{"pages":[{"id":1,"text":"تأييد الصوفيية\rفي\rالمجموعة الحاتمية\rترجمة الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي\rعلومه - مؤلفاته - سلوكه - الدفاع عن الغريب من كلامه –\rوصاياه ( رضي الله عنه ) .\rجمع الفقير\rمحمد ابراهيم محمد سالم\rمكتبة\rIslam_Light\rبيان وتوجيه ضروري\rهذا الكتاب توفيق إلهي في جمعه وترتيبه . وأؤكد أنه لولا تعلقه الروحي بمن ألف فيه ما ظهر . وهذا سر خاص في طريقتنا .\rمادة مادة الكتاب من مدد صاحب الكتاب هذا إحساسي الكامل قبل وأثناء وبعد جمعه .\rهذا الكتاب يعتبر قوة كبيرة تضم إلى الكتاب المنشور قبله بعنوان :\r\" كفاية المصنف في فهم التصوف للفقير \"\rفهما تأييد وتخليد لذكرى المدد الصوفي .\rفي حسابي أن يقع الكتاب في يد غير أهله لضرورة النشر . وأنأكد أنه لا بد أن يفيد من يقع في يده علم أو لم يعلم .\rلا بد من التهيؤ الكامل لدراسة مادة الكتاب فصلاً فصلاً وفقرة فقرة فهو ذخيرة الصادقين الصابرين المحبين أصحابه الوجهة الفريدة في تلخيص التوحيد .\rيغني هذا الكتاب بمقدار كبير في الوقوف على كتب الشيخ الأكبر رضي الله عنه ، فهو نفحة كبرى لمن ينتبه لهذا المشرب الذي يحويه .\rوعلى كل حال فالسرعة السرعة والإنتباه الإنتباه لمن لا غنى عنه ولا مرد إلا إليه مع الأنفاس .\rالأمانة ضرورية في حفظ هذا الكتاب فخطأ كبير ممن يشتريه أن يعرضه لغير المثقفين المؤهلين علمياً ولغة وتديناً واعتقاداً وحباً في الصالحين .\rربما تكرر بعض الفقرات لحاجة فصول الكتاب إليها .\r10 – أعتذر إذا جاء في بعض ألفاظ الآيات القرآنية مخالفة للرسم العثماني .\r11- صحح الكتاب بقد الاستطاعة . وإذا وجدت أخطاء فلا تخفى عن المطلع المثقف وخصوصاً همزات القطع التي وضعت على ألفات الوصل .\rالفقير\rمحمد إبراهيم محمد سالم\rبسم الله الرحمن الرحيم","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"الحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده . والصلاة والسلام على سيدنا محمد الإمام الأعظم البالغ في العلم بربه رتبة الكمال وعلى آله وصحبه أجمعين .\r\" أما بعد \" .\rفإن أشرف ما يتحلى به العبد المؤمن علم يورثه الخشية ويوفقه على معنى عبوديته ويحققه بالاستمرار عليها والاستزادة منها .\rوقد أكرم المتفضل جل شأنه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الاختصاص العلمي الشريف فجعل تاج معجزاته القرآن العظيم جامع الأسرار الإلهية والأنوار الكونية (( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )) .\rكما تفضل عليه مولاه الكريم فآتاه جوامع الكلم وعلمه علوم الأولين والآخرين وحباه بجواهر الاحاديث الشريفة المفصلة لكلام رب العالمين والموضحة طريق السير للمكلفين { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } .\rوعلى ضوء هذه الأنوار المحمدية الأصلية استنبط الأئمة المجتهدون فروع الأحكام الشرعية اللازمة لمصالح المكلفين والمثبتة لقواعد العمل بالدين .\rوقد أقر صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الاجتهاد وبين أن أصحابهمأجورورن وهم ورثة الأنبياء وحفظة الدين ورحمة الأمة في سائر الأزمان المتجددة والأحوال المتعددة تبعاً للسنة الإلهية الجارية بالتغيير والتبديل والإيجاد والإعدام .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وإلى جانب أئمة التشريع قام أئمة السلوك والعمل لما مست الحاجة لذلك بسبب اتساع الدنيا وضعف العزائم وتعدد الآراء ومتابعة الأهواء . فعمل هؤلاء أولاً على إصلاح نفوسهم بإلزامها طريق نبيهم وأصحابه من حضور مع المولى وتحقق بالأخلاق الكريمة ونظر معتدل للمطلوب من الدنيا ومعرفة بما خلق من أجله الإنسان فأنتج لهم هذا السلوك أحوالاً شريفة وعلوما منيفة استحقوا أن يكونوا بسببها مرشدين لطالبي طريق الحق الناظرين لأشرف المطالب وأسمى الرغائب – وليس هؤلاء الأفاضل على منهاج في علومهم الشرعية وأعمالهم التهذيبية يخالف ما هو مقرر في الشريعة الغراء بل هو نفس الطريق لكل صادق في عبادة مولاه ومحبته ومعرفته يعرف هذا المتتبع لأحوال الناس في العصور التي ظهر فيها هؤلاء الأئمة ويلمسه أيضاً من أنصف في فهم أحوالهم وعلومهم .\rثم إن هؤلاء السادة اختلفت أحوالهم في إظهار علومهم والانتفاع بها فمنهم المقل ومنهم المكثر بحسب ما أراد منهم ربهم لعدم تخلص الاختيار النفسي لهم وهو شأن الصادقين – ومنهم من نطق بما فتح الله عليه به لينتفع به السامع ويصل إلى صاحب النصيب في الانتفاع به قدر له على يد هذا المستمع .\rغير أن تفاوت استعدادات الخلق وتفاضل ملكاتهم ومواهبهم العقلية نوع الحكم على علوم هؤلاء السادة فقوبلت بالتسليم من البعض وبالعمل عليها والارتشاف منها من لابعض وبالاعتراض عليها من ابعض وتلك سنة الله في خلقه .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"والصادق المتمكن من حاله غائب في مطلوبه وطريقه عن هذه المقاييس متابع سيره في سبيله الممتد ناظر دائماً في أفقه الواسع لا يلوي على شيء لغيابه عن كل شيء فالله كافيه وهو حسبه ومتوليه – ومن أظهر هؤلاء الأئمة سيدي محي الدين بن العربي الحاتمي رضي الله عنه تجاسرت مستعيناً بالله وملتمساً بركاتهم على جمع هذا الكتاب في مناقبه وأحواله وعلومه وغير ذلك مما يحتاجه المحب للوقوف على مشرب الصوفية عموماً وعلى أحوال هذا السير خصوصاً إذ هو رضي الله عنه بين هؤلاء السادة علم شهير وكوكب منير وفي تقرير علومه وإيراد البعض منها كشف نقاب الجهل بقدرها وسلامة أذواقها وصحة أهدافها وفيه أيضاً نفع كثر لأصحاب المطالب العالية والأرواح السامية فيسيرون على ضوئها ويتقدمون بتأييدها ويستفتحون بها أبواب الوصول إلى المولى الجليل والتحقق بالعبودية الخالصة لوجهه الكريم المؤسسة على قواعد الاتباع للتشريع المحمدي الحكيم والله الموفق وهو المعين .\rمقدمة\rلا بد لطالب النظر في أحوال وعلوم الصوفية عموماً وسيدي محيي الدين خصوصاً من عقيدة سليمة فطرية مؤهلة له للوقوف على باب مولاه خدمة ومحبة وعرفاناً ومحصلة لديه التعلق الشديد بمحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ةالاتباع لشرعه ومع هذه العقيدة ارتياح للاستزادة من القربات والطاعات وقلق ونفور من الشواغل الدنيوية الواقفة في سبيل السير إلى المطلوب الواحد جل شأنه وعظم قدره ويحتاج هذا الناظر وطالب الانتفاع بهذه العلوم أيضاً إلى اعتقاده أنه لا فرق بين الصوفية وسائر الأتباع المحمديين . وعليه الصدق والاستمرار في الطلب مع مجاهدة النفس أخلاقياً وبدنياً وفقاً لقواعد الدين التي فهمها أهل الصدق في استخلاص الأحكام والأذواق الشرعية وخصوصاً في التمييز بين ما يلزم كل موطن وزمان وحال شخصي من أحكام وتوجيهات ومراسم للسير عليها .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وعلى هذا الطالب أيضاً أن يتنازل بقدر الاستطاعة عن محاولة فهم مرامي هذه العلوم بقوة التفكير واستقلال العقل وإخضاعه إياها للموازين اللغوية والاصطلاحية بل عليه والأولى به بعد تسليمه الكامل لأحوالهم وعلومهم وداوم المتابعة الفعلية لهم أن يجعل اطلاعه على هذه العلوم زاداً لروحه ومصباحاً منيراً لطريقه فما وصل إليه فهمه واطمأن إليه قلبه وانتعش بسببه حاله عكف عليه واستزاد منه وما لم يصل إلأيه فهمه ولم يحصل له به ترق مر عليه مرور الكرام غير محاول فتق رتقه بالتعمل الفكري والبحث النظري بل انتفاعه وترقيه بهذا النوع هو في تسليمه لأصحابه مع دوام السير الفعلي في هذا الطريق بما يناسبه من أعمال وعادات وأخلاق ووظائف عبادات حتى يتيسر بفضل الله ذوق هذا الغريب وتحصل الراحة إلى هذه المشارب فيتحقق المطلوب .\rومما يلزم طالب الانتفاع بهذه العلوم أيضاً أن يضيف إلى علمه علوماً للتشويق إلى أحوال الرجال وعليه التدرج في هذا الاطلاع العلمي بمباشرة علوم السلوك أولاً ومن أهمها كتب سيدي عبد الوهاب الشعراني كالطبقات الكبرى له رضي الله عنه ففيها تراجم بعض الرجال وبعض علومهم وأحوالهم وكالمنن وتنبيه المغتربين ومن الكتب النافعة أيضاً في سير الطالب وترقيه كتب سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري كالحكم وشروحها والصادق في طلب الشيء يتيسر له حصوله وتتفتح أمامه الأبواب التي لا ينتظرها . فيهدي بعد ذلك لأنواع الأذواق والعلوم التي يباشرها ويكون من ورائها حصوله على مطلوبه والله الموفق والهادي .\rومن اللازم أيضاً لطالب الانتفاع بأحوال وعلوم الصوفية فهم حقيقة خاصة وهي أن المتصوفة لهم حالهم وعلومهم وكتبهم الخاصة بهم التي لا مناسبة بينها بالأصالة وبين كتب الفلاسفة بل ولا يطعم محب الصوفية إطلاق لفظ الفيلسوف على الصوفي وإن كان له معنى سليماً .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ويلزم الطالب السائر أيضاً أن لا يطمع في الاستزادة من علوم الصوفية بداعية التحصيل والثقافة المجردة عن الحال وصفاء الروح وما يسلك به مسالك القرب ومسالك الصالحين فعلاً .\rوالأمر الهام المرجو ملاحظته لحصول المراد من قراءة كتب الصوفية هو استحضار السالك دائماً ما عليه حال الصوفية وعلمهم ومعاملتهم من تنوع سليم مناسب للمواطن والأحوال التي يقيمهم الحق فيها فإن لكل مقاماٌ مقالاً والذائق صاحب الحال الخاص يتكلم ويجري في أموره بحسب ما عنده في خاصة نفسه والعارف المحقق تتفتح له الفهوم الكثيرة في الأمر الواحد والمعاني الكثيرة في اللفظ الواحد والآية الواحدة والحديث الواحد مع عدم الخروج عن الحق والصواب في كل هذه الفهوم لا سيما والحدود الظاهرة للغوية والاصطلاحية والعقلية تساعد العموم على هذا التعدد فما بالك بمن يلهمهم الحق ويجعل لهم الفرقان في الأشياء ويمنحهم من لدنه علما { يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } ويقول جل شأنه : { واتقوا الله ويعلمكم الله } وفي الأثر { من يرد الله به خيراً يفقه في الدين } .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"فلهذا الاتساع في العلم وتعدد وجوه الفهم تجد في كتب سيدي محيي الدين أقوالاً مختلفة في تحقيق الأمر الواحد وقد يلوح للآخذ بالظاهر أنها متضادة والحق أن سبب ذلك هو هذا الاتساع والتنوع في الواردات الإلهية واحتمال هذه الأقوال لهذا التعدد بحسب المقامات التي يحقق فيها الشيخ هذا الأمر – ولهذا المعنى كان تلميذ الشيخ وهو الصدر القونوي ينبه بضرورة الالتقاء بمن يريد الاطلاع على كتب الشيخ ليقف معه على اللازم أساساً لهذا الاطلاع وهو فهم مقام الشيخ واتساعه العلمي والمهم الذي أريد لفت النظر إليه من هذه الواردات المتنوعة ما قد يظنه العابر مساً بالشئون الإلهية وهو ما يعبر عنه بالشطح أو القول بالحلول والاتحاد وغير ذلك مما يؤخذ على أهل هذا الشأن فمثل هذه التحقيقات تحتاج عدم التسرع في الحكم عليها بالرفض والخروج حتى يظهر بعد المتابعة والسلوك معناه ويتبين مرماها .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"ويوضح ذلك ويؤيده كون المنسوب إليه هذا الخروج مفطور على لإيمان الصحيح والأدب العام والخاص ومحافظ حال صحوه على الحدود الشرعية بل ويحفظ في غيبته كما أثر على سيدنا الشبلي صحوة عند حلوا أوقات الفرائض وأثر سيدنا صاحب الترجمة تأديته الفرائض في أوقاتها إمامً بالناس بدون ظهور صحو خاص عليه بل ذلك إقامة إلهية وعناية ربانية حاملة له رضي الله عنه في سائر أحواله وسيأتي في فصول الكتاب ما يدل على شدة اتباعه رضي الله عنه للشريعة المحمدية وهناك أيضاً إيضاح أخر يؤدي المنصف إلى التسليم لمثل هذه الأقوال والأحوال الغريبة وهو أن هذا الناطق بهذا القول الذي يفهم فيه المساس أو الخروخ ما تدخل في شئون الحضرة الإلهية الخصيصة بها ولا نسب إليه ما نسب ولا عبر عنها بما عبر بل كل ما دار حوله وتعلق به هو ما ظهر له منها من سر التقريب الذي كساه حلة غير عادية أظهرته في هيئات لا حدودية في العادة وذلك من سر ما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذ بي لأعيذنه )) الحديث .\rوفي الحقيقة ما ظهر على هذا العبد ولا جرى هذا العبد إلا في سره الخاص به المبطون فيه المحقق لكيانه الوجودي وليس فيه من الله شيء ولا ظهر عليه من الله شيء جل الله أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"هذه الحقيقة الخاصة بهذا العبد والمبطونة فيه وهي في كل مخلوق أيضاً هي الاعتبار والنظر الإلهي المعين له في الوجود الضابط لشئونه كلها وليس هذا الاعتبار سرياناً من الحق أو فرعاً منه بل هو نفس حقيقة هذا المخلوق وعينه الثابتة في العلم الإلهي المتوجه عليها قوله تعالى كن فلبست حلة الوجود وجرت فيما قدر لها في العلم الإلهي من أطوار وشئون تتعاقب عليها دنيا وآخرة والحق جل شأنه في غناه الذاتي وعزته الكاملة هو على ما هو عليه حال ظهور الخلق بعد بطونهم وعدمهم بعد وجودهم .\rولا تتضح هذه المعرفة وتتخلص إلا لخصوص الرجال الذين تحققوا هذا الاعتلاء الذاتي الفريد المتعالي عن الاختلاط والارتباط الحدودي بالخلق ويتبع ذلك إحساسهم في نفوسهم بمرتبتهم الخلقية العبدية وخضوعها لسلطان الألوهية الغنية ويثمر هذا الإحساس توجهاً دائماً لهذه الحضرة وعبودية وطلباً صادقاً مستمراً مخلصاً من الرغبات والأعواض بل يصير لا شعورياً كحال المأخوذ عن نفسه المقام في شئونه الخلقية بالتصريف الإلهي الحكيم .\rولا يدري الإنسان شيئاً مالم يتحقق به في نفسه ومن ذاق عرف . والجاهل معذور والمسلم مشكور والمعتقد مأجور وقبل أن أبدأ في فصول الكتاب أعتذر عن دخولي في هذا الميدان لضعف أمثالنا في فهم بعض أحوال هؤلاء الرجال وما هم عليه مع ربهم ولمحبة الانتساب إليهم والتبرك بهم أقدمت على ذلك فالله يوفق ويتقبل بجوده الواسع .\rوأعتذر أيضاً عما قد يفوتني في ضبط بعض التراكيب أو سوق بعض المعاني وتكون على غير مراد قائلها أو غير موفية لمراده والله خير مأمول وهو حسبي ونعم الوكيل .\rالفصل الأول\rفي نسب الشيخ رضي الله عنه ومناقبه","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"هو رضي الله عنه محمج بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي من ولد عبد الله بن حاتم أخى عدي بن حاتم يكنى رضي الله عنه بأبى عبد الله ويلقب بمحيي الدين ويعرف بالحاتمي وبابن عربي بدون ألف ولام عند المشارقة وبالألف والام عند المقاربة .\rولد رضي الله عنه في ليلة الإثنين 17 رمضان سنة 560 هـ في مرسية في شرق الأندلس – قرأ القرآن الكريم في صغره بالقراءات على الشيخ أبي بكر بن خلف في أشبيلية بغرب الأندلس وقرأه أيضاً بالقراءات السبع على الشيخ أبي القاسم الشراط القرطبي – وسمع علي بن أبي طالب محمد بن حمزة وغيره كابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الأشبيلي والحافظ ابن الجد وأبي الوليد الحضرمي – وسمع بسبتة بالمغرب من أبي محمد بن عبد الله وسمع الحديث من أبي القاسم الحورستاني – وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر سنة 606 – وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"أما علوم التصوف فقد تيسر الفتح له فيها بعد تخل عن الشواغل وتحل بالفضائل . فقد آثر رضي الله عنه صحبة مولاه والرضا به كفيلاً فنزل عن جميع ما يملك وانتسب إلى طريق الفقراء فالتقى بشيوخ وقته الآتي بيان بعضهم وتلقن منهم أصول طريق القوم وسار في رسومهم حتى فتح عليه في خلوته بعلوم غزيرة توالى بعد ذلك ورودها فنتشرت عنه سماعاً وتأليفاً كما سترد الإشارة إلى ذلك بالفصول الآتية من الكتاب – وكان انتقاله رضي الله عنه من مرسية إلى أشبيلية سنة 568 هـ ثم انتقل إلى المغرب سنة 590 واشتغل بوظيفة التوقيع وإنشاء الرسائل لدى أحد الملوك ولكن لم يدم طويلاً فعاد إلى أشبيلية عاكفاً على أحوال القوم . ويشاء الله أن يعود مرة أخرى لخدمة الملك بالمغرب ومكث في هذه المرة تسعة أشهر دون أيام ؟ وبعدها دخل مراكش وتقرر لديه فيها ارتحاله إلى المشرق فدخل مصر سنة 597 فوجد بها معرضة لعلومه وأحواله وانتهى ذلك بسلامته من أيدي العدوان بل وأحبه الوالي واعتقده ورغب في وجوده إماماً لديه – ولكن الشيخ رضي الله عنه مستمر في طريقه المؤهل له فرحل إلى الحجاز ودخل مكة وعكف على الطاعة والتدريس بالمسجد الحرام – وفي هذا الحرم المحترم أفاض عليه مولاه أسراراً وعلوماً شريفة أودعها كتابه المعروف بالفتوحات الكية – وزار رضي الله عنه الروضة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . ودخل الطائف ثم رحل إلى العراق فدخل الموصل واجتمع برجالها ودخل بغداد سنة 601 وعاد إليها سنة 608 .\rثم طاف ببلاد الروم والتقى بملك تونية فأجله وأكرمه ووهب له دار تصدق بها الشيخ رضي الله عنه على سائل لعدم وجود غيرها لديه وقت السؤال – ثم نزل الشام واستقر بدمشق فترافدت عليه هدايا الملوك فكان لا يبقي على شيء ثقة بمولاه .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وكانت له رضي الله عنه الكلمة المسموعة عند الملوك واتصل وهو بالشام بملوك الأيوبيين فأجلوه وقضوا مصالح كثير للناس بتوسطه ورجائه وكان مع هذه الصلة بالملوك يراسلهم في إصلاح شئون رعاياهم ويرشدهم إلى طريق الصالحين – يروي الغير وزبادى صاحب القاموس أنه رأى إجازة بخط الشيخ رضي الله عنه كتبها لملك حلب وبآخرها هذا النص (( وأجزت له أيضاً أن يروي عني كتبي وجميع مؤلفاتي )) .\rومن رسالة له رضي الله عنه كتبها لملك الروم الغالب بأمر الله :\rبسم الله الرحمن الرحيم :\rوصل الاهتمام السلطاني الغالب بأمر الله . أو أم الله عدل سلطانه إلى والده الداعي له محمد بن العربي فتعين عليه الجواب بالوصية الدينية والنصيحة السياسية الإلهية على قدر ما يعطيه الوقت ويحتمله الكتاب إلى أن يقدر الاجتماع ويرتع الحجاب .\rإلى أن يقول : فأحذر أن أراك غداً بين أئمة المسلمين من أخسر الناس أعمالاً الذي ضل سعيهم في الحياة وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ولا يكون شكرك لما أنعم الله به عليك من استواء ملكك بكفران النعم وإظهار المعاصي وتسليط النواب السوء بقوة سلطانك على الرعية الضعيفة فإن الله أقوى منك فيتحكمون فيهم بالجهالة والأعراض وأنت المسؤل عن ذلك فيا هذا قد أحسن الله إليك فأنصف المظلوم من الظالم ولا يغرنك أن الله وسع عليك سلطانك وسوى البلاد لك ومهدها مع إقامتك على المخالفة والجور وتعدي الحدود فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه الصفات بإمهال من الحق لا إهمال وما بينك وبين أن تقف بأعمالك إلا بلوغ الأجل المسمى وتصل إلى الدار التي سافر إليها آباؤك وأجدادك .\rيا هذا ومن أشد ما يمر على الإسلام والمسلمين وقليل ما هم رفع النوامس والتظاهر بالكفر وإعلاء كلمة الشرك فتدبر كتابي ترشد إن شاء الله ما لزمت العمل به والسلام .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"ومر رضي الله عنه في رفقة من أصحابه فرأى الخليفة قادماً فمنع أصحابه البدء بتحية الخليفة محافظة على السنة وهي سلام الراكب على المترجل وكان الخليفة غير معتاد ذلك فلما وصل الخليفة إليهم لم يبدءوه بالتحية فتعجب ولكنه نظر الشيخ رضي الله عنه بين الجماعة فحياهم فردوا عليه التحية فقدر الخليفة ذلك وشكر لهم إحياء هذه السنة الكريمة .\rهذه هي الصلة والصداقة التي ارتبط لها الشيخ رضي الله عنه مع الملوك صلة الدين وحده ويتفرع عنها كل معاملة دنيوية شريفة .\rوأسمع في الوصل الآتي تعاريف الأكابر به رضي الله عنه :\rوصل - تعريف الرجال به وبعلومه\rألفت لتعريف به والدفاع عن علومه كتب كثيرة منها : تنبيه الغبي في تبرئة ابن العربي لسيدنا الجلال السيوطي رضي الله عنه ، وكتاب مفتاح الوجود الأشهر في توجيه كلام الشيخ الأكبر للشيخ صلاح الدين العشاقي ، كتاب الفتح المبين في رد اعتراض المعترضين للشيخ عمر حفيد الشهاب الشيخ أحمد العطار أحد علماء الشام ، ميزان الحق في اختيار الأحق للفاضل كاتب حلبي أحد أكابر العلماء العثمانية ، الجانب الغربي في حل مشكلات ابن العربي للشيخ مكي ألفه بأمر السلطان سليم ، الاغتباط للفاضل الفيروز بادي صاحب القاموس ، الرد المتين على نمتقد العارف بالله محيي الدين للشيخ عبد الغني النابلسي ، تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء لسيدي عبد الوهاب الشعراني .\rولقد عقد له بكتب أخرى فصول خاصة في ذكر مناقبه . ومدح علومه وتوجيهه والرد على المعترضين منها :","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"كتاب الخطاب للشيخ إسماعيل حقي صاحب تفسير روح البيان ، وكتاب الانتصار لأئمة الأمصار لصدر المحدثين ابن حجر العسقلاني ، نفحات الأنس للفاضل الجامي ، شرح الروض في الفقه والفتوى لسيدنا الشيخ زكريا الأنصاري وأسوق هنا جملاً مفصلة في التعريف به وبعلومه رضي الله عنه : يقول سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتاب الطبقات الكبرى : أجمع المحققون من أهل الله عز وجل على جلالته في سائر العلوم كما يشهد لذلك كتبه . وما أنكر من أنكر عليه إلا لدقة كلامه لا غير فأنكروا على من يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة خوفاً من حصول شبه في معتقده يموت عليها ولا يهتدي لتأويلها على مراد الشيخ – وقد ترجمه الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور وغيره بالولاية الكبرى والصلاح والعرفان والعلم فقال هو الشيخ الإمام المحقق رأس إجلاء العارفين والمقربين صاحب الإشارات الملكوتية والنفحات القدسية والأنفاس الروحانية إلى آخر ما قال سيدي عبد الوهاب في ترجمته في كتاب الطبقات .\rهذا وقد قام سيدي عبد الوهاب بمجهود كبير في نشر علوم الشيخ وتحريرها واختصارها وتوجيهها فألف رضي الله عنه كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر وهو كتاب جامع لعلوم غالية فريدة تلزم أكابر العلماء والأولياء . وقد ساق سيدي عبد الوهاب في هذا الكتاب كثيراً من علوم كتاب الفتوحات المكية لسيدي محي الدين وذكر أنه ما وجد في عبارة أهل الكشف أوسع من عبارة الشيخ رضي الله عنه وذكر مع هذا في مقدمة الكتاب تحريراً لعلوم الشيخ فقال : وقد أخبرني العارف بالله تعالى الشيخ أبو طاهر المدني رضي الله عنه أن جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين مما يخالف ظاهر الشريعة مدسوس عليه قال لأنه رجل كامل بإجماع المحققين والكامل لا يصح في حقه شطح عن ظاهر الكتاب والسنة لأن الشارع أمنه على شريعته انتهى","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"يقول سيدي عبد الوهاب ، فلهذا تتبعت المسائل التي أشاعها الحسدة عنه وأجبت عنها لأن كتبه المروية لنا عنه بالسند الصحيح ليس فيها ذلك : وذكر بعد ذلك أن راجع ما توقف فيه ببعض نسخ الفتوحات على نسخة الشيخ أبي طاهر المذكور المقابلة على نسخة الشيخ بقونية فلم يجده فيها .\rوساق سيدي عبد الوهاب أيضاً في كتابه اليواقيت المذكور عقيدة الشيخ رضي الله عنه المبرئة له من سوء الاعتقاد وهي موجودة أيضاً في أوائل كتاب الفتوحات المكية وقال سيدي عبد الوهاب أيضاً في كتابه اليواقيت : وممن أثني عليه أيضاً من مشايخنا محمد المغربي الشاذلي شيخ الجلال السيوطي وترجمه بأنه مربي العارفين كما أن الجنيد مربي المريدين . ثم قال سيدي عبد الوهاب أيضاً : وقد صنف الشيخ سراج الدين المخزومي كتاباً في الرد عن الشيخ محيي الدين وقال كيف يسوغ لأحد من أمثالنا الإنكار على ما لم يفهمه من كلامه في الفتوحات وغيرها وقدوقف على ما فيها نحو من ألف عالم وتلقوها بالقبول قال وقد شرح كتابه الفصوص جماعة من الأعلام الشافعية وغيرهم منهم الشيخ بدر الدين ابن جماعة .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"ويقول سيدي عبد الوهاب أيضاً في كتاب اليواقيت نقلاً عن الفيروز ابادى : قد كان الشيخ محيي الدين بحراً لا ساحل له ولما جاور بمكة شرفها الله تعالى كان البلد إذ ذاك مجمع العلماء والمحدثين وكان الشيخ هو المشار إليه بينهم في كل علم تكلموا فيه وكانوا كلهم يتسارعون إلى مجلسه ويتبركون بالحضور بين يديه ويقرءون عليه تصانيفه قال ومصنفاته بخزائن مكة إلى الآن أصدق شاهد على ما قلناه وكان أكثر اشتغاله بمكة بسماع الحديث وإسماعه وصنف فيها الفتوحات المكية كتبها عن ظهر قلب جواباً لسؤال سأله عنه تلميذه بدر الحبشي ولما فرغ منها وضعها في سطح الكعبة المعظمة فأقامت فيه سنة ثم أنزلها فوجدها كما وضعها لم يبتل منها ورقة ولا لعبت بها الرياح مع كثرة أمطار مكة ورياحها وما أذن للناس في كتابتها وقراءتها إلا بعد ذلك قال وأما ما أشاعه بعض المنكرين علن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وعن شيخنا سراج الدين البلقيني أنهما أمرا بإحراق كتب الشيخ محيي الدين فكذب وزور ولو أنها أحرقت ولم يبق منها الآن بمصر والشام نسخة ولا كان أحد نسخها بعد كلام هذين الشيخين وحاشاهما من ذلك ولو أن ذلك وقع لم يخف لأنه من الأمور العظام التي تسير بها الركبان في الآفاق ولتعرض لها أصحاب التواريخ ثم قال سيدي عبد الوهاب : وقال الشيخ سراج الدين المخزومي كان شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي نيكران على الشيخ في بداية أمرهما ثم رجعا عن ذلك حين تحققا كلامه وتأويل مراده وندما على تفريطهما في حقه في البداية وسلما له الحال فيما أشكل عليهما عند النهاية .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"فمن جملة ما ترجمه به الإمام السبكي : كان الشيخ محيي الدين آية من آيات الله تعالى وإن الفضل في زمانه رمي بمقاليده إليه وقال لا أعرف إلا إياه – ومن جملة ما قاله الشيخ سراج الدين البلقيني فيه حين سئل عنه : إياكم والإنكار على شيء من كلام الشيخ محيي الدين فإنه رحمه الله لما خاض في بحار المعرفة وتحقيق الحقائق عبر في أواخر عمره في الفصوص والفتوحات والتنزلات الموصلية وفي غيرها بما لا يخفى على من هو في درجته من أهل الإشارات ثم إنه جاء من بعده قوم عمى عن طريقه فغلطوه في ذلك بل كفروه بتلك العبارات ولم يكن عندهم معرفة باصطلاحه ولا سألوا من يسلك بهم إلى إيضاحه . وذلك أن كلام الشيخ رضي الله عنه تحته رموز وروابط وإشارات وضوابط وحذف مضافات هي في علمه وعلم أمثاله معلومة وعند غيرهم من الجهال مجهولة ولو أنهم نظروا إلى كلماته بدلائلها وتطبيقاتها وعرفوا نتائجها ومقدماتها لنالوا الثمرات المرادة ولم يباين اعتقادعهم اعتقاده قال ولقد كذب والله وافترى من نسبه إلى القول بالحلول والاتحاد ولم أزل أتتبع كلامه في العقائد وغيرها وأكثر من النظر في أسرار كلامه وروابطه حتى تحققت بمعرفة ما هو عليه من الحق ووافقت الجم الغفير المعتقدين له من الخلق وحمدت الله عز وجل إذ لم أكتب في ديوان الغافلين عن مقامه الجاحدين لكراماته وأحوال انتهى كلام الشيخ سراج الدين البلقيني قال تلميذه شيخ الإسلام المخزومي رحمه الله تعالى ولما وردت القاهرة عام توفي شيخنا سراج الدين البلقيني وذلك في عام أربع وثمانمائة ذكرت له ما سمعت من بعض أهل الشام في حق الشيخ محي الدين من أنه يقول بالحلول والاتحاد . فقال الشيخ معاذ الله وحاشاه من ذلك إنما هو من أعظم الأئمة ومن سبح في بحار علوم الكتاب والسنة وله اليد العظيمة عند الله وعند القوم وقدم صدق عنده قال المخزومي فقوي بذلك نفسي وكثر اعتقادي في الشيخ من تلك الساعة وعلمت أنه من رؤوس أهل السنة","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"والجماعة قال المخزومي ولقد بلغنا أن الشيخ تقي الدين السبكي تكلم في شرحه للمنهاج في حق الشيخ محيي الدين بكلمة ثم استغفر بعد ذلك وضرب عليها فمن وجدها في بعض النسخ فليضرب عليها كما هو في نسخة المؤلف قال مع أن السبكي قد صنف كتاباً فثي الرد على المجسمة والرافضة وكتب الأجوبة العلمية في الرد على ابن تيمية ولم يصنف قط شيئاً في الرد على الشيخ محيي الدين مع شهرة كلامه بالشام وقراءة كتبه في الجامع الأموي وغيره بل كان يقول ليس الرد على الصوفية مذهبي لعلو مراتبهم وكذلك كان يقول الشيخ تاج الدين الفركاح وأطال المخزومي في الثناء على الشيخ محيي الدين ثم قال فمن نقل عن الشيخ تقي الدين السبكي أو عن الشيخ سراج الدين البلقيني أنهما بقيا على إنكارهما على الشيخ محيي الدين إلى أن ماتا فهو مخطئ انتهى . قال ولما بلغ شيخنا في موضعين من كتاب الفصوص أرسل له كتاباً من جملته : يا قاضي القضاة الحذر ثم الحذر من الإنكار على أولياء الله وإن كنت ولا بد راداً فرد كلام من رد على الشيخ وإلا فدع ، ثم تابع سيدي عبد الوهاب ذكر المؤيدين للشيخ رضي الله عنه في الثبدة التي أوردها بكتابه اليواقيت المذكور مستنداً في ذلك إلى كتاب كشف الغطاء عن أسرار كلام الشيخ محيي الدين للمخزومي .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"ويقول في موضع آخر من هذا الكتاب : وكان شيخ الإسلام المخزومي يقول : لا يجوز لأحد من العلماء الإنكار على الصوفية إلا أن يسلك طريقهم ويرى أفعالهم وأقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأما الاشاعة عنهم فلا يجوز الإنكار عليهم ولا سبهم وأطال في ذلك ثم قال : وبالجملة فأقل ما يحق على المنكر حتى يسوغ له الهم بالإنكار أن يعرف سبعين أمراً ثم بعد ذلك يسوغ له الإنكار منها غوصه في معرفة معجزات الرسل على اختلاف طبقاتهم وكرامات الأولياء على اختلاف طبقاتهم ويؤمن بها ويعتقد أن الأولياء يرثون الأنبياء في جميع معجزاتهم إلا ما استثنى ومنها اطلاعه على كتب التفسير والتأويل وشرائطه ويتبحر في معرفة لغات العرب في مازاتها واستعاراتها حتى يبلغ ومنها كثرة الإطلاع على مقامات السلف والخلف في معنى آيات الصفات وأخبارها ومن أخذ بالظاهر ومن أول و من دليله أرجح من الآخر ومنها تبحره في علم الأصوليين ومعرفة منازع أئمة الكلام ومنها وهو أهمها معرفة اصطلاح القوم فيما عبروا عنه من التجلي الذاتي والصوري وما هو الذات وذات الذات ومعرفة حضرات الأسماء والصفات والفرق بين الحضرات وبين الأحدية والوحدانية والواحدية ومعرفة الظهور والبطون والأزل والأبد وعالمالغيب والكون والشهادة والشئون وعلم الماهية والهوية والسكر والمحبة ومن هو الصادق في السكر حتى يسامح ومن هو الكاذب حتى يؤاخذ وغير ذلك فمن لم يعرف مرادهم كيف يحل كلامهم أو ينكر عليهم بما ليس من مرادهم انتهى .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"ويقول سيدي عبد الوهاب الشعراني أيضاً في مقدمة كتابه الكبريت الأحمر الموجود بهامش اليواقيت والجواهر المذكور : وبعد فهذا كتاب نفيس انتخبته من كتابي المسمى بلواقح الأنوار القدسية الذي كنت أختصرته من الفتوحات المكية خاص فهمه بالعلماء الأكابر وليس لغيرهم منه إلا الظاهر قد اشتمل على علوم وأسرار ومعارف لا تكاد تخطر على قلب الناظر فيه قبل رؤيتها فيه وقد سميته بالكبريت الأحمر إكسير الذهب ومرادي بالشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي رضي الله تعالى عنه أعني أن مرتبة علوم هذا الكتاب بالنسبة لغيره من كلام الصوفية كمرتبة إكسير الذهب بالنسبة لمطلق الذهب كما سنشير إلى ذلك بما نقلناه عن الشيخ رحمه الله في أبواب فتوحاته والكبريت الأحمر يتحدث به ولا يرى لعزته ( واعلم ) يا أخي أنني قد طالعت من كتب القوم مالا أحصيه وما وجدت كتاباً أجمع لكلام أهل الطريق من كتاب الفتوحات المكية لا سيما ما تكلم فيه من أسرار الشريعة وبيان منازع المجتهدين التي استنبطوا منها أقوالهم فإن نظر فيه مجتهد في الشريعة ازداد علماً واطلع على أسرار في وجوه الاستنباط وعلى تعليلات صحيحة لم تكن عنده وإن نظر فيه مفسر للقرآن فكذلك أو مقرئ فكذلك أو معبر للمنامات فكذلك أو نحوي فكذلك أو منطقي فكذلك أو صوفي فكذلك أو عالم بعلم حضرات الأسماء الإلهية فكذلك أو عالم بعلم الحرف فكذلك فهو كتاب يفيد أصحاب هذه العلوم وغيرها علوماً لم تخطر لهم قط على بال وقد أشرنا لنحو ثلاثة آلاف علم منها في كتابنا المسمى بتنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء فإن علوم الشيخ كلها مبنية على الكشف والتعريف مطهرة من الشك والتحريف كما أشار رضي الله تعالى عنه إلى ذلك في الباب السابع والستين وثلثمائة من الفتوحات بقوله : وليس عندنا بحمد الله تعالى تقليد إلا للشارع صلى الله عليه وعلى آله وسلم . إلى آخر ما أورد سيدي عبد الوهاب رضي الله عنه من أقوال للشيخ تؤيد تمسكه","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"بالشرع الشريف وقد ترد بفصل خاص من فصول هذا الكتاب .\rويترجمه سيدي مصطفى البكري قائلاً : هو الإمام الهمام المقدام الضرغام خاتم الولاية المحمدية المحقق المدقق والحبر البحر الرائق الفائق المتدفق والعارف الغارف الموفق الموفق بين كلام الأئمة الذي كل منهم للحجب ممزق الكبريت الأحمر والمنطيق الأبهر والحقيق بكل مقام أفخر الشيخ الأكبر أبو عبد الله محيي الدين بهجة الأولياء الراسخين محمد بن علي بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي قدس الله سره وروح روحه ووالى عليه فتحه وفتوحه إلى آخر ما قال في ترجمته رضي الله عنه في شرح لإحدى صلوات الشيخ سيدي محيي الدين رضي الله عنه .\rويعرف سيدي عبد الغني النابلسي رضي الله عنه بأنه بحر الحقائق والعلوم وكنز المعارف الرحمانية تحت جدار الفهوم شيخ الأسرار ومعدن الأنوار محيي الدين محمد بن علي الحاتمي الأندلسي الملقب بالشيخ الأكبر ومن قصيدة له رضي الله عنه يمدح بها سيدي محيي الدين :\rخذا حيث هبت نسمة البان والرند وعوجا على تلك المعالم من نجد\rوبثا غراماً يا خليلي كلما طفته دموع العين يزداد في الوقد\rعسى ربة الخيلان تخلف منة علي وتوفي في الوعيد وفي الوعد\rوإذا جئتما في الصالحية منزلاً فقوما وقولا فيه بالشكر والحمد\rوزورا ضريحاً من أتاه فإنه ببهجة محيي الدين في جنة الخلد\rفتى بين أهل الله كان مقدماً … … له في المعالي رتبة العلم الفرد\rهو العارف الطائي من نسل حاتم … كريم السجايا جوده جل عن عد\rحوى شرف التقوى وحاز ثنا الهدى … ونال من المولى وحل درى السعد\rتجرد بالعرفان عن قشرة السوى … لقصم العدا كالسيف جرد عن غمد\rفأصبح بحراً في الحقائق زاخراً … يموج فيلقي الله في الجزر والمد\rوفي كل علم كامل متحقق … سواه لديه لا يعيد ولا يبدي\rخصوصا علوم القوم فهو إمامها … وليس له في نفحها الندمن ند\rتصانيفه فيها الهدى لمن اهتدى …… ومن زاغ كانت في بصيرته تردى","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"فكم جاء فيها لورى بعقيدة …… لدى غير أهل الجدل واسطة العقد\rولا يفهم التوحيد إلا موحد برئ من الشرك الخفي سالم العقد\rومن أين للعميان رؤية نوره وما حظهم منها سوى الطرد والبعد\rبقطرة علم عندهم وهو بحرها أعابوا عليه حين غابوا عن القصد\rوقد أكثروا في القول إذ فقدوا الحيا من الله فليبكوا على ذلك الفقد\rوفي كل عصر ختم كل ولاية على الأولياء يخفى فكيف أولو الجحد\rهنيئاً لأهل الاعتقاد فإنهم به في رياض العز يمشون والمجد\rيطاف عليهم من سنا كلماته بكاس من رحيق فيه سكر بلا حد\rفإن فهموا هاموا وإلا تمتعوا بألفاظ معشوق ألذ من الشهد\rإلى آخر ما قال رضي الله عنه في هذه القصيدة ويقول الفيروز أبادى في الرد على سؤال ابن الخياط بخصوص الشيخ واعتقاداته وعلومه :\rالحمد لله اللهم انطقنا بما فيه رضاك . الذي اعتقده في حال المسؤل عنه وأدين الله تعالى به أنه كان شيخ الطريقة حالا وعلماً وإمام الحقيقة حقيقة ورسما ومحيي رسوم المعارف فعلا واسماً .\rإذا تغلغل فكر المرء في طرف من بحره غرقت فيه خواطره\rعباب لا تكدره الدلاء وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء كانت دعواته تخترق السبع الطباق وتفترق بركاته فتملأ الآفاق وإني أصفه وهو يقيناً فوق ما وصفته وناطق بما كتبته وغالب ظني أني ما أنصفته .