{"pages":[{"id":1,"text":"تحفة الفقهاء - السمرقندي ج 1\rتحفة الفقهاء\rالسمرقندي ج 1","part":1,"page":0},{"id":2,"text":"تحفة الفقهاء","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي 539 ه وهي أصل \" بدائع الصنائع \" للكاساني - قال اللكنوي: \" ملك العلماء الكاساني، صاحب البدائع شرح تحفة الفقهاء: أخذ العلم عن علاء الدين محمد السمرقندي: صاحب التحفة \".\rالجزء الاول دار الكتب العلمية بيروت - لبنان","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الثانية 1414 ه - 1994 م.\rدار الكتاب العلمية بيروت - لبنان ص - ب: 9424 / 11 - تلكس: - 41245 le nasher هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 4781373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 / 00","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم الحمد لله حمده، والصلاة على رسوله \" محمد \" أفضل عبيده، وعلى آله وأصحابه من بعده.\rقال الشيخ الامام علاء الدين: محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، رحمه الله تعالى.\rاعلم أن \" المختصر \" المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري (1) رحمه الله جامع جملا من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة: يهدي بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتضا إلى أعلى المراقي والمنازل، ولما عمت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب، طلب مني بعضهم، من الاخوان والاصحاب، أن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه، بقوي من الدلائل، ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة، بالتقسيم والتفصيل، ووسيلة، بذكر الدليل، إلى تخريج ذوي التحصيل - فأسرعت في الاسعاف والاجابة، رجاء التوفيق، من الله تعالى، في الاتمام والاصابة، وطمعا، من فضله، في العفو والغفران والانابة: فهو الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الرشاد وسميته \" تحفة الفقهاء \"، إذ هي هديتي لهم، لحق الصحبة والاخاء، عند رجوعهم إلى مواطن الآباء.\r__________\r(1) هو أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان القدوري، ولد سنة 362 ه.\rوتوفي سنة 428 ه.\rببغداد.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"فليقبل هدي تي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح\rبسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم الحمد لله حمده، والصلاة على رسوله \" محمد \" أفضل عبيده، وعلى آله وأصحابه من بعده.\rقال الشيخ الامام علاء الدين: محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، رحمه الله تعالى.\rاعلم أن \" المختصر \" المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري (1) رحمه الله جامع جملا من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة: يهدي بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتضا إلى أعلى المراقي والمنازل، ولما عمت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب، طلب مني بعضهم، من الاخوان والاصحاب، أن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه، بقوي من الدلائل، ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة، بالتقسيم والتفصيل، ووسيلة، بذكر الدليل، إلى تخريج ذوي التحصيل - فأسرعت في الاسعاف والاجابة، رجاء التوفيق، من الله تعالى، في الاتمام والاصابة، وطمعا، من فضله، في العفو والغفران والانابة: فهو الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الرشاد وسميته \" تحفة الفقهاء \"، إذ هي هديتي لهم، لحق الصحبة والاخاء، عند رجوعهم إلى مواطن الآباء.\r__________\r(1) هو أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان القدوري، ولد سنة 362 ه.\rوتوفي سنة 428 ه.\rببغداد.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"فليقبل هدي تي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح\rبسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم الحمد لله حمده، والصلاة على رسوله \" محمد \" أفضل عبيده، وعلى آله وأصحابه من بعده.\rقال الشيخ الامام علاء الدين: محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، رحمه الله تعالى.\rاعلم أن \" المختصر \" المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري (1) رحمه الله جامع جملا من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة: يهدي بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتضا إلى أعلى المراقي والمنازل، ولما عمت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب، طلب مني بعضهم، من الاخوان والاصحاب، أن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه، بقوي من الدلائل، ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة، بالتقسيم والتفصيل، ووسيلة، بذكر الدليل، إلى تخريج ذوي التحصيل - فأسرعت في الاسعاف والاجابة، رجاء التوفيق، من الله تعالى، في الاتمام والاصابة، وطمعا، من فضله، في العفو والغفران والانابة: فهو الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الرشاد وسميته \" تحفة الفقهاء \"، إذ هي هديتي لهم، لحق الصحبة والاخاء، عند رجوعهم إلى مواطن الآباء.\r__________\r(1) هو أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان القدوري، ولد سنة 362 ه.\rوتوفي سنة 428 ه.\rببغداد.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"فليقبل هدي تي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح\rفليقبل هدي تي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح الدعاء، في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي، والاعمال بالنيات، وقابل الاعمال عالم بالخفيات، وما توفيقي إلا بالله: عليه توكلت، وإليه أنيب.","part":1,"page":6},{"id":9,"text":"كتاب الطهارة اعلم أن الطهارة شرط جواز الصلاة.\rوهي نوعان: حقيقية، وحكمية.\rأما الحقيقية: فهي الطهارة عن النجاسة حقيقة، وهي أنواع ثلاثة: طهارة البدن، وطهارة المكان، وطهارة الثياب.\rوأما الحكمية: فهي الطهارة عن النجاسة حكما، وهي نوعان: الوضوء، والغسل.\rعرفنا فرضية الطهارة بأنواعها: بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (الاية)) * (1)، وقوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (2)، وقوله تعالى: * (أن طهرا بيتي للطائفين) *، وقوله: * (وثيابك فطهر) *.\rوأما السنة: فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.\rوقال عليه","part":1,"page":7},{"id":10,"text":"السلام: إن تحت كل شعرة جنابة: ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة.\rوعليه إجماع الامة.\rالدعاء، في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي، والاعمال بالنيات، وقابل الاعمال عالم بالخفيات، وما توفيقي إلا بالله: عليه توكلت، وإليه أنيب.","part":1,"page":8},{"id":11,"text":"كتاب الطهارة اعلم أن الطهارة شرط جواز الصلاة.\rوهي نوعان: حقيقية، وحكمية.\rأما الحقيقية: فهي الطهارة عن النجاسة حقيقة، وهي أنواع ثلاثة: طهارة البدن، وطهارة المكان، وطهارة الثياب.\rوأما الحكمية: فهي الطهارة عن النجاسة حكما، وهي نوعان: الوضوء، والغسل.\rعرفنا فرضية الطهارة بأنواعها: بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (الاية)) * (1)، وقوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (2)، وقوله تعالى: * (أن طهرا بيتي للطائفين) *، وقوله: * (وثيابك فطهر) *.\rوأما السنة: فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.\rوقال عليه","part":1,"page":7},{"id":12,"text":"السلام: إن تحت كل شعرة جنابة: ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة.\rوعليه إجماع الامة.\rفنبدأ بالوضوء فنقول: إنه يشتمل على الغسل، والمسح، فالغسل هو تسييل الماء على العضو، والمسح هو إيصال الماء إليه والامرار عليه لا غير، حتى لا يجوز الوضوء والغسل بدون التسييل في الغسل، على جواب ظاهر الروايات، إلا رواية عن أبي يوسف، فإنه قال: لو مسح عضوه ببلة، دون التسييل جاز.\rثم للوضوء أركان وشروط وسنن وآداب.\rأما الاركان فأربعة أحدها: غسل الوجه مرة واحدة، لقوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم) * (1).\rوحد الوجه قصاص الشعر إلى حدة الذقن، وإلى شحمتي الاذن، وهو حد صحيح فإن الوجه، في اللغة، اسم لما يواجه الناظر إليه في العادة.\rفإن كان قبل نبات الشعر: يجب غسل جميعه.\rوإذا نبت الشعر، لا يجب غسل ما تحته، عند عامة العلماء.\rوقال بعضهم: يجب غسل ما تحت الشعرة، وإيصال الماء إلى أصول الشعر وقال الشافعي: إن كانت اللحية خفيفة، يجب غسل ما تحتها، وإن كانت كثيفة، لا يجب.\rوعلى هذا الاختلاف إيصال الماء إلى الشوارب،","part":1,"page":8},{"id":13,"text":"والحاجبين ثم يجب غسل ظاهر الشعر الذي يوازي الذقن والخدين، في أصح الروايات، لانه قائم مقام البشرة.\rوالشعر المسترسل من الذقن، لا يجب غسله عندنا، خلافا للشافعي، لانه ليس بوجه، ولا قائم مقامه.\rوالفرجة التي بين العذار والاذن يجب غسلها عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف لانها من جملة حد الوجه، وليس عليها شعرة.\rوالثاني: غسل اليدين مع المرفقين، مرة واحدة عندنا، لقوله تعالى: * (و أيديكم إلى المرافق) * (4).\rوقال زفر: لا يجب غسل المرفقين.\rوالصحيح قولنا، لان المرفق عضو مركب من الساعد والعضد، وغسل الساعد واجب، وغسل العضد غير واجب، ولا يمكن التمييز بينهما، فيجب غسل الكل احتياطا.\rوالثالث: مسح الرأس، مرة واحدة، لقوله تعالى: * (وامسحوا برؤسكم) * (5).\rواختلف العلماء في مقدار المفروض منه: فعن أصحابنا فيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية: مقدر بثلاثة أصابع اليد مطلقا.","part":1,"page":9},{"id":14,"text":"وفي اختلاف زفرو يعقوب مقدر بربع الرأس، وهو قول زفر.\rوذكر الكرخي، والطحاوي: مقدار الناصية.\rوقال مالك: ما لم يمسح جميع الرأس أو أكثره، لا يجوز.\rوقال الشافعي: إذا مسح مقدار ما يسمى مسحا، جاز.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية، لقوله تعالى: * (وامسحوا برؤسكم) *، والمسح يكون بالآلة، وآلة المسح هي أصابع اليد في العادة، فيكون المسح، في الغالب بأثرها وهو الثلاث، فيصير تقدير الآية: وامسحوا بثلاث أصابع أيديكم برؤوسكم.\rثم على قياس ظاهر الرواية: إذا وضع ثلاث أصابع، ولم يمدها، جاز - وهكذا روي عن محمد في النوادر، وعلى قياس رواية الربع\rوالناصية: لا يجوز لانه أقل من ذلك.\rولو مسح بأصبع، أو بأصبعين صغيرتين ومدهما حتى بلغ مقدار الفرض، لم يجز عندنا خلافا لزفر، لان الماء يصير مستعملا بالوضع، والمسح بالماء المستعمل لا يجوز.\rولو مسح بأصبع واحدة، ثلاث مرات بماء جديد جاز لانه بمنزلة ثلاث أصابع.\rولو مسح بإصبع واحدة، ببطنها وظهرها وجانبيها جاز.\rوقال بعض مشايخنا: لا يجوز.\rوالصحيح أنه يجوز، كما لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، وهكذا روى زفر عن أبي حنيفة.\rوالرابع: غسل الرجلين مرة واحدة، لقوله تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) *.\r(1)","part":1,"page":10},{"id":15,"text":"وهذا فرض عند عامة العلماء.\rوقال بعض الناس: الفرض هو المسح لا غير.\rوعن الحسن البصري أنه قال: يخير بين الغسل والمسح.\rوقال بعضهم: إنه يجمع بينهما.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لان العلماء أجمعوا على وجوب غسل الرجلين بعد وجود الاختلاف فيه في السلف، والاجماع المتأخر يرفع الاختلاف المتقدم.\rثم يجب غسل الكعبين مع الرجلين عندنا خلافا لزفر، كما في المرفقين.\rوالكعبان هما العظمان الناتئان، في أسفل الساق عليه عرف الناس، وهكذا روي عن رسول الله آ أنه قال في تسوية الصفوف:\rألصقوا الكعاب بالكعاب، والمناكب بالمناكب.\rوأما شرائط الوضوء فنذكرها في مواضعها إن شاء الله.\rوأما سنن الوضوء فأحد وعشرون فعلا، وهي أنواع ثلاثة: نوع يكون قبل الوضوء، ونوع يكون عند ابتدائه، ونوع يكون في خلاله.\rأما الذي يكون قبل الوضوء فواحد، وهو الاستنجاء بالاحجار والامدار وما يقوم مقامها.\rفأما الذي يكون عند ابتداء الوضوء فأربعة: أحدها: النية، وعند الشافعي فرض.\rوفي التيمم فرض بالاجماع.","part":1,"page":11},{"id":16,"text":"والثاني: التسمية، وعند بعضهم فرض، وهم أصحاب الشافعي.\rوالثالث: غسل اليدين إلى الرسغين لادخالهما في الاناء احترازا عن توهم النجاسة.\rوالرابع: الاستنجاء بالماء، وهو كان أدبا في عصر النبي عليه السلام، فصار سنة بعد عصره بإجماع الصحابة كالتراويح.\rفأما الذي يكون في خلاله فستة عشر: أحدهما - المضمضة.\rوالثاني - الاستنشاق.\rوهذا قول عامة العلماء، وعند بعضهم: هما واجبان.\rوالثالث - الترتيب في المضمضة والاستنشاق، وهو أن يمضمض أولا ثلاثا، ثم يستنشق ثلاثا يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا في كل مرة.\rوقال الشافعي: السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بماء واحد ثلاث مرات، فيأخذ الماء بكفه فيمضمض ببعضه ويستنشق ببعضه، ثم هكذا في المرة الثانية والثالثة.\rوالرابع - أن يمضمض ويستنشق باليمين.\rوقال بعضهم: يمضمض بيمينه، ويستنشق بيساره، لان اليسار للاقذار.\rوالخامس: المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا في حالة الصوم.\rلما روي عن النبي عليه السلام أنه قال للقيط بن صبرة: بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما فارفق.","part":1,"page":12},{"id":17,"text":"والسادس: أن يستاك في حال المضمضة، تكميلا للانقاء، على ما قال عليه السلام: السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب.\rفإن لم يجد، فيعالج فمه بالاصبع، والسواك أفضل.\rوالسابع: الترتيب في الوضوء.\rوقال الشافعي: إنه فرض.\rوالثامن - الموالاة في الوضوء، وهو أن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه.\rوقال مالك: إنه فرض.\rوالتاسع: أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه توضأ مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضعف الله له الاجر مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هذا وضوئي\rووضوء أمتي، ووضوء الانبياء من قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم فمن زاد على ذلك أو نقص فقد تعدى وظلم معناه من زاد على الثلاث، أو نقص ولم ير الثلاث سنة.\rوالعاشر: البداءة بالميامن، وهي سنة في الوضوء وغيره من الاعمال، لما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يحب التيامن في كل شئ حتى التنعل والترجل.\rوالحادي عشر - البداءة من رؤوس الاصابع في غسل اليدين والرجلين.\rوالثاني عشر - تخليل الاصابع في اليدين والرجلين بعد إيصال الماء إلى ما بين الاصابع، والتخليل للمبالغة سنة، فأما إيصال الماء إلى ما بين","part":1,"page":13},{"id":18,"text":"الاصابع ففرض.\rوالثالث عشر - الاستيعاب في مسح الرأس، وهو سنة وهو أن يمسح كله.\rوعند مالك فرض على ما مر.\rوالرابع عشر - هو البداءة في المسح من مقدم الرأس كيفما فعل.\rوقال الحسن البصري: السنة أن يبدأ من الهامة فيضع يده عليها، ويمدها إلى مقدم رأسه ثم يعيدها إلى القفا.\rوالخامس عشر - أن يمسح مرة واحدة، والتثليث مكروه.\rوقال الشافعي: السنة هو التثليث.\rوالسادس عشر - أن يمسح الاذنين، ظاهرهما وباطنهما بماء الرأس لا بماء جديد.\rوقال الشافعي: يمسح بماء جديد، لا بماء الرأس.\rوأما تخليل اللحية فهو من الآداب عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف سنة - كذا ذكر محمد في كتاب الآثار.\rواختلف المشايخ في مسح الرقبة: قال أبو بكر الاعمش: إنه سنة.\rوقال أبو بكر الاسكاف: إنه أدب.\rوأما آداب الوضوء فكثيرة: والفرق بين السنة والادب أن السنة ما واظب عليها رسول الله (ص) ولم يتركها، إلا مرة أو مرتين، لمعنى من المعاني، والادب ما فعله رسول الله (ص)، مرة أو مرتين ولم يواظب عليه.","part":1,"page":14},{"id":19,"text":"وذلك نحو إدخال الاصبع المبلولة في صماخ الاذنين، وكيفية مسح الرأس، وكيفية إدخال اليد في الماء والاناء، والدلك في غسل أعضاء الوضوء والغسل، أن يقول: أشهد أن لا إلؤه إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\rعند كل فعل من أفعال الوضوء، والدعوات المأثورة عند غسل كل عضو في الغسل والوضوء، ونحو ذلك مما ورد في الاحاديث أنه فعله رسول الله (ص) في الوضوء، ولم يواظب عليه.","part":1,"page":15},{"id":20,"text":"باب الحدث الحدث نوعان: حقيقي وحكمي.\rأما الحقيقي: فهو خروج النجس من الاحدمي الحي كيفما كان، من السبيلين أو من غيرهما، معتادا كان أو غير معتاد، قليلا كان\rأو كثيرا، وهذا عند أصحابنا الثلاثة.\rوقال زفر: هو ظهور النجس، من الاحدمي، الحي.\rوقال مالك في قول: هو خروج النجس، المعتاد من السبيل المعتاد، حتى قال: إن دم الاستحاضة ليس بحدث لانه عارض غير معتاد.\rوقال، في قول، وهو قول الشافعي: هو خروج الشئ من السبيلين لا غير، كيفما كان.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن أبي إمامة الباهلي أنه قال: دخلت على رسول الله (ص) فغرفت له غرفة فأكل، فجاء المؤذن فقلت: الوضوء يا رسول الله، فقال: إنما علينا الوضوء مما يخرج، ليس مما يدخل.\rوخروج الطاهر، كالبزاق وغيره، ليس بحدث بالاجماع، فتعين خروج النجس.","part":1,"page":17},{"id":21,"text":"إذا ثبت هذا فلا يخلوا: إما أن يكون الخروج من السبيلين أو غير السبيلين.\rفإن كان من السبيلين فهو حدث إذا ظهر على رأسهما، قل أو كثر، انتقل وسال عنه أم لا، لانه وجد خروج النجس من الآدمي، وهو انتقال النجس من الباطن إلى الظاهر.\rوذلك مثل البول، والغائط، والدم، والمني، والودي، والمذي.\rوكذلك كل ما خرج من الاشياء الطاهرة في أنفسها، كاللحم والدودة، والولد، والمحقنة، ونحوها لانه لا يخلو عن أجزاء النجاسة.\rوأما الريح فإن خرجت من الدبر، ينقض الوضوء بالاجماع.\rوإن\rخرجت من قبل المرأة أو الرجل، قال بعضهم: إن كانت منتنة، ينقض الوضوء، وإلا فلا.\rوروي عن محمد أنه ينقض ولم يعتبر النتن.\rوكذا ذكر الكرخي في مختصره.\rوروى القدوري عنه أن خروج الريح من قبل الرجل لا يتصور، وإنما هو اختلاج يظنه ريحا، ولكنها قد تخرج من قبل المرأة، فإن خرجت يستحب لها الوضوء، ولا يجب.\rوقال بعضهم: إن كانت مفضاة يجب الوضوء، وإن كانت غير مفضاة لا يجب الوضوء.\rوأما إذا كان الخروج من غير السبيلين: فإن كان الخارج طاهرا مثل الدمع، والريق، والمخاط، والعرق، واللبن ونحوها لا ينقض الوضوء بالاجماع، وإن كان نجسا ينقض الوضوء.\rولكن إنما يعرف الخروج هؤهنا بالسيلان والانتقال عند رأس الجرح والقرح: إن سال إلى موضع يجب تطهيره، أو يسن تطهيره يكون حدثا، وإلا فلا، لان البدن محل الدم والرطوبات، ولكن لم يظهر لقيام الجلدة عليه، فإذا انشقت الجلدة ظهر في محله.\rفما لم يسل عن رأس الجرح لا","part":1,"page":18},{"id":22,"text":"يصير خارجا.\rوذلك مثل دم الجرح، والقيح، والصديد من القرح، والماء الصافي الذي خرج من البثرة.\rوهذا عندنا وعلى قول زفر يكون حدثا، سال أو لم يسل، لان الحدث عنده ظهور النجاسة من الادمي وقد ظهرت.\rوعلى هذا القئ إن كان مل ء الفم، ينقض الوضوء، وإن لم يكن مل ء الفم لا ينقض الوضوء.\rولا فرق بين أن يكون القئ طعاما، أو ماء صافيا، أو مرة صفراء، أو سوداء، أو غيرها، لان الفم له حكم الظاهر فإنه يجب غسله في الغسل، ولا ينتقض الصوم بالمضمضة، فإذا وصل القئ إليه، فقد وجد انتقال النجس من الجوف إلى الظاهر، فتحقق الخروج فيكون حدثا، إلا أن القليل لم يجعل حدثا باعتبار الجرح إذ الانسان لا يخلو عن قليل القئ، بسبب السعال وغيره.\rولم يذكر تفسير مل ء الفم في ظاهر الرواية.\rوروي عن الحسن بن زياد أنه قال: إن عجز عن إمساكه، يكون مل ء الفم وإلا فلا.\rوعن أبي علي الدقاق أنه قال: إن منعه عن الكلام، يكون مل ء الفم، وإلا فلا.\rوأما إذا قاء بلغما، فإن نزل من الرأس لا يكون حدثا، لانه لا نجاسة في جوف الرأس.\rوإن خرج من البطن، فإن كان صافيا ليس معه شئ من الطعام","part":1,"page":19},{"id":23,"text":"وغيره، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما لا يكون حدثا، وإن كان مل ء الفم.\rوعلى قول أبي يوسف يكون حدثا إن كان مل ء الفم.\rوإن كان مخلوطا بشئ من الطعام وغيره فالاصح أن يكون حدثا بالاجماع.\rوالصحيح قولهما لانه طاهر في نفسه، كالمخاط، إلا إذا كان مخلوطا بشئ من الطعام، فيظهر أنه خرج من الجوف فينجس بمجاورة النجس.\rوإما إذا قاء دما فلمن يذكر في ظاهر الرواية صريحا.\rوروى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف، أنه ينقض الوضوء، قل أو كثر، جامدا كان أو مائعا.\rوروى الحسن عنهما أنه إن كان جامدا، لا ينقض، ما لم يكن مل ء الفم وإن كان مائعا ينقض الوضوء.\rوإن كان يسيرا.\rوقال محمد: إن حكمه حكم القئ، وهو الاصح، ويجب أن يكون هذا قول جميع أصحابنا، إنه ذكر في الجامع الصغير إشارة إليه، فإنه قال: إذا قلس أقل من مل ء فيه لم ينقض الوضوء، ولم يفصل بين الدم وغيره.\rهذا الذي ذكرنا في حق الاصحاء.\rفأما في حق صاحب العذر كالمستحاضة وصاحب الجرح السائل ونحوهما، فخروج النجس من","part":1,"page":20},{"id":24,"text":"الادمي لا يكون حدثا مادام وقت الصلاة قائما، وحتى إنه إذا توضأ في أول الوقت، له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يخرج الوقت، وإن دام السيلان، وهذا عندنا.\rوقال مالك: له أن يتوضأ لكل صلاة، فرضا كان أو نفلا.\rوقال الشافعي: يتوضأ لكل فرض، وله أن يصلي من النوافل ما شاء.\rوالصحيح قولنا، لقوله عليه السلام: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة.\rثم طهارتها تنتقض بخروج الوقت لا غير عند أبي حنيفة ومحمد وعند زفر بدخول الوقت لا غير، وعند أبي يوسف بأيهما كان.\rوفائدة\rالخلاف تظهر في موضعين: أحدهما: أن يوجد خروج الوقت، بدون الدخول، كما إذا توضأت في وقت الفجر، ثم طلعت الشمس تنتقض طهارتها عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا تنتقض.\rوالثاني: أن يوجد الدخول بدون الخروج، كما إذا توضأت قبل الزوال، ثم زالت الشمس لا تنتقض طهارتها، على قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف وزفر تنتقض.\rف زفر يعتبر دخول الوقت وقد دخل فينتقض، وهما يعتبران الخروج ولم يخرج، فلا تنتقض طهارتها.\rفأما في غير هذين الموضعين، فكما يخرج الوقت يدخل وقت آخر، فينتقض الوضوء بالاجماع، على اختلاف الاصول.\rلكن هذا شئ ذكره مشايخنا للحفظ، ومدار الخلاف على فقه ظاهر يعرف، في المبسوط، إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":21},{"id":25,"text":"وأما الحدث الحكمي فنوعان: أحدهما: ما يكون دالا على وجود الحدث الحقيقي غالبا، فأقيم مقامه شرعا احتياطا للعبادة.\rوهو أنواع منها: المباشرة الفاحشة، وهو أن يباشر الرجل امرأته لشهوة، وقد انتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللا.\rفعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يكون حدثا.\rولم يشترط في ظاهر الرواية مماسة الفرجين عندهما، وشرط ذلك في النوادر.\rوعند محمد: ليس بحدث،\rوالصحيح قولهما، لان المباشرة على هذا الوجه سبب لخروج المذي غالبا.\rفأما مجرد مس المرأة لشهوة أو غير شهوة، أو مس ذكره أو ذكر غيره فليس بحدث عند عامة العلماء ما لم يخرج منه شئ، خلافا لمالك والشافعي، لانه ليس بسبب للخروج غالبا.\rومن هذا النوع: الاغماء، والجنون، والسكر الذي يستر العقل، لانه سبب يدل على الحدث غالبا.\rومن هذا النوع أيضا: النوم مضطجعا أو متوركا، بأن نام على إحدى وركيه فهو حدث، على كل حال، لانه سبب لخروج الريح غالبا.\rفأما النوم في غير هاتين الحالتين فينظر: إن كان في حال الصلاة لا يكون حدثا كيفما كان، في جواب ظاهر الرواية.\rوعن أبي يوسف: إن نام معتمدا فحدث، وإن غلب عليه النوم","part":1,"page":22},{"id":26,"text":"فليس بحدث.\rوقال الشافعي: يكون حدثا، إلا إذا كان قاعدا مستقرا على الارض فله فيه قولان.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن رسوالله (ص) أنه قال: إذا نام العبد في سجوده، يباهي الله تعالى به ملائكته، فيقول يا ملائكتي: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وجسده في طاعتي، ولم يفصل بين حال وحال.\rوإن كان خارج الصلاة، فإن كان قاعدا مستقرا على الارض غير مستند إلى شئ لا يكون حدثا لانه ليس بسبب للخروج غالبا.\rوإن كان قائما أو على هيئة الركوع والسجود غير مستند إلى شئ، فقد اختلف المشايخ فيه، والاصح أنه ليس بحدث، كما في حال الصلاة.\rفأما إذا نام مستندا إلى جدار، أو متكئا على يديه، فقد ذكر الطحاوي أنه إن كان بحال لو زال السند لسقط يكون حدثا، وإلا فلا، وبه أخذ كثير من مشايخنا.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إن لم يكن مستقرا على الارض يكون حدثا، وإن كان مستقرا على الارض لا يكون حدثا، وبه أخذ عامة مشايخنا، وهو الاصح.\rومن نام قائما أو قاعدا مستقرا على الارض فسقط روي عن أصحابنا في روايات مختلفة أنه إن انتبه قبل السقوط على الارض أو في حال السقوط، أو سقط على الارض وهو نائم فانتبه من ساعته، لا يكون حدثا، وإن استقر نائما على الارض بعد الوقوع وإن قل يكون حدثا، لانه وجد النوم مضطجعا.","part":1,"page":23},{"id":27,"text":"وقال بعض مشايخنا: إذا زال مقعده عن الارض ينتقض وضوؤه والصحيح هو الاول.\rفأما النوع الثاني من الحدث الحكمي: فهو ما يكون حدثا بنفسه شرعا من غير أن يكون دالا على الحدث الحقيقي.\rوهو القهقهة في صلاة مطلقة لها ركوع وسجود حتى تنتقض طهارته.\rوإذا قهقه في صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة لا تنتقض طهارته وإذا قهقه خارج الصلاة: لا تنتقض.\rولو تبسم لا تنتقض أصلا.\rثم عند أصحابنا الثلاثة لا فرق بين وجودها في حال أداء الركن، كما في وسط الصلاة، أو في حال قيام التحريمة دون حال أداء الركن، كما إذا قهقه بعدها قعد قدر التشهد الاخير، أو في سجدتي السهو، أو بعد ما سبقه الحدث في الصلاة فذهب للوضوء وتوضأ ثم قهقه قبل أن يبني، حتى تنتقض طهارته.\rوعلى قول زفر: لا تنتقض ما لم يوجد في حال أداء الركن.\rوأما فسد الصلاة بها، فإن وجدت قبل الفراغ من الاركان، تفسد، وإن وجدت بعد الفراغ من الاركان، لا تفسد ويخرج من الصلاة لانها كلام بمنزلة السلام.\rوهذا كله مذهبنا، وهو جواب الاستحسان.\rوالقياس أن لا يكون حدثا، لانها ليست بحدث حقيقة، ولا بسبب دال عليه، وبه أخذ الشافعي.\rولكنا جعلناها حدثا شرعا لورود الحديث فيها، وهو ما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يصلي بالناس في المسجد، فدخل أعرابي في","part":1,"page":24},{"id":28,"text":"بصره سوء، فوقع في بئر عليها خصفة فضحك بعض الناس، فلما فرغ النبي عليه السلام من صلاته، قال: ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا والحديث ورد في حال صلاة مستتمة الاركان، فبقي حال خارجا لصلاة وما ليس بصلاة مطلقة، على أصل القياس.\rثم تغميض الميت، وغسله، وحمل الجنازة، والكلام الفاحش، وأكل ما مسته النار، لا ينقض الوضوء عند عامة العلماء، لانه لم يوجد الحدث حقيقة ولا حكما.\rوقال بعض الناس بأن هذه الاشياء أحداث شرعا، ولورود الاحاديث فيها، فصارت نظير القهقهة عندكم، وهو ما روي عنه عليه السلام أنه قال: توضأوا مما مسته النار.\rوروي عنه عليه السلام: من غمض ميتا، أو حمل جنازة فليغتسل وروي: من غسل ميتا فليغتسل.\rولكنا نقول: هذه أخبار آحاد، وردت فيما عم به البلوى، فلا تقبل، بخلاف خبر القهقهة فإنه ورد فيما لا يعم به البلوى فيقلب.\rالجنابة والغسل الكلام هؤهنا في خمسة مواضع: في بيان ما يتعلق به وجوب الغسل.\rوفي أنواع الغسل المشروع.\rوفي تفسير الغسل.\rوفي مقدار الماء الذي يغتسل به.\rوفي أحكام الحدث.","part":1,"page":25},{"id":29,"text":"أما الاول فنقول: وجوب الغسل يتعلق بأحد معان ثلاثة: الجنابة والحيض والنفاس.\rأما الجنابة فإنها تثبت بسببين: أحدهما - خروج المني عن شهوة دفقا، وإن كان من غير إيلاج، بأي طريق وسبب حصول الخروج نحو اللمس، والنظر، والاحتلام،\rوغيرها: فعليه الغسل بالاجماع، إذا كان من أهل وجوب الصلاة عليه فإما إذا لم يكن من أهل وجوب الصلاة عليه، كالحائض والمجنون والكافر والصبي، فإنه لا غسل عليهم، لان الغسل يجب لاجل الصلاة، ولا صلاة عليهم.\rأما إذا خرج المني لا عن شهوة، وقد انفصل لا عن شهوة مثل أن يضرب على ظهر رجل، أو حمل حملا ثقيلا، أو به سلس البول، فيخرج المني من غير شهوة، فلا غسل فيه عندنا.\rوقال الشافعي: يجب.\rفأما إذا انفصل عن شهوة وخرج لا عن شهوة، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد: يجب الغسل، وعلى قول أبي يوسف: لا يجب.\rوفائدة الخلاف تظهر في ثلاث مسائل: أحدها: إذا احتلم فانتبه، وقبض على عورته حتى سكنت شهوته، ثم خرج منه المني بعد ذلك، بلا شهوة.\rوالثانية: إذا اغتسل الرجل من الجنابة، ثم خرج منه شئ من المني، أو على صورة المذي، قبل النوم أو البول.\rوالثالثة: إذا وجد الرجل، على فراشه بللا، منيا أو على صورة","part":1,"page":26},{"id":30,"text":"المذي، ولم يتذكر الاحتلام.\rهكذا ذكر ابن رستم الخلاف في هذه المسائل الثلاث في نوادره.\rفأبو يوسف أخذ بالقياس، وأبو حنيفة ومحمد أخذا بالاستحسان احتياطا في باب العبادة.\rثم المني هو الماء الابيض، الغليظ، الذي ينكسر به الذكر،\rوتنقطع به الشهوة.\rوالمذي هو الماء الابيض الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة.\rوالودي هو الماء، الابيض، الذي يخرج بعد البول.\rوأما السبب الثاني: فهو إيلاج الفرج في أحد سبيلي الانسان وإن لم يوجد الانزال حتى يجب الغسل على الفاعل والمفعول به جميعا.\rفأما الايلاج في البهائم، فلا يوجب الغسل، ما لم ينزل.\rوكذا الاحتلام لا يوجب الغسل، ما لم ينزل.\rوهذا قول عامة العلماء.\rوقال بعضهم: لا يجب الغسل، بدون الانزال في جميع الاحوال لقوله عليه السلام: الماء من الماء.\rإلا أنا نقول: هذا غريب، وما رويناه مشهور والاخذ بما رويناه أولى، وهو قوله عليه السلام: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل.\rوأما حكم الحيض والنفاس فنذكره في بابهما إن شاء الله تعالى.\rوأما أنواع الغسل المشروع: فتسعة:","part":1,"page":27},{"id":31,"text":"ثلاثة منهما فريضة، وهي الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس.\rوواحد منهما واجب، وهو غسل الموتى.\rوأربعة منها سنة، وهي: غسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، والعيدين، وعند الاحرام.\rوواحد منها يستحب، وهو: الغسل عند الاسلام، وغسل المجنون والصبي عند البلوغ، والاقامة لان هؤلاء غير مخاطبين بالشرائع، وإن وجد في حقهم الجنابة والحيض والنفاس.\rثم غسل يوم الجمعة لاجل صلاة الجمعة عند أبي يوسف، وعن الحسن بن زياد لاجل اليوم.\rوفائدة الاختلاف أن من اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث وتوضأ وصلى الجمعة لا يكون مدركا لفضيلة الغسل عند أبي يوسف، وعند الحسن يصير مدركا.\rوكذا إذا صلى بالوضوء، ثم اغتسل، فهو على هذا الخلاف.\rومن اغتسل من الجنابة، يوم الجمعة وصلى به الجمعة قالوا: ينال فضيلة غسل يوم الجمعة، على اختلاف الاصلين، لانه وجد الاغتسال في يوم الجمعة، والصلاة به.\rوأما تفسير الغسل، فنقول: للغسل ركن واحد، وشرائط، وسنن، وآداب.\rأما الركن: فهو تسييل الماء، على جميع ما يمكن غسله.\rمن بدنه، مرة واحدة، حتى لو ترك شيئا يسيرا، لم يصبه الماء، لم يخرج من الجنابة، وكذا في الوضوء، لقوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) *","part":1,"page":28},{"id":32,"text":"أي فطهروا أبدانكم.\rوالبدن اسم للظاهر والباطن فيجب عليه تطهيره بقدر الممكن، وإنما سقط غسل الباطن لاجل الحرج، فلا يسقط ما لا حرج فيه.\rولهذا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل، لانه يمكن إيصال الماء إلى داخل الانف والفم بلا حرج ويجبان في الوضوء، لان الواجب ثم غسل الوجه، وداخل الفم والانف ليس بوجه، لانه لا يواجه الناظر إليه بكل حال.\rولهذا يجب إيصال الماء في الغسل إلى أصول الشعر وإلى أثناء الشعر أيضا، إلا إذا كان ضفيرة فلا يجب الايصال إلى أثنائه، لان في نقضه حرجا.\rولهذا يجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية، كما يجب إيصال الماء إلى أصولها، لانه لا حرج فيه.\rويجب إيصال الماء إلى داخل السرة، وينبغي أن يدخل إصبعه فيها للمبالغة.\rويجب على المرأة غسل الفرج الخارج في الغسل، لانه يمكن غسله.\rوأما شروطه: فنذكرها في موضعها.\rوأما السنن: فما ذكره محمد رحمه الله في كتاب الصلاة، وهو أن يبدأ فيغسل يديه إلى الرسغين ثلاثا، ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثلاثا ثلاثا، إلا أنه لا يغسل رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى عن ذلك المكان، فيغسل قدميه.\rهكذا روت ميمونة زوج النبي عليه السلام أنه اغتسل هكذا ثم إنما يؤخر غسل القدمين إذا اغتسل في موضوع تجتمع فيه الغسالة تحت","part":1,"page":29},{"id":33,"text":"القدمين، فأما إذا لم تجتمع بأن اغتسل على حجر ونحوه، فلا يؤخر، لانه لا فائدة في تأخيره.\rوقالوا في غسل الميت إنه يغسل رجليه عند التوضئة ولا يؤخر لان الماء المستعمل لا يجتمع على التخت.\rوأما مقدار الماء الذي يغتسل به ويتوضأ به:\rذكر في ظاهر الرواية وقال: أدنى ما يكفي من الماء في الغسل صاع، وفي الوضوء مد، ولم يفسر.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: في الاغتسال: كفاه صاع، وفي الوضوء: إن كان الرجل متخففا ولا يستنجي كفاه رطل لغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والخفين، وإن كان يستنجي وهو متخفف كفاه رطلان: رطل للاستنجاء، ورطل للباقي، وإن لم يكن متخففا ويستنجي: كفاه ثلاثة أرطال، رطل للاستنجاء، ورطل للقدمين، ورطل للباقي.\rوقال بعض مشايخنا: في الاغتسال صاع واحد إذا ترك الوضوء، فأما إذا جمع بين الوضوء والغسل فإنه يحتاج إلى عشرة أرطال: رطلان للوضوء، وثمانية أرطال للغسل.\rوعامة مشايخنا قالوا: إن الصاع كاف للوضوء والغسل جميعا، وهو الاصح.\rولكن مشايخنا قالوا: ما ذكر محمد رحمة الله عليه في بيان مقدار أدنى الكفاية ليس بتقدير لازم لا يجوز الزيادة عليه، ولا النقصان عنه، بل إن كفى رجلا أقل من ذلك، ينقص عنه، وإن لم يكفه يزيد عليه بقدر ما لا إسراف فيه ولا تقتير.","part":1,"page":30},{"id":34,"text":"وأما بيان أحكام الحدث فنقول: ههنا خمسة أشخاص: المحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، والمستحاضة.\rأما المحدث فحكمه وحكم الطاهر سواء، غير أنه لا يجوز له أداء\rالصلاة إلا بالوضوء.\rولا يباح له مس المصحف إلا بغلافه، وكذا مس الدرهم التي كتب عليها القرآن، ومس كتاب تفسير القرآن.\rأما مس كتاب الفقه فلا بأس به، لكن المستحب له أن لا يفعل.\rوكذا لا يطوف بالبيت، وإن طاف جاز النقصان، لانه شبيه بالصلاة وليس بصلاة على الحقيقة.\rويباح له دخول المسجد، وقراءة القرآن، وأداء الصوم.\rويجب عليه الصلاة والصوم، حتى يجب عليه القضاء بالترك.\rوكذا سائر الاحكام.\rواختلف المشايخ في تفسير الغلاف، قال بعضهم: هو الجلد الذي عليه.\rوقال بعضهم: هو الكم.\rوقال بعضهم: هو الخريطة.\rوهو الصحيح، لان الجلد تبع للمصحف، والكم تبع للحامل، فأما الخريطة فليست بتبع، ولهذا لو بيع المصحف لا تدخل الخريطة في البيع من غير شرط.\rوقال بعض مشايخنا: المعتبر حقيقة هو المكتوب، حتى إن مسه","part":1,"page":31},{"id":35,"text":"مكروه، فأما مس الجلد ومس موضع البياض منه، لا يكره، لانه لم يمس القرآن.\rوهذا أقرب إلى القياس، والاول أقرب إلى التعظيم.\rوأما الجنب: فلا يباح له مس المصحف بدون غلافه.\rولا يباح له أيضا قراءة القرآن عند عامة العلماء، خلافا ل مالك، وذكر الطحاوي أن الجنب لا يقرأ الآية التامة، فأما ما دون الآية فلا بأس\rبه.\rوعامة مشايخنا قالوا: إن الآية التامة وما دونها سواء في حق الكراهة تعظيما للقرآن.\rولكن إذا قرأ القرآن على قصد الدعاء لا على قصد القرآن، فلا بأس به، بأن قال: بسم الله الرحمن الرحيم عند افتتاح الاعمال، أو قال الحمد لله رب العالمين.\rلقصد الشكر، لانه غير ممنوع عن الدعاء والذكر لله تعالى.\rويصح منه أداء الصوم، دون الصلاة.\rويجب عليه كلاهما، حتى يجب عليه قضاؤهما بالترك.\rولا يباح له دخول المسجد، وإن احتاج يتيمم ويدخل.\rولا يطوف بالبيت أيضا، لكن متى طاف يصح مع النقصان، كما في المحدث، إلا أن النقصان مع الجنابة أفحش.\rوأما الحائض والنفساء: فحكمهما مثل حكم الجنب، إلا إنه لا يجب عليهما الصلاة.\rحتى لا يجب القضاء عليهما بعد الطهارة، ولا يباح لزوجهما قربانهما، ويباح للزوج قربان المرأة التي أجنبت.\rوأما المستحاضة: فحكمهما حكم الطاهرات، إلا أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، على ما ذكرنا.","part":1,"page":32},{"id":36,"text":"باب الحيض الكلام في هذا الباب في تفسير الحيض، والنفاس، والاستحاضة، فنقول:\rالحيض في الشرع: هو الدم الخارج من الرحم، الممتد إلى وقت معلوم، واختلف في الوقت.\rقال علماؤنا: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام ولياليها.\rوروي عن أبي يوسف: أقل الحيض يومان، وأكثر اليوم الثالث.\rوقال الشافعي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما.\rوالصحيح قولنا: لما روي عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه، أنه قال: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام ولياليها، وما زاد فهو استحاضة.\rوأما النفاس: فهو الدم، الذي يخرج عقيب الولادة.\rوأقله غير مقدر.\rحتى إذا رأت ساعة دما ثم انقطع فإنه ينقضي النفاس، وتطهر.\rوأكثر النفاس أربعون يوما عندنا.\rوقال الشافعي: ستون يوما.","part":1,"page":33},{"id":37,"text":"وقال مالك: سبعون يوما.\rوالصحيح قولنا لما روي عن أنس عن رسول الله (ص)، أنه قال: وقت النفاس أربعون يوما إلا أن تطهر قبل ذلك.\rوأما الاستحاضة: فهي ما انتقص من أقل الحيض، وما زاد على أكثر الحيض والنفاس، لما روينا من حديث أبي أمامة الباهلي.\rثم المستحاضة نوعان: مبتدأة وصاحبة عادة.\rأما المبتدأة: فهي التي ابتدأت بالدم، ورأت أول ما رأت أكثر من\rعشرة أيام فإن العشرة حيض، وما زاد عليها فهو استحاضة.\rوكذلك في كل شهر.\rوأما صاحبة العادة: إذا استحيضت، فعادتها تكون حيضا إذا كانت عشرة.\rوما زاد عليها يكون استحاضة.\rوأما إذا زاد الحيض على عادتها وهى أقل من عشرة فما رأت يكون حيضا إلى العشرة، لان الزيادة على الحيض في وقته حيض، فإن جاوز عن العشرة فعادتها حيض، وما زاد عليها استحاضة.\rوأصله ما روي عن النبي (ص) أنه قال: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها أي أيام حيضها.\rفأما إذا لم يكن لها عادة معروفة بأن ترى مرة ستا ومرة سبعا فاستحضيت، فإن عليها، إذا رأت الست أن تغتسل في اليوم السابع، وتصوم وتصلي ولا يطؤها زوجها وتنقطع الرجعة.\rفإذا مضى اليوم السابع، فعليها أن تغتسل في اليوم الثامن ثانيا، وتقضي الصوم الذي صامت في اليوم السابع، دون الصلاة، ويحل للزوج أن يطأها، لان الحيض إحدى العادتين، فعليها الاخذ بالاحتياط وذلك فيما قلنا.","part":1,"page":34},{"id":38,"text":"باب التيمم الكلام في هذا الباب في خسمة مواضع: في بيان كيفية التيمم شرعا، وفي بيان شروطه،\rوفي بيان ما يتمم به، وفي بيان وقته، وفي بيان ما ينقضه.\rأما الاول فنقول: قال علماؤنا بأن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.\rوهو أحد قولي الشافعي، وفي قوله القديم: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين.\rوهو قول مالك.\rوقال بعضهم: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الابطين.\rوالصحيح مذهبنا، لما روى جابر عن النبي، عليه السلام، أنه قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين.","part":1,"page":35},{"id":39,"text":"ثم اختلف مشايخنا في كيفيته: قال بعضهم: يضرب بيديه على الارض ضربة واحدة، ثم يرفعهما وينفضهما حتى يتناثر التراب فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب مرة أخرى، فينفضهما، ويمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الاصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى باطن يده اليمنى إلى الرسغ ويمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى.\rثم يفعل باليد اليسرى كذلك.\rوقال بعضهم: يمسح بضربة وجهه، وبضربة أخرى يمسح بطن كفه اليسرى مع الاصابع ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ويمسح به باطن\rذراعه اليمنى إلى أصل الابهام، ويفعل بيده اليسرى كذلك، ولا يتكلف.\rوالقول الاول أحوط لان فيه احترازا عن استعمال التراب المستعمل بقدر الممكن، فإن التراب الذي على اليد يصير مستعملا بالمسح، فإنه لو ضرب بيده مرة واحدة ومسح بها الوجه والذراعين فإنه لا يجوز.\rثم الاستيعاب في التيمم: هل هو مشروط؟ لم يذكر في ظاهر الرواية، وذكر ما يدل عليه، فإنه قال: إن ترك ظاهر كفه لم يجزه، وذكر هؤهنا وقال: إذا ترك شيئا من مواضع التيمم، لا يجوز قليلا كان أو كثيرا.\rوروى الحسن بن زياد في المجرد عن أبي حنيفة، أنه لو تيمم أكثر الوجه والذراعين والكفين، جاز.\rوالاول أصح.\rوعلى قياس شرط الاستيعاب، ينبغي أن يخلل بين أصابعه في","part":1,"page":36},{"id":40,"text":"التيمم - وهكذا روي عن محمد.\rوعلى قياس رواية الحسن: لا يخلل.\rثم عندنا: يمسح المرفق مع الذراعين، خلافا لزفر كما في الوضوء.\rوأما شروط التيمم: فمنها - عدم الماء، لانه خلف، والخلف لا يشرع مع وجود الاصل - قال الله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) *\rثم العدم نوعان: أحدهما: من حيث الحقيقة، والثاني: من حيث الحكم والمعنى.\rأما الاول: فهو أن يكون الماء معدوما عنده على الحقيقة، بأن كان بعيدا عنه.\rواختلفت الروايات في مقدار البعد، وحاصل ذلك: أن بعض المشايخ فصلوا بين المقيم والمسافر، فجعلوا حد البعد في حق المقيم ميلا، وفي حق المسافر ميلين إذا كان الماء قدامه.\rوعامتهم سووا بينهما وجعلوا الحد ميلا، وهو ثلث فرسخ وهذا هو الاصح.\rهذا إذا ثبت بعد الماء بطريق التيقن، أو بطريق الغالب.\rفأما إذا كان غالب ظنه أن الماء قريب منه، أو أخبره رجل عدل بقرب الماء، لا يباح له التيمم، لانه ليس بعادم للماء، ظاهرا، ولكن يجب عليه الطلب، وهكذا روي عن محمد.","part":1,"page":37},{"id":41,"text":"وكذلك إذا كان بقرب من العمران، يجب عليه الطلب.\rهكذا روي حتى لو تيمم قبل الطلب وصلى ثم ظهر الماء لا تجوز صلاته.\rفأما إذا لم يكن بحضرته أحد يخبره، ولا غلب على ظنه قرب الماء، فإنه لا يجب عليه الطلب، عندنا.\rوقال الشافعي: يجب عليه الطلب عن يمين الطريق ويساره مقدار الغلوة، حتى لو تيمم، وصلى قبل الطلب، ثم ظهر أن الماء قريب منه، جازت صلاته عندنا، خلافا للشافعي.\rوالصحيح قولنا، لان المفازة مكان عدم الماء غالبا، فثبت العدم ظاهرا.\rوأما العدم من حيث الحكم والمعنى: فهو أن يعجز عن استعمال الماء لموانع، مع وجوده حقيقة بقرب منه بأن كان على رأس البئر، ولم يجد آلة الاستقاء، أو كان بينه وبين الماء عدو أو سبع يمنعه، أو لصوص يخاف منهم على نفسه الهلاك أو الضرر، أو كان معه ماء، وهو يخاف على نفسه العطش، أو به جراحة أو جدري أو مرض يضره استعمال الماء، أو مرض لا يضره استعمال الماء ولكن ليس معه خادم، ولا مال يستأجر به أجيرا، وليس بحضرته من يوضئه، وهو في المفازة، فإن كان في المصر لا يجزئه، لان الظاهر أنه يجد من يعينه، أو كان مع رفيقه ماء لا يعطيه إياه، ولا يبيعه بمثل قيمته أو بغبن يسير، أو يخاف على نفسه الهلاك، أو زيادة المرض بسبب البرد، وهو لا يقدر على تسخين الماء، ولا على أجرة الحمام، في المفازة والمصر عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعند أبي يوسف ومحمد: في السفر كذلك، وفي المصر لا يجزئه.\rوكذا إذا خاف فوت صلاة تفوت لا إلى خلف، إن اشتغل","part":1,"page":38},{"id":42,"text":"بالوضوء كصلاة الجنازة والعيدين، يباح له التيمم.\rأما إذا شرع في صلاة العيد متوضئا ثم أحدث، فعلى قول أبي حنيفة يبني بالتيمم أيضا، وإن كان الماء بقرب منه.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يبني ولكن يذهب ويتوضأ ويتم صلاته.\rفأما في الجمعة وسجدة التلاوة وسائر الصلوات المفروضة، لا يتيمم وإن خاف الفوت عن وقته، لانه يفوت إلى خلف.\rومن شروطه النية أيضا: حتى لو تيمم، ولم ينو أصلا، لا يجوز عند عامة العلماء، خلافا لزفر.\rفإن تيمم ونوى استباحة الصلاة أو نوى مطلق الطهارة، أجزأه.\rويصح به أداء الصلوات كلها، ويباح له كل فعل لا صحة له بدون الطهارة من دخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، لان نية الاعلى تكون نية للادنى، ونية الكل تكون نية لجنس الاجزاء.\rولو تيمم لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة: أو لقراءة القرآن، جاز له أن يؤدي جميع ما لا صحة له إلا بالطهارة، لان ذلك من جنس أجزاء الصلاة.\rفأما إذا تيمم لمس المصحف، أو لدخول المسجد، لا يباح له أن يصلي به الصلاة، ولا ما هو من جنس أجزائها، لان ذلك ليس بعبادة مقصودة بنفسها، ولا من جنس الصلاة ولا من جنس أجزائها، ولا من ضروراتها، حتى يكون ذلك نية لها، فجعل التراب طهورا في حقها لا غير.\rولو تيمم الكافر، ونوى الاسلام، أو الصلاة، أو الطهارة، ثم","part":1,"page":39},{"id":43,"text":"أسلم، لم يجز تيممه عند عامة العلماء، إلا ما روي عن أبي يوسف أنه يجوز.\rأما عند الشافعي فلان التيمم عبادة، والكافر ليس بأهل لها.\rوعندنا التيمم ليس بعبادة كالوضوء، لكنه ليس بطهور حقيقة، وإنما جعل طهورا باعتبار الحاجة إلى مباشرة فعل لا صحة له بدون الطهارة.\rوالاسلام يصح بدون الطهارة، فلا حاجة إلى أن يجعل طهورا في حقه بخلاف الوضوء فإنه يصح من الكافر، لانه طهور حقيقة.\rولو تيمم المسلم ثم ارتد ثم أسلم، فهو على تيممه عند عامة العلماء.\rأما عند الشافعي فلان التيمم، وإن كان عبادة، ولكن عنده لا تبطل العبادات بالردة.\rوأما عندنا، فلان الردة لا تبطل وصف الطهورية كما في الوضوء، واحتمال الحاجة باق، لانه مجبور على الاسلام.\rومن شروطه أيضا أن يكون التراب طاهرا، حتى لو تيمم بالتراب النجس لا يجوز.\rولهذا لو تيمم بأرض أصابتها النجاسة، فجفت بالشمس وذهب أثرها، إنه لا يجوز في ظاهر الرواية، لانه لا يخلو عن أجزاء النجاسة.\rوفي رواية ابن الكاس: جاز لاستحالته أرضا.\rوأما بيان ما يتيمم به فنقول: اختلف العلماء فيه:","part":1,"page":40},{"id":44,"text":"قال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما: يجوز بكل ما هو من جنس الارض.\rوقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة.\rوروى المعلى عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز إلا التراب، وهو قوله الاخير.\rوبه أخذ الشافعي.\rوالصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، لقوله تعالى: * (فتيمموا صعيدا طيبا) * والصعيد عبارة عن وجه الارض، وذلك قد يكون ترابا ورملا وحجرا أو غير ذلك، والحديث المشهور دليل عليه وهو قوله عليه السلام: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا: أينما أدركتني الصلاة، تيممت وصليت.\rثم الحد الفاصل بين جنس الارض وغيرها أن كل ما يحترق بالنار فيصير رمادا، كالشجر والحشيش، أو ما ينطبع ويلين كالحديد والصفر، وعين الذهب والفضة والزجاج ونحوها فليس من جنس الارض.\rثم اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما، فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الارض، سواء التزق بيده شئ أو لا.\rوعند محمد: لا يجوز، إلا أن يلتزق بيده شئ من أجزائه.\rإذا ثبت ذا: فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالتراب، والرمل، والحصى، والجص والزرنيخ، والنورة، والطين الاحمر، والاخضر والاصفر، والاسود، والكحل، والحجر الاملس، والحائط المطين والمجصص،","part":1,"page":41},{"id":45,"text":"والملح الجبلي دون المائي، والسبخة المنعقدة من الارض دون المائية، والمردراسنج المعدني دون المتخذ من شئ آخر.\rوأما الآجر فقد ذكر هؤهنا وقال: يجوز، لانه طين مستحجر، فيكون كالحجر الاصلي، وفي رواية: لا يجوز.\rوالخزف إن كان من طين خالص يجوز، كما في الآجر، وإن كان من طين مخلوط بما ليس من جنس الارض لا يجوز، كالزجاج المتخذ\rمن الرمل، وشئ آخر ليس من جنس الارض.\rوعند محمد في هذه الفصول: إن التزق بيده شئ منها بأن كان مدقوقا جاز وإلا فلا.\rولو تيمم بالرماد لا يجوز لانه من أجزاء الخشب ونحوه.\rوإن تيمم باللآلئ لا يجوز، مدقوقة كانت أو لا، لانها ليست من جنس الارض.\rولو تيمم بالياقوت، والفيروزج، والمرجان، والزمرد، جاز لانها أحجار مضيئة.\rولو تيمم بأرض ندية، على قول أبي حنيفة يجوز، التزق بيده شئ أم لا.\rوعند محمد: إن التزق بيده شئ جاز وإلا فلا.\rوعند أبي يوسف: لا يجوز كيفما كان، لان التراب مخلوط بما لا يجوز به التيمم، وهو الماء.\rولو تيمم بالطين الرطب فهو على هذا الاختلاف، يجوز على قول أبي حنيفة التزق بيده شئ أو لا، وعند محمد إن التصق بيده شئ جاز وإلا فلا.\rوعند أبي يوسف: لا يجوز، لانه مخلوط بما لا","part":1,"page":42},{"id":46,"text":"يجوز به التيمم، وهو الماء.\rوإن تيمم بالغبار، بأن ضرب بيده على ثوب أو على لبد فارتفع غباره، أو على الذهب والفضة أو الحبوب، فارتفع غبار فيتمم به، جاز عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لابي يوسف، لانه من أجزاء الارض.\rوأما وقت التيمم فنقول: اختلف العلماء في وقته، إن وقته أول وقت الصلاة، أو آخره أو\rوسطه.\rذكر في ظاهر الرواية، وقال: أحب إليه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، ولم يفصل بين ما إذا كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت أو لم يكن.\rوروى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إن كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت يؤخر إلى آخر الوقت.\rوإن لم يكن على طمع من وجود الماء في آخره، فإنه يؤخر إلى آخر الوقت المستحب، ويصلي في آخره.\rوتكون هذه الرواية تفسيرا لظاهر الرواية.\rوقال حماد: لا يؤخره إلى آخر الوقت، ما لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت.\rوهو قول الشافعي.\rوقال مالك: يستحب له أن يتيمم في وسط الوقت.\rوالصحيح مذهبنا، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال مثل مذهبنا.\rولم يرو عن غيره خلافه، فيكون كالاجماع.\rوإن تيمم في أول الوقت وصلى، فإن كان عالما أن الماء يقرب منه،","part":1,"page":43},{"id":47,"text":"بأن كان أقل من ميل، لا تجوز صلاته، وإن كان ميلا فصاعدا، جازت صلاته لان حد البعد هو الميل، وإن كان يمكنه أن يذهب ويتوضأ ويصلي في الوقت، وتعتبر الجملة.\rوإن لم يكن عالما بذلك، يجوز، سواء كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت، أو لا، بعد الطلب أو قبله، عندنا، لان العدم ثابت من حيث\rالظاهر، واحتمال الوجود لا يعارض الثابت ظاهرا.\rفأما إذا كان على يقين من وجود الماء في آخر الوقت أو من حيث الغالب، فإن كان بينه وبين الماء مقدار ما يمكنه أن يذهب ويتوضأ ويصلي في الوقت فإنه ينظر إن كان أقل من ميل لا تجوز صلاته، وإن كان ميلا فصاعدا جازت صلاته لان حد البعد هو الميل.\rوإن أخبر في آخر الوقت أن الماء بقرب منه بأن كان أقل من ميل ولكن لو ذهب إليه وتوضأ تفوته الصلاة عن الوقت، فإنه يجب عليه أن يذهب، ويتوضأ، ويصلي خارج الوقت، ولا يجزيه التيمم، لان الصلاة تفوته إلى بدل وهو القضاء.\rوأما ما يبطل التيمم فنقول: كل ما يبطل الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي فإنه يبطله.\rوأما ما يبطله على الخصوص فهو رؤية الماء.\rوأصله قوله عليه السلام: التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج، ما لم يجد الماء أو يحدث.\rثم إن وجد الماء، قبل الشروع في الصلاة، يبطل تيممه، ويجب عليه الوضوء بالاجماع.\rوإن وجد بعد الشروع: إن كان قبل أن يقعد قدر التشهد من القعدة الاخيرة، فإنه تفسد صلاته، عندنا.","part":1,"page":44},{"id":48,"text":"وقال الشافعي: لا تفسد.\rوحجتنا ما روينا من الحديث المشهور، من غير فصل بين حالة الصلاة، وغيرها.\rوإن كان بعد ما قعد قدر التشهد الاخير، أو بعد ما سلم، وعليه سجدتا السهو، وعاد إلى الصلاة، تبطل صلاته، عند أبي حنيفة، ويلزمه الاستقبال.\rوعند أبي يوسف ومحمد: يبطل تيممه، وصلاته تامة.\rوهذه المسألة من جملة المسائل الاثني عشرية على ما يعرف في موضعها.\rوإن وجد بعد الفراغ من الصلاة، فإن كان بعد خروج الوقت، لا يلزمه الاعادة، بالاجماع.\rوإن وجد في الوقت فكذلك عند عامة العلماء وقال مالك: يعيد.\rوالصحيح قولنا، لانه قدر على الاصل، بعد حصول المقصود بالبدل.\rوأنه إذا رأى سؤر حمار، فإن كان خارج الصلاة، ينبغي أن يتوضأ به، مع التيمم، لانه مشكوك فيه، فوجب الجمع بينهما، حتى يكون مؤديا للصلاة بيقين.\rإن كان في الصلاة، ينبغي أن لا يقطع، لان الشروع قد صح فلا يقطع بالشك، ولكن يمضي عليها، فإذا فرغ منها يقضي تلك الصلاة بسؤر الحمار حتى يكون مؤديا للصلاة بيقين.\rوأما إذا وجد نبيذ التمر: فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه:","part":1,"page":45},{"id":49,"text":"ينتقض تيممه لانه بمنزلة الماء عند عدم الماء المطلق.\rوعلى قول أبي يوسف: لا ينتقض، لانه ليس بطهور أصلا.\rوعند محمد: يمضي على صلاته ثم يعيد، كما في سؤر الحمار.\rثم الاصل عندنا أن التيمم بدل مطلق وليس بضروري، يعني به أن الحدث يرتفع عندنا بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، لا أن تباح له الصلاة مع قيام الحدث للضرورة.\rوعند الشافعي: هو بدل ضروري.\rوعنى به أن يباح له الصلاة بالتيمم مع قيام الحدث حقيقة، وجعل عدما شرعا، لضرورة صحة الصلاة بمنزلة طهارة المستحاضة.\rوالصحيح قولنا، لما روينا عن النبي عليه السلام أنه قال: التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حجج، ما لم يجد الماء أو يحدث.\rوينبني على هذا الاصل أن عادم الماء إذا تيمم قبل دخول وقت الصلاة، فإنه يجوز تيممه، لانه خلف مطلق، حال عدم الماء.\rوعند الشافعي: لا يجوز لانه خلف ضروري ولا ضرورة قبل الوقت، كما في طهارة المستحاضة.\rوعلى هذا إذا تيمم، يجوز له أن يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل، ما لم يجد الماء، أو يحدث.\rولا ينتقض تيممه بخروج الوقت، كطهارة المستحاضة.\rوعنده لا يجوز له أن يؤدي فرضا غير الذي تيمم لاجله، ولكن يجوز له أن يصلي بذلك التيمم النوافل لانها تبع للفرائض، كما قال في طهارة المستحاضة.\rوعلى هذا الاصل:","part":1,"page":46},{"id":50,"text":"قال الزهري: إنه لا يجوز التيمم في حق النوافل، لانه طهارة ضرورية ولا ضرورة في حق النوافل.\rولكن عامة العلماء قالوا: إن الحاجة إلى إحراز الثواب معتبرة، كما في طهارة المستحاضة تطهر في حق النوافل، بالاجماع، لما قلنا - كذا هذا.\rثم اختلف أصحابنا في كيفية البدلية، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: التراب خلف عن الماء عند عدمه، والبدلية بين التراب والماء.\rوقال محمد: التيمم خلف عن الوضوء عند عدمه، والبدلية بين التيمم والوضوء.\rوعلى هذا: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: بأن المتيمم إذا أم المتوضئين فإنه تجوز إمامته لهم، وتكون صلاتهم جائزة استحسانا، إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، فأما إذا كان معهم ماء فلا تجوز إمامته لهم، وتكون صلاتهم فاسدة.\rوقال محمد: لا تجوز إمامته، سواء كان مع المتوضئين ماء أو لم يكن.\rوقال زفر: تجوز إمامته لهم، سواء كان معهم ماء أو لم يكن.\rلان عند محمد لما كانت البدلية بين التيمم والوضوء، فالمقتدي إذا كان على وضوء لم يكن تيمم الامام، الذي هو بدل عن الوضوء طهارة في حقه، لقدرته على الاصل، ويكون وجوده وعدمه سواء، فيكون مقتديا بالمحدث، فلا يجوز، كالصحيح إذا اقتدى بصاحب جرح سائل، لم","part":1,"page":47},{"id":51,"text":"يجز اقتداؤه لان طهارته ضرورية، فلا يعتبر في حق الصحيح - كذا هذا.\rوعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لما كانت البدلية بين التراب والماء، فإذا لم يكن مع المقتدين ماء، فيكون التراب طهارة مطلقة في حال عدم الماء، وإذا كان معهم ماء، فقد فات الشرط في حق المقتدين فلا يبقى التراب طهورا في حقهم، فلم تبق طهارة الامام طهارة في حقهم، فلا يصح اقتداؤهم به.\rوعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن المتيمم إذا أم المتوضئين، ولم يكن معهم ماء، ثم رأى واحدا منهم الماء، بطلت صلاته لان طهارة الامام، جعلت عدما في حقه، لقدرته على الماء الذي هو أصل، لانه لا يبقى الخلف عند وجود الاصل.","part":1,"page":48},{"id":52,"text":"باب النجاسات الكلام في هذا الباب في ستة مواضع: في بيان أنواع الانجاس.\rوفي بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا شرعا.\rوفي بيان ما يقع به التطهير.\rوفي طريق التطهير.\rوفي شرائط التطهير.\rوفي حكم الغسالة.\rأما الاول وهو بيان أنواع النجاسات فمن ذلك أن كل ما يخرج من بدن الانسان مما يتعلق بخروجه وجوب الوضوء أو الغسل فهو نجس، نحو الغائط والبول والدم\rوالصديد، والقئ مل ء الفم، ودم الحيض، والنفاس والاستحاضة، والودي، والمذي، والمني.\rولا خلاف في هذه الجملة إلا في المني، فإن عند الشافعي هو طاهر.\rوالاصل في ذلك حديث عمار بن ياسر: أنه كان يغسل ثوبه من النخامة فمر عليه رسول الله آ فقال: ما تصنع يا عمار؟ فأخبره بذلك، فقال: وما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي","part":1,"page":49},{"id":53,"text":"في ركوتك إلا سواء وإنما يغسل الثوب من خمس: بول، وغائط، ودم وقئ، ومني.\rوأما القئ الذي يكون أقل من مل ء الفم، والدم الذي لم يسل عن رأس الجرح، هل يكون نجسا؟ فعلى قياس ما ذكرنا هؤهنا، لا يكون نجسا، لانه لا يتعلق به وجوب الوضوء.\rوهكذا روي عن أبي يوسف.\rلانه ليس بدم مسفوح.\rوقال محمد: هو نجس لانه جزء من الدم المسفوح.\rوأما الدم إذا لم يكن مسفوحا في الاصل كدم البق والبراغيث، فهو ليس بنجس عندنا.\rوعند الشافعي هو نجس، إلا أنه إذا أصاب الثوب يجعل عفوا لأجل الضرورة.\rثم ما ذكرنا أنه نجس من الآدمي فهو نجس من سائر الحيوانات، من الابوال والارواث، ونحوها، عند عامة العلماء، إلا أنه قد سقط اعتبار نجاسة بعضها لاجل الضرورة.\rوقال محمد: بول ما يؤكل لحمه طاهر.\rوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: نجس، لكن يباح شربه للتداوي عند أبي يوسف.\rوعند أبي حنيفة، رحمة الله عليه، لا يباح.\rوقال ابن أبي ليلى بأن السرقين طاهر.\rوقال مالك بأن البعر، والروث، وأخثاء البقر، كلها طاهرة.\rوقال زفر: روث ما يؤكل لحمه طاهر.","part":1,"page":50},{"id":54,"text":"والصحيح قول العامة، لان الآدمي أطهر الحيوانات ذاتا وغذاء، فإذا كانت هذه الاشياء نجسة منه، فمن غيره أولى.\rوأما خرء الطيور، فالطيور ثلاثة أنواع: ما لا يذرق من الهواء، نحو الدجاج والبط والاوز، وخرؤها نجس في رواية الحسن عن أبي حنيفة.\rوفي رواية أبي يوسف عنه أن خرء الدجاج والبط نجس، دون خرء الاوز.\rوما يذرق من الهواء نوعان: الصغار منها، مثل الحمام ونحوه: وخرؤها طاهر.\rوالكبار، كالصقر والبازي ونحوهما: وخرؤها طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: نجس.\rوهذا كله قول علماؤنا.\rوقال الشافعي: خرء الطيور كلها نجس.\rوالقياس قوله، لانه نجس حقيقة، إلا أنا استحسنا وأسقطنا نجاسة البعض لمكان الضرورة.\rومن أنواع الانجاس الميتات: وهي نوعان: منها ما ليس لها دم سائل: وهي ليست بنجسة عندنا، خلافا\rللشافعي على ما نذكره.\rوالثاني: ما لها دم سائل، فنقول: لا خلاف أن الاجزاء التي فيها دم سائل، مثل اللحم والشحم والجلد ونحوها، فهي نجسة، لاختلاط الدم النجس بها.\rوأما الاجزاء التي ليس فيها دم: ففي غير الآدمي، والخنزير من","part":1,"page":51},{"id":55,"text":"الحيوانات ينظر: إن كانت صلبة، مثل الشعر والصوف والريش والقرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والعصب والانفحة الصلبة، فليست بنجسة بلا خلاف بين أصحابنا.\rوأما الانفحة المائعة واللبن، فكذلك عند أبي حنيفة، وعندنا: نجس.\rوقال الشافعي: الكل نجس.\rوكذا الجواب فيما أبين من الحي من الاجزاء إن كان فيه دم، فهو نجس بالاجماع، وإن لم يكن، فعلى هذا الخلاف.\rفالشافعي أخذ بظاهر الآية، وهو قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) *.\rوأصحابنا قالوا: إن نجاسة الميتات باعتبار ما فيها من الدم السائل والرطوبات النجسة، ولم يوجد في هذه الاجزاء.\rوأما في الآدمي فعن أصحابنا روايتان: في رواية نجس، حتى لا يجوز بيعها ولا الصلاة معها، إذا كان أكثر من قدر الدرهم، وزنا أو عرضا على حسب ما يليق به.\rوفي رواية يكون طاهرا، وهي الاصح لانه لا دم فيها، إلا أنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بها احتراما للآدمي.\rوأما الخنزير: فيروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه نجس العين،","part":1,"page":52},{"id":56,"text":"فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه، إلا أنه رخص في شعره للخرازين لاجل الحاجة.\rوإذا وقع شعره في الماء: روي عن أبي يوسف أنه يوجب التنجيس.\rوعن محمد أنه لا يوجب ما لم يغلب على الماء كشعر غيره.\rوروي عن أصحابنا في غير رواية الاصول أن هذه الاجزاء منه طاهرة، لانه لا دم فيها.\rوأما الكلب، فمن قال من مشايخنا إنه نجس العين، فهو والخنزير سواء.\rومن قال إنه ليس بنجس العين فهو وسائر الحيوانات سواء، وهذا أصح.\rوأما حكم أسآر الحيوانات، وعرفها، وألبانها فنقول: الاسآر على أربعة أوجه: سؤر متفق على طهارته من غير كراهة، وسؤر مختلف في طهارته ونجاسته، وسؤر مكروه، وسؤر مشكوك فيه.\rأما السؤر الطاهر المتفق على طهارته: فهو سؤر الآدمي بكل حال، إلا في حال شرب الخمر فإنه نجس لنجاسة فمه.\rوكذا سؤر ما يؤكل لحمه من الانعام والطيور، إلا الابل الجلالة: والبقر الجلالة، والدجاجة المخلاة، فإن سؤرها مكروه لاحتمال نجاسة\rفمها، حتى إذا كانت محبوسة لا يكره.\rوأما سؤر الفرس، فعلى قول أبي يوسف ومحمد: طاهر لطهارة لحمه.\rوعند أبي حنيفة روايتان كما في طهارة لحمه: على رواية الحسن:","part":1,"page":53},{"id":57,"text":"نجس كلحمه، وعلى جواب ظاهر الرواية: طاهر كلحمه.\rوأما السؤر المختلف في طهارته ونجاسته: فهو سؤر الخنزير والكلب وسائر سباع الوحوش.\rوهو نجس عند عامة العلماء.\rوقال مالك: طاهر.\rوقال الشافعي: سؤر السباع كلها طاهر، سوى الكلب والخنزير.\rوأما السؤر المكروه: فهو سؤر سباع الطير، كالحدأة، والبازي والصقر، ونحوها استحسانا.\rوالقياس أنه نجس.\rوكذا سؤر سواكن البيوت، كالحية والفأرة والعقرب ونحوها.\rوكذا سؤر الهرة في رواية الجامع الصغير.\rوفي ظاهر الرواية قال: أحب إلي أن يتوضأ بغيره، ولم يذكر الكراهة.\rوعن أبي يوسف أنه لا يكره.\rوأما السؤر المشكوك فيه: فهو سؤر الحمار والبغل في جواب ظاهر الرواية.\rوروى الكرخي عن أصحابنا أن سؤرهما نجس.\rوقال الشافعي: طاهر.\rثم السؤر المتفق على طهارته والماء المطلق سواء.\rوالسؤر المكروه لا ينبغي أن يتوضأ به، إن وجد ماء مطلقا، وإن توضأ به جاز مع الكراهة، وإن لم يجد ماء مطلقا، يجوز من غير كراهة.","part":1,"page":54},{"id":58,"text":"والسؤر المشكوك فيه، لا يجوز التوضؤ به إن وجد ماء مطلقا، وإن توضأ به، جاز مع الكراهة.\rوإن لم يجد يتوضأ به ويتيمم، لان أحدهما مطهر بيقين.\rوأيهما قدم أو أخر، جاز عندنا.\rوعند زفر لا يجوز ما لم يقدم الوضوء على التيمم حتى يصير عادما للماء.\rومن الانجاس: الخمر والسكر على ما يعرف في كتاب الاشربة.\rوأما بيان المقدار الذي به يصير المحل نجسا شرعا فنقول: ينظر إما إن وقع في المائعات، من الماء والخل ونحوهما، أو أصاب الثوب والبدن والمكان.\rأما إذا وقع في الماء: فلا يخلو: إما إن كان جاريا أو راكدا.\rفإن كان جاريا، إن كانت النجاسة غير مرئية، فإنه لا ينجس ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، ويتوضأ منه كيف شاء من الموضع الذي وقع فيه النجس أو من الطرف الآخر، لان الماء طاهر في الاصل فلا يحكم بنجاسته بالشك.\rوإن كانت النجاسة مرئية، مثل الجيفة ونحوها، فإن كان النهر كبيرا، فإنه لا يتوضأ من أسفل الجانب الذي فيه الجيفة، ولن يتوضأ من الجانب الآخر، لانه متيقن بوصول النجاسة إلى الموضع الذي يتوضأ\rمنه.\rوإن كان النهر صغيرا بحيث لا يجري بالجيفة، بل يجري الماء عليها، إن كان يجري عليها جميع الماء، فإنه لا يجوز التوضؤ به من أسفل الجيفة، لانه تنجس جميع الماء، والنجس لا يطهر بالجريان.\rوإن كان يجري عليها بعض الماء، فإن كان يجري عليها أكثر الماء،","part":1,"page":55},{"id":59,"text":"فهو نجس، وإن كان يجري عليها أقل الماء، فهو طاهر لان العبرة للغالب.\rوإن كان يجري عليها النصف، يجوز التوضؤ به في الحكم، ولكن الاحوط أن لا يتوضأ به.\rواختلف المشايخ في حد الجريان: قال بعضهم: إن كان يجري بالتبن والورق فهو جار، وإلا فلا.\rوقيل: إن وضع رجل يده في الماء عرضا، لم ينقطع جريانه، فهو جار وإلا فلا.\rوروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: إن كان بحال لو اغترف رجل الماء بكفيه لم ينحسر وجه الارض ولم ينقطع الجريان، فهو جار، وإلا فلا.\rوأصح ما قيل فيه: إن الماء الجاري ما يعده الناس جاريا.\rوأما إذا كان الماء راكدا، فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحاب الظواهر بأن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه كيفما كان، لقوله عليه السلام: الماء طهور لا ينجسه شئ.\rوقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلا ينجس، وإن كان كثيرا\rلا ينجس.\rواختلفوا في الحد الفاصل بينهما: فقال مالك: إن كان بحال يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو قليل وإن كان لا يتغير فهو كثير.\rوقال الشافعي: إذا بلغ الماء القلتين، فهو كثير، لا يحتمل خبثا،","part":1,"page":56},{"id":60,"text":"لورود الحديث فيه هكذا.\rوالقلتان عنده خمس قرب، كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين منا.\rوقال علماؤنا: إن كان الماء بحال يخلص بعضه إلى بعض، فهو قليل، وإن كان لا يخلص بعضه إلى بعض فهو كثير.\rواختلفوا في تفسير الخلوص: اتفقت الروايات عن أصحابنا المتقدمين أنه يعتبر بالتحريك، فإن تحرك طرف منه بتحريك الجانب الآخر، فهذا مما يخلص وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص.\rولكن في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: يعتبر التحريك بالاغتسال.\rوفي رواية محمد: يعتبر التحريك بالوضوء.\rوالمشايخ المتأخرون اعتبر بعضهم الخلوص بالصبغ، وبعضهم بالتكدير، وبعضهم بالمساحة، إن كان عشرا في عشر، فهو مما لا يخلص، وإن كان دونه فهو مما يخلص، وبه أخذ مشايخ بلخ.\rوذكر الشيخ أبو الحسن الكرخي في الكتاب وقال: لا عبرة للتقدير في الباب، ولكن يتحرى في ذلك إن كان أكبر رأيه أن النجاسة وصلت إلى\rهذا الموضع الذي يتوضأ منه، لا يجوز، وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل: يجوز التوضئة به، لان غالب الرأي دليل عند عدم اليقين.\rهذا إذا كان له طول وعرض.\rفأما إذا كان له طول بلا عرض كالانهار التي فيها مياه راكدة، فإنه لا ينجس بوقع النجاسة فيه.","part":1,"page":57},{"id":61,"text":"وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه لا يتوضأ به.\rولو توضأ به إنسان أو وقعت فيه النجاسة: إن كان في أحد الطرفين تنجس منه مقدار عشرة أذرع، وإن كان في وسطه تنجس من كل جانب عشرة أذرع.\rوأما العمق هل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني أن أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق.\rوعن أبي جعفر الهنداوي: إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه ينحسر أسفله فهذا ليس بعميق، وإن كان لا ينحسر، فهو عميق.\rوقيل: مقدار شبر.\rوقيل: مقدار ذراع.\rثم إذا كانت النجاسة غير مرئية، بأن بال فيه إنسان أو اغتسل فيه جنب: اختلف المشايخ فيه.\rقال مشايخ العراق بأن حكم المرئية وغير المرئية سواء في أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، وإنما يتوضأ من الجانب الآخر، بخلاف الماء الجاري.\rومشايخنا فصلوا بين الامرين، كما قالوا جميعا في الماء الجاري\rوهو الاصح.\rثم النجاسة إذا وقعت في الماء القليل، فلا يخلو إما إن كان في الاواني أو في البئر أو في الحوض الصغير.\rأما في الاواني فتوجب التنجيس كيفما كانت، مستجسدة أو مائعة، لانه ليس في الاواني ضرورة غالبة، إلا في البعرة، إذا وقعت في اللبن عند الحلب، إذا رميت من ساعتها، عند مشايخنا المتقدمين لاجل","part":1,"page":58},{"id":62,"text":"الضرورة، وهو الصحيح.\rفأما إذا كان في البئر: فالواقع لا يخلو إما أن يكون حيوانا أو غيره من النجاسات.\rفإن كان حيوانا، فلا يخلو إما إن أخرج حيا أو ميتا.\rفإن أخرج حيا: إن كان نجس العين، كالخنزير، يجب نزح جميع الماء.\rوفي الكلب اختلف المشايخ فيه: هل هو نجس العين أم لا؟ والصحيح أنه ليس بنجس العين.\rوأما إذا لم يكن نجس العين: فإن كان آدميا فإنه لا يوجب التنجيس إلا إذا كان عليه نجاسة بيقين، حقيقة أو حكمية، أو نوى الغسل أو الوضوء - في جواب ظاهر الرواية، وهو الصحيح.\rوأما سائر الحيوانات: فإن كان لا يؤكل لحمه كسباع الوحش والطيور، اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه يوجب التنجيس.\rوكذلك الحمار والبغل.\rوالصحيح أنه يصير الماء مشكوكا فيه.\rوإن كان حيوانا يؤكل لحمه لا يوجب التنجيس لانه طاهر وهذا كله إذا لم يتيقن أن يكون على بدنه نجاسة، أو على مخرجه، أو\rلم يصل إلى الماء شئ من لعابه.\rفأما إذا تيقن يصير الماء نجسا في النجاسة، وفي اللعاب يصير حكم الماء حكم اللعاب.\rفأما إذا خرج ميتا: فإن كان منتفخا أو متفسخا، ينزح ماء البئر كله، لانه تيقن بوصول شئ من النجاسة إليه.\rوإن لم يكن منتفخا ولا متفسخا، ذكر في ظاهر الرواية وجعله على ثلاث مراتب:","part":1,"page":59},{"id":63,"text":"في الفأرة ونحوها: ينزح عشرون دلوا أو ثلاثون.\rوفي الدجاجة ونحوها: ينزح أربعون أو خمسون.\rوفي الآدمى ونحوه: ينزح ماء البئر كله.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه جعله على خمس مراتب: في الحلمة ونحوها: ينزح عشر دلاء.\rوفي الفأرة ونحوها: عشرون.\rوفي الحمام ونحوه: ثلاثون.\rوفي الدجاجة ونحوها: أربعون.\rوفي الادمي ونحوه: ينزح ماء البئر كله.\rوإنما ثبتت هذه المراتب بإجماع الصحابة توقيفا، لانها لا تعرف بالاجتهاد.\rوهذا إذا كان الواقع واحدا، فإن كان أكثر، روي عن أبي يوسف أنه قال: في الفأرة ونحوها: عشرون إلى الاربع، فإذا بلغ خمسا، ينزح أربعون، إلى التسع، فإذا بلغ عشرا ينزح ماء البئر كله.\rوعن محمد أنه قال في الفأرتين: ينزح عشرون.\rوفي الثلاث: أربعون، وإذا كانت الفأرتان كهيئة الدجاج: ينزح أربعون.\rوأما إذا كان الواقع غير الحيوان من الانجاس، فلا يخلو: إما إن كان مستجمدا أو غير مستجمد.\rفإن كان غير مستجمد كالبول والدم: ينزح ماء البئر كله.\rوإن كان مستجمدا، ينظر: إن كان رخوا متخلخل الاجزاء، كالعذرة وخرء الدجاج ونحوهما: ينزح ماء البئر كله، رطبا كان أو يابسا، قل أو كثر.\rوإن كان صلبا، نحو بعر الابل والغنم، ذكر في ظاهر الرواية وقال: القياس أن ينجس، قل أو كثر.\rوفي الاستحسان: ينجس في","part":1,"page":60},{"id":64,"text":"الكثير دون القليل، ولم يفصل بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر.\rواختلف المشايخ في الرطب: ذكر في النوادر أنه ينجس، كذا ذكر الحاكم الجليل الشهيد في الاشارات.\rوعن الشيخ الامام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أن الرطب واليابس سواء، لوجود الضرورة في الجملة.\rوكذا اختلفوا في اليابس المنكسر، والصحيح أنه لا ينجس، لان الضرورة في المنكسر أشد.\rوأما في روث الحمار والبغل والفرس وأخثاء البقر، فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال في الروث اليابس: إذا وقع في البئر ثم أخرج من ساعته، لا يوجب التنجيس.\rواختلف المشايخ قال بعضهم: إن كان رطبا أو يابسا منكسرا\rيوجب التنجيس، وإلا فلا.\rوقيل: إن كان في موضع يتحقق الضرورة فيها، كما في البعر، فالجواب سواء، وإلا فلا.\rواختلفوا أيضا في البئر إذا كانت في المصر.\rوالصحيح أنه لا فرق بين الحالين، لان الضرورة قد تقع في المصر في الجملة أيضا.\rثم لم يذكر في ظاهر الرواية الحد الفاصل بين القليل والكثير.\rوروي عن أبي حنيفة أنه قال: ما استكثره الناس فهو كثير، وما استقلوه فهو قليل.\rوعن محمد أنه اعتبر الربع بأن يأخذ ربع وجه الماء.","part":1,"page":61},{"id":65,"text":"وقيل: إن كان لا يخلو كل دلو عن بعرة أو بعرتين، فهو كثير، وإلا فلا.\rوقال بعضهم: إن أخذ أكثر وجه الماء، فهو كثير.\rوقيل: ما لم يأخذ جميع وجه الماء، لا يكون كثيرا.\rوقال بعضهم: الثلاث كثير.\rوهو فاسد، فإنه ذكر في ظاهر الرواية وقال: في البعرة والبعرتين من بعر الابل والغنم، إذا وقعت في البئر، لا يفسد الماء، ما لم يكن كثيرا فاحشا، والثلاث ليس بكثير فاحش.\rثم الحيوان إذا مات في المائع القليل، فلا يخلو إما إن كان له دم سائل، أو لم يكن، ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا، ولا يخلو إما إن مات في الماء أو في غير الماء.\rأما إذا لم يكن له دم سائل، فإنه لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما\rيموت فيه من المائع كيفما كان عندنا، خلافا للشافعي، إلا فيما فيه ضرورة، على ما ذكرنا.\rفأما إذا كان له دم سائل: فإن كان بريا ينجس بالموت.\rوينجس المائع الذي يموت فيه، لان الدم السائل نجس فينجس ما يخالطه.\rوأما إذا كان مائيا: فإن مات في الماء.\rلا يوجب التنجيس كالضفدع المائي والسمك والسرطا ونحو ذلك، عندنا.\rوعند الشافعي يوجب التنجيس إلا في السمك خاصة في حق الاكل.\rفأما إذا سال منه الدم أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم يوجب التنجيس.\rوالصحيح قولنا: لان المائي لا دم له حقيقة، وإن كان يشبه صورة","part":1,"page":62},{"id":66,"text":"الدم، لان الدموي لا يعيش في الماء.\rوأما إذا مات في غير الماء، ذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء، لا يفسد غير الماء.\rوكذا روى هشام عنهم.\rواختلف المشايخ المتأخرون، فمن مشايخ بلخ أنه يوجب التنجيس، لانه مات في غير معدنه ومظانه، بخلاف المائي.\rوعن أبي عبد الله الثلجي، ومحمد بن مقاتل الرازي أنه لا يوجب.\rوهو الاصح، لانه ليس له دم حقيقة، لكن يحرم أكله لفساد الغذاء وخبثه.\rويستوي الجواب بين المنفسخ وغيره، إلا أنه يكره شرب المائع لانه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله.\rثم الحد الفاصل بين المائي والبري، أن المائي هو الذي لا يعيش إلا في الماء، والبري هو الذي لا يعيش إلا في البر.\rفأما الذي يعيش فيهما جميعا كالبط والاوز ونحو ذلك، فقد أجمعوا على أنه إذا مات في غير الماء، يوجب التنجيس، وإن مات في الماء فقد روى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يفسد الماء.\rهذا الذي ذكرنا حكم وقوع النجس في المائع.\rفأما إذا أصاب البدن أو الثوب أو المكان: فحكم المكان نذكره في موضعه.","part":1,"page":63},{"id":67,"text":"وأما حكم الثوب والبدن، فلا يخلو أما إن كانت النجاسة غليظة أو خفيفة، قليلة أو كثيرة.\rأما النجاسة القليلة فلا تمنع جواز الصلاة غليظة أو خفيفة استحسانا، والقياس أن تمنع جواز الصلاة، وهو قول زفر والشافعي، إلا إذا كانت لا تأخذها العين، أو ما لا يمكن الاحتراز عنه، كدم البق والبراغيث، والقياس متروك لان الضرورة في القليل عامة.\rوأما النجاسة الكثيرة فتمنع جواز الصلاة، لعدم الضرورة.\rوالحد الفاصل بين القليل والكثير في النجاسة الغليظة، هو أن يكون أكثر من قدر الدرهم الكبير، فيكون الدرهم وما دونه قليلا.\rولم يذكر في ظاهر الرواية صريحا أن المراد من الدرهم الكبير، من حيث العرض والمساحة، أو من حيث الوزن، وذكر في النوادر: الدرهم الكبير ما يكون عرض الكف.\rوذكر الكرخي مقدار مساحة الدرهم الكبير.\rوفي كتاب الصلاة: الدرهم الكبير المثقال، فهذا إشارة إلى أن العبرة للوزن.\rوقال أبو جعفر الهنداوي: لما اختلفت عبارات محمد رحمة الله عليه في هذا، فنوفق فنقول: أراد بذكر العرض تقدير المائع كالبول ونحوه، وبذكر الوزن تقدير المستجسد كالعذرة ونحوها، فإن كانت أكثر من مثقال ذهب وزنا تمنع جواز الصلاة وإلا فلا وهو المختار عند مشايخنا، وهو الاصح.\rوأما حد الكثير في النجاسة الخفيفة فهو الكثير الفاحش.\rولم يذكر حده في ظاهر الرواية.\rواختلفت الروايات فيه عن أبي حنيفة: روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة رضي الله عنه عن","part":1,"page":64},{"id":68,"text":"الكثير الفاحش، فكره أن يجد فيه حدا، وقال: الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويستكثرونه.\rوروى الحسن عنه أنه قال: شبر في شبر.\rوذكر الحاكم في مختصره عن أبي حنيفة ومحمد: الربع وهو الاصح، لان للربع حكم الكل في أحكام الشرع.\rواختلف المشايخ في تفسير الربع، قيل: ربع جميع الثوب والبدن.\rوقيل: ربع كل عضو وطرف أصابته النجاسة من اليد، والرجل والكم - وهو الاصح.\rثم اختلف أصحابنا في تفسير النجاسة الغليظة والخفيفة: قال أبو حنيفة: الغليظة كل ما ورد في النص على نجاسته، ولم يرد\rنص آخر على طهارته معارضا له، وإن اختلف العلماء فيه.\rوالخفيفة ما تعارض النصان في طهارته ونجاسته.\rوقال أبو يوسف ومحمد: الغليظة ما وقع الاجماع على نجاستها والخفيفة ما اختلف العلماء فيها.\rفعلى قول أبي حنيفة الارواث كلها نجسة نجاسة غليظة، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام طلب منه ليلة الجن أحجار الاستنجاء، فأتى بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال: إنها ركس، أي نجس، وليس له نص معارض.\rوعلى قولهما: نجاستها خفيفة، لاختلاف العلماء فيها.\rوبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة، بالاجماع على اختلاف الاصلين.","part":1,"page":65},{"id":69,"text":"وبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق: أما عنده فلتعارض النصين وهو حديث العرنيين مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا.