{"pages":[{"id":1,"text":"تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد\r\rللحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r\nالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. القول بالحلول والاتحاد الذي هو أخو الحلول أول من قال به النصارى إلا أنهم خصوه بعيسى عليه السلام أو به وبمريم أمه ولم يعدوه إلى أحد وخصوه باتحاد الكلمة دون الذات بحيث أن علماء المسلمين سلكوا في الرد عليهم طريق إلزامهم بأن يقولوا بمثل ذلك في موسى عليه السلام وفي الذات أيضا وهم لا يقولون بالأمرين. وإذا سلموا بطلان ذلك لزم إبطال ما قالوه. أما المتوسمون بسمة الإسلام فلم يبتدع أحد منهم هذه البدعة وحاشاهم من ذلك لأنهم أذكى فطرة وأصح لبا من أن يمشي عليهم هذا المحال وإنما مشى ذلك على النصارى لأنهم أبلد الخلق إذهانا وأعماهم قلوبا غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وزادوا على النصارى في تعدية ذلك والنصارى قصروه على واحد. فإن صح ذلك عنهم فقد زادوا في الكفر على\r\n[ص 305]","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"النصارى. أحسن ما اعتذر عمن صدرت منه هذه الكلمة الدالة على ذلك وهي قوله أنا الحق بأنه قال ذلك في حال سكر واستغراق غيبوبة عقل وقد رفع الله التكليف عمن غاب عقله وألغى أقواله فلا تعد مقالته هذه شيئا ولا يلتفت إليها فضلا عن أن تعد مذهبا ينقل. وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله وهذه نبذة من كلام الأئمة في ذلك: قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء في باب السماع الحالة الرابعة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهمه ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في عين الشهود الذي يضاهى حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهن وعن مثل هذه الحالة يعبر الصوفية بأنه فنى عن نفسه ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود. وفنى أيضا عن الشهود فإن القلب إن التفت إلى الشهود والى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود والمستهر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته والى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي لذته فالسكران لا خيرة له من سكره والملتذ لا خيرة له من التذاذه إنما خبرته من الملتذ به فقط ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشي فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء. ومثل هذه الحال قد نظر إلى حق المخلوقين فنظر أيضا في حق الخالقية الخالق ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم فإن دام لم تطقه القوى البشرية فربما يضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك فيه نفسه فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال وهي ممتزجة بصفات البشرية نوع قصور وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعنى أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"للنسوة إلى السيد والسكين فيسمع بالله ولله وفي الله ومن الله. وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد لصفاء التوحيد\r[ص 306]\rوتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلا بل خمدت بالكلية بشريته وأفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا إلى أن قال ومن هنا نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدر عهابها و حلولها فيها على ما اختلفت فيه عباراتهم وهو غلط محض هذا كله لفظ الغزالي. وقال أيضا في باب المحبة من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله ولا يعرف غيره ويعلم أنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ومن هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث أنه أثره لا من حيث أنه صنع فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيه الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أنه أثره لا من حيث أنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف وكذا العالم صنع الله تعالى فمن نظر إليه من حيث أنه فعل الله وعرفه من حيث أنه فعل الله وأحبه من حيث أنه فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله ولا عارفا إلا بالله ولا محبا إلا لله وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث أنه عبد الله فهذا هو الذي يقال فيه أنه فنى في التوحيد وأنه فنى عن نفسه وإليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا بلا نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي الأبصار أشكلت لضعف الإفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحا وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الإفهام أو لاشتغالهم","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم ثم قال وقد تحزب الناس إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر والى غالين مسرفين تجاوزا إلى الاتحاد وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم أنا الحق وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله وقال آخرون تدرع\r[ص 307]\rالناسوت باللاهوت وقال آخرون اتحد به. وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبية والتمثيل واستحالة الاتحاد والحلول واتضح لهم وجه الصواب فهم الأقلون انتهى. كلام الغزالي وبدأنا بالنقل عنه لأنه فقيه أصولي متكلم صوفي وهو أجل من اعتمد عليه في هذا المقام لاجتماع هذه الفنون فيه. وقال إمام الحرمين في الإرشاد أصل مذهب النصارى أن الاتحاد لم يقع إلا بالمسيح عليه السلام دون غيره من الأنبياء واختلفت مذاهبهم فيه فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح لا يحل العرض محله وذهبت الروم إلى أن الكلمة مازجت جسد المسيح وخالطته مخالطة الخمر اللبن. وهذا كله خبط. وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك في كتابه المسمى بالنظامي في أصول الدين قالت النصارى إن عيسى عليه السلام لاهوتي ناسوتي وتكلموا في حلول الكلمة لمريم عليها السلام فمنهم من قال إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة كما يحل الماء في اللبن حلول الممازجة والمخالطة ومنهم من قال إنها حلت فيها من غير ممازجة كما أن شخص الإنسان يتبين في المرآة الصقيلة من غير ممازجة بنيهما، ومنهم من قال إن مثل اللاهوت مع الناسوت مثل الخاتم مع الشمع في أنه يؤثر فيه حتى يتبين فيه النقش ثم لا يبقى فيه شيء من الأثر والأول طريقة اليعقوبية والثاني طريقة الملكية والثالث طريق النسطورية، ثم قال وأعلم أنهم قالوا بالاتحاد فقالت طائفة منهم في معنى الاتحاد الكلمة التي هي كن حلت جسد المسيح، وقالت اليعقوبية إن الاتحاد اختلاط وامتزاج وزعمت أن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالاتحاد، وقالت طائفة منهم أن الاتحاد هو أنه أودعها بإظهار روح القدس","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"عليه وقد حكينا عمن قاله يجري هذا الاتحاد مجرى وقوع الهيئة في المرآة والنقش من الخاتم في الشمع وما جرى مجراه، ويقال لهذه الطائفة منهم أن ظهور هذه الصورة في المرآة والشيء الصقيل ليس اختلاط شيء بشيء ولا انتقال شيء إلى شيء بل أجرى الله العادة بأن الواحد إذا قابل الشيء الصقيل خلق الله له رؤية يرى بها نفسه إما أن يكون في الصغير على شيء فلا أما ترى أنه أن\r[ص 308]\rلمس وجهه فوجه نفسه لمس لا وجه ظهر فيه فعلم أنه ليس في المرآة شيء وهذا القول يوجب عليهم الإقرار بأنه ليس من القديم سبحانه وتعالى في مريم ولا في عيسى شيء ويبطل عليهم القول بأنه لاهوتي وناسوتي وكذلك القول في الخاتم ونقشه مع الشمع فليس يحصل من الفص في الشمع شيء وإنما يتركب الشمع تركيبا من بعضه في بعض ثم أن هذا الذي ذكروه كله إنما يجوز بين المتماسين المتجاورين المتلاصقين الجسمين المحدودين الذين يجوز فيهما طول الحوادث وتغير الأوصاف والله تعالى يتنزه عن ذلك كله. وأما قولهم أن الكلمة انقلبت لحما ودما فلا يجوز لأنه لو جاز ذلك لجاز أن ينقلب القديم محدثا ولو جاز ذلك لجاز انقلاب المحدث قديما فيبطل الفصل بينهما وهذا محال فبطل ما قالوه انتهى. وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب المحصل في أصول الدين مسألة الباري تعالى لا يتحد بغيره لأنه حال الاتحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد وأن صارا معدومين فلم يتحدا بل حدث ثالث وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فلم يتحد لأن المعدوم لا يتحد بالموجود وقال الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي الكبير في مناظرة ناظرها لبعض النصارى في ذلك بالحلول أو الاتحاد ليس من المسلمين بالشريعة بل في الظاهر والتسمية ولا ينفع التنزيه مع القول بالاتحاد والحلول فإن دعوى التنزيه مع ذلك إلحاد وكيف يصح توحيد مع اعتقاد أنه سبحانه حل في البشر المأخوذ من مريم وهنالك حلوله إما حلول عرض في جوهر فيقولون بأنه عرض أو","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"حلول تداخل الأجسام فهو جسم وهنالك إن حل كله فقد انحصر في القالب البشري وصار ذا نهاية وبداية أو بعضه فقد انقسم وتبعض وكل هذه الأمور أباطيل