\rوما على إذا ما قلت معتقدي دع الجهول بظن الحق عدواناً\rوالله والله العظيم ومن أقامه حجة للدين برهاناً\rإن الذي قلت بعض من مناقبه ما زدت إلا لعلى زدت نقصاناً\rوأما كتبه ومصنفاته فالبحور الزواخر التي لكثرتها وجواهرها لا يعرف له أول ولا آخر ما وضع الواضعون مثلها وإنما خص الله بمعرفة قدرها أهلها ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها و تأمل ما في مبانيها انشرح صدره لحل المشكلات وفك المعضلات وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه الله بالعلوم اللدنية الربانية إلى آخر ما قال رضي الله عنه .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"ويقول أيضاً : كما أعطى الله تعالى الكرامات للأولياء التي هي فرع المعجزات فلا بد أن يعطيهم من العبارات . ما يعجز عن فهمه فحول العلماء انتهى ما أردت نقله للفيروزا بادي ويجيب سيدنا شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي في كتابه الفتاوى الحديثية عن سؤال بخصوص طريقة سيدي محيي الدين وسيدي عمر بن الفارض وطائفة الصوفية بقوله : ملخص ما نعتقده في ابن عربي وابن الفارض وتابعيهما بحق الجارين على طريقتهما من غاية إتقان علوم المعاملات والمكاشفات ومن غاية الزهد والورع والتجرد والانقطاع إلى الله في الخلوات والدأب على العبادات ونسيان الخلق جملة واحدة ومعاملة الحق ومراقبته في كل نفس كما تواتر كل ذلك عن هذين الرجلين العظيمين أنهم طائفة أخيار أولياء أبرار بل مقربون ومن رق السوي أحرار لا مرية في ذلك ولا شك إلا عند من لا بصيرة له وكفاك حجة على ولايتهما تصريح كثير من الأكابر بها وبأنهما من الأخيار المقربين كالشيخ العارف الإمام الفقيه المحدث المتقن عبد الله اليافعي نزيل مكة المشرفة وعالمها ومن ثم قال الأسنوي في ترجمته فاضل الأباطح وعالمها وقال الحمد لله الذي ابتدأ كتبنا بالشافعي وختمها باليافعي وكالشيخ الإمام المجمع على جلالته وعلمه بمذهب مالك وغيره وعلى معرفته التاج ابن عطاء الله وناهيك بحكمه وتنويره ثم قال بعد مدح حكم سيدنا ابن عطاء الله وكالشيخ الإمام العلامة المحقق الشافعي الأصولي التاج السبكي وكشيخنا خاتمة المتأخرين وواسطة عقد المحققين زكريا الأنصاري وكالشيخ العلامة ابن أبي شريف وناهيك أيضاً بهذين العالمين – ثم أخذ سيدنا ابن حجر يسرد مناقب سيدنا برهان الدين ابن أبي شريف وسيدنا الشيخ زكريا الأنصاري وسيدنا البلقيني وما حباهم الله به من الولاية وقال بعد ذلك مباشرة فيكفيك ما قاله هؤلاء العارفون بالله العالمون العاملون الفقهاء الأولياء وما صرحوا به من أن كلا الإمامين المذكورين وطائفتهما أي التابعين لهما","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"بحق كما قدمته أولياء أخيار أتقياء أبرار فكيف يمترى عاقل أو متدين بعد ما صرح به أئمة الدين الذين أماطوا عن وجهه شبهة المبطلين وأبطلوا حجج المتمردين مما ذكر في ولاية هؤلاء الأئمة المذكورين ويا عجبا كيف نأخذ بقولهم في الأحكام ونعمل بها فيما بيننا وبين الله ونعتمد عليها في التحريم والتحليل وقتل الأنفس وقطع الأيدي وغير ذلك من العظائم ولا نأخذ بقولهم في أئمة مسلمين تضلعوا من الكتاب والسنة وضموا إلى ذلك الفروع الاجتهادية وما يلائم ذلك من الوم الأدبية والعربية ثم بعد ذلك كله اشتغلوا بصفاء قلوبهم حتى أشرقت وتنورت وصاربت شفافة تحكي ما قابلته فكوشفوا بإبراز العلوم وأحكامها الباطنة – واستمر سيدنا ابن حجر رضي الله عنه في تأييد علوم الصوفية وسرد مناقب سيدي محيي الدين وبلوغه درجة الاجتهاد وكذلك سرد مناقب سيدي عمر بن الفارض وقرر أيضاً سبب ترجيحه لطريقة الصوفية مع أن بعض العلماء اعترض عليهم وأنكر علومهم قرر ذلك بقوله : إنما رجحتها لأمور منها ما ذكره شيخنا في شرح الروض نقلاً عن السعد التفتازاني محقق الإسلام وفارس ميدانه ومميط حجة الظلام وكشاف شبهة عن علياء ضيائه والذي ذكره فيه ظاهر منه وحاصله رداً على ابن المقري حيث قال من شك في فكفر طائفة ابن العربي فهو كافر أن الحق أنهم أخيار أئمة وأن اليافعي وابن عطاء الله وغيرهما صرحوا بولاية ابن عربي وأن للفظ المصطلح عليه حقيقة عند أهله فيما اصطلحوا عليه وأن العارف إذا استغرق في بحار التوحيد ربما صدرت عنه عبارات توهم الحلول والاتحاد ولا حلول ولا اتحاد . ومنها ما صرح به أئمتنا كالرافعي في العزيز والنووي في الروضة والمجموع وغيرهما من أن المفتي إذا سئل عن لفظ يحتمل الكفر وغيره لا يقول هو مهدر الدم أو مباحه أو يقتل أو نحو ذلك بل يقول يسأل عن مراده فإن فسره بشيء عمل به فأنظر وفقك الله إلى هذه العبارات تجد المنكرين الذين يتهجمون على هذا الرجل العظيم ويجزمون","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"بكفره قد ارتكبوا متنا عمياء وخبطوا خبط عشواء وأن الله أعمى بصائرهم وأصم آذانهم عن ذلك حتى وقعوا فيه وكان سبباً لمقتهم وعدم الانتفاع بعلمهم .\rومنها : أن علمهم وزهدهم ورفضهم الدنيا والسوى جملة واحدة قاض بنزاهتهم عن هذه المقالات الشنيعة فترجح بذلك عدم الإنكار عليهم لأن عباراتهم حقيقية فيما اصطلحوا فيه فلا يجوز الإنكار عليهم إلا بعد معرفة مدلول كلامهم ثم معرفة اصطلاحهم ثم يطبق ذلك الاصطلاح على ذلك المدلول وينظر هل يطابقه أم لا وبحمد الله المنكرون عليهم كلهم جاهلون بذلك إذ ليس منهم أحد أتقن علوم المكاشفات بل ولا شم لها رائحة ولا أحد منهم ملك زمامه لأحد منهم حتى أحاط باصطلاحاتهم .\rواستمر رضي الله عنه يوضح هذا الترجيح ويقويه ويفند رأي المعترض ويبطله بالحجج الإجاماعية من الأئمة وبعض آراء لنفس المعترض قال بها في بعض كتبه وذكر ما ينتجه هذا الإنكار لأصحابه من ضياع لعلومهم وابتلاء بالمصائب وعدد وقائع ثابتة في ذلك وقسم المنكرين عليهم قسمين هذا القسم الجاحد لعلومهم وأحوالهم والقسم الثاني قوم قصدوا بإنكارهم محض النصيحة للمسلمين وخصوصاً من يشتغلون بمطالعة كتب ابن عربي وأتباعه مع خلوهم عن العلوم الرسمية والأحوال الكشفية ولا يقرره العلم الصحيح من أقوال وأفعال وأحوال وذلك لا لنقص في كتب الشيخ بل لنقص في المطالع لها وعدم أهلية لذلك وأيد رأي هؤلاء بقول سيدي محيي الدين رضي الله عنه وهو :\rنحن قوم نحرم المطالعة في كتبنا إلا لعارف باصطلاحنا إلى آخر ما قال سيدنا ابن حجر في هذا الموضع من كتابه الفتاوي الحديثية .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وزيادة في الفائدة وإحقاق الحق أقول : ما جاء في إجابة سيدنا ابن حجر المأخوذ منها ما ذكر هنا بخصوص السراج البلقيني بنسبة الإنكار عنه على سيدي محيي الدين رضي الله عنه قد حرره ما ذكرته سابقاً من أن السراج البلقيني رجع عن إنكاره على الشيخ رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم وأيضاً يذكر سيدنا ابن حجر في كتابه الفتاوى الحديثية المذكور في مواضع أخرى منه ما يزيد في تأييد الشيخ رضي الله عنه والثناء عليه وعلى علومه ويحض على عدم الإنكار عليه لما يوجبه ذلك من العقاب والحجاب أعاذنا الله من ذلك . أما رأيه في قراءة كتب الشيخ والانتفاع بها فهو جار على اصطلاح المربين الكاملين من جواز قراءتها للبعض وتحريمها على البعض وذلك بحسب الاستعداد والأهلية وتحصيل اللازم قبل ذلك من علوم وأخلاق وسلوك . ومعنى هذا أن الذي ينتفع بقراءتها المتدين القوي الحال المثابر على الطاعات والتوجه الصادق لملاه المتضلع من علوم الكتاب والسنة المتحلى بالآداب الشرعية القولية والفعلية والذوقية الخفية المبطونة في النصوص الواقف في سائر أحواله على الأحق في المباشرة والتنفيذ من الأمور الدينية والدنيوية الغريب بين الناس لغرابة أحواله باتباعه غير سبيل الغافلين والواقفين المحدودين بمطالب بعدها ما هو أسمى منها وأولى في الطلب .\rوقد ذكرت في المقدمة بعض صفات هذا الطالب للإنتفاع بعلوم القوم جعلنا الله منهم .\rويكفي هذا المثدار من تعريف الرجال بسيدي محيي الدين وعلومه وفي فصل العلوم المذكور بعد ذلك قسم خاص بتحليل بعض آراء الشيخ وعقائده وعلومه وتوجيهها والله الموفق .\rوصل – وفاته رضي الله عنه وأولاده","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"توفي رضي الله عنه بدمشق ودفن بسفح قاسيون بالصالحية منها في ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 638 هـ وأعقب من الذكور شيخين كريمين أحدهما سعد الدين محمد ولد في ملطية بالأناضول في رمضان سنة 618 هـ واشتغل بسماع الحديث ودراسته وروايته وله ديوان شعر مشهور ولعله الموجود بدار الكتب المصرية المنسوب لأحد أولاد الشيخ رضي الله عنهم . وتوفي بدمشق ودفن بها في 656 هـ عند ضريح والده – وثانيهما عماد الدين أبو عبد الله محمد ودفن أيضاً عند ضريح والده سنة 667 هـ وعلى ضريحهم من الأنوار ما يبهر الأبصار وفي ساحتهم الآن بدمشق تنتشر الخيرات وتوزع الصدقات اللهم اجعلنا من خدمهم آمين .\rالفصل الثاني\rسلوكه رضي الله عنه\rعلم مما سبق بمناقبه ما حصله رضي الله عنه في أول حياته من حفظ القرآن الكريم ودراسته وسماع الحديث الشريف وروايته مضافاً إلى ذلك تحصيله للعلوم الشرعية الرسمية وفي هذا الفصل أذكرما تيسر بخصوص تربيته الصوفية :","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"نشأ رضي الله عنه في بيت كريم من أصل كريم معروف فجده الأعلى عبد الله الحاتمي أحد قادة الحروب والفتوحات وجده الأدنى أحد قضاة الأندلس ووالده من الرجال العاملين بعلمهم السالكين الطريق إلى ربهم تعرف ذلك مما حكاه الشيخ رضي الله عنه في الباب الخامس والثلاثين بالفتوحات عن والده المبارك وكراماته فمن ذلك إخباره بيوم وفاته أثناء مرضه الأخير وظهور أمارات الحياة الخاصة بالأولياء عليه بعد وفاته حتى أن الناظر إليه يحار هل هو حي أم ميت لولا انقطاع الأنفاس الحاكم بالموت – ويقول رضي الله عنه عند ذكر طائفة العباد بالفتوحات : كان خالنا أبو مسلم الخولاني رحمه الله من أكابرهم كان يقوم الليل فإذا أدركه العياء ضرب رجليه بقضبان كانت عنده ويقول لرجليه أنتما أحق بالضرب من دابتي أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يفوزوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دوننا والله لأراحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً هذه هي أصوله ومنها أنحدر وأهم من ذلك أن العناية الإلهية تحمله وتسير به في طريق العلا وطلب المولى أخبره بذلك رضي الله عنه الإمام خليفه القطب يقول الشيخ رضي الله عنه في ذلك ما ملخصه : ولقد أنعم الله علي ببشارة عظمى بشرني بها وكنت لا أعرفها من حالي وكانت حالي فأوقفني عليها الإمام خليفة القطب فقد نهاني عند التقائي به عن الإنتماء إلى من لقيت من الشيوخ وقال لي : لا تنم إلا إلى الله فليس لأحد ممن لقيته عليك يد مما أنت فيه بل الله تولاك برعايته وعنايته فاذكر فضل من لاقيت إن شئت ولا تنتسب إلا إلى الله ويقول في ذلك أيضاً : ولقد منحني الله سراً من أسراره بمدينة فاس سنة أربع وتسعين وخمسمائة فأذعته فإني ما علمت أنه من الأسرار التي لا تذاع فعوتبت فيه من المحبوب فلم يكن لي جواب إلا السكوت إلا إني قلت تول انت أمر ذلك فيمن أودعته إياه إن كانت لك غيرة عليه فإنك تقدر ولا أقدر وكنت قد","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"أودعته نحوا من ثمانية عشر رجالاً فقال لي أنا أتولى ذلك ثم أخبرني أنه سله من صدورهم وسلبهم إياه فالحمد لله حيث لم يعاقبني بالوحشة والحرمان كما عوقب غيري .\rفعلى أساس هذه العناية وهذا الأصل الكريم قويت فيه رضي الله عنه حال صغره نظرة كبيرة إلى أفق عال جداً أفق توحيد المطلوب الحق والحياة به دائماً والاشتغال بذكره دائماً والترقي في معارج الوصول إليه بلا وقوف مع شيء سواه أو الاكتفاء منه بخط دونه . وفي هذا السير اشتغل رضي الله عنه بالطاعات والقربات وانخلع عن الشواغل وتنازل لوالده عما يملك من الدنيا وانتصب للقيام بما خلق من أجله وما هيء له حاله الفطري محفوظاً في ذلك من شبهات الخروج عن جادة الشريعة المحمدية وذلك قبل أن يلتقي بشيوخ رياضة النفس إلا أنه التقى بأحد الشيوخ المرشدين فدله على ذكر خاص يعكف عليه في خلوته فنفذ الشيخ ذلك ففتح عليه بالعلوم اللدنية الواسعة التي أقرها الشيخ ومنها عرف أنه صادق الطلب واعترف بهذه العلوم أيضاً ابن رشد قاضي قرطبة في هذا الوقت وحمدا الله على أن أراه في عصره واحداً من المفتوح عليهم بالعلوم اللدنية .\rسبق هذا الفتح رياضة النفس على يد شيخ خاص بهذا النوع من السلوك وفي سبق الفتح على الرياضة والتأهيل خوف الزلل ولكن العناية الإلهية حفظته من ذلك يقول رضي الله عنه مقرراً للمعنى السابق في إحدى وصاياه للمريدين :\rوعليك بالرياضة قبل الخلوة والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق وترك الرعونة وتحمل الأذى فإن الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه رجل أبداً إلا في حكم النادر .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"ومما ساعد على سلامة هذا الفتح من شوائب التحريف وسقم اللفظ وإقرار الباطل وتضييع الحق أنه رضي الله عنه ما اشتغل في حال تحصيله للعلوم المطلوبة بالعلوم العقلية الجدلية التي قل ما يسلم السالك من تأثيرها في مواهبه اللدنية . يقول رضي الله عنه مقرراً لهذا المعنى في شرحه لديوان ترجمان الأشواق له رضي الله عنه : من عرف الله بالله فقد عرفه ومن عرفه بالكون فقد عرف ما أعطاه ذلك الكون لا غير فما برح من جنسه – وقال في كتابه لواقح الأنوار : اعلم أن من الناس من أوغل في تحرير الأدلة وغرق في التفتيش وكلما قام بباطنه أمر نفاه فكان غاية هذا أنه وقف بعد التعب مع قوله { ليس كمثله شيء } فهذا قد قطع عمره في التفكير فيمن لا يصح اقتناصه بالفكر وشغل المحل بما نهاه اله تعالى عنه ومن الناس من كان هذا بدايته فاستراح من أول قدم وفرغ المحل فبقى قابلاً للمواهب والمعارف – ويقول في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة من كتاب الفتوحات المكية بعد تحقيق هذا المعنى السابق : وكان من فضل الله تعالى علي أن حفظني من التفكر في ذاته فلم أعرفه تعالى إلا من قوله وخبره وشهوده فبقى الفكر مني معطلاً في هذا الحضرة فشكرني فكري على ذلك وقال الحمد لله الذي عصمني بك عن التصرف والتعب فيما لا ينبغي لي أن أتصرف فيه وكان ذلك من مبايعة سابقة فإني كنت قد بايعت فكري أن لا يتعب في التفكر في ذات الله وأن يصرف تعبه في الاعتبار فبايعني على ذلك فلله الحمد على صرفه عن الشغل الذي لم يخلق له واستعماله في الشغل الذي خلق له انتهى وقال في قوله تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } الآية – اعلم أن الله عز وجل ما اصطفى عبداً قط إلاحفظه قبل اصطفائه من الغوص في علوم النظر وحال بينه وبينها ورزقه الإيمان بالله وبما جاء من عند الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن صاحب النظر العقلي وإن سعد لا يكون أبداً في مرتبة الساذج الي لم","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"يكن عند علم بالله إلا من حيث إيمانه وتقواه وهذا هو وارث الأنبياء في هذه الصفة قال وما بلغنا أنه تقدم لنبي قبل نبوته نظر عقلي في العلم بالله أبداً ولا ينبغي له ذلك إلى آخر ما قاله رضي الله عنه في تحقيق ذلك .\rلم يثن الفتح الشيخ رضي الله عنه عن متابعة سيره الطويل ونظره الواسع فاستمر على الدرس والتحقيق والتلقي من شيوخ وقته . وقبل أن أذكر الرجال الذين التقى بهم رضي الله عنه أسوق هنا بعض المقامات التي حصلت له رضي الله عنه مع الإشارة إولاً إلى اتساع أحوال الشيخ وتجلياته ومقاماته والمنازل التي أقيم فيها والمنازلات التي نزلها والأنوار التي اكتشفها والأسرار التي اكتنفها هذا الاتساع الذي يعجز محاول حصر ضروبه وأقسامه وألوانه وأعداده فما بالك بمتحصلاته ومشاربه وأذواقه وتحقيقاته . ويقرب لك الاعتراف بالعز ويحققك به ما يحويه كتاب واحد من كتبه رضي الله عنه الفتوحات المكية فإن هذا الكتاب يقع في ستين وخمسمائة باب تضم هذه الأبواب أقسام المعارف والمعاملات والأحوال والمنازل والمنازلات والمقامات وتحت كل قسم من هذه الأقسام أمهات الأسرار والعلوم في الموضوع الذي يرد عليه ليكتب فيه ونفس فهرس هذا الكتاب وترتيب أبوابه لم يكن من عمل الشيخ رضي الله عنه بل هو إلهام روحي من الطريق الذي يلهم من ه الأولياء علومهم . هذه العلوم الكثيرة والأحوال الواسعة والمقامات والمنازل والمنازلات والتجليات المتعددة الألوان المتشبعة الأفنان كل هذا حال فعلى حاصل له رضي الله عنه فإنه وأمثاله لا يكتبون ولا ينطقون إلا عن ذوق واقع لهم وحال قائم بهم ومشهد معاين أمامهم . والمنصف المعتقد الحاصل له نصيب من شم روائح علمه رضي الله عنه يثبت لديه صحة ذلك فإنك لا تجد في كل ما تقرأ من كتب الشيخ على اتساعها لا تجد حشواً في الكتابة أو سقماً في العبارة أو خرجها معوجاً عن الموضوع .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وتقف مندهشاً حائراً عند قراءتك منزلا من منازل هذا الكتاب أي الفتوحات المكية لاتساع أسراره وغزارة علمه ورقة أسلوبه وتأثيره في حالك زيزدك دهشة وحيرة ما يورده في آخر هذا المنزل من الإشارة لبعض العلوم التي يحويها هذا المنزل مع إعلامه رضي الله عنه بأن وراء هذه العلوم علوماً أخرى لم يذكرها اختصاراً .\rوفي الجملة أن طالب الوقوف على حقيقة شيء يسهل عليه مطلوبة ويتحقق لديه بمباشرته فعلاً ليحكم بما يرى ويقف على ما يريد .\rوتبركاً بذكر مقاماته رضي الله عنه وتعبيره عنها أذكر بعضها فأقول :اللازم قبل إيراد بعض مقاماته وأحواله والتجليات التي حصلت له والمنازل التي نزلها والمنازلات التي حلها أو أوضح بعض معاني هذه الإصطلاحات ليتسنى للمطلع استيعاب المعنى المطلوب في حصولها للشيخ رضي الله عنه وأمثاله من الصوفية .\rفالحال كما ذكره الشيخ رضي الله عنه : فهو ما يرد على القلب من غير تعمل ولا اجتلاب ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو وقد لا يعقبه المثل ومن هنا نشأ الخلاف فمن أعقبه المثل قال بدوامه ومن لم يعقبه المثل قال لعدم دوامه زقد قيل الحال بغير الأوصاف على العبد - وقال فيه أيضاً : والأحاول مواهب لا مكاسب .\rوأما المقام : فقد الشيخ رضي الله تعريفاً بذلك بكتاب الفتوحات المكية :\rأعلم أن المقامات مكاسب وهي استيفاء الحقوق المرسومة شرعاً على التمام فإذا قام العبد في الأوقات بما تعين عليه من المعاملات وصنوف المجاهدات والرياضات التي أمره الشارع بها وعين نعوتها وأزمانها وما ينبغي لها وشروطها التمامية والكمالية الموجبة صحتها فحينئذ يكون صاحب مقام .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وأما التجلي فيقول الشيخ رضي الله عنه في الباب السادس ومائتين من كتاب الفتوحات المكية : اعلم أن التجلي عند القوم ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب وهو على مقامات مختلفة فمنها ما يتعلق بأنوار المعاني المجردة عن المواد من المعارف والأسرار ومنها ما يتعلق بأنوار الرياح ومنها ما يتعلق بأنوار الطبيعة ومنها ما يتعلق بأنوار الأسماء ومنها ما يتعلق بأنوار المولدات والأمهات والعلل والأسباب على مراتبها فكل نور من هذه الأنوار إذا طلع من أفق ووافق عين البصيرة سالماً من العمى والغش والصدع والرمد وآفات الأعين كشف بكل نور ما انبسط عليه فعاين ذوات المعاني على ما هي عليه في أنفسها وعاين ارتباطها بصور الألفاظ والكلمات الدالة عليها وأعطته بمشاهدته إياها ما هي عليه من الحقائق في نفس الأمر من غير تخيل ولا تلبيس فمنها أنوار نسعى بها ومنها أنوار نسعى إليها ومنها أنوار نسعى منها ومنها أنوار تسهى بين أيدينا ومنها أنوار تكون خلفنا يسعى بها من يقتدي بنا ومنها أنوار تكون عن أيماننا تؤيدنا ومنها أنوار تكون عن شمائلنا تقينا ومنها أنوار تكون فوقنا تنزل علينا لتفيدنا ومنها أنوار تكون تحتنا نملكها بالتصرف فيها ومنها أنوار نكونها هي أبشارنا وفي أبشارنا وأشعارنا وفي أشعارنا وهي غاية الأمر .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"واستمر رضي الله عنه في هذا الباب في تحقيق هذه الأنوار وما تنتجه إلى أن قال : وأما النور الذي خلفنا فهو النور الذي يسعى بين يدي من يقتدي بنا ويتبعنا على مدرجتنا فهو لهم من بين أيديهم وهو لنا من خلفنا فيتبعنا على بصيرة من أجل ذلك النور الذي يخرجهم عن التقليد قال (( أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )) فهو بالنور الذي بين يديه يدعو على بصيرة والداعي المتبع له يدعو بالنور الذي خلفه ليكون هذا المتبع أيضاً على بصيرة فما يدعو إليه مثل ما أتبعه وبذلك النور يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه وهذا مقام نلته سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس في صلاة العصر وأنا أصلي بجماعة بالمسجد الأزهر بجانب عين الجبل فرأيته نوراً يكاد يكون أكشف من الذي بين يدي غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف وما رأيت لي ظهراً ولا قفاً ولم أفرق في تلك الرؤية بين جهاتي بل كنت مثل الأكرة لا أعقل لنفسي جهة إلا بالفرض لا بالوجود وكان الأمر كما شاهدته مع أنه كان قد تقدم لي قبل ذلك كشف الأشياء في عرض حائط قبلتي وهذا كشف لا يشبه هذا الكشف .\rوما زال رضي الله عنه يحقق الباقي من الأنورا ويبدي فيها غرائب الأسرار ويستشهد عليها بذوقه إياها وشهوده لها مع ذكر بعض من تحقق بها أيضاً من الرجال الذي التقى بهم رضي الله عنهم .\rأما المنزل والمنازلة فقد عرفها الشيخ رضي الله عنه وفرق بينهما في أواخر الباب الواحد والسبعين ومائتين في كتابه الفتوحات المكية ومجمل القول فيهما مع الاعتذار عن الإلمام بمراد الشيخ رضي الله عنه أنهما حضرتان كشفيتان لهما نظامهما الخاص في نزول الأسرار ومواطن هذا النزول على العارف .\rوأعود إلى ما أردت إ]راده من بعض ما حصل للشيخ رضي الله عنه من هذه المقامات والتجليات مع ما قد سبق أثناء هذا التعريف بالاصطلاحات من ذكر بعض هذه الأنوار المنكشفة له رضي الله عنه فأقول :","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"يذكر ويحقق رضي الله عنه أن هناك مقاماً فوق مقام الصديقية يسمى مقام القربة ويضع في إيضاحه وتقريره رسالة خاصة ضمن مجموعة الرسائل الشاملة لعدة مؤلفات له رضي الله عنه طبعت بمطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد بالهند سنة 1367 هـ وهي مجموعة هامة في الوقوف على لعض علوم الشيخ رضي الله عنه فيقول في آخر الرسالة : انتهى بعض الغرض من هذا الكتاب في بيان هذا المقام وكنت ما رأيت أحدا من أصحابنا نبه عليه ولا ندب إليه بل منع ذلك أكثرهم لعدمالذوق فبقيت به وحيداً وبين أقراني فريداً لا أستطيع أفوه به من أجل منكريه إلى أن وقفت لأبى عبد الرحمن السلمي في بعض كتبه عليه نصاً وسماه مقام القربة فسررت بالمساعد الموافق والحمد لله رب العالمين .\rولإتمام الفائدة أسوق هنا بعض أقوال الشيخ رضي الله عنه في تحقيقه فمنها في الرسالة المذكورة .\rيقول رضي الله عنه : ولسنا نعني بالصديق أبا بكر ولا عمر ولا أحدا رضي الله عنهم فإن أبا بكر من جملة أحواله كونه صديقاً .\rويقول في تحقيقه أيضاً بكتابه الفتوحات المكية بجواب السؤال الثاني من أسئلة الحكيم الترمذي :\rوهو مقام المقربين والأفراد وفي هذا المقام يلتحق البشر بالملأ الأعلى ويقع الاختصاص الإلهي فيما يكون من الحق لهؤلاء وأما المقام فداخل تحت الكسب وقد يحصل اختصاصاً إلى أن يقول : واعلم أن منزل أهل القربة يعطيهم اتصال حياتهم بالآخرة فلا يدركهم الصعق الذي يدرك الأرواح بل هم ممن استثنى الله تعالى في قوله : { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله } .\rومن أراد زيادة تحقيق هذا المقام وغيره من أسرار علوم الشيخ فعليه بكتبه رضي الله عنه .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وأما التجليات الإلهية للسالكين فله رضي الله عنه في ذلك كتاب بديع ضمن المجموعة المطبوعة بحيدر أباد السابق ذكرها تفهم من هذا الكتاب حصول هذه التجليات له رضي الله عنه فيقول في التجلي الثاني : اعلم أنك إذا غيبت عن هذا الجلي الأول وأسدل الحجاب أقمت في هذا التجلي الآخر ترتيباً إلهياً حكيماً ليس للعقل فيه من حيث فكره قدم بل هو قبول كشفي ومشهد ذوقي ناله من ناله إلى آخر ما حققه رضي الله عنه في هذا النجلي وفي التجلي الثالث يقول : وبعد هذا التجلي المتقدم يحصل لك هذا الجلي الآخر تستشرف منه على مآخذ كل ولي مقرب وغيره .\rوفي التجلي الرابع يقول : هذا التجلي يحضر لك فيه حقيقة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتشاهده في حضرة المحادثة مع الله فتأدب واستمع ما يلقى عليه في تلك المحادثة فإنك تفوز بأسنى ما يكون من المعرفة فإن خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس خطابه إياك فإن استعداده للقبول أشرف وأعلى فألق السمع وأنت شهيد .\rويستمر رضي الله عنه في إيراد هذه التجليات مرتباً بعضها على بعض مودعاً فيها الوصايا الغالية كقوله في التجلي الثامن والأربعين : أوصيك في هذا التجلي بالعلم وتحفظ من لذات الأحوال فإنها سموم قاتلة وحجب مانعة إلى أن يقول بآخره : فالعلم أشرف مقام فلا يفوتنك .\rويقول في التجلي الرابع والستين : أخرج عن السوى تعثر على وجهه التوحيد ولا تقل كيف فإن التوحيد يناقض الكيف وينافيه فأخرج تجد .\rويقول في التجلي الخامس والثمانين : من صحت معرفته صح توحيده ومن صح توحيده صحت محبته فالمعرفة لله والتوحيد له والمحبة علاقة بينك وبينه بها تقع المنازلة بين العبد والرب .\rويكفي هذا القدر اليسير من هذا الفيض الغزير في هذا الكتاب ليتيسر إيراد بعض أقوال أخرى له رضي الله عنه من كتبه الأخرى في المراد من هذا الفصل .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"ففي كتابه مواقع النجوم يقول في تحقيق التجلي الصمداني : أعلم أيها المسترشد الموفق والسالك المتخلق أن هذا التجلي الصمداني الوتري المجهول العين المستور ببرد الصون هو نتيجة عمر المحققين من أهل طريق الله ألا تراه هو المقام الأنبه وقليل من ناله ولهذا ما تجد أحداً من المحققين فعله ولا قاله فإن الطريق إليه عسير والمشهد كبير وهو من أعلى الأسرار وأسناها ومورده أعذب الموارد الإلهية وأحلاها وكشفه أوضح الكشوفات القدسية وأجلاها فمن أراد من المحققين الصديقين نيله فليصم نهاره وليمي بالذكر ليله وخلوته عشرين صباحاً بمسائها على ترتيب الحكمة في إجرائها فإذا كان بعد العشرين فارتقب الوارد الأقدس ونفس الرحمن الأنفس إلى أن تنقضي ثلاثون يوماً ولا تكحل مقلتك فيها نوماً فإن ادعيت أنه لم يحصل في روعك نفثه ولا أقام الحق بفؤادك بعثه فاعلم أن الآفة طرأت عليك في المراقبة فارجع على نفسك بالمعاتبة فاستقبل الخلوة من أول حالها . ويستمر رضي الله عنه في ذكر متممات هذا التجلي وثمراته من المقامات والمنازل والحضرات والدرجات بما يدهش المطلع حصر اعدادها فقط فكيف بنفس المشاهد وأذواقها عن أربابها - وفي كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار وهو أحد محتويات المجموعة المطبوعة بحيدر أباد يحقق رضي الله عنه معنى السفر وأنواع المسافرين ويذكر بعد ذلك الأسفار التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة ويقدم لذلك بقوله : ونحن إن شاء الله نذكر في هذه العجالة من الأسفار التى وقفنا عليها علماً وعيناً وهي التي وقعت للأنبياء عليهم السلام والأسفار الإلهية وسفر المعاني في معرض التنبيه على ما يبقى من الأسفار فإن الله قد ذكر في القرآن العزيز أسفاراً كثيرة عن أصناف من المخلوقات . ثم يورد هذه الأسفار مستندة إلى الكتاب والسنة وفيها من الأسرار والعلوم ما يدهش الأفكار ويحير العقول إلى أن يختمها بسفر الحذر وبأواخره يقول : وينتج هذا السفر القرب الإلهي المقرون","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"به سعادة الأبد وفي هذا المقام يأمن صاحبه في سفره فيه من كل ما يحذره من القواطع التي تحول بين هوبين سعادته الأبدية ولوصال عليه جميع من في الأرض غلبهم وظهر عليهم ويحصل لصاحبه المتصف به من الكشف ما يقف به على غوامض الأسرار إذ كان نوره ينفر كل شبهة وجهل ويبطل كل تمويه وزوي ويورث النفس شجاعة وإقداماً وقوة فيفعل بالهمة مالا يقدر على فعله بالأجرام ولا بالعدد غير أن صاحب هذا السفر يحصل له في أول دخوله فيه هلع طبيعي وضيق صدر وخوف لما يراه في أول طريقه من ضعفه وقوة هذا المقام وهذا الضعف والذالة القائمة به تورثه العزة والقوة ويكشف له علم الظاهر والباطن فلا يخفى عليه شيء ويتولاه الله بنفسه في خروجه إلى الإرشاد والهداية فيكون معانا وتحصل له البشرى من الله حتى يأمن فتتوفر داعيته إلى التبليغ فإن الخوف مانع والجبن صارف ويختم الكتاب المذكور بختم هذا السفر الموسوي المشار إليه بقوله تعالى : { فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون } .\rوليكن هذا آخر ما أورده في هذا الفصل وطالب الزيادة يجدها بسعيه وقرعه الباب والله الموفق للهدى والصواب .\rوصل - الرجال الذين التقى بهم في طريق القوم","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"سأحاول في هذا الوصل ذكر بعض من التقى بهم رضي الله عنه في طريق السير إلى الله تعالى لكون الإحاطة والإحصاء لذلك عسير جداً على أمثالنا لما كان عليه رضي الله عنه من دوام الطلب والاجتماع بالرجال والانتقال إلى الأقطار المختلفة وقطع الأوقات في الإفادة والاستفادة فأقول : التقى رضي الله عنه بأشبيلية في أول أمره بالشيخ أبي جعفر العريبي فأوصاه بقطع الشواغل والعكوف على مجالسة الحق فعمل الشيخ على ذلك حتى فتح له . ويقول سيدي محيي الدين : كنت إذا دخلت عليه يقول مرحباً بالابن البار كل ولدي نافق علي وجحد نعمتي إلا أنت فإنك مقر بها معترف لا أنساها الله لك . ويقول الشيخ أيضاً : وصليت مع الصبح في دار وليي وفيي أبى عبد الله الخياط المعروف بالعصاد وأخيه أبي العباس أحمد الحريري فقرأ الإمام (( عم يتساءلون )) فلما وصل إلى قوله تعالى { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا } غبت عن قراءة الإمام و ما سمعت شيئاً ورأيت شيخنا أبا جعفر المذكور وهو يقول : المهاد العالم والأوتاد المؤمنون . المهاد المؤمنون والأوتاد العارفون . والمهاد العارفون والأوتاد النبيون ، والمهاد النبيون والأوتاد المرسلون . فرددت إلى وليي والإمام يقرأ (( وقال صوابا ذلك اليوم الحق )) فلما فرغنا من الصلاة سألته فوجدته قد خطر له في تلك الآية ما شهدته .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي العبسي رضي الله عنه . يقول الشيخ رضي الله عنه : رأيته في النوم وقد انشق صدره وفيه مصباح يضيء كأنه الشمس يقول يا محمد هات فأتيته بحقين أبيضين كبيرين فتقايأ فيهما لبناً حتى ملأهما ثم قال اشرب فشربت جل ما أنا فيه من بركته وبركة أبي محمد المروزي . ويقول أيضاً : كان رضي الله عنه يحبني ولا يظهر ذلك لي ويقرب غيري ويطردني ويصوب كلام غيري ويوبخني في المحافل والمجالس ويشتمني حتى كان أصحابي الذين معي ينسبوني إلى قلة الهمة وهم معي تحت نظره وخدمته فما برع من تلك الجماعة غيري ولله الحمد وكان الشيخ رضي الله عنه يقول ذلك .\rومنهم الشيخ صالح العدوي رضي الله عنه . يقول الشيخ صاحبته سنين لا أكاد أعد كلامي معي من قلته – ويقول كان له بنا تعلق وإلى جهتنا تأمل انتفعنا به أخبرني بأمور في حقي مما يتفق لي في المستقبل فرأيتها كلها ما غادرت منها كلمة .\rومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد الشرفي رضي الله عنه . يقول الشيخ : لقيني يوماً وأنا واقف على معتوه عندنا من جملة الناس فلم أشعر به حتى أخذ بأذني وأخرجني من الحلقة وقال لي أنت تفعل هذا فخجلت ودخلت معه الجامع .\rومنهم الشيخ أبو يحيى الصنهاجي رضي الله عنه . يقول الشيخ : كانت صحبتي إياه شهوراً قبل موته .\rومنهم الشيخ أبو الحجاج يوسف الشبريلي . يقول الشيخ : رأيت له بركات كثيرة كان ممن يمشي على الماء – ما دخلت قط عليه ولا غيري إلا وجدته قارئاً في المصحف لم يمسك كتاباً غير المصحف حتى مات .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ومنهم أبو عبد الله محمد بن قسوم رضي الله عنه : وصفه الشيخ رضي الله عنه بالجهد والاجتهاد في العبادة والمحافظة على الجماعات في المسجد . وكان يدعو بقوله : الهم أسمعنا خيراً وأطلعنا خيراً ورزقنا الله العافية وأدامها لنا وجمع الله قلوبنا على التقوى ووفقنا لما يحبه ويرضاه وخواتم البقرة . ويذطر الشيخ رضي الله عنه أنه قرأ عليه وسمع منه العم الشرعي .\rومنهم أبو عمران موسى بن عمران المارتلي : ذكر عنه الشيخ أنه ذو معرفة تامة وأدب عظيم .\rومنهم الأخوان الشقيقان أبو عبد الله محمد الخياط وأبو العباس أحمد رضي الله عنهما : يذكر الشيخ عن أبي عبد الله أنه كان باراً بوالدته لزم خدمتها حتى ماتت . غلب عليه الخوف حتى إذا صلى يسمع لقلبه دوى على بعد . لا تراه أبداً إلامطرقاً – له شأن عجيب وهمة رفيعة – يحفظ دينه حفظاً ما تمنيت من كل من رأيت أن أكون مثله إلا هو . وآخيته لما رجعت إلى هذه الطريقة وفرح بي ولازمته – كثير النجوى ليله قائم ونهاره صائم . لا تجده فارغاً قط يحب العلم وأهله .\rويقول عن أخيه ابي العباس أحمد : جمع الفضائل . عرف الحق فلزمه وكشف له عن السر فكتمه – قوي المجاهدة حسن المعاشرة – كثير المكاشفة . كنا إذا أخذنا في مسألة غيب عنا ثم يرجع فيخبرنا بوجه من وجوه ما نحن فيه . لزم خدمة أخيه لم يخدمغيره .\rومنهمالشيخ أبو عبد الله محمد بن جمهور رضي الله عنه يقول الشيخ رضي الله عنه في حقه : وكان رحمه الله كثير النفور من الخلق يحب الخلوة والعزلة ورعاً زاهداً عارفاً بالله واقفاً مع الله .\rومنهم الشيخ أبو على الشكاز رضي الله عنه . يقول الشيخ : عاشرته من وقت دخولي في هذه الطريقة حتى مات . ويقول : له بركات كثيرة انتفعت بصحبته .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي الطائي : وهو عم الشيخ يثول الشيخ عنه : وكان رحمه الله يجلس في البيت فيقول قد طلع الفجر فسألته من أينتعرف ذلك فقال يا بني إن الله يوجه ريحاً من تحت العرش تهب في الجنة فتخرج بريحتها عند طلوع الفجر يشمها كل مؤمن في كل يوم .\rومنهم أبو محمد عبد الله بن الأستاذ المروزي . يقول الشيخ رضي الله عنه : ولقد أطلعني الله عز وجل ليلة على المقامات ومشي بي عليها حتى وصلت مقام التوكل فرأيت شيخنا عبد الله المروزي في وسط ذلك المقام والمقام يدور عليه كدوران الرحى على قطبها وهو ثابت لا يتزلزل فكتبت له بذلك .\rومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله الباغي الشكاز رضي الله عنه . يقول الشيخ : اجتمعت به في منزله مع صاحبي عبد الله بدر الحبشي وكانت عادتي إذا دخلت على من دخلت عليه من شيخ او فقير أو دفع إليه كل درهم يكون عندي لا أمسك شيئاً فلم يكن عندي سوى درهم واحد في ذلك اليوم فدفعته إليه .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله القطان : كان يقول : عجبت لمن يطلب ما يركب وهو لم يشرع في شكر ما أكل وما لبس ومنهم الشيخ ابن جعدون الحناوي . يقول الشيخ رضي الله عنه : كان سبب اجتماعي به ما أذكره الآن وذلك أني لما وصلت مدينة فاس فكان ذكري قد بلغ من بها فأحب من بلغه ذلك الاجتماع بي فكنت أفر منالدار إلى الجامع فلا أوجد في الدار فأطلب في الجامع وأنا أراهم فيأتوني فيسألوني عني فأقول لهم اطلبوه حتى تجدوه فبينما أنا قاعد وعلى ثياب رفيعة جداً وإذا بهذا الشيخ قد قعد بين يدي ولم أكن أعرفه قبل ذلك فقال لي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرددت عليه ففتح كتاب شرح المعرفة للمحاسبي فقرأ منه كلمات ثم قال لي اشرح وبين ما قال فخوطبت بأحواله ومن هو ومقامه وأنه من الأوتاد الأربعة وأن ابنه يرثمقامه فقلت له عرفتك فأنت فلان فأغلق كتابه وقام واقفاً وقال الستر الستر إني أحبك فأحببت أن أتعرف إليك فقد صح المقصود ثم انصرف فلم أكن أجالسه قط إلا إذا لم يكن معنا أحد وكان معقود اللسان لا يتكلم إلا عن مشقة فإذا تلا القرآن كان من أحسن الناس صوتاً وأبدعهم مساقاً .