقد ذكرناه عن ابن عباس \r\n والثاني الى لقاء ربك قاله ابن قتيبة وفي قوله تعالى فملاقيه قولان أحدهما فملاق عملك والثاني فملاق ربك كما ذكرهما الزجاج \r\n قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا وهو أن تعرض عليه سيئاته ثم يغفرها الله له وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من نوقش الحساب هلك فقلت يا رسول الله فإن الله يقول فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال ذلك العرض قوله تعالى وينقلب الى أهله يعني في الجنة من الحور العين والآدميات مسرورا بما أوتي من الكرامة وأما من أوتي كتابه وراء ظهره قال المفسرون تغل يده اليمنى الى عنقه وتجعل يده اليسرى وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا قال الزجاج يقول يا ويلاه يا ثبوراه وهذا يقوله كل من وقع في هلكة \r\n قوله تعالى ويصلى سعيرا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي ويصلى بضم الياء وتشديد اللام وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة ويصلى بفتح الياء خفيفة إلا أن حمزة والكسائي يميلانها وقد شرحناه في سورة النساء 11 ","part":9,"page":64},{"id":4009,"text":" قوله تعالى إنه كان في أهله يعني في الدنيا مسرورا بإتباع هواه وركوب شهواته إنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع الى الآخرة ولن يبعث وهذه صفة الكافر قال اللغويون الحور في اللغة الرجوع وأنشدوا للبيد \r\n ... وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ... \r\n بلى إن ربه كان به بصيرا فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا أتسق لتركبن طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون \r\n قوله تعالى بلى قال الفراء المعنى بلى ليحورون ثم استأنف فقال تعالى إن ربه كان به بصيرا قال المفسرون بصيرا على جميع أحواله \r\n قوله تعالى فلا أقسم قد سبق بيانه \r\n فأما الشفق فقال ابن قتيبة هما شفقان الأحمر والأبيض فالأحمر من لدن غروب الشمس الى وقت صلاة العشاء ثم يغيب ويبقى الشفق الأبيض الى نصف الليل \r\n وللمفسرين في المراد بالشفق هاهنا ستة أقوال \r\n أحدها الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس وقد روى ابن ","part":9,"page":65},{"id":4010,"text":" عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال الشفق الحمرة وهذا قول عمر وابنه وابن مسعود وعبادة وأبي قتادة وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة وأنس وابن المسيب وابن جبير وطاووس ومكحول ومالك والأوزاعي وأبي يوسف والشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وابن قتيبة والزجاج قال الفراء سمعت بعض العرب يقول وعليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر \r\n والثاني أنه النهار \r\n والثالث الشمس روي القولان عن مجاهد \r\n والرابع ما بقي من النهار قاله عكرمة \r\n والخامس السواد الذي يكون بعد ذهاب البياض قاله أبو جعفر محمد ابن علي \r\n والسادس أنه البياض قاله عمر بن عبد العزيز \r\n قوله تعالى والليل وما وسق أي وما جمع وضم وأنشدوا \r\n ... إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا ","part":9,"page":66},{"id":4011,"text":" قال أبو عبيدة وما وسق ما علا فلم يمنع منه شيء فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له فقد وسقها وقال بعضهم معنى ما وسق ما جمع مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه الى مأواه \r\n قوله تعالى والقمر إذا اتسق قال الفراء اتساقه اجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة الى ست عشرة \r\n قوله تعالى لتركبن طبقا عن طبق قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي لتركبن بفتح التاء والباء وفي معناه قولان \r\n أحدهما أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم ثم في معناه قولان أحدهما لتركبن سماء بعد سماء قاله ابن مسعود والشعبي ومجاهد والثاني لتركبن حالا بعد حال قاله ابن عباس وقال هو نبيكم \r\n والقول الثاني أن الإشارة الى السماء والمعنى أنها تتغير ضروبا من التغيير فتارة كالمهل وتارة كالدهان روي عن ابن مسعود أيضا \r\n وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر لتركبن بفتح التاء وضم الباء وهو خطاب لسائر الناس ومعناه لتركبن حالا بعد حال وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وأبو الأشهب ليركبن بالياء ونصب الباء وقرأ أبو المتوكل وأبو عمران وابن يعمر ليركبن والباء وضم الباء و عن بمعنى بعد وهذا قول عامة المفسرين واللغوين وأنشدوا للأقرع بن حابس \r\n ... إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منه الى طبق ","part":9,"page":67},{"id":4012,"text":" ثم في معنى الكلام خمسة أقوال \r\n أحدها أنه الشدائد والأهوال ثم الموت ثم البعث ثم العرض قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه الرخاء بعد الشدة والشدة بعد الرخاء والغنى بعد الفقر والفقر بعد الغنى والصحة بعد السقم والسقم بعد الصحة قاله الحسن \r\n والثالث أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما شابا ثم شيخا قال عكرمة \r\n والرابع أنه تغير حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا فيرتفع من كان وضيعا ويتضع من كان مرتفعا وهذا مذهب سعيد بن جبير \r\n والخامس أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين قاله أبو عبيدة \r\n وكان بعض الحكماء يقول من كان اليوم على حالة وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره الى سواه \r\n قوله تعالى فما لهم يعني كفار مكة لا يؤمنون أي لا يؤمنون بمحمد والقرآن وهو استفهام إنكار وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون فيه قولان \r\n أحدهما لا يصلون قاله عطاء وابن السائب ","part":9,"page":68},{"id":4013,"text":" والثاني لا يخضعون له ويستكينون قاله ابن جرير واختاره القاضي أبو يعلى قال وقد احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة وليس فيها دلالة على ذلك وإنما المعنى لا يخشعون ألا ترى أنه أضاف السجود الى جميع القرآن والسجود يختص بمواضع منه \r\n قوله تعالى بل الذين كفروا يكذبون بالقرآن والبعث والجزاء والله أعلم بما يوعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب قال ابن قتيبة يوعون يجتمعون في قلوبهم وقال الزجاج يقال أوعيت المتاع في الوعاء ووعيت العلم \r\n قوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم أي أخبرهم بذلك وقال الزجاج اجعل للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة العذاب الأليم و الممنون عند أهل اللغة المقطوع ","part":9,"page":69},{"id":4014,"text":" سورة البروج \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد هل أتك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ \r\n قوله تعالى والسماء ذات البروج قد ذكرنا البروج في الحجر 16 واليوم الموعود هو يوم القيامة بإجماعهم وشاهد ومشهود فيه أربعة وعشرون قولا ","part":9,"page":70},{"id":4015,"text":" أحدها أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال علي وابن عباس في رواية وابن زيد فعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدا لأنه يشهد على كل عامل بما فيه وسمي يوم عرفة مشهودا لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج وتشهده الملائكة \r\n والثاني أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر قاله ابن عمر \r\n والثالث أن الشاهد الله عز و جل والمشهود يوم القيامة رواه الوالبي عن ابن عباس \r\n والرابع أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والخامس أن الشاهد محمد صلى الله عليه و سلم والمشهود يوم القيامة رواه يوسف ابن مهران عن ابن عباس وبه قال الحسن بن علي \r\n والسادس أن الشاهد يوم القيامة والمشهود الناس قاله جابر بن عبد الله ","part":9,"page":71},{"id":4016,"text":" والسابع أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم القيامة قاله الضحاك \r\n والثامن أن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة قاله سعيد ابن المسيب \r\n والتاسع أن الشاهد هو الله والمشهود بنو آدم قاله سعيد بن جبير \r\n والعاشر أن الشاهد محمد والمشهود يوم عرفة قاله الضحاك \r\n والحادي عشر أن الشاهد آدم عليه السلام والمشهود يوم القيامة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد \r\n والثاني عشر أن الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة رواه ليث عن مجاهد وبه قال عكرمة \r\n الثالث عشر أن الشاهد آدم عليه السلام وذريته والمشهود يوم القيامة قاله عطاء بن يسار \r\n والرابع عشر أن الشاهد الإنسان والمشهود الله عز و جل قاله محمد بن كعب \r\n والخامس عشر أن الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة قاله إبراهيم \r\n والسادس عشر أن الشاهد عيسى عليه السلام والمشهود أمته قاله أبو مالك ودليله قوله تعالى وكنت عليهم شهيدا المائدة 117 \r\n والسابع عشر أن الشاهد محمد صلى الله عليه و سلم والمشهود أمته قاله عبد العزيز بن يحيى وبيانه وجئنا بك على هؤلاء شهيدا النساء 41 ","part":9,"page":72},{"id":4017,"text":" الثامن عشر أن الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الناس قاله الحسين بن الفضل ودليله لتكونوا شهداء على الناس البقرة 143 \r\n والتاسع عشر أن الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم قاله محمد بن علي الترمذي وحكي عن عكرمة نحوه \r\n والعشرون أن الشاهد الحق والمشهود الكون قاله الجنيد \r\n والحادي والعشرون أن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحاج \r\n والثاني والعشرون أن الشاهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمشهود محمد صلى الله عليه و سلم وبيانه وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الآية آل عمران 81 \r\n والثالث والعشرون أن الشاهد الله عز و جل والملائكة وأولو العلم والمشهود لا إله إلا الله وبيانه شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم آل عمران 18 حكى هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي \r\n والرابع والعشرون أن الشاهد الأنبياء عليهم السلام والمشهود الأمم حكاه شيخنا علي بن عبيد الله \r\n وفي جواب القسم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه قوله تعالى إن بطش ربك لشديد قاله قتادة والزجاج ","part":9,"page":73},{"id":4018,"text":" والثاني أنه قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود كما أن القسم في قوله تعالى والشمس وضحاها قد أفلح حكاه الفراء \r\n والثالث أنه متروك وهذا اختيار ابن جرير \r\n قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود أي لعنوا والأخدود شق يشق في الأرض والجمع أخاديد وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها النار وألقوا فيها من لم يكفر \r\n واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال \r\n أحدها أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر وكان الغلام يمر على راهب فأعجبه أمره فتبعه فعلم به الملك فأمره أن يرجع عن دينه فقال لا أفعل فاجتهد الملك في إهلاكه فلم يقدر فقال الغلام لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني على جذع وارمني بسهم من كنانتي وقل بسم الله رب الغلام ففعل فمات الغلام فقال الناس آمنا برب الغلام فخد الأخاديد وأضرم فيها النار وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا وهذا مختصر الحديث وفيه طول وقد ذكرته في المغنى و الحدائق بطوله من حديث صهيب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني أن ملكا من الملوك سكر فوقع على أخته فلما أفاق قال لها ","part":9,"page":74},{"id":4019,"text":" ويحك كيف المخرج فقالت له اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز و جل قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته ففعل ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه فبسط فيهم السوط ثم جرد السيف فأبوا فخد لهم أخدودا وأوقد فيه النار وقذف من أبى قبول ذلك قاله علي بن طالب \r\n والثالث أنهم ناس اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر المؤمنون ثم تعاهدوا أن لا يغدر بعضهم ببعض فغدر كفارهم فأخذوهم فقال له رجل من المؤمنين أوقدوا نارا وأعرضوا عليها فمن تابعكم على دينكم فذاك الذي تحبون ومن لم يتبعكم أقحم النار فاسترحتم منه ففعلوا فجعل المسلمون يقتحمونها ذكره قتادة \r\n والرابع أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة فأرسل اليهم جبار من عبدة الأوثان فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا فخدلهم أخدودا وألقاهم فيه قاله الربيع بن أنس \r\n والخامس أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعدما رفع عيسى فخد لهم أخدودا وأوقد فيه النار فأحرقهم كلهم فأنزل الله تعالى قتل أصحاب الأخدود وهم يوسف بن ذي نواس وأصحابه قاله مقاتل \r\n والسادس أنهم قوم كانوا يعبدون صنما ومعهم قوم يكتمون إيمانهم ","part":9,"page":75},{"id":4020,"text":" فعلموا بهم فخدوا لهم أخدودا وقذفوهم فيه حكاه الزجاج \r\n واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال \r\n أحدها أنهم كانوا من الحبشة قاله علي كرم الله وجهه \r\n والثاني من بني إسرائيل قاله ابن عباس \r\n والثالث من أهل اليمن قاله الحسن وقال الضحاك كانوا من نصارى اليمن وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بأربعين سنة \r\n والرابع من أهل نجران قاله مجاهد \r\n والخامس من النبط قاله عكرمة \r\n وفي عددهم ثلاثة أقوال \r\n أحدها اثنا عشر ألفا قاله وهب \r\n والثاني سبعون ألفا قاله ابن السائب ","part":9,"page":76},{"id":4021,"text":" والثالث ثمانون رجلا وتسعة نسوة قاله مقاتل \r\n قوله تعالى النار ذات الوقود هذا بدل من الأخدود كأنه قال قتل أصحاب النار و الوقود مفسر في البقرة 24 وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن ومجاهد وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة الوقود بضم الواو إذ هم عليها قعود أي عند النار وكان الملك وأصحابه جلوسا على الكراسي عند الأخدود يعرضون المؤمنين على الكفر فمن أبى ألقوه وهم على يفعلون بالمؤمنين شهود أي حضور فأخبر الله عز و جل في هذه الآيات بقصة قوم بلغ من إيمانهم ويقينهم أن صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن دينهم \r\n قوله تعالى وما نقموا منهم قرأ ابن أبي عبلة نقموا بكسر القاف \r\n قال الزجاج أي ما أنكروا عليهم إيمانهم وقد شرحنا معنى نقموا في المائدة 59 و براءة 74 وشرحنا معنى العزيز الحميد في البقرة 129 267 \r\n قوله تعالى والله على كل شيء شهيد أي لم يخف عليه ما صنعوا فهو شهيد عليهم بما فعلوا \r\n قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي أحرقوهم وعذبوهم \r\n كقوله تعالى يوم هم على النار يفتنون الذاريات 13 ثم لم يتوبوا من شركهم وفعلهم ذلك بالمؤمنين فلهم عذاب جهنم بكفرهم ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا المؤمنين وكلا العذابين في جهنم عند الأكثرين وذهب الربيع بن ","part":9,"page":77},{"id":4022,"text":" أنس في جماعة الى ان النار ارتفعت الى الملك وأصحابه فأحرقتهم فذلك عذاب الحريق في الدنيا قال الربيع وقبض الله أرواح المؤمنين قبل أن تمسهم النار وحكى الفراء أن المؤمنين نجوا من النار وأنها ارتفعت فأحرقت الكفرة \r\n قوله تعالى ذلك الفوز الكبير لأنهم فازوا بالجنة وقال بعض المفسرين فازوا من عذاب الكفار وعذاب الآخرة \r\n قوله تعالى إن بطش ربك قال ابن عباس إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة والجبابرة لشديد \r\n قوله تعالى إنه هو يبديء ويعيد فيه قولان \r\n أحدهما يبدىء الخلق ويعيدهم قاله الجمهور \r\n والثاني يبدىء العذاب في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة رواه العوفي عن ابن عباس وقد شرحنا في هود 90 معنى الودود \r\n قوله تعالى ذو العرش المجيد وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم المجيد بالخفض وقرأ غيرهم بالرفع فمن رفع المجيد جعله من صفات الله عز و جل ومن كسر جعله من صفة العرش \r\n قوله تعالى هل أتاك حديث أي قد أتاك حديث الجنود وهم الذين تجندوا على أولياء الله ثم بين من هم فقال تعالى فرعون وثمود بل الذين كفروا يعني مشركي مكة في تكذيب لك والقرآن أي لم يعتبروا بمن كان قبلهم والله من ورائهم محيط لا يخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو ","part":9,"page":78},{"id":4023,"text":" قرآن مجيد أي كريم لأنه كلام الله وليس كما يقولون بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء وأبو عمران وابن السميفع بل هو قرآن مجيد بغير تنوين وبخفض مجيد في لوح محفوظ وهو اللوح المحفوظ منه نسخ القرآن وسائر الكتب فهو محفوظ عند الله محروس به من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان منه وقرأ نافع محفوظ رفعا على نعت القرآن فالمعنى إنه محفوظ من التحريف والتبديل ","part":9,"page":79},{"id":4024,"text":" سورة الطارق \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والسماء والطارق وما أدرنك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر \r\n قوله تعالى والسماء والطارق قال ابن قتيبة الطارق النجم سمي بذلك لأنه يطرق أي يطلع ليلا وكل من أتاك ليلا فقد طرقك ومنه قول هند ابنة عتبة \r\n ... نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق ... \r\n تريد إن أبانا نجم في شرفه وعلوه \r\n قوله تعالى وما أدراك ما الطارق قال المفسرون ذلك أن هذا الإسم ","part":9,"page":80},{"id":4025,"text":" يقع على كل ما طرق ليلا فلم يكن النبي صلى الله عليه و سلم يدري ما المراد به حتى تبينه بقوله تعالى النجم الثاقب يعني المضيء كما بينا في الصافات 10 \r\n وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه زحل قاله علي رضي الله عنه وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال هو زحل ومسكنه في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم رجع الى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وطارق حين يصعد \r\n والثاني أنه الثريا قاله ابن زيد \r\n والثالث أنه اسم جنس ذكره علي بن أحمد النيسابوري \r\n قوله تعالى إن كل نفس قرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل إن بالتشديد كل بالنصب لما عليها حافظ وقرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم الجحدري وحمزة وأبو حاتم عن يعقوب لمأ بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف \r\n قال الزجاج هذه الآية جواب القسم ومن خفف فالمعنى لعليها حافظ و ما لغو ومن شدد فالمعنى إلا قال فاستعملت لما في موضع ","part":9,"page":81},{"id":4026,"text":" إلا في موضعين أحدهما هذا والآخر في باب القسم تقول سألتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت قال المفسرون المعنى ما من نفس إلا عليها حافظ وفيه قولان \r\n أحدهما أنهم الحفظة من الملائكة قاله ابن عباس قال قتادة يحفظون على الإنسان عمله من خير أو شر \r\n والثاني حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلمه الى المقادير قاله الفراء ثم نبه على البعث بقوله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق أي من أي شيء خلقه الله والمعنى فلينظر نظر التفكر والإستدلال ليعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته \r\n قوله تعالى من ماء دافق قال الفراء معناه مدفوق كقول العرب سر كاتم وهم ناصب وليل نائم وعيشة راضية وأهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلا قال الزجاج ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب الى الإندفاق والمعنى من ماء ذي اندفاق \r\n قوله تعالى يخرج من بين الصلب قرأ ابن مسعود وابن سيرين وابن السميفع وابن أبي عبلة الصلب بضم الصاد واللام جميعا يعني يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة قال الفراء يريد يخرج من الصلب والترائب يقال يخرج من بين هذين الشيئين خير كثير بمعنى يخرج منهما ","part":9,"page":82},{"id":4027,"text":" وفي الترائب ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه موضع القلادة قاله ابن عباس قال الزجاج قال أهل اللغة أجمعون الترائب موضع القلادة من الصدر وأنشدوا لامرىء القيس \r\n ... مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل ... \r\n قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السجنجل المرآة بالرومية وقيل هي سبيكة الفضة وقيل السجنجل الزعفران وقيل ماء الذهب ويروى البيت بالسجنجل \r\n والثاني أن الترائب اليدان والرجلان والعينان رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثالث أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر حكاه الزجاج \r\n قوله تعالى إنه الهاء كناية عن الله عز و جل على رجعه الرجع رد الشيء الى أول حاله وفي هذه الهاء قولان \r\n أحدهما أنها تعود على الإنسان ثم فيه قولان أحدهما أنه على إعادة الإنسان حيا بعد موته قادر قاله الحسن وقتادة قال الزجاج ويدل على هذا القول قوله تعالى يوم تبلى السرائر والثاني أنه على رجعه من حال الكبر ","part":9,"page":83},{"id":4028,"text":" الى الشباب ومن الشباب الى الصبأ ومن الصبأ الى النطفة قادر قاله الضحاك والقول الثاني أنها تعود الى الماء ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال \r\n أحدها رد الماء في الإحليل قاله مجاهد والثاني على رده في الصلب قاله عكرمة والضحاك والثالث على حبس الماء فلا يخرج قاله ابن زيد \r\n قوله تعالى يوم تبلى السرائر التي بين العبد وبين ربه حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها فإن الإنسان مستور في الدنيا لا يدري أصلى أم لا أتوضأ أم لا فإذا كان يوم القيامة أبدى الله كل سر فكان زينا في الوجه أو شينا وقال ابن قتيبة تختبر سرائر القلوب \r\n قوله تعالى فما له من قوة أي فما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره \r\n والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا \r\n قوله تعالى والسماء ذات الرجع أي ذات المطر وسمي المطر رجعا لأنه يجيء ويرجع ويتكرر والأرض ذات الصدع أي ذات الشق وقيل لها هذا لأنها تتصدع وتتشقق بالنبات هذا قول المفسرين وأهل اللغة في الحرفين \r\n قوله تعالى إنه لقول فصل يعني به القرآن وهذا جواب القسم ","part":9,"page":84},{"id":4029,"text":" والفصل الذي يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما وما هو بالهزل أي باللعب والمعنى إنه جد ولم ينزل باللعب وبعضهم يقول الهاء في إنه كناية عن الوعيد المتقدم ذكره \r\n قوله تعالى إنهم يعني مشركي مكة يكيدون كيدا أي يحتالون وهذا الإحتيال المكر برسول الله صلى الله عليه و سلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأكيد كيدا أي أجازيهم على كيدهم بأن أستدرجهم من حيث لا يعلمون فأنتقم منهم في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالنار فمهل الكافرين هذا وعيد من الله لهم ومهل وأمهل لغتان جمعتا هاهنا ومعنى الآية مهلهم قليلا حتى أهلكهم ففعل الله ذلك ببدر ونسخ الإمهال بآية السيف قال ابن قتيبة ومعنى رويدا مهلا ورويدك بمعنى أمهل قال تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي أمهلهم قليلا فإذا لم يتقدمها أمهلهم كانت بمعنى مهلا ولا يتكلم بها إلا مصغرة ومأمورا بها وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر \r\n قال الشاعر \r\n ... كأنها مثل من يمشي على رود ... \r\n أي على مهل ","part":9,"page":85},{"id":4030,"text":" سورة الأعلى \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى ","part":9,"page":86},{"id":4031,"text":" وفي معنى سبح خمسة أقوال \r\n أحدها قل سبحان ربي الأعلى قاله الجمهور \r\n والثاني عظم \r\n والثالث صل بأمر ربك روي القولان عن ابن عباس \r\n والرابع نزه ربك عن السوء قاله الزجاج \r\n والخامس نزه اسم ربك وذكرك إياه أن تذكره وأنت معظم له خاشع له ذكره الثعلبي \r\n وفي قوله تعالى اسم ربك قولان \r\n أحدهما أن ذكر الأسم صلة كقول لبيد بن ربيعة \r\n ... الى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ","part":9,"page":87},{"id":4032,"text":" والثاني أنه أصلي وقال الفراء سبح ربك و سبح اسم ربك سواء في كلام العرب \r\n قوله تعالى الذي خلق فسوى أي فعدل الخلق وقد أشرنا الى هذا المعنى في الإنفطار 7 والذي قدر قرأ الكسائي وحده قدر بالتخفيف فهدى فيه سبعة أقوال \r\n أحدها قدر الشقاوة والسعادة وهدى للرشد والضلالة قاله مجاهد \r\n والثاني جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها اليه قاله عطاء \r\n والثالث قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج قاله السدي \r\n والرابع قدرهم ذكورا وإناثا وهدى الذكر لإتيان الأنثى قاله مقاتل ","part":9,"page":88},{"id":4033,"text":" والخامس أن المعنى قدر فهدى وأضل فحذف وأضل لأن في الكلام دليلا على ذلك حكاه الزجاج \r\n والسادس قدر الأرزاق وهدى الى طلبها \r\n والسابع قدر الذنوب وهدى الى التوبة حكاهما الثعلبي \r\n قوله تعالى والذي أخرج المرعى أي أنبت العشب وما ترعاه البهائم فجعله بعد الخضرة غثاء قال الزجاج أي جففه حتى جعله هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق ماء السيل وقد بينا هذا في سورة المؤمنين 41 فأما قوله تعالى أحوى فقال الفراء الأحوى الذي قد اسود عن القدم والعتق ويكون أيضا أخرج المرعى أحوى أسود من الخضرة فجعله غثاء كما قال تعالى مدهامتان الرحمن 64 \r\n قوله تعالى سنقرئك فلا تنسى قال مقاتل سنعلمك القرآن ونجمعه في قلبك فلا تنساه أبدا \r\n قوله تعالى إلا ما شاء الله فيه ثلاثة أقوال ","part":9,"page":89},{"id":4034,"text":" أحدها إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه قاله الحسن وقتادة \r\n والثاني إلا ما شاء الله أن تنسى شيئا فإنما هو كقوله تعالى خالدين فيها ما دامت السموات والأ ض إلا ما شاء ربك هود 107 فلا يشاء \r\n قوله تعالى إنه يعلم الجهر من القول والفعل وما يخفى منهما ونيسرك لليسرى أي نسهل عليك عمل الخير فذكر أي عظ أهل مكة إن نفعت الذكرى وفي إن ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الشرطية وفي معنى الكلام قولان أحدهما إن قبلت الذكرى قاله يحيى بن سلام والثاني إن نفعت وإن لم تنفع قاله علي بن أحمد النيسابوري \r\n والثاني أنها بمعنى قد فتقديره قد نفعت الذكرى قاله مقاتل \r\n والثالث أنها بمعنى ما فتقديره فذكر ما نفعت الذكرى حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى سيذكر سيتعظ بالقرآن من يخشى ويتجنبها ","part":9,"page":90},{"id":4035,"text":" ويتجنب الذكرى الأشقى الذي يصلى النار الكبرى أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد من نار الدنيا ثم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه وقال ابن جرير تصير نفس أحدهم في حلقه فلا تخرج متفارقه فيموت ولا ترجع الى موضعها من الجسم فيحيا \r\n قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحيوة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى \r\n قوله تعالى قد أفلح قال الزجاج أي صادف البقاء الدائم والفوز من تزكى فيه خمسة أقوال \r\n أحدها من تطهر من الشرك بالإيمان قاله ابن عباس \r\n والثاني من أعطى صدقة الفطر قاله أبو سعيد الخدري وعطاء وقتادة \r\n والثالث من كان عمله زاكيا قاله الحسن والربيع \r\n والرابع أنها زكوات الأموال كلها قاله أبو الأحوص \r\n والخامس تكثر بتقوى الله ومعنى الزاكي النامي الكثير قاله الزجاج \r\n قوله تعالى وذكر اسم ربه قد سبق بيانه الأحزاب : 31 \r\n وفي قوله تعالى فصلى ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها الصلوات الخمس قاله ابن عباس ومقاتل ","part":9,"page":91},{"id":4036,"text":" والثاني صلاة العيدين قاله أبو سعيد الخدري \r\n والثالث صلاة التطوع قاله أبو الأحوص والقول قول ابن عباس في الآيتين فإن هذه السورة مكية بلا خلاف ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد \r\n قوله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا قرأ أبو عمرو وابن قتيبة وزيد عن يعقوب بل يؤثرون بالياء والباقون بالتاء واختار الفراء والزجاج التاء لأنها رويت عن أبي بن كعب بل أنتم تؤثرون فإن أريد بذلك الكفار فالمعنى أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون بها وإن أريد به المسلمون فالمعنى يؤثرون الاستكثار من الدنيا على الإستحسان من الثواب قال ابن مسعود إن الدنيا عجلت لنا وإن الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل \r\n قوله تعالى والآخرة خير لك يعني الجنة أفضل وأبقى أي أدوم من الدنيا \r\n إن هذا لفي الصحف الأولى في المشار إليه أربعة أقوال ","part":9,"page":92},{"id":4037,"text":" أحدها انه قوله تعالى والآخرة خير وأبقى قاله قتادة \r\n والثاني هذه السورة قاله عكرمة والسدي \r\n والثالث أنه لم يرد أن معنى السورة في الصحف الأولى ولا الألفاظ بعينها وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى في الصحف الأولى كما هو في القرآن قاله ابن قتيبة \r\n والرابع أنه من قوله تعالى قد أفلح من تزكى الى قوله وأبقى قاله ابن جرير \r\n ثم بين الصحف الأولى ما هي فقال صحف إبراهيم وموسى وقد فسرناها في النجم 36 ","part":9,"page":93},{"id":4038,"text":" سورةالغاشية وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n هل أتك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع \r\n قوله تعالى هل أتاك أي قد أتاك قاله قطرب وقال الزجاج والمعنى هذا لم يكن من علمك ولا من علم قومك \r\n وفي الغاشية قولان \r\n أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال قاله ابن عباس والضحاك وابن قتيبة \r\n والثاني أنها النار تغشى وجوه الكفار قاله سعيد بن جبير والقرظي ومقاتل ","part":9,"page":94},{"id":4039,"text":" قوله تعالى وجوه يومئذ خاشعة أي ذليلة وفيها قولان \r\n أحدهما أنها وجوه اليهود والنصارى قاله ابن عباس \r\n والثاني أنه جميع الكفار قاله يحيى بن سلام \r\n قوله تعالى عاملة ناصبة فيه أربعة أقوال \r\n أحدها أنهم الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام كعبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم رواه عطاء عن ابن عباس \r\n والثاني أنهم الرهبان وأصحاب الصوامع رواه أبو الضحى عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم \r\n والثالث عاملة ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال لأنها لم تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وقال قتادة تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار بالإنتقال من عذاب الى عذاب قال الضحاك يكلفون ارتقاء جبل في النار وقال ابن السائب يخرون على وجوههم في النار وقال مقاتل عاملة في النار تأكل من النار ناصبة للعذاب \r\n والرابع عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة قاله عكرمة والسدي والكلام هاهنا على الوجوه والمراد أصحابها وقد بينا معنى النصب في قوله تعالى لا يمسهم فيها نصب الحجر 48 ","part":9,"page":95},{"id":4040,"text":" قوله تعالى تصلى نارا حامية قرأ أهل البصرة وعاصم إلا حفصا تصلى بضم التاء والباقون بفتحها قال ابن عباس قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله تسقى من عين آنية أي متناهية في الحرارة قال الحسن وقد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت فدفعوا اليها وردا عطاشا \r\n قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع فيه ستة أقوال \r\n أحدها أنه نبت ذو شوك لا طىء بالأرض وتسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموه ضريعا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة \r\n والثاني أنه شجر من نار رواه الوالبي عن ابن عباس \r\n والثالث أنها الحجارة قاله ابن جبير \r\n والرابع أنه السلم قاله أبو الجوزاء \r\n والخامس أنه في الدنيا الشوك اليابس الذي ليس له ورق وهو في الآخرة شوك من نار قاله ابن زيد ","part":9,"page":96},{"id":4041,"text":" والسادس أنه طعام يضرعون الى الله تعالى منه قاله ابن كيسان \r\n قال المفسرون لما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع فأنزل الله تعالى لا يسمن ولا يغني من جوع وكذبوا فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا وحينئذ يسمى شبرقا لا ضريعا فإذا يبس يسمى ضريعا لم يأكله شيء \r\n فإن قيل إنه قد أخبر في هذه الآية ليس لهم طعام إلا من ضريع وفي مكان آخر ولا طعام إلا من غسلين الحاقة 36 فكيف الجمع بينهما \r\n فالجواب أن النار دركات وعلى قدر الذنوب تقع العقوبات فمنهم من طعامه الزقوم ومنهم من طعامه غسلين ومنهم من شرابه الحميم ومنهم من شرابه الصديد قاله ابن قتيبة \r\n وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ","part":9,"page":97},{"id":4042,"text":" قوله تعالى وجوه يومئذ ناعمة أي في نعمة وكرامة لسعيها في الدنيا راضية والمعنى رضيت بثواب عملها في جنة عالية قد فسرناه في الحاقة آية 22 لا تسمع فيها لا غية قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس لا يسمع بياء مضمومة لاغية بالرفع وقرأ نافع كذلك إلا أنه مضمومة والباقون بتاء مفتوحة ونصب لا غية والمعنى لا تسمع فيها كلمة لغو فيها سرر مرفوعة قال ابن عباس ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجيء أهلها فإذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع الى موضعها وأكواب موضوعة عندهم وقد ذكرنا الأكواب في الزخرف 71 ونمارق وهي الوسائد واحدها نمرقة بضم النون قال الفراء وسمعت بعض كلب تقول نمرقة بكسر النون والراء مصفوفة بعضها الى جنب بعض والزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق مبثوثة كثيرة قال ابن قتيبة كثيرة مفرقة قال المفسرون لما نعت الله سبحانه ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفرة فذكرهم صنعه فقال تعالى أفلا ينظرون ","part":9,"page":98},{"id":4043,"text":" الى الإبل وقال قتادة ذكر الله ارتفاع سرر الجنة وفرشها فقالوا كيف نصعدها فنزلت هذه الآية قال العلماء وإنما خص الإبل من غيرها لأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها ولم يشاهدوا الفيل إلا الشاذ منهم ولأنها كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها فيلاحظون فيها العبر الدالة على قدرة الخالق من إخراج لبنها من بين فرث ودم و من عجيب خلقها وهي على عظمها مذللة للحمل الثقيل وتنقاد للصبي الصغير وليس في ذوات الأربع ما يحمل عليه وقره وهو بارك فيطيق النهوض به سواها وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني والأصمعي عن أبي عمرو الإبل بإسكان الباء وتخفيف اللام وقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو المتوكل والجحدري وابن السميفع ويونس بن حبيب وهارون كلاهما عن أبي عمرو الإبل بكسر الباء وتشديد اللام قال هارون قال أبو عمرو الإبل بتشديد اللام السحاب الذي يحمل الماء \r\n قوله تعالى كيف خلقت وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو العالية وأبو عمران وابن أبي عبلة خلقت بفتح الخاء وضم التاء \r\n وكذلك قرؤوا رفعت ونصبت و سطحت ","part":9,"page":99},{"id":4044,"text":" قوله تعالى والى السماء كيف رفعت من الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد والى الجبال كيف نصبت على الأرض لا تزول ولا تتغير والى الأرض كيف سطحت أي بسطت والسطح بسط الشيء وكل ذلك يدل على قدرة خالقه فذكر أي عظ إنما أنت مذكر أي واعظ ولم يكن حينئذ أمر بغير التذكير ويدل عليه قوله تعالى لست عليهم بمسيطر أي بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان ثم نسختها آية السيف وقرأ ابو رزين وأبو عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد وقتادة والحلواني عن ابن عامر بمسيطر بالسين وقد سبق بيان المسيطر في قوله تعالى أم هم المسيطرون الطور 37 \r\n قول تعالى إلا من تولى وهذا استثناء منقطع معناه لكن من تولى وكفر بعد التذكر وقرأ ابن عباس وعمرو بن العاص وأنس بن مالك وأبو مجلز وقتادة وسعيد بن جبير ألا من تولى بفتح الهمزة وتخفيف اللام فيعذبه الله العذاب الأكبر وهو أن يدخله جهنم وذلك أنهم قد عذبوا في الدنيا ","part":9,"page":100},{"id":4045,"text":" بالجوع والقتل والأسر فكان عذاب جهنم هو الأكبر إن إلينا إيابهم قرأ أبي بن كعب وعائشة وعبد الرحمن وأبو جعفر إيابهم بتشديد الياء أي رجوعهم ومصيرهم بعد الموت ثم إن علينا حسابهم قال مقاتل أي جزاءهم ","part":9,"page":101},{"id":4046,"text":" سورة الفجر \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد \r\n قوله تعالى والفجر قال ابن عباس الفجر انفجار الظلمة عن الصبح وانفجر الماء ايجس قال شيخنا علي بن عبيد الله الفجر ضوء النهار إذا انشق عنه الليل وهو مأخوذ من الإنفجار يقال انفجر النهر ينفجر انفجارا إذا انشق فيه موضع لخروج الماء ومن هذا سمي الفاجر فاجرا لأنه خرج عن طاعة الله \r\n وللمفسرين في المراد بهذا الفجر ستة أقوال ","part":9,"page":102},{"id":4047,"text":" أحدها