{"pages":[{"id":1,"text":"الوجيز\rفي\rأحكام الصيام\rتأليف\rالسيد العلامة عبد الله بن محفوظ بن محمد الحدَّاد باعلوي الحسيني الحضرمي الشافعي\r(1342- 1417هـ)\rاعتنى به\rعلي محمد حسين العيدروس\rعفا الله عنه\rالناشر\rدار الإمام الغزالي\rالطبعة الأولى\r(1418هـ - 1998م )","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rتقديم\rالحمد لله الذي جعل الصيام جُنَّة وحصناً للمؤمنين الصائمين ، وضاعف وأجزل لهم الثواب يوم الدين ، وأضافه إليه دون غيره ، وتولى جزاءهم لما قال : \" إلا الصوم فإنه لي ، وأنا أجزي به \" تنويهاً بعظيم فضله وجزيل ثوابه للطائعين ، واختص رمضان بأنواع من الفضائل والحِكَم التي تقصر عقولنا عن الإحاطة بها وبما أعده الله للصائمين القائمين ، وصلى الله على سيدنا محمد إمام الصائمين والقائمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه الغُر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين .\rأما بعد :\rفهذه رسالة نافعة مباركة ومفيدة عن أحكام الصيام وما يتعلق به ، بأسلوب سهل ميسر لفضيلة شيخنا العلامة الفقيه القاضي \" السيد عبد الله بن محفوظ بن محمد الحداد ــ مفتي حضرموت في وقته ــ رحمه الله تعالى ، أسميناها \" الوجيز في أحكام الصيام \"، وهي مع إيجازها قد اشتملت على أهم أحكام الصيام ، وفضل صيام رمضان وقيامه وشروط وجوبه وصحته ، ومبطلاته ، ومندوباته ، وذكر فيها المؤلف أيضاً حكم الحقنة بأنواعها وحكم الكحل والحجامة للصائم ، والرخصة في الإفطار للمسافر والمريض ونحوها ، وقضاء الصوم الفائت من رمضان ، والقضاء عن الميت ، وغيرها من المسائل المهمة ، ثم تحدث عن قيام رمضان ، وعدد ركعات قيام رمضان عند المذاهب الأربعة ، كل ذلك بدلائله من الكتاب العزيز ، والسنة النبوية المطهرة ، وأقوال العلماء الأعلام .\rوقد قمت بتصحيح هذه الرسالة ، وعزو الأحاديث إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعروفة ، والتأكد من صحة ألفاظها ، وتوثيق نقولات المؤلف من كتب أهل العلم المعروفة ، ووضع علامات الترقيم وتشكيل ما يلزم ، ثم كتابة ترجمة موجزة للمؤلف رحمه الله تعالى ، ومقدمة للرسالة ، وعمل فهرس لموضوعات الرسالة وفهرس للمراجع ، وأضفتُ إليه ملحقاً في الكلام باختصار عن الاعتكاف ، وليلة القدر ، وزكاة الفطر لارتباطها بموضوع الكتاب وتتميماً للفائدة .\rوهذه الرسالة هي الأولى من كتب المؤلف ، التي عزمنا على نشرها وخدمتها إن شاء الله تعالى ، كي يعم بها النفع ، لما له علينا من حق التعليم والتوجيه ، ورغبةً منا في نشر تراثه المبارك في مختلف العلوم ، وخدمةً للتراث العلمي لعلماء حضرموت خاصة ، وغيرهم من علماء الإسلام عامة .\rوقد أذن لي أولاده الفضلاء - مشكورين - بخدمة مؤلفات والدهم ــ رحمه الله تعالى ــ ورسائله وطبعها ، رغبةً منهم في نشر علمه للمسلمين ، فجزاهم الله خير الجزاء .\rولا يفوتني هنا أن أشكر كل من أسهم وأعان على طبع هذا الكتاب ، فجزاهم الله تعالى خيراً .\rوهذا أوان الشروع في المقصود ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .\r* * *","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"ترجمة المؤلف:\rالسيد العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد\rاسمه ومولده :\rهو شيخنا العلامة الفقيه القاضي السيد عبد الله بن محفوظ بن محمد بن إبراهيم الحداد باعلوي الحسيني الحضرمي الشافعي .\rوهو حفيد الإمام الشهير عبد الله بن علوي الحداد المتوفى سنة (1132هـ) ، ويعد الجد الثامن للمترجم له .\rولد في بلدة \" الدِّيس الشرقية \" إحدى مدن حضرموت سنة ( 1342 هـ ) ، تولى تربيته ورعايته وتعليمه أساسيات العلوم جده السيد محمد بن إبراهيم الحداد نظراً لاغتراب والده ، وظل في كنف جده حتى بلغ الرابعة عشرة من عمره ، ودرس في المعاهد الدينية بحضرموت ، وأربطة العلم بتريم وغيل باوزير\rمشايخه :\rمن أشهر مشايخه : السيد العلامة عبد الله بن عمر الشاطري ، الذي أخذ عنه العلم في رباط تريم الشهير وهو من أشهر مشايخه ، وكان يناديه باسم أبيه ( محفوظ) تفاؤلاً بأن يحفظه الله من الأذى ونحوه ، وقد مرّ المترجم له بظروف كثيرة لكن الله تعالى حفظه ، وجهر بالحق في مواقف كثيرة .\rومن مشايخه أيضاً السيد العلامة أحمد بن محسن الهدَّار ، والسيد العلامة المسند محمد بن هادي السقاف ، و السيد العلامة المفتي عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف ، و السيد العلامة المحدِّث علي بن محمد بن يحيى ، والشيخ أحمد باصلعة وهو من أوائل مشايخه ، والعارف بالله السيد علوي بن عبد الله بن شهاب ، والعلامة الشيخ محمد بن عوض بافضل ، والسيد العلامة محمد بن حسن عيديد ، والعلامة السيد أحمد بن عمر الشاطري ، والعلامة الشيخ عبد الله عوض بكير ، وغيرهم .\rحياته العلمية والعملية :\rعُيِّن قاضياً شرعياً بحضرموت سنة (1946م) ، ثم درس دراسات عليا في القضاء في جامعة الخرطوم \"قسم الشريعة\" بالسودان ، وتخرَّج سنة (1363هـ) وعاد إلى المكلا بحضرموت وتولى رئاسة محكمة الاستئناف ، ثم تولى رئاسة القضاء بحضرموت سنة (1381هـ) ، واستفاد الناس من علمه ، وشهد له الجميع بالأمانة والعدل والحكمة ، واستمر فيها حتى استقال من القضاء سنة (1970م) بعد تغير نظام الحكم وإحلال بعض القوانين الوضعية محل أحكام الشريعة حينئذٍ .\rوفي سنة (1976م) عُيِّن محاضراً بكلية التربية بالمكلا إلى وفاته رحمه الله تعالى.\rوقد تولى في حياته التدريس والخطابة في مسجد \" السلطان عمر\" بالمكلا نحو عشرين عاماً ، وفتح بيته لطلاب العلم من شباب ومُسنِّين حتى صار بيته شبيهاً بمعهد ديني أو مدرسة ، في وقت أُقفلت فيه جبراً الأربطة والمعاهد الدينية ، كما كان بيته مفتوحاً صباح مساء للمسْتفتين وذوي الحاجة ونحوهم .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"من أهم أعماله :\r1ـ تأسيس هيئة البر الخيرية .\r2ـ تأسيس جمعية القرآن الكريم ، ويرأسها الآن فضيلة العلامة الشيخ سعيد عمر عوض باوزير حفظه الله .\r3ـ شارك في تأسيس جامعة الأحقاف ، وتولى فضيلته ـ رحمه الله ـ رئاسة مجلس أمناء الجامعة حتى وفاته ، وهو يُعَدُّ المؤسس الفعلي لها ، وعقد عليها آمالاً كبيرة في تخريج العلماء والقضاة والدعاة إلى الله تعالى .\r4ـ شارك في تأسيس جامعة حضرموت .\r5ـ تأسيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة عدن ، وهو أول قسم جديد يؤسس في الجامعة في هذا المجال .\r6ـ شارك في تأسيس الجمعية الإسلامية الاجتماعية الخيرية الثقافية .\rوغيرها من المشاريع والأعمال الخيرية النافعة للمسلمين .\rوقد اتصف رحمه الله تعالى بالإضافة إلى سعة علمه وفقهه بصفات ومزايا حسنة كثيرة منها : الإخلاص ، والتواضع ، والصبر ، والزهد ، والحكمة ، وبعد النظر ، والشجاعة في قول الحق ، والاهتمام بأحوال المسلمين وما فيه مصلحتهم ، وقد شهد له بذلك كل من عرفه عن قرب من أهل الإنصاف .\rمؤلفاته :\rألف رحمه الله تعالى عدداً من المؤلفات و الرسائل النافعة والمفيدة ، وقفت منها على الآتي :\r1ـ كتاب السنة والبدعة ، ويقع في قسمين ، طبع القسم الأول منه في مجلد ( ثلاث طبعات )(1) ، والقسم الثاني مخطوط لم يكمل ، وفيه تحقيقات فريدة نافعة لبيان المراد بالسنة والبدعة ، وذكر فيه نحو (250) حديثاً وأثراً في توضيح هذا الموضوع ، وقد عم به النفع داخل اليمن وخارجه(2) .\r2ـ رفع الستر عن أدلة القنوت في الفجر ، وهي رسالة لطيفة مفيدة (3) .\r3ـ رسالة في بيع الذهب وشرائه ، وهي في الأصل جواب عن سؤال خلاصته : هل التعامل بالأنواط - أوراق البنكنوت - ربوي ، بحيث لو اشترى الشخص بها ذهباً يجب التقابض قبل التفرق ؟.\r\r-----------------------------------\r(1) الطبعة الأولى منه كانت في الكويت نحو سنة (1404هـ- 1984م ) ، والثانية بمصر ، نشرته مكتبة المطيعي سنة (1989م ) ، والثالثة صدرت عن دار القلم بدمشق سنة (1413هـ - 1992م ) ، وهو البحث الوحيد الذي طبع له في حياته رحمه الله تعالى .\r(2) على سبيل المثال قد نقل عن هذا الكتاب واستفاد منه العلامة الشيخ وهبي سليمان غاوجي حفظه الله في كتابه \" كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها \" (ط 1) دار الإمام مسلم - بيروت (1412هـ - 1991م ) ، انظر منه ( ص 20،22،29،43-44) ، وقد جعله الأول في الذكر في قائمة مراجع بحثه في هذا الموضوع .\r(3) وقد فرغت والحمد لله من خدمتها ، يسَّر الله تعالى طبعها إن شاء الله ، ثم وقفت على طبعة لها بتحقيق السيد حسن شيخ الكاف - سبط المؤلف - جزاه الله تعالى خيراً .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"4ـ المقصد المنيف بمراجع الوِرد اللطيف من الحديث النبوي الشريف ، طبع سنة (1425هـ ـــ 2001م)، وألحق به : الذكْر الوارد عند النوم ، للمترجم له أيضاً ، نشرتهما دار الإمام الغزالي ، بعناية كاتب هذه السطور .\r5ـ رسالة في حكم الغناء في الإسلام .\r6ـ رسالة في الحياء\r7ـ رسالة الإسلام والزكاة .\r8ـ وسائل الدعوة إلى الله .\r9ـ رسالة في حكم مصافحة النساء .\r10ـ رسالة في إعراب \" اثنا عشر ، واثنتا عشرة \" .\r11ـ رسالة عن خبر اسم الشرط إذا أعرب مبتدأ : وهي رسالة أفردها لبحث اسم الشرط إذا أعرب مبتدأ ، هل خبره جملة فعل الشرط ، أو جملة جواب الشرط ، أو كلتاهما أو غير ذلك ؟ .\r12ـ الوجيز في أحكام الصيام ، وهو هذا الكتاب .\r13ـ تحقيق كتاب \" تحقيق البدعة \" تأليف شيخه العلامة المحدث الأصولي السيد علي بن محمد بن يحيى ــ مدير المعهد الديني بغيل باوزير ، والحاصل على العالمية الأزهرية سنة (1357هـ) ، المتوفى بالمكلا مساء يوم الأحد 18 ربيع الثاني سنة (1409هـ)، الموافق 27/11/1988م ــ رحمه الله تعالى ، وقد قمتُ بتصحيحه والعناية به ، وهو قيد الطبع ، وقد سمعته والحمد لله تعالى بقراءة وتعليق صاحب الترجمة ــ بعد فراغه من تحقيقه عن نص المؤلف ــ في عدة مجالس بحضور الشيخ سعيد عمر باوزير ، وذلك عقب وفاة مؤلفه .\r14ـ تحقيق وتعليق على رسالة في علامات الإعراب في النحو التي تسمى ( مفتاح الألباب لأبواب معرفة الإعراب ) تأليف السيد العلامة محمد بن حسين الحبشي المتوفى سنة (1281هـ) مفتي الشافعية بمكة المكرمة سابقاً ، وهو والد الإمام الشهير علي بن محمد الحبشي .\r15ـ مجموعة مقالات متنوعة .\r16ـ مجموع فتاوى : يتضمن فتاواه المفيدة النافعة التي ألقاها في برنامج إذاعي بعنوان ( ما يهم المسلم ) ، وغيرها من الفتاوى النافعة المحررة بالدليل والتعليل .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"17ـ فتاوى رمضان : وهي مأخوذة من مجموع فتاويه المذكورة آنفاً ، وتبلغ نحو (81) مسألة مختارة متنوعة مفيدة .\r18ـ ديوان خطب منبرية : وهي الخطب المنبرية للجمعة والعيدين التي ألقاها في جامع \" مسجد عمر \" في مدينة المكلا بحضرموت ، وهي ذات فوائد عظيمة ناقش فيها قضايا المجتمع المسلم ، مؤيدة بالدليل ، ولو قدر لها أن تطبع كلها لجاءت في عدة أجزاء .\rهذا بالإضافة إلى الدروس المسجلة في عشرات الأشرطة ، التي كان يلقيها في بيته لطلاب العلم الشريف في علوم الشريعة ، والتي ما زال طلاب العلم يستفيدون منها إلى الآن .\rومن فضل الله تعالى بقى بيته إلى الآن مفتوحاً لطلاب العلم والمستفتين ، وتقام فيه الدروس في علوم الشريعة ، وخَلَفه فيها فضيلة العلامة السيد علي بن محمد مديحج باعلوي ــ حفظه الله تعالى ــ وهو رفيق المترجم له في الطلب ، وكذا فضيلة العلامة الشيخ سعيد عمر عوض باوزير ــ حفظه الله تعالى ــ وهو من أخص تلاميذه ، ومن الملازمين له ، فجزاهما الله خيراً .