وتضاليل. وقال القاضي عياض في الشفا ما معناه: أجمع المسلمون على كفر أصحاب الحلول ومن أدعى حلول الباري سبحانه في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة. وقال في موضوع آخر ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود أو أجاز عليه الحلول والانتقال والامتزاج من النصارى ونقله عنه النووي في شرح مسلم. وقال القاضي\r[ص 309]","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"ناصر الدين البيضاوي في تفسيره في قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) هذا قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد. وقال في قوله تعالى (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه) أي ألا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد. وقال الشيخ عزل الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسيم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل فلا يعفى عنه انتهى. قلت مقصود الشيخ أنه لا يجري في تكفيرهم الخلاف الذي جرى في المجسمة بل يقطع بتكفير القائلين بالحلول إجماعا وإن جرى في المجسمة خلاف وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في أول الحلية أما بعد فقد استعنت بالله وأجبتك إلى ما ابتغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق وباشر الأحوال والطرائق وساكن الرياض والحدائق وفارق العوارض والعلائق وتبرأ من المتنطعين والمتعمقين ومن أهل الدعاوى من المتسوفين ومن الكسالى والمتثبطين المشبهين بهم في اللباس والمقال والمخالفين لهم في العقيدة والفعال وذلك لما بلغك من بسط لساننا وألسنة أهل الفقه والآثار في كل القطر والأمصار في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار والمباحية والحلولية الكفار وليس ما حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار بقادح في منقبة البررة الأخيار وواضع من درجة الصفوة الأبرار. وقال صاحب معيار المريدين أعلم أن منشأ أغلاط الفرق التي غلطت في الاتحاد والحلول جهلهم بأصول الدين وفروعه وعدم معرفتهم بالعلم وقد وردت الأحاديث والآثار بالتحذير من عابد","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"جاهل فمن لا يكون له سابقة علم لم ينتج ولم يصح له سلوك وقد قال سهل بن عبد الله التستري أجتنب صحبة ثلاثة أصناف من\r[ص 310]\rالناس الجبابرة الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين فافهم ولا تغلط فإن الدين واضح قال وأعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد والتوحيد معرفة الواحد والأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشارتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك قال والدليل على بطلان اتحاد العبد مع الله تعالى أن الاتحاد بين مربوبين محال فإن رجلين مثلا لا يصير أحدهما عين الآخر لتباينهما في ذاتيهما كما هو معلوم فالتباين بين العبد والرب سبحانه وتعالى أعظم فإذن أصل الاتحاد باطل محال مردود شرعا وعقلا وعرفا بإجماع الأنبياء والأولياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام اتحد ناسوته بلاهوته وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحادا ولا حلولا وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم وإثبات الحق سبحانه قال وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات وبقاء الموافقات وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة وفناء الأوصاف الذميمة وبقاء الأوصاف الحميدة وفناء الشك وبقاء اليقين وفناء الغفلة وبقاء الذكر. قال وأما قول أبي يزيد البسطامي سبحاني ما أعظم شأني فهو في معرض الحكاية عن الله وكذلك قول من قال أنا الحق محمول على الحكاية ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد لأن ذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات ولا يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"والاتحاد كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه السلام وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة. وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك. هذا كله كلام معيار المريدين بلفظه. والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك فيطلق على المعنى المذموم الذي أخو الحلول وهو كفر\r[ص 311]\rويطلق على مقام الفناء اصطلاحا اصطلح عليه الصوفية ولا مشاحة في الاصطلاح إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح لا محذور فيه شرعا ولو كان ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول بيني