\rوعندهما لاختلاف العلماء فيه.\rوأما العذرات وخرء الدجاج والبط فغليظة بالاجماع، لما ذكرنا من الاصلين.\rوالله أعلم.\rوأما الذي يقع به التطهير، فأنواع: من ذلك - الماء المطلق فنقول: لا خلاف أن الماء المطلق يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا، قال الله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) *.\rوأما الماء المقيد، وما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فإنه لا يحصل\rبه الطهارة الحكمية بالاتفاق.\rأما الطهارة الحقيقية: وهي إزالة النجاسة، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يحصل بها.\rوقال محمد وزفر والشافعي: لا يحصل، وهي مسألة معروفة.\rوهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر.\rفأما إذا كان لا ينعصر بالعصر، مثل العسل والسمن والدهن، فإنه لا يزيل.\rثم الفرق بين الماء المطلق والمقيد، أن الماء المطلق ما تسارع أفهام الناس إليه عند إطلاق اسم الماء، كماء العيون والآبار والغدران وماء البحر والماء الذي ينزل من السماء، ويستوي فيه العذب والاجاج.","part":1,"page":66},{"id":70,"text":"وأما المقيد، فهو الماء الذي يستخرج من الاشياء الطاهرة الرطبة، بالعلاج، كماء الاشجار والثمار ونحوهما.\rوأما الماء المطلق إذا اختلط به شئ من المائعات الطاهرة على وجه يزول به اسم الماء ومعناه بالطبخ وغيره: فإن صار مغلوبا به، فهو ملحق بالماء المقيد غير أنه يعتبر الغلبة أولا من حيث اللون أو الطعم، ثم من حيث الاجر الاجزاء فينظر إن كان شيئا يخالف لونه لون الماء، مثل اللبن والخل والعصير وماء الزعفران والعصفر والزردج وماء النشا ونحوها، فإن العبرة فيه للون، فإن كانت الغلبة للون الماء، يجوز التوضي به.\rوإن كان مغلوبا، لا يجوز.\rوإن كان يوافق لونه لون الماء، نحو ماء البطيخ وماء الاشجار، فإن العبرة فيه للطعم، فإن كان شيئا له طعم يظهر في الماء، فإن كان الغالب\rطعم ذلك الشئ، لا يجوز التوضي به، وذلك نحو نقيع الزبيب وسائر الانبذة، وكذلك ماء الباقلي والمرقة وماء الورد ونحوها.\rوإن كان شيئا لا يظهر طعمه في الماء - فإن العبرة فيه لكثرة الاجزاء إن كانت أجزاء الماء أكثر يجوز التوضي به، وإلا فلا.\rوهذا إذا كان شيئا لا يقصد به زيادة التطهير.\rفأما إذا كان شيئا يطبخ الماء به، أو يخلط لزيادة التطهير، فإنه لا يمنع التوضي به، وإن تغير لون الماء وطعمه، وذلك نحو ماء الصابون وماء الاشنان إلا إذا صار غليظا لا يمكن تسييله على العضو، فإنه لا يجوز، لانه زال عنه اسم الماء ومعناه.\rوهذا كله في غير حالة الضرورة.\rفأما عند الضرورة فيجوز التوضي به.\rوإن تغير بامتزاج غيره من حيث الطعم واللون، بأن وقعت الاوراق","part":1,"page":67},{"id":71,"text":"والثمار في الحياض حتى تغير، فإنه يجوز التوضي به، لانه يتعذر صيانة الحياض عنها.\rوكذلك إذا اختلط به الطين الطاهر أو التراب الطاهر، وتغير الماء إلى الكدرة يجوز التوضي به، لان الماء في الاغلب، يجري على التراب إلا إذا صار غليظا.\rوكذلك الجص والنورة والنفط والكبريت، لانها من أجزاء الارض، والماء ينبع منها.\rفأما إذا تغير بمضي الزمان، لا بالاختلاط بشئ آخر، من حيث اللون والطعم، فإنه يجوز التوضي به، لانه لم يزل معنى الماء واسمه.\rوكذلك إذا طبخ الماء وحده، لان اسم الماء باق، وازداد به معنى\rالتطهير.\rوعلى هذا الاصل يخرج قول أبي يوسف في نبيذ التمر: أنه لا يجوز التوضي به، لتغير الماء من حيث الطعم كما في سائر الانبذة.\rوعلى قول محمد: يجمع بينهما.\rوأصله حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله (ص) ليلة الجن، فقال لي: هل معك ماء يا ابن مسعود؟ فقلت: لا إلا نبيذ تمر في إداواة، فقال عليه السلام: ثمرة طيبة، وماء طهور فأخذه وتوضأ به.\rفصح هذا الحديث عند أبي حنيفة ولم يثبت نسخه، فأخذ به وترك القياس، ولم يثبت الحديث عند أبي يوسف أو ثبت نسخه، فأخذ بالقياس، واشتبه الامر عند محمد، فجمع بينهما، احتياطا.\rثم عند محمد أيهما قدم أو أخر جاز، خلافا لزفر، كما في السؤر المشكوك فيه.","part":1,"page":68},{"id":72,"text":"ثم لم يذكر محمد تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف في ظاهر الروايات، وإنما ذكر الخلاف في النوادر، فقال: على قول أبي حنيفة إنما يجوز التوضي بنبيذ التمر إذا كان رقيقا يسيل مثل ماء الزبيب، فأما إذا كان غليظا مثل الرب، فلا يجوز.\rثم النئ منه إذا كان حلوا رقيقا لا يشكل أنه يجوز الوضوء به.\rوإن كان مرا لا يشكل أنه لا يجوز لانه مسكر.\rوأما إذا كان مطبوخا أدنى طبخه وكان رقيقا، ذكر في الكتاب عن الكرخي أنه قال: يجوز التوضي به، حلوا كان أو مسكرا.\rوعن أبي طاهر الدباس أنه قال: لا يجوز التوضي بالمطبوخ منه حلوا كان أو مسكرا، وهذ القول أصح.\rوأما سائر الانبذة: فلا يجوز التوضي بها عند عامة العلماء.\rوقال الاوزاعي وغيره: يجوز، استدلالا بنبيذ التمر.\rوالصحيح قول العامة، لان القياس أن لا يجوز التوضي به، لانه ليس بماء مطلق، ولهذا لا يجوز التوضي به إذا قدر على الماء المطلق، وإنما جوز أبو حنيفة التوضي به بالحديث، وأنه ورد في نبيذ التمر، فبقي الباقي على أصل القياس.\rومنها: الفرك والحث بعد الجفاف في بعض الانجاس في بعض المحال، فنقول:","part":1,"page":69},{"id":73,"text":"لا خلاف أن المني إذا أصاب الثوب وجف، فإنه يطهر بالفرك، استحسانا، وفي القياس لا يطهر.\rفأما إذا كان رطبا، فلا يطهر إلا بالغسل.\rوأصله حديث رسول الله (ص): أنه قال لعائشة رضي الله عنها: إذا رأيت المني في ثوبك إن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فافركيه.\rوأما إذا كان على البدن وجف.\rهل يطهر بالفرك؟ روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر.\rوذكر الكرخي وقال بأنه يطهر، لان النص الوارد في الثوب، يكون واردا في البدن: بطريق الاولى، لانه أقل تشربا من الثوب.\rوأما سائر النجاسات إذا أصابت الثوب والبدن ونحوهما فلا تزول\rإلا بالغسل، بلا خلاف، كيفما كانت يابسة أو رطبة لها جرم أو سائلة.\rفأما إذا أصابت الخف والنعل ونحوهما: فإن كانت رطبة لا تزول إلا بالغسل.\rوإن كانت يابسة، فإن كانت لها جرم كثيف، مثل السرقين والعذرة، والدم الغليظ والغائط، والمني، يطهر بالحت، وإن لم يكن لها جرم كثيف، نحو البول والخمر والماء النجس، لم يطهر إلا بالغسل وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: لا يطهر بالفرك، وهو أحد قولي الشافعي، إلا في المني: فإنه روي عن محمد أنه قال في المني، إذا يبس: يطهر بالفرك هؤهنا كما في الثوب بطريق الاولى.\rوأما إذا أصابت النجاسة شيئا صلبا صقيلا، كالسيف والمرآة ونحوهما، فما دامت رطبة، لا يطهر إلا بالغسل، فإن جفت، أو جففت","part":1,"page":70},{"id":74,"text":"بالمسح، بالتراب، يطهر بالحت، لانه لم يدخل في أجزائه شئ من الرطوبة، وظاهره يطهر بالمسح.\rوأما الارض إذا أصابتها النجاسة فجفت وذهب أثرها، جازت الصلاة عليها، عندنا - خلافا لزفر والشافعي.\rوالصحيح قولنا لان معظم النجاسة قد زال، فيجعل اليسير عفوا في حق جواز الصلاة.\rوأما التيمم على هذا التراب في ظاهر الرواية: لا يجوز، لان النجاسة اليسيرة جعلت عفوا في حق جواز الصلاة، لا في حق الطهارة به، كما في الماء.\rوفي رواية: يجوز التيمم عليها.\rومنها: الدباغ، والذكاة: أما الدباغ، فتطهير في الجلود كلها، إلا في جلد الانسان والخنزير، عند عامة العلماء.\rوقال مالك: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ لكنه يجوز استعماله في الجامد، دون المائع، بأن يجعل جرابا للحبوب، دون السمن والدبس والماء.\rوقال عامة أصحاب الحديث: لا يطهر إلا جلد ما يؤكل لحمه.\rوقال الشافعي مثل قولنا، إلا في جلد الكلب لانه نجس العين، عنده كالخنزير.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر، كالخمر تخلل فتحل ولما ذكر أن نجاسة الميتة لها","part":1,"page":71},{"id":75,"text":"فيها من الرطوبات، والدم السائل، وأنها تزول بالدباغ، فيجب أن تطهر، كالثوب النجس إذا غسل.\rثم قوله: إلا جلد الخنزير والانسان جواب ظاهر قول أصحابنا.\rوروي عن أبي يوسف أن الجلود كلها تطهر بالدباغ.\rومشايخنا قالوا: أما الخنزير فهو نجس العين، لا باعتبار ما فيه من الرطوبات والدم، فكان وجود الدباغ في حقه كالعدم، وأما جلد الآدمي إذا دبغ فاندبغ، فإنه يجب أن يطهر على الحقيقة، لانه ليس بنجس العين، ولكن لا يجوز الانتفاع به لحرمته.\rأما الذكاة: فنقول: الحيوان إذا ذبح: إن كان مأكول اللحم، يطهر بجميع أجزائه إلا الدم.\rوإن كان غير مأكول اللحم فما يطهر من الميتة، نحو الشعر وأمثاله، يطهر منه، وما لا يطهر من الميتة، نحو اللحم والشحم والجلد، وهل يطهر بالذكاة أم لا؟: على قول الشافعي: لا يطهر.\rوأما عندنا فقد ذكر الكرخيو قال: كل حيوان يطهر جلده بالدباغ، يطهر جلده بالذكاة فهذا يدل على أن جميع أجزائه تطهر.\rوقال بعض مشايخنا وبعض مشايخ بلخ: إن كل حيوان يطهر جلده بالدباغ، يطهر جلده بالذكاة، فأما اللحم والشحم ونحوهما فلا يطهر بالذكاة.\rوالصحيح هو الاول، لان الذكاة أقيمت مقام زوال الدم المسفوح كله، ونجاسة الحيوان لاجل الدم والرطوبات التي لا تخلو أجزاؤه عنها.\rومنها - تطهير البئر، وذلك باستخراج الواقع فيه، ونزح ما وجب","part":1,"page":72},{"id":76,"text":"من عدد الدلاء، أو نزح جميع الماء.\rعرفنا ذلك بإجماع الصحابة.\rثم إذا وجب نزح جميع الماء من البئر، ينبغي أن يسد منابع الماء وينزح ما فيها من الماء النجس.\rوإن كان لا يمكن سد منابعه لغلبة الماء، فإنه ينزح جميع الماء بطريق الحزر والاجتهاد.\rولم يذكر في ظاهر الرواية كم ينزح عند غلبة الماء.\rوروي عن أبي حنيفة في غير رواية الاصول أنه ينزح مائة دلو، وفي رواية مائتا دلو.\rوعن محمد أنه ينزح مائتا دلو أو ثلاثمائة دلو.\rوقد تكلم المشايخ فيه.\rوالاوفق ما روي عن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه قال: يؤتى برجلين لهما\rبصارة بالماء، ثم ينزح مقدار ما حكما به، لان ما يعرف بالاجتهاد يجب أن يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك الباب.\rواختلف المشايخ في الدلو الذي ينزح به الماء النجس من البئر: قال بعضهم: يعتبر في كل بئر دلوها، صغيرا كان أو كبيرا.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع.\rوقيل: المعتبر هو الدلو المتوسط بين الصغير والكبير.\rوأما حكم طهارة الدلو والرشاء: فقد روي عن أبي يوسف أنه سئل عن الدلو الذي ينزح به الماء النجس من البئر أيغسل؟ قال: لا، بل يطهره ما يطهر البئر.\rوعن الحسن بن زياد أنه قال: إذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشاء، كما يطهر طين البئر، والله أعلم.\rومنها: تطهير الحوض الصغير إذا تنجس: واختلف المشايخ فيه:","part":1,"page":73},{"id":77,"text":"قال أبو بكر الاعمش: إذا دخل الماء فيه وخرج منه مقدار ما كان فيه ثلاث مرات، فإنه يطهر، ويصير ذلك بمنزلة الغسل له ثلاثا.\rوقال أبو جعفر الهنداوي رحمه الله: إذا دخل فيه الماء الطاهر، وخرج بعضه يحكم بطهارته، لانه صار ماء جاريا فلم يستيقن ببقاء النجس فيه - وبه أخذ الفقيه أبو الليث.\rوقيل: إذا خرج منه مقدار الماء النجس، يطهر، كالبئر إذا تنجست: تطهر بنزح ما فيها من الماء.\rوعلى هذا أيضا الجواب في حوض الحمام أو الاواني إذا تنجست.\rوأما بيان طريق التطهير بالغسل - فنقول: لا خلاف أنه يطهر النجس بالغسل في الماء الجاري.\rوكذلك بالغسل بصب الماء عليه.\rفأما الغسل، في الاواني، هل يطهره أم لا؟ على قول أبي حنيفة ومحمد: يطهر.\rوعلى قول أبي يوسف في البدن لا يطهره رواية واحدة، وفي الثوب عنه روايتان، والمسألة مع الفروع مذكورة في الجامع الكبير.\rوأما شرائط التطهير بالماء: فمنها - العدد في نجاسة غير مرئية: وبيان ذلك أنه لا خلاف أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث الاكبر والاصغر، يزول بالغسل مرة، ولا يشترط فيه العدد.\rوأما النجاسة الحقيقية فينظر: إن كانت غير مرئية، مثل البول ونحوه، ذكر في ظاهر الرواية أنها لا","part":1,"page":74},{"id":78,"text":"تزول إلا بالغسل ثلاثا.\rوقال الشافعي: تطهر بالغسل مرة كما في الحدث، إلا في ولوغ الكلب فإنه لا يطهر إلا بالغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.\rوالصحيح قولنا، لما روينا عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمسن يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده أمره بالغسل ثلاثا عند توهم النجاسة، فلان يجب عند التحقق أولى.\rثم التقدير عندنا بالثلاث ليس بلازم، بل هو مفوض إلى اجتهاده،\rفإن كان غالب ظنه أنها تزول بما دون الثلاث، يحكم بطهارته.\rوإن كانت النجاسة مرئية فطهارتها بزوال عينها فإن بقي بعد زوال العين أثر لا يزول بالغسل، فلا بأس به، لما روي في الحديث عن النبي عليه السلام أنه قال لتلك المرأة: حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك أثره.\rومن شرائط التطهير أيضا: العصر فيما يحتمل أو ما يقوم مقامه فيما لا يحتمله، من المحل الذي يتسرب فيه النجس: وبيان ذلك أن المحل الذي تنجس إما إن كان شيئا لا يتشرب فيه أجزاء النجس، مثل الاواني المتخذة من الحجر والخزف والنعل ونحو ذلك، أو كان شيئا يتشرب فيه شئ كثير كالثياب واللبود والبسط.\rفإن كان مما لا يتشرب، فإنه يطهر بما ذكرنا، من زوال العين أو العدد، وبإكفاء الماء النجس من الاناء في كل مرة.\rوإن كان شيئا يتشرب فيه شئ قليل، فكذلك، لان الماء يستخرج ذلك القليل، فيحكم بطهارته.","part":1,"page":75},{"id":79,"text":"وإن كان شيئا يتشرب فيه شئ كثير ينظر: إن كان مما يمكن عصره، كالثوب ونحوه، فإن طهارته بالغسل ثلاثا والعصر في كل مرة، لان المتشرب فيه كثير، فلا يخرج إلا بالعصر، فلا يتم الغسل بدونه.\rوإن كان مما لا يمكن عصره، كالحصير المتخذ من البردى ونحوه فإن علم أنه لم يتشرب فيه، بل أصاب ظاهره: فإنه يطهر بالغسل ثلاث مرات، من غير عصر.\rفأما إذا علم أنه تشرب فيه: فقالابو يوسف: ينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويقوم التجفيف ثلاثا مقام العصر ثلاثا، ويحكم بطهارته.\rوقال محمد: لا يطهر أبدا.\rوعلى هذا الاصل مسائل على الخلاف الذي ذكرنا، مثل الخزف والحديد إذا تشرب فيه النجس الكثير، والسكين إذا موه بالماء النجس، والجلد إذا دبغ بالدهن النجس، واللحم إذا طبخ بالماء النجس، ونحوها.\rوأما الارض إذا أصابتها نجاسة رطبة: فإن كانت الارض رخوة، فإنه يصب عليها الماء حتى يتسفل فيها.\rفإذا تسفل ولم يبق على وجهها شئ من الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على ما يقع في غالب ظنه أنها طهرت.\rوالتسفل في الارض بمنزلة العصر فيما يحتمله.\rوعلى قياس ظاهر الرواية: ينبغي أن يصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة.\rوإن كانت الارض صلبة، فإن كانت صعودا، فإنه يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها، ويزال عنها إلى الحفيرة، ويكنس الحفيرة.","part":1,"page":76},{"id":80,"text":"وإن كانت الارض مستوية، لم يزل الماء عنها، فإنها لا تغسل لانه لا فائدة في غسلها.\rوقال الشافعي: إذا كوثرت بالماء طهرت.\rوهو فاسد لان الماء النجس باق حقيقة، ولكن ينبغي أن تحفر فيجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها فيصير التراب الطاهر وجه الارض، كذا\rروي أن أعرابيا بال في المسجد، فأمر النبي عليه السلام بأن يحفر موضع بوله.\rوأما حكم الغسالة - فنقول: الغسالة نوعان: أحدهما: غسالة النجاسة الحكمية، وهي الماء المستعمل.\rوالثاني: غسالة النجاسة الحقيقية.\rأما الاول - فنقول: الكلام في الماء المستعمل يقع من ثلاثة أوجه: أحدها: في صفته أنه طاهر أم نجس.\rوالثاني: أنه في أي حال يصير مستعملا.\rوالثالث: بأي سبب يصير مستعملا.\rأما الاول فنقول: ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضي به، ولم يذكر أنه طاهر أم نجس.\rوروى محمد عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور وبه أخذ محمد وهو أحد قولي الشافعي.","part":1,"page":77},{"id":81,"text":"وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس، إلا أن الحسن روى أنه نجس نجاسة غليظة، وبه أخذ وروى أبو يوسف أنه نجس نجاسة خفيفة وبه أخذ.\rوقال زفر: إن كان المستعمل غير محدث، فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثا، فالماء المستعمل طاهر غير طهور: وهو أحد قولي الشافعي.\rوقال مالك: إنه طاهر وطهور بكل حال.\rثم مشايخ بلخ حققوا هذا الاختلاف على الوجه الذي ذكرنا.\rومشايخ العراق قالوا: إنه طاهر غير طهور، بلا خلاف بين أصحابنا.\rواختيار المحققين من مشايخنا هو هذا، فإنه هو الاشهر عن أبي حنيفة - وهو الاقيس، فإنه ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا، فحدوث النجاسة من أين؟ كما في غسل الثوب الطاهر بالماء الطاهر.\rثم على هذا المذهب المختار إذا وقع الماء المستعمل في الماء القليل.\rقال بعضهم: لا يجوز التوضي به، وإن قل.\rوقال بعضهم: يجوز ما لم يغلب على الماء المطلق، وهذا هو الصحيح.\rوأما بيان حال الاستعمال، وتفسير الماء المستعمل فنقول: قال بعض مشايخنا: الماء المستعمل ما زايل البدن، واستقر في مكان.\rوذكر في الفتاوى أن الماء إذا زال عن البدن فلا ينجس، ما لم يستقر","part":1,"page":78},{"id":82,"text":"على الارض أو في الاناء.\rولكن هذا ليس مذهب أصحابنا، إنما هو مذهب سفيان الثوري.\rأما عندنا فما دام الماء على العضو الذي يستعمله فيه، لا يكون مستعملا، وإذا زايله، يكون مستعملا.\rفإن لم يستقر على الارض أو في الاناء فإنه ذكر في ظاهر الرواية: رجل نسي مسح الرأس، فأخذ من لحيته ماء ومسح به رأسه: لا يجوز،\rوإن لم يوجد الاستقرار على الارض، وعلى قول سفيان الثوري: يجور، لانه لم يستقر على الارض، وذكر في باب المسح على الخفين، أن من مسح على خفيه، فبقي في كفه بلل فمسح به رأسه: لا يجوز، وعلل وقال: لانه مسح به مرة، وإن لم يستقر على الارض.\rوقالوا فيمن بقيت على رجله لمعة في الوضوء، فبلها بالبلل الذي على الوجه أو على عضو آخر: لا يجوز، لانه صار مستعملا، وإن لم يستقر على الارض، أو في الاناء، فدل أن المذهب ما قلنا.\rوأما سبب صيرورة الماء مستعملا - فنقول: عند أبي حنيفة وأبي يوسف: يصير الماء مستعملا بأحد أمرين: بزوال الحدث أو بإقامة القربة.\rوعند محمد: يصير مستعملا بإقامة القربة لا غير.\rوعند زفر والشافعي: يصير مستعملا بإزالة الحدث لا غير.\rإذا ثبت هذا الاصل فنقول: من توضأ بنية إقامة القربة، نحو الصلوات المعهودة وصلاة الجنازة","part":1,"page":79},{"id":83,"text":"ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ونحوها: فإن كان محدثا، يصير الماء مستعملا بلا خلاف، لوجود زوال الحدث وحصول القربة جميعا، وإن لم يكن محدثا فعلى قول علماؤنا الثلاثة يصير مستعملا، لانه وجد إقامة القربة.\rوعلى قول زفر والشافعي: لا يصير مستعملا، لانه لم يوجد إزالة الحدث.\rوعلى هذا الاصل يخرج: من دخل في البئر لطلب الدلو أو للغسل، وهو جنب أو طاهر، على ما عرف في كتاب الشرحين\rوالمبسوط.\rوأما حكم غسلة النجاسة الحقيقية فنقول: إذا وقعت في الماء، أو أصابت الثوب أو البدن، ففي حق منع جواز الصلاة والوضوء، المياه الثلاث على السواء، لان الكل نجس.\rفأما في حق تطهير المحل الذي أصابته النجاسة، فالمياه يختلف حكمها حتى قال بعض مشايخنا: إن الماء الاول وإذا أصاب شيئا يطهر بالغسل مرتين، والثاني بالغسل مرة.\rوالثالث يطهر بالعصر لا غير.\rوالصحيح أن الاول يطهر بالغسل ثلاثا والثاني بالغسل مرتين، والثالث بالغسل مرة، ويكون حكم كل ما في الثوب الثاني مثل حكمه في الثوب الاول.\rوهل يجوز الانتفاع بالغسالة في غير الشرب والتطهير؟ ينظر: إن تغير طعمها أو لونها أو ريحها، فإنه يحرم الانتفاع بها أصلا، ويصير نظير البول، لكون النجس غالبا، وإن لم يتغير وصف الماء، يجوز الانتفاع به في غير الشرب والتطهير نحو أن يبل به الطين، أو يسقى الدواب ونحو ذلك.\rوعلى هذا الفأرة إذا وقعت في العصير والدهن والخل وماتت فيه","part":1,"page":80},{"id":84,"text":"فأخرجت فإنه ينجس جميعه، ولكن يجوز الانتفاع به، فيما سوى الاكل، من دبغ الجلد بالدهن النجس والاستصباح به، ويجوز بيعه.\rوإن كان جامدا، فإنه يلقي الفأرة وما حولها، وحكمه حكم الذائب ويكون الباقي طاهر، بخلاف ودك الميتة فإنه لا يجوز الانتفاع به أصلا.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه سئل عن الفأرة تموت في\rالسمن فقال عليه السلام: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وخلوا البقية، وإن كان مائعا فاستصبحوا به والله أعلم.","part":1,"page":81},{"id":85,"text":"باب المسح على الخفين والجبائر المسح أنواع ثلاثة: مسح الرأس، ومسح الخف، ومسح الجبائر.\rأما أحكام مسح الرأس - فقد ذكرنا.\rوأما مسح الخف: فالكلام فيه في خمسة مواضع: في بيان مشروعيته، وفي بيان مدة المسح، وفي بيان شروط جواز المسح ووجوده، وفي بيان نفس المسح، وفي بيان حكم سقوطه.\rأما الاول - فنقول: قال عامة العلماء بأن المسح على الخفين مشروع، ويقوم مقام غسل القدمين في حق المقيم والمسافر جميعا.\rوقال بعض الشيعة: بأن المسح غير مشروع، في حق المقيم والمسافر جميعا.\rوقال مالك: مشروع في حق المسافر، دون المقيم.","part":1,"page":83},{"id":86,"text":"والصحيح قول عامة العلماء، لاجماع الصحابة على ذلك، قولا وفعلا، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس ثم رجع، فإنه روي عن\rعطاء تلميذه أنه قال: كان عبد الله بن عباس خالف الناس في المسح على الخفين، ولم يمت حتى رجع إلى قول الناس.\rوإجماع الصحابة حجة قاطعة.\rوالثاني - بيان المدة: اختلف العلماء في أن المسح على الخف مقدر أم لا؟ فعند عامتهم مقدر في حق المقيم بيوم وليلة، وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليها.\rوقال مالك: غير مقدر.\rوالصحيح قول العامة، لما روي في الحديث المشهور عن النبي عليه السلام أنه قال: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها.\rثم اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح، من أي وقت يعتبر، قال عامة العلماء: يعتبر من وقت الحدث بعد اللبس.\rوقال بعضهم: يعتبر من وقت اللبس.\rوقال بعضهم: يعتبر من وقت المسح.\rبيان ذلك أن من توضأ عند طلوع الفجر، ولبس الخف وصلى الفجر، فلما طلعت الشمس أحدث، ثم لما زالت الشمس توضأ، ومسح","part":1,"page":84},{"id":87,"text":"على الخف فعلى قول العامة يعتبر ابتداء المدة من وقت الحدث بعد اللبس، وهو وقت طلوع الشمس فمتى جاء ذلك الوقت من اليوم الثاني في حق المقيم، وفي حق المسافر من اليوم الرابع، تمت المدة فلا يمسح بعد ذلك، ولكن ينزع الخفين، ويغسل القدمين، ثم يبتدئ المسح بعده.\rوعلى قول من اعتبر وقت اللبس: لا يمسح في اليوم الثاني من وقت طلوع الفجر.\rوعلى قول من اعتبر وقت المسح: لا يمسح في اليوم الثاني من وقت زوال الشمس.\rوأما شرائط جواز المسح ووجوده فأنواع: من ذلك: أن يكون لابس الخفين، أو ما كان في معناهما، على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس.\rولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة عند اللبس، أو على طهارة أيضا.\rوبيانه أن الرجل إذا غسل الرجلين ولبس الخفين، ثم أكمل الوضوء بعد ذلك قبل الحدث ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين.\rوعلى قول الشافعي، ليس له أن يمسح ما لم يكمل الوضوء ثم يلبس الخفين بعد ذلك.\rولهذا قلنا: إذا لبس الخفين وهو محدث ثم توضأ وخاض الماء حتى دخل الماء خفيه، ثم أحدث، جاز له أن يمسح عليه.\rوأجمعوا على أنه إذا لبس الخفين بعد غسل الرجلين، ثم أحدث قبل أن يكمل الوضوء، ثم توضأ بعد ذلك، ومسح على الخفين، لا يجوز عندنا، لانعدام الطهارة الكاملة عند الحدث بعد اللبس، وعنده لانعدام الطهارة الكاملة عند اللبس.","part":1,"page":85},{"id":88,"text":"ومن شرائطه - الحدث الاصغر فأما الحدث الاكبر، فالمسح فيه غير مشروع، لان الجواز باعتبار الحرج، ولا حرج في الحدث الاكبر، لان ذلك يشذ في السفر.\rومن الشرائط - أن يكون لابسا خفا يستر الكعبين فصاعدا وليس به خرق كثير، لان الشروع ورد بالمسح على الخفين.\rوما يستر الكعبين ينطلق عليه اسم الخف وكذا ما يستر الكعبين، وسوى الخف، فهو في معناه، نحو المكعب الكبير والجرموق، والمثيم وهو نوع من الخف.\rوأما المسح على الجوربين فهو على أقسام ثلاثة: إن كانا مجلدين أو منعلين: جاز المسح بإجماع بين أصحابنا.\rوأما إذا كانا غير منعلين: فإن كانا رقيقين بحيث يرى ما تحتهما: لا يجوز المسح عليهما.\rوإن كانا ثخينيين، قال أبو حنيفة: لا يجوز المسح عليهما، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز.\rوروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره.\rوقال الشافعي: لا يجوز المسح على الجوارب، وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، فيجوز.\rوما قالاه أرفق بالناس، وما قاله أبو حنيفة رحمة الله عليه، أحوط وأقيس.\rولو لبس الخفين ثم لبس فوقهما الجرموقين من الجلد ينظر إن لبسهما بعد ما أحدث ووجب المسح على الخفين، فإنه لا يجوز المسح على الجرموقين، بالاجماع.\rفأما إذا لبسهما قبل الحدث، ثم أحدث: فإنه يجوز المسح على","part":1,"page":86},{"id":89,"text":"الجرموقين عندنا.\rوعند الشافعي لا يجوز.\rوعلى هذا، إذا لبس خفا على خف.\rثم الخف إذا كان به خرق، إن كان يسيرا يجوز المسح عليه، وإن\rكان كثيرا لا يجوز وهذا جواب الاستحسان.\rوالقياس أن يكون اليسر مانعا كالكثير، وهو قول زفر والشافعي.\rوقال مالك وسفيان الثوري: إن الخرق، قليله وكثيره لا يمنع، بعد أن كان ينطلق عليه اسم الخف.\rوالحد الفاصل بينهما هو قدر ثلاث أصابع الرجل فصاعدا، حتى إذا كان أقل منه، يجوز المسح عليه.\rثم صفة الخرق المانع أن يكون منفتحا بحيث يظهر ما تحته من القدم مقدار ثلاثة أصابع.\rأو يكون منضما، لكن ينفرج عند المشي ويظهر القدم.\rفأما إذا كان منضما لا ينفرج ولا يظهر القدم عند المشي، فإنه لا يمنع وإن كان أكثر من ثلاث أصابع، كذا روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.\rولو كان ينكشف الطهارة، وفي داخله بطانة، من جلد، ولم يظهر القدم: يجوز المسح عليه.\rهذا إذا كان الخرق في موضوع واحد، فإن كان في مواضع مختلفة - ينظر: إن كان في خف واحد، فإنه يجمع: فإن بلغ مقدار ثلاث أصابع الرجل يمنع، وإلا فلا وإن كان في خفين، فإنه لا يجمع، كذا ذكر محمد في الزيادات.","part":1,"page":87},{"id":90,"text":"وأما بيان نفس المسح - فنقول: المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف، دون أسفله وعقبه، مرة واحدة، حتى إذا مسح على أسفل الخف، أو على العقب وجانبيه لا يجوز، وكذا إذا مسح على الساق.\rوهو قول الشافعي، المذكور في كتبه.\rوقال أصحابه: بأنه إذا مسح على أسفل الخف وحده جاز، ولكن السنة عنده الجمع بين المسح على ظاهر الخف وأسفله.\rوأما السنة عندنا، فأن يمسح على ظاهر خفيه، بكلتا يديه، ويبتدئ به من قبل الاصابع إلى الساق.\rوالصحيح قولنا لما روي عن المغيرة بن شعبة أن النبي عليه السلام توضأ ووضع يده اليمنى على خفه الايمن، ويده اليسرى على خفه الايسر، ومدهما من الاصابع إلى أعلاهما مسحة واحدة، وكأني أنظر إلى أصابع رسول الله عليه السلام على ظاهر خفيه.\rثم مقدار المفروض عندنا، مقدار ثلاث أصابع اليد على ظاهر الخف، سواء كان طولا أو عرضا، حتى لو مسح بأصبع أو بأصبعين: لا يجوز.\rوعند الشافعي: إذا مسح مقدار ما يسمى به ماسحا: جاز كما في مسح الرأس.\rوأما بيان حكم سقوطه - فنقول: إذا أنقضت مدة المسح يسقط ويجب عليه غسل القدمين، دون","part":1,"page":88},{"id":91,"text":"الوضوء بكماله إن كان متوضئا.\rوإن كان محدثا يجب ب عليه الوضوء بكماله.\rوكذلك إذا نزع الخفين، وكذلك إذا نزع أحدهما: ينقض المسح، وعليه غسل القدمين، حتى لا يكون جامعا بين البدل والمبدل.\rولو أخرج بعض القدم، أو خرج بغير صنعه.\rروي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا أخرج أكثر العقب من الخف، انتقض مسحه وإلا فلا.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أخرج أكثر القدم ينتقض مسحه وإلا فلا.\rوروى عن محمد، أنه قال: إذا بقي في الخف قدر ما يجوز المسح عليه جاز، وإلا فلا.\rوأما المسح على الجبائر: فالكلام فيه في مواضع: أحدها: أن الغسل في أي وقت يسقط، ويشرع المسح على الجبائر.\rوالثاني: أن المسح على الجبائر هل هو واجب في الجملة، أم لا؟ والثالث: فيما يبطل المسح ويسقطه.\rوالرابع: في بيان الفصول التي خالف المسح على الجبائر فيها المسح على الخفين.\rأما الاول - فنقول: إن كان الغسل مما يضر بالعضو المنكسر، والجرح، والقرح، فإنه يسقط، ويشرع المسح على الجبائر.","part":1,"page":89},{"id":92,"text":"وكذا إذا كان لا يضره، ولكن في نزع الجبائر خوف زيادة العلة، أو زيادة الضرر.\rوأصل ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: كسر زنداي يوم أحد، فسقط اللواء من يدي، فقال عليه السلام: اجعلوها في يساره، فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة فقلت: يا رسول الله ما أصنع بالجبائر؟ فقال: امسح عليها.\rهذا إذا مسح على الجبائر والخرق التي فوق الجراحة، فأما إذا كانت زائدة على رأس الجرح، هل يجوز المسح على الخرقة الزائدة؟ وكذلك إذا اقتصد وربط عليه رباطا؟ ينظر: إن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها، مما يضر بالجرح والقرح، فإنه يجوز المسح على الخرقة الزائدة، كما يجوز المسح على الخرقة التي على موضع الجراح.\rوإن كان الحل مما لا يضر بالجرح، ولا يضره المسح أيضا، فإنه لا يجزئه المسح على الجبائر، بل عليه أن ينزع الجبائر، ويحل الخرق، ويغسل ما حول الجراح، ويمسح عليها لا على الخرقة.\rوإن كان يضره المسح، ولكن لا يضره الحل: فإنه يمسح على الخرقة التي على الجراح، ويغسل حواليها، وما تحت الخرق الزائدة.\rكذا ذكره الحسن بن زياد مفسرا، لان جواز المسح بطريق الضرورة فيتقدر بقدرها.\rوأما بيان أن المسح على الجبائر واجب، أم لا فنقول: ذكر في ظاهر الرواية وقال: إذا ترك المسح على الجبائر، وذلك يضره: جاز عند أبي حنيفة، وقالا: إذا كان لا يضره، لا يجزئه، فأجاب كل واحد منهما في غير ما أجاب الاخر.","part":1,"page":90},{"id":93,"text":"وبعض مشايخنا قالوا: إن قول أبي حنيفة مثل قولهما: في أن المسح على الجبائر واجب عند تعذر الغسل، وإنما يبسط إذا كان المسح يضره لما روينا من الحديث: أن النبي عليه السلام أمر بالمسح على الجبائر، وظاهر الامر لوجوب العمل، إلا أنه إذا كان يخاف الضرر في المسح، يسقط لان\rالغسل يسقط عند خوف زيادة الضرر، فالمسح أولى أن يسقط.\rوبعض مشايخنا قالوا بأن المسألة على الخلاف: على قول أبي حنيفة: المسح على الجبائر مستحب، وليس بواجب وعندهما: واجب.\rوكذا ذكر هذا في الكتاب، ولكن القول الاول أصح.\rولو ترك المسح على بعض الجبائر، ومسح على البعض، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية.\rوروي عن الحسن بن زياد، أنه قال: إن مسح على الاكثر جاز، وإلا فلا.\rوأما بيان ما يبطل المسح - فنقول: إذا سقطت الجبائر، بعدما مسح عليها، فلا يخلو: إما أن تسقط عن برء أو لا عن برء، ولا يخلو: إما أن سقطت في حالة الصلاة أو خارج الصلاة.\rأما إذا سقطت لا عن برء: فإن كان في الصلاة، يمضي عليها، وإن كان خارج الصلاة، فإنه يضع الجبائر عليها، ولا يعيد المسح عليها، لان سقوط الغسل بسبب العذر، وهو قائم، وإنما الواجب هو المسح، وهو قائم، وإن زال الممسوح الضرر، وكما لو مسح على رأسه ثم حلقه.\rوأما إذا سقطت عن برء: فإن كان خارج الصلاة، إن لم يحدث بعد المسح، يغسل موضع الجبائر لا غير، وبطل المسح، لانه صار قادرا على الاصل، فيبطل حكم البدل، فيجب عليه غسله.\rأما غسل سائر","part":1,"page":91},{"id":94,"text":"الاعضاء فقائم، ولم يوجد ما يرفعه، وهو الحدث.\rوإن كان في الصلاة يستقبل لانه قدر على الاصل قبل حصول\rالمقصود بالبدل.\rوهل يجب عليه إعادة ما صلى بالمسح إذا برأت الجراحة؟ فعندنا لا يجب.\rوعلى قول الشافعي: يجب الاعادة على من جبر على الجرح والقرح، قولا واحدا وله في صاحب الجبائر على العضو المنكسر قولان.\rوالصحيح مذهبنا لما روينا من حديث علي: أن النبي عليه السلام لم يأمره بإعادة الصلوات، بعد البرء مع وقوع الحاجة إلى البيان.\rوأما بيان الفرق بين المسح على الجبائر والمسح على الخفين فمن وجوه: أحدها: إذا وضع الجبائر، وهو محدث ثم توضأ، جاز له أن يمسح عليها، وإذا لبس الخفين وهو محدث ثم توضأ ليس له أن يمسح.\rوالفرق أن المسح على الجبائر، كالغسل لما تحتها، فيكون قائما مقامه، وقد وجد.\rثم من شرط جواز المسح، أن يكون ظاهرا عند الحدث بعد اللبس حتى يكون الخف مانعا للحدث لا رافعا.\rوالثاني: أن المسح على الجبائر غير مؤقت بالايام، ولكن مؤقت إلى وقت وجود البرء حتى ينتقض بوجود البرء، وفي حق العضو الذي عليه الجبائر، والمسح على الخفين مؤقت بالمدة المعلومة.\rوالثالث: أن سقوط الجبائر، لا عن برء ولا ينقض المسح - حتى","part":1,"page":92},{"id":95,"text":"إن عليه أن يضعها مرة أخرى ويصلي.\rوفي المسح على الخفين، إذا سقط يجب عليه غسل الرجلين، والله أعلم.","part":1,"page":93},{"id":96,"text":"كتاب الصلاة اعلم بأن الله تعالى فرض خمس صلوات، في اليوم والليلة.\rعرفت فرضيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة: أما الكتاب: فقوله تعالى: * (إنه الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * أي فرضا مؤقتا.\rوقال تعالى: * (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.\rوله الحمد في السماوات والارض وعشيا وحين تظهرون) * فهذا بيان الصلوات الخمس.\rوأما السنة: فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، تدخلوا جنة ربكم.\rوعليه إجماع الامة.\rثم للصلاة فرائض، وواجبات، وسنن، وآداب.\rأما الفراض فاثنتا عشر، ستة من الشرائط وستة من نفس الصلاة.\rفأما الستة التي من الشرائط - فالطهارة بأنواعها، وستر العورة،","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"واستقبال القبلة، والوقت، والنية، والتحريمة، وهي تكبيرة الافتتاح.\rوقال الشافعي بأن التحريمة ركن، وليست بشرط.\rوفائدة الخلاف، أن من أحرم للفرض، ثم أراد أن يؤدي بها التطوع: جاز عندنا، كما لو تطهر للفرض جاز له أن يصلي به التطوع،\rوعند الشافعي لا يجوز بأن يحرم للفرض، ويفرغ منه، ثم يشرع في التطوع قبل السلام، من غير تحريمة جديدة يصير شارعا في التطوع، عندنا، وعند الشافعي: لا يجوز وعليه مسائل.\rوأما الستة التي هي من نفس الصلاة: فالقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والانتقال من ركن إلى ركن، والقعدة الاخيرة، إلا أن الاربعة الاولى، من الاركان الاصلية، دون الاثنين الباقيين، حتى إن من حلف أن لا يصلي، فقيد الركعة بالسجدة: يحنث، وإن لم توجد القعدة، ولو أتى بما دون الركعة: لا يحنث.\rولكن الاثنتين الباقيتين من فروض الصلاة أيضا، حتى لا تجوز الصلاة بدونهما، ويشترط لهما ما يشترط للاركان.\rوأما واجبات الصلاة فثمانية: قراءة الفاتحة، والسورة في الاوليين فأما مقدار المفروض، فآية واحدة عند أبي حنيفة.\rوعندهما آية طويلة، أو ثلاث آيات قصيرة، على ما نذكر.\rمنها: الجهر بالقراءة فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت، في الصلاة التي تقام بالجماعة.\rومنها: تعديل الاركان عند أبي حنيفة على قول بعض المشايخ، وعند بعضهم ستة.\rومنها: مراعاة الترتيب، فيما شرع مكررا من الاركان، وهو السجدة الثانية إذ هي واجبة وليست بفرض، حتى إن من ترك السجدة الثانية من","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"الركعة الاولى ساهيا، وقام وصلى تمام الصلاة، ثم تذكر، فإن عليه أن يسجد السجدة المتروكة، ويسجد للسهو بترك الترتيب.\rومنها: القعدة الاولى، وقراءة التشهد في القعدة الاخيرة.\rوالقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين.\rوأما السنن والآداب فكثيرة نذكرها في مواضعها.\rوالحد الفاصل بينهما أن كل ما فعله رسول الله عليه السلام على طريق المواظبة ولم يتركه إلا لعذر، فهو سنة، نحو الثناء، والقعود، وتكبيرات الركوع والسجود، ونحوها، وكل ما فعله رسول الله عليه السلام مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه، فهو من الآداب، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة، ونحوها على ما يعرف في مواضعها إن شاء الله تعالى - والله أعلم.","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"باب مواقيت الصلاة الكلام في هذا الباب يقع في خمسة مواضع: في بيان أصل أوقات الصلوات المفروضة، وفي بيان الاوقات المستحبة منها، وفي بيان أوقات الصلوات الواجبة، وفي بيان أوقات السنن المؤقتة، وفي بيان الاوقات التي يكره فيها الصلاة.\rأما بيان أوقات الصلاة المفروضة - فنقول: أول وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر الثاني، وآخره حين تطلع الشمس، وإنما قيد بالفجر الثاني، لان الفجر فجران: الاول: وهو الذي يبدو في ناحية من السماء، كذنب السرحان\rطولا، ثم ينكتم، سمي فجرا كاذبا لانه يبدو نوره، ثم يخلف ويعقبه الظلام، وهذا الفجر مما لا يحرم به الطعام والشراب على الصائمين، ولا يخرج به وقت العشاء ولا يدخل وقت صلاة الفجر.\rوأما الفجر الثاني فهو المعترض في الافق: لا يزال نوره حتى تطلع الشمس: سمي فجرا صادقا لانه إذا بدا نوره ينتشر في الافق، ولم يخلف، وهذا الفجر مما يحرم به الطعام والشراب على الصائمين ويخرج به","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وقت العشاء ويدخل وقت صلاة الفجر.\rوهكذا روى ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه قال: الفجر فجران: فجر مستطيل يحل به الطعام، وتحرم فيه الصلاة، وفجر مستطير يحرم به الطعام وتحل فيه الصلاة.\rوأما أول وقت الظهر: فحين زالت الشمس بلا خلاف.\rوأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية وقد اختلفت الروايات فيه عن أبي حنيفة.\rروى محمد عنه: إذا صار ظل كل شئ مثليه، سوى فئ الزوال: يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وبه أخذ أبو حنيفة.\rوروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: إذا صار ظل كل شئ مثله، سوى في الزوال يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي.\rوروى أسد بن عمروعنه أنه قال: إذا صار ظل كل شئ مثله، سوى فئ الزوال، يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شئ مثليه، فيكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل، كما\rبين الظهر والفجر.\rوأما أول وقت العصر فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في آخر وقت الظهر.\rثم لا بد من معرفة زوال الشمس، ومعرفة فئ الزوال، حتى يعرف وقت الظهر والعصر، فينبغي أن يغرز عودا مستويا، في أرض مستوية،","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"قبل الزوال: فما دام طول العود على النقصان، فالشمس في الانقطاع ولم تزل بعد.\rوإن امتنع الظل عن النقصان، ولم يأخذ في الزيادة، فالشمس في الاستواء، وهو حال قيام الظهيرة، وإذا أخذ الظل في الزيادة فالشمس قد زالت وهي حال الزوال.\rفأما معرفة فئ الزوال فينبغي أن يخط على رأس موضع الزيادة فيكون من رأس الخط إلى العود فئ الزوال، فإذا صار العود مثليه من رأس الخط إلا من العود: خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، عند أبي حنيفة، وإذا صار ظل العود مثله من رأس الخط خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، عندهم.\rوأما آخر وقت العصر فحين تغرب الشمس عندنا.\rوللشافعي فيه قولان في قول: إذا صار ظل كل شئ مثليه، يخرج وقت العصر، ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس فيكون بينهما وقت مهمل عنده على هذا القول.\rوفي قول: إذا صار ظل كل شئ مثليه، يخرج وقت المستحب ويبقى أصل الوقت إلى غروب الشمس.\rوأما أول وقت المغرب فحين تغرب الشمس بلا خلاف.\rواختلفوا في آخره: قال علماؤنا رحمهم الله: حين يغيب الشفق.\rوقال الشافعي: إذا مضى من الوقت مقدار ما يتطهر الانسان ويؤذن، ويقيم، ويصلي المغرب ثلاث ركعات، يخرج وقت المغرب، حتى إذا صلى المغرب، بعد ذلك، يكون قضاء لا أداء.\rوأما أول وقت العشاء فحين يغيب الشفق بلا خلاف.\rواختلفوا في تفسير الشفق:","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"قال أبو حنيفة: هو البياض.\rوقال أبو يوسف ومحمد الشافعي: هو الحمرة فمتى غابت الحمرة، وارتفع البياض، وانتشر الظلام في الافق: يدخل وقت العشاء، ويخرج وقت المغرب عندهم.\rوإذا غاب البياض، وبدأ الظلام في الافق، يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء عنده.\rوأما آخر وقت العشاء، فحين يطلع الفجر الصادق عندنا.\rوعند الشافعي قولان: في قول حين يمضي ثلث الليل.\rوفي قول حين يمضي النصف.\rوأما بيان الاوقات المستحبة - فنقول: لا يخلو إما إن كانت السماء مصحية أو متغيمة.\rفإن كانت مصحية ففي الفجر: المستحب هو آخر الوقت، ويكون الاسفار بصلاة الفجر أفضل من التغليس في السفر والحضر، والصيف والشتاء، وفي حق جميع الناس إلا في حق الحاج بمزدلفة: فإن التغليس بها أفضل في حقهم.\rوكان اختيار الطحاوي: أن يبدأ بالتغليس، فيبطل القراءة ثم يختم بالاسفار.\rوفي الظهر: المستحب هو آخر الوقت في الصيف، وأوله في الشتاء.\rوفي العصر: المستحب هو التأخير، ما دامت الشمس بيضاء نقية، في الشتاء والصيف.\rوفي المغرب: المستحب أول الوقت، ويكون تعجيله أفضل.\rوتأخيره إلى وقت اشتباك النجوم مكروه.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وفي العشاء: المتسحب هو التأخير إلى ثلث الليل في الشتاء، ويكره التأخير إلى نصف الليل، وذكر الكرخي: تأخير العشاء ما لم يتجاوز ثلث الليل، أفضل وكذا ذكر الطحاوي.\rوفي الصيف التعجيل أفضل.\rوهذا كله مذهب علماؤنا.\rوقال الشافعي: المستحب هو التعجيل في الصلوات كلها.\rوأما إذا كانت السماء متغيمة، فإن المستحب أن يؤخر الفجر، والظهر، والمغرب، ويعجل العصر والعشاء.\rفكل صلاة في أول اسمها عين تعجل.\rوما لم يكن في أول اسمها عين تؤخر.\rوأما بيان أوقات الصلوات الواجبة، وما هو شبيه بها: فمنها وقت الوتر، وهو على قول أبي حنيفة وقت صلاة العشاء إلا أنه شرع مرتبا عليها، كوقت قضاء الفائتة: هو وقت أدا الوقتية، لكنه شرع مرتبا عليه فلا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته، لفوت شرطه وهو الترتيب.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد والشافعي، وقته بعد أداء صلاة العشاء.\rوهذا بناء على أن الوتر واجب عنده، وعندهم سنة.\rثم الوقت المستحب للوتر لم يذكر في ظاهر الرواية.\rومشايخنا قالوا: إن طمع أنه يستيقظ في آخر الليل غالبا، فالافضل أن يؤخر إلى وقت السحر.\rوإن خشي أن لا يستيقظ فالافضل أن يوتر بعد العشاء، في الوقت المستحب.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"وإذا ترك الوتر عن وقته حتى طلع الفجر، يجب عليه القضاء عند أصحابنا.\rوعلى قول الشافعي: لا يجب لانه سنة.\rوأما على قول أبي حنيفة فلا يشكل، لانه واجب، وإنما المشكل على قولهما، فإنه سنة عندهما، فكان ينبغي أن لا يقضي، ولكن هذا هو القياس عندهما - وكذا روي عنهما في غير رواية الاصول.\rوجواب ظاهر الرواية هو الاستحسان وتركا القياس بالاثر، وهو ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره ولم يفصل بين ما إذا تذكر في الوقت أو بعده.\rمن هذا النوع وقت صلاة الجنازة: وهو وقت حضور الجنازة، حتى إذا حضرت الجنازة وقت الغروب فأداها فيه، يجوز من غير كراهة لانها وجبت في هذا الوقت ناقصة وبمنزلة أداء العصر في الوقت المكروه.\rوكذا وقت وجوب سجدة التلاوة، وقت التلاوة، حتى لو تلا آية\rالسجدة في وقت غير مكروه، وسجدها في وقت مكروه، لا يجوز لانها وجبت كاملة فلا تؤدى ناقصة.\rولا تلا في وقت مكروه، وسجدها فيه، جاز من غير كراهة.\rومن هذا النوع - وقت صلاة العيدين، وهو من وقت ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال، فإن صلاة العيدين واجبة على ما تذكر.\rوأما أوقات السنن المؤقتة: فوقت بعض السنن بعد أداء الفرائض، ووقت بعضها قبل الفريضة في وقتها.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"فمتى أدى السنن على الوجه الذي شرع، يكون سنة، وإلا فيكون تطوعا مطلقا، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.\rوأما بيان الاوقات التي يكره فيها الصلاة فنقول: الاوقات المكروهة اثنا عشر وقتا: فثلاثة منها يكره الصلاة فيها لمعنى في الوقت، والباقي لمعنى غير الوقت.\rأما الثلاثة التي يكره الصلاة فيها لمعنى يتصل بالوقت: فيما بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيض.\rووقت استواء الشمس حتى تزول، ووقت احمرار الشمس واصفرارها حتى تغرب.\rوفي هذه الاوقات الثلاثة، يكره أداء التطوع المبتدأ الذي لا سبب له، في جميع الازمان، وفي جميع الامكنة حتى لو شرع فيه فالافضل أن يقطع، ولكن أو أدى جاز مع الكراهة.\rوكذا التطوع الذي له سبب، مثل ركعتي الطواف، وركعتي تحية المسحد، ونحوهما.\rوكذا يكره أداء الفرض فيه، وهو صلاة العصر عند تغير الشمس.\rولا يتصور أداء الفرض وقت الاستواء قبل الزوال، ووقت الطلوع، لانه لا فرض فيهما.\rولكن مع هذا أداء العصر في الوقت المكروه، جائز مع الكراهة، بالحديث، فالاداء فيه مع الكراهة أولى، لانها تفوت عن الوقت أصلا.\rوكذا يكره أداء الواجبات في هذه الاوقات، لكن يجوز مع الكراهة، وذلك نحو من قرأ آية السجدة فيها، أو حضرت الجنازة فيها، أو أوجب على نفسه الصلاة فيها فأدى السجدة والصلاة يجوز مع الكراهة.\rلكن الافضل في صلاة الجنازة أن يؤديها ولا يؤخرها، لقوله عليه","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"السلام: ثلاث لا يؤخرون: الجنازة إذا حضرت، وفي سجدة التلاوة، والصلاة المنذورة الافضل أن يقطع ويؤديها في وقت آخر، لان الوقت في حقها ليس بسبب الوجوب، ولا بشرط، بل الاداء وجب مطلقا، فلا يفوت عن الوقت.\rفأما قضاء الفرائض والصلاة المنذورة الفائتة وقضاء الواجبات الفائتة، عن أوقاتها، كسجدة التلاوة التي وجبت بالتلاوة في وقت غير مكروه، أو الوتر الذي فات عن الوقت، فإنه لا يجوز في هذه الاوقات.\rوهذا كله مذهب علماؤنا.\rوقال الشافعي: يجوز ذلك كله من غير كراهة، إلا التطوع المبتدأ الذي لا سبب له فإنه مكروه فيها، إلا بمكة في جميع الازمان أو في يوم الجمعة في جميع الامكنة فإنه غير مكروه.\rوالصحيح مذهبنا لما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: ثلاث\rساعات كان رسول الله آ ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا: إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، ونصف النهار، وإذا تضيفت الشمس للغروب، من غير فصل بين التطوع المبتدأ وغيره، فهو على العموم.\rوأما الاوقات الاخر التي تكره الصلاة فيها لمعنى في غير الوقت: فمنها بعد طلوع الفجر إلى أن يصلي الفجر، وبعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس.\rوبعد صلاة العصر إلى أن تتغير الشمس للغروب: فلا خلاف أن أداء التطوع المبتدأ مكروه فيها.\rولا خلاف أن قضاء الفرائض، والواجبات يجوز فيها، من غير كراهة.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وأما التطوعات التي لها أسباب، مثل ركعتي الطواف، وركعتي التحية، وركعتي الفجر بعدما صلى الفجر، ولم يؤدهما لعذر أو لغير عذر، فيكره أداؤها عندنا.\rوعند الشافعي: لا يكره.\rوأجمعوا أنه لا يكره أداء ركعتي الفجر قبل صلاة الفجر.\rوكذا أداء الواجبات، في هذه الاوقات من سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة: يجوز من غير كراهة.\rوالصحيح مذهبنا، لما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله عليه السلام قال: لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ليس في الحديث فصل إلا ما خص بالاجماع.\rوأما أداء الواجب الذي وجب بصنع العبد، من النذر وقضاء التطوع الذي أفسده، ونحو ذلك فيها، فإنه يكره في ظاهر الرواية.\rوعن أبي يوسف أنه لا يكره، لانه واجب بسبب النذر كسجدة التلاوة.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية، لان المنذور عينه ليس بواجب، وكذا عين الصلاة، لا يجب بالشروع.\rومنها: ما بعد الغروب: يكره النفل فيه، وغيره، لان فيه تأخير المغرب عن وقته.\rومنها: ما بعد نصف الليل: يكره فيه أداء العشاء لا غير، كي لا يؤخر العشاء إلى النصف، لما فيه من تقليل الجماعة.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"ومنها: وقت الخطبة يوم الجمعة: يكره فيه الصلاة، لانه سبب لترك استماع الخطبة.\rومنها: وقت خروج الامام للخطبة، قبل أن يشتغل بها، وبعد الفراغ منها، إلى أن يشرع في الصلاة: يكره التطوع فيه، عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rومنها: بعد شروع الامام في الجماعة، يكره للقوم التطوع قضاء لحق الجماعة، إلا في صلاة الفجر: فإنه إذا لم يصل ركعتي الفجر، فله أن يصلي إذا لم يخف فوت الجماعة أصلا، بأن كان عنده أنه يدرك ركعة من الفجر بجماعة، لاحراز ثواب الجماعة مع فضيلة ركعتي الفجر، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.\rومنها: وقت يكره فيه التنفل لبعض الناس دون بعض، وهو قبل\rصلاة العيدين لمن حضر المصلى يوم العبد، فإنه يكره له أن يتطوع قبل صلاة العيد - لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان ينهى الناس عن التنفل قبل صلاة العيد.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"باب الاذان الكلام في هذا الباب في ستة مواضع: وفي بيان الاذان أنه سنة أو واجب.\rوفي بيان كيفية الاذان.\rوفي بيان سنن الاذان.\rوفي بيان المحل الذي شرع فيه الاذان.\rوفي بيان وقت الاذان.\rوفي بيان ما يجب على السامعين عند الاذان.\rأما الاول فنقول: اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا: إنه واجب، لما روي عن محمد أن أهل بلدة من بلاد الاسلام إذا تركوا الاذان والاقامة، فإنه يجب القتال معهم وإنما يقاتل على ترك الواجب، دون السنة.\rوعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان، لما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في قوم صلوا الظهر أو العصر في المصر بجماعة، من غير أذان وإقامة إنهم أخطؤوا السنة، وخالفوا، وأثموا.\rولكن كلا من القولين متقاربان، لان السنة المؤكدة والواجب سواء.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وأما بيان كيفية الاذان - فنقول: الاذان هو الاذان المعروف فيما بين الناس، من غير زيادة ولا نقصان.\rوهذا قول عامة العلماء.\rوقد خالف بعض الناس في الزيادة عليه، والنقصان عنه: قال عامة العلماء: يكبر أربع مرات في ابتداء الاذان، وقال مالك: يكبر مرتين.\rوقال عامة العلماء: يختم الاذان بقوله: لا إلؤه إلا الله، وقال مالك يختم بقوله: لا إله إلا الله والله أكبر.\rوقال عامة العلماء: لا ترجيع في الاذان.\rوقال الشافعي: الترجيع فيه سنة.\rوتفسير الترجيع عنده أن يبتدئ المؤذن بالشهادتين، فيقول: أشهد أن لا إلؤه إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدا رسول الله مرتين، ويخفض بهما صوته، ثم يرجع إليهما ويرفع بهما صوته.\rوقال عامة العلماء: الاقامة مثنى مثنى، وكالاذان، وقال مالك والشافعي: الاقامة فرادى فرادى.\rوقال عامة العلماء: يقال في الاقامة: قد قامت الصلاة مرتين.\rوقال مالك: يقال مرة واحدة.\rوقال عامة العلماء بالتثويب في أذان الفجر، بأن يقال فيه: الصلاة خير من النوم مرتين بعد قوله: حي على الفلاح وقال الشافعي في قوله الجديد: إنه لا تثويب فيه.\rوأما بيان سنن الاذان - فنقول:\rإنها نوعان: منها ما يرجع إلى نفس الاذان، ومنها ما يرجع إلى المؤذن.","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"أما الذي يرجع إلى نفس الاذان فمنها: أن يأتي بالاذان والاقامة جهرا، ويرفع بهما صوته، إلا أن الاقامة أخفض.\rومنها - أن يفصل بين كلمتي الاذان بسكتة، ولا يفصل بين كلمتي الاقامة، بل يجعلهما كلاما واحدا.\rومنها - أين يترسل في الاذان، ويجدر في الاقامة.\rومنها - أين يرتب بين كلمات الاذان والاقامة، كما شرع، حتى إذا قدم البعض وأخر البعض، فالافضل أن يعيد مراعاة للترتيب.\rومنها - أن يوالي ويتابع بين كلمات الاذان والاقامة كما يوالي في الوضوء حتى لو ترك الموالاة، فالسنة أن يعيد الاذان.\rومنها - أن يأتي بهما مستقبل القبلة، إلا إذا انتهى إلى الصلاة والفلاح، يحول وجهه، يمينا وشمالا، ولا يحول قدميه إلا إذا كان في الصومعة، فلا بأس بأن يستدير في الصومعة ليخرج رأسه من نواحيها.\rوأما الذي يرجع إلى المؤذن فينبغي أن يكون رجلا، عاقلا، بالغا، صالحا، تقيا، عالما بالسنة، وبأوقات الصلوات، مواظبا على ذلك، فإن أذان الصبي العاقل صحيح من غير كراهية، كذا ذكر في ظاهر الرواية، ولكن أذان البالغ أفضل.\rوأما أذان المرأة: فيكره بالاجماع، ولكن يجوز مع الكراهة، حتى لا يعاد - كذا ذكر في ظاهر الرواية.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعاد.\rوأما أذان الصبي الذي لا يعقل: فلا يجوز، ويعاد.\rوكذا أذان السكران الذي لا يعقل، والمجنون.\rهكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، لانه لا يقع به الاعلام لان","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"الصلحاء لا يعتمدون على أذانهم.\rوفي ظاهر الرواية قال: يكره أذان السكران، والمعتوه الذي لا يعقل، وأحب إليه أن يعاد، ولم يذكر وجوب الاعادة.\rومن السنة: أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وإن ترك لا يضره، كذا ذكر في ظاهر الرواية.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أن الاحسن أن يجعل إصبعيه في أذنيه في الاذان، والاقامة، وإن جعل يديه على أذنيه فحسن.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إن جعل إحدى يديه على أذنه فحسن.\rومن السنة - أن يكون المؤذن على وضوء، وإن ترك الوضوء في الاذان: لا يكره في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن يكره.\rوأما أذان الجنب وإقامته: فيكره بالاتفاق، وهل يعاد؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه يجوز، ولا تجب الاعادة، ولكن يستحب.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعاد.\rفالحاصل أنه يستحب إعادة أذان أربعة نفر في ظاهر الرواية: ذكر أذان الجنب والمرأة في الجامع الصغير، وذكر أذان السكران والمعتوه الذي لا يعقل في كتاب الصلاة.\rوفي غير رواية الاصول: يعاد أذان هؤلاء الاربعة.\rومن السنة - أن يؤذن ويقيم إذا أذن للجماعة، ولو ترك من غير\rعذر، يكره.\rوأما إذا أذن لنفسه، فلا بأس بأن يؤذن قاعدا.\rوأما المسافر فلا بأس بأن يؤذن راكبا، ولا يكره له ترك القيام.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"وينبغي أن يؤذن محتسبا، ولا يأخذ على الاذان أجرا، وإن أخذ يكره.\rوأصله ما روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: آخر ما عهد إلى رسول الله (ص) أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على الاذان أجرا.\rأما بيان المحل الذي شرع فيه الاذان، والاقامة - فنقول: المحل الذي شرعا فيه هو الصلوات المكتوبات، التي تؤدى بجماعة مستحبة، أو ما هو شبيه بها.\rولهذا: لا أذان في التطوعات ولا إقامة لانه لا يستحب فيها الجماعة.\rوكذا في الوتر، لانه تطوع عندهما.\rوعند أبي حنيفة، وإن كان واجبا، ولكنه تبع للعشاء، فيجعل تبعا في الاذان.\rوكذا، لا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين ولا في صلاة الكسوف والخسوف وصلاة الاستقساء لانها من السنن.\rوكذا في صلاة الجنازة، لانها ليست بصلاة حقيقية.\rوكذا الاذان في حق النسوان والعبيد، وكذا من لا جماعة عليهم، لانها سنة الجماعة المستحبة، ولا يستحب جماعة النسوان والعبيد.\rفأما الجمعة ففيها أذان وإقامة لانها فريضة.\rلكن الاذان المعتبر، ما يؤتى به إذا صعد الامام المنبر.\rوالاقامة المعتبرة ما يؤتى بها إذا فرع إمام من الخطبة حتى تجب الاجابة لهذا الاذان والاستماع، دون\rالاذان الذي يؤتى به في الصومعة.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وقال بعضهم: الاذان المعتبر هو الاذان الذي يؤتى به على المنارة.\rوالصحيح قول العامة لما روي عن السائب بن يزيد أنه قال كان الاذان يوم الجمعة على عهد رسول الله عليه السلام وعلى عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند المنبر أذانا واحدا، فلما كان في زمن عثمان رضي الله عنه كثر الناس وأحدثوا هذا الاذان في الزوراء.\rفأما إذا صلى الرجل وحده في بيته: فقد ذكر في ظاهر الرواية إنه إن صلى أذان وإقامة يجزئه ويكفيه أذان الناس وإقامتهم، ولو أتى بالاذان والاقامة فحسن.\rوأما في حق المسافرين فالافضل أن يؤذنوا ويقيموا ويصلوا بالجماعة فإن صلوا بجماعة وأقاموا وتركوا الاذان، أجزأهم ولا يكره - بخلاف أهل المصر، فإنهم إذا تركوا الاذان، وأقاموا يكره لهم ذلك، لوجود سبب الرخصة في حق المسافرين دونهم.\rوأما المسافر إذا كان وحده، لو ترك الاذان لا بأس به، ولو ترك الاقامة يكره، بخلاف المقيم إذا كان يصلي وحده في بيته، لو ترك الاذان والاقامة لا بأس به، لان أذان الناس وإقامتهم يقوم مقام فعل المقيم، ولم يوجد ذلك في حق المسافر.\rوإن صلى في مسجد بأذان وإقامة هل يكره أن يؤذن ويقام فيه ثانيا؟ ينظر: إن كان مسجدا له أهل معلوم: فإن صلى فيه غير أهله، بأذان وإقامة، لا يكره لاهله أن يصلوا فيه بجماعة، مع الاذان، والاقامة وإن\rصلى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله فإنه يكره لغير أهله","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وللباقين من أهله، أن يعيدوا الاذان، والاقامة.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لا يكره تكرار الاذان، والاقامة.\rوهذه المسألة، في الحاصل، بناء على مسألة أخرى أن تكرار الجماعة، لصلاة واحدة، في مسجد واحد، هل يكره؟ ففى كل موضع يكره تكرار الجماعة، يكره تكرار الاذان، وفي كل موضع لا يكره تكرار الجماعة، لا يكره، لانهما من سنة الصلاة بجماعة، والجواب فيه ما ذكرنا.\rوعلى قول الشافعي: لا يكره تكرار الجماعة، مرة بعد أخرى، في المسجد كيفما كان.\rوروي عن أبي يوسف ومحمد، أنه إنما يكره إذا كان على سبيل الاجتماع، والتداعي، وقام في المحراب.\rفإما إذا أقام الصلاة بواحد، أو باثنين، في ناحية المسجد فلا يكره.\rوإن كان له أهل معلومون: فإن صلى فيه غير أهله، بأذان الطرق، فإنه لا يكره فيه تكرار الجماعة، بالاجماع.\rوأما الفوائت فتقام بالجماعة بأذان وإقامة عندنا وعند الشافعي في قول يقضي بالاقامة لا غير.\rوفي قول بغير أذان وإقامة.\rوروي: في غير رواية الاصل عن محمد، أنه إذا فاتت صلوات يقضي الاولى بأذان وإقامة، والباقي بالاقامة دون الاذان.\rوحكي عن أبي بكر الرازي أنه قال: يجوز أن يكون ما قال محمد\rقولهم جميعا.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"والمذكور في الكتاب محمول على الصلاة الواحدة، فيرتفع الخلاف بين أصحابنا.\rوأما بيان وقت الاذان والاقامة - فنقول: وقتهما هو وقت الصلوات المكتوبات، حتى إذا أذن قبل أوقاتها، لا يجوز، وهذا جواب ظاهر الرواية.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال في صلاة الفجر: إذا أذن في النصف الاخير من الليل يجوز، وبه أخذ الشافعي.\rوالصحيح قولنا: لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام، أنه قال: لا يمنعكم أذان بلال من السحور، فإنه يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم، ويتسحر صائمكم، فعليكم بأذان ابن أم مكتوم.\rوأما بيان ما يجب على السامعين عند الاذان - فنقول: يجب عليهم الاجابة، على ما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال: أربع من الجفاء وذكر من جملتها ومن سمع الاذان والاقامة ولم يجب.\rوالاجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن، إلا في قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لان إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء.\rوكذا إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم فلا يقول السامع مثله، لانه يشبه المحاكاة، ولكن يقول: صدقت، وبالحق نطقت،\rوبررت.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"وكذا ينبغي أن لا يتكلم في حال الاذان، والاقامة، ولا يقرأ القرآن، ولا يشتغل بشئ من الاعمال سوى الاجابة.\rولو أن في قراءة القرآن حين سمع الاذان، ينبغي أن يقطع القراءة، ويستمع الاذان، ويجيب، هكذا ذكر في الفتاوى.\rوالله أعلم.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"باب استقبال القبلة لا يخلو إما إن كان قادرا على الاستقبال، أو كان عاجزا.\rفإن كان قادرا: يجب عليه أن يتوجه إلى القبلة.\rفإن كان في حال مشاهدة الكعبة فإلى عينها.\rوإن كان في حالة البعد، يجب التوجه إلى المحراب والمنصوب، بالامارات الدالة عليها، هكذا ذكر أبو الحسن هؤهنا.\rوقال بعضهم: الواجب إصابة عين الكعبة، بالاجتهاد والتحري، في حالة البعد.\rوالصحيح هو الاول.\rولهذا إن من دخل البلدة وعاين المحاريب المنصوبة: يجب عليه أن يصلي إليها، ولا يجوز له أن يتحرى، لان الجهة صارت قبلة باجتهادهم المبنى، على الامارات الدالة عليها، من النجوم، والشمس، والقمر، فيكون فوق الاجتهاد بالتحري.\rوكذا إذا دخل مسجدا لا محراب له، وبحضرته أهل المسجد، فتحرى وصلى لا يجزئه.\rوكذلك إذا كان في المفازة، والسماء مصحية، وله علم بالاستدلال","part":1,"page":119},{"id":119,"text":"بالنجوم على القبلة لا يجوز له التحري، لان هذا فوق التحري.\rوأما إذا كان عاجزا: فإما إن كان عاجزا بعذر من الاعذار مع العلم بالقبلة، أو كان عاجزا، بسبب الاشتباه.\rفإن كان عاجزا بعذر: فله أن يصلي إلى أي جهة كان، يسقط عنه الاستقبال، وذلك نحو أن يخاف على نفسه من العدو في صلاة الخوف، أو كان بحال لو استقبل القبلة يقف عليه العدو أو قطاع الطريق، أو السبع، أو كان على خشبة في السفينة في البحر لو وجهها إلى القبلة يغرق غالبا، ونحو ذلك.\rوأما إذا كان بسبب الاشتباه: وهو أن يكون في المفازة في ليلة مظلمة، أو كان لا يعلم بالامارات الدالة على القبلة، وليس معه من يسأله عن القبلة، فعليه أن يصلي بالتحري في هذه الحالة.\rفإذا صلى إلى جهة من الجهات، فلا يخلو إما إن صلى إلى جهة بالتحري، أو بدون التحري.\rأما إذا صلى بدون التحري، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما إن كان لا يخطر بباله شئ ولم يشك في جهة القبلة، أو خطر بباله وشك في وجهة الكعبة وصلى من غير التحري.\rأو تحرى ووقع تحريه على جهة وصلى إلى الجهة التي لم يقع عليها\rالتحري.\rأما إذا لم يخطر بباله شئ، ولم يشك في جهة القبلة، فصلى إلى جهة من الجهات، فالاصل هو الجواز.\rفإذا مضى على هذه الحالة، ولم يخطر بباله شئ، صارت الجهة التي صلى إليها، قبلة له ظاهرا، فأما إذا","part":1,"page":120},{"id":120,"text":"ظهر خطؤه بيقين، بأن انجلى الظلام وتبين أنه صلى إلى غير القبلة، أو تحرى ووقع تحريه على غير الجهة التي صلى إليها، فإنه يعيد الصلاة إن كان بعد الفراغ، وإن كان في الصلاة يستقبل.\rوأما إذا شك ولم يتحر، وصلى إلى جهة فالاصل هو الفساد.\rإن ظهر بيقين، أو بالتحري أن الجهة التي صلى إليها ليست بقبلة، تقرر الفساد، وإن ظهر أن الجهة التي صلى إليها قبلة: فإن كان بعد الفراغ من الصلاة، يحكم بجوازها، ولا يعيد، وإن ظهر في وسط الصلاة، فعند أبي يوسف يبني على صلاته كما قلنا، وفي ظاهر الرواية يستقبل الظلاة.\r- وأما إذا تحرى ووقع تحريه إلى جهة، ثم صلى إلى جهة أخرى، وأصاب القبلة، فلا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعند أبي يوسف: يجوز.\rفأما إذا صلى إلى الجهة التي تحرى، ثم ظهر أنه أخطأ.\rفإن ظهر أنه صلى إلى اليمنة أو اليسرة جاز بلا خلاف، وإن ظهر أنه صلى مستدبر الكعبة يجوز عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجوز.\rوالصحيح قولنا، لان القبلة في حالة الاشتباه هي الجهة التي تحرى\rإليها لقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) *.","part":1,"page":121},{"id":121,"text":"باب افتتاح الصلاة افتتا الصلاة يتعلق بفروض وسنن، فلا يصح بدون استجماع فروضه، ولا يتم بدون إتيان سننه.\rأما فروضه: فما ذكرنا من الشرائط الستة، وهي: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والوقت، والنية، وتكبيرة الافتتاح.\rولا خلاف في هذه الجملة إلا في تكبيرة الافتتاح.\rفعند أبي بكر الاصم: يصح الشروع في الصلاة بمجرد النية، دون التكبير.\rوهو فاسد: لقول النبي عليه السلام: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر.\rثم عند أبي حنيفة ومحمد، يصح الشروع بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى، مراد به تعظيمه لا غير نحو أن يقول: الله أكبر، الله أعظم.\rوكذا كل اسم ذكر مع الصفة، نحو الرحمن أعظم، الرحيم أجل، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن.\rوقال أبو يوسف: لا يصير شارعا، إلا بألفاظ مشتقة من التكبير لا غير، وهي ثلاثة ألفاظ: الله أكبر، الله الاكبر، الله الكبير -","part":1,"page":123},{"id":122,"text":"إلا إذا كان لا يحسن التكبير.\rوقال الشافعي: لا يصح إلا بقوله: الله أكبر، الله الاكبر.\rوقال مالك: لا يصير شارعا إلا بقوله: الله أكبر.\rفأما إذا قال: الله أو الرحمن أو الرحيم، ولم يقرن به الصفة هل يصير شارعا؟ لم يذكر في الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصير شارعا، وفي الجامع الصغير إشارة إليه، فإنه ذكر: إذا قال: لا إله إلا الله يصير شارعا، والشروع يصح بقوله: الله لا بالنفي.\rوأجمعوا أنه إذا قال: اللهم اغفر لي لا يصير شارعا، لانه لم يخلص تعظيم الله تعالى به، لان غرضه الدعاء.\rواختلف المشايخ فيما إذا قال: اللهم ولم يذكر شيئا آخر.\rفأما إذا قال بالفارسية: خدائ بزرك تر أو خدائ بزرك: فعلى قول أبي حنيفة: يصير شارعا، كيفما كان.\rوعلى قولهما: إن كان لا يحسن العربية، فكذلك، وإن كان يحسن، لا يجوز.\rثم إنما يصير شارعا إذا كبر، في حال القيام إذا كان قادرا.\rفأما إذا كبر قاعدا، ثم قام: لا يصير شارعا.\rفأما إذا لم يكن قادرا على القيام فيجوز.\rثم النية شرط صحة الشروع لان العبادة لا تصح بدون النية.","part":1,"page":124},{"id":123,"text":"وتفسيرها إرادة الصلاة لله تعالى، على الخلوص، والارادة عمل القلب.\rثم ذكر ما نوى بقلبه، باللسان هل هو سنة؟ عند بعضهم، ليس بسنة.\rوقال بعضهم: هو سنة مستحبة، فإن محمدا ذكر في كتاب المناسك: إذا أردت أن تحرم الحج: إن شاء الله، فقل: اللهم إني أريد الحج، فيسره لي، وتقبله مني فهؤهنا يجب أن يقول: اللهم إني أريد صلاة كذا، فيسرها لي، وتقبلها مني.\rثم لا يخلو: إما إن كان منفردا، أو إماما، أو مقتديا.\rفإن كان منفردا أو إماما، فإن كان يصلي التطوع، ينوي أصل الصلاة، وإن كان يصلي الفرض، ينبغي أن ينوي فرض الوقت أو ظهر الوقت، ولا يكفيه نية مطلق الصلاة، لان الفرائض من الصلوات مشروعة في الوقت، فلا بد من التعيين.\rوكذا ينبغي أن ينوي صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الجنازة، لان التعيين يحصل بهذا.\rوإن كان مقتديا يحتاج إلى ما يحتاج إليه المنفرد، ويحتاج إلي نية الاقتداء بالامام.\rبأن ينوي فرض الوقت، والاقتداء بالامام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الامام، أو ينوي الاقتداء بالامام في صلاته.\rثم الافضل في النية أن تكون مقارنة لتكبير، ولكن القرآن ليس بشرط عند أصحابنا.\rوقال الشافعي: شرط.\rولكن إذا نوى قبل الشروع، ولم يشتغل بعمل آخر جاز.","part":1,"page":125},{"id":124,"text":"وإذا نوى بعد التكبير: لا يجوز، لان الحرج يندفع بتقديم النية إلا\rما روي عن الكرخي أنه يجوز، إذا نوى وقت الثناء.\rونية الكعبة شرط عند بعض المشايخ، وعند بعضهم ليس بشرط وهو الاصح.\rوأما سنن الافتتاح: فأن يحذف التكبير، ولا يطول، وأن يرفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح مقارنا لها.\rوالسنة في رفع اليدين أن ينشر بالاصابع، ويجعل كفيه مستقبلي القبلة.\rوأراد بالنشر أن لا يرفعهما مضمومتين، بل مفتوحتين، حتى تكون الاصابع نحو القبلة، لا أن يفرج بين الاصابع تفريجا.\rويرفع يديه حذاء أذنيه.\rوقال الشافعي: يرفع حذو منكبيه.\rوقال مالك: يرفع حذاء رأسه.\rولم يذكر في ظاهر الرواية حكم المرأة.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنها ترفع يديها حذاء أذنيها، كالرجل، لان كفيها ليسا بعورة.\rوروى محمد بن مقاتل عن أصحابنا: إنها ترفع يديها حذاء منكبيها.\rفإذا فرغ المصلي من التكبير، يضع يمينه على شماله، تحت السرة.\rوقال مالك: السنة هي إرسال اليدين حالة القيام.\rوروى عن محمد، في النوادر أنه يرسلهما حالة الثناء، فإذا فرغ من","part":1,"page":126},{"id":125,"text":"الثناء يضع يمينه على شماله.\rوقال الشافعي: يضعهما على الصدر.\rثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، سواء كان مع الامام أو وحده.\rوروي عن أبي يوسف: ينبغي أن يقول مع التسبيح: * (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) *، * (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين) *.\rثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم إذا كان إماما أو منفردا، فهو سنة في حقهما، دون المتقدي عند أبي حنيفة ومحمد، ولا ينبغي أن يأتي به.\rوعلى قول أبي يوسف، سنة في حقه أيضا.\rوحاصل الخلاف أن التعوذ تبع للثناء أو تبع للقراءة فعلى قولهما تبع للقراءة، وعلى قوله تبع للثناء.\rويخرج عليه ثلاث مسائل: إحداهما - أن المقتدي لا قراءة عليه، فلا يأتي بما هو تبع لها عندهما.\rوالمقتدي يأتي بالثناء، فيأتي بما هو تبع له عنده.\rوالثانية: المسبق إذا شرع في صلاة الامام، وسبح لا يتعوذ، وإذا قام إلى قضاء ما سبق به يتعوذ عند ابتداء القراءة عندهما.\rوعنده يتعوذ عند التسبيح، لما ذكرنا.\rوالثالثة: الامام.\rفي صلاة العيد، يأتي بالتعوذ بعد التكبيرات،","part":1,"page":127},{"id":126,"text":"عندهما، لانه وقت القراءة، وعنده يأتي به قبل التكبيرات، كالتسبيح.\rثم يخفي: بسم الله الرحمؤن الرحيم، وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: يجهر.\rوهذا بناء على أن التسمية عنده من الفاتحة قولا واحدا، ومن رأس كل سورة قولين، فيجهر بهما، بمنزلة الفاتحة والسورة.\rوعندنا هي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، والافتتاح بها تبركا، وليست من الفاتحة، ولا من رأس كل سورة، فلا يجهر بها، ولكن يأتي بها الامام لافتتاح القراءة بها تبركا، كما يأتي بالتعوذ في الروايات كلها، في الركعة الاولى.\rوهل يأتي بها في أول الفاتحة في الركعات الاخر؟ فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية الحسن: لا يأتي بها.\rوفي رواية المعلى: يأتي، وهو قول أبي يوسف ومحمد.\rوهل يأتي بها عند رأس كل سورة في الصلاة؟ على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يأتي بها.\rوقال محمد: يأتي بها.\rثم القراءة فرض في الصلاة عند عامة العلماء، خلافا لابي بكر الاصم وسفيان بن عيينة، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا صلاة إلا بقراءة وهذا في حق الامام والمنفرد.\rفأما المقتدي فلا قراءة عليه عندنا.\rوعند الشافعي، عليه القراءة، والمسألة معروفة.\rثم عندنا، القراءة فرض في الركعتين","part":1,"page":128},{"id":127,"text":"الاوليين، حتى لو تركها في الاوليين وقرأها في الاخريين، ويكون قضاء على الاوليين وهو الصحيح من مذهب أصحابنا.\rوقدر القراءة المفروض عند أبي حنيفة، آية واحدة.\rوعندهما، آية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة.\rوقراءة الفاتحة والسورة جميعا في الركعتين الاوليين، ليست بفرض عندنا.\rوعند الشافعي فرض.\rولكن قراءتهما جميعا في الاوليين عندنا واجبة، حتى لو تركهما أو ترك إحداهما عمدا، يكون مسيئا، وإن كان ساهيا، يلزمه سجود السهو.\rوأما في الاخريين، فالسنة أن يقرأ بفاتحة الكتاب لا غير.\rولو سبح في كل ركعة ثلاث تسبيحات، أجزأه، ولا يكون مسيئا.\rوإن لم يقرأ، ولم يسبح، وسكت أجزأته صلاته، ويكون مسيئا.\rوروي عن أبي يوسف: هو بالخيار في الاخريين: إن شاء قرأ وإن شاء سبح، وإن شاء سكت.\rويجهر بالقراءة في جميع الصلوات المفروضة إلا في صلاة الظهر، والعصر.\rوكذا يجهر في كل صلاة يشترط فيها الجماعة، سواء كانت فرضا أو واجبة، كصلاة الجمعة والعيدين.\rثم إن كان إماما، يجب عليه مراعاة الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت، سواء كان في الفرض أو الواجب أو التطوع، كما في","part":1,"page":129},{"id":128,"text":"الترويحات، والوتر والعيدين، حتى لو ترك ذلك ساهيا، يجب عليه سجود السهو.\rوإن كان منفردا: إن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت.\rولو جهر فيها عمدا يكون مسيئا.\rوإن كان ساهيا، لا يجب عليه السهو، بخلاف الامام.\rوإن كانت صلاة يجهر فيها، فهو بالخيار: إن شاء جهر، وإن شاء خافت - كذا ذكر ههنا وفسر في موضع آخر أنه مخير، بين خيارات ثلاث: إن شاء جهر وأسمع غيره، وإن شاء جهر وأسمع نفسه.\rوإن شاء أسر القراءة في نفسه.\rولو قرأ القرآن بالفارسية في الصلاة: فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه: تجوز صلاته، سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن.\rوقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية، لا يجوز.\rوإن كان لا يحسن يجوز.\rوقال الشافعي: لا يجوز في الحالين جميعا.\rثم مقدار القراءة الذي يخرج به عن حد الكراهة هو فاتحة الكتاب.\rوسورة قصيرة قدر ثلاث آيات، أو ثلاث آيات من أية سورة كانت.\rواختلفت الروايات في مقدار المستحب عن أبي حنيفة.\rذكر في كتاب الصلاة: ويقرأ في الفجر بأربعين آية مع فاتحة الكتاب، أي سواها.\rوفي الظهر نحوا من ذلك أو دونه.\rوفي العصر عشرين آية مع فاتحة الكتاب أي سواها.\rوفي المغرب يقرأ في كل ركعة","part":1,"page":130},{"id":129,"text":"من الاوليين سورة قصيرة، خمس آيات أو ستا، مع فاتحة الكتاب أي\rسواها.\rويقرأ في العشاء مثل ما يقرأ في العصر.\rوروى الحسن، عن أبي حنيفة، في المجرد، أنه يقرأ في الفجر ما بين ستين إلى مائة آية.\rوفي الظهر يقرأ ب * (عبس) * أو * (إذا الشمس كورت) * في الاولى، وفي الثانية ب * (لا أقسم) * أو * (والشمس وضحاها) *.\rوفي العصر يقرأ في الاولى * (والضحى ؤ) * أو و * (العاديات) * وفي الثانية ب * (ألهاكم) * أو * (ويل لكل همزة) *.\rوفي المغرب يقرأ في الاوليين مثل ما يقرأ في العصر.\rوفي الاوليين من العشاء مثل ما في الظهر.\rوذكر في الجامع الصغير: ويقرأ في الفجر بأربعين أو خمسين أو ستين سوى الفاتحة.\rوفي الظهر يقرأ في الاوليين مثل ركعتي الفجر.\rوالعصر والعشاء سواء.\rوالمغرب دون ذلك.\rوروى الكرخي - عن المعلى، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في مختصره: وقدر القراءة في الفجر للمقيم ثلاثون آية إلى ستين سوى الفاتحة، في الاولى، وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين.\rوفي الظهر في الركعتين جميعا سوى الفاتحة مثل القراءة في الركعة الاولى من الفجر.\rوفي العصر والعشاء يقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية سوى فاتحة الكتاب، وفي المغرب بفاتحة الكتاب وسورة من قصار المفصل.\rوهذه الرواية أحب الروايات إلى.\rوقال مشايخنا: للامام أن يعمل بأكثر الروايات قراءة في مسجد له قوم زهاد وعباد، وبأوسطها في مسجد له قوم أوساط، وبأدناها في مسجد يكون على شوارع الطرق، عملا بالروايات كلها.\rهذا في حق المقيم فأما المسافر، فينبغي أن يقرأ مقدار ما يخف عليه","part":1,"page":131},{"id":130,"text":"وعلى القوم: بأن يقرأ فاتحة الكتاب، وسورة قصيرة.\rوأما في الوتر فإنه يقرأ الفاتحة وسورة قصيرة، ولا توقيت فيه، ويقرأ أحيانا * (سبح اسم ربك الاعلى) * و * (قل يا أيها الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * ولا يواظب.\rوهذا إذا صلى الوتر بجماعة، فإن صلى وحده، له أن يقرأ كيفما شاء.\rوأما في صلاة التطوع فله أن يقرأ ما شاء، قل أو كثر، بعد أن خرج عن حد الكراهة، لانه لا يؤدي إلى تنفير القوم.\rوالله أعلم.\rوإذا فرغ من الفاتحة، فإنه يقول آمين، إماما كان أو منفردا أو مقتديا - وهذا قول عامة العلماء.\rوقال بعضهم: لا يؤتى بالتأمين أصلا.\rوقال مالك: يأتي به المقتدي، دون الامام، والمنفرد.\rولكن عندنا: يؤتى به على وجه المخافتة، فهو السنة.\rوقال الشافعي: يجهر به في صلاة يجهر فيها بالقراءة.\rوالصحيح قولنا، لانه من باب الدعاء، والاصل في الدعاء المخافتة، دون الجهر.\rفإذا فرغ من القراءة ينحط للركوع ويكبر مع الانحطاط، ولا يرفع يديه عندنا.\rوقال الشافعي: يرفع.\rوكذلك عند رفع الرأس من الركوع.\rوالصحيح مذهبنا، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه","part":1,"page":132},{"id":131,"text":"قال: إن العشرة الذين بشر لهم رسول الله عليه السلام بالجنة، ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة، وخلاف هؤلاء الصحابة قبيح.\rثم قدر المفروض في الركوع هو أصل الانحناء.\rوكذلك في السجود، هو أصل الوضع.\rفأما الطمأنينة، والقرار في الركوع والسجود، فليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف والشافعي: إن الفرض هو الركوع والسجود، مع الطمأنينة بمقدار تسبيحة واحدة، حتى لو ترك تجوز صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، وعندهما لا تجوز.\rولقب المسألة أن تعديل الاركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، وعندهما فرض.\rوعلى هذا: القومة التي بعد الركوع، والقعدة التي بين السجدتين.\rوالصحيح قول أبي حنيفة ومحمد لقول الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) * والركوع هو الانحناء، والسجود هو الوضع: يقال: سجد البعير إذ وضع جرانه على الارض، والطمأنينة دوام عليه، والامر بالفعل لا يقتضي الدوام، فلا تجوز الزيادة عليه بخبر الواحد.\rوأما سنن الركوع فهي: أن يبسط ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا ينكسه، حتى يكون رأسه سويا، لعجزه، أن يضع يديه على ركبتيه على سبيل الاخذ، ويفرج بين أصابعه حتى تكون أمكن للاخذ.","part":1,"page":133},{"id":132,"text":"ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثة، وذلك أدناه، وإن زاد أفضل.