أنه الفجر المعروف الذي هو بدء النهار قاله علي رضي الله عنه وروى أبو صالح عن ابن عباس قال هو انفجار الصبح كل يوم وبهذا قال عكرمة وزيد بن أسلم والقرظي \r\n والثاني صلاة الفجر رواه عطية عن ابن عباس \r\n والثالث النهار كله فعبر عنه بالفجر لأنه أوله وروى هذا المعنى أبو نصر عن ابن عباس \r\n والرابع أنه فجر يوم النحر خاصة قاله مجاهد \r\n والخامس أنه فجر أول يوم من ذي الحجة قاله الضحاك \r\n والسادس أنه أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة قاله قتادة \r\n قوله تعالى وليال عشر فيها أربعة أقوال \r\n أحدها أنه عشر ذي الحجة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل ","part":9,"page":103},{"id":4048,"text":" والثاني أنها العشر الأواخر من رمضان رواه أبو ظبيان عن ابن عباس \r\n والثالث العشر الأول من رمضان قاله الضحاك \r\n والرابع العشر الأول من المحرم قاله يمان بن رئاب \r\n قوله تعالى والشفع والوتر قرأ حمزة والكسائي وخلف والوتر بكسر الواو وفتحها الباقون وهما لغتان قال الفراء الكسر لقريش وتميم وأسد والفتح لأهل الحجاز \r\n وللمفسرين في الشفع والوتر عشرون قولا \r\n أحدهما أن الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى والوتر ليلة النحر رواه أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثاني يوم النحر والوتر يوم عرفة رواه جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال ابن عباس وعكرمة والضحاك ","part":9,"page":104},{"id":4049,"text":" والثالث أن الشفع والوتر الصلاة منها الشفع ومنها الوتر رواه عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبه قال قتادة ","part":9,"page":105},{"id":4050,"text":" والرابع أن الشفع الخلق كله والوتر الله تعالى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية مسروق وأبو صالح \r\n والخامس أن الوتر آدم شفع بزوجته رواه مجاهد عن ابن عباس \r\n والسادس أن الشفع يومان بعد يوم النحر وهو النفر الأول والوتر اليوم الثالث وهو النفر الأخير قاله عبد الله بن الزبير واستدل بقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه البقرة 203 \r\n والسابع أن الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب حكاه عطية \r\n والثامن أن الشفع الركعتان من صلاة المغرب والوتر الركعة الثالثة قاله أبو العالية والربيع بن أنس \r\n والتاسع أن الشفع والوتر الخلق كله منه شفع ومنه وتر قاله ابن زيد ومجاهد في رواية \r\n والعاشر أنه العدد منه شفع ومنه وتر وهذا والذي قبله مرويان عن الحسن \r\n والحادي عشر أن الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة قاله الضحاك ","part":9,"page":106},{"id":4051,"text":" والثاني عشر أن الشفع هو الله لقوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم المجادلة 7 والوتر هو الله لقوله تعالى قل هو الله أحد قاله سفيان بن عيينة \r\n والثالث عشر أن الشفع هو آدم وحواء والوتر الله تعالى قاله مقاتل ابن سليمان \r\n والرابع عشر أن الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة قاله مقاتل بن حيان \r\n والخامس عشر الشفع درجات الجنان لأنها ثمان والوتر دركات النار لأنها سبع فكأن الله أقسم بالجنة والنار قاله الحسين بن الفضل \r\n والسادس عشر الشفع تضاد أوصاف المخلوقين بين عز وذل وقدرة وعجز وقوة وضعف وعلم وجهل وموت وحياة والوتر انفراد صفات الله عز و جل عز بلا ذل وقدرة بلا عجز وقوة بلا ضعف وعلم بلا جهل وحياة بلا موت قاله أبو بكر الوراق \r\n والسابع عشر أن الشفع الصفا والمروة والوتر البيت \r\n والثامن عشر أن الشفع مسجد مكة والمدينة والوتر بيت المقدس \r\n والتاسع عشر أن الشفع القرآن بين الحج والتمتع والوتر الإفراد \r\n والعشرون الشفع العبادات المتكررة كالصلاة والصوم والزكاة ","part":9,"page":107},{"id":4052,"text":" والوتر العبادة التي لا تتكرر وهو الحج حكى هذه الأقوال الأربعة الثعلبي \r\n قوله تعالى والليل إذا يسر وقرأ ابن كثير ويعقوب يسري بياء في الوصل والوقف وافقهما في الوصل نافع وأبو عمرو وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي يسر بغير ياء في الوصل والوقف قال الفراء والزجاج الأختيار حذفها لمشاكلتها لرؤوس الآيات ولإتباع المصحف وفي قوله تعالى والليل إذا يسر قولان \r\n أحدهما أن الفعل له ثم فيه قولان أحدهما إذا يسري ذاهبا قاله الجمهور وهو اختيار الزجاج والثاني إذا يسري مقبلا قاله قتادة \r\n والقول الثاني أن الفعل لغيره والمعنى إذا يسري فيه كما يقال ليل نائم أي ينام فيه قاله الأخفش وابن قتيبة \r\n وفي المراد بهذا الليل ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه عام في كل ليلة وهذا الظاهر \r\n والثاني أنه ليلة المزدلفة وهي ليلة جمع قاله مجاهد وعكرمة \r\n والثالث ليلة القدر حكاه الماوردي ","part":9,"page":108},{"id":4053,"text":" قوله تعالى هل في ذلك أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم لذي حجر أي لذي عقل وسمي العقل حجرا لأنه يحجر صاحبه عن القبيح وسمي عقلا لأنه يعقل عمالا يحسن وسمي العقل النهى لأنه ينهى عما لا يحل ومعنى الكلام أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه دلائل على توحيد الله وقدرته فهو حقيق أن يقسم به لدلالته وجواب القسم قوله تعالى إن ربك لبالمرصاد فأعترض بين القسم وجوابه بقوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد فخوف أهل مكة بإهلاك من كان أشد منهم وقرأ ابن مسعود وابن يعمر بعاد إرم بكسر الدال من غير تنوين على الإضافة \r\n وفي إرم أربعة أقوال \r\n أحدها أنه اسم بلدة قال الفراء ولم يجر إرم لأنها اسم بلدة ثم فيها ثلاثة أقوال أحدها أنها دمشق قاله سعيد بن المسيب وعكرمة ","part":9,"page":109},{"id":4054,"text":" وخالد الربعي والثاني الإسكندرية قاله محمد بن كعب والثالث أنها مدينة صنعها شداد بن عاد وهذا قول كعب وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى \r\n والقول الثاني أنه اسم أمة من الأمم ومعناه القديمة قاله مجاهد \r\n والثالث أنه قبيلة من قوم عاد قاله قتادة ومقاتل قال الزجاج ","part":9,"page":110},{"id":4055,"text":" وإنما لم تنصرف إرم لأنها جعلت اسما للقبيلة ففتحت وهي في موضع خفض \r\n والرابع أنه اسم لجد عاد لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح قاله ابن إسحاق قال الفراء فإن كان اسما لرجل على هذا القول فإنما ترك إجراؤه لأنه كالعجمي قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى هي إرم وهي التي قال الله تعالى وأنه أهلك عادا الأولى النجم 50 \r\n وهل قوم هود عاد الأولى أم لا فيه قولان قد ذكرناهما في النجم \r\n وفي قوله تعالى إرم ذات العماد أربعة أقوال \r\n أحدها لأنهم كانوا أهل عمد وخيام يطلبون الكلأ حيث كان ثم يرجعون الى منازلهم فلا يقيمون في موضع روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والفراء \r\n والثاني أن معنى ذات العماد ذات الطول روي عن ابن عباس أيضا وبه قال مقاتل وأبو عبيدة قال الزجاج يقال رجل معمد إذا كان طويلا ","part":9,"page":111},{"id":4056,"text":" والثالث ذات القوة والشدة مأخوذ من قوة الأعمدة قاله الضحاك \r\n والرابع ذات البناء المحكم بالعماد قاله ابن زيد وقيل إنما سميت ذات العماد لبناء بناه بعضهم \r\n قوله تعالى التي لم يخلق مثلها في البلاد وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو عمران لم تخلق بتاء مفتوحة ورفع اللام مثلها بنصب اللام \r\n وقرأ معاذ القارىء وعمرو بن دينار لم تخلق بنون مفتوحة ورفع اللام مثلها بنصب اللام \r\n وفي المشار إليها قولان \r\n أحدهما لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة وهذا معنى قول الحسن \r\n والثاني المدينة لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد قاله عكرمة \r\n وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة وهذه الإشارة الى ذلك \r\n روى وهب بن منبه عن عبدالله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب ","part":9,"page":112},{"id":4057,"text":" الحصن فلما دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما والبابان مرصعان بالياقوت الأبيض و الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا قصور كل قصر فوقه غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت ومصاريع تلك الغرف مثل مصاريع المدينة يقابل بعضها بعضا مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق من مسك وزعفران فلما عاين ذلك ولم ير احدا هاله ذلك ثم نظر الى الأزقة فاذا هو في كل زقاق منها شجر قد أثمر وتحت الشجر أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة فقال الرجل إن هذه هي الجنة فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزعفران ورجع الى اليمن فأظهر ما كان معه وبلغ الأمر الى معاوية فأرسل إليه فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية الى كعب الأحبار فلما أتاه قال له يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال نعم أخبرك بها وبمن بناها إنما بناها شداد بن عاد والمدينة ","part":9,"page":113},{"id":4058,"text":" إرم ذات العماد قال فحدثني حديثها فقال إن عادا المنسوب إليهم عاد الأولى كان له ولدان شديد وشداد فلما مات عاد ثم مات شديد وبقي شداد ملك الأرض ودانت له الملوك وكان مولعا بقراءة الكتب فكان إذا مر بذكر الجنة دعته نفسه الى بناء مثلها عتوا على الله تعالى فأمر بصنع إرم ذات العماد فأمر على عملها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان وكتب الى ملوك الأرض أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر فخرج القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة فوقفوا على صحراء عظيمة نقية من التلال وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا هذه صفة الأرض التي أمر الملك أن يبنى بها فوضعوا أساسها من الجزع اليماني وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة وكان عمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه وقد فرغوا منها قال انطلقوا واجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر عند ","part":9,"page":114},{"id":4059,"text":" كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي ففعلوا ذلك فأمر الملك الوزراء وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة الى إرم ذات العماد وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين ثم ساروا اليها فلما كانوا منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا ولم يبق منهم أحد ","part":9,"page":115},{"id":4060,"text":" وروى الشعبي عن دغفل الشياني عن علماء حمير قالوا لما هلك شداد ابن عاد ومن معه من الصيحة ملك بعده ابنه مرثد بن شداد وقد كان أبوه خلفه بحضرموت على ملكه وسلطانه فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة الى حضرموت وأمر بدفنه فحفرت له حفيرة في مفازة فاستودعه فيها على سرير من ذهب وألقى عليه سبعين حلة منسوجة بقضبان الذهب ووضع عند رأسه لوحا عظيما من ذهب وكتب عليه \r\n ... إعتبر يا أيها المغ ... رور بالعمر المدير ... \r\n ... أنا شداد بن عاد ... صاحب الحصن المشيد ... \r\n ... وأخو القوة والبأ ... ساء والملك الحشيد ","part":9,"page":116},{"id":4061,"text":" دان أهل الأرض طرا ... لي من خوف وعيدي ... \r\n ... وملكت الشرق والغر ... ب بسلطان شديد ... \r\n ... وبفضل الملك والعد ... دة فيه والعديد ... \r\n ... فأتى هود وكنا ... في ضلال قبل هود ... \r\n ... فدعانا لو قبلنا ... ه الى الأمر الرشيد ... \r\n ... فعصيناه ونادى ... ما لكم هل من محيد ... \r\n ... فأتتنا صيحة ته ... وي من الأفق البعيد ... \r\n ... فتوافينا كزرع ... وسط بيداء حصيد ... \r\n قوله تعالى وثمود الذين جابوا الصخر قطعوه ونقبوه قال إسحاق والوادي وادي القرى وقرأ الحسن بالوادي بإثبات الياء في الحالين وفرعون ذي الأوتاد مفسر في سورة ص 12 الذين طغوا في البلاد يعني عادا وثمود وفوعون عملوا بالمعاصي وتجبروا على أنبياء الله فأكثروا فيها الفساد القتل والمعاصي فصب عليهم ربك سوط عذاب ","part":9,"page":117},{"id":4062,"text":" قال ابن قتيبة وإنما قال سوط عذاب لأن التعذيب قد يكون بالسوط \r\n وقال الزجاج أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب إن ربك لبالمرصاد أي يرصد من كفر به بالعذاب والمرصد الطريق وقد شرحناه في قوله تعالى كانت مرصادا النبأ 21 \r\n فأما الإنسان إذا ما ابتله ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتله فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول ياليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي \r\n قوله تعالى فأما الإنسان فيمن عنى به أربعة أقوال \r\n أحدها عتبة بن ربيعة وأبو حذيفة بن المغيرة رواه عن ابن عباس \r\n والثاني أبي بن خلف قاله ابن السائب \r\n والثالث أمية بن خلف قاله مقاتل ","part":9,"page":118},{"id":4063,"text":" والرابع أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث قال الزجاج وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى واليسر فأكرمه بالمال ونعمه بما وسع عليه من الإفضال فيقول ربي أكرمني فتح ياء ربي أكرمني ربي أهانني أهل الحجاز وأبو عمرو أي فضلني بما أعطاني ويظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه وأما إذا ما ابتلاه بالفقر فقدر عليه رزقه وقرأ أبو جعفر وابن عامر فقدر بتشديد الدال والمعنى ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة فيقول ربي أهانني أي هذا الهوان منه لي حين أذلني بالفقر \r\n واعلم أن من لا يؤمن بالبعث فالكرامة عنده زيادة الدنيا والهوان قلتها ","part":9,"page":119},{"id":4064,"text":" قوله تعالى كلا أي ليس الأمر كما يظن قال مقاتل ما أعطيت من أغنيت هذا الغنى لكرامته علي ولا أفقرت من أفقرت لهوانه علي وقال الفراء المعنى لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين الفقر والغنى ثم أخبر عن الكفار فقال تعالى بل لا تكرمون اليتيم قرأ أهل البصرة يكرمون و يحضون و يأكلون و يحبون بالياء فيهن والباقون بالتاء ومعنى الآية إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم والآية تحتمل معنيين \r\n أحدهما أنهم كانوا لا يبرونه \r\n والثاني لا يعطونه حقه من الميراث وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ويدل على المعنى الأول قوله تعالى ولا تحاضون على طعام المسكين قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة تحاضون بألف مع فتح التاء وروى الشيرزي عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء والمعنى لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة ويدل على المعنى الثاني قوله تعالى وتأكلون التراث أكلا لما قال ابن قتيبة التراث الميراث والتاء فيه منقلبة عن واو ","part":9,"page":120},{"id":4065,"text":" كما قالوا تجاه والأصل وجاه وقالوا تخمة والأصل وخمة و لما أي شديدا وهو من قولك لممت بالشيء إذا جمعته وقال الزجاج هو ميراث اليتامى \r\n قوله تعالى وتحبون المال أي تحبون جمعه حبا جما أي كثير فلا تنفقونه في خير كلا أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم فقال تعالى إذا دكت الأرض دكا دكا أي مرة بعد مرة فتكسر كل شيء عليها وجاء ربك قد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله البقرة 210 \r\n قوله تعالى والملك صفا صفا أي تأتي ملائكة كل سماء صفا صفا على حدة قال الضحاك يكونون سبعة صفوف وجيء يومئذ بجهنم روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ","part":9,"page":121},{"id":4066,"text":" صلى الله عليه و سلم يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها قال مقاتل يجاء بها فتقام عن يسار العرش \r\n قوله تعالى يومئذ أي يوم يجاء بجهنم يتذكر الإنسان أي يتعظ الكافر ويتوب قال مقاتل هو أمية بن خلف وأنى له الذكرى أي كيف له بالتوبة وهي في القيامة لا تنفع يقول يا ليتني قدمت العمل الصالح في الدنيا لحياتي في الآخرة التي لا موت فيها فيومئذ لا يعذب عذابه أحد قرأ الكسائي ويعقوب والمفضل لا يعذب بفتح الذال والباقون بكسرها فمن فتح أراد لا يعذب عذاب الكافر أحد ومن كسر أراد لا يعذب عذاب الله أحد أي كعذابه وهذه القراءة تختص بالدنيا والأولى تختص بالآخرة ","part":9,"page":122},{"id":4067,"text":" قوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال \r\n أحدها في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد قاله أبو هريرة وبريدة الأسلمي \r\n والثاني في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة قاله الضحاك \r\n والثالث في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة قاله مقاتل \r\n والرابع في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حكاه الماوردي \r\n والخامس في جميع المؤمنين قاله عكرمة \r\n وفي معنى المطمئنة ثلاثة أقوال \r\n أحدها المؤمنة قاله ابن عباس وقال الزجاج المطمئنة بالإيمان \r\n والثاني الراضية بقضاء الله قاله مجاهد \r\n والثالث الموقنة بما وعد الله قاله قتادة \r\n واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين \r\n أحدهما عند خروجها من الدنيا قاله الأكثرون \r\n والثاني عند البعث يقال لها ارجعي الى صاحبك والى جسدك فيأمر الله الأرواح أن تعود الى الأجساد رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء وعكرمة والضحاك ","part":9,"page":123},{"id":4068,"text":" وفي قوله تعالى ارجعي الى ربك راضية أربعة أقوال \r\n أحدها ارجعي الى صاحبك الذي كنت في جسده وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس وبه قال عكرمة والضحاك \r\n والثاني ارجعي الى ربك بعد الموت في الدنيا قاله أبو صالح \r\n والثالث ارجعي الى ثواب ربك قاله الحسن \r\n والرابع يا أيتها النفس المطمئنة الى الدنيا ارجعي الى الله تعالى بتركها حكاه الماوردي \r\n قوله تعالى فادخلي في عبادي أي في جملة عبادي المصطفين قال أبو صالح يقال لها عند الموت ارجعي الى ربك فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وقال الفراء ادخلي مع عبادي وقرأ سعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو العالية وأبو عمران في عبدي على التوحيد قال الزجاج فعلى هذه القراءة والله أعلم ","part":9,"page":124},{"id":4069,"text":" يكون المعنى ارجعي الي ربك أي الى صاحبك الذي خرجت منه فادخلي فيه ","part":9,"page":125},{"id":4070,"text":" سورة البلد \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم \r\n لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين \r\n قوله تعالى لا أقسم قال الزجاج المعنى أقسم و لا دخلت توكيدا كقوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب الحديد 29 وقرأ عكرمة ومجاهد وأبو عمران وأبو العالية لأقسم قال الزجاج وهذه القراءة بعيدة في العربية وقد شرحنا هذا في أول القيامة \r\n قوله تعالى وأنت حل بهذا البلد فيه ثلاثة أقوال ","part":9,"page":126},{"id":4071,"text":" و البلد هاهنا مكة \r\n أحدها حل لك ما صنعت في هذا البلد من قتل أو غيره قاله ابن عباس ومجاهد قال الزجاج يقال رجل حل وحلال ومحل قال المفسرون والمعنى إن الله تعالى وعد نبيه أن يفتح مكة على يديه بأن يحلها له فيكون فيها حلا \r\n والثاني فأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله يعني عام الفتح قاله الحسن وعطاء \r\n والثالث أن المشركين بهذا البلد يستحلون إخراجك وقتلك ويحرمون قتل الصيد حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى ووالد وما ولد فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه آدم وما ولد قاله الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة ","part":9,"page":127},{"id":4072,"text":" والثاني أولاد إبراهيم وما ولد ذريته قاله أبو عمران الجوني \r\n والثالث أنه عام في كل والد وما ولد حكاه الزجاج \r\n قوله تعالى لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم \r\n وفيمن عنى بالإنسان خمسة أقوال \r\n أحدهما أنه اسم جنس وهو معنى قول ابن عباس \r\n والثاني أنه أبو الأشدين الجمحي وقد سبق ذكره المدثر 29 والانفطار 5 قاله الحسن ","part":9,"page":128},{"id":4073,"text":" والثالث أنه الحارث بن عامر بن نوفل وذلك أنه أذنب ذنبا فأمره النبي صلى الله عليه و سلم بالكفارة فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد قاله مقاتل \r\n والرابع آدم عليه السلام قاله ابن زيد \r\n والخامس الوليد بن المغيرة حكاه الثعلبي \r\n قوله تعالى في كبد فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها في نصب رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو عبيدة فإنهم قالوا في شدة قال الحسن يكابد الشكر على السراء والصبر على الضراء لأنه لا يخلو من أحدهما ويكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة قال ابن قتيبة في شدة غلبة ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة فعلى هذا يكون من مكابدة الأمر وهي معاناته \r\n والثاني أن المعنى خلق منتصبا يمشي على رجلين وسائر الحيوان ","part":9,"page":129},{"id":4074,"text":" غير منتصب رواه مقسم عن ابن عباس وبه قال عكرمة والضحاك وعطية والفراء فعلى هذا يكون معنى الكبد الإستواء والإستقامة \r\n والثالث في وسط السماء قال ابن زيد لقد خلقنا الإنسان يعني آدم في كبد أي في وسط السماء \r\n قوله تعالى أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يعني الله عز و جل أي أيحسب أن لن نقدر على بعثه ومعاقبته يقول أهلكت مالا لبدا أي كثيرا قال أبو عبيدة هو فعل من التلبد وهو المال الكثير بعضه على بعض قال ابن قتيبة وهو المال المتلبد ","part":9,"page":130},{"id":4075,"text":" كأن بعضه على بعض قال الزجاج وهو فعل للكثرة كما يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعائشة وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو العالية وأبو جعفر لبدا بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو المتوكل وأبو عمران لبدا بفتح اللام وتسكين الباء خفيفة وقرأ عثمان بن عفان والحسن ومجاهد لبدا برفع اللام والباء وتخفيفهما وقرأ علي وابن أبي الجوزاء لبدا بكسر اللام وفتح الباء مخففة \r\n وفيما قال لأجله ذلك قولان \r\n أحدهما أنه أراد أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد قاله ابن السائب فكأنه استطال بما أنفق \r\n والثاني أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا قاله مقاتل فكأنه ندم على ما أنفق \r\n قوله تعالى أيحسب أن لم يره أحد يعني الله عز و جل والمعنى أيظن أن الله لم ير نفقته ولم يحصها وكان قد ادعى ما لم ينفق ","part":9,"page":131},{"id":4076,"text":" قوله تعالى ألم نجعل له عينين والمعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على بعثه \r\n قوله تعالى وهديناه النجدين فيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها سبيل الخير والشر قاله علي والحسن والفراء وقال ابن قتيبة يريد طريق الخير والشر وقال الزجاج النجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر كتبين الطريقين العاليين \r\n والثاني سبيل الهدى والضلال قاله ابن عباس وقال مجاهد هو سبيل الشقاوة والسعادة \r\n والثالث الثديان ليتغذى بلبنهما روي عن ابن عباس أيضا وبه قال ابن المسيب والضحاك وقتادة \r\n فلا أقتحم العقبة وما أدرسك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة ","part":9,"page":132},{"id":4077,"text":" قوله تعالى فلا اقتحم العقبة قال أبو عبيدة فلم يقتحم العقبة في الدنيا وقال ابن قتيبة فلا هو اقتحم العقبة قال الفراء لم يضم الى قوله تعالى فلا اقتحم العقبة كلاما آخر فيه لا والعرب لا تكاد تفرد لا في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر كقوله تعالى فلا صدق ولا صلى القيامة 31 ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة 62 ومعنى لا مأخوذ من آخر هذا الكلام فاكتفى بواحدة من الأخرى ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة فقال فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة ثم كان من الذين آمنوا ففسرها بثلاثة أشياء فكأنه كان في أول الكلام فلا فعل ذا ولا ذا وذهب ابن زيد في آخرين الى أن المعنى أفلا اقتحم العقبة على وجه الإستفهام والمعنى فهلا أنفق ماله في فك الرقاب والإطعام ليجاوز بذلك العقبة \r\n فأما الإقتحام فقد بيناه في ص 59 \r\n وفي العقبة سبعة أقوال \r\n أحدها أنه جبل في جهنم قاله ابن عمر ","part":9,"page":133},{"id":4078,"text":" والثاني عقبة دون الجسر قاله الحسن \r\n والثالث سبعون دركة في جهنم قاله كعب \r\n والرابع الصراط قاله مجاهد والضحاك \r\n والخامس نار دون الجسر قاله قتادة \r\n والسادس طريق النجاة قاله ابن زيد \r\n والسابع أن ذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام ذكره علي بن أحمد النيسابوري في آخرين \r\n قوله تعالى وما أدراك ما القعبة قال سفيان بن عينية كل ما فيه وما أدراك فقد أخبره وكل ما فيه وما يدريك فإنه لم يخبره به قال المفسرون المعنى وما أدراك ما اقتحام العقبة ثم بينه فقال تعالى ","part":9,"page":134},{"id":4079,"text":" فك رقبة قرأ ابن كثير وأبوه عمرو إلا عبد الوارث والكسائي والداجوني عن ابن ذكوان فك بفتح الكاف رقبة بالنصب أوأطعم بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف وقرأ عاصم وابن عامر ونافع وحمزة فك بالرفع رقبة بالخفض أو إطعام بالألف ومعنى فك الرقبة تخليصها من أسر الرق وكل شيء أطلقته فقد فككته ومن قرأ فك رقبة على الفعل فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل واختاره الفراء لقوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا قال ابن قتيبة والمسغبة المجاعة يقال سغب يسغب سغوبا إذا جاع يتيما ذا مقربة أي ذا قرابة أو مسكينا ذا متربة أي ذا فقر كأنه لصق بالتراب وقال ابن عباس هو المطروح في التراب لايقيه شيء ثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا و ثم هاهنا بمعنى الواو كقوله تعالى ثم الله شهيد يونس 46 ","part":9,"page":135},{"id":4080,"text":" قوله تعالى وتواصوا بالصبر على فرائض الله وأمره وتواصوا بالمرحمة أي بالتراحم بينهم وقد ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في الواقعة 7 8 قال الفراء و المؤصدة المطبقة قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولايخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد وقال ابن قتيبة يقال أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وقال الزجاج المعنى أن العذاب مطبق عليهم وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم موصدة بغير همز هاهنا وفي الهمزة 8 وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بالهمز في الموضعين ","part":9,"page":136},{"id":4081,"text":" سورة الشمس \r\n وهي مكيه كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها \r\n قوله تعالى والشمس وضحاها في المراد بضحاها ثلاثة أقوال \r\n أحدها ضوؤها قاله مجاهد والزجاج والضحى حين يصفو ضوء الشمس بعد طلوعها \r\n والثاني النهار كله قاله قتادة وابن قتيبة \r\n والثالث حرها قاله السدي ومقاتل والقمر إذا تلاها فيه قولان ","part":9,"page":137},{"id":4082,"text":" أحدهما إذا تبعها قاله ابن عباس في آخرين ثم في وقت اتباعه لها ثلاثة أقوال أحدهما أنه في أول ليلة من الشهر يرى القمر إذا سقطت الشمس قال قتادة والثاني أنه في الخامس عشر يطلع القمر مع غروب الشمس حكاه الماوردي والثالث أنه في النصف الأول من الشهر إذا غربت تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور حكاه علي بن أحمد النيسابوري \r\n والقول الثاني إذا ساواها قاله مجاهد وقال غيره إذا استدار فتلا الشمس في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض \r\n قوله تعالى والنهار إذا جلاها في المكني عنها قولان \r\n أحدهما أنها الشمس قاله مجاهد فيكون المعنى والنهار إذا بين الشمس لأنها تتبين إذا انبسط النهار \r\n والثاني أنها الظلمة فيكون كناية عن غير مذكور لأن المعنى معروف كما تقول أصبحت باردة وهبت شمالا وهذا قول الفراء واللغويين \r\n والليل إذا يغشاها أي يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق \r\n قوله تعالى والسماء وما بناها في ما قولان ","part":9,"page":138},{"id":4083,"text":" أحدهما بمعنى من تقديره ومن بناها قاله الحسن ومجاهد وأبو عبيدة وبعضهم يجعلها بمعنى الذي \r\n والثاني أنها بمعنى المصدر تقديره وبنائها وهذا مذهب قتادة والزجاج وكذلك القول في وما طحاها وما سواها وقد قرأ أبو عمران الجوني في آخرين ومن بناها ومن طحاها ومن سواها كله بالنون قال أبو عبيدة ومعنى طحاها بسطها يمينا وشمالا ومن كل جانب قال ابن قتيبة يقال خير طاح أي كثير متسع \r\n وفي المراد بالنفس ها هنا قولان \r\n أحدهما آدم قاله الحسن \r\n والثاني جميع النفوس قاله عطاء وقد ذكرنا معنى سواها في ","part":9,"page":139},{"id":4084,"text":" قوله تعالى فسواك فعدلك الإنفطار 7 فألهمها فجورها وتقواها الإلهام إيقاع الشيء في النفس قال سعيد بن جبير ألزمها فجورها وتقواها \r\n وقال ابن زيد جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور ","part":9,"page":140},{"id":4085,"text":" قوله تعالى قد أفلح من زكاها قال الزجاج هذا جواب القسم والمعنى لقد أفلح ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضا منها قال ابن الأنباري جوابه محذوف وفي معنى الكلام قولان \r\n أحدهما قد أفلحت نفس زكاها الله عز و جل قاله ابن عباس ومقاتل والفراء والزجاج \r\n والثاني قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال قاله قتادة وابن قتيبة ومعنى زكاها أصلحها وطهرها من الذنوب وقد خاب من دساها فيه قولان كالذي قبله \r\n فإن قلنا إن الفعل لله فمعنى دساها خذلها وأخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح \r\n وإن قلنا الفعل للإنسان فمعنى دساها أخفاها بالفجور قال الفراء ويروى أن دساها دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله وقال ابن قتيبة المعنى دسى نفسه أي أخفاها بالفجور والمعصية والأصل من دسست ","part":9,"page":141},{"id":4086,"text":" فقلبت السين ياء كما قالوا قصيت أظفاري أي قصصتها فكأن النطف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربا للشهرة واللئام تنزل الأطراف لتخفي أماكنها وقال الزجاج معنى دساها جعلها قليلة خسيسة \r\n كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواه ولا يخاف عقبها \r\n قوله تعالى كذبت ثمود بطغواها أي كذبت رسولها بطغيانها \r\n والمعنى أن الطغيان حملهم على التكذيب قال الفراء أراد بطغواها طغيانها وهما مصدران إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات فاختير لذلك وقيل كذبوا العذاب إذ انبعث أي انتدب أشقاها وهو عاقر الناقة لعقرها فقال لهم رسول الله وهو صالح ناقة الله قال الفراء نصب ","part":9,"page":142},{"id":4087,"text":" الناقة على التحذير وكل تحذير فهو نصب قال ابن قتيبة المعنى احذروا ناقة الله وشربها وقال الزجاج المعنى ذروا ناقة الله و ذروا سقياها قال المفسرون سقياها شربها من الماء والمعنى لا تتعرضوا ليوم شربها فكذبوه في تحذيره إياهم العذاب بعقرها فعقروها وقد بينا معنى العقر في الأعراف 77 فدمدم عليهم ربهم قال الزجاج أي أطبق عليهم العذاب يقال دمدمت على الشيء إذا أطبقت فكررت الإطباق وقال المؤرج الدمدمة إهلاك بإستئصال \r\n وفي قوله تعالى فسواها قولان \r\n أحدهما سوى بينهم في الإهلاك قاله السدي ويحيى بن سلام وقيل سوى الدمدمة عليهم والمعنى أنه أهلك صغيرهم وكبيرهم \r\n والثاني سوى الأرض عليهم قال مقاتل سوى بيوتهم على قبورهم \r\n وكانوا قد حفروا قبورا فاضطجعوا فيها فلما صيح بهم فهلكوا زلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم \r\n قوله تعالى ولا يخاف عقباها قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر فلا يخاف بالفاء وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام وقرأ الباقون ","part":9,"page":143},{"id":4088,"text":" بالواو وكذلك هي في مصاحف مكة والكوفة والبصرة \r\n وفي المشار اليه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه الله عز و جل فالمعنى لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم ولا يخشى عقبى ما صنع قاله ابن عباس والحسن \r\n والثاني أنه الذي عقرها فالمعنى أنه لم يخف عقبى ما صنع وهذا مذهب الضحاك والسدي وابن السائب فعلى هذا الكلام تقديم وتأخير تقديره إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها \r\n والثالث أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها حكاه الزجاج ","part":9,"page":144},{"id":4089,"text":" سورة الليل \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى \r\n قوله تعالى والليل إذا يغشى قال ابن عباس يغشى بظلمته النهار وقال الزجاج يغشى الأفق ويغشى جميع ما بين السماء والأرض والنهار إذا تجلى أي بان وظهر من بين الظلمة وما خلق الذكر والأنثى في ما قولان وقد ذكرناهما عند قوله تعالى وما بناها الشمس 5 وفي الذكر والأنثى قولان \r\n أحدهما آدم وحواء قاله ابن السائب ومقاتل ","part":9,"page":145},{"id":4090,"text":" والثاني أنه عام ذكره الماوردي قوله تعالى إن سعيكم لشتى هذا جواب القسم قال ابن عباس إن أعمالكم لمختلفة عمل للجنة وعمل للنار وقال الزجاج سعي المؤمن والكافر مختلف بينهما بعد \r\n وفي سبب نزول هذه السورة قولان \r\n أحدهما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية وأبي ابني خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه فأنزل الله عز و جل والليل الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى يعني سعي أبي بكر وأمية وأبي قاله عبد الله بن مسعود \r\n والثاني أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال وكان الرجل إذا صعد النخلة ليأخذ منها الثمر فربما سقطت الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ الثمرة من أيديهم فإن وجدها في فم ","part":9,"page":146},{"id":4091,"text":" أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرجها فشكا ذلك الرجل الى النبي صلى الله عليه و سلم فلقي النبي صلى الله عليه و سلم صاحب النخلة فقال تعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة فقال الرجل إن لي نخلا وما فيه نخلة أعجب إلي منها ثم ذهب الرجل فقال رجل ممن سمع ذلك الكلام يا رسول الله أتعطيني نخلة في الجنة إن أنا أخذتها قال نعم فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة فساومها منه فقال له أما شعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت ما لي نخلة أعجب إلي منها فقال له أتريد بيعها قال لا إلا أن أعطى بها مالا أظنني أعطى قال ما مناك قال أربعون نخلة فقال أنا أعطيك أربعين نخلة فأشهد له ناسا ثم ذهب الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن النخلة قد صارت في ملكي وهي لك فذهب رسول الله صلى الله عليه و سلم الى صاحب الدار فقال النخلة لك ولعيالك فأنزل الله عز و جل والليل إذا يغشى الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عطاء الذي اشتراها من الرجل أبو الدحداح ","part":9,"page":147},{"id":4092,"text":" أخذها بحائط له فأنزل الله تعالى هذه الآيات الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى أبو الدحداح وصاحب النخلة \r\n قوله تعالى فأما من أعطى وأتقى قال ابن مسعود يعني أبا بكر الصديق هذا قول الجمهور وقال عطاء هو أبو الدحداح \r\n وفي المراد بهذا العطاء ثلاثة أقوال \r\n أحدها أعطى من فضل ماله قاله ابن عباس ","part":9,"page":148},{"id":4093,"text":" والثاني أعطى الله الصدق من قبله قاله الحسن \r\n والثالث أعطى حق الله عليه قاله قتادة \r\n وفي قوله تعالى واتقى ثلاثة أقوال \r\n أحدها اتقى الله قاله ابن عباس \r\n والثاني اتقى البخل قاله مجاهد \r\n والثالث اتقى محارم الله التي نهى عنها قاله قتادة \r\n وفي الحسنى ستة أقوال \r\n أحدها أنه لا إله إلا الله رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الضحاك \r\n والثاني الخلف رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن \r\n والثالث الجنة قاله مجاهد \r\n والرابع نعم الله عليه قاله عطاء \r\n والخامس بوعد الله أن يثيبه قاله قتادة ومقاتل \r\n والسادس الصلاة والزكاة والصوم قاله زيد بن أسلم \r\n قوله تعالى فسنيسره لليسرى ضم أبو جعفر سين اليسرى وسين العسرى وفيه قولان \r\n أحدهما للخير قاله ابن عباس والمعنى نيسر ذلك عليه ","part":9,"page":149},{"id":4094,"text":" والثاني للجنة قاله زيد بن أسلم \r\n وأما من بخل قال ابن مسعود يعني ذلك أمية وأبي ابني خلف وقال عطاء هو صاحب النخلة \r\n قال المفسرون وأما من بخل بالنفقة في الخير والصدقة وقال قتادة بحق الله عز و جل واستغنى عن ثواب الله فلم يرغب فيه وكذب بالحسنى وقد سبقت الأقوال فيها \r\n وفي العسرى قولان \r\n أحدهما النار قاله ابن مسعود \r\n والثاني الشر قاله ابن عباس والمعنى سنهيؤه للشر فيؤديه الى الأمر العسير وهو عذاب النار \r\n ثم ذكر أن ما أمسكه من ماله لا ينفعه فقال تعالى وما يغنى عنه ماله الذي بخل به عن الخير إذا تردى وفيه قولان \r\n أحدهما إذا تردى في جهنم قاله ابن عباس وقتادة والمعنى إذا سقط فيها ","part":9,"page":150},{"id":4095,"text":" والثاني إذا مات فتردى في قبره قاله مجاهد \r\n إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى \r\n قوله تعالى إن علينا للهدى قال الزجاج المعنى إن علينا ان نبين طريق الهدى من طريق الضلالة وإن لنا للآخرة والأولى أي فليطلبا منا فأنذرتكم نارا تلظى أي توقد وتتوهج لا يصلاها إلا الأشقى يعني المشرك الذي كذب الرسول وتولى عن الإيمان قال أبو عبيدة الأشقى بمعنى الشقي والعرب تضع أفعل في موضع فاعل قال طرفة \r\n ... تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد ... \r\n قال الزجاج وهذه الآية التي من أجلها زعم أهل الإرجاء أنه لا يدخل ","part":9,"page":151},{"id":4096,"text":" النار إلا كافر وليس الأمر كما ظنوا هذه نار موصوفة بعينها ولأهل النار منازل فلو كان كل من لا يشرك لا يعذب لم يكن في قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 48 فائدة وكان ويغفر ما دون ذلك كلاما لا معنى له \r\n قوله تعالى وسيجنبها أي يبعد عنها فيجعل منها على جانب الأتقى يعني أبا بكر الصديق في قول جميع المفسرين الذي يؤتي ماله يتزكى أي يطلب أن يكون عنه الله زاكيا ولا يطلب الرياء ولا السمعة وما لأحد عنده من نعمة تجزى أي لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه \r\n وروى عطاء عن ابن عباس أن أبا بكر لما اشترى بلالا بعد أن كان يعذب قال المشركون ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى \r\n أي إلا طلبا لثواب ربه قال الفراء و إلا بمعنى لكن ونصب ابتغاء على إضمار إنفاقه فالمعنى وما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه ","part":9,"page":152},{"id":4097,"text":" قوله تعالى ولسوف يرضى أي بما يعطى في الجنة من الثواب ","part":9,"page":153},{"id":4098,"text":" سورة الضحى \r\n وهي مكية كلها بإجماعهم \r\n اتفق المفسرون على أن هذه السورة نزلت بعد انقطاع الوحي مدة \r\n ثم اختلفوا في سبب انقطاعه على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذي القرنين وعن أصحاب الكهف وعن الروح فقال سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله فأحتبس عنه الوحي \r\n والثاني لقلة النظافة في بعض أصحابه وقد ذكرنا هذين القولين في سورة مريم 65 \r\n والثالث لأجل جرو كان في بيته قاله زيد بن أسلم ","part":9,"page":154},{"id":4099,"text":" وفي مدة احتباسه عنه أقوال قد ذكرناها في مريم 66 \r\n وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جندب قال قالت امرأة من قريش للنبي صلى الله عليه و سلم ما أرى شيطانك إلا قد ودعك فنزلت والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى جندب هو ابن سفيان والمرأة يقال لها أم جميل امرأة أبي لهب ","part":9,"page":155},{"id":4100,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث \r\n وفي المراد بالضحى أربعة أقوال \r\n أحدها ضوء النهار قاله مجاهد \r\n والثاني صدر النهار قاله قتادة \r\n والثالث أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس قاله السدي ومقاتل \r\n والرابع النهار كله قاله الفراء \r\n وفي معنى سجى خمسة أقوال \r\n أحدها أظلم \r\n والثاني ذهب رويا عن ابن عباس \r\n والثالث أقبل قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع سكن قاله عطاء وعكرمة وابن زيد فعلى هذا في معنى سكن قولان \r\n أحدهما استقر ظلامه قال الفراء سجى بمعنى أظلم وركد في ","part":9,"page":156},{"id":4101,"text":" طوله كما يقال بحر ساج وليل ساج إذا ركد وأظلم ومعنى ركد سكن قال أبو عبيدة يقال ليلة ساجية وساكنة وشاكرة قال الحادي \r\n ... يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج ... \r\n قال ابن قتيبة سجى بمعنى سكن وذلك عند تناهي ظلامه وركوده \r\n والثاني سكن الخلق فيه ذكره الماوردي \r\n والخامس امتد ظلامه قاله ابن الأعرابي \r\n قوله تعالى ما ودعك ربك وقرأ عمر بن الخطاب وأنس وعروة وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة وأبو حاتم عن يعقوب ما ودعك بتخفيف الدال وهذا جواب القسم قال أبو عبيدة ما ودعك من التوديع كما يودع المفارق و ما ودعك مخففة من ودعه يدعه وما قلى أي أبغض \r\n قوله تعالى وللآخرة خير لك من الأولى قال عطاء خير لك من الدنيا وقال غيره الذي لك في الآخرة أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا \r\n قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك في الآخرة من الخير فترضى بما تعطى قال علي والحسن هو الشفاعة في أمته حتى يرضى قال ابن عباس ","part":9,"page":157},{"id":4102,"text":" عرض على رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يفتح على أمته من بعده كفرا كفرا فسر بذلك فأنزل الله عز و جل وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى \r\n قوله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى فيه قولان \r\n أحدهما جعل لك مأوى إذا ضمك الى عمك أبي طالب فكفاك المؤونة قاله مقاتل \r\n والثاني جعل لك مأوى لنفسك أغناك عن كفالة أبي طالب قاله ابن السائب \r\n قوله تعالى ووجدك ضالا فهدى فيه ستة أقوال \r\n أحدها ضالا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة فهداك إليها قاله الجمهور منهم الحسن والضحاك \r\n والثاني أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة فرده الله الى جده عبد المطلب رواه أبو الضحى عن ابن عباس ","part":9,"page":158},{"id":4103,"text":" والثالث أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته فعدل به عن الطريق فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة وقع منها الى الحبشة ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك قاله سعيد بن المسيب \r\n والرابع أن المعنى ووجدك في قوم ضلال فهداك للتوحيد والنبوة قاله ابن السائب \r\n والخامس ووجدك نسيا فهداك إلى الذكر ومثله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 قاله ثعلب \r\n والسادس ووجدك خاملا لاتذكر ولا تعرف فهدى الناس إليك حتى عرفوك قاله عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن علي الترمذي \r\n قوله تعالى ووجدك عائلا قال أبو عبيدة أي ذا فقر وأنشد ... وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل ... \r\n أي يفتقر قال ابن قتيبة العائل الفقير كان له عيال أو لم يكن يقال عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله \r\n قوله تعالى فأغنى قولان \r\n أحدهما رضاك بما أعطاك من الرزق قاله ابن السائب واختاره الفراء \r\n وقال لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله رضاه بما آتاه ","part":9,"page":159},{"id":4104,"text":" والثاني فأغناك بمال خديجة عن أبي طالب قاله جماعة من المفسرين \r\n قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر فيه قولان \r\n أحدهما لاتحقر قاله مجاهد \r\n والثاني لاتقهره على ماله قاله الزجاج وأما السائل ففيه قولان \r\n أحدهما سائل البر قاله الجمهور والمعنى إذا جاءك السائل فإما أن تعطيه وإما أن ترده ردا لينا ومعنى فلا تنهر لا تنهره يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره \r\n والثاني أنه طالب العلم قاله يحيى بن آدم في آخرين \r\n قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث في النعمة ثلاثة أقوال \r\n أحدهما النبوة \r\n والثاني القرآن رويا عن مجاهد \r\n والثالث أنها عامة في جميع الخيرات وهذا قول مقاتل وقد روي عن مجاهد قال قرأت على ابن عباس فلما بلغت والضحى قال كبر إذا ","part":9,"page":160},{"id":4105,"text":" ختمت كل سورة حتى تختم وقد قرأت على أبي بن كعب فأمرني بذلك قال علي بن أحمد النيسابوري ويقال إن الأصل في ذلك أن الوحي لما فتر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال المشركون قد هجره شيطانه وودعه اغتم لذلك فلما نزل والضحى كبر عند ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فرحا بنزول الوحي فاتخذه الناس سنة ","part":9,"page":161},{"id":4106,"text":" سورة الأنشراح \r\n مكية كلها بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب \r\n قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك الشرح الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك والله تعالى فتح صدر نبيه للهدى والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصدر عن إدراك الحق ومعنى هذا الإستفهام التقرير أي قد فعلنا ذلك ووضعنا عنك وزرك أي حططنا عنك إثمك الذي سلف في الجاهلية قاله ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والفراء وابن قتيبة في آخرين وقال الزجاج المعنى أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ابن قتيبة وأصل ","part":9,"page":162},{"id":4107,"text":" الوزر ما حمله الإنسان على ظهره فشبه بالحمل فجعل مكانه ومعنى أنقض ظهرك أثقله حتى سمع نقيضة أي صوته وهذا مثل يعني أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض الظهر منه وذهب قوم الى أن المراد بهذا تخفيف أعباء النبوة التي يثقل القيام بها الظهر فسهل الله له ذلك حتى تيسر عليه الأمر وممن ذهب الى هذا عبد العزيز بن يحيى \r\n قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك فيه خمسة أقوال ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول ص - أنه سأل جبريل عن هذه الآية فقال قال الله عز و جل إذا ذكرت ذكرت معي قال قتادة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهذا قول الجمهور \r\n والثاني رفعنا لك ذكرك بالنبوة قاله يحيى بن سلام \r\n والثالث رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا حكاه الماوردي ","part":9,"page":163},{"id":4108,"text":" والرابع رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء \r\n والخامس بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك حكاهما الثعلبي \r\n قوله تعالى فإن مع العسر يسرا ضم سين العسر وسين اليسر أبو جعفر و العسر مذكور في الآيتين بلفظ التعريف و اليسر مذكور بلفظ التنكير فدل على أن العسر واحد واليسر اثنان قال ابن مسعود وابن عباس في هذه الآية لن يغلب عسر يسرين قال الفراء العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت اثنتين كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما فالثاني غير الأول وإذا أعادتها معرفة فهي كقولك إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم فالثاني هو الأول ونحو هذا قال الزجاج ذكر العسر بالألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين وقال الحسين بن يحيى الجرجاني ويقال له صاحب النظم معنى الكلام لا يحزنك ما يعيرك به المشركون من الفقر فإن مع العسر يسرا عاجلا في الدنيا فأنجزه بما وعده بما فتح عليه ثم ابتدأ فصلا آخر فقال إن مع العسر يسرا والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو وهو وعد لجميع المؤمنين أن مع عسر المؤمنين يسرا في الآخرة فمعنى قولهم لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا فاليسر الذي وعدهم في الآخرة ","part":9,"page":164},{"id":4109,"text":" إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم لا ينقطع كقوله صلى الله عليه و سلم شهرا عيد لا ينقصان أي لا يجتمعان في النقص وحكي عن العتبي قال ","part":9,"page":165},{"id":4110,"text":" كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم فألقي في روعي بيت من الشعر فقلت \r\n ... أرى الموت لمن أحب ... ح مغموما له أروح ... \r\n فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف \r\n ... ألا يا أيها المرء ال ... لذي الهم به برح ... \r\n ... وقد أنشد بيتا لم ... يزل في فكره يسنح ... \r\n ... إذا اشتد بك العسر ... ففكر في ألم نشرح ... \r\n ... فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح ... \r\n فحفظت الأبيات وفرج الله غمي \r\n قوله تعالى فإذا فرغت فانصب أي فادأب في العمل وهو من النصب والنصب التعب الدؤوب في العمل \r\n وفي معنى الكلام خمس أقوال \r\n أحدها فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل قاله ابن مسعود \r\n والثاني فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل ","part":9,"page":166},{"id":4111,"text":" والثالث فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك قاله مجاهد \r\n والرابع فإذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك قاله الشعبي والزهري \r\n والخامس إذا صح بدنك فاجعل صحتك نصبا في العبادة ذكره علي ابن أبي طلحة والى ربك فارغب قال الزجاج اجعل رغبتك الى الله عز و جل وحده ","part":9,"page":167},{"id":4112,"text":" سورة التين \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مكية قاله الجمهور منهم الحسن وعطاء \r\n والثاني أنها مدنية حكاه الماوردي عن ابن عباس وقتادة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين \r\n قوله تعالى والتين والزيتون فيهما سبعة أقوال \r\n أحدها أنه التين المعروف والزيتون المعروف قاله ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم وذكر بعض المفسرين ","part":9,"page":168},{"id":4113,"text":" أنه إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص وهو يدل على قدرة من هيأه على تلك الصفة وجعل الواحدة منه على مقدار اللقمة وإنما أقسم بالزيتون لكثرة الأنتفاع به \r\n والثاني أن التين مسجد نوح عليه السلام الذي بنى على الجودي والزيتون بيت المقدس رواه عطية عن ابن عباس \r\n والثالث التين المسجد الحرام والزيتون المسجد الأقصى قاله الضحاك \r\n والرابع التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس قاله كعب وقتادة وابن زيد \r\n والخامس أنهما جبلان قاله عكرمة في رواية وروي عن قتادة قال التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس \r\n والسادس أن التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء قاله القرظي \r\n والسابع أن التين جبال ما بين حلوان الى همذان والزيتون جبال بالشام حكاه الفراء \r\n فأما طور سينين فالطور جبل وفيه قولان ","part":9,"page":169},{"id":4114,"text":" أحدهما أنه الجبل الذي كلم الله موسى عليه قاله كعب الأحبار في الأكثرين \r\n والثاني أنه جبل بالشام قاله قتادة \r\n فأما سينين فهو لغة في سيناء وقد قرأ علي وسعد بن أبي وقاص وأبو العالية وأبو مجلز وطور سيناء ممدودة مهموزة مفتوحة السين وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو حيوة وطور سيناء مثلهم إلا أنهم كسروا السين وقرأ أبو رجاء والجحدري سينين كما في المصحف لكنهما فتحا السين وقال ابن الأنباري سينين هو سيناء \r\n واختلفوا في معناه فقيل معناه الحسن وقيل المبارك وقيل إنه اسم للشجر الذي حوله وقد شرحنا هذا في سورة المؤمنين 20 قال الزجاج وقد قرىء هاهنا وطور سيناء وهو أشبة لقوله تعالى وشجرة تخرج من طور سيناء المؤمنون 20 وقال مقاتل كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط \r\n قوله تعالى وهذا البلد الأمين يعني مكة يأمن فيه الخائف في الجاهلية ","part":9,"page":170},{"id":4115,"text":" والإسلام قال الفراء ومعنى الأمين الآمن والعرب تقول للأمين آمن \r\n قال الشاعر \r\n ... ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني ... حلفت يمينا لا أخون أميني ... \r\n يريد آمني \r\n قوله تعالى لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم وفي المراد بالإنسان هاهنا خمسة أقوال \r\n أحدها أنه كلدة بن أسيد قاله ابن عباس \r\n والثاني الوليد بن المغيرة قاله عطاء \r\n والثالث أبو جهل بن هشام \r\n والرابع عتبة وشيبة حكاهما الماوردي ","part":9,"page":171},{"id":4116,"text":" والخامس أنه اسم جنس وهذا مذهب كثير من المفسرين وهو معنى قول مقاتل \r\n قوله تعالى في أحسن تقويم فيه أربعة أقوال \r\n أحدها في أعدل خلق \r\n والثاني منتصب القامة رويا عن ابن عباس \r\n والثالث في أحسن صورة قاله أبو العالية \r\n والرابع في شباب وقوة قاله عكرمة ثم رددناه أسفل سافلين فيه قولان \r\n أحدهما الى أرذل العمر رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عكرمة وإبراهيم وقتادة وقال الضحاك الى الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة والسافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا قال الفراء وإنما قال سافلين على الجمع لأن الإنسان في ","part":9,"page":172},{"id":4117,"text":" معنى جمع تقول هذا أفضل قائم ولا تقول قائمين لأنك تريد واحدا فإذا لم ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع \r\n والثاني الى النار قاله الحسن وأبو العالية ومجاهد والمعنى إنا نفعل هذا بكثير من الناس تقول العرب أنفق فلان ماله على فلان وإنما أنفق بعضه ومثله قوله تعالى الذي يؤتي ماله يتزكى الليل 18 لم يرد كل ماله ثم استثنى من الإنسان فقال تعالى إلا الذين آمنوا لأن معنى الإنسان الكثير \r\n وللمفسرين في معنى الإستثناء قولان \r\n أحدهما إلا الذين آمنوا فإنهم لا يردون الى الخرف وأرذل العمر وإن عمروا طويلا وهذا على القول الأول قال ابن عباس من قرأ القرآن لم يرد الى ارذل العمر وقال النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل وهو قوله تعالى فلهم أجر غير ممنون وقال ابن قتيبة المعنى إلا الذين آمنوا في وقت القوة والقدرة فإنهم حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات لأن الله تعالى علم أنهم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك \r\n والثاني إلا الذين آمنوا فإنهم لا يردون الى النار وهذا على القول الثاني \r\n وقد شرحنا معنى الممنون في ن آية 3 \r\n قوله تعالى فما يكذبك بعد بالدين فيه قولان ","part":9,"page":173},{"id":4118,"text":" أحدهما فما يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجة بالدين أي ما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء وهذا توبيخ للكافر وهو معنى قول مقاتل وزعم أنها نزلت في عدي بن ربيعة \r\n والثاني فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له خلقنا الإنسان على ما وصفنا قاله الفراء فأما الدين فهو الجزاء والمشار بذكره الى البعث كأنه استدل بتقليب الأحوال على البعث \r\n قوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين أي بأقضى القاضين قال مقاتل يحكم بينك وبين مكذبيك وذكر بعض المفسرين أن معنى هذه الآية تسليته في تركهم والإعراض عنهم ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف ","part":9,"page":174},{"id":4119,"text":" سورة العلق \r\n وتسمى سورة القلم وسورة العلق وهي مكية بإجماعهم \r\n وهي أول ما نزل من القرآن وقيل إنها نزلت عليه في أول الوحي خمس آيات منها ثم نزل باقيها في أبي جهل \r\n بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم \r\n قوله تعالى اقرأ قرأ أبو جعفر بتخفيف الهمزة في الحرفين قال أبو عبيدة المعنى إقرأ باسم ربك والباء زائدة \r\n وقال المفسرون المعنى اذكر اسمه مستفتحا به قراءتك وإنما قال تعالى الذي خلق لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم والإنسان هاهنا ابن آدم والعلق جمع علقة وقد بيناها في سورة الحج قال الفراء لما كان الإنسان في معنى الجمع جمع العلق مع مشاكلة رؤوس الآيات ","part":9,"page":175},{"id":4120,"text":" قوله تعالى اقرأ تقرير للتأكيد ثم استأنف فقال تعالى وربك الأكرم قال الخطابي الأكرم الذي لايوازيه كرم ولا يعادله في الكرم نظير وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم كما جاء الأعز والأطول بمعنى العزيز والطويل وقد سبق تفسير الكريم \r\n قوله تعالى الذي علم بالقلم أي علم الإنسان الكتابة بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم من الخط والصنائع وغير ذلك وقيل المراد بالإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم \r\n كلا إن الإنسان ليطغى ان رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب \r\n قوله تعالى كلا أي حقا و قال مقاتل كلا لا يعلم أن الله علمه ثم استأنف فقال تعالى إن الإنسان ليطغى يعني أبا جهل وكان إذا أصاب مالا أشر وبطر في ثيابه ومراكبه وطعامه أن رآه استغنى قال ابن قتيبة أي أن رأى نفسه استغنى و الرجعى المرجع \r\n قوله تعالى أرأيت الذي ينهى معنى أرأيت تعجيبه المخاطب وإنما كررها للتأكيد والتعجيب والمراد بالناهي هاهنا أبو جهل قال أبو هريرة ","part":9,"page":176},{"id":4121,"text":" قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فبالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن على رقبته فقيل له هاهو ذاك يصلي فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلآ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فأتوه فقالوا مالك يا أبا الحكم فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة وقال نبي الله صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله تعالى أرأيت الذي ينهى إلى آخر السورة وقال ابن عباس كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا فانصرف إليه ","part":9,"page":177},{"id":4122,"text":" النبي صلى الله عليه و سلم فزبره فقال أبو جهل والله إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني فأنزل الله تعالى فليدع ناديه سندع الزبانية قال ابن عباس والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله \r\n قال المفسرون والمراد بالعبد هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم وقيل كانت الصلاة صلاة الظهر \r\n قوله تعالى أرأيت إن كان على الهدى يعني المنهي وهو النبي صلى الله عليه و سلم \r\n قوله تعالى أرأيت إن كذب وتولى يعني الناهي وهو أبو جهل قال الفراء والمعنى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى وهو كاذب متول عن الذكر فأي شيء أعجب من هذا وقال ابن الأنباري تقديره أرأيته مصيبا \r\n قوله تعالى ألم يعلم يعني أبا جهل بأن الله يرى ذلك فيجازيه كلا أي لا يعلم ذلك لئن لم ينته عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه لنسفعا بالناصية السفع الأخذ والناصية مقدم الرأس قال أبو عبيدة يقال سفعت بيده ","part":9,"page":178},{"id":4123,"text":" أي أخذت بها وقال الزجاج يقال شفعت الشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا والمعنى لنجرن ناصيته الى النار \r\n قوله تعالى ناصية قال أبو عبيدة هي بدل فلذلك جرها قال الزجاج والمعنى بناصية صاحبها كاذب خاطىء كما يقال نهاره صائم وليله قائم أي هو صائم في نهاره قائم في ليله فليدع ناديه أي أهل ناديه وهم أهل مجلسه فليستنصرهم سندع الزبانية قال عطاء هم الملائكة الغلاظ الشداد وقال مقاتل هم خزنة جهنم وقال قتادة الزبانية في كلام العرب الشرط قال الفراء كان الكسائي يقول لم أسمع للزبانية بواحد ثم قال بأخرة واحد الزبانية زبني فلا أدري أقياسا منه أو سماعا وقال أبو عبيدة واحد الزبانية زبنية وهو كل متمرد من إنس أو جان يقال فلان زبنية عفرية قال ابن قتيبة وهو مأخوذ من الزين وهو الدفع كأنهم يدفعون أهل النار إليها قال ابن دريد الزبن الدفع يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها ودفعته برجلها وتزابن القوم تدارؤوا وإشتقاق الزبانية من الزبن والله أعلم \r\n قوله تعالى كلا أي ليس الأمر على ما عليه أبو جهل لا تطعه في ترك الصلاة واسجد أي صل لله واقترب إليه بالطاعة وهذا قول الجمهور أن قوله تعالى واقترب خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وقد قيل إنه خطاب لأبي جهل ثم فيه قولان ","part":9,"page":179},{"id":4124,"text":" أحدهما أن المعنى اسجد انت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار قاله زيد بن أسلم \r\n والثاني واقترب يا أبا جهل تهددا له رواه أبو سليمان الدمشقي عن بعض القدماء وهذا يشرحه حديث أبي هريرة الذي قدمناه وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ","part":9,"page":180},{"id":4125,"text":" سورة القدر \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مكية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني مدنية قاله الضحاك ومقاتل قال الماوردي والأول قول الأكثرين وقال الثعلبي الثاني قول الأكثرين \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إنا أنزلناه في ليلة القدر وما آدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر \r\n قوله تعالى إنا أنزلناه يعني القرآن في ليلة القدر وذلك أنه أنزل جملة في تلك الليلة الى بيت العزة وهو بيت في السماء الدنيا وقد ذكرنا هذا الحديث في أول كتابنا والهاء في أنزلناه كناية عن غير مذكور وقال ","part":9,"page":181},{"id":4126,"text":" الزجاج قد جرى ذكره في قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة الدخان 3 \r\n فأما ليلة القدر ففي تسميتها بذلك خمسة أقوال \r\n أحدها أن القدر العظمة من قولك لفلان قدر قاله الزهري \r\n ويشهد له قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره الأنعام 91 و الزمر 67 \r\n والثاني أنه من الضيق أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون قاله الخليل بن أحمد ويشهد له قوله تعالى ومن قدر عليه رزقه الطلاق 7 \r\n والثالث أن القدر الحكم كأن الأشياء تقدر فيها قاله ابن قتيبة \r\n والرابع لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر قاله أبو بكر الوراق \r\n والخامس لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر وتنزل فيها رحمة ذات قدر وملائكة ذوو قدر حكاه شيخنا علي بن عبيد الله \r\n فصل \r\n واختلف العلماء هل ليلة القدر باقية أم كانت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم خاصة والصحيح بقاؤها \r\n وهل هي في جميع السنة أم في رمضان \r\n فيه قولان ","part":9,"page":182},{"id":4127,"text":" أحدهما في رمضان قاله الجمهور \r\n والثاني في جميع السنة قاله ابن مسعود \r\n واختلف القائلون بأنها في شهر رمضان هل تختص ببعضه دون بعض على قولين \r\n أحدهما أنها في العشر الأواخر قاله الجمهور وأكثر الأحاديث الصحيحة تدل عليه \r\n وقد روى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو في خامسة تبقى وفي حديث أبي بكرة قال ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا في العشر الأواخر فإني سمعته يقول التمسوها في تسع يبقين أو سبع أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة ","part":9,"page":183},{"id":4128,"text":" والقول الثاني أنها في جميع رمضان قاله الحسن البصري \r\n وأختلف القائلون بأنها في العشر الأواخر هل تختص ليالي الوتر دون الشفع على قولين \r\n أحدهما أنها تختص الأفراد قاله الجمهور والأحاديث الصحاح كلها تدل عليه وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر منها \r\n والثاني أنها تكون في الشفع كما تكون في الوتر قاله الحسن وروي عن الحسن ومالك بن أنس قالا هي ليلة ثماني عشرة \r\n واختلف القائلون بأنها في الأفراد في أخص الليالي بها على خمسة أقوال \r\n أحدها أن الأخص بها ليلة إحدى وعشرين فروى البخاري ومسلم في ","part":9,"page":184},{"id":4129,"text":" الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال اعتكف رسول الله صلى الله عليه و سلم العشر الوسط واعتكفنا معه فلما أصبحنا صبيحة عشرين رجع ورجعنا معه وأرى ليلة القدر ثم أنسيها فقال إني رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني أسجد في ماء وطين فمن اعتكف فليرجع الى معتكفه وهاجت علينا السماء آخر تلك العشية وكان سقف المسجد عريشا من جريد فوكف المسجد فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب لرأيته يصلي بدأ المغرب ليلة إحدى وعشرين وإن جبهته وأرنبة أنفه لفي الماء والطين وهذا مذهب الشافعي \r\n والثاني أن الأخص بها ليلة ثلاث وعشرين روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليلة ثلاث وعشرين اطلبوها الليلة \r\n وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين ","part":9,"page":185},{"id":4130,"text":" وروى مسلم في أفراده من حديث عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال وكان عبد الله بن أنيس يقول ليلة ثلاث وعشرين \r\n والثالث ليلة خمس وعشرين روى هذا المعنى أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه و سلم ","part":9,"page":186},{"id":4131,"text":" والرابع ليلة سبع وعشرين روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من كان متحريا فليتحرها ليلة سبع وعشرين يعني ليلة القدر وهذا مذهب علي وأبي بن كعب وكان أبي يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين وبه قال ابن عباس وعائشة ومعاوية واختاره أحمد رضي الله عنه \r\n وروي عن ابن عباس أنه استدل على ذلك بشيئين ","part":9,"page":187},{"id":4132,"text":" أحدهما أنه قال إن الله تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف يشير الى قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة المؤمنين 12 الآيات ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير الى قوله تعالى أنا صببنا الماء صبا عبس 25 ثم تصلى الجمعة على رأس سبعة أيام وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا والمثاني سبعا فلا أرى ليلة القدر إلا ليلة السابعة وعشرين \r\n والثاني أنه قال قوله تعالى سلام هي الكلمة السابعة والعشرون فدل على أنها كذلك \r\n واحتج بعضهم فقال ليلة القدر كررت في هذه السورة ثلاث مرات وهي تسعة أحرف والتسعة إذا كررت ثلاثا فهي سبع وعشرون وهذا تنبيه على ذلك \r\n والقول الخامس أن الأولى طلبها في أول ليلة من رمضان قاله أبو رزين العقيلي ","part":9,"page":188},{"id":4133,"text":" وروى أيوب عن أبي قلابة أنه قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر \r\n فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طمعا منهم في إدراكها كما أخفى ساعة الجمعة وساعة ","part":9,"page":189},{"id":4134,"text":" الليل واسمه الأعظم والصلاة الوسطى والولي في الناس ","part":9,"page":190},{"id":4135,"text":" قوله تعالى وما أدراك ما ليلة القدر هذا على سبيل التعظيم والتشوق الى خيرها \r\n قوله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر قال مجاهد قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر وهذا قول قتادة واختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج وروى عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر فعجب رسول الله صلى الله عليه و سلم لذلك وتمنى أن يكون ذلك في أمته فأعطاه الله ليلة القدر ","part":9,"page":191},{"id":4136,"text":" وقال هي خير من ألف شهر التي حمل فيها الاسرائيلي السلاح في سبيل الله \r\n وذكر بعض المفسرين أنه كان الرجل فيما مضى لا يستحق أن يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر كانوا يعبدون فيها \r\n قوله تعالى تنزل الملائكة قال أبو هريرة الملائكة ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى ","part":9,"page":192},{"id":4137,"text":" وفي الروح ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه جبريل قاله الأكثرون وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز و جل \r\n والثاني أن الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس الى طلوع الفجر قاله كعب ومقاتل بن حيان والثالث انه ملك عظيم يفي بخلق من الملائكة قال الواقدي \r\n قوله تعالى فيها أي في ليلة القدر بإذن ربهم أي بما أمر به وقضاه من كل أمر قال ابن قتيبة أي بكل أمر قال المفسرون يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة الى قابل وقرأ ابن عمر وابن عباس وأبو العالية وأبو عمران الجوني من كل امرىء بكسر الراء وبعدها همزة مكسورة منونة وبوصل اللام من غير همز ولهذه القراءة وجهان \r\n أحدهما من كل ملك سلام \r\n والثاني أن تكون من بمعنى على تقديره على كل أمر من المسلمين سلام من الملائكة كقوله تعالى ونصرناه من القوم الذين كذبوا الأنبياء 77 والقراءة الموافقة لخط المصحف هي الصواب ويكون تمام الكلام عند قوله تعالى ","part":9,"page":193},{"id":4138,"text":" من كل أمر ثم ابتدأ فقال تعالى سلام هي أي ليلة القدر سلام وفي معنى السلام قولان \r\n أحدهما أنه لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها شيطان قاله مجاهد \r\n والثاني أن معنى السلام الخير والبركة قاله قتادة وكان بعض العلماء يقول الوقف على سلام على معنى تنزل الملائكة بالسلام \r\n قوله تعالى حتى مطلع الفجر قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة مطلع بفتح اللام وقرأ الكسائي بكسرها قال الفراء والفتح أقوى في قياس العربية لأن المطلع بالفتح الطلوع وبالكسر الموضع الذي يطلع منه إلا أن العرب تقول طلعت الشمس مطلعا بالكسر وهم يريدون المصدر كما تقول أكرمتك كرامة فتجتزيء بالأسم عن المصدر وقد شرحنا هذا المعنى في الكهف عند قوله تعالى مطلع الشمس آية 9 شرحا كافيا ولله الحمد ","part":9,"page":194},{"id":4139,"text":" سورة البينة \r\n وفيها قولان \r\n احدهما مدنية قاله الجمهور \r\n والثاني مكية قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره يحيى بن سلام \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ","part":9,"page":195},{"id":4140,"text":" قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى والمشركين أي ومن المشركين وهم عبدة الأوثان منفكين أي منفصلين وزائلين يقال فككت الشيء فانفك أي انفصل والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى تأتيهم أي حتى أتتهم فلفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي و البينة الرسول وهو محمد صلى الله عليه و سلم وذلك أنه بين لهم ضلالهم وجهلهم وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم وذهب بعض المفسرين الى أن معنى الآية لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبياحتى بعث فافترقوا وقال بعضهم لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة والوجه هو الأول والرسول هاهنا محمد صلى الله عليه و سلم ومعنى يتلو صحفا أي ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها وهو القرآن ويدل على ذلك أنه كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب ومعنى مطهرة أي من الشرك والباطل فيها أي في الصحف كتب قيمة أي عادلة مستقيمة تبين الحق من الباطل وهي الآيات قال مقاتل وإنما قيل لها كتب لما جمعت من أمور شتى ","part":9,"page":196},{"id":4141,"text":" قوله تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني من لم يؤمن منهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة وفيها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها محمد صلى الله عليه و سلم والمعنى لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث قاله الأكثرون \r\n والثاني القرآن قاله أبو العالية \r\n والثالث ما في كتبهم من بيان نبوته ذكره الماوردي وقال الزجاج وما تفرقوا في كفرهم بالنبي إلا من بعد أن تبينوا أنه الذي وعدوا به في كتبهم ","part":9,"page":197},{"id":4142,"text":" قوله تعالى وما أمروا أي في كتبهم إلا ليعبدوا الله أي إلا أن يعبدوا الله قال الفراء والعرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرا كقوله تعالى يريد الله ليبين لكم النساء 26 و يريدون ليطفئوا نور الله الصف 8 وقال في الأمر وأمرنا لنسلم الأنعام 71 ","part":9,"page":198},{"id":4143,"text":" 9 - قوله تعالى مخلصين له الدين أي موحدين لا يعبدون سواه حنفاء على دين إبراهيم ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها ويؤتوا الزكاة عند وجوبها وذلك الذي أمروا به هو دين القيمة قال الزجاج أي دين الأمة القيمة بالحق ويكون المعنى ذلك الدين دين الملة المستقيمة \r\n قوله تعالى أولئك هم خير البرية قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عارم بالهمز بالكلمتين وقرأ الباقون بغير همز فيهما قال ابن قتيبة البرية الخلق وأكثر العر ب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت على الألسنة وهي فعلية بمعنى مفعولة ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من بريت العود ومنهم من يزعم أنها من البرى وهو التراب أي خلق من التراب وقالوا لذلك لا يهمز وقال الزجاج لو كان من البري وهو التراب لما قرنت بالهمز وإنما اشتقاقها من برأ الله الخلق وقال الخطابي أصل البرية الهمز إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها وما بعده ظاهر الى قوله تعالى رضي الله عنهم قال مقاتل رضي الله عنهم بطاعتهم ورضوا عنه بثوابه وكان بعض السلف يقول إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضى عنك ","part":9,"page":199},{"id":4144,"text":" قوله تعالى ذلك لمن خشي ربه أي خافه في الدنيا وتناهى عن معاصيه ","part":9,"page":200},{"id":4145,"text":" سورة