وبين صاحبي زيد اتحاد وكم استعمل المحدثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية كقول المحدثين اتحاد مخرج الحديث وقول الفقهاء اتحد نوع الماشية وقول النحاة اتحد العالم لفظا أو معنى. وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد وقد أشار إلى ذلك سيدي على وفا فقال من قصيدة له:\rيظنوا بي حلولا واتحادا * وقلبي من سوى التوحيد خالي\rفتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول وقال من أبيات أخر:\rوعلمك أن هذا الأمر أمري * هو المعنى المسمى باتحاد","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله وترى الإرادة معه والاختيار والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره. وقال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد حدثني الشيخ كمال الدين المراغي عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أنه قال له مرة النثار إنما انتشر في بلادكم لانتشار الفلسفة هناك وقلة اعتنائهم بالشريعة والكتاب والسنة قال فقلت له في بلادكم ما هو شر من هذا وهو قول الاتحادية فقال هذا لا يقوله عاقل فإن قول هؤلاء كل أحد يعرف فساده. قال وحدثني الشيخ كمال الدين المذكور قال اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي وفاوضته في هؤلاء الاتحادية فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم وقال أتكون الصنعة هي الصانع انتهى. قلت ولهذا كانت طريقة الشاذلي هي أحسن طرق التصوف وهي في المتأخرين\r[ص 312]\rنظير طريقة الجنيد في المتقدمين؟ وقد قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في كتاب جمع الجوامع وإن طريق الجنيد وصحبه طريق مقوم. وكان والده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يلازم مجلس الشيخ تاج الدين بن عطاء الله يسمع كلامه ووعظه ونقل عنه في كتابه المسمى غيرة الإيمان الجلي فائدة حسنة في حديث لا تسبوا أصحابي فقال أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له تجليات فرأى في بعضها سائر أمته الآتين من بعده فقال مخاطبا لهم لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه وارتضى السبكي منه هذا التأويل وقال إن الشيخ تاج الدين كان متكلم الصوفية في عصره على طريق الشاذلية انتهى. قلت وهو تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي والشيخ أبو العباس تلميذ الشاذلي وقد طالعت كلام هؤلاء السادة الثلاثة فلم أر فيه حرفا يحتاج إلى تأويل فضلا عن أن يكون منكرا صريحا وما أحسن قول سيدي علي بن وفا:","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"تمسك بحب الشاذلية تلق ما * تروم وحقق ذا الرجاء وحصل\rولا تعدون عيناك عنهم فإنهم * شموس هدى في أعين المتأمل\rثم قال صاحب نهج الرشاد وما زال عباد الله الصالحون من أهل العلم والإيمان ينكرون حال هؤلاء الاتحادية وإن كان بعض الناس قد يكون أعلم واقدر وأحكم من بعض في ذلك وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وأما المنتمون إلى الإسلام فمنهم بعض غلاة الشيعة القائلون بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني في الجسماني كجبريل في صورة دحية وبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسي قالوا فلا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة على وأولاه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض لجة الوصول فربما يحل الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا فيه كنار في الجمر بحيث لا يتمايز أو يتحد به بحيث لا أثنينية ولا تغاير وصح أن يقول هو أنا وأنا هو قال وفساد الرأيين غنى عن البيان قال وههنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد\r[ص 313]","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وليسا منه في شيء الأول: أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله وفي الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته وتغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد فحينئذ فربما يصدر عنه عبارات تشعر بالحلو والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وبعد الكشف عنها بالمثال ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق ثم ذكر في المذهب الثاني وهو القول بالوحدة المطلقة فإنه به أجدر، وذكر السيد الجرجاني في شرح المواقف نحو ذلك وقد سقت أيضا عبارته في الكتاب المشار إليه. وقال العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه شرح منازل السائرين الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوى شائما برق