\rوفاته :\rوبعد عمر مبارك قضاه في التعلُّم والتعليم والقضاء الحسن ، ومساعدة المحتاجين ، وخدمة الإسلام والمسلمين ، انتقل إلى رحمة الله تعالى ظهر يوم الجمعة الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة سنة (1417هـ) ، الموافق (25/10/1996م) وقد شيَّعه أكثر من أربعين ألفاً من الناس من مختلف أنحاء اليمن ، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.\rوقد أفردتُه بترجمة واسعة مستقلة سميتها : \" شفاء الفؤاد في ذكر بعض أخبار السيد العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد \" ، يسر الله تعالى طبعها . والحمد لله تعالى أولاً وآخراً .\rكتبه الفقير إلى الله تعالى\rعلي محمد حسين العيدروس\rشهر رجب الفرد 1418هـ - 1998م","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالمقدمة\rالحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله الميامين ، وأصحابه المهتدين .\rوبعد :\rفإنَّ رمضان شهر مبارك اخْتَصَّ الله به هذه الأمة لاستدراك ما فاتها ، فقد كانت أعمارُ الأُمم السابقة طويلةً ولهم فيها أعمالٌ على قدر طول تلك الأعمار ، كما حَكى الله عن قوم نوحٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام مَكَث فيهم ألفَ سنة إلا خمسينَ عاماً ، وكانت هذه الأُمة أقصر أعماراً فأعطاهم الله رمضان ، وضاعفَ فيه لهم الحسنات مُضَاعفاتٍ كثيرة ، وجعل فيه ليلةَ القدرِ التي هي خيرٌ من ألفِ شهر ، وأخفاها في رمضان كلِّه لِيُغْريَهم بالإكثار من الخيرات في الشهر كلِّه ، جاءت هذه المعاني في حديثٍ رواه الإمامُ مالكٍ في الموطأ(1) بلاغاً ، وبلاغاتُ هذا الإمامِ كُلُّها موصولة ، كما في التمهيد لابن عبد البر(2) ، وفي الصحيح (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ، ومن قام رمضان غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ، ومن قام ليلةَ القدرِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ))(3) ، وفي رواية قتيبة (( وما تأخَّرَ ))(4) وهي زيادة من ثقةٍ ولها حكمُ الصحةِ .\r-------------------------\r(1) الموطأ لمالك ( 1/ 321 ) رقم (15) ولفظه : \" وحدثني زياد عن مالك : أنه سمع مَنْ يثق به من أهل العلم يقول : \" إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُرِي أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تَقَاصَرَ أعمار أُمتِهِ أَنْ لا يبلغوا من العمل مثل الذي بَلَغَ غيرُهم في طُولِ العُمْر ، فأعطاه الله ليلةَ القدر خيرٌ من ألف شهرٍ \" .\r(2) انظر التمهيد لابن عبد البر (1/ 9) ، وقد وصلها الحافظ ابن عبد البر بالتفصيل في الجزء الرابع والعشرين من التمهيد .\r(3) رواه البخاري في صحيحه مفرقاً رقم ( 37 ، 38 ، 1802 ، 1910 ) ، وروى مسلم الجملتين الأوليَيْن منه ( 759 ، 760 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .\r(4) سيأتي الكلام في هذه الرواية والزيادة التي فيها ضمن كلام المؤلف رحمه الله تعالى عن فضل صيام رمضان وقيامه ( ص 25) .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"والأحاديث في فضائل رمضان كثيرةٌ جداً تدفعُ المؤمنين إلى اغتنام أيامه بالصيام والقيام ، ففيه تُفْتَحُ أبوابُ الجناتِ ، وتُغْلَقُ أبوابُ الجحيمِ ، وتُغَلُّ المَردةُ من الشياطين .\rوأجمع حديث في فضائل رمضان حديث سلمان رضي الله عنه الذي رواه ابن خزيمة ، والبيهقي ، وابن حبان ، قال سلمان : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر يوم من شعبان فقال : (( يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه ، من فطَّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء .\rقالوا يا رسول الله : ليس كلنا يجد ما يُفطّر به الصائم ، فقال رسول الله : يُعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة ، أو على شربة ماء ، أو مذقة لبن ، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، مَنْ خَفَّفَ عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار .\rواستكثروا فيه من أربع خصال ، خصلتين تُرضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غنى لكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان تُرضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه ، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما : فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ))(1) .\r\r---------------------------\r(1) رواه ابن خزيمة في صحيحه (3/191) رقم (1887) عن سلمان رضي الله عنه ثم قال :\" إنْ صحَّ الخبر \" والبيهقي في سننه (4/304) عن أبي هريرة مختصراً ، ورواه أيضاً أبو الشيخ ابن حيان في الثواب باختصار عنهما كما في الترغيب والترهيب (2/108) .\rوفي سنده علي بن زيد بن جدعان : قال الذهبي في الكاشف (2/40) : \" أحد الحفاظ ، وليس بالثبت ، قال الدارقطني : لا يزال عندي فيه لين ، قال منصور بن زاذان : لمَّا مات الحسن قلنا لابن جُدعان : اجلس مجلسه ، مات (131هـ) \" اهـ ، وقال ابن حجر في التقريب (2734) : \" ضعيف \" ، روى له الأربعة وروى له مسلم في صحيحه مقروناً بثابت البناني (3/1415) رقم (1789) ، وقد حسَّن حديثه البزار والهيثمي ، ففي مجمع الزوائد (8/2) : \" حديثه حسن \" ، وقوله : \" لين وثقه العجلي وغيره ، وضعفه جماعة\" ، وقال في (10/288) \" وثق \" ، وقال الترمذي في سننه (7/322) رقم ( 2680) : \" علي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يُوقفه غيره \" ، وقال عن عدد من أحاديثه : \" حسن صحيح \" انظر أحاديث رقم : ( 109 ، 545 ، 764 ) وغيرها .\rوأحسن ما قيل فيه عدا ما تقدم ، هو قول الساجي : \" كان من أهل الصدق ويُحتمل لرواية الجلَّة عنه وليس يجري مجرى من أجمع على ثبته \" اهـ ، انظر ترجمته في : تهذيب التهذيب (7/322) ، الميزان (3/127) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/140) . وقد أفردته بترجمة بينتُ فيها حاله وسميتها : \" إعلام الشجعان بحال علي بن زيد بن جدعان \" .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"وهذا الحديث وإنْ كان بعضُ المحدثين ضعفه فإن أحاديث الفضائل قَبِل العلماء فيها الحديث الضعيف ما لم يكن فيه متهم بكذب أو وضع ، وصار ذلك إجماعا(1) ولم يخالف فيه أحد من العلماء ، حتى ما نُقل عن ابن العربي وجدنا عملَه على خلافه ، ولهذا صار هذا الحديث شعار المسلمين يُرَدِّدوُنَهُ في رمضان صباح مساء ، ولا ينكره إلا المحرومون الذين يُنكرون المعروف ، وكم لهم من إنكاراتٍ على الخير التي يأمر بها الشرع على عمومها ، ويدّعون أن تخصيص المطلقات ممنوع ، وهذه دعوى كاذبة لا دليل عليها من الشرع مطلقا ، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعله في الدِّيمة ، وأنه إذا عمل عملا داوم عليه (2) ، يدل على عكس ما يدَّعون .\r-----------------------------\r(1) انظر في هذا : فتح المغيث للسخاوي (1/268) ، تدريب الراوي (1/196) ، الأجوبة الفاضلة (ص 36 ـ 53 ) ، الأذكار للإمام النووي (ص15 ) وفيه يقول : \" قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً ، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن ، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك ، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب \" اهـ .\r(2) يشير إلى حديث علقمة قال : سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قال : قلت : يا أم المؤمنين ، كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هل كان يخص شيئاً من الأيام ؟ قالت : كان عمله دِيمةً ، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع ؟ \" . و عنها أيضاً قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : \" أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل \" . رواهما مسلم - وغيره - في صحيحه (1/541) رقم ( 783 ).","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"هذا عن رمضان بالذات ، أما عن الصيام فإنه فريضة كتبها الله على جميع الأمم قبلنا كما هو نصُّ الآية ، والصيام فريضة عظيمة لأنه تربية وتهذيب ، تربية للنفوس كي تملك زمام نفوسها فلا تنفلت ولا تقوده نفسه إلى هواها ، وتهذيبٌ لها بالتدرب على فعل الخير والابتعاد عن الشر ، فليس الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والشهوة ، وإنما هو أعظم من ذلك بكثير ، إنه الابتعاد عن معاصي الله كلها ، فقد نبه الشارع فيه على ضرورة امتلاك اللسان عن الغيبة والكذب وقول الزور ، ففي حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( من لم يدع قو ل الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (1) ، ولفظه عند ابن ماجه : (( من لم يدع قول الزور والجَهْلَ والعَمْلَ به فلا حاجة لله في أن يَدَعَ طعامه وشرابه )) (2) ، والمراد بالجهل كل فُحْشٍ ولو كان صادقاً .\rوفي رواية الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه : (( من لم يدع الخَنا والكذب فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه )) (3) .\rوأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( قال الله عز وجلّ : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي ، وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّةٌ ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل : إنّي امروٌ صائِمٌ )) ، كما رواه مسلم والجماعة أيضا(4) .\rوهذه هي التربية التي يريدها الإسلام من الصوم والصائمين ، يتدربون على امتلاك ألسنتهم في أقوالهم ، وأفعالهم ، ويتزودون من هذه التربية لِسَنَتِهم ، فإذا ضعفت جاء رمضان الثاني فجدَّد التعاليم والتهذيب والتدريب .\r-----------------------\r(1) رواه البخاري (1804 ، 5710 ) ، وأبو داود (2362) ، والترمذي (707) ، والنسائي في السنن الكبرى (2/238) ، وابن ماجه (1689) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه .\r(2) سنن ابن ماجه (1/539) رقم (1689) .\r(3) رواه الطبراني في المعجم الصغير(1/170) ، والأوسط (4/65) رقم (3622) ، ويشهد له حديث البخاري وغيره الآتي بعده .\r(4) رواه البخاري (1805) ، ومسلم (1151) ، وأبو داود (2363) ، والترمذي (764) وحسنه ، والنسائي (4/163) رقم (2216) ، وابن ماجه (1638) .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وهكذا نجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من التنبيهات حول هذه المعاني ، ففي حديث أبي عبيدة رضي الله عنه يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (( الصيام جُنّة ، ما لم يخرقها بكذب أو غيبة ))(1) ، وفي الحديث أيضا : (( ليس الصيام من الأكل والشرب ، إنما الصيام من اللغو والرفث )) ، رواه ابن خزيمة وابن حبان(2) ، وفي الحديث أيضاً : (( رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السَّهر )) ، رواه ابن ماجه ــ واللفظ له ــ والنسائي وغيرهما(3) .\rوروي بألفاظ متقاربة عند البيهقي وابن خزيمة كلّهم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وجاء مثله عن ابن عمر رضي الله عنه عند الطبراني (4) ... إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الصائم لا يكتفي بالإمساك ، بل عليه أن يتورع عن كل المعاصي ليحفظ صومَه .\r------------------------\r(1) رواه النسائي (4/167) رقم (2233) من حديث أبي عبيدة ، وليس فيه \" بكذب أو غيبة \" ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (2/147) : \" رواه النسائي بإسناد حسن ، وابن خزيمة ، والبيهقي ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وزاد : \" قيل وبم يخرقها ؟ قال : بكذب أو غيبة \" اهـ .\rورواه النسائي (4/167) رقم (2230 ، 2231) باللفظ المذكور من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه .\r(2) رواه ابن خزيمة (3/ 242) رقم (1996) ، وابن حبان في صحيحه ( الإحسان 8/ 256) رقم ( 3479) بزيادة (( إنَّ )) في أوله ، والحاكم في المستدرك (1/430) عن أنس وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وتتمته عند ابن خزيمة \" فإن سابَّك أحد أو جهل عليك فلتقل : إني صائم ، إني صائم \" .\r(3) رواه ابن ماجه (690) ، والنسائي في السنن الكبرى (2/239) وغيرهما .\r(4) رواه البيهقي (4/ 270) ، وابن خزيمة (3/242) رقم (1997) كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ورواه الطبراني في الكبير (12/292) رقم (13413) عن ابن عمر رضي الله عنهما . قال الهيثمي في المجمع (3/202) : \" رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون \" اهـ .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"فصيام رمضان ركن من أركان الإسلام ، فتجب المحافظة عليه محافظة شديدة ، سواء من تلك المفطرات الظاهرة من الأكل والشرب وشهوة النساء التي أحلها الله للصائم ليلاً ، فبالأولى الشهوات والمعاصي المحرمة عليه تحريماً مؤبداً من الزنا ، واللواط ، والنظر بشهوة ، وإطلاق اللسان بالسباب ، والفُحش ، والكذب بكافة أنواعه وصوره ، وأشدُّه الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من تحريم ما لم يُحرمه الله ، أو تحليل ما حرَّمه الله ، والغيبة وقول الزور ، وفعل الزور من الغش والتلبيس وإيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا .\rفكل هذه من المعاصي التي جعل الله إثمها كبيراً ومبطلاً لثواب الصيام ، وبعضها مفطِّرٌ بإجماع ، وبعضها مفطِّرٌ عند بعض العلماء ، فالصيام جُنَّةٌ ، أي وقاية كجُنَّة أحدكم في القتال ما لم يخرقها بشيء من هذه المعاصي التي ورد ذكرها في الأحاديث الكثيرة ، حتى دلَّت هذه الأحاديث على أن كل معصية تصدر من الصائم تعتبر منافية للصيام ، لأنه طاعة ، والطاعة لا تقبل المعصية .\rفيا خسارة من أضاع صيامه وهو رأسُ ماله ، فيأتي يوم القيامة وهو مُفلس وليس له من صيامه إلا الجوع ، كما جاء في الأحاديث الكثيرة ، ويكفي المتساهلين رادعاً قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (( من أفطر يوما من رمضان من غير عُذرٍ ولا مرضٍ لم يعوضه عنه صيام الدهر وإن صامه )) (1) ليدل على عظم فضل رمضان ومضاعفاته التي لا تُقدَّر ، وكما يشمل الإفطارُ الإفطار بالأكل والشرب والجماع ، أو بما يبطل ثوابه من المعاصي والمخالفات ، فالصائم في عبادة جليلة ، أهم ما فيها تركُ جميع المخالفات لله ، مع المراقبة الدقيقة وإلا كان قليل الفائدة المرجوة منه(2) .\r--------------------------\r(1) رواه أحمد (2/376) ، وأبو داود (2396) ، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه (723) وقال : \"حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وسمعت محمداً يقول : أبو المطوِّس اسمه يزيد بن المطوِّس ، ولا أعرف له غير هذا الحديث \" اهـ ، ورواه أيضاً ابن ماجه (1672) ، والدارمي (2/10) ، والدارقطني ( 2/211) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/238) رقم (1987 ، 1988) والبيهقي في السنن الكبرى (4/288) ، وذكره البخاري في صحيحه (2/683) معلقاً بقوله : (( ويُذكر عن أبي هريرة رفعه ...)) ، وقد وصله الحافظ ابن حجر في \" تغليق التعليق \" انظر (3/169-172) .\r(2) فتاوى رمضان للمؤلف (ص 5-10) .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"رمضان والصيام\rقال تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ...} ( البقرة : 185 ) .\rعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين )) رواه البخاري ومسلم واللفظ له(1) .\rوفي لفظ آخر لمسلم والنسائي (( فتحت أبواب الرحمة ))(2) ، زاد النسائي في رواية (( فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ ، مَنْ حُرمَ خَيرَهَا فقد حُرِم ))(3) يعني من حُرِم إحياؤها بالعبادة فقد حُرِم الأجر العظيم الذي أعده الله لذلك .\r-------------------\r(1) رواه البخاري (1799 ، 1800) ، ومسلم (1709) .\r(2) رواه مسلم (1709) ، والنسائي (4/127) رقم (2100) .\r(3) رواه النسائي (4/129) رقم (2106) .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"فضل صيام رمضان وقيامه\rعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) أخرجه البخاري ، وابن ماجه ، والترمذي واللفظ له (1)، زاد في رواية : (( وما تأخر ))(2) ، قال الحافظ في الفتح(3) : أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت من وجهين بإسناد حسن .\rوقال الحافظ المنذري : انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان وهو ثقة ، وإسناده على شرط الصحيح ، وزيادة الثقة مقبولة كالحديث المستقل ، وفي رواية للترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه وابن حبان ، والبيهقي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : (( ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة ))(4) .\r---------------\r(1) رواه البخاري (38 ، 1802 ، 1910) ، وابن ماجه (1641) ، والترمذي (683) .\r(2) هذه الزيادة (( وما تأخر )) هي زيادة مقبولة ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/138- 139) : \" زاد أحمد من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ( وما تأخر ) ، وقد رواه أحمد أيضاَ عن يزيد بن هارون ، عن محمد بن عمرو بدون هذه الزيادة ، ومن طريق يحيى بن سعيد ، عن أبي سلمة بدونها أيضاً ، ووقعت هذه الزيادة أيضاً في رواية الزهري ، عن أبي سلمة ، أخرجها النسائي عن قتيبة ، عن سفيان عنه ، وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان ، أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" واستنكره ، وليس بمنكر ، فقد تابعه قتيبة كما ترى ، وهشام بن عمَّار ، وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده ، والحسين بن الحسن المروزي ، أخرجه في كتاب الصيام له ، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر بن المقري في فوائده ، كلهم عن سفيان والمشهور عن الزهري بدونها ، وقد وقعت هذه الزيادة أيضاً في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين ، وإسناده حسن ، وقد استوعبت الكلام على طرقه في كتاب \" الخصال المكفِّرة للذنوب المقدمة والمؤخرة \" وهذا محصله \" اهـ . و انظر الكتاب المذكور للحافظ (ص 56-66) .\r(3) انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر (4/139) .\r(4) رواه الترمذي (682) ، والنسائي (4/130) ، وابن ماجه (1642) ، وابن حبان في صحيحه ( الإحسان 8/222) رقم (3435) ، والبيهقي (4/303- 304) .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وعند أحمد ، وابن ماجه ، والطبراني ، ورجاله ثقات ، عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً : (( ولله عند كل فطر عتقاء من النار ))(1) ، أي بعد إتمام صوم كل يوم ، تعجيلاً منه بإعطاء الأجر عند تمام العمل .\rوللبخاري ، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّة -( يعني وقاية من المعاصي أو حصن منيع من النار ) - فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصْخَبْ فإن سَابَّهُ أحدٌ أو قاتله فَلْيقل : إنِّي امرُوٌ صائمٌ ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصائم أطيب عند الله من رِيح المِسْك ، وللصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه )) . واللفظ لمسلم(2) .\r-------------------------\r(1) رواه أحمد (4/311 -312 ، 5/411) ، والطبراني في الكبير (8/284) رقم (8088 ، 8089) ، وقال الهيثمي في المجمع (3/143) : \" رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون \" اهـ . ورواه ابن ماجه (1643) عن جابر ، وأوله عنده : (( إن لله ...)).\r(2) رواه البخاري (1805) ، ومسلم (1151) .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"الصيام والقرآن يشفعان\rعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام أي ربّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه ، قال : فيشفعان )) ، أخرجه الإمام أحمد ، والطبراني ورجاله رجال الصحيح ، وأخرجه الحاكم وقال : على شرط مسلم(1) .\rوأخرج البخاري ، ومسلم ، والنسائي - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس رضي الله عنهما (( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَجْوَدَ الناسِ ، وكان أَجْوَدَ ما يكونُ في رَمَضَانَ حين يَلْقَاهُ جبريلُ ، وكان يلقاهُ في كل ليلةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارسُهُ القرآن ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أجودُ بالخيرِ مِنَ الريح المُرْسَلَةِ ))(2) .\r-----------------\r(1) رواه أحمد في المسند (2/174) ، والطبراني في الكبير كما في القطعة المطبوعة من(ج13 ) الملحقة به ( 13/38) رقم (88) ، قال الهيثمي في المجمع (3/181) : \" رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال الطبراني رجال الصحيح \" اهـ . ورواه الحاكم في المستدرك (1/554) وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .\r(2) رواه البخاري (6 ، 1803) ، ومسلم (2308) ، والنسائي (4/125) رقم (2095) .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"الترغيب في تفطير الصائمين وما ورد في الدعاء لفاعله\rعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعاً : (( مَنْ فَطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجورهم شيئاً )) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان(1) .\rوعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعاً : (( مَنْ فطر صائماً أو جهز غازياً فله مثل أجره )) ، أخرجه البيهقي ، وبمعناه الإمام أحمد ، وأخرج الطبراني مثله عن عائشة ، والديلمي عن علي(2) .\rوأخرج ابن ماجه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفطر عند سعد بن عبادة فدعا له فقال: أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة))(3).\r------------------------\r(1) رواه أحمد في المسند (4/114 ، 116) ، (5/192) ، والترمذي (807) من حديث زيد بن خالد الجهني وقال : \" هذا حديث حسن صحيح \" ، وابن حبان ( الإحسان 8/216) رقم (3429) ، ورواه أيضاً ابن ماجه (1746) ، وابن خزيمة (3/277) رقم (2064) .\r(2) رواه البيهقي (4/240) ، وأحمد (5/192) دون ذكر الغازي ، والطبراني في الأوسط رقم (7136 ، 8438) عن عائشة رضي الله عنها ، والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (3/519) رقم (5619) عن علي رضي الله عنه .\r(3) رواه ابن ماجه (1747) ، وأحمد (3/138) ، والبيهقي (7/287) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (299) ، وصححه ابن حبان ( الإحسان 12/107) رقم (5296) .\rومما يدعو به الصائم عند الإفطار : ما رواه أبو دواد وغيره عن مروان بن سالم المقفع قال : (( رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زادت على الكف وقال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا افطر قال : ذهب الظَّمأ ، وابْتَلَّتِ العُروقُ ، وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله )) . سنن أبي دواد (2/306) رقم (2357) ، ورواه البيهقي (4/239) ، والحاكم (1/422) ، والدارقطني (2/185)وحسّن إسناده ، ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم (299) ، وغيرهم .