{"pages":[{"id":1,"text":"سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة\rللعلامة المحدث\rالسيد محمد بن مقبول الأهدل الحسيني الشافعي رحمه الله\r\rقدمها وعلق عليها:\rأبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق\rخادم علم الحديث الشريف","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى.\rوبعد: كثر اللغط في هذه الأيام، حول رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، وزعم زاعمون أنه ممنوع وأنه بدعة، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.\rوقد صليت المغرب في بعض المساجد، ولما خرجت إلى الطريق، سألني شاب قائلا: هل تجوز الصلاة خلف هذا الإمام؟ قلت: ولم لا تجوز؟ قال: لأنه مبتدع، قلت: وما بدعته؟ قال: يرفع يديه في الدعاء بعد الصلاة فأفهمته خطأه، وبينت له الصواب، وتكرر هذا السؤال من غيره، وتكرر الجواب، ثم رأيت أن أنشر رسالة في هذا الموضوع كتبها العلامة المحدث السيد محمد بن مقبول الأهدل الحسيني الشافعي، رحمه الله، فحققتها وصدرتها بهذا التقديم الذي قررت فيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة، بأدلة وقواعد أصولية، لتخرس ألسنة تجرأت على القول في الدين بغير علم، ولتهتدي قلوب ضلت بتقليد اولئك المجترئين.\rوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.\r-[1]-","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"حرمة الشىء أو كراهته، تستفاد من النهي عنه. فقد تقرر في علم الأصول: أن النهي إذا كان جزمًا أفاد الحرمة وإذا كان غير جازم أفاد الكراهة.\rمثال نهي التحريم: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب}.\rومقال نهي الكراهة: \"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين\".\rويستفاد التحريم أيضًا: من هذه المادة نفسها نحو: \"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن\".\rومن لفظ الإثم والفسق ونحوهما كما بينته بأمثلته في كتاب تنوير البصيرة ببيان علامات الكبيرة.\rورفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة لم يرد نهي عنه، فليس هو بحرام ولا مكروه.\r-[2]","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ترك الشىء لا يدل على منعه، لأنه ليس بنهي، والله تعالى يقول: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ولم يقل: وما تركه فانتهوا عنه.\rألا ترى إلى الجمعة، لم تتعدد في العهد النبوي، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العوالي بإقامتها عندهم، مع بعد المسافة بينهم وبين المسجد النبوي، وهي متعددة الآن ولم يقل أحد: أن تعددها حرام، أو بدعة لأنه لم يرد نهي عنه، فترك النبي صلى الله عليه وسلم لرفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة -إن صح- لا يفيد حرمته ولا كراهته.\r-[3]-","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"تقرر في الأصول: أن الآية أو الحديث إذا شملت بعمومها أمرًا دل على مشروعيته.\rوحديث: \"إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا خاليتين\" يشمل بعمومه رفع اليدين بعد الصلاة فيكون مشروعًا، ولا يجوز أن يسمى بدعة أبدًا بحال.\rويؤيده حديث ءاخر عام أيضا، وهو ما رواه الطبراني عن سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما رفع قوم أكفهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئا إلا كان على الله حقا أن يضع أيديهم الذي سألوا\" قال الحافظ الهيثمي، رجاله رجال الصحيح، فرفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة مشروع بعموم هذين الحديثين الصحيحين حتمًا.\r-[4]-","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"هؤلاء الذين لا يكتفون في المسئلة بدليل يشملها بعمومه، ويطلبون دليلاً خاصًا بها، يلزمهم خطر عظيم في الدين، قد يؤدي بهم إلى الكفر وهم لا يشعرون. لأنه لو كانت كل حادثة يشترط في مشروعيتها، ونفي وصف البدعة عنها، ورود دليل خاص يعينها، لتعطلت عمومات الكتاب والسنة وبطل الاحتجاج بها، وذلك هدم لمعظم دلائل الشريعة، وتضييق لدائرة الأحكام ويلزم على ذلك أن تكون الشريعة غير وافية بأحكام ما يحدث من حوادث على امتداد الزمان، وهذه لوازم قد تؤدي إلى نقص في قدر الشريعة والنيل منها وهو كفر بواح.\r-[5]-","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"ومع تمسكنا بحجية الدليل العام لمسئلتنا، عملاً بإجماع الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين نذكر دليلا خاصًا بها يكون شجي في حلوق المتنطعين، وقذى في عيونهم وهو ما رواه الطبراني عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير، ورأى رجلا رافعا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته، قال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات، [مجمع الزوائد] [ج: 10، ص: 169].