الزلزلة \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل والجمهور \r\n والثاني مكية قاله ابن مسعود وجابر وعطاء \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره \r\n قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها أي حركت حركة شديدة وذلك عند قيام الساعة وقال مقاتل تتزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر ثم تتحرك وتضطرب فتخرج ما في جوفها ","part":9,"page":201},{"id":4146,"text":" وفي وقت هذه الزلزلة قولان \r\n أحدهما تكون في الدنيا وهي من أشراط الساعة قاله الأكثرون \r\n والثاني أنها زلزلة يوم القيامة قاله خارجة بن زيد في آخرين قال الفراء حدثني محمد بن مروان قال قلت للكلبي أرأيت قول الله تعالى إذا زلزلة الأرض زلزالها فقال هذه بمنزلة قوله تعالى ويخرجكم إخراجا نوح 18 فأضيف المصدر إلى صاحبه وأنت قائل في الكلام لأعطينك عطيتك تريد عطية والزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم وقد قرأ أبو العالية وأبو عمران وأبو حيوة الجحدري زلزالها بفتح الزاي \r\n قوله تعالى وأخرجت الأرض أثقالها فيه قولان \r\n أحدهما ما فيها من الموتى قاله ابن عباس \r\n والثاني كنوزها قاله عطية وجمع الفراء بين القولين فقال لفظت ما فيها من ذهب أو فضة أو ميت ","part":9,"page":202},{"id":4147,"text":" قوله تعالى وقال الإنسان ما لها فيه قولان \r\n أحدهما أنه اسم جنس يعم الكافر والمؤمن وهذا قول من جعلها من أشراط الساعة لأنها حين ابتدأت لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة فسأل بعضهم بعضا حتى أيقنوا \r\n والثاني أنه الكافر خاصة وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن عارف فلا يسأل عنها والكافر جاحد لها لأنه لا يؤمن بالبعث فلذلك يسأل \r\n قوله تعالى يومئذ تحدث أخبارها قال الزجاج يومئذ منصوب بقوله تعالى إذا زلزلت وأخرجت ففي ذلك اليوم تحدث بأخبارها أي تخبر بما عمل عليها وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله و رسوله أعلم قال أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا \r\n قوله تعالى بأن ربك أوحى لها قال الفراء تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها قال ابن عباس أوحى لها أي أوحى إليها وأذن لها أن ","part":9,"page":203},{"id":4148,"text":" تخبر بما عمل عليها وقال أبو عبيدة لها بمعنى إليها قال العجاج وحى لها القرار فاستقرت \r\n قوله تعالى يومئذ يصدر الناس أي يرجعون عن موقف الحساب أشتاتا أي فرقا فأهل الإيمان على حدة وأهل الكفر على حدة ليروا أعمالهم وقرأ أبو بكر الصديق وعائشة والجحدري ليروا بفتح الياء قال ابن عباس أي ليروا جزاء أعمالهم فالمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار وقيل في الكلام تقديم وتأخير تقديره تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم يومئذ يصدر الناس اشتاتا فعلى هذا يرون ما عملوا من خير أو شر في موقف العرض فمن يعمل مثقال ذرة قال المفسرون من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من الخير أو الشر يره وقرأ أبان ","part":9,"page":204},{"id":4149,"text":" عن عاصم يره بضم الياء في الحرفين وقد بينا معنى الذرة في سورة النساء 40 وفي معنى هذه الرؤية قولان \r\n أحدهما أنه يراه في كتابة \r\n والثاني يرى جزاءه وذكر مقاتل أنها نزلت في رجلين كانا بالمدينة كان أحدهما يستقل أن يعطي السائل الكسرة أو التمرة وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير فأنزل الله عز و جل هذا يرغبهم في القليل من الخير ويحذرهم اليسير من الشر ","part":9,"page":205},{"id":4150,"text":" سورة العاديات \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مكية قاله ابن مسعود وعطاء وعكرمة وجابر \r\n والثاني مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير \r\n قوله تعالى والعاديات فيه قولان \r\n أحدهما أنها الإبل في الحج قاله علي وابن مسعود وعبيد بن عمير والقرظي والسدي وروى عن علي أنه قال والعاديات ضبحا من عرفة الى الزدلفة ومن المزدلفة الى منى وروي عن علي أنه قال هذا في صفة وقعة بدر قال وما كان معنا يومئذ إلا فرس وفي بعض الحديث أنه كان معهم فرسان ","part":9,"page":206},{"id":4151,"text":" والثاني أنها الخيل في سبيل الله قاله ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وأبو العالية وعكرمة وقتادة وعطية والربيع واللغويون وكان ابن عباس يذهب الى أن هذا كان في سرية فروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث خيلا فلم يأته خبرها شهرا فنزلت والعادايات ضبحا ضبحت بمناخرها فالموريات قدحا قدحت بحوافرها الحجارة فأورت 2نارا فالمغيرات صبحا صبحت القوم بغارة فأثرن به نقعا أثارت بحوافرها التراب فوسطن به جمعا قال صبحت الحي جميعا وقال مقاتل بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية الى حيين من كنانة واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري فأبطأ عنه خبرها فجعل اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم تناجوا فيظن الرجل أنه قد قتل أخوه أو أبوه أو عمه فيجد من ذلك حزنا فنزلت والعاديات ضبحا فأخبر الله كيف ","part":9,"page":207},{"id":4152,"text":" فعل بهم قال الفراء الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون وقال ابن قتيبة الضبح صوت حلوقها إذا عدت وقال الزجاج ضبحها صوت أجوافها إذا عدت \r\n قوله تعالى فالموريات قدحا فيه خمسة أقوال \r\n أحدها أنها الخيل تورى النار بحوافرها إذا جرت وهذا قول الجمهور \r\n قال الزجاج إذا عدت الخيل بالليل فأصابت بحوافرها الحجارة انقدحت منها النيران \r\n والثاني أنها نيران المجاهدين إذا أوقدت روي عن ابن عباس \r\n والثالث مكر الرجال في الحرب قاله مجاهد وزيد بن أسلم \r\n والرابع نيران الحجيج بالمزدلفة قاله القرظي \r\n والخامس أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل على الحق وفضح بها الباطل قاله عكرمة ","part":9,"page":208},{"id":4153,"text":" والثالث صلاة العصر قاله مقاتل \r\n قوله تعالى إن الإنسان لفي خسر قال الزجاج هو جواب القسم \r\n والإنسان هاهنا بمعنى الناس كما تقول كثر الدرهم في أيدي الناس تريد الدراهم والخسر والخسران في معنى واحد قال أهل المعاني الخسر هلاك رأس المال أو نقصه فالإنسان إذا لم يستعمل نفسه فيما يوجب له الربح الدائم فهو في خسران لأنه عمل في إهلاك نفسه وهما أكبر رأس ماله إلا الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله وعملوا بالطاعة وتواصوا بالحق أي بالتوحيد والقرآن واتباع الرسول وتواصوا بالصبر على طاعة الله والقيام بشريعته \r\n وقال إبراهيم في تفسير هذه السورة إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي نقص وضعف إلا المؤمنين فإنهم يكتب لهم أجور أعمالهم التي كانوا يعملون في شبابهم وصحتهم ","part":9,"page":225},{"id":4154,"text":" سورة الهمزة \r\n وهي مكية بإجماعهم \r\n قال هبة الله المفسر وقد قيل إنها مدنية واختلف المفسرون هل نزلت في حق شخص بعينه أم نزلت عامة على قولين \r\n أحدهما نزلت في حق شخص بعينه \r\n ثم فيه ستة أقوال \r\n أحدها الأخنس بن شريق رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي وابن السائب \r\n والثاني العاص بن وائل السهمي قاله عروة \r\n والثالث جميل بن عامر قاله ابن أبي نجيح \r\n والرابع الوليد بن المغيرة قاله ابن جريج ومقاتل \r\n والخامس أمية بن خلف قاله ابن إسحاق \r\n والسادس أبي بن خلف حكاه الماوردي ","part":9,"page":226},{"id":4155,"text":" والقول الثاني أنها نزلت عامة لا في شخص بعينه قاله مجاهد \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا و عدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة \r\n قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة اختلفوا في الهمزة واللمزة هل هما بمعنى واحد أم مختلفان على قولين \r\n أحدهما أنهما مختلفان ثم فيهما سبعة أقوال \r\n أحدها أن الهمزة المغتاب واللمزة العياب قاله ابن عباس \r\n والثاني أن الهمزة الذي يهمز الإنسان في وجهه واللمزة يلمزه إذا أدبر عنه قاله الحسن وعطاء وأبو العالية \r\n والثالث أن الهمزة الطعان في الناس واللمزة الطعان في أنساب الناس قاله مجاهد ","part":9,"page":227},{"id":4156,"text":" والرابع أن الهمزة بالعين واللمزة باللسان قاله قتادة \r\n والخامس أن الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللمزة الذي يلمزهم بلسانه قاله ابن زيد \r\n والسادس أن الهمزة الذي يهمز بلسانه واللمزة الذي يلمز بعينه قاله سفيان الثوري \r\n والسابع أن الهمزة المغتاب واللمزة الطاعن على الإنسان في وجهه قاله مقاتل \r\n والقول الثاني أن الهمزة العياب الطعان واللمزة مثله وأصل الهمز واللمز الدفع قاله ابن قتيبة وكذلك قال الزجاج الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم قال الشاعر \r\n ... إذا لقيتك عن كره تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه ... \r\n قوله تعالى الذي جمع مالا قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وروح جمع بالتشديد والباقون بالتخفيف \r\n قوله تعالى وعدده قرأ الجمهور بتشديد الدال وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن يعمر بتخفيفها ","part":9,"page":228},{"id":4157,"text":" وللمفسرين في معنى الكلام قولان \r\n أحدهما أحصى عدده قاله السدي \r\n والثاني أعده لما يكفيه في السنين قاله عكرمة قال الزجاج من قرأ عدده بالتشديد فمعناه عدده للدهور ومن قرأ عدده بالتخفيف فمعناه جمع مالا وعددا أي وقوما اتخذهم أنصارا \r\n قوله تعالى يحسب أن ماله أخلده أخلده بمعنى يخلده والمعنى يظن ماله مانعا له من الموت فهو يعمل عمل من لا يظن أنه يموت كلا أي لا يخلده ماله ولا يبقى له لينبذن أي ليطرحن في الحطمة وهو اسم من أسماء جهنم سميت بذلك لأنها تحطم ما يلقى فيها أي تكسره فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة وقرأ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي عبلة وابن محيصن لينبذان بألف ممدودة وبكسر النون وتشديدها أي هو وماله \r\n قوله تعالى التي تطلع على الأفئدة أي تأكل اللحم والجلود حتى تقع على الأفئدة فتحرقها قال الفراء يبلغ ألمها الأفئدة والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى واحد والعرب تقول متى طلعت أرضنا أي بلغت وقال ابن قتيبة تطلع على الأفئدة أي توفي عليها وتشرف وخص الأفئدة ","part":9,"page":229},{"id":4158,"text":" لأن الألم إذا صار الى الفؤاد مات صاحبه فأخبر أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون وقد ذكرنا تفسير المؤصدة في سورة البلد 20 \r\n قوله تعالى في عمد قرأ حمزة وخلف والكسائي وعاصم إلا حفصا بضم العين وإسكان الميم قال المفسرون وهي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار و في بمعنى الباء والمعنى مطبقة بعمد قال قتادة وكذلك هو في قراءة عبد الله وقال مقاتل أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد حتى يرجع عليهم غمها وحرها و ممددة صفة العمد أي أنها ممدودة مطولة وهي أرسخ من القصيرة وقال قتادة هي عمد يعذبون بها في النار وقال أبو صالح في عمد ممددة قال القيود الطوال ","part":9,"page":230},{"id":4159,"text":" سورة الفيل \r\n مكية بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول \r\n قوله تعالى ألم تر فيه قولان \r\n أحدهما ألم تخبر قاله الفراء \r\n والثاني ألم تعلم قاله الزجاج ومعنى الكلام معنى التعجب وأصحاب الفيل هم الذين قصدوا تخريب الكعبة \r\n وفي سبب قصدهم لذلك قولان \r\n أحدهما أن أبرهة بني بيعة وقال لست منتهيا حتى أضيف إليها حج العرب فسمع بذلك رجل من بني كنانة فخرج فدخلها ليلا فأحدث فيها فبلغ ذلك أبرهة فحلف ليسيرن الى الكعبة فيهدمها قاله ابن عباس ","part":9,"page":231},{"id":4160,"text":" والثاني أن قوما من قريش خرجوا في تجارة الى أرض النجاشي فنزلوا في جنب بيعة فأوقدوا نارا وشووا لحما فلما رحلوا هبت الريح فإضطرم المكان نارا فغضب النجاشي لأجل البيعة فقال له كبراء أصحابه منهم حجر بن شراحيل وأبو يكسوم لا تحزن فنحن نهدم الكعبة قاله مقاتل وقال ابن إسحاق ابو يكسوم اسمه أبرهة بن الأشرم وقيل وزيره وحجر من قواده \r\n ذكر الإشارة الى القصة \r\n ذكر أهل التفسير أن أبرهة لما سار بجنوده الى الكعبة ليهدمها خرج معه بالفيل فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وبعث بعض جنوده فقال سل عن شريف مكة وأخبره أني لم آت لقتال وإنما جئت لأهدم هذا البيت فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه إنما جاء لهدم هذا البيت ثم ينصرف عنكم فقال عبد المطلب ما له عندنا قتال وما لنا به يد إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة قال فانطلق معي الى الملك فلما دخل عبد المطلب على أبرهة أعظمه وكرمه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك الى الملك فقال له الترجمان فقال حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها فقال أبرهة لترجمانه ","part":9,"page":232},{"id":4161,"text":" قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت الآن فيك جئت الى بيت هو دينك لأهدمه فلم تكلمني فيه وكلمتني لإبل أصبتها فقال عبد المطلب أنا رب هذه الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه فأمر بإبله فردت عليه فخرج فأخبر قريشا وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش إذا دخل ففعلوا فأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقه الباب وجعل يقول \r\n ... يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا ... \r\n ... إن عدو البيت من عاداكا ... إمنعهم أن يخربوا قراكا ... \r\n وقال أيضا \r\n ... لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك ... \r\n ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ","part":9,"page":233},{"id":4162,"text":" جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك ... \r\n ... عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك ... \r\n ... إن كنت تاركهم وكع ... تنا فأمر ما بدالك ... \r\n ثم إن أبرهة أبح متهيئا للدخول فبرك الفيل فبعثوه فأبى فضربوه فأبى فوجهوه الى اليمن راجعا فقام يهرول ووجهوه الى الشام ففعل مثل ذلك والى المشرق ففعل مثل ذلك فوجهوه الى الحرم فأبى فأرسل الله طيرا من البحر \r\n واختلفوا في صفتها فقال ابن عباس كانت لهم خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وقال عكرمة كانت لها رؤوس كرؤوس السباع \r\n وقال ابن إسحاق كانت أمثال الخطاطيف \r\n واختلفوا في ألوانها على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها كانت خضراء قاله عكرمة وسعيد بن جبير \r\n الثاني سوداء قاله عبيد بن عمير \r\n والثالث بيضاء قاله قتادة قال وكان مع كل طير ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره \r\n واختلفوا في صفة الحجارة فقال بعضهم كانت كأمثال الحمص والعدس \r\n وقال عبيد بن عمير بل كان الحجر كرأس الرجل والجمل فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وقيل كان على كل حجر اسم الذي وقع عليه ","part":9,"page":234},{"id":4163,"text":" فهلكوا ولم يدخلوا الحرم وبعث الله على أبرهة داء في جسده فتساقطت أنامله وانصدع صدره قطعتين عن قلبه فهلك ورأى أهل مكة الطير وقد أقبلت من ناحية البحر فقال عبد المطلب إن هذه الطير غريبة ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس ينظر الى القوم فرجع يركض ويقول هلك القوم جميعا فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم وقيل لم ينج من القوم إلا أبو يكسوم فسار وطائر يطير من فوقه ولا يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصاب القوم فلما أتم كلامه رماه الطائر فمات فأرى الله تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه \r\n واختلفوا كم كان بين مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين هذه القصة على ثلاثة أقوال أحدها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولد عام الفيل وهو الأصح ","part":9,"page":235},{"id":4164,"text":" والثاني كان بينهما ثلاث وعشرون سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثالث أربعون سنة حكاه مقاتل \r\n قوله تعالى ألم يجعل كيدهم وهو ما أرادوا من تخريب الكعبة في تضليل أي في ذهاب والمعنى أن كيدهم ضل عما قصدوا له فلم يصلوا إلى مرادهم وأرسل عليهم طيرا أبابيل \r\n وفي الأبابيل خمسة أقوال \r\n أحدهما أنها المتفرقة من هاهنا وهاهنا قاله ابن مسعود والأخفش \r\n والثاني أنها المتتابعة التي يتبع بعضها بعضا قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل \r\n والثالث الكثيرة قاله الحسن وطاووس \r\n والرابع أنها الجمع بعد الجمع قاله عطاء وأبو صالح وكذلك قال أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج الأبابيل جماعات في تفرقة \r\n والخامس المختلفة الألوان قاله زيد بن أسلم قال الفراء وأبو عبيدة الأبابيل لا واحد لها \r\n قوله تعالى ترميهم قرأ أبو عبد الرحمن السلمي يرميهم بالياء وقد بينا معنى سجيل في هود 82 ومعنى العصف في سورة الرحمن 12 عز و جل \r\n وفي معنى مأكول ثلاثة أقوال \r\n أحدهما أن يكون أراد أنه أخذ ما فيه من الحب فأكل وبقي هو لا حب فيه ","part":9,"page":236},{"id":4165,"text":" والثاني أن يكون أراد أن العصف مأكول البهائم كما يقال للحنطة هذا المأكول ولما يؤكل وللماء هذا المشروب ولما يشرب يريد أنهما مما يؤكل ويشرب ذكرهما ابن قتيبة \r\n والثالث أن المأكول هاهنا الذي وقع فيه الأكال فالمعنى جعلهم كورق الزرع الذي جف وأكل أي وقع فيه الأكال قاله الزجاج ","part":9,"page":237},{"id":4166,"text":" سورة قريش \r\n ويقال لها سورة لإيلاف \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مكية قاله الجمهور \r\n والثاني مدنية قاله الضحاك وابن السائب \r\n واختلف القراء في لإيلاف فقرأ ابن عامر لإلاف بغير ياء بعد الهمزة مثل لعلاف وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همز وروى حماد بن أحمد عن الشموني بهمزتين مخففتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة على وزن لععلاف وقرأ الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة مثل لعيلاف \r\n وفي لام لإيلاف ثلاثة أقوال \r\n أحدها موصولة بما قبلها المعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف هذا قول الفراء والجمهور ","part":9,"page":238},{"id":4167,"text":" والثاني أنها لام التعجب كأن المعنى اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت قاله الأعمش والكسائي \r\n والثالث أن معناها متصل بما بعدها المعنى فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا في الرحلتين آمنين فإذا عرض لهم عارض قالوا نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم قال الزجاج وهذا الوجه قول النحويين الذين ترتضى أقوالهم وقال ابن قتيبة بعض الناس يذهب الى أن هذه السورة وسورة الفيل واحدة وأكثر الناس على أنهما سورتان وان كانتا متصلتي الألفاظ والمعنى ان قريش كانت بالحرم آمنة من الأعداء والحرم واد جديب لا زرع فيه ولا شجر وإنما كانت قريش تعيش فيه بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف الى الشام ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام ولولا أنهم بمجاورة البيت لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل هدم الكعبة أهلكهم الله لتقيم قريش بالحرم فذكرهم الله نعمته بالسورتين والمعنى أنه أهلك أولئك ليؤلف قريشا هاتين ","part":9,"page":239},{"id":4168,"text":" الرحلتين اللتين بهما معاشهم ومقامهم بمكة تقول ألفت موضع كذا إذا لزمته وألفنيه الله كما تقول لزمت موضع كذا وكذا وألزمنيه الله وكرر لايلاف للتوكيد كما تقول أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كل الناس قال الزجاج يقال ألفت المكان الفا وآلفته إيلافا بمعنى واحد \r\n وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة وكل من لم يلده النضر فليس بقرشي \r\n وقيل هم من ولد فهر بن مالك بن النضر فمن لم يلده فهر فليس بقرشي وإنما سموا قريشا لتجارتهم وجمعهم المال والقرش الكسب يقال هو يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب وقد سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهم لم سميت قريش قريشا فقال ابن عباس بدابة تكون في البحر يقال لها القريش لا تمر بشيء من الغث والمسين إلا أكلته وأنشد \r\n ... وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا ... \r\n وقال ابن الأنباري قال قوم سموا قريشا بالأقتراش وهو وقوع الرماح بعضها على بعض قال الشاعر \r\n ... ولما دنا الرايات واقترش القنا ... وطار مع القوم القلوب الرواجف ","part":9,"page":240},{"id":4169,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n لايلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف \r\n قوله تعالى إيلافهم قرأ أبو جفعر وابن فليح عن ابن كثير والوليد ابن عتبة عن ابن عامر والتغلبي عن ابن ذكوان عنه إلافهم بهمزة مكسورة من غم ياء بعدها مثل علافهم وروى الخزاعي عن ابن فليح وأبان ابن تغلب عن عاصم إلفهم بسكون اللام أيضا ورواه الشموني إلا حمادا بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة ورواه حماد كذلك إلا أنه حذف الياء \r\n وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة مثل عيلافهم وجمهور العلماء على أن الرحلتين كانتا للتجارة وكانوا يخرجون الى الشام في الصيف والى اليمن في الشتاء لشدة برد الشام وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف قال الفراء والرحلة منصوبة بايقاع الفعل عليها \r\n قوله تعالى فليعبدوا رب هذا البيت أي ليوحدوه 4 الذي أطعمهم من جوع أي بعد الجوع كما تقول كسوتك من عري وذلك أن الله تعالى آمنهم بالحرم فلم يتعرض لهم في رحلتهم فكان ذلك سببا لإطعامهم ","part":9,"page":241},{"id":4170,"text":" بعدما كانوا فيه من الجوع وروى عطاء عن ابن عباس قال كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى استغنوا \r\n قوله تعالى وآمنهم من خوف وذلك أنهم كانوا آمنين بالحرم إن حضروا حماهم وإن سافروا قيل هؤلاء أهل الحرم فلا يعرض لهم أحد ","part":9,"page":242},{"id":4171,"text":" سورة الماعون \r\n ويقال لها سورة أرأيت \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مكية قاله الجمهور \r\n والثاني مدنية روى عن ابن عباس وقتادة وقال هبة الله المفسر نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق \r\n بسم الله الرحمن الحرحيم \r\n أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون \r\n قوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ستة أقوال \r\n أحدها نزلت في رجل من المنافقين قاله ابن عباس \r\n والثاني نزلت في عمرو بن عائذ قاله الضحاك ","part":9,"page":243},{"id":4172,"text":" والثالث في الوليد بن المغيرة قاله السدي \r\n والرابع في العاص بن وائل قاله ابن السائب \r\n والخامس في أبي سفيان بن حرب قاله ابن جريج \r\n والسادس في أبي جهل حكاه الماوردي \r\n وفي الدين أربعة أقوال \r\n أحدها أنه حكم الله عز و جل قاله ابن عباس \r\n والثاني الحساب قاله مجاهد وعكرمة \r\n والثالث الجزاء حكاه الماوردي \r\n والرابع القرآن حكاه بعض المفسرين و يدع بمعنى يدفع وقد ذكرناه في قوله تعالى يوم يدعون الى نار جهنم الطور 13 والمعنى أنه يدفع اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله وقد بينا فيما سبق أنهم كانوا لا يورثون الصغير وقيل يدفع اليتيم إبعادا له لأنه لا يرجو ثواب إطعامه ولا يحض على طعام المسكين أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه مكذب بالجزاء \r\n قوله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون نزل هذا في المنافقين الذين يرجون لصلاتهم ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا فإن كانوا مع النبي صلى الله عليه و سلم صلوا رياء وإن لم يكونوا معه لم يصلوا فذلك قوله تعالى الذين هم يراؤون وقال ابن مسعود والله ما تركوها البتة ولو تركوها البتة كانوا كفارا ولكن تركوا المحافظة على أوقاتها وقال ابن عباس يؤخرونها عن وقتها ونقل عن ","part":9,"page":244},{"id":4173,"text":" أبي العالية أنه قال هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر \r\n ورد هذا بعض العلماء فقال هذا ليس بشيء لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد سها في صلاته ولأنه قال تعالى عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم ولأن ذاك لا يكاد يدخل تحت طوق ابن آدم \r\n قال الشيخ رحمه الله قلت ولا أظن أبا العالية أراد السهو النادر وإنما أراد السهو الدائم وذلك ينبئنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة فيتوجه الذم الى ذلك لا الى السهو \r\n وفي الماعون ستة أقوال \r\n أحدها أنه الإبرة والماء والنار والفأس وما يكون في البيت من هذا النحو رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم والى نحوه ذهب ابن مسعود وابن عباس في رواية وروى عنه أبو صالح أنه قال الماعون المعروف كله ","part":9,"page":245},{"id":4174,"text":" حتى ذكر القدر والقصعة والفأس وقال عكرمة ليس الويل لمن منع هذا إنما الويل لمن جمعهن فراءى في صلاته وسها عنها ومنع هذا قال الزجاج والماعون في الجاهلية كل ما كان فيه منفعة كالفأس والقدر والدلو والقداحة ونحو ذلك وفي الإسلام أيضا \r\n والثاني أنه الزكاة قاله علي وابن يعمر والحسن وعكرمة وقتادة \r\n والثالث أنه الطاعة قاله ابن عباس في رواية \r\n والرابع المال قاله سعيد بن المسيب والزهري \r\n والخامس المعروف قاله محمد بن كعب \r\n والسادس الماء ذكره الفراء عن بعض العرب قال وأنشدني \r\n ... يمج صبيرة الماعون صبا ... \r\n والصبير السحاب ","part":9,"page":246},{"id":4175,"text":" سورة الكوثر \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مكية قاله ابن عباس والجمهور \r\n والثاني مدنية قاله الحسن وعكرمة وقتادة \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر \r\n وفي الكوثر ستة أقوال \r\n أحدها أنه نهر في الجنة روى البخاري في أفراده من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب ","part":9,"page":247},{"id":4176,"text":" الدر المجوف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز و جل فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر \r\n وروى مسلم أيضا في أفراده من حديث أنس أيضا قال أغفى رسول الله صلى الله عليه و سلم إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما إما قال لهم وإما قالوا له لم ضحكت فقال إنه أنزل علي الآن آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها وقال هل تدرون ما الكوثر فقالوا الله ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربي عز و جل في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد كواكب السماء يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك \r\n والثاني أن الكوثر الخير الكثير الذي أعطي نبينا صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس ","part":9,"page":248},{"id":4177,"text":" والثالث العلم والقرآن قاله الحسن \r\n والرابع النبوة قاله عكرمة \r\n والخامس أنه حوض رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي يكثر الناس عليه قاله عطاء \r\n والسادس أنه كثرة أتباعه وأمته قاله أبو بكر بن عياش \r\n قوله تعالى فصل لربك في هذه الصلاة ثلاثة أقوال \r\n أحدها صلاة العيد وقال قتادة صلاة الأضحى \r\n والثاني صلاة الصبح بالمزدلفة قاله مجاهد \r\n والثالث الصلوات الخمس قاله مقاتل \r\n وفي قوله تعالى وانحر خمسة أقوال \r\n أحدها اذبح يوم النحر رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد والجمهور \r\n والثاني وضع اليمين على اليسرى عند النحر في الصلاة \r\n والثالث أنه رفع اليدين بالتكبير الى النحر قاله أبو جعفر محمد بن علي \r\n والرابع أن المعنى صل لله وانحر لله فإن ناسا يصلون لغيره وينحرون لغيره قاله القرظي ","part":9,"page":249},{"id":4178,"text":" والخامس أنه استقبال القبلة بالنحر حكاه الفراء \r\n قوله تعالى إن شانئك اختلفوا فيمن عنى بذلك على خمسة أقوال \r\n أحدها أنه العاص بن وائل السهمي قاله ابن عباس نزلت في العاص ابن وائل لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم على باب المسجد فوقف يحدثه حتى دخل العاص المسجد وفيه أناس من صناديد قريش فقالوا له من الذي كنت تحدث قال ذاك الأبتر يعني النبي صلى الله عليه و سلم وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا يسمون من ليس له ابن أبتر فأنزل الله عز و جل هذه السورة \r\n وممن ذهب الى أنها نزلت في العاص سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة \r\n والثاني أنه أبو جهل روي عن ابن عباس أيضا \r\n والثالث أبو لهب قاله عطاء \r\n والرابع عقبة بن أبي معيط قاله شمر بن عطية ","part":9,"page":250},{"id":4179,"text":" والخامس أنه عنى به جماعة من قريش قاله عكرمة والشانىء المبغض والأبتر المنقطع عن الخير ","part":9,"page":251},{"id":4180,"text":" سورة الكافرون \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مكية قاله ابن مسعود والحسن والجمهور \r\n والثاني مدنية روي عن قتادة \r\n ذكر سبب نزولها اختلفوا على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن رهطا من قريش منهم الوليد بن المغيرة والعاص وائل والأسود بن عبد يغوث لقوا العباس بن عبد المطلب فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول ولآمنا بالآهه فأتاه العباس فأخبره فنزلت هذه السورة رواه أبو صالح عن ابن عباس ","part":9,"page":252},{"id":4181,"text":" والثاني أن عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف لقيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالا يا محمد لا ندعك حتى تتبع ديننا ونتبع دينك فإن كان أمرنا رشدا كنت قد أخذت بحظك منه وإن كان أمرك رشدا كنا قد أخذنا بحظنا منه فنزلت هذه السورة قاله عبيد بن عمير \r\n والثالث أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم إن سرك أن نتبع دينك عاما وترجع الى ديننا عاما فنزلت هذه السورة قاله وهب قال مقاتل في آخرين نزلت هذه السورة في أبي جهل وفي المستهزئين ولم يبق من الذين نزلت فيهم أحد وأما قوله تعالى لا أعبد فهو في موضع من ولكنه جعل مقابلا لقوله تعالى ما تعبدون وهي الأصنام وفي تكرار الكلام قولان \r\n أحدهما لتأكيد الأمر وحسم أطماعهم فيه قاله الفراء وقد أنعمنا شرح هذا في سورة الرحمن 13 ","part":9,"page":253},{"id":4182,"text":" والثاني أن المعنى لا أعبد ما تعبدون في حالي هذه ولا أنتم في حالكم هذه عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم فيما أستقبل وكذلك أنتم فنفي عنه وعنهم ذلك في الحال والاستقبال وهذا في قوم بأعيانهم أعلمه الله عز و جل أنهم لا يؤمنون كما ذكرنا عن مقاتل فلا يكون حيئذ تكرارا هذا قول ثعلب والزجاج وقوله تعالى لكم دينكم ولي دين فتح ياء ولي نافع وحفص وأبان عن عاصم وأثبت ياء ديني في الحالين يعقوب وهذا منسوخ عندالمفسرين بآية السيف ","part":9,"page":254},{"id":4183,"text":" سورة النصر \r\n وهي مدنية بإجماعهم \r\n وفي أفراد مسلم من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت جميعا ","part":9,"page":255},{"id":4184,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه توابا \r\n قوله تعالى إذا جاء نصر الله أي معونته على الأعداء والفتح فتح مكة قال الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة قالت العرب أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فدخلوا في دين الله أفواجا قال أبو عبيدة والأفواج جماعات في تفرقة \r\n قوله تعالى فسبح بحمد ربك فيه قولان \r\n أحدهما أنه الصلاة قاله ابن عباس ","part":9,"page":256},{"id":4185,"text":" والثاني التسبيح المعروف قاله جماعة من المفسرين قال المفسرون نعيت إليه نفسه بنزول هذه السورة وأعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والإستغفار ليخم له عمره بالزيادة في العمل الصالح قال ابن عباس إذا جاء نصر الله والفتح داع من الله ووداع من الدنيا قال قتادة وعاش بعد نزول هذه السورة سنتين ","part":9,"page":257},{"id":4186,"text":" سورة تبت \r\n وهي مكية بإجماعهم \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد \r\n وسبب نزولها ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء 214 صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم على الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا ما لك فقال أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد \r\n قال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا فأنزل الله تعالى تبت يدا أبي لهب ","part":9,"page":258},{"id":4187,"text":" ومعنى تبت خسرت يدا أبي لهب وتب أي وخسر هو قال الفراء الأول دعاء والثاني خبر كما يقول الرجل أهلكك الله وقد أهلكك وجعلك الله صالحا وقد جعلك وقيل ذكر يديه والمراد نفسه ولكن هذا عادة العرب يعبرون ببعض الشيء عن جميعه كقوله تعالى ذلك بما قدمت يداك الحج 10 وقال مجاهد تبت يدا أبي لهب وتب ولد أبي لهب فأما أبو لهب فهو عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل إن اسمه عبد العزى وقرأ ابن كثير وحده أبي لهب بإسكان الهاء قال أبو علي يشبه أن يكون لغة كالشمع والشمع والنهر والنهر \r\n فإن قيل كيف كناه الله عز و جل وفي الكنية نوع تعظيم \r\n فعنه جوابان \r\n أحدهما أنه إن صح أن اسمه عبد العزى فكيف يذكره الله بهذا الأسم وفيه معنى الشرك \r\n والثاني أن كثيرا من الناس اشتهروا بكناهم ولم يعرف لهم أسماء \r\n قال ابن قتيبة خبرني غير واحد عن الأصمعي أن أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان ","part":9,"page":259},{"id":4188,"text":" ابن العلاء أساؤهما كناهما فإن كان اسم أبي لهب كنيته فإنما ذكره بما لايعرف إلا به \r\n قوله تعالى ما أغنى عنه ماله قال ابن مسعود لما دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم أقربيه إلى الله عز و جل قال أبو لهب إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي بمالي وولدي فقال الله عز و جل ما أغنى عنه ماله و كسب قال الزجاج و ما في موضع رفع المعنى ما أغنى عنه ماله و كسبه أي ولده وكذلك قال المفسرون المراد بكسبه هاهنا ولده و أغنى بمعنى يغني سيصلى نارا ذات لهب أي تلتهب عليه من غير دخان وامرأته أي ستصلى امرأته وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان وفي هذا دلالة على صحة نبوة نبينا عليه الصلاة و السلام لأنه أخبر بهذا المعنى أنه وزوجته يموتان على الكفر فكان كذلك إذ لو قالابألسنتهما قد أسلمنا لوجد الكفار متعلقا في الرد على رسول الله صلى الله عليه و سلم غير أن الله علم أنهما لا يسلمان باطنا ولا ظاهرا فأخبره بذلك \r\n قوله تعالى حمالة الحطب فيه أربعة أقوال \r\n أحدهما أنها كانت تمشي بالنميمة قاله ابن عباس ومجاهد والسدي ","part":9,"page":260},{"id":4189,"text":" والفراء وقال ابن قتيبة فشبهوا النميمة بالحطب والعداوة والشحناء بالنار لأنهما يقعان بالنميمة كما تلتهب النار بالحطب \r\n والثاني أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلا رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الضحاك وابن زيد \r\n والثالث أن المراد بالحطب الخطايا قاله سعيد بن جبير \r\n والرابع أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه و سلم بالفقر وكانت تحتطب فعيرت بذلك قاله قتادة وليس بالقوي لأن الله تعالى وصفه بالمال \r\n وقرأ عاصم وحده حمالة الحطب بالنصب \r\n قال الزجاج من نصب حمالة فعلى الذم والمعنى أعني حمالة ","part":9,"page":261},{"id":4190,"text":" الحطب والجيد العنق والمسد في لغة العرب الحبل إذا كان من ليف المقل وقد يقال لما كان من أوبار الإبل من الحبال المسد قال الشاعر \r\n ... ومسد أمر من أيانق ... صهب عتاق ذات مخ زاهق ... \r\n وقال ابن قتيبة المسد عند كثير من الناس الليف دون غيره وليس كذلك إنما المسد كل ما ضفر وقتل من الليف وغيره \r\n واختلف المفسرون في المراد بهذا الحبل على ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنها حبال كانت تكون بمكة رواه العوفي عن ابن عباس \r\n وقال الضحاك حبل من شجر كانت تحتطب به \r\n والثاني أنه قلادة من ودع قاله قتادة \r\n والثالث أنه سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا قاله عروة بن ","part":9,"page":262},{"id":4191,"text":" الزبير وقال غيره المراد بهذا الحبل السلسلةالتي ذكرها الله تعالى في النار طولها سبعون ذراعا والمعنى أن تلك السلسلة قد فتلت فتلا محكما فهي في عنقها تعذب بها في النار ","part":9,"page":263},{"id":4192,"text":" سورة الإخلاص \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مكية قاله ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر \r\n والثاني مدنية روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك وقد روى البخاري في أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة ","part":9,"page":264},{"id":4193,"text":" أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنها تعدل ثلث القرآن \r\n وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال \r\n أحدها أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة قاله أبي بن كعب ","part":9,"page":265},{"id":4194,"text":" والثاني أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم إلام تدعونا يا محمد قال الى الله عز و جل قال صفه لي أمن ذهب هو أو من فضة أو من حديد فنزلت هذه السورة قاله ابن عباس \r\n والثالث أن الذين قالوا هذا قوم من أحبار اليهود قالوا من أي جنس هو وممن ورث الدنيا ولمن يورثها فنزلت هذه السورة قاله قتادة والضحاك قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أحد الله وقرأ أبو عمرو أحد الله بضم الدال ووصلها باسم الله قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله عز و جل والمعنى الذي سألتم تبيين نسبته هو الله و أحد مرفوع على معنى هو أحد فالمعنى هو الله وهو أحد وقرئت أحد الله الصمد بتنوين أحد وقرئت أحد الله بترك التنوين وقرئت ","part":9,"page":266},{"id":4195,"text":" بإسكان الدال أحد الله وأجودها الرفع بإثبات التنوين وكسر التنوين لسكونه وسكون اللام في الله ومن حذف التنوين فلالتقاء الساكنين أيضا ومن أسكن أراد الوقف ثم ابتدأ الله الصمد وهو أردؤها \r\n فأما الأحد فقال ابن عباس وأبو عبيدة هو الواحد وفرق قوم بينهما وقال أبو سليمان الخطابي الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهية أحد \r\n والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد وأصل الأحد عند النحويين الوحد ثم أبدلوا من الواو الهمزة \r\n وفي الصمد أربعة أقوال \r\n أحدها أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده قال أبو عبيدة هو السيد الذي ليس فوقه ","part":9,"page":267},{"id":4196,"text":" أحد والعرب تسمي أشرافها الصمد قال الأسدي \r\n ... لقد بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد ... \r\n وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء قصد قصده وتأويل صمود كل شيء له أن في كل شيء أثر صنعه وقال ابن الأنباري لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد يصمد إليه الناس في أمورهم وحوائجهم \r\n والثاني أنه لا جوف له قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وقال ابن قتيبة فكأن الدال من هذا التفسير مبدلة من تاء والمصمت من هذا \r\n والثالث أنه الدائم \r\n والرابع الباقي بعد فناء الخلق حكاهما الخطابي وقال أصح الوجوه الأول لأن الإشتقاق يشهد له فإن أصل الصمد القصد يقال اصمد صمد فلان أي اقصد قصده فالصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج \r\n قوله تعالى لم يلد قال مقاتل لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك ","part":9,"page":268},{"id":4197,"text":" وذلك أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الرحمن وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله فبرأ نفسه من ذلك \r\n قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد قرأ الأكثرون بالتثقيل والهمز \r\n ورواه حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوا وقرأ حمزة بسكون الفاء والكفء المثل المكافىء وفيه تقديم وتأخير تقديره ولم يكن له أحد كفوا فقدم وأخر لتتفق رؤوس الآيات ","part":9,"page":269},{"id":4198,"text":" سورة الفلق \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد و من شر حاسد إذا حسد \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما مدنية رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة في آخرين \r\n والثاني مكية رواه كريب عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء وعكرمة وجابر والأول أصح ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سحر وهو مع عائشة فنزلت عليه المعوذتان \r\n فذكر أهل التفسير في نزولهما أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يزل به اليهود حتى أخذ مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها وكان الذي تولى ذلك لبيد بن أعصم اليهودي \r\n ثم دسها في بئر لبني زريق يقال لها بئر ذوران ويقال ذي أروان ","part":9,"page":270},{"id":4199,"text":" فمرض رسول الله صلى الله عليه و سلم وانتشر شعر رأسه وكان يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن ويخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله فبينا هو ذات يوم نائم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر ما بال الرجل قال طب قال وما طب قال سحر قال ومن سحره قال لبيد بن أعصم قال وبم طبه قال بمشط ومشاطه قال وأين هو قال في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان والجوف قشر الطلع والراعوفة صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها فانتبه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجوف وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبرة فأنزل الله تعالى المعوذتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد رسول الله صلى الله عليه و سلم خفة حين إنحلت العقدة الأخيرة وجعل جبريل عليه السلام يقول بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك فقالوا يا رسول الله ","part":9,"page":271},{"id":4200,"text":" أفلا نأخذ الخبيث فنقتله فقال أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا \r\n وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة حديث سحر رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد بينا معنى أعوذ في أول كتابنا \r\n وفي الفلق ستة أقوال \r\n أحدها أنه الصبح رواه العفي عن إبن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد واللغويون قالوا ويقال هذا أبين من فلق الصبح وفرق الصبح ","part":9,"page":272},{"id":4201,"text":" والثاني أنه الخلق رواه الوالبي عن أبن عباس وكذلك قال الضحاك الفلق الخلق كله \r\n والثالث سجن في جهنم روي عن ابن عباس ايضأ وقال وهب والسدي جب في جهنم وقال ابن السائب واد في جهنم \r\n والرابع شجرة في النار قاله عبدالله بن عمرو \r\n والخامس أنه كل من انفلق عن شيء كالصبح والحب والنوى وغير ذلك قاله الحسن قال الزجاج وإذا تأملت الخلق بأن لك أن اكثره عن انفلاق كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر \r\n والسادس أنه اسم من أسماء جهنم قاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي \r\n قوله تعالى من شر ما خلق وقرأ ابن السميفع وابن يعمر خلق بضم الخاء وكسر اللام وفيه ثلاثة أقوال \r\n أحدها أنه عام وهو الأظهر \r\n والثاني أن شر ما خلق إبليس وذريته قاله الحسن \r\n والثالث جهنم حكاه الماوردي ","part":9,"page":273},{"id":4202,"text":" وفي الغاسق أربعة أقوال \r\n أحدها أنه القمر روت عائشة قالت نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم الى القمر فقال استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب رواه الترمذي والنسائي في كتابهما قال ابن قتيبة ويقال الغاسق القمر إذا كسف فاسود ومعنى وقب دخل في الكسوف \r\n والثاني أنه النجم رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n والثالث أنه الليل قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والقرظي والفراء وأبو عبيد وابن قتيبة والزجاج قال اللغويون ومعنى وقب دخل في كل شيء فأظلم و الغسق الظلمة وقال الزجاج الغاسق البارد فقيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار \r\n والرابع أنه الثريا إذا سقطت وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند ","part":9,"page":274},{"id":4203,"text":" وقوعها وترتفع عند طلوعها قاله ابن زيد \r\n فأما النفاثات فقال ابن قتيبة هن السواحر ينفثن أي يتفلن إذا سحرن ورقين قال الزجاج يتفلن بلا ريق كأنه نفح وقال ابن الأنباري قال اللغويون تفسير نفث نفخ نفخا ليس معه ريق ومعنى تفل نفخ نفخا معه ريق قال ذو الرمة \r\n ... ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه ... متى يحس منه مائح القوم يتفل ... \r\n وقد روى ابن أبي سريج النافثات بألف قبل الفاء مع كسر الفاء وتخفيفها \r\n وقال بعض المفسرين المراد بالنفاثات هاهنا بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن رسول الله صلى الله عليه و سلم ","part":9,"page":275},{"id":4204,"text":" ومن شر حاسد يعني اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد ذكرنا حد الحسد في البقرة 109 والحسد أخس الطبائع وأول معصية عصي الله بها في السماء حسد إبليس لآدم وفي الأرض حسد قابيل هابيل ","part":9,"page":276},{"id":4205,"text":" سورة الناس \r\n وفيها قولان \r\n أحدهما أنها مدنية رواه أبو صالح عن ابن عباس \r\n والثاني أنها مكية رواه أبو كريب عن ابن عباس \r\n بسم الله الرحمن الرحيم \r\n قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس \r\n فإن قيل لم خص الناس هاهنا بأنه ربهم وهو رب كل شيء \r\n فعنه جوابان \r\n أحدهما لأنهم معظمون متميزون على غيرهم \r\n والثاني لأنه لما أمر بالأستعادة من شرهم أعلم أنه ربهم ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرهم ولما كان في الناس ملوك قال تعالى ملك الناس ولما كان فيهم ","part":9,"page":277},{"id":4206,"text":" من يعبد غيره قال تعالى إله الناس \r\n و الوسواس الشيطان وهو الخناس يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله خنس أي كف وأقصر قال الزجاج الوسواس هنا ذو الوسواس ","part":9,"page":278},{"id":4207,"text":"وقال ابن قتيبة الصدور هاهنا القلوب قال ابن عباس الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس\rقوله تعالى من الجنة والناس الجنة وفي معنى الآية قولان\rأحدهما يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم فسمى الجن هاهنا ناسا كما سماهم رجالا في قوله تعالى يعوذون برجال من الجن الجن 6 وسماهم نفرا بقوله تعالى استمع نفر من الجن الجن 1 هذا قول الفراء وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوسا للجن كما يوسوس للإنس\rوالثاني أن الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس هو من الجنة وهم من الجن والمعنى من شر الوسواس الذي هو من الجن ثم عطف قوله تعالى والناس على الوسواس والمعنى من شر الوسواس ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس هذا قول الزجاج","part":9,"page":279}],"titles":[{"id":10,"title":"سورة الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":10,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"سورة البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":51,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":63,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":66,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":77,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"آية 118","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"آية 121","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"آية 125","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"آية 130","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"آية 133","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"آية 137","lvl":2,"sub":0},{"id":150,"title":"آية 138","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"آية 139","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"آية 142","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"آية 143","lvl":2,"sub":0},{"id":155,"title":"آية 144","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"آية 145","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"آية 146","lvl":2,"sub":0},{"id":158,"title":"آية 149","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"آية 151","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"آية 153","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"آية 157","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"آية 158","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"آية 160","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"آية 162","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"آية 165","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"آية 166","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"آية 168","lvl":2,"sub":0},{"id":172,"title":"آية 170","lvl":2,"sub":0},{"id":175,"title":"آية 174","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"آية 176","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"آية 178","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"آية 179","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"آية 181","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"آية 182","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"آية 183","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"آية 184","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"آية 186","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":"آية 187","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"آية 188","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"آية 189","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"آية 190","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"آية 192","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"آية 195","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"آية 197","lvl":2,"sub":0},{"id":211,"title":"آية 198","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"آية 200","lvl":2,"sub":0},{"id":214,"title":"آية 202","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"آية 204","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"آية 205","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"آية 206","lvl":2,"sub":0},{"id":222,"title":"آية 207","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"آية 208","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":"آية 211","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"آية 213","lvl":2,"sub":0},{"id":230,"title":"آية 214","lvl":2,"sub":0},{"id":232,"title":"آية 215","lvl":2,"sub":0},{"id":233,"title":"آية 216","lvl":2,"sub":0},{"id":235,"title":"آية 217","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"آية 219","lvl":2,"sub":0},{"id":242,"title":"آية 220","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"آية 221","lvl":2,"sub":0},{"id":246,"title":"آية 222","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"آية 223","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"آية 224","lvl":2,"sub":0},{"id":253,"title":"آية 225","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"آية 226","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"آية 227","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"آية 228","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"آية 229","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"آية 230","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"آية 231","lvl":2,"sub":0},{"id":268,"title":"آية 232","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"آية 233","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"آية 234","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"آية 235","lvl":2,"sub":0},{"id":278,"title":"آية 236","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"آية 237","lvl":2,"sub":0},{"id":280,"title":"آية 238","lvl":2,"sub":0},{"id":283,"title":"آية 239","lvl":2,"sub":0},{"id":284,"title":"آية 240","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"آية 241","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"آية 244","lvl":2,"sub":0},{"id":291,"title":"آية 247","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"آية 248","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"آية 249","lvl":2,"sub":0},{"id":298,"title":"آية 250","lvl":2,"sub":0},{"id":299,"title":"آية 252","lvl":2,"sub":0},{"id":300,"title":"آية 253","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"آية 255","lvl":2,"sub":0},{"id":303,"title":"آية 256","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":"آية 257","lvl":2,"sub":0},{"id":306,"title":"آية 258","lvl":2,"sub":0},{"id":307,"title":"آية 259","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"آية 260","lvl":2,"sub":0},{"id":314,"title":"آية 261","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"آية 263","lvl":2,"sub":0},{"id":319,"title":"آية 266","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"آية 267","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"آية 268","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"آية 269","lvl":2,"sub":0},{"id":324,"title":"آية 271","lvl":2,"sub":0},{"id":325,"title":"آية 272","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"آية 273","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"آية 274","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"آية 275","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"آية 276","lvl":2,"sub":0},{"id":332,"title":"آية 279","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"آية 280","lvl":2,"sub":0},{"id":334,"title":"آية 282","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"آية 283","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"آية 284","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"آية 285","lvl":2,"sub":0},{"id":345,"title":"آية 286","lvl":2,"sub":0},{"id":348,"title":"سورة آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":348,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":349,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":357,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":359,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":360,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":373,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":374,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":379,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":386,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":394,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":396,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":397,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":402,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":421,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":425,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":430,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":433,"title":"آية 104","lvl":2,"sub":0},{"id":434,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":439,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"آية 112","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":445,"title":"آية 118","lvl":2,"sub":0},{"id":446,"title":"آية 119","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"آية 122","lvl":2,"sub":0},{"id":449,"title":"آية 124","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"آية 125","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"آية 128","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"آية 129","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"آية 131","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"آية 134","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"آية 135","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"آية 137","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"آية 138","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"آية 140","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"آية 141","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"آية 142","lvl":2,"sub":0},{"id":468,"title":"آية 144","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"آية 145","lvl":2,"sub":0},{"id":470,"title":"آية 146","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"آية 147","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"آية 150","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"آية 153","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"آية 154","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"آية 155","lvl":2,"sub":0},{"id":483,"title":"آية 157","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"آية 159","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":"آية 160","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"آية 162","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"آية 164","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"آية 165","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"آية 166","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"آية 168","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"آية 169","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"آية 170","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"آية 171","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"آية 172","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"آية 174","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"آية 175","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"آية 176","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"آية 177","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"آية 179","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"آية 181","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"آية 182","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"آية 183","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"آية 185","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"آية 186","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"آية 187","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"آية 188","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"آية 189","lvl":2,"sub":0},{"id":525,"title":"آية 190","lvl":2,"sub":0},{"id":526,"title":"آية 191","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"آية 193","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"آية 194","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"آية 196","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"آية 198","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"آية 200","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"سورة النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":534,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":543,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":592,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":606,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":615,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":621,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":629,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":637,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":639,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":642,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":646,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":648,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":662,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":665,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":693,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":714,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"آية 104","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"آية 112","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":733,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"آية 119","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"آية 123","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"آية 124","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"آية 128","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"آية 129","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"آية 130","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"آية 134","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"آية 136","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"آية 137","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"آية 138","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"آية 139","lvl":2,"sub":0},{"id":761,"title":"آية 140","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":"آية 141","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"آية 142","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"آية 143","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"آية 144","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"آية 146","lvl":2,"sub":0},{"id":768,"title":"آية 147","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"آية 148","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"آية 149","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"آية 151","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"آية 154","lvl":2,"sub":0},{"id":776,"title":"آية 155","lvl":2,"sub":0},{"id":777,"title":"آية 157","lvl":2,"sub":0},{"id":780,"title":"آية 159","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"آية 160","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"آية 163","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"آية 164","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"آية 167","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"آية 171","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"آية 172","lvl":2,"sub":0},{"id":796,"title":"آية 173","lvl":2,"sub":0},{"id":797,"title":"آية 174","lvl":2,"sub":0},{"id":800,"title":"سورة المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":800,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":803,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":827,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":840,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":843,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":851,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":867,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":912,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":932,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":937,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":940,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":945,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":960,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":973,"title":"آية 104","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":985,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"آية 118","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"آية 119","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"سورة الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":1002,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1007,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":1012,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":1022,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":1027,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":1041,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":1060,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":1078,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":1085,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":1098,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"آية 104","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":1104,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"آية 112","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":1114,"title":"آية 121","lvl":2,"sub":0},{"id":1116,"title":"آية 122","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"آية 124","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"آية 125","lvl":2,"sub":0},{"id":1121,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":1122,"title":"آية 127","lvl":2,"sub":0},{"id":1123,"title":"آية 128","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"آية 129","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":"آية 130","lvl":2,"sub":0},{"id":1126,"title":"آية 131","lvl":2,"sub":0},{"id":1127,"title":"آية 135","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"آية 136","lvl":2,"sub":0},{"id":1129,"title":"آية 137","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"آية 138","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"آية 139","lvl":2,"sub":0},{"id":1134,"title":"آية 140","lvl":2,"sub":0},{"id":1137,"title":"آية 142","lvl":2,"sub":0},{"id":1138,"title":"آية 143","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":"آية 145","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"آية 146","lvl":2,"sub":0},{"id":1144,"title":"آية 147","lvl":2,"sub":0},{"id":1145,"title":"آية 148","lvl":2,"sub":0},{"id":1146,"title":"آية 150","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"آية 151","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"آية 152","lvl":2,"sub":0},{"id":1151,"title":"آية 153","lvl":2,"sub":0},{"id":1152,"title":"آية 154","lvl":2,"sub":0},{"id":1154,"title":"آية 155","lvl":2,"sub":0},{"id":1155,"title":"آية 157","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"آية 158","lvl":2,"sub":0},{"id":1158,"title":"آية 159","lvl":2,"sub":0},{"id":1159,"title":"آية 160","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"آية 161","lvl":2,"sub":0},{"id":1161,"title":"آية 162","lvl":2,"sub":0},{"id":1162,"title":"آية 164","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":"سورة الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":1165,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1167,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":1169,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1172,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1173,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1174,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":1175,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1176,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1177,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":1179,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1209,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":1215,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":1216,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1219,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":1220,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":1221,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":1222,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":1294,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":1296,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":1298,"title":"آية 150","lvl":2,"sub":0},{"id":1310,"title":"آية 156","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":"آية 158","lvl":2,"sub":0},{"id":1315,"title":"آية 165","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"سورة الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":1320,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":1321,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":1325,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1329,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1330,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":1331,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1332,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1335,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1345,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":1349,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":1352,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1354,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":1355,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1356,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1365,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":1370,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":1371,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":1372,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1373,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":1374,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":1376,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":1381,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":1384,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":1387,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":1388,"title":"سورة التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":1388,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1393,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1397,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1399,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1401,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1403,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1404,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":1406,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":1407,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1411,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1416,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1419,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":1422,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":1427,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":1428,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":1430,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1432,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":1434,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1439,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":1442,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1444,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1446,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":1448,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":1451,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":1452,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":1453,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":1454,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":1455,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":1459,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":1461,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":1463,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":1464,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":1468,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":1469,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":1470,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1472,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":1475,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":1477,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":1478,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":1480,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":1482,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":1485,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":1486,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":1487,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":1488,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":1490,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":1491,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":1497,"title":"آية 104","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":1502,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":1503,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"آية 112","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":1510,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":1511,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":1512,"title":"آية 118","lvl":2,"sub":0},{"id":1513,"title":"آية 119","lvl":2,"sub":0},{"id":1514,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":1515,"title":"آية 122","lvl":2,"sub":0},{"id":1518,"title":"آية 123","lvl":2,"sub":0},{"id":1519,"title":"آية 125","lvl":2,"sub":0},{"id":1520,"title":"آية 127","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":"آية 129","lvl":2,"sub":0},{"id":1523,"title":"سورة يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":1523,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1528,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1531,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1533,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":1534,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1535,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1537,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1538,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1540,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":1542,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1546,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":1548,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":1549,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":1552,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":1553,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1556,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":1557,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1558,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":1559,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":1560,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1563,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1565,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":1567,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":1568,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":1569,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1570,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":1575,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":1580,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":1581,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":1582,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":1584,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":1587,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":1588,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":1589,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":1590,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":1591,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":"سورة هود","lvl":1,"sub":0},{"id":1593,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1595,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":1596,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":1598,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1599,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1600,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1601,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1602,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1605,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1609,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1610,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1611,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1615,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1618,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1619,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1620,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1624,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1628,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1629,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1635,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1636,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":1637,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":1639,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1640,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":1645,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":1646,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":1647,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":1648,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":1654,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1655,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":1660,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":1663,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":1667,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":1668,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":1674,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":1675,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":1676,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":1677,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":1678,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":1682,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":1683,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":1684,"title":"آية 112","lvl":2,"sub":0},{"id":1685,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":1690,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":1691,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":1692,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":1694,"title":"آية 121","lvl":2,"sub":0},{"id":1695,"title":"آية 123","lvl":2,"sub":0},{"id":1696,"title":"سورة يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":1696,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1697,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":1699,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1701,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1702,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":1703,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1704,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1707,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1708,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":1711,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":1712,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":1713,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1715,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1717,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":1719,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1721,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1723,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":1730,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1732,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1733,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":1740,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":1741,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1742,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":1744,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":1746,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1747,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1749,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1750,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1751,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":1752,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":1753,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1754,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":1758,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":1762,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":1763,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":1765,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":1766,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":1769,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1770,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":1774,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":1775,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":1777,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":1778,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":1779,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":1780,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1782,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":1785,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":1788,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":1789,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":1791,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":1799,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":1800,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":1803,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":1806,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":1807,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":1808,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":1809,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":1813,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":1814,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":1815,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":1816,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":1817,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":1820,"title":"سورة الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":1820,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1822,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1824,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":1825,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1826,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1829,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1830,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1833,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1837,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":1838,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":1841,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1843,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1844,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1847,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1849,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":1850,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":1852,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":1854,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":1855,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":1857,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1859,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1861,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"سورة إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1864,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1865,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":1868,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1869,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1870,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1871,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1874,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":1875,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1876,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1877,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1880,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1881,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1882,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":1884,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":1888,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1889,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":1891,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":1892,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":1893,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1896,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":1898,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":1899,"title":"سورة الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1899,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":1903,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1904,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":1906,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":1907,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1910,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":1912,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":1913,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1915,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":1917,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":1919,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1920,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":1921,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":1923,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":1924,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":1926,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":1927,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":1928,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":1930,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":1931,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":1932,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":1936,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":1939,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":1940,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":1941,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":1946,"title":"سورة النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":1946,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":1948,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":1949,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":1950,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":1951,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":1952,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":1953,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":1954,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":1955,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":1956,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":1957,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":1958,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":1959,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":1961,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":1962,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":1964,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":1965,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":1967,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":1969,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":1971,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":1975,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":1976,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":1978,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":1979,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":1980,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":1981,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":1982,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":1985,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":1987,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":1988,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":1989,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":1995,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":1996,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":1998,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":1999,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":2001,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":2002,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":2006,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":2008,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":2009,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":2010,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":2011,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":2012,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":2014,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":2017,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":2019,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":2021,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":2022,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"آية 120","lvl":2,"sub":0},{"id":2024,"title":"آية 123","lvl":2,"sub":0},{"id":2025,"title":"آية 124","lvl":2,"sub":0},{"id":2026,"title":"آية 125","lvl":2,"sub":0},{"id":2027,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":2030,"title":"سورة الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":2030,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":2034,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2039,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2040,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2042,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2044,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2045,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2047,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2048,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2053,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2056,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2058,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2060,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2061,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2063,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2064,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":2067,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2071,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2072,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2073,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2074,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":2076,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":2078,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2079,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":2083,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2085,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":2086,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2087,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":2091,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2093,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":2096,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":2098,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":2101,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":2103,"title":"آية 80","lvl":2,"sub":0},{"id":2105,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":2106,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":2108,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":2110,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":2111,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":2114,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":2115,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":2116,"title":"آية 94","lvl":2,"sub":0},{"id":2117,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":2118,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":2119,"title":"آية 101","lvl":2,"sub":0},{"id":2120,"title":"آية 102","lvl":2,"sub":0},{"id":2123,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":2124,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":2125,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":2130,"title":"سورة الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":2130,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2131,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":2132,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2134,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2135,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":2136,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2141,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2142,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2145,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2147,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2149,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2151,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2157,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2159,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2163,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2166,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2167,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2169,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":2170,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2172,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2173,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":2175,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2176,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":2178,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2179,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":2180,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2181,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2184,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2186,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2188,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":2189,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2194,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2196,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":2197,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":2198,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":2200,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":2201,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":2202,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":2205,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":2210,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":2211,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":2212,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":2213,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":2214,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":2215,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":2216,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":2221,"title":"آية 98","lvl":2,"sub":0},{"id":2222,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":2226,"title":"آية 107","lvl":2,"sub":0},{"id":2229,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":2231,"title":"سورة مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":2231,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2233,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":2234,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2235,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2238,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2239,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2241,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2242,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2244,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2245,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2246,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2249,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2251,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2254,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2255,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2259,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2260,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2262,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":2264,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2265,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":2267,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2271,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":2273,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":2274,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":2280,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":2281,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":2284,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":2287,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":2288,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":2289,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":2290,"title":"آية 82","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":2293,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":2294,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":2297,"title":"سورة طه","lvl":1,"sub":0},{"id":2297,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2305,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2311,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2313,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2314,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":2317,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2318,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":2319,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2320,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":2328,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2334,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":2335,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":2336,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":2338,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":2339,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":2340,"title":"آية 84","lvl":2,"sub":0},{"id":2341,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":2342,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":2343,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":2344,"title":"آية 95","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"آية 99","lvl":2,"sub":0},{"id":2348,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":2349,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":2351,"title":"آية 111","lvl":2,"sub":0},{"id":2352,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":2354,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":2355,"title":"آية 117","lvl":2,"sub":0},{"id":2356,"title":"آية 118","lvl":2,"sub":0},{"id":2357,"title":"آية 122","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"آية 126","lvl":2,"sub":0},{"id":2360,"title":"آية 128","lvl":2,"sub":0},{"id":2361,"title":"آية 131","lvl":2,"sub":0},{"id":2363,"title":"آية 133","lvl":2,"sub":0},{"id":2366,"title":"سورة الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":2366,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2367,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2369,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2371,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2372,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2373,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":2377,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2379,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":2380,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":2381,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":2382,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":2384,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2386,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2393,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2419,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":2425,"title":"آية 108","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":2428,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2428,"title":"سورة الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":2432,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":2433,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2436,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2437,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2438,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2439,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2442,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2443,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2444,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2445,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2450,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2451,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2453,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":2457,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2459,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2461,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2462,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":2465,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":2466,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2467,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2470,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2471,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":2472,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2473,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":2474,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2475,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2476,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2477,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2480,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":2481,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":2482,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":"سورة المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":2485,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2487,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":2488,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2489,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2491,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2492,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2495,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2496,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2498,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2499,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2500,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2501,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2502,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2504,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":2505,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2506,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2509,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2511,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":2513,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":2514,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":2515,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"آية 97","lvl":2,"sub":0},{"id":2517,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":2519,"title":"آية 105","lvl":2,"sub":0},{"id":2520,"title":"آية 109","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"آية 110","lvl":2,"sub":0},{"id":2522,"title":"آية 115","lvl":2,"sub":0},{"id":2523,"title":"آية 116","lvl":2,"sub":0},{"id":2524,"title":"سورة النور","lvl":1,"sub":0},{"id":2524,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2531,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2533,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":2537,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2538,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2541,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2542,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2543,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2544,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2545,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2546,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2548,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2549,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2551,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2555,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2556,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2560,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":2566,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2568,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2569,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":2570,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2572,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2573,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2575,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2576,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2577,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":2580,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":2581,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":2583,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2584,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2588,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":2592,"title":"سورة الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":2592,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2593,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2594,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2595,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2596,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2597,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2599,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2600,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2602,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2603,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2605,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2606,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2607,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2608,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2609,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2610,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2612,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2613,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2614,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2615,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2616,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2619,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2622,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":2623,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":2624,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2626,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":2627,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":2629,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2630,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":2631,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":2632,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":2633,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":2637,"title":"سورة الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":2637,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2638,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2639,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2640,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2643,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2644,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2653,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2665,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2666,"title":"آية 136","lvl":2,"sub":0},{"id":2667,"title":"آية 200","lvl":2,"sub":0},{"id":2668,"title":"آية 207","lvl":2,"sub":0},{"id":2669,"title":"آية 217","lvl":2,"sub":0},{"id":2670,"title":"آية 221","lvl":2,"sub":0},{"id":2671,"title":"آية 224","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"آية 227","lvl":2,"sub":0},{"id":2674,"title":"سورة النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":2674,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2675,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2677,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2679,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2680,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2681,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2683,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2684,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2687,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2688,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2690,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2691,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2694,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2695,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2697,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2699,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":2701,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2702,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2703,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":2704,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2707,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2709,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":2710,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":2715,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":2716,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":2717,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":2718,"title":"آية 90","lvl":2,"sub":0},{"id":2719,"title":"آية 92","lvl":2,"sub":0},{"id":2722,"title":"سورة القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":2722,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":2726,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2727,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2730,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2732,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2733,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2734,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2735,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":2736,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2738,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":2742,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2743,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2744,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2745,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":2748,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2749,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":2750,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2751,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":2752,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2754,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2756,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":2757,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":2758,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2760,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":2763,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":2765,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":2769,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":2770,"title":"آية 85","lvl":2,"sub":0},{"id":2774,"title":"سورة العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":2774,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2776,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":2777,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":2779,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2782,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2784,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2786,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2787,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2789,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2791,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2793,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":2798,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":2799,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2801,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2802,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2804,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":2805,"title":"آية 65","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":2807,"title":"سورة الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":2807,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2809,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2810,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":2811,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2814,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2815,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2817,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2818,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2819,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":2824,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2825,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2826,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2827,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":2828,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":2830,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2831,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2832,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2834,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"سورة لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":2836,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2838,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2842,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2843,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2844,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2846,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2848,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2849,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2850,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":2854,"title":"سورة السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":2854,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2856,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2857,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":2858,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2860,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":2862,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2863,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2867,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":2868,"title":"سورة الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2868,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2872,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":2875,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2877,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2879,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":2880,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2882,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2883,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":2887,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2888,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2889,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2890,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":2893,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2896,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":2897,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":2904,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":2913,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":2914,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2917,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":2921,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2922,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":2924,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":2933,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2938,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":2939,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":2940,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":2941,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":2942,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":2944,"title":"آية 61","lvl":2,"sub":0},{"id":2945,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":2947,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":2948,"title":"آية 71","lvl":2,"sub":0},{"id":2953,"title":"سورة سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":2953,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2954,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":2955,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2956,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":2959,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":2960,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":2961,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":2963,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":2969,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":2971,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":2975,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":2976,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":2978,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":2980,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":2982,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":2984,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":2985,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":2987,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":2988,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":2990,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":2991,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":2993,"title":"سورة فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":2993,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":2994,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":2995,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":2996,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":2997,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3001,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3003,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3005,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3006,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3007,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3008,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3011,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3012,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":3016,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3018,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3019,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":3020,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":3022,"title":"سورة يس","lvl":1,"sub":0},{"id":3022,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3023,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3028,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3029,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3030,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3032,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3033,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3034,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3035,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3037,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":3038,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3039,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3040,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3041,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":3042,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":3043,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":3056,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":3057,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":3058,"title":"آية 77","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":"سورة الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":3064,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3069,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3070,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3071,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3072,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3074,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":3077,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":3078,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":3079,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":3080,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":3081,"title":"آية 64","lvl":2,"sub":0},{"id":3082,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":3083,"title":"آية 73","lvl":2,"sub":0},{"id":3084,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":3085,"title":"آية 87","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":3087,"title":"آية 93","lvl":2,"sub":0},{"id":3088,"title":"آية 96","lvl":2,"sub":0},{"id":3089,"title":"آية 100","lvl":2,"sub":0},{"id":3093,"title":"آية 103","lvl":2,"sub":0},{"id":3095,"title":"آية 106","lvl":2,"sub":0},{"id":3096,"title":"آية 113","lvl":2,"sub":0},{"id":3097,"title":"آية 114","lvl":2,"sub":0},{"id":3098,"title":"آية 124","lvl":2,"sub":0},{"id":3100,"title":"آية 130","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":"آية 134","lvl":2,"sub":0},{"id":3105,"title":"آية 143","lvl":2,"sub":0},{"id":3106,"title":"آية 146","lvl":2,"sub":0},{"id":3108,"title":"آية 151","lvl":2,"sub":0},{"id":3109,"title":"آية 152","lvl":2,"sub":0},{"id":3110,"title":"آية 163","lvl":2,"sub":0},{"id":3111,"title":"آية 164","lvl":2,"sub":0},{"id":3112,"title":"آية 177","lvl":2,"sub":0},{"id":3113,"title":"آية 182","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":"سورة ص","lvl":1,"sub":0},{"id":3116,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3117,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3120,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3122,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3123,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3126,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3127,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3128,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3129,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3135,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3136,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3137,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3138,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3150,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3161,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3162,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3163,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":3165,"title":"آية 46","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":3167,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":3169,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":3170,"title":"آية 59","lvl":2,"sub":0},{"id":3171,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":3172,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":3173,"title":"آية 70","lvl":2,"sub":0},{"id":3175,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":3176,"title":"آية 86","lvl":2,"sub":0},{"id":3179,"title":"سورة الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":3179,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3180,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3181,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3182,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3183,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3186,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3187,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3188,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3189,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3190,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3191,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3192,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3196,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3197,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3200,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3206,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":3207,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":3209,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":3211,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":3214,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":3215,"title":"آية 68","lvl":2,"sub":0},{"id":3216,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":3217,"title":"آية 74","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"سورة غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":3225,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3226,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3227,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3228,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3229,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3230,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3232,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3234,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3237,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3239,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":3240,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3242,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3248,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":3250,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":3251,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":3252,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":3254,"title":"آية 69","lvl":2,"sub":0},{"id":3256,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":3258,"title":"سورة فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":3258,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3259,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3261,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3263,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3264,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3265,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3268,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3270,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3271,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3273,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3274,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3276,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3277,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3279,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3281,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":3282,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":3284,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":3285,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"سورة الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":3288,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3291,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3292,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3293,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3296,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3298,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3300,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3304,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3306,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3307,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3308,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3311,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3312,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":3313,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":3315,"title":"آية 51","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":3348,"title":"سورة الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":3348,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3349,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3352,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3353,"title":"آية 89","lvl":2,"sub":0},{"id":3354,"title":"سورة الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":3354,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3356,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3359,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3360,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3361,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3366,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3367,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3368,"title":"آية 49","lvl":2,"sub":0},{"id":3369,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":3372,"title":"سورة الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":3372,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3373,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3374,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3375,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3377,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3378,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3380,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3381,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3382,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3384,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3386,"title":"سورة الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":3386,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3387,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3389,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3392,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3394,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3395,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3397,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3399,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3401,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3403,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3404,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3405,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3406,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3408,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3409,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3413,"title":"سورة محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":3413,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3414,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3419,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3420,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3422,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3425,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3426,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3427,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3428,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3431,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3436,"title":"سورة الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":3436,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3437,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3442,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3444,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3445,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3446,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3448,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3449,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3453,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3454,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3455,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3458,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3460,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3472,"title":"سورة الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":3472,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3475,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3476,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3478,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3483,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3487,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3494,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3495,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3496,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3499,"title":"سورة