\rومروان بن سالم المقفع وثقه ابن حبان ( الثقات 5/424) ، وحسن حديثه الدارقطني ( السنن 2/185) وغيره ، وقال الذهبي في الكاشف (2/253) : \" وُثِّق \" .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"التحذير مِمَّا يؤثر على ثواب الصائمين\r1) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) أخرجه البخاري ، وأبو داود ، وابن ماجه ، واللفظ للبخاري(1) .\r2) وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( الصيام جُنًةٌ من النار كجُنَّةِ أحدكم في القتال ما لم يخرقها بكذب أو غيبة )) أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه(2) .\r3) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : ((رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع\rوالعطش ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر )) أخرجه الطبراني ورجاله موثوقون(3) .\r4) وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر )).أخرجه البغوي في المصابيح وحسّنه(4) .\r----------------------\r(1) رواه البخاري (1804 ، 5710) ، وأبو داود (2362) ، والترمذي (707) وقال : \" هذا حديث صحيح \" ، وابن ماجه (1689) .\r(2) رواه أحمد في المسند (4/21 ، 22) وليس فيه زيادة (ما لم ...) ، والنسائي (4/167) رقم (2230 ، 2231) ، وابن ماجه (1639) .\r(3) رواه الطبراني في الكبير (12/292) رقم (13413) ، وقال الهيثمي في المجمع (3/202) : \" رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون \" اهـ .\r(4) رواه البغوي في مصابيح السنة (2/83) رقم ( 1436) واللفظ له ، والحديث رواه أيضاً ابن ماجه (1690) والنسائي في الكبرى (2/239) ، وابن خزيمة في صحيحه (1997) ، والحاكم في المستدرك (1/431) وقال : صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ، ورواه أحمد (2/373 ، 441) ، والبيهقي (4/270) ، والدارمي (2/301) .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"حقيقة الصيام (1)\r1- هو الإمساك عن الأكل والشرب والشهوة من الفجر إلى غروب الشمس .\rويحمل عليه كل عين دخلت إلى جوف من منفذ مفتوح أو منفتح ، ومنه الإمساك عن الحقن الوريدية ، والحقن الشرجية ، لأن كل منهما موصل العين إلى الجوف ، سواء كانت غذاء أو دواء .\rوقد قرر فقهاؤنا السابقون ما يفيد الفرق بين الحقنة الوريدية والحقنة العضلية فقالوا :\rمن طعن في فخذه ثم صب فيه الدواء فلا يفطر لعدم وصوله إلى جوف ، ومن طعن في خاصرته فصب فيها الدواء أفطر لوصولها إلى جوف منفتح .\rوالإبرة الوريدية أعظم من ذلك فإنها توصله إلى أعمق الجوف في لحظة ، وليست كالعضلية لأنها لا توصله إلا عن طريق الامتصاص للدواء ، وهو لا يضر كالكحل والدهن - وإن وجد طعمه أو لونه في حلقه - وكالدواء على الجرح (2).\r-------------------------\r(1) الصوم في اللغة : الإمساك عن الشيء والترك له ، وقيل للصائم صائم لإمساكه عن الطعام ، وقيل للفرس صائم لإمساكه عن العلف مع قيامه ، ومنه قول مريم كما جاء في قوله تعالى : { إني نذرت للرحمن صوماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسيا} ( مريم :26) إذ أمسكت عن الكلام . ( لسان العرب 12/351) .\rوفي الشرع : عرفه الشافعية بأنه \" إمساك مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص \". ( انظر : المجموع 6/248) .\rوعرفه الحنفية بأنه :\" الإمساك عن أشياء مخصوصة ، وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة \" ( بدائع الصنائع 2/75) .\rوعرفه المالكية بأنه : \" الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما مخالفةً للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن ، فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد \" . ( انظر الشرح الصغير 2/217) .\rوعرفه الحنابلة بأنه : \" الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص يأتي بيانه \".( المغني 3/2) .\r(2) اختلف الفقهاء المتأخرون في حكم ( الإبر ) سواء كانت عن طريق العضل أو الوريد ، بما يطول تفصيله ، وحاصل ما ذكر في المسألة أربعة أقوال كالآتي :\rالقول الأول : أنها تفطر الصائم مطلقاً دون تفريق بين العضلية أو الوريدية ؛ لأنها تصل إلى الجوف من منفذ مفتوح أو منفتح مستحدث . وهو قول الشيخ العلامة سالم سعيد بكير باغيثان ، وألف فيها رسالة \" وضوح البطلان في الحكم بعدم الفطر بالحقن بالإبرة في نهار رمضان \" ، والشيخ محمد عوض باوزير ، والشيخ محمد نجيب المطيعي .\rالقول الثاني : أنهما لا تفطران الصائم مطلقاً ؛ لأنها تصل إلى الجوف من غير منفذ مفتوح ، وليست غذاء . وهو قول جماعة من العلماء منهم : الشيخ العلامة محمد بخيت المطيعي ، والشيخ عبد الله عوض بكير ، والشيخ محمد بن سالم البيحاني ، والشيخ محمود شلتوت ، والدكتور محمد حسن هيتو ، والدكتور يوسف القرضاوي ، وغيرهم .\rالقول الثالث : أن الوريدية تفطر مطلقاً سواء كانت غذاءً أم دواءً ، والعضلية لا تفطر ؛ لأن الوريدية توصل الغذاء أو الدواء إلى الجوف من منفذ منفتح بخلاف العضلية ، فإنها لاتوصل الدواء إلا عن طريق الامتصاص كالكحل والدهن ، وهذا ماذهب إليه شيخنا المؤلف السيد العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد رحمه الله تعالى كما ذكره هنا ، في فتاوى رمضان له (ص 50) . ورجحه السيد العلامة زين بن إبراهيم بن سميط كما في تقريراته الفقهية المسماة : (التقريرات السديدة في المسائل المفيدة ) (ص281) جمع تلميذه السيد حسن بن أحمد الكاف ، وهو ما أميل إلى ترجيحه احتياطاً للعبادة ؛ ولقوة أدلته ، والله أعلم .\rالقول الرابع : أن أنها إن كانت للتداوي لا تفطر مطلقاً سواء كانت عضلية أم وريدية ، أما إن كانت للتغذية فتفطر مطلقاً . وهذا هو ما أفتى به قسم الإفتاء والبحوث بأوقاف دبي . انظر : فتاوى شرعية - إصدار أوقاف دبي (5/100).\rوانظر تفصيل هذه الأقوال ودلائلها ومراجعها في : كتاب ( وضوح البطلان ) للشيخ سالم سعيد بكير باغيثان ، الذي تقدم ذكره ، وكتاب (الصيام محدثاته وحوادثه) للدكتور محمد عقلة ( ص 205-207) ، و كتاب ( مباحث في أحكام الصيام ) للأخ زين محمد حسين العيدروس (ص 35- 41) - قيد الطبع - بعناية العبد الفقير .\rوقد أفردتُ هذه المسألة برسالة لطيفة جمعتُ فيها أهم ما قيل في موضوع الإبر والحقن بأنواعها وما يتعلق بها ، يسر الله تعالى إتمامها إن شاء الله تعالى .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"2- الجماع مفطر للصوم أنزل أم لم ينزل ، في قُبلٍ أو دُبرٍ ولو بهيمة ، وكذلك الإنزال بالملامسة أو الاستمناء باليد أو الاحتكاك لأنه أقصى ما يطلب من قضاء الشهوة ، وفي الحديث : (( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ))(1) .\r3- وبالأَوْلى الدخان الخبيث فهو عين تفطر ، ومثله ما خالط الريق كالمضْغَة (2) ونحوها ، فليحذر الصائم كل ذلك ولينزه صومه عن المؤثرات .\r4- طرؤ ما ينافيه من حيض أو نفاس أو جنون أو سُكْر ، ولو كان السكر من الليل ، إلاّ سكر من لم يتعدَّ به فله حكم الإغماء ، فإذا أفاق في جزء من النهار صح صومه .\r----------------------\r(1) هو جزء حديث رواه البخاري (1795) ، ومسلم (1151) وفي بعض الروايات ( يترك ) .\r(2) المَضْغَة : جاء في لسان العرب (13/129-130) : مَضَغَ يَمْضَغُ ويَمْضُغُ مَضْغَاً: لاَكَ ، وفي التهذيب : المُضْغَة قطعة لحم ، وقيل : تكون المُضْغَة غير اللحم ، يقال : أطيبُ مُضْغَةٍ أكلها الناس صيحانيةٌ مَصْليَّةٌ...، وتمرٌ ذو مَضْغَةٍ : صَلْبٌ متين يُمْضَغ كثيراً اهـ ، والمراد به هنا ما يُمْضَغُ من التبغ ( التنباك ) ونحوه يجعل بين الأسنان .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"5- وجوب الاحتياط للصوم بالإمساك قبل طلوع الفجر ولو بخمس دقائق لقوله تعالى { تلك حدود الله فلا تقربوها } ( البقرة : 187) ، وقد حدّ الله الفجر حدّاً للصائم فلا بُدَّ من البعد عن الحدِّ وعدم القرب منه ، وما جاء من الأحاديث مما يوهم خلاف ذلك فهو محمول على الأذان الأول أو على ما قبل نزول قوله تعالى : { من الفجر } ، فقد تأخر نزوله كما في الحديث(1) ، ولأنه قد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ، أَلاَ إنّ حمى الله محارمه )) (2)، وهذا من أعظم المحارم .\r-----------------------\r(1) ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (1818) واللفظ له ، ومسلم في صحيحه (1091) عن سهل بن سعد t قال : \" أنزلت : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ، ولم ينزل { من الفجر } ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بَعْدُ : { من الفجر } ، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار \" .\r(2) رواه البخاري في صحيحه (52، 1946) ، ومسلم في صحيحه (1599) كلاهما من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"النية في الصيام\rإذا كان الصيام هو الإمساك ، وهو عمل سلبي(1) فإنه لا يصير عبادة إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امريء ما نوى ))(2) .\rويعرِّفُها أئمتنا بأنها : قصد الشيء مقترناً بفعله بقصد امتثال أمر الله ورجاء ثوابه.\rلكنها في الصوم وَسَّع الشارع محلها لصعوبة مراقبة الفجر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصيامَ من الليل فلا صيام له ))(3) ، فجعل الليل كله وقتاً لها فمن لم ينو مطلقاً بحيث نسي النية من الليل في ليلة فلا يجزئه عن صوم الفرض ، ولا بد له من القضاء.\rولهذا قال أئمتنا : يستحب أن ينوي صيام الفرض كله من أول ليلة احتياطاً لأن مذهب المالكية (4) جواز الاكتفاء بذلك باعتبار رمضان كله عبادة واحدة ، والأكل في لَيْلِه ونحوه رخصة ، فينبغي العمل بهذا احتياطاً خصوصاً لمن تعتريه الوسوسة أو النسيان .\r------------------------\r(1) المراد أن الصوم فيه امتناع وترك للأكل والشرب ونحوهما من المفطرات مدة الصيام ، وعدم فعل شيء مما يفطر هو عمل سلبي بالنسبة لما يقابله ، ومع أنه كذلك فهو يفتقر إلى نية ليكون هذا الإمساك أو الامتناع عبادة .\r(2) رواه البخاري في صحيحه (1/3) رقم (1) ، ومسلم في صحيحه (1907) .\r(3) رواه أبو داود (2454) ، والترمذي (730) وقال :\"حديث حفصة لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه ، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قولُهُ وهو أصح \" ، ورواه النسائي (4/196 ، 197) واللفظ له ، والدارمي (2/6 ،7) .\r(4) انظر في مذهب المالكية : الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/521) ، أسهل المدارك (1/415) ، التلقين (178) ، منح الجليل على مختصر خليل (2/128) ، قال العلامة الدردير في \" الشرح الصغير \" (1/229) : \" وكفت نية واحدة لما - أي لكل صوم - يجب تتابعه كرمضان وكفارته ، وكفارة قتل أو ظهار ، وكالنذر المتتابع كمن نذر صوم شهر بعينه ، أو عشرة أيام متتابعة إذا لم ينقطع تتابع الصوم بسفر ومرض ممَّا يقطع وجوب التتابع دون صحة الصوم ، فإن انقطع به لم تكف النية الواحدة ، بل لا بدّ من تبييتها كلَّما أراده \" اهـ .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"التخفيف عمّن أكل ناسياً\rيقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (( من أكل ناسياً فليتمّ صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ))(1) فلا تؤثر المفطرات كلها إذا وقعت من الصائم حالة النسيان ، وهذا الحكم من الشارع واضح في الناسي .\rفهل المخطئ مثله أو يختلف عنه ؟ :\rقال أئمتنا : بل يختلف عنه ، فمن أخطأ فأكل ظاناً بقاء الليل فبان نهاراً ، أو أكل ظاناً الغروب فبان أنها لم تغرب ، فإنَّ عليه القضاء على مذهبنا ، لأن المخطئ مُقَصِّر ، لأنه مطلوب منه الاحتياط فتركه ، بخلاف الناسي فإنه لا ذنب له ولا اختيار فافْتَرقَا ، وإن كان الشارع قد قرن الخطأ والنسيان في كثير من الأحكام لكن ذلك مخصوص برفع الإثم فيهما لا الحكم ، فالإثم مرفوع قطعاً ، وأما الحكم فلم يرفع نصاً إلا على الناسي فقط ، يؤيده ما رواه البخاري ، وأبو داود عن أسماء رضي الله عنها قالت : \" أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس ، قيل لهشام فأُمروا بالقضاء ؟ قال : لا بُدَّ من قضاء \" (2) .\rولأن القضاء هو الأصل ، وقد استثنى الشارع الناسي بخصوصه حين قال : (( فإنما أطعمه ربُّه وسقاه )) ، أي ولا كذلك المخطئ .\r-----------------------\r(1) رواه البخاري في صحيحه (1831) ، ومسلم في صحيحه (1155) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعند الترمذي (721) : (( فإنما هو رزق رزقه الله )) ، وقال : \" حسن صحيح \" .\r(2) رواه البخاري في صحيحه (1858) ، وأبو داود في سننه (2359) .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"شرائط الصوم\rللصوم شرائط للوجوب ، وشرائط للصحة ، أما شرائط الوجوب فثلاثة فقط :\rأولها الإسلام :\rفلا يصح الصيام من الكافر الأصلي ، وكذلك المرتد ، وإن صام فلا يصح منه الصيام قبل أن يعود إلى الإسلام ، بل عليه قضاء ما فاته زمن الردة ، وإن صامه فيها إذ لا يصح منه .\rالثاني العقل :\rفلا يطالب المجنون بالصيام ولا يصح منه ، لكن لو كان عنده تمييز كالصبي المميز فيرشد إلى الصوم ، لأن عبادته صحيحة وإن لم تكن عليه واجبة .\rالثالث البلوغ :\rوهو شرط للوجوب ، ولكن يطالب المميز القادر عليه به ، ليتدرب على العبادة ويأمره وليه كما في الصلاة .\rوأما شرائط الصحة فمنها :\rالإسلام والعقل كما سبق ، فالكافر لا يجب عليه ولا يصح منه ، وكذلك المجنون الذي لا يميز لا يجب عليه ولا يصح منه ، فإن ميَّز صحَّ منه ولا يجب عليه ، كالصبي يصح منه الصوم ولا يجب عليه .\rأما الشروط الباقية للصحة فمنها :\rالنقاء عن الحيض والنفاس ، وهو واجب عليهن (أي النساء) بدليل وجوب قضاء الصوم دون الصلاة كما في حديث عائشة رضي الله عنها : (( كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ))(1) .\rفوجود الحيض والنفاس مانع من صحة الصوم ، ولكنه لم يرفع الوجوب بدليل وجوب القضاء ، بخلاف المجنون والكافر الأصلي فلا يجب عليهما القضاء لأنه غير واجب عليهم أصلاً .\rإذاً فالعقل والإسلام شرطان للوجوب ، وشرطان للصحة ، فلا يجب عليهما - أي المجنون والكافر - ولا قضاء عليهما .\r--------------------------\r(1) رواه مسلم (335) .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"القيء للصائم\rعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض )) - وفي رواية (( ومن استقاء عمداً فليقض )) - أخرجه أبو داود ، والترمذي والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه(1) .\rوفي رواية لأبي هريرة أخرجها ابن ماجه بلفظ : (( من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء ))(2) .\rوالمعنى من سبقه القيء فليتم صومه لعدم تسببه في ذلك ، ومن اسْتقاء أي طلب خروجه أو تَكَلَّفَهُ وجب عليه أن يقضي ذلك ، لأنه تعمد إفساد صومه ، ومع ذلك فعليه الإمساك وجوباً ككل من أفطر عامداً أو نسي النية ، أو لم يعلم ثبوت الهلال ليلاً ، فكل هؤلاء عليهم الإمساك .\r-------------------\r(1) رواه أبو داود في سننه ( 2380) واللفظ له ، ورواه الترمذي في سننه (720) وحسنه ، وفيه عنده : (( ومَن استقاء عمداً فليقض )) ، والنسائي في السنن الكبرى (2/215) ، وابن ماجه في سننه (1676) ، والحاكم في المستدرك (1/427) وقال : \" صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .\rوروى مالك في الموطأ (1/304) عن ابن عمر موقوفاً قال : \" مَن استقاء وهو صائم فعليه القضاءُ ، ومَن ذَرَعَهُ القيءُ فليس عليه قضاءٌ \" .\r(2) رواه ابن ماجه في سننه (1676) ، وانظر الهامش السابق .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"الصوم مع الجنابة\rعن عائشة رضي الله عنها : (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حُلْم فيغتسلُ ويصومُ )) أخرجه البخاري ، ومسلم ، و الترمذي ، والنسائي ، وأبو داود(1) .\rوفي رواية أخرى : (( أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان لَيُصْبِحُ جُنُباً من جماعٍ غير احتلامٍ ، ثمّ يصومه )) ، وعن أم سلمة مثله ، أخرجه البخاري ومسلم(2) .\rفلما فهمت السيدة عائشة في حديثها الثاني ارتياب السامع أكَّدت كلامها بقولها : أشهد على فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، وفِعْلُه تشريع ولا يُحمل على الخصوصية إلا بنصّ .\r------------------------\r(1) رواه البخاري في صحيحه (1825 ، 1829) ، ومسلم في صحيحه (1109) ، والترمذي (779) ، والنسائي (1/108) ، وأبو داود (2388 ، 2389) .\r(2) رواه البخاري (1830) ، ومسلم (1109) ، وفي بقية الحديث عند البخاري من كلام الراوي : \" ثم دخل على أم سلمة فقالت مثل ذلك .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"المضمضة والاستنشاق للصائم\rعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال : (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ في رمضان )) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1) ، وهذا دليل على جوازهما (2) للصائم ، لكنه قالَ للقيط بن صبرة : (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وصححه الترمذي (3) .\rولهذا قال علماؤنا : إن سبقه الماء ولم يبالغ لا يضره ، وإن بالغ فَدَخَلَ شيء أفطر وعليه القضاء .\rوهكذا إن سبقه الماء في مأمورٍ به لا يضره ، وإن سبقه مع المنهي عنه أفطر وعليه القضاء ، كمن سبقه الماء عند الرابعة المنهي عنها فإن عليه القضاء ، وإن سبقه في المأمور به كالثالثة لم يفطر .\r--------------------------\r(1) رواه أحمد ( الفتح الرباني 10/ 46) ، وقال الهيثمي في المجمع (3/165) : \" رواه أحمد ، وكثير بن زياد لم يدرك ابن عبسة \" . اهـ\r(2) وهما من سنن الوضوء للصائم وغير الصائم ، لكن الصائم لا تسن له المبالغة فيهما ، بل تكره لخوف الإفطار كما في المجموع وغيره . والمبالغة في المضمضة هي أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات ، وفي الاستنشاق أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم. انظر : مغني المحتاج للشربيني (1/58) ، بشرى الكريم لباعشن (ص52) .\r(3) رواه أحمد (4/32) ، وأبو داود (6/493) ، والترمذي (788) وقال :\" هذا حديث حسن صحيح \"، ورواه النسائي (1/66) ، وابن ماجه (407) وغيرهم .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"الكحل والحجامة للصائم\rعن أنس رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اشْتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال : ((نعم )) أخرجه الترمذي (1) .\rوعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( اكتحل رسول الله وهو صائم )) ، أخرجه ابن ماجه(2)، وهذا دليل على جواز الاكتحال للصائم ولو لم تكن عينه شاكية .\rوعن ابن عباس رضي الله عنه : (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو مُحْرم ، واحتجم وهو صائم )) ، أخرجه البخاري ، وأبو داود(3) ، وعن ثابت البناني قال : سألت أنساً رضي الله عنه : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( لا ، إلاَّ من أجل الضعف )) أخرجه البخاري (4) .\rوهذا يدل على جواز الحجامة للصائم وأنها لا تبطل الصيام .\r-----------------\r(1) رواه الترمذي (726) وقال : \" ليس إسناده بالقوي ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء ، وأبو عاتكة يُضَعَّف \" اهـ ، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/191) : \" ورواه أبو داود من فعل أنس ولا بأس بإسناده وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني \" الأوسط \" ، وعن ابن عباس \" في شعب الإيمان\" للبيهقي بإسناد جيد \" اهـ .\r(2) رواه ابن ماجه (1678) ، قال الإمام النووي في المجموع (6/388) : \" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من رواية بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي شيخ بقية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة \" اهـ . وانظر كلام الحافظ في الهامش السابق .\r(3) رواه البخاري (1836) ، وأبو داود (2372 ، 2374 ) .\r(4) رواه البخاري (1838) .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"الرخصة في الإفطار للمسافر والمريض والمرضع والحامل\rقال الله تعالى : { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر } (البقرة :185)، وفي حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه مرفوعاً : (( إن الله وضع عن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام )) ، أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه(1) .\rفهي رخصة ، وقد نصّ القرآن على وجوب القضاء من أيام أُخر على المسافر والمريض ، والحامل والمرضع في حكم المريض .\rومن عجز عن الصيام ولم يكن ينتظر الشفاء كبعض المرضى بالكلى والقلب ، أو منعه الطبيب الحاذق منه دائماً أخرج الفدية وهي مُدّ(2) عن كل يوم ، إن شاء قدَّمها وإن شاء أخَّرها ، وإن شاء أَخرجَهَا يوماً بيوم ، والإفطار في هذه الحالات رخصة وقد يصير واجباً إذا أحدث ضرراً أوفَوَّتَ واجباً ، فقد أخرج مسلم وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : (( سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلاً فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم )) فكانت رخصة فمِنَّا مَنْ صام وَمنَّا مَنْ أفطر ثمّ نزلنا منزلاً آخر فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( إنكم مصبحو عدوكم غداً والفطر أقوى لكم فأفطروا )) فكانت عَزْمَةً فأفْطرنا ))(3) .\rوفي حديث جابر رضي الله عنه : (( فبلغه أن أناساً صاموا فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أولئك العصاة )) مرتين ، رواه مسلم ، والنسائي(4) .\r------------------\r(1) رواه أحمد (4/347) ، وأبو داود (2408) ، والنسائي (4/180-182) ، والترمذي واللفظ له (715) وحسّنه ، وابن ماجه ( 1667) .\r(2) وهو ربع صاع من غالب قوت بلده ، والمدّ : يساوي ملء حفنة بكفي رجل معتدل ، وبالوزن رطل وثلث بالبغدادي ، وهو يساوي (600 غرام ٍ) تقريباً ، وقدره بعضهم بمكعب طول ضلعه (9.2 سم ) تقريباً . انظر الفقه المنهجي (1/350) .\r(3) رواه مسلم (1114) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .\r(4) رواه مسلم (1114) ، والنسائي (4/117) ، وقوله في الحديث (( أولئك العصاة )) : قال النووي في شرح مسلم (7/233) : \" هذا محمول على من تضرر بالصوم أو أنهم أمروا بالفطر أمراً جازماً لمصلحة بيان جوازه فخالفوا الواجب ، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به ، ويؤيد التأويل الأول قوله : (( فقيل إن ناساً قد شق عليهم الصيام )) اهـ .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وأخرج البخاري ، ومسلم ، والنسائي وغيرهم ، عن جابر رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال : (( مال هذا ؟ فقالوا صائم ، فقال : ليس من البر الصيام في السفر )) ، زاد النسائي (( وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها ))(1) .