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أشرف الرندي . يقول الشيخ : صاحبته وعاشرته زماناً – وأخبرني بأمور كثيرة ووعدني أن ألقاه بأشبيلية فأقمت معه ثلاثة أيام وانصرفت فأخبرني بكل ما يتفق لي من بعد مفارقته حرفاً حرفاً فكان كذلك ومنهم الشيخ موسى أبو عمران السيدراني : وهو ممن انتفعوا بسيدنا أبي مدين المغربي التلمساني ومنهم الشيخ أبومحمد مخلوف القبايلي : ذكر الشيخ رضي الله عنه أنه اجتمع به مرة وتركه في صحة وعافية وذهب إلى منزله حتى جاء الليل وأخذ مضجعه رأى في المنام كأنه في أرض واسعة فيها صهيل الخيل وقعقعة اللجم ورأى أشخاصاً ركباناً وعلى أقدامهم ينزلون في ذلك الفضاء حتى امتلأ بهم وكام هؤلاء الأشخاص حسان الوجوه ومن بينهم رجل طويل عظيم اللحية واسع الوجه سأله الشيخ عن هذا الجم الغفير فأخبره أن هؤلاء جميع النبيين من آدم إلى محمد عليهم السلام وسأله عنه فأخبره أنه هود وأنهم جاءو لزيارة وعيادة أبي محمد . يقول الشيخ : قاستيقظت فسألت عن أبي محمد مخلوف فوجدته قد مرض تلك الليلة فلبث أياماً ومات رحمه الله تعالى .\rومنهم الشيخ صالح الخراز : كان لا يعمل شغلاً قط لمن يعرف منه أنه يراه بعين التعظيم .\rومنهم الشيخ عبد الله الخياط رضي الله عنه : كان كثير الفكر شديد الوجد والتوله .\rومنهم الشيخ أبو العباس أحمد بن همام رضي الله عنه : يقول الشيخ عنه : كان له والد يحول بينه وبين طريق الله فلما اشتد ذلك عليه قال لي يا أخي اشتد علي الأمر وقد طردني أبي وقال لي سر حيث شئت وأنا أريد الخروج إلى ثغور المسلمين لجهاد العدو وأرابط بموضع منها حتى أموت فمشى إلى ثغر منها يقال له جلمانية ولم يزل بها حتى الآن .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"ومنهم الشيخ أبو أحمد السلاوي رضي الله عنه : يقول الشيخ رضي الله عنه في ترجمته : وصل إلينا إلى أشبيلية وأنا في تربية شيخنا أبى يعقوب . كان هذا أبو أحمد رحمه الله قوي الحال صحب أبا مدين . ويقول عنه : بت معه شهراً كاملاً بمسجد ابن جراد فقمت ليلة أريد أن أصلي فتوضأت وجئت إلى مسقف المسجد فرأيته نائماً عند باب المسقف والأنوار متصلة إلى السماء وبقيت واقفاً أنظر فلا أدري أمن السماء نزلت عليه تلك الأنوار حتى اتصلت به أو منه انبعثت حتى اتصلت بالسماء فلم أزل واقفاً عليه أتعجب من حاله حتى استيقظ وتوضأو قام يصلي .\rومنهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن طريف العبسي : كان بديار مصر وقيد كثيراً من كتب الطريق وكان يحب المعارف .\rومنهم الشيخ أبومحمد عبد الله بن إبراهيم المالقي : كان يعمل على طريق الفتيان ما تراه يمشي قط إلا في حق غيره .\rومنهم الشيخ عبد الله بن ناخست والشيخ الشحات ومنهم الشيخ أبو يحيى بن أبي بكر الصنهاجي : يقول الشيخ رضي الله عنه : من أهل المعارف والارشادات والتمكين قل أن تلقى مثله ؟ بيني وبينه مسائل من الحقائق كثيرة يضيق الوقت عن ذكرها ألفت من أجله كتاب عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب .\rومنهم الشيخ أبو العباس بن تاجة والشيخ يوسف بقرمونة والشيخ أبو الحسن القتوني والشيخ الحداد بأشبيلية والشيخ أبو إسحاق القرطبي ببجاية والشيخ أبو عبد الله المهدوي بمدينة فاس ومنهم الشيخ أبو الحسين يحيى بن الصائع بسبتة : يقول الشيخ عنه : من المحدثين وهوصوفي وهذا من الأعجوبات محدث صوفي كبريت أحمر له بركات كثيرة عاشرته كثيراً ورويت عنه وقرأت عليه كان زاهداً متجرداً .\rومنهم الشيخ ابن العاصي أبو عبد الله الباجي بأشبيلية : يقول الشيخ عنه : كان فقيهاً زاهداً وهذا أيضاً غريب فقيه زاهد لا يوجد .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ومنهم الشيخ أبو عبد الله بن زين بأشبيلية : يقول الشيخ رضي الله عنه : كان من أفضل الناس كثير الجد والاجتهاد والتقشف كان يقرأ القرآن والنحو بجامع العديس بأشبيلية لا يؤبه له غامضاً في الناس . اعتكف على كتب أبي حامد . قرأ ليلة تأليف أبي القاسم بن أحمد في الرد على أبي حامد فعمى فسجد لله من حينه وتضرع وأقسم أنه لا يقرؤه أبداً ريذهبه فرد الله عليه بصره ومنهم الشيخ أبو عبد الله الفران .\rومنهم الشيخ أبو زكريا يحيى بن حسن الحسني بمدينة بجاية : وكان من العلماء العاملين صاحب زهد وورع ونصيحة وكان الغالب عليه الخوف .\rومنهم الشيخ عبد السلام الأسود السائح والشيخ أبو عبد الله القسطيلي بمدينة أشبيلية .\rومنهم الشيخ أبو العباس أحمد بن منذر بمدينة أشبيلية : كان من أهل القرآن والفقه في مذهب الإمام مالك . وكان إذا اعتاصت عليه مسألة في المذهب يرى سيدنا الرمام مالكاً يحلها له . وكان يتعرض له في داره الروحانيون والرجال يسلمون عليه .\rومنهم الشيخ موسى المعلم بمدينة فاس والشيخ أبو محمد عبد الله البرجاني والشيخ أبو عبد الله محمد البابلي والشيخ أو عبد الله المرابط والشيخ ميمون ابن التونسي والشيخ أبو محمد عبد الله بن خميس الكتاني – ولقى رضي الله عنه بمكة الأشخاص السبعة وهم أصحاب مرتبة خاصة بين رجال الله .\rوالتقى أيضاً بسيدات في طريق الله منهن : شمس أم الفقراء بمر شانة الزيتون . يقول رضي الله عنه : اختلفت إليها مراراًُ ما لقيت في الرجال مثلها في الحمل على نفسها . كبيرة الشأن في المعاملات والمكاشفات قوية القلب لها همة شريفة ولها التمييز تستر حالها جداً ويقول : أختبرتها مراراً في باب الكشف فوجدتها متمكنة الغالب عليها الخوف والرضا وتحصيل هذين المقامين في وقت واحد عندنا عجيب .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"والتقى بفاطمة بنت المثنى بأشبيلية : يقول رضي الله عنه : أدركتها في عشر التسعين قد أسنت لا تأكل إلا ما يطرح الناس على أبوابهم من الأطعمة قليل الأكل جداً . كنت إذا قعدت معها استحيي أن أنظر إلى وجهها من عظيم نور وجنتيها ونعمتها وهي في عشر التسعين سنة . كانت سورتها من القرآن الفاتحة قالت لي أعطيت الفاتحة أصرفها في كل أمر شئته . بنيت لها بيدي بيتاً من قصب تسكنه وكانت تقول : لا يعجبني أحد ممن يدخل علي غير فلان تعني إياي فيقال لها بم ذاك فتقول ما منكم أحد يدخل علي إلا ببعضه ويترك بعضه في أغراضه من داره وأهله إلا محمد ابن العربي ولدي وقرة عيني فإذا دخل علي دخل بكله وإذا قام قام بكله وإذا قعد قعد بكله لا يترك خلفه من نفسه شيئاً وهكذا ينبغي أن يكون الطريق . ويقول عنها : كانت والهة في الله تعالى من رآها يقول عنها حمقاء فتقول الأحمق من لا يعرف ربه .\rانتهى ما تيسر لي إيراده من جملة من التقى بهم الشيخ رضي الله عنه من أئمة وقته نفعنا الله بهم جميعاً .\rوصل ثان – في قواعد سلوكه رضي الله عنه\rأحاول بقد الاستطاعة في هذا الوصل حصر القواعد الكلية التي كانت أصولاً لسلوك الشيخ رضي الله عنه وتربيته ومعاملته للمريدين فأقول :\rسلوكه رضي الله تعالى عنه كسلوك غيره من الصوفية سلوك محمدي مشروع مؤسس على التقوى وكثرة النوافل وترك الرخص ما أمكن وجهاد النفس لتخليصها من رعونتها وتصفية مرآتها حتىتنطبع فيها العلوم والمعارف اللدنية المتعلقة بصلاح المعاش والمعاد وسلوك المقامات في طريقها إلى الله وتربية الغير في هذا الطريق .\rوأشرف علوم هؤلاء السادة بل وهو وحده مطلوبهم ما يتعلق بمولاهم وأسمائه وصفاته حتى أن الذائق المتحقق منهم بهذه العلوم يتخطى أسوار التقليد في الإيمان ويحصل له العيان واليقين التام في معرفته بربه وفي ذوقه للأسرار والمنح الإلهية .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وهذه قاعدة ثانية من قواعد سلوك الشيخ رضي الله عنه تتبين للمطلع على كتبه اطلاعاً واسعاً جامعاً مبيناً على الغنصاف وطلب الحق لذاته وهي وقوفه رضي الله عنه مع الوارد في الكتاب والسنة خصوصاً ما يتعلق بالعلم بالله فهو لا يؤول آيات الصفات التي يفهم من ظاهرها تشبيه الحق بخلقه لا بمعنى أنه مجسم أو مشبه أو مبطل للتأويل في محله وعند الضرورة إلأيه بل على اعتقاد السلف رضي الله عنهم بتسليم ما تحت هذه الظواهر التشبيهية للمتكلم بها العالم بأسرارها جل شأنه .\rومبنى هذا الوقوف وعدم التأويل على شدة الإيمان بالله وعجز المخلوق عن إدراك صفات خالقه جل شأنه ومبناه أيضاً على أن التأويل إذا لم يكن من عارف محافظ متحقق بالعجز عن الإحاطة بكنه هذه الصفات ونسبتها للحق يؤدي إلى التشبيه أيضاً حيث انتقل من تشبيه مجسد محسوس إلى تشبيه معنوي معقول وهو الحد الذي أول النص إليه وقرره في علمه وإدراكه وهو حد محدث مخلوق في القوى المدركة والمتصورة وتعالى الحق أن تكون ذاته وصفاته تحت تصور وإدراك مخلوقين في مخلوق فلما هدى الشيخ رضي الله عنه ورجال الطريق إلى هذا الخطر الحاصل من التأويل ساورا على مذهب السلف رضي الله عنهم مع عدم إبطالهم مذهب الخلف إطلاقاً بل لوسعهم رضي الله عنهم وفهمهم حكم الضرورات واختلاف القوابل والاستعدادت قالوا بالتأويل أيضاً إذا اقتضاه الحال ودعت إليه ضرورة الدفاع عن الدين كما هو المعروف بين الأئمة أن أصل وضع قواعد علم الكلام هو الدفاع عن العقائد الإسلامية وصونها من فهم الفرق المبتدعة المخالفة لمذهب أهل السنة وحماية الدين من آراء المعاندين غير المسلمين .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"ومما يلزم أيضاً لإتمام فهم هذه القاعدة أن الشيخ رضي الله عنه له في كل مقام مقال وفي كل حال فهم خاص يناسبه حكم خاص – وفهم هذا الاتساع الذي كان عليه الشيخ رضي الله عنه لا بد أن يكون مصحوب المطلع على كتبه إذا طلبها باحثاً أما المصدق المسلم المحب فيهتدي إلى ذلك بدون توجيه ويصح لديه سلامة علم الشيخ وأحواله وصدق طلبه لربه .\rوإنما حصل هذا العلم الصحيح والرأي السليم نتيجة للعكوف الكامل على العبودية الخالصة المؤيدة بالاتباع الدقيق للشرع الشريف المحاطة بسياج التوفيق الإلهي رورح هذا العلم الممنوح لأهل اله ذوق خاص لا يقف على فهمه غير صاحبه بل وقد لا يتمكن صاحبه من جمع أطرافه وتحديده وذلك كله لوسع المعلوم وتعاليه عن كل علم وكشف وذوق . وسأذكر في ذلك شعراً له بفصل العلوم وهذا قاعدة أخرى من قواعد تدينه وسلوكه رضي الله عنه وهي موافقته في الاتقاد لأهل السنة ووقوفه ضد مذاهب الفرق المبتدعة بالاعتماد على كتاب الله وسنة نبيه \"صلى الله عليه وسلم\" وترك مسائل الحوار والجدال في القضاء والقدر ونسبة الأفعال إلى الحق والخلق وما شاكل ذلك من مسائل لا تعني المؤمن الصادق المتجه بقلبه وقالبه لخالقه .\rولقد اجتمع الشيخ رضي الله عنه بأحد من اعتقدوا مذهب المعتزلة فراجعه في المسائل التي يعتقدها وحقق الاعتقاد الصحيح السني له فرجع عن اعتقاده هو ومن تبعه – ذكر الشيخ ذلك بالباب الخامس والثلاثين وخمسمائة من كتاب الفتوحات المكية – وإنما سقت هذا مثالاً فقط للتدليل على هذه القاعدة .\rوثم قاعدة أخرى يلمسها المطلع على كتبه رضي اللهعنه وهي جعله إيمان السالك مقارناً لكل مقام يسلكه وربطه شرف ما يحصل لهذا السالك من مواهب بوجود الإيمان وقوته – وهاك بعض أقواله في ذلك :","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"كل فراسة لا تكون عن نور الإيمان لا يعول عليها – ويقول في الباب الثاني والتسعين ومائتين من كتاب الفتوحات المكية : والسعادة مرتبطة بالإيمان وبالعلم الصحيح عن علم . والعلم الصحيح هو الذي يبقى معه الإيمان ويقول أيضاً : العلم في حق المخلوق وإن كان له الشرف التام الذي لا تجهل مكانته ولكن لا يعطي السعادة في القرب الإلهي إلا بالإيمان فنور الإيمان في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه فإذا كان الإيمان يحصل عنه العلم فنور ذلك العلم المولد من نور الإيمان أعلى وبه يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم فيرفع الله الذي أوتوا العلم من المؤمنين درجات على المؤمنين الذي لم يؤتوا العلم ونريد العلم بالله .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"ويقول في الباب الخامس والستين وثلثمائة – في ذكر أحد مشاهده الكشفية : واطلعت على جميع ما آمنت به مجملاً مما هو في العالم العلوي وشهدت ذلك كله فلما زحزحني علم ما رأيته وعاينته عن إيماني فلم أزل أقول وأعمل ما أقوله وأعلمه لقول النبي \"صلى الله عليه وسلم\" لا لعلمي ولا لعيني ولا لشهودي فواخيت بين الإيمان والعيان وهذا عزيز الوجود في الأتباع فإن مزلة الأقدام للأكابر إنما تكون هنا إذا وقعت المعاينة لما وقع به الإيمان فيعمل على علين لعلى إيمان فلم يجمع بينهما ففاته من الكمال أن يعرف قدره ومنزلته فهو وإن كان من أهل الكشف فما كشفه الله له عن قدره ومنزلته فجهل نفسه فعمل على المشاهدة والكامل من عمل على الإيمان مع ذوق العيان وما انتقل ولا أثر فيه العيان وما رأيت لهذا المقام ذائقاً بالحال وإن كنت أعلم أن له رجالاً ف يالعالم لكن ما جمع الله بيني وبينهم في رؤية أعيانهم وأشخاصهم وأسمائهم فقد يمكن أن أكون رأيت منهم وما جمعت بين عينه وأسمه وكان سبب ذلك إني ما علقت نفسي مع الله أن يستعملني فيما يرضيه ولا يستعملني فيما يبعدني عنه إلى آخر ما قال في هذا التحقيق الفريد المؤكد المؤكد في وقوفه التام مع العبودية الصادقة لربه .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وقاعدة أخرى يبنى عليها سيره وحاله وتربيته للطالبين وتحقيقه لاداب الطريق وأسسه وهي استضافة العلوم والمعارف والأذواق من طريق الاتباع والسير على الجادة المحمدية المستقيمة الخالصة من النظر العقلي النفسي – فتراه قد عقد لبيان هذه القاعدة فصولاً في كتبه كالباب السابع والستين ومائة من كتاب الفتوحات المكية فيبين في هذا الباب الفروق الواسعة بين السالك المتبع العامل بالشريعة المحمدية وبين السالك بنظره ورأيه النفسي بدون تتبع لآثار الأنبياء وشرائعهم موضحاً ثمرات كل من السلوكين واضعاً المتبع في المرتبة الشريفة الجديرة بالطلب بينما يقرر أن كل ما يحصله السالك بنظرة علم ببعض الأكوان الأرضية أو السماوية وليس هذا هدف العقلاء المقدرين لسمو المطلوب الحق وما يقرب إليه من أعمال وعلوم وتراه قد رتب في كتابه مواقع النجوم ما يحصل للسالك من كرامات وعلوم على الأعمال التكليفية المحددة في الشرع الشريف .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وتراه يصرح كثيراً في كتبه بأن تصانيفه وعلومه من حزائن القرآن الكريم والفهم فيه وسأورد هنا بعض أقوال المؤيدة لهذه القاعدة تاركاً بعضها لقسم مختارات العلوم الآتي بأحد فصول الكتاب : يقول رضي الله عنه في الباب الخامس والستين وثلثمائة من الفتوحات : فكل وارث نبي فعلمه من فيض نور من ورثه من الله ونظره سبحانه إلى أنبيائه أتم النظر فعلم الورثة أتم العلوم وكل علم لا يكون عن ورث فإنه ليس بعلم اختصاص كعلم أصحاب الفترات فإن علمهم ليس بعلم وراثة . إلى أن قال : وكل صاحب مجاهدة وخلوة وتصفية نفس على غير شريعة ولا مؤمن بها على ما هي عليه في نفسها فإن العلم الذي يكون عليه ويجده عند هذا الاستعداد ليس بعلم ميراث ولا للحق إليه نظر نبوي بل غايته أن يتلقى من الأرواح الملكية بقدر ما هو عليه من المناسبة ومن الله على قدر ما أعطاه نظره الفكري لأنه لا كشف له البتة من الله لأن ذلك من خصائص الأنبياء عليهم السلام ومتبعيهم لا من قال بهم ولم يتبع واحداً منهم على التعيين – ثم أورد حاله الخاص في ذلك فقال : ولقد آمنا بالله وبرسوله وما جاء به مجملاً ومفصلاً مما وصل إلينا من تفصيله وما لم يصل إلينا أو لم يثبت عندنا فنحن مؤمنون بكل ما جاء به في نفس الأمر أخذت ذلك عن أبوي أخذ تقليد ولم يخطر لي ما حكم النظر العقلي فيه من جواز وإحالة ووجوب فعملت على إيماني بذلك حتى علمت من أين آمنت وبماذا آمنت وكشف الله عن بصري وبصيرتي وخيالي فرأيت بعين البصر ملا يدرك إلا به ورأيت بعين الخيال مالا يدرك إلا به ورأيت بعين البصيرة مالا يدرك إلا بها فصار الأمر لي مشهوداً والحكم المتخيل المتوهم بالتقليد موجوداً فعلمت قدر من اتبعته وهو الرسول المبعوث إلى محمد \"صلى الله عليه وسلم\" وشاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد عليهم السلام وأشهدني الله تعالى المؤمنين بهم كلهم حتى ما بقي منهم من أحد ممن كان ويكون إلى يوم القيامة خاصهم وعامهم","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"إلى آخر ما قال في ذلك من أسرار عالية وعلوم غالية نفعنا الله به آمين .\rويدعو رضي الله عنه إلى الإجتماع على قراءة القرآن الكريم ويقول في ذلك : وقد كا في بلاد المغرب قد سلكنا هذا المسلك بموافقة أصحاب موفقين كانوا لنا سامعين وطائعين ففقدناهم ففقدنا بفقدهم هذا العمل الخالص وهو أشرف الأرزاق وأعلاها – ويقول : فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه أعطيت مفاتيح الفهم فيه والإمداد منه وذلك أرفع ما يمنح ولا يعرف قدره إلامن ذاقه وشهد له .\rوأذكر قاعدة أخرى من قواعد سلوكه الشريف رضي الله عنه وهي تحليه رضي الله عنه بالخلق الكريم والتماسه المعاذير للخلق وتغليب الرحمة فيما لا يعارض حداً شرعياً أو يؤدي إلى خرق القوانين الشرعية في الدنيا والآخرة .\rومن قواعد تحقيقاته أيضاً عدم إهماله لآراء الغير ما دامت صحيحة أو يمكن توجيهها وربطها بحيثية خاصة ممكنة . ولهذا تجد في تحقيقاته وتحليلاته تسليماً لأقوال طوائف وعلماء لا يسكن غير المحقق إلى شيء من مذاهبهم وآرائهم فتراه يقول في وصل خاص بمقدمة كتابه الفتوحات المكية عند تحقيقه لصحة وشرف علوم القوم رضي الله عنهم وأنها علوم وراثة نبوية :","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"ولا يحجبنك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم صلوات الله عليهم إذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق أنه فيلسوف لكون الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها وأعتقدها وأنه نقلها منهم أو أنه لا دين له فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له فلا تفعل يا أخي فهذا القول قول من لا تحصيل له إذا الفيلسوف ليس كل علمه باطلاً فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما إن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبري من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر فإن كنا لا نعرف الحقائق ينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة المعينة وأنها حق فإن الرسول \"صلى الله عليه وسلم\" قد قال بها أو الصاحب أو مالكاً أو الشافعي أو سفيان الثوري إلى آخر ما قاله في ذلك .\rومع هذا فإنه رضي الله عنه لا يجوز النظر في كتب الملل الباطنة والنحل الزائغة لأحد من القاصرين بخلاف أهل الكشف المحققين المتمكنين من أحوالهم فهم في أمان من اعتقاد غير الحق وهو في تحصيل كمال في كل ما يطرقون وأيضاً عرف من توجيهاته رضي الله عنه للمريدين ضرورة تفريغ محالهم من المسائل الجدلية ومالا تمس إليه الحاجة الضرورية من العقائد الصحيحة الإسلامية .\rوأربط هذا الوصل بآخر في تحقيق الطريق إلى الله تعالى من كلام الشيخ رضي الله عنه لزيادة فهم سلوك الشيخ وتربيته للمريدين .\rوصل ثالث – في الطريق إلى الله تعالى\rأحببت أن أذكر بهذا الوصل ما تيسر من تعريف الشيخ رضي الله عنه بالطريق إلى اللله تعالى لجلالة هذا التعريف وسعة أطرافه وجمعيته لما تفرق في غيره وإنما سقته هنا لارتباطه بما سبق من ذكر سلوكه رضي الله عنه وسيأتي من هذا النوع أيضاً ما تيسر بفصل مختارات العلوم والوصايا .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"يقول رضي الله عنه بمقدمة كتابه الفتوحات المكية بعد ذكر مراتب العلوم وشرف خاص لكون العبد لا فعل له ولا أثر لقدرته الحادثة الموصوف بها وجميع ما ذكرناه يسمى الأحوال والمقامات فالمقام منها كل صفة يجب الرسوخ فيها ولا يصح التنقل عنها كالتوبة . والحال منها كل صفة تكون في وقت دون وقت كالسكر والمحو والغيبة والرضا أو يكون وجودها مشروطاً بشرط فتنعدم لعدم شرطها كالصبر مع البلاء والشكر مع النعماء وهذه الأمور على قسمين قسم كما له في ظاهر الإنسان وباطنه كالورع والتوبة وقسم كما له في باطن الإنسان تم إن تبعه الظاهر فلا بأس كالزهد والتوكل وليس ثم في طريق الله تعالى مقام يكون في الظاهر دون الباطن . ثم إن هذه المقامات منها ما يتصف به الإنسان في الدنيا والآخرة كالمشاهدة والجلال والجمال والأنس والهيبة والبسط ومنها ما يتصف به العبد إلى حين موته إلى القيامة إلى أول قد يضعه في الجنة ويزول عنه كالخوف والقبض والحزن والرجاء ومنها ما يتصف به العبد إلى حين موته كالزهد والتوبة والورع والمجاهدة والرياضة والتخلي والتحلي على طريق القربة ومنها ما يزول لزوال شرطه ويرجع لرجوع شرطه كالصبر والشكر والورع فهذا وفقنا الله وإياك قد بينت لك الطريق مرتب المنازل ظاهر المعاني والحقائق على غاية الإيجاز والبيان والإستيفاء العام فإن سلكت وصلت والله سبحانه يرشدنا وإياك . انتهى .\rوأضيف إلى هذا التعريف تعريفاً أخر أورده رضي الله عنه في مقدمة كتابه التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ضمن مجموعة من مؤلفاته رضي الله عنه مطبوعة بالخارج قال رضي الله عنه :","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"التصوف صافاك الله أمره عجيب وشأنه غريب وسره لطيف ليس يمنح إلا لصاحب عناية وقد صدق . له أمور وأسرار غطى عليهن إقرار وإنكار وسقنا هذه المقدمة توطئة لعلوم التصوف على الإطلاق فإن الإنكار عليه شديد والشيطان المخالف له مريد على أنا ما سقنا من هذه العلوم في هذا الكتاب إلا النذر اليسير في آخره وإشارات تتخلله فسقنا هذه المقدمة لتلك الإشارات ومن أراد أن يقف من تواليفنا على جل أسرار هذه الطريقة الشريفة فليطالع كتاب مناهج الارتقاء إلى افتضاض أبكار البقاء المخدرات بخيمات اللقاء ونيناه على ثلثمائة باب وثلاثة ألف مقام مقام لكل باب عشر مقامات كلها أسرار بعضها فوق بعض فرجونا وفقك الله في سياق هذه المقدمة في هذا الكتاب التي هي كالعلاوة عليه أن يقف عليه السالك ابتداء فيكون له عصمة من الإنكار على كلام أهل هذه الطريقة وما يقف عليه في داخل الكتاب فيقع منه التسليم فربما يفتح له قفل السر الذي وقف عنده وسلمه فهذا ما أوردناه جعلنا الله ممن حسن إسلامه وسلم ما لم يبلغه آمين بعزته . فأعلم شرح الله سبحانه صدرك أنه مبنى هذا الطريق على التسليم والتصديق حتى قال بعض السادة القادة لا يبلغ الإنسان درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق ثم يؤيد قول هذا السيد بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه :\rإني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا\rفقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا\rيا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا\rولا ستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا\rفأشترط في إنكار هذا العلق النفيس رجالاً سماهم مسلمين قد وقفوا مع التخيل والتلبيس وكيف لا ينكر هذا الطريق وهل يبقى أثر للباطل عند ظهور الحق . فماذا بعد الحق إلا الضلال . وقل جاء الحق وزهق الباطل .\rوقال الشاعر :\rألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"بأنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rقال الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . حسنات الأبرار سيئات المقربين . إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة .\rواستطرد رضي الله عنه في هذه المقدمة إلى أن قال : فإن تعرض لك أيها الأخ المسترشد من ينفرك عن الطريق فيقول لك طالبهم بالديل والبرهان يعني أهل هذه الطريقة فيما يتكلمون به من الأسرار الإلهية فأعرض عنه وقل له مجاوباً في مقابلة ذلك ما الدليل على حلاوة العسل ما الدليل على لذة الجماع وأشباههما وخبرني عن ما هية هذه الأشياء فلا بد أن يقول لك هذا علم يحصل إلابالذوق فلا يدخل تحت حد ولا يقوم عليه دليل فقل له وهذا مثل ذلك ثم اضرب له مثالاً آخر وقل له لو كان لك دار بنيتها بيدك وما لأطلع عليها أحد غيرك ففشا ذكرها واتصل بأسماع الناس خبرها ثم اصطفيت أحداً من خواصك فأدخلته إياها حتى عاينها وأحاط بما أطلعته منها عليه وهو بمرأى الناس عند إدخالك إياه ثم خرج إليهم وقعد يصف لهم ما رأى فيها هل يصح أن يقال له ما الدليل في ذلك المقام على ما تذكره أنها على هذه الصفة هذا لا يصح ولو طالبه أحد بذلك حمقه الناس وسخفوه وقالوا هذا شيء لا يقوم عليه دليل غايتنا أن رأينا رجلاً أدخله صاحب الدار وخرج فوصف ما رأى فمن حسن الظن به وثبتت عنده العدالة صدقه في قوله ومن لم فلا يلزمه ذلك ولا يحسن من أحد أن ينكر عليه مقالته فإذا أردت أن تقف على ما أدعاه هذا الداخل فأرغب إلى صاحبها يدخلك إياها فتشاهد ما شاهد ليس غير ذلك فكذلك يا أخي هذا العلم السني الذي هو نتيجة التقوى إذا رأينا رجلاً قد اتقى الله سبحانه ووقف عند حدوده واتصف بالزهد والورع وأشباه ذلك ثم نطق بعد هذا بعلم لا تسعه عقولنا وهبه الله سبحانه وتعالى إياه فالواجب علينا التسليم والتصديق فيما ادعاه وتحسين الظن به وترك الاعتراض عليه فإن اله تعالى قد يخص من يشاء من عباده بما يشاء من علومه كما قال { يؤتي","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"الحكمة من يشاء } وقال { علمناه من لدنا علما } ومسألة موسى والخضر فيها مقنع أعني في الاختصاص (( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون )) هل صدر قط أو سمع عن الصحابة أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما العلة على أن الظهر أربع والمغرب ثلاث ولم أسر في بعض وجهر في بعض ما سمعنا بهذا وإنما لم يكن ذلك لأنه قد ثبتت عصمته وبان صدقه وعلم أنه لا ينطق عن نفسه فمهما رأيناك تطلب الدليل على من ورثه ولازم التقوى التي تدل على صحة علمه كدلالة المعجزة على صدق الرسول علمنا أن صفة الصدق ما استقرت لديك ولا تبدت قط إليك فسلم إليهم أحوالهم ولا تنكر عليهم أقوالهم وقل رب زدني علماً عسى الله أن يفتح لك باباً من عنده من ذلك ولا تنكر عليهم وفقك الله النطق بالغيب مع إيمانك بالمثال المحسوس الذي نصب الله لك أن المرآة إذا صقات وجلي عنها الصدأ وتجلت صورة الناظر فيها أليس يرى نفسه حسناً أم قبيحاً فإن جاء أحد خلفه تجنت صورته في المرآة فعندما نظر إليها قال للحاضرين معه خلفي إنسان أو شيء على صورة كذا وكذا حتى يستوفي ما رأى وهو لم يره بعينه الروؤية المعهودة والتصديق بهذا واجب فإنه محسوس كذلك المعقول نظير المحسوس فيعمد الإنسان إلى مرآة قلبه فيجلوها من صدأ الأغيار ويميط عنها كل حجاب يحجبها عن تجلي صور المعقولات والمغيبات بأنواع الرياضات والمجاهدات فإذا صقلت وانجلت تجلى فيها كل ما قابلها من المغيبات فنطق عما شاهد ووصف ما رأى (( ما كذب الفؤاد ما رأى )) وهذا مثال على التقريب ولولا التطويل لتكلمنا على ضروب المكاشفة وأصنافها لكن يكفي هذا القدر فمن أراد أن يقف على أنواعها على الكمال من تواليفنا فليقف على (( جلاء القلوب )) ثم يا ليت شعري طالب الدليل على هذا العلم المشاهد هل أحاط علماً بمعنى الكتاب والسنة حتى يقال له هو مثل كذا هل أحاله دليل العقل إلى آخر ما قال رضي الله عنه في هذه المقدمة . ويكفي هذا القدر في بيان","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"الطريق إلى الله تعالى وما يأتي من مختارات العلوم فيه زيادة الفائدة والله الموفق والمرشد .\rالفصل الثالث\rكرامات الأولياء وحظ الشيخ منها\rكرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنة وليس هذا المختصر متسعاً لإيراد الأدلة والنصوص في ذلك والصادق صاحب الهمة يعثر على حاجته بدون كثير بحث وطلب .\rوهي نوعان حسية ومعنوية . فالحسية كالإخبار عن المغيبات والطيران في الهواء والمشي على الماء والإنفاق من الغيب وغير ذلك من خوارق العادات المعروفة في العموم . ويقع منها ما قدر لغالب الأولياء تفضلاً من المولى عليهم لصدق طلبهم وداوم خدمتهم وإن كانت ليست بشرط في إثبات الولاية والخصوصية .\rفما وقع منها لسيدي محي الدين رضي الله عنه ما تقف عليه أثناء مطالعتك لكتبه من كشوفات غيبية ومشاهدات لمن سبقه من الرجال وتناوله معهم المسائل العلمية والأذواق العرفانية وتجد هذا النوع من المشاهد بأواخر كتابه التجليات الموجود ضمن مجموعة من كتبه طبعت بحيدر أباد كما أشرت إلى ذلك بالفصول السابقة - ومن أمثلة هذا الوع أيضاً ما ذكره بالباب الثامن وأربعمائة بكتابه الفتوحات المكيةمن اجتماعه بالسبتي بن هارون الرشيد وهو يطوف بالكعبة مع مضي الزمن الطويل على انتقال السبتي من الدار الدنيا وقد شهد هذا الاجتماع من كان مع الشيخ بالحرم وسألوه عن ذلك فإخبر بذلك بعض إخوانه .\rومن أمثلة هذه الكشوفات العلمية أيضاً ما حكاه بكتابه مواقع النجوم عن ذكره الكيفيات الكشفية التي تقع كرامة للأولياء قال رضي الله عنه : واتفق لي ألطف من هذا وذاك أني كنت مشغولاً بتأليف كتاب إلقائي فقيل لي اكتب : هذا باب يدق وصفه ويمنع كشفه ثم لم أعرف ما أكتب بعده وبقيت أنتظر الإلقاء حتى انحرف مزاجي وكدت أهلك فتصب قدامي لوج نوري وفيه أسطر خضر نورية فيها مكتوب هذا باب يدق وصفه ويمنع كشفه والكلام على الباب فقيديته إلى آخره ثم رفع عني .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"ومن أمثلة هذه المشاهد الخصوصية ما حكاه أيضاً بالباب الخامس والعشرين من التقائه بسيدنا الخضر فقال بعد ما ذكر أحد هذه الاجتماعات : ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت بمرسى تونس بالحضرة في مركب في البحر فأخذني وجع في بطني وأهل المركب قد ناموا فقمت إلى جانب السفينة وتطلعت إلى البحر فرأيت شخصاً على بعد في ضوء القمر وكانت ليلة البدر وهو يأنى على وجه الماء حتى وصل إلي فوقف معي ورفع قدمه الواحدة واعتمد على الأخرى فرأيت باطنها وما أصابها بلل ثم اعتمد عليها ورفع الأخرى فكانت كذلك ثم تكلم معي بكلام كان عنده ثم سلم وانصرف يطلب المنارة محرساً على شاطئ البحر على تل بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاث فسمعت صوته وهو على ظهر المنارة يسبح الله تعالى وربما مشى إلى شيخنا جراح بن خميس الكتاني وكان من سادات القوم مرابطاً بمرسى عيدون وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك فلما جئت المدينة لقيت رجلاً صالحاً فقال لي كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر ما قال لك وما قلت له فلما كان بعد ذلك التاريخ خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط ومعي رجل ينكر خرق العوائد للصالحين فدخلت مسجداً خراباً منقطعاً لأصلي فيه أنا وصاحبي صلاة الظهر فإذا بجماعة من السائحين المنقطعين دخلوا علينا يريدون ما نريده من الصلاة في ذلك المسجد وفيهم ذلك الرجل الذي كلمني على البحر الذي قيل لي إنه الخضر وفيهم رجلاً كبير القدر أكبر منه منزلة وكان بيني وبين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك ومودة فقمت فسلمت عليه فسلم علي وفرح بي وتقدم بنا يصلي فلما فرغنا من الصلاة خرج الإمام وخرجت خلفه وهو يريد باب المسجد وكان الباب في الجانب الغربي يشرف على البحر المحيط بموضع يسمى بكة فقمت أتحدث معه على باب المسجد وإذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر قد أخذ حصيراً صغيراً كان في محراب المسجد فبسطه في الهواء على قدر علو سبعة أذرع من","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"الأرض ووقف على الحصير في الهواء يتنفل فقلت لصاحبي أما تنظر إلى هذا وما فعل فقال لي سر إليه وسله فتركت صاحبي واقفاً وجئت إليه فلما فرغ من صلاته سلمت عليه وأنشدته لنفسي .\rشغل المحب عن الهواء يسره …… في حب من خلق الهواء وسخره\rالعارفون عقولهم معقولة … عن كل كون ترتضيه مطهرة\rفهمو لديه مكرمون وفي الورى … …أحوالهم مجهولة ومسترة\rفقال لي يا فلان ما فعلت ما رأيت إلا في حق هذا المنكر وأشار إلى صاحبي الذي كان ينكر خرق الفوائد وهو قاعد في صحن المسجد ينظر إليه ليعلم أن الله يفعل ما يشاء مع من يشاء فرددت وجهر إلى المنكر وقلت له ما تقول فقال ما بعد العين ما يقال ثم رجعت إلى صاحبي وهو ينتظرني بباب المسجد فتحدثت معه ساعة وقلت له من هذا الرجل الذي صلى في الهواء وما ذكرت له ما اتفق لي معه قبل ذلك فقال لي هذا الخضر فسكت وانصرفت الجماعة وانصرفنا نريد روطة موضع مقصود يقصده الصلحاء من المنقطعين - ثم تابع الشيخ رضي الله عنه هذا الكلام إلى أن قال في حق سيدنا الخضر : وقد أثنى الله عليه واجتمع به رجل من شيوخنا وهو علي بن عبد الله بن جامع من أصحاب على المتوكل وأبي عبد الله قضيب البان كان يسكن بالمقلى خارج الموصل في بستان له وكان الخضر قد ألبسه الخرقة بحضور قضيب البان وألبسنيها الشيخ بالموضع الذي ألبسه فيه الخضر من بستانه وبصورة الحال التي جرت له معه في إلباسه إياها - وإستطرد رضي الله غنه في إيراد غير ذلك من أسرار إلباس الخرقة وأصناف الرجال .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"ومن كراماته أيضاً إدراك الأشياء بالقوة الشمية وكذلك القوة البصرية يحقق ذلك رضي الله عنه في آخر الباب الرابع والثلاثين من كتابه الفتوحات المكية بقوله : فهذا يا أخي قد استفدت علوماً لم تكن تعرفها قبل هذا وهي علوم هذا الشخص المحقق بمنزل الأنفاس وكل ما أدركه هذا الشخص فإنما أدركه من الروائح بالقوة الشمية لا غير وقد رأينا منهم جماعة بأشبيلية وبمكة وبالبيت المقدس وفاوضناهم في ذلك مفاوضة حالا لا مفاوضة نطق كما أني فاوضت طائفة أخرى من أصحاب النظر البصري بالبصر فكنت أسأل وأجاب ونسأل ونجيب بمجرد النظر ليس بيننا كلام معتاد ولا اصطلاح بالنظر أصلاً لكن كنت إذا نظرت إليه علمت جميع ما يريده مني وإذا نظر إلي علم جميع ما نريده منه فيكون نظره إلي سؤالاً أو جواباً ونظري إليه كذلك .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وأسوق هنا خارقة للعادة جرى بينه رضي الله وبين إبنته الصغيرة في سن الرضاعه قال رضي الله عنه بالباب الثمانين وأربعمائة بكتابه الفتوحات المكية : وقد نطق في المهد جماعة أعني في حال الرضاعة وقد رأينا أعظم من هذا . رأينا من تكلم في بطن أمه وأدى واجباً وذلك أن أمه عطست وهي حامل به فحمدت الله فقال لها من بطنها يرحمك الله بكلام سمعه الحاضرون وأما ما يناسب الكلام فإن ابنتي زينب سألتها كالملاعب لها وهي في سن الرضاعة وكان عمرها في ذلك الوقت سنة أو قريباً منها فقلت لها بحضور أمها وجدتها يا بنية ما تقولين في الرجل يجامع أهله ولا ينزل فقالت يجب عليه الغسل فتعجب الحاضرون من ذلك وفارقت هذه البنت في تلك السنة وتركتها عند أمها وغبت عنها وأذنت لأمها في الحج في تلك السنة ومشيت أنا على العراق إلى مكة فلما جئنا النعرف خرجت في جماعة معي أطلب أهلي في الركب الشامي فرأتني وهي ترضع ثدي أمها فقالت يا أمي هذا أبي قد جاء فنظرت الأم حتى رأتني مقبلاً على بعد وهي تقول هذا أبي هذا أبي فناداني خالها فأقبلت فعندما رأتني ضحكت ورمت بنفسها علي وصارت تقول لي يا أبت يا أبيت . انتهى .\rومن كرماته أيضاً ما ذكره هو بقوله بالفتوحات في الباب السادس والستين وثلثمائة : ولقد كنت بجامع العديس بأشبيلية يوماً بعد صلاة العصر وشخص يذكر لي عن رجل كبير من أهل الطريق من أكابرهم اجتمع به في خراسان فذكر لي فضله وإذا بشخص أنظر إليه قريباً منا والجماعة معي لا تراه فقال لي أنا هو هذا الشخص الذي يصفه لك هذا الرجل الذي اجتمع بنا في خراسان فقلت للرجل المخبر أن ها الرجل الذي رأيته بخراسان أتعرف صفته فقال نعم فأخذت أنعته له بآثار كانت فيه وحلية في خلقه فقال الرجل هو والله على صورة ما وصفت هل رأيته فقلت له هو ذا جالس يصدقك عندي فيما تخبر به عنه وما وصفته لك إلا وأنا أنظر إليه وهو عرفني بنفسه ولم يزل معي جالساً حتى انصرفت فطلبته فلم أجده .