القنا عن إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتخذ مراده بمراد محبوبه أعنى المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحدا قال وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخبر فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم قد فنوا بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله ولا يرجو إلا إياه ولا يستعين إلا به فكون دينه كله ظاهرا لله ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل:\rيعادي الذي عادى من الناس كلهم * جميعا ولو كان الحبيب المصافيا\r[ص 314]\rوحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء ففنى عن تأله ما سواه علما وأفرادا وتعمدا وبقي تألهه وحده فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفقت عليه المرسلون صلوات الله عليهم وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقامت عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر إلى أن قال وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة والمعصوم من عصمه الله والله المستعان. وقال في موضع آخر وإن كان مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوي لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة قال فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواحدين انتهى. وقد تكرر كلام ابن القيم في هذا الكتاب في تضليل الاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة وقد سقت منه أشياء في كتابي الذي أشرت إليه فلينظر منه والله أعلم.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"مسألة - في قول أهل السنة إن العبد له في فعله نوع اختيار هل هو معارض لقوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة). الجواب - لا معارضة فإن الاختيار الذي بمعنى القدرة والإرادة والإنشاء والإبداع خاص بالله تعالى لا شريك له وأما الاختيار الذي أثبته أهل السنة للعبد فالمراد به قصده ذلك الفعل وميله إليه ورضاه به الذي هو مخلوق لله تعالى أيضا لا على وجه الإكراه والإلجاء إليه والحاصل أن الله تعالى خلق للعبد قدرة بها يميل ويفعل فالخلق من الله والميل والفعل من العبد صادران عن تقدير الله له ذلك فهما أثر الخلق والقدرة فالاختيار المنسوب للعبد المفسر بما ذكرناه أثر\r[ص 315]\rالاختيار المنسوب إلى الله تعالى فافترقا ولا إنكار في ذلك ولا معارضة فيه للآية وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل القدر والجبر معا، قال الأصبهاني في تفسيره عند قوله تعالى (ونمدهم في طغيانهم) أعلم أن كل فعل صدر من العبد بالاختيار فله اعتباران إن نظرت إلى وجوده وحدوثه وما هو عليه من وجوه التخصيص فانسب ذلك إلى قدرة الله وإرادته لا شريك له وإن نظرت إلى تميزه عن القسري الضروري فانسبه من هذه الجهة إلى العبد وهي النسبة المعبر عنها شرعا بالكسب في قوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقوله بما كسبت أيديهم وهي المحققة أيضا إذا عرضت في ذهنك الحركتين الاضطرارية كالرعشة والاختيارية فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة فإذا تقرر تعدد الاعتبار فمدهم في الطغيان مخلوق لله تعالى فإضافه إليه ومن حيث كونه واقعا منهم على وجه الاختيار المعبر عنه بالكسب إضافة إليهم انتهى. وقال في موضع آخر منه: صفة الإرادة للعبد هي القصد. فهذا تحرير مذهب أهل السنة وحاصله أن الاختيار المنسوب إلى العبد هو قصده لذلك الفعل وتوجهه إليه برضا منه وإرادة له وكونه لم يفعله بالجاء ولا إكراه ولا قسر فتأمل ذلك وافهم ترشد.\rمسألة - هل العقل أفضل من العلم الحادث أم العلم.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"الجواب - هذه المسألة اختلف فيها العلماء ورجحوا تفضيل العلم لأن الباري تعالى يوصف بصفة العلم ولا يوصف بصفة العقل وما ساغ وصفه تعالى به أفضل مما لم يسغ وإن كان العلم الذي يوصف به تعالى قديما ووصفنا حادث فإن الباري لا يوصف بصفة العقل أصلا ولا على جهة القدم ومن الأدلة على تفضيل العلم أن متعلقه أشرف وأنه ورد بفضله أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة ولم يرد في فضل العقل حديث وكل ما يروى فيه موضوع كذب وكان شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يقول العقل أفضل باعتبار كونه متبعا للعلم وأصلا له وحاصله أن فضيلة العلم بالذات وفضيلة العقل بالوسيلة للعلم.\r[ص 316]\rتم بحمد الله","part":1,"page":15}],"titles":[{"id":1,"title":"تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد _السيوطي","lvl":1,"sub":0}]}