\rوعن ابن عمر رضي الله عنهما : (( إن الله تبارك وتعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته )) ، رواه الإمام أحمد بسند صحيح ، والبزار ، والطبراني بإسناد حسن ، وابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما(2) .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ : (( إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه )) ، رواه البزار بإسناد حسن ، والطبراني ، وابن حبان في صحيحه(3) .\rكل هذا في حق الذين يسافرون ثمّ يتمكنون من القضاء ، أمَّا الذين يدوم سفرهم ولا يتمكنون من الإقامة والقضاء فإنَّ عليهم الصوم في وقته .\r----------------------\r(1) رواه البخاري (1844) ، ومسلم (1115) ، والنسائي (4/176) .\r(2) رواه أحمد (2/108) ، والبزار كما في كشف الأستار (1/469) رقم (988 ، 989) ، والطبراني في الأوسط (5/275) رقم (5302) ، قال الهيثمي في المجمع (3/162) : \" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن \" اهـ ، ورواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه (3/259) رقم (2027) ، وابن حبان في صحيحه ( الإحسان 6/451) رقم ( 2742) .\r(3) رواه البزار كما في كشف الأستار (1/469) رقم (990) ، والطبراني في الكبير (11/ 255) رقم (11880) ، قال الهيثمي في المجمع (3/162) : \" رواه الطبراني في الكبير ، والبزار ورجال البزار ثقات ، وكذلك رجال الطبراني \" اهـ ، ورواه ابن حبان في صحيحه ( الإحسان 2/69) رقم (354)","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وجوب قضاء الفائت من رمضان قبل حلول رمضان آخر\r1- عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه ، فإنه لم يتقبل منه ، ومن صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه لا يتقبل منه حتى يصومه )) ، أخرجه أحمد ، والطبراني في الأوسط ، وهو حديث حسن(1) .\r2- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما تقدر على أن تقضيه حتى يأتي شعبان )) رواه مسلم وأبو دواد(2) .\r3- وعنها رضي الله عنها : (( كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان من الشغل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ))(3) .\rوالمعنى إنَّهُنَّ يكُنَّ مشغولات بحقه عليه الصلاة والسلام ، فإذا جاء شعبان ضاق وقت القضاء ، فتعين وقته حينئذ فهو يؤيد الحديث السابق عن أبي هريرة في عدم جواز تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر .\rولهذا أوجب بعض الأئمة كالشافعي الكفارة لمن أخَّره بغير عذر مع وجوب القضاء ، ولكن لا يجب التتابع في القضاء لِمَا رواه الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : (( قضاء رمضان إنْ شاء فرّق ، وإن شاء تابع ))(4) .\rقال البخاري : قال ابن عباس رضي الله عنهما :\" لا بأس أن يُفَرِّق لقوله تعالى : {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَامٍ أُخَر }(5) .\r------------------------\r(1) رواه أحمد (2/352) واللفظ له ، والطبراني في الأوسط مختصراً (2/321) رقم (3284) ، قال الهيثمي في المجمع (3/179) : \" رواه أحمد والطبراني في الأوسط باختصار ، وهو حديث حسن \" اهـ .\r(2) رواه مسلم (1146) ، وأبو دواد (2399) .\r(3) رواه البخاري (1849) ، ومسلم (1146) .\r(4) رواه الدارقطني (2/193) ، قال المعلق على الدارقطني : \" في إسناد هذا الحديث سفيان بن بشر ، وتفرَّد بوصله ، وقد صحح الحديث ابن الجوزي وقال : \" ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر \" اهـ .\r(5) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في صحيحه ، كتاب الصوم ، باب متى يُقْضَى قَضَاء رمضان (2/688) ، ووصله الدارقطني (2/192) ، وعبد الرزاق (4/243) .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"القضاء عن الميت\rأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ))(1) .\rيعني يستوي في هذا صيام رمضان وصيام النذر ، أو الكفارة إن شاء كما جاء في رواية البزار ، فإن لم يُرِدْ فعليه الإطعام لأنه بدل العاجز لكل يوم مُدّ .\rوالمراد بالولي هنا كل قريب بنفسه أو بمن يأذن له ، (( فَدَين الله أَحقُّ أن يُقْضَى )) ، كَمَا رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما(2) .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما، وعلقه البخاري : (( إذا مَرِضَ الرجل في رمضان ثم مَاتَ ولم يَصُم أُطْعِمَ عنه ، ولم يكن عليه قضاءٌ ، وإن نَذَر قَضَى عنه وليُّه))(3) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما : (( من مات وعليه صيام شهر فليُطعم عنه مكان كل يوم مسكين )) ، قال الترمذي : الصواب أنه موقوف على ابن عمر(4) .\rقال الحافظ ابن عبد الحق ، والحافظ ابن حجر : \" لا يوجد في الإطعام شيء يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5) .\rلذلك قال الإمام النووي رحمه الله : \" اختلف العلماء في مَنْ مات وعليه صوم واجب من رمضان أو نذر أو غيره ، هل يقضي عنه ؟ وللشافعي رحمه الله في المسألة قولان مشهوران :\rأشهرهما : لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلاً .\rوالثاني : يستحب لوليه أن يصوم عنه ، ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام عنه وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده ، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث \" (6) اهـ.\rلظاهر الحديث السابق الصحيح مع عدم المعارض.\r------------------------\r(1) رواه البخاري (1851) ، ومسلم (1147) .\r(2) رواه البخاري (1852) ، ومسلم (1148) وغيرهما ، ولفظه عند البخاري : \" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، إنَّ أُمِّي ماتت وعليها صوم شهرٍ ، أَفَأقْضيه عنها ؟ قال : نعم ، قال : فَدَين الله أَحَقُّ أن يُقْضى \" .\r(3) رواه أبو داود (2401) ، وهو موقوف صحيح .\r(4) رواه الترمذي في سننه (718) وقال : \" حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر موقوفٌ قولُه \" اهـ .\r(5) انظر تفصيل المسألة في المجموع للنووي (6/414-419) .\r(6) انظر شرح صحيح مسلم للإمام النووي (7/267) .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"قيام رمضان\rكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُرَغِّب في قيام رمضان مِنْ غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول : (( مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) . قال ابن شهاب : \" فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر \" رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي(1) .\rزاد النسائي في الكبرى من طريق قتيبة بن سعيد : ((وما تأخر )) (2) ، وتابع قتيبة على هذه الزيادة جماعة من المحدثين ، والزيادة من الثقة مقبولة إذْ هي كالحديث المستقل(3) .\rنعم ثبت أَنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلى في المسجد ثلاثة ليال متتابعة ، ولم يخرج في الرابعة حين غصَّ المسجد بأهله وخرج لصلاة الفجر وقال : (( إنَّه لم يَخْفَ عَلَيَّ مقامكم ، ولكن خشيتُ أنْ تُفْرَضَ عليكم فتعجزوا عنها )) رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، زاد في حديث زيد بن ثابت :\r(( فصلوا أيها الناس في بيوتكم )) ، كما في فتح الباري(4) .\rثم إنَّ عمر رضي الله عنه مر ليلةً بالمسجد كما رواه البخاري ومالك ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : \" فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرَّهط ، فقال عمر : \" إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىءٍ واحدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ، ثم عزم فجمعهم على أُبَيّ بن كعب ، ثم خرجتُ معه ليلةً أُخرى والناس يُصَلُّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : \" نِعْمَت البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوَّلَه \" أخرجه البخاري ، ومالك في الموطأ (5) .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وأخرج سعيد بن منصور ، عن عروة : \" أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أُبيّ بن كعب رضي الله عنه فكان يصلي بالرجال ، وكان تميم الداري رضي الله عنه يصلي بالنساء(6)، ولم يخالف عمر أحد من الصحابة وكان إجماعاً سكوتياً .\r[line] هوامش\r(1) رواه البخاري (37 ، 1904 ، 1905) ، ومسلم (759) ، وأبو داود (1371) ، والنسائي (3/201) رقم (1602) ، والترمذي (683) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .\r(2) رواه النسائي في السنن الكبرى (2/88) رقم (2512) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وتقدم الكلام عن هذه الزيادة .\r(3) انظر في قبول زيادة الثقة : فتح المغيث للسخاوي (1/246-251) ، علوم الحديث لابن الصلاح (ص 85-86) .\r(4) رواه البخاري (882 ، 1077 ، 1908) ، ومسلم (761) ، وأبو داود (1373 ، 1374) ، والنسائي (3/202) عن عائشة رضي الله عنها ، ورواه البخاري أيضاً (698) ، ومسلم (781) ، وأبو داود (1447) ، والنسائي (3/198) جميعهم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وفيه الزيادة المذكورة .\r(5) رواه البخاري (1906) وفيه عنده \" نِعْمَ البدعة هذه \" ، ومالك في الموطأ (1/114) .\rقال الحافظ ابن حجر في \" فتح الباري \" (4/298) : \" قوله (( قال عمر : نعم البدعة )) ، في بعض الروايات \" نعمت البدعة \" بزيادة تاء ، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة ، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة ، وإن كانت مِمَّا تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة \" اهـ .\r(6) رواه سعيد بن منصور كما في فتح الباري (4/297) ، وروى نحوه عبد الرزاق في المصنف (4/260) من حديث السائب بن يزيد : \" أن عمر جمع الناس في رمضان على أُبيّ بن كعب ، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة \" . [/]\rالحلقة السابعة\rعدد ركعات قيام رمضان","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"عن عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن صلاة رسول الله في رمضان قالت : (( ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عَشْرةَ ركعةً ، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا . فقلت يا رسول الله : أتنام قبل أن توتر ؟ قال : يا عائشة إن عَيْنَيَّ تَنَامَان ولا يَنَام قلبي )) أخرجه البخاري ، ومسلم وغيرهما(1) .\rوفي رواية عنها - عن هشام ، عن عروة - قالت : (( كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ))(2) ، ولها حديث آخر : (( أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها ))(3) .\rوحديث أبي ذر وصلاته مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان وقوله للرسول صلى الله عليه وآله وسلم : هَلاَّ نَفَّلْتَنَا هذه الليلة فقال : (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف ثبت له قيام الليلة )) أخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي(4) .\rوأخرج البيهقي بسند صحيح عن السائب بن يزيد الصحابي قال : (( كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة ، وكانوا يقومون بالمئين ، وكانوا يتوكأون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام ))(5) .\rوعن يزيد بن رومان : (( كان الناس يقومون في عهد عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة )) ، أخرجه الإمام مالك في الموطأ (6) ، يعني أن العشرين هي القيام ، والثلاث هي الوتر .