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وأيضاً اجتمع الشيخ رضي الله عنه بالشيخ أبى عبد الرحمن السلمي وجرى بينهما تحقيق مقام القربة المشار إليه عند ذكر ما حصله الشيخ من المقامات مع أن الشيخ السلمي منقول قبل ولادة الشيخ رضي الله عنهما وهذا الاجتماع مذكور بالباب الحادي والستين ومائة من كتابه الفتوحات المكية .\rومن هذه الكشوفات أيضاً ما ذكره بالباب الثالث عشر وخمسمائة بكتابه الفتوحات المكية حيث يقول ، لأنه من عباد الله من تعمل له قيامته فيرى ما يؤول إليه أمره في الدار الآخرة وهي البشرى التي للمؤمن في الحياة الدنيا وقد رأيناها ذوقاً وكان لنا فيها مواقف منها في ليلة واحدة مائة موقف بأخذ ورجوع لو قسمت تلك الليلة على قدر الوقوف ما وسعته وذلك بمدينة فاس سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة أشاهد في كل موقف من اتساع الرحمة مالا يمكنني النطق به - ومنها ما ذكره في الباب الحادي عشر وثلثمائة بكتابه الفتوحات المكية من اعتزاله في المقابر وتنزل الأرواح وتكلمه على من حضر منها وقد شهد له شيخه يوسف بن يخلف الكومي عندما بلغه ذلك وحضر عنده بالمقابر وإحساسه بثقل تنزل الأرواح وصحة مشهد الشيخ وأما كراماته رضي الله عنه من أنواع أخرى فكثيرة منها أنه كان يواصل الصوم إلى السحر في بعض الأحيان ويذكر أنه كان يطعم ويسقى في مبيته عند ربه وراثة محمدية ويجد لهذا الطعام أثر الطعام المعروف وزيادة لذة وقوة بل وتتعدى رائحته إلى مشام الغير ويسأل عن ذلك .\rومنها ما ذكره الشهاب ابن حجر الهيتمي في كتابه الفتاوي الحديثية عن الدفاع عن الشيخ رضي الله عنه فقال بعد مدح الشيخ : حتى أنه مكث ثلاثة أشهر على وضوء واحد . ثم قال : ووقع له ما هو أعظم من ذلك ومنه أنه لما صنف كتابه الفتوحات المكية وضعه على ظهر الكعبة ورقا من غير وقاية عليه فمكث على ظهرها سنة لم يمسه مطر ولا أخذ منه الريح ورقة واحدة مع كثرة الرياح والأمطار بمكة .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ومنها ما ذكره الجندي في شرح الفصوص أن الشيخ الأكبر قدس الله سره كان بعد موته يأتي إلى بيته يزور أم ولد له ويقول لها كيف حالك كيف أنت أخبرته بذلك وهو لا يشك في صدقها .\rومنها ما ذكره الشيخ الصالح الحاج أحمد الحلبي أنه كان له بيت يشرف على ضريح الشيخ محيي الدين فجاء شخص من المنكرين بعد صلاة العشاء بنار يريد أن يحرق تابوب فخسف به دون القبر بتسعة أذرع فغاب في الأرض وأنا أنظر ففقده أهاه من تلك الليلة فأخبرتهم بالقصة فجاءوا وحفروا فوجدوا رأسه فكما حفروا نزل وغار في الأرض إلى أن عجزوا وردموا عليه التراب .\rويكفي هذا القدر اليسيرمن كراماته الحسية للأنتقال إلى القسم الثاني من الكرامات وهو المعنوي منها أذ هو مطلوب الرجال لتحقق الوصول به إلى المطلب الأعلى وهو وجه الله بلا التفات لشيء سواه واسمع الشيخ في تعريف هذا القسم من الكرامات .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"يقول في الباب الثمانين ومائة بكتابه الفتوحات المكية : وأما الكرامات المعنوية فلا يعرفها إلا الخواص من عباد الله والعامة لا تعرف ذلك وهي أن تحفظ عليه آداب الشريعة وأن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق وإجتناب سفسافها والمحافظة على أداء الواجبات مطلقاً في أوقاتها والمسارعة إلى الخيرات وإزالة الغل والحقد من صدره للناس والحسد وسوء الظن وطهارة القلب من كل صفة مذمومة وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس ومراعاة حقوق الله في نفسه وفي الأشياء وتفقد آثار ربه في قلبه ومراعاة أنفاسه في خروجها ودخولها فيتلقاها بالأدب إذا وردت عليه ويخرجها وعليها خلعة الحضور فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج بل هي دليل على الوفاء بالعهود وصحة القصد والرضا بالقضاء في عدم المطلوب ووجود المكروه ولا يشاركك في هذه الكرامات إلا الملائكة المقربون وأهل الله المصطفون الأخيار . إلى أن قال : فأسني ما أكرمهم به من الكرامات العلم خاصة لأن الدنيا موطنه وأما غير ذلك من خرق العادات فليست الدنيا بموطن لها ولا يصلح كون ذلك كرامة إلا بتعريف إلهي لا بمجرد خرق العادة وإذا لم تصح إلا لتعريف إلهي فذلك هو العلم فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به عز وجل سئل أبو يزيد عن طي الأرض فقال ليس بشيء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة وما هو عند الله الله بمكان وسئل عن اختراق الهواء فقال إن الطير يخترق الهواء والمؤمن عند الله أفضل من الطير فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر وهكذا علل جميع ما ذكرناه ( يريد ما ذكره بأول هذا الباب من أنواع الكرامات الحسية التي لم أذكرها هنا ) ثم قال : إلهي إن قوماً طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به وأهلتهم له اللهم مهما أهلتني لشيء فأهلني لشيء من أشيائك يقول من أسرارك فما طلب إلا العلم لأنه أسنى تحفة وأعظم كرامة ولو قامت عليك الحجة فإنه يجعلك تعترف ولا تحاجج فإنك","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"تعلم ما لك وما عليك وما له وما أمر الله تعالى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يطلب منه الزيادة من شيء إلامن العلم لأن الخير كله فيه وهو الكرامة العظمى والبطالة مع العلم أحسن من الجهل مع العمل وأسباب حصول العلم كثيرة ولا أعني بالعلم إلا العلم بالله والدرا الآخرة وما تستحقه الدار الدنيا وما خلقت له ولأي شيء وضعت حتى يكون الإنسان من أمره على بصيرة حيث كان فلا يجهل من نفسه ولا من حركاته شيئاً إلى آخر ما قاله في هذا الباب .\rيقول أيضاً في تحرير الكرامات النافعة بكتابه مواقع النجوم بعد ذكر عضو البصر وما عليه من التكليف الشرعي وما يحصل لصاحب هذا البصر من منازل الأختصاص والكرامات قال : وأما الكرامات فمن حيث هي كرامات هي لهم ومن حيث خرق عوائد قد ينالها الممكور به والمستدرج فإذا وقعت لك يا بني خرق عادة فلا تجنبنك عن نظرك في نفسك كيف هي مع الحد المشروع لك فإن كنت من أهل الأتباع وقام الوزن بين نفسك وما كلفت وجريت مع الشارع بالأدب والامتثال حيث سلك فخذها كرامة واشكر الله تعالى عليها وادعه واسأله أن لا يجعلها حظ عملك وأن لا تكون من العاملين لها وإن رأيت نفسك حائدة عن السنن متعدية للحدود الظاهرة في الشرع فلا تنظرها كرامة في حقك وانظرها منبهة لك وإن لزمت بعدها الاستقامة إلى آخر ما قال في ذلك .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ويقول رضي الله عنه في الباب الثامن والثلاثين وأربعمائة في تحقيق الكرامات المعنوية : فورثة الأنبياء يعرفون في العموم بما يظهر عليهم من خرق العوائد ووارث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجهول في العموم معلوم في الخصوص لأن خرق عادته إنما هو حال وعلم في قلبه فهو في كل نفس يزداد علماً بربه علم حال وذوق لا يزال كذلك وقد نبه الجنيد على ذلك باختلاف أجوبته على المسألة الواحدة من التوحيد في المجلس الواحد لاختلاف دقائق الزمان ذكر ذلك القشيري في صدر رسالته المنسوبة إليه وكلما ازداد المحمدي علماً بربه ازداد قرباً فهم المقربون وأحوالهم الظاهرة تجري بحكم العوائد إلى أنه قال ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه رسولاً ما ظهرت عليه آية ظاهرة في العموم كا ظهرت على من تقدم فما ظهر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الآيات المنقولة في العموم إنما كان ذلك من كونه رسولاً رفقا من الله تعالى بهذه الأمة وإقامة حجة على من كذبه وكذب ما جاء به ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيف أسري به إلى المقام الذي قد عرف وجاء به القرآن والخبر الصحيح فلما خرج إلى الناس بكرة تلك الليلة وذكر للأصحاب ما ذكر مما جرى له في إسرائه بينه وبين ربه تعالى أنكر عليه بعض أصحابه لكونهم ما رأوا لذلك أثراً في الظاهر بل زادهم حكماً في التكليف وموسى عليه السلام لما جاء من عند ربه كساه الله نوراً على وجهه يعرف به صدق ما أدعاه فما رآه أحد إلا عمي من شدة نوره فكان يتبرقع حتى لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته وكان شيخنا أبو يعزى بالمغرب موسري الورث فأعطاه الله هذه الكرامة فكان ما يرى أحد وجهه إلا عمي فيمسح الرائي إليه وجهه بثوب مما هو عليه فيرد الله عليه بصره وممن رآه فعمى شيخنا أبو مدين رحمة الله تعالى عليهما حين رحل إليه فمسح عينيه بالثوث الذي على أبى يعزى فرد الله عليه بصره وخرق عوائده بالمغرب","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"مشهور وكان في زماني وما رأيته لما كنت عليهمن الشغل وكان غيره من الأولياء المحمدين ممن هو أكبر منه في العلم والحال والقرب الإلهي لا يعرفهم أبو يعزى ولا غيره فمن جعل الله آيته في قلبه وكان على بينة من ربه في قربه فقد ملأ يديه من الخير كله واختصه وإصطنعه لنفسه وكساه الصفة الحجابية غيرة منه عليه فلم تشهد حاله الأبصار في الدنيا وهم الأخفياء والأبرياء فمن تحققهم بالحق وليسوا برسل مشرعين حجبهم الحق لاحتجابه إلى يوم القيامة فيظهرهم الله في الموطن الذي يتجلى الله فيه لابصار عباده ويظهر بنفيه وعينه للخاص والعام إلى آخر ما قال في هذا التحقيق الرفيع .\rفأما حظه رضي الله عنه من هذا النوع من الكرامات المعنوية فحظ كبير اختصه به مولاه تفضلاً منه وعناية به شهد بذلك صدق توجهه وعزة مطلوبه وسعة فتوحه وكثرة مؤلفاته وتوجيهاته وإرشاداته لطالبين الملازمين لخدمته ولمن التقى بهم من سائر الأقطار التي رحل إليها .\rوسأفرد لتآليفه وعلومه فصلاً خاصاً هو الآتي إن شاء الله .\rالفصل الرابع\rعلومه رضي الله عنه\r…علومه رضي الله عنه فيوضات إلهية وفتوحات ربانية حباه بها مولاه جزاء تفرغه الكامل وخلوه الشامل مما سواه ، وهذا أساس فتوح أهل الله الصادقين في إرادة وجهه الكريم التاركين لما عداه – أما أحوالهم رضي الله عنهم فإيمان قطرى قوي ومواهب روحية نوريه وأخلاق طيبة واسعة الآفاق وسير منظم موفق في سائر المعاملات والمباشرات وعقل كامل أحاطه سياج الإيمان والخلق الحسن والمعاملة المتزنة بسياج الحفظ والتوفيق في سائر المعقولات والمنقولات والمعتقدات والأذواق والروحانيات والإلهيات .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"…ويسير هذا المعتني به الموصوف بكل ما ذكر في الطريق الذي قدر له في الحياة من مباشرة أسباب أو توكل وتجريد مستندا في هذا السير إلى شهود الإرادة الإلهية المخصصة له هذا الطريق ومع هذا الاستناد استنادا ظاهر خصوصي إلى مرشد عارف بالطريق القويم والسبيل المستقيم الموصل للمطلوب العظيم إن كان من أهل السلوك . فيسير به المرشد فيما يناسبه من طريق التربية التي تختلف باختلاف الاستعدادات والعلاقات المحيطة بالسالكين – أما المرادون فهم في أحضان الحضرة تحملهم بالكلية وتسير بهم فيما قدر لهم دنيا وآخرة من سائر الشئون البشرية والروحية والإلهية وسيدنا صاحب الترجمة رضي الله عنه صح له الاعتناء من الله ونشأ على تقواه وتخلق بالأخلاق الكريمة وتربي التربية الحكيمة كما سبقت الإشارة إلى كل ذلك .\r…فلهذا أفاض عليه الوهاب العلوم الإلهية الشرعية التفصيلية التي وضعها بين دفتي كتبه ونطق بها في مجالسه وتوجيهاته الشفهية والكتابية .\r…وهذه العلوم الواسعة المستمدة من بحر الإمداد الذي لا ينفد ومن معدن العطاء الذي لا يجد سأذكر في هذا الفصل ما يتيسر لي من التعريف بها والاختبار لمقتطفات منها تحرر نظر الشيخ في العقائد الدينية والأذواق العلمية وتؤدى المنصف لفهم أحواله رضي الله عنه والله الموفق.\rوصل – خزائن هذه العلوم الشريفة\r…هو كغيره رضي الله عن جميعهم عن أهل الله الذين تربوا في أحضان القرآن الكريم والعلم الشريف حفظا ودراسة وتذوقا.\r…فهو يصرح كثيرا بأن القرآن الكريم خزانة علمه ومنبع فتحه وقد أشرت إلي ذلك في سلوكه رضي الله عنه وأشرت أيضا إلي ما حباه به مولاه من إيمان قوى واتباع محمدى وخلق كريم وسلوك حكيم إلي غير ذلك من القواعد المؤسس عليها سيرة في طريق الخاصة المقربين.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"…فعلوم هذه أسسها السليمة وهذه منابعها الصافية لهي علوم الوارثين المحفوظين من الخروج عن الجادة المحمدية شهد بذلك المنصفون واغترف من هذا الهل المحبون السائرون وفي المذكور سابقا من التعريف بهذه العلوم كفاية وزيادة في تأكيد استناد الشيخ رضي الله عنه الي مدد القرآن الكريم والاغتراف من فيضه العظيم واهتمامه رضي الله عنه بحفظه ودراسته وتحقيق علومه استنادا إلي أسراره أقول إنه رضي الله عنه وضع في تفسير القرآن الكريم علي حد علمي كتابين جليلين أحدهما \" إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن \" والثاني الجمع والتفصيل وأنتقل رضي الله عنه يقف في تسمية ما يحققه من علوم مع ما ورد في القرآن الكريم علما عليها وإشارة اليها.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"…ويظهر هذا للمطلع علي كتبه خصوصا الأبواب الأخيرة بكتابة الفتوحات المكية المختصة بأذكار الرجال المعبر عنها بالهجيرات ابتداء من الباب السبعين واربعمائة إلي الباب السادس والخمسين وخمسمائة فكل باب منها مبني علي نص قرآني تربي عليه الرجل الذى يحقق حالة الشيخ رضي الله عنه ويفرد لبعض الأسرار القرآننية مؤلفات خاصة كرسالة القسم الإلهي الموجودة في المجموعة المطبوعة بحيدر اباد وكرسالة الجمال والجلال بنفس المجموعة المذكورة وغير ذلك من رسائله ووصاياه – ولإتمام الفائدة أسوق في هذا الوصل بعض أقواله رضي الله عنه مما له أرتباط وتدليل علي هذه الخزائن يقول رضي الله عنه بمقدمة كتابه الفتوحات المكية فإن المتأهب إذا لزم الخلوة والذكر وفرغ المحل من الفكر وقعد فقيرا لا شئ له عند باب ربه حينئذ يمنحه الله تعالي ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية والمعارف الربانية التي أثني الله سبحانه بها علي عبده خضر فقال ( عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) – وقال تعالي ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) وقال ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) وقال ( ويجعل لكم نورا تمشون به ) إلي أن قال : فيحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع الله وبه جلت هبته وعظمت منته من العلوم ما يغيب عندها كلم تكلم علي البسيطة بل كل صاحب نظر وبرهان فإنها وراء النظر العقلي.\r…يقول الفقير : وليس معني الهمة عند القوم رضي الله عنهم قوة نفسية وقدرة شخصية بل هي قوة بالله وصدق في طلب الحلق لذاته واختيار لأنسب وأشرف الأحوال والمواطن والمعاملات الصالحة لضمان حصول هذا المطلوب الغالي والمراد العالي .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب الخامس والأربعين من كتابة الفتوحات المكية : فالوارث الكامل من الأولياء منا من انقطع إلي اله بشريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي أن فتح الله له في قلبه في فهم ما أنزل الله عز وجل علي نبيه ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - بتجل إلهي في باطنه فرزقه الفهم في كتابه عز وجل وجعله من المحدثين في هذه الأمة فقال له هذا مقام الملك الذى جاء إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رده الله إلي الخلق يرشدهم إلي صلاح قلوبهم مع الله ويفرق لهم بين الخواطر المحمودة والمذمومة وبين لهم مقاصه الشرع وما ثبت من الأحكام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما لم يثبت بإعلام من الله آتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنة علما فيرقي هممهم إلي طلب الأنفس بالمقام الأقدس ويرغبهم فيما عند الله كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبليغ رسالته غير أن الوارث لا يحدث شريعة ولا ينسخ حكما مقررا لكن يبين فإنه علي بينه من ربه وبصيرة في علمه وبتلوه شاهد منه بصدق اتباعه وهو الذى أشركه الله تعالي مع رسوله- صلى الله عليه وسلم - في الصفة التي يدعو بها إلي الله فأخبر وقال ( أدعو إلي الله علي بصيرة أنا ومن اتبغني ) وهم الورثة فهم يدعون إلي الله علي بصيرة وكذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام في المحنة وما أبتلوه به فقال ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النجيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) وهم الورثة فشرك بينهم في البلاء كما شرك بينهم في الدعوة إلي الله .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب الثاني من كتابه الفتوحات بعد إبراد تحقيقات في الحروف : وفي هذا خلاف بين أصحاب علم الطبائع عن النظر ذكره الحكيم في الاسطقسات ولم يات فيه بشئ يقف الناظر عنده ولم نعرف هذا من حيث قراءتي علم الطبائع علي أهله وإنما دخل به علي صاحب لي وهو في يده وكان يشتغل بتحصيل علم الطب فسألني أن أمشيه له من جهة علمنا بهذه الأشياء من جهة الكشف لا من جهة القراءة والنظر فقرأه علينا فوقفت منه علي هذا الخلاف الذى أشرت إليه فمن هناك علمته ولولا ذلك ما عرفت هل خالف فيه أحد أم لا فإنه ما عندنا فيه إلا الشئ الحق الذى هو عليه وما عندنا خلاف فإن الحق تعالي الذى نأخذ العلوم عنه بخلو القلب عن الفكر والاستعداد لقبول الواردات هو الذى يعطينا الأمر علي أصله من غير إجمال ولا حيرة فنعرف الحقائق علي ما هي عليه سواء كانت المفردات أو الحادثة بحدوث التأليف أو الحقائق الإلهية لا نمترى في شئ منها فمن هناك هو علمنا والحق سبحانه معلمنا ورثا نبويا محفوظا معصوما من الخلل والإجمال.\r…ويقول في نفس الباب بعد ما سبق بقليل : فلو كانت هذه العلوم نتيجة عن فكر ونظر لا نحصر الأنسان في أقرب مدة ولكنها موارد الحق تعالي تتوالي علي قلب العبد وأرواحه البررة تنزل عليهم من عالم غيبه برحمته التي من عنده وعلمه الذى من لدنه والحق تعالي وهاب علي الدوام فياض علي الاستمرار والمحل قابل علي الدوام فإما يقبل الجهل وإما يقبل العلم فإن استعد وتهيأ وصفي مرآة قلبه وجلاها حصل له الوهب علي الدوام ويحصل له في اللحظة مالا يقد علي تقييده في أزمنة لا تساع ذلك الفلك المعقول وضيق هذا الفلك المحسوس فكيف يتقضي مالا يتصور له نهاية ولا غابة يقف عندها.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"…ويقول في نفس الباب بعد ما سبق بقليل :فلا أتكلم إلآ علي طريق الإذن كما أني سأقف عندما يحد لي فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجرى مجرى التواليف ولا نجرى نحن فيه مجرى المؤلفين فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره وإن كان مجبورا في اختياره أو تحت العلم الذى بيثه خاصة فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء أو يلقي ما يعطيه العلم وتحكم عليه المسألة التي هو بصددها حتي تبرز حقيقتها ونحن في تواليفنا لسنا كذلك إنما هي قلوب عاكفة علي باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب فقيرة خالية من كل علم لو سئلت في ذلك المقام عن شئ ما سمعت لفقدها إحساسها فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله وألقته علي حسب ما يحد لها في الأمر فقد يلقي الشئ إلي ما ليس من جنسه في العادة والنظر الفكرى وما يعطيه العلم الظاهر والمناسبة الظاهرة للعلماء لمناسبة خفية لا يشعر بها إلا أهل الكشف بل ثم ما هو أغرب عندنا أنه يلقي إلي هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهية غابت عن الخلق فلهذا لا يتقيد كل شخص يؤلف عن الإلقاء بعلم ذلك الباب الذى يتكلم عليه ولكن يدرج فيه غيره فيعلم السامع العادى علي حسب ما يلقي اليه ولكنه عندنا قطعا من نفس ذلك الباب بعينه لكن بوجه لا يعرفه غيرنا.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب الثامن عشر وثلثمائة بكتابه الفتوحات المكية : فأعلم أن الإنسان اذا زهد في غرضه ورغب عن نفسه وآثر ربه أقام له الحق عوضا من صورة نفسه صورة هداية إلهية حقا من عند حق حتي يرفل في غلائل النور وهي شريعة نبيه ورسالة رسوله فيلقي إليه من ربه ما يكون فيه سعادته فمن الناس من يراها علي صورة نبيه ومنهم من يراها علي صورة حالة فإذا تجلت له في صورة نبيه فليكن عين فهمه فيما تلقي اليه تلك الصورة لا غير فإن الشيطان لا يتمثل علي صورة نبي أصلا فتلك حقيقة ذلك النبي وروحه أو صورة ملك مثله عالم من الله بشريعته فما قال له فهو ذاك ونحن قد أخذنا عن مثل هذه الصورة أمورا كثيرة من الاحكام الشرعية لم نكن نعرفها من جهة العلماء ولا من الكتب فلما عرضت ما خاطبتني به تلك الصورة من الأحكام الشرعية على بعض علماء بلادنا ممن جمع بين الحديث والمذاهب فأخبرني بجميع ما أخبرته به أنه في الصحيح عنه النبي صلى الله عليه وسلم ما غادر حرفا واحدا وكان يتعجب من ذلك حتى أنه من جملة ذلك رفع اليدين في الصلاة في كل خفض ورفع ولا يقول بذلك أهل بلادنا جملة واحدة وليس عندنا من يفعل ذلك ولا رأيته فلما عرضته على محمد بن على بن الحاج وكان من الحدثين روى لي فيه حديثا صحيحا عهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مسلم وقفت عليه بعد ذلك في صحيح مسلم لما طالعت الأخبار ورأيت بعد ذلك أن فيه رواية عن مالك بن أنس وهب وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث وقال وبه يقول مالك والشافعي وكذا اتفق لي في الأخذ من صورة نبي صلى الله عليه وسلم ما يعرض على من الأحكام المشروعة التي لم يكن لنا علم بها إلى آخر ما قال في تحقيق هذه الصور والأخذ عنها مما يصح أن يأخذه الوارث التابع .\r…ويقول رضي الله عنه في أول الباب الموفي عشرين وثلثمائة من كتابه الفتوحات المكية :\rالعلم علمان موهوب ومكتسب ………وخير علم ينال العبد ما منحا","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"كذاك معلوم علم الكسب ليس له ………في الوزن خط لأن العبد ما كدحا\rيغتم قلبك إن خفت موازنه ………كما يسر إذا ميزانة رجحا\rفاقدح زنادك لا تكسل فليس لمن ……يسعى إلى الحق قدر غير ما قدحا\rالفكر في ذات من ليس يشبهه ………جهل فلا تلتفت للعقل إن جنحا\rوادخل على باب تفريغ المحل ترى ……علم العيان إذا ما بابه فتحا\r…وينتهي بهذا الشعر ما تيسر إيراده من الخزائن المعنوية لعلومه رضي الله عنه وأتبع ذلك بالخزائن الظاهرة الحاملة لبعض هذه العلوم .\rوصل – مؤلفاته رضي الله عنه وطريقته في التأليف .\r…أما طريقته رضي الله عنه في التأليف فقد سبقت الإشارة إليها قريبا وأما ما حباه به مولاه من اتساع البيان ورقة الأسلوب وجمع المعاني الكثيرة في التعبير الواحد وعدم الحشود والتكرار وسقم العبارة فكل هذه الخصوصيات راجعة إلى هبة الفتح في العبارة التي ذكر رضي الله عنه في تحقيق أنواع الفتوح بكتابة الفتوحات المكية أن هناك فتحا في العبارة وقد خصل له عبر بذلك عن نفسه وعلومه خير شاهد ودليل على ذلك .\r- وقد عرف بكتبه وأسرارها والانتفاع بها أهل التحقيق والإنصاف وفيما مضى من التعريف به وبكتبه بعض ذلك لسيدي عبد الوهاب الشعراني والإمام الفيروز أبادي .\r…وقد زادت مؤلفاته رضي الله عنه على الأربعمائة وبدار الكتب المصرية رسالة خاصة أودعها رضي الله عنه أسماء مؤلفاته وذكر بعض هذه المؤلفات أيضا مؤلف كتاب \" البرهان الأزهر في مناقب الشيخ الأكبر \" وذكر أسماء شراح كتاب الفصوص للشيخ رضي الله عنه وبلغ بهم ستا وثلاثين شارحا.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"…ومن أراد الوقوف علي بعض مؤلفاته مطبوعها ومخطوطها فعليه بدار الكتب المصرية بقسم كتب التصوف ومن أهم هذه المؤلفات كتاب الفتوحات المكية ذكر بعض خصوصياته سيدى عبد الوهاب الشعراني فيما سبق من التعريف بالشيخ وكتبه وأسوق هنا بعض أقوال الشيخ رضي الله عنه في ذلك : يقول رضي الله عنه في أواخر الباب التاسع والثمانين ومائة بكتابة الفتوحات المذكور:\r…وللسلوك مراتب وأسرار يطول النظر فيها ويخرجنا عن المقصود في هذا الكتاب من الاقتصاد والاقتصار علي الضرورى من العلم الذى يحتاج اليه أهل طريق الله أن يبينه لهم من فتح عليه به من أمثالنا وهذا الكتاب مع طوله واتساعه وكثرة فصوله وأبوابه ما أستوفينا فيه خاطرا واحدا من خواطرنا في الطريق فكيف الطريق ولا أخللنا بشئ من الأحوال التي يعول عليها في الطريق فحصرناها مختصرة العبارة بين إيماء وإيضاح.\r…ويقول أيضا عن هذا الكتاب بالباب السادس والتسعين ومائة منه : وليس هذا الكتاب بمحل لما تعطيه أدلة الأفكار فإنه موضوع لما يعطيه الكشف الإلهي.\r…ويقول في الباب الثالث والتسعين ومائتين من هذا الكتاب بعد قصيدة أوردها بأول الباب المذكور : أعلم أيدنا الله وإياك أن هذه القصيدة وكل قصيدة في أول كل باب من هذا الكتاب ليس المقصود منها إجمال ما يأتي مفصلا في نئر الباب والكلام عليه بل الشعر في نفسه من جملة شرح ذلك الباب فلا يتكرر الكلام الذى يأتيي بعد الشعر. ثم يقول رضي الله عنه في أواخر هذا الباب : ويتضمن هذا المنزل علوما جمة وما من منزل إلا ويحتمل ما يحوى عليه من المعارف مجلدات كثيرة إلي آخر ما قال في ذلك من كثرة مسائل كل باب وإكتفائه بذكر رءوس أصولها.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"…ويقول في أواخر الباب الموفي ثلثمائة بكتابه الفتوحات أيضا : وكل ما تكلمنا فيه من هذا المنزل فهو من خارج بابه لم نتعرض لما يحوى عليه لضيق الوقت وطلب الأختصار وما اتفق لي مثل هذا في العبارة عن غيره من المنازل لأني وجدت عند باب هذا المنزل صور علم ما ذكرته ولم نستوف جميع ما رأيته علي بابه إلي آخر ما قال في ذلك.\r…ومن هذه المؤلفات الغالية كتاب التنزلات الموصلية بذكر فيه رضي الله عنه أسرار العبادات والشرائع وغير ذلك من الأسرار في خمسة وخمسين بابا ويوجد هذا الكتاب في قسم المخطوطات بدار الكتب المصرية باسم \" تنزيل الأملاك \" وقد طبع الآن.\r…ومن أمهات كتبه أيضا كتاب فصوص الحكم وقد كثرت شروحه لدقة تحقيقاته وغرابة أسراره – وقد ربطه رضي الله عنه بحقائق واختصاصات حضرات الأنبياء والمرسلين.\r…ومنها أيضا مشاهد الأسرار القدسية وهو مخطوط بدار الكتب المصرية به دور الأسرار وعالي الأذواق التي يرتشف منها أكابر رجال التحقيق في العلم بالله.\r…وللتسهيل والاختصار – أذكر هنا بعض المخطوطات النفيسة الموجودة بدار الكتب المصرية لمن يريد الاطلاع عليها والأرتشاف منها وهي :- مجموعة رسائل بعنوان \" التوقيعات \" في الفهارس بها الكثير من رسائل الشيخ التي لم تطبع وهي من نفائس كتبه رضي الله عنه بقسم المجاميع بدار الكتب المصرية – كتاب شجون المسجون بقسم التصوف وهو كتاب غريب في بدائع الأسرار والمعارف المنثورة وقد ألحقت بقسم الأسرار في المختارات الآتية بعض هذه الأسرار – مجاميع أخرى بأرقام مذكورة بالفهارس الخاصة بالتصوف.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"…أما المطبوعات فقد ذكرت بعضها أثناء فصول الكتاب كالفتوحات المكية ومجموعة الرسائل طبع حيدر أباد بالهند ومجموعة هامة طبع ليدان وكتا مواقع النجوم وأذكر هنا بعضها للتسهيل لمن يريد الحصول عليها : عنقاء مغرب وهو كتاب غريب جدا لا يتذوق ما به من الأسرار إلا أكابر الرجال وله شرح بالمجموعة المذكورة سابقا في المخطوطات باسم التوقيعات – مجموعة سائل صغيرة طبع المكتبة التجارية بميدان الأزهر – مشكاة الأنوار في أحاديث شريفة – محاضرات الأبرار ومسامرات الأخبار – مجموعة الرسائل الإلهية – الديوان الكبير وبه الكثير من القصائد الحارية للأسرار والمعارف - ديوان ترجمان الأشواق وشرحه معه للشيخ أيضا – وقد طبعت كتب أخرى فأطلبها في المكاتب ويكفي هذا في الإرشاد إلي مؤلفات الشيخ رضي الله عنه\r…وأكرر الوصية الضرورية لمن يريد الإطلاع والأنتفاع بكتب الشيخ رضي الله عنه وهي محافظته علي آداب الشريعة ظاهرا وباطنا والتريث في فهم الغريب من أسرار هذه العلوم وتخليص الوجهة لذات المولي جل شأنه.\rوصل – فنون وألوان هذه العلوم الشريفة\r…سبقت الإشارة إلي أن علومه رضي الله عنه فيض إلهي وفتح رياني وعلم هذا أصله وأساسه لا يقف عند حد \" وما كان عطاء ربك محظورا \" وقد سئل عنه رضي الله عنه أحد الرجال فقال : هو أعلم بكل فن من أهله.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"…وهذه مؤلفاته التي اتسع لها وقته فيها العجب العجاب من ذخائر العلوم والأذواق ويزيد المحب حبا والمعجب إعجابا ما يجده بين ثنايا هذه العلوم من وقائع شهودية تحصل له رضي الله عنه تؤيد ما يسوقه من التحقيقات وتربط العلم بالحال والحق بالحقيقة ويعجبك أيضا ويوضح لك صفاء مشربه رضي الله عنه ما يقرره من ضرورة حصول ثمرة علمية لمن تحصل لهم حالات الاستغراق والفناء وإلا فليس ذلك الاستغراق مطلوب القوم ومع هذه السعة العلمية بل ومن لوازمها تراه رضي الله عنه يقرر أن هناك أمورا لا يعلم إلا بالجهل بحقيقتها فيقول في ذلك في باب الأسرار بالفتوحات المكية.\r…وقد تكون المعرفة بالشئ هي العجز عن المعرفة به فيعرف العارف أن هذا المطلوب لا يعرف وليس الغرض من المعرفة بشئ إلا أن يتميز عن غيره فقد ميز وتمييز من لا يعرف بكونه لا يعرف فحصل المقصود – ويقول شعرا :\rفالحمد لله الذى أنا جامع……لعلوم ولعلم ما لم يعلم\r…هذا وقد سبق بالأقوال الواردة في التعريف به والثناء عليه وعلي علومه ما يشير إلي ذلك الشمول العلمي – ولمزيد الفائدة أسرد في الوصل الآتي مختارات من علومه رضي الله عنه مع اعترافي بأن هذا الاختبار جهد المقل وجيلة العاجز لعلو أذواق الشيخ رضي الله عنه وسمو مراقبه في تحقيق الأمور وما لا يدرك جله لا يترك كله والله الموفق والمعين .\rوصل - مختارات من علومه رضي الله عنه.\rأولا – في تمسكه بالشريعة من عقائد وأقوال\r…أسوق في هذا الجزء من أقوال الشيخ رضي الله عنه في تمسكه بالشريعة المحمدية ما فيه مقنع للمنصف ودلالة للطالب وتأبيد للمحب.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"…وقد سبق أيضا بفصول الكتاب ما يؤيد ذلك التمسك وفي الزيادة إفادة يقول رضي الله عنه في مقدمة كتابه الفتوحات المكية : وصل يتضمن ما ينبغي أن يعتقد في العموم وهي عقيدة أهل عقيدة أهل الإسلام مسلمة من غير نظر إلي دليل ولا إلي برهان فيا إخوتي المؤمنين ختم الله لنا ولكم بالحسني كما سمعت قوله تعالي عن نبيه هود عليه السلام حين قال لقومه المكذبين به وبرسالته \" إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون \" فأشهد عليه السلام قومه مع كونهم مكذبين به علي نفسه بالبراءة من الشرك بالله والإقرار بأحديته لما علم عليه السلام أن الله سبحانه سيوقف عبادة بين يديه ويسألهم عما هو عالم به لإقامة الحجة لهم أو عليهم حتي يؤدى كل شاهد شهادته وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس وكل من سمعه ولهذا يدبر الشيطان عند الأذان وله حصاص وفي رواية وله ضراط وذلك حتي لا يسمع نداء المؤذن بالشهادة فيلزمه أن يشهد له فيكون بتلك الشهادة له من جملة من يسعي في سعادة المشهود له وهو عدو محصن ليس له إلينا خبر ألبته لعنه الله وإذا كان العدو لابد أن يشهد لك بما أشهدته به علي نفسك فأحرى أن يشهد لك وليك وحبيبك ومن هو علي دينك وملتك أحرى أن تشهده أنت في الدار الدنيا علي نفسك بالوحدانية والايمان فيا إخوتي وبا أحبائي رضي الله عنكم أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلي الله تعالي في كل لحظة وطرفة وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه أشهدكم علي نفسه بعد أن أشهد الله تعالي وملائكته ومن حضرة من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولا وعقدا أن الله تعالي إله واحد لا ثاني له في الوهيته منزه عن الصاحبة والوالد مالك لا شريك له ملك لا وزير له صانع لا مدبر معه موجود بذاته من غير افتقار إلي موجد يوجد بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالي في وجوده فالعلم كله موجود به وهو وحده متصف بالوجود لنفسه لا أفتتاح لوجوده ولا نهاية لبقائه بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه ليس","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"بجوهر متحيز فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء مقدس عن الجهات والأقطار مرئي بالقلوب والأبصار إذا شاء استوى علي عرشه كما قال وعلي المعني الذى أراده كما أن العرش وما سواه به استوى وله الآخرة والأولي ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول لا يحده زمان ولا يقله مكان بل كان ولا مكان وهو علي ما عليه كان خلق المتمكن والمكان وأنشأ الزمان وقال أنا الواحد الحي لا يؤوده حفظ المخلوقات ولا ترجع اليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات تعالي أن تحله الحوادث أو يحلها أو تكون بعده أو يكون قبلها بل يقال كان ولا شئ معه فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذى أبدعه فهو القيوم الذى لا ينام والقهار الذى لا يرام ليس ك مثله شئ خلق العرش وجعله حد الاستواء وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسموات العلي أخترع اللوح والقلم الأعلي وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلي يوم الفصل والقضاء أبدع العالم كله علي غير مثال سبق وخلق الخلق وأخلق الذى خلق أنزل الأرواح في الأشباح أمناء وجعل هذه الأشباح المنزلة اليها الأرواح في الأرض خلفاء وسخر لنا في السموات وما في الأرض جميعا منه لا تتحرك ذرة إلا اليه وعنه خلق الكل من غير حاجة اليه ولا موجب أوجبه ذلك عليه لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو علي كل شئ قدير أحاط بكل شئ علما وأحصي كل شئ عددا يعلم السر وأخفي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كيف لا يعلم شيئا هو خلقه ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الحبير علم الأشياء منها قبل وجودها ثم أوجدها علي حد ما علمها فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الا نشاء بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها وبه حكم عليها من شاء وحكمها علم الكليات علي الإطلاق كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق فهو عالم الغيب والشهادة فتعالي الله عما يشركون فعال لما يريد فهو المريد","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"الكائنات في عالم الأرض والسموات لم تتعلق قدرته بشئ حتي أراده كما أنه لم يرده حتي علمه اذا يستحيل في العقل أن يريد مالا يعلم أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل مالا يريد كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها فما في الوجود طاعة ولا عصيان ولا ربح ولا خسران ولا عبد ولا حر ولا برد ولا حر ولا حياة ولا موت ولا حصول ولا فوت ولا نهار ولا ليل ولا اعتدال ولا ميل ولا بر ولا بحر ولا شفع ولا وتر ولا جوهر ولا عرض ولا صحة ولا مرض ولا فرح ولا ترح ولا روح ولا شبح ولا ظلام ولا ضياء ولا أرض ولا سماء ولا تركيب ولا تحليل ولا كثير ولا قليل ولا غداة ولا اصيل ولا بياض ولا سواد ولا رقاد ولا سهاد ولا ظاهر ولا باطن ولا متحرك ولا ساكن ولا يابس ولا رطب ولا قشر ولا لب ولا شئ من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات الا وهو مراد للحق تعالي وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده فكيف يوجد المختار مالا يريد لاراد لأمره ولا معقب لحكمه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويضل من يشاء ويهدى من يشاء ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن لو اجتمع الخلائق كلهم علي أن يريدوا شيئا لم يرد الله تعالي أن يريدوه ما أرادوه أو يفعلوا شيئا لم يرد الله تعالي إيجاده وأراد منهم أن يريدوه ما فعلوه ولا استطاعوا