\rوقال الشافعي: يكفيه تسبيحة واحدة.\rهذا إذا كان منفردا.\rفأما المقتدي فيسبح إلى أن يرفع الامام رأسه.\rوإن كان إماما ينبغي أن يسبح ثلاثا، ولا يطول، حتى لا يؤدي تنفير القوم عن الجماعة.\rفإذا اطمأن راكعا رفع رأسه، وقال سمع الله لمن إلى تنفير القوم عن الجماعة.\rحمده، ولا يرفع يديه، ولا يأتي بالتحميد عند أبي حنيفة إن كان إماما.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد والشافعي: يجمع بينهما.\rوروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة مثل قولهما.\rوإن كان مقتديا فإنه يأتي بالتحميد، دون التسبيح عندنا.\rوقال الشافعي: يجمع بينهما.\rوإن كان منفردا لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة، وإنما ذكر قولهما: إنه يجمع بينهما.\rوروى الحسغ بن زياد عن أبي حنيفة كذلك.\rوفي رواية النوادر أنه يأتي بالتحميد لا غير.\rفإذا اطمأن قائما ينحط للسجود، ويكبر مع الانحطاط، ولا يرفع يديه، ويضع ركبتيه على الارض، ثم يديه، ثم جبهته، ثم أنفه، وقيل: أنفه ثم جبهته.\rثم السجود فرض على بعض الوجه، لا غير عند أصحابنا الثلاثة.","part":1,"page":134},{"id":133,"text":"وقال زفر الشافعي: السجود على الاعضاء السبعة، وهي:\rالوجه، واليدان، والركبتان، والقدمان.\rثم على قول أبي حنيفة محل السجود في حق الجواز هي الجبهة أو الانف غير عين، حتى لو وضع أحدهما في حال الاختيار فإنه يجوز، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها، جاز من غير كراهة، ولو وضع الانف وحده جاز مع الكراهة.\rوقال أبو يوسف ومحمد: الفرض في حال الاختيار هو وضع الجبهة، حتى لو ترك لا يجوز.\rواجمعوا أنه لو وضع الانف، في حال العذر، جاز.\rولا خلاف أن المستحب هو الجمع بينهما في حال الاختيار.\rوأما سنن السجود فمنها أن يسجد على الجبهة من غير حائل، من العمامة والقلنسوة.\rولكن لو سجد على كور العمامة وجد صلابة الارض جاز، كذا ذكر محمد في الآثار.\rوقال الشافعي: لا يجوز.\rومنها: أن يضع يديه حذاء أذنيه في السجود، وأن يوجه أصابع يديه نحو القبلة، وأن يعتمد على راحتيه في السجود، ويبدي ضبعيه، وأن يعتدل في سجوده، ولا يفترض ذراعيه.\rوهذا في حق الرجل، فأما المرأة فينبغي أن تفترش ذراعيها، وتنخفض ولا تنتصب كانتصاب الرجل، وتلزق بطنها بفخذيها، لان هذا أستر لها.\rوأن يقول في سجوده سبحان ربي الاعلى ثلاثا وذلك أدناه.","part":1,"page":135},{"id":134,"text":"قال: ثم يرفع رأسه.\rويكبر حتى يطمئن قاعدا، ثم يكبر، وينحط للسجدة الثانية، لان السجدة الثانية فرض، فلا بد من رفع الرأس للانتقال إليها ويقول ويفعل فيها مثل ما في الاولى.\rقال: ثم ينهض على صدور قدميه معتمدا بيديه على ركبتيه لا على الارض، فلا يقعد قعدة خفيفة، ويرفع يديه من الارض قبل ركبتيه.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم ويعتمد على الارض، دون ركبتيه.\rوالصحيح مذهبنا، لما روى أبو هريرة، أن النبي عليه السلام كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه.\rثم يفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الاولى.\rويقعد على رأس الركعتين.\rوهذه القعدة واجبة شرعت للفصل بين الشفعين على ما ذكرناه.\rفأما القعدة الاخيرة ففرض عند عامة العلماء.\rوقال مالك: سنة.\rثم مقدار فرض القعدة الاخيرة مقدار التشهد لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا رفع الامام رأسه من السجدة الاخيرة وقعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته.\rوالسنة في القعدتين: أن يفترض رجله اليسرى ويقعد عليها.\rوينصب اليمين نصبا، ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، وهذا عندنا.\rوقال الشافعي في القعدة الاولى كذلك، وفي الثانية يتورك.\rوقال مالك: يتورك فيهما.","part":1,"page":136},{"id":135,"text":"وتفسير التورك أن يضع اليتيه على الارض ويخرج رجليه إلى جانبه الايمن.\rهذا في حق الرجل.\rأما في حق المرأة فذكر محمد في كتاب الآثار: تجمع رجليها من جانب، ولا تنتصب انتصاب الرجل.\rوذكر محمد بن شجاع في نوادره أنها تجلس متوركة.\rثم التشهد المختار عندنا ما هو المعروف، وهو تشهد عبد الله بن مسعود.\rوالشافعي أخذ بتشهد عبد الله بن عباس، وهو أن يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\rأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\rوالصحيح مذهبنا، فإنه روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه علم الناس على منبر رسول الله (ص) هذا التشهد، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، من غير تكبر، فيكون إجماعا.\rثم التشهد في القعدة الاولى سنة عن عامة مشايخنا، واجب عند بعضهم، أما في القعدة الاخيرة فواجب، وليس بفرض.\rوعلى قول الشافعي فرض.\rثم: هل يزاد على التشهد من الصلوات والدعوات؟ فنقول في التشهد الاول: لا يزاد عليه شئ عند عامة العلماء.\rوقال مالك والشافعي: يزاد عليه الصلوات لا غير.\rوأما في التشهد الاخير فيزاد عليه الصلاة على النبي عليه السلام، ثم","part":1,"page":137},{"id":136,"text":"الدعوات، كذا ذكر الطحاوي في مختصره، ولم يذكر في الاصل.\rثم الصلوات سنة مستحبة عندنا في الصلاة.\rوقال الشافعي: فرض حتى تفسد الصلاة بتركها.\rوأما في غير حالة الصلاة فكان أبو الحسن الكرخي يقول: إن الصلاة على النبي عليه السلام فرض على كل مسلم، بالغ، عاقل في العمر مرة واحدة.\rوقال الطحاوي: تجب عند سماع اسمه في كل مرة، وهو الصحيح.\rوالصلوات التي يؤتى بها في الصلاة، ما تعارفه الناس عقيب التشهد، لكثرة الاحاديث فيه.\rوإذا جلس للتشهد، ينبغي أن يضع يده اليمنى على فخذه الايمن، ويده اليسرى على فخذه الايسر، كذا روي عن محمد في نوادره.\rفإذا أراد أن يسلم بعد الفراغ من الصلوات والدعوات، يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الايمن، ثم عن يساره كذلك.\rوالتسليمتان سنة عند عامة العلماء.\rوقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وهو قول مالك، وقيل إنه قول الشافعي أيضا.\rوقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه لا غير.\rولكن إذا سلم إحداهما، يخرج عن صلاته عند عامة العلماء.\rوقال بعضهم لا يخرج ما لم يوجد التسليمتان.","part":1,"page":138},{"id":137,"text":"وإصابة لفظة السلام ليست بفرض عندنا، وقال مالك والشافعي: فرض.\rواختلف مشايخنا، فقال بعضهم: إنها سنة.\rوقال بعضهم: هي واجبة.\rثم ينوي في التسليمة الاولى من كان عن يمينه من الحفظة، والرجال والنساء كيف شاء بلا ترتيب، وهو الصحيح.\rوفي التسليمة الثانية من كان عن يساره من الحفظة والرجال والنساء.\rلكن قال بعضهم: ينوي من مكان معه في الصلاة من الرجال والنساء لا غير.\rوقال بعضهم: ينوي جميع المؤمنين والمؤمنات، كذا أشار الحاكم الجليل في مختصره.\rهذا في حق الامام.\rفأما المنفرد فعلى قول الاولين، ينوي الحفظة لا غير، وعلى قول الباقين، ينوي الحفظة وجميع البشر من أهل الايمان.\rوأما المقتدي فإنه ينوي ما ينوي الامام وينوي أيضا، إن كان يمين الامام في يساره، وإن كان عن يساره ففي يمينه.\rوإن كان بحذائه، لم يذكر في الكتاب.\rوروي عن أبي يوسف أنه ينوي عن يمينه.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينويه في الجانبين.\rثم المقتدي يسلم تسليمتين: إحداهما للخروج عن الصلاة، والثانية للتسوية بين القوم في التحية، بمنزلة الامام والمنفرد.\rوقال مالك: يسلم تسليمة ثالثة أيضا، وينوي بها رد السلام على الامام.\rوهو فاسد، لان تسليمهم رد السلام عليه.","part":1,"page":139},{"id":138,"text":"باب ما يستحب في الصلاة وما يكره فيها قال: ينبغي للرجل إذا دخل في صلاته أن يخشع فيها.\rويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده في قيامه، وإلى أطراف أصابع رجليه في ركوعه، وإلى أرنبة أنفه في سجوده، وإلى حجره في قعوده، ولا يرفع رأسه إلى السماء، ولا يطأطئه.\rولا يشتغل بشئ غير صلاته، من عبث بثيابه أو جسده أو لحيته.\rقال الله تعالى: * (قد أفلح المؤمنون ئ الذين هم في صلاتهم خاشعون) *.\rوروي أن النبي عليه السلام رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: أما هذا لو خشع قلبه، لخشعت جوارحه.\rولا يفرقع أصابعه، ولا يشبكها، ولا يجعل يديه على خاصرته.\rولا يقلب الحصى، ولا بأس أن يسويه مرة واحدة، إذا لم يمكنه إتمام السجود وتركه أفضل.\rولا يلتفت يمنة ويسرة، ولا يتمطى.\rولا يتثاءب.\rفإن غلبه شئ من ذلك، كظم ما استطاع، فإن لم يستطع فليضع يده على فيه.\rولا يقعى، ولا يتربع، ولا يفترش ذراعيه، إلا من عذر، على ما","part":1,"page":141},{"id":139,"text":"روي عن أبي ذررضي الله عنه أنه قال: نهاني خليلي عليه السلام عن ثلاث: أن أنقر نقر الديك، وأن أقعى إقعاء الكلب، وأن أفترش افتراش الثعلب.\rواختلفوا في تفسير الاقعاء: قال الكرخي: هو أن\rيقعد على عقبيه، ناصبا رجليه واضعا يده على الارض.\rوقال الطحاوي: الاقعاء أن يضع اليتيه على الارض.\rواضعا يديه عليها، وينصب فخذيه ويجمع ركبته إلى صدره.\rوهذا أشبه بإقعاء الكلب.\rوينبغي للمصلي أن يدرأ المار، ويدفعه، حتى لا يمر بين يديه، إلا أنه لا يدرأ بعمل كثير، ولا يعالج معالجة شديدة، حتى لا تفسد صلاته.\rويكره للمار أيضا أن يمر بين يدي المصلي، إلا إذا كان بينهما حائل من الاسطوانة ونحوها، فلا بأس بالمرور، وكذا إذا كان بين يديه مقدار مؤخرة الرحل.\rوينبغي أن ينصب بين يديه عودا، أو يضع شيئا مثل ذراع أو أكثر، حتى لا يحتاج إلى الدرء والدفع.\rفإنه روي عن النبي عليه السلام أنه صلى في الجبانة ونصب بين يديه عنزة.\rويكره أن يغمض عينيه في الصلاة، وأن يبزق على حيطان المسجد، ولا بين يديه على الحصى، ولكن يأخذ بثوبه، وإن فعل فعليه أن يدفعه ولو دفنه في السجد تحت الحصير، يرخص له ذلك، ولكن الافضل أن لا يفعل، وكذا المخاط على هذا.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: إن المسجد لينزوي من النخامة، كما تنزوي الجلدة في النار.","part":1,"page":142},{"id":140,"text":"وكره أبو حنيفة رضي الله عنه عد الآي في الصلاة، وعد التسبيح.\rوقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بذلك في الفريضة والتطوع.\rوفي ظاهر الرواية لا فرق بينهما أيضا عند أبي حنيفة.\rوفي رواية: كره في الفرض، ورخص في التطوع.\rويكره أن يكون الامام على الدكان والقوم أسفل منه، أو هم على الدكان والامام أسفل منهم، إلا من عذر في ظاهر الروايات، لا فصل بين الامام والقوم في هذا، ولا بين دكان ودكان.\rوروى الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره أن يكون المأموم في مكان أرفع من مكان الامام، ولا ينبغي للامام أن يكون أرفع من المأموم بما يجاوز القامة، ولا بأس بأن يكون أرفع منهما بما دونها.\rهذا وإذا كان الامام وحده.\rفأما إذا كان معه على الدكان بعض القوم فاصطفوا خلفه: لم يذكر في ظاهر الرواية: واختلف المشايخ فيه: كره بعضهم، ولم يكره بعضهم.\rوهذا في غير حالة العذر.\rفأما عند العذر فلا بأس به، كما إذا ازدحم القوم في يوم الجمعة والاعياد، وغير ذلك من الاعذار.\rويكره أن يغطي فاه في الصلاة، إلا إذا كانت التغطية لدفع التثاؤب فلا بأس به، لما مر.\rويكره أن يكف ثوبه، لما فيه من ترك سنة وضع اليد، وسنة اليد أن يضع يمينه على شماله.\rويكره أن يصلي عاقصا شعره.\rوالعقص أن يشد الشعر ضفيرة حول","part":1,"page":143},{"id":141,"text":"رأسه كما يفعله النساء، أو يجمع شعره فيعقده في مؤخرة رأسه.\rويكره أن يصلي معتجرا، واختلف المشايخ في تفسيره.\rقيل: هو أن يلف حوالي رأسه بالمنديل، ويترك وسطه مكشوفا، لانه تشبه بأهل\rالكتاب.\rوقيل: هو العقص الذي ذكرنا.\rوقيل هو أن يجعل منديله على رأسه ووجهه، كمعجر النساء إما لاجل الحر والبرد أو للكبر.\rويكره للمأموم أن يسبق الامام بالركوع والسجود.\rثم ينظر إن شاركه الامام في ذلك الركن الذي سبقه: جاز، عندنا، خلافا لزفر، لان المشاركة في الركن قد وجدت وإن قلت، وإن لم يشاركه حتى رفع رأسه من الركوع والسجود: لا يجوز، حتى لو لم يعد ذلك الركن حتى فرغ من الصلاة وسلم، تفسد صلاته لانه لم يوجد فيه المشاركة ولا المتابعة والاقتداء عبارة عن هذا، فلا يعتبر.\rوكذا يكره أن يرفع رأسه قبل الامام في الركوع والسجود.\rوأصله قول عليه السلام: إنما جعل الامام إماما ليؤتم به فلا فلا تختلفوا عليه.\rويكره أن يقرأ في غير حالة القيام، لان الركوع والسجود محل الثناء والتسبيح، دون القراءة.\rويستحب للرجل إذا دخل المسجد والامام راكع، أن يأتي إلى الصف، وعليه السكينة والوقار، ولا يكبر ولا يركع حتى يصل إلى الصف لانه إن ركع يصير مصليا خلف الصفوف وحده.\rوهو مكروه، وإن مشى حتى اتصل بالصف، يكره، لان المشي ينافي الصلاة، حتى قال مشايخنا: إن مشى خطوة خطوة، لا تفسد صلاته، وإن مشى خطوتين أو أكثر تفسد صلاته.\rثم الصلاة خلف الصفوف منفردا إنما يكره إذا وجد فرجة في","part":1,"page":144},{"id":142,"text":"الصف، فأما إذا لم يجد، لا يكره، لان حال العذر مستثناة، ألا ترى أن\rالمرأة يجب عليها أن تصلي منفردة خلف الصفوف، لان محاذاتها للرجال مفسدة لصلاتهم.\rويكره النفخ في الصلاة إذا لم يكن مسموعا، لان ليس من أعمال الصلاة، ولكن لا تفسد صلاته لانه ليس بكلام معهود، ولا يفعل كثير.\rفأما إذا كان مسموعا فقد قال أبو حنيفة ومحمد: تفسد صلاته، أراد به التأفيف أو لم يرد.\rوكان أبو يوسف يقول أولا: إن أراد به التأفف، يعني أن يقول \" أف \" أو \" تف \" على وجه الكراهة للشئ والتبعيد على وجه الاستخفاف تفسد صلاته، وإن لم يرد به التأفف لا تفسد.\rثم رجع وقال: لا تفسد صلاته، لانه ليس بكلام في عرف الناس، بل هو بمنزلة السعال والتنحنح.\rوالصحيح قولهما، لان الكلام في العرف حروف منظومة مسموعة، وأدنى ما يقع به انتظام الحروف حرفان، وقد وجد.\rويكره أن يمسح المصلي جبهته من التراب في وسط الصلاة، ولا بأس به بعد ما قعد قدر التشهد، كذا ذكر في ظاهر الرواية.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا بأس به، كيفما كان.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية، لانه إذا مسح مرة يحتاج إلى أن يمسح عند كل سجود، لانه يتلطخ فيتكرر المسح فيشبه فعلا كثيرا.\rفأما بعد ما قعد قدر التشهد، فلا بأس به، لانه يكفيه مرة واحدة وإنه فعل قليل، فيكون معفوا عنه، والترك أفضل، لانه ليس من جنس الصلاة.","part":1,"page":145},{"id":143,"text":"ولا يكره الصلاة في ثوب واحد متوشح به، أو قميص صفيق.\rواللبس في الصلاة ثلاثة أنواع: مستحب، وجائز، ومكروه.\rأما المستحب فأن يصلي في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء أو عمامة، كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهنداوي عن أصحابنا.\rوعن محمد أن المستحب أن يصلي في ثوبين: إزار ورداء.\rوأما الجائز فأن يصلي في ثوب واحد متوشح به، أو قميص واحد صفيق، لانه حصل به ستر العورة وأصل الزينة، إلا أنه لم يتم الزينة.\rوأصله حديث رسول الله عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال: أو كلكم يجد ثوبين.\rوأما المكروه فأن يصلي في سراويل واحدة، أو إزار واحد، لانه، وإن حصل ستر العورة، ولكن لم تحصل به الزينة أصلا، فإن الله تعالى قال: * (خذوا زينتكم عند كلمسجد) *.\rهذا إذا كان صفيقا، فأما إذا كان رقيقا يصف ما تحته لا تجوز صلاته، لان عورته مكشوفة.\rهذا في حق الرجل، فأما في حق المرأة فالمستحب ثلاثة أثواب في الروايات كلها: إزار، ودرع، وخمار، وإن صلت في ثوب واحد متوشحة به أو قميص واحد صفيق، لا يجزئها، إذا كان رأسها أو بعض جسدها مكشوفا، إلا إذا سترت يالثوب الواحد رأسها وجميع جسدها، سوى الوجه والكفين فحينئذ يجوز.\rوهذا في حق الحرة.\rفأما الامة فإذا صلت مشكوفة الرأس، جاز، لان رأسها ليس بعورة.","part":1,"page":146},{"id":144,"text":"باب صلاة المسافر في الباب فصول ثلاثة: أحدها: بيان الشروط التي تتعلق بها رخصة السفر.\rوالثاني: بيان الرخصة.\rوالثالث: بيان ما يبطل به حكم السفر، ويعود إلى حكم الاقامة.\rأما الاول - فنقول: هو أن ينوي مدة السفر، ويخرج من عمران المصر.\rفما لم يوجد هذان الشرطان، لا يثبت في حقه أحكام السفر، ورخصة المسافرين، فإنه إذا خرج من عمران المصر، ولم يقصد موضعا بينه وبين مصره مدة السفر أو خرج قاصدا موضعا ليس بينه وبين ذلك الموضع مدة السفر، لا يصير مسافرا، وإن قطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر، لان الانسان قد يخرج لحاجة إلى موضع لاصلاح الضياع لا للسفر، ثم تبدو له حاجة أخرى، فيجاوزه إلى موضع آخر ليس بينهما مدة السفر، فلا بد من قصد مدة السفر.\rثم اختلف العلماء في مدة السفر التي تتعلق بها الرخصة.\rقال علماؤنا: ثلاثة أيام ولياليها، يسير الابل ومشي الاقدام هذا جواب ظاهر الرواية.","part":1,"page":147},{"id":145,"text":"وروى الحسن عن أبي حنيفة، وابن سماعة عنهما، أنه مقدر بيومين وأكثر اليوم الثالث.\rوقال الشافعي في قول: مقدر بمسيرة يومين.\rوفي قول: ستة وأربعون ميلا، كل ميل ثلث فرسخ.\rوقال بعض الناس: إنه مقدر بمسيرة يوم وليلة.\rوأصل ذلك قول النبي عليه السلام: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها.\rثم إذا نوى مدة السفر، لا يثبت حكم السفر ما لم يخرج من العمران، ولا يصير مسافرا بمجرد النية، لان مجرد العزم معفو ما لم يتصل بالفعل.\rفإذا خرج من عمران المصر، لقصد السفر، فقد وجد عزم مقارن للفعل، فيكون معتبرا.\rوأما المسافر إذا نوى الاقامة، فإنه يبطل حكم السفر، ويصير مقيما للحال، لان العزم وجد مقارنا للفعل، وهو ترك السفر والاقامة حقيقة، فيكون معتبرا.\rثم المعتبر في حق النية هو نية الاصل دون التابع، حتى إن المولى إذا نوى السفر، وخرج من العمران مع عبده، يصير عبده مسافرا، وإن لم ينو السفر لانه تابع، وكذلك الزوج مع الزوجة، وكذلك كل من لزمه طاعة غير من الخليفة والسلطان وأمير الجند ونحو ذلك.\rوأما بيان الرخصة - فنقول: الرخص التي تعلقت بالسفر هي إباحة الفطر في رمضان، وقصر الصلاة التي هي من ذوات الاربع.\rثم اختلف العلماء في ذلك.","part":1,"page":148},{"id":146,"text":"فقال علماؤنا: الصوم في رمضان في حقه عزيمة، والافطار\rرخصة.\rأما قصر الصلاة فهو عزيمة، والاكمال مكروه ومخالفة للسنة، ولكن سمي رخصة مجازا.\rوقال الشافعي: القصر رخصة، والاكمال عزيمة.\rوثمرة الخلاف أن المسافر إذا صلى أربعا، لا يكون الاربع فرضا، بل المفروض ركعتان لا غير، والشطر الثاني تطوع عندنا، حتى إنه إذا قعد على رأس الركعتين قدر التشهد تجوز صلاته، وإذا لم يقعد، لا تجوز لانها القعدة الاخيرة في حقه، وهي فرض فإذا تركها فقد ترك فرضا، بخلاف المقيم تجوز لان الاكمال عزيمة عنده، وقد اختار العزيمة، فيكون فرضا.\rوكذا إذا ترك القراءة في الركعتين الاوليين، أو في ركعة منهما، تفسد صلاته عندنا، خلافا له.\rوأصله ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم عليه السلام.\rثم الرخصة، وهي قصر الصلاة وغيره، تثبت بمطلق السفر، سواء كان سفر طاعة كالجهاد والحج أو سفر مباح كالخروج إلى التجارة، أو سفر معصية كالخروج لقطع الطريق ونحوه وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لا تثبت بسفر هو معصية، لان الجاني لا يستحق التخفيف.\rولكنا نقول: إن النصوص التي وردت، في قصر الصلاة، وإباحة الفطر في حق المسافر، لا تفصل بين سفر وسفر.\rثم إذا خرج من عمران المصر قاصدا مدة السفر، فله أن يقصر الصلاة، سواء كان في أول الوقت أو في أوسطه أو في آخره، حتى إنه إذا","part":1,"page":149},{"id":147,"text":"بقي من الوقت مقدار ما يمكنه أداء ركعتين فإنه يقصر بلا خلاف بين أصحابنا.\rفأما إذا بقي مقدار ما يتمكن من أداء ركعة واحدة، أو من التحريمة لا غير، فإنه يصلي ركعتين عندنا خلافا لزفر.\rوقال بعض أصحابنا: إنما يقصر إذا خرج من العمران، قبل زوال الشمس فأما إذا خرج بعده فإنه يصلي أربعا للظهر، وإنما يقصر العصر.\rوقال بعض أصحاب الشافعي: إذا مضى من الوقت مقدار ما يتمكن من أداء الاربع، فإنه يجب عليه الاتمام، ولايجوز القصر.\rفأما إذا مضى من الوقت شئ قليل بحيث لا يسع لاربع ركعات، فإنه يقصر.\rوهذا بناء على أن الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره: فعندهم تجب في أول الوقت، وعندنا تجب في جزء من الوقت غير عين.\rوأما بيان ما يبطل به حكم السفر - فنقول: يبطل بما يضاده وينافيه، وهو الاقامة.\rلكن إنما تثبت الاقامة بأربعة أشياء: بصريح نية الاقامة، وبوجود الاقامة بطريق التبعية، وبالدخول في مصره.\rوبالعزم على العود إلى مصره.\rأما الاول: إذا نوى المسافر إقامة خمسة عشر يوما، في مكان يصلح للاقامة، فإنه يصير مقيما.\rفلا بد من ثلاثة أشياء: نية الاقامة ونية مدة الاقامة.\rوالمكان الصالح للاقامة، فإنه إذا أقام، في مصر أو قرية أياما كثيرة لانتظار القافلة أو لحاجة أخرى، ولم ينو الاقامة لا يصير مقيما\rعندنا.","part":1,"page":150},{"id":148,"text":"وللشافعي قولان في قول: إذا أقام أربعة أيام، يصير مقيما، وفي قول: إذا أقام أكثر مما أقام رسول الله (ص) بتبوك، يصير مقيما، والنبي عليه السلام أقام بتبوك تسعة عشر يوما أو عشرين.\rوأما مقدار مدة الاقامة فخمسة عشر يوما عندنا.\rوقال مالك والشافعي: أقل ذلك أربعة أيام.\rوهذا إذا نوى إقامة خسمة عشر يوما، في موضع واحد.\rفأما إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما في موضعين فإن كل واحد منهما أصلا بنفسه، فلا يكون أحدهما تبعا للآخر، فإن نوى أن يقيم بمكة ومنى: فإنه لا يصير مقيما.\rفأما إذا كان أحدهما تبعا للمصر حتى تجب الجمعة على من سكن هناك، فإنه يصير مقيما، بنية إقامة خمسة عشر يوما في هذين الموضعين، لانهما في الحكم كموضع واحد.\rوأما المكان الصالح للاقامة فهو موضع لبث وقرار في العادة، نحو الامصار والقرى، فأما المفازة والجزيرة والسفينة، فليست بموضع الاقامة.\rفأما الاعراب والاكراد والتركمان الذين يسكنون المفاوز في بيوت الشعر والصوف، فهم مقيمون، لان موضع مقامهم المفاوز عادة فأما إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف، وقصدوا موضعا آخر للاقامة في الشتاء، وبين الموضعين مدة السفر، فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق.\rوأما الثاني: وهو أن توجد نية الاقامة في الاصل، فيصير الاتباع مقيمين تبعا له من غير نية.\rوذلك نحو العبد والزوجة، وكل من وجب عليه طاعة غيره، من إمام أو أمير جيش.","part":1,"page":151},{"id":149,"text":"وأما الغريم مع صاحب الدين فإن كان المديون مليئا، لا يصير تبعا له، لانه يمكنه قضاء الدين فيقيم في أي موضع شاء ويرتحل، فأما إذا كان مفلسا، فإنه يصير تبعا، لان له حق حبسه وملازمته فلا يمكنه أن يفارق صاحب الدين، فيصير مقيما تبعا له.\rولكن في هذه الفصول إنما يصير التبع مقيما بإقامة الاصل، وتنقلب صلاته أربعا إذا علم التبع نية إقامة الاصل.\rفأما إذ لم يعلم فلا، حتى إن التبع إذا صلى صلاة المسافرين قبل العلم بنية إقامة الاصل، فإن صلاته جائزة، ولا يجب عليه الاعادة لان في لزوم الحكم قبل العلم به حرجا، فهو مدفوع.\rوعلى هذا الاصل: إذا اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت يجوز وتنقلب أربعا، لان المقتدي تابع للامام، والاداء وهو الصلاة في الوقت، يتغير بنية الاقامة صريحا، فإنه إذا نوى الاقامة في القوت ينقلب أربعا، فيتغير بوجود الاقامة تبعا، فصار صلاة المقتدي مثل صلاة الامام فصح الاقتداء.\rفإذا اقتدى بالمقيم خارج الوقت، لا يصح، لان القضاء لا يتغير بالنية بعد خروج الوقت، ولا يصير أربعا، فكذا بالاقامة تبعا، فتكون القعدة الاولى فرضا في حق المقتدي، نقلا في حق الامام، واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز في البعض كما لا يجوز في كل الصلاة.\rوأما اقتداء المقيم بالمسافر فيجوز في الوقت وخارج الوقت، لان صلاة المسافر في الحالين واحدة، والقعدة فرض في حقه، نفل في حق المقتدي، واقتداء المتنفل بالمفترض جائز، فافترقا.\rوأما الثالث: فهو بدخول مصره الذي هو وطنه الاصلي، يصير مقيما، وإن لم ينو الاقامة.\rولا يختلف الجواب بين ما إذا دخل مصره","part":1,"page":152},{"id":150,"text":"مختارا، أو لقضاء حاجة حدثت مع نية الخروج، أو بدا له أن يترك السفر، لان مصره متعين للاقامة، فلا يحتاج فيه إلى النية.\rوأما الرابع: فهو العزم على العود إلى مصره، بأن خرج من مصره بنية السفر ثم عزم على العود إلى مصره، ولم يكن بين هذا الموضع الذي بلغ وبين مصره مدة سفر فإنه يصير مقيما حين عزم على العود إلى مصره، وإن لم يدخل مصره، ولا نوى الاقامة صريحا، ويصلي أربعا، ما لم يعزم على السفر ثانيا.\rوإذا كان بينه وبين مصره مدة سفر، لا يصير مقيما، والله أعلم.\rفصل ثم الصلاة على الراحلة أنواع ثلاثة: فرض، وواجب، وتطوع.\rأما الفرض فيجوز على الراحلة بشرطين: أحدهما: أن يكون خارج المصر، سواء كان مسافرا، أو خرج إلى الضيعة.\rوالثاني: أن يكون به عذر مانع من النزول عن الراحلة، وهو خوف زيادة العلة والمرض، أو خوف العدو والسبع، أو كان في طين وردغة بحيث لا يمكن القيام فيه، ونحو ذلك.\rولكن يصلي بالايماء، من غير ركوع وسجود، ويجهل السجود أخفض من الركوع.\rثم هل يجوز الصلاة على الدابة بجماعة، بأن يقوم البعض بجنب البعض ويتقدمهم الامام أو يتوسطهم؟","part":1,"page":153},{"id":151,"text":"في جواب ظاهر الرواية: لا يجوز كيفما كان.\rوروي عن محمد أنه قال: إذا اصطف القوم صفا واحدا، بحيث لم يكن بينهم فرج، وقام الامام في وسطهم، جاز، وإلا فلا.\rوأما الصلاة الواجبة فكذلك، لانها ملحقة بالفرائض في الاحكام.\rوذلك نحو الوتر، لان عند أبي حنيفة، الوتر واجب، وعندهما: لا يجوز أيضا، لانه سنة مؤكدة.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ركعتا الفجر على الدابة، من غير عذر.\rوكذا الصلاة المنذورة.\rوكذا التطوع الذي وجب قضاؤه بالشروع والافساد.\rوكذا سجدة التلاوة التي وجبت بالتلاوة على الارض.\rفأما إذا تلا آية السجدة على الدابة، فسجدها عليها بالايماء، جازت، لانها وجبت كذلك.\rولو أوجب على نفسه صلاة ركعتين، وهو راكب، فصلاهما على الدابة، فإنه يجوز، كذا ذكر الكرخي.\rوروي عن محمد أن من أوجب على نفسه صلاة ركعتين، وهو راكب، فصلاهما على الدابة لا يجوز، ولم يفصل بين ما إذا كان الناذر على الارض أو على الدابة.\rوأما صلاة التطوع فإنه تجوز على الدابة، كيفما كان الراكب: مسافرا أو غير مسافر، بعد أن يكون خارج المصر، وإن كان قادرا على النزول.\rوهذا قول عامة العلماء.\rوقال بعضهم: لا يجوز إلا في حق المسافر، فأما في حق من خرج","part":1,"page":154},{"id":152,"text":"إلى بعض القرى فلا يجوز، لان الحديث ورد في السفر.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لما روي أنه عليه السلام خرج إلى خيبر، وكان يصلي على الدابة تطوعا، وليس بين المدينة وخيبر مدة سفر.\rوأما التطوع على الدابة في المصر فلا يجوز في ظاهر الرواية.\rوعن أبي يوسف: يجوز استحسانا.\rولا تجوز الصلاة ماشيا، ولا مقاتلا، ولا سابحا في الماء، لان النص ورد في الدابة.\rثم الصلاة على الدابة تطوعا كيفما كان، أو فرضا عند العذر المانع عن التوجه إلى القبلة، تجوز من غير استقبال القبلة أصلا، لا عند الشروع، ولا بعده.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لا تجوز، إلا إذا وجه الدابة نحو القبلة عند الشروع، ثم يصلي حيث توجهت الدابة.\rفأما إذا كانت الصلاة على الراحلة بعذر الطين والردغة فإن كان يمكنهم التوجه إلى القبلة، فإنه لا تجوز صلاتهم إلى غير القبلة، لان القبلة\rلم تسقط من غير عذر.\rوأصله ما روى جابر عن النبي عليه السلام أنه كان يصلي على الدابة نحو المشرق تطوعا، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة، صلى على الارض.\rثم الصلاة على الدابة لخوف العدو تجوز كيفما كانت الدابة، سائرة أو واقفة، لانه يحتاج إلى السير.\rأما في حال المطر والطين فإن صلى والدابة تسير فلا تجوز، لان","part":1,"page":155},{"id":153,"text":"السير مناف للصلاة، فلا يسقط من غير عذر.\rوكذا إذا استطاعوا النزول، ولم يقدروا على القعود نزلوا، وأومؤوا قياما على الارض.\rوإن قدروا على القعود، ولم يقدروا على السجود نزلوا، وصلوا قعودا بالايماء، لان السقوط بقدر الضرورة.\rوأما الصلاة في السفينة: فإن كانت واقفة، بأن كانت مشدودة على الجد ونحو ذلك فإنه لا يجوز إلا بالركوع والسجود، قائما متوجها إلى القبلة، لانه قادر.\rوإن كانت السفينة جارية: فإن كان يقدر على الخروج إلى الشط، فإنه يستحب له الخروج.\rولو صلى في السفينة قائما بركوع وسجود متوجها إلى القبلة حيثما دارت السفينة: فإنه يجوز، لان السفينة بمنزلة الارض.\rأما إذا صلى قاعدا بركوع وسجود فإن كان عاجزا عن القيام، يجوز بالاتفاق.\rوإن كان قادرا على القعود بركوع وسجود فصلى بالايماء لا يجوز بالاتفاق.\rأما إذا كان قادرا على القيام، فصلى قاعدا بركوع وسجود فإنه يجوز عند أبي حنيفة، وقد أساء.\rوعلى قولهما: لا يجوز، لان القيام ركن فلا يسقط من غير عذر.\rوقول أبي حنيفة أرفق بالناس، لان الغالب في السفينة دوران الرأس، فالحق بالمتحقق تيسيرا.","part":1,"page":156},{"id":154,"text":"فإذا صلى في السفينة بجماعة، جازت صلاتهم.\rولو اقتدى به رجل في سفينة أخرى: فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز.\rوإن كانتا منفصلتين: لا يجوز.\rوإن كان الامام في السفينة والمقتدي على الشط، والسفينة واقفة: فإن كان بين السفينة والشط مقدار نهر عظيم، لا يصح الاقتداء، وإن لم يكن جاز والله أعلم.","part":1,"page":157},{"id":155,"text":"باب صلاة الجمعة الكلام في هذا الباب في أربعة مواضع: في بيان أن الجمعة فرض أصلي أم لا، وفي بيان شرائط الجمعة، وفي بيان صفة صلاة الجمعة، وقدرها، وفي بيان ما يستحب يوم الجمعة.\rأما الاول - فنقول: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: فرض الوقت الظهر، إلا أن المقيم\rالصحيح الحر مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة على طريق الختم، والمعذور مأمور بإسقاطه بالجمعة، على طريق الرخصة حتى إنه إذا أدى الجمعة سقط عنه الظهر وتكون الجمعة فرضا، وإن ترك الترخص، عاد الامر إلى العزيمة، ويكون الفرض هو الظهر لا غير.\rوقال محمد في قول: الفرض هو الجمعة، وله أن يسقطه بالظهر رخصة.\rوفي قول: الفرض أحدهما، إما الظهر وإما الجمعة، ويتعين ذلك بالفعل: فأيهما فعل، يتبين أن الفرض هو.\rوقال زفر: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنها.\rوهذا كله قول علماؤنا رحمهم الله.\rوقول الشافعي: الجمعة ظهر قاصر.","part":1,"page":159},{"id":156,"text":"وعندنا هي صلاة غير صلاة الظهر، حتى لا يصح عندنا بناء الظهر على تحريمة الجمعة، بأن خرج الوقت، وهو في الصلاة، فعندنا يستقبل ظهرا، وعند الشافعي يتمها ظهرا.\rإذا ثبت هذا الاصل، تخرج عليه المسائل - فنقول: من صلى الظهر في بيته وحده، وهو غير معذرو، فإنه يقع فرضا في قول أصحابنا الثلاثة، خلافا لزفر، فإن عنده لا يجوز الظهر.\rأما عند أبي حنيفة، وأبي يوسف فلان فرض الوقت هو الظهر، لكن أمر بإسقاطه بالجمعة، فإذا لم يأت بالجمعة، وأتى بالظهر، فقد أدى فرض الوقت فيجزئه، وأما عند محمد فلان فرض الوقت، وإن كان هو الجمعة، في قول، فله أن يسقطه الظهر رخصة.\rوفي قول: أحدهما غير عين وإنما يتعين بفعله وقد عينه.\rوعلى قولزفر: لما كان الظهر بدلا عن\rالجمعة، وهو قادر على الاصل.\rفإنه لا يجوز البدل.\rوعلى هذا المعذور، نحو المريض، والمسافر، والعبد، إذا صلى الظهر في بيته وحده، يقع عن الفرض عند أصحابنا جميعا، على اختلاف الاصول: أما عندهما فلان فرض الوقت هو الظهر في حق الكل، والمعذور أمر بإسقاطه بالجمعة بطريق الرخصة، إلا أن الفرق أن في الفصل الاول يأثم بترك الجمعة، وهؤهنا لا يأثم بترك الجمعة، لان ثمة ترك الفرض، فيأثم وهنا ترك الرخصة فلا يأثم ويعذر، وأما عند زفر فلان الواجب عليه الظهر، بدلا عن الجمعة، لكونه معذورا.\rوعلى هذا الاصل إن المعذور إذا صلى الظهر في بيته، ثم شهد الجمعة وصلى مع الامام انتقض ظهره ويكون تطوعا، وفرضه الجمعة لانه أمر بإسقاط الظهر بالجمعة إذا كان قادرا عليه وقد قدر فينتفض ظهره ضرورة تمكن أداء الجمعة.\rوعند زفر: لا يبطل لما قلنا: إن الظهر عنده بدل، وقد قدر على الاصل، بعد حصول المقصود","part":1,"page":160},{"id":157,"text":"بالبدل، فلا يبطل البدل.\rوأما غير المعذور إذا صلى الظهر في بيته، ثم شهد الجمعة، فهذا على وجهين: أحدهما: إذا حضر الجامع وصلى الجمعة مع الامام أو أدركه في الصلاة بعدما قام فإنه يبطل ظهره بلا خلاف بيننا لما قلنا.\rوالثاني: حين خرج من بيته وسعى إلى الجامع والامام في الجمعة، لكنه إذا حضر ووجد الامام قد فرغ عنها فكذلك الجواب عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا ينتفض ما لم يشرع معه في الجمعة.\rوعلى هذا الاصل إذا شرع الرجل في صلاة الجمعة، ثم تذكر أن عليه صلاة الفجر فإن كان بحال لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة والظهر عن وقتهما، فإنه يمضي فيها ولا يقطع بالاجماع.\rوإن كان بحال لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة، ولكن يدرك الظهر في وقته، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يصلي الفجر، ثم يصلي الظهر، ولا تجزئه الجمعة، وعلى قول محمد: يمضي على الجمعة، ولا يقطع لما قلنا.\rوأما الثاني: في بيان شرائط الجمعة - فنقول: للجمعة شرائط بعضها من صفات المصلي، وبعضها ليس من صفاته.\rفالتي من صفات المصلي ستة: الذكورة، والعقل، والبلوغ، والحرية، وصحة البدن، والاقامة، حتى لا تجب الجمعة على النسوان، والصبيان، والمجانين، والعبيد والزمنى والمرضى، والمسافرين.\rوأما الاعمى فهل يجب عليه الجمعة؟ أجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدا، لا يجب، كما لا يجب على الزمني.\rأما إذا وجد قائدا، إما بالاعارة أو بالاجارة، على قول أبي حنيفة لا يجب أيضا، وعندهما يجب أيضا.","part":1,"page":161},{"id":158,"text":"وعلى هذا الاختلاف إذا كان له زاد وراحلة، وأمكنه أن يستأجر قائدا، أو وجد له إنسان يقوده إلى مكة ذاهبا وجائيا، فعند أبي حنيفة لا يجب عليه الحج، وعندهما يجب.\rثم هؤلاء الذين لا يجب عليهم الجمعة إذا حضروا الجمعة وصلوا، فإنه يجزئهم ويسقط عنهم فرض الوقت، لان امتناع الوجوب للعذر قد زال.\rوأما الشرائط التي ليست من صفات المصلي فستة أيضا: خمسة ذكرها في ظاهر الرواية، وهي: المصر الجامع، والسلطان، والجماعة، والخطبة، والوقت، والسادس ذكره في نوادر الصلاة وهو أن يكون أداء الجمعة بطريق الاشتهار، حتى إن أميرا لو جمع جنوده في الحصن، وأغلق الابواب وصلى بهم الجمعة، فإنه لا يجزئهم وإن فتح باب الحصن وأذن للعامة فيه بالدخول، جاز.\rوأما المصر الجامع فقد ذكر الكرخي: ما أقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الاحكام.\rوقد تكلم فيه أصحابنا بأقوال.\rوروي عن أبي حنيفة: هو بلدة كبيرة، فيها سكك وأسواق، ولها رساتيق.\rوفيها وال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم، بحشمه وعلمه أو علم غيره، ويرجع الناس إليه فيما وقع لهم من الحوادث، وهذا هو الاصح.\rوأما الثالث: في بيان صفة صلاة الجمعة وقدرها - فنقول: ينبغي أن يصلي ركعتين، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر على ما مر.\rولو قرأ في الركعة الاولى بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة المنافقون فحسن تبركا بفعل النبي عليه","part":1,"page":162},{"id":159,"text":"السلام، ولكن لا يواظب على قراءة هاتين السورتين أيضا.\rفلو واظب على قراءاتهما، يكره لان فيه هجر بعض القرآن، وإيهام العامة على أن ذلك بطريق الحتم.\rويجهر بالقراءة فيهما لورود الاثر بالجهر فيها والله أعلم.\rوأما الرابع: في بيان ما يستحب في يوم الجمعة فنقول: السنة والمستحب فيه أن يدهن، ويمس طيبا إن وجد، ويلبس أحسن ثيابه ويغتسل.\rوغسل يوم الجمعة عند عامة العلماء: سنة.\rوقال مالك: واجب.\rولكنه سنة اليوم أو سنة الجمعة؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.","part":1,"page":163},{"id":160,"text":"باب صلاة العيدين الكلام في صلاة العيدين في مواضع: وفي بيان أنها واجبة أم سنة، وفي شرائط وجوبها، وفي وقت أدائها، وفي كيفية أدائها، وفي بيان ما يستحب، ويسن، في يوم عيد الاضحى، والفطر.\rأما الاول، وهو بيان أنها واجبة أم سنة - فنقول: اختلفت الروايات عن أصحابنا: في ظاهر الرواية دليل على أنها واجبة، فإنه قال: ولا يصلي نافلة في جماعة، إلا قيام رمضان، وصلاة الكسوف فهذا دليل على أن صلاة العيد واجبة، فإنها تقام بجماعة.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: وتجب صلاة العيد على أهل الامصار، كما تجب الجمعة.\rوذكر أبو الحسن الكرخي ههنا وقال: وتجب صلاة العيد على من يجب عليه الجمعة.\rوذكر في الجامع الصغير أنه سنة، فإنه قال: إذا اجتمع العيدان في يوم واحد، فالاول سنة.","part":1,"page":165},{"id":161,"text":"وذكر أبو موسى الضرير في مختصره أنها فرض كفاية.\rوالاصح أنها واجبة.\rأما بيان شرائط وجوبها: فكل ما هو شرط وجوب الجمعة، فهو شرط وجوب صلاة العيدين من: الامام، والمصر، والجماعة، إلا الخطبة، فإنها سنة بعد الصلاة بإجماع الصحابة.\rوشرط الشئ يكون سابقا عليه، أو مقارنا له.\rوأما الوقت: فقال أبو الحسن: وقت صلاة العيدين من حين تبيض الشمس إلى أن تزول، لما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يصلي العيد والشمس قدر رمح أو رمحين، إلا أن في عيد الفطر إذا ترك الصلاة في اليوم الاول لعذر، يؤدي في اليوم الثاني في وقتها، وإن ترك بغير عذر سقطت أصلا.\rوفي عيد الاضحى إن تركت في يوم النحر لعذر، تؤدى في اليوم الثاني، فإن تركت في اليوم الثاني، لعذر أيضا، تؤدى في اليوم الثالث أيضا.\rوكذلك قالوا إذا تركت بغير عذر، تؤدى في اليوم الثاني\rوالثالث، وتسقط بعد ذلك، سواء دام العذر أو انقطع، لان القياس أن لا تؤدى إلا في يوم العيد، لانها عرفت بصلاة العيد.\rوإنما عرف جواز الاداء في اليوم الثاني في عيد الفطر بالنص الخاص في حالة العذر وفي عيد الاضحى في اليوم الثاني والثالث استدلالا بالاضحية، لانها تجوز في اليوم الثاني والثالث، وصارت هذه أيام النحر، وصلاة العيد تؤدى في أيام النحر.","part":1,"page":166},{"id":162,"text":"وأما بيان كيفية أداء صلاة العيدين - فنقول: يصلي الامام ركعتين: فيكبر تكبيرة الافتتاح، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره، ثم يكبر ثلاثا، ثم يقرأ جهرا، ثم يكبر تكبيرة الركوع فإذا قام إلى الثانية يقرأ أولا، ثم يكبر ثلاثا، ويركع بالرابعة فتكون التكبيرات الزوائد ستا، ثلاثة في الركعة الاولى وثلاثة في الركعة الثانية، وثلاثة أصليات: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرات الركوع، فصار حاصل الجواب عندنا أن يكبر في صلاة العيدين تسع تكبيرات، ستة في الزوائد، وثلاثة أصليات.\rويوالي بين القراءتين فيقرأ في الركعة الاولى بعد التكبيرات وفي الثانية قبل التكبيرات.\rوهذا هو مذهب عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعقبة بن عامر الجهني، وأبي موسى الاشعري، وأبي هريرة، وابن مسعود الانصاري رضي الله عنهم.\rوروي عن علي بن أبي طالبرضي الله عنه ثلاث روايات، والمشهور منها أنه فرق بين عيد الفطر وعيد الاضحى، فقال: ويكبر في الفطر إحدى عشرة تكبيرة: ثلاث أصليات، وثمان زوائد، في كل ركعة\rأربعة، وفي الاضحى يكبر خمس تكبيرات ثلاث أصليات وزائدتان في كل ركعة تكبيرة.\rوعنده يقدم القراءة على التكبيرات في الركعتين جميعا.\rوعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما روايات كثيرة، والمشهور منها أنه يكبر ثلاث عشرة تكبيرة، ثلاث أصليات، وعشر زوائد، في كل","part":1,"page":167},{"id":163,"text":"ركعة خمسة، في العيدين جميعا، ويقدم التكبيرات على القراءة في الركعتين جميعا.\rوإنما أخذ أصحابنا بقول ابن مسعود لانه وافقه كثير من الصحابة، وأنه لا اضطراب في قوله بخلاف قول غيره.\rثم إن عند أبي حنيفة ومحمد: يرفع يديه عند تكبيرات الزوائد وعلى قول أبي يوسف: لا يرفع.\rويتعوذ: قبل التكبيرات عند أبي يوسف وعند محمد بعد التكبيرات قبل القراءة، على ما ذكرنا أن عند أبي يوسف التعوذ تبع للاستفتاح وعند محمد تبع للقراءة مقدمة عليه.\rثم القوم يجب عليهم أن يتابعوا الامام في التكبيرات، على رأي الامام، دون رأي أنفسهم، بأن كان الامام على رأي ابن مسعود، والقوم على رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، لانهم تبع للامام، فيجب عليهم متابعته وترك رأيهم برأيه.\rثم إن القوم إنما يتابعون الامام في التكبيرات إذا لم يزد على ما قاله الصحابة، فأما إذا زاد عليه، لا يتابعونه، لانه خلاف الاجماع.\rولكن هذا إذا سمع التكبيرات من الامام، فأما إذا سمع ذلك من\rالمكبرين فإنه يأتي بالكل، وإن خرج عن أقاويل الصحابة، لانه لو ترك البعض ترك ما أتى به الامام فكان الاحتياط في تحصيل الكل.\rثم الامام إذا شرع في صلاة العيد مع القوم، فجاء إنسان واقتدى به: فإن كان قبل التكبيرات الزوائد، كان له أن يتابع الامام على مذهب الامام ورأيه لما قلنا.","part":1,"page":168},{"id":164,"text":"فأما إذا أدرك بعدما كبر الامام الزوائد، وشرع في القراءة، فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ويأتي بالزوائد، قائما ما لم يخف فوت الركوع، لانه خلف الامام حقيقة، ويكبر برأي نفسه، لا برأي الامام، لانه مسبوق.\rفأما إذا خاف فوت الركوع، بأن ركع الامام، فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح قائما، ثم يكبر ويركع، ويأتي بالزوائد في الركوع، برأي نفسه لا برأي الامام لانه مسبوق.\rوعن الحسن بن زياد أنه يسقط عنه الزوائد، لانها فات محلها وهو القيام.\rولكنا نقول إن للركوع حكم القيام من وجه، فيأتي بها احتياطا.\rوإن خاف فوت التسبيحات، يأتي بالزوائد دون التسبيحات لانها واجبة والتسبيحات سنة.\rفأما إذا كان بعد رفع الامام رأسه من الركوع، فإن يسقط عنه التكبيرات الزوائد وله أن يشرع في صلاته، ثم يقضي الركعة، ويأتي بالتكبيرات على رأيه لا على رأي إمامه، بخلاف ما إذا أدركه في الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنه يتابع الامام فيها برأي الامام في البداية، لانه\rخلف الامام حقيقة، فإذا فرغ الامام من صلاته، فإنه يقضي ما سبق به، وعلى رأيه أيضا، لانه المسبوق بمنزلة المنفرد.\rثم إذا قام إلى قضاء ما سبق به ينبغي أن يقرأ أولا ثم يكبر الزوائد، كما هو مذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الركعة الثانية.\rهكذا ذكر في عامة الروايات.\rوذكر في نوادر أبي سليمان أنه يكبر أولا ثم يقرأ.","part":1,"page":169},{"id":165,"text":"ومنهم من قال ما ذكر في النوادر قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وما ذكرنا في عامة الروايات قول محمد، بناء على أن المسبوق، يقضي أول صلاته في حق القراءة عندهما، وعند محمد يقضي آخر صلاته.\rفإن كان يقضي أول صلاته عندهما، فيأتي بالتكبير أولا ثم بالقراءة إذا كان يرى رأي ابن مسعود ولما كان يقضي آخر صلاته عند محمد، يأتي بالقراءة ثم بالتكبير كما هو مذهب ابن مسعود.\rومنهم من قال: في المسألة روايتان وهذا يعرف في المبسوط.\rوأما ما يستحب ويسن في يوم العيد، فأشياء: الاغتسال، والاستياك، والتطيب، ولبس أحسن ثيابه جديدا كان أو غسيلا.\rوينبغي أن يخرج صدقة فطره قبل الخروج إلى المصلى، في عيد الفطر، وكذا يذوق شيئا لكونه يوم فطر.\rوأما في عيد الاضحى فإن كان في الرساتيق يذبح حين أصبح، ويذوق منه، ولا يمسك كما في عيد الفطر، وفي المصر لا يذبح حتى يفرغ\rمن صلاة العيد، ولا يذوق في أول اليوم، حتى يكون تناوله من القرابين.\rوهل يكبر الناس في الطريق، قبل الوصول إلى المصلى، على سبيل الجهر؟ ذكر الطحاوي أنه يأتي على سبيل الجهر في العيدين جميعا.\rولكن مشايخنا قالوا بأن في عيد الاضحى، يكبر في حال ذهابه إلى المصلى جهرا، فإذا انتهى إلى المصلى يترك، فأما في عيد الفطر فعلى قول أبي حنيفة لا يكبر جهرا في حال ذهابه إلى المصلى وعلى قولهما يكبر فيهما جهرا.","part":1,"page":170},{"id":166,"text":"والصحيح قول أبي حنيفة، فإن الاصل في الاذكار هو الاخفاء دون الجهر، وإنما يصار إلى الجهر، بدليل زائد وفي عيد الاضحى ثبت عن رسول الله (ص) أنه كان يكبر في الطريق، ولم يكبر في عيد الفطر.\rثم في يوم العيد، ينبغي أن يترك التطوع في المصلى، قبل صلاة العيد، وقبل أن يفرغ الامام من الخطبة حتى لو فعل يكون مكروها ويصير مسيئا، أما لو فعل بعد الفراغ من الخطبة، فلا بأس به، ومعنى الكراهة والاساءة قد بيناه في باب الاوقات.","part":1,"page":171},{"id":167,"text":"باب تكبير أيام التشريق الكلام ههنا في: تفسير التكبير،\rوفي بيان كونه واجبا أم سنة، وفي بيان وقت التكبير، وفي بيان محل أدائه، وفي بيان من يجب عليه.\rوفي بيان أنه هل يجب فيه القضاء بعد الفوت؟ أما الاول: فقد اختلفت الرواية عن الصحابة في تفسير التكبير، والصحيح هو المشهور والمتعارف بين الامة، وهو قولهم: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.\rوأما الثاني - فنقول: إنه واجب، وذكر هؤهنا أنه سنة، ثم فسرها بالواجب، فإنه قال: تكبير أيام التشريق سنة ماضية، نقلها أهل العلم، وأجمعوا على العمل بها، ولكن إطلاق اسم السنة جائز على الواجب: فإنها عبارة عن الطريقة المرضية.\rودليل الوجوب قوله تعالى: * (واذكروا الله فيح أيام معدودات) * قال أهل التفسير: المراد هذه الايام.","part":1,"page":173},{"id":168,"text":"وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: ما من أيام أحب إلى الله تعالى العمل فيهن، من هذه الايام، فأكثروا فيها من التكبير والتهليل والتسبيح.\rوالثالث: الكلام في وقت التكبير: اختلفت الصحابة في ابتداء وقت التكبير وانتهائه.\rاتفق الكبار منهم، مثل أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس وغيرهم رضي الله عنهم، على أن يبدأ من صلاة\rالفجر من يوم عرفة.\rواختلفوا في الانتهاء، روي عن عمر: ينتهي إلى وقت الظهر من آخر أيام التشريق يكبر ثم يقطع.\rوعن علي أنه يقطع في وقت العصر في آخر أيام التشريق تمام ثلاث وعشرين صلاة.\rوعن عبد الله بن مسعود أنه يقطع وقت الصلاة العصر من يوم النحر يكبر ثم يقطع تمام ثمان صلوات.\rفأخذ أبو حنيفة يقول ابن مسعود ابتداء وانتهاء.\rوأخذ أبو يوسف ومحمد يقول على ابتداء وانتهاء.\rواتفق الشبان من أصحاب رسول الله آ، نحو عبد الله بن عمر وعائشة وغيرهما، أنه يبدأ من صلاة الظهر من يوم النحر، وهكذا روي عن زيد بن ثابت.\rوروي عن ابن عمر أنه يقطع في الظهر من آخر أيام التشريق.\rوأخذ الشافعي بقول ابن عمر ابتداء وانتهاء.\rودلائل المسألة تعرف في المبسوط والجامع الكبير.","part":1,"page":174},{"id":169,"text":"وأما محل أداء التكبير: ففي دبر الصلاة وإثرها، من غير أن يتخلل، ما يقطع حرمة الصلاة، حتى إنه لو قام وخرج من المسجد أو تكلم، فإنه لا يكبر، ولو قام ولم يخرج من المسجد فإنه يكبر.\rثم إذا نسي الامام ولم يكبر فللقوم أن يكبروا، لانه ليس من جملة أفعال الصلاة حتى يكون الامام فيه أصلا.\rوأما الكلام فيمن يجب عليه: فقد قال أبو حنيفة إنه لا يجب إلا على\rالرجال، الاحرار، البالغين، المكلفين، من أهل الامصار، المصلين للفرض بجماعة حتى لا يجب على العبيد، ولا على النسوان، والصبيان، ولا على المسافرين، ولا على أهل الرساتيق، ولا على من يصلي الفرض وحده.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يجب على كل مؤد فرضا، على أي وصف كان، وفي أي مكان كان.\rوقال الشافعي: على كل مصل، فرضا كانت الصلاة أم نفلا.\rوالدلائل مذكورة في المبسوط والجامع الكبير.\rوأما الكلام في وجوب القضاء عند الفوت فهو أربعة فصول: إذا ترك الصلاة في الايام التي هو فيها، وقضى في تلك الايام، فإنه يكبر بلا خلاف، لان القضاء على حسب الاداء، وقد فاتته مع التكبير، فيقضي كذلك.\rولو ترك صلاة في غير هذه الايام، فتذكر في هذه الايام، يقضي بلا تكبير، لانه فاتته بلا تكبير.\rولو ترك في هذه الايام، وقضاها في غير أيام التشريق يقضي بلا تكبير، لانه ليس في وقت القضاء تكبير مشروع، على سبيل الجهر، فلا يمكنه القضاء.","part":1,"page":175},{"id":170,"text":"ولو ترك التكبير في أيام التشريق، فتذكر في أيام التشريق من القابل، ففي المشهور من الروايات أنه لا يقضي مع التكبير، كرمي الجمار إذا فاته في هذه الايام، لا يقضي في هذه الايام في السنة القابلة، فكذلك التكبير.\rوفي رواية أخرى أنه يقضي مع التكبير، لانه يمكنه القضاء مع التكبير، وقد فاتت مع التكبير، والله أعلم.","part":1,"page":176},{"id":171,"text":"باب صلاة الخوف في الباب فصول: منها: أن صلاة الخوف مشروعة، بعد وفاة النبي عليه السلام، عند عامة العلماء.\rوقال الحسن بن زياد: إنها كانت مشروعة، في زمن النبي عليه السلام، مع وجود المنافي لفضيلة الصلاة مع رسول الله (ص)، وهذا المعنى لم يوجد بعد وفاته.\rوجه قول عامة العلماء، إجماع الصحابة على ذلك.\rومنها: بيان صفة صلاة الخوف.\rوقد اختلف العلماء في كيفيتها اختلافا كثيرا، لاختلاف الاخبار، في الباب واختار أصحابنا ما هو الاوجه من ذلك، فقالوا: ينبغي للامام أن يجعل الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو: ويفتتح الصلاة بطائفة، فيصلي بهم ركعة إن كان مسافرا، أو صلاة الفجر وركعتين، إن كان مقيما، في ذوات الاربع، ثم تنصرف هذه الطائفة التي صلى بهم إلى وجه العدو.\rوتأتي الطائفة الاخرى، فيصلي بهم بقية الصلاة، ويسلم ولا يسلم القوم.\rثم هذه الطائفة ينصرفون إلى وجه العدو، وتعود الطائفة الاولى فتقضي بقية صلاتها، بغير قراءة، لانهم لاحقون، وينصرفون إلى وجه العدو.\rثم تعود الطائفة الثانية فتقضي بقية صلاتها،","part":1,"page":177},{"id":172,"text":"بقراءة لانهم مسبوقون، ولكن ينبغي أن ينصرفوا مشاة.\rفأما إذا انصرفوا ركبانا، فإنه لا تجوز صلاتهم، سواء كان انصرافهم من القبلة إلى العدو أو من العدو إلى القبلة، هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا.\rهذا الذي ذكرنا إذا كانت الصلاة ركعتين، أو من ذوات الاربع.\rفأما في صلاة المغرب، فينبغي للامام أن يصلي بالطائفة الاولى ركعتين، وبالثانية ركعة واحدة، وهذا قول عامة العلماء خلافا لسفيان الثوري، المعادلة في القسمة أن تنصف الصلاة، فيقيم بكل طائفة نصفها، إلا أن الركعة لا تتجزأ فتتكامل ضرورة.\rثم إنما تجوز صلاة الخوف، إذا لم يوجد من الامام ولا من القوم مقاتلة ومراماة، في الصلاة.\rفأما إذا وجد شئ من ذلك، فإنه تفسد صلاته عندنا، خلافا للشافعي.\rثم كل من كان لا يمكنه أن ينزل، يصلي راكبا بالايماء متوجها إلى القبلة إن قدر، وإن لم يقدر يصلي حيثما توجه، ولا يسعه أن يترك الصلاة حتى يخرج الوقت، ولكن يصلون وحدانا، ولا يجوز بجماعة، على ما ذكرناه.\rوكذلك الراجل لا ينبغي أن يؤخر الصلاة، إن قدر على الركوع والسجود، وإلا فبالايماء.\rثم الخوف الذي يجوز الصلاة على الوجه الذي قلنا إذا كان العدو بقرب منهم بطريق الحقيقة.\rفأما إذا كان يبعد منهم، أو ظنوا عدوا، بأن رأوا سوادا أو غبارا، فصلوا صلاة الخوف، ثم ظهر غير ذلك لا تجوز صلاتهم.\rثم الخوف من العدو ومن السبع سواء.","part":1,"page":178},{"id":173,"text":"ثم الراكب إذا كان سائرا إن كان مطلوبا يفر من العدو، وتجوز صلاته للضرورة.\rولو كان طالبا للعدو في الجهاد، وهو سائر، لا تجوز صلاته، لانه لا ضرورة.","part":1,"page":179},{"id":174,"text":"باب صلاة الكسوف الكلام في هذا الباب في مواضع: في بيان مشروعية الصلاة في الكسوفين، وفي بيان أنها واجبة أو سنة، وفي بيان كيفية الصلاة وقدرها، وفي بيان مواضع الصلاة، وفي بيان وقت الصلاة.\rأما الاول فنقول - الصلاة مشروعة في الكسوفين جميعا: كسوف الشمس، وكسوف القمر للاحاديث الواردة في هذا الباب، ومنها ما روي عن أبي مسعود الانصاري رضي الله عنه أنه قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله آ، يوم توفي إبراهيم ابن النبي عليه السلام، فقال الناس: انكسفت الشمس بموت إبراهيم فقام رسول الله عليه السلام وخطب وقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان بموت أحد ولا بحياته، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله تعالى، وكبروا وسبحوا، حتى تنجلي الشمس ثم نزل فصلى ركعتين وعنه أنه\rقال: إذا رأيتم شيئا من هذه الافزاع فافزعوا إلى الصلاة.\rوأما الكلام في بيان أنها سنة أم واجبة، فقد ذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ما يدل على أنها سنة، فإنه روي عنه أنه قال في كسوف الشمس: إن شاؤوا صلوا ركعتين، وإن شاؤوا أربعا، وإن شاؤوا أكثر من","part":1,"page":181},{"id":175,"text":"ذلك.\rوالتخيير يكون في التطوع.\rوقال بعض مشايخنا بأنها واجبة، لان النبي عليه السلام قال: إذا رأيتم شيئا من هذه الافزاع، فافزعوا إلى الصلاة وظاهر الامر للوجوب.\rوأما الكلام في كيفية الصلاة، أما الصلاة في كسوف الشمس فإنهم يصلون ركعتين إن شاؤوا بجماعة، وإن شاؤوا فرادى، في منازلهم أو في موضع اجتمعوا فيه، لكن الجماعة أفضل غير أنهم إذا صلوا بجماعة، يصلي بهم إمام الجمعة أو نائب السلطان، كما في الجمعة والعيدين.\rثم عندنا يصلي ركعتين، كما في سائر الصلوات.\rوللشافعي قولان في قول يصلي ركعتين كل ركعة بركوعين وسجدتين، وفي قول يصلي أربع ركعات في أربع سجدات، يكبر فيقوم ويقرأ الفاتحة وسورة ويركع ثم يقوم من غير أن يسجد فيقرأ الفاتحة والسورة، ثم يركع ويسجد سحدتين ويفعل في الثانية مثلما يفعل في الاولى.\rوكلا القولين متقاربان.\rولا يجهر بالقراءة على قول أبي حنيفة.\rوعند أبي يوسف يجهر.\rوعن محمد روايتان.\rوالصحيح قول أبي حنيفة، لان الاصل في صلاة النهار المخافتة إلا إذا قام الدليل بخلافه.\rثم هو في مقدار القراءة بالخيار إن شاء طول وإن شاء خفف.\rوقال الشافعي: يطول القراءة، فيقرأ الفاتحة ويقرأ مثل سورة البقرة في الركعة الاولى وآل عمران في الثانية ويمكث في الركوع","part":1,"page":182},{"id":176,"text":"والسجود مقدار ما يمكث في القراءة.\rولكننا نقول إن المسنون أن يشتغل بالصلاة والدعاء حتى تنجلي الشمس، فإن طول القراءة قصر الدعاء، وإن قصر الصلاة طول الدعاء.\rوليس في هذه الصلاة آذان، ولا إقامة، ولا خطبة.\rثم إذا فرغوا من الصلاة ينبغي أن يشتغلوا بالدعاء إلى أن تنجلي الشمس.\rولا يصعد الامام المنبر للدعاء، لان السنة في الادعية، بعد الفراغ من الصلاة، لقوله تعالى: * (فإذا فرغت فانصب ئ وإلى ؤ ربك فارغب) *.\rوأما الصلاة في كسوف القمر فالسنة فيها أن يصلوا وحدانا في منازلهم، لان الخسوف في الليل، والاجتماع في الليل مما يتعذر.\rوكذا الصلاة وحدانا مستحبة في جميع الافزاع، مثل الريح الشديدة، والظلمة، والمطر الدائم، والريح الدائم، والخوف من العدو، وغير ذلك، للحديث الذي ذكرنا.\rوقال الشافعي: يصلي في الخسوف بجماعة أيضا.\rوأما موضع الصلاة فقد ذكرنا في شرح الطحاوي أنه يصلي في كسوف الشمس في المسجد الجامع، أو في مصلى العيد.\rوذكر القدوري وقال: كان أبو حنيفة يرى صلاة الكسوف في المسجد، ولكن الافضل أن تؤدى في أعظم المساجد، وهو الجامع الذي تصلى فيها الجمعة، ولو صلوا في موضع آخر أجزأهم.\rوليس فيها خطبة، ولا صعود منبر.","part":1,"page":183},{"id":177,"text":"وأما في كسوف القمر فالسنة هي: الصلاة وحدانا في منازلهم على ما مر.\rوأما الوقت فهو الوقت الذي يستحب فيه سائر الصلوات، دون الاوقات المكروهة، لان هذه الصلاة إن كانت نافلة، فالنوافل فيها مكروهة، وإن كانت لها أسباب عندنا كصلاة التحية، وإن كانت واجبة، فيكره، كالوتر وصلاة الجنازة، والله أعلم.","part":1,"page":184},{"id":178,"text":"باب صلاة الاستسقاء ذكر في ظاهر الرواية أنه لا صلاة في الاستسقاء، وإنما فيه الدعاء.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء: هل فيه صلاة، أو دعاء مؤقت، أو خطبة؟ فقال: أما صلاة جماعة فلا، ولكن الدعاء والاستغفار.\rوإن صلوا وحدانا، فلا بأس.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يصلي الامام أو نائبه في الاستسقاء ركعتين، بجماعة، كما في الجمعة.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية بقوله تعالى: * (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا السماء عليكم مدرارا) * فمن زاد الصلاة فلا بد من الدليل.\rثم عندهما يقرأ في الصلاة بما شاء جهرا، كما في صلاة العيدين، لكن الافضل أن يقرأ * (سبح اسم ربك الاعلى ؤ) * و * (هل أتاك حديث الغاشية) *، ولا يكبر فيها سوى تكبيرة الافتتاح وتكبيرتي الركوع في المشهور من الرواية عنهما، وفي رواية يكبر فيهما كما في صلاة العيد.\rثم بعد الفراغ من الصلاة، يخطب عندهما.\rوعند أبي حنيفة: لا يخطب.\rوهل يجلس في خطبة الاستسقاء؟ عن أبي يوسف روايتان: في رواية","part":1,"page":185},{"id":179,"text":"لا يجلس، وفي رواية أخرى: إن خطب خطبة واحدة قائما فحسن.\rولكن يخطب، على الارض قائما معتمدا على قوس أو سيف مستقبلا بوجهه إلى الناس وهم مقبلون عليه ويستمعون خطبته وينصتون، كما في خطب الجمعة، وإن توكأ على عصا، فحسن.\rوإذا فرغ من الخطبة، يجعل ظهره إلى الناس، ووجه إلى القبلة، ويقلب رداءه ثم يشتغل بدعاء الاستسقاء، قائما، يستقبل القبلة، والناس قعود مستقبلون ووجوههم إلى القبلة في الخطبة والدعاء، لان الدعاء مستقبل القبلة أقرب إلى الاجابة، يدعو الله تعالى، ويستغفر للمؤمنين، ويجددون التوبة، ويستسقون، وهذا عندهما.\rفأما عند أبي حنيفة، فتقليب الرداء ليس بسنة.\rثم كيفية التقليب عندهما: إن كان مربعا جعل أسفله أعلاه، وأعلاه\rأسفله، وإن كان مدورا، جعل الجانب الايمن على الايسر، والايسر على الايمن.\rولكن القوم لا يقلبون أرديتهم عند عامة العلماء.\rوقال مالك بأنهم يقلبون أيضا.\rثم عند الدعاء إن رفع يديه نحو السماء فحسن، وإن ترك ذلك وأشار بإصبعه السبابة فحسن.\rوكذا الناس يرفعون أيديهم أيضا، لان السنة في الدعاء بسط اليدين.\rثم المستحب أن يخرج الامام بالناس إلى الاستسقاء ثلاثة أيام متتابعة، لان الثلاثة مدة لابلاء العذر فلو لم يخرج الامام وأمر الناس بالخروج، فلهم أن يخرجوا ويدعوا، ولا يصلوا بجماعة، إلا إذا أمر إنسانا أن يصلي بهم جماعة.","part":1,"page":186},{"id":180,"text":"ولا ينبغي أن يخرج أهل الذمة مع المسلمين في الاستسقاء عند عامة العلماء، بل يمنعون عن الخروج، خلافا لمالك، لانهم يخرجون لطلب الرحمة والكفرة أهل السخط والعقوبة دون الرحمة والله أعلم.","part":1,"page":187},{"id":181,"text":"باب صلاة المريض الصلاة لا تسقط عن المكلف ما دام قادرا على الاداء.\rفمتى عجز بسبب المرض عن أداء بعض الاركان، ويسقط\rبقدره، لان العاجز لا يكلف.\rفإن كان قادرا على الاداء، لكن يخاف زيادة العلة، يسقط عنه أيضا.\rفإذا عجز عن القيام، يصلي قاعدا بركوع وسجود، فإن عجز عن الركوع والسجود، يصلي قاعدا بالايماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ليقع الفصل بينهما، فإن عجز عن القعود أيضا يستلقي ويومئ إيماء.\rوأصله ما روي عن عمران بن الحصين أنه كان به مرض، فسأل رسول الله (ص) فقال: صلى قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى الجنب تومئ إيماء.\rثم إذا صلى قاعدا بركوع وسجود، أو بإيماء كيف يقعد في أول الصلاة، وفي حال الركوع؟ اختلفت الروايات عن أصحابنا: روى محمد عن أبي حنيفة أنه يجلس كيف شاء.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا افتتح الصلاة، يتربع وإذا ركع، يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها.","part":1,"page":189},{"id":182,"text":"وروي عن أبي يوسف أنه يتربع في جميع صلاته.\rوروي عن زفر أنه يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته.\rوالصحيح رواية محمد، لان عذر المريض يسقط عنه الاركان، فلان يسقط عنه الهيئة أولى.\rوأما كيفية صلاة المستلقي فالمشهور من الروايات عن أصحابنا أنه يصلي مستلقيا على قفاه، ورجلاه نحو القبلة، فإن عجز عن هذا وقدر\rعلى الصلاة على الجنب، فينام على شقه الايمن، متوجها إلى القبلة عرضا.\rوقد روي عن أصحابنا أيضا أنه يصلي على جنبه الايمن ووجهه إلى القبلة فإذا عجز فحينئذ يستلقي على قفاه.\rوهو مذهب الشافعي.\rوحجتهم حديث عمران بن الحصين.\rوالصحيح مذهبنا، لان التوجه إلى القبلة، بقدر الممكن، فرض وذلك فيما قلنا، لان الصلاة في حقه بالايماء وذلك بتحريك الرأس والوجه، وفي حالة الاستلقاء التحريك إلى القبلة، فإذا كان على الجنب: يتحرك الرأس لا إلى القبلة بل يكون منحرفا عنها، والانحراف من غير ضرورة غير مشروع.\rوالمراد من الجنب في حديث عمران بن الحصين هو السقوط فمعنى قوله: فعلى الجنب أي يصلي ساقطا على قفاه، وهو تفسير الاستسقاء.\rفإن كان قادرا على القيام دون الركوع والسجود، فإنه يومئ قاعدا لا قائما، فهو المستحب، ولو أومأ قائما، جاز.\rوهذا عندنا.","part":1,"page":190},{"id":183,"text":"وقال الشافعي: يصلي قائما لا قاعدا، لان القيام ركن، فلا يسقط من غير عذر.\rولكنا نقول إن الغالب أن من عجز عن الركوع، عجز عن القيام والغالب ملحق بالمتيقن.\rوينبغي للمريض أن يأتي بالاركان كلها، مثل الصحيح لان السقوط\rبقدر العجز ولم يوجد.\rثم الاضجاع المشروع أنواع: أحدها: في حالة الصلاة، وهو ما ذكرنا من الاستلقاء على القفا، دون الاضجاع على الجنب.\rوالثاني: الاضطجاع في حالة المرض على الفراش، والسنة فيه أن يضجع المريض على شقه الايمن عرضا، ووجهه إلى القبلة.\rومنها: أن يضجع المريض المحتضر، وهو أن تقرب وفاته.\rوالسنة فيه أيضا أن يضجع على شقه الايمن عرضا وجهه إلى القبلة، إلا أن العرف قد جرى بين الناس أن يضجع مستلقيا على قفاه نحو القبلة، كما في حالة الصلاة بالايماء، لما قيل إن هذا أيسر لخروج الروح.\rومنها: الاضجاع على التخت عند الغسل، ولا رواية فيه عن أصحابنا، لكن العرف قد جرى أن يضجع مستلقيا على قفاه نحو القبلة، لما في حالة الصلاة بالايماء.\rومنها: الاضجاع في حالة الصلاة على الميت، وهو أن يضجع على قفاه معترضا للقبلة.\rومنها: الاضجاع في اللحد.\rوالسنة فيه أن يضجع على شقه الايمن ووجهه نحو القبلة.","part":1,"page":191},{"id":184,"text":"ثم إذا عجز عن الايماء، وهو تحريك الرأس، سقط عنه أداء الصلاة عندنا.\rوقال الشافعي: ينبغي أن يومئ بقلبه وبعينه.\rوقال زفر: يومئ بقلبه، ويقع مجزئا.\rوقال الحسن بن زياد: يومئ بحاجبيه، وبقلبه، ويعيد، متى قدر على الاركان.\rوالصحيح قولنا لان الايماء بالقلب هو الارادة والنية، والصلاة غير النية والارادة.\rثم إذا سقط عنه الصلاة بالعجز، فإذا مات من ذلك المرض فلا شئ عليه، لانه لم يدرك وقت القضاء.\rفأما إذا برأ وصح فإن ترك صلاة يوم وليلة وما دونها، فإنه يقضي فأما إذا ترك أكثر من ذلك، فإنه لا يقضي.\rوعلى ذلك قال أصحابنا في المغمى عليه: إذا فاتته الصلوات ثم أفاق، يقضي صلاة يوم وليلة، وما دونها، ولا يقضي أكثر من ذلك وروي عن محمد في الجنون القصير إنه بمنزلة الاغماء.\rوهذا لما عرف أن العجز عن الاداء لا يسقط القضاء، إنما يسقط بسبب الحرج، وإنما الحرج إذا دخل الفائت في حد الكثرة، والحد الفاصل بين القليل والكثير هو ست صلوات عرفنا ذلك بإجماع الصحابة، فإنه روي عن علي وعمار وعبد الله بن عمر مثل قولنا، ولم يرو عن غيرهم خلافه فيكون إجماعا.\rثم المريض إذا فاتته الصلوات في مرضه، أو كان عليه فوائت الصحة، فقضاها في المرض، بأنقص مما فات من حيث الاركان، فإنه يجوز.","part":1,"page":192},{"id":185,"text":"ولو فاتته الصلوات في حال المرض بلا قيام، أو بالايماء، ثم صح وبرأ، فإن عليه أن يقضي بقيام وركوع وسجود.\rولو قضاها كما فاتت لا\rيجوز.\rوالمعتبر حال الشروع في القضاء، لان وجوب القضاء موسع، وإنما يتغير الوجوب وقت الشروع.\rوأصله قوله عليه السلام: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها.\rولو أن المريض إذا قدر على القيام، أو على الركوع والسجود، بعد ما شرع في الصلاة قاعدا وبالايماء ينظر: إن شرع قاعدا بركوع وسجود، فإنه يبني على تلك الصلاة ويتمها قائما بركوع وسجود، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لان من أصلهما أن اقتداء القائم بالقاعد الذي يصلي بركوع وسجود، جائز في الابتداء، فكذلك يجوز في البناء.\rوعلى قول محمد لا يبني بل يستقبل، لان عنده لا يجوز اقتداء القائم بالقاعدة، فكذا لا يجوز البناء.\rوأما إذا كان يصلي بالايماء قاعدا أو مستلقيا، فلا يبني إذا قدر على القيام أو الركوع والسجود عندنا.\rوعلى قول زفر يبني.\rوالصحيح قولنا وهو أن الصلاة بالايماء ليست صلاة حقيقية، لكن جعلت صلاة في حق المومئ بطريق الضرورة فيظهر في حقه لا في حق غيره، فلا يجوز الاقتداء به إلا من الذي هو مثله، بخلاف القائم مع القاعد، فإن القاعد مصل بالركوع والسجود على ما عرف.\rفأما الصحيح إذا مرض في وسط الصلاة بحيث يعجز عن القيام أو الركوع والسجود، فجواب ظاهر الرواية، أنه يمضي على صلاته على","part":1,"page":193},{"id":186,"text":"حسب ما يقدر عليه من الركوع والسجود، قاعدا أو بالايماء.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يستقبل.\rوالصحيح ظاهر الرواية، لانه إذا بنى صار مؤديا بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا، وإذا استقبل صار مؤديا الكل ناقصا فكان الاول أولى.\rولو أن المريض المومئ إذا رفع إلى وجهه وسادة أو شئ، فسجد عليه ولم يومئ، بأن لم يحرك رأسه نوع تحريك، فإنه لا يجوز، ولا ينبغي أن يفعل هكذا، لان الفرض في حقه الايماء وهو قائم مقام الصلاة، ولم يوجد.\rفأما إذا وجد منه نوع تحريك الرأس حتى وصل رأسه إلى الوسادة جاز لوجود الايماء، وإن قل، والله أعلم.","part":1,"page":194},{"id":187,"text":"باب صلاة التطوع التطوع نوعان تطوع مطلق، وتطوع بسبب.\rأما المطلق فيستحب أداؤه في كل وقت لم يكره فيه التطوع.\rويجوز أداؤه مع الكراهة في الاوقات المكروهة.\rوأما التطوع بسبب: فوقته ما ورد الشرع به، كالسنن المعهودة للصلوات المكتوبة.\rوذكر أبو الحسن الكرخي هؤهنا وقال: التطوع قبل الفجر ركعتان، أي التطوع المسنون قبل صلاة الفجر ركعتان، وأربع قبل الظهر لا يسلم إلا في آخرها، وركعتان بعد الظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء الاخيرة إن أحب ذلك، وأربع بعدها.\rوذكر في ظاهر الرواية في كتاب الصلاة هكذا، إلا أنه قال في\rالاربع قبل العصر: إنه حسن، وليس بسنة، وقال في العشاء: إنه لا تطوع قبل العشاء، وإن فعل لا بأس به، وركعتان بعدها.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية لما روي عن أم حبيبة أن النبي عليه السلام قال: من صلى اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، بنى له بيت في الجنة: ركعتان بعد طلوع الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.\rوأما السنة في صلاة الجمعة فأربع قبلها، وأربع بعدها، كذا ذكر","part":1,"page":195},{"id":188,"text":"ههنا، وفي ظاهر الرواية في كتاب الصلاة.\rوذكر في كتاب الصوم في باب الاعتكاف أن بعد الجمعة يصلي ستا.\rومن أصحابنا من قال: ما ذكر في كتاب الصوم قول أبي يوسف ومحمد، وما ذكر في كتاب الصلاة قول أبي حنيفة.\rوالمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم، روي عن ابن مسعود أنه قدم الكوفة وكان يصلي بعد الجمعة أربعا لا غير، ثم قدم علي رضي الله عنه بعد وفاته، وكان يصلي بعدها ستا.\rفأخذ أبو حنيفة بمذهب ابن مسعود، وهم أخذوا بمذهب على رضي الله عنه.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: ينبغي أن يصلي أربعا، ثم ركعتين، حتى لا يكون متنفلا بعد صلاة الفرض بمثلها، فيدخل تحت النهي، وهو قوله عليه السلام: لا يصلى بعد صلاة مثلها.\rثم السنن إذا فاتت عن وقتها، لا تقضى، سواء فاتت وحدها أو مع الفرائض، سوى سنة صلاة الفجر، فإنها تقضى إن فاتت مع الفريضة، بلا خلاف بين أصحابنا.\rواختلفوا فيما إذا فاتت بدون الفرض: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لا تقضى.\rوقال محمد: لا تقضى قبل طلوع الشمس أيضا، ولكن تقضى بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ثم تسقط.\rوقال الشافعي: تقضى جميع السنن.\rوالصحيح مذهبنا لما روي عن أم سلمة أن النبي عليه السلام صلى ركعتين بعد صلاة العصر في حجرتي فقلت: يا رسول الله ما هاتان","part":1,"page":196},{"id":189,"text":"الركعتان اللتان لم تكن تصليهما من قبل؟ فقال: ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فغشاني عنهما الوفد، فكرهت أن أصليهما بحضرة الناس فيروني فقلت: أفتقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: لا، وهذا نص على أن القضاء في حق الامة غير واجب في السنن، وإنما هو شئ اختص به رسول الله.\rوقياس هذا الحديث أنه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا لكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف في القضاء إذا فاتتا مع الفرض، بالحديث المعروف، وهو أن النبي عليه السلام لما نام في ذلك الوادي ثم استيقظ لحر الشمس، فارتحل منه، ثم نزل وأمر بلالا فأذن وصلى ركعتين، ثم أمر فأقام فصلى الفجر فبقي الباقي على الاصل.\rقال: ويكره للامام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، ولا يكره للمقتدي ذلك، لان الامام إذا لم يتنح عن مكانه، فربما يشتبه على الداخل أنه في الفرض فيقتدي به ثم يظهر بخلافه، وهذا المعنى معدوم في حق المقتدي، فلا يكره.\rوروي عن أصحابنا أن المستحب للمقتدي أن يتنحى عن مكانه أيضا، حتى تنكسر الصفوف، فيزول الاشتباه من كل وجه.\rقال: ويكره التطوع في المسجد والناس في الجماعة، لان يصير متهما بأنه لا يرى صلاة الجماعة.\rثم ينظر بعدها إما إن صلى تلك المكتوبة أو لم يصل: فإن لم يصلها ينظر إن أمكنه أن يؤدي السنة قبل أن يركع الامام، فإنه يأتي بالسنة خارج المسجد، ثم يشرع في الفرض، فيحرز الفرض","part":1,"page":197},{"id":190,"text":"والنفل جميعا، مع نفي التهمة عن نفسه.\rوإن خاف أن يفوته ركعة، شرع مع الامام.\rوهذا في سائر الصلوات سوى الفجر.\rفأما في الفجر: فإن كان عنده أنه يمكنه أن يصلي السنة ويدرك ركعة من الفرض مع الامام، فعليه أن يأتي بالسنة خارج المسجد، ثم يشرع في الفرض مع الامام.\rوإن كان عنده أنه تفوته الركعتان، فلا يشتغل بالسنة، لا أداء الصلاة بالجماعة سنة مؤكدة أو في معنى الواجب.\rوكذا ركعتا الفجر، لكثرة ما روي فيهما من الآثار، فمهما أمكن إحراز الفضيلتين، كان أحق، وذلك فيمقلنا، لان إدراك ركعة من الفجر في معنى إدراك الكل، على ما روي: من أدرك ر كعة من الصلاة مع الامام فقد أدركه فأما إذا خاف فوت الركعتين مع الامام، فكان فيه فوت الفرض حقيقة ومعنى، فكان الاشتغال بالفرض أولى بخلاف\rسائر السنن، لانها دون الصلاة بالجماعة في الفضيلة، فكان اعتبار إقامة الجماعة أولى.\rوأما إذا صلى المكتوبة فدخل المسجد والناس في الجماعة، فإنه ينبغي أن يتابع الامام في صلاته إن كانت صلاة لا يكره التطوع بعدها أو بها كالمغرب.\rفأما إذا كان في صلاة يكره التطوع بعدها، أو يكره التنفل بها وهي المغرب، فإنه لا يشرع فيها، ولكن يخرج من المسجد، لان فيه إحراز فضيلة ومباشرة كراهة، فالكف عن المكروه أولى وأحق.\rوقد ذكرنا قبل هذه الصلاة التي يكره التطوع بعدها.","part":1,"page":198},{"id":191,"text":"هذا الذي ذكرنا إذا دخل المسجد وقد أقيمت فيه المكتوبة.\rفأما إذا دخل المسجد وشرع في الصلاة، ثم أقيمت المكتوبة فيه، فهذا على وجهين: إما أن يشرع في التطوع أو في فرض الوقت.\rأما إذا شرع في التطوع، فإنه يتم الشفع الذي هو فيه إن علم أنه يمكنه الشروع مع الامام في الركعة الاولى من صلاته، لانه يقدر على إتمام النفل الذي وجب عليه تحصيله بالشروع، وإدراك الجماعة، فيجب مراعاتهما، ولا يزيد على الشفع، لانه لا يلزمه بالشروع في النفل أكثر من الشفع.\rفأما إذا كان لا يمكنه إدراك الركعة الاولى من صلاة الامام فإنه يقطع ويشرع مع الامام إلا في صلاة الفجر على ما ذكرنا من التفصيل.\rفأما إذا شرع في الفريضة ثم أقيمت تلك الصلاة بالجماعة فإن كان صلاة الفجر وقد صلى ركعة، يقطع ويشرع مع الامام، لان نقض\rالفرض للاداء على الوجه الاكمل جائز، والصلاة بالجماعة أكمل، فإن قيد الركعة الثانية بالسجدة أو صلى ركعتين، فإنه يمضي على ذلك، لان الصلاة بعد التمام لا تحتمل الانتقاض، وللاكثر حكم الكل أيضا.\rوإن كان صلاة الظهر إن صلى ركعة يضم إليها ركعة أخرى، إن كان يمكنه الشروع مع الامام في الركعة الاولى من صلاته، وإن صلى ركعتين يتشهد ويسلم حتى يكون محرزا للفضيلتين.\rوإن قيد الثالثة بالسجدة، مضى عليها، لانه أدى الاكثر، وهو الفرض.\rوكذلك الجواب في العصر والعشاء.\rفأما في المغرب فإن صلى ركعة، قطعها، لانه لو ضم إليها الثانية، يصير أكثر الفرض، فلا يمكنه القطع، وإن قيد الثانية","part":1,"page":199},{"id":192,"text":"بالسجدة، مضى عليها لما قلنا.\rثم في الموضع، الذي يمكنه القطع والشروع في الصلاة مع الامام، إذا فرغ من كل الفرض إن كان صلاة لا يكره التطوع بعدها، يدخل مع الامام، وإن كان يكره التنفل بعدها أو التنفل بها، صلاة المغرب، فإنه لا يشرع مع الامام على ما مر، والله أعلم.","part":1,"page":200},{"id":193,"text":"باب صلاة الوتر في الباب فصول: منها - أن الوتر واجب أم سنة؟ واختلفت الروايات فيه عن أبي\rحنيفة.\rروي أنه فرض، وبه أخذ زفر.\rثم رجع وقال بأنه سنة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي.\rثم رجع وقال بأنه واجب.\rوحاصل ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الوتر، والضحى، والاضحية.\rوروي عنه عليه السلام أيضا أنه قال: إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، والامر للفرضية والوجوب، فوقع التعارض بين الحديثين، فلا تثبت الفرضية والوجوب بالاحتمال.\rهذا عندهم.\rوأبو حنيفة يقول: يمكن الجمع بينهما، لان الفرض غير الواجب في عرف الشرع، فالفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة نحو خبر الواحد والقياس، والوتر من هذا القبيل لانه ثبت بخبر الواحد.","part":1,"page":201},{"id":194,"text":"ومنها: بيان مقداره، فعندنا الوتر ثلاث ركعات، بتسليمة واحدة، في الاوقات كلها.\rوالشافعي قال: هو بالخيار، إن شاء أوتر بركعة، أو بثلاث، أو بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة ركعة، ولا يزيد عليها.\rوقال الزهري: في شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: كان رسول الله (ص) يوتر بثلاث ركعات.\rومنها - أن يقرأ فيه في الركعات بالثلاث بالاجماع: أما عندهم فلانه نفل، وفي النفل تجب القراءة في الكل.\rوكذا على قول أبي حنيفة، لان الوتر عنده واجب، والواجب ما يحتمل أنه نفل لكن ترجح جهة الفرضية بدليل فيه شبهة، فكان الاحتياط فيه بوجوب القراءة في الكل.\rولا ينبغي أن يقرأ سورة معينة على الدوام، لان الفرض هو مطلق القراءة بقوله تعالى: * (ما تيسر من القرآن علم) * والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقده بعض الناس واجبا، وإنه لا يجوز، لكن قد ورد عن النبي عليه السلام أنه قرأ في الركعة الاولى: * (سبح اسم ربك الاعلى) *، وفي الثانية: * (قل يا أيها الكافرون) *.\rوفي الثالثة * (قل هو الله أحد) * فمن قرأها كذلك أحيانا يكون حسنا، ولكن لا يواظب عليه، على ما ذكرنا.\rومنها - أن الوتر يعم الناس أجمعمن الحر والعبد، والذكر والانثى،","part":1,"page":202},{"id":195,"text":"بعد أن كان أهلا للوجوب، لان الدليل الذي ورد في الباب لا يوجب الفصل.\rومنها - أن القنوتفي الوتر في الركعة الثالثة بعد القراءة قبل الركوع، واجب، وإذا أراد أن يقنت يكبر ويرفع يديه حذاء أذنيه ثم يقنت.\rو الكلام في القنوت في مواضع:\rمنها: أنه إذا أراد أن يقنت يكبر، لما روي عن علي أنه كان إذا أراد القنوت كبر وقنت.\rومنها: أن يرفع يديه عند التكبير، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا ترفع الايدي إلا في سبع موطن، وذكر من جملتها القنوت.\rومنها: أن القنوت في الوتر واجب، في جميع الاوقات.\rوقال الشافعي: يؤتى بالقنوت في النصف الاخير من شهر رمضان لا غير.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن علي وابن مسعود وابن عباس أن كل واحد منهم راعى صلاة رسول الله عليه السلام بالليل، فقنت قبل الركوع، فدل أنه كان يأتي به في الاوقات كلها.\rومنها: محل القنوت: عندنا قبل الركوع.\rوعند الشافعي بعد الركوع.\rوالصحيح قولنا لما روينا من حديث الصحابة.\rومنها: مقدار القنوت: ذكر في الكتاب مقدار سورة * (إذا السماء انشقت) * أو * (والسماء ذات البروج) *.","part":1,"page":203},{"id":196,"text":"وفي بعض الروايات مقدار * (إذا السماء انشقت) * و * (والسماء ذات البروج) *.\rوالصحيح هو الاول: فإن المروي عن النبي عليه السلام في القنوت: اللهم إنا نستعينك واللهم أهدنا فيمن هديت وكلاهما على مقدار إحدى السورتين.\rولا ينبغي أن يقتصر على الدعاء المأثور: اللهم إنا نستعينك و اللهم اهدنا كي لا يتوهم العوام أنه فرض، ولكن إذا أتي بالدعاء المأثور في بعض الاوقات، وبغيره في البعض فحسن.\rومنها: أن يرسل اليدين في حال القنوت أو يضع؟ ذكر هؤهنا أنه يرسلهما، وكذا ذكر الطحاوي في مختصره وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة.\rوروي عن أبي يوسف أنه يبسط يديه بسطا نحو السماء.\rوذكر محمد في الاصل: إذا أراد أن يقنت، كبر، ورفع يديه حذاء أذنيه، ناشرا أصابعه، ثم يكفها، وقال أبو بكر الاسكاف: معناه: يضع يمينه على شماله.\rوروي عن أبي حنيفة ومحمد، في غير رواية الاصول، أنه يضعهما.","part":1,"page":204},{"id":197,"text":"وقد تكلم المتأخرون في هذا، وفي كل قيام لا قراءة فيه، كالقيام في حال تكبيرات العيدين، والقيام في صلاة الجنازة، والقيام بعد الافتتاح إلى وقت القراءة، والقيام بين الركوع والسجود إذا كان فيه طول، كما في الجمعة والعيدين.\rوأجمعوا على الوضع في القيام في حالة القراءة.\rومن قال بالوضع قال: إن هذا أقرب إلى التعظيم، كما في الشاهد.\rومن قال بالارسال قال: في الوضع زيادة فعل، فلا يثبت من غير دليل.\rوقد ذكرنا قبل هذا.\rومنها: إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر في الركوع، فإنه يمضي على ركوعه ولا يعود إلى القيام ليقنت.