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"قال الإمام النووي : \" وعلى حديث السائب بن يزيد الاعتماد في عدد الركعات لقيام رمضان ، لأنه حديث صحيح(7) ، ولهذا اتفقت المذاهب الأربعة على أن عدد التراويح ــ وهي المراد بقيام رمضان ــ عشرون ركعة بعشر تسليمات ثم الوتر (8) ، وعليه عمل المسلمين منذ الصدر الأول ، وزاد عليه أهل المدينة في عهد الصحابة أيضاً حتى بلغوا بها ستاً وثلاثين إلى أكثر من ذلك في سباق مع أهل مكة على الخير في شهر الخير .\rفقد صح أن أهل مكة كانوا يقومون بعشرين ركعة ، وكانوا يطوفون بالبيت بين كل ترويحتين سبعة أشواط ، فلما علم أهل المدينة بذلك ولم يتيسر لهم الطواف بالبيت اجتهدوا وزادوا أربع ركعات لكل ترويحة يطوف فيها أهل مكة ، حتى بلغت ستاً وثلاثين ثم يوترون بثلاث.\rواستقر أمر الناس في عصر عمر والخلفاء بعده في كل الأمصار يصلونها عشرين إلا أهل المدينة فكانوا يقومون بست وثلاثين ثم يوترون ، فعن نافع قال : \" أدركت الناس - أي في المدينة - وهم يقومون بست وثلاثين ركعة \" (9) ، وعند مالك رحمه الله صلاة التراويح ست وثلاثون لأهل المدينة ثم الوتر ثلاث واحتج على ذلك لأن أهل المدينة يفعلونها كذلك (10) .\rولذلك كله اتفق الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة على أن صلاة التراويح سنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لثبوت فعله لها بالمسجد وصلاة الناس معه .\rوأما كونها في المساجد في جماعة على قارئ واحد ، وكونها عشرين ركعة لغير أهل المدينة فهذه سنة الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ، ولم ينقل إلينا أن أحداً من الصحابة أنكر ذلك على عمر ، بل استمر في عهد الخليفتين بعده عثمان وعليّ ، ومن بعدهما ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ))(11) .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"فقد طلب منا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن نتمسك بسنة خلفائه كما نتمسك بسنته ، وحذر من محدثات الأمور ، وهي التي تخرج عن سنته وعن سنة خلفائه ، فَكَأَنَّ الذين يخالفون ويُحاربون سنة الخلفاء ، أو يُثَبطون عنها ، أو ينكرونها كَأَنَّهم يردون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولَهُ ويقولون : أَمَّا سُنَّتَك يا رسول الله فعلى العين والرأس ، وأمَّا سنة خلفائك فلا ولا كرامة ! ، أليسوا هم بذلك يردون قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!.\rإن الواجب على المسلمين ، إنْ كانوا حقاً مسلمين ، أن يتركوا الخلاف في هذا وفيما بينهم عموماً ، محافظةً على وحدة الأمة ، ومن أَحَبَّ أن يقتصر على الثمان الركعات فَعَلَ دون محاربة ولا معارضة لمن يصلونها عشرين ، فكلهم على خير ، وإنما هي نافلة ولا يجوز الخلاف فيها ، سيما وقد سَنَّها الخلفاء ، وأَجْمَع عليها الصحابة ، ولا يمكن أن يجمعوا على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .\rفنسأل الله أن يجمع شمل الأمة الإسلامية ويرفع ما بينهم من أسباب الخلاف والفرقة ، إنه ولي ذلك وقادر عليه .\rحرره\rعبد الله محفوظ الحدَّاد\r28 شعبان 1414 هـ\r[line] هوامش\r(1) رواه البخاري (1096 ، 1909) ، ومسلم (738) .\rوليس في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها هذا حجة لمن قَصَرَ صلاة التراويح على إحدى عشرة ركعة فقط بالوتر ، وادَّعى أن هذا هو السنة فيها ، وأنكر الزيادة على ذلك ومنعها ، ولا يصح هذا الاستدلال من وجوه منها :\rالأول : أنها تحكي ما علمته وما رأته في بيتها مِنْ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي إحدى تسع زوجاته وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبيت عندها ليلة ، وثمانيَ عند بقية أزواجه رضي الله عنهن أجمعين ، فهي لم تَرَ أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل الليالي .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"الثاني : أن ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قال بعض أهل العلم إنه محمول علىصلاة التهجد والوتر لا مجموعة صلاة الليل كله بدليل قول عائشة رضي الله عنها : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره \" رواه مسلم (1174) ، وقولها أيضاً : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله \" رواه البخاري (1920) واللفظ له ، ومسلم (1174) ، وغيرهما من الأحاديث التي تدل على كثرة الاجتهاد والعبادة في رمضان عموماً وفي العشر منه خصوصاً .\rالثالث : أنه معارض بما رواه البخاري (1087) ، ومسلم (1/531) رقم (764) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : \" كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل \" ، وبما جاء عنه أيضاً عند البخاري (947) ، ومسلم (1/526) رقم (763) أنه بات عند خالته ميمونة وفيه : \" فنام - صلى الله عليه وسلم - حتى انتصف الليل أو قريباً منه ... ثم قام يصلي فصنعت مثله ... ثم قال : ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلَّى ثم خرج فصلّى الصبح \" . وفي رواية عنه أيضاً عند مسلم (1/529) رقم (763) : \" فتكاملت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة \" . وفي رواية لمسلم أيضاً (1/531) رقم (765) عن ريد ابن خالد الجهني وفيه : \" ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة \" .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وقد حاول بعض الحفاظ الجمع بين هذه الروايات ونحوها بأن الزيادة على الإحدى عشرة ركعة هي على ضم سنة الصبح أو ضم سنة العشاء أو على أنه كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ، وهو كلام حسن لكن الإشكال ما زال قائماً للنص على الزيادة فيها على إحدى عشرة ركعة من غير بيان ضم شيء آخر إليها ، لذا قال الترمذي في سننه (2/320) : \" وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الوتر بثلاث عشرة وإحدى عشرة ، وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة \" اهـ .\rوبالإضافة إلى ما قلنا فقد جاء عن علي رضي الله عنه قال : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ست عشر ركعة سوي المكتوبة \" رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (1/145 - 146) ، قال الهيثمي في المجمع (2/272) : \" رجاله ثقات \" وهذا ما عدا الوتر ، وقول بعضهم إن قوله \" من الليل \" خطأ صوابه \" من النهار \" هو احتمال لا يسنده دليل مقبول .\rالرابع : أنه نقل بعض الأئمة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن صلاة التراويح عشرون ركعة منهم ابن قدامة في المغني (1/799) وفيه قال بعد كلام : \" وهذا كالإجماع \" ، وبدر الدين العيني في عمدة القاري (5/357) ، والحافظ العراقي في طرح التثريب (3/97) ، والعلامة الكاساني في بدائع الصنائع (1/288) وغيرهم وذلك لما جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على صلاة التراويح في شهر رمضان مقتدين بأُبي بن كعب رضي الله عنه صلى بهم عشرين ركعة غير الوتر كما في الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله ، وعلى هذا عمل جماهير الأمة الإسلامية ، ويصليها المسلمون كذلك في الحرمين الشريفين على مرّ القرون ، كما قال الإمام الشافعي : \" رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين ، وبمكة بثلاث وعشرين ، وليس في شيء من ذلك ضيق \" ( فتح الباري 4/298) .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"والحاصل أنه لا ينكر على من صلّى العشرين ركعة أو زاد عليها ولا يعد ذلك بدعة مطلقاً لما تقدم ، بل إن الإنكار على من يصلى التراويح عشرين ركعة هو البدعة لأنه يقتضي الإنكار على الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم في ذلك ، ولمصادمته النصوص الصريحة الصحيحة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والله الهادي إلى الصواب .\r(2) رواه مسلم (737) .\r(3) رواه مسلم (1175) ، والترمذي (796) وقال : حسن صحيح غريب .\r(4) رواه أبو داود (1375) ، والترمذي (806) وقال : \" هذا حديث حسن صحيح \" ، والنسائي (3/83-84) .\r(5) رواه البيهقي في السنن الكبرى (2/496) ، وقد صححه النووي في المجموع (3/527) فقال : \" واحتج أصحابنا بما رواه البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه ...فذكره ، ثم قال : وفي الباب عن ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما آثار عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة ، ومن ضعف حديث العشرين فما أصاب \" اهـ .\r(6) رواه مالك في الموطأ (1/115) ، وروى ابن أبي شيبة في المصنف (2/163) بسنده عن يحيى بن سعيد الأنصاري \" أن عمر بن الخطاب أمر رجلاً يصلى بهم في رمضان عشرين ركعة \" ، وكل منهما يقوي الآخر ، ويؤيدهما حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه السابق ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، وقيام الليل لمحمد بن نصر المروزي آثار عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون التراويح عشرين ركعة ، وبعضهم يزيد عليها .\r(7) انظر المجموع (3/527) ، المغني لابن قدامة (1/798) ، منح الجليل للشيخ عليش (1/143) وقال : \" وهي ثلاث وعشرون ركعة بالشفع والوتر وهذا الذي جرى عمل الصحابة والتابعين ، ثم جعلت ستاً وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر واستقر العمل على الأول \" اهـ ملخصاً .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"(8) رأي المذاهب الأربعة : انظر في هذا : المجموع للنووي (3/527) ، والمغني لابن قدامة (1/798-799) ، وفيه قال : \" والمختار عند أبي عبد الله - ( أحمد ) - رحمه الله فيها عشرون ركعة ، وبهذا قال الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وقال مالك : ست وثلاثون ركعة ، وزعم أنه الأمر القديم ، وتعلق بفعل أهل المدينة ... ، ولنا أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب وكان يصلي بهم عشرين ركعة ، وقد روى الحسن \" أن عمر جمع الناس على أُبي بن كعب ، فكان يصلي لهم عشرين ليلة ، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي ، فإذا كانت العشر الأواخر تخلف أُبي فصلى في بيته فكانوا يقولون : أَبَقَ أُبي \" رواه أبو داود ، ورواه السائب بن يزيد ، وروى عنه من طُرُقٍ .\rوروى مالك عن يزيد بن رومان قال : \" كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة \" . وعن علي أنه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة . وهذا كالإجماع ...\rثم لو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر وأجمع عليه الصحابة في عصره أولى بالاتباع ، قال بعض أهل العلم : إنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة ، فإنَّ أهل مكة يطوفون سبعاً بين كل ترويحتين ، فجعل أهل المدينة مكان كل سَبْعٍ أربع ركعات ، وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوْلى وأحَقُّ أن يتبع \" اهـ ملخصاً .\r(9) انظر المجموع (3/527) .\r(10) انظر المجموع (3/527) ، المغني لابن قدامة (1/798)، بدائع الصنائع (1/288) ، بلغة السالك (1/136) منح الجليل (1/143) .\r(11) رواه أبو داود (4607) واللفظ له ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، ورواه الترمذي (2678) ، وابن ماجه في مقدمة السنن (42) ، وأحمد في مسنده (4/126 ، 127) .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ملحق\rالاعتكاف\rتعريفه :\rالاعتكاف لغة :\rاللبث والحبس والملازمة على الشيء خيراً كان أو شراً(1) .