علي ذلك ولا أقدرهم عليه فالكفر والايمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمه وارادته ولم يزال سبحانه موصوفا بهذه الارادة أزلا والعالم معدوم غير موجود وإن كان ثابتا في العلم في عينه ثم أوجد العالم من غير تفكير ولا تدبر عن جهل او عدم علم فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل جل وعلا عن ذلك بل أوجده عن العلم السابق وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية علي العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان فلا مريد في الوجود علي الحقيقة","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"سواه اذا هو القائل سبحانه وما تشاءون إلا أن يشاء الله وأنه سبحانه كما علم فأحكم وأراد فخصص وقدر فأوجد كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلي لا يحجب سمعه البعد فهو القريب ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد يسمع كلام النفس في النفس وصوت المماسة الخفية عند اللمس ويرى السواد في الظلماء والماء في الماء لا يحجبه الامتزاج ولا الظلمات ولا النور وهو السميع البصير تكلم سبحانه لا عن صمت متقدم ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته كلم به موسي عليه السلام سماه التنزيل والزبور والتوراة والانجيل من غير حروف ولا أصوات ولا نغم ولا لغات بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان فسبحانه من بعيد دان عظيم السلطان عميم الإحسان جسيم الامتنان كل ما سواه فهو عن جوده فائض وفضلة وعدله الباسط له والقابض أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده وأخترعه لا شريك له في ملكة ولا مدبر معه في ملكة إن أنعم فنعم فذلك فضله وإن أبلي فعدب فذلك عدله لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلي الجور والحيف ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف كل ما سواه تحت سلطان قهرة ومتصرف عن إرادته وأمره فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور وهو المتجاوز عن سيئات من شاء والآخذ بها من شاء هنا وفي يوم النشور لا يحكم عدله في فضله ولافضله في عدلة أخرج العالم قبضتين وأوجد لهم منزلتين فقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثم سواه فالكل تحت تصريف أسمائه فقبضه تحت أسماء","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"بلائه وقبضة تحت أسماء آلاته ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيد لكان أو شقيا لما كان من ذلك في شأن لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد فمنهم الشقي والسعيد هنا وفي يوم المعاد فلا سبيل إلي تبديل ما حكم عليه القديم وقد قال تعالي في الصلاة خمس وهي خمسون ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي في ملكي وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر الا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتني الله به من عباده وسبق له ذلك بحضرة إشهاده فعلم حين أعلم أن الألوهة أعطت هذا التقسيم وأنه من رقائق القديم فسبحان من لا فاعل سواه ولا موجود لنفسه إلا إياه والله خلقكم وما تعملون ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين الشهادة الثانية وكما أشهدت الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم علي نفسي بتوحيدة فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم علي نفسي بالإيمان بمن اصطفاء واختاره واجتباه من وجوده ذلك سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله إلي جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ - صلى الله عليه وسلم - ما أنزل من ربه إليه وأدى أمانته ونصح أمته ووقف في حجة وداعه علي كل من حضر من أتباعه فخطب وذكر وخوف وحذر وبشر وأنذر ووعد وأوعد وأمطر وأرعد وما خص بذلك التذكير أحدا من أحد عن إذن الواحد الصمد ثم قال ألا هل بلغت فقالوا بلغت يا رسول الله فقال - صلى الله عليه وسلم - اللهم أشهد وأني مؤمن بكل ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - مما علمت وما لم أعلم فمما جاء به فقرر أن الموت عن أجل مسمي عند الله إذا جاء لا يؤخر فأنا مؤمن بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك كما آمنت وأقررت أن سؤال فتاني القبر حق وعذاب القبر حق وبعث الأجسام من القبور حق والعرض علي الله تعالي حق والحوض حق والميزان حق وتطاير الصحف حق والصراط","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"حق والجنة حق والنار حق وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق وكرب ذلك اليوم حق علي طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق والتأبيد لأهل النار فيا لنار حق وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله علم أو جهل حق فهذه شهادتي علي نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤديها اذا سئلها حيثما كان نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلي الدار الحيوان وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالأيمان وممن انقلب من الحوض وهو ريان وثقل له الميزان وثبت له علي الصراط القدمان إنه المنعم المحسان فالحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق فهذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر ملخصة مختصرة أنتهي ما جاء بمقدمة كتاب الفتوحات المكية من عقيدة الشيخ رضي الله عنه وقد تلاها بعقائد أخرى لخواص أهل الله المحققين ثم قال قبل تقديم عقيدة الخواص : وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها علي التعيين لما فيها من الغموض لكن جئت بها مبددة في أبواب هذا الكتاب مستوفاة مبينة إلي آخر ما قال رضي الله عنه.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"…وبعد أن ذكرت هذه العقيدة كاملة أسوق تباعا بعض أقواله رضي الله عنه في تمسكه بالشريعة المحمدية فمنها : قال رضي الله عنه بالفصل الثاني من الباب الثاني بكتابه الفتوحات المكية : فإياك أن تجعل حياة الحق هي حياة العبد في الحد فتلزمك المحالات فإذا جعلت حياة الرب علي ما تستحقه الربوبية وحياة العبد علي ما يستحقه الكون فقد أنبغي للعبد أن يكون حيا ولو لم ينبغ له ذلك لم يصح أن يكون الحق أمرا ولا قاهرا إلا لنفسه ويتنزه أن يكون مأمورا أو مقهورا فإذا ثبت أن يكون المأمور والمقهور أمرا آخر وعينا أخرى فلابد أن يكون حيا عالما مريدا متمكنا مما يراد به هكذا تعطي الحقائق.\r…ويقول رضي الله عنه في تعريف الطريق : عبارة عن مراسم الحق المشروعة التي لا خصة فيها من عزائم ورخص في أماكنها فإن الرخص في أماكنها لا يأتيها إلا ذو عزيمة فإن كثيرا من أهل الطريق لا يقول بالرخص وهو غلط فإنه يفوته محبة الله في إتيانها فلا يكون له ذوق فيها فهو كمثل الذى يقضي ولا يتنقل دائما وهو في غاية الخطأ بل المشروع أن يتطوع فإن نقصت فرائضه كملت له من تطوعه وهو النوافل وإن لم ينتقص منها شيئا كانت له نوافل كما نراها ويحصل له ذوق محبة الله إياه من أجلها فقد أبطل شرع الله من لم تكن هذه حالة فإنه إن كانت فريضته تامة لم يجز قضاؤها فقد شرع ما لم يشرع له ولم يأذن به الله وأن الله ما يكتبها له نافلة فإنه ما نواها وقد أساء الأدب مع الله حيث سماها الله تطوعا وقال هذا قضاء فلا يحصل له ثمرة النوافل لأنها غير منوية ولا ورد في ذلك شرع أنه يكتب له ما نواه قضاء نافلة.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب السادس ومائة من الكتاب المذكور ، وما لنا طريق إلي الله إلا علي الوجه المشروع ويقول في الباب الثامن ومائة من الكتاب في تعريف الشهوة : وذلك أن الشهوة شهرتان شهوة عرضية وهي التي يمنع من اتباعها فإنها كاذبة وإن نفعت يوما ما فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها لئلا يرجع ذلك له عادة فتؤثر فيه العوارض وشهوة ذاتية فواجب عليه اتباعها فإن فيها صلاح مزاجه لملايمتها طبعة وفي صلاح مزاجه وفي صلاح دينه سعادته ولكن يتبعها بالميزان الإلهي الموضوع من الشارع وهو حكم الشرع المقرر فيها سواء كان من الرخص أو العزائم إذا كان متبعا للشرع لا يبالي.\r…ويقول في الباب الثالث عشر ومائة بكتاب الفتوحات المذكور : ثم أعلم أن للنفس غرضين ذاتي وعرضي فالذاتي هو جلب المنافع ودفع المضار والعرضي هو ما عرض لها من جانب الشريعة وقد يكون من جانب الغرض وقد يكون من جانب ملايمة الطبع وقد يكون من جانب طلب الكمال فكلها في الطريق الذى نحن بسبيله غير معتبر إلا جانب الشريعة خاصة فإنها التي وضعت الأسباب الفاضلة التي بفعل ما أمرت بفعله ويترك ما نهت عن فعله وحببت السعادة وحصلت المحبة الإلهية.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"…ويقول في الباب السادس والأربعين ومائة من الفتوحات المكية أيضا : فحقيقة الفتوة أن يؤثر الإنسان العلم المشروع الوارد من الله علي ألسنة الرسل علي هوى نفسه وعلي أدلة عقله وما حكم به فكرة ونظرة إذا خالف علم الشارع المقرر له هذا هو الفتي فيكون بين يدى العلم المشروع كالميت بين يدى الغاسل ولا ينبغي أن يقال هنا يكون بين يدى الحق كالميت بين يدى الغاسل فإنه غلط ومزلة قدم فإن الشرع قيدك فقف عند تقييده فما أوجب عليك مما هو له أن تنسبه إلي نفسك أو إلي مخلوق من المخلوقات سوى الله فمن الفتوة أن تنسبه إلي ذلك لا إلي الله حقيقة كما أمرك وإن ذلك علي خلاف ذلك عقلك فارم به وكن مع العلم المشروع وما أوجب أن تنسبه اليه سبحانه فانسبه اليه تعالي وما خيرك فيه فإن شئت نظرت فما يتعلق بالخير فيه من حمد فانسبه إليه وما تعلق به من ذم فانسبه إلي نفسك أدبا مع الله.\r…وأستمر رضي الله عنه في هذا التحقيق إلي أن قال : فالفتي هو من ذكرناه ويسرى فعله وتصرفه في الجماد والنبات والحيوان وفي كل موجود ولكن علي ميزان العلم المشروع وإن ورد عليه أمر إلهي فيما يظهر له يحل له ما ثبت تحريمه في نفس الأمر من الشرع المحمدى فقد لبس فيه فيتركه ويرجع إلي حكم الشرع الثابت فإنه قد ثبت عند أهل الكشف بأجمعهم أنه لا تحليل ولا تحريم ولا شئ من أحكام الشرع لأحد بعد انقطاع الرسالة والنبوة.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"…وختم الباب بقوله : فإياك أن ترمي ميزان الشرع من يدك في العلم الرسمي والمبادرة لما حكم به وإن فهمت منه خلاف ما يفهمه الناس مما يحول بينك وبين إمضاء ظاهر الحكم به فلا تعول عليه فإنه مكر نفسي بصورة إلهية من حيث لا تشعر وقد وقعنا بقوم صادقين من أهل الله ممن التبس عليهم هذا المقام ويرجحون كشفهم وما ظهر لهم في فهمهم مما يبطل ذلك الحكم المقرر فيعتمدون عليه في حق نفوسهم ويسلمون ذلك الحكم المقرر في الظاهر للغير وهذا ليس بشئ عندنا ولا عند أهل الله وكل من عول عليه فقد خلط وخرج عن الأنتظام في سلك أهل الله ولحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سيعهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وربما يبقي صاحب هذا الكشف علي العمل بظاهر ذلك الحكم ولا يعتقده في حق نفسه فيعمله تقريرا للظاهر ويقول ما أعطي من نفسي لهذا الأمر المشروع إلا ظاهرى فإني قد اطلعت علي سره فحكمه علي سرى خلاف حكمه في ظاهرى فلا يعتقده في سره عند العمل به فمن عمل علي هذا منه فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين فما ربحت تجارتهم وما كانوا معتدين وخرج عن أن يكون من أهل الله ولحق بمن اتخذ إلهه هواء وأضله الله علي علم فهو يظن أنه في الحاصل وهو في الفائت فتحفظوا يا أخواتنا من غوائل هذا المقام ومكر هذا الكشف فقد نصحتكم ونصحت هذه الطائفة ووقيت بالأمر الواجب علي فيه فمن لم يعلم الفتوة كما ذكرناها فما علمها.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"…ويقول في الباب الثامن والأربعين ومائة من الكتاب المذكور لا حسن يقع به المنزلة عند الله ولا قبح يقع باجتنابه الخير من الله إلا ما حسنه الشرع وقبحه فلما رأينا الحمد والذم علي الفعل من جهة ما رعا نظرنا كيف تجمع طرفين وواسطه لنجعل حكم الطرفين مخالفا لحكم الوسط الذى هو محل الأعتدال فنقول لا يخلو الإنسان أن يكون واحدا من ثلاثة بالنظر إلي الشرع وهو إما أن يكون باطنيا محصنا وهو القائل بتجريد التوحيد عندنا حالا وفعلا وهذا يؤدى إلي تعطيل أحكام الشرع كالباطنية والعدول عما أراد الشارع بها وكل ما يؤدى إلي هدم قاعدة دينية مشروعة فهو مذموم بالإطلاق عند كل مؤمن وإما أن يكون ظاهريا محصنا متغلغلا متوغلا بحيث أن يؤديه ذلك إلي التجسيم والتشبيه فهذا أيضا مثل ذلك ملحق بالذم شرعا وإما أن يكون جاريا مع الشرع علي فهم اللسان حيثما مشي الشارع مشي وحيثما وقف وقف قدما بقدم وهذه حالة الوسط وبه صحت محبة الحق له قال تعالي أن يقول نبيه ( فاتبعوني بحيبكم الله والله ويغفر لكم ذنوبكم ) فاتباع الشارع واقتفاء أثره يوجب محبة الله للعباد وصحة السعادة الدائمة .\r…وله رضي الله عنه غير ما أوردته هنا بكتاب الفتوحات في صدد تمسكه بالشريعة الكثير من الأقوال لا يتسع الوقت ولا هذا المختصر لاستيعابها إلا أننني سأورد أقوالا من كتب أخرى له رضي الله عنه في هذا الشأن يقول رضي الله عنه في كتابه مواقع النجوم : فلا سبيل إلي الوصول إلي نهاية صحيحة عن الشرب الإبليسي خالصة عن الغرض النفسي ما لم ينزل المريد أولا عن رعونة النفس وكدورة البشرية وعلامة المدعي في الوصول رجوعه إلي رعونة النفس وأغراضها ولهذا قال أبو سليمان الداراني لو وصلوا ما رجعوا وإنما حرموا الوصول لتصنييعهم الأصول فمن لم يتخلق لم يتحقق وعلامة من صح وصوله الخروج عن الطبع والأدب مع الشرع وإتباعه حيث سلك.","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"…ويقول في كتابه التراجم : عليك بأمر الحق فاتبعه ولا تغتر بكونك لا ترى شيئا إلا تحت تصريفه وحكم إرادته ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) هذا ينحيك والأخذ بأمر الحق ينجيك لكن انظر ذلك عقدا وتصرف بالأمر ويقول في هذا الكتاب أيضا : إذا رأيت الفتح يتوالي عليك في باطنك قزنه بحالك واحفظ حدود الشريعة عندك فإن قام الوزن عندك بالحق فاعلم أن تلك الفتوحات والواردات بشائر السعادة والقبول فإن كان غير ذلك فاحذر المكر ولا بدر.\rويقول رضي الله عنه في الباب الثامن وثلثمائة من كتابه الفتوحات :\rفنجاة النفس في الشرع فلا……تك إنسانا رأى ثم حرم\rوأعتصم بالشرع في الكشف فقد …فاز بالخير عبيد قد عصم\rإلي أن قال في نفس القصيدة وهي بأول الباب المذكور:\rكل علم بشهدا لشرع له ………هو عافة فلتعتصم\rواذا خالفه العقل فقل ………طورك الزم مالكم فيه قدم\rويقول في كتابه مواقع النجوم .\rما نال من خلي الشريعة جانبا ……شيئا ولو بلغالسماء مناره\rويقول في الباب السابع والخمسين من كتابه الفتوحات المكية :\rلا تحكمن بإلهام تجده فقد ……يكون في غير ما يرضاه واهبه\rواجعل شريعتك المثلي مصححه… …فإنها ثمر يجنيه كاسبة\rويقول في قصيدة بأول الباب الثاني والستين ومائتين بكتابه الفتوحات المكية :\rإن الشريعة حد ماله عوج……عليه أهل مقامات العلا درجوا\rعلو معارج من عقل ومن همم ……لحضرة دخلوا فيها وما خرجوا\rجاءوا بأمر عظيم القدر منه وما ……عليهم في الذى جاءوا به حرج\rويكفي ما سبق في الاستدلال علي تمسكه رضي الله عنه بالشريعة واقتفاء آثار النبي - صلى الله عليه وسلم -\rثانيا – تحليل بعض أقواله رضي الله عنه","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"…المرأة في هذا القسم إيراد بعض اقوال الشيخ رضي الله عنه في بعض العقائد لدفع شبه من نسب إليه الخروج عن إجماع المسلمين وأهل السنة بخصوص هذه العقائد وأيضا أذكر فيه أقوال بعض المحققين في الدفاع عن الشيخ بخصوص هذه الآراء المأخوذه عليه وتخليصها مما نسبه إليها من لم يفهم مراد الشيخ ولم يحط بعلومه وتحقيقاته.\r…فما نسب إليه رضي الله عنه القول بقدم العالم وهذه بعض أقواله بخصوص حدوث العالم فاسمع :\r…يقول رضي الله عنه في باب الأسرار بكتابه الفتوحات المكية : لو ثبت للعالم القدم لاستحال عليه العدم والعدم ممكن بل واقع عند العالم الجامع لكن أكثر العبيد في لبس من خلق جديد – ويقول في كتابه القصد الحق: لا يقال العالم صادر عن الحق تعالي إلا بحكم المجاز لا الحقيقة وذلك لأن الشرع لم يرد بهذا اللفظ وجل الله تعالي أن يكون مصدر الأشياء لعدم المناسبة بين الممكن والواجب وبين من يقبل الأولية وبين من لا يقبلها وبين من يفتقر وبين من لا يقبل الأفتقار وإنما يقال إنه تعالي أوجد الأشياء موافقة لسبق علمه بها بعد أن لم يكن لها وجود في أعيانها ثم إنهار ارتبطت بالموجد لها ارتباط فقير ممكن بغني واجب فلا يعقل لها وجود إلا به سبحانه وتعالي لأن تقدمه عليها وجودى إلي آخر ما قال في ذلك .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"…هذا وقد دافع سيدى عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر عن الشيخ لرد حجج من نسب اليه القول بقدم العالم فيعد أن أورد النصوص في ذلك قال : فهذه نصوصي الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في قوله بحدوث العالم فكذب من أفترى علي الشيخ أنه يقول بقدم العالم وقد كرر الشيخ الكلام علي حدوث العالم في الفتوحات في نحو ثلثمائة موضع وكيف يظن بالشيخ مع هذا العلم العظيم أن يقع في مثل هذا الجهل الذى يؤدى إلي إنكار الصانع جل وعلا بل أفتي المالكية وغيرهم بكفر من قال بقدم العالم أو ببقائه أو شك في ذلك هذا مع أن مبني كتب الشيخ ومصنفاته كلها في الشريعة والحقيقة علي معرفة الله تعالي وتوحيده وعلي إثبات أسمائه وصفاته وأنبيائه ورسله وذكر الدارين والعالم الدنيوى والأخروى والنشاتين والبرزخين ومعلوم أن من يقول بقدم العالم من الفلاسفة لا يثبت شيئا من ذلك بل ولا يؤمن بالبعث والنشور ولا غير ذلك مما هو منقول عن الفلاسفة فقد تحقق كل عاقل أن الشيخ برئ من هذا كله انتهي .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"…ومما نسب إلي الشيخ رضي الله عنه القول بالحلول والاتحاد وقد ورد في العقيدة التي ذكرتها قوله \" تعالي أن تحله الحوادث أو يحلها \" ويقول في الباب الثالث من الفتوحات المكية والبارى لا يشبه شيئا ولا في شئ مثله ويقول في الباب الخامس والستين وثلثمائة من كتابه الفتوحات أيضا والعالم منفصل عن الحق بحده وحقيقته ويقول في الباب الرابع عشر وثلثمائة من كتابه الفتوحات المذكور وكيف يخرج عن إنسانيته الإنسان أو عن ملكيته الملك ولو صح هذا انقلبت الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار الحق خلقا والخلق حثا وما وثق أحد بعلم وصار الواجب ممكنا ومحالا والمحال واجبا وأنفسد النظام فلا سبيل إلي قبل الحقائق وقال رضي الله عنه بياب الأسرار وهو الباب التاسع والخمسون وخمسامائة من كتابه الفتوحات المكية في هذا المعني ما أتقل بعضه هنا ملخصا : القديم لا يحل ولا يكون محلا – وقال أيضا : أنت أنت وهو هو فإياك أن تقول كما قال العاشق أنا من أهوى ومن أهوى أنا فهل قدر هذا أن يرد العين واحدة لا والله ما استطاع فإنه جهل والجهل لا يتعقل حقا ولابد لكل أحد من غطاء ينكشف عند لقاء الله – وقال أيضا : من فصل بينك وبينه أثبت عينك وعينه ألا تراه تعالي قد أثبت عينك وفصل كونك بقوله إن كنت تنتبه \" كنت سمعه الذى يسمع به فأثبتك باعادة الضمير إليك ليدل عليك وما قال بالإتحاد إلا أهل الإلحاد : وقال فيه أيضا : أعلم أن العاشق إذا قال أنا من أهوى ومن أهوى أنا فإن ذلك كلام بلسان العشق والمحبة لا بلسان العلم والتحقيق ولذلك يرجع أحدهم عن هذا القول إذا صحا من سكرته.\r…وأكتفي بما سبق من الأقوال في هذا الشأن وفي كتبه رضي الله عنه ما يشفي غليل الطالب ويزيد المعتقد راحة واستفادة.\r…ومما نسب إلي الشيخ رضي الله عنه القول بتفضيل الولاية علي الرسالة وإليك بعض أقواله رضي الله عنه في تحقيق ختم النبوه وإرث الولاية لها يدفع شبه القادحين ويكذب المفترين .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"…قال رضي الله عنه في الباب الثامن والخمسين ومائة منكتابه الفتوحات المكية : أعلم أن الولاية هي المحيطة العامة وهي الدائرة الكبرى فمن حكمها أن يتولي الله من شاء من عباده بنبوه وهي من أحكام الولاية وقد يتولاه بالرسالة وهي من أحكام الولاية أيضا فكل رسول لابد أن يكون نبيا وكل نبي لابد أن يكون وليا فكل رسول لابد أن يكون وليا فالرسالة خصوص مقام في الولاية ويقول في الباب الثالث والسبعين من الكتاب المذكور : فالنبوة مقام عند الله يناله البشر وهو مختص بالأكابر من البشر.\r…ويقول في نفس الباب : فمن الأولياء رضي الله عنهم الأنبياء صلوات الله عليهم تولاهم الله بالنبوه وهم رجال اصطنعهم لنفسه واختارهم لخدمته واختصهم من سائر العباد لحضرته شرع لهم ما تعبدهم به في ذواتهم ولم يأمر بعضهم بأن يعدى تلك العبادات إلي غيرهم بطريق الوجوب فمقام النبوة مقام خاص في الولاية إلي أن قال : فمقام التبليغ هو المعبر عنه بالرسالة لا غير وما توقفنا عن الكلام في مقام الرسول والنبي صاحب الشرع إلا أن شرط أهل الطريق فيما يخبرون عنه من المقامات والأحوال أن يكون عن ذوق ولا ذوق لنا ولا لغيرنا ولا لمن ليس بنبي صاحب شريعة في نبوة التشريع ولا في الرسالة فكيف نتكلم في مقام لم نصل اليه وعلي حال لم نذقه لا أنا ولا غير ممن ليس ينبي ذى شريعة من الله ولا رسول حرام علينا الكلام فيه فما نتكلم إلا فيما لنا فيه ذوق فما عدا هذين المقامين فلنا الكلام فيه عن ذوق لأن الله ما خجره.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب الثالث وثلثمائة من كتابه الفتوحات المذكور : فالنبي ذو عين مفتوحة لمشاهدة النبوة والولي ذو عين مفتوحة لمشاهدة الولاية ذو عين عمياء لمشاهدة النبوة فإنها من خلفه فهو كحافظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه ولم يقل في صدره ولا بين عينيه ولا في قلبه فإن تلك رتبة النبي لا رتبة الولي وأين الاكتساب من التخصيص فالنبوة اختصاص من الله يختص بها من يشاء من عباده وقد أغلق ذلك الباب وختم برسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - والولاية مكتسبة إلي يوم القيامة فمن تعمل في تحصيلها حصلت له والتعمل في تحصيلها اختصاص من الله يختص برحمته من يشاء قال تعالي : ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) كما قال تعالي : ( تهدى به من تشاء من عبادنا) فبنور النبوة تكتسب الولاية إلي آخر ما قال في هذا الباب في هذا المعني.\r…ويقول في الباب العاشر وثلثمائة من كتابه الفتوحات المذكور : لأن الملك لا ينزل بوحي علي قلب غير نبي ولا بأمر إلهي جملة واحدة فإن الشريعة قد استقرت وتبين الفرض والواجب والمندوب والمباح والمكروه فأنقطع الامر الإلهي بانقطاع النبوة والرسالة ولهذا لم يكتف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانقطاع الرسالة فقط لئلا يتوهم أن النبوة باقية في الأمة فقال عليه السلام أن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدى ولا رسول – وقال في الباب الرابع عشر وثلثمائة من كتابه الفتوحات : فلا يتعدي كشف الولي في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبية ووحية إلي آخر ما قال في ذلك .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"…ويقول رضي الله عنه في الباب الثالث والسبعين وثلثمائة من كتابه الفتوحات أيضا بعد أن ذكر ختم النبوة والرسالة وغلق بابها بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبقاء الوراثة والإلهام والفهم في الكتاب والسنة قال رضي الله عنه : وإنما قلنا ذلك لئلا يتوهم متوهم أني وأمثالي أدعي نبوة لا والله ما بقي إلا ميراث وسلوك مدرجة محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة وإن كان للناس عامة.\r…وقال في نفس الباب بعد ذكر حال الرسول والوارث : والوارث داع لما قرره هذا الرسول وليس بمشرع فلا يحتاج إلي ظهور الحالك ما احتاج اليه المشروع فالوارث بحفظ بقاء الدعوة في الأمة عليها وما خطه إلا ذلك حتي أن الوارث لو أتي بشرع ولا يأتي به ولكن لو فرضنا ما قبلته منه الأمة.\rويكفي هذا من الأقوال في تقرير نزاهة الشيخ رضي الله عنه وتبرئته مما نسب اليه في ذلك .\rومما نسب إلي الشيخ رضي الله عنه قوله بخروج أهل النار منها : وإليك بعض أقوله رضي الله عنه لدفع ذلك : يقول رضي الله عنه في الباب الحادى والسبعين وثلثمائة من كتابه الفتوحات المكية واذا لم يبق في النار أحد إلا أهلها وهم في حال العذاب يجاء بالموت علي صورة كبش أملح فيوضع بين الجنة والنار ينظر اليه أهل الجنة وأهل النار فيقال لهم تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيضجعه الروح الأمين ويأتي يحيي عليه السلام وبيده الشفرة فيذبحه ويقول الملك لساكني الجنة والنار خلود فلا موت ويقع اليأس لأهل النار من الخروج منها إلي آخر ما قال في ذلك فراجعة وأمثاله من كلام الشيخ في الفتوحات وغيرها من كتبه مما ساقة في ذلك تبعا لما ورد في الشرع الشريف.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"…وقد دافع سيدى عبد الوهاب الشعراني عن الشيخ في هذا المنسوب اليه وساق النص من كلام الشيخ مما يبطل شبهة القادح ويفند تهمه المبطل ثم قال في كتابة اليواقيت والجواهر : فكذب الله وأفترى من أشاع عن الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله انه كان يقول إن أهل النار يتلذدون بالنار فأنهم لو أخرجوا منها لاستغاثوا وطلبوا الرجوع اليها كما رأيت ذلك فيهذين الكتابين وقد حذفت ذلك من الفتوحات حال اختصارى لها حتي ورد علي الشيخ شمس الدين الشريف المدني فأخبرني بأنهم دسوا علي الشيخ في كتبه كثيرا من العقائد الزائقة التي تقلت عن غير الشيخ كما مرت الاشارة اليه في الخطبة فان الشيخ من كمل العارفين بإجماع أهل الطريق وكان جليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي الدوام فكيف يتكلم بما يهدم شيئا من أركان شريعته ويساوى بين دينه وبين جميع الأديان الباطلة ويجعل أهل الدارين سواء هذا لا يعتقده في الشيخ إلا من عزل عنه عقله فإياك يا أخي أن تصدق من يضيف شيئا من العقائد الزائفة إلي الشيخ واحم سمعك وبصرك وقلبك وقد نصحتك والسلام.\r…يقول الفقير وقد مر في عقيدته التي ذكرتها بأول المختارات العلمية قوله رضي الله عنه \" والجنة حق والنار حق وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق وكرب ذلك اليوم حق علي طائفة وعلي طائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من ا لنار من شاء حق وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق والتأبيد لأهل النار في النار حق \".","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"…ويقول سيدى عبد الوهاب الشعراني بعد ما أورد نصوصا أخرى في ذلك ما سبق ذكرها قريبا : وفي لواقح الأنوار التي جمعها محمد بن سويدكين من مجالس الشيخ ووتقريراته : أعلم يا أخى أن جميع ما وجدته من قولنا بخروج أهل النار منها في سائر كتبنا وتقريراتنا فمرادنا بهم عصاة الموحدين أنتهي ثم قال وقد نبه علي ذلك أيضا الشيخ الكامل عبد الكريم الجيلي في شرحة الأسرار من الفتوحات فقال : إياك والغلط ف تفهم من كلام الشيخ أنه يريد بخروج أهل النار غير الموحدين من الكفار فإن ذلك خطأ انتهي وقد رجع بحمد الله تعالي علي يدى جماعات كثيرة من صوفية الزمان الذين لا غوص لهم في الشريعة في أعتقاد خروج أهل النار الذين هم أهلها تقليدا لما أشيع عن الشيخ محيي الدين وتابوا إليا لله تعالي بعد أن كانوا يتساررون بذلك فيما بينهم فالحمد لله رب العالمين انتهي كلام سيدى عبد الوهاب وأكتفي بذلك في تحرير هذا المنسوب إلي الشيخ رضي الله عنه.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"…يقول الفقير : والمطالع كتب الشيخ يصادفه عبارات يقف غير الذائق أمام ظواهرها فيستشكلها خصوصا ما يتعلق منها بالحضرة العلية . وقد ورد من ذلك بعض عبارات بكتاب الفصوص للشيخ رضي الله عنه قام بشرحها وتحليلها شراح الفصوص ولست أريد ذكرها هنا لتضييق دائرة البحث العلمي والتحليل القولي إذا المراد معرفة الله تعالي وفناء الأعتبارات النفسية وتوحيد الوجهة للمطلوب الحق وهذا لا يدع في الصادق محلا للبحث والتحرى والتدقيق الشكلي . وقد أشرت في مقدمة الكتاب إلي بعض حلول عامة وتسهيلات للغريب من أقوال وأحوال الرجال وأخص بالذكر من هذه الحلول اتساع أفق الشيخ رضي الله عنه في التعبير عن المقامات وتجرده من الحظ النفسي والاعتبار الشخصي الذى يضع صاحبه تحت المؤاخذة وأيضا ما أعطيه رضي الله عنه من اتساع في فهم المعاني التي تحتملها الألفاظ وتبيحها الإصطلاحات اللغوية كالمشاكلة التي توجد بين الألفاظ وتخالف بين المعاني بحسب المنسوب إليه اللفظ .\r…ويكفي هذا في هذا القسم والتوفيق والهداية والتأبيد من الله .\rثالثا : أقواله في التأويل وعدمه لأخبار الصفات","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"…مرادى الصفات الإلهية الواردة في الكتاب والسنة مما لا تسلم العقول بالوقوف مع ظواهرها لاتصاف المخلوقات بها . وقد ذكرت بقواعد سلوك الشيخ رضي الله عنه مدى تمسكه بعدم التأويل وإباحته للضرورة والمصلحة . وفي هذا القسم من مختارات علومه أسوق ما يزيد في النفع وبكثر من الفوائد في هذا المعنى . قال رضي الله عنه في الباب الثاني من كتابه الفتوحات المكية : فأعلم أيها الولي الحميم أن المحقق العارف بما تقضيه الحضرة الإلهية من التقديس والتنزيه ونفي المماثلة والتشبيه لا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حق الحق تعالى من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان كقوله عليه السلام للجارية أين الله فأشارت إلى السماء فأثبت لها الإيمان فسأل - صلى الله عليه وسلم - بالظرفيه عما لا يجوز عليه المكان في النظر العقلي والرسول أعلم بالله والله أعلم بنفسه وقال في الظاهر ( أآمنتم من في السماء) بالفاء وقال ( وكان الله بكل شئ عليما ) و ( الرحمن على العرش أستوى ) ( وهو محكم أينما كنتم ) ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو أربعهم ) ويفرح بتوبة عبده ويعجب من الشاب ليست له صبوة وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية وقد تقرر بالبرهان العقلي خلقه الأزمان والأمكنة والجهات والألفاظ والحروف والأدوات والمتكلم بها والمخاطبين من المحدثات كل ذلك خلق لله تعالى فيعرف المحقق قطعا أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيك التشبيه والتمثيل وأن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا ولكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم فإن المشبهة والمجسمة قد يطلق عليهم علماء من حيث علمهم بأمور غير هذا فتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى فطائفة لم تشبه ولم تجسم وصرفت علم ذلك الذي ورد في كلام الله ورسله إلى الله تعالى ولم تدخل لها قدم في باب التأويل وقنعت بمجرد الإيمان بما يعلمه الله في هذه الألفاظ والحروف من غير تأويل ولا صرف إلى وجه","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"التشبيه لقوله تعالى ( ليس كمثله شئ ) لا لما يعطيه النظر العقلي وعلى هذا فضلا المحدثين من أهل الظاهر السالمة عقائدهم من التشبيه والتعطيل وطائفة أخرى من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق بالله تعالى في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى بل هو متصف به ولابد وما بقى النظر إلا في أن هذه الكلمة هل المراد بها ذلك الوجه أم لا ولا يقدح ذلك التأويل في ألوهيته وبما عدلوا بها إلى وجهين وثلاثة وأكثر على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان إلا وجها واحدا قصروا الخبر على ذلك الوجه النزيه وقالوا هذا هو ليس إلا في علمنا وفهمنا وإذا وجدوا له مصرفين فصاعدا صرفوا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف وقالت طائفة من هؤلاء يحتمل أن يريد كذا ويحتمل أن يريد كذا وتعود وجوه التنزيه ثم تقول والله أعلم أي ذلك أراد وطائفة أخرى تقوى عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة بقريته قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر وقصرته عليه ولم تعرج على باقي الوجوه في ذلك الخبر وإن كانت كلها تقتضي التنزيه وطائفة من المنزهة أيضا وهي العالمية وهم من أصحابنا فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر ونظر وبحث فقامت هذه الطائفة المباركة الموفقة والكل موفقون بحمد الله وقالت حصل في نفوسنا تعظيم الحق جل جلاله بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا ولا تأولوا ولا صرفوا بل قالوا ما فهمنا فقال أصحابنا بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ونجلس مع الحق بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق لما سمعته يقول ( واتقوا الله","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"ويعلمكم الله ) ويقول ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقان ) ( وقل رب زدني علما ) ( وعلمناه من لدنا علما) فعندما توجهت قلوبهم وهمهم إلى الله ولجأت إليه وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة فعندما كان منهم هذا الاستعداد تجلي الحق لهم معلما فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة وهذا ضرب من ضروب المكاشفة فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري لم يصح لهم عند هذا الكشف والمعاينة أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم ولا أن يبقوا ذلك الخبر منسجا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه الذي سبقت له فيقصورها على ما أريدت له وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين عند هذا المشاهد هذا حال طائفة منا وطائفة أخرى منا أيضا ليس لهم هذا التجلي ولكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتابة وهم معصومون فيما يلقي إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم فيخبرون بما خوطبوا به وما ألهموا به وما ألقى إليهم أو كتب .\rفقد تقرر عند جميع المحققين الذين سلموا الخبر لقائله ولم ينظروا ولا شبهوا ولا عطلوا والمحققين الذين بحثوا واجتهدوا ونظروا على طبقاتهم أيضا والمحققين الذين كوشفوا وعاينوا والمحققين الذين خوطبوا وألهموا أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات لمقيدة بالتحديد والتشبيه على حد ما نعقله في المحدثات ولكن تدخل عليه بما فيها من معنى والتقديس على طبقات العلماء المحققين في ذلك لما فيه وتقتضيه ذاته من التنزيه . وإذا تقرر هذا فقد تبين أنها أدوات التوصيل إلى أفهام المخاطبين وكل عالم حسب فهمه فيها وقوة نفوذه وبصيرته – إلى آخر ما قال رضي الله عنه في هذا التحقيق الواسع الفريد .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"…ويقول في الفصل الثالث من هذا الباب الثاني من الكتاب المذكور : فمن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد من الكتاب العزيز الذي وحد بها نفسه فلا أحد أعرف من الشئ بنفسه فلتنظر بما وصف نفسه وتسأل الله تعالى أن يفهمك ذلك فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد .\r…ويقول في الباب الثالث من كتابه الفتوحات أيضا : فمن طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك – ويقول بعد ذلك : وليس من الله في أحد شئ ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - \" إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وإن الملأ الأعلي يطلبونه أنتم فأخبر عليه السلام بأن العقل لم يدركه بفكرة ولا بعين بصيرته كما لم يدركه البصر وهذا هو الذى أشرنا إلأيه فيما تقدم من بابنا فلله الحمد علي ما ألهم وأن علمنا ما لم نكن نعلم وكان فضل الله عظيما هكذا فليكن التنزبه ونفي المماثلة والتشبيه وضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل وحمل ما وردت به الآيات والأخبار علي ما يسبق منها إلي الأفهام من غير نظر فيما يجب لله تعالي من التنزيه فقادهم ذلك إلي الجهل المحض والكفر والصراح ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات علي ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلي شئ البتة ويكلون علم ذلك إلي الله تعالي ولرسوله ويقولون لا ندرى وكان يكفيهم قول الله تعالي ( ليس كمثله شئ ).\r…واستمر رضي الله عنه في تحقيق محتملات الألفاظ الواردة في أخبار التشبيه وصرفها إلي وجوه التنزيه جربا علي لغة العرب التي نزل القرآن الكريم بها وهي لغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناطق بالأحاديث التي فيها ألفاظ التشبيه والمحب للوقوف علي ذلك عليه بالرجوع إلي هذا الباب في الكتاب المذكور.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"…ويقول في الباب الثامن والخمسين من كتابه الفتوحات المذكور : و من أعجب الأمور عندنا أن يكون الإنسان يقلد فكرة ونظره وهو محدث مثله وقوة من قوى الانسان التي خلقها الله فيه وجعل تلك القوة خديمة للعقل ويقلدها العقل فيما تعطيه هذه القوة ويعلم أنها لا تتعدى مرتبتها وأنها تعجز في نفسها عن أن يكون لها حكم قوة أخرى مثل القوة الحافظة والمصورة والمتخيلة والقوى التي هي الحواس من لمس وطعم وشم وسمع وبصر ومع هذا القصور كله يقلدها العقل في معرفة ربه ولا يقلد ربه فيما يخبر به عن نفسه في كتابه وعلي لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستمر رضي الله عنه في تفصيل القوى والحواس وحاجة العقل إليها إلي أن قال : ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالي أن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية علمت أن ثم علما آخر بالله لا تصل اليه من طريق الفكر فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار إذ كان متعلق الأفكار الأكوان واتخذت هذه الطريقة من الأنبياء والرسل وسمعت أن الحق جل جلاله ينزل إلي عباده ويستعطفهم فعلمت أن الطريق إليه من جهته أقرب اليه من الطريق من فكرها ولا سيما أهل الإيمان إلي آخر ما قال فيما ينتجه ذلك التهيؤ والتفريغ من علوم إليهية صحيحة هي المطلوبة لا غيرها من متحصلات القوى الإنسانية العادية – ويقول في الباب الخامس عشر وثلثمائة من كتابه الفتوحات المذكور : فالعاقل الحازم يقف ذليلا مشدود الوسط في خدمة الشرع قابلا لكل ما يخبر به عن ربه سبحانه وتعالي – ثم عدد رضي الله عنه بعض الوارد من هذه الصفات التشبيهية محققا لواجب المسلم نحوها من الايمان بها والتسليم وعدم التكييف ورد العلم بذلك الي الله جل شأنه.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"…وإلي هنا انتهي النقل من أقوال الشيخ رضي الله عنه في هذا القسم من المختارات العلمية وقد تركت الكثير الوارد في كتاب الفتوحات وغيره مما يحقق هذا الموضوع ويضع فيه الميزان الصحيح الشرعي فالباب مفتوح للمستزيد.\rرابعا – مختارات في التفسير والحديث والفقه\r…للتبرك وزيادة الإفادة أعقب ما مضي من التدليلات والتحقيقات لعقائد الشيخ وصفاء مشاربه المحمديه بأقوال له رضي الله عنه في تفسير بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وأقوال في الفقه تزيد المحب حبا وتهدى المنصف لفهم حال الشيخ رضي الله عنه وأسوق هنا القليل مما تساعدني يعليه همتي الضعيفة لاتساع علوم الشيخ وكتبه وضيق الباع لاستيعاب بعضها وما لا يدرك جله لا يترك كله فأبدأ بالتفسير لبعض الآيات القرآنية :- يقول رضي الله عنه في تفسير قوله تعالي ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي اليك وحيه وقل رب زدني علما ) أى زدني من كلامك ما نزيد به علما بك فإنه قد زاد هنا من العلم العلم بشرف التأني عند الوحي أدبا مع العلم الذى أتاه به من قبل ربه إنتهي ملخصا من الباب التاسع عشر بالفتوحات المكية.\r…ويقول رضي الله عنه في الباب التاسع والعشرين من كتابه الفتوحات المكية : ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدا مخصا قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا وأذهب عنهم الرجس وهو كل ما يشينهم فإن الرجس هو القذر عند العرب هكذا حكي الفراء قال تعالي ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فلا يضاف اليهم إلا مطهر ولابد فإن المضاف اليهم هو الذى يشبههم فما يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس فهذه شهادة من النبي صلي الله عليه وسلم لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - \" سلمان منا أهل البيت \" إلي آخر ما قال رضي الله عنه في ذلك في الباب المذكور.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"…ويعقد رضي الله عنه في الباب الخامس والعشرين وثلثمائة من كتابه الفتوحات المكية فصلا هاما ما أنقل هنا بعضه للتعريف بخصوصيات القرآن الكريم . يقول رضي الله عنه : \" فصل \" أعلم أن الله أنزل هذا القرآن حروفا منظومة من اثنين إلي خمسة أحرف متصلة ومفردة وجعله كلمات وآيات وسورا ونورا وهدى وضياء وشفاء ورحمة وذكرا وعربيا ومبينا وحقا وكتابا ومحكما ومتثابها ومفصلا ولكل اسم ونعت من هذه الأسماء معني ليس للآخر وكله الله ولما كان جامعا لهذه الصفات وأمثالها استحق اسم القرآن فلتذكر مراتب بعض نعوته ليعلم أهل الله منزلته.\r\" وصل \" فمن ذلك كونه حروفا والمفهوم من هذا الاسم أمران الأمرن الواحد المسمي قولا وكلاما ولفظا والأمر الآخر يسمي كتابة ورقما وخطا والقرآن بخط فله حروف الرقم وينطق به فله حروف اللفظ فلماذا يرجع كونه حروفا منطوقا بها هل لكلام الله الذى هو صفته أو هل للمترجم عنه إلي آخر ما قال رضي الله عنه في هذا الوصل وإنما لمن أورده كله هنا لما يلزم المطلع علي كلام الشيخ رضي الله عنه من كثرة ممارسة لعلومة وتحيقاته حتي يفهم مراده ويحقق ما يقرأ علي وفق الشريعة المحمدية ومذهب أهل السنة ولذلك ختم رضي الله عنه هذا الوصل بقوله : فأضرع إلي الله تعالي ليفهمك ما أومأنا إليه فإنه المنعم المحسان وأما بقية الفصل فسأسوقه هنا لسهولة فهمه والله اللهم قال رضي الله عنه :\r\" وصل \" وكون القرآن نورا بما فيه من الآيات التي تطر بالشبه المضلة مثل قوله تعالي ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقوله ( لا أحب الآفلين ) وقوله ( فأسلوهم إن كانوا ينطقون ) وقوله ( فأت بها من المغرب ) وقوله ( إذا لابتغوا إلي ذى العرش سبيلا ) وقوله ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) وقوله ( فأتوا بسورة من مثله ) وكل ما جاء في معرض الدلالة فهو من كونه نورا لأن النور هو المنفر الظلم وبه سمي نورا إذ كان النور النفور","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"\" وصل \" وأما كونه ضياء فلما فيه من الآيات الكاشفة للأمور والحقائق مثل قوله ( كل يوم هو في شأن ) ( وستفرغ لكم أيه الثقلان ) وقوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقوله ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) وقوله ( لما خلقت بيدى ) وقوله ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) وقوله ( قل كل من عند الله ) وقوله ( فألهما فجورها وتقويها ) وما أشبه ذلك مما يدل علي مجرى الحقائق ومثل قوله ( والله خلقكم وما تعلمون )\r\"وصل \" وأما كونه شفاء فكفا تحة الكتاب وآيات الأدعية كلها\r\" وصل \" وأما كونه رحمة فلما فيه مما أوجبه علي نفسه من الوعد لعباده بالخير والبشرى مثل قوله ( ولا تقنطوا من رحمة الله ) وقوله ( كتب ربكم علي نفسه الرحمة ) وقوله ( ورحتمي وسعت كل شئ ) وكل آية رجاء\r\" وصل \" وأما كونه هدى فكل آية محكمة وكل نص ورد في القرآن مما لا يدخله الاحتمال ولا يفهم منه إلا الظاهر باول وهله مثل قوله ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) وقوله ( فمن عفا وأصلح فأجره علي الله ) وأمثال هذه الآيات مما لا تحصي كثرة\r\" وصل \" وأما كونه ذكرا فلما فيه من آيات الاعتبارات وقصص الأمم في إهلاكهم بكفرهم كقصة قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس\r\" وصل \" وأما كونه عربيا فلما فيه من حسن النظم وبيان الحكم من المتشابه وتكرار القصص بتغيير ألفاظ من زيادة ونقصان مع توفية المعني المطلوب في التعريف والإعلام مع إيجاز اللفظ مثل قوله ( يحسبون كل صيحة عليهم ) وقوله ( ما ضربوه لك إلا جدلا ) وقوله ( يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقصي الأمر واستوت علي الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين ) وقوله ( وأوحينا إلي أم موسي أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين ) كل ذلك في آية واحدة تحتوى علي بشارتين وأمرين بعلم نافع وتبيين ببشرى من الله","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"\" وصل \" وأما ما كونه مبينا فبما أبان فيه من صفات أهل السعادة وأهل الشفاء ونعوت أهل الفلاح من غيرهم كقوله ( قد أفلح المؤمنون ) إلي آخر الآيات وقوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) وآيات الأحكام وكل آية أبان بها عن أمر ليعرف فلهذا سماه بهذه الأسماء كلها وجعله قرآنا أى ظاهرا جامعا لهذه المعاني كلها التي لا توجد إلا فيه أنتهي ما تيسر نقله من هذا الفصل الشريف.\r…وله رضي الله عنه أقوال نورانية فتح عليه بها في آيات التوحيد المذكورة في القرآن الكريم عقد لها رضي الله عنه الفصل التاسع من الباب الثامن والتسعين ومائة بكتابه الفتوحات المكية وللأختصار واتساع بحور علوم الشيخ أترك النقل في هذا القسم الخاص بالتفسير ومن طلب وجد وجد.\r…\rوانتقل للحديث الشريف فأنقل هنا بعض ما تيسر : يقول رضي الله عنه في الباب الثالث والثلاثين منكتابه الفتوحات المكية.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"…روينا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال \" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله فهجرته إلي الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلي ما هاجر اليه \" رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعلم أن لمراعاة النيات رجالا علي حال مخصوص ونعت خاص أذكرهم إن شاء الله وأذكر أحوالهم والنية لجميع الحركات والسكنات في المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته الأرض فالنية من حيث ذاتها واحدة وتختلف بالتعلق وهو المنوى فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها فإن حط النية إنما هو القصد للفعل أو تركه وكون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا وخيرا أو شرا ما هو من أثر النية وإنما هو من أمر عارض عرض ميزة الشارع وعينة للمكلف فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة كالماء إنما منزلته أن ينزل او يسيح في الأرض وكون الأرض الميتة تحيا به أو ينهدم بيت العجوز الفقيرة بنزوله ليس ذلك له فتخرج الزهرة الطيبة الربح والمنتنة والثمرة الطيبة والخبيثة من خبث مزاج البقعة أو طيبها أو من خبت البزرة أو طيبها قال تعالي ( تشقي بماء واحد ونفضل بعضها علي بعض في الأكل ) ثم قال ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) فليس للنية في ذلك إلا الإمداد كما قال تعالي ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) يعني المثل المضروب به في القرآن أى بسببه وهو من القرآن فكما كان الماء سببا في ظهور هذه الروائح المختلفة والطعوم المختلفة كذلك هي النيات سبب في الاعمال الصالحة وغير الصالحة ومعلوم أن القرآن مهداة كله ولكن بالتأويل فيا لمثل المضروب ضل من ضل وبه اهتدى من اهتدى فهو من كونه مثلا لم تتغير حقيقته وإنما العيب وقع في عين الفهم كذلك النية أعطت حقيقتها وهو تعلقها بالمنوى وكون ذلك المنوى حسنا أو قبيحا ليس لها وإنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن والقبح وقال تعالي ( إنا هديناه السبيل ) أى بينا له طريق السعادة","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"والشقاء ثم قال ( إما شاكرا وإما كفورا ) هذا راجع للمخاطب المكلف فإن نوى الخبر أثمر خيرا وإن نوى الشر أثمر شرا فما أتي عليه إلا من المحل من طيبة أوخبثه يقول الله تعالي ( وعلي الله قصد السبيل ) أى هذا أوجبته علي نفسي كان الله يقول الذى يلزم جانب الحق منكم أن يبين لكم السبيل الموصل إلي سعادتكم وقد فعلت فإنكم لا تعرفونه إلا بإعلامي لكم به وتبييني وسبب ذلك أنه سبق في العلم أن طريق سعادة العباد إنما هو في سبب خاص وسبب شقائهم أيضا إنما هو في طريق خاص وليس إلا العدول عن طريق السعادة وهو الأيمان بالله وبما جاء من عند الله مما ألزمنا فيه الإيمان به واستمر رضي الله عنه في هذا التحقيق وأقتصرت للأختصار ويكفي هذا من أقواله في تحقيق الأحاديث الشريفة إذ المراد التبرك والإيمان إلي علو أذواق الشيخ في العلوم اللدنية وصحة طريقة إلي ربه مقتفيا في ذلك آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"…وانتقل بعد ذلك إلي سرد بعض أقواله رضي الله عنه في بعض الأحكام الفقهية فأقول عقد رضي الله عنه بكتابه الفتوحات المكية أبوابا في الأصول الشرعية والأحكام التكليفية فمن هذه الأبوان الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة صدرة بقصيدة عامرة بأسرار التكاليف الشرعية الخاصة بالطهارة ثم أتبع هذه القصيدة بقوله : أعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أنه لما كانت الطهارة النظافة علمنا أنها صفة تنزيه وهي معنوية وحسية طهارة قلب وطهارة أعضاء معينة فالمعنوية طهارة النفس من سفساف الأخلاق ومذمومها وطهارة العقل من دنس الأفكار والشبه وطهارة السر من النظر إلي الأغيار وطهارة الأعضاء فأعلم أن لكل عضو طهارة معنوية ذكرناها في كتاب التنزلات الموصلية في أبواب الطهارة منه وطهارة الحس من الأمور المستقذرة التي تستخبثها النفوس طبعا وعادة وهاتان الطهارتان مشروعتان فالطهارة الحسية الظاهرة نوعان النوع الواحد قد ذكرناه وهو النظافة والنوع الآخر أفعال معينة مخصوصة في مجال معينة مخصوصة لأحوال موجبة مخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص منها شرعا ولهذه الطهارة المذكورة ثلاثة أسماء شرعا وضوء وغسل وتيمم واستمر رضي الله عنه يحقق ما تكون به هذه الطهارة الظاهرة ووجود الخلاف في ذلك بين العلماء ويبدى اجتهاده هو في ذلك مما لا يسع المطلع علي ذلك إلا التسليم لوسع علوم الشيخ رضي الله عنه والاقرار له رضي الله عنه بالإرث المحمدى الكبيرى وخصوصا عندما يبدى الإعتبارات والإشارات المعنوية المودعة ظواهر النصوص والاحظام الشرعية فقد قال في المضمضة بعد شرح الاستجمار والاستنجاء وغسل اليدين ثم مضمض بالذكر الحسن لتنزيل به الذكر القبيح من النميمة والغيبة والجهر بالسوء من القول فلتكن مضمضتك بالتلاوة وذكر الله وإصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالي ( لا يجب الله الجهر بالسوء من القول ) وقال ( مشاء بنميم ) وقال ( لا خير في كثير من","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"نجوبهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) وما أشبه ذلك فهذه طهارة فيك وقد فتحت لك الباب فاجر في وضوئك وغسلك وتيممك في أعضاتك علي هذا الأسلوب فهو الذى طلبه الحق منك وقد أستوفينا الكلام علي هذه الطهارة في التنزلات الموصلية فأنظرها هنالك نثرا ونظما وقد رميت بك علي الطريق ولتعرف هذه الطهارة بكمالها في كل مكلف منك فإن كل مكلف منك مأمور بجميع العبادات كلها من طهور وصلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد وغير ذلك من الأعمال المشروعة وكل مكلف فيك تصرفة في هذه العبادات بحسب ما تطلبه حقيقته ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) وقد أعطي كل شئ خلقه ثم هدى أى بين كيف تستعمله فيها وهم ثمانية أصناف لا يزيدون لكن قد ينقصون في بعض الأشخاص وهو العين والأذن واللسان واليد والبطن والفزح والرجل ولاقلب لا زائدة في الإنسان عليهم لكن قد ينقصون في بعض أشخاص هذا النوع الإنساني كالأكمه والأخرس والأصم وأصحاب العاهات فمن بقي من هؤلاء المكلفين منك فالخطاب يترتب عليه ومن خطاب الشارع تعلم جميع ما يتعلق بكل عضو من هؤلاء الأعضاء من التكاليف وهم كالآلة للنفس المخاطبة المكلفة بتدبير هذا البدن وأنت المسئول عنهم في إقامة لعدل فيهم فلقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انقطع شسع نعله خلع الأخرى حتي يعدل بين رجليه ولا يمشي في نعل واحد وقد بيناها بكملها ومالها من الأنوار والكرامات والمنازل والأسرار والتجليات في كتابنا المسمي مواقع النجوم ما سبقنا في علمنا في هذا الطريق إلي ترتيبه أصلا وقيدته في أحد عشر يوما في شهر رمضان بمدينة المرية سنة خمس وتسعين وخمسمائة يغني عن الأستاذ بل الأستاذ محتاج اليه فإن الأستاذين فيهم العالي والأعلي وهذا الكتاب علي أعلي مقام يكون الأستاذ عليه ليس وراءه مقام في هذه الشريعة التي تعبدنا بها فمن حصل لديه فليعتمد بتوفيق الله عليه وإنه عظيم المنفعة وما جعلني أن أعرفك بمنزلته إلا أني","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"رأيت الحق في النوم مرتين وهو يقول لي أنصح عبادى وهذا من أكبر نصيحة نصحتك بها والله الموفق وبيده الهداية وليس لنا من الأمر شئ ولقد صدق الكذوب إبليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اجتمع به فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عندك فقال إبليس لتعلم يا رسول الله أن الله خلقك للهداية وما بيدك من الهداية شئ وإن الله خلقني للغواية وما بيدى من الغواية شئ لم يزده علي ذلك وانصرف وحالت الملائكة بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"\" وصل \" وبعد أن نبهتك علي ما نبهتك عليه مما تقع لك به الفائدة فإعلم أن الله خاطب الأنسان بجملته وما خص ظاهرة من باطنه ولا باطنه من ظاهرة فتوفرت دواعي الناس أكثرهم إلي معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم وغفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم إلا القليل وهم أهل طريق الله فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا وباطنا فما من حكم قرووه شرعا في ظواهرهم إلا وراوا أن ذلك الحكم له نسبه إلي بواطنهم أخذوا علي ذلك جميع أحكام الشرائع فعبدوا الله بما شرع لهم ظاهرا وباطنا ففازوا حين خسر الأكثرون ونبعت طائفة ثالثة ضلت وأضلت فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم وما تركت من حكم الشريعة في الظواهرشيئا تسمي الباطنية وهم في ذلك علي مذاهب مختلفة وقد ذكر الإمام أبو حامد في كتاب المستظهرى له في الرد عليهم شيئا من مذاهبهم وبين خطأهم فيها والسعادة إنما هي مع أهل الظاهر وهم في الظرف والنقيض من أهل الباطن والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن وهم العلماء بالله وبأحكامه وكان في نفسي إن أخر الله في عمرى أن أضع كتابا كبيرا اقرر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في أماكنها الظاهرة وأقررها فإذا استوفينا المسألة المشروعة في ظاهر الحكم جعلنا إلي جانبها حكمها في باطن الإنسان فيسرى حكم الشرع في الظاهر والباطن فإن أهل طريق الله وإن كان هذا غرضهم ومقصدهم ولكن ما كل أحد منهم يفتح الله له في الفهم حتي يعرف ميزان ذلك الحكم في باطنه فقصدنا في هذا الكتاب إلي الأمر العام من العبادات وهي الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والتلفظ بلا إله الله محمد رسول الله فأعتنيت بهذه الخمسة لكونها من قواعد الإسلام التي بني الإسلام عليها وهي كالأركان للبيت فالإيمان هو عين البيت ومجموعة وباب البيت الذى يدخل منه اليه وهذا الباب له مصراعان وهمنا التلفظ بالشهادتين وأركان البيت أربعة وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج فجردنا العناية في","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"إقامة هذا البيت لنسكن فيه ويقينا من زمهرير نفس جهنم وحرورها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - \" اشتكت النار إلي ربها فقالت يا رب اكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفسي في الشتاء ونفسي في الصيف فما كان من سموم وحرور فهو من نفسها وما كان من برد وزمهرير فهو من نفسها\" فاتخذ الناس البيوت لتقيهم حر الشمس وبرد الهواء فينبغي للعاقل أن يقيم لنفسه بيتا يكنه يوم القيامة من هذين النفسين في ذلك اليوم لأن جهنم في ذلك اليوم تأتي بنفسها تسعي إلي الموقف تفور تكاد تميز من الغيظ علي أعداء الله فمن كان في مثل هذا البيت وقاه الله من شرها وسطوتها ولما كانت الطهارة شرطا في صحة الصلاة أفردنا لها باب قدمنا بين يدى باب الصلاة ثم يتلوها الزكاة ثم الصوم ثم الحج ويكفي في هذا الكتاب هذا القدر من العبادات فأتتبع أمهات مسائل كل باب منها وأقررها بالحكم الكلي باسمها في الظاهر ثم انتقل إلي حكم تلك المسألة عينها في الباطن إلي أن أفرغ منها والله يؤيد ويعين انتهي ما أردت نقله هنا من أوائل هذا الباب فإنه رضي الله عنه شرع بعد ذلك في إبراد الأحكان الشرعية ظاهرا وأخذ الاعتبار منها باطنا سار في ذلك مقررا ومحققا إلي آخر العبادات فارجع إلي كتاب الفتوحات المكية إن أردت الاستفادة.","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"…وفي الباب الثامن والثمانين بنفس كتاب الفتوحات المذكور يحقق أسرار أصول أحكام الشرع بما يريح فؤاد الطالب المتشوف للعلوم اللدنية الجارية من الفيض المحمدى علي ألسنة الورثة المتبعين العاملين وبهذا الباب أيضا تجد دقائق الأحكام الشرعية الظاهرة مما يثلج صدد المتطلع لفهم أسرار الشريعة المحمدية ويوقفه علي اتساع أطرافها وفي الباب الموفي تسعين بنفس الكتاب المذكور يحقق الفرائض والسنن الأصلية والفرعية والاجتهاد بما فيه راحة القلوب وغذاء الأرواح فاطلبها بالفعل في محلها بالكتاب وأكتفي بهذه الأشارة إلي علوم الشيخ رضي الله عنه الخاصة بالأحكام الفقهية لأنتقل لقسم آخر من علومه رضي الله عنه.\rخامسا – معارف وأسرار وحكم له رضي الله عنه\r…سأحاول في هذا القسم بتوفيق الله ايراد بعض المعارف والأسرار والحكم السهلة التناول والفهم لئلا يحرم المعتقد المطلع علي هذا الكتاب من فوائد خاصة تزيده اعتقادا وترقيا فأقول :\r…قال رضي الله عنه في أول خطبة كتابة الفتوحات المكية : الحمد لله الذى أوحد أشياء عن عدم وعدمه – وقال في عقائد اهل الاختصاص بكتاب الفتوحات المكية : \" مسألة \" الكسب تعلق ارادة المكن بفعل ما دون غيره فيوجده الأقتدار الإلهي عند هذا التعلق فسمي ذلك كسبا للمكن \" مسألة \" لا يقال من جهة الحقيقة أن الله جائز أن يوجد أمرا ما وجائز أن لا يوجده فإن فعله للأشياء ليس بمكن بالنظر اليه ولا بإيجاب موجب ولكن يقال ذلك الأمر جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد فيفتقر إلي مرجع وهو الله تعالي وقد تقصينا الشريعة فما رأينا فيها ما يناقص ما قلناه فالذى نقول في الحق أنه تعالي يجب له كذا ويستحيل عليه كذا ولا نقول يجوز كذا.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"…وقال رضي الله عنه في الباب الرابع والخمسين من كتابه الفتوحات المذكور : ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها أنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعاليم والمتكلمين والفسقة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم غلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لابد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق – وبهذا يعرف صدقه عندهم – وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا علي ألفاظ مخصوصة فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم علي تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتي كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر علي دفعه وكأنه ما زال يعلمه ولا يدرى كيف حصل له إلي آخر ما قال في ذلك رضي الله عنه.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"…ويقول في الباب الثاني والستين ومائة من كتاب الفتوحات المذكور : الغني بالله فقير إليه فالنسبة بلفظ الفقر إلي الله أولي من النسبة بالغني لأن الغني نعت ذاتي يرفع المناسبة بين ذات الحق والخلق – ويقول في الباب الثامن والستين ومائة : ومن أدب الشريعة أخذك لأحكامها المشروعة والوقوف عند رسومها وحدودها واتصافك بها لمجرد الخدمة والاشتغال لا لتحلية النفس بالعلم بها دون العمل ومن آداب الخدمة أن لا يشغلك ولا يبعثك عليها ما تنتجه لك من المخدوم من القبول وملاحظات التأميل فإن شغلك ذلك فما خدمت سوى غرضك ونفسك . ومن آداب الحق أن لا يتعدى علمك في الأشياء علمه فيها وهو الموافقة وإن أعطاك علمك خلاف ذلك ولا سيما فيما أضافة الحق إلي الخلق من الأعمال فأضفها أنت إلي من أضافها الله واترك علمه لعلمه فإنه العليم وأنت العالم وهو الصادق فيما يخبر فما أضاف امرا إلي من أضافه إلا وينبغي لذلك المضاف اليه تلك الإضافة فلا ترجع علمك علي علمه من حيث قيام الدليل لك علي أنه لا فاعل إلا الله فليس هذا من الأدب فصاحب الموافقة له كل تجل وشهود فأعلم ذلك.\r…ويقول في الباب السابع والسبعين ومائة من كتاب الفتوحات المذكور : والمعرفة عند القوم محجة فكل علم لا يحصل إلا عن عمل وتقوى وسلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبه بخلاف العلم الحاصل عن النظر الفكرى لا يسلم أبدا من دخول الشبه عليه والحيرة فيه والقدح في الأمر الموصل إليه.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"…ويصف رضي الله عنه الكمل من الشيوخ بالباب الأحد والثمانين ومائة من الكتاب المذكور بقوله : عارفون بالكتاب والسنة قائلون بها في ظواهرهم متحققون بها في سرائرهم يراعون حدود الله ويوفون بعهد الله قائمون بمراسم الشريعة لا يتأولون في الورع آخذون بالاحتياط مجانبون لأهل التخليط مشفقون علي الأمة لا يمقتون حدا من العصاة يحبون ما أحب الله ويبغضون ما أبغض الله ببغض الله لا تأخذهم في الله لومة لائم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر المجمع عليه يسارعون فيا لخبرات ويعفون عن الناس يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ويميطون الأذى عن طريق الله وطريق الناس يدعو في الخير بالأوجب فالأوجب يؤدون الحقوق إلي أهلها يبرون إخوانهم بل الناس أجمعهم لا يقتصرون بالجود علي معارفهم جودهم مطلق الكبير لهم أب والمثل لهم أخ وكفء والصغير لهم ابن وجميع الخلق لهم عائلة يتفقدون حوائجهم إن أطاعوا رأوا الحق موفقهم في طاعتهم إياه وإن عصوا سارعوا بالتوبة والحياء من الله ولاموا نفوسهم علي صدر منهم ولا يهربون في معاصيهم إلي القضاء والقدر فإنه سوء أدب مع الله هينون لينون ذو ومقة رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا في نظرهم رحمة لعباد الله كأنهم يبكون الهم عليهم أغلب من الفرح لما يعطيه موطن التكليف إلي آخر ما قال في ذلك رضي اله عنه .\r…ويقول رضي الله عنه في الباب الثالث ولاستين ومائتين من كتاب الفتوحات المذكور : فما ثم حقيقة تخالف شريعة لأن الشريعة من جملة الحقائق ويقول في الباب السادس والسبعين ومائتين من كتاب الفتوحات المذكور ويختص الحق دون العالم بكيف تجلي لا يعلمه غير الله لا ملك ولا نبي فإن ذلك من خصائص الحق لأن الذات مجهولة في الأل فعلم كيفية تجليها في المظاهر غير حاصل ولا مدرك لأحد من خلق الله انتهي .\rوسأتابع النقل من كتاب الفتوحات المذكور مكتفيا بذكر رقم الباب فأقول :","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"…قال رضي الله عنه في الباب 278 : وليس من شأن المنصف الأديب العالم بطريق الله أن يتكلم في تفاضل الرجال وإن علم ذلك فيمتعه الأدب فلهذا قلنا الأديب وإنما يتكلم في تفاضل المقامات فيخرج عن العهدة في ذلك ويسلم له الحال عن المطالبة فيه إذا كانت المقامات ليس لها طلب وكان الطلب للموصوفين بها.\r…وقال رضي الله عنه في الباب 281 : والجهل لا يكون معه خير كما أن العلم لا يكون معه شر فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - \" بعثت لأثم مكارم الأخلاق \" يريد أنه يعلم ما هي وكيفت صرف وأين تصرف – ويقول في الباب 282 فما كل أمر يعلم ولا كل أمر يجهل فأعلم العلماء من علم ما يعلم أنه يعلم وما لا يعلم أنه لا يعلم قال - صلى الله عليه وسلم - ولا أحصي ثناء عليك \" فقد علم أنه ثم أمرلا يحاط به وقال الصديق ( العجز عن درك الإدراك إدراك ) وقال الشيخ بعد ذلك : ثم إن الإنسان يشغله الفكر فيما لم يشرع له التفكر فيه عن شكر المنعم علي النعم التي أنعم اله عليه بها فيكون صاحب عذابين عذاب الفكر فيما لا ينبغي وعذاب عدم الشكر علي ما أنعم به عليه ولا نعمة أعظم من نعمة العلم وإن كانت نعم الله لا تحصي من حيث أسبابها الموجبة لها وإنما النعيم علي الحقيقة وجود اللذة في نفس المنعم عليه بها عند أسبابها الموجبة لها وإنما النعيم علي الحقيقة وجود اللذة في نفس المنعم عليه بها عند أسباب كثيرة لا تحصي محصورة في أمرين في وجود ما تكون به اللذة وفي المنعم عليه بها عند أسباب كثيرة لا تحصي محصورة في أمرين في وجود ما تكون به اللذة وفي عدم ما يكون بعدمة اللذة وهي أمور نسبية كوجود لذة خائف من عدو يتوقعه فيهلك ذلك العدو فيجد هذا من اللذة عند هلاكه مالا يقدر قدرها وذلك لوجود الأمن مما كان يحذره فالأسباب لا تحصي كثرة واللذة واحدة وهي النعمة المحققة كما أن الألم هو العذاب المحقق وأسبابه لا تحصي فسمي الشئ باسم الشئ إذا كان مجاورا له أوكان منه بسبب –","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وقال في الباب 293 وأعلم يا أخي أنه ليلة تقييدى لبقية هذا المنزل من بركاته رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد استلقي علي ظهره وهو يقول : ينبغي للعبد أن يرى عظمة الله في كل شئ حتي في المسح علي الحفين ولباس القفازين وكنت أرى في رجليه - صلى الله عليه وسلم - نعلين أسودين جديدين وفي بدية قفازين وكأنه يشير إلي مسرورا بما وضعته في هذا المنزل من العلم بما يستحقه جلال الله ثم يقول : وما دام البدر طالعا فالنفوس في البساتين نائمة وفي جواسقها آمنة فإذا كان الظلام ولم يطلع البدر خيف من اللصوص فينبغي أن يدخل الإنسان المدينة حذرا من اللصوص فكنت أفهم عنه من هذا الكلام أنه يري أن النفوس إذا كان شهود الحق غالبا عليها محققه به وفيه عند من يدخل بساتين معرفة الله والكلام في جلاله علي ضروبة وكثرة فنونه فشبه الحق بالبدر وشبه ما تحويه البساتين من ضروب الفواكه بما تحوى عليه الحضرة الإلهية من معارف الأسماء الإلهية وصفات الجلال والتعظيم إلي آخر ما ذكر رضي الله عنه من الفهم في هذا الكلام الشريف – وقال في الباب 304.\rأنا عبد والذل بالعبد أولي ………لا أراني للعز بالحق أهلا\rفأنظروني فكلما قلت قولا ………كان قولي حالا وعقدا وفعلا\rان غيرى بقول إني عبد ………فاذا ما سببت قال مهلا","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"فيأبها الوالي الحميم لا تنسخ العلم بالظن فأخسر الأخسرين من كانت حالة هذه عزة الإيمان أعلي وعزة الفقر أولي فليكن شأنك تعظيم المؤمن الفقير علي المؤمن الغني بماله العزيز بجاهه المحجوب عن نفسه فإن الفقير المؤمن هو مجلي حقيقتك وأنت مأمور بمشاهدة نفسك حذر الخروج عن طريقها – ويقول في الباب 354 أعلم أيدك الله أن العالم عند الله من علم علم الظاهر والباطن ومن لم يجمع بينهما فليس بعالم خصوص ولا مصطفي وسبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله له بمايخالف علمه وقال في الباب 559 من الكتاب المذكور وهو باب جامع للأسرار العالية أذكر هنا ماأمكن ضمه إلي هذه المجموعة من الأقوال مع سرد هذه المختارات من هذا الباب تباعا بدون تنبيه علي كل منها قال رضي الله عنه :","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"…لولا الكثائف ما عرفت اللطائف ولولا آثارها ما ظهر منارها – لا تنفرد بمقلك دون نقلك – للتجلي الإلهي في الأكوان أحكام بحس الأزمان فتنوع الأشكال لتنوع الأحوال – من ذاق طعم العبودية تألم بالحرية الحرية محال والعبودة رأس المال علي كل حال البرب رب والعبد عبد وإن اشتركا فيا لعهد – الفتي من لا يزال للعلم طالبا ومن الجهل هاربا – المريد من يجد في القرآن ما يريد – من شرف العلم أن يعطي العالم كل مرتبة مالها من الحكم فالعلماء هم الحكما والحكماء لا يتعدون بالسلعة قيمتها ولا بكل نشأة شيمتها – الكل فيعين التلف من جهل ومن عرف وما نجا إلا من وقف – لا تقل وصلت فما ثم نهاية ولا لم أصل فإنه عماية ليس وراء الله مرمي وهنا لك يستوي البصير والأعمي – إذ ولابد من الحديث فلا تتحدث إلا بنعمة ربك وأعظم النعم ما أعطيت الأنبياءو الرسل فينعمهم تحدث – مجالسة الرسل بالأتباع ومجالسة الحق بالإصغاء إلي ما يقول فإنه المتكلم الذى لا يجوز عليه السكوت فكن سامعا لا متكلما ما خلق الله أكمل من الإنسان فلا ترض بالدون واطلب معالي الأمور وما ثم أعلي من العلم بالله – إذا كان الحق علي قدر ما جاء العلماء به فاعتمد هلي الحق الذى جاءت الرسل بنعمته وإياك والفكر فيه فإنه مزلة قدم قف عند ظاهر ما جاءت به من غير تأويل فإن لرسل ما تنطق عن الهوى ( إن هو إلا وحي يوحي علمه شديد القوى ) الخلق عيال الله وأكرم العيال عند رب البيت صاحبة البيت وليس إلا الرسل ومن ورثهم علي مدرجتم – أنت أنت وهو هو لإ أحذر أن تقول كما قال العاشق أنا من أهوى ومن أهوى أنا فهل قدر علي أن يرد العين واحدة والله ما أستطاع فإن الجهل لا يستطاع فأتي بذكره وذكر من يهوى ففرق وأعتقد الفرقان تكن من أهل البرهان لا بل من أهل الكشف والعيان – كن أنت المخاطب في خطاب الحق بسمعك لا بسمع الحق فإنه لا يأمر نفسه ولا ينهاها 0 إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس نيام فإذا ما","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"توا انتبهوا لما في الموت حديد ) ولم يقل عقلك فكل ما أنت فيه في الدنيا إنما هو رؤيا فمن عبرها في الدنيا كان بمنزلة من رأى في الرؤيا أنه استيقظ وهو في حال لومه كما هو فعبرها – من وقف علي حكمة تقلب الأمور في باطنه علم أنه نائم في يقظته العرفية – من سبقت له العناية عند الله ثبت العالم عنده علي ما هو عليه لا يتبدل في تبدله وتحوله من حال إلي حالومن صورة والعالم بذلك قليل – ذا رأيت من يتبرأ من نفسه فلا تطمع فيه فإنه منك أشد تبرأ فافهم – ما ثم إلا الإيمان فلا تعدل عنه وإياك والتأويل فيما أنت به مؤمن فإنك ما تظفر منه بطائل ما لم يكشف لك عينا – اجعل أساس أمرك كله علي الإيمان والتقوى حتي تبين لك الأمور فأعمل بحسب ما بأن لك وسر معها إلي ما يدعوك اليه – اجعل زمامك بيد الهادى ولا تتلكا فيسلط عليك الحادى فتشقي شقاء الأبد – لا علم إلا في الكشف فإن لم تكن من أهله فلا أقلمن الايمان – من وقف علي الحقائق كشفا وتعريفا إلهيا فهو الكامل الأكمل ومن نزل عن هذه المرتبة فهو الكامل وما عدا هذين فإما مؤمن أو صاحب نظر عقلي لا دخول لهما في الكمال فكيف في الأكملية فاعلم – الموت الأصل ولهذا كان الفناء من أحوال أهل طريق الله ليعرفوه ذوقا فهم في البقاء مع الله في حال فناء عنهم – إذا ناجيت ربك فلا تناجه إلا بكلامه واحذر أن تخترع كلاما من عندك فتناجيه به فإنه لا يسمعه منك ولا تسمع له إجابة فتحفظ فإن ذلك مزلة قدم – كن تاليا لا تكن مقدما فإن قدمك الحق تقدم كالسابق والمصلي يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإمامة إن أعطيتها أعنت عليها وإن سألتها وكلت إليها فلا تسأل الإمارة فإنها يوم القيامة حسرة وندامة – عامله بك لا تعامله به فإذا عاملته بك عاملك به فأعناك – ما احتقر الله من خلقه حين خلقه فانظره بالعين الذى نظر إليه الحق حين أوجده فإنه ما أوجد إلا ليسبحه بحمده – لولا نور الإيمان ما علمت ما يعطيه العيان فلا","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"أقوى من المؤمن جاشا – نظر الحق في عباده إلي رتبهم لا إلي أعيانهم لهذا نزلت الشرائع علي الأحوال والمخاطبون أصحابها – عطايا الحق كلها عند العارف إنما هي معارف بالله جهلها غير العارف وعرفها العارف – إذا ابتلاك الحق بضر فاسأله رفعه عنك ولا تقاومه بالصبر عليه وما سماك صابرا إلا لكونك حبست نفسك عن سؤال غير الحق في كشف الضر الذي أنزله بك – كما لا يلزم من الفوق إثبات الجهة كذلك لا يلزم من الاستواء إثبات المكان – العارف من عبد الله من حيث ما شرع لا من حيث ما عقل من طريق النظر – أثر الأوهام في النفوس البشرية أظهر وأقوى من أثر العقول إلا من شاء الله – ما سميت العقول عقولا إلا لقصورها على من عقلته من العقال فالسعيد من عقله الشرع لا من عقله غير الشرع – من مات في حياته الدنيا فهو السعيد الخاص – العارف من عمل في غير تعمل فهو يبذل المجهود وهو على بينة من ربه أن الله هو العامل لما هو العبد له عامل ولولا ذلك ما كان التكليف فلا بد من نسبة في العمل للعبد فالنسبة إلى الخلق والعمل للحق فهو تشريف العبد أعني إضافة العمل إليه سواء شعر بذلك العبد أو لم يشعر – العاقل من هجر عقله واتبع شرعه بعقله من كونه مؤمنا – أكمل العقول عقل ساوي إيمانه وهو عزيز – لو تصرف العقل ما كان عقلا فالتصريف للعلم لا للعقل – لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا يعلم ويعز الوصول إليه تنزلت الشرائع بآداب التوصل فقبلها أولو الألباب لأن الشريعة لب العقل والحقيقة لب الشريعة فهي كالرهن في اللب الذي يحفظه القشر فاللب يحفظ الدهن والقشر يحفظ اللب كذلك العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة فمن أدعى شرعا بغير عقل لم يصح دعواه فإن الله ما كلف إلا من استحكم عقله ما كلف مجنونا ولا صبيا ولا من خرف من الكبر ومن ادعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا يصح ولهذا قال الجنيد \" علمنا هذا \" يعنى الحقائق التي يجئ بها أهل الله \" مقيد بالكتاب والسنة \"","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"أي أنها لا تحصل إلا لمن عمل بكتاب الله وسنة رسوله وذلك هو الشريعة – إن الله أدبني فحسن أدبي وما هو إلا ما شرع له فمن تشرع تأدب وصل – من علم حكمة وضع الشرائع والنواميس في العالم رعاها حق رعايتها فحافظ عليها ولزم العمل بها هذا لما يتعلق لها من منافع الدنيا وحفظ الأنساب والأموال وحصول الأمان في النفوس بوجود القائمين بها والعاملين هذا حظ الكافة منها وأما المؤمنون بها إذا كانت النواميس إلهية جاءت بها رسل الله من عند الله فزادوا فيها صدق ما يتعلق بالآخرة من ثواب وصفات وما يتعلق بها للعامل عليها المخلص فيها من الكشف والاطلاع والتعريفات الإلهية والمخاطبات الروحانية ومناسبة ما يلحق العالم بالمشروع كان المشروع ما كان وإذا ولابد من حفظ الناموس فعليك بملازمة الشرع المطهر النبوي الإلهي – الأماني غرور فلا تتمن على الله الأماني وأنت تسلك على غير طريق تحصيلها – العاقل العالم من لا شغل له إلا بما يعنيه وما ثم إلا ما يعنيه يعنى إذا أضيف العمل إلى الله فإذا أضيف إلى المخلوق فلا يخلو إما أن يعتبر فيه التكليف المشروع أو لا يعتبر فإن لم يعتبر فما اشتغل أحد إلا بما يعنيه أي بما له به عناية لأنه اشتغل بما له فيه غرض من تحصيل أو دفع وإذا اعتبرت التكليف وخرج الاشتغال من المكلف عما رسم له الوقت وطلبه منه فقد اشتغل بما لا يعنيه إي فيما ليس له به عناية شرعية ولذلك ورد \" من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه \" والإسلام حكم شرعي ولم يقل من حسن فعل المرء تركه مالا يعنيه فإنه ما ترك إلا ما يعنيه تركه ولا فعل إلا ما يعنيه فعله – انتهى.