\rوروي عن أبي يوسف أنه يعود إلى القيام ويقنت، كما إذا ترك الفاتحة أو السورة ناسيا وركع، فله أن يعود إلى القيام ويقرأها.\rوالصحيح هو الاول.\rوالفرق بين القنوت وقراءة الفاتحة والسورة أن الركوع فرض وقد شرع فيه، فلا ينقضه لاجل القنوت وهو واجب، وإنما يجوز نقضه ليؤدي على وجه الكمال، فيجوز نقضه للتكميل، كنقض المسجد ليبنى أحسن منه، وفي قراءة الفاتحة والسورة زيادة الكمال وأصل القراءة فرض لا جواز للركعة بدونه، فأما القنوت فدعاء والركعة لها تمام بدونه، ولهذا لم يشرع في كل ركعة كالقراءة في النفل، فلو نقض يكون نقضا لا للتكميل بل لاداء الواجب، ونقض الفرض لاداء الواجب، لا يجوز.","part":1,"page":205},{"id":198,"text":"وكذا لا يقنت في حال الركوع بخلاف تكبيرات العيدين إذا فاتت في حق المسبوق وأدرك الامام في الركوع، فإنه يكبر، ويركع، ثم يأتي بالتكبيرات في الركوع، لان القنوت لم يشرع إلا في حالة محض القيام، فأما التكبيرات فيشرع بعضها في حال الركوع، فإن تكبير الركوع محسوب من تكبيرات العيد، فيجوز أداء الكل عند العذر.\rولو رفع رأسه من الركوع وأتى بالقنوت فإن عليه أن يعيد الركوع.\rوكذلك إذا رفع رأسه، وعاد إلى القيام، وأتى بقراءة الفاتحة أو السورة، فإنه يعيد الركوع، لانه لما عاد إلى القيام قاصدا أداء الفاتحة\rوالسورة والقنوت ومحل هذه الواجبات قبل الركوع، صار ناقضا للركوع ضرورة صحة أدائها فيجب عليها الاعادة.\rوفكر في شرح الطحاوي وقال: إذا ترك الفاتحة أو السورة أو القنوت ناسيا وركع، له أن يعود إلى القيام، ويأتى بالكل، ويعيد الركوع، ولكن لو ترك إعادة الركوع هل يجزئه؟ ليس فيه رواية منصوصة.\rقال وكان شيخنا يقول: على قياس قول أصحابنا، يجوز، وعلى قياس قول زفر، لا يجوز، لان الركوع حصل بعد القراءة، فجاز، والترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط الجواز عندنا، وعند زفر الترتيب في الافعال شرط.\rوالصحيح ما ذكر ههنا على ما ذكرناه.\rومنها: أن الوتر لا يجوز أداؤه على الراحلة من غير عذر يجوز به أداء الفرائض عليها.\rأما على قول أبي حنيفة فلا يشكل، لان عنده الوتر واجب، وأداء الواجبات والفرائض على الراحلة، من غير عذر، لا يجوز.","part":1,"page":206},{"id":199,"text":"وأما على قولهما: الوتر سنة، لكن صح عن النبي عليه السلام أنه كان يتنفل على راحلة من غير عذر في الليل، فإذا بلغ الوتر ينزل فيوتر على الارض.\rومنها: الكلام في وقت الوتر وبيان الوقت المستحب منه: وقد ذكرناها في بيان الاوقات.\rومنها: القنوت بجهرية أم بخافت: ذكر في شرح الطحاوي أن\rالمنفرد بالخيار إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء جهر وأسمع غيره، وإن شاء أسر كما ذكرنا في القراءة، وإن كان إماما فإنه يجهر بالقنوت ولكن دون الجهر بالقراءة في الصلاة، والقوم يتابعونه كذلك في القنوت إلى قوله: إن عذابك بالكفار ملحق.\rوإذا دعا بعد ذلك هل يتابعه القوم فيه؟ ذكر في الفتاوى اختلافا بين أبي يوسف ومحمد: ففي قولابي يوسف يتابعونه، وفي قول محمد لا يتابعونه ولكنهم يؤمنون.\rوقال مشايخنا بأن المنفرد يخفي القنوت لا محالة ولا يجهر، ولا خيار له في ذلك، وأما الامام فقال بعض مشايخنا بأنه يخفي أيضا مع القوم، لان الاصل في الدعاء هو المخافتة، قال الله تعالى: * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) * وقال بعضهم: يخفي، ولكن يرفع صوته قليلا، ويؤمن القوم.","part":1,"page":207},{"id":200,"text":"باب السهو أصل الباب أن سجود السهو إنما يجب بترك الواجب الاصلي في الصلاة، أو بتغيير فرضها، على سبيل السهو، ولا يجب بترك السنن والآداب.\rوالكلام في هذا الباب في خمسة مواضع: في أن سجود السهو واجب أم سنة، وفي بيان سبب الوجوب، وفي بيان أن المتروك ساهيا: هل يقضي أم لا؟\rوفي بيان محل سجود السهو، وفي بيان من يجب عليه السجود ومن لا يجب عليه.\rأما الاول: فقد ذكر محمد في الاصل ونص على الوجوب، فإنه قال: إذا سها الامام، وجب على المؤتم أن يسجد.\rوكذا روي عن أبي الحسن الكرخي أنه واجب.\rوذكر القدوري أنه سنة عند عامة أصحابنا.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية، لان النبي عليه السلام وأصحابه واظبوا على إتيان سجود السهو، وما تركوه تركوه بعذر تترك به النوافل، والمواظبة على الشئ دليل على أنه واجب.\rوأما بيان سبب الوجوب: فما ذكرنا من ترك الواجب الاصلي","part":1,"page":209},{"id":201,"text":"للصلاة، ساهيا، أو بتغيير فرضها.\rوتخرج المسائل على هذا.\r- إذا ترك القعدة الاولى، ساهيا، وقام حتى لا يقضي، تجب السجدة، بتركها، لانها واجبة.\r- وإذا قعد في موضع القيام، أو قام في موضع القعود، أو ركع في موضع السجود، أو سجد في موضع الركوع، أو ركع ركوعين، أو سجد ثلاث سجدات ساهيا يجب عليه سجود السهو، لانه وجد تغيير الفرض، من التأخير عن مكانه، أو التقديم على مكانه.\r- وكذا إذا ترك سجدة من ركعة، ساهيا فتذكر في آخر الصلاة، سجدها، وعليه سجدتا السهو، لانه أخرها عن موضعها.\r- وإذا قام من الرابعة إلى الخامسة قبل أن يقعد قدر التشهد فإنه يجب\rعليه أن يعود، ويسجد لانه ترك الفرض عند موضعه وأخره عن مكانه.\r- وإن قام بعدما قعد قدر التشهد، فإنه يعود وتجب السجدة، لانه أخر السلام، والخروج عن الصلاة بفعله فرض عند أبي حنيفة.\r- ولو ترك تعديل الاركان، ساهيا، أو القومة التي بين الركوع والسجود، يجب عليه السهو، لانه غير الفرض، وترك الواجب.\r- ويخرج على هذا الاصل أيضا أن من شك في صلاته فتفكر في ذلك حتى استيقن، قال: إن طال تفكره بحيث يمكنه أداء ركن من أركان الصلاة، تجب عليه السجدة، وإن كان دون ذلك، لا يجب، لان التفكر الطويل مما يؤخر الاركان عن موضعها، والفكر القليل مما لا يمكن الاحتراز عنه فجعل كأن لم يكن.\rثم الحكم في هذه المسألة إذا وقع الشك بين أن صلى ثلاثا أو أربعا:","part":1,"page":210},{"id":202,"text":"إن كان ذلك أول ما يقع له فإن عليه أن يستقبل الصلاة، لانه يمكنه أن يصلي ويؤدي الفرض بيقين، والتحري دليل مع الظن عند الحاجة، دفعا للحرج، ولا حرج في أول مرة.\rفأما إذا وقع الشك مرارا، فإنه يتحرى ويبني على ما وقع عليه التحري، في جواب ظاهر الرواية.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يبني على اليقين، وهو الاقل.\rوهو قول الشافعي.\rوالصحيح قولنا لما روي عن ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال: من شك في صلاته، فلم يدر أثلاثا صلى أو أربعا، فليتحر الصواب، فإنه أقرب ذلك إلى الصواب وليبن عليه، ويسجد سجدتي\rالسهو وهذا حديث مشهور، فلا يعارض بالحديث الغريب، والقياس.\rوأما الشك في أركان الحج فذكر الجصاص أن ثمة يتحرى أيضا ولا يؤدى ثانيا وعامة المشايخ قالوا: يؤدى ثانيا.\rوالفرق بين الفصلين أن تكرار الركن والزيادة عليه مما لا يفسد الحج، أما الزيادة هؤهنا فإذا كانت ركعة تكون مفسدة، لانه يخلط المكتوبة بالتطوع قبل الفراغ من المكتوبة، فيصير فاصلا وخارجا عن المكتوبة، فكان العمل بالتحري أحوط من البناء على الاقل.\rفأما الاذكار: فلا يجب السجود بتركها إلا في أربعة: القراءة، والقنوت، والتشهد الاخير، وتكبيرات العيدين، لان هذه الاذكار واجبة.\rثم القراءة: بقدر ما تكون فرضا، إذا تركها سهوا، ولم يقض في الصلاة، تفسد صلاته، وإنما يجب سجود السهو بتركها سهوا من حيث","part":1,"page":211},{"id":203,"text":"هي واجبة بيان ذلك: - إذا ترك القراءة في الركعتين الاوليين، فأداها في الاخريين، تجب السجدة، لان القراءة فرض في الركعتين غير عين، وفي الاوليين واجبة عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم فرض في الاوليين، ولكن يقضيها في الاخريين، ويسجد لتركها عن محل الاداء سهوا.\r- وكذا إذا ترك الفاتحة وقرأ غيرها تجب السجدة، لان تعيين الفاتحة واجب عندنا في الصلاة، وعند الشافعي فرض.\rوكذا لو قرأ الفاتحة في الركعيتن، وترك السورة، تجب السجدة لان\rقراءة السورة، أو مقدار ثلاث آيات، واجبة أيضا.\rوكذا يجب سجود السهو بتغيير القراءة، بأن جهر فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر، لان ذلك واجب أيضا.\rلكن اختلفت الروايات عن أصحابنا في مقدار ما يتعلق به سجود السهو من الجهر: ذكر الحاكم عن ابن سماعة عن محمد أنه قال: إذا جهر بأكثر الفاتحة يسجد، ثم رجع وقال: إذا جهر مقدار ما تجوز به الصلاة يجب، وإلا فلا.\rوروى أبو سليمان عن محمد أنه قال: إن جهر بأكثر الفاتحة سجد، وإن جهر بأقل الفاتحة أو بآية طويلة، لم يسجد.\rوروى أبو يوسف أنه إن جهر بحرف، فعليه السجدة.\rوالصحيح مقدار ما تجوز به الصلاة، لانه يصير مصليا بالقراءة","part":1,"page":212},{"id":204,"text":"جهرا.\rوهذا إذا كان إماما، فأما في حق المنفرد إذا جهر في موضع الاخفاء، فلا سهو عليه، لان الاخفاء ليس بواجب عليه، بل هو مخير بين أن يجهر ويسمع نفسه، وبين أن يسمع غيره، وبين أن يسر بالقراءة ولا يسمع نفسه ولا غيره على ما مر، فلا يصير تاركا للواجب.\rفأما ما سوى ما ذكرنا من الاذكار، فر سهو فيها، لانها من جملة من السنن.\rوقال مالك: إذا ترك ثلاث تكبيرات، تجب عليه السجدة.\rهذا الذي ذكرنا إذا ترك واجبا أصليا للصلاة بسبب التحريمة.\rفأما إذا ترك واجبا ليس بأصلي، بل صار من أفعال الصلاة\rبعارض، كما إذا وجب عليه سجدة التلاوة في الصلاة فتذكر في آخر الصلاة، لا تجب السجدة بتأخيرها عن موضعها.\rوكذلك إذا لم يتذكر فسلم ساهيا عن السجود، لا يلزمه سجود السهو، لانه لم يجب بسبب التحريمة.\rوأما قضاء المتروك - فنقول: إن كان المتروك فرضا أو واجبا، فعليه قضاؤه ما أمكن، فإن لم يتذكر حتى خرج من الصلاة، فإنه تفسد صلاته بترك الفرض، لا بترك الواجب، حتى إنه إذا ترك القعدة الاولى لا تفسد صلاته، ولو ترك القعدة الاخيرة تفسد.\rوكذلك في الاذكار إن ترك التشهد وقام لا يعود، وإن كان في التشهد الاخير، وقام يعود ويتشهد.\rوكذا إذا لم يقم وتذكر يقضي قبل أن يخرج من الصلاة.\rولو خرج لا تفسد صلاته، لانه واجب.\rوأما القراءة فإن تركها عن الاوليين يقضي في الاخريين.","part":1,"page":213},{"id":205,"text":"فأما إذا كانت في الفجر والمغرب، وتركها عن الاوليين تفسد صلاته، ولا يتصور قضاؤها.\rوأما تكبيرات العيدين إذا تركها ساهيا، يقضي في الركوع، ولا يرفع رأسه عن الركوع ويعود إلى القيام ليقضيها في حال القيام.\rوقد ذكرنا القنوت إذا تركه ساهيا وركع، فلا نعيده.\rوأما بيان محل السجود فعندنا بعد السلام.\rوقال الشافعي: قبل السلام.\rوقال مالك: إن وجب بسبب النقصان، فقبل السلام، وإن وجب\rبسبب الزيادة فبعده.\rوالصحيح مذهبنا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لكل سهو سجدتان بعد السلام.\rوإذا ثبت أن محله المسنون بعد السلام، فينبغي أنه إذا أتى بالتشهد، يسلم قبل الاشتغال بالصلاة، على النبي عليه السلام، ثم يكبر، ويعود إلى سجدتي السهو، ويرفع رأسه ويكبر، ويتشهد ويصلي على النبي عليه السلام، لكن ينبغي أن يدعو بالدعوات بعد التشهد الثاني لا في الاول، لان الدعوات إنما شرعت بعد الفراغ عن الافعال والاذكار الموضوعة في الصلاة، ومن عليه السهو قد بقي عليه بعد التشهد الاول أفعال وأذكار، وهو سجود السهو، والصلاة على النبي عليه السلام، فينبغي أن يؤخر الدعوات إلى التشهد الثاني، ولكن ينبغي أن يدعو بدعوات لا تشبه كلام الناس، حتى لا يصير قاطعا للصلاة ولا يمكنه الخروج عن الصلاة، على الوجه المسنون وهو السلام.\rولو سها في سجود السهو، لا يجب عليه السهو، لان تكرار سجود السهو غير مشروع لانه لا حاجة، لان السجدة الواحدة كافية على ما","part":1,"page":214},{"id":206,"text":"قال عليه السلام: سجدتان تجزئان عن كل زيادة ونقصان.\rوأما بيان من يجب عليه ومن لا يجب عليه فنقول: إن سجود السهو يجب على الامام، وعلى المنفرد مقصودا، لانه يتحقق منهما سببه وهو السهو.\rأما المقتدي إذا سها في صلاته، فلا سجدة عليه، لانه لا يمكنه أداء السجود قبل السلام، لما فيه من مخالفة الامام، ولا بعد سلام الامام، لانه سلام عمد، فيخرج به عن الصلاة، فيسقط السهو أصلا.\rوكذا اللاحق وهو المدرك الاول الصلاة، ثم فاته بعضها بعد الشروع بسبب النوم أو الحدث السابق، ثم اشتغل بقضاء ما سبق به، فسها لا يجب عليه السجدة، لانه في حكم المصلي خلف الامام، ولهذا لا قراءة عليه فيما يقضي.\rفأما المسبوق إذا اشتغل بقضاء ما سبق به بعد سلام الامام وفراغه فسها فيه يجب عليه السجدة لانه بمنزلة المنفرد ولهذا يجب عليه القراءة.\rولو أن الامام سها في صلاته، يجب عليه وعلى القوم جميعا سجدتا السهو، لان سبب الوجوب وهو السهو وجد من الامام، والقوم تبع له، والحكم في حق التبع يستغني عن السبب.\rوكذلك اللاحق يجب عليه بسبب سهو الامام، بأن سها الامام في حال نوم المقتدي، أو حال ذهابه إلى الوضوء، لانه بمنزلة المصلي خلفه.\rوكذلك المسبوق بأن سها الامام في الركعة الاولى، ثم دخل في صلاته رجل يجب عليه السجود بسبب سهو الامام، فإذا أراد الامام أن يسلم، ليس للمسبوق أن يسلم معه، لانه بقي عليه أركان الصلاة، فتفسد صلاته بالسلام، ولكن ينتظر حتى يسلم الامام، فإذا سجد الامام له أن يسجد معه، ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به.","part":1,"page":215},{"id":207,"text":"ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر، فسها الامام، فإن المقيم يتابعه في السجود، دون السلام، لان صلاته لم تتم.\rولو أنه إذا سجد معه، ثم قام إلى قضاء ما سبق به، وسها فيه، فعليه أن يسجد ثانيا، وإن كانت تكرارا، لانه فيما يقضي كالمنفرد فيكون صلاتين حكما.\rوكذلك في حق المقيم المقتدي بالمسافر.\rفلو أن هذا المسبوق، إذا لم يسجد مع الامام، وقام إلى قضاء ما سبق به هل يسجد في آخر صلاته؟ القياس أن لا يسجد، وفي الاستحسان يسجد، لانه وجب عليه بسبب المتابعة، وأمكنه قضاؤه في آخر صلاته، فيجب عليه القضاء.\rولو ترك الامام سجود السهو، وخرج من المسجد، فإن المقتدي لا يأتي به، لانه يأتي بحكم المتابعة، فلا يجب عليه المتابعة فيما ترك.\rولو أدرك الامام بعد ما فرغ من سجدتي السهو، قبل السلام، فاقتدى به صح الاقتداء، ولا يجب عليه السجدة، لانه لم يجب عليه المتابعة حتى أتى الامام بالسجود، فلا يلزمه القضاء.\rولو أدرك الامام في سجود السهو، فكبر وشرع في صلاته، فعليه أن يتابعه في سجود السهو، لان المتابعة واجبة عليه في جميع أفعال صلاة الامام، وسجود السهو من أفعال صلاته.\rوإن أدركه بعدما سجد السجدة الاولى، فله أن يتابعه في السجدة الثانية، وليس عليه أن يقضي السجدة الفائتة، لانه ما وجب عليه أداؤها بحكم المتابعة، لانه لم يكن في صلاته وقت أدائها، فلا يجب عليه القضاء.\rولو سلم الامام وعليه السهو، فسلم المسبوق معه ساهيا، أن عليه","part":1,"page":216},{"id":208,"text":"قضاء ما سبق به، ثم تذكر، فعليه أن يقضي ما فاته، لان سلام الساهي لا يخرجه عن الصلاة وعليه أن يسجد في آخره، لانه سلم ساهيا قبل وقته، وهو فيما يقضي كالمنفرد فعليه السجدة.\rولو أن من عليه السهو إذا سلم ثم فعل بعد السلام، ما ينافي الصلاة، من الحدث العمد والكلام، والخروج من المسجد ونحوه، يسقط سجود السهو، لانه فات محله وهو حرمة الصلاة.","part":1,"page":217},{"id":209,"text":"باب الحدث في الصلاة أجمع العلماء أن الحدث العمد مفسد للصلاة مانع من البناء.\rواختلفوا في الحدث السابق، وهو الذي سبقه من غير قصده، بأن سال من أنفه دم أو خرج منه ريح ونحو ذلك.\rفالقياس أن يفسد الصلاة ويقطع البناء، وهو قول زفر والشافعي، لان الحدث مضاد للصلاة، لان الصلاة لا تجوز من غير طهارة.\rوفي الاستحسان لا يفسد، وهو مذهب أصحابنا، للحديث الخاص، وهو ما روي عن عائشة عن النبي عليه السلام أنه قال: من قاء في صلاته أو رعف، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته، ما لم يتكلم، ولما روي عن أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم أنهم قالوا كذلك، وتركنا القياس بالحديث، وإجماع الصحابة.\rإذا ثبت أنه جاز البناء، فكل فعل مناف للصلاة في الاصل، لكن هو من ضرورات البناء، نحو المشي والاستقاء وغير ذلك، لا يفسد الصلاة، وكل ما لم يكن من ضروراته، يكون مفسدا، بناء على الاصل.\rوتخرج المسائل على هذا.\rولو أصاب بدنه أو ثوبه نجاسة، لحدث سبقه، فإنه يتوضأ\rويغسل ذلك، لان ذلك مانع للوضوء، لان الوضوء لا يعمل بدونه.","part":1,"page":219},{"id":210,"text":"وعلى هذا قالوا: لو استنجى على وجه لا تنكشف عورته، بأن ألقى الذيل خلفه وقبله، لا تفسد، لان الاستنجاء مما يحتاج إليه لاحراز الفضيلة.\rولهذا لو استوعب مسح الرأس وتمضمض، واستنشق، وأتى بسائر سنن الوضوء، فإنه يبني لانه من باب كمال الوضوء.\rوأما إذا انكشفت عورته فإنه يقطع البناء، لان كشف العورة مناف للصلاة، ولا حاجة إليه، لان أداء الصلاة يجوز، بدون الاستنجاء في الجملة، ولهذا قلنا: إنه في الحدث العمد لا يبني لانه نادر، ولا حرج في القول بقطع البناء، بخلاف الحدث السابق.\rوعلى هذا: إذا أغمي عليه، أو جن، أو نام في الصلاة فاحتلم فأنزل، أو نظر إلى فرج امرأته، أو إلى وجهها، وأنزل عن شهوة، أو قهقه في صلاته فإنه لا يبني لان هذه الافعال مما لا يغلب في الصلاة.\rولو أصابه الحدث بفعل سماوي، بأن يسقط عليه شئ من السقف، أو بفعل غيره، بأن رماه إنسان بحجر فشجه فسال الدم، فإنه لا يبني عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يبني، لان هذا حدث حصل بغير فعله، فصار كالحدث السابق، والصحيح ما قالا لان هذا مما لا يغلب، فلا يلحق بالغالب، وهو الحدث السابق.\rهذا إذا سبقه الحدث في وسط الصلاة.\rفأما إذا سبقه بعد ما قعد قدر التشهد الاخير، فإن عليه أن يذهب\rويتوضأ ويبني على صلاته، حتى يخرج عن الصلاة على الوجه المسنون بالسلام، لان الحدث السابق لا يقطع التحريمة.\rولو وجد فعل ليس من أفعال الصلاة، ولا من ضرورات الوضوء","part":1,"page":220},{"id":211,"text":"والبناء مثل الكلام والاكل والشرب ونحو ذلك، يقطع البناء، لان هذه الاشياء منافية للصلاة، فتتنافى التحريمة في حال الذهاب والمجئ.\rوكذلك كل ما كان نظير الكلام معنى، بأن ذكر الله تعالى وأراد به خطاب إنسان أو زجره عن شئ أو أراد به بجوابه عن شئ، فإنه يفسد صلاته عند أبي حنيفة ويقطع البناء، وقال أبو يوسف: كل ما كان من ذكر الله في الوضع لا تفسد به الصلاة، ولو نوى خطاب الناس به.\rوعلى هذا الخلاف إذا عطس إنسان فقال: الحمد لله فشمته رجل فقال: يرحمك الله تفسد صلاته عندهما، وعند أبي يوسف لا تفسد.\rوأجمعوا أن المصلي إذا قال: سبحان الله أو قال: الله أكبر وعنى به إعلام الامام، فيما ترك ساهيا ونحوه، لا تفسد صلاته.\rولو أن في صلاته أو تأوه، فإن كان من ذكر الجنة أو النار، فصلاته تامة، وإن كان لوجع أو مصيبة، فسدت صلاته.\rوقال أبو يوسف: إذا كان حرفين لا تفسد، حتى إذا قال: أوه تفسد.\rوقولهما أصح، لان التأوه إذا كان من ذكر الجنة النار، فكان كناية عن سؤال الجنة، والتعوذ من النار، فلا تفسد، فأما الاصل فهو أن الحروف المهجاة كلام الناس، سواء كان حرفين أو أكثر، ألا ترى أنه إذا\rقال: أخ أخ، تفسد صلاته، دل أن المدار على هذا.\rثم إذا جاء البناء في الحدث السابق فينظر، إما إن كان إماما، أو مقتديا، أو منفردا: فإن كان منفردا أو إماما، فإن الاولى أن يعود إلى مكان صلاته ويتم صلاته، وإن بنى في موضع الوضوء، جاز.","part":1,"page":221},{"id":212,"text":"وإن كان مقتديا به علم أن إمامه قد فرغ، فكذلك الجواب، فأما إذا لم يفرغ فعليه أن يعود إلى مكان الامام ويصلي مع الامام، بعد قضاء ما سبق به، لان المتابعة واجبة عليه، حتى إذا ترك مع القدرة عليه، تفسد صلاته، وإنما يقضي ما فاته في حال ذهابه ومجيئه أولا، ثم يدخل في صلاة الامام، لانه في المعنى كأنه خلف الامام فصار كما لو سبقه الامام بركن، وهو معه في الصلاة، فإن عليه أن يؤديه أولا، ثم يشرع في الركن الذي فيه الامام، لان المتابعة واجبة على الترتيب.\rهذا الذي ذكرنا إذا سبقه الحدث حقيقة.\rفأما إذا انتقضت طهارته بمعنى من المعاني، سوى الحدث، بغير صنعه، بأن كان متيمما فرأى الماء في صلاته، أو صاحب جرح سائل فخرج الوقت، أو الماسح على الخفين، إذا انقضت مدة مسحه ونحو ذلك - فإنه لا يبني لان في هذه المواضع تبين أن الشروع لم يصح، لانه يجب عليه الوضوء بالحدث السابق على التحريمة ويجعل محدثا من ذلك الوقت، في حق الصلاة التي لم تؤد بعد، وإن بقي له حكم الطهارة في حق الصلاة المؤداة.\rوكذلك الجواب في هذه المواضع، بعد القعود قدر التشهد الاخير\rعند أبي حنيفة، خلافا لهما، لان الصلاة لم تؤد بعد، ولان هذه المعاني الناقضة للطهارة مما يندر وجودها، فلا تلحق بالحدث السابق الذي يغلب وجوده.\rثم الامام إذا سبقه الحدث فأراد أن يذهب ليتوضأ، فهو على إمامته، ما لم يخرج من المسجد، أو يستخلف رجلا فيقوم الخليفة مقامه ينوي أن يؤم الناس، أو يستخلف القوم رجلا قبل أن يخرج هو من المسجد فيقوم مقامه ينوي الامامة حتى إن رجلا لو دخل المسجد ساعتئذ واقتدى به، فإنه يصح اقتداؤه ويصير شارعا في الصلاة هكذا روى ابن","part":1,"page":222},{"id":213,"text":"سماعة عن أبي يوسف.\rوقال بشر المريسي: لا يصح شروعه في الصلاة واقتداؤه به لان الامام محدث، والمحدث ليس في الصلاة، فكيف يصح الاقتداء به في صلاته.\rوالصحيح هو الاول لان الحدث السابق لا ينافي التحريمة لان التحريمة شرط في الصلاة، فلا يشترط لها الطهارة وإنما ينافي فعل الصلاة، وصحة الاقتداء تعتمد قيام التحريمة، لا قيام نفس الصلاة، ولهذا يصح استخلافه، ولم تبطل صلاة القوم، ويمكنه البناء على صلاته فدل أن التحريمة قائمة.\rفإذا وجد شئ من هذه الاشياء يخرج من الامامة، أما إذا قام الخليفة مقامه ناويا للامامة فلانه يصير إماما في هذه الصلاة، فخرج هو من الامامة، لانه لا يجتمع في صلاة واحدة إمامان في حالة واحدة، وكذلك إذا استخلف القوم، لان بهم حاجة إلى تصحيح صلاتهم، وذلك\rبالاستخلاف فإذا ترك الامام الاستخلاف، فيثبت لهم ولاية ذلك، وكذلك إذا خرج من المسجد لانه خلا مكان الامام عن الامام لان المسجد بمنزلة بقعة واحدة، فما دام فيه فكأنه في مكانه، إلا أن في الفصلين الاولين قام الخليفة مقامه، فلم تفسد صلاته ولا صلاة القوم، أما في الخروج عن المسجد فإنه تفسد صلاة القوم، لانه بقي القوم بلا إمام والاقتداء بدون الامام لا يتحقق.\rوأما صلاة الامام هل تفسد؟ اختلفت الروايات فيه، والمشهور من الرواية أنها لا تفسد، وكذا ذكر أبو عصمة عن أصحابنا وذكر الطحاوي أنها تفسد.\rوالاول أصح، لان الامام في حكم المنفرد، وهو أصل بنفسه.","part":1,"page":223},{"id":214,"text":"هذا إذا لم يكن خارج المسجد صفوف متصلة به.\rفأما إذا كانت متصلة، فخرج الامام، ولم يتجاوز الصفوف هل تبطل صلاة القوم أم لا؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: تبطل.\rوقال محمد: لا تبطل، لان موضع الصفوف لها حكم المسجد، ألا ترى أن من صلى في الصحراء جاز استخلافه ما لم يتجاوز الصفوف.\rوالصحيح قولهما، لان القياس أن يكون الانحراف عن القبلة، لقصد الخروج عن المسجد، مبطلا صلاة القوم، إلا أنه بقي إماما حكما، ما دام في المسجد لضرورة صحة الاستخلاف، والضرورة تندفع غالبا في المسجد، فبقي حكم خارج المسجد على أصل القياس لهذا بالاجماع الامام يوم الجمعة، لو كبر وحده في المسجد، والقوم خارج المسجد، متصلا بصفوفهم وكبروا، لا ينعقد الجمعة لان\rالشرط أن يكون جماعة من القوم والامام في مكان واحد ولم يوجد.\rوأما الامام إذا كان يصلي بالناس في الصحراء، فأحدث فما دام في الصفوف، صح استخلافه، وإذا جاوز الصفوف لا يجوز، لان مواضع الصفوف التحقت بالمسحد ههنا، لضرورة صحة الاستخلاف لعدم المسجد.\rوهذا إذا ذهب الامام يمنة أو يسرة أو خلفا.\rأما إذا مشى أمامه وليس بين يديه بناء، ولا سترة، فإنه لا تفسد صلاتهم ما لم يذهب مقدار ما يجاوز الصفوف التي خلفه، لان هذا أقدر من المشي، ليس بمناف للصلاة، إذا وجد في أحد الجنبين.\rأما إذا كان بين يديه حائط أو سترة فجاوزه تفسد صلاتهم، لان السترة تجعل لما دونها حكم المسجد، حتى يباح للمار المرور، وراء السترة، ولا يباح داخل السترة.","part":1,"page":224},{"id":215,"text":"وهذه المسائل رويت عن أبي يوسف.\rوهذا الذي ذكرنا إذا كان في المسجد مع الامام جماعة من القوم.\rفأما إذا كان معه واحد، فإذا خرج الامام من المسجد، لم تفسد صلاة هذا الرجل، لانه تعين إماما، قدمه الامام المحدث أولا لعدم المزاحمة.\rولو أن الامام إذا ظن أنه أحدث فانصرف، ثم علم أنه لم يحدث إن خرج من المسجد، تفسد صلاتهم، ولا يبني.\rأما إذا لم يخرج، فإنه يرجع إلى مكانه ويبني، ولا تفسد صلاته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وإحدى الروايتين عن محمد، وفي رواية عن\rمحمد: فسد.\rوأجمعوا أنه إذا ظن الامام أنه افتتح الصلاة على غير وضوء، أو كان على ثوبه نجاسة، أو كان متيمما، فرأى سرابا ظنه ماء، فانصرف وتحول عن القبلة، فإنه تفسد صلاته لا يبني، وإن لم يخرج من المسجد.\rفأما إذا سلم على رأس الركعتين ساهيا في ذوات الاربع، وهو يظن أنه قد أتم الصلاة، ثم تذكر ورجع إلى مكانه، فإن كان بعد الخروج تفسد صلاته بالاجماع، وإن كان قبل الخروج، فعلى الخلاف الذي ذكرنا.\rفمحمد قاس موضع الخلاف على المسائل المتفق عليها، بعلة الانحراف عن القبلة من غير ضرورة.\rوالصحيح قولهما، لان الانحراف لم يوجد لقصد الخروج عن الصلاة، لان عنده أنه انحرف لاصلاح صلاته حتى يتوضأ ويبني عليها، ولو تحقق ما توهم لا يمنع البناء، فكذلك إذا سلم ساهيا إلا أنه","part":1,"page":225},{"id":216,"text":"مشى في صلاته، لا لاصلاح صلاته، حقيقة، لانه غير محدث بل ظن أنه محدث، والمشي بغير عذر مفسد للصلاة، ولكن المسجد له حكم بقعة واحدة، فلم يجعل ماشيا تقديرا، فإذا خرج فقد وجد المشي بغير عذر حقيقة وحكما، فتفسد صلاته، بخلاف ما ذكرنا من المسائل، فإن ثمة الانحراف عن القبلة لقصد الخروج عن الصلاة، وعزم الرفض، لان البناء في هذه المواضع لا يصح، فصار بمنزلة السلام عمدا، فإنه يكون قاطعا للصلاة لما قلنا، كذا هذا.","part":1,"page":226},{"id":217,"text":"باب الامامة في الباب فصول: منها: أن الجماعة واجبة وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة وكلاهما واحد.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه واظب عليها، وكذلك الامة من لدن رسول الله آ إلى يومنا هذا، مع النكير على تاركها وهذا حد الواجب دون السنة.\rومنها: أن الجماعة إنما تجب على من قدر عليها من غير حرج، فأما من كان به عذر فإنها تسقط عنه، حتى لا تجب على المريض، والاعمى، والزمن، ونحوهم هذا إذا لم يجد الاعمى قائدا، أو الزمن من يحمله، فأما إذا وجد الاعمى قائدا، أو الزمن حاملا بأن يكون له مركب وخادم، فعند أبي حنيفة: لا يجب، وعندهما: يجب وقد ذكرنا هذا في باب الجمعة.\rومنها: أن أقل الجماعة: في غير صلاة الجمعة، الاثنان وهو أن يكون إمام واحد مع القوم، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: الاثنان فما فوقهما جماعة.\rويستوي أن يكون ذلك الواحد رجلا، أو امرأة، أو صبيا يعقل،","part":1,"page":227},{"id":218,"text":"لان هؤلاء من أهل الصلاة، فأما المجنون، والصبي الذي لا يعقل فلا عبرة بهما.\rفأما عدد الجماعة في باب الجمعة، فقد ذكرنا في باب الجمعة.\rثم ينظر إن كان مع الامام رجل واحد أو صبي يعقل، فإن المأموم ينبغي أن يقوم عن يمينه ولا يتقدمه الامام.\rوإذا كان معه اثنان من الرجال أو الصبيان العقلاء، يتقدمهما الامام.\rوقال بعض مشايخنا: إن لم يتقدم الامام وقام بينهما، فلا بأس والاول أصح.\rفإن كان معه نسوان، أو امرأة واحدة فإنه يتقدمها، لان محاذاة المرأة الرجل في حرمة صلاة مشتركة مستتمة الاركان، توجب فساد صلاة الرجل عندنا، خلافا للشافعي وهي مسألة معروفة.\rوإن كان معه رجال ونساء، فإنه يتقدم الرجال على النسوان لما قلنا.\rولو قامت امرأة بحذاء الامام، وقد نوى الامام إمامتها، تفسد صلاة الامام، وصلاة القوم، لفساد صلاة الامام.\rوإن قامت في صف الرجال تفسد صلاة رجل كان عن يمينها، ورجل كان عن يسارها ورجل خلفها، ورجل بحذائها.\rولو تقدمت الامام حتى يكون الامام خلفها، لا تفسد صلاة الامام والقوم، لكن تفسد صلاتها، لان الواجب عليها المتابعة، فقد تركت فرضا من فرائض الصلاة، فتفسد صلاتها.\rولو كان في صف الرجال ثنتان من النساء، وخلف هذا الصف صفوف أخر، تفسد صلاة رجل عن يمينهما، وصلاة رجل عن يسارهما، وصلاة رجلين خلفهما.","part":1,"page":228},{"id":219,"text":"وإن كن ثلاثا اختلف المشايخ فيه:\rقال بعضهم: تفسد صلاة ثلاثة رجال خلفهن لا غير.\rوقال بعضهم: تفسد صلاة الرجال كلهم خلفهن، ويصير الثلاث من النسوان بمنزلة صف على حدة.\rوأصله حديث النبي عليه السلام أنه قال: ليس مع الامام من كان بينه وبين الامام نهر، أو طريق أو صف من النساء.\rومنها: بيان من يصلح للامامة فنقول: الصالح للامامة هو الرجل الذي من أهل الصلاة المفروضة، سواء كان حرا أو عبدا بصيرا كان أو أعمى، تقيا كان أو فاجرا، وعلى ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: صلوا خلف كل بر وفاجر.\rوالصبي العاقل لا تجوز إمامته في الفرائض، لانه لا يصح منه أداء الفرائض، لانه ليس من أهل الفرض.\rوهل تجوز إمامته في النوافل، كالتراويح وغيرها؟ اختلف المشايخ فيه، أجاز بعضهم، ولم يجز عامتهم.\rهذا كله عندنا.\rوقال الشافعي: تجوز إمامة الصبي العاقل.\rوأما صاحب الهوى: فإن كان هوى يكفره: لا تجوز إمامته، وإن كان لا يكفره جاز مع الكراهة.\rومنها: بيان الافضل، فنقول: إن الحر، والتقي، والبصير، أفضل من العبد، والفاجر، والاعمى - لان إمامة هؤلاء سبب لتكثير الجماعة، وإمامة أولئك سبب","part":1,"page":229},{"id":220,"text":"للتقليل، فما هو سبب للتكثير أولى وأفضل.\rثم أفضل هؤلاء، من كان أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، فإن كان منهم رجلان أو أكثر على هذا، فأكبرهما سنا أولى، وإن استويا في الكبر فأبينهما صلاحا أولى، وإن استويا في ذلك قالوا: أحسنهما خلقا أولى.\rوإن استويا، فأحسنهما وجها أولى، لان هذه الاوصاف سبب الرغبة إلى الجماعة.\rولو استويا في العلم وأحدهما أقرأ، أو استويا في القراءة وأحدهما أعلم فهو أولى.\rفأما إذا كان أحدهما أقرأ، والآخر أعلم، فالاعلم أولى، لان حاجة الناس إلى علم الامام أشد.\rوعلى هذا قالوا: العالم بالنسبة إذا كان ممن يجتنب الفواحش الظاهرة، وغيره أورع منه، لكن غير عالم بالسنة، فتقديم العالم أولى.\rولو كان أحدهما أكبر، والآخر أورع، فإن الاكبر سنا أولى إذا لم يكن فيه فسق ظاهر أو لم يكن متهما به، لان النبي عليه السلام قال: الكبر الكبر.","part":1,"page":230},{"id":221,"text":"باب قضاء الفائتة الكلام في مسائل الترتيب من وجوه: أحدها: أن الترتيب في أداء الصلوات المكتوبات فرض بلا خلاف حتى لا يجوز أداء الظهر قبل الفجر، ولا أداء العصر قبل الظهر، لان الصلاة لا تجب قبل وجود هذه الاوقات.\rفأما إذا وجدت الاوقات ووجبت الصلاة، فلم يؤدها حتى دخل\rوقت صلاة أخرى فهل يعتبر الترتيب واجبا، حتى لا يجوز أداء الوقتية قبل قضاء الفوائت أم لا.\rعلى قول أصحابنا: يجب الترتيب.\rوعلى قول الشافعي: لا يجب.\rوالاصل في الباب قوله عليه السلام: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها، إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها فالنبي عليه السلام جعل وقت الفائتة وقت التذكر، فكان أداء الوقتية فيه قبل وقته، فلا يجوز عملا بظاهر الحديث.\rثم الترتيب لا يجب عند النسيان، ولا عند ضيق الوقت، وعند كثرة الفوائت - في قول عامة العلماء.\rوقال مالك: لا يسقط حالة النسيان، ولا عند ضيق الوقت.\rوقال زفر: لا يسقط عند كثرة الفوائت.","part":1,"page":231},{"id":222,"text":"هما يقولان: إن الدليل الموجب للترتيب، وهو الحديث، لا يوجب الفصل بين هذه الاحوال.\rولكن الصحيح قول العامة، لان الترتيب إنما وجب بخبر الواحد، وشرط وجوب العمل به أن لا يؤدي إلى نسخ حكم الكتاب والسنة المشهورة وحكم الكتاب، والسنة المشهورة أن لا يجوز ترك الوقتية عن الوقت، وفي هذه الاحوال الثلاث يؤدي إلى هذا فيسقط العمل بخبر الواحد.\rثم اختلف أصحابنا في أدنى حد الفائت الكثير: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كان الفائت ست صلوات، ودخل\rوقت السابعة، يسقط الترتيب، ويجوز أداء السابعة.\rوقال محمد: إذا كان الفوائت صلاة يوم وليلة، وهو خمس صلوات، ودخل وقت السادسة، يسقط الترتيب ويجوز أداء السادسة.\rولو ترك صلاة، ثم صلى بعدها خمس صلوات، وهو ذاكر للفائتة فإن هذه الخمسة موقوفة عند أبي حنيفة، فإذا صلى السابعة تجوز السابعة بالاتفاق، وتعود الخمسة إلى الجواز.\rوفي قولهما عليه قضاء ست صلوات، المؤديات الخمسة والفائتة، وعلى قياس قول محمد: يعيد خمس صلوات.\rوكذلك إذا ترك خمس صلوات، ثم صلى السادسة، فهي موقوفة عند أبي حنيفة، حتى لو صلى السابعة تنقلب السادسة إلى الجواز عنده - وعندهما لا تنقلب.\rوكذلك لو ترك صلاة، ثم صلى شهرا، وهو ذاكر للفائتة: على قول أبي يوسف يعيد الفائتة وخمس صلوات أخر، وعند محمد يعيد الفائتة وأربع صلوات أخر، وعند أبي حنيفة يعيد الفائتة لا غير، وهي مسألة معروفة.","part":1,"page":232},{"id":223,"text":"ولو ترك صلاة من يوم واحد، ولا يدري أية صلاة هي، فإنه ينبغي أن يتحرى، فإن لم يقع تحريه على شئ، يعيد صلاة يوم وليلة احتياطا، حتى يخرج عن قضاء الفائتة بيقين.\rالحائض إذا طهرت في آخر وقت الظهر، أو المسافر إذا أقام، أو الصبي إذا بلغ، أو الكافر أسلم، أو المجنون أو المغمى عليه آفاق، فعليهم صلاة الظهر ويصلي المقيم أربعا، وعلى قول زفر لا يجب ما لم يدركوا من الوقت ما يمكنهم أداء تلك الصلاة فيه.\rوعلى هذا إذا كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت، أو كان مقيما فسافر، أو ارتد في آخر الوقت، فلا قضاء عليه.\rوحاصل هذا أن الصلاة يتضيق وجوبها في آخر الوقت إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن أداء تلك الصلاة فيه، بلا خلاف بين أصحابنا، فأما إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدي بعض الصلاة، أو مقدار ما يتحرم لا غير: فعندنا يجب عليه الصلاة.\rوعنده لا يجب، لانه لا يقدر على الاداء في هذا الوقت، فيكون تكليف ما ليس في الوسع.\rولكنا نقول يجب عليه الاداء في الوقت بقدر ما يمكن، والقضاء في الوقت الثاني بقدر ما لا يمكن، والصلاة الواحدة يجوز أن يكون بعضها قضاء وبعضها أداء، كالمقيم إذا اقتدى كالمسافر في آخر الوقت: يؤدي معه ركعتين في آخر الوقت ثم يقضي ركعتين في الوقت الثاني.","part":1,"page":233},{"id":224,"text":"باب سجدة التلاوة الكلام في الباب في مواضع: في بيان أن سجدة التلاوة واجبة أم لا، وفي بيان مواضع السجدة، وفي بيان سبب الوجوب، وفي بيان من يجب عليه، ونحو ذلك.\rأما الاول - فنقول:\rسجدة التلاوة واجبة عندنا.\rوعند الشافعي سنة.\rوالصحيح قولنا لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: السجدة على من سمعها أو تلاها.\rوأما مواضع السجدة فأربعة عشر: أربع في النصف الاول: في آخر الاعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي بني إسرائيل.\rوعشرة في النصف الاخير: في سورة مريم، وفي الحج في الاولى، وفي الفرقان، وفي النمل، والم السجدة، وص وحم السجدة، والنجم وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.","part":1,"page":235},{"id":225,"text":"وعلى هذا قول عامة العلماء.\rوقال الشافعي: في آخر سورة الحج سجدة في قوله: واركعوا واسجدوا.\rوقال في سورة ص سجدة الشكر لا سجدة التلاوة.\rوقال مالك: ليس في سورة النجم وسورة إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك سجدة.\rوأما سبب وجوب السجدة: فهو التلاوة والسماع، للحديث الذي روينا.\rثم السجدة تجب بسماع التلاوة مطلقا، سواء كانت في الصلاة أو خارج الصلاة، كان التالي مسلما أو كافرا، طاهرا أو محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء، صغيرا كان أو كبيرا، عاقلا كان أو مجنونا بعد أن يكون السامع من أهل وجوب السجدة عليه.\rوكذلك التلاوة، سبب الوجوب في حق التالي، إذا كان أهلا للوجوب أيضا.\rثم أهل وجوب السجدة: من كان من أهل وجوب الصلاة عليه، أو من أهل وجوب القضاء، لانها جزء من أجزاء الصلاة، فلا تجب على الكافر، والصبي، والمجنون، والحائض، والنفساء، لانه لا وجوب عليهم.\rفأما الجنب والمحدث فيجب عليهما، لانه يجب عليهما الصلاة، والطهارة شرط الاداء لا شرط الوجوب.\rومنها - شرائط صحة أداء سجدة التلاوة: وهي ما كان من شرائط صحة الصلاة، من الطهارة عن النجاسة","part":1,"page":236},{"id":226,"text":"الحقيقة بدنا ومكانا وثيابا، وستر العورة، واستقبال القبلة، ونحوها، لانها بعض الصلاة فيشترط لادائها ما هو شرط في الكل.\rوكذلك كل ما كان مفسدا للصلاة، من الكلام، والقهقه، والحدث العمد ونحوها، فهو يفسد السجدة، إلا أنه إذا قهقه في السجدة لا تنتقض طهارته بخلاف الصلاة على ما مر من قبل، لان انتقاض الطهارة بالقهقهة في الصلاة عرفناه نصا، بخلاف القياس، في صلاة تامة - غير معقول المعنى، فلا يثبت في حقها، كما في صلاة الجنازة.\rولو قرأ على الدابة، وهو مسافر، فسجد على الدابة، مع القدرة على النزول، فالقياس أن لا يجوز، وبه قال بشر المريسي، وفي الاستحسان يجوز، بخلاف الصلاة، فإنها لا تجوز فرضا على الدابة مع القدرة على النزول، لان القراءة أمر دائم، بمنزلة التطوع، فكان في اشتراط\rالنزول حرج، بخلاف الفرض.\rومنها: أنه هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟ فنقول: إذا قرأ في مجلس واحد آيات السجدة، أو قرأ آية واحدة في مجالس مختلفة، تجب السجدة بقدر عدد القراءة.\rفأما إذا قرأ آية واحدة، في مجلس واحد مرارا، لا تجب إلا سجدة واحدة، لان في إيجاب التكرار في مجلس واحد، إيقاع الناس في الحرج، ولا حرج عند اختلاف الآية في مجلس واحد، وعند اختلاف المجالس.\rهذا حكم خارج الصلاة.\rأما إذا كرر آية السجدة في الصلاة، فإن كانت في ركعة واحدة، لا تجب إلا سجدة واحدة، لاتحاد المجلس حقيقة.\rوإن قرأها في كل ركعة فالقياس أن لا يجب إلا سجدة واحدة،","part":1,"page":237},{"id":227,"text":"هو قول أبي يوسف لاتحاد المجلس حقيقة، وفي الاستحسان يجب بكل تلاوة سجدة، وهو قول محمد، لانه لا حرج في الوجوب، لان تكرار آية سجدة في كل ركعة نادرة في الصلاة، لانها ليست بموضع التعليم.\rومنها: أن الامام إذا قرأها في الصلاة فإنه يجب عليه السجدة، على القوم، لكن إذا سجدوا في الصلاة يجوز، وإن لم يسجدوا تسقط لانها صلاتية فتسقط بالخروج عنها.\rوأما المقتدي إذا قرأها فقد أجمعوا أنه لا يجب عليه أن يسجد في الصلاة، وهل يسجد خارج الصلاة؟ على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجب، وعلى قول محمد يجب.\rوكذلك لا تجب السجدة على الامام والقوم.\rوأجمعوا أنه تجب السجدة على من سمع من المقتدي خارج الصلاة.\rوالصحيح قولهما، لانه لا فائدة في الوجوب، لان فائدة الوجوب الاداء، ولا يمكنه الاداء في الصلاة، لانه تابع للامام، وتجب عليه متابعته، فيه ترك المتابعة، ولا يمكنه بعد السلام، لانها صارت صلاتية، والصلاتية تسقط بالسلام.\rولو سمع المقتدي ممن قرأ خارج الصلاة، يجب عليه أن يسجد خارج الصلاة، لانها ليست بصلاتية.\rوكذلك الامام لو سمع ممن قرأ خارج الصلاة، يجب عليه أن يسجد خارج الصلاة أيضا، لما قلنا.\rولو سجد هذه السجدة في الصلاة، لم يجز، لانها ليست بصلاته، ولكن هل تفسد صلاته؟ في رواية الاصول: لا تفسد الصلاة، لان السجدة ليس بمنافية للصلاة، وهي ما دون الركعة، فصار كما لو سجد سجدة زائدة تطوعا، والله أعلم.","part":1,"page":238},{"id":228,"text":"كتاب الجنائز قال رحمه الله: إذا احتضر الرجل الموت فإنه يوجه على شقه الايمن، نحو القبلة على ما ذكرنا، ويلقن كلمة الشهادة، لقوله عليه السلام: لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله.\rوإذا مضى، ينبغي أن يغمض عيناه، ويشد لحياه.\rلانه إذا ترك مفتوحا، يصير كريه المنظر ويقبح في أعين الناس، وعليه توارث الامة،\rوما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن.\rثم المستحب أن يعجل في جهازه ولا يؤخر، لقوله عليه السلام: عجلوا موتاكم، فإن يك خيرا، قدمتموه إليه، وإن يك شرا، فبعدا لاهل النار.\rولا بأس بإعلام الناس بموته، لان فيه تحريض الناس إلى الطاعة، وحثا على الاستعداد لها، فيكون سببا إلى الخير، ودلالة عليه، والنبي عليه السلام قال: الدال على الخير كفاعله.\rثم يشتغل بغسله، فإن غسل الميت واجب، بإجماع الامة عليه من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لما توفي آدم عليه السلام، غسلته الملائكة، وقالت","part":1,"page":239},{"id":229,"text":"لولده: هذه سنة موتاكم.\rثم كيف يغسل؟ روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، وذكر محمد في كتاب الصلاة أنه يجرد الميت، ويوضع على تخت، وتستر عورته بخرقة، وهي من الركبة إلى السرة، ويوضأ وضوءه للصلاة، إلا أنه لا يمضمض، ولا يستنشق، ولا يمسح على رأسه، ولا يؤخر غسل رجليه، بخلاف غسل الجنب - ثم يضجع على شقه الايسر، فيغسل بالماء الذي غلي بالسدر والخطمي والحرض، أو بالماء القراح إن لم يكن شئ من ذلك، حتى ينقيه ويخلص الماء إلى ما يلي التخت، لان المسنون هو البداءة بالميامن، فيضجع على شقه الايسر حتى يمكن البداءة بغسل الايمن ثم يضجع على شقه الايمن، فيغسل الايسر حتى ينقيه ثم يقعده ويسنده إلى نفسه، ويمسح يده\rعلى بطنه مسحا رقيقا، فإن سال منه شئ يمسحه، ويغسل ذلك الموضع، حتى يطهر عن النجاسة الحقيقة.\rولا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء بخروج شئ منه، وعند الشافعي يعاد الوضوء.\rوالصحيح قولنا، لان الغسل والوضوء ما وجب لاجل الحدث، وإنما عرفناه بالنص، بخلاف القياس وقد وجد.\rثم يضجعه على شقه الايسر حتى ينقيه ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي السرير، حتى يكون الغسل ثلاث مرات، وهو الغسل المسنون في حالة الحياة، فكذلك بعد الممات، ثم ينشفه بثوب حتى لا تبتل أكفانه.\rولا يؤخذ شئ من ظفره، ولا شعره، ولا يسرح لحيته، لان هذا من باب الزينة، والميت لا يزين.\rهذا الذي ذكرنا سنة في كل ميت مات بعد الولادة، إلا الشهيد","part":1,"page":240},{"id":230,"text":"الذي مثل شهداء أحد، على ما نذكر.\rولهذا قلنا: إن المولود إذا خرج ميتا لا يغسل، هذا جواب هذا الكتاب على ما نذكر.\rفأما إذا استهل الصبي ثم وجد ميتا، يغسل، لان الاستهلال دلالة الحياة.\rوإذا وجد أكثر الانسان الميت يغسل، لان للاكثر حكم الكل، فأما إذا وجد الاقل أو النصف، لم يغسل عندنا، وعند الشافعي يغسل كيفما كان.\rثم الجنس يغسل الجنس كالذكر للذكر، والانثى للانثى، ولا\rيغسل الجنس خلاف الجنس، كالرجل للانثى والانثى للرجل، لان مس العورة حرام، في حالة الحياة والممات جميعا للاجانب.\rفأما إذا كانا زوجين، فالزوجة المعتدة بسبب الموت يحل لها غسل الزوج، بالاجماع، ما لم يوجد منها في حال العدة ما هو سبب الفرقة وهو المصاهرة أو الردة.\rفأما المعتدة بالطلاق البائن، إذا مات الزوج بعد ذلك: فلا تغسله، لان الطلاق البائن يرفع النكاح.\rفأما الزوج فلا يغسل الزوجة عندنا، خلافا له، والمسألة معروفة.\rوأما أم الولد فلا تغسل مولاها، وإن كانت معتدة بعد موته عندنا، وقال زفر تغسل، إلا أن الصحيح قولنا، لان القياس أن المعتدة للزوج لا تغسل، لان النكاح انتهى بالموت كما في جانب الزوج، وإنما جاءت الاباحة بخلاف القياس في حق الزوجة، فبقي الحكم في حق أم الولد على أصل القياس.","part":1,"page":241},{"id":231,"text":"فأما الصبي والصبية: إن كانا من أهل الشهوة فكذلك الجواب، وإن لم يكونا من أهل الشهوة، فلا بأس بغسلهما عند اختلاف الجنس.\rوإذا ماتت المرأة في السفر، ولم يكن هناك غير الرجال، فإن كان منهم ذو رحم محرم منها، فإنه ييممها بيده بغيره خرفة، وإن لم يكن، فالاجنبي ييممها بخرقة، لان الاجنبي لا يحل له مس محل التيمم بدون الخرقة، فأما المحرم فيحل له مس ذلك الموضع من غير حائل.\rثم يكفن الميت بعد الغسل، لان تكفين الميت سنة، لما روي في قصة آدم عليه السلام أن الملائكة قالت لولده بعدما غسلوه وكفنوه\rودفنوه: هذه سنة موتاكم.\rثم الكفن يصير من جميع المال، وهو مقدم على الدين، والوصية، والميراث، لان هذا من حوائج الميت.\rومن لم يكن له مال فكفنه على من تجب عليه نفقته وكسوته في حال حياته، إلا المرأة خاصة، في قول محمد فإن كفنها لا يجب على زوجها، لان الزوجية تنقطع بالموت.\rومن لم يكن له مال، ولا من ينفق عليه، في بيت المال لانه أعد لحوائج المسلمين.\rثم أكثر ما يكفن به الرجل ثلاث أثواب: إزار، ورداء، وقميص، وأدنى ذلك ثوبان: إزار ورداء.\rوأكثر ما تكفن به المرأة خمسة أثواب إزار، ولفافة، ودرع، وخمار، وخرقة يربط ثدياها، وأدنى ذلك ثلاثة: لفافة، وخمار، وإزار.\rوكذلك الجواب في الصبي، والصبية المراهقين.\rفأما الذي لم يراهق فيكفن في خرقتين: إزار ورداء، ولو كفن في","part":1,"page":242},{"id":232,"text":"إزار واحد لا يكره، لان بدنه ليس بعورة، وليس له حرمة كاملة.\rوإن كان سقطا، فإنه يكفن في خرقة.\rوكذلك إذا ولد ميتا، يلف في خرقة أيضا، لان حرمته لم تكمل.\rثم كيفية لبس الاكفان: ينبغي أن تجمر الاكفان أولا وترا، لان الثوب الجديد أو الغسيل مما يطيب في حالة الحياة، فكذلك بعد الممات فيلبس القميص أولا، ثم تبسط اللفافة، وهي الرداء، طولا، ثم يبسط الازار فوقها عرضا فيوضع الميت عليها، ثم يوضع الحنوط في رأسه ولحيته\rوسائر جسده، ويوضع الكافور على مساجده - وأرادوا بالمساجد الجبهة واليدين والركبتين - تشريفا للميت، لان المغتسل في حالة الحياة قد يتطيب، ولا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجل، ولا بأس به في حق المرأة، ثم يعطف الازار على الميت من شقه الايسر على رأسه وسائر جسده، ثم يعطف من قبل شقه الايمن كذلك، ثم يعطف الرداء عليه، وهو اللفافة.\rفإن خيف انتشار الكفن وظهور العورة، يربط بشئ من الخرقة.\rوكذلك في حق المرأة تبسط اللفافة أيضا ثم الازار وتلبس الدرع، والخمار فوق الدرع، والخرقة تربط فوق الاكفان عند الصدر فوق الثديين، ويسدل شعرها من الجانبين فوق الدرع على صدرها، ثم يعطف الازار واللفافة، على ما ذكرنا.\rثم الغسيل والجديد سواء في حق الكفن.\rولا بأس بالبرد، والكتان، والقصب، وفي حق النسوان بالحرير، والابريسم والمعصفر، والمزعفر على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا ولي أحدكم أخاه، فليحسن كفنه.\rلكن الثياب البيض","part":1,"page":243},{"id":233,"text":"أفضل، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: البسوا هذه الثياب البيض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم.\rثم يؤتى بالجنازة، ويحمل عليها الميت، ويسرع به، فإن الاسراع به سنة، لكن ينبغي أن يكون مشيا دون الخبب وأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: عجلوا موتاكم، فإن كان خيرا قدمتموه، وإن كان شرا ألقيتموه عن رقابكم.\rوالمستحب للمشيع المشي خلفها دون التقدم، وإن مشى ماش أمامها كان واسعا، لكن لا ينبغي أن يتقدم الكل، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: الجنازة متبوعة وليست بتابعة ليس معها من تقدمها.\rوتحمل الجنازة من جوانبها الاربع فيبدأ الذي يريد حملها بالمقدم الايمن من الميت فيجعله على عاتقه الايمن، ثم المؤخر الايمن على عاتقه الايمن، ثم المقدم الايسر على عاتقه الايسر ثم المؤخر الايسر على عاتقه الايسر.\rوقال الشافعي: يقوم من يحمل الجنازة بين العمودين فإن سعد بن معاذ حمل بين العمودين.\rوالصحيح ما قلنا، لعمل الامة، من لدن رسول الله (ص) إلى يومنا هذا، من غير نكير، وحديث سعد يحتمل أن يكون ذلك لضيق المكان أو لعذر من الاعذار.\rويكره أن يحمل الميت على الدابة، صغيرا كان أو كبيرا، لان من تعظيم الميت، أن يحمل على أعناق الرجال.\rوإن كان صبيا فحمله إنسان على يديه، وهو راكب، فلا بأس به.\rوكذا لا بأس بأن يحمل الرضع، أو فوق ذلك، في سقط ونحوه،","part":1,"page":244},{"id":234,"text":"على الايدي، ويتداولونه، لان معنى الكرامة حاصل.\rويكره لمشيعي الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة، لانهم أتباع الجنازة، والتبع لا يقعد قبل قعود الاصل تعظيما له.","part":1,"page":245},{"id":235,"text":"باب\rالصلاة على الجنازة الكلام في الباب في مواضع: في بيان أنها واجبة، وفي بيان من يصلي عليه، وفي بيان كيفية صلاة الجنازة، وفي بيان ولاية الصلاة: لمن هي؟ وفي بيان ما يفسد صلاة الجنازة وما يمنع منها.\rأما الاول - فنقول: الصلاة على الميت واجبة في الجملة، لا يسع الاجتماع على تركها ومتى فعلها فريق من الناس تسقط عن الباقين، فكانت واجبة على سبيل الكفاية.\rوبيان الوجوب: مواظبة الرسول، وأصحابه، والامة بأجمعهم من لدن رسول الله (ص) إلى يومنا هذا.\rوبيان أنها واجبة على طريقة الكفاية، لان ما هو الفرض، وهو قضاء حق الميت، يحصل بالبعض، ولا يمكن إيجابه على كل أحد من آحاد الناس، فصار بمنزلة الجهاد.\rوأما بيان من يصلى عليه - فنقول: كل من مات مسلما بعد ولادته، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا","part":1,"page":247},{"id":236,"text":"كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، إلا البغاة وقطاع الطريق ومن كان بمثل حالهم، لقوله عليه السلام: صلوا على كل بر وفاجر.\rولا يصلى على من ولد ميتا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه\rقال: إذا استهل المولود، صلي عليه، ومن لم يستهل، لم يصل عليه، لان الاستهلال دلالة الحياة، والميت في عرف الناس من زالت حياته، لا يعلم أنه خلقت الحياة فيه أم لا، فلم يعلم بموته، ولهذا قلنا: إنه لا يرث، ولا يورث، ولا يغسل، ولا يسمى، لان هذه أحكام الاحياء، ولم تثبت حياته.\rوروي عن الطحاوي أن الجنين الميت يغسل، ولم يحك خلافا.\rوعن محمد في السقط الذي استبان خلقه، إنه يغسل ويكفن ويخط ولا يصلى عليه.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة فيمن ولد ميتا، أنه لا يغسل.\rفعلى الرواية التي لا يغسل اعتبر بالصلاة وأنه لا يصلى عليه، والغسل لاجل الصلاة، فسقط الغسل.\rوعلى الرواية التي يغسل اعتبر أنه سنة الموتى في الاصل بحديث قصة آدم عليه السلام أنه قالت الملائكة بعد ما غسلته: إنه سنة موتاكم ولهذا يغسل الكافر وإن لم يصل عليه.\rوأما البغاة فلا يصلى عليهم عندنا، خلافا للشافعي.\rوالصحيح قولنا، فإن عليا لم يصل على قتلى نهروان وغيرهم ممن خالفه، وهم أهل بغي، فإن الخليفة الحق هو علي رضي الله عنه، حال حياته، بعد وفاة عثمان رضي الله عنه، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فيكون إجماعا.","part":1,"page":248},{"id":237,"text":"وإذا ثبت الحكم في البغاة، ثبت في قطاع الطريق، لانهم في معناهم.\rوكذلك الذي يقتل الناس خنقا، حتى يأخذ أموالهم، لان هذا ساع في\rالارض بالفساد.\rوكذلك المكابرون في المصر بالسلاح، ومن كان في مثل حالهم.\rوأما كيفية الصلاة على الميت - فنقول: أن يقوم الامام والقوم، فيكبر الامام أربع تكبيرات والقوم معه فيكبرون التكبيرة الاولى، ويحمدون الله بما هو أهله، كذا ذكر الكرخي.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يكبر الاولى ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك...إلى آخره، ثم يكبرون الثانية ويصلون على النبي عليه السلام على ما هو المعروف، ثم يكبرون الثالثة ويدعون للميت ولاموات المسلمين ويستغفرون لهم.\rوإذا كان الميت صبيا فيقول: اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا ذخرا، ثم يكبرون الرابعة ولا يدعون بعدها - ثم يسلم الامام تسليمتين عن يمينه ويساره والقوم معه، لان كل صلاة لها تحريم بالتكبير، فيكون لها تحليل بالتسليم.\rهذا الذي ذكرناه قول عامة العلماء، وعليه الاجماع، فإنه روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كل ذلك قد كان، حين سئل عن تكبيرات الجنازة، لكن رأيت الناس أجمعوا على أربع تكبيرات.\rثم إن عندنا لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الاولى.\rوعلى قول الشافعي يرفع عند كل تكبيرة، وقد ذكرنا قبل هذا.\rوليس فيها قراءة الفاتحة أصلا، عندنا.\rوقال الشافعي: لا يجوز بدون الفاتحة.\rوالصحيح قولنا، لانها ليست بصلاة حقيقة، إنما شرعت الدعاء","part":1,"page":249},{"id":238,"text":"على الميت، وأصله حديث ابن مسعود أنه قال: ما وقت لنا رسول الله صلى\rالله عليه في صلاة الجنازة قولا ولا قراءة، كبر ما كبر الامام، واختر من أطيب الكلام ما شئت.\rثم المشهور من الروايات عن أصحابنا، في الاصل وغيره، أن يقوم الامام بحذاء صدر الميت في الرجل والمرأة جميعا حتى يصلي عليه.\rوعن الحسن أنه يقوم في الرجل بحذاء وسطه، وفي المرأة بحذاء وسطها إلا أنه يكون إلى رأسها أقرب.\rوعن أبي يوسف أنه يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل مما يلي الرأس وقال الطحاوي: وهذا قوله الاخير.\rوالصحيح هو الاول، لانه لا بد من أن يحاذي جزءا من أجزاء الميت، فكان محاذاة الصدر، الذي هو موضع الايمان أحق.\rوإذا اجتمعت الجنائز فالامام بالخيار إن شاء الله صلى عليها كلها دفعة واحدة، وإن شاء صلى على كل جنازة على حدة، فإن أراد أن يصلي على كل جنازة على حدة، فالاولى أن يقدم الافضل منهم، وإن صلى كيف شاء، فلا بأس به، وإن أراد أن يصلي عليهم جملة ينبغي أن يكون الرجال مما يلي الامام، ثم الصبيان الذكور، ثم النساء، ثم الصبيات، لما روي عن عمر أنه صلى على أربع جنائز رجال ونساء وجعل الرجال مما يلي الامام.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يضع أفضلها مما يلي الامام.\rوقال أبو يوسف: أحسن ذلك عندي أن يكون أهل الفضل مما يلي الامام.\rثم تكلموا في كيفية الوضع من حيث المكان:","part":1,"page":250},{"id":239,"text":"قال ابن أبي ليلى: إذا اجتمعت الجنائز يوضع رجل خلف رجل،\rرأس الآخر أسفل من رأس الاول، يوضعون هكذا درجا.\rوعن أبي حنيفة أنه قال: إن وضعوا كما قال ابن أبي ليلى فحسن، لان النبي عليه السلام وصاحبيه دفنوا على هذه الصفة، والوضع للصلاة كذلك، فإن وضعوا رأس كل واحد منهم بحذاء رأس صاحبه فحسن، لان المقصود حاصل، وهو الصلاة عليهم.\rوأما بيان ولاية الصلاة فنقول: ذكر الشيخ أبو الحسن الكرخي: قال أبو حنيفة: يصلي على الجنازة أئمة الحي، والذي يصلي بالاحياء هو الذي يصلي على الموتى - وهو قول إبراهيم.\rوروى الحسن عن أبو حنيفة: يصلي الامام إن حضر، أو القاضي، أو الوالي، فإن لم يحضر أحد منهم فينبغي أن يقدموا إمام الحي، فإن لم يكن إمام الحي، فأقرب الناس إليه.\rوقال محمد: ينبغي للوالي أن يقدم إمام المسجد، ولا يجبر الوالي على ذلك - وهو قول أبي حنيفة.\rوعن ابن سماعة عن أبي يوسف: الصلاة على الميت إلى الاولياء، دون إمام الحي.\rوحاصل ذلك أن السلطان إذا حضر فهو أولى، لما روي أن الحسن رضي الله عنه لما مات، قدم الحسين رضي الله عنه سعيد بن العاص أمير المدينة وقال: لولا السنة لما قدمتك.\rوأما إمام الحي فتقديمه على طريق الافضل، وليس بواجب بخلاف تقديم السلطان، هكذا فسر ابن شجاع.","part":1,"page":251},{"id":240,"text":"ثم أجمع أصحابنا أن بعد إمام الحي الاقرب فالاقرب من ذوي الانساب أحق فإن تساووا في القرابة فأكبرهم سنا، فإن أراد الاسن أن يقدم غير شريكه فليس له ذلك إلا بإذنه، لان الولاية لهما، وإنما قدم الاسن للسنة، فأما إذا كان أحدهما أقرب.\rفللاقرب أن يقدم من شاء.\rولو أن امرأة ماتت وتركت زوجها وابنها، يكره للابن أن يتقدم أباه وعليه أن يقدم أباه.\rأما الزوج فلا ولاية له، لان الزوجة قد انقطعت بالموت.\rوأما بيان ما يفسد صلاة الجنازة وما يمنع منها - فنقول: إن الصلاة كلها مكروهة في الاوقات الثلاثة على ما ذكرنا، لكن إن صلوا على الجنازة في هذه الاوقات، لم يجب الاعادة، وإن كانت واجبة، لان صلاة الجنازة فرض كفاية، وإنما يتعين الوجوب على المصلين بالشروع وقد وجد الشروع في الوقت المكروه، فيحب ناقصا، بمنزلة عصر الوقت فيجزئه.\rومن صلى على جنازة راكبا أو قاعدا من غير عذر فالقياس أن يجزئه.\rوفي الاستحسان لا يجزئه، لان صلاة الجنازة ليست بأكثر من القيام فإذا ترك القيام لم تجز.\rولو صلى على صبي، وهو محمول على دابة لم تجز، لانه بمنزلة الامام.\rوإذا صلى الامام من غير طهارة أعادوا، لانه لا صحة لها بدون الطهارة، فإذا لم تصح صلاة الامام، لم تصح صلاة القوم.\rفأما إذا كان الامام على طهارة، والقوم على غير طهارة، جازت صلاة الامام دون صلاة القوم، ولم يعيدوا صلاة الجنازة، لان صلاة الامام\rتنوب عن الكل.","part":1,"page":252},{"id":241,"text":"وبهذا تبين أنه لا تجب صلاة الجماعة، فإن الامام منفرد هنا.\rوإذا صلت نساء وحدهن على جنازة، قامت التي تؤم وسط الصف، وهذه المسألة تدل على أنه لا يشترط أن يقوم الرجال لصلاة الجنازة، دون النساء وحدهن.\rولو صلوا على الميت، ثم علموا أنهم لم يغسلوه فهذا على وجوه: إن ذكروا قبل أن يدفن، يغسل وتعاد الصلاة، لان غسل الميت شرط جواز الصلاة.\rوإن ذكروا بعدما دفنوه، وأهالوا التراب عليه، وسووا القبر، فإنه لا ينبش القبر.\rفأما إذا لم يهيلوا عليه التراب، فإنه يخرج من القبر ويغسل، سواء نصبوا اللبن عليه أم لا.\rوروى ابن سماعة عن محمد أنهم إذا أهالوا عليه التراب، لم يخرجوه، ولكن يصلون على قبره ثانيا، لان الطهارة إنما شرطت عند القدرة لا عند العجز، وقد ثبت العجز بسبب الدفن.\rوالصحيح قول ظاهر الروايات: أنه لا يعاد الصلاة، لان الصلاة بدون الغسل غير مشروعة، ولا وجه إلى الغسل، لانه يتضمن أمرا حراما، وهو نبش القبر فتسقط الصلاة.\rوأما إذا نسوا الصلاة على الميت بعد الغسل، فتذكروا بعد الدفن: فإن كان قبل مضي ثلاثة أيام، يصلى على القبر، وإن كان بعد ذلك، لا يصلى وأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه صلى على قبر المسكينة.","part":1,"page":253},{"id":242,"text":"باب الدفن وحكم الشهداء في الباب: بيان حكم الدفن، وبيان أحكام الشهداء.\rأما الاول - فنقول: ينبغي أن يوضع الميت في القبر على شقه الايمن، يستقبل القبلة، ويستقبل به القبلة عند إدخاله القبر أيضا.\rولا بأس بأن يدخل القبر واحدا أو أكثر، وترا كان أو شفعا، على قدر ما يحتاج إليه.\rويقول واضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، لكن ذوو الرحم المحرم أولى، لادخال المرأة القبر، من غيرهم، لانه يجوز لهم مسها حالة الحياة، ويكره للاجانب مسها حال الحياة فكذلك بعد الممات.\rوالسنة هي اللحد عندنا دون الشق، حلافا للشافعي.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: اللحد لنا، والشق لغيرنا.\rوإذا وضع في القبر فإن كانت الاكفان قد عقدت تحل العقد.","part":1,"page":255},{"id":243,"text":"ويجعل على اللحد اللبن والقصب، ويكره الآجر والخشب، لان ذلك من باب الزينة وعمارة الدنيا.\rوالسنة في القبر أن يسنم ولا يربع، ولا يطين، ولا يجصص.\rوكره أبو حنيفة البناء على القبر، وأن يعلم بعلامة.\rوعن أبي يوسف أنه قال: أكره أن يكتب عليه، لما روي عن النبي عليه السلام أنه نهى عن تربيع القبور، وعن تجصيصها، وعن الكتابة عليها.\rوأما رش الماء على القبر فلا بأس به، لان ذلك مما يحتاج إليه لتسوية التراب عليه.\rوعن أبي يوسف أنه يكره الرش، لانه يجري مجرى التطيين.\rويكره أن يزاد التراب على تراب القبر الخارج منه، لان ذلك يجري مجرى البناء.\rويسجى قبر المرأة دون الرجل، لان المرأة عورة دونه.\rولا ينبغي أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد، لعمل الامة على دفن الواحد في قبر واحد من لدن رسول الله (ص) إلى يومنا هذا، فأما عند الحاجة فلا بأس به.\rويقدم في اللحد أفضلهم، ويجعل ما بين الرجلين حاجز من تراب، هكذا أمر النبي عليه السلام في قتلى أحد، وقال: قدموا أكثرهم قرآنا.\rولو وضعوا في اللحد ميتا على غير القبلة، أو على يساره، ثم تذكروا - فإن أبا حنيفة قال: إن كان بعد تشريج اللبن قبل أن يهيلوا التراب عليه، أزالوا ذلك، ويوجه إلى القبلة على يمينه، وإن أهالوا","part":1,"page":256},{"id":244,"text":"التراب، لم ينبش القبر، لان التوجيه إلى القبلة سنة، والنبش حرام.\rوكره أبو حنيفة أن يوطأ على قبر، أو يجلس عليه، أو ينام عليه، أو يقضي عليه حاجة من غائط أو بول، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه نهى عن الجلوس على قبر، ولان في هذه الاشياء ترك تعظيم الميت.\rوكذا يكره أن يصلى عند القبر، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا تتخذوا قبري مسجدا، كما اتخذت بنو إسرائيل قبور أنبيائهم مساجد.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي أن يصلى على ميت بين القبور، وإن فعلت أجزت، لانه روي عن علي وابن عباس أنهما كانا يكرهان ذلك.\rوروى نافع أنهم صلوا على عائشة وأم سلمة، بين مقابر البقيع، والامام أبو هريرة، وكان ابن عمر هناك.\rثم إذا نبش الميت وأخذ كفنه، فلا يخلو إما إن كان طريا لم يتفسخ ولم يتفتت، أو لم يكن طريا.\rفإن كان طريا يجب إعادة الكفن، لان الاول يحتاج إلى الستر تعظيما له، والحاجة قائمة، لكن ينظر إن كان قبل القسمة، يكون ذلك من جميع التركة، ويقدم على الدين والوصية وإن كان بعد القسمة فيكون على الورثة، لان التركة قبل القسمة على ملك الميت، وبالقسمة انتقل الملك إلى الورثة، وإذا نبش فأخذ كفنه، فهذا ميت احتاج إلى الكفن، ولا مال له، فيكون على ورثته.\rوأما إذا لم يكن طريا فإن لم يكن متفسخا، فكذلك الجواب، وإن كان متفسخا، فإنه يلف في ثوب واحد، ولا يكفن على وجه السنة، لان حرمته دون حرمة الآدمي الكامل المركب، فلا يساويه في حق السترة.","part":1,"page":257},{"id":245,"text":"وأما حكم الشهداء - فنقول: الشهيد يخالف حكمه حكم سائر الموتى في حق التكفين والغسل: أما التكفين، فينبغي أن يكفن في ثيابه التي قتل فيها.\rوإن أحبوا أن يزيدوا عليه شيئا حتى يبلغ مبلغ السنة، وأن ينقصوا عنه شيئا، فلا بأس به.\rوينزع عنه السلام، والفرو، والجلود، وما لا يصلح للكفن.\rولا يكفن، ابتداء في ثياب أخر، بدون ثيابه.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وكلومهم تشخب دما: اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\rوأما حكم الغسل - فنقول: الشهيد نوعان: نوع يغسل، ونوع لا يغسل.\rأما الذي لا يغسل، فهو الذي في معنى شهداء أحد، فيلحق بهم في حق سقوط الغسل، بالحديث الذي رويناه، وإلا فيبقى، على الاصل المعهود، وهو أن الغسل سنة للموتى.\rوحقيقة شهداء أحد أنهم قتلوا ظلما، ولم يرتثوا ولم يؤخذ عن دمائهم عوض دنياوي.\rفمتى وجد في غيرهم هذه المعاني، سقط الغسل عنهم أيضا فنقول: إن من قتل في المعركة أو غيرها، وهو يقاتل عدوا مع الكفار المحاربين، أو قطاع الطريق، أو البغاة، أو قتل بسبب دفع القتل عن نفسه أو عن أهله أو عن المسلمين أو أهل الذمة، فإنه يكون شهيدا، لان هؤلاء في معنى شهداء أحد، لوجود القتل ظلما، ولا يوجد في قتلهم\rعوض دنياوي.","part":1,"page":258},{"id":246,"text":"وإذا كان قتلا يجب فيه القصاص، يكون شهيدا، لان القصاص ليس فيه منفعة مالية، فلا ينقض معنى الشهادة، وأما المنفعة المالية فتبطل معنى الشهادة من وجه.\rويستوي فيه القتل بأي آلة كان جارحة أو غير جارحة، لان شهداء أحد قتل بعضهم بآلة غير جارحة.\rثم إنما لا يغسل في هذه المواضع إذا لم يكن المقتول مرتثا، أما إذا كان مرتثا فإنه يغسل.\rوتفسير الارتثاث ما روي عن أبي يوسف أنه قال: الذي كان يحمل على أيدي الناس، من المعركة قبل أن يموت، أو يأكل أو يشرب في مكانه، أو يوصي بدينه أو ببنيه طال الكلام أو قل حتى روى ابن سماعة وإن تكلم بكلمة وروي في رواية أخرى: إن تكلم زيادة على كلمة واحدة أو يصلي، أو يمضي عليه وقت صلاة، وهو يعقل، ويقدر على أداء الصلاة بالايماء، حتى يجب عليه القضاء بالترك، أو يبقى حيا يوما وليلة في المعركة وإن كان لا يقدر على أداء الصلاة بعد أن كان عاقلا فهو مرتث، وإن كان حيا أقل من يوم وليلة، وهو عاقل، أو كان مغمى عليه لا يعقل، فليس بمرتث، وإن زاد على يوم وليلة.\rوروي عن محمد مثل قول أبي يوسف في جميع ذلك، إلا أنه قال: إن عاش في مكانه يوما كان مرتثا، سواء كان عاقلا أو لم يكن، وإن كان أقل من ذلك فليس بمرتث، وكذلك لم يجعل الوصية ارتثاثا، هكذا روي عنه مطلقا، سواء كانت الوصية بأمور الدنيا أو الآخرة، قل أو كثر.\rوقال في الزيادات: إن أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع ونحوها ثم مات، لم يغسل، وإن كثر ذلك في كلامه حتى طال غسل.\rوحاصل هذا أنه إذا صار المقتول بحال جرى عليه شئ من أحكام الدنيا، أو وصل إليه شئ من منافع الدنيا، فإنه يوجب نقصان شهادته","part":1,"page":259},{"id":247,"text":"ويخرجه عن صفة شهداء أحد، فسقوط الغسل كرامة لهم، لا يكون سقوطا في حق من هو دونهم، في معنى الشهادة، ولهذا غسل رسول الله (ص) سعد بن معاذ، وإن كان شهيدا لما أنه ارتث لما ذكر من أحكام الدنيا ومصالحه.\rثم الشهيد على هذا الوصف الذي ذكرنا إن كان جنبا يغسل عند أبي حنيفة، وعندنا لا يغسل، لعموم الحديث الوارد في الشهداء ولكن أبا حنيفة قال: إنه ورد دليل خاص في الجنب وهو ما روي أن حنظلة غسلته الملائكة بعدما استشهد وقد كان قتل جنبا، فصار مخصوصا عن الحديث العام.\rوأما الحائض، أو النفساء، فإن قتلت بعد انقطاع الدم غسلت عند أبي حنيفة، لان الغسل وجب قبل الموت، كما وجب بالجنابة.\rوأما إذا قتلت قبل انقطاع الدم، روى أبو يوسف عنه أنها لا تغسل، روى الحسن عنه أنها تغسل.\rومن وجد قتيلا في المعركة ليس به أثر القتل، غسل، لانه لو كان قتيلا لظهر به أثر القتل.\rفإن كان الدم خرج من عينه أو أذنه لم يغسل، لان خروج الدم من هذه المواضع من آثار القتل ظاهرا.\rوإن خرج من أنفه أو ذكره أو دبره\rغسل، لانه محتمل، فلا يسقط الغسل بالاحتمال.\rوإن خرج الدم من جوفه لم يغسل، لان الظاهر أن خروجه بسبب الضرب وقطع العرق.\rفأما الصلاة على الشهيد: فواجبة عندنا، خلافا للشافعي.\rوالصحيح قولنا لان النبي عليه السلام صلى على شهداء أحد، ولان الشهيد، إن اعتبر بمن عظمت درجته، يجب أن يصلى عليه، كالانبياء عليهم السلام، وإن اعتبر بسائر الناس، الذين لم يوجد منهم ما هو","part":1,"page":260},{"id":248,"text":"سبب سقوط الموالاة، يجب أن يصلى عليه، لان شهادته إن لم توجب زيادة كرامة، فلا توجب نقصانا، بخلاف البغاة وقطاع الطريق، لانهم حرب للمسلمين، ولا موالاة بينهم فلم يستحقا الصلاة التي شرعت، قضاء لحقهم، بسبب الموالاة والله أعلم.","part":1,"page":261},{"id":249,"text":"كتاب الزكاة اعلم أن الزكاة تثبت فرضيتها بالكتاب، والسنة، والاجماع، على ما ذكرنا في كتاب الصلاة.\rثم اختلف مشايخنا في كيفية فرضيتها، ذكر محمد بن شجاع الثلجي عن أصحابنا أنها على التراخي، وكذا قال أبو بكر الجصاص، أنها على التراخي.\rواستدل بمسألة هلاك النصاب، بعد التأخير عن أول الحول أنه لا يضمن، ولو وجبت على الفور، لوجب الضمان، كتأخير الصوم عن شهر رمضان.\rوذكر الكرخي هؤهنا أنها على الفور، وذكر في المنتقى عن محمد أنها على\rالفور.\rوحاصل الخلاف أن الامر المطلق عن الوقت على الفور أم على التراخي؟ على قول بعض مشايخنا على التراخي، وعلى قول بعضهم على الفور، وبه قال الشيخ أبو منصور الماتريدي، وهذه من مسائل أصول الفقه تعرف ثم إن شاء الله تعالى.\rثم اعلم أن مال الزكاة نوعان: السوائم، ومال التجارة، لان من شرط وجوب الزكاة أن يكون المال ناميا، والسماء من حيث العين يكون بالاسامة، ومن حيث المعنى بالتجارة.\rثم مال التجارة نوعان: الاثمان المطلقة، وهي الذهب والفضة،","part":1,"page":263},{"id":250,"text":"وما سواهما من السلع، غير أن الاثمان خلقت في الاصل للتجارة، فلا تحتاج إلى تعيين العباد للتجارة بالنية، فتجب الزكاة فيها، وإن لم ينو التجارة أو أمسك للنفقة، فأما السلع فكما هي صالحة للتجارة بها، فهي صالحة للانتفاع بأعيانها، بل هو المقصود الاصلي منها، فلا بد من النية، حتى تصير للتجارة.\rإذا ثبت هذا: فنبدأ بزكاة الذهب والفضة فنقول: لا يخلوا إما أن يكون الانسان له فضة مفردة، أو ذهب مفرد، أو من الصنفين جميعا.\rفإن كانت له فضة مفردة، إن كان نصابا، وهو مائتا درهم، وزنا، وزن سبعة، يجب عليه خمسة دراهم، ربع عشرها، اجتمع شرائط الوجوب.\rوإن كان ما دون ذلك لا يجب، لما روي عن النبي عليه السلام أنه\rكتب في كتاب الصدقات لعمرو بن حزم: الرقة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم.\rثم الفضة مال الزكاة كيفما كانت، مضروبة، أو غير مضروبة، أتبرا، أو حليا، يحل استعمالها أو لا، أمسكها للنفقة أو لا، نوى التجارة أو لم ينو.\rوكذلك حلية السيف، واللجام، والسرج، والكواكب التي في المصاحف، إذا كانت تخلص عند الاذابة.","part":1,"page":264},{"id":251,"text":"ويستوي في ذلك الجيد والردئ، نحو النقرة السوداء.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي كذلك إلا أنه قال: إذا كانت حليا يحل لبسها، كحلي النساء وخواتيم الفضة للرجال ونحوها، لا زكاة فيها في أحد القولين.\rوالصحيح مذهبنا لما روينا من الحديث من غير فصل.\rهذا إذا كانت خالصة، أما إذا كانت مختلطة بالغش: إن كان الغالب هو الفضة، فكذلك الجواب، لان الغش مغمور مستهلك فيها، وإن كان الغالب هو الغش، وهي الستوقة: إن لم تكن أثمانا رائجة أو معدة للتجارة، فلا زكاة فيها، إلا أن تكون كثيرة يبلغ ما فيها من الفضة نصابا.\rأما إذا كانت أثمانا رائجة أو معدة للتجارة.\rفإن تعتبر قيمتها إن بلغت نصابا من أدنى ما تجب الزكاة فيه من الدراهم الرديئة، فإنه تجب فيها الزكاة، فإنه روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن كان عنده فلوس أو دراهم رصاص أو نحاس مموهة بحيث لا تخلص منها الفضة: إن لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة وقيمتها تبلغ مائتي درهم\rرديئة ففيها الزكاة.\rأما الغطارفة فبعض المتأخرين قالوا: يجب في كل مائتين منها، ربع عشرها، وهو خسمة منها، عددا لانها من أعز الاثمان في ديارنا.\rوقال السلف: ينظر إن كانت أثمانا رائجة يعتبر قيمتها بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم، فتجب الزكاة في قيمتها، وإن لم تكن رائجة، فإن كانت سلعا للتجارة، تعتبر قيمتها أيضا، وإن لم تكن للتجارة، ففيها الزكاة بقدر ما فيها من الفضة إن بلغت نصابا أو بالضم إلى ما عنده من مال التجارة.\rوهذا هو الاصح.","part":1,"page":265},{"id":252,"text":"وأما الذهب المفرد: إن يبلغ نصابا، وذلك عشرون مثقالا، ففيه نصف مثقال.\rوإن كان أقل من ذلك، فلا زكاة فيه، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لعلي: يا علي ليس في الذهب زكاة ما لم يبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال.\rثم الجيد والردئ، والتبر والمصوغ والمضروب والحلي فيه سواء، خلافا للشافعي في الحلي كما في الفضة.\rوكذلك الحكم في الدنانير التي الغالب فيها الذهب، كالمحمودية ونحوها.\rفأما الهروية والمروية وما لم يكن الغالب فيها الذهب: فتعتبر قيمتها إن كانت أثمانا رائجة، أو للتجارة، وإلا فيتعبر قدر ما فيها من الذهب والفضة، وزنا، لان كل واحد منهما يخلص بالاذابة.\rفأما إذا زاد على نصاب الذهب أو الفضة فلا يجب في الزيادة شئ عند أبي حنيفة حتى تبلغ أربعة مثاقيل في الذهب فيجب فيها قيراطان، وأربعين من الدراهم فيجب فيها درهم، ولا تجب في أقل من ذلك.\rوقال أبو يوسف ومحمد الشافعي: تجب الزكاة في الكسور، بحساب ذلك.\rوالصحيح قول أبي حنيفة، لان في اعتبار الكسور حرجا بالناس، والحرج موضوع.\rفأما إذا اجتمع الصنفان: فإنه ينظر: إن لم يكن كل واحد منهما نصابا، أو كان أحدهما نصابا دون الآخر: فإنه تجب ضم أحدهما إلى الآخر حتى يكمل النصاب عندنا.","part":1,"page":266},{"id":253,"text":"وقال الشافعي: لا يضم، لانهما جنسان مختلفان، حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر، متفاضلا، فلا يضم، كما في السوائم عند اختلاف الجنس.\rوالصحيح قولنا، لانهما في معنى الثمنية والتجارة، كشئ واحد، فيجب الضم تكميلا للنصاب، نظرا للفقراء، كما في مال التجارة، بخلاف السوائم، لان ثمة الحكم متعلق بالصورة والمعنى، فلا يتحقق تكميل النصاب عند اختلاف الجنس.\rفأما إذا كان كل واحد منهما نصابا، ولم يكن زائدا عليه، فلا يجب الضم، بل ينبغي أن يؤدي من كل واحد منهما زكاته.\rوإن زاد على النصابين شئ، فإن كان أقل من أربعة مثاقيل أو أقل\rمن أربعين درهما، فإنه يجب ضم إحدى الزيادتين إلى الاخرى ليتم أربعين درهما، أو أربعة مثاقيل عند أبي حنيفة، لان عنده لا تجب الزكاة في الكسور.\rوعندهما لا يجب ضم إحدى الزيادتين إلى الاخرى، لان عندهما تجب الزكاة في الكسور بحساب ذلك.\rولو ضم صاحب المال أحد النصابين إلى الآخر، حتى يؤدي كله من الذهب أو من الفضة، فلا بأس به، ولكن يجب أن يكون التقويم بما هو أنفع للفقراء، قدرا ورواجا، وإلا فيؤدي من كل واحد ربع عشره.\rواختلف أصحابنا في كيفية الضم، فقال أبو حنيفة: يضم باعتبار القيمة.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يضم باعتبار الاجزاء، دون التقويم.\rوإنما يظهر الخلاف فيما إذا كان قيمة أحدهما، لجودته أو لصياغته، أزيد على وزنه، بأن كان له مائة درهم وخمسة دنانير قيمتها مائة درهم:","part":1,"page":267},{"id":254,"text":"فعند أبي حنيفة يقوم الدنانير، بخلاف جنسها، دراهم ويضمها إلى الدراهم، فيكمل نصاب الدراهم من حيث القيمة، فيجب خمسة دراهم، نظرا للفقراء، وعلى قولهما: يضم باعتبار الاجزاء، دون التقويم، فيضم نصف نصاب الفضة إلى ربع نصاب الذهب، فيكون ثلاثة أرباع أنصاب، فلا يجب فيه شئ.\rولو كان مائة درهم، وعشرة دنانير قيمتها مائة وأربعون، فيضم باعتبار القيمة عند أبي حنيفة، فتبلغ مائتين وأربعين درهما، فيجب ستة دراهم.\rوعندهما، يضم باعتبار الاجزاء، فيكون نصف نصاب الفضة\rونصف نصاب الذهب نصابا تاما، فيجب في نصف كل واحد منهما ربع عشرة.\rفأما إذا كان وزنهما وقيمتهما سواء فلا يظهر الخلاف.\rفإن كان مائة درهم، وعشرة دنانير قيمتها مائة درهم، فإنه تجب الزكاة فيه بالاتفاق، على اختلاف الاصلين، عنده يضم باعتبار القيمة، وعندهما باعتبار الاجزاء.\rولو كان مائة درهم، وخمسة دنانير قيمتها خمسون، لا تجب الزكاة فيها بالاجماع، لان النصاب لم يكمل بالضم، لا باعتبار القيمة، ولا باعتبار الاجزاء.\rوأجمعوا أنه لا تعتبر القيمة في الذهب والفضة، عند الانفراد، في حق تكميل النصاب، حتى إنه إذا كان له إبريق فضة وزنه مائة درهم، وقيمته لصياغته مائتا درهم، لا تجب فيه الزكاة باعتبار القيمة.\rوكذلك إذا كانت آنية ذهب وزنها عشرة وقيمتها لصياغتها مائتا درهم، لا تجب فيها الزكاة، باعتبار القيمة، لان الجودة في الاموال الربوية لا قيمة لها عند الانفراد، ولا عند المقابلة بجنسها عندنا،","part":1,"page":268},{"id":255,"text":"خلافا للشافعي، لكن أبا حنيفة ضم الدراهم إلى الدنانير، التي هي خلاف جنسها، لتظهر قيمة الجودة، فيكمل النصاب من حيث المعنى، احتياطا في باب العبادة، ونظرا للفقراء.","part":1,"page":269},{"id":256,"text":"باب زكاة أموال التجارة\rأصل الباب ما ذكرنا أن المعتبر في باب التجارة معنى المالية والقيمة، دون العين، لان سبب وجوب الزكاة هو المال النامي، الفاضل عن الحاجة، والنماء في مال التجارة بالاسترباح، وذلك من حيث المالية، إلا أن حقيقة النماء مما يتعذر اعتباره، فأقيمت التجارة، التي هي سبب النماء، مع الحول الذي هو زمان النماء مقامه فمتى حال الحول على مال التجارة، يكون ناميا، فاضلا عن الحاجة تقديرا.\rإذا ثبت هذا - فنقول: كل ما كان من أموال التجارة، كائنا ما كان، من العروض والعقار، والمكيل، والموزون، وغيرها تجب فيه الزكاة، إذا بلغ نصاب الذهب أو الفضة، وحال عليه الحول، وهو ربع عشره.\rوهذا قول عامة العلماء.\rوقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها.\rوقال مالك: لا تجب الزكاة فيها، ما دامت أعيانا، فإذا نضت وصارت دراهم أو دنانير، تجب فيها زكاة حول واحد.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لما روي عن شمرة بن جندب عن النبي عليه السلام، أنه كان يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي نعده للبيع، والمعنى ما ذكرنا في الاصل.","part":1,"page":271},{"id":257,"text":"ثم ما سوى الذهب والفضة إنما يصير للتجارة بالنية، والتجارة جميعا - حتى إنه إذا كان له عروض للبذلة والمهنة، ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك لا تصير للتجارة، ما لم يوجد منه الشراء بعد ذلك بذلك المال، فيكون بدله للتجارة.\rفأما إذا كان له مال للتجارة ونوى أن يكون للبذلة، يخرج عن التجارة، وإن لم يستعمله، لان التجارة عمل معلوم، ولا يوجد بمجرد النية، فلا يعتبر مجرد النية، فأما إذا نوى الابتذال، فقد ترك التجارة للحال، فتكون النية مقارنة لعمل، هو ترك التجارة، فاعتبرت النية.\rثم مال الزكاة يعتبر فيه كمال النصاب في أول الحول وآخره.\rونقصان النصاب، بين طرفي الحول، لا يمنع وجوب الزكاة، سواء كان مال التجارة، أو الذهب والفضة، أو السوائم.\rهذا عند أصحابنا الثلاثة.\rوقال زفر: يعتبر كمال النصاب من أوله إلى آخره، والنقصان فيما بين ذلك يقطع حكم الحول.\rوهو قول الشافعي في غير أموال التجارة، فأما في مال التجارة فيعتبر كما النصاب في آخر الحول، لا في أوله ووسطه.\rوالصحيح قولنا، لانه كمال النصاب شرط وجوب الزكاة، فيعتبر حال انعقاد السبب، وحال ثبوت الحكم، وهو أول الحول وآخره ووسط الحول ليس حال انعقاد لسبب، ولا حال الوجوب، فلا يجب اشتراطه فيه.\rفأما إذا هلك النصاب أصلا، بحيث لم يبق منه شئ، يستأنف الحول، لانه لم يوجد شئ من النصاب الاصلي حتى يضم إليه المستفاد،","part":1,"page":272},{"id":258,"text":"وفي الفصل الاول بعض الاصل باق، فيضم إليه المستفاد فيتكامل الحول.\rولو استبدل أموال التجارة كلها، في الحول بجنس آخر، لم ينقطع\rالحول، وإن هلك الجنس الاول، لان الاول قائم من حيث المعنى، وهو المالية.\rوكذلك الجواب في الدراهم والدنانير إذا باعها بجنسها أو بخلاف جنسها، أعني الدراهم أو بالدنانير، فإنه لا ينقطع حكم الحول، لان الحكم ثمة متعلق بالمعنى أيضا، وعلى قول الشافعي: ينقطع لانهما جنسان مختلفان، فعلى قول مذهبه: لا تجب الزكاة في أموال الصيارفة، لوجود الاستبدال في كل ساعة.\rوأما إذا باع السائمة بالسائمة، فإن باع الجنس بخلاف الجنس، كالابل بالبقر ينقطع الحول بالاتفاق.\rأما إذا باع الجنس بالجنس فينقطع عندنا، خلافا لزفر.\rوالصحيح قولنا، لان الزكاة في السوائم تتعلق بالعين، والاعيان مختلفة، فلم يتم الحول على النصاب لا حقيقة ولا تقديرا.