\rومنه قوله تعالى :{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}( البقرة : 178 )، وقوله تعالى : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون }( الأنبياء: 52) .\rالاعتكاف شرعاً :\rاللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية(2) .\rدليل مشروعيته :\rاتفق الفقهاء على أن الاعتكاف مشروع ، وأنه قربة ، وهو مستحب في كل وقت ، وفي العشر الأواخر من رمضان أشد استحباباً ، وذلك لطلب ليلة القدر .\rوالأصل فيه من القرآن ، قوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } ( البقرة : 187) .\rومن السنة : ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ، ثم اعتكف أزواجه من بعده ))(3) .\rوالاعتكاف من الشرائع القديمة التي كانت معروفة قبل الإسلام ، قال الله تعالى :\r{ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طَهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والرُّكع السجود } ( البقرة : 125) .\rالحكمة من الاعتكاف :\rللاعتكاف حِكَم وفوائد كثيرة ، منها : كف النفس عن شهواتها ، والتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى خصوصاً في رمضان ، فهو يكمل ما قد يفوت الصائم من جمع القلب ، وهدوء النفس ، والتعالي بها عن الآثام ، قال الله تعالى : { إن النفس لأمارة بالسوء إلاّ ما رحم ربِّي } ( يوسف 53) .\rقال العلامة الدهلوي في \" حجة الله البالغة \" :\r\" ولما كان الاعتكاف سبباً لجمع الخاطر ، وصفاء القلب والتفرغ للطاعة ، والتشبه بالملائكة ، والتعرض لوجدان ليلة القدر ، اختاره النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر ، وسنَّه للمحسنين من أمته \" (4) .\r---------------- هوامش\r(1) انظر مغني المحتاج (1/449) .\r(2) انظر مغني المحتاج (1/ 449) .\r(3) رواه البخاري في صحيحه (1922) ، ومسلم في صحيحه رقم (1172) .\r(4) حجة الله البالغة للدهلوي (2/55-56) .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"مذاهب الأئمة الأربعة في بعض مسائله :\rولا يصح الاعتكاف إلا بمسجد عند مالك والشافعي ، والجامع أفضل وأولى ، وقال أبو حنيفة : لا يصح اعتكاف الرجل إلا بمسجد تقام فيه الجماعة ، وقال أحمد : لا يصح الاعتكاف إلا بمسجد تقام فيه الجمعة .\rواتفق الفقهاء على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بالنية ، وهل من واجبات الاعتكاف الصوم ؟ :\rاختلف فيه : فمذهب الشافعي الجواز بغير صوم ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وعن أبي حنيفة ومالك المنع ، وهي الرواية الثانية عن أحمد .\rوليس له عند الشافعي زمان مقدر ، وهو المشهور عن أحمد ، وعن أبي حنيفة روايتان : إحداهما يجوز بعض يوم ، والثانية لا يجوز أقل من يوم ، وهذا مذهب مالك .\rواتفقوا على أن من نوى اعتكاف يوم بعينه دون ليلته أنه يصحُّ إلا مالكاً ، فإنه قال : لا يصح حتى يضيف الليلة إلى اليوم (1) .\rشروط الاعتكاف ومبطلاته :\rوقد أجمل العلامة ابن النقيب المصري في \" عمدة السالك \" الكلام في شروط الاعتكاف ومبطلاته فقال ( مع زيادات من شارحه ) :\r\" وأقل الاعتكاف لُبْثٌ - أي مكث واستمرار - وإن قل زمنه بِشَرْطِ النية - لأنه عبادة فافتقر إلى النية : وبشرط زيادته على أقل الطمأنينة ، وبشرط كونه - أي المعتكف - مسلماً ، عاقلاً ، صاحياً - فلا يصح من مغمى عليه - خالياً من الحدث الأكبر ، وفي المسجد ولو متردداً في جوانبه ، ولا يكفي مجرد المرور ، والأفضل كونه بصوم وفي المسجد الجامع - الذي تُصَلَّى فيه الجمعة - وأن لا ينقص عن يوم .\rولو نَذَرَ الاعتكاف في المسجد الحرام أو في المسجد الأقصى أو مسجد المدينة تعيَّن ، لكن يُجْزِيءُ المسجد الحرام عنهما بخلاف العكس ، ويجزيء مسجد المدينة عن الأقصى بخلاف العكس ، ولو عيَّن مسجداً غير ذلك لم يتعين ، فيجوز الاعتكاف في غيره ، لأن كل المساجد غير الثلاثة مستوية في الفضيلة الذاتية .\rويفسد الاعتكاف بالجماع وبالإنزال للمني عن مباشرة بشهوة ، وإن نذر مدة متتابعة كأن نذر أن يعتكف أسبوعاً متوالياً لزمه الاعتكاف مع التتابع ، فإن خرج في أثناء تلك المدة لما لا بدّ منه للإنسان كأكل وإن أمكن في المسجد لأنه يستحى منه فيه ، وشُرْبٍ إن لم يمكن فيه - أي المسجد - وقضاء حاجة الإنسان والمرض الذي يُخشى منه تلويث المسجد والحيض ونحو ذلك لم يبطل الاعتكاف المنذور التتابع بالخروج في هذه الصور .\rوإن خرج المعتكف المذكور من المسجد لزيارة مريض أو صلاة جنازة أو صلاة جمعة بطل اعتكافه المنذور تتابعه ، وإن خرج لما لا بد منه كالأكل فسأل عن المريض وهو مَارٌّ ولم يعرِّج - أي لم يتحول عن طريقه - جاز له السؤال ، وإن عرَّج لأجله - أي السؤال - بطل اعتكافه ، وتحرم المباشرة بشهوة ، ويحرم الاعتكاف على الزوجة دون إذن زوج \" انتهى ملخصاً مع زيادات من شارحه(2) .\r---------------- هوامش\r(1) انظر رحمة الأمة (ص 203-204) ، ومدارك المرام (ص100) .\r(2) انظر أنوار السالك شرح عمدة السالك لابن النقيب شرح العلامة الغمراوي (ص226-228) .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ليلة القدر :\rلقد عظم الله تعالى شأن ليلة القدر بقوله تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ، سلام هي حتى مطلع الفجر }(سورة القدر) ، ويعني بالمنزل القرآن .\rوسميت بهذا الاسم إما لأن قدرها عند الله عظيم ، أو لأن الله تعالى يقدر فيها ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله ، أو لأن الأرزاق فيها تقدر أي تُعَيَّن وتُقْسَم(1) .\rوقوله سبحانه وتعالى : { ليلة القدر خير من ألف شهر } يفيد أن الطاعة والعبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، وألف شهر يساوي (83) سنة ، و (4) أشهر .\rوقتها :\rقال الإمام النووي : \" وليلة القدر أفضل ليالي السنة ، خصّ الله تعالى بها هذه الأمة ، وهي باقية إلي يوم القيامة ، ومذهب جمهور العلماء أنها في العشر الأواخر من رمضان ، وفي أوتارها أرجى ، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين ، وقال في موضع : إلى ثلاث وعشرين ، وقال ابن خزيمة من أصحابنا : هي ليلة منتقلة في ليالي العشر ، تنتقل كل سنة إلى ليلة جمعاً بين الأخبار .\rقلت : وهذا منقول عن المزني أيضاً ، وهو قوي ، ومذهب الشافعي : أنها تلزم ليلة بعينها ، والله أعلم \" انتهى(2) .\rوالذي قاله الأكثرون أن ميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين لاغير ، وفي القديم أرجاها ليلة إحدى أو ثلاث أو سبع وعشرين ، ثم بقية الأوتار ، ثم ليلة أشفاع العشر الأواخر .\rوقال ابن عمر وجماعة : إنها في جميع الشهر ، وخصَّها بعض العلماء بأوتار العشر الأواخر ، وهو قول مالك من غير تعيين ليلة ، وبعضهم بأشفاعه .\rوقال ابن عباس وأُبي : هي ليلة سبع وعشرين ، وهو قول أحمد ، وهو مذهب أكثر أهل العلم(3) .\rوالسبب في إبهامها على الناس أن يكثر اجتهادهم بالعبادة والطاعة في كل الليالي ويطلبونها في جميعها ، ولو أنها كانت محددة الوقت لأحياها الناس وحدها وتركوا غيرها من الليالي .\rومن علاماتها أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة ، وتطلع الشمس في صبيحتها بيضاء ليس فيها كثير شعاع ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة القدر قال : (( ليلة طلقة لا حارة ولا باردة ، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة ))رواه ابن خزيمة وغيره(4) .\rقيامها والدعاء فيها :\rيستحب قيامها وإحياؤها بالصلاة والدعاء ونحوهما ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه (5) ، ويستحب أن يكثر في ليلتها من قو ل : اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني ، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : (( قولي اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني )) رواه الترمذي وقال : \" حسن صحيح \"(6) .\rوفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله ))(7) .\rقال الإمام عبد الله بن علوي الحداد في كتابه \" النصائح الدينية \" :\r\" وينبغي للمؤمن الفَطِن أن يكون في كل ليلة من ليالي رمضان مستعداً لليلة القدر ومستيقظاً لها ، ومداوماً على العمل الصالح ، فإن المقصود الذي عليه المعوّل : أن تأتي عليه ليلة القدر وهو مستغرق بالعمل الصالح ، ذاكراً لله تعالى ، غير غافلٍ ولاسَاهٍ ولا لاَهٍ ، وسواء بعد ذلك رأى ليلة القدر أو لم يرها ، فإن العامل فيها بطاعة الله يكون عمله فيها خيراً من عمله في ألف شهر علم بها أو لم يعلم .\rوإنما قلنا : إنه ينبغي أن يتنبَّه لليلة القدر ويستعد لها في كل ليلة من هذا الشهر لكثرة ما وقع بين العلماء من الخلاف في تعيينها ، وأنها أيّ الليلة هي ؟ حتى قال بعضهم : إنها مبهمة في جميع ليالي الشهر ، وقال بعضهم : إنها متنقلة في لياليه ، وليست ليلة بعينها .\rقلت : وأجدني أميل إلى هذا القول ، وأرى أنها قد تكون في غير العشر الأواخر ، وإن كان وقوعها فيها هو الأكثر ، وعليه جمهور العلماء ، أعني أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان \"(8) انتهى .\r-------------------- هوامش\r(1) انظر مدارك المرام للقسطلاني (ص 101-102) .\r(2) روضة الطالبين للإمام النووي (2/389) .\r(3) انظر مغني المحتاج (1/450) ، رحمة الأمة ( ص 203) .\r(4) رواه ابن خزيمة في صحيحه (3/331) ، وأبو داود الطيالسي (2680)، والبزار( كشف الأستار 1034).\r(5) تقدم عزوه .\r(6) رواه الترمذي في سننه (9/495 تحفة الأحوذي ) .\r(7) رواه البخاري في صحيحه رقم (1920) ، ومسلم في صحيحه برقم (1174) .\r(8) النصائح الدينية للإمام الحداد ( ص 142-143) .","part":1,"page":43}],"titles":[{"id":1,"title":"الوجيز في أحكام الصيام","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"ترجمة المؤلف:","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"اسمه ومولده :","lvl":2,"sub":1},{"id":3,"title":"مشايخه :","lvl":2,"sub":2},{"id":3,"title":"حياته العلمية والعملية :","lvl":2,"sub":3},{"id":4,"title":"من أهم أعماله :","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"مؤلفاته :","lvl":2,"sub":1},{"id":6,"title":"وفاته :","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":15,"title":"رمضان والصيام","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"فضل صيام رمضان وقيامه","lvl":1,"sub":0},{"id":18,"title":"الصيام والقرآن يشفعان","lvl":1,"sub":0},{"id":19,"title":"الترغيب في تفطير الصائمين وما ورد في الدعاء لفاعله","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"التحذير مما يؤثر على ثواب الصائمين","lvl":1,"sub":0},{"id":21,"title":"حقيقة الصيام","lvl":1,"sub":0},{"id":24,"title":"النية في الصيام","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"التخفيف عمن أكل ناسيا","lvl":1,"sub":0},{"id":26,"title":"شرائط الصوم","lvl":1,"sub":0},{"id":27,"title":"القيء للصائم","lvl":1,"sub":0},{"id":28,"title":"الصوم مع الجنابة","lvl":1,"sub":0},{"id":29,"title":"المضمضة والاستنشاق للصائم","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"الرخصة في الإفطار للمسافر والمريض والمرضع والحامل","lvl":1,"sub":0},{"id":33,"title":"وجوب قضاء الفائت من رمضان قبل حلول رمضان آخر","lvl":1,"sub":0},{"id":34,"title":"القضاء عن الميت","lvl":1,"sub":0},{"id":35,"title":"قيام رمضان","lvl":1,"sub":0},{"id":44,"title":"ملحق","lvl":1,"sub":0}]}