\rوروى الطبراني أيضا عن أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها\".\rقال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطي، وهو ثقة.\rوروى الطبراني أيضا عن خالد بن الوليد: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيق مسكنه، فقال: \"ارفع يديك إلى السماء وسل السعة\" إسناده حسن.\rوروى الطبراني أيضًا عن خلاد بن السائب عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع راحتيه إلى وجهه. وروى أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله تعالى حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شىء\" فهذه الأحاديث تشمل بعمومها رفع اليدين بعد الصلاة جزما، ولا عبرة بخلاف المتنطعين المتزمتين.\rوليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلافًا له حفظ من النظرِ\rوللحافظ السيوطي جزء سماه [فض الوعاء عن أحاديث رفع اليدين في الدعاء] ذكر فيه مائة حديث، وهذا عدد التواتر على جميع الأقوال المذكورة في كتب الأصول والمصطلح، ومما ذكره فيه: ما رواه ابن أبي شيبة عن الأسود العامري عن أبيه، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سلم، انحرف ورفع يديه ودعا. والأسود هو عبد الله ابن الحاجب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي محله الصدق [في تهذيب التهذيب] [ج: 1، ص: 341] وأبوه صحابي.\r-[6]-","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"مما هو معلوم بالضرورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات، بل اكتفى بالارشاد إليها في عموم الايات والأحاديث الدالة على فعل الخير، والمرغبة فيه لاشتغاله بواجبات عظام، استغرقت معظم وقته، وهي واجبات كونه رسولا، وخليفه وقاضيًا، ومفتيًا. فكيف يتفرغ بعد هذا ليستوعب المندوبات كلها عملا؟ هذا محال، لا تستطيعه طاقة بشر، فالتعلل في رفض بعض المندوبات بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، سد لأبواب كثيرة من الخير، وحرمان لتاركها من تحصيل ثوابها.\r-[7]-","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"قال علماء الأصول: السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولم يقولوا: وتروكه، لأن الترك ليس بحكم شرعي، ولا أثر له في التشريع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر [فأتوا] منه استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه، ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه، لما تقدم بيانه.\rفترك الشىء لا يدل على منعه، وإنما يدل على جواز تركه فقط.\rفالنبي صلى الله عليه وسلم حين ترك صلاة الضحى، دل تركه لها على أنها جائزة إذ لو كانت واجبة، ما تركها وكذلك تركه رفع يديه في الدعاء أحيانا، يدل على جواز تركه، لا على أنه ممنوع والله هو الموفق والهادي.\rأبو الفضل\rعبد الله بن الصديق.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"سنية رفع اليدين في الدعاء\rبعد الصلوات المكتوبة لمن شاء\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسئل السيد العلامة محمد بن عبد الله الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل الزبيدي اليماني رحمه الله تعالى: هل يسن رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة؟ وهل ورد من الأحاديث في ذلك ما تقوم به الحجة خصوصا أو عموما؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا جزاكم الله الجنة وأعظم لكم المنة ءامين.\rفأجاب بقوله: اعلم وفقني الله وإياك بأن رفع اليدين في الدعاء -أي دعاء وفي أي وقت كان- بعد الصلوات الخمس أو غيرها دلت عليه الأحاديث خصوصًا وعمومًا. فمن العموم ما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان قال:\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفر خائبتين\". وأخرج الحاكم وقال: صحيح الاسناد من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله رحيم كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا\". وأخرج أحمد وأبو داود من حديث مالك بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها\". وأخرج أيضا من حديث ابن عباس نحوه، وزاد فيه: \"فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم\". وأخرج الترمذي من حديث عمر بن الخطاب قال: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه\".","part":1,"page":8},{"id":11,"text":"وقال في فتح الباري في كتاب الدعوات في باب رفع اليدين في الدعاء:\rوقد وردت الأخبار في مشروعية الرفع. وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث سلمان رفعه: \"إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا\". بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية، وسنده جيد انتهى.