\rثم إذا تم الحول على مال التجارة، فإنه ينبغي أن يقومها حتى يعرف مقدار مال الزكاة، لكن عند أبي حنيفة يقوم بما هو أوفى القيمتين، وأنظرهما للفقراء، من الدراهم والدنانير، كذا ذكر هؤهنا، وذكر في كتاب الزكاة وقال: إن شاء قومها بالدراهم، وإن شاء قومها بالدنانير.\rومشايخنا حملوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع، في حق الفقراء، بالتقويم بأيهما كان، حتى يكون جمعا بين الروايتين.\rولكن كيفما كان، ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم والدنانير.","part":1,"page":273},{"id":259,"text":"وروى محمد عن أبي يوسف أنه قال: يقوم الثمن الذي اشتراها به، دراهم كان أو دنانير، وإن كان الثمن من العروض، يقوم بالنقد الغالب\rفي ذلك الموضع.\rوذكر ابن سماعة عن محمد: إنما يقوم بالنقد الغالب في ذلك الموضع.\rوكذلك إذا كان مع عروض التجارة ذهب وفضة، فإنه يضمها إلى العروض ويقوم جملة، لكن على قول أبي حنيفة، يضمها باعتبار القيمة، إن شاء قوم العروض وضمها إلى الدراهم أو الدنانير، وإن شاء قوم الذهب والفضة وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة، وعندهما يضم باعتبار الاجزاء، فيقوم العروض ويضم قيمتها إلى ما عنده من الدراهم والدنانير، فإن بلغت الجملة نصابا تجب الزكاة، وإلا فلا، ولا يقوم الدراهم والدنانير عندهما أصلا في باب الزكاة.\rثم إنما تجب الزكاة في مال الزكاة إذا لم يكن مستحقا بدين، مطالب من جهة العباد أو شئ منه.\rفأما إذا كان مستحقا به، فلا تجب الزكاة بقدر الدين، لان المال المستحق بالدين محتاج إليه، وسبب وجوب الزكاة هو المال الفاضل عن الحاجة المعد للنماء والزيادة.\rثم الديون على ضربين: دين يطالب به ويحبس، من جهة العباد، كديون العباد، حالة كانت أو مؤجلة، وهو يمنع، لما ذكرنا من المعنى.\rوكذلك مهر المرأة يمنع، مؤجلا كان أو معجلا، لانها إذا طالبت، يؤاخذ به وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل لا يمنع، لانه غير مطالب به عادة، فأما المعجل فمطالب به عادة، فمنع.\rوقال بعض","part":1,"page":274},{"id":260,"text":"مشايخنا: إن كان المعجل على عزم من قضائه يمنع، وإن لم يكن على عزم الاداء لا يمنع، لانه لا يعده دينا، والمرء يؤاخذ بما عنده في باب الاحكام، وهذا غير صحيح.\rفأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من العين إلى الذمة، فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة عندهما.\rوقال زفر: لا يمنع كلاهما.\rوقال أبو يوسف: وجوب الزكاة في النصاب يمنع، ودين الزكاة لا يمنع.\rوالصحيح قولهما لان زكاة السوائم مطالب بها حقيقة من جهة السلطان، عينا كان أو دينا، وزكاة التجارة مطالب بها تقديرا، لان حق الاخذ للسلطان، ولهذا كان يأخذها الامام إلى زمن عثمان، ثم فوض إلى أربابها، بإجماع الصحابة، لمصلحة رأي في ذلك، فيصير أرباب الاموال كالوكلاء عن السلطان، فلا يبطل حق السلطان عن الاخذ، ولهذا قال أصحابنا إن الامام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الاموال الباطنة، فإنه يطالبهم بها، ولكن لو أراد الامام أن يأخذها بنفسه، من غير تهمة الترك من أربابها، ليس له ذلك، لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة.\rوأما الديون التي هي غير مطالب بها من جهة العباد، كديون الله تعالى، من النذور، والكفارات، وصدقة الفطر، ووجوب الحج، ونحوها: فلا تمنع، لانه لا يطالب بها في الدنيا.\rوهذا كله مذهب أصحابنا.\rوقال الشافعي: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، كيفما كان والمسألة\rمعروفة.","part":1,"page":275},{"id":261,"text":"ثم التصرف في مال الزكاة بعد وجوبها، جائز، كيفما كان، عندنا.\rوقال الشافعي: لا يجوز، بقدر الزكاة، قولا واحدا، وفيما زاد على قدر الواجب قولان.\rثم ينظر عندنا إن كان تصرفا ينقل الواجب إلى محل مثله، لا يضمن الزكاة، ويصير المحل الثاني كالاول، فيبقى الواجب ببقائه، ويهلك بهلاكه، وإن كان تصرفا لا ينقل الواجب إلى محل مثله، فإنه يضمن، لانه يصير متلفا، فيبقى الضمان في الذمة، فلا يهلك الواجب بهلاك ذلك البدل.\rإذا ثبت هذا نقول: إذا كان له سوائم فباعها بعد الحول، بجنسها أو بخلاف جنسها من الحيوان والعروض والاثمان، فإنه يضمن، ولا ينتقل الواجب إلى ما جعله بدلا، حتى لا يسقط بهلاك ذلك البدل، لان الواجب في السوائم متعلق بالعين صورة ومعنى، فالبيع يكون إتلافا، لا استبدالا ونقلا، فيضمن.\rوأما إذا كان مال التجارة، فباعها بعد الحول، بدراهم أو بدنانير أو بعروض التجارة أو مطلقا بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله، لا يضمن، ويكون نقلا للواجب من محل إلى مثله معنى لان المعتبر في مال التجارة هو معنى المالية دون الصورة، فيبقى الواجب ببقائه ويهلك بهلاكه.\rولو حابى قدر ما لا يتغابن الناس في مثله، يكون زكاة ما حابى دينا في\rذمته، وزكاة ما بقي يتحول إلى العين، فيبقى ببقائه، ويفوت بفواته.\rوإذا باعه بمال لا تجب فيه الزكاة، بأن باعه بعروض ونوى أن يكون المشترى للبذلة، أو استأجر به عينا من الاعيان، يضمن، لان المنافع،","part":1,"page":276},{"id":262,"text":"وإن كانت مالا ولكن ليست بمال الزكاة، لانه لا بقاء لها.\rوكذلك إذا باعه بالسوائم، على أن يتركها سائمة، فإنه يضمن أيضا، لان زكاة التجارة خلاف زكاة السائمة، فيكون ذلك إتلافا.\rوكذلك إذا أخرجه عن ملكه بغير بدل، نحو الهبة والصدقة والوصية، أو بدل ليس بمال، نحو أن يتزوج عليه أو يصالح به عن دم العمد، أو يختلع به المرأة، فالزكاة مضمونة عليه، لان هذا إتلاف.\rوكذلك إذا استهلكه حقيقة بالاكل والشرب واللبس ونحو ذلك.\rثم المستفاد على ضربين: متولد من الاصل حاصل بسببه، كالاولاد والارباح، وغير متولد منه ولا حاصل بسببه، بل حاصل بسبب مقصود في نفسه كالموروث والموهوب والمشترى ونحو ذلك.\rوكل ذلك على نوعين: أحدهما: أن يكون مستفادا بعد الحول، والثاني: أن يكون مستفادا في الحول.\rوالاصل في الباب أن الحول الموجود في حق الاصل، كالموجود في حق التبع فكل مستفاد، هو تبع للاصل، تجب فيه الزكاة، وإلا فلا.\rإذا ثبت هذا فنقول: أما المستفاد بعد الحول فلا يضم بالاجماع في حق السنة الماضية، وإنما يضم في حق الحول الذي استفيد فيه، لان النصاب بعد الحول كالمتجدد حكما، لانه يتجدد النماء بتجدد الحول، والنصاب هو المال\rالموصوف بالنماء، دون مطلق المال، وإذا تجدد النماء جعل النصاب كالمتجدد، ويجعل النصاب الموجود في الحول الاول كالعدم، والمستفاد يجعل تبعا للنصاب الموجود دون المعدوم.\rوأما المستفاد في الحول، فإن كان من خلاف جنسه كالابل مع الشاة ونحوها، لا يضم بالاجماع، لان الزيادة تجعل تبعا للمزيد عليه،","part":1,"page":277},{"id":263,"text":"من وجه وخلاف الجنس لا يكون زيادة، لان الاصل لا يزداد به ولا يتكثر.\rوأما إذا كان من جنسه، إن كان حاصلا بسبب التفرع والاسترباح فيضم بالاجماع كالاولاد والارباح، لانه تابع للاصول حقيقة.\rوأما إذا لم يكن متولدا حاصلا بسببه كالموروث، والموهوب والميت ونحوها، فإنه يضم عندنا.\rوقال الشافعي: لا يضم، لانه أصل ملك بسبب مقصود، فكيف يكون تبعا؟.\rوقلنا نحن: هو أصل من هذا الوجه، ولكن تبع من حيث أن الاصل يتكثر به ويزداد والزيادة تبع للمزيد عليه، فاعتبرنا جهة التبعية، في حق الحول، احتياطا لوجوب الزكاة.\rثم إنما يضم عندنا إذا كان الاصل نصابا.\rفأما إذا كان أقل منه، فإنه لا يضم إليه المستفاد، وإن تكامل به النصاب، لان الاصل إذا لم يكن سبب الوجوب لقلته، فكيف يتبع المستفاد إياه في حكمه؟ وأما المستفاد إذا كان ثمن الاصل المزكى، فإنه لا يضم إلى ما عنده\rمن النصاب من جنسه عند أبي حنيفة، وعندهما يضم، لما ذكرنا من المعنى، فأبو حنيفة يقول إن الثنى حرام في باب الزكاة، لقوله عليه السلام: لا ثنى في الصدقة.\rوالمستفاد أصل من وجه، تبع من وجه، فمن حيث إنه أصل لا يضم، ومن حيث إنه تبع يضم، فوقع التعارض هنا إن اعتبر معنى الوجوب بضم، وإن اعتبر معنى حرمة الثنى لا يضم، فلا يضم مع الشك، بخلاف غيره، من المستفاد على ما مر.","part":1,"page":278},{"id":264,"text":"وصورة المسألة: رجل له خمس من الابل السائمة ومائتا درهم، فتم الحول على السائمة وزكاها ثم باعها بدراهم، ثم تم حول الدراهم، يضم الثمن إلى الدراهم التي عنده، ويزكي الكل عندهما، وعند أبي حنيفة يستأنف لها حول على حدة.\rولو جعل هذه الابل علوفة، بعدما زكاها، ثم باعها، ثم حال الحول على الدراهم التي عنده، فإنه يضم ثمنها إلى ما عنده، فيزكي الكل، كذا ذكر في الكتاب.\rوقال بعض مشايخنا: هذا قولهما، فأما على قول أبي حنيفة: فيجب أن لا يضم.\rوالصحيح أن هذا بالاتفاق، لانه لما جعلها علوفة، فقد خرجت من أن تكون مال الزكاة، بفوات وصف النماء، فجعل كأن مال الزكاة قد هلك، وحدثت عين أخرى من حيث المعنى، فلا يؤدي إلى الثنى من وجه.\rولو كان له عبد للخدمة، فأدى صدقة فطره، أو كان طعاما أدى\rعشره، أو أرضا أدى خراجها، ثم باعها، فإن الثمن يضم إلى ما عنده بالاتفاق، لانه ليس بذل مال الزكاة، وهو المال الفاضل عن الحاجة، فلا يؤدي إلى شبهة الثنى.\rولو استفاد دراهم بالارث، أو الهبة، وعنده نصابان أحدهما أثمان الابل المزكاة والثاني نصاب آخر من الدراهم والدنانير، فإنه يضم إلى أقربهما حولا، فإن كان أدى زكاة النصاب الذي هو غير ثمن الابل، فإنه يضم إلى أثمان الابل، لانها أقرب إلى الحول، فكان أنفع للفقراء.\rولو أنه لم يوهب له، ولكن تصرف في النصاب الاول، بعدما أدى زكاته، وربح فيه ربحا، ولم يحل حول أثمان الابل المزكاة، فإن الربح","part":1,"page":279},{"id":265,"text":"يضم إلى النصاب الذي ربح فيه، دون أثمان الابل المزكاة، وإن كان أبعد حولا من الاثمان، بخلاف الاول، لانهما استويا في التبعية ثمة، فترجح الاقرب حولا، بالضم إليه نطرا للفقراء، لما فيه من زيادة النفع، وهنا لم يستويا في التبعية، فإنه تبع لاحدهما حقيقة، فلا يقطع حكم التبع عن الاصل.","part":1,"page":280},{"id":266,"text":"باب زكاة السوائم أصل الباب ما ذكرنا أن سبب وجوب الزكاة هو المال النامي، الفاضل عن الحاجة.\rثم قدر الفضل والغنى متفاوت في نفسه لا يعرف حده بالرأي، فجاء الشرع بالنصب لبيان مقدار الغنى الذي يتعلق به الوجوب، فوجب\rاعتبار التوقيف في النصب، على الوجه الذي ورد الشرع به.\rثم في الباب فصلان: أحدهما: في بيان النصب، وصفاتها.\rوالثاني: في بيان قدر الواجب وصفاته.\rأما الاول - فنقول: بأن نصاب السوائم مختلف فنبدأ بالابل.\rاتفقت الاحاديث إلى مائة وعشرين، وعليه الاجماع أن لا زكاة في الابل ما لم تبلغ خمسا.\rفإذا كانت خمسا: ففيها شاة، إلى تسع.\rفإذا كانت عشرا: ففيها شاتان، إلى أربع عشرة.\rفإذا كانت خمس عشرة: ففيها ثلاث شياه، إلى تسع عشرة.\rفإذا كانت عشرين: ففيها أربع شياه، إلى أربع وعشرين.","part":1,"page":281},{"id":267,"text":"فإذا كانت خمسا وعشرين: ففيها بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين.\rفإذا كانت ستا وثلاثين: ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين.\rفإذا كانت ستا وأربعين: ففيها حقة، إلى ستين.\rفإذا كانت إحدى وستين، ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين.\rفإذا كانت ستا وسبعين: ففيها بنتا لبون، إلى تسعين.\rفإذا كانت إحدى وتسعين: ففيها حقتان، إلى مائة وعشرين.\rفأما إذا زادت الابل على مائة وعشرين واحدة فقد اختلف العلماء في ذلك إلى تمام الخمسين: فقال أصحابنا بأنه نستأنف الفريضة، ويدار الحساب على الخمسينات\rفي النصاب، وعلى احقاق في الواجب، ولكن بشرط عود ما قبله من الواجبات والاقاوص بقدر ما يدخل فيه.\rبيان ذلك أنه إذا زادت الابل على مائة وعشرين، فلا يجب في الزيادة شئ ما لم تبلغ خمسا.\rفإذا صارت مائة وخمسا وعشرين: فيجب فيها حقتان وشاة.\rوفي مائة وثلاثين: حقتان وشاتان.\rوفي مائة وخمس وثلاثين: حقتان، وثلاث شياه.\rوفي مائة وخمس وأربعين: حقتان، وأربع شياه.\rوفي مائة وخمس وأربعين: حقتان، وبنت مخاض إلى مائة وتسع وأربعين.\rفإذا صارت مائة وخمسين: ففيها ثلاث حقاق، في كل خمسين: حقة.\rثم تستأنف الفريضة فلا يجب في أقل من الخمس شئ.\rفإذا صارت مائة وخمسا وخمسين: ففيها ثلاث حقاق، وشاة.","part":1,"page":282},{"id":268,"text":"فإذا صارت مائة وستين: ففيها ثلاث حقاق، وشاتان.\rفإذا صارت مائة وخمسا وستين: ففيها ثلاث شياه، وثلاث حقاق.\rفإذا كانت مائة وسبعين: ففيها أربع شياه، وثلاث حقاق.\rفإذا كانت مائة وخمسا وسبعين: ففيها ثلاث حقاق، وبنت مخاض.\rفإذا كانت مائة وستا وثمانين: ففيها ثلاث حقاق، وبنت لبون.\rفإذا كانت مائة وستا وتسعين: ففيها أربع حقاق، إلى مائتين.\rفإذا زادت عليها: تستأنف الفريضة، مثلما استؤنفت في مائة\rوخمسين إلى مائتين، فيدخل فيها بنت مخاض، وبنت لبون، وحقة، مع الشاة.\rوقال مالك في قول: إذا زادت الابل على مائة وعشرين واحدة، المصدق بالخيار، إن شاء أخذ منها ثلاث بنات لبون، وإن شاء تركها حتى تبلغ مائة وثلاثين، فيأخذ منها بنتي لبون وحقة.\rوفي قول: إذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، وهو قول الشافعي، وليس فيها إلى مائة وتسعة وعشرين شئ، فإذا صارت مائة وثلاثين فبعد ذلك يجعل كل تسعة عفوا، ويجب في كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة، فيدور الحساب في النصب على الخمسينات والاربعينات، وفي الواجب على الحقاق وبنات اللبون.\rوالصحيح مذهبنا، فإن الاحاديث قد تعارضت، فقد روي استئناف الفريضة كما قلنا، وروي كما قالا، ولكن الترجيح لما قلنا، فإنه مذهب علي وعبد الله بن مسعود، وكانا من فقهاء الصحابة، وهذا باب لا يجري فيه القياس والرأي، فكان ذلك دليلا على الاستقرار، على الوجه الذي قالا، من حيث التوقيف من النبي عليه السلام.\rوأما نصاب البقر - فنقول: ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة.","part":1,"page":283},{"id":269,"text":"فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، ولا شئ في الزيادة إلى تسع وثلاثين.\rفإذا صارت أربعين، ففيها مسنة.\rوهذا بلا خلاف بين الامة، فأما إذا زادت على الاربعين، فقد\rاختلفت الروايات فيها عن أبي حنيفة: ذكر في ظاهر الرواية أنه تجب مسنة، وفي الزيادة بحساب ذلك، يعني إن كانت الزيادة واحدة تجب مسنة، وجزء من أربعين جزءا من مسنة، وفي الاثنتين وأربعين، مسنة وجزآن من أربعين جزءا من مسنة.\rوكذلك إلى ستين، على هذا الاعتبار.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجب في الزيادة شئ حتى تبلغ خمسين، فإذا كانت خمسين ففيها مسنة، وربع مسنة أو ثلث تبيع، لان الزيادة عشر، وهي ثلث وثلاثين وربع أربعين، فإن شاء أعطى ربع المسنة، وإن شاء أعطى ثلث التبعية إلى ستين.\rوروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة أنه قال: لا شئ في الزيادة حتى تبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان.\rوهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي.\rوهذه الرواية أعدل لما روي عن معاذأنه قيل له: ماذا تقول فيما بين الاربعين إلى الستين من البقر؟ فقال: تلك أوقاص لا شئ فيها.\rوأما إذا زادت على الستين، فإنه يدار الحساب على الاربعينات والثلاثينات في النصب، وعلى الا تبعة والمسنات في القريضة، ويجعل تسعة بينهما عفوا، فيجب في كل ثلاثين: تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين: مسنة، فإذا كانت سبعين ففيها: مسنة وتبيع، وفي الثمانين: مسنتان،","part":1,"page":284},{"id":270,"text":"وفي التسعين: ثلاثة أتبعة، وفي المائة: مسنة وتبيعتان، وفي المائة والعشرة: مسنتان وتبيع، وفي المائة والعشرين: ثلاث مسنات أو أربع أتبعة.\rوعلى هذا الاعتبار يدار الحساب.\rوأما نصاب الغنم: فليس في أقل من أربعين شاة شئ.\rفإذا بلغت أربعين ففيها شاة، وليس في الزيادة شئ، حتى تبلغ مائة وعشرين.\rفإذا زادت واحدة ففيها شاتان، إلى مائتين.\rفإذا زادت واحدة ففيها: ثلاث شياه.\rثم لا شئ فيها حتى تبلغ أربعمائة.\rفإذا كانت أربعمائة ففيها أربع شياه.\rثم في كل مائة شاة: شاة، وإن كثرت.\rهذا الذي ذكرنا بيان قدر النصب، فأما بيان صفة النصاب فهو أن يكون موصوفا بالاسامة، حتى لا تجب الزكاة في العلوفة، والحمولة، لما ذكرنا أن الزكاة لا تجب إلا في المال النامي، والنماء في الحيوان بالاسامة.\rوروي عن النبي عليه السلام أنه قال: ليس في العوامل والحوامل صدقة.\rوالسائمة هي التي تسام في البراري لقصد الدر والنسل، حتى إذا أسيمت للحمل والركوب، لا للدر والنسل، لا تجب فيها الزكاة، وكذلك إذا أسيمت للبيع وقصد التجارة، لا للدر والنسل، لا يجب فيها زكاة السائمة عندنا، ولكن تجب فيها زكاة التجارة.\rثم ليس الشرط أن تسام في جميع السنة، في البراري، بل المعتبر هو","part":1,"page":285},{"id":271,"text":"الغالب فإن كان أكثر السنة تسام في البراري، وتعلف في الامصار في أقل السنة، فهي سائمة.\rومن صفات النصاب أن يكون الجنس واحدا، كالابل والبقر والغنم، وإن اختلفت صفاتها من الذكورة والانوثة، واختلفت أنواعها كالغراب والبخاتي، والبقر، والجواميس، والضأن والمعز، لان اسم الابل والبقر والغنم يتناول الكل.\rوأما الفصل الثاني وهو بيان قدر الواجب وصفاته فنقول: أما قدر الواجب من الابل فما ذكرنا من بنت المخاض، وبنت اللبون، والحقة، والجذعة.\rوفي البقرة التبيع والتبيعة والمسنة، لما ذكرنا من الاحاديث المشهور، فبنت المخاض التي أتت عليها سنة وطعنت في السنة الثانية، وبنت اللبون هي التي أتت عليها سنتان وطعنت في الثالثة، والحقة هي التي تمت لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة، والجذعة هي التي أتت عليها أربع سنين وطعنت في الخامسة وهي أقصى سن يدخل في باب زكاة الابل.\rوالتبيع والتبيعة هو الذي أتى عليه حول وطعن في الثانية.\rوالمسنة هي التي أتت عليها سنتان وطعنت في الثالثة وهي أقصى ما يجب من السن في البقر.\rأما صفة الشاة الواجبة في الزكاة: فقد ذكر في كتاب الزكاة من الاصل عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلى الثنى، فصاعدا وهو الذي أتى عليه حول وطعن في الثانية.","part":1,"page":286},{"id":272,"text":"وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز الجذع من الضأن، وهو الذي أتى عليه ستة أشهر.\rوهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي.\rوهو قياس ما ذكره الطحاوي، فإنه قال: لا يؤخذ في الصدقة إلا ما يجوز في الاضحية، والجذع من الضأن يجوز في الاضحية.\rوالصحيح جواب ظاهر الرواية، فإنه لا يجوز من المعز إلا الثنى، فكذا في الضأن، وأصله حديث علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجزئ في الزكاة إلا الثنى فصاعدا.\rولم يرو عن غيره خلافه، فيكون كالاجماع.\rومن صفات الواجب: في الابل: الانوثة، حتى لا يجوز فيها سوى الاناث، ولا يجوز الذكور إلا بطريق القيمة.\rوأما في البقر: فالذكور والاناث سواء بالنص، وهو قوله عليه السلام لمعاذ: في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة.\rوأما في الغنم: فيجوز فيه، عندنا، الذكر والانثى.\rوقال الشافعي: لا يجور الذكر، إلا إذا كانت كلها ذكورا.\rوالصحيح قولنا: لان الاحاديث وردت بلفظ الشاة، وهو اسم يتناول الذكر والانثى.\rومن صفات الواجب أيضا أن يكون وسطا، حتى لا يكون للساعي أن يأخذ الجيد ولا الردئ، إلا بطريق التقويم، برضا صاحب المال، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال للساعي: إياك وكرائم أموال الناس، وخذ من حواشيها، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.","part":1,"page":287},{"id":273,"text":"فلو أنه لم يوجد الوسط، فإن صاحب المال بالخيار إن شاء دفع\rقيمة الوسط، وإن شاء دفع الافضل واسترد الزيادة من الدراهم، وإن شاء دفع الادون مع الزيادة من الدراهم، لان دفع القيم جائز عندنا، خلافا للشافعي والمسألة معروفة.\rوذكر في كتاب الزكاة هذه المسألة وقال: المصدق بالخيار، وأراد به إذا رضي صاحب المال، وإنما يكون الخيار للمصدق في فصل واحد، وهو أن صاحب المال إذا وجب عليه بنت مخاض أو بنت لبون، فأدى بعض سن آخر بطريق القيمة فالمصدق بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل، لان التشقيص في الاعيان عيب.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان الكل كبارا، فإما إذا كانت صغارا أو مختلطة بالكبار، فأما الصغار المفردة، فمن أبي حنيفة فيها ثلاث روايات، روى أنه يجب فيها ما يجب في الكبار.\rثم رجع وقال: يجب فيها واحد منها إذا بلغت مبلغا يجب فيها واحد من الكبار، وهو خمسة وعشرن فصيلا.\rثم رجع وقال: لا يجب فيها شئ.\rوأخذ بقوله الاول زفر: وهو قول مالك.\rوبقوله الثاني: أبو يوسف.\rوبقوله الثالث: محمد.\rويتكلم الفقهاء في صورة المسألة فإنها مشكلة، لان الزكاة لا تجب بدون مضي الحول، بعد الحول لم يبق اسم الجعلان والفصلان والعجاجيل.","part":1,"page":288},{"id":274,"text":"قال بعضهم: الخلاف في هذا أن الحول هل ينعقد على الحملان والفصلان والعجاجيل أم لا بأن ملك في أول الحول نصابا من هذه الصغار، ثم تم الحول عليها هل يجب واحد منها، وإن خرجوا عن الدخول تحت هذه الاسماء؟ أو يعتبر انعقاد الحول من حين كبروا وإن زالت صفة الصغر عنهم؟ وقال بعضهم: الخلاف فيمن كانت له أمهات، فمضت ستة أشهر فولدت أولادا، ثم ماتت الامهات وبقي الاولاد، ثم تم الحول عليها، وهي صغار هل تجب الزكاة في هذه الاولاد؟ وعلى هذا إذا كان له مسان، فاستفاد صغارا في وسط الحول، ثم هلكت المسان، وبقي المستفاد هل تجب الزكاة في المستفاد؟ فعلى هذا الخلاف.\rوإلى هذا أشار محمد في الكتاب فيمن كان له أربعون حملا، وواحدة مسنة فهلكت المسنة وتم الحول على الحملان لا يجب شئ عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يجب واحد منها، وعند زفر تجب مسنة.\rوالصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، لما ذكرنا من الاصل ثم عن أبي يوسف ثلاث روايات أخرى سوى ما ذكرنا والمشهور ما ذكرنا.\rفأما إذا كان مع الصغار كبار أو واحد منها فإنه يحتسب الصغار معها من النصاب وتجب الزكاة فيها مثلما تجب في الكبار وهو المسنة.\rوأصله حديث عمر أنه قال للساعي: عد عليهم السخلة، ولو جاء بها الراعي يحملها على كفه، ولا تأخذها منهم.\rثم في حال اختلاط الكبار بالصغار تجب الزكاة في الصغار تبعا للكبار، إذا كان العدد الواجب من الكبار موجودا فيها، في قولهم\rجميعا.","part":1,"page":289},{"id":275,"text":"فأما إذا لم يكن العدد الواجب كله موجودا، فإنه يجب بقدر الموجود، فإنه إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا، فإنه تجب فيها مسنتان، بلا خلاف، لان العدد الواجب، وهو المسنتان، موجود في النصاب.\rومثله لو كان له مسنة ومائة وعشرون حملا يجب فيها مسنة واحدة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يجب عليه شاة وحمل.\rوأما حكم الخيل - فنقول: لا يخلو إما إن كانت علوفة في المصر للركوب والحمل أو للتجارة، أو سائمة للركوب والحمل أو للغزو والجهاد، أو سائمة للدر والنسل.\rأما إذا كانت علوفة أو كانت سائمة للحمل والركوب أو الجهاد: فلا يجب فيها شئ، لانها مشغولة بحاجته، لان قصد الدر والنسل دليل الفضل عن الحاجة، ولم يوجد.\rوإن كانت للتجارة يجب فيها زكاة التجارة بالاجماع، سواء كانت تعلف في المصر أو تسام في البراري.\rفأما إذا كانت سائمة للدر والنسل: فإن كانت مختلظة، ذكورا وإناثا: يجب فيها الزكاة عند أبي حنيفة رواية واحدة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: لا زكاة فيها.\rوإن كانت كلها إناثا، ففيها روايتان عن أبي حنيفة، ذكرهما الطحاوي.\rوإن كانت كلها ذكورا، ففيها روايتان عنه أيضا، ذكرها محمد في الآثار.\rوفي المشهور من الروايات أن لا زكاة فيها.\rوإذا وجبت الزكاة فيها، فيكون صاحبها بالخيار بين أن يعطي من","part":1,"page":290},{"id":276,"text":"كل فرس دينارا، وبين أن يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم، لكن حق الاخذ للساعي، لان السائمة ترعى في البراري، ولا يمكن حفظ السوائم فيها إلا بحماية السلطان.\rوالصحيح قول أبي حنيفة لما روى جابر عن النبي عليه السلام أنه قال: في كل فرس سائمة دينار، وليس في الرابطة شئ.\rوأما الحمير والبغال فلا يجب فيها شئ، وإن كانت سائمة، لان الحمل والركوب هو المقصود فيها غالبا دون التناسل، لكنها تسام في غير وقت الحاجة للتخفيف في الحفظ ودفع مؤونة العلف.\rفأما إذا كانت للتجارة: فيجب فيها زكاة التجارة.\rهذا الذي ذكرنا كله إذا كانت السوائم لواحد أما إذا كانت مشتركة: فعندنا يعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حالة الانفراد: فإن كان نصيب كل واحد منهما بلغ نصابا: تجب الزكاة فيه، وإلا فلا.\rوقال الشافعي: إذا كان أسباب الاسامة واحدة، يجعل الكل كمال واحد، وهو أن يكون الراعي والمرعى والماء والمراح والكلب واحدا، ويكون المالكان من أهل وجوب الزكاة.\rبيان ذلك: إذا كان خمس من الابل بين شريكين لا تجب فيها الزكاة عندنا، لان نصيب كل واحد منهما، بانفراده، ليس بنصاب.\rولو كانت عشرا من الابل بينهما، فعلى كل واحد منهما شاة.\rوعنده تجب شاة في الفصل الاول عليهما.\r- وإن كان ثلاثون من البقر بين رجلين، لا تجب الزكاة، عندنا","part":1,"page":291},{"id":277,"text":"لعدم النصاب في حقه، وعنده تجب تبيعة بينهما.\r، وإن كان أربعون من الغنم بين اثنين، لا يجب شئ عندنا، خلافا له.\r- ولو كان لهما ثمانون، يجب على كل واحد منهما شاة عندنا وعنده: تجب شاة واحدة بينهما.\rكذلك على هذا إذا كان الذهب والفضة، وأموال التجارة، مشتركة بين اثنين، فإنه يعتبر عندنا نصيب كل واحد على حدة.\rثم إن المصدق، إذا جاء بعد تمام الحول، فإنه يأخذ الصدقة من المال المشترك بينهما، إذا وجد فيه واجبا، على اختلاف الاصلين، ولا ينتظر القسمة لانهما راضيان بذلك، لبقائهما على الشركة.\rفإذا أخذ ينظر: إن كان ما أخذ من مال كل واحد منهما، بأن كان المال مشتركا بينهما، على السوية، فلا تراجع هؤهنا، لان ذلك القدر واجب على كل واحد منهما، على السواء.\rأما إذا كان المال مشتركا بينهما، على التفاوت، والواجب على أحدهما أكثر من الآخر، أو الواجب على أحدهما دون الآخر فإنه يرجع على صاحبه بقدر ذلك.\rبيانه:\r- لو كان ثمانون من الغنم بين رجلين، فأخذ المصدق منها شاتين فلا تراجع، لما ذكرنا أنه يجب على كل واحد منهما شاة، وكل شاة بينهما نصفان.\r- ولو كانت الثمانون بينهما أثلاثا، وحال الحول، فإنه يجب فيها شاة واحدة على صاحب الثلثين، لكمال نصابه وزيادة، ولا يجب على","part":1,"page":292},{"id":278,"text":"صاحب الثلث، لنقصان نصيبه عن النصاب، فقد أخذ المصدق ثلث نصيبه لاجل صاحب الثلثين، فله أن يرجع عليه بقيمة الثلث.\r- ولو كان الغنم مائة وعشرين بين رجلين، لاحدهما ثلثها وللآخر ثلثها، فإنه يجب على كل واحد منهما شاة، لان الثمانين لاحدهما، والاربعين لشريكه، فيأخذ المصدق شاتين من المال المشترك، ولصاحب الثلثين أن يرجع على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة، لان الشاتين إذا كانتا أثلاثا بينهما يكون لصاحب الثلثين شاة وثلث ولصاحب الثلث ثلثا شاة، وقد أخذ المصدق شاة كاملة لاجل صاحب الثلث، فقد صار آخذا ثلثا من نصيب صاحب الثلثين لاجل زكاة صاحب الثلث، فيرجع عليه بذلك.\rوهذا معنى قوله عليه السلام: وما كان بين الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية.\rهذا الذي ذكرنا حكم الزكاة في العين.\rفأما حكم الزكاة في الدين فنقول: الدين عند ابي حنيفة على ثلاث مراتب: دين قوي، ودين وسط، ودين ضعيف.\rفالدين القوي هو الذي ملكه، بدلا عما هو مال الزكاة كالدراهم والدنانير وأموال التجارة وكذا غلة مال التجارة من العبيد والدور ونحوها.\rوالحكم فيه أنه إذا كان نصابا وتم الحول تجب الزكاة، لكن لا يخاطب بالاداء ما لم يقبض أربعين درهما، فإذا قبض أربعين زكاها، وذلك درهم.\rوإن قبض أقل من ذلك لا يزكي، وكذلك يؤدي من كل أربعين عند القبض درهما.","part":1,"page":293},{"id":279,"text":"وأما الدين الوسط فهو الذي وجب بدل مال لو بقي عنده حولا لم تجب فيه الزكاة، مثل عبيد الخدمة وثياب البذلة وغلة مال الخدمة.\rوالحكم فيه أن عند أبي حنيفة فيه روايتين: ذكر في الاصل وقال: تجب فيه الزكاة، ولا يخاطب بالاداء، ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض المائتين يزكي لما قبض.\rوروى ابن سماعة عن أبي حنيفة أنه لا زكاة فيه حتى يقبض ويحول عليه الحول، بعد ذلك.\rوهو الصحيح عنده.\rوأما الدين الضعيف فهو ما وجب وملك، لا بدلا عن شئ وهو دين إما بغير فعله كالميراث أو بفعله كالوصية أو وجب بدلا عما ليس بمال دينا، كالدية على العاقلة والمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد وبدل الكناية.\rوالحكم فيه أنه لا يجب فيه الزكاة، حتى يقبض المائتين، ويحول عليها الحول - عنده.\rوقال أبو يوسف ومحمد: الديون على ضربين: ديون مطلقة وديون\rناقصة.\rفالناقص هو بدل الكناية، والدية على العاقلة وما سواهما فديون مطلقة.\rوالحكم فيها أنه تجب الزكاة في الدين المطلق، ولا يجب الاداء ما لم يقبض، فإذا قبض منها شيئا، قل أو كثر، يؤدى بقدر ما قبض.\rوفي الدين الناقص لا تجب الزكاة، ما لم يقبض النصاب، ويحول عليه الحول.","part":1,"page":294},{"id":280,"text":"وأما دين السعاية فلم يذكر في كتاب الزكاة الاختلاف بينهما.\rوذكر في نوادر الزكاة الاختلاف فقال: عند أبي حنيفة هو دين ضعيف، وعندهما دين مطلق.\rوعند الشافعي الديون كلها سواء، وتجب الزكاة فيها والاداء، وإن لم يقبض.\rوأما حكم هذه الابدال إذا كانت عينا: أما الميراث والوصية المعنية إذا حال عليها الحول، ولم يقبضها، تجب فيها الزكاة، في الذهب والفضة.\rفأما في مال التجارة والاسامة، فإن نوى الورثة التجارة أو الاسامة، بعد الموت، تجب.\rوإن لم ينووا، قال بعضهم: تجب، لان الوارث والموصى له خلف الميت، فينتقل المال إليهما، على الوصف الذي كان، ما لم يوجد التعيين من جهتهما، بأن وجدت منهما نية الابتذال والاعلاف.\rوقال بعضهم: لا بد من وجود النية، لان الملك قد زال عن الميت\rحقيقة، وتجدد الملك للوارث والموصى له.\rوكذلك الجواب في بدل أعيان البذلة والمهنة وعبيد الخدمة إذا كان عينا، لا تجب فيه الزكاة، ما لم ينو التجارة عند العقد.\rفأما المهر وبدل ما ليس بمال، فعلى قول أبي حنيفة لا تجب ما لم يقبض، ولم يحل عليه الحول، ولم ينو التجارة بعد القبض، وعلى قولهما تجب إذا نوى التجارة عند العقد لان المهر لا يصلح نصابا عند أبي حنيفة إذا كان دينا، وعندهما يصلح فالعين كذلك، لكن لا بد من نية التجارة في العين.","part":1,"page":295},{"id":281,"text":"هذا الذي ذكرنا إذا كان الدين مقرا به ومن عليه الدين موسرا.\rفأما الدين إذا كان مجحودا به، ومضى عليه أحوال ثم أقر به، وقبضه: فلا تجب الزكاة للسنين الماضية عندنا.\rوقال زفر والشافعي: تجب.\rوكذلك الخلاف فيما إذا كانت دراهم ودنانير مغصوبة.\rوكذلك إذا سقطت عن يد المالك: فلم يجدها سنين.\rوكذلك عبيد التجارة: إذا أبقوا ثم قدر عليهم، بعد سنين.\rوكذلك العدو: إذا استولوا على الدراهم والدنانير، وأحرزوها بدارهم فعلى الخلاف بيننا وبين الشافعي.\rوكذلك إذا دفن، في غير حرز، ونسي ذلك سنين ثم تذكره، فعلى الخلاف.\rوكذلك إذا أودع رجلا، مجهولا لا يعرفه، مال الزكاة، ثم أصابه\rبعد سنين: لا يجب.\rوأجمعوا أنه إذا دفن في الحرز، من الدور ونحوها، ونسيه، ثم تذكر، فإنه تجب عليه زكاة ما مضى.\rوكذلك إذا أودع رجلا معروفا، ثم نسيه سنين ثم تذكر، فإنه يجب بالاجماع.\rثم في المال المغصوب، لا تجب الزكاة عندنا، سواء كانت له بينة أو لم يكن.\rوكذلك المال المجحود إذا كان له بينة، كذا روى هشام عن محمد.","part":1,"page":296},{"id":282,"text":"وبعض مشايخنا قالوا: إذا كانت له بينة، تجب فيه الزكاة.\rوالصحيح رواية هشام: لان البينة قد تقبل وقد لا تقبل.\rفأما إذا كان القاضي عالما بالدين، أو بالغصب، فإنه تجب الزكاة، لان القاضي يقضي بعلمه في الاموال، فصاحبه يكون مقصرا في الاسترداد، فلا يعذر.\rوأما الغريم إذا كان يقر في السر، ينكر في العلانية، فلا زكاة فيه - كذا روى المعلى عن أبي يوسف.\rفأما إذا كان الدين مقرا به، ولكن من عليه الدين معسر، فمضى عليه أحوال، ثم أيسر، فقبضه صاحب الدين فإنه يزكي لما مضى عندنا.\rوروى الحسن بن زياد أنه لا زكاة فيه إلا أنا نقول إنه مؤجل شرعا، فصار كما لو كان مؤجلا، بتأجيل صاحبه، ثم تجب الزكاة كذا هذا.\rهذا إذا كان معسرا، لم يقض عليه بالافلاس.\rفأما إذا قضى عليه بالافلاس فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: تجب الزكاة، لما مضى، إذا أيسر، لان الافلاس عندهما لا يتحقق في حال الحياة والقضاء به باطل.\rوعلى قول محمد: لا تجب، لان القضاء بالافلاس، عنده صحيح.","part":1,"page":297},{"id":283,"text":"باب من يوضع فيه الصدقة مسائل الباب مبنية على معرفة: من يجوز وضع الزكاة فيه، وعلى معرفة ركن الزكاة، وشرائط الاداء.\rأما بيان من يجوز وضع الزكاة فيه: فهو الذي استجمع شرائط، منها - الفقر: فإنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الاغنياء، لقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء) * أمر بالصرف إلى الاصناف الثمانية، وذكر هؤلاء لبيان محلية الصرف، باعتبار الحاجة، لا بطريق الاستحقاق، إلا أن النص صار منسوخا في حق المؤلفة قلوبهم عندنا.\rوأما العامل فيما يعطى له، فهو أجر عمله، لا بطريق الزكاة، فإنه ينبغي للامام أن يعطي الساعي مقدار ما يكفيه ويكفي أعوانه، ولهذا قلنا بأنه يعطي العامل الغني.\rولهذا إن صاحب المال إذا حمل الزكاة بنفسه إلى الامام، فإنه لا يعطي العاملين على الصدقات من ذلك شيئا.\rولهذا قلنا: إن حق العامل فيما في يده من الصدقات حتى لو هلك ما في يده من الصدقات تسقط أجرته، وهو كنفقة المضارب في مال المضاربة","part":1,"page":299},{"id":284,"text":"إذا هلك مال المضارب سقطت نفقته.\rولكن للعمالة شبهة الصدقة، فيحرم في حق بني هاشم، كرامة لهم، وإن كان لا يحرم على العامل الغني.\rوقال الشافعي: يجب الصرف إلى الاصناف الثمانية: إلى ثلاثة من كل صنف، لانه لا يمكن القول بالاستيعاب.\rواختلف أصحابه في سهم المؤلفة قلوبهم: وبعضهم قالوا: صار منسوخا بالاجماع.\rوبعضهم قالوا: يصرف إلى كل من كان حديث العهد بالاسلام، ممن هو في مثل حالهم في الشوكة والقوة، حتى يكون حملا لامثالهم على الدخول في دين الاسلام.\rثم كما لا يجوز صرف الزكاة إلى أغنياء، لا يجوز صرف جميع الصدقات المفروضة الواجبة إليهم، وذلك نحو الكفارات المفروضة، والعشر المفروض بكتاب الله، وصدقة الفطر، والصدقات المنذور بها من الواجبات لقوله عليه السلام: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي.\rوكذا لا يجوز صرف الصدقات الواجبة إلى ولد الغني إذا كان صغيرا، وإذا كان كبيرا يجوز، لان الصغير يعد غنيا بمال أبيه، بخلاف الكبير.\rوقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز الدفع إلى امرأة الغني إذا كانت فقيرة\rوكذلك إلى البنت الكبيرة الفقيرة لغني.\rوهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، لان الزوج لا يدفع جميع حوائج الزوجة والبنت الكبيرة.\rوكذا لا يجوز الدفع إلى عبد الغني ومدبره، وأم ولده، إذا لم يكن عليهم دين مستغرق لرقابهم، لا أكسابهم ملك المولى.","part":1,"page":300},{"id":285,"text":"وكذا إن كان عليهم دين، لكن غير ظاهر في حق المولى، حتى يكون مؤخرا إلى ما بعد العتاق.\rوأما إذا كان ظاهرا في حق المولى، كدين الاستهلاك ودين التجارة، ينبغي أن يجوز على قول أبي حنيفة، لانه لا يملك كسبه عنده إذا كان عليه دين مستغرق ظاهر في حقه.\rوعلى قولهما: لا يجوز، لانه يملك كسبه، عندهما.\rويجوز الدفع إلى مكاتب الغني، لان المكاتب أحق بمكاسبه من المولى.\rوأما صدقة الاوقاف: فيجوز صرفها إلى الاغنياء إذا سماهم الواقف: فأما إذا لم يسمهم: فلا يجوز، لانها صدقة واجبة.\rفأما صدقة التطوع: فيجوز صرفها إلى الغني، وتحل له وتكون بمنزلة الهبة له.\rثم الغنى أنواع ثلاثة: أحدها: الغنى الذي يتعلق به وجوب الزكاة، وهو أن يملك نصابا من المال، الفاضل عن الحاجة، الموصوف بالنماء والزيادة، إما بالاسامة أو التجارة.\rوالثاني: الغنى الذي يتعلق به حرمان الصدقة، ويتعلق به وجوب\rصدقة الفطر والاضحية، دون وجوب الزكاة وهو أن يملك من الاموال الفاضلة عن حوائجه ما تبلغ قيمته مائتي درهم بأن كان له ثياب وفرش ودور وحوانيت ودواب، زيادة على ما يحتاج إليه، للابتذال، لا للتجارة والاسامة.\rثم مقدار ما يحتاج إليه ما ذكر أبو الحسن في كتابه فقال: لا بأس بأن","part":1,"page":301},{"id":286,"text":"يعطي من الزكاة من له مسكن وخدم وما يتأثث به في منزله، وفرس، وسلاح، وثياب البدن، وكتب العلم إن كان من أهله، ما لم يكن له فضل عن ذلك مائتا درهم.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: يجوز دفع الصدقة إلى رجل ليس له مال كثير، ولا كسب له، وهو يخاف الحاجة.\rوقال مالك: إذا كان له خمسون درهما، لا يجوز دفع الصدقة إليه ولا يحل له الاخذ.\rوالثالث: الغنى الذي يحرم به السؤال، ولا يحرم الاخذ ولا الدفع من غير سؤال: قال بعضهم: خمسون درهما.\rوقال عامة العلماء: إذا ملك قوت يومه وما يستر به عورته، فلا يحل له السؤال، فأما إذا لم يكن، فلا بأس به.\rوأما الفقير إذا كان قويا مكتسبا فيحل به أخذ الصدقة، ولا يحل له السؤال.\rوعند الشافعي: لا تحل له الصدقة.\rوالشرط الآخر: أن لا يكون الفقير من بني هاشم، ولا من مواليهم، لقوله عليه السلام: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد.\rوكذا حرم الصدقة على موالي بني هاشم، وقال: إن مولى القوم من أنفسهم.","part":1,"page":302},{"id":287,"text":"والشرط الاخر - هو الاسلام: وهو شرط في حق وجوب الزكاة والعشر، بالاجماع حتى لا يجوز صرفهما إلى الكفار.\rوأما صرف ما وراء الزكاة والعشر إلى فقراء أهل الذمة فجائز عند أبي حنيفة ومحمد، نحو صدقة الفطر والصدقة، المنذورة والكفارات ولكن الصرف إلى المسلمين أولى.\rوعن أبي يوسف ثلاث روايات.\rوالاصح أنه لا يجوز صرف صدقة ما إليهم إلا التطوع.\rوأما الحربي فلا يجوز صرف صدقة ما إليه.\rوالشرط الآخر: أن لا يكون منافع الاملاك متصلة بين صاحب المال وبين المدفوع إليه، لان الواجب هو التمليك من الغير من كل وجه، فإذا كانت المنافع بينهما متصلة عادة، فيكون صرفا إلى نفسه من وجه، فلا يجوز.\rبيان ذلك أنه لو دفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، أو إلى المولودين وإن سفلوا، لا يجوز، لاتصال منافع الاملاك بينهم، ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض.\rولو دفع إلى سائر الاقارب، سواهم، من الاخوة والاخوات وغيرهم جاز، لانقطاع المنافع بينهم، من حيث الغالب، ولهذا تقبل شهادة بعضهم لبعض.\rولو دفع إلى الزوج أو الزوجة، لا يجوز عند أبي حنيفة، لما قلنا من اتصال المنافع بينهم من حيث الغالب.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد: يجوز","part":1,"page":303},{"id":288,"text":"للزوجة أن تدفع إلى زوجها الفقير، ولا يجوز للزوج أن يدفع إلى زوجته الفقيرة.\rولو دفع إلى عبيده، أو مدبريه، أو أمهات أولاده، لا يجوز، سواء كان عليهم دين أو لم يكن لانه صرف إلى نفسه من وجه.\rوكذلك إذا دفع إلى مكاتبه لا يجوز، وإن كان الملك يقع للمكاتب، لانه من وجه يقع للمولى.\rوأما صدقة التطوع: فيجوز صرفها إلى هؤلاء، لقوله عليه السلام: نفقة الرجل على نفسه صدقة، وعلى عياله صدقة، وكل معروف صدقة.\rوهذا الذي ذكرنا في حالة الاختيار، وهو أن يكون للدافع علم بهؤلاء عند الدفع.\rفأما إذا دفع الزكاة إلى هؤلاء، ولم يعلم بحالهم، فهذا على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يخطر بباله شئ أنه غني أو فقير، مسلم وذمي ونحو ذلك ودفع بنية الزكاة، فالاصل هو الجواز، إلا إذا ظهر أنه غني أو أبوه أو ابنه أو ذمي بيقين، فحينئذ لا يجوز، لان الظاهر أنه صرف\rالصدقة إلى محلها حيث نوى الزكاة، والظاهر لا يبطل إلا باليقين، ولهذا إذا خطر بباله بعد ذلك، وشك في ذلك، ولم يظهر له شئ، فإنه لا يلزمه الاعادة، لان الظاهر لا يبطل بالشك.\rوالثاني: إذا خطر بباله، وشك في ذلك، ولم يتحر، ولم يطلب دليل الفقر بأن لم يسأل عنه أنه غني أو فقير، ونحو ذلك، ودفع إليه، أو تحرى بقلبه، ولكن لم يطلب دليل الفقر فالاصل هو الفساد، إلا إذا ظهر بيقين أو بدليل، من حيث الغالب أنه فقير، فحينئذ يجوز، لانه وجب","part":1,"page":304},{"id":289,"text":"عليه التحري في هذه الحالة، والصرف إلى فقير وقع عليه التحري، فإذا ترك فلم يوجد الصرف إلى من أمر بالصرف إليه، فيكون فاسدا إلا إذا ظهر أنه فقير أو أجنبي بيقين ونحوه، فيجوز لانه بطل الظاهر بالحقيقة.\rوالثالث: إذا خطر بباله وشك، وتحرى، وطلب دليل الفقر، وسأل المدفوع إليه فأخبر أنه فقير، أو رآه في صف الفقراء، أو كان عليه زي الفقراء، أو كان ضريرا، أو معه ركوة وعصا، فدفع إليه ثم ظهر أنه غني، أو دفع في ليلة مظلمة إلى رجل يخبره أنه أجنبي أو مسلم، ثم ظهر أنه أبوه أو ابنه أو ذمي.\rفإنه لا يلزمه الاعادة عند أبي حنيفة ومحمد في الفصول كلها - وعلى قول أبي يوسف: يلزمه الاعادة.\rوأجمعوا أنه إذا ظهر أنه حربي، أو حربي مستأمن، فإنه لا يجوز.\rوكذا إذا ظهر أنه عبده أو مكاتبه أو مدبره.\rهذا جواب ظاهر الرواية.\rوروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة في غير الغني: أنه لا يجوز\rويلزمه الاعادة كما قال أبو يوسف والمسألة معروفة.\rوأما ركن الزكاة فهو إخراج جزء من النصاب من حيث المعنى، إلى الله تعالى، والتسليم إليه، وقطع يده عنه، بالتمليك من الفقير والتسليم إليه أو إلى من هو نائب عنه، وهو الساعي.\rوصاحب المال نائب عن الله في التسليم إلى الفقراء قال الله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * والايتاء هو التمليك.\rهذا الذي ذكرنا قول أبي حنيفة.","part":1,"page":305},{"id":290,"text":"وأما على قولهما فالواجب جزء من النصاب، من حيث الصورة والمعنى، لكن يجوز إقامة غيره مقامه من حيث المعنى، ويبطل اعتبار الصورة، بإذن صاحب الحق، وهو الله تعالى.\rوأما في زكاة السوائم فقد اختلف مشايخنا في قول أبي حنيفة، بعضهم قالوا: إنه يجب صرف جزء من النصاب من حيث المعنى، وذكر المنصوص عليه، بخلاف جنس النصاب للتقدير.\rوبعضهم قالوا: الواجب هو المنصوص عليه من حيث المعنى، لا جزء من النصاب.\rوعند الشافعي: الواجب هو المنصوص عليه من الاسنان مطلقا، لا جزء من النصاب.\rوبيان هذا في المسائل: على قول أصحابنا: يجوز دفع القيم والابدال في باب الزكاة العشر والخراج وصدقة الفطر، وعند الشافعي لا يجوز.\rولو هلك النصاب بعد الحول أو بعضه إن كان قبل التمكن من الاداء من غير تفريط، فلا شئ عليه بالاجماع.\rفأما إذا تمكن من الاداء وفرط حتى هلك فكذلك الجواب عندنا، وقال الشافعي: لا يسقط.\rوأجمعوا أنه إذا أتلف مال الزكاة فإنه يضمن قدر الزكاة، لان الواجب عندنا تمليك جزء من محل معين هو النصاب، إما من حيث المعنى عند أبي حنيفة، أو من حيث الصورة والمعنى عندهما، ولا يبقى الوجوب بعد هلاك المحل، كالعبد الجاني، إذا مات، سقط وجوب الدفع، لكون المحل متعينا، لوجوب الدفع فلا يبقى واجبا بعد فواته، كذا هؤهنا.","part":1,"page":306},{"id":291,"text":"وإذا أتلف يضمن لانه أتلف حقا مستحق الاداء عليه، فصار كالمولى إذا أتلف العبد الجاني.\rفأما في السوائم إذا جاء الساعي وطالب الزكاة فمنع حتى هلك: فذكر الشيخ أبو الحسن الكرخي أنه يجب الضمان، لانه بالمنع صار متلفا، بمنزلة المودع إذا منع الوديعة، بعد الطلب حتى هلكت، يضمن، كذا هذا.\rوعن أبي سهل الزجاجيأنه لا يضمن.\rوالاول أصح.\rولو صرف الزكاة إلى بناء المسجد والرباطات وإصلاح القناطر وتكفين الموتى ودفنهم لا يجوز، لانه لم يوجد التمليك.\rوكذلك إذا اشترى بالزكاة طعاما، وأطعم الفقراء غداء وعشاء، ولم يدفع إليهم عين الطعام، فإنه لا يجور، لانه لم يوجد التمليك.\rوكذلك لو قضى دين ميت فقير، بنية الزكاة لا يجوز.\rوأما إذا قضى دين حي فقير، فإذا قضى بغير أمره، يكون متبرعا، ولا يقع عن الزكاة، وإن قضى بأمره فإنه يقع عن الزكاة ويصير وكيلا في قبض الصدقة عن الفقير، والصرف إلى قضاء دينه، فقد وجد التمليك من الفقير فيجوز.\rوكذلك لو اشترى بزكاته رقيقا فاعتقله لا تسقط الزكاة، لانه إسقاط وليس بتمليك.\rولو دفع زكاة ماله إلى الامام، أو إلى عامل الصدقة، فإنه يجوز، لانه نائب عن الفقير في القبض.\rوكذلك من تصدق على صبي أو مجنون وقبض له وليه: أبوه أو جده","part":1,"page":307},{"id":292,"text":"أو وصيه، جاز لان قبض الولي كقبضه.\rولو قبض عنهما بعض ذوي أرحامه، وليس ثمة أقرب منه، وهو في عياله جاز.\rوكذلك الاجنبي، الذي هو في عياله، بمنزلة الولي، في قبض الصدقة، لان هذا من باب النفع.\rوكذلك الملتقط، يصح منه قبض الصدقة في حق اللقيط.\rوذكر في العيون عن أبي يوسف أن من عال يتيما، فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ماله قال: يجوز.\rوقال محمد: ما كان من كسوة يجوز، وما كان من طعام لا يجوز إلا ما دفع إليه.\rوهذا مما لا خلاف فيه بينهما في الحقيقة، فإن أبا يوسف لم يرد إلا الاطعام على طريق الاباحة، ولكن على وجه التمليك، إن كان اليتيم عاقلا يدفع إليه، وإن لم يكن عاقلا يقبض عنه، بطريق النيابة، ثم يطعمه ويكسوه، لان قبض\rالولي كقبضه.\rوأما شرائط الاداء فمنها - أن يكون الاداء على الوجه الذي وجب عليه، من حيث الوصف، فإن كان في السوائم يؤدى الوسط: إما عينه، أو مثله من حيث القيمة.\rحتى لو أدى الردئ، يجوز عن الكل، إنما يقع بقدر قيمته، ولو أدى الجيد: جاز، لانه أدى الواجب وزيادة.\rولو أدى شاة سمينة جيدة عن شاتين وسطين جاز، لان الجودة في غير أموال الربا متقومة، فبقدر الوسط يقع عن نفسه، وقدر قيمة الجودة يقع عن شاة أخرى.\rوكذا هذا في العروض إذا كانت للتجارة إن أدى ربع عشرها يجوز، إن كان رديئا فردئ، وإن كان جيدا فجيد.\rفإن أدى القيمة: فإنه يؤدي قيمته من كل وجه.","part":1,"page":308},{"id":293,"text":"ولو أدى الردئ مكان الجيد لا يجوز، لان الجودة متقومة في هذا الباب، ولهذا لو أدى الثوب الجيد عن الثوبين الرديئين - جاز.\rفأما إذا كان مال الزكاة من أموال الربا، كالكيلي والوزني، فإن أدى ربع عشر النصاب يجوز، كيفما كان.\rوإن أدى غيره، فلا يخلو إما أن أدى زكاته من جنسه، أو من خلاف جنسه: فإن أدى من خلاف جنسه، كما إذا أدى الفضة عن الذهب أو الحنطة عن الشعير، فإنه يؤدي قدر قيمة الواجب، بلا خلاف.\rولو أدى النقص منها، فإنه يجب عليه التكميل، لان الجودة في أموال الربا، معتبرة متقومة، عند المقابلة بخلاف الجنس.\rفأما إذا كان المؤدى من جنس النصاب: فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال.\rقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المعتبر هو القدر دون القيمة.\rوقال: المعتبر هو القيمة دون القدر.\rوقال محمد: المعتبر ما هو الانفع للفقراء فإن كان اعتبار القيمة أنفع فقوله مثل قول زفر، وإن كان اعتبار القدر أنفع فقوله مثل قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rبيان ذلك أن من وجب عليه أداء خمسة أقفزة من حنطة جيدة في مائتي قفيز حنطة جيدة للتجارة بعد حولان الحول، فأدى خمسة أقفزة رديئة، يجوز على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، اعتبارا للقدر، ولا يضمن قيمة الجودة، لانه لا قيمة لها في أموال الربا، عند مقابلتها بجنسها، وعلى قول محمد وزفر: عليه أن يؤدي قيمة الجودة اعتبارا للقيمة عند زفر، واعتبارا للانفع في حق الفقراء عند محمد.","part":1,"page":309},{"id":294,"text":"وكذلك إذا كان له قلب فضة أو إناء مصبوغ، من فضة وزنه مائتا درهم وقيمته لجودته وصياغته ثلاثمائة درهم، وأدى خمسة زيوفا أو نبهرجة أو فضة رديئة قيمتها أربعة دراهم، فإنه يجوز، وتسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لوجود القدر، وعند محمد وزفر: عليه أن يؤدي سبعة دراهم ونصف درهم، ويصرفه إلى تمام القيمة لما ذكرنا من الاصلين.\rوأما إذا أدى زكاته من الذهب أو من مال ليس من جنس الفضة، فإن عليه أن يؤدي قيمته بالغة ما بلغت، وهي سبعة دراهم ونصف،\rلان الجودة متفوقة في أموال الربا، عند مقابلتها بخلاف الجنس، بمنزلة الجودة في غير أموال الربا.\rوإن وجب على رجل خمسة أقفزة رديئة أو خمسة دراهم رديئة، فأدى أربعة أقفزة جيدة قيمتها خمسة أقفزة رديئة وأربعة دراهم جيدة قيمتها خمسة دراهم رديئة: فإنه يجوز عن أربعة دراهم وأربعة أقفزة، وعليه قفيز واحد ودرهم آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.\rأما عندهما فاعتبارا للقدر وهو ناقص، وأما عند محمد فلان عنده المعتبر هو القدر إذا كان أنفع.\rللفقراء، واعتبار القدر هؤهنا أنفع وعلى قولزفريجوز عن الخمسة اعتبارا للقيمة.\rوعلى هذا نظائر المسائل.\rومن شرائط الاداء - النية، فإن الزكاة، عبادة فلا تصح من غير النية، لكن يشترط النية في أي وقت؟ ذكر الطحاوي أنه لا تجزئ الزكاة عمن أخرجها، إلا بنية قارنة مخالطة لاخراجها إياها.\rكما قال في الصلاة.\rولكن مشايخنا قالوا: يعتبر في أحد وقتين: وقت الدفع، أو وقت","part":1,"page":310},{"id":295,"text":"تمييز قدر الزكاة عن النصاب، حتى يكون الاداء بناء على نية صحيحة.\rولو دفع خمسة إلى رجل وأمره أن يدفع إلى الفقراء عن زكاة ماله، ودفع ذلك الرجل ولم ينو عند الدفع جاز، لان المعتبر نية الامر، وهو المؤدي في الحقيقة والمأمور نائب عنه.\rولو دفع إلى ذمي، ليدفعها إلى الفقراء، جاز لوجود النية من الامر المسلم.\rولهذا قال أصحابنا: لا يجب الزكاة على الصبيان والمجانين، لان الاداء لا يصح منهم، لانه عبادة، فلا تتأدى بدون النية والاختيار، والطفل والمجنون لا اختيار لهما، والصبي العاقل عقله عدم فيحق التصرفات الضارة.\rولو مات من عليه الزكاة قبل الاداء، فلا يخلو: إما إن أوصى بالاداء أو لم يوص.\rفإن لم يوص فإنه تسقط عنه الزكاة، ولا يؤمر الوصي والوارث بالاداء، من ماله، عندنا.\rوقال الشافعي: تؤخذ من تركته.\rوعلى هذا الاختلاف إذا مات وعليه صدقة الفطر، والخراج والجزية، والنذور، والكفارات، والنفقات، لا يستوفى من تركته عندنا، وعند الشافعي يستوفى.\rوأما العشر، فإن كان الخارج قائما: لا يسقط بالموت، في ظاهر الرواية.\rوروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أنه يسقط.","part":1,"page":311},{"id":296,"text":"وأما إذا استهلك الخارج، حتى صار دينا في ذمته، فهو على هذا الاختلاف.\rوأما إذا أوصى بالاداء فإنه يؤدي من ثلث ماله عندنا، وعند الشافعي من جميع ماله، لان عنده الزكاة حق الفقراء، فصار كسائر الديون.\rولنا طريقان: أحدهما: أن الزكاة عبادة، والاداء من الميت لا\rيتحقق، ولم يوجد منه الايصاء والانابة حتى يكون أداء النائب كأدائه، والعبادة لا تتأدى إلى بالانابة الشرعية.\rوالثاني: أن هذه الاشياء وجبت بطريق الصلة، والصلات تسقط بالموت، قبل التسليم.\rوأما العشر فقد ثبت مشتركا.\rولو امتنع من عليه الزكاة عن الاداء، فإن الساعي لا يأخذ منه الزكاة جبرا.\rولو أخذ لا يقع عن الزكاة عندنا.\rوقال زفر والشافعي: له أن يأخذ من النصاب جبرا، ويقع عن الزكاة، لان الزكاة عبادة عندنا، فلا بد من الاداء ممن عليه باختياره، حتى تحصل العبادة.\rولكن عندنا للساعي أن يجبره على الاداء بالحبس فيؤديه بنفسه، لان الاكراه لا ينافي الاختيار، فيتحقق الفعل عن اختياره فيجوز.\rولو عجل زكاة ماله ودفع إلى الفقراء بنية الزكاة جاز عندنا خلافا لمالك.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه استسلف من العباس زكاة عامين.\rثم عندنا كما يجوز تعجيل الزكاة عن النصاب الموجود للحال، يجوز","part":1,"page":312},{"id":297,"text":"عن نصب كثيرة لم توجد بعد، إن كان في ملكه نصاب واحد، بأن كان عنده مائتا درهم فعجل زكاة الالف أو أكثر، يجوز عندنا.\rوقال زفر: لا يجوز.\rوإنما يجوز التعجيل عندنا بشرائط ثلاثة: أحدها: أن يكون مالكا للنصاب في أول الحول.\rوالثاني: أن يكون النصاب كاملا في آخر الحول أيضا.\rوالثالث: أن يكون في وسط الحول بعض النصاب، الذي انعقد عليه الحول، أو كله موجودا، ولا يشترط كماله، لان أول الحول وقت انعقاد سبب الوجوب، وآخره وقت الوجوب، فأما كمال النصاب في وسط الحول فليس بشرط، لانه ليس وقت الوجوب ولا وقت انعقاد السبب، لكن لا بد من بقاء بعض النصاب الاول حتى يصح ضم المستفاد إليه على ما مر.\rبيان ذلك أن من كان عنده في أول الحول مائة درهم أو أربع من الابل السائمة، ثم استفاد ما يكمل به في آخر الحول، لا يجب.\rولو كان عنده في أول الحول، مائتا درهم فعجل خمسة منها، ولم يستفد شيئا حتى حال الحول، فإن ما عجل لا يكون زكاة، ولكن يكون تطوعا، لانه لم يوجد كمال النصاب وقت الوجوب.\rولو استفاد خمسة في وسط الحول، ثم حال الحول وعنده مائتا درهم، فإن المعجل يكون زكاة، لوجود كمال النصاب في أوله وآخره.\rولو استفاد ما يكمل به النصاب في أول الحول الثاني، وتم الحول الثاني، والنصاب كامل، فإن المعجل لا يكون زكاة، عن الحول الثاني، لانه عجل الزكاة عن الحول الاول.","part":1,"page":313},{"id":298,"text":"ولو كان له مائتا درهم، فعجلها كلها عن الزكاة أو أدى البعض وهلك الباقي ثم استفاد نصابا آخر وتم الحول، فإن المعجل لا يقع عن الزكاة، لانه لم يبق شئ من النصاب الاول في وسط الحول، فانقطع الحول.\rولو عجل زكاة ماله إلى الفقير ثم هلك النصاب، كله أو بعضه، ولم يستفد شيئا يكمل به النصاب حتى تم الحول، فإنه لا يرجع على الفقير، لانه وقع أصل القربة، وإنما التوقف في صفة الفرضية، فلا يصح الرجوع.\rولو دفع المعجل إلى الساعي، ثم هلك النصاب كله، فله أن يأخذه لانه لم يصل إلى يد الفقير بعد.","part":1,"page":314},{"id":299,"text":"باب ما يمر به على العاشر المار على العاشر أصناف ثلاثة: المسلم، والذمي، والحربي.\rأما المسلم فيؤخذ منه ربع العشر، على وجه الزكاة، حتى تسقط عنه زكاة تلك السنة، ويوضع موضع الزكاة، إلا أنه ثبت حق الاخذ لعاشر، لاجل الحماية، لان الاموال في المفاوز لا تحفظ إلا بقوة السلطان، فتصير بمنزلة السوائم.\rوإذا كان المأخوذ زكاة: فيشترط شرائط الزكاة من الاهلية، وكون المال ناميا، فاضلا عن الحاجة، حتى لا يأخذ من مال الصبي والمجنون ربع العشر، وكذا لا يأخذ إذا لم يحل عليه الحول، وكذا إذا كان عليه دين لا يأخذ ولا يأخذ إذا لم يكن المال للتجارة.\rويقبل قوله في دعوى الدين، وفي دعواه أنه لم يحل عليه الحول، وإنه ليس بمال التجارة، كما في الزكاة سواء، إلا إذا اتهمه العاشر فيحلفه، لان حق الاخذ له، فيكون القول قول المنكر مع يمينه.\rوكذا لا يأخذ من المكاتب، لا تجب عليه الزكاة.\rوكذا إذا قال: هذه بضاعة لفلان، لا يأخذ منه، لان المالك ما أمره بأداء الزكاة، وإنما أمره بالتصرف لا غير.\rوكذلك المضارب والعبد المأذون إذا مرا على العاشر بمال المضاربة، ومال المولى: لا يأخذ منهما، لانهما لم يؤمرا بأداء الزكاة.","part":1,"page":315},{"id":300,"text":"وذكر في الجامع الصغير: إذا مر المضارب والعبد المأذون بمال أخذ منه الزكاة في قول أبي حنيفة الاول.\rقال أبو يوسف: ثم رجع في المضاربين وقال: لا يأخذ منه، ولا أعلمه رجع في العبد المأذون أم لا ولكن رجوعه في المضارب رجوع في العبد المأذون.\rوقال أبو يوسف ومحمد: لا يعشرهما.\rوالاصح أن لا يعشرهما، لانهما أمرا بالحفظ والتصرف، لا بأداء الزكاة.\rولو قال: معي أقل من النصاب، وعندي في البلد ما يكمل به النصاب، فإنه لا يأخذ منه، لان حق الاخذ له باعتبار الحماية، وما دون النصاب تحت حمايته لا كل النصاب، وفيما بينه وبين الله تعالى تجب عليه الزكاة، لكمال النصاب.\rوإذا مر على العاشر في الحول أكثر من مرة واحدة، لا يأخذ إلا مرة واحدة، لان الواجب زكاة، وهي لا تتكرر في الحول.\rولو قال المسلم للعاشر: أديت الزكاة إلى عاشر غيرك، وفي السنة عاشر غيره أو قال: دفعتها إلى المساكين فالقول قوله، لانه أمين كالمودع.\rوفي رواية أخرى: لا يقبل قوله إلا أن يأتي ببراءة من ذلك العاشر.\rوأما الذمي: إذا مر على العاشر، فالجواب فيه وفي المسلم سواء، في جميع ذلك لانه يؤخذ منه باسم الزكاة، إلا أنه يؤخذ منه نصف العشر، استدلالا بصدقة بني تغلب: لما كان يؤخذ منهم باسم الزكاة، يؤخذ نصف العشر - فهذا كذلك.\rوأما الحربيون: فإنه يؤخذ منهم مثلما يأخذون من المسلمين.\rوإن كان لا يعلم ذلك يؤخذ منهم العشر.","part":1,"page":316},{"id":301,"text":"وأصل هذا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى العشار وقال: خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، وروي أنه قال: خذوا منهم ما يأخذون من تجارنا فقيل له: إن لم نعلم ما يأخذون من تجارنا؟، قال: خذوا العشر.\rثم ما يؤخذ منهم في معنى الجزية والمؤونة لا باسم الصدقة، حتى يصرف في مصارف الجزية.\rولا يشترط أن يكون المال للتجارة ولا فارغا عن الدين، ولا يشترط حولان الحول.\rولو قال: هذا المال بضاعة، لا يقبل قوله.\rوكذلك إذا قال: أديت إلى عاشر آخر، لا يقبل لان المأخوذ منهم أجرة الحماية وقد وجدت الحماية.\rوكذا لا يصدق في جميع ما يصدق فيه الذمي والمسلم إلا في فصل واحد، وهو أن يقول: هذه الجارية أم ولدي وهذا الغلام ولدي، فإنه يقبل، لان النسب يثبت في دار الحرب.\rوكذلك يؤخذ العشر من مال الصبي الحربي، والمجنون الحربي.\rولو دخل الحربي دار الاسلام بأمان، فعشر ثم دخل دار الحرب، ثم خرج في ذلك الحول مرة أخرى أو مرارا، فإنه يؤخذ منه، في كل مرة، لانه يستفيد عصمة جديدة في كل مرة.\rولو مر التاجر على العاشر بما لا يبقى حولا، من الرطاب والخضرة والثمار الرطبة، فإنه لا يعشره عند أبي حنيفة، وعندهما يعشره.\rوالصحيح قوله: لان النبي عليه السلام قال: ليس في الخضراوات صدقة.\rوهذا النص، ولان في هذه الاشياء لا يحتاج إلى الحماية","part":1,"page":317},{"id":302,"text":"غالبا، لان السراق وقطاع الطريق لا يقطعون الطريق لاجل الخضر، ولا يأخذون إلا بقدر ما يؤكل في الحال، فلا يجب فيها المؤونة مقصودا.\rوذكر في الجامع الصغير أن الذمي إذا مر على العاشر بالخمور والخنازير: يعشر الخمور دون الخنازير.\rوقال أبو يوسف: يعشرهما جميعا، لانهما أموال عندهم.\rوعند أبي حنيفة ومحمد: لا تعشر الخنازير.\rوقول أبي يوسف أظهر.","part":1,"page":318},{"id":303,"text":"باب العشر والخراج في الباب فصول: بيان الارض العشرية والخراجية.\rوبيان ما يجب فيه العشر، وأن النصاب هل هو شرط أم يجب في القليل والكثير؟\rوبيان سبب وجوب العشر والخراج.\rوبيان المحل الذي يجب فيه العشر والذي فيه نصف العشر.\rأما بيان الاراضي - فنقول: الاراضي نوعان: عشرية وخراجية.\rفالعشرية خمسة أنواع: أحدها: أرض العرب: فكلها عشرية.\rوالثاني - كل أرض أسلم أهلها طوعا: فهي عشرية.\rوالثالث: الاراضي التي فتحت عنوة وقهرا، وقسمت بين الغانمين: فهي عشرية، لان الارض لا تخلو عن المؤونة، فكانت البداءة بالعشر، في حق المسلمين، أولى، لما فيه من شبهة العبادة.\rوالرابع: المسلم إذا اتخذ داره بستانا أو كرما: فهي عشرية، لانها مما يبتدئ عليها المؤونة، فالعشر أولى.","part":1,"page":319},{"id":304,"text":"والخامس: المسلم إذا أحيى الاراضي الميتة بإذن الامام، وهي من توابع الاراضي العشرية، أو تسقى بماء العشر، وهو ماء السماء وماء العيون المستنبط من الاراضي العشرية، فهي عشرية.\rوأما الاراضي الخراجية: فسواد العراق كلها خراجية.\rوكل أرض فتحت عنوة وقهرا، وتركت على أيدي أربابها ومن عليهم الامام، فإنه يضع الجزية على أعناقهم إذا لم يسلموا، والخراج على أراضيهم إذا أسلموا أو لم يسلموا.\rوكذلك إذا جلاهم ونقل إليها آخرين: فالجواب كذلك.\rوالمسلم إذا أحيى أرضا ميتة، وهي تسقى بماء الخراج، فهي\rخراجية.\rوكذلك الذمي إذا أحيى أرضا ميتة بإذن الامام، أو رضخ له أرضا في الغنيمة إذا قاتل مع المسلمين.\rوكذلك الذمي إذا اتخذ داره بستانا، فإنه تكون خراجية.\rوأما الذمي إذا اشترى من مسلم أرض العشر، فإنها تصير خراجية عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه عشران، وقال محمد: عليه عشر واحد.\rوالصحيح ما قاله أبو حنيفة، لان العشر والخراج شرعا لمؤونة الاراضي، فمن كان أهلا لاداء العشر يوضع عليه العشر، ومن لم يكن يوضع عليه الخراج، فأما الذمي إذا اشترى أرض المسلم، وهو ليس من أهل العشر، يجب أن تنقلب خراجية.\rوالمسلم إذا اشترى من الذمي أرضا خراجية، لا تنقلب عشرية،","part":1,"page":320},{"id":305,"text":"لان المسلم من أهل وجوب الخراج في الجملة.\rوالاصل أن مؤونة الارض لا تغير من حالها إلا لضرورة، وفي حق الذمي ضرورة، لانه ليس من أهل وجوب العشر.\rولو اشترى التغلبي أرض عشر من مسلم فعليه عشران عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: عليه عشر واحد.\rوأما بيان المحل الذي يجب فيه العشر فنقول: اختلفوا فيه: قال أبو حنيفة: كل خارج من الارض، يقصد بزراعته نماء الارض والغلة ويستنبت في الجنات، يجب فيه العشر، سواء كانت له ثمرة\rباقية، كالحنطة والشعير وسائر الحبوب والزبيب والتمر، أو لم يكن له ثمرة باقية، كأصناف الفاكهة الرطبة، أو من الخضراوات والرطاب والرياحين وقصب الذريرة وقصب السكر وقوائم الخلاف التي تقطع في كل ثلاث سنين وغير ذلك.\rفأما إذا كان من جنس لا يستنبت في الارض، ولا يقصد بالزراعة كالطرفاء والقصب الفارسي والحطب والحشيش والسعف والتبن فلا عشر فيه.","part":1,"page":321},{"id":306,"text":"وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر إلا في الحبوب وماله ثمرة باقية.\rثم النصاب هل هو شرط: لوجوب العشر فيما هو باق من الحبوب والثمار أم لا؟ على قول أبي حنيفة ليس بشرط، بل يجب في قليله وكثيره.\rوعلى قولهما لا يجب ما لم يكن خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، كل صاع ثمانية أرطال.\rوالصحيح ما قاله أبو حنيفة لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوحا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) * ولما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: فيما سقته السماء العشر، وفيما سقي بغرب أو دالية نصف العشر.\rوأما بيان المحل الذي يجب فيه العشر، وما يجب فيه نصف العشر - فنقول: ما سقي بماء السماء والانهار والعيون العشرية: يجب فيه العشر، وما سقي بغرب أو دالية أو سانية: يجب فيه نصف العشر، لما روينا من\rالحديث.\rولو أن الزرع يسقى في بعض السنة سيحا، وفي بعضها بدالية، فإن المعتبر فيه أكثر المدة والغالب.\rوأما بيان سبب وجوب العشر والخراج: فنقول: سبب وجوب العشر هو الارض النامية بالخارج حقيقة.\rوسبب وجوب الخراج هو الارض النامية، بالخارج، حقيقة أو تقديرا.\rولهذا قلنا إن الخارج إذا أصابته آفة، فهلك، لا يجب العشر إن كانت الارض","part":1,"page":322},{"id":307,"text":"عشرية، ولا الخراج إن كانت خراجية لفوات النماء حقيقة وتقديرا.\rولو كانت له أرض عشرية، وتمكن من زراعتها، ولم يزرع، لا يجب عليه العشر، لانه لم يوجد الخارج حقيقة.\rولو كانت الارض خراجية، وتمكن من زراعتها، ولم يزرع - يجب عليه الخراج، لوجود الخارج تقديرا.\rوعلى هذا قال أصحابنا إن العشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة، بل إن كانت عشرية يجب فيها العشر، وإن كانت خراجية يجب الخراج، وقال الشافعي: يجتمعان.\rولو استأجر أرضا عشرية، وزرعها، فالعشر على الاجر عند أبي حنيفة.\rوعندهما على المستأجر، لان العشر يجب في الخارج، وهو ملك المستأجر، ولكنأبا حنيفة يقول إن الزرع، في المعنى، حاصل للمؤاجر، لحصول الاجر له، فلو هلك الخارج، قبل الحصار، لا يجب العشر على الاجر، وإن هلك، بعد الحصاد، لا يسقط العشر عن المؤاجر، وعلى قولهما لو هلك، قبل الحصاد أو بعده فإنه يهلك بما فيه.\rولو أعارها من مسلم، فزرعها، فالعشر على المستعير، بالاتفاق، لان الخارج له صورة ومعنى، ولو هلك يهلك بما فيه.\rولو دفعها مزارعة: فعندهما المزارعة جائزة، والعشر في الخارج، وعند أبي حنيفة: المزارعة فاسدة، ولو خرج الزرع وأدرك فعشر الخارج كله على رب الارض إلا أن في حصته يجب في عينه، وفي حصة المزارع يكون دينا في ذمته.\rولو غصبها غاصب، فزرعها، ينظر: إن انتقصت الارض بالزراعة، فالعشر على رب الارض، وعلى الغاصب نقصان الارض، كأنه أجرها منه، وهذا عند أبي حنيفة.\rوعندهما في الخارج.","part":1,"page":323},{"id":308,"text":"وإن لم تنتقص الارض بالزراعة، فالعشر على الغاصب في الخارج، كالعارية سواء.\rوإن كانت الارض خراجية في الوجوه كلها، فإن الخارج على رب الارض، بالاجماع، إلا في الغصب، فإنه إذا لم تنتقص الارض بالزراعة، فإن الخراج على الغاصب، وإن نقصت، فعلى رب الارض، كأنه أجرها.\rوأما بيان الخراج ومقداره: فنقول: الخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة.\rأما الاول: فعلى مراتب، ثبت ذلك بتوظيف عمر، رضي الله عنه، بإجماع الصحابة.\rفي كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة: قفيز مما يزرع فيها، ودرهم.\rفالقفيز هو الصاع.\rوالدرهم هو الفضة الخالصة وزنه وزن\rسبعة، والجريب أرض طولها ستون ذراعا، وعرضها ستون ذراعا، بذراع الملك كسرى ويزيد على ذراع العامة بقبضة.\rوفي جريب الرطبة خمسة دراهم.\rوفي جريب الكرم عشرة دراهم.\rوأما الجريب الذي فيه أشجار مثمرة ولا يصلح للزراعة: فلم يذكر في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا كانت النخيل ملتفة جعلت عليه الخراج بقدر ما يطيق، ولا أزيده على جريب الكرم.\rوفي جريب الارض التي ينبت فيها الزعفران، قدر ما تطيق، فإن كان: ينظر إلى غلتها، فإن كانت تبلغ غلة الارض المزروعة: يؤخذ منها قدر خراج الزرع، وإن كانت تبلغ غلة الرطبة: يؤخذ منها خمسة على هذا.","part":1,"page":324},{"id":309,"text":"ثم أرض الخراج: إذا لم تخرج شيئا، بسبب آفة البرد ونحوها، لا شئ فيها، وإن أخرجت قدر الخراج لا غير: فإنه يجب نصف الخراج.\rوإن أخرجت مقدار مثلي الخراج فصاعدا: يؤخذ جميع الخراج الموظف عليها.\rفأما إذا كانت الارض تطيق أكثر من الخراج الموظف، هل يزاد عليه أم لا؟ روي عن محمد أنه قال: يزاد بقدر ما تطيق.\rوقال أبو يوسف: لا يزاد.\rوأما خراج المقاسمة: فهو أن الامام إذا من على أهل بلدة فتحها، جعل على أراضيهم الخراج مقدار ربع الخارج أو ثلثه أو نصفه.\rوهذا جائز: كما فعل رسول الله آ بأهل خيبر.\rويكون حكم هذا الخراج كحكم العشر، إلا أنه يوضع في موضع الخراج، لانه في الحقيقة خراج.\rثم في العشر والخراج لا يعتبر المالك، ولا أهليته، حتى يجب في الارض الموقوفة، ويجب في أراضي المكاتب والصبيان والمجانين.","part":1,"page":325},{"id":310,"text":"باب المعدن والركاز في الباب فصلان: أحدهما: حكم المال المستخرج من الارض.\rوالثاني: حكم المال المستخرج من البحار.\rأما الاول فهو قسمان: أحدهما: مال مدفون الناس.\rوالثاني: مال مخلوق في الارض بتخليق الله تعالى.\rفالمدفون يسمى كنزا على الخصوص.\rوالمال المخلوق في الارض يسمى معدنا على الخصوص.\rوالركاز اسم يحتملهما جميعا، فيذكر ويراد به الكنز، ويذكر ويراد به المعدن.\rأما الكنز: فلا يخلو إما إن وجد في دار الاسلام، أو في دار الحرب، وكل ذلك لا يخلو: إما إن وجد في أرض مملوكة، أو في أرض غير مملوكة.\rولا يخلو: إما إن كان به علامة الاسلام، كالمصحف والدراهم المكتوب عليها القرآن وما أشبه ذلك، أو لم يكن.","part":1,"page":327},{"id":311,"text":"أما إذا كان وجد في دار الاسلام: فإن كان في أرض غير مملوكة، كالجبال والمفاوز وغيرهما، فإنه ينظر: إن كان به علامة الاسلام، فإن حكمه حكم اللقطة، يصنع به ما يصنع في اللقطة، على ما يعرف إن شاء الله.\rوإن لم يكن ثمة علامة الاسلام، ولا علامة الجاهلية: بعضهم قالوا بأن في زمان حكمه حكم اللقطة، لان عهد الاسلام قد طال.\rوبعض مشايخنا قالوا إن حكمه حكم ما يعرف أنه مال الجاهلية، بوجود العلام، لان الكنوز غالبا من الكفرة.\rثم حكم الكنز الذي به علامة الجاهلية، من الدراهم المنقوشة عليها الصنم ونحو ذلك، أنه يجب فيه الخمس، لان حكمه حكم الغنيمة، لانه مال الكفار، وأربعة أخماسه للواجد، لانه أخذه بقوة نفسه، ويستوي الواحد بين أن يكون حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، صغيرا أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، لان هؤلاء من أهل الغنيمة، إلا الحربي المستأمن: فإنه إذا وجد كنزا، في دار الاسلام، فإنه يسترد منه، لانه ليس من أهل ملك الغنيمة، إلا إذا كان يعمل في المفاوز، بإذن الامام، على شرط: فله أن يعطي المشروط، والباقي له، لانه جعل ذلك أجره.\rوأما إذا وجد في أرض مملوكة فالخمس واجب، لما مر، وأما الاربعة الاخماس فلصاحب الخطة أو لورثته إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فيكون لاقصى مالك الارض أو لورثته، وإلا فيكون لبيت المال، وهذا قول أبي\rحنيفة و محمد.\rوقال أبو يوسف: يكون للواجد، والمسألة معروفة.","part":1,"page":328},{"id":312,"text":"وأما إذا وجد في دار الحرب: فإن كان في أرض غير مملوكة يكون للواجد، ولا خمس فيه، سواء دخل بأمان أو بغير أمان، لان ذلك مال مباح، فيكون للواجد، ولا خمس فيه، لانه أخذ ملك الكفار، متلصصا، لانه لورثة الواضع.\rوأما إذا كان في أرض مملوكة: فإن دخل بأمان، فعليه أن يرده إلى صاحب الارض، حتى لا يؤدي إلى الغدر والخيانة في الامان.\rولو لم يرده وأخرجه إلى دار الاسلام، يكون ملكا له، ولا يطيب له، كالملوك بشراء فاسد، ولو باعه يصير ملكا للمشتري.\rوأما إذا دخل بغير أمان، حل له ذلك، ولا خمس فيه، لان هذا مال مباح، أخذه متلصصا، حتى إذا دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب وظفروا على كنوزهم، فإنه يجب فيه الخمس.\rوأما المعدن: فالخارج منه على ثلاثة أنواع: منها: ما يذاب بالاذابة وينطبع بالحيلة، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص وأشباه ذلك.\rوالنوع الثاني: ما لا يذاب ولا ينطبع كالجص، والنورة والزرنيخ والكحل والياقوت والفصوص والفيروزج ونحوها.\rوالنوع الثالث: ما هو مائع، كالنفط والقير ونحو ذلك.\rولا يخلو إما إن وجد في دار الاسلام، أو في دار الحرب، في أرض\rمملوكة، أو غير مملوكة.","part":1,"page":329},{"id":313,"text":"أما إذا وجد في دار الاسلام فينظر: إن وجد في أرض غير مملوكة والموجود مما ينطبع بالحيلة، ويذاب بالاذابة: فإنه يجب فيه الخمس قل أو كثر، وأربعة أخماسه للواجد، كائنا من كان غير الحربي المستأمن: فإنه يسترد منه إلا إذا قاطعه الامام، فإنه يؤدي إليه المشروط حكما للامان.\rوهذا عندنا، وعند الشافعي: يجب في معادن الذهب والفضة ربع العشر.\rوفيما ينطبع، غير الذهب والفضة، الخمس فعلى أصل الشافعي يؤخذ بطريق الزكاة، حتى قال: النصاب شرط، وعند بعضهم الحول شرط.\rوفي غير الذهب والفضة يحتاج إلى نية التجارة، حتى يجب فيه الخمس.\rوعندنا يؤخذ بطريق الغنيمة، فلا يشترط فيه شرائط الزكاة.\rويحل دفع الخمس إلى الوالدين والمولودين، وهم فقراء، كما في الغنائم.\rويجوز للواجد أن يصرف إلى نفسه، إذا كان محتاجا، ولا يكفيه الاربعة الاخماس.\rوعنده لا يجوز.\rوالصحيح قولنا لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: العجماء جبار، والقليب جبار، وفي الركاز الخمس قيل يا رسول الله: وما الركاز؟ قال: الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الارض يوم خلق السماوات والارض.\rولان المعدن كان في يد الكفرة وقد زالت","part":1,"page":330},{"id":314,"text":"أيديهم، ولم تثبت يد المسلمين، لانهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال والمفاوز، فبقي ما تحتها على حكم ملك الكفار، فيكون ملكا للمستولي، بقوة نفسه، بطريق مشروع، فيجب الخمس كما في الكنز.\rفأما إذا كان معدن النورة، وما لا ينطبع من الفصوص ونحوها.\rفإنه يثبت الملك فيه للواجد، ولا يجب الخمس، لانها من أجزاء الارض، كالتراب والاحجار، والفصوص أحجار مضيئة.\rوأما إذا كان معدن القير والنفط، فلا شئ فيه، ويكون للواجد، لان هذا ماء، ولا يقصد بالاستيلاء، فلم يكن في يد الكفار، حتى يكون من الغنائم، فلا يجب الخمس فيها.\rوأما إذا وجد المعدن في أرض مملوكة في دار الاسلام، فإن الملك يكون لصاحب الارض، ولا يجب الخمس عند أبي حنيفة، وكذلك في الدار والحانوت.\rوذكر في الجامع الصغير أنه يجب في الارض، ولا يجب في الدار.\rوعندهما يجب الخمس والاربعة الاخماس تكون لصاحب الملك، لان الامام ملك الارض بما فيها من المعدن، فيصح في حق الاربعة الاخماس، دون الخمس، لانه حق الفقراء.\rوأبو حنيفة يقول إن الامام ملك الارض مطلقا، بجميع أجزائها، وهذا من أجزائها، والامام لو قسم الغنائم وجعل الكل للغانمين، إذا كانت حاجتهم لا تندفع بالاربعة الاخماس، جاز، وله هذه الولاية، فكذا هذا.\rفأما إذا وجد المعدن في دار الحرب:\rفإن وجد في أرض غير مملوكة فهي له، ولا خمس فيه.","part":1,"page":331},{"id":315,"text":"وإن وجد في ملكهم فإن دخل بأمان، رد عليهم، وإن دخل بغير أمان: يكون خالصا له من غير خمس كما في الكنز.\rوأما المستخرج من البحار كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وغيرها فنقول: قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجب فيه الخمس.\rوقال أبو يوسف: يجب.\rوالصحيح قولهما، لان البحار لم تكن في يد الكفرة حتى يكون ما فيها ملكهم فيكون غنيمة.\rوأما الزئبق: فعلى قول أبي حنيفة ومحمد: يجب.\rولهما أن الزئبق ينطبع بالحيلة، مع غيره، وإن كان لا ينطبع بنفسه، فيكون في معنى الرصاص، فيجب فيه الخمس، والله أعلم.","part":1,"page":332},{"id":316,"text":"باب صدقة الفطر في الباب فصول - منها: بيان وجوب صدقة الفطر، وبيان من تجب عليه، وبيان من تجب عليه لاجل الغير، وبيان قدر الواجب، وصفته، وبيان وقت الوجوب،\rوبيان وقت الاداء، وبيان مكان الاداء، وما يتصل بهذه الجملة.\rأما الاول - فنقول: صدقة الفطر واجبة.\rعرف وجوبها بالاحاديث الصحيحة، ومنها ما روي عن ثعلبة بن صغير العذري، وفي رواية العدوي، أنه قال: خطبنا رسول الله (ص) فقال: أدوا عن كل حر وعبد، صغير وكبير، نصف صاع من بر،","part":1,"page":333},{"id":317,"text":"أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير.\rفأما بيان من يجب عليه فنقول: إنما تجب على المسلم، الحر، الغني.\rفالاسلام شرط، لان فيها معنى العبادة، ولهذا لا تجوز بدون النية، ولا تتأدى بفعل الغير، بغير إذنه، أو بإذن الشرع، لكونه نائبا عنه.\rوأما الغنى فهو شرط عندنا.\rوقال الشافعي: ليس بشرط، لكن القدرة شرط، حتى إن من ملك زيادة على قوته نصف صاع من حنطة أو صاعا من شعير أو تمر، تجب عليه.\rوالصحيح قولنا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا صدقة إلا عن ظهر غنى.\rوأما الحرية فهي شرط عندنا.\rوعند الشافعي ليس بشرط حتى أن العبد عنده تجب عليه صدقة\rفطره، ويتحمل عنه المولى، حتى لو لم يؤد المولى عنه، فعليه أن يؤدي بعد العتاق.\rوعندنا يجب على مولاه، إذا كان غنيا، والعبد للخدمة وهذا بناء على ما ذكرنا أن الغنى شرط عندنا، والغني بالملك، والعبد لا ملك له.\rوعند الشافعي ليس بشرط.\rوأما العقل والبلوغ: فليسا بشرط الوجوب عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوعند محمد وزفر: شرط، حتى إن الصبي والمجنون إذا كان لهما","part":1,"page":334},{"id":318,"text":"نصاب معين وليس للاب مال، فإنه يجب صدقة الفطر عليهما.\rعندهما: يؤدي الاب والوصي، ولا ضمان عليهما إذا أديا.\rوعند محمد وزفر: لا يجب، لان فيها معنى العبادة.\rوهما يقولان: إن فيها معنى العبادة والمؤونة، ولا يمكن الجمع بينهما في حالة واحدة في حق شخص واحد في حكم واحد، فوجب اعتبار المؤونة في بعض الاحكام، ومعنى العبادة في البعض، عملا بالدلائل بقدر الامكان، فقالا بالوجوب اعتبارا بالمؤونة.\rوأما بيان من يجب عليه صدقة الفطر بسبب الغير - فنقول: كل من كان من أهل وجوب صدقة الفطر على نفسه، وله ولاية كاملة على من كان من جنسه وتجب مؤونته ونفقته، فإنه تجب عليه صدقة فطره.\rوإلا فلا، لانه إذا كان بهذا الصفة كان رأسه بمنزلة رأسه في الذب والنصرة، فكما وجب عليه صدقة فطر رأسه تجب صدقة فطر ما هو في معنى رأسه.\rإذا ثبت هذا فنقول: يجب على الاب صدقة فطر أولاده الصغار إذا كان غنيا ولا مال لهم، لوجود الولاية والمؤونة بطريق الكمال.\rوكذا إذا كانوا مجانين لما قلنا.\rوإذا كان لهم مال يجب عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر على الاب الغني على ما مر.\rوأما الجد: حال عدم الاب، إذا كان غنيا، هل تجب عليه صدقة فطر ابن ابنه؟ على جواب ظاهر الرواية لا يجب، لانه ليس له ولاية مطلقة، فإنه محجوب بالاب، بمنزلة الاخوة الصغار الفقراء، ولا تجب","part":1,"page":335},{"id":319,"text":"صدقة فطرهم على الاخ الغني الكبير لما قلنا.\rوفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه تجب لما قلنا.\rفإن كان حيا ولكنه فقير، ولهم جد غني، لا يجب على الجد، في الروايات كلها، لانه لا ولاية له حال قيام الاب، وإن كان يجب عليه المؤونة.\rوعند الشافعي يجب.\rولا يجب على الوصي، وإن كان له ولاية، لانه لا يجب عليه النفقة.\rوأما أولاده الكبار إذا كانوا فقراء زمنى فإنه لا يجب عليه صدقة فطرهم عندنا.\rوعند الشافعي: يجب.\rوكذلك الاب الفقير: لا يجب على الابن صدقة فطره، وكذلك الزوجة،\rخلافا للشافعي، لان عنده تنبني على المؤونة لا غير، وعندنا على المؤونة والولاية جميعا، ولا ولاية في حق هؤلاء، وإن كان يجب النفقة.\rفأما الاب الفقير إذا كان مجنونا، فإنه تجب صدقة فطره على ابنه لوجود الولاية والمؤونة جميعا.\rولا يجب على الاب صدقة فطر الجنين، لانه ليس له ولاية كاملة عليه، لانه لا تعرف حياته.\rوعلى هذا يجب على المولى صدقة فطر عبيده وإمائه إذا كانوا للخدمة.\rوكذلك أمهات أولاده ومدبريه، سواء كان عليهم دين أو لم يكن، إذا كان المولى غنيا، لما قلنا من اجتماع الولاية والمؤونة.","part":1,"page":336},{"id":320,"text":"فأما المكاتب والمكاتبة والمستسعي فلا يجب عليه صدقة فطرهم، لانه لا يجب عليه نفقتهم، ولا تجب عليهم، لانه لا ملك لهم.\rوأما العبد، إذا كان كافرا، فإنه تجب على المولى صدقة فطره عندنا، خلافا للشافعي، لما قلنا من الولاية والنفقة.\rوالعبد المشترك بين اثنين لا تجب صدقة فطره على الموليين، لانه ليس لكل واحد منهما ولاية كاملة.\rفإما إذا كانوا عبيدا بين رجلين: فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجب عليهما صدقة فطرهم.