ق","lvl":1,"sub":0},{"id":3499,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3500,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3501,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3514,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3515,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3517,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":3518,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3519,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3522,"title":"سورة الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":3522,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3523,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3524,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3525,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3527,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3529,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3530,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3531,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3532,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3533,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3534,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3535,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":3536,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":3537,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":3538,"title":"آية 58","lvl":2,"sub":0},{"id":3540,"title":"سورة الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":3540,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3541,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3542,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3543,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3544,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3546,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3547,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"آية 32","lvl":2,"sub":0},{"id":3549,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3550,"title":"آية 36","lvl":2,"sub":0},{"id":3551,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3552,"title":"آية 42","lvl":2,"sub":0},{"id":3553,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":3554,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":3556,"title":"سورة النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":3556,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3557,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3558,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3559,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3561,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3562,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3563,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3564,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3565,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3567,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":3568,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3569,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3571,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3572,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3573,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3574,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3576,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3577,"title":"آية 45","lvl":2,"sub":0},{"id":3578,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":3579,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":3582,"title":"سورة القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":3582,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3583,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3584,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3585,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3586,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3587,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3588,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3589,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3590,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3591,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3592,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":3593,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3594,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3595,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":3596,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":3597,"title":"آية 53","lvl":2,"sub":0},{"id":3598,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":3599,"title":"سورة الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":3599,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3600,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3601,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3602,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3604,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3606,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3607,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3608,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3609,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3610,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3611,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3612,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":3613,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":3614,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":3615,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":3616,"title":"آية 56","lvl":2,"sub":0},{"id":3617,"title":"آية 60","lvl":2,"sub":0},{"id":3618,"title":"آية 62","lvl":2,"sub":0},{"id":3620,"title":"آية 72","lvl":2,"sub":0},{"id":3621,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":3623,"title":"آية 78","lvl":2,"sub":0},{"id":3624,"title":"سورة الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3624,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3625,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3626,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3627,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3628,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3630,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3631,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3632,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3633,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3634,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3635,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3637,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3638,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3639,"title":"آية 55","lvl":2,"sub":0},{"id":3640,"title":"آية 57","lvl":2,"sub":0},{"id":3641,"title":"آية 63","lvl":2,"sub":0},{"id":3642,"title":"آية 66","lvl":2,"sub":0},{"id":3643,"title":"آية 67","lvl":2,"sub":0},{"id":3644,"title":"آية 75","lvl":2,"sub":0},{"id":3645,"title":"آية 76","lvl":2,"sub":0},{"id":3646,"title":"آية 79","lvl":2,"sub":0},{"id":3647,"title":"آية 81","lvl":2,"sub":0},{"id":3649,"title":"آية 83","lvl":2,"sub":0},{"id":3650,"title":"آية 88","lvl":2,"sub":0},{"id":3652,"title":"آية 91","lvl":2,"sub":0},{"id":3654,"title":"سورة الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":3654,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3655,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3656,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3659,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3660,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3661,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3663,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3665,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3666,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3667,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3668,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3669,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3672,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3674,"title":"سورة المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":3674,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3676,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3681,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3682,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3685,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3688,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3690,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3691,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3697,"title":"سورة الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":3697,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3700,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3701,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3703,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3706,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3710,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3711,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3712,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3713,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3717,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3718,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3724,"title":"سورة الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":3724,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3728,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3729,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3730,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3731,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3737,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3738,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3741,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3743,"title":"سورة الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":3743,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3745,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3747,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3748,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3749,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3751,"title":"سورة الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3751,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3753,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3754,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3755,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3763,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3767,"title":"سورة المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":3767,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3768,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3770,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3771,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3773,"title":"سورة التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":3773,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3775,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3776,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3781,"title":"سورة الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":3781,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3784,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3786,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3789,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3792,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3793,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3796,"title":"سورة التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":3796,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3806,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3808,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3813,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3813,"title":"سورة الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":3814,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3815,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3816,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3817,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3818,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3820,"title":"سورة القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":3820,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3822,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3823,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3824,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3825,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3826,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3827,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3828,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3829,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3830,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3832,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3833,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3834,"title":"آية 41","lvl":2,"sub":0},{"id":3836,"title":"آية 43","lvl":2,"sub":0},{"id":3837,"title":"آية 50","lvl":2,"sub":0},{"id":3838,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":3839,"title":"سورة الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":3839,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3841,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3842,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3843,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3845,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3846,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3847,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3848,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3849,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":3850,"title":"آية 47","lvl":2,"sub":0},{"id":3851,"title":"سورة المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":3851,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3853,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3854,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3855,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3856,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3857,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3858,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3859,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":3860,"title":"آية 40","lvl":2,"sub":0},{"id":3861,"title":"آية 44","lvl":2,"sub":0},{"id":3862,"title":"سورة نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":3862,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3864,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3865,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3866,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3867,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3868,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3869,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":3871,"title":"سورة الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":3871,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3872,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3873,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3874,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3875,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3876,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3877,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3878,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":3879,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3880,"title":"آية 28","lvl":2,"sub":0},{"id":3882,"title":"سورة المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":3882,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3883,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3884,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3886,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3887,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3888,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3889,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3893,"title":"سورة المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3893,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3894,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3895,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3896,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3897,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3898,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":3899,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3900,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3901,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3902,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3903,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3904,"title":"آية 34","lvl":2,"sub":0},{"id":3905,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3906,"title":"آية 48","lvl":2,"sub":0},{"id":3907,"title":"آية 52","lvl":2,"sub":0},{"id":3908,"title":"آية 54","lvl":2,"sub":0},{"id":3909,"title":"سورة القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":3909,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3910,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3911,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3912,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3913,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3914,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3915,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3916,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3917,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3918,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3919,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":3920,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3921,"title":"سورة الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":3921,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3922,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3924,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3925,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3926,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3928,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3929,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":3930,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3931,"title":"آية 16","lvl":2,"sub":0},{"id":3932,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3933,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3934,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3935,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3936,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3938,"title":"سورة المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":3938,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3940,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3941,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3942,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3943,"title":"آية 25","lvl":2,"sub":0},{"id":3944,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3945,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3946,"title":"آية 39","lvl":2,"sub":0},{"id":3948,"title":"سورة النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":3948,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3949,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3950,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3951,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3952,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3953,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3954,"title":"آية 29","lvl":2,"sub":0},{"id":3955,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3957,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3961,"title":"سورة النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":3961,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3962,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":3963,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3964,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":3965,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3966,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":3967,"title":"آية 31","lvl":2,"sub":0},{"id":3968,"title":"آية 35","lvl":2,"sub":0},{"id":3970,"title":"سورة عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":3970,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3971,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3972,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":3973,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":3974,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3975,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":3976,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":3977,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":3978,"title":"آية 33","lvl":2,"sub":0},{"id":3979,"title":"آية 37","lvl":2,"sub":0},{"id":3980,"title":"آية 38","lvl":2,"sub":0},{"id":3981,"title":"سورة التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":3981,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3982,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":3983,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3984,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3985,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":3986,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":3987,"title":"آية 19","lvl":2,"sub":0},{"id":3988,"title":"آية 23","lvl":2,"sub":0},{"id":3990,"title":"سورة الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":3990,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3991,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":3992,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":3993,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":3995,"title":"سورة المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":3995,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":3996,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":3997,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":3998,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":3999,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":4000,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":4001,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":4002,"title":"آية 21","lvl":2,"sub":0},{"id":4003,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":4004,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":4005,"title":"آية 30","lvl":2,"sub":0},{"id":4007,"title":"سورة الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":4007,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4008,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4009,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":4011,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":4012,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":4013,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":4014,"title":"سورة البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":4014,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4021,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4022,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":4023,"title":"آية 22","lvl":2,"sub":0},{"id":4024,"title":"سورة الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":4024,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4025,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4026,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4027,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4028,"title":"آية 10","lvl":2,"sub":0},{"id":4029,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":4031,"title":"سورة الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":4031,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4032,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4033,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4034,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4035,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":4037,"title":"آية 15","lvl":2,"sub":0},{"id":4038,"title":"سورة الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":4038,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4040,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4041,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":4042,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4043,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":4044,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":4045,"title":"آية 26","lvl":2,"sub":0},{"id":4053,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4053,"title":"سورة الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":4055,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":4056,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4061,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":4062,"title":"آية 14","lvl":2,"sub":0},{"id":4064,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":4065,"title":"آية 20","lvl":2,"sub":0},{"id":4066,"title":"آية 24","lvl":2,"sub":0},{"id":4067,"title":"آية 27","lvl":2,"sub":0},{"id":4070,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4070,"title":"سورة البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":4071,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4072,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4074,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4075,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":4076,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4078,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":4079,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":4080,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":4081,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4081,"title":"سورة الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":4082,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4083,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":4084,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4085,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":4086,"title":"آية 11","lvl":2,"sub":0},{"id":4089,"title":"سورة الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":4089,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4090,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4092,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4093,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":4094,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4095,"title":"آية 12","lvl":2,"sub":0},{"id":4096,"title":"آية 18","lvl":2,"sub":0},{"id":4099,"title":"سورة الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":4099,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4101,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4102,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":4103,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4104,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":4106,"title":"سورة الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":4106,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4107,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4108,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4110,"title":"آية 7","lvl":2,"sub":0},{"id":4111,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4112,"title":"سورة التين","lvl":1,"sub":0},{"id":4112,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4114,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4115,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4116,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4117,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":4118,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4119,"title":"سورة العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":4119,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4120,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4122,"title":"آية 13","lvl":2,"sub":0},{"id":4123,"title":"آية 17","lvl":2,"sub":0},{"id":4125,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4125,"title":"سورة القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":4135,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":4136,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4138,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4140,"title":"سورة البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":4140,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4141,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4142,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4143,"title":"آية 8","lvl":2,"sub":0},{"id":4145,"title":"سورة الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":4145,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4147,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4148,"title":"آية 6","lvl":2,"sub":0},{"id":4155,"title":"سورة الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":4155,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4157,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4158,"title":"آية 9","lvl":2,"sub":0},{"id":4164,"title":"سورة الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":4164,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4166,"title":"سورة قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":4166,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4167,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4169,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4171,"title":"سورة الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":4171,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4172,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4176,"title":"سورة الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":4176,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4177,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":4178,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4181,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4181,"title":"سورة الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":4182,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4184,"title":"سورة النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":4184,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4186,"title":"سورة المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":4186,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4188,"title":"آية 2","lvl":2,"sub":0},{"id":4190,"title":"آية 5","lvl":2,"sub":0},{"id":4194,"title":"سورة الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":4194,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4196,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4197,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0},{"id":4198,"title":"سورة الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":4198,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4202,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4205,"title":"سورة الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":4205,"title":"آية 1","lvl":2,"sub":0},{"id":4206,"title":"آية 3","lvl":2,"sub":0},{"id":4207,"title":"آية 4","lvl":2,"sub":0}]}