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"…ويكفي هذا القدر اليسير من كتاب الفتوحات المكية إذ هذا الكتاب وكل كتب الشيخ رضي الله عنه أسرار وأنوار يدريها من أهل لذلك وفتحت له إليها المسالك . ولزيادة الفائدة ألحق بهذا القسم أقوالا أخرى من كتب الشيخ رضي الله عنه . فمن ذلك قوله في كتاب التراجم : لطيفة : هو منك كحبل الوريد فلا تنظر إلى سواه فإنك إن نظرت إلى سواه لم تنظر إلا نفسك ونفسك الحجاب عنه فلن تراه إشارة : انظر علمك بالحق من الحق تجده غير متصور لك فذلك هو العلم وكل علم متصور فهو كون .\r…إشارة : عليك بأمر الحق فاتبعه ولا تغتر بكونك لا ترى شيئا إلا تحت تصريفه وحكم إرادته ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) هذا لا ينجيك والأخذ بأمر الحق ينجيك لكن انظر ذلك عقدا وتصرف بالأمر – إشارة : الحق سبحانه هو الباطن فلا يظهر لشئ لو ظهر للشئ لأحرقت السبحات ما أدركه البصر وهو الحافظ الأشياء فلا يظهر لها .\r…إشارة : إن سئلت من الظاهر الذي لا يعرف والباطن الذي لا يجهل فقل هو الله الحق . انتهى .\rومن كتاب بلغة الغواص قوله :\rوليس تعلم اليقين إلا بملازمة الأعمال على وجهها فأحكم النظر في مقصدك واسع له بالوجه اللائق به وأعلم أن الأسباب هي الباب وأن الله عز وجل إذا أراد أمرا هيأ أسبابه وقد أحسن القائل :\rألم تر أن الله قال لمريم ………وهزي إليك الجذع يساق الرطب\rولو شاء أدنى الجذع من غير هذها ……ولكنما الأشياء يجري لها السبب\rوأحكم سد أبواب فساد العمل وأحسن الظن بالله عز وجل .\rشعر\rعلى المرء أن يسعى لما فيه نفعه ……وليس عليه أنت يساعده الدهر\rفإن تم بالسعي المنى تم سعده ………وإن غلب المقدور كان له عذر\rوأعلم أن من أقوى دلائل التحصيل دوام الطلب وأحكام السعي وكثيرا ما كان الصديق يتمثل بهذا البيت .\rلو لم ترد نيل ما أرجو وآمله ………من جود كفيك ما علمتني الطلبا","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"ولا تصعبن عليك كثرة العوائق واستبعاد المقاصد مع حسن الاستعداد بالعمل اللائق والأدب اللائق ودوام السعي على وجه السعي .\rشعر\rلا تيأسن إذا ما كنت ذا أدب ………مع الخمول بان ترقي إلى الفلك\rبينا ترى الذهب الإبريز مطرحا ………في الأرض إذ صار إكليلا على الملك\r- انتهى هذا الجزء المراد نقله هنا من الكتاب المذكور وكله أسرار – واسمع من كتاب \" شجون المسجون \" يسيرا من الأسرار .\rقال رضي الله عنه \" علاج \" الشهرة تطفئ نار الفكرة الردية كما تطفئ نور الفكرة الصالحة فاجتنبها داء واستعمالها دواء – \" إخبار \" مقدار كل امرى \" حديث قلبه \" تيقظ \" قد يخكر بالبال في بعض الأحوال أنك كأحد الرجال بمجرد المقال مع الغفلة عن المحاققة في الأفعال فتظن من أجل معرفتك بما يجب أن تكون عليه من الحال أنك كامل الأحوال وهذه الحالة حال الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون \" حاشية ووصية \" مالك من عمرك إلا ما صفا وليس مع الاختلاط بالجماعات صفوة ولا مع كثرة المال فراغ لا تسمح بأقواتك وأوقاتك للبطالين ولا للبطالة ولو كبرت مرتبتهم إن لم تخل من كل ما شغلهم لم تشرق فيك أنوار الصفا ليس في هذه الدار موضع خلوة فأتخذه في نفسك ليست الشواغل ضارة بك إن خلوت منها وأنت فيها قد تحصل الخلوة في الجمع لكن لمن لا تفتر قواه ولا يفترق ولا تقفن مع مألوف ولا تثقن بمعروف ولا تتكلمن علي أحد ولا شئ وانظر إلي كل كأنه عدو لك لكن ولا بد من صداقته فادفع بالتي هي أحسن وكن واجدا كاتما غنيا بذاتك لا من خارج واحذر أن يقيدك حال أو قال أو مال أو آل فإنما تصل بالتجريد عن كل ما تريد – وقال شعرا فيه بعد أحد التحقيقات :-\rيا من شغلت به عن الأشياء ………وحلت به لي في الهوى بلوائي\rكل إليك يقودني بجواذب ………عني من السراء والضراء\rطاب انهتاكي في هواك ولذكي ………جمعي عليك بفرقة الأهواء","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"\" نصيحة شافية \" إذا أشتبه عليك أمر فلم تعلم هل هو مما يجب أن ترغب فيه أو عنه فأحضر ببالك حضور باعث الموت إذا لا محيص عنه ولا مهلة فإن كان ذلك الأمر مما يبقي معك في ذلك الآن فابق معه أو مما يفارقك ففارقه \" نظم في ذلك \"\rيا من بقضي عمره في ضلال ………ويدعي ما تدعيه الرجال\rيسير سيرا القوم في زعمه ………وحال من غير شك محال\rعندى والله الدواء الذى ………يشفي من الداء الردى العضال\rأفرض بان الموت عاينته ………وقد تقضي كل قيل وقال\rوعادت الدنيا لذاتها …………حقيقة الموت تشبه المحال\rفكن علي ذلك واعمل به ………فيك ل آ ن علي كل حال\r\" تلخيص الأبوة قسمان أب روحاني وأب جسماني فلو كانت السعادة تحصل بالأب الجسماني لسعد بها اليهودى والنصراني فالأب الروحاني علي التمام هو النبي عليه الصلاة والسلام ونحن في بطن الكون كالجنين والتكاليف الشرعية تكمل الصورة الروحانية ولهذا جعلت الصلاة الخمس علي عدد الحواس الخمس فلنحرص علي أن تكون الصورة كاملة ليفرح بها أبونا آدم عند الولادة – وتحذير النفس خزانة إبليس فيها سائر أمتعته انتهي ما تيسر نقله من كتاب شجون المسجون وإليك أقوالا أخرى من كتاب له إلي الإمام الفخر الرازى :.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"…وليعلم وليي وفقه الله تعالي أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه لا من بعضها والعلماء ورثة الأنبياء فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثا من جميع الوجوه ولا يكون ناقص الهمة – وقد علم وليي وفقه الله تعالي أن حسن اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بصند ذلك وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه وينبغي له أيضا أن يسرح نفسه من سلطان فكرة فإن الفكر يعلم مأخذه والحق المطلوب ليس ذلك وإن العلم بالله خلاف العلم بوجود الله فالعقول تعرف الله من حيث كونه موجودا ومن حيث السلب لا من حيث الإثبات وهذا خلاقا لجماعة من العقلاء والمتكلمين إلا سيدنا أبا حامد قدس الله روحه فإنه معنا في هذه القضية ويجل الله سبحانه وتعالي أن يعرفه العقل بفكره ونظره فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله تعالي من حيث المشاهدة وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال وهي الأنوار المتجسدة الدالة علي معان وراءها فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والقرآن في صورة الحبل والدين في صورة القيد – ثم قال في موضع آخر :","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"…واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى أداهم فكرهم إلي حال المقلد المصمم فإن الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن ويسكن فللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكرى ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالي فإذا ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقي مأسورا في قيد نظره وكسبه فإنه علي شبهة منذلك ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك وممن له فيك نية حسنة جميلة أنه رآك وقد بكيت يوما فسألك هو ومن حضر عن بكائك فقلت مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي في الساعة بديل لأح لي أن الأمر علي خلاف ما كان عندى فبكيت وقلت ولعل الذى لاح أيضا يكون مثل الأول فهذا قولك ومن المحال علي العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح ولا سيما في معرفة الله تعالي ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر فما لك يا أخي تبقي في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول الله صلي الله علية وسلم فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالي ( عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) ومثلك من يتعرض لهذه الحظة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة – وهذه أقوال أخرى له رضي الله عنه من رسالة ( مالا يعول عليه ) كل حال أو كشف أو علم يعطيك الأمن من مكر الله لا يعول عليه – كل حب يكون معه طلب لا يعول عليه – كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمي حب الحب لا يعول عليه – كل تمكين لا يكون في تلوين لا يعول عليه – كل حضور لا ينتج حياء من الله ولا يكون معه هيبة في قلب الحاضر لا يعول عليه – كل غيبة لا يرجع صاحبها بفائدة علم الهي لا يعول عليها – كل توبة لا تكون عامة فهي ترك لا توبة فلا يعول عليها ولا يقلبها الله توبه – كل ذوق لا يكون عن تجل لا يعول عليه – كل فرق لا يميزك عنه ولا يميزه عنك بما لا تعلم بل تجد التمييز ولا تدرى بماذا لا يعول عليه – الحسد في","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"الخير لا يعول عليه لئلا يعتاده الطبع – القسوة من غير وزن لا يعول عليها – التصوف بغير خلق لا يعول عليه – صحبة غير الله ولو كانت في الله لا يعول عليها – علامات التقريب مع المخالفات لا يعول عليها ولو ستر – الصبر اذا لم تشك فيه إلي اله فلا تعول عليه – المراقبة اذا لم يصحبها الدوام لا يعول عليها – الاخلاص الذى لا يعطي الحكمة لا يعول عليه – الصدق اذا لم يكن معه اقدام لا يعول عليه – الحكمة اذا لم تكن حاكمة لا يعول عليها – الادب اذا لم يجمع بين العلم والعمل لا يعول عليه – الفقر اذا تحليت به لا يعول عليه فانه عارية فان أشهدت فقرك الذاتي فهو المعول عليه – السلوك اذا لم يكن بالحال لا يعول عليه – كل لائحة لا ترقيك درجة وتفيدك علما بالله لا يعول عليها – من صحبك بوارد وقته من أهل الله فلا تعول عليه – من صحبك بعقله أو لذاتك ذاك الذى يعول عليه.\r…\rوهذه بعض أقواله في كتاب المسائل ضمن المجموعة المطبوعة بحيدر أباد :-\r\" مسألة \" العلم ليس تصور المعلوم ولا هو المعني الذى يتصور المعلوم فإنه ما كل معلوم يتصور ولا بكل عالم متصور فإن العالم اذا تصور الأشياء التي من حقيقتها أن تتصور فليس يتصورها من كونه عالما فقط بل من كونه متخيلا وهي قوة التصور فمن ليست له هذه القوة لا يتصور ما يمكن أن يتصور ولكن يدرك ولا كل معلوم يتصور فإنه ليس من حقيقته أن يقبل الصورة فلا يتصور ولكن يعلم فالعلم ليس التصور علي هذا وهو الصحيح \" مسألة \" لا حاجة لنا في إقامة الدليل علي إثبات الوحدانية فإن المشاهدة تمنع من الجدال في الله وفي حدانيته ولكن قد يقال للمشرك نحن وإياك مجمعون علي واحد وأنت زدت عليه فما الدليل علي إثبات الزائد فهو يتكلف طلب الدليل لا نحن.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"\"مسألة \" الأعيان من حيث الجوهرية لا تنعدم بعد وجودها أبدا والصور والأشكال والمقادير والأكوان والألوان أعراض في عين الجوهر وهي التي تخلع علي الجوهر علي الدوام فالكون من حيث الجوهر لا يفني ولا يتبدل ومن حيث الصورة فكما ذكرنا ولهذا لا تزال فقيرة علي الدوام والبارى خالق علي الدوام.\r\" مسألة \" الكلام علي حسب من ينسب إليه فليس ثم حد يجمعه فمعرفة نسبته إلي البارى وموقوفه علي معرفة ذاته كما قد قررناه وكذلك سائر ما نعت به وسمي .\r\" مسالة \" خلق الله الخلق ليكمل مراتب الوجود وليكمل المعرفة في الوجود أى ليكمل وجود تقاسيم المعرفة فخلق الخلق ليعرفوه إذ كان كنزا لا يعرف كما ورد في بعض الأخبار المشهورة لا ليكمل هو سبحانه في ذاته تعالي الله عن ذلك فكان يعرف نفسه بنفسه فبقي من مراتب المعرفة أن يعرفه الكون فتكمل المعرفة فأوجد الخلق وأمرهم بالعلم به وكذلك الوجود ينقسم إلي قديم ومحدث فلو لم يخلق الكون ما كملت مراتب الوجود فافهم – وإلي هنا ينتهي إيراد ما تيسر من أقوال الشيخ المنثورة في فنون من علومه رضي الله عنه – وبعد ذلك أضم إليه هذه المنقولات بعض أشعاره في شتي العلوم والأسرار والمعارف مخصصا لذلك قسما خاصا من الكتاب والله الميسر.\rسادسا : شعره رضي الله عنه\r…هو رضي الله عنه كغيره من أكابر الرجال ممن فتح عليهم بمنظوم الأسرار أيضا إلي جانب المنثور منها وذلك بمحض الإلهام الإلهي والإنطاق الرباني وقد نبه علي ذلك في كتبه والواقع يثبت ذلك ويؤيده – وسأحاول بتوفيق الله عند ايراد هذه الجواهر أن تطابق ما أوردته في الأقسام السابقة من العلوم والأسرار والأقوال المنثورة فمما قاله في ديوانه الكبير مما يثبت التمسك بالاتباع المحمدى والوراثة النبوة.\rلله در عصابة سارت بهم ……نجب الفنا لحضرة الرحمن\rقطعوا زمانهم بذكر الههم ……وتحققو لسرائر القرآن\rورثوا النبي الهاشمي المصطفي ……من أشرف الأعراب من عدنان","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"ركبوا براق الحب في حرم المني …وسروا لقدس النور والبرهان\rوقوله من قصيدة طويله\rالوحي بالشرع قد سدت مغالقه ……وليس ينكر ذا الا الذى كفرا\rلم يبق منه سوى ما الشخص يدركه …في نومه أو بكشف هكذا ظهرا\rوقوله أيضا من قصيدة طويلة\rألا إن أمر الله أمر رسوله ……فإن رسول الله عنه يترجم\rوما هو إلا واحد بعد واحد ……يكون علي شرع به الله يحكم\rوذلك عين الحق في كل شرعة ……ومنها جه والكل منه ومنهم\rعلي حسب الوقت الذى يقتضي له …فيطلبه حالا كما جاء عنهم\rفتحتلف الآيات والأمر واحد……فإن الإله الحق بالوقت أعلم\rوقوله\rمالي من العلم إلا ما نطقت به ……وهو الصحيح الذى لا شرع ينكره\rيقول من ليس يدريه واستسر به ……فكيف استره والحق يظهره\rالله ما زال للأسماع يسمعه ……بمليقرر شرعا يذكره\rوليس شخص من أهل العلم ينكره…إلا تراه لدى الإنصاف يضمره\rالفكر ينفيه والايمان يثبته……وكم شخيص قد أراده تفكره\rوقوله\rتعظيم ربك في تعظيم ما شرعا……فاصدع فإن سعيد القوم من صدعا\rلكن بأمر الذى قد جاءتك شرعته …تسعي علي قدم فاشكره حين سعي\rومن هذا الديوان أيضا في الأسرار العلمية\rالعلم بالله لا ينال ………لكن يتوحيد منال\rفما ترى فيه من كلام ………مبرهن كله مقال\rفليس للعقل يا خليلي ………بالفكر في ذاته مجال\rلأنه واحد تعالي ………ليس له في الشئ مثال\rقد حرم الفكر فيه شرعا………فالفكر في ذاته محال\rغايته العجز إن تناهي………فعجزه ذلك الكمال\rفما ترى فيه من جدال ………فإنه كله ضلال\r…وقال رأيت ليله الجمعة سابع وعشر من صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة في النوم كأني واقف علي قبر داثر وورقة في جدار كأن القبر فيها مكتوب علي لساب صاحب القبر بكتابة إلهية من قصيدة كنت أحفظها لبعضهم\rوهما\rحاسبونا فد ققوا ………قيدونا فاوثقوا\rنظروا في صنيعنا ………ثم منوا فأعتقوا\rوالناس وقوف عليا لقبر يبكون بكاء فرح بالله لما من به علي صاحب ذلك القبر\rفكنت أقول لو قال هذا الشاعر مثل ما وقع لي الآن","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"حاسبونا ما دققوا ………قيدونا ما أوثقوا\rنظروا في ذنوبنا ………ثم منوا فأطلقوا\rإن ظني وخاطرى ………في إلهي محقق\rإن من مات محسنا ………ليس بالنار يحرق\rفاستيقظت فما فرحت بشئ فرحي بهذه المبشره وقال أيضا في أرواح السور في تحقيق العظمة الإلهية من روح الفاتحة.\rالحمد لله رب العالمين علي ……ما كان منه من الأحوال في الناس\rمما يسر هموا مما يسوء هموا……وكل ذلك محمول علي الرأس\rله الثناء له التمجيد أجمعه……من قبل والدنا المنعوت بالناس\rعبدته وطلبت العون منه كما ……قد قال شرعا علي تحرير انفاس\rوأن بهيئ لي من أمرنا رشدا……وأن يلين مني قلبي القاسي\rإلي آخر ما قال في هذه القصيدة وقد اتبع هذا الأختصار في بعض القصائد الواردة بعد في أرواح السور.\rوقال أيضا في الحياة البرزخية من روح البقرة .\rإذا كانت الأشياء تيدو عن الأمر …تساوى الدني الأصل والطيب النجر\rلقد ضربوه قاطعين أنه ………إذا ضربوه لا يقوم من القبر\rفأنطقه للقوم ثم أعاده………إلي الحالة الأولي مطلع الفجر\rكما سبح الحصباء في كف سيد ……وأصحابه الأعلام كالأنجم الزهر\rوقال أيضا فيمن كمل من النساء من روح آل عمران\rوقال أيضا فيمن كمل من النساء من روح آل عمران\rيا آل عمران إن الله فضلكم ………بمريم بنت عمران التي كملت\rبما رآه الذى لله كفلها …………من العناية فيما فيه قد كفلت\rأتي اليها وفي محرابها طبق ………فقال ماذا فقالت رتبة عجلت\rخذها اليكم فإن الله أطلعكم ………لتألوه فإن النفس ما بخلت\rفكان يحيي حصورا مثلها وبها ………لهمة من أبيه عنده حصلت\rوقال أيضا في حال نزول السكينة في الغمام لتلاوة القرآن من روح سورة الأنعام\rالحمد لله الذى أعلما …………بأنه الله الذى في السما\rوأنه في الأرض سبحانه ………علي الذى قال لنا معلما\rبأنه يعلم أسرارنا …………وجهرنا والمكسب الأعظما\rثم له من قبل إيجادنا…………اينيا ثبتهفي العما","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"وقال أيضا في قوله تعالي ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم ) من روح فصلت :\rإذا رأيت مسيئا يبتغي ضررا ………فدار ثم لا تظهر له خبرا\rوأدفع أذاه بما توليه من حسن ………وامنن عليه ولا تعلم به بشرا\rفإن ذلك إكسيرا وقوته…………أن تقلب العين والأجساد ولاصورا\rيرجع عدوك صديقا فتأمنه………ولا تخف منه إضرارا ولا ضررا\rوما يلقاها إلا صابرو له ………حظ من العلم لما أمعن النظرا\rوقال أيضا من روح التغابن\rإذا كنت في شئ ولابد قائلا ………فقل فيه علما لا تقل فيه بالزعم\rفإن الذى قد قال بالزعم مخطئ ………كذا جاء في القرآن إن كنت ذا فهم\rولا تك ذا فكر إذا كنت طابا………مشاهدة الأعيان واحذر من الوهم\rوكن مع حكم الله في كل حالة ………فقد فاز بالإدراك من قام بالحكم\r…يقول الفقير جامع الكتاب هذا آخر ما تيسر نقله من أقوال منظومة في أرواح بعض سور القرآن من الديوان الكبير مع العلم أن الشيخ رضي الله عنه لم يترك سورة لم ينظم فيها مثل ما أوردته في بعض السور هنا وسبب عدم ذكر كل هذه القصائد هنا هو الأختصار وعلو أذواقها والمراد الانتفاع العام .\r…وقد أورد رضي الله عنه أيضا قصيدة جامعة لأسماء سور القرآن في هذا الديوان وتركت نقلها هنا أيضا للأختصار .\r…كما أن له رضي الله عنه بهذا الديوان قصيدة جامعة للأسماء الحسني فمن أرادها وغيرها من بديع نظمه الجامع لمكنون علمه فليرجع إلي هذا الديوان وهو مطبوعفي سنة 1271 هـ بمطبعة بولاق ولقد أبدع مصممه إذ ختمه بهذه القصيدة العاطرة :\rأطيب مسك بشذاه أطيب ……أم من رياض الزهر قد جاء طيب\rأم ذا عبير من نسيم الصبا……شميم رياه لسقمي طبيب\rأم تلك أنفاس الحبيب التي ……يعرفها بالعرف شم الرقيب\rواذ هداه نشرها جاءنا ………بطوى قصي الارض طي القريب\rلله يا ظني الحمي لفته ………يشفي بها الصب المعني الكئيب\rقلبي علي القد غدا طائرا ……وكم علي غصن شدا عندليب","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"رفقا فكم في اللحظ لي أسهم ……وإن أكن في الخد ما لي نصيب\rيا قلب كسم ذا أنت في شقوه ……بناعم بزهوو غصن رطيب\rإن صد يوما أو قضي نحبه ……رحت قليل الصبر جم النحيب\rترعي السهي والطرف ساه وقد ……أمسيت ذا وجد بكف خصيب\rفلا بمحبي الدين أحييت ما ……أفناه منك الآن وخط المشيب\rشيخ هو الأكبر في الأوليا ……وهو الإمام المقتدى والخطيب\rكان ولا ريب ختاما لهم ……والختم مسك فوحه لا يريب\rأعلن بالأسرار في وقته ………واظهر الأمر الخفي الغريب\rلب ولا قشر عليه برى ………فطب به نفسا تفز يا لبيب\rواعجب يا صاح من مرشد ……لهديه يدعوك وتستجيب\rقطب رحي الكون علي راحه ……دارت وراجي حبه لا يخيب\rإن غاب بدر التم في أفقه ……شاهدت بدار ماله نم مغيب\rفاذكر لعيني سنا وجهه ………وقل قفانبك لذكرى حبيب\rوادخل حماه مستغيئا وسل ……مواهبا من ذى جناب مهيب\rديوانه دان له ذو الحجا………وفازبا لارابعنه الاريب\rإلي أن قال في آخرها :-\rمنظومة روض نضير زها ……اذا منظر المنثور فيه عجيب\rفأرجت بالنفح أرجاؤه ………وعطرت أعطار من تصيب\rفأجن جناه وانتشق طيبه ……ونزه الطرف بروض خصيب\rوقل أيا نفس بأنفاسه ………غدوت في الفردوس فوق الكثيب\r…وكنت أريد أن أضم هنا إلي المنظوم من الأسرار العلمية بعض الأشعار الواردة بالفتوحات المكية وغيرها من كتبه رضيا لله عنه ولكن فتح مثل هذا الباب يضيق عنه مجهود الجامع لهذا الكتاب ولا يتسع هذا المختصر لمثل ذلك فالرجوع إلي المصادر الأصلية فيه بغية الطالب الصادق والله الموفق.\r…وأنتقل إلي نوع آخر من منظومة رضي الله عنه وهو ما أودعه ديوانه ترجمان الأشواق الذى شرحه رضي الله عنه بعنوان ذخائر الأعلاق وطبع هذا الشرح مع الديوان بالمطبعة الأنسية في بيروت سنة 1312 هـ وقد قال رضي الله عنه في آخر هذا الشرح :-","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"…كان سبب شرحي لهذا الترجمان الذى أنشات بمكة شرفها الله تعالي وعظمها سؤال صاحب المسعودى أبي محمد عبد الله بدر بن عبد الله الحبشي الخادم وسؤال الولد البار اسمعيل بن سودكين نورى بمدينة حلب وقد سمع من بعض الفقهاء قولا أنكره وهو أنه سمعه يوقل قول الشيخ في أول هذا الترجمان أنه قصد بما فيه من الأبيات الغزلية علوما وأسرار وحقائق ليس بصحيح والله أعلم وإنما فعله تسترا حتي لا ينسب إليه لسان الغزل مع ما هو عليه من الدين والصلاح فذكر ذلك لنا الولد شمس الدين اسمعيل فشرعت في شرحه بحلب وحضر سماع بعضه ذلك الفقيه المتكلم وجملة من الفقهاء بقراءة كمال الدين أبي القساسم ابن نجم الدين القاضي بن عديم بمنزلنا وفقه الله وأعجلنا السفر فأتمناه بأقصر أى في التاريخ المذكور ولما سمعه ذلك القائل قال لشمس الدين اسمعيل مابقيت بعد هذا الامر أتهم أحدا من أهل هذه الطريقة فيما يتكلمون به من الكلام المعتاد ويزعمون أنهم يشيرون به إلي علوم اصطلحوا عليها بهذه الألفاظ وحسن ظنه فانتفع فهذا كان سبب شرحي لهذا الترجمان ولله الحمد والمنة وبه الحول والقوة انتهي .\r…فأذكر هنا بعض القصائد مبتدنا بالقصيدة التي يوضح بها غرضه رضي الله عنه في هذا النوع الغزلي قال رضي الله عنه :\rكل ما أذكره من طلل …………أو ربوع أو مغان كل ما\rوكذا إن قلت ها أو قلت با ………وألا إن جاء فيه أو إما\rوكذا إن قلت هي أو قلت هو ………أو همو أو هن جمعا أو هما\rوكذا إن قلت قد أنجد لي ………قدر في شعرنا أو أتهما\rوكذا السحب إذا قلت بكت ………وكذا الزهر اذا ما ابتسما\rأو أثادى يحداه يموا …………بانه الحاجر أوورقا لحمي\rأو بدور في خدور أفلت ………أو شموس أو ثبات أنجه\rأو بروق أو رعود أو صبا ……أو رياح أو جنوب أو سما\rأو طريق أو عقيق أو نقا ……أو جبال أو تلال أو رما\rأو خليل أو رحيل أو ربي ……أو رياض أو غياض أو حمي\rأو نساء كاعبات نهد ……طالعات كشموس أو دمي","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"كل ما أذكره مما جرى ……ذكره أو مثله أن تفهما\rمنه أسرار وأنوار جلت ……أو علت جاء بها رب السما\rلفؤادى أو فؤاد من له ……مثل مالي من شروط العلما\rصفه سيق قلوبه ……اعلمت أن لصدقي قدما\rفاصرف الخاطر عن ظاهرها ……واطلب الباطن حتي تعلما\r…ثم ذكر رضي الله عنه بعد هذه القصيدة واقعه جرت له في الطواف أنشد فيها القصيدة الآتية وذكر شرح هذه القصيدة هناك أيضا وهذه هي القصيدة :-\rليت شعرى هل دروا………أى قلب ملكوا\rوفؤادى لودرى ………أى شعب سلكوا\rأتراهم سلموا…………أم تراهم هلكوا\rحار ارباب الهوى ………فيا لهوى وارتبكوا\rوهذه قصيدة أخرى\rما رحلوا يوم بانوا البزل العيسا……الا وقد حملوا فيها الطواويسا\rاذا تمشت علي صرح الزجاج ترى …شمسا علي فلك في حجر ادريسا\rتحبي اذا قتلت باللحظ منطقها ……كانها عندما تحيي به عيسي\rتوراتها لوح ساقية سنا وأنا……أتلوواد رسها كأنني موسي\rإلي أخر ما جاء بهذه القصيدة المشروحة بما يريح فؤاد الحائر في هذا النسق الغزلي الغريب.\rقصيدة أخرى\rسلام علي سلمي ومنحل بالحمي …وحق لمثلي رقة أن يسلما\rوماذا عليها أن يرد تحية ……علينا ولكن لاحتكام علي الدمي\rسروا وظلام الليل أرخي سدوله……فقلت لها صبا غريبا متيما\rأحاطت به الأشواق صونا وأرصدت …له راضقات النبلأيان يمما\rوقالت أما يكيفيه أني بقلبه ……يشاهدني في كل وقت أما أما\rوقال رضي الله عنه\rبان العزاء وبان الصبر إذا بانوا……بانوا وهم في سويدا القلب سكان\rسألتهم عن مقيلا لركب قيل لنا ……مقيلهم حيث فاح الشيخ والبان\rفقلت للريح سيرى والحقي بهم ……فإنهم عند ظل الأيك قطان\rويلغيهم سلاما من أخي شجن ……في قلبه من فراق القوم أشجان\rوقال رضي الله عنه\rدرست ربوعهم وإن هواهم ……أبدا جديد بالحشا ما يدرس\rهذى طلولهم وهذاى الادمع ……ولذكرهم أبدا تذوب الأنفس\rناديت خلف ركابهم من حبهم ……يا من غناه الحسن ها أنا مفلس\rمرغت خدى رقه وصبابة ……فبحق حق هواكم لا تؤيسوا","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"من ظل في عبراته غرقا وفي ……نار الاسي حرقا ولا يتنفس\rوقال رضي الله عنه\rناحت مطوقة فمن حزين ……وشجا ترجيع لها وحنين\rجرت الدموع من العيون تفجعا……لجنينهة كأنه عيون\rطارحتها ثكلي بفقد وحيدها ……والثكل من فقد الوحيد يكون\rطارحتها والشجو يمشي بيننا ……ما ان تبين وانني لابين\rبي لا عج من حب رملة عالج ……حيث الخيام بها وحيث العين\rمن كل فاتله اللحاظ مريضة ……اجفانها لظني اللحاظ جفون\rمازلت أجرع دمعتي من غلتي ……اخفي الهوى عن عاذلي وأصون\rحتي إذا صاح الغراب بينهم ……فضح الفراق صبابه المحزوه\rوصلوا السرى قطعوا البرى فلعيسهم …تحت الحامل رنة وأنين\rعاينت أسباب المنية عندما ……أرخوا أزمتها وشدوض\rان الفراق مع الغرام لقاتلي ……صعب الغرام مع اللقاءيهون\rوقال رضي الله عنه\rوأحربا منكيدى وأحربا………واطربه من خلدى واطربا\rفي كيدى نار جوى محرقة ……في خلدى بدره جي قد غربا\rيا مسك يا بدر ويا غصن نقا ……ما أورقا ما أنورا ما أطيبا\rيا مبسما أحببت منه الحببا ……وبا رضبا ذقت منه الضربا\rيا قمرا في شفق من خفر ……في خده لاح لنا منتقبا\rلو انه يسفر عنه برقعه ………كان عذابا فلهذا احتجبا\rشمس ضحي في فلك طالعة ……غصن نقا في روضة قد نصبا\rإلي أن قال\rإن طلعت كانت لعيني عجبا ……أوغربت كانت لحيني سببا\rقد عقد الحسن علي مفرقها ……تاجا من التبرعشقت الذهبا\rلو أن إبليس رأى من آدم ……نور محياها عليه ما أبي\rلو أن إدريس رأى ما رقم ……الحسن بخديها اذا ما كتبا\rلو أن بلقيس رأت رفرفها ……ماخطر العرش ولا الرح ببا\rالي أخر ما قال في هذه القصيدة\rوقال في قصيدة أخرى\rيأيها البيت العتيق تعالي ……نور لكم بقلبنا يتلالا\rإمسي وأصبح لا ألذ براحة ……أصيل البكور وأقطع الاصالا\rوقال في قصيدة أخرى\rوعي اله طيرا علي بانه ……قد أفصح لي عن صحح الخير\rبأن الحبة شدوا علي ………رواحلهم ثم راحو اسحر\rفسرت وفي القلب من أجلهم ……جحيلم بينهم تستعر\rاسابقهم في ظلام الدجي ……أنادىيهم ثم أقفر الأثر","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"ومالي دليل علي إثرهم ………سوى نفس من هواهم عطر\rأنتهي ما أمكن نقله هنا من ديوان ترجمان الأشواق له رضي الله عنه وكنت أو أن أضع شرحا يسيرا مقتبسا من شرحه رضي الله عنه لهذه القصائد المنقولة هنا لفهم مرامي كلامه رضي الله عنه ولكن الطاقة لا تسمح والجهد لا يساعد ومن أحب شيئا وطلبه حصل عليه والله الموفق.\rواليك قصيدة في هذا النوع من رسالة الإسرا قال فيها :-\rمذحل كاتب حب الله في خلدى ……وخط سطرا من الأشواق في كبدى\rذبت اشتياقا ووجدا في محبته ……فأه من طول شوقي وآه من كمدى\rيا غاية السؤل والأمول يا سندى……شوقي اليك شديد لا إلي أحد\rيدى وضعت علي قلبي مخافة أن …يشق صدرى لما خانني جلدى\rمازال يرفعها طورا ونخفضها ……حتي جعلت اليد الخرى تشديدى\rإلي آخر ما قال في هذه القصيدة\rوهذه قصيدة أخرى في هذا الباب من كتاب الفتوحات المكية :\rهوى بين الملاحة والجمال ……يقاسية القوى من الرجال\rويضعف عنه كل ضعيف قلب ……تقلب في النعيم وفي الدلال\rوتقليبي مع الهجران عندى……الذمن العناق مع الوصال\rفاني في الوصال عبيد نفسي……وفي الهجران عبد للموالي\rوشغلي بالحبيب وجه………أحب إلي من شغلي حالي\rوليكن آخر هذا القسم الخاص بالمنظوم مهن كلام الشيخ رضي الله عنه ما سبق الوعد عند ذكر قواعد سلوكه رضي الله عنه بإبراده بقسم المنظوم وكان المذكور هناك أن الأذواق لا تنحكي فيقول رضي الله عنه في ذلك :\rإذا كنت بالأمر الذى أنت عالم ……به جاهلا فاعلم بأنك عارف\rإذا أنت أعطيت العبارة عنهم……بما هم عليه فأعلم أنك واصف\rفإن الذى قد ذقته ليس يتحكي ……ولا يصرفالانسان عن ذاك صارف\rالفصل الخامس\rاحزابه وأوراده وصلواته","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"…اذكر هنا بعض ما له رضي الله عنه من الأحزاب والصلوات الشريفة لإفهام المطلع أن القوم ومنهم الإمام المترجم له جامعون بين ألوان القربات والطاعات ومن هذه القربات الأذكار الدائمة المرتبة والأحزاب الموزعة علي الأيام والليالي لتعمير الوقت بمايرضي الله ويحقق العبودية الدائمة وهذا بعض ما أريد أن أسوقه هنا تتمة لمشاربا لقوم كما قلت ولينتفع به المستعد المحب والله ولي التوفيق .\rحزب الدور الأعلي\rلشهرة هذا الحزب ووجوده بمجموع الأوراد الكبير المعروف لدى السالكين ؤوالطبوعبكثرة تركت نقله هنا للأختصار.\rأوراه أيام الأسبوع ولياليه\rله رضي الله عنه أوراد خاصة بأيام الأسبوع ولياليه قام بطبعها ونشرها أثنان من المحبين باسم \" السر الأظهر والنور الأزهر في أوراد الشيخ الكبر \" وتوجد هذه الأوراد أيضا وغيرها من أحزابه وصلواته بالمجموعة الكبرى للشيخ أحمد ضياء الدين الكمشخانوى وطلب هذه الأوراد فيهاتين المجموعتين ميسر المصادق وللتبرك وتمام النفع أذكر هنا بعض هذه الأوراد\rورد يوم الجمعة","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم رب رقني في مدارج المعارف وقلبني في أطوارر أسرار الحقائق واحجبني في سرادقات حفظك ومكتون سرك عن ورود الخواطر التي لا تليق بسبحات جلالك رب أقمني بك في كل شأن وأشهدني لطفك في كل قاص ودان وافتح عين بصيرتي في فضاء ساحة التوحيد لأشهد قيام الكل بك شهودا يقطع نظرى عن كل موجود ياذا الفضل والجود رب أفض علي من بحار تجريد ألف الذات الأقدس ما يقطع عن كل علاقة تعجم علي إدراكي وتغلق دوني باب مطلبي وأيبل علي منهيولي نقطتها الكلية البارزة من ملكوت غيب ذاتك ما أمد به حروف الأكوان محفوظا في ذلك من النقص والشين يا من وسع كل شئ رحمة وعلما يارب العالمين رب طهرني ظاهرا وباطنا من لوث الأغيار والوقوف مع الأطوار بفيض من طهور قدسك وغيبني عنهم بشهود بوارق أنسك وأطلعني علي حقائق الأشياء ودقائق الاشكال وأسمعني نطق الأكوان بصريح التوحيد في العوالم كلها وقابل مرآتي بتجل تام من جواهر أسماء جلالك وقهرك فلا يقع علي بصر جبار من افنس والجن إلا انعكس عليه من شعاع ذلك الجوهر ما يحرق نفسه الأمارة بالسوء ويرده خيالا ذليلا وينقلب عني بصرة خاسئا كليلا يا من عنت له الوجوه وسجدت له الجباه وخضعت له الرقاب يا رب الأرباب رب وأبعدني عن القواطع التي تقطعني عن حضرات قربك وأسلبني مالا يليق بصفاتي بغلبة أنوار صفاتك وأزح ظلم طبعي وبشربتي بتجلي بارقه من بوارق أنوار ذاتك وأمددني بقوة ملكية أقهر بها ما استولي علي من الطبائع الدينية والأخلاق الردبة وأمح من لوح فكرى أشكال الأكوان وأثبت فيه بيد عنايتك سر حرز قربك السابق المكنون بين الكاف والنون إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذى المكوت كل شئ واليه ترجعون يا نور النور يا معطي الكل من فيض فضله المدرار يا صمد يا قدوس يا قهار يا حفيظ يا لطيف يارب العالمين وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .\rومن ورد يوم السبت","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم ومن يعتصم بالله فقد هوى إلي صراط مستقيم الحمد لله الذى أحلني حمي لطف الله .الحمد لله الذى أنزلني جنة رحمة الله .الحمد لله الذى أجلسني في مقام محبه الله. الحمد لله الذى أذاقني من موائد مدد الله الحمد لله الذى وهب لي لطافة الإضافة لاصطفاء الله. الحمد لله الذى سقاني من موارد وارد وفاء الله الحمد لله الذى كساني حلل صدق العبودية لله كل ذلك علي ما فرطت فجنبه الله وضيعت من حقوق الله فذلك الفضل من الله ومن يغفر الذنون إلا الله.