\rومن الخصوص ما رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن اسحاق المعروف بابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة، حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا اسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد سبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول اللهم إلهي وإله ابراهيم واسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر، وتعصمني في ديني فاني مبتلى، وتنالني برحمتك فإني مذنب، وتنفي عني الفقر فإني متمسكن، إلا كان حقًا على الله أن لا يرد يديه خائبتين\". وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن، فيه مقال.","part":1,"page":8},{"id":12,"text":"وصريح في ميزان الاعتدال وغيره بأنه حديث ضعيف لكنه يعمل به في الفضائل كما سيأتي تحقيق ذلك. وقد صرح الكمال بن الهمام في فتح القدير في كتاب الجنائز بأن الاستحباب يثبت بالحديث الضعيف غير الموضوع انتهى.\rويقويه ما أخرجه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن الأسود العامري عن أبيه، قال: \"صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا..\" الحديث ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار. وقال الحافظ السيوطي في رسالته المسماة فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء، أخرج ابن أبي شيبة قال، حدثنا محمد بن أبي يحيى الأسلمي قال: \"رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته\" رجاله ثقات انتهى \"هذا الحديث ترجم له الطبراني بقوله: محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير\".\rوقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: إن الترمذي حسن أحاديث فيها ضعفاء، وفيها من رواية المدلسين ومن كثر غلطه وغير ذلك فكيف يعمل يتحسينه وهو بهذه الصفة. وقد قال الخطيب أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في بيان الوهم والإيهام بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أوموافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرءان. وهذا حسن قوي ما أظن منصفا يأباه انتهى.","part":1,"page":8},{"id":13,"text":"وقال الإمام النووي في الأربعين: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.\rقال العلامة ابراهيم الشبرخيتي المالكي في شرحه قوله: وقد اتفق العلماء إلخ في ذكر الاتفاق نظر، لأن ابن العربي قال: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا. قال المؤلف في الأذكار: وذكر الفقهاء والمحدثون أنه يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا. وأما الأحكام كالحلال والحرام والمعاملات فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع والأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عن ذلك ولكن لا يجب، ومحل كونه لا يعمل بالضعيف في الأحكام ما لم يكن [تلقاه] الناس بالقبول، فإن كان كذلك تعين وصار حجة يعمل به في الأحكام وغيرها كما قال الشافعي.\rوقال ابن حجر المكي في شرحه فتح المبين على الأربعين: أشار المصنف بحكاية الاتفاق على ما ذكره إلى الرد على ما نازع فيه بأن الفضائل إنما تتلقى من الشارع فإثباتها بما ذكر اختراع عبادة وشرع في الدين بما لم يأذن به الله، ووجه رده أن الإجماع لكونه قطعيًا تارة وظنيًا قويًا أخرى، لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جاب، فكيف وجوابه واضح إذ ليس ذلك من باب الاختراع والشرع المذكورين، وإنما هو من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بأمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه.\rفعرفت من مجموع ما نقلناه من كلام الحفاظ النقاد والفقهاء المحققين الأمجاد: أن الحديث الضعيف يثبت به الاستحباب، وفيما نحن فيه من ذلك وأن عموم الأحاديث المطلقة تقوي ذلك.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم.","part":1,"page":8}],"titles":[{"id":1,"title":"سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة","lvl":1,"sub":0},{"id":10,"title":"سنية رفع اليدين في الدعاء","lvl":1,"sub":0}]}