\rوعند محمد: إن كانوا بحال لو قسموا أصاب كل واحد منهما عبدا كاملا، تجب عليه صدقة فطره.\rوهذا بناء على أصل أن العبد لا يقسم عند أبي حنيفة قسمة جمع، فلا يكون لكل واحد منهما عبد كامل، وعند محمد يقسم قسمة جمع،\rفيكون لكل واحد منهما عبد كامل من حيث المعنى، وأبو يوسف يرى القسمة لكن قبل القسمة لم يكن لكل واحد منهما ولاية كاملة.\rوأما مقدار الواجب فنقول: نصف صاع من حنطة، أو صاع من شعير أو تمر، عندنا.\rوقال الشافعي: من البر صاع أيضا، وروى حديثا لكنه غريب، فلا يقبل بمقابلة ما روينا وهو مشهور.\rوأما الزبيب فقد ذكر في الجامع الصغير عن أبي حنيفة نصف صاع، لان الغالب أن قيمته مثل قيمة البر في ديارهم.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة صاعا، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر على عهد","part":1,"page":337},{"id":321,"text":"رسول الله (ص) صاعا من طعام، أو صاعا من زبيب وكان طعامنا الشعير.\rوقد قال أصحابنا إن دقيق الحنطة والشعير وسويقهما مثلهما، لما روي في الحديث: أدوا مدين من قمح أو دقيق.\rوأما الاقط فيعتبر فيه القيمة عندنا، خلافا لمالك.\rوما سوى ذلك، فيعتبر قيمته بقيمة الاشياء المنصوص عليها، بأن أدى الدراهم أو العروض والثمار ونحوها.\rولو أدى بعض المنصوص عليه، وقيمته تبلغ قيمة كله، بأن أدى ربع صاع من حنطة جيدة مكان النصف، أو نصف صاع من شعير جيد مكان صاع من شعير، لا يجوز عن الكل، بل يقع عن نفسه وعليه تكميل الباقي، لان الجودة لا قيمة لها في أموال الربا.\rوفي الزكاة لو أدى شاة سمينة مكان شاتين، جاز، لان الجودة فيها متقومة.\rفبقدر الشاة الوسط تجزئ عن الشاة، وقيمة الجودة عن الاخرى.\rثم مقدار الصاع ثمانية أرطال عندنا.\rوقال أبو يوسف والشافعي: خمسة أرطال وثلث رطل، لان صاع أهل المدينة كذلك، وتوارثوه خلفا عن سلف.\rلكنا نقول: ما ذكرنا صاع عمر، ومالك من فقهاء المدينة، قال: إن صاع المدينة أخرجه عبد الملك بن مروان فأما قبله كان ثمانية أرطال فكان العمل بصاع عمر أولى.","part":1,"page":338},{"id":322,"text":"ثم روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر الصاع وزنا، وهو ثمانية أرطال.\rوروى ابن رستم عن محمد أنه يعتبر كيلا، حتى لو أدى أربعة أمناء، من غير كيل، لا يجوز.\rوأما وقت الوجوب فعند أصحابنا وقت الفجر الثاني من يوم الفطر.\rوعلى قول الشافعي ليلة الفطر.\rوفائدة الخلاف أن من ولد له ولد قبل طلوع الفجر، تجب عليه صدقة فطره، ومن ولد له بعد ذلك لا تجب، ولو أسلم قبله تجب عليه، وبعده لا وكذلك الفقير إذا أيسر قبله تجب ولو افتقر الغني قبله لا تجب.\rوعند الشافعي على عكس هذا.\rوالصحيح قولنا، لانه تضاف الصدقة إلى الفطر، وهو يوم العيد.\rولو عجل صدقة الفطر على يوم الفطر: ذكر الكرخي أنه إذا عجل بيوم أو يومين جاز، ولم يذكر أنه لو عجل بأكثر من ذلك هل يجوز؟.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز التعجيل بسنة وسنتين، وعن خلف بن أيوب أنه يجوز التعجيل بشهر لا غير.\rوعن الحسن أنه قال: لا يجوز التعجيل، ولا يجوز دون يوم الفطر، ولو لم يؤد يوم الفطر تسقط عنه.\rوالصحيح رواية الحسن بن زياد، لان سبب الوجوب هو رأس يمونه، لولايته عليه، والوقت شرط الوجوب، والتعجيل بعد سبب الوجوب جائز، كما في الزكاة.","part":1,"page":339},{"id":323,"text":"وأما وقت الاداء فهو يوم الفطر من أوله إلى آخره، ثم بعده يسقط الاداء ويجب القضاء عند بعض أصحابنا.\rوعند بعضهم: وهو الاصح، أنها تجب وجوبا موسعا، لكن المستحب أن يؤدي قبل الخروج إلى المصلى، حتى لا يحتاج الفقير إلى الكسب والسؤال يوم العيد، فيتمكن من أداء صلاة العيد فارغ القلب عن القوت، على ما قال عليه السلام: اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم.\rوأما مكان الاداء روي عن محمد أنه قال: زكاة المال من حيث المال، وصدقة الفطر عن نفسه وعبيده من حيث هو.\rوروي عن أبي يوسف أنه يؤدي عن نفسه من حيث هو، وعن عبيدة\rمن حيث هم.\rوالاول أصح، لان صدقة الفطر لا تعلق لها بالمال، حتى إذا هلك المال، بعد الوجوب، لا تسقط الفطرة بخلاف الزكاة، والله أعلم.","part":1,"page":340},{"id":324,"text":"كتاب الصوم اعلم أن الصوم نوعان: لغوي وشرعي: فاللغوي! هو الامساك عن أي شئ كان، من الكلام والطعام والشراب والجماع والعلف وغيرها: قال الله تعالى: * (إني نذرت للرحمؤن صوما) * أي صمتا، وقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما والصوم الشرعي هو الامساك عن الاكل والشرب والجماع، قال الله تعالى: [ * (فالآن باشروهن وابتغوا) * إلى أن قال: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * أمسكوا عن هذه الاشياء.\rثم الصوم الشرعي أربعة عشر نوعا: ثمانية منها مذكورة في كتاب الله تعالى: أربعة منها متتابعة وهي: صوم رمضان، وصوم كفارة الظهار، وصوم كفارة القتل، وصوم كفارة اليمين، وأربعة منها صاحبها بالخيار: إن شاء تابع وإن شاء فرق وهي: قضاء صوم رمضان، وصوم المتعة، وصوم جزاء الصيد وصوم كفارة الحلق.\rوستة مذكورة في السنة وهي: صوم كفارة الفطر في شهر رمضان","part":1,"page":341},{"id":325,"text":"عمدا، وصوم النذر، وصوم التطوع، والصوم الواجب باليمين بقول الرجل: والله لاصومن شهرا وصوم الاعتكاف، وصوم قضاء التطوع بالافطار.\rوهذا قول عامة العلماء.\rوقد خالف الشافعي في هذه الجملة في ثلاثة مواضع: أحدها: قال: إن صوم كفارة اليمين ليس بمتتابع.\rوالثاني: قال: إن صوم الاعتكاف ليس بواجب.\rوالثالث: قال: لا يجب قضاء صوم التطوع.\rثم للصوم أركان وشروط وسنن وآداب.\rفنبدأ بالشروط فنقول: للصوم شروط بعضها للوجوب، وبعضها شرط صحة الاداء.\rفمنها - الوقت: وهو شرط الوجوب في حق الصوم الواجب، وشرط الاداء في حق الصيامات كلها.\rوهو اليوم من وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس: قال الله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) *.\rثم الصوم نوعان: فرض وتطوع.\rفوقت التطوع هو الايام كلها، لكن الصوم في بعض الايام مكروه، وفي بعضها مستحب، وفي بعضها سنة، حتى لو صام في الايام المنهي عنها، فإنه يقع جائزا، حتى لا يجب عليه القضاء.\rأما الصوم المكروه فأنواع:","part":1,"page":342},{"id":326,"text":"منها: صوم ستة أيام في كل سنة: صوم يوم النحر، وصوم أيام التشريق، ويوم الفطر، ويوم الشك بنية رمضان، أو بنية مترددة بأن نوى الصوم عن رمضان إن كان من رمضان وإن لم يكن فعن التطوع، وهذا مكروه: قال النبي عليه السلام: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، وقد قام الدليل على أن الصوم فيه، عن واجب آخر أو عن التطوع مطلقا، لا يكره، ثبت أن المكروه ما قلنا.\rوإنما لا يكره عن مطلق التطوع على وجه لا يعلم العوام ذلك، كيلا يعتادوا الصوم فيه، فيظنه الجهال زيادة على رمضان.\rوكذا صوم الصمت مكروه في الاوقات كلها، بأن يصوم ويمسك عن الكلام والطعام جميعا، لان هذا تشبه بالمجوس، فإنهم يفعلون هكذا.\rوكذا صوم يوم السبت مفردا: مكروه، لان هذا تشبه باليهود.\rوكذا صوم يوم عاشوراء مفردا: مكروه، عند بعض أصحابنا، لانه تشبه باليهود.\rوأما صوم يوم عرفة في حق الحاج: فإن كان يضعفه عن الوقوف بعرفة ويخل بالدعوات، فإن المستحب له أن يترك الصوم، لان صوم يوم عرفة يوجد في غير هذه السنة، فأما الوقوف بعرفة فيكون في حق عامة الناس في سنة واحدة، وأما إذا كان لا يخالف الضعف فلا بأس به.\rوأما في حق غير الحاج، فهو مستحب، لان له فضيلة على عامة الايام.\rوالصوم قبل رمضان بيوم ويمين مكروه أي صوم كان، لقوله عليه السلام: لا تتقدموا الشهر بصوم يوم ولا بصوم يومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم، وإنما كره خوفا من أن يظن أنه زيادة على\rصوم رمضان إذا اعتادوا ذلك، ولهذا قال أبو يوسف إنه يكره أن يوصل","part":1,"page":343},{"id":327,"text":"برمضان صوم شوال ستة أيام تطوعا، وروي عن مالك أنه قال: يكره ذلك، وما رأيت أحدا من أهل العلم والفقه يصوم ذلك، ولم يبلغنا من السلف، وكانوا يكرهون ذلك، لما ذكرنا.\rوكذلك يكره صوم الوصال، وهو أن يصام في كل يوم، دون ليلته، وهو صوم الدهر الذي ورد النهي عنه، لقوله عليه السلام: لا صيام لمن صام الدهر.\rومعنى الكراهة أنه يضعف عن أداء العبادات وعن الكسب الذي يحتاج إليه في الجملة، ولهذا أشار النبي عليه السلام لما نهى عن صوم الوصال فقيل له: إنك تواصل فقال: إني لست كأحدكم: إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني.\rوأما صوم يوم الاثنين وحده، وكذا صوم يوم الخميس وحده، وكذا صوم يوم الجمعة وحده، فإنه لا يكره، وقال بعضهم: يكره، لانه خص هذه الايام من بين سائرها.\rوعامة العلماء قالوا: بل هو مستحب، لان لهذه الايام فضيلة، فكان تعظيمها بالصوم مستحبا، وإنما يكره إذا كان فيه تشبه بغير أهل القبلة، ولم يوجد في هذه الصيامات.\rوأما صوم وإفطار يوم: فهو مستحب على ما روي أنه صوم داود عليه السلام: كان يفطر يوما ويصوم يوما.\rوصوم الايام البيض مستحب وسنة، لكثرة الاحاديث فيه.\rوأما صوم الفرض فنوعان عين ودين فالعين هو صوم رمضان.\rوصوم الدين هو سائر الصيامات من: قضاء رمضان، والكفارات، والنذور المطلقة، ونحوها، فسائر الايام وقت لها، سوى خمسة أيام: يوم","part":1,"page":344},{"id":328,"text":"النحر، وأيام التشريق، ويوم الفطر، لان صوم هذه الايام ناقص والواجب عليه صوم كامل، فلا يتأدى بالناقص.\rوصوم المتعة لا يجوز عندنا في هذه الايام.\rوعند الشافعي يجوز في أيام التشريق، دون يوم النحر.\rوالنذر بالصوم في هذه الايام جائز عندنا، خلافا لزفر، والشافعي، لانه وجب ناقصا فيجوز أن يتأدى ناقصا.\rولو شرع في الصوم في هذه الايام: ففي ظاهر الرواية لا يلزم بالشروع.\rوروي عن أبي يوسف ومحمد أنه يلزم.\rوالصحيح ظاهر الرواية، لان صاحب الحق، وهو الله تعالى أمره بالافطار بعد الشروع، ومن أتلف حق غيره بإذنه لا يجب عليه الضمان.\rوفي الشروع في الاوقات المكروهة في الصلاة: عن أبي حنيفة روايتان، وأشهرهما أنه يلزمه القضاء بخلاف الصوم، والفرق معروف.\rوأما صوم رمضان فوقته رمضان.\rوإنما يعرف برؤية الهلال إن كانت السماء مصحية.\rوإن كانت متغيمة فإنه يكمل شعبان ثلاثين يوما ثم يصوم عن رمضان، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا.\rفإذا كانت السماء مصحية ورأى الناس الهلال، فإنه يجب عليهم\rالصوم.\rوأما إذا رأى واحد وشهد عند القاضي، فإن القاضي لا يقبل شهادة","part":1,"page":345},{"id":329,"text":"الواحد والاثنين ما لم يدخل في حد التواتر، بأن شهد جماعة كبيرة من محال مختلفة.\rهذا إذا كان الشهود من المصر.\rوإن كانوا من خارج المصر: ذكر الطحاوي وقال: يقبل خبر الواحد، لان المطالع مختلفة في حق الظهور، لصفاء الهواء في خارج المصر.\rوفي ظاهر الرواية لم يفصل لان المطالع لا تختلف إلا عند المسافة البعيدة الفاحشة.\rوإن كانت السماء متغيمة فإنه يقبل خبر الواحدة العدل، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، محدودا في القذف أو لا بعد ما تاب وصار عدلا لان هذا من باب الاخبار دون الشهادة يلزم الشاهد الصوم، فيتعدى إلى غيره لكنه من باب الدين فيشترط فيه العدالة.\rولو رد القاضي شهادة الواحد لتهمة الفسق إذا كانت السماء متغيمة، أو لتفرده إذا كانت السماء مصحية، وإن كان عدلا، فإنه يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم.\rولو أفطر بالجماع لا يلزمه الكفارة عندنا، خلافا للشافعي، وهي مسألة معروفة.\rوأما هلال شوال، فلا يقبل إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، لان هذا من باب الشهادة لما فيه من نفع للشاهد، وهو سقوط الصوم\rعنه.\rوأما هلال ذي الحجة فقد قالوا: يشترط شهادة رجلين، لانه يتعلق به حكم شرعي، وهو وجوب الاضحية.\rوالصحيح أنه يقبل فيه شهادة الواحد، لان هذا من باب الخبر، فإنه يلزم المخبر ثم يتعدى إلى غيره.","part":1,"page":346},{"id":330,"text":"وهذا إذا كانت السماء متغيمة.\rفإن كانت مصحية: فلا يقبل إلا التواتر، كما ذكرنا في رمضان.\rولو رأوا الهلال، قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المستقبلة عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: إذا كان قبل الزوال أو بعده إلى وقت المصر، فهو لليلة الماضية، أما إذا كان بعد العصر، فهو لليلة المستقبلة بلا خلاف.\rوفيه خلاف بين الصحابة: فقد روي عن عمروابن مسعود وأنس مثل قولهما، وروي عن عمر، في رواية أخرى، وهو قول علي وعائشة مثل قول أبي يوسف.\rومن الشروط: النية: وهي شرط صحة الاداء، لان الصوم عبادة، فلا تصح بدونه النية، ثم الكلام في: كيفية النية، وفي وقت النية.\rأما كيفية النية: فينظر: إن كان الصوم عينا يكفيه نية مطلق الصوم، حتى لو صام رمضان بنية مطلق الصوم يقع على رمضان.\rوكذا في صوم التطوع: إذا صام مطلقا خارج رمضان، يقع عن النفل، لان الوقت متعين للنفل شرعا.\rوكذا في النذر إذا كان الوقت معينا، بأن نذر صوم شهر رجب ونحوه، إذا صام مطلقا فيه، يقع عن المنذور.\rوهذا عندنا.\rوعند الشافعي: صوم الفرض والواجب لا يصح بدون نية الفرض والواجب، وأما التطوع فيصح بمطلق النية.","part":1,"page":347},{"id":331,"text":"والصحيح قولنا، لان مطلق النية كاف لصيرورة العمل لله تعالى، وإنما يعتبر الوصف لتعيين الوقت لذلك الصوم، فإذا كان الوقت متعينا، فلا حاجة إلى التعيين.\rوأما إذا صام بنية التطوع في رمضان أو في النذر الذي تعين وقته، فإنه يقع عن الفرض وتلغو نية التطوع عندنا، خلافا للشافعي، لان الوقت قابل لاصل الصوم، غير قابل لوصفه، فبطلت نية الوصف، وتعتبر نية الاصل، وهي كافية لصيرورة العمل لله تعالى.\rولو صام بنية واجب آخر من القضاء والنذورة والكفارات في رمضان، يقع عن رمضان أيضا عندنا، خلافا له.\rولو كان ذلك في النذر المعين يقع عما نوى، لان صوم رمضان تعين بتعيين الشرع، فظهر التعيين مطلقا، لكمال الولاية، فظهر في حق نسخ سائر الصيامات، وأما في النذر فقد تعين بولاية قاصرة فيظهر تعيينه في حقه، وهو صوم التطوع، ولا يظهر في الواجبات، التي هي حق الله تعالى في هذه الاوقات فبقيت الاوقات محلا لها.\rهذا الذي ذكرنا في حق المقيم.\rفأما في حق المسافر: فإن صام مطلقا يقع عن رمضان.\rوإن صام بنية واجب آخر، يقع عما نوى عند أبي حنيفة وعندهما يقع عن رمضان،\rوإن صام بنية التطوع فعن أبي حنيفة روايتان.\rوأما المريض فإذا صام مطلقا يقع عن رمضان، وإذا صام بنية التطوع: قال مشايخنا بأنه يقع عن الفرض، بخلاف المسافر، لانه إذا قدر على الصوم صار كالصحيح، وذكر الكرخي هؤهنا وسوى بين المريض والمسافر.\rوكذا روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقع عن التطوع.","part":1,"page":348},{"id":332,"text":"وأما صوم الدين: من القضاء والنذور المطلقة والكفارات، إذا نوى خارج رمضان مطلقا ولم ينو صوم القضاء أو الكفارة، فإنه لا يقع عنه، لان خارج رمضان متعين للنفل عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم هو وقت الصيامات كلها على الابهام، وإنما يتعين بالتعيين، فكانت نية الوصف لتعيين الوقت لا لتصير عبادة.\rوأما وقت النية: فالافضل أن ينوي من الليل أو مقارنا لطلوع الفجر، في الصيامات كلها.\rفأما إذا نوى بعد طلوع الفجر: فإن كان الصوم دينا فلا يجوز بالاجماع، وإن كان الصوم عينا فيجوز عندنا، سواء كان فرضا أو نذرا أو تطوعا.\rوقال الشافعي: لا يجوز إلا في التطوع.\rوقال مالك: لا يجوز في التطوع أيضا.\rولو صام بنية بعد الزوال في التطوع لا يجوز عندنا خلافا للشافعي وبعض أصحابه قالوا لا يجوز.\rوالصحيح قولنا، لانه ما وجد الامساك لله تعالى، في وقت الغداء،\rووقت الغداء من وقت طلوع الفجر إلى وقت الزوال يختلف باختلاف أحوال الناس، والصوم هو الامساك عن الغداء وتأخير العشاء إلى الليل، وبعد الزوال لا يجوز، لانه لم يوجد الامساك عن الغداء لله تعالى.\rفأما في صوم الدين فلا يجوز، لانه إذا لم ينو من الليل، تعين اليوم وقتا للتطوع شرعا فلا يملك تغييره وفي الليل لم يتعين فصح منه تعيين المحتلم بالنية، فهو الفرق بينهما.\rومن الشروط: الطهارة عن الحيض والنفاس وهو شرط صحة الاداء، لا شرط الوجوب، فإن صوم رمضان يجب","part":1,"page":349},{"id":333,"text":"على الحائض والنفساء، حتى يجب القضاء عليهما خارج رمضان، لكن لا يصح الاداء، لان الطهارة عن الحيض والنفاس شرط صحة الصوم، كما أن الطهارة عن جميع الاحداث شرط صحة الصلاة.\rعرفنا ذلك بإجماع الصحابة رضي الله عنهم.\rوأما الاسلام فهو شرط وجوب الصوم وسائر العبادات عندنا، خلافا للشافعي.\rوهو شرط صحة الاداء، بلا خلاف.\rولقب المسألة أن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا، خلافا له.\rوأما العقل فليس بشرط الوجوب، ولا بشرط الاداء، حتى قلنا إن صوم رمضان يجب على المجنون فإنه إذا جن في بعض الشهر ثم أفاق يلزمه القضاء عندنا، خلافا للشافعي.\rولو استوعب الشهر ثم أفاق، لا يلزمه القضاء، لان في وجوب\rالقضاء عليه حرجا، لان الجنون الطويل قلما يزول، فيضاعف عليه القضاء فيحرج.\rوعلى هذا قلنا إن الاغماء.\rقل أو كثر، لا يمنع وجوب القضاء، وكذا المرض، لان الاستغراق في الاغماء نادر.\rوكذا قلنا إن الحيض لا يمنع وجوب قضاء الصوم، ويمنع وجوب قضاء الصلاة، لانه ليس في وجوب قضاء صوم عشرة أيام في سنة حرج، وفي قضاء عشرة أيام كل يوم خمس صلوات في شهر واحد حرج، فافترقا.\rولو كان مفيقا فنوى الصوم من الليل ثم جن، فإنه يجوز صومه ذلك اليوم، لانه وجد منه النية من الليل، فصار كوجودها في النهار.","part":1,"page":350},{"id":334,"text":"ولا يجوز صومه اليوم الثاني وإن أمسك، لانه لم يوجد منه النية، لان المجنون ليس من أهل النية.\rفأما البلوغ فشرط الوجوب، وليس بشرط الاداء.\rوعلى هذا لا يجب الصوم على الصبي، لان في وجوب القضاء عليه، ومدة الصبا مدة طويلة، إيقاعه في الحرج.\rوإذا كان عاقلا يصح منه الصوم، لانه من أهل النية والاختيار، حتى صح منه الاسلام، لكن لا يجب عليه الصوم، لان الشرع أسقط حقوقه عنه، نظرا له لقصور عقله.\rوأما ركن الصوم فهو الامساك عن الاكل والشرب والجماع، قال الله تعالى: * (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى ؤ يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) *\rأباح هذه الجملة في الليالي ثم أمر بالامساك عن هذه الجملة في النهار: فمتى وجد الركن مع وجود ما ذكرنا من الشرائط، من الاهلية والوقت وغير ذلك يكون صوما شرعيا، فيجب عليه عبادة الله تعالى.\rإذا ثبت هذا فنقول: من شرع في الصوم في وقته ونوى الامساك لله تعالى، انعقد فعله صوما شرعيا، فيجب عليه الاتمام، ويحرم عليه الافطار، سواء كان في صوم الفرض أو في التطوع، لانه إبطال العمل لله تعالى، وأنه منهي عنه لقوله تعالى: * (ولا تبطلوحا أعمالكم) *.","part":1,"page":351},{"id":335,"text":"وعند الشافعي: في صوم التطوع لا يجب عليه الاتمام، لانه غير مقدر عنده فيكون ما أدى عبادة بنفسه.\rفأما إذا شرع في الصوم، على ظن أنه عليه، ثم تبين أنه ليس عليه، فالافضل له أن يمضي فيه ولا يفطر، ولو أفطر لا قضاء عليه، وهذا عندنا.\rوعلى قول زفر يجب عليه المضي، والقضاء إذا أفسده.\rوفي الحج يلزمه بالشروع تطوعا سواء كان معلوما أو مظنونا، والفرق بينهما أن الظن في باب الحج نادر وفي باب الصوم والصلاة ليس بنادر، فكان في إيجاب المعنى والقضاء حرج لكثرة وجود هؤهنا، بخلاف الحج.\rوإذا ثبت أن ركن الصوم ما ذكرنا، ففواته وفساده بوجود ضده، وهو الاكل والشرب والجماع، لانه لا بقاء للشئ مع ضده.\rوهذا هو القياس المحض، ولهذا إن من أكل أو شرب أو جامع ناسيا لصومه فإنه يفسد صومه قياسا، وهو قول مالك.\rوعامة العلماء قالوا: لا يفسد، استحسانا، للاثر المعروف في باب الناس: تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك.\rولهذا قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت يقضي، ذكر ذلك في الجامع الصغير: أي لولا قول الناس إنه خالف الاثر، لقلت يقضي.\rوبعض السلف فرق بين الاكل والشرب وبين الجماع ناسيا، وقال: يفسد صومه في الجماع، لان الحديث ورد في الاكل والشرب، دون الجماع.\rوالصحيح أنه لا فرق بينهما، لان الحديث معلول بمعنى يقتضي التسوية بينهما، وهو أنه فعل سماوي غير مضاف، إليه، حيث قال:","part":1,"page":352},{"id":336,"text":"فإنما أطعمك الله وسقاك فكان وجوده كعدمه.\rولو دخل الذباب حلقه وهو ذاكر لصومه، لا يفسد، لانه مغلوب فيه، فيكون بمعنى الناسي.\rوكذلك لو نظر إلى فرج امرأة شهوة فأمنى، أو تفكر، فأمنى، لا يفسد صومه، لانه حصل الانزال لا بصنعه، فلا يكون شبيه الجماع، لا صورة ولا معنى.\rوكذلك لو دخل الغبار أو دخل الدخان أو الرائحة في حلقه، لانه لا يمكنه الامتناع عنه، فيكون في معنى الناس.\rوكذلك لو بقي بلل بعد المضمضة وابتلعه مع البزاق، أو ابتلع البزاق الذي اجتمع في فيه، لا يفسد صومه، لما قلنا.\rولو بقي بين أسنانه شئ فابتلعه: ذكر في الجامع الصغير وقال: لا يفسد صومه ولم يقدره بشئ.\rوعن أبي يوسف أن الصائم إذا كان بين أسنانه لحم، فابتلعه متعمدا، فعليه القضاء، دون الكفارة.\rوعن بن أبي مالك ما هو توفيق بين الروايتين، قال: إن كان مقدار الحمصة أو أكثر فإنه يفسد صومه.\rولو أكله متعمدا فعليه القضاء وليس عليه الكفارة، وإن كان أقل من ذلك لا يفسد صومه، لانه لا يمكنه الاحتراز عنه كالريق.\rوقال زفر: يلزمه الكفارة، لانه من جنس ما يتعلق به الكفارة، إلا أنه متغير فصار كاللحم المنتن.\rوالصحيح قولنا إنه لا كفارة عليه، لانه غير مقصود بالاكل فصار","part":1,"page":353},{"id":337,"text":"شبهة، كما إذا أكل الطين.\rولو أكره على الافطار، فأكل، يفسد صومه، لانه وجد ما يضاده وهذا ليس بنظير الناسي، لان الاكراه على الافطار ليس بغالب فلا يكون في وجوب القضاء حرج.\rفأما إذا أوجد في حلقة، وهو مكروه ذاكر للصوم، يفسد صومه، عندنا، وعند الشافعي لا يفسد صومه، لانه أعذر من الناسي.\rولكنا نقول إن هذا نادر، وليس بغالب.\rوكذلك الصائم: إذا فتح فاه ورفع رأسه إلى السماء فوقع قطرة من المطر في حلقه، يفسد صومه، لانه نادر.\rوكذلك إذا وجد في حلق النائم، يفسد صومه، لانه نادر.\rوكذلك لو جومعت النائمة أو المجنون، يفسد صومها، بخلاف الناسية والناسي، لان هذا ليس في معناهما، لانه لا يكثر وجوده\rخصوصا في حالة الصوم.\rولو تمضمض فوصل الماء إلى حلقه: فإن لم يكن ذاكر اللصوم، لا يفسد صومه، لانه في معنى الناسي، وإن كان ذاكرا لصومه يفسد صومه عندنا.\rوعند الشافعي لا يفسد لانه خاطئ، والخاطئ معذور، كالناسي.\rونحن نقول بأنه ليس كالناسي، لانه يمكنه أن لا يبالغ في المضمضة فلا يعذر.\rثم اعلم أن فساد الصوم يتعلق به أحكام من وجوب القضاء، ووجوب الكفارة ووجوب إمساك بقية اليوم، ونحوها.","part":1,"page":354},{"id":338,"text":"أما وجوب القضاء فيتعلق بمطلق الافساد، سواء كان بعذر أو بغير عذر، وجد الافساد من حيث الصورة، أو من حيث المعنى، فيه شبهة الاباحة أو حرام من كل وجه، وذلك بوصول شئ من الخارج إلى الجوف.\rبيانه: أن من أكل حصاة أو نواة أو ترابا يفسد صومه، وعليه القضاء، لوجود الاكل صورة، لا من حيث المعنى، فإنه لم يحصل به قوام البدن ودفع الجوع والعطش.\rوكذلك لو طعن، برمح ووقع الرمح فيه، يفسد صومه لدخول شئ من الخارج إلى الجوف، فوجد الاكل صورة ولا معنى.\rفأما إذا طعن برمح ثم أخرجه من ساعته، لا يفسد صومه، لانه لم\rيستقر في محل الطعام.\rولهذا قالوا: إن من ابتلع لحما مربوطا على خيط، ثم انتزع من ساعته، لا يفسد صومه، لانه لم يستقر في محله، حتى يعمل عمله في دفع الجوع.\rولو وصل إلى جوف الرأس بالاقطار في الاذن أو السعوط، أو إلى البطن بالاحتقان يفسد صومه، لانه يصل إلى جوفه بالحقنة، وكذا بالسعوط والاقطار في الاذن، لان جوف الرأس له منفذ إلى البطن.\rوأما في الاقطار من الاحليل: فلا يفسد الصوم عند أبي حنيفة، وعندهما يفسد، وهذا ليس بخلاف من حيث الحقيقة، لانه لو وصل إلى الجوف يفسد بالاجماع، ولو لم يصل لا يفسد بالاجماع، إلا أنهما أخذا بالظاهر: فإن البول يخرج منه فيكون له منفذ، وأبو حنيفة يقول: ليس له منفذ، وإنما البول يترشح منه كما يترشح الماء من الكوز الجديد والبول","part":1,"page":355},{"id":339,"text":"يدفع ما أقطر في الاحليل من الترشح إلى الجوف.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما.\rوهو الصحيح.\rوأما الجائفة والامة إذا داووهما: فإن كان الدواء يابسا فلا يفسد، لانه لا يصل إلى الجوف.\rوأما إذا كان رطبا: فيفسد عند أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد.\rفأبو حنيفة اعتبر ظاهر الوصول بوصول المغذي إلى الجوف حقيقة.\rوهما يعتبران الوصول بالمخارق الاصلي، لا غير ويقولان: في المخارق الاصلية يتيقن الوصول، فأما في المخارق العارض فيحتمل الوصول إلى\rالجوف، ويحتمل الوصول إلى موضع آخر، لا إلى محل الغذاء والدواء، فلا يفسد الصوم مع الشك والاحتمال، وأبو حنيفة يقول: الوصول إلى الجوف ثابت ظاهرا، فكفى لوجوب القضاء احتياطا.\rوعلى هذا: إذا ذرعه القئ بغير فعله، لا يفسد صومه، وإن كان مل ء الفم، لقوله عليه السلام: ثلاث لا يفطرن الصائم: القئ، والحجامة، والاحتلام.\rوإن عاد شئ من القئ إلى جوفه.\rفإن كان أقل من مل ء الفم: لا يفسد صومه، بالاجماع.\rوإن كان مل ء الفم: ذكر القدوري أن على قول أبي حنيفة ومحمد يفسد صومه، وعلى قول أبي يوسف لا يفسد.\rوقال بعض مشايخنا في هذا الفصل: على قول أبي يوسف لا يفسد.","part":1,"page":356},{"id":340,"text":"وعلى قول محمد لا يفسد، ولم يذكر قول أبي حنيفة.\rوما ذكره القدوري أثبت.\rفأما إذا أعاده: فإن كان مل ء الفم، يفسد صومه بالاجماع.\rفأما إذا كان أقل من مل ء الفم: فعن أبي حنيفة وأبي يوسف روايتان.\rوقال محمد: ينقض صومه.\rفأما إذا استقاء عمدا وأخرج بصنعه: فإن كان مل ء الفم ينتقض صومه بالاجماع.\rوإن كان أقل من مل ء الفم: ذكر في ظاهر الرواية وقال إذا تقيأ عمدا يفسد صومه، ولم يفصل بين القليل والكثير.\rوذكر الكرخي ههنا أنه إذا تقيأ عمدا، وهو أقل من مل ء الفم، فطره وهو قول محمد.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة: إن كان مل ء الفم يفطره وإن كان ما دونه لا يفطره.\rوهكذا روي عن أبي يوسف.\rفأما إذا عاد أو أعاد: فعلى قول محمد لا يجئ هذا التفصيل، لان الصوم عنده فسد بنفس الاستقساء.\rوعلى قول أبي يوسف: إن عاد لا يفسد، وفي الاعادة عنه روايتان.\rوهذا كله إذا كان ذاكرا للصوم.\rوإن لم يكن ذاكرا: لا يفسد صومه، كالناسي.\rولو جامع امرأته فيما دون الفرج، فأنزل: يفسد صومه، لوجود","part":1,"page":357},{"id":341,"text":"الجماع من حيث المعنى، دون الصورة.\rولو باشرها وأنزل، يفسد أيضا، لوجود اقتضاء الشهوة، بفعله.\rوكذلك لو استمنى بالكف، فأنزل، فإنه يفسد لانه اقتضى شهوته، بفعله.\rولو جامع البهيمة فأنزل، يفسد صومه، ولا يلزمه الكفارة، لانه وجد الجماع من حيث الصورة والمعنى، وعلى وجه القصور لسعة المحل، فلا يكون نظيرا للجماع في قبل المرأة.\rولو أولج في البهيم ولم ينزل لا يفسد، بخلاف الايلاج في الآدمي، وقيل يفسد كما في الايلاج في الآدمي.\rوكذلك الافطار إذا كان بعذر: يوجب القضاء.\rوالاعذار التي تبيح الافطار للصائم ستة: السفر، والمرض الذي يزداد بالصوم أو يقضي إلى الهلاك، وحبل المرأة وإرضاعها، إذا أضر بها أو بولدها، والعطاش الشديد، والجوع الذي يخاف منه الهلاك.\rوالشيخ الفاني إذا كان لا يقدر على الصوم.\rوأصله قوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على ؤ سفر فعدة من أيام أخر) *.\rثم السفر المبيح للفطر هو السفر المبيح للقصر، وهو مسيرة ثلاثة أيام ولياليها سير الابل ومشي الاقدام.\rويستوي الجواب بين أن يسافر قبل رمضان وبين أن يسافر بعد دخول رمضان.","part":1,"page":358},{"id":342,"text":"وروي عن علي وعبد الله بن عباس أنهما كانا لا يبيحان الفطر إذا سافر بعدما أهل، في الحضر، هلال رمضان.\rوالصحيح قول عامة الصحابة وعامة العلماء، لان النص مطلق، وهو قوله تعالى: * (أو على ؤ سفر) *، وكذلك الداعي إلى الرخصة، وهو المشقة، عام شامل للحالين جميعا.\rولكن الصوم في رمضان جائز في السفر عند عامة العلماء، وهو مختلف بين الصحابة: عند بعضهم يجوز، وعند بعضهم لا يجوز، والاجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم.\rواختلفوا في أن الصوم أفضل أم الافطار: فعندنا الصوم أفضل، لانه عزيمة، والافطار رخصة إذا لم يلحقه مشقة.\rوعند الشافعي الفطر أفضل، لانه عزيمة والصوم رخصة عنده.\rوروي عن حذيفة بن اليمان وعروة بن الزبير وعائشة رضي الله عنهم مثل مذهبنا.\rوعن ابن عباس مثل مذهبه.\rوالصحيح مذهبنا لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: من كانت له حمولة يأوي إلى شبع، فليصم رمضان، حيث أدركه.\rومن أفطر لشئ من العذر ثم زال العذر، فعليه القضاء بعدد الايام التي يزول عنه العذر فيها.\rوليس عليه قضاء ما لم يزل العذر عنه فيها، حتى إن المسافر إذا مات في السفر، والمريض قبل البرء، لا يجب عليهما القضاء، لان العاجز لا يكلف، وإن أدركا بعدد ما فاتهما يلزمهما القضاء، وإذا ماتا قبل القضاء يجب عليهما الفدية.\rوالفدية أن يطعم لكل يوم مسكينا، بقدر ما يجب في صدقة الفطر.","part":1,"page":359},{"id":343,"text":"لكن إن أوصى يؤدي الوصي من ثلث ماله، وإن لم يوص وتبرع الورثة جاز، وإن لم يتبرعوا لا يلزمهم الاداء، بل يسقط في حكم الدنيا.\rوهذا عندنا، خلافا للشافعي، لما ذكرنا من الزكاة: إذا مات من عليه الزكاة من غير وصية بالاداء.\rوأما إذا صح المريض أياما ثم مات يلزمه القضاء، بعدد ما صح، ولا يلزمه قضاء جميع ما فاته في قول أصحابنا جميعا.\rوذكر الطحاوي هذه المسألة على الاختلاف، فقال: عند أبي حنيفة وأبي يوسف يلزمه قضاء الجميع إذا صح يوما واحدا.\rوقال محمد: يلزمه بقدر ما أدرك.\rوهذا غلط، وإنما نقل الطحاوي جواب مسألة النذر وترك جواب\rهذه المسألة وتلك المسألة أن المريض إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا، فإن مات قبل أن يصح لم يلزمه شئ، وإن صح يوما واحد لزم أن يوصي بالاطعام لجميع الشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يلزمه إلا مقدار ما صح، فمحمد قاس إيجاب العبد بإيجاب الله تعالى وفي إيجاب الله تعالى لا يلزمه لا بقدر ما صح، فكذا في النذر.\rوهما فرقا بينهما، وبين الامرين فرق: ألا ترى أن من قال: لله علي أن أحج ألف حجة يلزمه، وإن لم يكن في وسعه عادة، والله تعالى ما أوجب إلا حجة واحدة.\rوأما الكلام في وجوب الكفارة: فإنها تتعلق بالافطار الكامل صورة ومعنى، في رمضان، مع وجود صفة العمدية، وكونه حراما محضا ليس فيه شبهة الاباحة بأن أفطر متعمدا، ولا يباح له الافطار بعذر، ولا له شبهة الاباحة.\rبيان ذلك:","part":1,"page":360},{"id":344,"text":"إذا جامع الصحيح، المقيم، عمدا في شهر رمضان، فإنه يلزمه الكفارة.\rبحديث الاعرابي: أنه قال: هلكت وأهلكت فقال: رسول الله (ص): ماذا صنعت؟ فقال: واقعت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم فقال له عليه السلام: اعتق رقبة.\rوأما المرأة التي تجامع يلزمها الكفارة عندنا.\rوللشافعي قولان: في قول: لا يلزمها الكفارة، لان النص ورد في الرجل دون المرأة.\rوفي قول: تجب، ويتحملها الرجل، لانه وجب عليها بسبب فعله.\rوالصحيح قولنا، لان الحكم تعلق بالجماع الحرام المفسد للصوم، وقد وجد منها، ولهذا في باب الزنى يجب على كل واحد منهما الحد، لاستوائهما في الزنى، فكذا هذا.\rوأما في الاكل والشرب عمدا: فتجب الكفارة عندنا.\rوعند الشافعي: لا تجب لان النص ورد في الجماع بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره.\rوقلنا إنها تجب معقول المعنى، وهو تكفير جناية إفساد الصوم، من كل وجه، وهذا المعنى موجود في الاكل والشرب، لان الصوم هو الامساك عن الاكل والجماع فكان الافساد بأحدهما نظير الافساد بالآخر، وإذا استويا في الافساد، فاستويا في الاثم، فيجب أن يستويا في وجوب الرافع للاثم.\rولو أولج، ولم ينزل، تجب الكفارة، لان الايلاج هو الجماع، فأما الانزال حالة الفراغ فلا عبرة به.\rولو أنزل فيما دون الفرج، لا يجب الكفارة، لانه وجد الجماع معنى، لا صورة، وفي المعنى قصور، فكان دون الجماع في الجناية.","part":1,"page":361},{"id":345,"text":"ولو جامع البهيمة وأنزل: لا تجب الكفارة، لانه قاصر من حيث المعنى، لسعة المحل ونحوها.\rوأما إذا جامع في الموضع المكروه عمدا: فعلى قول أبي يوسف ومحمد تجب الكفارة، لانه ملحق بالزنى عندهما في حق وجوب الحد، ففي حق وجوب الكفارة أولى.\rوعن أبي حنيفة روايتان: في رواية الحسن عنه أنه لا يجب.\rوفي\rرواية أبي يوسف عنه أن عليه الكفارة والغسل، أنزل أو لم ينزل.\rولو جامع في شهر رمضان مرارا: في ظاهر الرواية تلزمه كفارة واحدة، ما لم يكفر للاول.\rولو كفر ثم جامع ثانيا، يلزمه كفارة أخرى.\rوذكر في الكيسانيات أنه يلزمه كفارة واحدة، من غير فصل.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي يلزمه، لكل يوم، كفارة لانه وجد في كل يوم إفساد كامل.\rولو أفسد، بالجماع، في رمضانين: فعن أصحابنا روايتان: في رواية: يجب كفارتان.\rوفي رواية: كفار واحدة.\rولنا في المسألة طريقان: أحدهما: أن الكفارة تجب بطريق الزجر، وأسباب الزجر، إذا اجتمعت، لا يجب بها إلا زاجر واحد، كما في الزنى إذا وجد مرارا: لا تجب إلا حد واحد.\rوالثاني: أنها تجب بطريق التكفير ورفع الاثم، ولكن الافطار في اليوم الثاني والثالث، في الجناية، فوق الافطار في اليوم الاول، لانه انضمت","part":1,"page":362},{"id":346,"text":"إليه جناية الافطار وجناية الاصرار وإيجاب الكفارة لادنى الجنايتين لا يصلح للاعلى.\rهذا الذي ذكرنا إذا لم يكن في الافطار شبهة.\rفأما إذا كان فيه شبهة، فلا يجب، فإن المسافر إذا صام في رمضان ثم جامع متعمدا لا يلزمه الكفارة، لان فيه شبهة الاباحة لقيام السبب\rالمبيح صورة، وهو السفر.\rوكذلك إذا تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو طالع، أو أفطر على ظن أن الشمس قد غربت، فإذا هي لم تغرب، لا تجب الكفارة، لانه خاطئ، وإلا ثم عنه مرفوع بالنص.\rوكل من أكل أو شرب أو جامع، ناسيا، أو ذرعه القئ، فظن أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمدا، لا كفارة عليه، لان هذا شبهة في موضع الاشتباه لوجود المضاد للصوم، قال محمد: إلا إذا بلغ الخبر أن أكل الناس والقئ لا يفسدان الصوم، فتجب عليه الكفارة، لان الظن، في غير موضع الشبهة، لا يعتبر.\rفأما إذا احتجم، فظن أن ذلك يفطره ثم أفطر متعمدا: إن استفتى فقيها فأفتى بالافطار، ثم أفطر متعمدا لا كفارة عليه، لان العامي يجب عليه تقليد العالم، فيصير ذلك شبهة.\rولو بلغه الحديث أفطر الحاجم والمحجوم: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا كفارة عليه، لانه اعتمد على الحديث، وهو حجة في الاصل.\rوروي عن أبي يوسف أنه تجب عليه الكفارة، لان العامي يجب عليه الاستفتاء من المفتي، دون العمل بظاهر الحديث، لانه قد يكون متروك الظاهر وقد يكون منسوخا فلا يصير شبهة.","part":1,"page":363},{"id":347,"text":"وإن لمس امرأة بشهوة، أو قبل امرأة بشهوة، ولم ينزل، فظن أن ذلك يفطره فأكل عمدا، يلزمه الكفارة، لان ذلك لا ينافي الصوم، فيكون ظنا في غير موضعه، إلا إذا استفتى فقيها، أو أول الحديث،\rفأفطر على ذلك: فلا كفارة عليه، وإن أخطأ ولم يثبت الحديث، لان ظاهره يعتبر شبهة.\rفإن اغتاب، فظن أن ذلك يفطره، فأكد عمدا، يلزمه الكفارة، وإن بلغه الحديث، لانه تأويل بعيد، لانه لا يراد به إفطار الصوم حقيقة - والله أعلم.\rوأما حكم وجوب إمساك بقية اليوم بعد الافطار: فعندنا كل من صار بحال لو كان على تلك الحالة في أول النهار يجب عليه الصوم، فإنه يجب عليه الامساك في الباقي، سواء كان الصوم واجبا عليه في أول النهار يجب عليه الصوم، فإنه يجب عليه الامساك في الباقي، سواء كان الصوم واجبا عليه في أول النهار القيام سبب الوجوب والاهلية ثم عجز عن الاداء لمعنى من المعاني، كمن أفطر في رمضان متعمدا، أو اشتبه عليه يوم الشك فأفطر، أو تسحر على ظن أن العجز لم يطلع وقد طلع، أو لم يكن الصوم واجبا عليه لعدم الاهلية، أو لعذر العجز فأكل ثم زال العذر وحدثت الاهلية، كالمريض إذا صح، والمسافر إذا قدم، والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والحائض إذا طهرت، ونحوها.\rوهو أحد قولي الشافعي: وقال في قول آخر: إن كل من وجب عليه الصوم ثم أفطر لعذر أو لغير عذر، يلزمه الامساك.\rوكل من لا يجب عليه الصوم فأفطر، ثم صار بحال لو كان كذلك في أول النهار يجب عليه الصوم، فإنه لا يجب عليه الامساك.","part":1,"page":364},{"id":348,"text":"قال: ولهذا بالاجماع إن من قال: لله عليه أن أصوم اليوم الذي يقدم فلان فيه.\rفقدم فلان في اليوم بعدما أكل فيه، لا يجب عليه الامساك، لما أنه لا يجب عليه الصوم فيه.\rوالمعنى الجامع أن الامساك بمنزلة الخلف عن الصوم، في حق قضاء حرمة الوقت، فإن لم يكن الاصل واجبا، لا يجب الخلف.\rوقلنا: يجب، لان الامساك إنما يجب تشبها بالصائمين، قضاء لحق الوقت، بقدر الامكان، لا خلفا، ألا ترى أنه يجب القضاء خارج رمضان، على الفطر الذي وجب عليه الصوم، خلفا عن الصوم الواجب، فكيف يكون الامساك خلفا عنه؟ وفي هذا المعنى يستوي الحال، بين الوجوب وعدم الوجوب، بخلاف مسألة النذر، لان ثمة الصوم ما وجب بإيجاب الله تعالى، حتى يجب الامساك قضاء لحق الوقت، بل يجب بالنذر، فهو الفرق بينه وبين سائر الفصول بخلاف الطاهرة إذا حاضت أو نفست في حالة الصوم، حيث لا تمسك لانها ليست بأهل للصوم، والتشبه بأهل العبادة لا يصح من غير الاهل، كحقيقة العبادة، بخلاف هذا الفصول.\rوالله أعلم.\rوأما بيان سنن الصوم وآدابه، وما يكره فيه وما لا يكره فنقول: إنما التسحر سنة في حق الصائم، على ما روي عن عمرو بن العاص عن النبي عليه السلام أنه قال: إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر.\rثم ينظر: إن كان شاكا في طلوع الفجر: إنه طلع أم لا، ينبغي أن يدع التسحر، لانه ربما طلع الفجر، فيفسد صومه.\rفأما إذا كان متيقنا أن الفجر لم يطلع، فالمستحب أن يتسحر.\rوإن كان أكثر رأيه أن الفجر لم يطلع، ينبغي أن يدع الاكل أيضا،","part":1,"page":365},{"id":349,"text":"لما قلنا، لكن لو تسحر لا يلزمه القضاء، لان بقاء الليل أصل، وهو ثابت بغالب الرأي، وإنما الشك والاحتمال في طلوع الفجر، فلا يجب القضاء بالشك والاحتمال.\rولو أن أكثر رأيه أن الفجر طالع فأكل: عن الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزمه القضاء.\rوروي عن أبي يوسف أنه لا يلزمه القضاء، لان الاصل هو الليل، فلا ينقل عنه إلا بيقين.\rوالصحيح هو الاول، لان غالب الرأي دليل واجب العمل به.\rولو كان غالب ظنه أن الشمس قد غربت لا يسعه أن يفطر، لاحتمال أن الشمس لم تغرب، ولو أفطر لا قضاء عليه، لان الغالب، في حق العمل، بمنزلة المتيقن.\rولو كان غالب ظنه أن الشمس لم تغرب ثم أفطر كان عليه القضاء، لان بقاء النهار أصل والاحتمال في الغروب، ولكن لا كفارة عليه، خلافا لما قال بعض الفقهاء أنه تجب الكفارة، لانه متيقن بالنهار.\rوالصحيح ما ذكرنا لان احتمال الغروب قائم، وإنه يكفي شبهة.\rولا بأس بأن يكتحل الصائم، بالاثمد وغيره: وإن وجد طعم ذلك في حلقه: لا يفطره، خلافا لابن أبي ليلى.\rوأصله ما روي عن أبي مسعود الانصاري أن النبي عليه السلام خرج في رمضان، وعيناه مملوءتان كحلا: كحلته أم سلمة.\rولان العين لا منفذ بها إلى الجوف، وما يجد في حلقه فذلك أثره لا عينه.\rويكره إدخال شئ مطعوم في الغم للذوق، أو ليمضغه لصبي له، لانه ربما يصل إلى جوفه منه شئ، فيفطره، ولكن لا يفسد صومه إلا أن","part":1,"page":366},{"id":350,"text":"يصل إلى جوفه شئ منه، بيقين أو بغالب الرأي.\rوكره أبو حنيفة أن يمضع الصائم العلك، لانه لا يؤمن من أن ينفصل منه شئ فيدخل جوفه.\rوقيل: إنما يكره إذا كان متفتتا، فأما إذا كان معجونا فلا يكره، لانه لا يصل شئ منه إلى جوفه.\rوقيل: إنما لا يفسد إذا لم يكن متيقنا، فأما إذا كان متيقنا فيفسد، لانه يصل إلى جوفه شئ منه لا محالة.\rولا بأس للصائم أن يستاك، رطبا كان أو يابسا، مبلولا بالماء أو غير مبلول، في أول النهار أو في آخره.\rوقال الشافعي: يكره في آخر النهار.\rوقال أبو يوسف: يكره إذا كان مبلولا بالماء.\rوالصحيح ما ذكرنا، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: خير خلال الصائم السواك، من غير فصل بين حال وحال.\rولا ينبغي للمقيم، إذا سافر في بعض نهار رمضان، أن يفطر، لانه تعين اليوم للصوم، لكونه مقيما في أوله.\rومثله لو أراد المسافر أن يقيم في مصر من الامصار، أو يدخل مصره، فليس ينبغي أن يفطر، لانه في آخره مقيم، والمقيم لا يجوز له الافطار، ولما فيه من إيقاع نفسه في التهمة.\rولا بأس أن يقبل ويباشر، إذا كان يأمن على نفسه ما سوى ذلك.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالقبلة للصائم، ويكره له المعانقة والمباشرة.","part":1,"page":367},{"id":351,"text":"وأصله ما روي أن شابا وشيخا سألا رسول الله (ص) عن القبلة للصائم، فنهى الشاب، ورخص للشيخ.\rوأما المباشرة: فمكروهة، على رواية الحسن، لان الغالب أن المباشرة تدعو إلى ما سواها، بخلاف القبلة.\rوهو الاصح.\rوأما المضمضة والاستنشاق: فلا بأس بهما لصلاة.\rوروي عن أبي يوسف أنه يكره لغير الصلاة، لاحتمال وصول شئ إلى الجوف.\rوأما الاستنشاق لغير الصلاة، والاغتسال، وصب الماء على الرأس والتلفف بالثوب المبلول: فروي عن أبي حنيفة أنه يكره، إظهار الضجر من العبادة.\rوقال أبو يوسف: لا يكره.\rفأخذ أبو حنيفة بقول الشعبي وأخذ أبو يوسف بقول البصري.\rولا يكره الحجامة للصائم.\rوقال بعض أصحاب الحديث إنها تفطر الصائم، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم.\rوالصحيح قول العامة، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: ثلاث لا يفطرن الصائم: القئ، والحجامة،\rوالاحتلام، وأما الحديث فذاك في الابتداء لما أنه سبب ضعف الصائم، ثم رخص بعد ذلك.","part":1,"page":368},{"id":352,"text":"وليس للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، وكذا العبد: ليس له أن يصوم تطوعا إلا بإذن المولى، لان في ذلك تفويت حقهما عن الانتفاع المستحق، فيمنعان عن ذلك.\rولا بأس بأن يصبح الرجل جنبا، وإن ذلك لا يفسد صومه.\rوقال بعض الناس بأنه يفسد صومه، لما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: من أصبح جنبا فلا صوم له: محمد ورب الكعبة قاله.\rوحجة عامة العلماء ما روى محمد في الكتاب عن عائشة أن النبي (ص) كان يصبح جنبا، من غير احتلام، ويصوم يومه ذلك وذلك في رمضان وحديث أبي هريرة روته عائشة فلا يعارض بما روينا.","part":1,"page":369},{"id":353,"text":"باب الاعتكاف الكلام في الاعتكاف في مواضع: في بيان كونه سنة أو واجبا.\rوفي بيان شرائطه.\rوفي بيان ركنه.\rوفي بيان ما يفسده.\rوفي بيان سننه وآدابه.\rأما الاول فالاعتكاف سنة: فقد فعله النبي عليه السلام، وواظب عليه، على ما روي عن عائشة وأبي هريرة أن النبي عليه السلام كان يعتكف، العشر الاواخر من رمضان، حتى توفاه الله.\rلكن يصير واجبا بالنذر، وبالشروع، لانهما جعلا من أسباب الوجوب في الشرع.\rفأما الشرائط فمنها: الصوم: في الاعتكاف الواجب، في ظاهر الرواية، لا في التطوع.\rوفي رواية الحسن: في التطوع أيضا.\rوقال الشافعي: ليس بشرط.\rوروى الحسن عن عائشة، وابن عباس، وفي إحدى الروايتين عن","part":1,"page":371},{"id":354,"text":"علي: مثل قولنا.\rوروي عن عبد الله بن مسعود مثل قول الشافعي.\rولنا أن أحد ركني الصوم، وهو الامساك عن الجماع، شرط في باب الاعتكاف، فكذلك الركن الآخر، وهو الامساك عن الاكل والشرب، وهذا لان الاعتكاف مجاورة بيت الله تعالى، والاعراض عن الدنيا، والاشتغال بخدمة المولى، وهذا لا يتحقق بدون ترك قضاء الشهوتين إلا بقدر ما فيه ضرورة، وهو الاكل والشرب في الليالي، ولا ضرورة في الجماع.\rوينبني على هذا الاصل أن الاعتكاف لا يجوز في الليل وحده، عندنا، خلافا للشافعي، لان الصوم شرط الاعتكاف أو ركنه على ما\rذكرنا، ولا وجود للشئ بدون ركنه وشرطه.\rوأما إذا أوجب الاعتكاف أياما: يدخل الليل تبعا، فلا يشترط له شرط الاصل.\rوعند الشافعي: الصوم ليس بشرط، فيكون الليل والنهار سواء.\rومنها: أن الامساك عن الجماع شرط: قال الله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) *.\rمنها - أن لا يصح الاعتكاف من الرجال إلا في مسجد يصلى فيه بالجماعة.\rوأصله قوله تعالى: * (وأنتم عاكفون في المساجد) * وأما المرأة: فقد ذكر هؤهنا وقال: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا ينبغي أن تخرج من المنزل في الاعتكاف.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أن للمرأة أن تعتكف في مسجد","part":1,"page":372},{"id":355,"text":"الجماعة، وإن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الجامع.\rوهذا ليس باختلاف الرواية، لانه على الروايتين يجوز الاعتكاف في المسجد، والافضل هو في مسجد بيتها.\rوقال الشافعي: لا يجوز في مسجد بيتها.\rوهو فاسد، فإن صلاتها تجوز في مسجد بيتها، وهذا المكان متعين للصلاة، فالاعتكاف أولى.\rوأما ركن الاعتكاف فهو كاسمه: وهو الليث والمقام في المسجد.\rوإذا كان كذلك: فيحرم الخروج من معتكفه لانه يضاده، ولا بقاء\rللشئ مع ضده، وإبطال العبادة حرام.\rوإنما يباح الخروج لاجل الضرورة، وذلك لحجة البول والغائط، ولاداء الجمعة لانها فرض عليه.\rفأما الاكل والشرب والنوم: فجائز في المسجد فلا ضرورة في ذلك.\rولهذا قالوا: لا يباح له فخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة، لان ذلك ليس بفرض عليه، لانه ليس بفرض عين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين.\rثم إذا أراد أن يخرج إلى الجمعة ينبغي أن يخرج وقت سماع الاذان، فيكون في المسجد مقدار ما يصلي قبلها أربعا، وبعدها أربعا أو ستا، كذا ذكر ههنا.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة: مقدار ما يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا.\rوقال محمد: إذا كان منزله بعيدا، يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد","part":1,"page":373},{"id":356,"text":"عند النداء، لان الفرض أداء الجمعة، فيقدر بوقت يمكنه فيه أداء الجمعة بسنتها.\rفإن أقام في المسجد الجامع.\rحين خرج إلى الجمعة، يوما وليلة، لم ينتقض اعتكافه، لان الجامع يصلح لابتداء الاعتكاف، فيصلح للبقاء، ولكن لا أحب أن يفعل ذلك، بل يكره له ذلك، لان التزم فعل الاعتكاف في المسجد المعين، فيلزمه ذلك مع الامكان.\rولو أنه انهدم المسجد الذي اعتكف فيه أو أخرجه عنه سلطان أو غيره، فدخل مسجدا آخر من ساعته، صح اعتكافه، استحسانا، والقياس أن يفسد، لانه ترك اللبث المستحق، وهو الاعتكاف في المسجد\rالمعين، ووجه الاستحسان أنه معذور في الخروج، فقدر زمان المشي مستثنى من الجملة، كما في الخروج إلى الجمعة.\rفأما إذا خرج لغير ما ذكرنا من الامور، ساعة، فسد اعتكافه عند أبي حنيفة.\rوعند أبى يوسف ومحمد: لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم.\rوقال محمد: قول أبي حنيفة أقيس، وقول أبي يوسف أوسع.\rهذا الذي ذكرنا في الاعتكاف الواجب.\rفأما في اعتكاف التطوع: فلا بأس بأن يعود المريض، ويشهد الجنازة، على جواب ظاهر الرواية.\rوأما على رواية الحسن: مقدر باليوم، فالجواب فيه وفي الواجب سواء لانه صار واجبا بالشروع.\rوأما بيان ما يفسد الاعتكاف فمن ذلك: ما لو جامع في الاعتكاف، ليلا أو نهارا، ناسيا أو عامدا، فإنه يفسد الاعتكاف، لانه من محظورات الاعتكاف، قال الله","part":1,"page":374},{"id":357,"text":"تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) *.\rولهذا: إنه إذا خرج من المسجد، ناسيا للاعتكاف، يفسد اعتكافه - فالنسيان لم يجعل عذرا في باب الاعتكاف، وفي باب الصوم جعل عذرا بالنص الخاص.\rولو جامع فيما دون الفرج، أو قبل، وأنزل، يفسد اعتكافه، فأما إذا لم ينزل، فلا يفسد اعتكافه، ولكن يكون حراما، لان الجماع حرام ههنا، بالنص، فيحرم بدواعيه، وفي باب الصوم الافطار حرام، وحرم الجماع، لكونه إفطارا وذلك المعنى لم يوجد في الدواعي.\rولو خرج المعتكف إلى مسجد آخر، من غير عذر، انتقض اعتكافه عند أبي حنيفة، وعندهما لا يبطل لما ذكرنا أن الخروج، من غير عذر مبطل للاعتكاف، عنده، خلافا لهما.\rوليس للمرأة أن تعتكف بدون إذن زوجها، وكذلك العبد، فإن أذن الزوج لها في الاعتكاف فاعتكفت، ليس له أن يرجع، بخلاف المولى، لان منافع العبد مملوكة للمولى، وإنما أعارها من العبد، فيمكنه الرجوع والاسترداد، بخلاف الزوجة فإنها حرة، لكنها أمرت بخدمة الزوج، فمتى أذن فقد أسقط في حق نفسه، فيظهر حقها الاصلي، فما لم تمض المدة التي أذن لها فيها، ليس له حق الرجوع.\rولو أوجب على نفسه اعتكافه ليلة: لا يلزمه، لانها ليست بوقت للصوم.\rولو أوجب اعتكاف يوم، يصح، ولا يلزمه اعتكاف يوم بليلة، لان اليوم اسم لزمان مقدر، وهو وقت الصوم، فيجوز.","part":1,"page":375},{"id":358,"text":"وإن نوى يوما بليلته يلزمه اعتكاف يوم مع ليلته.\rوإن أوجب على نفسه اعتكاف يومين أو أكثر، تلزمه الايام وما يقابلها من الليالي، لان ذكر الايام ذكر الليالي وكذلك ذكر الليالي ذكر الايام: قال الله تعالى: * (ثلاثة أيام إلا رمزا) * وقال في موضع آخر: * (ثلاث ليال سويا) * والقصة قصة واحدة.\rولو لم يكن الامر، على ما قلنا: يؤدي إلى التناقض في خبر الله تعالى، وإنه لا يجوز.\rولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بعينه يجب عليه اعتكاف ذلك الشهر، لانه أوجب عينا، ولو أفسد صوم يوم، يجب عليه اعتكاف\rالباقي، وكذلك لو ترك اعتكاف يوم يجب عليه باقي الشهر، ويقصى يوما، ولا يلزمه استقبال، لان التتابع ثبت لمجاورة الايام، لا بالنذر.\rولو قال: لله على أن أعتكف شهرا، أو ثلاثين يوما يلزمه متتابعا، حتى لو ترك اعتكاف يوم فيه، يلزمه الاستقبال، لان التتابع وجب حكم النذر، فيجب الوفاء به.\rولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بعينه، وترك الاعتكاف فيه حتى مضى، يجب عليه قضاء شهر متتابعا، لانه وجب عليه قضاء شهر، بغير عينه.\rولو أوجب على نفسه اعتكاف ثلاثين يوما، وعنى به النهار دون الليل، تصح نيته، لان حقيقة اليوم لبياض النهار، وإنما يحمل على الوقت المطلق، بدليل فإذا نوى حقيقة كلامه يصح.\rولو أوجب على نفسه اعتكاف ثلاثين ليلة، ونوى الليل دون النهار، يصدق، ولا يصح الاعتكاف، لعدم وقت الصوم.","part":1,"page":376},{"id":359,"text":"ولو أوجب اعتكاف شهر بغير عينه ونوى الليالي دون الايام أو الايام دون الليالي، لا يصدق، لان الشهر اسم لزمان مقدر، بعضه أيام وبعضه ليال، فيكون اسما لمركب خاص، فلا ينطلق اسم الشهر على بعضه، فإذا نوى ما ذكرنا فقد نوى ما لا يحتمله كلامه، بخلاف ما إذا قال إلا الليالي، أو أوجب اعتكاف شهر بالنهار دون الليالي، صح، لان الاستثناء تكلم بالباقي، وذكر النهار، مقارنا لذكر الشهر بيان وتفسير له، فكأنه قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين نهارا فهو الفرق بينهما، والله أعلم.","part":1,"page":377},{"id":360,"text":"كتاب المناسك اعلم أن الحج فريضة.\rعرفت فرضيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت: من استطاع إليه سبيلا) * وكلمة على موضوعة للايجاب.\rوأما السنة: فلما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: قال بني الاسلام على خمس وذكر منها حج البيت.\rولما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، فلم يحج، فليمت، إن شاء، يهوديا أو نصرانيا.\rوعليه الاجماع.\rثم يحتاج إلى: بيان كيفية فرضيته.\rوبيان أركانه، وواجباته، وسننه وآدابه.\rوبيان شرائط وجوبه وأدائه.\rوبيان محظوراته.\rأما بيان كيفية فرضية الحج - فنقول: لا خلاف أن الحج فرض عين، لا فرض كفاية، فإنه يجب على كل","part":1,"page":379},{"id":361,"text":"مكلف استجمع شرائط فإذا قام به البعض لا يسقط عن الباقين، بخلاف الجهاد، فإنه إذا قام به البعض يسقط عن الباقين.\rوكذلك يجب في العمر، مرة واحدة، فيكون وقته العمر، بخلاف الصلاة: فإنه يتكرر وجوبها في كل يوم خمس مرات، والزكاة والصوم يجبان في كل سنة.\rوأصله ما روي أنه لما نزلت آية الحج قال الاقرع بن حابس: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للابد؟ فقال عليه السلام: للابد.\rواختلفت الرواية عن أصحابنا: أنه يجب وجوبا موسعا أو مضيقا؟ ذكر الكرخي أنه يجب على الفور، وكذا كل فرض ثبت، مطلقا عن الوقت، كالكفارات وقضاء رمضان ونحوها.\rوذكر محمد بن شجاع أنه على التراخي.\rوذكر الزجاجي مسألة الحج على الاختلاف، فقال: على قول أبي يوسف: يجب على الفور، وعلى قول محمد: يجب على التراخي.\rوروى محمد بن شجاع الثلجي قول أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف.\rوفائدة الخلاف أن من أخر الحج عن أول أحوال الامكان، هل يأثم أم لا؟ أما لا خلاف أنه إذا أخر ثم أدى في سنة أخرى، فإنه يكون مؤديا ولا يكون قاضيا، بخلاف العبادات المؤقتة: إذا فاتت عن أوقاتها ثم أديت يكون قضاء بالاجماع.\rوهذا حجة محمد في المسألة.\rوهما يقولان: إنا نقول بالوجوب على الفور، مع إطلاق الصيغة عن","part":1,"page":380},{"id":362,"text":"الوقت، احتياطا: فيظهر في حق الآثم، حتى يكون حاملا على الاداء، وبقي الاطلاق فيما رواه ذلك.\rوأما ركن الحج فشيئان: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة.\rوأما الواجبات فخمسة: السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والخروج عن الاحرام بالحلق أو بالتقصير، وطواف الصدر.\rوأما السنن والآداب: فسنته ما واظب عليه رسول الله (ص) في الحج.\rولم يتركه إلا مرة أو مرتين، لمعنى من المعاني.\rوآدابه ما لم يواظب عليه، وفعل ذلك مرة أو مرتين، على ما يعرف في أثناء المسائل عند بيان أداء الحج على الترتيب.\rثم إذا ترك الركن: لا يجوز الحج، ولا يجزئ عنه البدل، من ذبح البدنة والشاة.\rوإذا ترك السنة أو الآداب: لا يلزمه شئ، ويكون مسيئا.\rوإذا ترك الواجب: لا يفوت الحج ويجزئ عنه البدل، إن عجز عن الاداء.\rوبيان ذلك أن الحج له ثلاثة أطوفة.\rطواف اللقاء: ويسمى طواف التحية، وطواف أول عهد بالبيت.\rوالثاني: طواف الزيارة، ويسمى طواف يوم النحر وطواف الركن.\rوالثالث: طواف الصدر، ويسمى طواف الوداع وطواف الافاضة.\rوطواف اللقاء سنة: والسعي عقيبه واجب.\rفإذا ترك الطواف: فلا شئ عليه.","part":1,"page":381},{"id":363,"text":"وإذا ترك السعي: فعليه أن يسعى عقيب طواف الزياة، ولو تركه أصلا: فعليه الدم.\rوكذلك من ترك طواف الصدر أصلا وهو ممن يجب عليه ذلك:\rيجب عليه الدم.\rولو ترك طواف الزيارة لا يخلو: إما إن ترك طواف الزيارة وطواف الصدر جميعا، أو ترك أحدها دون الآخر، ولا يخلو إما إن عاد إلى أهله أو لم يعد.\rفأما إذا تركهما جميعا: فما دام بمكة، فإنه يعيدها.\rفإن أعاد طواف الزيارة في أيام النحر: فلا شئ عليه، لانه أداه في وقته.\rوإن أعاد بعد مضي أيام النحر: فعليه الدم، للتأخير عن وقته، عند أبي حنيفة.\rوعندهما: لا شئ عليه، للتأخير.\rثم يطوف طواف الصدر، قضاء، لانه قاض فيه.\rوليس عليه شئ، لتأخير طواف الصدر، بالاجماع.\rوإن رجع إلى أهله فهو محرم على النساء أبدا.\rوعليه أن يعود إلى مكة، بذلك الاحرام، ويطوف طواف الزيارة وطواف الصدر، وعليه دم، لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر، عنده، وعندهما: لا شئ عليه.\rوأما إذا طاف للزيارة ولم يطف للصدر: فإن كان بمكة: يأتي به، ولا شئ عليه للتأخير، بالاجماع.\rوإن رجع إلى أهله: فإنه لا يعود إلى مكة، وعليه دم، لترك طواف الصدر، فإذا أراد أن يعود إلى مكة ويقضيه، يعود بإحرام العمرة، ويقوم بالعمرة.\rفإذا فرغ منها، طاف للصدر، ثم يرجع.","part":1,"page":382},{"id":364,"text":"وأما إذا طاف للصدر ولم يطف للزيارة:\rفإن طواف الصدر ينقل إلى طواف الزيارة.\rفما دام بمكة فيأتي بطواف الصدر، وعليه دم، لتأخير طواف الزيارة، عن أيام النحر، عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rوإن عاد إلى أهله: فعليه، لترك طواف الصدر، دم، بالاتفاق وفي وجوب الدم.\rفي تأخير طواف الزيارة عن وقته، اختلاف على ما ذكرنا.\rوأما شرائط الوجوب فبعضها عام في العبادات كلها، نحو: العقل، والبلوغ، والاسلام، حتى لا يجب الحج على الصبي، والمجنون، والكافر، وإن ملكوا الزاد والراحلة، لانه لا خطاب على هؤلاء.\rولو أنه إذا وجد منهم الاحرام، ثم بلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، ووقت الحج باق: فإن جددوا الاحرام، بنية حجة الاسلام، فإنه يقع عن حجة الاسلام، لان إحرام الكافر والمجنون لا يصح أصلا، لعدم الاهلية، وإحرام الصبي العاقل صحيح، لكنه غير ملزم، فينتقض، بخلاف العبد: إذا أحرم، بإذن المولى، ثم عتق، والوقت باق، فجدد الاحرام، بنية حجة الاسلام، وهو مالك للزاد والراحلة، فإنه لا ينتقض إحرامه الاول، ولا يصح الثاني، لان إحرام العبد، بإذن المولى، لازم فلا يحتمل الانفساخ.\rوأما الشرط الخاص: فالحرية: حتى لا يجب الحج على العبد، وإن أذن له مولاه، لان منافعه في حق الحج، غير مستثناة عن ملك المولى، فإذا أذن له المولى، فقد أعاره منافع بدنه، والحج لا يجب بقدرة عارية.\rولهذا، بالاجماع، إن الاجنبي إذا أعار الزاد والراحلة، لمن لا يملك","part":1,"page":383},{"id":365,"text":"الزاد والراحلة فإنه لا يجب الحج عليه، فكذلك هذا، بخلاف الفقير: إنه لا يجب الحج عليه، ولو تكلف وذهب إلى مكة بالسؤال، وأدى، يقع عن حجة الاسلام، لانه مالك لمنافع بدنه، لكن لا يملك الزاد والراحلة، فلم يجب عليه، فمتى وصل إلى مكة وصار قادرا على الحج بالمشي وقليل الزاد، وجب عليه الحج فيقع عن الفرض، فهو الفرق.\rومن شرطه أيضا: صحة البدن وزوال الموانع الحسية عن الذهاب إلى الحج، حتى إن المقعد والمريض والزمن والمحبوس والخائف من السلطان الذي يمنع الناس من الخروج إلى الحج، فإنه لا يجب عليهم الحج بأنفسهم، لان هذه عبادة بدنية، فلا بد من القدرة، بصحة البدن وزوال المانع، حتى يتوجه عليهم التكليف، ولكن يجب عليهم الاحجاج إذا ملكوا الزاد والراحلة.\rوأما الاعمى: إذا وجد قائدا، بطريق الملك، بأن كان له مال فاشترى عبدا، أو استأجر أجيرا بماله، هل يجب عليه أن يحج بنفسه؟ ذكر في الاصل أنه لا يجب عليه أن يحج بنفسه، ولكن يجب في ملكه، عند أبي حنيفة.\rوروى الحسن عنه أنه يجب عليه أن يحج بنفسه.\rوكذلك روي في المقعد والزمن: أنه يجب عليهما إذا قدر أن يشتريا عبدا، أو يستأجر أجيرا.\rوقال أبويو سف ومحمد بالوجوب في حق الاعمى، دون المقعد والزمن.\rوجه رواية الحسن أن القدرة وسيلة إلى أداء الحج، فيستوي القدرة\rبالملك والعارية.\rوهما يقولان: إن الاعمى قادر بنفسه على أداء الحج، إلا أنه لا","part":1,"page":384},{"id":366,"text":"يهتدي إلى الطريق، وذلك يحصل بالقائد، فأما المقعد فعاجز عن الاداء بنفسه، فلا يكلف بالقدرة التي تحصل بالغير، لان ذلك قد يكون وقد لا يكون، بأن أبق العبد، ونقض المتسأجر العقد لعذر من الاعذار.\rوابو حنيفة يقول بأن الاعمى، وإن كان قادرا بنفسه، لكن لا يعمل قدرته بدون القائد، وإباقه وموته محتمل.\rثم إذا لم يجب الحج على هؤلاء بأنفسهم، ولهم مال وزاد وراحلة فعليهم أن يأمروا من يحج عنهم، بمالهم، ويكون ذلك مجزئا عن حجة الاسلام.\rوأصله ماروي أن الخثعمية جاءت إلى رسول الله (ص) وقالت: إن أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة فيجزئني أن أحج عنه؟ فقال عليه السلام: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته: أما كان يقبل منك؟ فقالت: نعم، فقال: دين الله أحق.\rفإن مات هؤلاء، قبل أن يقدروا على الحج بأنفسهم، وقع ذلك عن حجة الاسلام، وإن قدروا على الحج، بأنفسهم، يجب عليهم حجة الاسلام، وما حج عنهم يكون تطوعا، لانه خلف ضروري، فيسقط اعتباره بالقدرة على الاصل، كالشيخ الفاني إذا عجز عن صوم رمضان، ثم صار قادرا على الصوم: يجب عليه الاعادة لما قلنا، كذا هذا.","part":1,"page":385},{"id":367,"text":"ولو تكلف المقعد والزمن والمريض، فحجوا بأنفسهم على الدابة، وكذلك الاعمى مع القائد، فإنه يسقط عنهم الحج، لانه إنما لم يجب عليهم، دفعا للحرج عنهم، فمتى تحملوا الحرج، وقع موقعه، كالجمعة ساقطة عن العبد بحق المولى: فإذا حضر، وأدى: جاز، لما ذكرنا، كذا هذا.\rومن شرطه أيضا: ملك الزاد والراحلة: حتى لا يجب الحج عندنا، لوجود الزاد بطريق الاباحة، سواء كانت الاباحة من جهة من لا منة له عليه كالوالدين والمولودين، أو من جهة من له عليه المنة، كالاجانب.\rوقال الشافعي: إن كانت من جهة من لا منة له عليه: يجب عليه الحج.\rوإن كانت من جهة الاجنبي: فله فيه قولان.\rوأما إذا وهبه إنسان مالا يحج به: فلا يجب عليه القبول عندنا.\rوله فيه قولان.\rوأصله ما ذكرنا أن القدرة بالملك هي الاصل في توجه الخطاب.\rوأما تفسير الزاد والراحلة فأن يكون عنده دراهم، مقدار ما يبلغه إلى مكة، ذاهبا وجائيا، راكبا لا ماشيا، سوى ما هو من كفافه، وحوائجه من المسكن والخادم والسلاح نحو ذلك، وسوى ما يقضي به ديونه، ويمسك لنفقة عياله ومرمة مسكنة ونحوها، إلى وقت انصرافه.\rوروي عن أبي يوسف: ونفقة شهر بعد انصرافه أيضا.\rوإن لم يبلغ ماله يكتري راحلة أو شق راحلة، ولكن يكفي لنفقة الاجير والمشي راجلا، فإنه لا يجب عليه الحج.\rوهذا في حق البعيد من مكة.","part":1,"page":386},{"id":368,"text":"وأما في حق من كان بمكة أو بمنى وعرفات: فهل يشترط الزاد والراحلة؟ بعضهم قالوا: إذا كان رجلا قويا يمكنه المشي بالقدم، يجب عليه الحج، لانه يحتاج إلى مشي أربعة فراسخ، لان بين مكة وعرفات أربعة فراسخ، وإما إذا كان ضعيفا فلا يجب عليه، ما لم يقدر على الراحلة.\rوقال بعضهم: لا يجب بدون الراحلة، لان المشي، راجلا فيه، حرج، وكل أحد لا يقدر على مشي أربعة فراسخ، راجلا، والله تعالى يقول: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *.\rومن شرطه: أمن الطريق أيضا، لانه لا يجب بدون الزاد والراحلة، ولا بقاء للزاد والراحلة بدون الامن.\rوهذا في حق الرجل، فأما في حق المرأة فلا بد من وجود هذه الشرائط ويشترط في حقها شرطان آخران.\rأحدهما: أن يكون لها زوج، أو من لا يجوز المناكحة بينهما، على طريق التأييد إما بسبب القرابة أو الرضاع أو الصهرية.\rوإذا لم يخرج المحرم إلا بنفقة منها، هل يجب عليها نفقته؟ ذكر في شرح القدوري إنها تجب، لانها لا تتمكن من الحج إلا بالمحرم، كما لا تتمكن إلا بالزاد والراحلة، فيجب عليها بذلك، إذا كان لها مال.\rوذكر في شرح الطحاوي: أنه لا يجب عليها نفقته، ولا يجب عليها الحج.\rوإذا لم يكن لها زوج ولا محرم: لا يجب عليها أن تتزوج ليذهب معها","part":1,"page":387},{"id":369,"text":"إلى الحج، ولا يجب عليها الحج بنفسها، ويجب في مالها.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: يجب عليها إذا كان في الرفقة نساء.\rوإذا وجدت محرما يجب عليها الحج، ولا يشترط رضا الزوج وإذنه، عندنا.\rوقال الشافعي: لا بد من إذن الزوج، لان فيه فوات حقه.\rولكنا نقول إن الحج من الفرائض اللازمة فيكون منافعها مستثناة عن ملك الزوج، فأما في التطوع فللزوج حق المنع كما في الصلاة.\rويستوي الجواب بين أن تكون المرأة شابة أو عجوزا، في اشتراط المحرم، لانها عورة أيضا.\rهذا إذا كان بينها وبين مكة مدة السفر، وهي ثلاثة أيام ولياليها فأما إذا كان دون مدة السفر، فإنه لا يشترط المحرم.\rوالشرط الثاني: أن لا تكون معتدة من طلاق بائن أو رجعي أو عن وفاة لان الحج مما يمكن أداؤه في وقت آخر، فأما العدة فيجب قضاؤها في هذا الوقت خاصة، والله تعالى يقول: * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) *.\rفإن لزمتها العدة بعد الخروج إلى الحج: إن كان الطلاق رجعيا: فإنها لا تفارق زوجها، لان النكاح قائم فتمضي معه، والافضل للزوج أن يراجعها.\rوإن كان الطلاق بائنا أو عن وفاة: فإن كان إلى منزلها أقل من مدة","part":1,"page":388},{"id":370,"text":"السفر، وإلى مكة مدة السفر، فإنها تعود وجعلت كأنها في المصر.\rوإن كان إلى مكة أقل من مدة السفر، فإنها تمضي، لانه لا حاجة بها إلى المحرم، وفي أقل من مدة السفر.\rوإن كان إلى الجانبين مدة السفر: فإن كانت في المصر فإنها لا تخرج حتى تنقضي العدة، وإن وجدت محرما.\rوعندهما تخرج إن وجدت محرما.\rولا تخرج بغير محرم بالاجماع.\rوإن كانت في المفازة، أو في قرية لا يؤمن على نفسها ومالها: تمضي حتى تدخل موضع الامن، ثم لا تخرج ما لم تنقض عدتها وإن وجدت محرما عنده.\rوعندهما تخرج على ما نذكر في باب العدة.\rوهذا كله مذهب علمائنا.\rوقال مالك والضحاك بن مزاحم بأن الزاد والراحلة ليسا بشرط، بل يجب الحج على كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح البدن.\rوالصحيح قول عامة العلماء لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) *، قال أهل التفسير بأن المراد منه الزاد والراحلة.\rثم هذه الشرائط التي ذكرنا إنما تعتبر عند خروج أهل بلدة إلى الحج، لان ذلك وقت الوجوب في حقه، حتى إنه إذا كان عنده دراهم، قبل خروج أهل بلده واشترى بها المسكن والخادم وأثاث البيت ونحو","part":1,"page":389},{"id":371,"text":"ذلك.\rفعند خروج أهل بلده، لا يجب عليه أن يبيع ذلك، ولا يجب الحج عليه.\rفأما إذا كان له دراهم وقت الخروج، مقدار الزاد والراحلة، ولم يكن له مسكن ولا خدام ولا زوجة، فأراد أن يصرفها إلى هذه الاشياء، فإنه يأثم ويجب عليه الحج، ويلزمه الخروج معهم.\rومن شرائط الاداء الاحرام: فإنه لا يصح أداء أفعال الحج بدون الاحرام، كما لا تصح الصلاة بدون التحريمة: وهي التكبير.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: الاحرام ركن، وليس بشرط.\rوينبني على هذا الاصل أن الاحرام، قبل أشهر الحج، جائز، عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجوز وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، لان ركن عنده وأداء الركن لا يصح في غير وقته، كأداء الصلاة قبل الوقت.\rوعندنا لما كان شرطا يجوز وجوده قبل وقت الفعل، كالطهارة وستر العورة، في باب الصلاة قبل الوقت.\rوأجمعوا أن الاحرام، قبل أشهر الحج، مكروه، لا لانه قبل وقت الفعل، لكن لاحتمال أن يلحقه حرج عظيم في الامتناع عن محظورات الحج.\rومنها: الوقت شرط: لان أداء الحج في غير وقته، غير مشروع، لكونه مؤقتا، قال الله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * وهو: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فلا يجوز أداء شئ من الافعال قبلها.","part":1,"page":390},{"id":372,"text":"ومعظم أفعال الحج مؤقت، بوقت خاص، في مكان خاص،\rكطواف الزيارة في يوم النحر، والوقوف بعرفة في يوم عرفة، ونحو ذلك، على ما يعرف إن شاء الله.\rومنها: شرط الخروج عن الحج: وهو الحلق أو التقصير، بمنزلة السلام: شرط الخروج عن الصلاة.\rوأما الطهارة عن الحدث والجنابة في حالة الطواف فشرط الكمال، عندنا، لا شرط الجواز.\rوعند الشافعي شرط الجواز، حتى إن الافضل أن يعيد الطواف، ولو لم يعد يلزمه الدم: في الجنابة يلزمه البدنة، وفي الحدث يلزمه الشاة، لان النقصان بسبب الجنابة أفحش، فكان الجزاء أكمل.\rوأما محظورات الاحرام فكثيرة، وهو: الارتفاق بمرافق المقيمين، لانه عبادة سفر، من لبس المخيط والوطئ، ودواعيه، من اللمس والقبلة، والتطيب، وإزالة التفث، وحلق الشعر، ونتف شعر الابط، وتقليم الاظفار، وقتل القمل، من أخذ الصيود، والاشارة إليها والدلالة عليها، وقتلها، سواء كان مأكول اللحم أولا، ونحو ذلك.\rهذا بيان شرائط الحج.\rفأما العمرة فعندنا: ليست بفريضة.\rوقال الشافعي: فريضة، وهي الحجة الصغرى.","part":1,"page":391},{"id":373,"text":"واختلف مشايخنا: بعضهم قالوا: هي سنة مؤكدة وبعضهم قالوا: واجبة، وهما متقاربان.\rواحتج بقوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * ولقوله عليه السلام: العمرة هي الحجة الصغرى.\rولنا ما روى أبو هريرة أن أعرابيا سأل رسول الله آ عن الايمان والشرائع، فبين إلى أن قال: وأن تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وأن تحج البيت فقال الاعرابي: هل علي شئ سوى هذا؟ فقال: لا، أن تتطوع ولم يذكر العمرة، وأما الآية فقرأ بعضهم: * (والعمرة) * بالرفع ووقف على قوله: * (وأتموا الحج) *.\rومع اختلاف القراء لا تكون حجة، ولان الآية نزلت في أهل الحديبية وهم خرجوا محرمين بالعمرة، وأنها تصير واجبة بالشروع، ثم حصروا، فأوجب عليهم إتمام العمرة، بطريق القضاء، والحج بطريق الابتداء.\rوأما ركن العمرة فشيئان: الطواف والسعي.\rوالاحرام شرط أدائها.\rوالحلق أو التقصير شرط الخروج.\rوما ذكرنا من الشرائط في الحج، فشرط في العمرة.\rوكذلك ما ذكرنا من محظورات الحج فهو من محظورات العمرة.\rوأما وقت العمرة: فالسنة كلها وقت لها، ولا تكره، سواء كانت في أشهر الحج أو في غيره، إلا في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، لان الحاج مشغول بأداء الحج، إلا إذا قضى القرآن أو التمتع، فلا بأس به يكون أفضل في حق الآفاقي.","part":1,"page":392},{"id":374,"text":"باب الاحرام\rفي الباب فصول: بيان أنواع المحرمين.\rوبيان مواقيت إحرامهم.\rوبيان الاحرام.\rوبيان الحج، والعمرة، والقرآن، والمتعة، بشروطها وأركانها، وسننها، وآدابها، على الترتيب.\rأما بيان أنواع المحرمين - فنقول: المحرمون أربعة: المفرد بالحج، والمفرد بالعمرة، والقارن بينهما، والمتمتع.\rفأما المفرد بالحج: أن يحرم بالحج لا غير.\rوالمفرد بالعمرة: أن يحرم بالعمرة لا غير.\rوالقارن: أن يجمع بين الحج والعمرة، فيحرم بهما.\rويقول: لبيك اللهم بحجة وعمرة.\rوالمتمتع: أن يأتي بالعمرة والحج في أشهر الحج، من غير أن يلم بأهله سواء حل من إحرامه الاول أم لا، على ما نذكر.\rثم هؤلاء الاصناف ثلاثة:","part":1,"page":393},{"id":375,"text":"صنف منهم: أهل الآفاق.\rوصنف منهم: من كان داخل الحرم، وهم أهل مكة والحرم.\rوصنف منهم: من كان خارج الحرم، داخل مواقيت أهل الآفاق.\rوأما مواقيت إحرامهم فمواقيت أهل الآفاق خمسة: للحج والعمرة.\rوهي مواقيت بينها\rرسول الله (ص)، تعظيما للبيت، حتى لا يجوز للآفاقي التجاوز عن هذه المواقيت، لدخول مكة، لقصد الحج، أو للتجارة، ونحوها، إلا محرما، فلاهل العراق ذات عرق ولاهل المدينة ذو الحليفة، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل اليمن يلملم، ولاهل نجد قرن، وقد وردت أحاديث مشهورة في هذا الباب.\rثم هذه المواقيت لهؤلاء من أهل الآفاق ولمن حصل من أهل ميقات آخر في هذا الميقات.\rوكذلك إن كان من أهل الحرم وأهل الحل من داخل هذه المواقيت، إذا خرج إلى الآفاق للتجارة، ثم رجع: فحكمه حكم أهل الآفاق: لا يجوز له مجاوزته إلا محرما، إذا قصد مكة، إما الحج أو العمرة.\rفأما إذا قصدوا بالمجاوزة، السكنى في بستان بني عامر، الذي هو داخل المواقيت خارج الحرم، فإنه يباح لهم المجاوزة، من غير إحرام، وهي الحيلة في إسقاط الاحرام.","part":1,"page":394},{"id":376,"text":"وروي عن أبي يوسف أنه لا يسقط ما لم ينو أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوما.\rوأما ميقات من كان داخل المواقيت، خارج الحرم، كأهل بستان بني عامر، للحج والعمرة جميعا: فمن دويرة أهلهم أو حيث شاؤوا من الحل، ولا يباح لهم دخول مكة، بقصد الحج والعمرة، إلا محرمين.\rوكذلك الآفاقي إذا حضر بالبستان، والمكي إذا خرج من الحرم إليه وأراد أن يحج أو يعتمر: فيكون حكمهما كحكم أهل البستان.\rوأما ميقات من كان داخل الحرم: فللحج من دويرة أهلهم، وحيثما شاؤوا من الحرم، ولعمرة من الحل كالتنعيم وغيره.\rوكذلك من حصل بمكة من غير أهلها، من البستاني والافاقي، فحكمه حكم أهل الحرم.\rثم الآفاقي إذا جاوز الميقات، بغير إحرام.\rوهو يريد الحج، أو العمرة، ثم عاد إلى الميقات قبل أن يحرم، فأحرم منه، وجاوزه محرما، فإنه لا يجب عليه الدم، لانه قضى حقه بالاحرام.\rفأما إذا أحرم بعد المجاوزة من داخل الميقات، للحج أو العمرة، ومضى على إحرامه ذلك ولم يعد: فيحب عليه الدم، لانه أدخل النقص في إحرامه.\rفأما إذا أحرم، ثم عاد إلى الميقات، وجدد التلبية، والاحرام: فيسقط عنه الدم في قول أصحابنا الثلاثة.\rوعند زفر: لا يسقط.\rولو عاد، إلى الميقات، محرما، ولم يجدد التلبية: لا يسقط عنه الدم عند أبي حنيفة.","part":1,"page":395},{"id":377,"text":"وعند أبي يوسف ومحمد: يسقط، لبى أو لم يلب.\rولو لم يعد إلى الميقات حتى طاف شوطا أو شوطين، أو وقف بعرفة في الحج - تأكد عليه الدم، حتى لا يسقط عنه، وإن عاد إلى الميقات وجدد الميقات والتلبية.\rولو عاد إلى ميقات آخر، سوى الميقات الذي جاوزه من غير إحرام، وجدد التلبية، قبل أن يتصل إحرامه بأفعال الحج أو العمرة فهو كما لو عاد إلى ذلك الميقات.\rوروي عن أبي يوسف: إن كان هذا الميقات محاذيا لذلك الميقات، الذي جاوزه، أو أبعد إلى الحرم سقط الدم عنه، وإلا فلا.\rوكذلك هذا الحكم في حق من كان داخل المواقيت، خارج الحرم، فميقاته دويرة أهله.\rولو دخل الحرم لقصد الحج أو العمرة، من غير إحرام، ثم عاد إلى الحل، وجدد التلبية، فهو على ما ذكرنا من الاختلاف.\rوكذلك هذا الحكم في حق أهل مكة: فإن إحرامهم للحج في الحرم، وللعمرة من الحل.\rولو أنه إذا أحرم للحج، من الحل، وللعمرة من الحرم: يجب عليه الدم، إلا إذا أعاده، على الاختلاف الذي ذكرنا.\rلو أن الآفاقي إذا جاوز الميقات، لقصد الحج أو لقصد مكة للتجارة، من غير إحرام، ودخل مكة كذلك، فإنه يلزمه: إما حجة أو عمرة عندنا.\rوعند الشافعي: لا يلزمه شئ.\rفأما من كان خارج الحرم، داخل المواقيت، إذا دخل الحرم","part":1,"page":396},{"id":378,"text":"للتجارة، لا لقصد الحج والعمرة، فإنه لا يلزمه شئ.\rوكذلك المكي إذا خرج إلى الحل، للاحتطاب والاحتشاش، ثم دخل مكة: لا يلزمه شئ، ويباح له الدخول من غير إحرام.\rوأصله ما روي أن النبي عليه السلامرخص للحطابة في الدخول من غير إحرام، وهذا المعنى موجود في حق من حوالي مكة، من أهل الحل دون المواقيت، لان من حوالي مكة محتاجون إلى الدخول فيها،\rلحوائجهم، بخلاف الآفاقي ومن صار في جملتهم من أهل الحرم، وخارج الحرم دون المواقيت، لان الاصل هو المجاوزة مع الاحرام، تعظيما للحرم والكعبة، وإنما سقط باعتبار الضرورة، ولا ضرورة في حق الآفاقي، لانه يدخل مرة واحدة.\rوكذلك الجواب في حق الآفاقي إذا صار من أهل البستان، بأن قصد دخول البستان، لا دخول مكة، ثم أراد بعد ذلك أن يدخل مكة، من غير إحرام، له ذلك ولا يلزمه شئ، لانه صار من أهل البستان حكما.\rثم الآفاقي إذا لزمه الحج أو العمرة بسبب مجاوزته الميقات في دخول مكة من غير إحرام، فأحرم في تلك السنة، لما وجب عليه بسبب المجاوزة، أو لحجة الاسلام أو للحجة التي وجبت عليه بسبب النذر، فإنه يسقط عنه ما وجب عليه، بسبب المجاوزة.\rثم ينظر: إن خرج إلى ميقاته وأحرم منه، لا يجب عليه الدم لمجاوزته، من غير إحرام.\rوإن لم يخرج إلى ميقاته، لكن أحرم من ميقات أهل مكة إن كان بها، أو من ميقات أهل البستان إن كان بها، يجب عليه الدم لمجاوزته، غير محرم، عن ميقاته الاصلي.","part":1,"page":397},{"id":379,"text":"وهذا عندنا.\rوعند زفر: لا يسقط عنه الحج، الذي وجب عليه لدخوله مكة من غير إحرام، إلا أن ينوي ما وجب عليه، بسبب المجاوزة.\rولو تحولت السنة: لا يسقط عنه إلا بتعيين النية، بالاجماع، لانه\rصار دينا عليه، فلا بد من تعيين النية.\rولو أنه إذا نوى في السنة الثانية عما وجب عليه، لاجل المجاوزة، وأحرم لكن أحرم في وقت أهل مكة، وهو بمكة، أو في وقت أهل البستان وهو بها، لم يخرج إلى ميقاته، فإنه يسقط عنه ما وجب عليه، لاجل المجاوزة.\rولا يجب عليه الدم لترك التلبية، عند ميقاته، لانه لما حصل بمكة صار كالمكي وكذلك إذا حصل بالبستان صار من أهله فقد أتى بالاحرام، في ميقاته ونوى قضاء ما عليه، فيسقط عنه، فأما في السنة الاولى فهو مؤد لما عليه، وقد وجب عليه الدم، بسبب مجاوزة ميقاته، غير محرم، فلا يسقط عنه إلا بتجديد التلبية أو بالعود إليه محرما، ولم يوجد.\rوأما بيان الاحرام وهو أن يوجد منه فعل هو من خصائص الحج، وتقترن به نية الحج، أو العمرة بأن يقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، وينوي به الحج أو العمرة إذا كان مفردا بالحج أو بالعمرة، أو ينويهما جميعا إن كان قارنا.\rوإن كان متمتعا، يريد الحج والعمرة: فإن شاء ذكر العمرة أو الحج في إهلاله فيقول: لبيك بحجة أو بعمرة أو بهما أو بالعمرة والحجة فإنه روي عن النبي عليه السلام أنه قال: أتاني آت من ربي وقال: قل لبيك بعمرة وحجة.","part":1,"page":398},{"id":380,"text":"والافضل أن يذكر النية باللسان، مع القلب، فيقول: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي، وتقبهلما مني.\rولو ذكر مكان التلبية والتسبيح أو التهليل أو التحميد ونوى به الاحرام، يصير محرما، سواء كان يحسن التلبية أو لا.\rوكذلك إذا أتى بلسان آخر، أجزأه سواء كان يحسن العربية أو لا يحسنها، هكذا جواب ظاهر الرواية.\rوروى الحسن عن أبي يوسف أنه إذا كان لا يحسن التلبية: جاز، وإلا فلا، كما في الصلاة.\rوالصحيح أن هذا بالاتفاق: وأما أبو حنيفة فقد مر على أصله، في باب الصلاة، وهما فرقا بين الصلاة والحج، لان النيابة جارية في الحج بخلاف الصلاة.\rولو قلد بدنة، ونوى الاحرام، وساقها، وتوجه معها: يصير محرما، سواء قلد بدنة تطوعا أو نذرا، أو جزاء صيد ونحو ذلك، لان تقليد البدنة، مع السوق، من خصائص أفعال الحج، لان الحجاج يقلدون بدنهم، وذلك بأن يعلقوا عليها شراك نعل أو عروة مزادة أو ما أشبه ذلك من الجلود.\rفإذا وجدت نية الاحرام مقارنة لفعل، هو من خصائص الحج، يصير محرما، لما عرف أن مجرد النية، لا يعتبر، ما لم يقترن بالفعل.\rفأما إذا قلد بدنة، ونوى الاحرام، ولم يسق البدنة، ولم يتوجه معها، بل بعث بها على يد رجل، وأقام في بلده، لا يصير محرما، لانه لم","part":1,"page":399},{"id":381,"text":"يوجد منه إلا الامر بالذبح، وذلك لا يكون من أفعال الحج.\rولو قلد شاته، وساقها، ونوى الاحرام: لا يصير محرما، لان تقليد الشاة غير معتاد في باب الحج.\rوكذلك لو جلل بدنه بأن ألبسها الجل ونوى الاحرام وساقها، لا\rيصير محرما لان ذلك ليس بقربة، ولا نسك من مناسك الحج.\rولو أشعر بدنته، بأن طعنها في سنامها في الجانب الايسر، فسال منه الدم ونوى به الاحرام ولا يصير محرما: أما عند أبي حنيفة فلان الاشعار مكروه وليس بسنة، وعندهما، وإن كان سنة، ولكن ليس من خصائص الحج، لان الناس تركوه لانه يشبه المثلة.