\rومن ورد يوم الأحد\rبسم الله الرحمن الرحيم\rبسم الله فاتح الوجود . والحمد لله مظهر كل موجود ولا إله إلا الله توحيدا مطلقا عن كشف وشهود . والله أكبر بدأ الأمر وإليه يعود وسبحان الله ما ثم سواه فيشهد ولا معه غيره معبود واحد أحد علي ما كان عليه قبل حدوث الحدود له في كل شئ آية تدل علي أنه واحد أحد موجود .\rومن هذا الورد أيضا\rيا من له الغناء المطلق ولعبده الفقر المحقق يا غنيا عن كل شئ وكل شئ مفتقر إليه . ويا من بيده أمر كل شئ وأمر كل شئ راجع إليه. ويا من له الوجود المطلق فلا علم ما هو إلا هو ولا يستدل عليه إلا به . ويا مسخر الأعمال الصالحة للعبد ليعود نفعها عليه لا مقصد لي غيرك ولا يسعني إلا وجودك يا جواد فوق المراد يا معطي النوال قبل السؤال . يا من وقف دونه عقل كل طالب . يا من هو علي أمره قادر وغالب. يا من هو لكل شئ واهب وإذا شاء سالب . أهم إليك بالسؤال فأجدني عبدا لك علي كل حال . فتولني يا مولاي فأنت أولي بي مني .\rومن ورد يوم الأثنين","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"اللهم إني أسألك النور والهدى والأدب في الاقتدا وأعوذ بك من شر نفسي ومن شركل قاطع يقطعني عنك لا إله إلا أنت . قدس نفسي من الشبهات والأخلاق السيئات والحظوظ والغفلات . واجعلني عبدا مطيعا لك في جميع الحالات يا عليم علمني من علمك يا حكيم أيدني بحكمك يا سميع أسمعني منك يا بصير بصرني في آلاتك يا خبير فهمني عنك يا حي أحيني بذكرك يا مريد خلص إرادتي بقدرتك وعظمتك إنك علي كل شئ قدير.\rومن ورد يوم الثلاثاء\rرب أدخلني في لجة بحر أحديتك وطمطام يم واحديتك وقوني بقوة سطوة سلطان فردانيتك حتي أخرج إلي فضاء سعة رحمتك وفي وجهي لمعان برق القرب من آثار رحمتك مهابا بهيبتك قويا بقوتك عزيزا بعزتك معانا بعنايتك معززا بتعظيمك مبجلا مكرما بتعليمك وتزكيتك وألبسني خلع العزة والقبول وسهل لي مناهج الوصلة والوصول وتوجني بتاج الكرامة والوقار وألف بيني وبين أحبابك في دار الدنيا ودار القرار.\rومن ورد يوم الأربعاء\rرب أكرمني بشهود أنوار قدسك وأيدني بظهور سطوه سلطان أنسك حتي اتقلب في سبحات معارف أسمائك تقلبا يطلعني علي أسرار ذرات وجودى في عوالم شهودى.\rومن ورد يوم الخميس\rالهي أنت القائم بذاتك والمحيط بصفاتك والمتجلي بأسمائك والظاهر بأفعالك والباطن بما لا يعلمه إلا أنت توحدت في جلالك فأنت الواحد الأحد وتفردت بالبقاء في الأزل والأبد أنت أنت الله المنفرد بالوحدانية في إياك لا معك غيرك ولا فيك سواك أسالك اللهم الفناء في بقائك والبقاء بك لا معك لا إله إلا أنت إلهي غيبني في حضورك وافتني في وجودك واستهلكني في شهودك واقطع بيني وبين القواطع التي تقطعني عنك وأشغلني في الشغل بك عن كل شاغل يشغلني عنك لا إله إلا أنت إلهي أنت الموجود الحق وأنا المعدوم الأصل يقاؤك بالذات وبقائي بالعرض إلهي فجد بجزدك الحق علي عدمي الأصل حتي أكون كما كنت حيث لم أكن وأنت كما أنت حيث لم تزل لا إله إلا أنت .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"ويكفي هذا القدر من أوراد الأيام وللاختصار تركت أوراد الليالي وغيرها من أوراده المباركة المودعة في المجموعتين المذكورتين في أول الفصل وغيرهما\rوصل – الصلوات الشريفة له رضي الله عنه\rله الكثير من الصلوات العامرة بالمعاني الفاخرة جمع منها ما تيسر الشيخ الفاضل يوسف بن اسماعيل النبهاني في كتابيه أفضل الصلوات علي سيد السادات وسعادة الدارين في الصلاة علي سيد الكونين وأيضا جمع منها الشيخ الفاضل أحمد ضياء الدين الكمشخانوى في مجموعته الكبرى للأوراد فانقل هنا ما تيسر أختياره للأختصار.\rصلاة أولي تسمي بالفيضية .\rهذه صلاة كبرى توجد بكتاب أفضل الصلوات للشيخ النبهاني وشرحها سيدى عبد الغني النابلسي بهامش المجموعة الكبرى للشيخ أحمد ضياء الدين الكمشخانوى ولم يتيسر نقلها هنا اختصارا وتسهيلا للطالب .\rالصلاة الأكبرية .\rوهذه أيضا بكتاب أفضل الصلوات وللأختصار والتسهيل تركت نقلها كسابقتها.\r3—صلاة أخرى\rأسالك اللهم أن تصلي وتسلم علي سيد المرسلين وإمام المتقين الذى خلقته من جلالك وزينته بجمالك وتوجته بكمالك وأهلته لرؤية ذاتك وجعلته محلا لأسمائك وصفاتك وقرنت اسمك باسمك وطاعته بطاعتك محمد بن عبد الله وىله وصحبه الداعين إلي الله.\r4- الصلاة الوسطي\rهذه صلاة جامعة للأسرار العالية والحقائق السامية موجودة بكتاب سعادة الدارين في الصلاة علي سيد الكونين للشيخ يوسف النبهاني وللأختصار والتسهيل تركت نقلها هنا مع صلوات أخرى بعدها.\r5- صلاة الوصل","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"اللهم بك توسلت وإليك توجهت ومنك سألت وفيك لا في أحد وساك رغبت لا أسال سواك ولا أطلب منك إلا إياك اللهم وأتوسل إليك في قبول ذلك بالوسيلة العظمي والفضيلة الكبرى والحبيب الأدني والولي المولي والصفي المصطفي والنبي المجتبي محمد صلي الله عليه وسلم وبه أسالك انتصلي عليه صلاة أبدية سرمدية أزلية إلهية قيومية دائمة ديمومية ربانية بحيث أشهدني في ذلك كله عين الأغيار كما تستهلكني في معارف ذاته فأنت ولي ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\r…ويكفي هذا القدر اليسير من الفيض الغزير في صلواته رضي الله عنه علي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم مع الإعتراف بأن بالمتروك من الصلوات جواهر غالية عالية من الحقاقئق قد لا يتسع لها ذوق الطالب المبتدى فلا يتيسر له الانتفاع بالكتاب.\rالفصل السادس\rفي مجموعة من وصاياه السنية\rسبق بقسم العلوم والأقوال المختارة في هذا المعني ما تيسر وإتماما للفائدة أذكر هنا بعض وصاياه وإرشاداته مجموعة لتسهيل الانتفاع وتبركا بطريقته رضي الله عنه في التأليف إذ يختم بعض كتبه وأكبرها بالوصايا للمريدين.\rفله المؤلفات الكثيرة في السلوك خاصة كرسالة الأنوار فيما يمنح صاحبا لخلوة من الأسرار وكرسالة الأخلاق ورسالة كنه مالا بد للمريد منه وهذه الرسائل الثلاث مطبوعة بمجموعة خاصة.\rكما أنه له رضي الله عنه الكتب والرسائل العديدة تجدها في المجموعة الطبوعة بحيدر أباد الدكن بالهند وكذلك رسائل مخطوطه موجودة بدار الكتب المصرية.\rودخولا في المطلوب من هذا الفصل أذكر بعض الوصايا من كتاب الفتوحات المكية ثم ألحقها بالوصايا من الكتب الأخرى قال رضي الله عنه بالباب 47 وينبغي للمحقق أنه لا يذكر الله إلا بالأذكار الواردة في القرآن حتي يكون في ذكره تاليا فيجمع بين الذكر والتلاوة معا في لفظ واحد فيحصل علي أجر التالين والذاكرين أعني الفضيلة فيكون فتحه في ذلك من ذلك القبيل.","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"ويقول في أول الباب 53- إعلم أيديك ونورك أنه أول ما يجب علي الداخل في هذه الطريقة الإلهية المشروعة طلب الأستاذ حتي يجده وليعمل في هذه المدة التي يطلب فيها الأستاذ الأعمال التي أذكرها له وهي أن يلزم نفسه تسعة أشياء فإنها بسائط الأعداد فيكون له في التوحيد إذا عمل عليها قدم راسخة ولهذا جعل الله الأفلاك تسعة أفلاك فأنظر ما ظهر من الحكمة الإلهية في حركات هذه التسعة تفأجعل منها أربعة في ظاهرك وخمسة في باطنك فالتي في ظاهرك الجوع والسهر والصمت والعزلة فاثنان فاعلان وهما الجوع والعزلة واثنان منفعلان وهما الهر والصمت وأعني بالصمت ترك كلام الناس والاشتغال بذكر القلب ونطق النفس عن نطق اللسان إلا فيما أوجب الله عليه مثل قراءة أم القرآن أو ما تيسر من القرآن في الصلاة والتكبير فيها وما شرع من التسبيح والأذكار والدعاء والتشهد والصلاة علي رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي أن تسلم منها فتتفرغ لذكر القلب بصمت اللسان فالجوع يتضمن السهر والصمت تتضمنه العزلة – وأما الخمسة الباطنة فهي الصدق والتوكل والصبر والعزيمة واليقين فهذه التسعة أمهات الخير تتضمن الخير كله والطريقة مجموعة فيها فالزمها حتي تجد الشيخ.\rثم استمر رضي الله عنه في بقية الباب يحقق ويشرح هذه الأمهات وللأختصار يرجع لنفس الباب بالكتاب ويقول في الباب 77 فينبغي لك اذا سمعت من يقول كلمة هي في القرآن كما قلنا فيمن سمع من يوقل \" الحمد لله رب العالمين \" أن تسمعها تلاوة قرآنية وإن لم يقصدها قائلها فإنك تؤجر أجر من سمع القرآن ولابد وهذا مشهد هزيز قل أن ترى له ذائقا وهو قريب سهل لا كلفة فيه .\rويقول في الباب 560 من كتاب الفتوحات المكية المذكور وهو باب كبير خاص بالوصايا ولا تساعه أنقل هنا ما يناسب هذا المختصر متتابعا مقتضبا لضرورة الأختصار – قال في أول هذا الباب :\rوصي إلا له وأوصت رسله فلذا……كان التأسي بهم من أفضل العمل","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"لولا الوصية كان الخلق في عمه……وبالوصية دار الملك في الدول\rفاعمل عليها ولا تهمل طريقتها……إن الوصية حكم الله في الأزل\rدكرت قوما بما أوصي إلاله به ……وليس إحداث أمر في الوصية لي\rفلم يكن غير ما قالوه أو شرعوا……من السلوك بهم في أقوم السبل\rفهدى أحمد عين الدين أجمعه ……وملة المصطفي من أنور الملل\rوهذه هي الوصايا المنثورة متتابعة بدون إشارة إلي كل واحدة منها :\r…\" وصية \" عليكم بذكر الله في السر والعلن وفي أنفسكم وفي الملأ فإن الله يقول ( فاذكروني اذكركم ) فجعل جواب الذكر من العبد الذكر من الله\r( وصية ) الزم نفسك الحديث بعمل الخير وإن لم تفعل\r( وصية ) وإياك ومعاداة أهل لا اله الا الله فإن لها من الله الولاية العامة فهم أولياء الله وإن أخطئوا وجاءوا بقراب الأرض حطايا لا يشركون بالله لقيهم الله بمثلها مغفرة ومن ثبتت ولايته فقد حرمت محارته\r( وصية ) وعليك بملازمة ما أفترضه الله عليك علي الوجه الذى أمرك أن تقوم فيه فإذا أكملت نشأة فرائضك وإكمالها فرض عليك حينئذ تتفرغ ما بين الفرضين لنوافل الخيرات كانت ما كانت ولا تحقر شيئا من عملك فإن الله ما احتقره حين خلقه وأوجده فإن الله ما كلفك بأمر إلا وله بذلك الأمر اعتناء وعناية حتي كلفك به\r( وصية ) وعليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة عملك\r( وصية ) إذا رأيت عالما لم يستعمله علمه فاستعمل أنت علمك في أدبك معه حتي توفي العالم حقه من حيث ما هو عالم – وعليك بالقيام بكل ما تعلم أن الله يحبه منك فتبادر إليه فإنك إذا تحليت به علي طريق التحبب إليه تعالي أحبك وإذا أحبك اسعدك بالعلم به وبتجليه وبدار كرامته\r( وصية )وعليك بالجهاد الأكبر وهو جهادك هواك فإنه أكبر أعدائك وهو أقرب الأعداء إليك الذين يلونك فإنه بين جنبيك\r( وصية ) الله الله أن تعود في شئ خرجت عنه لله تعالي","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"( وصية ) عليك بحفظ جوارحك فإنه من أرسل جوارحه أتعب قلبه – وانظر في محاسن الناس ولا تنظر من إخوانك من المؤمنين إلا محاسنهم فإنه ما من مسلم إلا وفيه خلق سئ وخلق حسن فانظر إلي ما حسن من أخلاقه ودع عنك النظر فيما يسودمن أخلاقه وإذا صليت فأقم صلبك في الركوع والسجود واشكر الله علي قليل النعم كما تشكره علي كثيرها ولا تستقلل من الله شيئا من نعمه ولا تكن لعانا سبابا وإياك وبفض من ينصر الله ورسوله أو يحب الله ورسوله ولقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم سنة تسعين وخمسمائة في المنام بتلمسان وكان قد بلغني عن رجل أنه يقع في الشيخ أبي مدين وكان أبو مدين من أكابر العارفين وكنت أعتقد فيه وكنت فيه علي بصيرة فكرهت ذلك الشخص لبغضه في الشيخ أبي مدين فقال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم لم تكره فلان فقلت لبغضه في أبي مدين فقال لي أليس يحب الله ويحبني فقلت له بلي يا رسول الله أنه يحب الله ويحبك فقال لي فلم بغضته لبغضه أبا مدين وما أحببته لحبه الله ورسوله فقلت لهيارسول الله من الآن إني والله زللت وغفلت والآن فأنا تائب وهو من أحب الناس إلي فلقد نبهت ونصحت صلي الله عليك فلما استيقظت أخذت معي ثوبا له ثمن كثير أو نفقة لا أدرى وركبت وجئت إلي منزله فأخبرته بما جرى فبكي وقبل الهدية وأخذ الرؤيا تنبيها من الله فزال عن نفسه كراهته في أبي مدين وأحبه فأردت أن أعرف سبب كراهته في أبي مدين مع قوله بأن أبا مدين رجل صالح فسألته فقال كنت معه ببجاية فجاءته ضحايا في عيد الأضحي فقسمها علي أصحابه وما أعطاني منها شيئا فهذا سبب كراهتي فيه ووقوعي والآن قد تبت فأنظر ما أحسن تعليم النبي صلي الله عليه وسلم فلقد كان رفيقا رقيقا","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"( وصية ) وعليك بالأفتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم في أحواله وأقواله وأفعاله إلا ما نص عليه أنه مختص به مما لا يجوز لنا أن نفعله أو خاطب به أحدا من الناس أن يفعله ونهي غيره عن ذلك – يا وليي الله ما عاقبت أحدا يجب علي أدبه في حال غضبي فإذا ذهبت عني حالة الغضب والغيظ ورأيت المصلحة له في الأدب أدبته وأما ما يرجع إلي فأعفر عنه عن طيب نفس وعدم إقامة علي دغل وحقد وأبذل جهدى في إيصال خير اليه وأسارع إلي قضاء حوائجه وما أدرى أني أقرضت أحدا قرضا وفي نفسي أني أطلبه منه فلا أطلبه وإن جاء به وأرى حاجتي إليه آخذه منه ولا أعلمه وإن علمت أنه ضيق علي نفسه فيه انظرته إلي ميسرة هذا فيما يختص بنفسي وحكم العيا حكم الجار الأقرب له حق يطلبه أنا مأمور إيصاله اليه اذا قدرت عليه","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"( وصية ) عامل كل من تصحبه أو يصحبك بما تعطيه رتبته فعامل الله بالوفاء لما عاهدته عليه من الاقرار بربوبيته عليك وهو الصاحب بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم وعامل الآيات بالنظر فيها وعامل ما تدركه الحواس منك بالاعتبار وعامل الرسل بالاقتداء بهم وعامل الملائكة بالطهارة والذكر وعامل الشيطان إذا عرفت أنه شيطان من إنس وجان بالمخالفة وعامل الحفظة بحسن ما تملي عليهم وعامل من هو أكبر منك بالتوقير ومن هو أصغر منك بالرحمة ومن هو كفؤك بالتجاوز والإنصاف والإيثار وأن تطالب نفسك بحقه عليها وترك حقك له وعامل العلماء بالتعظيم وعامل السفهاء بالحلم وعامل الجهال بالسياسة وعامل الأشرار ببسط الوجه وما تتقي به شرهم وعامل الحيوان بالنظر فيما يحتاجون اليه فإنهم خرس وعامل الأشجار والأحجار بعدم الفضول وعامل الأرض بالصلاة عليها وعامل المؤتي بالدعاء لهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم وعامل الصوفية أهل الكشف والوجود منهم بالتسليم لأصحاب الأحوال وعامل الإخوان في الله بالبحث عن حركاتهم وسكناتهم فيما ذا يتحركون ويسكنون وعامل الأولاد بالإحسان وعامل الزوجة بحسن الخلق وعامل اهل البيت بالمودة وعامل الصلاة بالحضور وعامل الصوم بالتنزه عن الذنوب وعامل المناسك بذكر الله والتعظيم وعامل الزكاة بسرعة الأداء وعامل التوحيد بالإخلاص وعامل الأسماء الإلهية بما تعطيه حقيقة كل اسم الهي من الأخلاق فمعاملة الأسماء الإلهية بالتخلق وعامل الدنيا بالرغبة عنها وعامل الآخرة بالرغبة فيها وعامل النساء بالحذر من فتنتهن وعامل المال بالبذل وعامل النار والحدود بالتقوى والرهبة وعامل الجنة بالرغبة وعامل الأولياء بما تزيد ولا يتهم وعامل الأعداء بما تكف اذاهم وعامل الناصح بالقبول وعامل المحدث بالأصغاء إلي حديثه وعامل الموجودات كلها بالنصيحة وعامل الملوك بالسمع والطاعة والآخذ علي أيدى الظلمه منهم ما أستطعت بطريقة تكتفي بها شرهم وإياك وصحبة","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"الملوك فإنك إن أكثرت مخالطة الملك ملك وإن تركته أذلك فخذ وأعط إن بليت بصحبتهم وعامل قارئ القرآن بالانصات ما دام تاليا وعامل القرآن بالتدبر وعامل الحديث النبوى بالبحث عن صحيحه وسقيمه وعرضه علي الأصول فما وافق الأصول فخذ به وإن لم يصح الطريق اليه فإن الأصل يعضضه وإذا ناقض الأصول بالكلية فلا تأخذ به وإن صح طريقه ما لم تعلم له وجها فإن أخبار الاحاد ولا تفيد سوى غلبة الظن وعليك بالسنة المتواترة وكتاب الله فهما خير مصحوب وخير جليس وإياك والخوض فيما شجر بين الصحابة ولتحبهم كلهم عن آخرهم ولا سبيل إلي تجريح واحد منهم فمنهم نأخذ الدين الذى نعبد الله به وعاملهم بالعدالة في الأخذ عنهم ولا تتهمهم فهم خير القرون وعامل بيتك بالصلاة فيه وعامل مجلسك بذكر الله فيه وعامل فرقتك من مجلس بالاستغفار والضابط للصحبة أن تعطي كل ذى حق حقه ولا تترك مطالبة لأحد عليك بحق يتوجه له قبلك وعامل الجاني عليك بالصفح والعفو وعامل المسئ بالإحسان وعامل بصرك بالغض عن محارم الله وسمعك بالاستماع إلي أحسن الحديث والقول ولسانك بالصمت عن السوء من القول وإن كان حقا لكن كره الشرع أو حرم النطق به وعامل الذنوب بالخوف وعامل الحسنات بالرجاء وعامل الدعاء بالاضطرار وعامل نداء الحق إياك بالتلبية لما ناداك اليه من عمل او ترك.\r…يقول الفقير جامع الكتاب هذا آخر ما تيسر نقله من الوصايا الغالية المودعة الباب الأخير من كتاب الفتوحات المكية وقد عزمت بعون الله نقل بعض الوصايا القرآنية التي أودعها الشيخ رضي الله عنه هذا الباب المذكور بالفتوحات وكذلك الوصايا الحديثية ليختم هذا الكتاب بأطيب الحديث وأجمل القول – واليك بعض الوصايا الأخرى من كتبه الأخرى قبل إتمام الكتاب وختمه بكلام الله الكريم وحديث رسوله العظيم.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"…قال رضي الله عنه في كتاب مواقع النجوم : وليحذر العبد أن تفتح له خزائن الغفلات أوقات تصرفه في المباحات وليملأها بالذكر وأشباه المتدوبات وهذا لا يصح له ما لم يعرف الواجبات حتي بسارع إليها ويؤديها والمحظورات حتي يتجنبها والمندوبات حتي يرغب فيها والمكروهات حتي يحفظ نفسه منها والمباحات حتي يتعوذ بالله من الغفلة إلي أن قال : وأعلم أنه إذا تقرر هذا عندك فإنه ينبغي لك أن تعرف ما يعم ذاتك من الأحكام وما يخص وأريد بالعام لذاتك كل عبادة دخلت فيها حرم عليك التصرف في غيرها كالصلاة واريد بالخاص كل عبادة تختص ببعض الجوارح دون بعض أو كل عبادة لا تمنعك من إتيان بعض الأفعال المباحة وأعلم أن عدد الأعضاء المكلفة ثمانية وهي العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فعلي كل واحد من هذه الأعضاء تكليف يخصه بأنواع من الحكام الشرعية ثم تصرفها علي الوجه الشرعي في محلين خاصة إما في ذاتك وإما في غير ذاتك فالذى في ذاتك ما يلحقك عليه المدمة الشرعية أو المحمدة عند الله تعالي فالمحمودة كالصلاة والصوم وما أشبههما والمذمومة كضربك نفسك بسكين لتقتلها ومنها مالا يلحقك فيه مذمة ولا محمدة كصنف المباح ولا يجوز لك هذا الفعل إلا في ذاتك وأما في غير ذاتك فلا إلا بشرط فالذى لذاتك كنظرك إلي عورتك والذين هم غيرك ثمانية أصناف خارجون عنك الولد والولدان والزوجة وملك اليمين والبهيمة والجار والأجير والأخ الايماني والطيني .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"…وقال أيضا : الصحبة نتيجة البسط ولا يقوى عليها إلا الأقوياء من الرجال الذين لا تقرهم الأحوال وحدها أن لا يقبل من صاحبه إلا ما يقبل منه ربه تعالي فإن لم يفعل فقد خانه في الصحبة فإن شرطها النصيحة وأدبها كف جفاك عن خليلك وتحمل جفائه ولها مراتب بحسب الأحوال فإن كان فوقك فأصحبه بالحرمة وإن كان كفئك فاصحبه بالوفاء وإن كان دونك فأصحبه بالرحمة وإن كان عالما فأصحبه بالخدمة والتعظيم وإن كان جاهلا فاصحبه بالسياسة وإن كان غنيا فاصحبة بالزهد وإن كان فقيرا فاصحبة بالجود وإنصاحبت صوفيا فاصحبه بالتسليم وأعلم أن صحبة الجليل سبحانه وتعالي أولي منصحبة الخليل فإن الجليل يحفظك والخليل تحفظه الجليل يعطيط والخليل تعطيه الجليل يحملك والخليل تحمله الجليل يتولاك والخليل تتولاه الجليل يكون لك حيث تريد والخليل تكون له حيث يريد وعلامة من آثر صحبة مولاه أن لا يأنس بسواه وإن يقف عندما أمره ونهاه وأن يعامل الخلق برحماه وأن يوالي من والاه ويعادى من عاداه وإن كان ابنه وأباه ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه )\rمن صاحب الحق لا يبالي ………من ذلة المنع والسؤال\rمن طعم الهجر في هواه…………أذاقه لذه الوصال","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"وقال أيضا : عليك بالتواضع واعلم أنه سر من أسرار الله تعالي المخزونة عنده الذى لا يهبه علي الكمال إلا لنبي او صديق فليس كل تواضع تواضعا وهو من أعلي مقامات الطريق وآخر مقام ينتهي اليه رجال الله وحقيقته العلم بعبودية النفس ولا يصح مع العبودية رياسة أصلا ولهذا قال شيخ المشايخ رضي الله عنهم آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ولا تكون إلا مع الجهل وقال عيسي عليه السلام لأصحابه أين تنبت الحبة قالوا في الأرض فقال عليه السلام كذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب مثل الأرض يشير إلي التواضع وإلي هذه الإشارة أشار سيد البشر صلي الله عليه وسلم بقوله ( ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه ) والينابيع لا تكون إلا في الأرض إلي أن قال : والتواضع شريف لا يتصور من كل أحد فإنه موقوف علي صاحب التمكين في العلم والتحقق في التخلق .\r…ويقول في رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار : وأحذر من الشبع ومن الجوع المفرط والزم طريق اعتدال المزاج فإن المزاج إذا أفرط فيه اليبس أدى إلي خيالات وهذيان طويل وإذا كان الوارد هو الذى يعطي الانحراف فذلك هو المطلوب وقال أيضا : وليكن عقدك عند دخولك إلي خلوتك أن الله ليس كمثله شئ فكل ما يتجلي لك من الصور في خلوتك ويقول لك أنا الله فقل سبحان الله أنت بالله واحفظ صورة ما رأيت واله عنها واشتغل بالذكر دائما هذا ؤعقد واحد والعقد الثاني أن لا تطلب منه في خلوتك سواه ولا تعلق الهمة بغيره ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ولا تقف عنده وصمم علي طلبك فإنه يبتليك ومهما وقفت مع شئ فاتك وإذا حصلته لم يفتك شئ.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"…واستمر رضي الله عنه في هذه الرسالة يشرح ما يحصل للسالك من نتائج في خلوته وفي كل موقف يحذره من اللبس وطلب غير الحق – وقال في رسالة الأخلاق فاما تفصيل أوصاف الإنسان التام فهو أن يكون متفقدا لجميع أخلاقه متيقظا لجميع معايبه متحرزا من دخول كل نقص عليه مستعملا لكل فضيلة مجتهدا في بلوغ الغاية عاشقا لصورة الكمال ملتذا بمحاسن الأخلاق متيقظا لمذموم العادات معتنيا بتهذيب نفسه غير مستكثر مايقتنيه من الفضائل مستعظما لليسير من الرذائل مستصغرا للرتبة العليا مستحقرا للغاية القصوى يرى التمام دون محله والكمال أقل أوصافه فأما الطريقة التي توصله إلي التمام وتحفظ عليه الكمال فهي أن يصرف عنايته إلي النظرفي العلوم الحقيقية ويجعل غرضه الإحاطة بما هيات الأمور الموجودة وكشف عللها وأسبابها وتفقد غاياتها ونهاياتها ولا يقف عند غاية من علمه إلا ورنا بطرفه إلي ما فوق تلك الغاية – وله في رسالة ( كنه مالابد للمريد فيه ) إرشادات كثيرة غالية أسوق منها الاتي مختصرا متتابعا بدون إشارة لبدء القول :","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"فأول ما يجب عليك أيها المريد توحيد خالقك وتنزيهه عما لا يجوز عليه – ثم بعد ذلك ( أيها المريد ) يجب عليك الايمان بالرسل كلهم وبما جاءوا به وبما أخبروا به عن الله تعالي مما علمت ومما لم تعلم ثم حب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين – ويجب عليك يا أخي تعظيم من عظم الله وعظمته رسله صلوات الله عليهم وسلامة ثم التسليم لأهل هذه الطريقة في كل ما يحكي عنهم من كلامهم وإشارتهم وفي كل ما ترى منهم مما لا يسعة علمك – ومما لابد لك منه طلب شيخ مرشد والصدق شعار المريد س- ومما لابد لك منه البحث عن هذه اللقمة وهي أساس فعليها قام عماد هذا الأمر 0 ومما لابد لك منه يا حبيبي أن ترفع كلفتك عن الخلق – وتورع في كسبك كله – ولا تتوسع في مسكن ولا ملبس ولا مأكل فإن الحلال قليل لا يحتمل السرف – ومما لابد لك من ه يا حبيبي التقليل من الطعام فإنه يورث النشاط للطاعة ويذهب الكسل وعليك تقسيم الأوقات في ليل ونهار – واستمر رضي الله عنه بذكر الوظائف والأعمال المفروضة والمسنونة والمندوبة في الليل والنهار ويذكر آدابها ومتمماتها وهكذا بذكر الأداب واللوازم المطلوبة للمريد الطالب طريق القوم فيما بعد ذلك إلي أخر الرسالة وهي مطبوعة ضمن مجموعة من رسائله رضي الله عنه وتباع في المكاتب الأزهرية بثمن زهيد.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"…ويعقد رضي الله عنه في كتابه ( التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ) فصلا خاصا بالوصايا للمريد وهي كثيرة وهامة أنقل هنا بعضها مختصرا متتابعا بدون إشارة لبدء القول للاختصار : ذكر رضي الله عنه في أول هذه الوصايا من يلزم المريد من طلب شيخ كامل ناصح وذكر أدابالمريد معه فيطلب ذلك في محله وذكر بعد ذلك فصلا خاصا بصلاة المريد وسوابقها وآدابها وثمراتها وذكر بعد ذلك فصلا في أكل وشرب المريد وما عليه من آداب في ذلك وذكر فصلا في لكسب والتوكل جاء فيه : ولتحترف إن عدمت اليقين ولا تظهر التوكل وليس عندك منه شئ وذكر فصلا آخر في الصحبة جاء فهي : فينبغي للمريد أن يكون مع الخلق مع جنسه وغيره كالوحش يفر يطلب بذلك الانس بالله وجاء فيه ولتكن معاشرته بالإيثار والفتوة وسخاوة النفس – وذكر بعد ذلك فصلا في السعي إلي المساجد بين فيه الآداب اللازمة للمريد في سعيه للمساجد وخروجه للمصالح الضروربة وختم الوصايا بفصل في الخواطر جاء فيه : وأعلم إنك إن عاشرت الفقراء وخدمتهم فلا ترد خاطرا يخطر لك في مصالحهم وجاء فيه ولا تحتقر شيئا من الخير فإن هذا الطريق طريق الأرباح ثم قال وأربعة من أحكمها فقد فاز بجميع الخيرات كلها خدمة الفقراء وسلامة الصدر والدعاء للمسلمين بظهر الغيب وأن تكون معهم علي نفسك.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"…وأقول أيضا إن له رضي الله عنه مكاتيب ورسائل كثيرة للإخوان موجود منها الكثر بالمجموعة الشاملة لعدة من رسائله والمطبوعة بحيد أباد الدكن بالهند وللأختصار لم أنقل منها شيئا هنا وأسمع هنا شيئا من درر كلامه في كتاب التجليات الموجود ضمن الرسائل المطبوعة في مجموعة طيع حيدر أباد قال في تجلي الأماني : حبيبي تترك الأنس بربك لمنية نفسك ما هذا منك بجميل لا يغرنك إيمانك ولا إسلامك ولا توحيدك أين ثمرته إن خرج روحك في حال أمانيك وأنت لا تشعر ما يكون حالك وأنت لا ترى بعد الموت إلا الذى مت عليه ولم يكن عندك سوى الأماني فأين التوحيد وأين الايمان خسرت وقتك – وقال في التجلي الذى بعده : لا يغرنك من خالف فجوزى بأحسن المعارف ووقف في أحسن المواقف وتجلت له المشاهد هذا كله مكر به واستدراج من حيث لا يعلم.\rوهذه مقتطفات من وصية كبيرة له ضمن الرسائل المجموعة والمطبوعة في حيدر أباد :\rوأحذر أن تصرف نظرك الفكرى فيما أعطاكه الايمان فتحرم عين اليقين فإن الله أوسع من أن يقيده علقل عن إيمان أو إيمان عن عقل – ومن هذه المقتطفات :\rوالعلم بما سوى الله لا حاجة لنا به أعني الحاجة المهمة التي بحصولها كمال النفس وبعد أن ذكر في هذه الوصية ما يحصل للسالكين من فيوضات ومشاهد وعلوم قال :واعلم أن السبب الموصل إلي نيل ما ذكرناه تفريع الخاطر والقلب من كل علم ومن الفكر المطلوب لاقتناء العلوم ومحو ما كتب ونسيان ما علم والجلوس مع الله علي الصفا وتجريد الباطن من التعلق بغير ذات الحق جل جلال علي ما هو عليه من الاطلاق لا تجالسه علي ش معين فإن فعلت وعينت وفتح عليك لم يحصل سوى ما عينت وليكن هجيرك في جلوسك بباطنك الله الله من غير تخيل بل بتعقل الحروف لا بتخيلها ولا تنتظر الفتح الإلهي بواسطة هذا الجلوس وهذا الحال بل اذكره مثل هذا الذكر لما يستحقه جلاله من إيثارك إياه من حيث هو لا من حيث علمك ه أو عقيدتك بل بجهل عام.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"أما كتاب حلية الأبدال فقد قال فيه :\rكان لنا بمر شانة الزيتون ببلاد الأندلس صاحب من الصالحين يعلم القرآن وكان فقيها مجيدا حافظا ذا ورع وفضل وخدمة للفقراء أسمه عبد المجيد بن سلمه أخبرني وفقه الله قال بينا أنا ليلة في مصلاى قد أكملت حزبي وجعلت رأسي بين ركبتي اذكر الله تعالي إذا تحسست لشخص قد نقض مصلاى من تحتي وبسط عوضا منها حصيرا حصيفا وقال صل عليه وباب بيتي علي مغلق فداخلني منه جزع فقال لي من يأنس بالله يفزع ثم قال لي أتق الله في كل حال ثم إني ألهمت فقلت له يا سيدى بماذا يصير الأبدال أبدالا فقال لي بالأربعة التي ذكرها أبو طالب في القوت الصمت والعزلة والجوع والسهر ثم انصرف عني ولا أعرف كيف دخل ولا كيف خرج غير أن بابي علي حالة مغلق والحصير الذى أعطانيه تحتي وهذا الرجل هو من الأبدال واسمه معاذ بن أشرس رضي الله عنه – فهذه الأربعة التي ذكرها هي عماد هذا الطريق الأسني – وشرع رضي الله عنه بعد ذلك في كتابه هذا في تحقيق هذه الاسس الاربعة وأنقل هنا بعض نبذ يسيره منها للإفادة والتبرك .\rقال في الصمت : الصمت علي قسمين صمت باللسان عن الحديث بغير الله تعالي مع غير الله تعالي جملة واحدة وصمت بالقلب عن خاطر يخطر في النفسي في كون من الاكوان البتة فمن صمن لسانه ولم يصمت قلبه خف وزره ومن صمت لسانه وقله ظهر له سره وتجلي له ربه ومن صمت قلبه ولم يصمت لسانه فهو ناطق بلسان الحكمة ومن لم يصمت بلسانه ولا بقلبه كان مملكة للشيطان ومسخرة له .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وقال في العزلة : فأعلي الناس من أعتزل عن نفسه إيثارا لصحبه ربه فمن آثر العزلة علي المخالطة فقد أثر ربه علي غيره ومن آثر ربه لم يعرف أحد ما يعطيه الله تعالي من المواهب والأسرار وقال في الجوع : هو الركن الثالث من أركان هذا الطريق الإلهي وهو يتضمن الركن الرابع الذى هو السهر كالعزلة تتضمن الصمت والجوع جوعان جوع اختيار وهو جوع السالكين وجوع اضطرار وهو جوع المحققين فإن المحقق لا يجوع نفسه ولكن قد يقل أكله إن كان في مقام الأنس فإن كان في مقام الهيبة كثر أكله : كثرة الأكل للمحققين دليل علي صحة سطوات أنوار الحقيقة علي قلوبهم بحال العظمة من مشهودهم وقلة الأكل دليل علي صحة المحادثة بحال المؤانسة من مشهودهم وكثرة الأكل للسالكين دليل علي بعدهم من الله وطردهم عن بابه واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم وقله الاكل لهم دليل علي نفحات الجود الالهي علي قلوبهم فيشغلهم ذلك عن تدبير جسومهم والجوع بكل حال ووجه سبب داع للسالك والمحققالي نيل عظيم الاحوال المسالكين والاسرار للمحققين ما لم يفرط الضجر في الجائع فإنه اذا أفرط أدى إلي الهوس وذهاب العقل وفساد المزاج فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب لثيل الأحوال إلا عن أمر شيخ وأما وجده فلاسبل لكن يتعين علي السالك إذا كان وجده التقليل من الطعام واستدامة الصيام ولزوم أكله واحدة بين الليل والنهار وأن يغب إلا دام الدسم فلا يأتدم في الجمعة سوى مرتين إن أراد أنينتفع به حتي يجد شيخا فاذا وجده سلم أجره اليه.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"…وقال في السهر : السهر نتيجة الجوع فإن المعدة اذا لم يكن فيها طعام ذهب النوم والسهر سهران سهر العين وسهر القلب فسهر القلب اتباهه من نومات الغفلات طلبا للمشاهدات وسهر العين رغبة في بقاء الهمة في القلب لطلب المسامرة فإن العين فغايته مشاهدة سهره المتقدم لا غير وأما أن يلحظ غير ذلك فلا ففائدة السهر استمرار عمل القلب وارتقاء المنازل العلية المخزونة عند الله تعالي.\rانتهيما أردت نقله هنا من رسالة ( حلية الأبدال ) وإليك أقوالا أخرى من كتب أخرى له رضي الله عنه علي طريق التوجيه والوصية قال في كتاب الشاهد من أطاع الحق ومات فإنه لم يمت وقال أخرق العادة في أخلاقك تخرق لك العادة وقال النسب الصحيح بالدين لا بالطين وقال كن مع روحانيتك تكن الي العلوم أقرب وقال الزم الصدق والاخلاص فبالصدق تعتصم ولا يؤثر فيك شئ وبالاخلاص تصح عبوديتك وربوبيته وليكن هذا أخر ما تيسر نقله من وصاياه الغالية وأتبعها بالوصايا الحديثية والقرآنية التي حلي بها رضي الله عنه كتبة مراعيا في ذلك الاختصار والاكتفاء بالبغض منها .\rوصل – وصايا من الحديث الشريف\rأورد رضي الله عنه ضمن الباب الأخير من الفتوحات المكية وهو الباب الخاص بالوصايا كثيرا من الوصايا النبوية أتقل هنا بعضها.\rقال رضي الله عنه\r( وصية نبوية ) رويناها من حديث أبي الدرداء قال رسول الله صلي الله عليه وسلم توبرا الي الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذى بينكم وبين ربكم تسعدوا وأكثروا الصدقة ترزقوا وأمروا بالمعروف تخصبوا وانهوا عن المنكر تنصروا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا وأحزمكم أحسنكم له استعدادا آلا وأن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلي دار الخلود والتزود لسكني القبور والتأهب ليوم النشور.","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"( وصية نبوية ) قال رسول الله صلي الله علية وسلم لرجل يوصيه أقلل من الشهوات بسهل عليك الفقر وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت وقدم مالك أمامك يسرك اللحاق به واقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب ولا تتشاغل عم افرض عليك بما قد ضمن لك أنه ليس بفأتك ما قسم لك ولست بلا حق ما زوى عنك ولا تك جاهدا فيما يصبح نافذا واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه .\r( وصية نبوية ) قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنما يؤتي الناس يوم القيامة من أحدى ثلاث إما من شبهة في الدين ارتكبوها أو شهوة للذة أثروها أو غضبة لحيمة أعملوها فاذا لاحت لكم شبهة فأجلوها باليقين واذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد واذا عنت لكم غضبة فادرءوها بالعفو إنه ينادى منا يوم القيامة من له أجر علي الله فليقم فيقوم العافون عن الناس ألم تر إلي قوله عز جلاله فمن عفا وأصلح فأجره علي الله .\r( وصية تحريض علي الاتصاف بصفة يحمدها الله من عباده ) قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد قيل له يا رسول الله من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقال الذين نظروا إلي باطن الدنيا حين نظر الناس إلي ظاهرها واهتموا بأجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فما عرضهم من نائلها عارض إلا رفضوه ولا خادعهم من رفقها خادع الا وضعوه خلقت الدنيا عندهم فما يجددونها وخربت بيتهم فما يعمرونها وماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقي لهم ونظروا إلي أهلها صرعي قد حلت بهم المثلات فما يرون أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"( وصية نبوية يرجي ويتقي ) قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنما هو خير يرجي أو شر يتقي وباطل عرف فاجتنب وحق تيقن فطلب وآخره آظل إقبالها فسعي لها ودنيا أزف نفاذها فأعرض عنها وكيف يعمل للآخرة من لا ينقطع عن الدنيا رغبته ولا تنقضي فيها شوته إن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء وهو يسعي لدار الفناء وعرف أن رضا الله في طاعته وهي يسعي في مخالفته\rوصل الختام وصايا من القرآن الكريم\rوهذا ما تيسر من كلام الله المجيد مما أورده الشيخ رضي الله عنه في باب الوصايا وهو الباب الآخير من الفتوحات أنقله هنا تبركا وختما شريفا .\rقال الله تعالي : ( شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسي أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه )\rوقال تعالي : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلي الله ) صدق الله العظيم\r…\rIslam_light","part":1,"page":169}],"titles":[{"id":1,"title":"تأييد الصوفيية في المجموعة الحاتمية","lvl":1,"sub":0}]}