\rفأما إذا نوى عند الاحرام، ولم يذكر التلبية، ولم يوجد منه تقليد البدنة والسوق، لا يصير محرما، عندنا.\rوعند الشافعي: يصير محرما.\rوروي عن أبي يوسف مثله.\rوالصحيح قولنا: لان مجرد النية لا عبرة به، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الله تعالى عفا، عن أمتي ما تحدثت بها أنفسهم، ما لم يتكلموا أو يفعلوا.\rوأما بيان الحج والعمرة، والقران والمتعة على سبيل الاستقصاء - فنقول: إن من كان من أهل الآفاق إذا بلغ الميقات، وهو يريد العمرة وحدها، ولم يسق الهدي مع نفسه، فإنه يتجرد، ويغتسل، أو يتوضأ، والاغتسال أفضل.\rثم يلبس ثوبين: إزارا ورداء، غسيلين أو جديدين، ويمس من","part":1,"page":400},{"id":382,"text":"الطيب ما شاء، ويدهن بأي دهن شاء، سواء كان يبقى على بدنه أثره بعد الاحرام أو لا، في قول أبي حنيفة أبي يوسف.\rوعلى قول محمد وزفر: يكره أن يتطيب يبقى أثره بعد الاحرام.\rثم يصلي ركعتين، ثم ينوي العمرة، ويلبي في دبر صلاته بذلك، أو بعدما تستوي به راحلته على الوجه الذي ذكرنا، ويرفع صوته بالتلبية، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: أفضل الحج العج والثج، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج هو تسييل الدم بالذبح.\rثم يكرر التلبية في أدابر الصلوات المكتوبات والنوافل، بعد الاحرام وكلما علا شرفا، أو هبط واديا، أو لقي ركبا، وكلما استيقظ من منامه وفي الاسحار، هكذا جاءت الاخبار عن رسول الله (ص).\rفإذا أتى مكة، فلا بأس بأن يدخلها، ليلا أو نهارا، ويأتي المسجد الحرام ويبدأ بالحجر الاسود، فإن استقبله كبر، ورفع يديه كما يرفع في الصلاة ثم يرسلهما، ثم يستلمه، إن أمكنه من غير أن يؤذي أحدا، وإن لم يمكنه، كبر، وهلل، وحمد الله، وصلى على النبي آ، وهو رافع يديه، مستقبلا بوجهه إليه.\rوقال مشايخنا: إن الافضل أن يقبل الحجر، إن أمكنه، ويستلمه، فإنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قبله والتزمه، وقال: رأيت رسول الله آ بك حفيا.\rثم يقطع التلبية عند استلام الحجر، ولا يلبي بعده في العمرة.\rثم يأخذ عن يمين الحجر مما يلي الباب، فيفتتح الطواف فيطوف حول الكعبة، سبعة أشراط: يرمل في الثلاثة الاول ويمشي على هينته في الاربع البواقي، من الحجر إلى الحجر، ويستلم الحجر في كل شوط، مفتتحا لطوافه به، فإن ازدحم الناس في الرمل، يرمل، بعد ذلك، إذا وجد مسلكا.","part":1,"page":401},{"id":383,"text":"وإن استلم الركن اليماني، كما استلم الحجر الاسود.\rفهو حسن\rوإن تركه فلا يضره.\rوذكر الطحاوي عن محمد أنه يستلم الركن، ويفعل به ما يفعل بالحجر الاسود.\rوينبغي أن يكون الطواف، في كل شوط، من وراء الحطيم، فإن الحطيم من البيت.\rفإذا فرغ من الطواف يصلي ركعتين، عند مقام إبراهيم عليه السلام أو حيث تيسر عليه، في المسجد، وهي عندنا واجبة.\rوقال الشافعي: سنة.\rثم إذا فرغ من ركعتي الطواف يعود إلى الحجر الاسود، فيستلمه، إن أمكنه، أو يستقبله بوجهه، ويكبر، ويهلل ويحمد الله تعالى، على ما ذكرنا، حتى يكون افتتاح السعي باستلام الحجر، كما يكون افتتاح الطواف به.\rثم يخرج من باب الصفاء، أو من أي باب تيسر له، فيبدأ بالصفا، فيصعد عليها، ويقف من حيث يرى البيت، ويحول وجهه إلى الكبعة، ويكبر، ويهلل، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي آ، ويسأل الله تعالى حوائجه.\rويرفع يديه، ويجعل بطون كفيه نحو السماء.\rثم يهبط منها نحو المروة، ماشيا، على هينته، حتى ينتهي إلى بطن الوادي، فإذا كان عند الميل الاخضر سعى في بطن الوادي، سعيا حتى يجاوز الميل الاخضر، ثم يصعد على المروة مشيا على هينته.","part":1,"page":402},{"id":384,"text":"فإذا صعد، يقف، ويستقبل بوجهه الكعبة، ويفعل مثلما فعل على الصفا، ويطوف بينهما سبعة أشواط: يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، يعد\rالبداءة شوطا، والعود شوطا آخر، فيسعى في بطن الوادي، كلما مر به.\rوذكر الطحاوي وقال: يبتدئ في كل مرة بالصفا، ويختم بالمروة، ولم يعد عودة من المروة إلى الصفا شوطا.\rوالصحيح هو الاول.\rفإذا فرغ من السعي، يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، وقد تمت العمرة، وحل له جميع المحظورات الثابتة بالاحرام.\rوليس عليه في العمرة طواف الصدر.\rهذا إذا لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي، أقام محرما، ولم يقصر، ولم يحلق للعمرة، لان سوق الهدي دليل قصد التمتع، والمتمتع إذا ساق الهدي، لا يحل له، ما لم يفرغ من الحج، فلهذا لم يقصر، ولم يحلق، لانه شرط الخروج، وهو لم يخرج.\rوأما المفرد بالحج فإنه ينوي إحرام الحج عند الميقات.\rفإذا أتى مكة، فإنه يستقبل بطواف اللقاء، تحية للبيت سبعة أشواط.\rوالافضل أن لا يسعى بين الصفا والمروة لان طواف اللقاء سنة، والسعي واجب، فما ينبغي أن يجعل الواجب تبعا للسنة، ولكنه يؤخر إلى طواف الزيارة، لانه ركن والواجب يجوز أن يكون تبعا للفرض.\rومتى أخر السعي عن طواف اللقاء، فإنه لا يرمل فيه، وإنما الرمل سنة في طواف يعقبه السعي، عرفناه بالنص بخلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، لكن العلماء رخصوا في الاتيان بالسعي عقيب طواف اللقاء، لان","part":1,"page":403},{"id":385,"text":"يوم النحر، الذي هو وقت طواف الزيارة، يوم شغل من الذبح ورمي\rالجمار ونحو ذلك فكان فيه تخفيف بالناس.\rوإذا أتى بالسعي، عقيب طواف اللقاء، فينبغي أن يرمل كما في طواف العمرة.\rثم الحاج لا يقطع التلبية عند استلام الحجر، وفي العمرة يقطع.\rثم بعد طواف اللقاء له أن يطوف ما شاء، إلى يوم التروية، ويصلي، لكل أسبوع، ركعتين في الوقت الذي يباح فيه التطوع.\rفإذا كان يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، يصلي صلاة الفجر بمكة، ثم يغدو مع الناس إلى منى، ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء لاوقاتها، ويبيت بها ليلة عرفة.\rفإذا أصبح يوم عرفة، يصلي صلاة الفجر بمنى، لوقتها المعروف.\rفإذا طلعت الشمس، دفع منها إلى عرفات، على السكينة والوقار.\rفإذا بلغ إليها، ينزل بها حيث أحب، إلا في بطن عرفة.\rفإذا زالت الشمس يؤذن المؤذن، والامام على المنبر، فإذا فرغ من الاذان، يقوم الامام، ويخطب خطبتين قائما، ويفصل بينهما بجلسة خفيفة، كما في يوم الجمعة.\rفإذا خطب الامام، يقيم المؤذن الصلاة ويصلي بهم الامام صلاة الظهر، ثم يقوم ويصلي بهم صلاة العصر، في وقت الظهر، بآذان واحد، وإقامتين.\rولا يشتغل الامام، ولا القوم، بالسنن والتطوع، فيما بينهما، وإذا اشتغلوا بذلك أعاد المؤذن آذان العصر، ويخفي الامام بالقراءة فيهما كما في سائر الايام.","part":1,"page":404},{"id":386,"text":"فإن كان الامام مقيما، من أهل مكة، يتم الصلاتين أربعا أربعا، ويتم القوم معه، وإن كانوا مسافرين لان المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت، يجب عليه الاتمام تبعا للامام.\rوإن كان الامام مسافرا، يصلي ركعتين ركعتين، ويقول لهم بعد الفراغ: أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر.\rفإذا فرغ من الصلاة، راح الامام إلى الموقف، والناس معه، عقيب انصرافهم عن الصلاة، فيقف الامام على راحلته، وهو أفضل، وإلا فيقف قائما، والناس يقفون معه.\rوكل من كان وقوفه إلى الامام أقرب، فهو أفضل، لان الامام يعلم الناس أمور المناسك، حتى يستمع منه.\rوعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة فلا ينبغي الوقوف فيها، فيقفون إلى غروب الشمس، فيكبرون، ويهللون، ويحمدون الله، ويثنون عليه، ويصلون على النبي عليه السلام، ويسألون الله تعالى حوائجهم، فإنه وقت مرجو: قال النبي عليه السلام: أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة، وأفضل ما قلت وقالت الانبياء قبلي عرفة: لا إلؤه إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شئ قدير، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الله تعالى يباهي بأهل عرفة، يوم عرفة، فيقول: انظروا ملائكتي إلى عبادي: يأتون شعثا غبرا، يأتون من كل فج عميق، اشهدوا أني قد غفرت لهم، فيرجعون كيوم ولدتهم أمهم.\rفإذا غربت الشمس دفع الامام، والقوم خلفه، على السكينة والوقار، إلى مزدلفة، من غير أن يصلوا صلاة المغرب بعرفة، فإن دفع أحد منهم، قبل غروب الشمس، ينظر: إن جاوز حد عرفة بعد غروب","part":1,"page":405},{"id":387,"text":"الشمس، فلا شئ عليه، فإن جاوز قبل الغروب وجب عليه دم، وإن عاد إلى عرفة قبل الغروب، ثم دفع الامام والقوم، بعد الغروب، سقط عنه الدم، وقالزفر: لا يسقط، كما في مجاوزة الميقات.\rوإن عاد إلى عرفة بعد الغروب، لا يسقط الدم، بالاجماع.\rثم وقت الوقوف بعرفة: بعد زوال الشمس من يوم عرفة، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن حصل في هذا الوقت بعرفات، وهو عالم بها أو جاهل، أو نائم أو مغمى عليه، فوقف بها، أو مر بها ولم يقف، صار مدركا للحج، ولا يحتمل الفوات بعده، لقوله عليه السلام: الحج عرفة، فمن وقف بها، فقد تم حجه، غير أنه إن أدرك عرفة بالنهار، وعلم به، فإنه يقف بها إلى غروب الشمس، فإن لم يقف بها، ومر بها، بعد الزوال قبل الغروب: يجب عليه الدم.\rوإن أدركها بعد الغروب، فلم يقف ومر بها، فلا شئ عليه.\rوإن لم يدرك عرفة، حتى طلع الفجر، من أول يوم النحر، فقد فات حجه وسقط عنه أفعال الحج، ويتحول إحرامه إلى العمرة فيأتي بأفعال العمرة، ويحل، ويجب عليه قضاء الحج من قابل إلا في فصل واحد، وهو إنه إذا اشتبه عليهم هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوما،، ووقفوا بعرفة، ثم تبين أن ذلك يوم النحر، فإن وقوفهم صحيح، وحجهم تام، لحديث رسول الله آ: حجكم يوم تحجون.\rثم إذا أتوا مزدلفة، ينزل واحد حيث أحب بمزدلفة، إلا وادي محسر، ويكره النزول على قارعة الطريق، ولكن يتنحى عنه، يمنة أو\rيسرة، حتى لا يتأذى به المار.\rفإذا غاب الشفق، ودخل وقت العشاء، يصلي الامام بهم صلاة","part":1,"page":406},{"id":388,"text":"المغرب، في وقت العشاء، ثم يصلي بهم صلاة العشاء بآذان واحد، وإقامة واحدة، ولا يشتغل بينهما بتطوع، ولا بغيره، فإن اشتغل بذلك فينبغي أن تعاد الاقامة، ويصلي العشاء، لانه وجد الفاصل بينهما، فلا بد من الاقامة لاعلام الناس.\rثم يبيت هو، مع الامام والناس، بمزدلفة.\rفإذا طلع الفجر يصلي الامام مع الناس بغلس، ثم يقف مع الناس في موضوع الوقوف، والافضل أن يكون وقوف الناس خلف الامام عند الجبل الذي يقال له قزح.\rووقت الوقوف بمزدلفة: بعد طلوع الفجر من يوم النحر، إلى أن يسفر جدا، فمن حصل في هذا الوقت، في جزء من أجزاء المزدلفة فقد أتى بالوقوف، ولا شئ عليه، غير أن السنة ما وصفنا.\rومن مر إلى منى، قبل الوقوف بمزدلفة، قبل طلوع الفجر، فعليه دم، لترك الوقوف بمزدلفة، إذ هو واجب، إلا إذا كان به علة وضعف، فيخاف الزحام، فيدفع منها ليلا، ولا شئ عليه، لما روي عن النبي عليه السلام أنه رخص للضعفة أن يتعجلوا من مزدلفة بليل.\rثم يفيض الامام مع القوم، من مزدلفة، قبل طلوع الشمس، ويأتي منى.\rوينبغي أن يأخذ كل واحد حصى الجمار، من المزدلفة أو من الطريق، ولا يأخذ من الجمار التي رميت عند الجمرة، لما قيل إنه حصى\rمن لم يقبل حجة، فإن من قبلت حجته رفعت جمرته.\rثم يأتي جمرة العقبة، قبل الزوال، فيرميها بسبع حصيات، في بطن الوادي من أسفل إلى أعلى، فوق حاجبه الايمن، مثل حصى الخزف، ويكبر مع كل حصاة يرميها، ولا يرمي يومئذ من الجمار شيئا غيرها،","part":1,"page":407},{"id":389,"text":"ولا يقف عندها، وبأي شئ رماه من الارض، أجزأه، حجرا كان أو طينا.\rولو رمى جمرة العقبة، بعد طلوع الفجر، قبل طلوع الشمس: أجزأه عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجوز، إلا بعد طلوع الشمس.\rوالافضل عندنا أن يرمي بعد طلوع الشمس.\rثم يرجع إلى منى، فإن كان معه شاة يذبح، وإن لم يذبح فلا يضره، لانه مفرد بالحج، فلا دم عليه، فينبغي أن يحلق أو يقصر، والحلق أفضل.\rوإن كان قارنا أو متمتعا، فعليه الذبح، فينبغي أن يذبح أولا، ثم يحلق أو يقصر.\rفإذا حلق حل له كل شئ إلا النساء.\rثم يزور البيت، من يومه ذلك، ويطوف طواف الزيارة، أو من الغد، أو بعد الغد، فوقته أيام النحر، وهي ثلاثة أيام، وأولها أفضل.\rثم إن سعى في طواف اللقاء، لا يرمل في طواف الزيارة، وإن لم يسع، عقيب طواف اللقاء، فيسعى عقيب طواف الزيارة بين الصفا والمروة، ويرمل في هذا الطواف.\rفإذا طاف طواف الزيارة، أو أكثره، حل له النساء أيضا.\rثم يخرج إلى منى، ولا يبيت بمكة ولا بالطريق، ويكره أن يبيت في غير منى، في أيام منى.\rفإذا كان في اليوم الثاني من أيام النحر، رمى الجمار الثلاث بعد الزوال، فيبدأ بالجمرة الاولى التي عند مسجد الخفيف، فيرمها بسبع","part":1,"page":408},{"id":390,"text":"حصيات، مثل حصى الخزف، ويكبر مع كل حصاة، يرميها، وقف عندها، ويكبر، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي عليه السلام، ويدعو الله حوائجه، ويرفع يديه عند الدعاء بسطا.\rثم يأتي الجمرة الوسطى، ويفعل فيها كما يفعل في الاولى.\rثم يأتي جمرة العقبة، فيفعل بها، كما فعل بالامس، ولا يقف.\rثم يرجع إلى رحله، فإن أراد أن ينفر من منى إلى مكة، فله ذلك، لقوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) *.\rوإن أقام ولم ينفر حتى طلع الفجر من اليوم الثالث من أيام النحر، فعليه أن يرمي الجمار الثلاث فيه، بعد الزوال، كما رماهن بالامس، فيقف عند الجمرتين الاوليين، ولا يقف عند العقبة.\rوإذا أراد أن ينفر، ويدخل مكة، نفر قبل غروب الشمس، فإن لم ينفر حتى غربت الشمس، فإن الافضل له أن لا ينفر، حتى يرمي الجمار الثلاث من الغد.\rولو نفر قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع فلا شئ عليه، وقد أساء.\rوعلى قول الشافعي: إذا أغربت الشمس من اليوم الثالث: فلا يحل له النفر، حتى يرمي الجمار الثلاث، في اليوم الرابع.\rوكذلك عندنا: إذا طلع الفجر من اليوم الرابع، وهو آخر أيام التشريق، يجب عليه الاقامة، ولا يحل له النفر حتى يرمي الجمار الثلاث، كما في الامس، ولو نفر قبل الرمي: فعليه دم.\rثم من نفر في النفر الاول أو في الثاني، فإن له أن يحمل ثقله مع نفسه، ويكره أن يقدمه، لانه سبب لشغل قلبه.","part":1,"page":409},{"id":391,"text":"وينبغي أن ينزل بالابطح ساعة، ويقال له المحصب، وهو موضع بين منى ومكة، لان النبي عليه السلام نزل به.\rثم يدخل مكة، ويطوف طواف الصدر، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف.\rفإذا فرغ من طواف الصدر، فيأتي المقام، فيصلي عنده ركعتين، ثم يأتي زمزم ويشرب من مائها، قائما، ويصب بعضه على وجهه ورأسه.\rثم يأتي الملتزم، وهو بين الحجر الاسود والباب ويضع صدره ووجهه عليه، ويتشبث بأستار الكعبة ويسأل الله تعالى حوائجه، ثم يستلم الحجر، ويكبر الله، إن أمكنه أن يدخل البيت فحسن، وإن لم يدخل أجزأه ولا يضره.\rثم يرجع فإن أراد أن يعتمر بعد الفراغ من الحج، وبعدما مضى أيام النحر والتشريف، كان له ذلك - ولكنه يخرج إلى التنعيم، فيحرم من ذلك الموضع، لانه لما فرغ من الحج صار كواحد من أهل مكة، وميقاتهم للعمرة من الحل، نحو التنعيم وغيره.\rوليس على أهل مكة، ولا على أهل المواقيت، طواف الصدر إذا حجوا، لانه طواف الوداع عند المفارقة، وهم غير مفارقين للبيت.\rوليس على المعتمرين، من أهل الافاق، طواف الصدر أيضا، لان ركن العمرة هو الطواف، فكيف يصير ركنه تبعا له؟.\rوليس على الحائض والنفساء طواف الصدر، ولا شئ عليهما التركة، لان النبي عليه السلامرخص للنساء الحيض بتركه ولم يأمرهن بإقامة شئ مقامه.","part":1,"page":410},{"id":392,"text":"ولو نفر قبل طواف الصدر فقبل أن جاوز الميقات، له أن يرجع، ويطوف، لانه واجب.\rوإن جاوز: فإن مضى، يجب عليه الدم، وإن رجع لا بد له من إحرام العمرة، فيرجع ويعتمر، ثم يطوف للصدر.\rهذا في حق المفرد بالحج.\rوأما القارن فحكمه ما ذكرنا في المفرد بالحج، إلا أنه يحرم بالحج والعمرة جميعا، ثم إذا أتى مكة يطوف لعمرته ويسعى، ثم بعد ذلك يطوف ويسعى لحجته، ويقدم أفعال العمرة على أفعال الحج.\rفأما إذا أفرد بالحج، ثم قبل الفراغ من أفعال الحج أحرم للعمرة، يصير قارنا أيضا، لكنه أساء لترك السنة، فإن السنة تقديم أفعال العمرة، على أفعال الحج، للقارن.\rوإذا جاء وقت الحلق، فإنه يذبح أولا، ثم يحلق.\rوأما المتمتع فإنه يحرم للعمرة أولا، ويأتي بها قبل يوم التروية، ثم يحرم للحج، سواء حل من العمرة أو لم يحل، وهو ممن يحصل له العمرة والحج، في أشهر الحج، بسفر واحد، من غير أن يلم بأهله، فيما بينهما، إلماما صحيحا.\rولو قدم إحرامه للحج، على يوم التروية، فهو أفضل.\rوهذا إذا لم يسق، مع نفسه، هدي المتعة.\rفأما إذا ساق، فإنه لا يحل عن إحرام العمرة إلا بعد الفراغ من الحج فله أن يحرم بالحج ويتم.\rثم المتعة والقران مشروعان في حق أهل الافاق.\rفأما في حق حاضري المسجد الحرام، وهم أهل مكة، وأهل داخل","part":1,"page":411},{"id":393,"text":"المواقيت: فمكروه.\rوأصله قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * إلى أن قال: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) *.\rولو تمتعوا مع ذلك أو قرنوا، يجوز، ويلزمهم دم لاساءتهم ويكون ذلك دم جبر، حتى لا يحل لهم أكله، وعليهم أن يتصدقوا به على الفقراء.\rفأما في حق أهل الآفاق، فمشروعة مستحبة، ويلزمهم الدم، شكرا لما أنعم الله عليهم في الجمع بين النسكين، بسفر واحد، حتى يحل له الاكل منه، ويطعم من شاء من الغني والفقير، ولا يجب عليه التصدق، لكن المستحب أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، إلى أقربائه وجيرانه.\rكما في الاضحية.\rوإنما يذبح في أيام النحر، ويذبح في الحرم، فإن كان معسرا ولم يجد الهدي، فإنه يصوم ثلاثة أيام، قبل يوم عرفة، بعد إحرام العمرة، والافضل أن تكون ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة.\rفإن فعل ذلك ثم جاء يوم النحر، حلق أو قصر، ثم يصوم سبعة\rأيام، بعد مضي أيام النحر والتشريق، وإن لم يرجع إلى أهله.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: يصوم السبعة بعدما رجع إلى أهله، ولا يجوز قبله، لقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم - تلك عشرة كاملة) *.\rإلا أنا نقول: معنى قوله: رجعتم أي فرغتم من أفعال الحج -","part":1,"page":412},{"id":394,"text":"كذا قال أهل التفسير.\rثم القران أفضل من الافراد، عندنا، ثم التمتع، ثم الافراد.\rوقال الشافعي: الافراد أفضل منهما جميعا.\rوقال مالك: التمتع أفضل، ثم القران، ثم الافراد.\rوحاصل الخلاف أن القارن محرم بإحرامين، ولا يدخل إحرام العمرة في إحرام الحج، عندنا.\rوعنده: يكون محرما بإحرام واحد، ويدخل إحرام العمرة في إحرام الحج، لقوله عليه السلام: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة.\rولكنا نستدل بإجماع الامة على تسميته قرانا، والقران يكون بين شيئين، وأما الحديث فتأويله: دخل وقت العمرة في وقت الحجة، فإنهم كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فنسخ الاسلام ذلك.\rوينبني على هذا الاصل مسائل: منها: ما قلنا إن القران أفضل، لانه جمع بين العبادتين بإحرامين، وعنده بخلافه.\rومنها: أن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعين، ويقدم أفعال العمرة على أفعال الحج، وعنده يطوف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا.\rومنها: أن الدم الواجب فيه دم نسك، عندنا، شكرا للجمع بين العبادتين، وعنده دم جبر، لتمكن النقصان في الحج، بسبب إدخال العمرة فيه، حتى لا يحل له أكل هديه عنده، وعندنا يحل.\rومنها: أنه إذا تناول محظور إحرامه، فإنه يجب عليه دمان، عندنا","part":1,"page":413},{"id":395,"text":"وعنده: يجب عليه دم واحد.\rومنها: أنه لو أحصر القارن، فإنه يحل بهديين عندنا، وعنده يهدي واحد.\rثم النساء في الحج والعمرة كالرجال إلا في أشياء منها: أنه لا يحرم عليهم لبس المخيط.\rوعليهن أن يغطين رؤوسهن، لكن لا يغطين وجوههن، ولو غطين حافين - فيكون إحرامهم في وجوهن.\rوكذا لا يرفعن أصواتهن بالتلبية.\rوكذا لا يرملن في الطواف.\rولا يسعين في بطن الوادي، بين الصفا والمروة، بل يمشين على هينتهن.\rولا يحلقن رؤوسهن، ولكن يقصرن: فيأخذن من أطراف شعورهن قدر أنملة.\rويسقط عنهن طواف الصدر، في باب الحج، إذا حضن أو نفسن.\rولا يجب عليهم، بتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر، بسبب الحيض والنفاس، شئ.","part":1,"page":414},{"id":396,"text":"باب آخر جمع في الكتاب: مسائل الاحصار.\rومسائل المحظورات.\rومسائل الامر بالحج.\rوبدأ بالاحصار - فقال: من منع عن الوصول إلى البيت، بعدما أحرم، بالحج أو بالعمرة أو بهما، بسبب مرض أو عدو، فهو محصر.\rو الكلام في الاحصار في مواضع: أحدها: أن الاحصار قد يكون بالعدو، كفارا كانوا أو مسلمين، وقد يكون بالمرض أو بعلة مانعة عن المشي، وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لا يكون إلا بالعدو.\rوعلى هذا إذا أحرمت المرأة بحجة الاسلام، فلم تجد محرما، أو مات عنها زوجها، فهي محصرة.\rفأما إذا سرقت نفقة الحاج.\rأو هلكت راحلته: فإن كان لا يقدر على المشي، أو يقدر في الجملة لكن يخاف أن لا يمكنه المشي مع القافلة، فإنه يكون محصرا، وإن كان ممن يقدر على المشي، لا يكون محصرا، بل يجب عليه أن يذهب، بخلاف ما إذا لم يكن قادرا على الراحلة في","part":1,"page":415},{"id":397,"text":"الابتداء، لانه صار الحج لازما عليه، بسبب الشروع.\rفأما المرأة إذا أحرمت بالحج تطوعا، فللزوج أن يمنعها لان منفعتها ملك الزوج، ولم تصر مستثناة في حق التطوع، فتصير محصرة وللزوج أن يحللها، بأن يقبلها أو يعانقها فتحل للحال، من غير أن تذبح وعليها أن تبعث الهدي فيذبح في الحرم، لان الاحلال مستحق عليها حقا للزوج.\rوكذلك العبد والامة إذا أحرما: فللمولى أن يحللهما، وعليها الهدي، بعد العتاق وقضاء الحج والعمرة، لانه يصير واجبا، بالشروع.\rولو أذن المولى لعبده في الحج، فأحرم يكره له أن يحلله، لانه خلاف وعده، ولكن مع هذا لو حلله، يجوز، ويحل، ولا يلزم المولى الهدي بسبب الاحلال، لان الاحلال حق المولى.\rوقال أبو يوسف: ليس له أن يحلله، لانه أسقط حق نفسه، بالاذن.\rولو باع العبد، فللمشتري أن يحلله من غير كراهة، وعلى قول زفر: يكره.\rولو أذن لامته بالحج، ولها زوج، فأحرمت، فليس للزوج أن يحللها، لان للمولى أن يسافر بها، فكان له أن يأذن بذلك.\rوالصحيح مذهبنا، لان الاحصار يتحقق بكل مانع من الوصول إلى البيت، قوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) * من غير فصل بين سبب وسبب، فهو على الاطلاق.\rومنها: حكم الاحصار وهو أن يبعث الهدي إلى الحرم، أو يأمر رجلا ليشتري هديا، ثمة ويواعده، بأن يذبحه، عنه ثمة، في يوم","part":1,"page":416},{"id":398,"text":"معين، فإذا ذبحه، عنه، يحل له كل شئ، ولا يحتاج إلى الحلق، في قول أبي حنيفة ومحمد، وإن فعل فحسن.\rوقال أبو يوسف: ينبغي أن يحلق، وإن لم يفعل، فلا شئ عليه.\rوروي عنه أنه واجب لا يسع تركه.\rوله أن يرجع إلى أهله إذا بعث الهدي، سواء ذبح عنه أو لا، لان إذا لم يتمكن من المشي إلى الحج، فلا فائدة في المقام.\rومنها: أن يتحلل بشاة، وإن كان اسم الهدي يقع على الشاة والابل والبقر، لما روى جابر أن النبي عليه السلام أمر الناس عام الحديبية أن يتحللوا بشاة ويذبحوا البقرة عن سبعة.\rومنها: أن هدي الاحصار لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، عندنا.\rوعند الشافعي في الموضع الذي يتحلل فيه.\rوالصحيح مذهبنا، لقوله تعالى: * (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) *.\rومنها: أن دم الاحصار يجوز تقديمه على أيام النحر عند أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز تقديمه على أيام النحر.\rوأجمعوا أن هدي الاحصار عن العمرة يجوز، في أي وقت شاء.\rومنها: أن المحصر إذا لم يجد الهدي، ولا ثمن الهدي، لا يحل بالاطعام والصوم، بل يبقى محرما إلى أن يجد الهدي.\rفيذبح عنه في الحرم بأمره، أو، متى زال الاحصار، فيذهب إلى مكة، فيحج إن بقي وقت الحج، وإن فات وقت الحج فيتحلل بأفعال العمرة.\rهذا هو المشهور من قولنا.","part":1,"page":417},{"id":399,"text":"وقال عطاء بن أبي رباح: يحل بالاطعام ثم بالصوم، بأن يقوم الهدي\rطعاما، فيتصدق به على المساكين، وإن لم يجد الطعام: يصوم لكل نصف صاع يوما.\rوبه أخذ أبو يوسف في رواية.\rوقال الشافعي، في قول: يحل بالصوم، ويصوم ثلاثة أيام في الحج، ويصوم سبعة أيام بعدها، كما في المتمتع والقارن.\rوفي قول: يطعم، وإن فات.\rومنها - أن المحصر إذا حل بالهدي، فعليه قضاء حجة وعمرة من القابل: أما الحجة فلانه أوجبها بالشروع، وإن كانت تطوعا، وإن كانت حجة الاسلام، وفاتت فعليه أداؤها وعليه قضاء عمرة، لفوات الحج في عامة ذلك، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، هذا هو الاصل.\rفإذا خرج بالهدي، فعليه قضاء العمرة، التي يتحلل بها فائت الحج، وإن كان قارنا يقضي حجة وعمرة، مكان ما فاته من الحج والعمرة، وعمرة أخرى لكونه فائت الحج.\rومنها: ما ذكرنا أن القارن إذا أحصر يبعث بهديين وما لم يذبحا جميعا، لا يحل، خلافا للشافعي.\rومنها: أنه إذا ذبح هديه، قبل اليوم الذي واعد فيه، أو قبل يوم النحر على قولهما، وقد باشر أفعالا هي حرام بسبب الاحرام، فإنه يجب عليه الجزاء، لانه متى ذبح في غير ذلك اليوم، أو ذبحه في غير الحرم، فهو محمر بعد، والمحرم إذا باشر محظوره يجب عليه الجزاء.\rومنها: أنه إذا زال الاحصار، وقدر على إدراك الهدي والحج جميعا، فإنه يجب عليه التوجه إلى البيت، لان الهدي إنما شرع عند الضرورة، للاحلال، وقد زالت الضرورة.","part":1,"page":418},{"id":400,"text":"وإن قدر على إدراك الهدي دون الحج فقد تحقق الاحصار، لانه لا فائدة في إدراك الهدي إذا فات الحج، فيذبح عنه، ويحل ولا يجب عليه الذهاب إلى مكة.\rوإن قدر على إدراك الحج، دون الهدي، فهذا إنما يتحقق على قول أبي حنيفة في الحج، وعند الكل في الاحصار بالعمرة، لان ذبح الهدي غير مؤقت بيوم النحر، فأما عندهما ففي ذبح هدي الاحصار عن الحج لا يتحقق، لانه يذبح يوم النحر، فإذا أدرك الحج فقد أدرك الهدي.\rثم الجواب على قياس قوله: لا يحل بالهدي، لانه لم يتحقق بالاحصار لانه صار قادما على أداء الحج، فصار كالشيخ الفاني إذا قدر على الصوم.\rوفي الاستحسان يحل بالهدي، لانه لما لم يكن قادرا على إدراك الهدي، صار حلالا بالذبح.\rفإن ذهب من عامه ذلك إلى قضاء الحج، فإنه يقضي بإحرام جديد، وعليه قضاء الحج لا غير، لانه لم يفت عنه الحج في هذا العام.\rوإن قضى في عام آخر، فعليه قضاء الحج، وعليه العمرة، لفوات الحج، من العام الاول.\rوأما مسائل المحظورات، فنقول: إذا لبس المحرم المخيط: فإن كان يوما كاملا، فعليه دم، فأما إذا كان في بعض اليوم، فإنه يجب عليه صدقة، لان لبس المخيط إنما حرم لكونه من مرافق المقيمين، واللبس يوما كاملا يكون استمتاعا كاملا، فعليه دم، وإلا فيجب بقدره من الصدقة بأن يقسم قيمة الهدي، على ساعات اليوم، فما يصيب ذلك الوقت الذي ليس فيه، يجب عليه بقدره،\rوكذا قال بعض أصحابنا.\rوروي عن أبي يوسف أنه يطعم نصف صاع من بر.","part":1,"page":419},{"id":401,"text":"وكل صدقة في الاحرام غير مقدرة فهي نصف صاع، إلا في قتل الجرادة والقملة: فهي كف من طعام.\rولو لبس جميع الثياب ولبس الخفين أيضا، لا يلزمه إلا جزاء واحد لان الجنس واحد.\rولو لبس قلنسوة ولف عمامة، للضرورة، لا يلزمه إلا فدية واحدة.\rولو وضع قميصا على رأسه، وقلنسوة يلزمه، للضرورة، فدية، وللقميص دم، لانه لا حاجة إلى القميص في الرأس.\rولو لبس قميصا للضرورة ولبس خفين من غير ضرورة، يلزمه الفدية، لاجل الضرورة، والدم لاجل الخفين، من غير ضرورة.\rوكذلك الجواب، في لبس الخفين، وتغطية الوجه والرأس في حق الرجل.\rأما المرأة فعليها أن تغطي رأسها، ولكن لا تغطي وجهها.\rثم في الجواب ظاهر الرواية: إذا غطى ربع الرأس أو الوجه، يوما واحدا: يجب عليه الدم، وإن كان أقل من يوم: يجب عليه الصدقة بقدره.\rوفي رواية عن محمد أنه قدر بالاكثر.\rوإن ألقى على منكبيه قباء، أو توشح قميصا، أو اتزر بسراويل، لا شئ عليه، لانه ليس بلبس معتاد.\rوكذا لو غطى رأسه بما لبس بمعتاد، بأن وضع الاجانة على رأسه أو جوالق حنطة على رأسه، فلا شئ عليه.","part":1,"page":420},{"id":402,"text":"ولو أدخل اليد في الكمين، بعدما ألقى القباء على منكبيه، يجب الجزاء، لان لبس القباء في العادة هكذا.\rوإن لم يجد النعلين، ينبغي أن يقطع الخفين أسفل من الكعبين، ويلبس، ولا شئ عليه.\rوكذا لو فتق السراويل، ولم يبق إلى موضع التكة، لا شئ عليه، لان هذا اتزار، وليس بلبس.\rولو حلق رأسه أو ربع رأسه: فعليه دم عند أبي حنيفة، وعندهما: إن حلق أكثر الرأس: يجب دم، وإن كان أقل: يجب صدقة.\rولو قلم الاظفار: إن كان قلم يدا واحدة ورجلا واحدة، أو قلم الاظافير كلها، لا يلزمه إلا دم واحد، لان جنس الجنابة واحد.\rولو قلم خمسة أظافير من اليدين، أو الرجلين: لا يجب عليه الدم، لان هذا ليس من باب الارتفاق، ولكن يجب لكل ظفر نصف صاع من حنطة.\rوهذا إذا فعل بغير عذر.\rفأما إذا فعل بعذر، فعليه الفدية، وهو أحد الاشياء الثلاثة: صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ستة مساكين، أو ذبح شاة، لقوله تعالى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) *.\rثم المحرم يحرم عليه أخذ صيد البر، وقتله، والاشارة إليه، والدلالة عليه، فأما صيد البحر فحلال له، قال الله تعالى: * (أحل لكم\rصيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) *.","part":1,"page":421},{"id":403,"text":"والصد ما كان متوحشا ممتنعا، إما بجناحيه أو بقوائمه، حتى إن الدجاج والبط الاهلي لم يكن من الصيد.\rفإن قتل صيدا.\rفإن لم يقصد الصيد بالايذاء: يلزمه الجزاء.\rوأما إذا قصد بالايذاء، وإن لم يكن مؤذيا في الاصل، أو كان من جملة المؤذيات، كالكلب العقور والذئب، فلا شئ عليه.\rوأصله حديث رسول الله (ص) أنه قال: خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والكلب العقور وفي رواية: الغراب الابقع.\rوإذا قتل شيئا، من غير المؤذيات، ابتداء، ينظر: إما إن كان مأكول اللحم، أو لم يكن مأكول اللحم.\rفإن كان مأكول اللحم: فإنه يجب عليه قيمته عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وتعتبر قيمته في الموضع الذي قتله فيه إن كان مما يباع في ذلك الموضع، أو في أقرب الاماكن الذي يباح فيه ويقوم.\rوإذا ظهرت قيمته فالخيار إلى القاتل عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد وفي رواية الكرخي: إن بلغت قيمته هديا، إن شاء اشترى بها هديا فذبح في الحرم، وإن شاء اشترى بها طعاما، فتصدق على كل فقير نصف صاع من حنطة، وإن شاء صام مكان كل نصف صاع من حنطة، يوما.\rفإن اشترى هديا، ذبح في الحرم، سقط عنه الجزاء، بمجرد الذبح حتى إنه لو سرق، بعد الذبح، أو ضاع، بوجه ما قبل التصدق، فلا شئ عليه، ولو تصدق بكله على فقير واحد، جاز، لا يجب عليه التفريق على المساكين.","part":1,"page":422},{"id":404,"text":"ولو ذبحه في الحل، لا يسقط عنه الجزاء، إلا إذا تصدق بلحمه على الفقراء: على كل فقير قدر قيمة نصف صاع من حنطة، فيجزئه، بدلا عن الطعام أو الصيام، إذا بلغت قيمته قيمة الصيد وإلا فيكمل.\rوإذا اختار الطعام أو الصيام: يجزئانه في الاماكن كلها.\rويجوز في الاطعام، الاباحة والتمليك.\rويجوز الصوم متتابعا ومتفرقا.\rولو لم تبلغ قيمة الهدي، فله الخيار بين الاطعام والصيام.\rوالهدي هو كل ما يجوز في الاضاحي من الثنايا في المعز والشاة التي أتت عليها السنة، إلا الجذع من الضأن، إذا كان عظيما، وهو الذي أتت عليه ستة أشهر فصاعدا.\rوفي رواية الطحاوي عن محمد: الخيار في ذلك إلى الحكمين: إن شاءا حكما عليه هديا، وإن شاءا حكما عليه طعاما، وإن شاءا حكما عليه صياما، وليس له أن يخرج من حكمهما: فإن حكما عليه هديا، يجب عليه ذبح نظير المتلف من النعم الاهلي، من حيث الهيئة والصورة، إن كان له نظير من حيث الصورة عند محمد والشافعي، سواء كانت قيمته مثل قيمة المتلف أو أقل أو أكثر، بأن يجب في الظبي شاة، وفي النعامة بدنة، وفي الارنب عناق وفي اليربوع\rجفرة، والجفرة من أولاد المعز الذي أتى عليه ستة أشهر.\rوإن لم يكن له نظير من حيث الخلقة، فإنه يشتري بقيمته هديا، فيذبح في الحرم.","part":1,"page":423},{"id":405,"text":"فأما إذا ما حكما عليه طعاما أو صياما، فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف.\rفأما إذا كان المقتول غير مأكول اللحم: سوى المؤذيات المنصوص عليها، وقد قتله ابتداء، لا بطريق الدفع لاذاة فإنه يجب عليه الجزاء، عندنا خلافا للشافعي، إلا أنه لا يجاوز عن ثمن هدي وإن كانت قيمته أكثر من ذلك، في ظاهر الرواية.\rوعن الكرخي أنه قال: لا يبلغ دما، بل ينقص منه شئ.\rهذا حكم المحرم.\rفأما حكم صيد الحرم، فنقول: إن أخذ صيد الحرم وقتله، حرام لحرمة الحرم: قال النبي عليه السلام في صفة الحرم: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها.\rإذا ثبت هذا، فنقول: الحلال إذا أتلف صيدا، مملوكا، في الحرام معلما، كالبازي والحمام، فإنه يجب عليه قيمتان: قيمته معلما للمالك، وقيمته غير معلم، حقا لله تعالى، لانه جنى على حقين، إلا أن في حق الله تعالى يضمن من حيث إنه صيد، لا من حيث إنه معلم.\rولو أتلف صيدا غير مملوك، يجب عليه جزاء واحد، وهو قيمته.\rولو أتلف المحرم صيدا الحرم: فالقياس أن يجب عليه جزآن، لوجود الجناية على الحرم والاحرام.\rوفي الاستحسان: يجب عليه جزاء واحد، لان حرمة الاحرام أقوى من حرمة الحرم، فيجب اعتبار الاقوى.","part":1,"page":424},{"id":406,"text":"ولو اشترك الحلالان في إتلاف صيد الحرم، يجب عليهما جزاء واحد، لانه في معنى إتلاف مال الناس، كإتلاف المساجد، لان منافعها ترجع إلى العباد، فكان واجبا بطريق الجبر، والفائت واحد، فيكتفي بضمان واحد، بخلاف المحرمين: إذا أتلفا صيدا، يجب على كل واحد منهما جزاء كامل، لانه وجب حزاء الفعل، وفعل كل واحد منهما جناية على حدة.\rولو اشترك الحلال والحرام في قتل صيد خارج الحرم: إن كان غير مملوك لا يجب على الحلال شئ، ويجب على المحرم جزاء كامل.\rوإن كان مملوكا: يجب على الحلال نصف القيمة للمالك، وعلى المحرم نصف القيمة للمالك، وجزاء كامل لاجل الجناية على الاحرام.\rولو أن حلالا ومفردا بالحج اشتركا في قتل صيد الحرم: يجب على الحلال نصف الجزاء، وعلى المفرد جزاء كامل.\rولو اشترك الحلال والقارن: يجب على الحلال النصف وعلى القارن جزآن.\rولو اشترك الحلال والقارن والمفرد: يجب على الحلال ثلث الجزاء، وعلى المفرد جزاء واحد، وعلى القارن جزآن.\rوكذلك قطع شجرة، وحشيش نبت بنفسه في الحرم، فإنه يحرم قطعه، وعليه الجزاء، بقدر قيمته.\rوإن كان مما ينبته الناس، وصار ملكا لهم: لا يجب الجزاء بقطعه\rولكن تجب القيمة لصاحبه إلا في الاذخر، فإنه لا يجب بإتلافه شئ، فإن النبي عليه السلام لما قال: لا يختلى خلاها، قال العباس: إلا الاذخر، فقال: الاذخر، استثناه، وحكم المستثنى خلاف حكم المستثنى منه.","part":1,"page":425},{"id":407,"text":"وأما الكمأة في الحرم: فلا بأس بأخذها، لانها ليست من جنس النبات.\rوكذلك إذا جف النبات والشجر وسقط: فلا بأس بأخذه، لانه ليس من النبات، لانه خرج عن حد النمو.\rولو أن الحلال إذا دخل الحرم، ومعه صيد مملوك: يجب عليه إرساله في الحل، ولم يجز بيعه، لان التعرض للصيد حرام عليه في الحرم، وفي إمساكه تعرض له، وكذلك في بيعه.\rومعنى: يجب عليه إرساله في الحل أن يضعه في يد رجل وديعة، لا أن يضيعه ويطيره.\rولو ذبحه يجب عليه الجزاء، لانه لما وجب عليه الارسال، لحرمة الحرم، فيكون بالذبح تاركا للواجب.\rوكذلك الجواب في المحرم في الحل إذا كان في يده صيد مملوك: يجب أن يرسله في يد رجل، ولا يجوز له أن يبيعه ويذبحه، لانه تعرض له، وإزالة لامنه، وعليه الجزاء لو فعل ذلك.\rوأما مسائل الامر بالحج - فنقول: من مات، وعليه حجة الاسلام، وله مال، فلا يخلو: إما إن أمر بأن يحج عنه، وأوصى به، أو لم يأمر الوصي بشئ.\rأما إذا لم يوص، سقط عنه في حق أحكام الدنيا، ولا يجب على\rالوارث والوصي أن يأمر بالحج، عنه بماله عندنا.\rوقال الشافعي: يجب كمن مات، وعليه الزكاة من غير إيصاء: فإنه تسقط الزكاة عنه، عندنا، خلافا له، وقد ذكرنا في كتاب الزكاة.\rولو أحج الوارث عنه رجلا، بمال نفسه، أو حج عنه، بنفسه، من غير وصية من الميت، قال: تسقط عن الميت حجة الاسلام إن شاء الله.","part":1,"page":426},{"id":408,"text":"وأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه سأله رجل وقال: إن أمي قد ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ فقال: نعم.\rوإنما قال يجوز إن شاء الله، لان سقوط الحج بفعل الوارث، بغير أمره، أنما يثبت بخبر الواحد، وإنه لا يوجب العلم قطعا، فلا يحكم بسقوطه عنه قطعا، ولكن علق السقوط بالمشيئة، احترازا عن الشهادة على الله تعالى، من غير علم قطعا.\rفأما إذا أوصى، فإنه تصح وصيته من الثلث، لان ديون الله تعالى، من حيث إنه لا يجب بمقابلتها عوض مالي، فهي بمنزلة التبرعات فيعتبر خروجها من الثلث.\rويحج عن الميت من بلده، الذي يسكنه إن بلغ الثلث، ذلك لان الواجب عليه الحج من بلده، الذي هو يسكنه.\rولو أنه خرج إلى بلد آخر، أقرب إلى مكة، فمات فيه وأوصى بالحج ينظر: إن خرج لغير الحج: يحج من بلده بالاتفاق.\rفأما إذا خرج للحج ثم مات في الطريق قال أبو حنيفة: يحج من بلده.\rوقالا: يحج من حيث بلغ، لان الخروج من بلده، بنية الحج،\rيعتد من الحج، ولم يسقط اعتباره، بالموت، قال الله تعالى: * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) * ألا أن أبا حنيفة قال إنه لما لم يتصل بالحج بذلك الخروج، خرج من أن يكون وسيلة، وإن كان حكم الثواب قائما بوعد الله، ألا ترى أنه إذا خرج إلى السقر، بنية الحج، ثم أقام في بعض البلاد لعذر حتى دارت السنة، ثم مات وأوصى بأن يحج عنه، من بلده، لا من","part":1,"page":427},{"id":409,"text":"هذا الموضع الذي مات فيه، لما ذكرنا، كذا هنا.\rولو أوصى بأن يحج عنه من غير بلده من موضع أقرب إلى مكة، أو أبعد، فإنه يحج عنه، كما أوصى، لانه لا يجب الاحجاج عنه، بدون الوصية، فيجب بمقدار الوصية.\rوكذلك إذا أوصى بأن يحج عنه بمال مقدر: إن كان يبلغ أن يحج عنه من بلده، يحج من بلده، وإلا يحج عنه من حيث بلغ، لانه لما عين المال يجب الحج بهذا القدر من المال، لانه لم توجد الوصية بالزيادة عنه، وبدون الوصية لا يجب.\rوأما إذا أوصى بأن يحج عنه، مطلقا، فإنه يحج عنه من ثلث ماله: فإن بلغ ثلث ماله أن يحج عنه من بلده: يجب ذلك.\rوإن لم يبلغ من بلده: فالقياس أن تبطل الوصية، لانه لا يمكن تنفيذها على ما قصده الموصي.\rوفي الاستحسان: يحج من حيث يبلغ، لان قصده إسقاط الفرض عن نفسه، فإن لم يكن على الكمال فيصر إلى قدر الممكن.\rثم إن كان الثلث يبلغ أن يحج عنه، راكبا، من بلده، فأحج عنه،\rماشيا، لم يجز، لان الفرض هو الحج راكبا.\rأما إذا لم يبلغ الحج، راكبا، من بلده وبلغ الحج راكبا، من بلد آخر، أقرب إلى مكة، ومن بلده ماشيا: روى هشام عن محمد أنه يحج من حيث بلغ، راكبا، ولا يجوز أن يحج من بلده ماشيا، لما ذكرنا أن الفرض هو الحج راكبا فتنصرف الوصية إليه.\rوروى الحسن عنأبي حنيفة أنه قال: أن أحجوا عنه، ماشيا، من بلدة: جاز، وإن أحجوا راكبا من حيث بلغ: جاز، لان في كل واحد","part":1,"page":428},{"id":410,"text":"من الوجهين نقص من وجه وكمال من وجه فاستويا.\rثم الافضل أن يحج عنه من قد حج عن نفسه حجة الاسلام، لان من حضر مكة يكره له أن يترك حجة الاسلام، فيكون ما أدى حجا مكروها، ولكن جاز لان النبي عليه السلام قال للخثعمية: حجي عن أبيك ولم يسألها عن الحج عن نفسها، ولو كان الحكم يختلف لاستفسر.\rوهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لا يجوز، ويقع الحج عن الضرورة، أي عن نفسه.\rوعلى هذا: إذا حج الضرورة، بنية التطوع، يقع عن التطوع عندنا، وعنده يقع عن الفريضة.\rثم الحاج عن غيره إذا أصاب في إحرامه ما يوجب الدم، وغير ذلك من الصدقة: فهو على الحاج.\rوكذا دم المتعة والقران، إذا أمر بالقران.\rولا يجب على المحجوج عنه إلا دم الاحصار، لان هذه الدماء إنما\rوجبت لفعله، فإما دم الاحصار فإنه يجب للتخليص عن مشقة السفر، وهو الذي أوقعه في هذه المشقة، فعليه التخليص.\rولو جامع الحاج عن غيره، قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، ويمضي فيه، وينفق من ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه، ثم يقضي الحاج من مال نفسه حجة وعمره، من القابل، لانه أمر بحج صحيح، فإذا أفسد فقد خالف الامر، فصار حاجا على نفسه، والمأمور بالحج إذا حج عن نفسه، بنفقة الآمر، يضمن فإذا أفسده يجب عليه القضاء، على ما بينا.","part":1,"page":429},{"id":411,"text":"ولو كان مأمورا بالقران، فأفسد يلزمه قضاء حجة وعمرة، من مال نفسه، لما قلنا.\rفأما إذا فاته الحج، فإنه يصنع كما يصنع الذي فوته الحج ولا يضمن النفقة، لانه لم يوجد منه المخالفة، حتى ينقلب الحج عنه، والفوات حصل لا بصنعه، فلا يلزمه الضمان، وعليه من مال نفسه، الحج من قابل، لان الحجة لزمته بالدخول، فإذا فاتت لزمه قضاؤها، لان فعل الحج يقع عن الحاج وإنما تقع عن المأمور ثواب الحج.\rثم ما فضل في يد الحاج من النفقة بعد رجوعه، فإنه يرده على الورثة، ولا يسعه أن يمسكه، لان النفقة لا تصير ملكا للحاج، لان الاستئجار لا يصح عندنا في باب الحج وسائر القرب التي تجري فيها النيابة، حتى يكون المال أجرة، فيكون ملكا للاجير، ولكن ينفق المال على حكم ملك الميت في الحج ليكون له ثواب النفقة، فإذا فرغ من الحج يجب صرفه إلى ورثة الميت.\rولو كان للموصي بالحج وطنان، فإنه يحج عنه من أقرب الوطنين من مكة، لانا تيقنا بدخول الاقرب في الوصية، فكان الاخذ باليقين أولى.\rولو كان مكيا فقدم الري بالتجارة، فمات وأوصى بالحج، فإنه يحج عنه من مكة، لما ذكرنا أن الوصية بالحج تصرف إلى ما فرض الله عليه والفرض عليه من وطنه.\rولو أوصى بأن يحج عنه، فأعطى الوصي دراهم إلى رجل، ليحج عنه، فحج عنه ماشيا، قال: يضمن النفقة ويحج عن الميت راكبا، لان الحج الواجب على الموصي هو الحج راكبا، فتنصرف الوصية إليه فصار كما لو نص أن يحج عنه راكبا، ولو نص وحج ماشيا يضمن النفقة لمخالفة","part":1,"page":430},{"id":412,"text":"أمره، كذا هنا.\rومن حج عن ميت وقضى حجه، ثم نوى المقام بمكة خمسة عشر يوما، له أن ينفق من مال نفسه في مقامه، وإذا رجع بعد ذلك ينفق من مال الميت.\rوالحاصل أن الاقامة بعد الفراغ عن الحج: إن كانت معتادة: فالنفقة في مال الميت.\rوإن زادت على العادة: فالنفقة في ماله، وذلك مدة مقام القافلة، لانه لا يمكنه الخروج إلا مع الناس.\rوإذا كان منتظرا لخروج القافلة فالنفقة في مال الميت.\rوإذا تخلف عن القافلة: فالنفقة في ماله.\rوقد قالوا في الآفاقي إذا حج عن غيره فدخل بغداد فأقام بها مقدار ما يقيم الناس: فالنفقة في مال الميت، وإن أقام أكثر من ذلك: ففي\rماله، لكن إذا رجع: فالنفقة في مال الميت، لان هذه مدة الرجوع، فلم ينقطع حكم السفر الاول، فهي محسوبة على الميت.\rهذا إذا لم يتخذ دارا بمكة للاقامة.\rفأما إذ اتخذ دارا وأقام بها مدة.\rثم رجع، فالنفقة في ماله، لا في مال الميت، لانه انقطع حكم السفر الاول، باتخاذه دارا للاقامة.\rولو أن الحاج عن غيره إذا تعجل الدخول بمكة، بأن دخل في شهر رمضان محرما، فإن عليه أن ينفق من ماله إلى عشر الاضحى، وروي: إلى ما قبل الحج بيوم أو يومين، لان هذا القدر من المقام يعتاد في مكة للحج، فأما الزيادة عليه فلا، فينصرف الامر إلى المعتاد.\rولو دفع مالا إلى رجل ليحج عن الميت: فلم يبلغ مال الميت","part":1,"page":431},{"id":413,"text":"النفقة، فأنفق الحاج من مال نفسه ومن مال الميت، فإن كان مال الميت يبلغ الكراء، وعامة النفقة، فهو جائز، وإلا فهو لمال الميت، ويحج عن الميت، من ماله من حيث يبلغ، لانه إذا كان عامة النفقة من مال الميت والقليل من مال الحاج، فالقليل يسقط اعتباره بمقابلته الكثير، لحاجة الناس، لان الحاج يحتاج إلى أن يزيد من عنده النفقة، لزيادة الترفه والتوسعة، وأن يزيد ثيابا، ولو جعل هذا مانعا لامتنع الناس عن الحج عن الغير.\rفأما إذا كان الاكثر من مال نفسه، فلا عبرة للقليل، فيكون حاجا عن نفسه، فيضمن.\rثم في الحج ثلاث خطب: بين كل خطبتين فاصل، بيوم: فالخطبة الاولى: قبل يوم التروية، وهو اليوم السابع من ذي الحجة،\rالنفقة، فأنفق الحاج من مال نفسه ومن مال الميت، فإن كان مال الميت يبلغ الكراء، وعامة النفقة، فهو جائز، وإلا فهو لمال الميت، ويحج عن الميت، من ماله من حيث يبلغ، لانه إذا كان عامة النفقة من مال الميت والقليل من مال الحاج، فالقليل يسقط اعتباره بمقابلته الكثير، لحاجة الناس، لان الحاج يحتاج إلى أن يزيد من عنده النفقة، لزيادة الترفه والتوسعة، وأن يزيد ثيابا، ولو جعل هذا مانعا لامتنع الناس عن الحج عن الغير.\rفأما إذا كان الاكثر من مال نفسه، فلا عبرة للقليل، فيكون حاجا عن نفسه، فيضمن.\rثم في الحج ثلاث خطب: بين كل خطبتين فاصل، بيوم: فالخطبة الاولى: قبل يوم التروية، وهو اليوم السابع من ذي الحجة، بمكة، خطبة واحدة لا يجلس فيها، بعد صلاة الظهر، ويعلم الناس فيها أحكام المناسك إلى يوم عرفة.\rوالخطبة الثانية: يوم عرفة، قبل صلاة الظهر: يخطب خطبتين، يجلس بينهما جلسة خفيفة، ويعلم الناس فيها أحكام المناسك إلى أيام الثاني من أيام النحر، وذلك بعد الاذان، كما في يوم الجمعة.\rوالخطبة الثالثة: في اليوم الثاني من أيام النحر، بعد صلاة الظهر، بمنى، خطبة واحدة، يعلمهم فيها ما بقي من أحكام المناسك.\rوهو قول أصحابنا الثلاثة.\rوقال زفر: يخطب في الحج ثلاث خطب متواليات: يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر.\rوالله تعالى اعلم.","part":1,"page":432},{"id":414,"text":"تحفة الفقهاء - السمرقندي ج 2\rتحفة الفقهاء\rالسمرقندي ج 2","part":2,"page":0},{"id":415,"text":"تحفة الفقهاء","part":2,"page":1},{"id":416,"text":"تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى 535 ه وهى أصل \" بدائع الصنائع \" للكاساني - قال اللكنوي: \" ملك العلماء الكاساني، صاحب البدائع شرح تحفة الفقهاء: أخذ العلم عن علاء الدين محمد السمرقندي، صاحب التحفة \".\rالجزء الثاني دار الكتب العلمية بيروت لبنان","part":2,"page":3},{"id":417,"text":"جميع الحقوق محفوظة لدار الكتاب العلمية بيروت لبنان الطبعة الثانية دار الكتاب العلمية بيروت - لبنان ص - ب: 9424 / 11 - تلكس: - 41245 le nasher هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 4781373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 / 00","part":2,"page":4},{"id":418,"text":"كتاب البيوع\rاعلم أن البيع مشروع.\rعرفت شرعيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (1)، وقال تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (2).\rوأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: يا معشر التجار! إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوبوه بالصدقة وكذلك بعث النبي عليه السلام والناس يتبايعون، فقررهم على ذلك، والتقرير أحد وجوه السنة.\rوعليه إجماع الامة.\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 257.\r(2) سورة النساء: الاية 29.","part":2,"page":5},{"id":419,"text":"باب السلم البيع أنواع أربعة: أحدها: بيع العين بالعين، كبيع السلع بأمثالها نحو بيع الثوب بالعبد وغيره، ويسمى هذا بيع المقايضة.\rوالثاني: بيع العين بالدين، نحو بيع السلع بالاثمان المطلقة، وبيعها بالفلوس الرائجة، والمكيل والموزون والعددي المتقارب دينا.\rوالثالث: بيع الدين بالدين، وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق، وهو الدراهم والدنانير، وإنه يسمى عقد الصرف، ويعرف في كتابه إن شاء الله تعالى.\rوالرابع: بيع الدين بالعين، وهو السلم، فإن المسلم فيه مبيع وهو\rدين، ورأس المال قد يكون عينا وقد يكون دينا، ولكن قبضه شرط قبل افتراق العاقدين بأنفسهما، فيصير عينا.\rوالكلام في السلم في خمسة مواضع: في بيان مشروعيته، وفي بيان تفسيره لغة وشريعة، وفي بيان ركنه، وفي بيان شرطه، وفي بيان حكمه شرعا.","part":2,"page":7},{"id":420,"text":"أما الاول: فالقياس أن لا يجوز السلم، لانه بيع المعدوم.\rوفي الاستحسان جائز بالحديث، بخلاف القياس، لحاجة الناس إليه، وهو قوله عليه السلام: من أسلم منكم فليسلم في كل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم، وروي عنه عليه السلام أنه نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم.\rوأما تفسيره لغة: فهو عقد يثبت به الملك في الثمن عاجلا - وفي المثمن آجلا، يسمى سلما وإسلاما وسلفا وإسلافا لما فيه من تسليم رأس المال للحال.\rوفي عرف الشرع عبارة عن هذا أيضا مع زيادة شرائط ورد بها الشرع لم يعرفها أهل اللغة.\rوأما ركنه: فهو الايجاب والقبول.\rوالايجاب هو لفظ السلم والسلف بأن يقول رب السلم لآخر: أسلمت إليك عشرة دراهم في كر حنطة أو أسلفت وقال\rالآخر: قبلت.\rويسمى هذا رب السلم ويسمى المسلم أيضا.\rوالآخر يسمى المسلم إليه.\rوتسمى الحنطة المسلم فيه.\rولو قال المسلم إليه لآخر: بعت منك كر حنطة بكذا وذكر شرائط السلم، فإنه ينعقد أيضا، لانه بيع، على ما روينا أن النبي عليه السلام نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم.\rوأما شرائط جواز السلم فسبعة عشر: ستة في رأس المال، وأحد عشر في المسلم فيه.","part":2,"page":8},{"id":421,"text":"أما الستة التي في رأس المال فهي: أحدها: بيان الجنس أنه دراهم أو دنانير، أو من المكيل حنطة أو شعير، أو من الموزون قطن أو حديد، ونحو ذلك.\rوالثاني: بيان النوع أنه دراهم غطريفية (1) أو عدلية، أو دنانير محمودية أو هروية أو مروية.\rوهذا إذا كان في البلد نقود مختلفة، فأما إذا كان في البلد نقد واحد، فذكر الجنس كاف، وينصرف إليه لتعينه عرفا.\rوالثالث: بيان الصفة أنه جيد، أو ردئ، أو وسط.\rوالرابع: إعلام قدر رأس المال فهو شرط جواز السلم فيما يتعلق العقد فيه بالقدر، كالمكيل والموزون والعددي المتقارب.\rوهذا قول أبي حنيفة، وهو قول سفيان الثوري وأحد قولي الشافعي.\rوقال أبو يوسف ومحمد: ليس بشرط، وهو أحد قولي الشافعي.\rوصورة المسألة إذا قال رب السلم: أسلمت إليك هذه الدراهم، وأشار إليها، أو هذه الدنانير، وأشار إليها، ولم يعرف وزنها.\rوكذا إذا قال: أسلمت هذه الحنطة في كذا، ولم يعرف مقدار كيل رأس المال.\rوعلى هذا الخلاف: إذا قال: أسلمت إليك عشرة دراهم في كر حنطة وكر شعير، ولم يبين\r__________\r(1) وهى من اعز النقود ببخادى، وهي منسوبة الى غطريف بن عطاء الكندى امير خراسان ايام الرشيد.","part":2,"page":9},{"id":422,"text":"حصة كل واحد منهما من العشرة.\rوكذلك إذا أسلم عشرة دراهم في ثوبين مختلفين في القيمة.\rهذادإذا أسلم فيما يتعلق العقد فيه بالقدر.\rفأما إذا أسلم فيما لا يتعلق العقد فيه بالقدر، كالذرعيات والعدديات المتفاوتة، فإنه لا يشترط بيان الذرع في الذرعيات، ولا بيان القيمة فيها، ويكتفي بالاشارة والتعيين في قولهم جميعا.\rوأجمعوا في بيع العين أن إعلام قدر الثمن ليس بشرط إذا كان مشارا إليه، ودلائل المسألة تعرف في المبسوط إن شاء الله.\rوالخامس: كون الدراهم والدنانير منتقدة، فهو شرط الجواز عند أبي حنيفة أيضا مع إعلام القدر.\rوعندهما ليس بشرط.\rوالسادس: تعجيل رأس المال وقبضه قبل افتراق العاقدين بأنفسهما، فهو شرط الجواز عند عامة العلماء، سواء كان رأس المال عينا أو دينا.\rوقال مالك: إن كان رأس المال عينا لا يشترط تعجيله، وإن كان دينا يشترط في قول، وفي قول قال: يجوز التأخير يوما أو يومين.\rوأجمعوا أن في الصرف يشترط قبض البدلين قبل الافتراق بأبدانهما، سواء كان عينا كالتبر والمصوغ، أو دينا كالدراهم والدنانير.\rوأما الشرائط التي في المسلم فيه فهي أحد عشر: أحدها: بيان جنس المسلم فيه، حنطة أو شعير أو نحوهما.\rوالثاني: بيان نوعه، حنطة سقية أو بخسية (1)، سهلية أو جبلية.\r__________\r(1) السقيفة ما يسقى سيحا.\rوالبخيسة ما بالمطر وقد نسبت الى البخس لانها مبخوسة الحظ من الماء بالنسبة الى السيح غالبا.","part":2,"page":10},{"id":423,"text":"والثالث: بيان الصفة، حنطة جيدة أو رديئة أو وسط.\rوالرابع: إعلام قدر المسلم فيه، أنه كر أو قفيز، بكيل معروف عند الناس - لان ترك بيان هذه الاشياء يوجب جهالة مفضية إلى المنازعة، وهي مفسدة، بالاجماع.\rوالخامس: أن لا يشمل البدلين أحد وصفي علة ربا الفضل، وهو القدر المتفق، أو الجنس، لانه يتضمن ربا النساء، والعقد الذي فيه ربا فاسد.\rوالسادس: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين، حتى لا يجوز السلم في الدراهم والدنانير.\rفأما في التبر هل يجوز السلم فيه؟ على قياس رواية كتاب الصرف: لا يجوز، لانه ألحقه بالمضروب، وعلى قياس رواية كتاب الشركة جاز، لانه ألحقه بالعروض، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا: أنه كالعروض.\rوأما السلم في الفلوس فقد ذكر في الاصل وقال: إنه يجوز، ولم يذكر الاختلاف، ويجب أن يكون ذلك على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لان عندهما ليس بثمن مطلق بل يحتمل التعيين في الجملة.\rوعلى قول محمد لا يجوز، لانه ثمن مطلق، على ما عرف في بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما.\rوالسابع: الاجل في المسلم فيه شرط الجواز، وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: ليس بشرط.\rولقب المسألة أن السلم الحال لا يجوز عندنا، وعنده يجوز.\rثم لا رواية عن أصحابنا، في المبسوط، في مقدار الاجل، واختلفت الروايات عنهم، والاصح ما روي عن محمد أنه مقدر بالشهر،","part":2,"page":11},{"id":424,"text":"لانه أدنى الآجل وأقصى العاجل.\rوالثامن: أن يكون جنس المسلم فيه موجودا من وقت العقد إلى وقت محل الاجل، ولا يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس، كالحبوب.\rفأما إذا كان منقطعا وقت العقد، أو وقت حلول الاجل، أو فيما بين ذلك، فإنه لا يجوز عندنا.\rوقال الشافعي: إن كان موجودا وقت محل الاجل يجوز وإن كان منقطعا في غيره من الاحوال.\rولقب المسألة أن السلم في المنقطع: هل يجوز أم لا؟ وهي مسألة معروفة.\rوكذلك المسلم فيه إذا كان منسوبا إلى موضع معلوم يحتمل انقطاعه عليه بالآفة، كحنطة قرية كذا أو أرض كذا، لا يجوز، لانه يحتمل\rالانقطاع بالآفة.\rوذكر في الاصل: إذا أسلم في حنطة هراة لا يجوز.\rوقاس عليه بعض مشايخنا أنه لو أسلم في حنطة سمرقند أو بخارى: لا يجوز، وإنما يجوز إذا ذكر الولاية نحو خراسان وفرغانة.\rوالصحيح أن في حنطة البلدة الكبيرة يجوز، لانها لا تحتمل الانقطاع غالبا.\rوما ذكره محمد في الاصل من حنطة هراة أراد به اسم قرية من قرى عراق دون البلدة المعروفة التي تسمى هراة.\rوالتاسع: أن يكون العقد باتا، ليس فيه خيار الشرط، لهما أو لاحدهما، حتى لو أسلم عشرة دراهم في كر حنطة على أنه بالخيار ثلاثة أيام وقبض المسلم إليه رأس المال، وتفرقا بأبدانهما، ويبطل عقد السلم، لان البيع بشرط الخيار ثبت، بخلاف القياس لحاجة الناس، فلا حاجة إليه في السلم.","part":2,"page":12},{"id":425,"text":"ولو أبطلا الخيار قبل التفرق، ورأس المال قائم في يد المسلم إليه، ينقلب جائزا عندنا، خلافا لزفر، ولو كان رأس المال هالكا لا ينقلب إلى الجواز بالاجماع.\rوالعاشر: بيان مكان الايفاء فيما له حمل ومؤونة، كالحنطة والشعير وغيرهما، فإنه شرط لجواز السلم، حتى لو ترك لم يجز السلم في قول أبي حنيفة الآخر.\rوكذا الخلاف في الاجارة، إذا آجر داره سنة، بأجر له حمل ومؤونة، ولم يعين مكانا للايفاء، لم تجز الاجارة، في قوله الآخر.\rوعلى قولهما جاز.\rوحاصل الخلاف راجع إلى أن مكان العقد هل يتعين مكانا للايفاء فيما له حمل ومؤونة؟ مع اتفاقهم على أن مكان الايفاء إذا كان مجهولا لا يجوز السلم، لانه جهالة مفضية إلى المنازعة.\rوإذا لم يتعين مكان العقد مكانا للايفاء، عند أبي حنيفة، ولم يعينا مكانا آخر للايفاء، صار مكان الايفاء مجهولا، فيفسد السلم.\rوعندهما: يتعين مكان العقد مكانا للايفاء، فلا يؤدي إلى الجهالة، فيصح السلم.\rوفي الاجارة عندهما يتعين بتعين مكان إيفاء المعقود عليه، مكان إيفاء الاجرة، فإن كان لمستأجر دارا أو أرضا، فتسلم عند الدار والارض، وإن كانت دابة: فعند المرحلة، وإن كان ثوبا دفع إلى قصار ونحوه، يدفعها في الموضع الذي يسلم فيه الثوب إليه.\rوإنما يتعين مكان العقد مكان التسليم عندهما إذا أمكن التسليم في مكان العقد، فأما إذا لم يمكن، بأن كان في البحر أو على رأس الجبل، فإنه لا يتعين مكان العقد للتسليم، ولكن يسلم في أقرب الاماكن، الذي","part":2,"page":13},{"id":426,"text":"يمكن التسليم فيه، من مكان العقد.\rفأما المسلم فيه إذا كان شيئا ليس له حمل ومؤونة، كالمسك والكافور، والجواهر واللآلئ ونحوها، فعن أصحابنا روايتان: في رواية: يتعين مكان العقد.\rوفي رواية: يسلم حيثما لقيه، ولا يتعين مكان العقد.\rولو شرطا مكانا آخر للايفاء سوى مكان العقد، فإن كان فيما له حمل و مئونة: يتعين.\rوإن كان فيما ليس له حمل ومؤونة ففيه روايتان: في رواية: لا يتعين، وله أن يوفيه في أي مكان شاء.\rوفي رواية: يتعين، وهو الاصح.\rوالحادي عشر: أن يكون المسلم فيه مما يضبط بالوصف، وهو أن يكون من الاجناس الاربعة: المكيل، والموزون، والذرعي والعددي المتقارب.\rفأما إذا كان مما لا يضبط بالوصف، كالعدديات المتفاوتة والذرعيات المتفاوتة، مثل الدور والعقار والجواهر واللآلئ والادم (1) والجلود والخشب والروس والاكارع (2) والرمان والسفرجل والبطاطيخ ونحوها، لا يجوز، لان المسلم فيه ما يثبت دينا في الذمة، وسوى هذه الاجناس الاربعة لا يثبت دينا في الذمة، في عقود المعاوضات، إلا إذا كان شيئا من جنس الجلود والادم والخشب والجذوع إذا بين شيئا معلوما من هذه الاشياء، وطولا معلوما، وغلظا معلوما، وأن تجتمع فيه شرائط السلم والتحق بالمتقارب يجوز.\r__________\r(1) جمع أديم وهو الجلد المدبوغ.\r(2) جمع كراع وهو ما دون الركبة في الدواب.","part":2,"page":14},{"id":427,"text":"وكذلك السلم في الجوالق والمسوح والفرش.\rوأما السلم في الحيوان: فجائز عند الشافعي إذا بين جنسه، ونوعه وسنه، وصفته، وأنه في نجارى فلان أو إبل فلان أو غنم فلان.\rوعندنا: لا يجوز كيفما كان.\rويجوز السلم في الاليات والشحوم، وزنا، بلا خلاف.\rوأما السلم في اللحم مع العظم الذي فيه: فلا يجوز، عند أبي حنيفة أصلا.\rوقال أبو يوسف ومحمد و الشافعي: يجوز إذا بين جنس اللحم بأن قال: لحم شاة أو بقر، وبين السن بأن قال: لحم شاة ثني أو جذعة، وبين النوع بأن قال لحم شاة ذكر أو أنثى، خصي أو فحل، معلوفة أو سائمة، وبين صفة اللحم بأن قال: سمين أو مهزول أو وسط، وبين الموضع بأن قال: من الكتف أو من الجنب، وبين المقدار بأن قال: عشرة أمناء.\rوأما منزوع العظم: فقد اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة، ذكر الكرخي وقال: يجوز.\rوذكر الجصاص وقال: لا يجوز، لاختلاف السمن والهزال.\rوأما السلم في السمك: فقد اضطربت عبارة الروايات، عن أصحابنا، في الاصل والنوادر.\rوالصحيح من المذهب أن السلم يجوز في السمك الصغار، كيلا أو وزنا، ويستوي فيه المالح والطري في حينه، وأما الكبار ففيه روايتان عن أبي حنيفة، في ظاهر الرواية: يجوز كيفما كان وزنا.","part":2,"page":15},{"id":428,"text":"وفي رواية أبي يوسف في الامالي عنه أنه لا يجوز.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد: يجوز في ظاهر الرواية كما في اللحم.\rوفي رواية أخرى عنهما: لا يجوز، بخلاف اللحم.\rوأما السلم في الثياب: فإذا بين جنسه، ونوعه وصفته، ورقعته، وذرعه، يجوز استحسانا، والقياس أن لا يجوز.\rوهل يشترط بيان الوزن في الثوب الحرير؟ اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: هو شرط.\rوقال بعضهم: ليس بشرط، لان الحرير ذرعي كالكتان والكرباس.\rوعلى هذا، السلم في الاعداد المتقاربة مثل الجوز والبيض ونحوهما: جائز كيلا ووزنا وعددا في قول علمائنا الثلاثة.\rوقال زفر: يجوز كيلا ووزنا، ولا يجوز عددا.\rوقال الشافعي: يجوز كيلا ووزنا في الجوز واللوز، ولا يجوز عددا.\rوفي البيض يجوز كيلا ووزنا وعددا.\rولو أسلم في الفلوس عددا، يجوز في ظاهر الرواية.\rوعن محمد أنه لا يجوز، لانها من جملة الاثمان.\rولو أسلم في التبن أوقارا (1) لا يجوز، لتفاوت فاحش بين الوقرين، إلا إذا كان في فيمان (2) معلوم من فيامين الناس لم يختلف فيجوز.\rولو أسلم في الخبز هل يجوز؟ لم يذكر محمد في ظاهر الرواية.\rوذكر في نوادر ابن رستم على قول أبي حنيفة ومحمد لا يجوز، وعلى قول أبي\r__________\r(1) الوقر حمل البغل أو الحمار ويستعمل في البعير.\r(2) تعريب بيمان - ومنه: اشترى كذا فيمانا من صبرة.","part":2,"page":16},{"id":429,"text":"يوسف يجوز إذا شرط ضربا معلوما، ووزنا معلوما، وأجلا معلوما.\rوأما استقراض الخبز هل يجوز؟ على قول أبي حنيفة لا يجوز لا وزنا ولا عددا كالسلم.\rوأبو يوسف جوز القرض فيه وزنا لا عددا، كالسلم.\rومحمد لم يجوز السلم فيه، لا وزنا ولا عددا، وجوز استقراضه عددا، لا وزنا، لحاجة الناس، فكأنه ترك القياس في جواز استقراضه عددا، لعرف الناس، وإن لم يكن من ذوات الامثال.\rوأما بيان حكم السلم شرعا فثبوت الملك، لرب السلم، في المسلم فيه، مؤجلا بمقابلة ثبوت الملك في رأس المال.\rالمعين أو الموصوف، معجلا للمسلم إليه، بطريق الرخصة، دفعا لحاجة الناس بشرائط مخصوصة لم تكن مشروطة في بيع العين.\rولا بد أن يختلف البيع والسلم في بعض الاحكام، ونذكر بعض ذلك: منها - أن الاستبدال برأس مال السلم قبل القبض لا يجوز، والاستبدال بالثمن جائز إذا كان دينا لان قبض رأس المال شرط والاستبدال يفوت القبض حقيقة، وإن وجد من حيث المعنى، كما لا يجوز الاستبدال ببدلي الصرف، لان قبضهما شرط حقيقة، فأما قبض الثمن فليس بشرط، والبدل يقوم مقامه معنى.\rوأما الاستبدال بالمسلم فيه فلا يجوز، قبل القبض، كالاستبدال بالمبيع المعين، لان المسلم فيه مبيع وإن كان دينا، فيكون بيع المبيع المنقول قبل القبض، وإنه لا يجوز، بخلاف سائر الديون.","part":2,"page":17},{"id":430,"text":"وأما الاستبدال برأس المال، بعد الاقالة أو بعد انفساخ السلم، بأي طريق كان: فلا يجوز في قول علمائنا الثلاثة استحسانا، والقياس أن\rيجوز، وهو قول زفر، سواء كان رأس المال عينا أو دينا.\rوأجمعوا على أن الاستبدال ببدلي الصرف، بعد الاقالة، قبل القبض جائز.\rوأجمعوا أن قبض رأس المال بعد الاقالة في باب السلم في مجلس الاقالة ليس بشرط لصحة الاقالة، وفي الصرف شرط لصحة الاقالة.\rوأجمعوا على أن السلم إذا كان فاسدا في الاصل، فلا بأس بالاستبدال فيه قبل القبض، ولا يكون له حكم السلم، كسائر الديون.\rومنها - أن رب السلم لو أخذ بعض رأس المال وبعض المسلم فيه، بعد محل الاجل أو قبله، برضا صاحبه، فإنه يجوز، ويكون إقالة للسلم فيما أخذ من رأس المال، ويبقى السلم في الباقي، وهو قول عامة العلماء.\rوقال مالك وابن أبي ليلى: ليس له ذلك، فهو إما أن يأخذ جميع رأس المال، أو يأخذ جميع المسلم فيه.\rوفي بيع العين إذا أقال في البعض دون البعض، جاز بالاجماع.\rوأجمعوا أنه لو أخذ جميع رأس المال، برضا صاحبه، أو أقال جميع السلم، أو تصالحا على رأس المال، فإنه يكون إقالة صحيحة، وينفسخ السلم.\rولو أخذ بعض رأس المال، قبل محل الاجل، ليعجل باقي السلم، فإنه لا يجوز كذا ذكر في الكتاب، ومعناه أنه لا يجوز هذا الشرط،","part":2,"page":18},{"id":431,"text":"وتصح الاقالة، لانه يصير في معنى الاعتياض عن الاجل، فيكون شرطا\rفاسدا، إلا أن الاقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وهذا على قياس قول أبي حنيفة ومحمد.\rفأما على قياس قول أبي يوسف: فتبطل الاقالة، والسلم كله باق، إلى أجله، لان عنده الاقالة بيع جديد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة.\rومنها: أن المسلم إليه إذا أبرأ رب السلم عن رأس المال، لا يصح، بدون قبول رب السلم، وإذا قبل يصح الابراء، ويبطل السلم، لانه فات قبض رأس المال، لانه لا يتصور قبضه بعد صحة الابراء.\rولو رده أو لم يقبله بقي عقد السلم صحيحا، فله أن يسلم رأس المال قبل الافتراق، حتى لا يفسد.\rولو أبرأ عن ثمن المبيع، صح من غير قبول، إلا أنه يرتد بالرد.\rوالفرق هو أن قبض رأس المال، في المجلس شرط صحة عقد السلم، فلو صح الابراء، من غير قبول الآخر، لانفسخ السلم من غير رضا صاحبه، وهذا لا يجوز، بخلاف الثمن، لان قبضه ليس بشرط.\rولو أبرأ عن المسلم فيه جاز، لان قبضه ليس بشرط، والابراء عن دين، لا يجب قبضه شرعا، إسقاط لحقه لا غير فيملك ذلك.\rولو أبرأ عن المبيع، لا يصح، لان الابراء، عن الاعيان، لا يصح.\rومنها: أن الحوالة برأس مال السلم، والكفالة به، والرهن به، وبالمسلم فيه أيضا جائز عندنا.\rوعند زفر: يجوز بالمسلم فيه، ولا يجوز برأس المال.\rوعن الحسن البصري أنه لا يجوز ذلك كله، لا برأس المال، ولا بالمسلم فيه.","part":2,"page":19},{"id":432,"text":"وعلى هذا الخلاف: الحوالة، والكفالة، والرهن بأحد بدلي الصرف.\rثم متى جاز ذلك عندنا يجب أن يقبض المسلم إليه رأس المال من الحويل والكفيل أو من رب السلم، أو يهلك الرهن قبل أن يتفرقا عن المجلس، وقيمة الرهن مثل رأس المال أو أكثر، حتى يحصل الافتراق عن قبض رأس المال، فيجوز، ولا يبطل العقد.\rوأما إذا تفرق رب السلم والمسلم إليه، قبل القبض، يبطل السلم، وإن بقي الحويل والكفيل مع رب السلم.\rولو ذهب الحويل والكفيل، وبقي المسلم إليه مع رب السلم، لا يبطل السلم، والعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما.\rوكذلك في باب الصرف، العبرة لبقاء العاقدين.\rوكذلك في الرهن، إذا لم يهلك حتى تفرقا، يبطل السلم، لانعدام قبض رأس المال.\rهذا في جانب رأس المال.\rفأما في جانب المسلم فيه، فالمحيل يبرأ بنفس عقد الحوالة، ويبقى تسليم المسلم فيه واجبا على المحتال عليه إذا حل الاجل، فإذا حل الاجل يطالب رب السلم المحتال، عليه ولا سبيل له على المحيل.\rوفي الكفالة رب السلم بالخيار إن شاء طالب الاصيل، وإن شاء طالب الكفيل، وله أن يحبس الرهن حتى يأخذ المسلم فيه.\rومنها: أن المسلم إليه إذا قال بعد قبض رأس المال إنه زيوف أو نبهرجة أو مستحق أو ستوقة أو معيب، فلا يخلو إما إن صدقه رب\rالسلم أو كذبه.","part":2,"page":20},{"id":433,"text":"أما إذا صدقه، فله حق الرد، ثم لا يخلو إما إن كان رأس المال عينا أو دينا: فإن كان عينا فاستحق في المجلس أو رد بالعيب بعد الافتراق، ولم يجز لمستحق، ولم يرض المسلم إليه بالعيب فإنه يبطل السلم، لان العقد وقع على العين.\rفإذا لم يجز، فقد فات البدل، فصار كما لو هلك المبيع قبل القبض.\rولو أجاز المستحق أو رضي المسلم إليه بالعيب، جاز، لانه سلم له البدل من الاصل.\rفأما إذا كان رأس المال دينا فقبضه ثم وجده ستوقة أو رصاصا أو مستحقا أو زيوفا أو نبهرجة فلا يخلو إما إن وجد ذلك في مجلس السلم أو بعد الافتراق، ولا يخلو إما إن تجوز بذلك المسلم إليه أو لم يتجوز.\rأما إذا وجد ستوقة أو رصاصا في المجلس، فتجوز به فلا يجوز، لان هذا ليس من جنس حقه، فيكون استبدالا برأس المال قبل القبض، فصار كما لو استبدل ثوبا من رب السلم مكان الدرهم.\rفأما إذا رده وقبض شيئا آخر مكانه، جاز، لانه لما رده وانتقض قبضه، جعل كأن لم يكن، وأخر القبض إلى آخر المجلس، فإن ذلك جائز كذلك هذا.\rوأما إذا وجد ذلك مستحقا، فإن صحة القبض موقوفة على إجازة المستحق إن أجاز جاز، وإن لم يجز بطل.\rفأما إذا وجد زيوفا أو نبهرجة فإن تجوز بها جاز، لانها من جنس\rحقه، فيصير مستوفيا مع النقصان.\rوإن رده واستبدل مكانه في مجلس العقد جاز، لانه وجد مثله في","part":2,"page":21},{"id":434,"text":"المجلس، فكان القبض متأخرا.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان ذلك في مجلس السلم.\rفأما إذا كان بعد تفرقهما، فإن وجد شيئا من رأس المال ستوقة أو رصاصا، بطل السلم بقدره، قل أو كثر، كيفما كان، لانها ليست من جنس حق المسلم إليه فظهر أن الافتراق حصل من غير قبض رأس المال، بقدر الستوقة، فيبطل بقدره ولا يعود جائزا بالقبض بعد المجلس، كما لو لم يقبض أصلا ثم قبض بعد الافتراق.\rوإن وجد ذلك مستحقا: إن أجاز المستحق، جاز، لان القبض موقوف على إجازته، إذا كان رأس المال قائما، نص على ذلك في الجامع الكبير، وإن رد، بطل السلم بقدره، لما ذكرنا أن القبض موقوف.\rوأما إذا وجد ذلك زيوفا أو نبهرجة إن تجوز به جاز، وإن لم يتجوز به ورده: أجمعوا على أنه إن لم يستبدل في مجلس الرد، بطل السلم بقدر ما رد.\rفأما إذا استبدل مكانه جيادا في مجلس الرد فالقياس أن يبطل السلم بقدره، قال المردود أو كثر، وبه أخذ زفر.\rوفي الاستحسان لا يبطل، قل أو كثر، وهو قول أبي يوسف ومحمد.\rوأبو حنيفة أخذ في الكثير بالقياس، وفي القليل بالاستحسان.\rوكذلك على هذا الخلاف أحد المتصارفين إذا وجد شيئا مما قبض\rزيوفا ورده بعد المجلس.\rثم اتفقت الروايات عن أبي حنيفة أن ما زاد على النصف كثير، وما دونه فهو قليل.","part":2,"page":22},{"id":435,"text":"وأما في النصف فذكر في الاصل وجعله في حكم القليل في موضع، وحكم الكثير في موضع.\rوروي في النوادر أنه قدره بالثلث فصاعدا وهو الاصح.\rهذا الذي ذكرنا حكم رأس المال فأما حكم المسلم فيه إذا وجد رب السلم بالمسلم فيه عيبا بعد ما قبضه فإن له خيار العيب، إن شاء تجوز به، وإن شاء رده، ويأخذ منه السلم غير معيب، لان حقه في السليم دون المعيب.\rإلا أن خيار الشرط والرؤية لا يثبت في السلم، على ما ذكرنا في جانب رأس المال.\rهذا إذا صدقه رب السلم، فأما إذا كذبه وأنكر أن تكون الدراهم التي جاء بها من دراهمه التي أعطاها، وادعى المسلم إليه أنها من دراهمه، فهذا لا يخلو من ستة أوجه: إما إن كان المسلم إليه أقر ذلك، قبل ذلك، فقال: قبضت الجياد، أو: قبضت حقي، أو: قبضت رأس المال، أو: استوفيت الدراهم، أو: قبضت الدراهم، أو: قال قبضت، ولم يقل شيئا آخر.\rففي الفصول الاربعة الاولى لا تسمع دعواه بعد ذلك أني وجدته زيوفا، ولم يكن له حق استحلاف رب السلم بالله: إنها ليست\rمن دراهمك التي قبضتها منك، لانه بإقراره بقبض الجياد، يصير مناقضا في دعواه، لانه أقر بقبض الجياد، ثم قال: لم أقبض الجياد بل هي زيوف، والمناقضة تمنع صحة الدعوى، والحلف بناء على الدعوى الصحيحة.\rوأما إذا قال المسلم إليه: قبضت الدراهم، ثم قال: هي زيوف فالقياس أن يكون القول قول رب السلم: إنها ليست من دراهمه مع يمينه","part":2,"page":23},{"id":436,"text":"على ذلك، وعلى المسلم إليه البينة أنها من الدراهم التي قبضها منه، لان المسلم إليه يدعي أنها مقبوضة مع العيب، ورب السلم ينكر أنها مقبوضة، أو أنها التي قبضها منه، ويكون القول قول المنكر مع يمينه.\rوفي الاستحسان: القول قول المسلم إليه مع يمينه، وعلى رب السلم البينة أنه أعطاه الجياد، لان رب السلم بإنكاره أنها ليست من دراهمه يدعي إيفاء حقه، وهو الجياد، والمسلم إليه بدعواه أن هذه الدراهم: قبضتها منك وإنها زيوف، ينكر قبض حقه، فيكون القول قوله مع يمينه أنه لم يقبض حقه، وعلى المدعي البينة أنه أوفاه حقه.\rوهذا هو القياس في الفصول الاخر إلا أن ثمة سبق منه ما يناقض دعواه، وهو الاقرار بالجياد، وههنا لم يسبق، لان ذكر قبض الدراهم يقع على الزيوف والجياد جميعا، بخلاف الفصول الاولى.\rوأما إذا قال: قبضت لا غير، ثم قال: وجدته زيوفا، يكون القول قوله، كما قلنا في الفصل الاول، إلا أن ههنا إذا قال: وجدته ستوقة أو رصاصا، فإنه يصدق، بخلاف ما إذا قال: قبضت الدراهم، ثم قال: وجدتها ستوقة أو رصاصا، فإنه لا يقبل قوله، لان في قوله قبضت\rإقرارا بمطلق القبض، والستوقة تقبض، فبقوله: ما قبضته ستوقة، لا يكون مناقضا، وفي قوله: قبضت الدراهم، يصير مناقضا لقوله: قبضت الستوقة والرصاص، لانه خلاف جنس الدراهم.","part":2,"page":24},{"id":437,"text":"باب الربا الربا (1) نوعان: ربا الفضل وربا النساء.\rفالاول: هو فضل عين مال على المعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، عند اتحاد الجنس.\rوالثاني: هو فضل الحلول على الاجل، وفضل العين على الدين، في المكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس، أو في غير المكيلين وغير الموزونين عند اتحاد الجنس.\rوعلة ربا الفضل هي القدر المتفق مع الجنس، أعني الكيل في المكيلات، والوزن في الاثمان والمثمنات.\rوعلة ربا النساء هي وجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وهي الكيل في المكيلات أو الوزن المتفق، أعني أن يكونا ثمنين أو مثمنين، لان وزن الثمن يخالف وزن المثمن.\rوهذا عندنا، وعند الشافعي: ربا الفضل هو الفضل المطلق من حيث الذات، أو حرمة بيع المطعوم بجنسه، ثم التساوي، في المعيار الشرعي مع اليد، مخلص عن هذه الحرمة، بطريق الرخصة.\rوربا النساء هو فضل الحلول في المطعومات والاثمان.\r__________\r(1) من ربا المال أي زاد وبنسب الى الربا فيقال ربوي بكسر الراء والفتح خطا فيقال الاشياء الربويه.","part":2,"page":25},{"id":438,"text":"وعلة ربا الفضل هي الطعم في المطعومات، والثمنية في الاثمان المطلقة، وهي الذهب والفضة والجنس شرط.\rوعلة ربا النساء هي علة ربا الفضل، دون الجنس، وهي الطعم أو الثمنية.\rودلائل هذه الجملة تعرف في الخلافيات.\rوفائدة الخلاف في ربا الفضل تظهر في فصلين: أحدهما: في بيع مطعوم بجنسه غير مقدر، كبيع الحفنة بالحفنتين والسفرجلة بالسفرجلتين والبطيخة بالبطيختين ونحوها، يجوز عندنا لعدم القدر، ولا يجوز عنده لوجود العلة وهي الطعم.\rوالثاني: في بيع مقدر بمقدر غير مطعوم، كبيع قفيز جص بقفيزي جص، أو من من حديد بمنوي حديد، ونحوهما، لا يجوز عندنا في الجص، لوجود علة ربا الفضل، وهي الكيل والجنس، وعنده يجوز لعدم العلة وهي الطعم.\rوفي الحديد لا يجوز عندنا لوجود الوزن والجنس، وعنده يجوز لعدم الثمنية والطعم.\rوأجمعوا أنه لو باع قفيز أرز بقفيزي أرز، لا يجوز، لوجود الكيل والجنس عندنا، ولوجود الجنس والطعم عنده.\rوأجمعوا أنه إذا باع من زعفران، أو من سكر بمنوي سكر، لا يجوز لوجود الوزن والجنس عندنا، ولوجود الطعم والجنس عنده.\rوأما فروع ربا النساء وفائدة الخلاف بيننا وبين الشافعي أنه إذا باع قفيز حنطة بقفيزي شعير نسيئة مؤجلة، أو دينا موصوفا في الذمة غير مؤجل، لا يجوز بالاجماع، لوجود علة ربا النساء، وهي أحد وصفي\rعلة ربا الفضل، وهي الكيل عندنا، والطعم عنده.","part":2,"page":26},{"id":439,"text":"وإذا باع قفيز جص بقفيزي نورة، مؤجلا بأن أسلم، أو غير مؤجل بأن باع دينا في الخدمة، ولا يجوز عندنا لوجود الكيل وعنده يجوز لعدم الطعم.\rولو أسلم من حديد في مني حديد، لا يجوز عندنا، لوجود الوزن المتفق، لكونهما موزونين، وعنده يجوز لعدم الطعم والثمنية.\rولو باع من سكر بمن زعفران، دينا في الذمة لا يجوز بالاجماع، لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وهو الوزن المتفق عندنا، لانهما مثمنان، ولوجود الطعم عنده.\rولو أسلم دراهم في زعفران أو في قطن أو حديد، فإنه يجوز بالاجماع، أما عندنا فلانه لم يوجد الوزن المتفق، فإن الدراهم توزن بالمثاقيل، والقطن والحديد والزعفران يوزن بالقبان.\rولو أسلم نقرة فضة في نقرة ذهب لا يجوز بالاجماع، لوجود الوزن المتفق عندنا، فإنهما يوزنان بالمثاقيل، وعنده لوجود الثمنية.\rولو أسلم الحنطة في الزيت، جاز عندنا، لان أحدهما مكيل والآخر موزون، فكانا مختلفين قدرا، على قوله لا يجوز لوجود الطعم.\rفأما تفسير الجنس بانفراده، إذا أسلم ثوبا هرويا (1) في ثوب هروي، لا يجوز عندنا، لان الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل، فيحرم النساء، وعند الشافعي يجوز، لان الجنس عنده شرط.\rولو أسلم ثوبا هرويا في ثوب مروي (2) جاز، بالاجماع، لانه لم يوجد\r__________\r(1 و 2) ثوب هروى بالتحريك ومروى بالسكون منسوب الى هراة ومرو - وهما قريتان بخراسان.\rوقيل: على شط الفرات.","part":2,"page":27},{"id":440,"text":"الجنس، ولا الوزن المتفق، ولا الطعم، ولا الثمنية.\rولو أسلم جوزة في جوزة أو سفرجلة في سفرجلة، لا يجوز بالاجماع لوجود الجنس عندنا ولوجود الطعم عنده.\rثم فرق بين المكيل والموزون وبين الثوب والثوب من وجه، وهو أن ربا النساء لا يتحقق في الثوب إلا بطريق السلم، لان الثياب لا تثبت دينا في الذمة، إلا سلما، فأما في المكيل والموزون فيتحقق ربا النساء مؤجلا وحالا دينا موصوفا في الذمة.\rبيانه: لو أسلم ثوبا هرويا في ثوب هروي، لا يجوز لانه مؤجل.\rولو باع ثوبا هرويا، بثوب هروي موصوف في الذمة حالا، لا يجوز، لانه لا يجوز أن يكون ثمنا إلا باعتبار ربا النساء.\rولو باع قفيز حنطة بعينها، بقفيزي، شعير موصوف في الذمة دينا غير مؤجل، لا يجوز، لان العين خير من الدين وإن كان حالا.","part":2,"page":28},{"id":441,"text":"باب الشراء والبيع يحتاج في هذا الباب إلى: بيان ركن البيع والشراء، وبيان شروطه،\rوبيان أقسامه، وبيان حكمه شرعا.\rأما بيان الركن فهو الايجاب من البائع، والقبول من المشتري، إلا أن ذلك قد يكون بلفظين، وقد لا يتحقق إلا بثلاثة ألفاظ.\rأما ما يتحقق بلفظين فقد يكون بدون النية، وقد يكون مع النية.\rأما من غير النية، فبأن يكون اللفظان بصيغة الماضي، نحو أن يقول البائع: بعت منك هذا العبد بكذا \" فقال المشتري \" ابتعت، أو \" اشتريت \" أو ما يؤدي معناه كقوله أخذت وقبلت ورضيت وفعلت ونحو ذلك لان هذا في عرف أهل اللغة والشرع مستعمل لايجاب الملك للحال بعوض، وإن كان بصيغة الماضي.\rوكذلك إذا بدأ المشتري فقال: اشتريت منك هذا العبد بكذا، فقال البائع: بعته منك أو أعطيته أو بذلته أو رضيت أو \" هو لك \".","part":2,"page":29},{"id":442,"text":"وأما الذي لا ينعقد بدون النية فأن يخبر عن نفسه في المستقبل، بلفظة الاستقبال وهو أن يقول البائع: أبيع منك هذا العبد بألف، أو أبذله أو أعطيكه.\rفقال المشتري اشتريه بذلك، أو آخذه ونويا الايجاب للحال، أو كان أحدهما بلفظ الماضي والآخر بلفظ المستقبل، مع نية الايجاب للحال، فإنه ينعقد البيع، لان صيغة الاستقبال تحتمل الحال فصحت النية.\rوإن كان أحدهما بلفظ الاستفهام، بأن قال: أتبيع مني هذا\rالشئ؟ فقال: بعت، ونوى، لا ينعقد البيع، لان لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال إذا أمكن العمل بحقيقة الاستفهام.\rفأما إذا كان بلفظين يعبر بهما عن المستقبل، إما على سبيل الامر، أو الخبر أو بأحدهما من غير نية الحال، فإنه لا ينعقد البيع عندنا، وذلك أن يقول البائع: اشتر مني هذا العبد بألف درهم، فقال المشتري: اشتريت، أو قال المشتري: بع مني هذا العبد، فقال \" بعت \"، أو قال البائع: أبيع هذا العبد منك بألف درهم، فقال المشتري: اشتريت.\rوفي باب النكاح إذا كان أحد اللفظين يعبر به عن الامر أو الخبر في المستقبل، بأن قال: زوجيني نفسك بألف درهم فقالت: زوجت، أو قال الزوج: أتزوجك على ألف درهم، فقالت: زوجت نفسي منك بذلك، ينعقد النكاح.\rوقال الشافعي: البيع والنكاح سواء: ينعقدان بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي والآخر عن الحال من غير نية.\rفأما إذا كان أحد اللفظين بطريق الاستفهام، فإنه لا ينعقد النكاح والبيع بالاجماع.","part":2,"page":30},{"id":443,"text":"والصحيح مذهبنا، فإن البيع في العرف غالبا لا يكون بناء على مقدمات، ولفظ المستقبل للعدة في الاصل، ولفظ الامر للمساومة، فيحمل على حقيقته إلا بدليل.\rولم يوجد، بخلاف النكاح فإنه بناء على مقدمة الخطبة، فلا يحمل على المساومة بدلالة العادة.\rوأما إذا وجد ثلاثة ألفاظ: بأن قال المشتري: بع عبدك هذا مني\rبألف درهم، فقال البائع: بعت فقال المشتري: اشتريت، فإنه ينعقد بالاجماع.\rفأما إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة واحدة أو دابتين، فإن كان الايجاب والقبول متصلين وخرج الكلامان من غير فصل بينهما، فإنه يصح البيع، فأما إذا كان بينهما فصل وسكوت، وإن قل، فإنه لا يصح، لان المجلس يتبدل بالمشي والسير، هكذا قال عامة مشايخنا، وقاسوا على آية السجدة (1)، وخيار المخيرة.\rوقال بعض مشايخنا: إذا تبايعا في حال السير والمشي، فوجد الايجاب منفصلا عن القبول فإنه ينعقد ما لم يفترقا بأبدانهما، وإن وجد القبول بعد الافتراق لا يجوز، لان القيام عن المجلس دليل الاعراض عن الجواب، فأما السير بلا افتراق فليس بدليل الاعراض، فصح القبول، ويكون جوابا، وهكذا قالوا في خيار المخيرة.\rأما في تلاوة السجدة فبخلافه، لان الاصل أن تجب السجدة لكل تلاوة، لكن جعلت التلاوات كتلاوة واحدة، عند اتحاد المجلس، والمجلس يختلف بالسير حقيقة.\r__________\r(1) بمعنى \" انه لو قراء اية سجدة وهو يمشى على الارض أو يسير على دابة لا يصلى عليها مرارا يلزمه لكل قراءة سجدة - وكذا لو خير امراته وهى تمشى على الارض أو تسير على دابة لا يصلى عليها فمشيت أو سارت يبطل خيارها لتبدل المجلس وان اختارت نفسها متصلا بتخيير الزوج صح اختيارها لان المجلس لم يتبدل \".\r(الكاسانى)، 5: 137: 19).","part":2,"page":31},{"id":444,"text":"ولو وقفا وتبايعا، جاز، وإن وجد القبول بعد الايجاب بسكتة، لاتحاد المجلس.\rفأما إذا وقفا فأوجب أحدهما البيع، فسار الآخر ولم يقبل، ثم قبل\rبعد ذلك لا يصح ويجعل سيره دليل الاعراض.\rوكذا لو سار البائع قبل أن يقبل المشتري، لانه دليل الاعراض أيضا، وإنه يملك الرجوع في إيجاب البيع.\rولو خير امرأته بعد ما وقفا، ثم سار الرجل، وبقيت المرأة واقفة، فلها الخيار، لان العبرة بجانبها، فما دامت في مجلسها، فلم يوجد منها دليل الاعراض، وكلام الزوج لا يبطل بالاعراض.\rهذا إذا كان العاقدان حاضرين في المجلس.\rفأما إذا كان أحدهما غائبا، فوجد من أحدها البيع أو الشراء، فإنه لا يتوقف.\rبيانه: أن من قال: بعت عبدي هذا من فلان الغائب بألف درهم، فبلغه الخبر، فقبل، لا يصح، لان شطر البيع لا يتوقف بالاجماع.\rولو قال: بعت عبدي هذا بألف درهم من فلان، بين يدي رجل وقال له: اذهب إلى فلان وقل له: إن فلانا باع عبده فلانا منك بألف درهم، فجاء الرسول وأخبره بما قال، فقال المشتري في مجلسه ذلك: اشتريت أو قبلت، تم البيع بينهما، لان الرسول معبر وسفير، فينقل كلامه إليه، فإذا اتصل به الجواب، ينعقد.\rوكذا الكتاب على هذا بأن كتب إلى رجل وقال أما بعد، فقد بعت عبدي فلانا منك بألف درهم فلما بلغه الكتاب وقرأ وفهم ما فيه، قال في مجلسه ذلك: اشتريت أو قبلت ينعقد البيع لان الخطاب والجواب، من الغائب بالكتاب يكون.","part":2,"page":32},{"id":445,"text":"وعلى هذا الجواب في الإجارة والهبة والكتابة فأما في الخلع، والعتق على مال، فإنه يتوقف شطر العقد من الزوج والمولى على قبول الآخر وراء المجلس، بالاجماع، فإن من قال: خلعت إمرأتي فلانة الغائبة على ألف درهم، فبلغها الخبر، فأجازت، أو قبلت، صح.\rوكذا إذا قال: اعتقت عبدي فلانا الغائب بألف درهم فإنه يتوقف على إجازة العبد.\rفأما في جانب المرأة والعبد: فلا يتوقف إذا كان الزوج و المولى غائبين.\rفأما في النكاح فلا يتوقف الشطر عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعلى قول أبي يوسف: يتوقف.\rثم في كل موضع لا يتوقف شطر العقد، فإنه يجوز من العاقد الرجوع عنه، ولا يجوز تعليقه بالشروط والاخطار، لانه عقد معاوضة.\rوفي كل موضع يتوقف شطر العقد، كالخلع والعتق على مال، لا يصح الرجوع عنه، ويصح التعليق بالشروط، لانه في جانب الزوج والمولى بمنزلة التعليق، وفي جانبها بمنزلة المعاوضة.\rوأما بيان الشروط فللبيع شروط: منها: شرط الاهلية، من العقل والبلوغ، حتى لا ينعقد البيع من الطفل، والمجنون.\rفأما الصبي العاقل والمعتوه فمن أهل البيع، حتى لو وكلا بالبيع","part":2,"page":33},{"id":446,"text":"والشراء وباعا جاز ونفذ عندنا، خلافا للشافعي.\rومنها: شرط الانعقاد، وهو المحل، وهو أن يكون مالا متقوما، حتى لو باع الخمر والخنزير والميتة والدم وجلد الميتة، فإنه لا يجوز أصلا، حتى لا يملك بالقبض، بخلاف ما إذا كانت هذه الاشياء ثمنا فإنه ينعقد البيع بالقيمة.\rومنها: شرط النفاذ، وهو الملك أو الولاية، حتى إذا باع ملك نفسه نفذ، ولو باع الوكيل نفذ لوجود الولاية.\rوأما أقسام البيع، فنقول: هو في الاصل قسمان: بيع نافذ، وبيع موقوف.\rفأما البيع النافذ فهو أن يوجد الركن مع وجود شرط الانعقاد والنفاذ جميعا.\rوأما البيع الموقوف فهو أن يوجد الركن مع وجود شرط الانعقاد والاهلية، لكن لم يوجد شرط النفاذ، وهو الملك والولاية.\rبيانه: أن الفضولي إذا باع مال غيره من إنسان، أو اشترى لغيره شيئا معينا، فإنه يتوقف على إجازته عندنا.\rوقال الشافعي: لا يتوقف.\rولقب المسألة أن العقود والفسوخ من الفضولي تتوقف على إجازة المالك.\rوإنما ينعقد عندنا على التوقف، كل عقد له مجيز حالة العقد، فأما إذا لم يكن له مجيز، فإنه لا يتوقف، حتى إن الطلاق والعتاق، في حق البالغ، من الفضولي فهو على الخلاف، لان له مجيزا في الحال.\rفأما إذا وجد الطلاق العتاق والتبرعات من الفضولي البالغ في امرأة","part":2,"page":34},{"id":447,"text":"الصبي والمجنون ومالهما، فإنه لا يتوقف، لانه ليس له مجيز في حالة العقد، لانهما ليسا من أهل الطلاق والعتاق والتبرعات، وكذلك وليهما، وكذلك الاب والوصي إذا أعتقا أو طلقا عبد الصبي أو امرأته.\rثم إنما يجوز العقد الموقوف إذا كان المحل قابلا لانشاء البيع حالة الاجازة.\rفأما إذا لم يكن قابلا فلا، بأن هلك المحل، بالاجازة ينفذ للحال، مستندا إلى ما قبله، فلا بد من المحل في الحال.\rوكذا الجواب لو كان العاقدان فضوليين، فإنه يتوقف أيضا على إجازة المالكين.\rوكذلك الجواب في النكاح.\rولو كان الفضولي الواحد باع عبد إنسان من إنسان، وهما غائبان، وقبل عن المشتري أيضا فإنه لا يتوقف.\rوفي النكاح إذا قبل عنهما لا يتوقف أيضا.\rوبعض مشايخنا قالوا: ينبغي أن يتوقف عند أبي حنيفة ومحمد، وإنما الخلاف فيما إذا زوج رجل امرأة ولم يقبل منه، لان الواحد يجوز أن يكون وكيلا من الجانبين ولا يتوقف في النكاح، ويجوز أن يكون وليا من الجانبين.\rبأن زوج ابنة أخته من ابن أخيه، والاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، بخلاف البيع، فإن الواحد لا يجوز أن يكون وكيلا من الجانبين، فلا يتوقف من رجل واحد، وإن وجد منه الايجاب والقبول جميعا.\rثم إنما جاز أن يكون الرجل وليا ووكيلا من الجانبين في النكاح، وفي\rالبيع لا يجوز أن يكون وكيلا من الجانبين، وإما يجوز أن يكون وليا من الجانبين، فإن الاب إذا اشترى مال الصبي لنفسه، أو باع ماله من","part":2,"page":35},{"id":448,"text":"الصبي، بمثل قيمته أو بغبن يسير يتغابن الناس في مثله: فإنه يجوز.\rوكذلك الوصي: إذا اشترى مال الصبي لنفسه، أو باع مال نفسه من الصبي، وفيه نفع ظاهر للصبي، جاز، بلا خلاف.\rفأما إذا كان بمثل القيمة جاز عند أبي حنيفة، وعند محمد لا يجوز.\rوأما إذا كان بدون القيمة فلا يجوز، بلا خلاف.\rوالفرق بين الفصول أن الولي والوكيل في باب النكاح بمنزلة الرسول، لانه لا يرجع إليه حقوق العقد، فأما الوكيل في باب البيع فأصل في حق الحقوق، وللبيع حقوق متضادة، من التسليم والتسلم، فلا يجوز أن يكون الواحد، في شئ واحد، في زمان واحد مسلما ومتسلما، بخلاف الاب الوصي، لان ثم جعلناهما كشخصين لاختلاف الولايتين.\rولو باع العبد المحجور مال مولاه من إنسان بثمن معلوم، فإنه يتوقف على إجازة مولاه، لانه بمنزلة الاجنبي.\rولو أذن له بالتصرف في البيع والشراء وأجاز ذلك، لا ينفذ إلا بإجازة المولى، لان العبد المأذون لا يملك بيع مال المولى وإنما يملك الشراء.\rولو اشترى عبدا لمولاه، بغير إذنه، فإنه يتوقف على إجازته، ولو أذن له بالتصرف نفذ الشراء على مولاه، من غير إجازة مبتدأة لذلك، لانه بالاذن ملك إنشاء الشراء في حقه، فيملك الاجازة.\rوعلى هذا: الصبي العاقل إذا باع ماله وهو محجور فإنه ينعقد تصرفه موقوفا على إجازة وليه، وعلى إذن وليه بالتصرف أيضا، وعلى بلوغه أيضا، لان في انعقاده فائدة، لوجود المجيز للحال، وهو الولي","part":2,"page":36},{"id":449,"text":".\rوهذا في التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والاجارة، فأما التصرفات الضارة، كالطلاق، والعتاق، والهبة، والصدقة، والاقرار، فإنه لا تصح ولا تتوقف، لان الولي لا يملك هذه التصرفات فلا مجيز لها الحال.\rوأما التصرفات النافعة، كالاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد وقبول الهبة والصدقة، فتصح منهما من غير إذن.\rوأما حكم البيع فهو ثبوت الملك في المبيع للمشتري، وثبوت الملك في الثمن للبائع، إذا كان البيع باتا من غير خيار.\rفأما إذا كان فيه خيار الرؤية، أو العيب، أو خيار الشرط، فالجواب على ما نذكر.\rثم إذا كان البيع باتا فلا يملك أحدهما الفسخ بدون رضا صاحبه، وإن لم يتفرقا عن المجلس، وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: لهما خيار الفسخ ما لم يتفرقا عن المجلس.\rولقب المسألة أن خيار المجلس هل هو ثابت شرعا؟ فعندنا غير ثابت، وعنده ثابت والمسألة معروفة.\rفإذا ثبت الملك في الطرفين، أعني في المبيع والثمن جميعا، وحكم المبيع يخالف، حكم الثمن، فيما سوى ثبوت الملك، فلا بد من بيان الثمن والمبيع فنقول: إن المبيع، في الاصل، ما يتعين بالتعيين، والثمن في الاصل ما\rلا يتعين بالتعيين، وإن كان قد يتعين بعارض فيصير المبيع دينا، كما في","part":2,"page":37},{"id":450,"text":"السلم، ويصير الثمن عينا، كبيع العين بالعين.\rلكن الثمن المطلق هو الدراهم والدنانير، وإنما لا يتعينان في عقود المعاوضات، في حق الاستحقاق، وإن عينت، وتتعين في حق بيان القدر والجنس والصفة، وهذا عندنا، وقال زفر والشافعي: تتعين.\rوأجمعوا أنهما إذا كانتا في الذمة لا يتعينان، وإذا عينتا فعندهما حكمهما كحكم المبيع.\rوأجمعوا أنهما يتعينان في الغصوب، والامانات، والوكالات.\rوبيان ذلك: أن من باع عبدا بألف درهم، وعينها في المجلس، فإن البائع لا يستحق عينها، حتى لو أراد المشتري أن يمنعها ويرد غيرها له ذلك، ولكن تتعين في حق الجنس، حتى تجب عليه الدراهم، وتتعين في حق القدر حتى تجب عليه ألف درهم، وتتعين في حق الصفة، حتى إن الدراهم المعينة في العقد إذا كانت جيدة يجب عليه مثلها جيدة، وإن كانت رديئة فكذلك.\rوالصحيح قولنا، لانه لا فائدة في استحقاق عينها في المعاوضات، لان المثل يقوم مقامها في كل عوض يكون في عقود المعاوضات، فكان التعيين وتركه سواء في حق استحقاق العين.\rفأما في تعيين الجنس، والقدر، والصفة، ففيه فائدة، فتتعين.\rثم الدراهم والدنانير أثمان أبدا، سواء كانت في مقابلتها أمثالها أو أعيان أخر، صحبتها حرف الباء أو لا حتى إن في الاثمان يصير صرفا،\rوإذا كانت في مقابلتها السلعة تصير ثمنا، والسلعة مبيع على كل حال، لانها أثمان مطلقة على كل حال، فلا تتعين بالتعيين.","part":2,"page":38},{"id":451,"text":"وأما الاعيان التي ليست من ذوات الامثال، كالثياب، والدور، والعقار، والعبيد، والعدديات المتقاربة كالبطاطيخ والثمار، فهي مبيعة وتتعين بالتعيين، ولا يجوز البيع فيها إلا عينا، إلا فيما يجوز فيه السلم، كالثياب ونحوها، فيكون مبيعا دينا إذا وجد شرائط السلم بالنص لحاجة الناس، بخلاف القياس.\rثم الثياب، كما تثبت في الذمة، دينا، مبيعا بطريق السلم، تثبت دينا في الذمة مؤجلا بطريق الثمن، والاجل شرط في الثياب، لا لانه شرط في الاثمان، ولكن شرط لتصير ملحقة بالثمن في كونها دينا في الذمة.\rوأما المكيل والموزون، والعددي المتقارب: إن كانت في مقابلتها الاثمان، فهي مبيعة.\rوإن كانت في مقابلتها أمثالها، أعني المكيل والموزون والعددي المتقارب، فكل ما كان موصوفا في الذمة يكون ثمنا وكل ما كان معينا يكون مبيعا.\rوإن كان كل واحد منهما موصوفا في الذمة فما صحبه حرف الباء يكون ثمنا، والآخر يكون مبيعا، لان هذا مما يتعين بالتعيين، ويثبت دينا في الذمة أيضا، فيتعين أحد الوجهين بالدليل.\rفإذا ثبت تفسير المبيع والثمن فنذكر أحكامهما فنقول: منها: إذا هلك المبيع قبل القبض ينفسخ البيع.\rوإذا هلك الثمن في المجلس قبل القبض،\rفإن كان عينا مثليا، لا ينفسخ، لانه يمكن تسليم مثله، بخلاف المبيع، لانه عين، وللناس أغراض في الاعيان.\rأما إذا هلك، وليس له مثل في الحال، بأن كان شيئا مما ينقطع عن أيدي الناس، وهو كان موجودا وقت العقد، ثم انقطع قبل القبض:","part":2,"page":39},{"id":452,"text":"فقد اختلف المشايخ فيه.\rوأما إذا كسد الثمن، بأن كان الثمن فلوسا فكسدت، أو كسد بعض الدراهم الرائجة، وهو كان ثمنا قبل القبض، فعلى قول أبي حنيفة ينفسخ العقد، وجعل الكساد كالهلاك، لان قيام الثمن من حيث المعنى بالرواج.\rوعلى قولهما: لا ينفسخ، لكن يخير، إن شاء أخذ قيمته، وإن شاء فسخ وجعلاه كالعيب، ثم اختلفا فيما بينهما، فقال أبو يوسف: يعتبر قيمته يوم العقد، لان الثمن يجب عند العقد، فيضمن قيمته حينئذ.\rوقال محمد: تعتبر قيمته في آخر ما ترك الناس المعاملة بذلك، لانه عجز عن التسليم يومئذ.\rومنها: أنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بلا خلاف، وفي العقار المبيع يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد والشافعي لا يجوز.\rوأما الاثمان، فيجوز التصرف فيها قبل القبض لانها ديون، وكذلك التصرف في سائر الديون من المهر، والاجرة، وضمان المتلفات، ونحوها، يجوز قبل القبض.\rومنها: إذا باع عينا بعين، فإنه يجب عليهما التسليم معا، تحقيقا للمساواة، في المعاوضة المقتضية للمساواة عادة.\rفأما إذا كان بيع العين بالدين، فإنه يجب تسليم الدين أولا حتى يتعين، ثم يجب تسليم العين ليتساويا، فإذا سلم المشتري الثمن، يجب على البائع تسليم المبيع.","part":2,"page":40},{"id":453,"text":"ولو هلك المبيع قبل التسليم، فالهلاك يكون على البائع، يعني يسقط الثمن وينفسخ العقد.\rولو كان الثمن مؤجلا، يجب تسليم المبيع للحال، لانه هو الذي أسقط حق نفسه في التأجيل، فلا يسقط حق الآخر.\rوإن أجل الثمن إلا درهما له أن يحبس كل المبيع، لان حق الحبس مما لا يتجزأ.\rوكذلك لو أوفى جميع الثمن إلا درهما، أو أبرأه عن جميع الثمن إلا درهما.\rوكذا في الرهن إذا قبض الدين كله، أو أبرأه إلا درهما، فإنه يحبس كل الرهن حتى يصل إليه الباقي.\rولو دفع المشتري إلى البائع بالثمن رهنا، أو كفل به كفيلا، لا يسقط حق الحبس، لان هذا وثيقة بالثمن، فلا يبطل حقه عن حبس المبيع، لاستيفاء الثمن.\rولو أحال البائع رجلا على المشتري بالثمن وقبل، سقط حق الحبس.\rوكذلك إذا أحال المشتري البائع على رجل.\rوهذا عند أبي يوسف، وعن محمد روايتان، في رواية كما قال أبو يوسف، وقال في رواية: إذا أحال البائع رجلا على المشتري يسقط حق الحبس، وإن أحال المشتري البائع على رجل، لم يسقط حق الحبس، وهي مسألة كتاب الحوالة.\rولو أتلف المشتري المبيع في يد البائع، صار قابضا للمبيع، وتقرر عليه الثمن.","part":2,"page":41},{"id":454,"text":"وكذلك إذا قطع يده أو شج رأسه وكل تصرف نقص منه شيئا.\rوكذلك لو فعله البائع بإذن المشتري، لان أمره بالاتلاف في ملكه صحيح، وصار فعله منقولا إليه حكما، كأنه فعل بنفسه.\rولو أعتق المشتري العبد، وهو في يد البائع، يكون قبضا منه لانه إتلاف.\rولو زوج الامة المبيعة قبل القبض، فالقياس أن يصير قابضا، لان التزويج عيب في الجواري، وهو قول أبي يوسف.\rوفي الاستحسان لا يكون قبضا، لانه ليس بعيب حقيقة.\rوإن أقر المشتري بالدين على العبد المبيع قبل القبض، لا يكون قبضا، لانه ليس بتعييب حكمي.\rولو زوجها المشتري ووطئها الزوج في يد البائع، يكون قبضا في قولهم، لان وطئ الزوج بإذن المشتري بمنزلة وطئ المشتري.\rولو أودع البائع المبيع عند المشتري أو أعاره منه، ففي المشهور من الرواية أنه يسقط حق الحبس وليس له أن يسترده، لان الايداع والاعارة من المالك لا تصح، فيكون هذا تسليما بحكم البيع فيسقط حق الحبس.\rولو أودع المشتري من البائع أو أعاره منه، لم يكن ذلك قبضا، لان للبائع حق الحبس بطريق الاصالة، فلا يصح أن يصير نائبا عن غيره.\rولو أودع المشتري عند أجنبي وأمر بالتسليم إليه، أو أعاره، يصير قابضا، لان يد أمينه كيده.\rولو جنى رجل على المبيع، فاتبع المشتري الجاني، وأخذ الارش، سقط حق الحبس، ويصير قابضا، حتى لو هلك يكون الهلاك على المشتري، ويصير كأن الجاني فعله بأمره، وهذا قول أبي يوسف.","part":2,"page":42},{"id":455,"text":"وقال محمد: لا يصير قابضا، ويبقى في ضمان البائع، ويؤمر البائع بالتسليم إليه.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان المبيع في يد البائع، فأما إذا كان في يد المشتري، فباعه المالك منه فنقول: إن كان في يده غصبا، يصير قابضا بنفس الشراء ولا يحتاج إلى تجديد القبض، حتى لو هلك قبل أن يتمكن من قبضه حقيقة، فإنه يهلك على المشتري، لان ضمان الغصب ضمان العين، نظير ضمان البيع فيكون من جنسه، فينوب قبض الغصب عن قبض البيع.\rولو باع الراهن المرهون من المرتهن، وهو في حبسه، لا يصير قابضا بنفس الشراء، ما لم يجدد القبض، بأن يمكن من قبضه حقيقة، بأن كان حاضرا في مجلس الشراء أو يذهب إلى بيته ويتمكن من قبضه، لان قبض الرهن قبض أمانة، وإنما يسقط الدين بهلاكه، لا بكونه مضمونا، ولكن بمعنى آخر عرف في موضعه، وقبض الامانة لا ينوب عن قبض الشراء.\rوكذلك إذا كان في يده أمانة، مثل الوديعة والعارية والاجارة\rونحوها، لم يدخل في ضمان المشتري إلا أن يتمكن من قبض جديد، لان قبض الامانة لا ينوب عن قبض الضمان.\rولو أن المشتري قبض المبيع بغير إذن البائع قبل نقد الثمن، فللبائع أن يسترده حتى يعطيه الثمن، لان للبائع حق الحبس حتى يستوفي الثمن، وقد أبطل حقه بالاخذ، فعليه الاعادة، كالراهن إذا أخذ المرهون من يد المرتهن، له أن يعيده إلى يده كما قلنا.\rولو قبض بغير إذن البائع بعد نقد الثمن، ليس له أن يسترده لانه بطل حق الحبس بإيفاء الثمن، فيكون قبضا بحق.\rولو أن المشتري قبضه، بغير إذن البائع قبل إيفاء الثمن، ثم","part":2,"page":43},{"id":456,"text":"تصرف في المبيع بغير إذن البائع.\rإن كان تصرفا يحتمل الفسخ، كالبيع، والهبة، والاجارة، والرهن ونحوها فللبائع أن يسترده، لان حق الحبس قائم.\rفأما إذا تصرف تصرفا لا يحتمل الفسخ، كالاعتاق والتدبير والاستيلاد، فإنه لا يسترده، لانه لا يبقى حق الحبس، لان المشتري تصرف في ملكه تصرفا لا يحتمل الرد، فنفذ كالراهن إذا أعتق وحبس الحر، أو الحرة من وجه لا يجوز، لانه لا فائدة في بقاء الحبس.","part":2,"page":44},{"id":457,"text":"باب البيع الفاسد وما يملك به وما لا يملك في الباب فصلان:\rأحدهما: في بيان أنواع البيوع الفاسدة.\rوالثاني: في بيان حكمهما.\rأما الاول فنقول: البيوع الفاسدة أنواع: منها: أن يكون المبيع مجهولا أو الثمن مجهولا جهالة توجب المنازعة، لانها مانعة عن التسليم والتسلم، وبدونهما يكون البيع فاسدا، لانه لا يفيد مقصوده.\rبيانه: إذا اشترى شاة من قطيع، أو اشترى أحد الاشياء الاربعة بكذا، على أنه بالخيار بين أن يأخذ واحدا منها ويرد الباقي، أو اشترى أحد الاشياء الثلاثة، أو أحد الشيئين ولم يذكر فيه الخيار، فأما إذا ذكر الثلاثة أو الاثنين وشرط الخيار لنفسه بين أن يأخذ واحدا ويرد الباقي فهذا جائز استحسانا، اعتبارا بشرط الخيار ثلاثة أيام.\rوهل يشترط فيه ذكر مدة خيار الشرط؟ اختلف المشايخ فيه، والاصح أنه لا يشترط.\rوكذا إذا باع العبد بمائة شاة من هذا القطيع ونحوه، لا يجوز، لجهالة الثمن.","part":2,"page":45},{"id":458,"text":"فأما الجهالة التي تفضي إلى المنازعة فلا تمنع الجواز، فإنه إذا باع قفيزا من صبرة معينة بدراهم، أو باع هذا العدل من الثياب بكذا ولا يعرف عددها، أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعلم عدد القفزان، جاز لما ذكرنا.\rوعلى هذا:\rإذا اشترى شيئا لم يره، بأن اشترى فرسا مجللا، أو جارية منتقبة، أو كرى حنطة في هذا البيت، أو عبدا تركيا في هذا البيت، فإنه يجوز إذا وجد كذلك وللمشتري الخيار إذا رآه.\rوعند الشافعي: فاسد.\rولو باع هذا العبد بقيمته فهو فاسد، لان القيمة تعرف بالحز والظن.\rوكذا لو اشترى عدل زطي أو جراب هروي، بقيمته، لما قلنا.\rولو اشترى بحكم البائع أو المشتري، أو بحكم فلان فهو فاسد لان الثمن مجهول.\rوكذلك لو اشترى شيئا بألف درهم إلا دينار، أو بمائة دينار إلا درهما، لان معناه: إلا قدر قيمة الدينار وهذه جهالة مفضية إلى المنازعة.\rولو باع وقال: هو بالنسيئة كذا وبالنقد كذا، فهو فاسد لان الثمن مجهول.\rوكذا لو قال: بعت إلى أجل كذا أو كذا فهو فاسد لان الاجل مجهول.\rولو باع إلى الحصاد والدياس، أو إلى رجوع الحاج وقدومهم، فالبيع","part":2,"page":46},{"id":459,"text":"فاسد لما ذكرنا.\rولو باع عدل زطي برأس ماله، أو برقمه، ولا يعلم المشتري رقمه ولا رأس ماله، فهو فاسد لان الثمن مجهول.\rفإن علم رأس ماله أو رقمه في المجلس فإنه يعود البيع جائزا استحسانا، خلافا لزفر، كما في الحصاد والدياس، أو بشرط الخيار إلى شهر، إلا أن الفرق أن هناك إذا\rرفع المفسد قبل مجئ الحصاد والدياس، وقبل مجئ اليوم الرابع، يعود إلى الجواز، سواء كان في مجلس العقد أو بعد المجلس، وفي الرقم يشترط لانقلاب البيع جائزا ارتفاع المفسد في المجلس.\rومنها: أن يكون المبيع محرما أو ثمنه، بأن باع الخمر، أو الخنزير، أو باع بهما، فإنه لا يجوز.\rوكذا المحرم إذا باع صيدا مملوكا، أو اشترى بصيد مملوك، لان الحرام لا يصلح مبيعا وثمنا، غير أنه إذا كان مبيعا، يكون البيع باطلا، وإذا كان ثمنا ينعقد البيع بالقيمة عندنا بيعا فاسدا.\rوأما إذا ذكر الميتة والدم ثمنا فقد اختلف المشايخ فيه.\rومنها: إذا تعلق بالمبين حق محترم للغير لا يملك البائع إبطاله، يكون البيع فاسدا نحو أن يبيع الراهن المرهون، أو المؤاجر المستأجر.\rواختلفت العبارة في هذه المسألة في الكتب ذكر في بعضها أن البيع فاسد.\rوفي بعضها أنه موقوف، على إجازة المرتهن والمستأجر، وهو الصحيح حتى إن الراهن لا يقدر على فسخه، وكذلك المؤاجر، وكذا المرتهن والمستأجر لا يملكان الفسخ، ويملكان الاجازة.\rوإذا انقضت هذه الاجارة، أو أفتك الراهن الرهن يثبت الملك للمشتري.\rومنها: أن المبيع إذا كان لا يقدر على تسليمه وقت العقد، مثل الطير","part":2,"page":47},{"id":460,"text":"الذي طار عن يده، أو العبد الآبق، واللقطة، والمغصوب، يكون البيع فاسدا.\rولو قدر على التسليم في المجلس، لا يعود إلى الجواز لانه وقع\rفاسدا.\rوكذلك إذا جعله ثمنا، لان الثمن إذا كان عينا فهو مبيع في حق صاحبه.\rوعن الطحاوي أنه يعود جائزا.\rومنها: أن يكون في المبيع أو في ثمنه غرر، مثل بيع السمك في الماء، وهو لا يقدر على تسليمه بدون الاصطياد والحيلة، وبيع الطير في الهواء، أو بيع مال الغير على أن يشتريه، فيسلمه إليه لانه باع ما ليس بمملوك له للحال، وفي ثبوته غرر وخطر.\rومنها: بيع ما هو مملو ك له، لكن قبل القبض وقد ذكرنا تفصيله.\rومنها: إدخال الشرطين في بيع واحد، وذلك أن يقول إن أعطيتني حالا فبألف، وإن أجلت شهرا فبألفين، أو قال أبيعك بقفيز حنطة أو بقفيزي شعير فهو فاسد، لما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى عن الشرطين في بيع.\rومنها: بيع الاتباع والاوصاف مقصودا، وذلك نحو بيع الالية من الشاة الحية والذراع والرأس ونحوها، وكذا بيع ذراع من الثوب لانه تبع، ولا يمكن تسليمه إلا بضرر، وهو ذبح الشاة، وقطع الثوب.\rوكذلك بيع جذع من سقف، ولكن إذا نزع من السقف وسلم، جاز.\rفأما بيع قفيز من صبرة، أو بيع عشرة دراهم من نقرة ونحوها،","part":2,"page":48},{"id":461,"text":"فجائز، لانه ليس في التبعيض ضرر، وهو ليس بتبع أيضا، لان القدر أصل في المقدرات، بخلاف الذرع في الذرعيات.\rومنها: بيع المعدوم الى انعقد سبب وجوده، أو ما هو على خطر الوجود كبيع المضامين، والملاقيح، ونتاج الفرس لما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى عن بيع المضامين، والملاقيح، وبيع حبل الحبلة.\rومنها: أن يشترط الاجل في المبيع العين أو الثمن العين، لان الاجل في الاعيان لا يفيد، فلا يصح، فيكون شرطا لا يقتضيه العقد، فيفسد البيع.\rوأما في الثمن الدين، فإن كان الاجل معلوما جاز، وإن كان مجهولا لا يجوز على ما مر.\rومنها: البيع بشرط، وهو أنواع، إن شرطا شرطا يقتضيه العقد، بأن اشترى شيئا بشرط أن يسلم البائع المبيع أو يسلم المشتري الثمن، أو بشرط أن يملك المبيع أو الثمن، فالبيع جائز، لان هذا شرط مقرر موجب العقد، فإن ثبوت الملك، والتسليم والتسلم، من مقتضى المعاوضات.\rوإن شرطا شرطا لا يقتضيه العقد ولكن ورد الشرع بجوازه كالاجل والخيار رخصة وتيسيرا، فإنه لا يفسد العقد، لانه لما ورد الشرع به ذلك أنه من باب المصلحة دون المفسدة، وهذا جواب الاستحسان.\rوالقياس أن يفسد، لكونه شرطا مخالفا لموجب العقد، وهو ثبوت الملك، في الحال، في العوضين معا.","part":2,"page":49},{"id":462,"text":"ولكنا أخذنا بالاستحسان، للحديث الوارد في باب الخيار.\rوإن شرطا شرطا لا يقتضيه العقد ولم يرد الشرع به أيضا لكنه يلائم العقد ويوافقه، وذلك نحو أن يشتري شيئا بشرط أن يعطي للبائع، كفيلا بالثمن أو رهنا بالثمن، فهذا على وجهين: إما أن يكون الكفيل أو الرهن معلوما بالاشارة والتسمية أو لم يكن معلوما بالاشارة والتسمية.\rفإن لم يكن معلوما بأن قال: أبيعك بشرط أن تعطيني رهنا بالثمن، ولم يسم رهنا ولا أشار إليه، أو قال: بشرط أن تعطيني كفيلا بالثمن ولم يسم إنسانا ولا أشار إلى إنسان، كان البيع فاسدا، لان هذه جهالة تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم.\rوأما إذا كان معلوما بالاشارة أو بالتسمية فالقياس أن لا يجوز البيع، وبه أخذ زفر.\rوفي الاستحسان يجوز، وهو قول علمائنا وهو الصحيح، لان الرهن والكفالة بالثمن شرعا توثيقا للثمن، فيكون بمنزلة اشتراط الجودة في الثمن، فيكون شرطا مقررا لما يقتضيه العقد معنى.\rثم إنما يجوز البيع استحسانا في اشتراط الكفالة، إذا كان الكفيل حاضرا في المجلس وقبل.\rفأما إذا كان غائبا فإنه لا يجوز، وإن بلغه الخبر فقبل، لان وجوب الثمن في ذمة الكفيل مضاف إلى البيع، فيصير الكفيل بمنزلة المشتري إذا كانت الكفالة مشروطة في البيع، وحضرة المشتري في المجلس شرط لصحة الايجا ب من البائع ولا يتوقف إلى ما وراء المجلس، فكذلك حضرة الكفيل، بخلاف الرهن فإن حضرته ليست بشرط في المجلس، لان الرهن من المشتري، وهو حاضر والتزم الرهن، فالرهن صحيح.\rثم في الرهن ما لم يسلم المشتري الرهن إلى البائع لا يثبت فيه حكم الرهن،","part":2,"page":50},{"id":463,"text":"وإن انعقد عقد الرهن بذلك الكلام، لان الرهن لا يثبت في حق الحكم إلا بالقبض، على ما عرف، فإن سلم الرهن مضى العقد على ما عقدا، وإن امتنع عن التسليم لا يجبر على التسليم عندنا، وعند زفر يجبر، لكن عندنا يقال للمشتري: إما أن تدفع الرهن أو قيمته، أو تدفع الثمن، أو تفسخ البيع، لان البائع ما رضي بوجوب الثمن في ذمة المشتري، إلا بوثيقة الرهن، وفي هذه الوجوه وثيقة، فإن لم يفعل المشتري شيئا من ذلك فللبائع أن يفسخ البيع، لانه فات غرضه، فلا يكون العقد لازما، فله أن يفسخ.\rوقالوا في البيع: إذا شرط فيه رهن مجهول حتى فسد البيع، ثم اتفقا على تعيين رهن في المجلس، إنه يجوز العقد، وإن افترقا عن المجلس، تقرر الفساد، لان تمام القبول توقف على الرهن المشروط في العقد ألا ترى أن البائع لو قال للمشتري: قبلت الثمن بغير رهن فإنه لا يصح البيع، فإذا لم يوجد الرهن لم يوجد القبول معنى، فإذا عينا في المجلس جاز، لان المجلس بمنزلة حالة واحدة، فصار كأنه قبل العقد في آخر المجلس، وإن افترقا بطل.\rوعلى هذا إذا قال المشتري في الرهن المجهول: أنا أعطي الثمن، لم يفسد العقد، لان الغرض من الرهن هو الوصول إلى الثمن، وهو حاصل، فسقط اعتبار الوثيقة.\rولو شرط البائع في البيع أن يحيله المشتري بالثمن، على غريم من غرمائه، فهذا على وجهين: إن أحال بجميع الثمن، فالبيع فاسد، لانه يصير بائعا بشرط أن\rيكون الثمن على غير المشتري، وهو باطل.\rوإن باع بشرط أن يحيل نصف الثمن على فلان، فجائز","part":2,"page":51},{"id":464,"text":"إذا كان حاضرا وقبل الحوالة، كما إذا باع عبدا من رجل بألف درهم على أن يكون نصفه على فلان وهو حاضر، فقبل جاز، كذا هذا.\rثم إذا كان الكفيل والمحتال عليه غائبين عن المجلس، فلم يحضرا حتى افترق العاقدان فلا يصح البيع إلا بإيجاب مبتد، لان تمام العقد يقف على قبول الكفيل والمحتال عليه، فجعل كأن القبول لم يوجد من المشتري في المجلس.\rولو حضرا في المجلس وقبلا جاز، كما لو قبلا عند العقد، لان المجلس له حكم ساعة واحدة.\rولو شرط المشتري في البيع على أن يحيل البائع على غريم من غرمائه بالثمن ليدفع إليه، أو باع بشرط أن يضمن المشتري لغريم من غرمائه الثمن فالبيع فاسد، لان شرط الضمان والحوالة ثمة صار بمنزلة اشتراط صفة الجودة في الثمن، لكونه توكيدا للثمن، وتوثيقا له، وشرط الضمان ههنا ليس بصفة للثمن، بل هو شرط فيه منفعة العاقد، والعقد لا يقتضيه، فيفسد البيع.\rوإن شرطا شرطا لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولاحدهما فيه منفعة إلا أنه متعارف، بأن اشترى نعلا وشراكا على أن يحذوه البائع، جاز استحسانا، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر.\rولكن أخذنا بالاستحسان، لتعارف الناس، كما في الاستصناع.\rولو شرطا شرطا لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا يتعارفه الناس وفيه منفعة لاحد العاقدين، بأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع أو ثوبا\rعلى أن يخيطه البائع، أو اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهرا، ونحو ذلك فالبيع فاسد.\rوهذا كله مذهب علمائنا.","part":2,"page":52},{"id":465,"text":"وقال ابن أبي ليلى بأن البيع جائز، والشرط باطل.\rوقال ابن شبرمة (1)، بأن البيع جائز، والشرط جائز.\rوالصحيح قولنا، اشتراط المنفعة الزائدة، في عقد المعاوضة، لاحد العاقدين من باب الربا، أو شبهة الربا وإنها ملحقة بحقيقة الربا في باب البيع احتياطا.\rولو شرطا شرطا فيه ضرر لاحد العاقدين بأن باع ثوبا أو حيوانا، سوى الرقيق، بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه، ذكر في المزارعة الكبيرة ما يدل على أن البيع بهذا الشرط لا يفسد فإنه ذكر أن أحد المزارعين لو شرط في المزارعة أن لا يبيع الآخر نصيبه أو لا يهبه، قال: المزارعة جائزة والشرط باطل، لانه ليس لاحد المتعاملين فيه منفعة، هكذا ذكر الحسن في المجرد.\rوروى أبو يوسف في الامالي خلافه، وهو قوله: إن البيع بمثل هذا الشرط فاسد.\rوالصحيح هو الاول.\rولو باع جارية بشرط أن يطأها أو لا يطأها، لم يذكر في ظاهر الرواية.\rوروي عن أبي حنيفة أنه قال: البيع فاسد في الموضعين وروي عن محمد أنه قال: لا تفسد في الموضعين.\rوعن أبي يوسف أنه قال: إن باع بشرط أن يطأها فالبيع جائز، وإن باع بشرط أن لا يطأها فالبيع فاسد.\rفالحاصل ان البيع بشرط أن يطأها، فاسد عند أبي حنيفة\r__________\r(1) هو عبد الله بن شبرمة المحدث الثقة، وفقيه اهل الكوفة وقاضي ابى جعفر المنصور على سوادها، وقد توفى سنة 244 ه.","part":2,"page":53},{"id":466,"text":"وعندهما جائز، لان إباحة الوطئ حكم يقتضيه العقد، فصار كما لو اشترى طعاما بشرط أن يأكله، ونحو ذلك.\rوأبو حنيفة يقول: هذا شرط لا يقتضيه العقد، فإنه لو صح الشرط كان حكمه وجوب الوطئ، والبيع لا يقتضيه، وفيه نفع للمعقود عليه، وهو من أهل استحقاق الحق على مولاه في الجملة، فإنه يستحق النفقة عليه، بخلاف ما إذا باع حيوانا بشرط أن يعلفه، لانه ليس من أهل استحقاق الحق على مالكه.\rوأما البيع بشرط أن لا يطأها: فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: البيع فاسد.\rوعلى قول محمد: جائز.\rوهو قياس ما روى أبو يوسف عنه في الامالي: إذا باع طعاما بشرط أن لا يأكل أو لا يبيع، فإن البيع فاسد.\rفأما على قياس ما ذكر في المزارعة الكبيرة، فيجب أن يكون الجواب على قول أبي حنيفة في هذه المسألة مثل قول محمد.\rولو اشترى عبدا بشرط أن يعتقه المشتري، قال علماؤنا: البيع فاسد حتى لو أعتقه المشتري قبل القبض لم ينفذ عتقه، وإن أعتقه بعد القبض عتق، فانقلب العقد جائزا استحسانا في قول أبي حنيفة،\rحتى يجب عليه الثمن.\rوقال أبو يوسف ومحمد: لا ينقلب العقد جائزا إذا أعتقه، حتى يجب عليه قيمة العبد.\rوروي عن أبي حنيفة مثل قولهما.\rوقال الشافعي، في أحد قوليه: إن البيع بهذا الشرط جائز.\rوقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة مثله.\rوالصحيح قول أبي حنيفة، لان هذا شرط يلائم العقد من","part":2,"page":54},{"id":467,"text":"وجه دون وجه، فمن حيث إن الاعتاق إزالة الملك، يكون تغييرا لحكم العقد ومن حيث إنه إنهاء للملك، يكون ملائما له، لان فيه تقريرا، فقلنا بفساد البيع في الابتداء وبالجواز في الانتهاء، عملا بالدليلين، وبالعكس لا يكون عملا بهما، لانا نجد فاسدا ينقلب جائزا، كما في بيع الرقم، ولكن لم نجد جائزا ينقلب فاسدا، فكان الوجه الاول أولى.\rولو باع بشرط التدبير والكتابة، وفي الامة بشرط الاستيلاد، فالبيع فاسد، ولا ينقلب إلى الجواز عند وجود الشرط، لان هذا شرط لا يلائم البيع لانه لا يثبت إنهاء الملك ههنا بيقين، لاحتمال أن القاضي يقضي بالجواز في التدبير والاستيلاد فلا يتقرر حكمه.\rولو باع الثمار على الاشجار والزروع الموجودة هل يكون البيع فاسدا؟ فهذا لا يخلو من وجوه، إما إن كان قبل الادراك أو بعده، بشرط القطع أو بشرط الترك.\rفإن كان قبل الادراك: فإن كان بشرط القطع جاز، وإن اشترى مطلقا جاز.\rوقال الشافعي: إن اشترى بشرط القطع جاز.\rوإن اشترى مطلقا لا يجوز، لانه صار شارطا للترك دلالة.\rولكن الصحيح قولنا، لانه اشترى ما هو مال، وإن كان لا يتكامل الانتفاع به بمنزلة شراء الجحش، والكلام المطلق لا يحمل على المقيد خصوصا إذا كان في ذلك فساد العقد.\rوأما إذا باع بشرط الترك فهو فاسد، بلا خلاف بين أصحابنا، لانه شرط فيه منفعة للمشتري، فصار كما لو اشترى حنطة بشرط أن يتركها في دار البائع شهرا.\rهذا إذا باع قبل أن يبدو صلاحها.\rوإما إذا باع بعد بدو صلاحها","part":2,"page":55},{"id":468,"text":"مطلقا أو بشرط القطع جاز.\rولو باع بشرط الترك، لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: إن تناهى عظمها جاز، وإن لم يتناه عظمها لا يجوز، لان الناس تعاملوا ذلك من غير نكير.\rوالصحيح قولهما، لان هذا شرط فيه منفعة للمشتري، والعقد لا يقتضيه، والتعامل لم يكن بشرط الترك، ولكن الاذن معتاد بلا شرط في العقد.\rولو اشترى مطلقا، وتركها على النخل، من غير شرط الترك، ولم يتناه عظمها: فإن كان ذلك بإذن البائع جاز، وطلب له الفضل.\rوإن ترك بغير إذن البائع، تصدق بما زاد على ما كان عند العقد، لانه حصل موجه بسبب محظور.\rوإن أخرج النخل والشجر في مدة الترك، ثمرة أخرى، فذلك كله للبائع سواء كان الترك بإذنه أو بغير إذنه.\rوإن جللها منه البائع، جاز، لان هذا الحادث لم يقع عليه العقد، وإنما هو نماء ملك البائع، فيكون له، فإن اختلط الحادث بالموجود وقت العقد، بحيث لا يمكن التمييز بينهما، فإن كان قبل أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، فسد البيع لان المبيع صار مجهولا بحيث يتعذر تسليمه حال وجوب التسليم، والعجز عن التسليم مفسد للبيع، وإن كان ذلك بعد التخلية، لم يفسد البيع، وكانت الثمرة بينهما، والقول في الزيادة قول المشتري، لان البيع قد تم بعد القبض.\rفأما إذا اشترى ثمرة قد تناهى عظمها، وتركها على الشجرة بغير إذن البائع، لم يتصدق بشئ، لانها لا تزيد بعد التناهي، بل تنقص فلم يحصل لها زيادة بسبب محظور.","part":2,"page":56},{"id":469,"text":"فأما في الزرع، فالنماء يكون للمشتري طيبا، وإن تركه بغير إذنه، لانه نماء ملك المشتري، لان الساق ملكه حتى يكون التبن له، بخلاف الشجرة.\rوأما الزروع التي يوجد بعضها بعد وجود بعض، كالباذنجان و البطيخ والكراث ونحوها فقد قال أصحابنا: يجوز بيع ما ظهر منها من الخارج الاول، ولا يجوز بيع ما لم يظهر، لانه بيع معدوم.\rوقال مالك: إذا ظهر الخارج الاول، جاز بيع الكل، لاجل الضرورة، إلا أنا نقول: لا ضرورة فإنه يمكنه بيع الاصل، بما فيه من الثمر، فيصير الاصل ملكا له، فبعد ذلك ما تولد من الاصل، يحدث\rعلى ملكه.\rومنها: أن يشتري شيئا بثمن معلوم، ثم يبيعه من البائع بأقل مما باعه قبل نقد الثمن.\rفإن باعه بجنس الثمن الاول بأن اشتراه بألف درهم، ثم باعه منه بخمسمائة درهم، قبل نقد الثمن، فهو فاسد عندنا.\rوعند الشافعي صحيح وإن كان بخلاف جنس الثمن الاول جاز.\rوالاصل في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، في قصة زيد بن أرقم (1) وهو معروف (2).\r__________\r(1) خزرجي مدنى من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غزا معه صلى الله عليه وسلم سبع غزوة، وقد روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rونزل الكوفة وتوفى بها سنة 56 ه.\r(أو سنة 68 ه).\r(2) وهو \" ان امراة سالت عائشة رضى الله عنها، فقالت: ان زيد بن ارقم باعنى جارية بثمانمائة درهم نسيئة، واشتراها منى بستمائة - فقالت عائشة: ابلغنى زيد بن ارقم رضى الله عنه ان الله تعالى قد ابطل جهاده ان لم يتب \".","part":2,"page":57},{"id":470,"text":"ثم ما ذكرنا من الشروط التي إذا أدخلها في نفس العقد يكون مفسدا للعقد إذا اعترضت على العقد الصحيح هل يفسد العقد؟ عند أبي حنيفة يفسد ويلتحق بأصل العقد، بمنزلة اشتراط الخيار في العقد البات، والزيادة والحط في الثمن وعندهما: لا يلتحق، ويبطل الشرط، والمسألة معروفة.\rوأما حكم البيع الفاسد فنقول: هذا على وجهين:\rإن كان الفساد من قبل المبيع، بأن كان محرما، نحو الخمر والخنزير وصيد الحرم والاحرام، فالبيع باطل لا يفيد الملك أصلا وإن قبض، لانه لا يثبت الملك في الخمر، والخنزير للمسلم بالبيع، والبيع لا ينعقد بلا مبيع.\rوكذلك إذا باع الميتة والدم وكل ما ليس بمال متقوم.\rوكذلك: إذا باع المدبر وأم الولد، والمكاتب، والمستسعي، ونحو ذلك.\rوكذلك الصيد الذي ذبحه المحرم، أو صيد الحرم إذا ذبح، فإنه يكون ميتة، فلا يجوز بيعه.\rوإن كان الفساد يرجع لثمن، فإن ذكر ما هو مال في الجملة شرعا، أو ما هو مرغوب عند الناس لا يوجد مجانا بغير شئ، كما إذا باع بالخمر، والخنزير، وصيد الحرم، و الاحرام، فإن البيع ينعقد بقيمة المبيع، ويفيد الملك فالمبيع، بالقبض، لان ذكر الثمن المرغوب دليل على أن غرضهما البيع، فينعقد بيعا، بقيمة المبيع.","part":2,"page":58},{"id":471,"text":"وكذلك إذا جعلا الثمن مدبرا، أو مكاتبا، أو أم ولد، لانه مرغوب فيه.\rوإذا جعلا الميتة والدم ثمنا، فقد اختلف المشايخ.\rوكذلك لو باعه بما يرعى به إبله في أرضه من الكلا، أو بما يشرب دابته من ماء بئره، لانه ذكر شيئا مرغوبا فيه.\rوكذلك إذا كان الفساد بإدخال شرط فاسد، أو باعتبار الجهالة،\rونحو ذلك.\rوإن ذكر المبيع والثمن، فهو على هذا يفيد الملك، بالقيمة، عند القبض.\rوهذا كله عندنا.\rوعند الشافعي: البيع فاسد، لا يفيد الملك أصلا، والمسألة معروفة.\rوعلى هذا لو قال: بعت منك هذا العبد، ولم يذكر الثمن، ينعقد البيع بالقيمة، ولو قال: بعت منك هذا العبد بقيمته فكذلك.\rثم في البيع الفاسد، إنما يملك بالقبض إذا كان بإذن البائع، فأما إذا كان بغير إذنه فهو كما لو لم يقبض، هذا هو المشهور من الروايات عن أصحابنا.\rوذكر محمد في الزيادات إذا قبضه بحضرة البائع فلم ينهه وسكت، إنه يكون قبضا ويصير ملكا له، ولم يحك خلافا.\rوقد قال أصحابنا فيمن وهب هبة: والقياس أن لا يملكها الموهوب له حتى يقبضها بإذن الواهب أو بتسليمها إليه.\rإلا أنهم استحسنوا وقالوا: إذا قبضها في مجلس العقد، بحضرة الواهب ولم ينهه وسكت،","part":2,"page":59},{"id":472,"text":"جازت ويفيد الملك، وإذا قبض بعد الافتراق عن المجلس بحضرته، لا يصح القبض وإن سكت، لان الملك من الموهوب إنما يقع بالعقد والقبض فيكون الاقدام على إيجاب الهبة إذنا بالقبض، كما يكون إذنا بالقبول، وبعد الافتراق عن المجلس لا يكون إذنا بالقبول، وكذلك لا يكون إذنا بالقبض، فعلى هذا يجب أن يكون في البيع الفاسد في\rمجلس العقد يكون إذنا بالقبض، وبعد الافتراق لا يكون إذنا.\rثم المشتري شراء فاسدا هل يملك التصرف في المشترى وهل يكره ذلك؟ فنقول: لا شك أنه قبل القبض لا يملك تصرفا ما لعدم الملك، فأما بعد القبض، فيملك التصرفات المزيلة للملك من كل وجه أو من وجه، نحو الاعتاق، والبيع، والهبة، والتسليم، والتدبير، والاستيلاد، والكتابة، لان هذه التصرفات تزيل حق الانتفاع بالحرام.\rولكن هل يباح له التصرفات التي فيها انتفاع بالمبيع مع قيام الملك؟ اختلف المشايخ.\rقال بعضهم: لا يباح الانتفاع به حتى لا يباح له الوطء إن كانت جارية، ولا الاكل إن كان طعاما، ولا الانتفاع به إن كان دارا أو دابة أو ثوبا.\rوبعض مشايخنا قالوا: لا يباح له الوطئ لا غير، ويباح له سائر أنواع الانتفاعات.\rفالاولون قالوا: إن هذا ملك خبيث، فلا يظهر الملك في حق حل الوطئ والانتفاع احتياطا.\rوالآخرون قالوا: إن المالك سلطه على التصرف، وأباح له التصرف فكل تصرف يباح بالاذن يباح بهذا البيع، والوطئ لا يباح بإذن المالك فلا يباح بالتسليط، بخلاف سائر الانتفاعات.","part":2,"page":60},{"id":473,"text":"وأما الكراهة فنقول: ذكر الكرخي وقال: يكره التصرفات كلها، لانه يجب عليه الفسخ لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال حق الفسخ، أو تأخيره\rفيكره.\rوقال بعض مشايخنا: لا يكره التصرفات المزيلة للملك، لانه يزول الفساد بسببها.\rفأما التصرفات التي توجب تقرير الملك الفاسد، فإنه يكره.\rوالصحيح هو الاول.\rثم المشتري شراء فاسدا إذا تصرف في المشتري بعض القبض: فإن كان تصرفا مزيلا للملك من كل وجه، كالاعتاق والبيع والهبة فإنه يجوز، ولا يفسخ، لان الفساد قد زال بزوال الملك.\rوإن كان تصرفا مزيلا للملك من وجه أو لا يكون مزيلا للملك، فإن كان تصرفا لا يحتمل الفسخ، كالتدبير، والاستيلاد، والكتابة، فإنه يبطل حق الفسخ.\rوإن كان يحتمل الفسخ، إن كان يفسخ بالعذر، كالاجارة، فإنه يفسخ الاجارة، ثم يفسخ البيع بسبب الفساد، ويجعل حق الفسخ بسبب الفساد عذرا في فسخ الاجارة.\rولو زوجها من إنسان بعد القبض فإن النكاح لا يمنع الفسخ، والنكاح بحاله لانه زوجها وهي مملوكة له، فصح نكاحها، والنكاح مما لا يحتمل الفسخ فبقي النكاح.\rولو أوصى بالعبد المبيع بيعا فاسدا، فإنه يفسخ لان الوصية مما يحتمل الرجوع.","part":2,"page":61},{"id":474,"text":"ولو مات الموصي قبل الفسخ سقط الفسخ، لان الملك انتقل إلى الموصى له، فصار كالبيع.\rولو مات المشتري شراء فاسدا، فورثه الورثة، فللبائع حق الفسخ وكذلك للورثة، لان الوارث يقوم مقام الميت في حق الفسخ، ولهذا يرد بالعيب، ويرد عليه، بخلاف الموصى له.\rولو حصل في المبيع، بيعا فاسدا، زيادة منفصلة، كالولد، والثمر، واللبن، أو الارش بسبب تفويت بعضه، فإنه لا يمنع الفسخ، بل للبائع أن يأخذ المبيع مع الزوائد ويفسخ البيع، لان قبض المشتري شراء فاسدا بمنزلة قبض الغصب.\rثم إذا أخذ الولد فإن كانت الولادة نقصت الجارية، نظر في قيمة الولد فإن كان فيه وفاء بالنقصان، فلا شئ على المشتري، وإن لم يكن فيه وفاء، غرم تمام النقصان.\rوإن وطئ المشتري المبيعة بيعا فاسدا فهذا على وجهين: إن لم يعلقها، فللبائع أن يسترد الجارية، ويضمن المشتري عقرها للبائع، باتفاق الروايات، بخلاف الجارية الموهوبة إذا وطئها الموهوب له ثم رجع الواهب: فإنه لا يضمن للواهب عقرها، لانه وطئ ملك نفسه، ملكا مطلقا، في حق حل الوطئ وغيره، وبالرجوع لم يظهر أن الملك لم يكن أما في البيع الفاسد، فلم يظهر الملك في حق حل الوطئ، لكن لم يحد للشهبة، فيجب العقر.\rوإن أعلقها وادعى الولد، يثبت نسب الولد منه، وتصير الجارية أم ولد له، وللبائع أن يضمن المشتري قيمة الجارية ويبطل حقه في الجارية.\rوإذا وجبت القيمة هل يجب العقر؟ ذكر في كتاب البيوع وقال: لا عقر عليه.","part":2,"page":62},{"id":475,"text":"وذكر في كتاب الشرب وقال: عليه العقر.\rولو أحدث المشتري في المبيع، بيعا فاسدا صنعا لو فعله الغاصب في المغصوب يصير ملكا له بالقيمة، كما إذا طحن الحنطة أو خاط الثوب قميصا ونحو ذلك، ينقطع حق البائع في الفسخ، ويلزمه قيمته يوم القبض كما في الغصب.\rوكذلك لو كان المبيع ساجة (1)، فأدخلها في بنائه.\rوإن كان المبيع أرضا، فبنى فيها المشتري، فليس للبائع أن ينقض البيع عند أبي حنيفة رضي الله عنه.\rوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: للبائع أن ينقض كما في الغصب، فإن الغاصب إذا بنى على الارض المغصوبة لا ينقطع حق المالك، فكذا هذا.\rوأبو حنيفة يقول: إن المبيع صار ملكا له، وفي النقض ضرر كثير، فلا ينقض، بخلاف الغاصب.\r__________\r(1) الساج شجر عظيم صلب الخشب.\rالواحدة ساجة.","part":2,"page":63},{"id":476,"text":"باب خيار الشرط الكلام في خيار الشرط في مواضع: أحدها: في بيان شرط الخيار المفسد، والذي ليس بمفسد، والثاني: في بيان مقدار مدة الخيار.\rوالثالث: في بيان ما يسقط الخيار، والرابع: في بيان عمل الخيار وحكمه،\rوالخامس: في بيان كيفية الفسخ والاجازة.\rأما الاول فنقول: إن الخيار المفسد ثلاثة أنواع: بأن ذكر الخيار مؤبدا بأن قال: بعت، أو اشتريت، على أني بالخيار أبدا، أو ذكر الخيار مطلقا ولم يبين وقتا أصلا، بأن قال: على أني بالخيار، أو ذكر وقتا مجهولا، بأن قال: على أني بالخيار أياما، ولم يبين وقتا معلوما.\rوالجواب في هذه الفصول الثلاثة أن البيع فاسد.\rوأما الخيار المشروع فنوع واحد: وهو أن يذكر وقتا معلوما، ولم يجاوز عن الثلاثة، بأن قال: على أني بالخيار يوما أو يومين أو ثلاثة أيام.\rوهذا قول عامة العلماء، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري.","part":2,"page":65},{"id":477,"text":"وقال سفيان الثوري وابن شبرمة: إن كان الخيار للمشتري يجوز، وإلا فلا.\rوأصل هذا أن اشتراط الخيار، كيفما كان، شرط ينافي موجب العقد، وهو ثبوت الملك عند العقد وإنما عرفنا جوازه بحديث حبان بن منقذ (1)، بخلاف القياس، والحديث ورد بالخيار في مدة معلومة، وهي ثلاثة أيام، فبقي مورد ذلك على أصل القياس، إلا إذا كان ذلك في معناه.\rوأما إذا شرط الخيار أربعة أيام أو شهرا، فقال أبو حنيفة وزفر رحمهما الله بأن البيع فاسد، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله بأنه جائز.\rوالصحيح ما قاله أبو حنيفة، لما قلنا إنه شرط مخالف لمقتضى العقد، والشرع ورد في ثلاثة أيام، فبقي ما زاد عليها على أصل\rالقياس.\rوأما بيان ما يسقط الخيار فنقول: إن الخيار بعد ثبوته يسقط بمعان ثلاثة: إما بالاسقاط صريحا، أو بالاسقاط بطريق الدلالة، أو بطريق الضرورة.\rأما بالاسقاط صريحا فبأن يقول: أسقطت الخيار، أو: أبطلته، أو أجزت البيع، أو: رضيت به، فيبطل الخيار، لان الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخيار، والاصل هو لزوم العقد ونفاذه، فإذا بطل عاد الاصل.\rوكذلك إذا قال: فسخت العقد.\rأو: نقضته، أو: أبطلته، يسقط\r__________\r(1) صحابي مشهور شهد احدا وما بعدها وتوفى في خلافة عثمان (النووي) والحديث هو ما روى ان حبان بن منقذ كان يغبن في التجارات فشكا اهله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: \" إذا بايعت فقل: لا خلا به ولي الخيار ثلاثة ايام \".","part":2,"page":66},{"id":478,"text":"الخيار، لان الخيار هو التخيير بين الفسخ والاجازة، فأيهما وجد سقط.\rوأما الاسقاط بطريق الدلالة فهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إبقاء الملك وإثباته، فالاقدام عليه يبطل خياره تحقيقا لغرضه.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعرضه على البيع يبطل خياره، لان عرض المشتري المبيع على البيع لاختياره الثمن، ولا يصير الثمن ملكا له إلا بعد ثبوت الملك في المبدل فيصير مختارا للملك، ولا يكون ذلك إلا بإبطال الخيار، فيبطل بطريق الدلالة.\rوأما الخيار إذا كان للبائع فعرضه على البيع، فلم يذكر في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة روايتان.\rوالاصح أنه يكون إسقاطا لخياره، لانه دليل إبقاء الملك، لانه لا يصل إلى الثمن من غيره إلا بالتمليك منه، وذلك لا يكون إلا بإسقاط الخيار وفسخ العقد الاول.\rولو أن المشتري إذا كان له الخيار في عبد فباعه أو أعتقه، أو دبره، أو كاتبه، أو رهنه، أو وهبه، سلم أو لم يسلم، أو آجره، فإن هذا كله منه اختيار للاجازة، لان نفاذ هذه التصرفات مختصة بالملك، فيكون الاقدام عليها دليل قصد إبقاء الملك، وذلك بالاجازة.\rولو وجدت هذه التصرفات من البائع الذي له الخيار، يسقط خياره أيضا، لانه لا يصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الاول، إلا أن الهبة، والرهن لا يسقط الخيار إلا بعد التسليم، بخلاف ما إذا كان الخيار للمشتري، ووجد منه الرهن والهبة بلا تسليم، لان الهبة والرهن بلا تسليم لا يكون دون العرض على البيع، وذلك يسقط خيار المشتري دون البائع في رواية، فكذلك هذا.","part":2,"page":67},{"id":479,"text":"وأما الاجازة، فذكر في البيوع: الاصل أنه يكون اختيارا من البائع والمشتري من غير شرط القبض.\rوذكر في بعض الروايات، وشرط قبض المستأجر.\rوالاصح أنه لا يشترط، لان الاجارة عقد لازم، بخلاف الهبة، والرهن، قبل القبض: فإنه غير لازم.\rولو كان المبيع جارية فوطئها البائع أو المشتري إذا كان له الخيار يسقط الخيار، أما في البائع فلانه وإن كان الملك قائما للحال ولكن لو لم يسقط الخيار بالوطئ فإذا أجاز تبين أنه وطئ جارية الغير من وجه، لانه\rيثبت الملك للمشتري بطريق الاسناد، وأما في المشتري فلهذا المعنى أيضا، ولمعنى آخر عند أبي حنيفة خاصة، لان الجارية المبيعة لا تدخل في ملك المشتري إذا كان الخيار له، والوطئ لا يحل بدون الملك، فالاقدام على الوطئ دليل اختيار الملك.\rولو لمسها المشتري لشهوة وله الخيار، سقط، لانه لا يحل بدون الملك.\rوإن لمس لا عن شهوة، لا يسقط، لانه يحتاج إلى ذلك في الجملة للاختبار، لتعرف لينها وخشونتها.\rولو نظر إلى فرجها بشهوة: سقط لما قلنا.\rولو نظر بغير شهوة لا يسقط، لان النظر إلى الفرج لا عن شهوة قد يباح عند الحاجة والضرورة، كما في حق القابلة والطبيب، وللمشتري حاجة في الجملة.\rولو نظر إلى سائر أعضائها عن شهوة لا يسقط، لانه يحتاج إليه للامتحان، في الجملة.","part":2,"page":68},{"id":480,"text":"وكذلك الجواب في حق البائع في اللمس عن شهوة، النظر إلى فرجها عن شهوة، فأما النظر إلى فرجها لا عن شهوة، أو النظر إلى سائر أعضائها لا عن شهوة، أو لمس سائر أعضائها، لا عن شهوة، فإنه يجب أن يسقط به الخيار بخف المشتري، لان ثم في الجملة له حاجة إلى ذلك، ولا حاجة في حق البائع وهذه التصرفات حرام من غير ملك.\rولو نظرت الجارية المشتراة إلى فرج المشتري لشهوة أو لمسته، فإن فعلت ذلك بتمكين المشتري، بأن علم المشتري ذلك منها فتركها حتى فعلت، يسقط خياره.\rفأما إذا اختلست اختلاسا، فلمست، من غير تمكين المشتري بذلك، فقال أبو يوسف: يسقط خياره، وقال محمد: لا يسقط، وقول أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف ذكره بشر بن الوليد أنه يثبت الرجعة بها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يثبت في قول محمد.\rوأجمعوا أنها لو أدخلت فرج الرجل في فرجها، والزوج نائم، فإنه يسقط الخيار وتثبت الرجعة.\rوالصحيح قولهما، لان الخيار لو لم يسقط ربما يفسخ الشراء، فيتبين أن اللمس وجد من غير ملك، ومس العورة بلا ملك حرام، فيسقط صيانة عن مباشرة الحرام، وكذلك في الرجعة لهذا المعنى.\rوأما الاستخدام منها فلا يجعل اختيارا لانه تصرف لا يختص بالملك، فإنه يباح بإذن المالك.\rثم إنما يعرف الشهوة من غير الشهوة بإقرار الواطئ والمتصرف، وفي الجارية المختلسة بإقرار المشتري.\rوأما الاجنبي إذا وطئ الجارية المبيعة، فإن كانت في يد المشتري والخيار له، سقط الخيار، لانه: إن كان عن شبهة يجب العقر، وإنه","part":2,"page":69},{"id":481,"text":"زيادة منفصلة حدثت بعد القبض فتمنع الرد.\rوإن كان زنا، فهو عيب في الجوار، وحدوث العيب في يد المشتري يسقط خياره، فكذلك إذا ولدت الجارية في يد المشتري يسقط خياره، لانه لو كان الولد حيا وفيه وفاء بنقصان الولادة فينجبر، لكن الولد زيادة منفصلة، فيمنع الفسخ ويسقط الخيار، وإن مات الولد، فالنقصان قائم لم ينجبر، وحدوث النقصان عند المشتري يمنع الرد.\rوإن كان في يد البائع والخيار له، لا يسقط الخيار في وطئ الاجنبي، لان الزنا لا يوجب نقصا في عين الجارية، ولكن للمشتري حق بسبب العيب، وإن كان الوطئ عن شبهة والعقر زيادة منفصلة قبل القبض، فلا يمنع الفسخ وفي فصل الولد إن كان حيا ينجبر النقصان، وإنه زيادة قبل القبض، فلا يمنع الفسخ، لكن ثبت الخيار للمشتري بسبب العيب، لان صورة النقصان قائمة، وإن انجبر معنى.\rوإن مات الولد فالنقصان قائم، ولكن لم يفت شئ من المعقود عليه حتى ينفسخ العقد فيه، فتتفرق الصفقة على المشتري، فيسقط الخيار، ولكن للمشتري حق الفسخ بسبب العيب، وهو نقصان الولادة.\rوكذلك المشتري لو أسكن الدار المبيعة رجلا، بأجر أو بغير أجر، أو رم (1) شيئا منها، بالتطيين والتجصيص، أو أحدث فيها بناء، أو هدم شيئا منها، فإنه يسقط الخيار، لان هذه التصرفات دليل اختيار الملك، ولو سقط حائط منها بغير صنع أحد يسقط الخيار، لانه نقص في المعقود عليه.\rولو كان المبيع أرضا فيها زروع وثمار، قد دخلت تحت البيع بالشرط فسقاه، أو حصده، أو قصل منه (2) شيئا لدوابه، أو جد (3) شيئا من\r__________\r(1) رم البناء اصله.\r(2) قصل قطع.\rومنه القصيل، وهو الشعير يجز اخضر لعلف الدواب.\rوالفقهاء يسمون الزرع قبل ادراكه قصيلا، وهو مجاز.\r(3) جد قطع ومنه جد النخل صرمه أي قطع ثمره جدادا.","part":2,"page":70},{"id":482,"text":"الثمار، فهذا إجازة منه لما ذكرنا\r.\rولو ركب المشتري الدابة ليسقيها، أو ليردها على البائع، فالقياس أن يكون إجازة، لما ذكرنا.\rوفي الاستحسان لا يسقط الخيار، لان الدابة قد لا يمكن تسييرها إلا بالركوب.\rولو ركبها لينظر إلى سيرها وقوتها: فهو على الخيار.\rوكذا لو لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه، لانه يحتاج إليه للامتحان.\rولو ركبها مرة أخرى لمعرفة العدو، أو ركبها لمعرفة شئ آخر، بأن ركب مرة لمعرفة أنها هملاج، ثم ركب ثانيا لمعرفة العدو، لا يسقط خياره لانه يحتاج إليه أيضا.\rوإن ركبها لمعرفة السير الاول مرة أخرى، ذكر في ظاهر الروايات أنه يسقط الخيار.\rوفي الثوب إذا لبس ثانيا، لمعرفة الطول والعرض، يسقط الخيار.\rوفي استخدام الرقيق: إذا استخدم مرة، ثم استخدم ثانيا لنوع آخر، لا يسقط الخيار.\rوبعض مشايخنا قالوا في الاستخدام، والركوب: لا يبطل الخيار بالمرة الثانية، وإن كان من نوع واحد، لان الاختيار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال أن ذلك وقع اتفاقا، وإنما الحاجة إلى معرفة ذلك عادة لها، وذلك لا يحصل إلا بالمرة الثانية، لان العادة مشتقة من العود، بخلاف الثوب فإن الغرض يحصل بالمرة الواحدة.\r__________\r(1) مشى الهملاج مشى سهل.","part":2,"page":71},{"id":483,"text":"وأما سقوط الخيار بطريق الضرورة فأنواع:\rمنها: إذا مضت المدة، لان الخيار مؤقت بها، فينتهي الخيار ضرورة، فيبقى العقد بلا خيار، فيلزم العقد.\rومنها: إذا مات المشروط له الخيار، فإنه يسقط الخيار ولا يورث، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما.\rوقال الشافعي: يورث، ويقوم الوارث مقامه.\rوأجمعوا أن خيار العيب، وخيار التعيين، يورث، وأجمعوا أن خيار القبول: لا يورث.\rوكذلك خيار الاجازة في بيع الفضولي: لا يورث.\rوأما خيار الرؤية فهل يورث؟ لم يذكر في البيوع، وذكر في كتاب الحيل أنه لا يورث، وكذا روى ابن سماعة عن محمد.\rوأجمعوا أن الاجل لا يورث.\rولقب المسألة أن خيار الشرط هل يورث أم لا؟ والمسألة معروفة.\rوإذا لم يورث الخيار عندنا يسقط ضرورة، فيصير العقد لازما، لانه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة.\rوكذا الجواب فيما هو في معنى الموت، بأن ذهب عقل صاحب الخيار.\rبالجنون أو بالاغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة، وهو كذلك، صار العقد لازما، لانه عجز عن الفسخ، فلا فائدة في بقاء الخيار.\rفإذا أفاق في مدة الخيار، كان على خياره، لامكان الفسخ والاجازة.\rوكذا لو بقي نائما في آخر مدة الخيار، حتى مضت: سقط الخيار.\rولو سكر بحيث لا يعلم حتى مضت مدة الخيار: لم يذكر في","part":2,"page":72},{"id":484,"text":"الكتاب.\rوقالوا: الصحيح أنه يسقط الخيار، لما قلنا.\rولو ارتد من له الخيار في مدة الخيار إن مات أو قتل على الرد، صار البيع لازما.\rوكذلك إن لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه، لان الردة بمنزلة الموت، بعد الالتحاق بدار الحرب.\rوإن أسلم في مدة الخيار كان على خياره، وجعل العارض كأن لم يكن.\rهذا إذا مات أو قتل على الردة، أو أسلم قبل أن يتصرف بحكم الخيار فسخا أو إجازة.\rفأما إذا تصرف في مدة الخيار بعد الردة: فإن أجاز جازت إجازته، ولا يتوقف، بالاتفاق.\rولو فسخ فعند أبي حنيفة: يتوقف، فإن أسلم نفذ، وإن مات أو قتل على الردة، بطل الفسخ، على ما يعرف في مسائل السير تصرفات المرتد موقوفة عنده، خلافا لهما.\rوعلى هذا إذا هلكت السلعة المبيعة، في مدة الخيار، فلا يخلو إما أن تهلك في يد البائع، أو في يد المشتري والخيار للبائع، أو للمشتري.\rفإن هلكت في يد البائع فإنه يسقط الخيار، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، لانه ينفسخ العقد، لانه هلك لا إلى خلف، ولا يمكنه مطالبة المشتري بالثمن، بدون تسليم المبيع وقد عجز عن التسليم، فلا فائدة في بقائه فيفسخ، فيبطل الخيار ضرورة.\rوإن هلكت في يد المشتري، فإن كان الخيار للبائع، تهلك بالقيمة، ويسقط الخيار في قول عامة العلماء.","part":2,"page":73},{"id":485,"text":"وقال ابن أبي ليلى: تهلك أمانة.\rوالصحيح قول العامة، لان القبض بسبب هذا العقد، لا يكون دون القبض على سوم الشراء، وذلك مضمون بالقيمة فهذا أولى.\rوإن كان الخيار للمشتري فإنه يهلك عليه بالثمن عندنا.\rوعند الشافعي يهلك عليه بالقيمة.\rوالصحيح قولنا، لان المبيع يصير معيبا، قبل الهلاك، متصلا به، لان الموت يكون بناء على سبب مؤثر فيه عادة، والسبب المفضي إلى الهلاك يكون عيبا، وحدوث العيب في يد المشتري يسقط خياره، لانه يعجز عن الرد، على الوجه الذي أخذه سليما، كما إذا حدث به عيب حسا.\rوأما إذا تعيب المبيع، فإن كان الخيار للبائع، وهو عيب يوجب نقصانا في عين المبيع، فإنه يبطل خياره، سواء كان المبيع في يده أو في يد المشتري، إذا تعيب بآفة سماوية، أو بفعل البائع، لانه هلك بعضه بلا خلف، لانه لا يجب الضمان على البائع، لانه ملكه فينفسخ البيع فيه لفواته، ولا يمكن بقاء العقد في القائم لما فيه من تفريق للصفقة على المشتري قبل التمام.\rوأما إذا تعيب بفعل المشتري أو بفعل الاجنبي، كان البائع على خياره، لانه يمكنه إجازة البيع في الفائت والقائم، لانه فات إلى خلف مضمون على المشتري، والاجنبي بالقيمة، لانهما أتلفا ملك الغير بغير إذنه.\rفأما إذا كان عيبا، لا يوجب نقصانا في عين المبيع، كالوطئ من الاجنبي، وولادة الولد، ونحو ذلك فلا يسقط خياره إذا تعيب\rبفعل البائع، حتى لو أراد أن يرد على البائع بغير رضاه فليس له ذلك،","part":2,"page":74},{"id":486,"text":"ولكن للمشتري حق الرد بسبب العيب، لانه لم يفت شئ من المبيع، فينفسخ العقد فيه، فتتفرق الصفقة على المشتري، وكذا إذا تعيب بفعل المشتري، لانه مضمون عليه.\rوأما إذا كان الخيار للمشتري، والعبد في يده، يبطل خياره، سواء حصل بآفة سماوية، أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري، أو بفعل الاجنبي، حتى لو أراد أن يرد على البائع بغير رضاه ليس له ذلك، أما في الآفة السماوية، وفعل البائع، فلما ذكرنا في خيار البائع، وأما في فعل المشتري والاجنبي، فلانه فات شرط الرد، لانه لا يمكنه أن يرد جميع ما قبض كما قبض سليما، وفي رد البعض تفريق الصفقة على البائع قبل التمام، وفي الاجنبي علة أخرى وهي أنه أوجب الارض، والارش زيادة منفصلة حدثت بعد القبض، وإنها تمنع الفسخ عندنا، كسائر أسباب الفسخ، فكذا حكم الخيار.\rثم في خيار البائع إذا تعيب بفعل المشتري أو بفعل الاجنبي، وهو في يد المشتري، لم يسقط الخيار، وبقي على خياره، فلا يخلو إما أن يجيز أو يفسخ، والعيب حصل بفعل المشتري أو الاجنبي، فإن أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن، لان البيع جاز في الكل، ولم يكن للمشتري حق الرد والفسخ، بسبب التغيير الذي حصل في المبيع، لانه حدث في يده وفي ضمانه، إلا أن المشتري إن كان هو القاطع فلا سبيل له على أحد، لانه ضمن بفعل نفسه، وإن كان القاطع أجنبيا، فللمشتري أن يتبع الجاني بالارض، لانه بالاجازة ملك العبد\rمن وقت البيع، فحصلت الجناية على ملكه.\rوإذا اختار الفسخ، فإن كان القاطع هو المشتري، فإنه يأخذ الباقي، ويضمن المشتري نصف قيمة العبد للبائع، لان العبد كان","part":2,"page":75},{"id":487,"text":"مضمونا على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه بالجناية، فعليه رد قيمته.\rوإن كان القاطع أجنبيا، فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني، لان الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري لان الجناية حدثت في ضمان المشتري، فإن اختار اتباع الاجنبي فلا يرجع على أحد، لانه ضمن بفعل نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بذلك على الجاني، لان المشتري بأداء الضمان قام مقام البائع في حق ملك البدل وإن لم يقم مقامه في حق ملك نفس الفائت، كما في غاصب المدبر إذا قتل المدبر في يده وضمنه المالك، كان له أن يرجع على القاتل، وإن لم يملك المدبر، لما قلنا كذلك ههنا.\rوأما معرفة عمل خيار الشرط وحكمه فنقول: قال علماؤنا رحمهم الله: إن البيع بشرط الخيار لا ينعقد في حق الحكم، بل هو موقوف إلى وقت سقوط الخيار، فينعقد حينئذ.\rو قال الشافعي في قول مثل قولنا، وفي قول: ينعقد مفيدا للملك، لكن يثبت له خيار الفسخ، بتسليط صاحبه، كما في خيار الرؤية، وخيار العيب.\rوالصحيح قولنا، لان خيار الشرط، شرع لدفع الغبن، لحديث حبان بن منقذ، وذلك لا يحصل إلا بما ذكرنا، فإن المبيع إذا كان قريبه\rيعتق عليه، لو ثبت الملك، فلا يحصل الغرض.\rثم الخيار إذا كان للعاقدين جميعا لا يكون العقد منعقدا، في حق الحكم، في حقهما جميعا.\rوإن كان الخيار لاحد العاقدين فلا شك أن العقد لا ينعقد في حق الحكم في حق من له الخيار.\rوأما في حق الآخر فهل ينعقد في حق","part":2,"page":76},{"id":488,"text":"الحكم، وهو الحكم الذي يثبت بفعله، أعني ثبوت الملك في المبيع بتمليك البائع، وثبوت الملك في الثمن بتمليك المشتري؟ قال أبو حنيفة: لا ينعقد.\rوقال أبو يوسف ومحمد: ينعقد، حتى إن الخيار إذا كان للبائع لا يزول المبيع عن ملكه، ولا يدخل في ملك المشتري.\rوأما الثمن فهل يدخل في ملك البائع؟ فعند أبي حنيفة لا يدخل، بأن كان الثمن عينا، ولا يستحق عليه الثمن للبائع إن كان دينا.\rوعندهما: يدخل، ويجب الثمن للبائع.\rوإن كان الخيار للمشتري لا يستحق عليه الثمن، ولا يخرج عن ملكه إذا كان عينا.\rوهل يدخل المبيع في ملك المشتري؟ عند أبي حنيفة: يزول عن ملك البائع، ولا يدخل في ملك المشتري.\rوعندهما: يدخل.\rوالصحيح قول أبي حنيفة، لان خيار المشتري يمنع زوال الثمن عن ملكه، ويمنع من استحقاق الثمن عليه، ولو قلنا إنه يملك المبيع كان فيه\rجمع بين البدل والمبدل في ملك رجل واحد، في عقد المبادلة، وهذا لا يجوز، بخلاف خيار الرؤية والعيب لان هناك لا يمنع زوال الثمن عن ملك المشتري فجاز أن لا يمنع دخول السلعة في ملكه.\rوفوائد هذا الاصل تظهر في مسائل كثيرة مذكورة في الكتب فنذكر بعضها.\rمنها - إذا اشترى الرجل أباه، أو ذا رحم محرم منه، على أنه بالخيار","part":2,"page":77},{"id":489,"text":"ثلاثة أيام، لم يعتق عند أبي حنيفة، لانه لم يدخل في ملكه، وعندهما يعتق.\rوأجمعوا أنه إذا قال لعبد الغير: إذا اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار، ثلاثة أيام، يعتق عليه ويبطل خياره.\rأما عندهما فلانه يدخل في ملكه، وأما عند أبي حنيفة فلان المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، ولو نجز عتقه بعد شرائه بشرط الخيار ينفذ عتقه ويبطل الخيار لاختياره الملك، كذا هذا.\rومنها - إذا اشترى زوجته، على أنه بالخيار ثلاثة أيام لا يبطل نكاحه عند أبي حنيفة، لانها لم تدخل في ملكه.\rوعندهما: يبطل لانها دخلت في ملكه.\rولو وطئها الزوج في مدة الخيار، ينظر إن كانت بكرا يبطل خياره، بالاتفاق لوجود التعيب، وإن كانت ثيبا ولم ينقصها الوطئ، لا يبطل خياره عند أبي حنيفة، لانه وطئها بملك النكاح، ولا بملك اليمين، فلا يصير مختارا ضرورة في حل الوطئ.\rوعندهما يبطل خياره، لانه وطئها بحكم الشراء.\rومنها: أن المبيع إذا كان دارا، إن كان للبائع فيها خيار لم يكن للشفيع الشفعة، بالاجماع، لان خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه.\rوإن كان الخيار للمشتري تثبت الشفعة للشفيع بالاجماع أما عندهما فلان خياره لا يمنع دخول السلعة في ملك المشتري، فتثبت الشفعة للشفيع، وعلى قول أبي حنيفة: خيار المشتري، وإن منع دخول السلعة في ملك المشتري، لم يمنع زوالها عن ملك البائع وحق الشفيع في الشفعة يعتمد زوال حق البائع، لا ملك المشتري.","part":2,"page":78},{"id":490,"text":"وأما كيفية الفسخ والاجازة فهو على ضربين: أحدهما: بطريق الضرورة، والآخر: بطريق القصد والاختيار.\rأما الفسخ والاجازة بطريق الضرورة، فيصح من غير حضرة خصمه وعلمه، كمضي مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، على ما ذكرنا.\rوأما الفسخ والاجازة بطريق القصد، فقد أجمع أصحابنا أن المشروط له الخيار، ملك إجازة العقد بغير محضر من صاحبه، بغير علم منه، لان صاحبه الذي لا خيار له رضي بحكم العقد، وأما من له الخيار فلم يرض حكمه، ولزومه، فإذا رضي - ورضا الآخر قد وجد، يجب القول بنفاذ البيع علم الآخر أو لم يعلم.\rلكن يشترط الرضا باللسان، بأن قال: أجزت هذا العقد، أو: رضيت به، فأما إذا رضي بقلبه، وما أجازه صريحا، فإنه لا يسقط خياره، لان الاحكام الشرعية تتعلق بالاقوال والافعال الظاهرة الدالة على الضمائر.\rوأما الفسخ والرد، إن وجد بالقلب دون اللسان، فهو باطل لما ذكرنا.\rوأما إذا فسخ بلسانه، فإن كان بمحضر من صاحبه، فإنه يصح، بالاجماع، سواء رضي به أو أبى.\rوأما إذا كان بغير محضر من صاحبه، فقد قال أبو حنيفة ومحمد: لا يصح، وهو قول أبي يوسف الاول، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، ثم رجع وقال: يصح.\rوروي عنه أنه قال: إن كان الخيار للبائع، ملك فسخه بغير محضر من المشتري، وإن كان الخيار للمشتري، لا يملك فسخه بغير محضر من البائع، ونعني بالحضرة","part":2,"page":79},{"id":491,"text":"العلم حتى لو كان الآخر حاضرا ولم يكن عالما بفسخه، لا يصح، ولو كان غائبا، وعلم بفسخه في مدة الخيار، ينبغي أن يصح.\rوذكر الكرخي أن خيار الرؤية على هذا الخلاف.\rوأجمعوا أن المشتري في خيار العيب إذا فسخ بغير محضر من البائع، لا يصح وإن كان قبل القبض والمسألة معروفة.\rولو اشترى رجلان على أنهما بالخيار ثلاثة أيام، أو اشتريا شيئا ولم يرياه، أو اشتريا شيئا فوجدا به عيبا، هل يملك أحدهما أن ينفرد بالفسخ؟ على قول أبي حنيفة: لا يملك، ولو رد لا يصح.\rوعلى قولهما: يصح.\rوإنما يصح عند أبي حنيفة إذا اتفقا على الرد أو اتفقا على الاجازة.\rأما إذا رد أحدهما وأجاز الآخر فهو على الاختلاف.\rوكذا لو اختارا رد البيع في النصف وإجازة البيع في النصف فهو على الاختلاف، والمسألة معروفة.","part":2,"page":80},{"id":492,"text":"باب خيار الرؤية يحتاج إلى بيان مشروعية خيار الرؤية، وإلى بيان أنه في أي وقت يثبت، وفي بيان أنه يثبت مؤقتا أو مطلقا.\rوفي بيان حكمه، وفي بيان ما يسقطه.\rأما الاول فنقول: قال أصحابنا رحمهم الله: إن خيار الرؤية مشروع في شراء ما لم يره المشتري، فيجوز الشراء ويثبت له الخيار.\rوقال الشافعي: شراء ما لم يره المشتري لا يصح، فلا يكون الخيار فيه مشروعا.\rولو باع شيئا لم يره البائع، ورآه المشتري يجوز عندنا.\rوعند الشافعي: فيه قولان.\rوهل يثبت للبائع فيه خيار الرؤية؟ لم يذكر في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أن أبا حنيفة كان يقول بأنه يثبت","part":2,"page":81},{"id":493,"text":"له الخيار، ثم رجع وقال: لا يثبت.\rوأما بيان وقت ثبوت الخيار فنقول: يثبت الخيار عند رؤية المشتري، لا قبلها، حتى لو أجاز البيع قبل الرؤية لا يلزم البيع، ولا يسقط الخيار.\rوهل يملك الفسخ قبل الرؤية؟ لا رواية في ذا.\rواختلف المشايخ: قال بعضهم: لا يملك، لانه لا يملك الاجازة قبل الرؤية، فلا يملك الفسخ، لان الخيار لم يثبت.\rوبعضهم قالوا: يملك الفسخ لا لسبب الخيار، لانه غير ثابت، ولكن لان شراء ما لم يره المشتري غير لازم، والعقد الذي ليس بلازم يجوز فسخه، كالعارية والوديعة.\rوأما بيان أن الخيار مطلق أو مؤقت فنقول: اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يثبت مطلقا، فيكون له الخيار في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه.\rوبعضهم قالوا بأنه مؤقت بوقت إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو تمكن من الفسخ بعد الرؤية ولم يفسخ يسقط خيار الرؤية، وإن لم يوجد منه الاجازة والرضا صريحا ولا دلالة.\rوأما حكمه فهو التخيير بين الفسخ والاجازة إذا رأى المبيع، ولا يمنع ثبوت الملك في البدلين، ولكن يمنع اللزوم بخلاف خيار الشرط.\rوإنما يثبت الخيار في بيع العين بالعين لكل واحد منهما.","part":2,"page":82},{"id":494,"text":"وفي بيع العين بالدين تثبت للمشتري.\rولا يثبت في بيع الدين بالدين، وهو الصرف، لانه لا فائدة فيه.\rفأما إذا كان الحق عينا، فللناس أغراض في الاعيان، فكان ثبوت الخيار فيه لينظر أنه هل يصلح له، فإن شاء أجاز إن صلح، وإن شاء فسخ إن لم يصلح.\rوهذا إذا رأى جميع المبيع.\rفأما إذا رأى البعض ورضي به، ولم ير البعض، هل يكون على خياره، أم لا، إذا رأى المبيع فنقول: الاصل في هذا النوع من المسائل هو أن غير المرئي إذا كان تبعا للمرئي فلا خيار له في غير المرئي، وإن كان رؤية ما رأى لا تعرف حال ما لم يره، لان حكم التبع حكم الاصل.\rوإن لم يكن غير المرئي تبعا للمرئي، فإن كان مقصودا بنفسه، كالمرئي، ينظر إن كان رؤية ما قد رأى لم تعرف حال غير المرئي، كان على خياره، فيما لم يره، لان المقصود من الرؤية فيما لم يره، لم يحصل برؤيته ما رأى.\rوإن كان رؤية ما رأى تعرف حال غير المرئي، فإنه لا خيار له أصلا في غير المرئي إذا كان غير المرئي مثل المرئي أو فوقه، لانه حصل برؤية البعض رؤية الباقي من حيث المعنى.\rإذا ثبت هذا الاصل، تخرج عليه المسائل الآتية: - إذا اشترى جارية أو عبدا، فرأى الوجه دون سائر الاعضاء، لا خيار له، وإن كان رؤية الوجه لا تعرف حال سائر الاعضاء، لان سائر","part":2,"page":83},{"id":495,"text":"الاعضاء تبع للوجه في شراء العبد والجارية في العادة، ولو رأى سائر الاعضاء دون الوجه، فهو على خياره، لانه لم ير المتبوع.\rهذا في بني آدم.\r- فأما في سائر الحيوان مثل الفرس والحمار ونحوهما، ذكر محمد بن سماعة (1) عن محمد أنه قال: إن نظر إلى عجزه، يسقط خياره.\rوإن لم ير عجزه فهو على خياره، فجعل العجز في الحيوانات بمنزلة الوجه في بني آدم.\rوعن أبي يوسف أنه قال: هو على خياره ما لم ير وجهه ومؤخره فجعل الاصل هذين العضوين وغيرهما تبعا.\r- وأما الشاة إذا اشتراها للحم، فقد روي عن أبي يوسف أنه قال: لا بد من الجس بعد الرؤية حتى يعرف سمنها، لانه هو المقصود.\rوإن اشتراها للدر والنسل، فلا بد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضا، لانها تختلف باختلاف الضرع.\r- فأما في غير الحيوان: فإن كان شيئا واحدا، ينظر إن كان شئ منه مقصودا عند الناس في العادة كالوجه في المغافر (2) والطنافس (3)، فإنه إذا رأى الوجه سقط الخيار، كما في بني آدم، وإذا رأى\r__________\r(1) ولد سنة 130 ه.\rوحدث عن الليث بن سعد وعن ابى يوسف ومحمد واخذ الفقه عن ابى يوسف ومحمد والحسن بن زياد.\rوكتب النوادر عن ابى يوسف ومحمد.\rوولى القضاء للمأمون ببغداد بعد موت يوسف ابن الامام ابى يونس سنة 92 ه.\rله كتاب ادب القاضى وكتاب المحاضر والسجلات والنوادر وغيرها.\rوممن تفقه عليه: أبو جعفر احمد بن ابى عمران البغدادي شيخ الطحاوي.\rومات سنة 233 (2) هو نوع من الثياب واصله \" ثوب مغافرى \" نسبه الى مغافر بن مراخى تميم بن مرثم سمى \" مغافر \"\rبغير نسبة (المغرب والقاموس).\r(3) الطنافس البسط.","part":2,"page":84},{"id":496,"text":"الظهر لا يسقط، هكذا ذكر الحسن في المجرد عن أبي حنيفة.\rوإن لم يكن شئ منه مقصودا كالكرباس (1)، فإن رؤية بعضه، أي بعض كان، كرؤية الكل، لان برؤية بعضه يعرف الباقي، لان تفاوت الاطراف في ثوب واحد يسير، فإن وجد الباقي مثل المرئي أو فوقه فلا خيار له، وإن وجده دونه كان على خياره، على ما ذكرنا.\rوإن كان المعقود عليه دارا أو بستانا، ذكر في كتاب القسمة وقال: إذا رأى خارج الدار وظاهرها يسقط خياره، وإن لم ير داخلها لانها شئ واحد، وفي البستان إذا رأى الخارج ورؤوس الاشجار، يسقط خياره.\rوعلى قول زفر: لا يسقط الخيار، بدون رؤية الداخل.\rولكن مشايخنا قالوا: تأويل ما ذكر في كتاب القسمة أنه إذا لم يكن في داخل الدار أبنية.\rفأما إذا كان فيها أبنية: فلا يسقط الخيار ما لم ير داخل الدار كله أو بعضه، لان الداخل هو المقصود، والخارج كالتبع له.\rوذكر القدوري أن أصحابنا قالوا: إن أبا حنيفة أجاب على عادة أهل الكوفة في زمانه، فإن دورهم وبساتينهم لا تختلف من حيث التقطيع والهيئة، وإنما تختلف من حيث الصغر والكبر، وكذا من حيث صغر الاشجار وكبرها، وذلك يحصل برؤية الخارج، ورؤية رؤوس الاشجار، وعادة سائر البلدان بخلاف.\rهذا إذا كان المعقود عليه شيئا واحدا.\rفأما إذا كان أشياء، فإن كان من العدديات المتفاوتة، كالثياب التي اشتراها في جراب،\r__________\r(1) الكرباس الثوب الخشن، وهو فارسي معرب - والجمع كرابيس.","part":2,"page":85},{"id":497,"text":"أو البطاطيخ في الشريجة (1)، أو الرمان أو السفرجل في القفة والكوارة، فإذا رأى البعض فإنه يكون على خير في الباقي، لان الكل مقصود، ورؤية ما رأى لا تعرف حال الباقي، لانها متفاوتة.\rوإن كان مكيلا، أو موزونا، أو عدديا متقاربا، فإنه إذا رأى البعض ورضي به، لا خيار له في الذي لم ير، إذا كان ما لم ير مثل الذي رأى، لان رؤية البعض من هذه الاشياء تعرف حال الباقي.\rوهذا إذا كان في وعاء واحد، فأما إذا كان في وعاءين، فقد اختلف المشايخ.\rقال مشايخ بلخ: لا يكون رؤية أحدهما كرؤية الآخر، لانهما شيئان مختلفان إذا كانا في وعاءين، فكانا كالثوبين.\rوقال مشايخ العراق بأن رؤية أحدهما كرؤيتهما جميعا، إذا كان ما لم ير مثل المرئي.\rوهكذا روي عن أبي يوسف، وهو الاصح.\rوهذا إذا كان المشترى مغيبا في الوعاء، فأما إذا كان مغيبا في الارض كالجزر، والبصل، والثوم، والفجل، والسلجم، وبصل الزعفران ونحو ذلك، ففي أي وقت يسقط الخيار؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية.\rوروى بشر عن أبي يوسف أنه قال: إذا كان شيئا يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم، والبصل، والجزر، فإنه إذا قلع المشتري شيئا بإذن البائع أو قلع البائع برضى المشتري، سقط خياره في الباقي، لان رؤية\rبعض المكيل كرؤية الكل.\r__________\r(1) الشريجة جواليق كالخراج ينسج من سعف النخل يحمل فيه البطيخ ونحوه.","part":2,"page":86},{"id":498,"text":"فأما إذا حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له أن يرد سواء رضي بالمقلوع أو لم يرض، إذا كان المقلوع شيئا له قيمة عند الناس، لانه بالقلع صار معيبا، لانه كان ينمو ويزيد وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد ويتسارع إليه الفساد، وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغير صنعه يمنع الرد، فمع صنعه أولى.\rوإن كان المغيب في الارض مما يباع عددا كالفجل، والسلق، ونحوهما فرؤية البعض لا تكون كرؤية الكل، لان هذا من باب العدديات المتفاوتة، فرؤية البعض لا تكفي كما في الثياب.\rوإن قلع المشتري بغير إذنه سقط خياره، لاجل العيب، إذا كان المقلوع شيئا له قيمة، فأما إذا لم يكن له قيمة فلا يسقط خياره، لانه لا يحصل به العيب.\rوذكر الكرخي ههنا مطلقا، من غير هذا التفصيل، وقال: إذا اشترى شيئا مغيبا في الارض مثل الجزر، والبصل، والثوم، وبصل الزعفران وما أشبه ذلك، فله الخيار إذا رأى جميعه، فلا يكون رؤية بعضه مبطلا خياره، وإن رضي بذلك البعض فخياره باق إلى أن يرى جميعه.\rوروى عمرو (1) عن محمد أنه قال: قال أبو حنيفة: المشتري بالخيار إذا قلع.\rقلت: فإن قلع البعض؟ قال: لم يزيد أبو حنيفة على ما قلت لك، فأما في قول أبي يوسف وقولي إذا قلع شيئا يستدل به على ما\rبقي، في سمنه وعظمه فرضي المشتري، فهو لازم له، فهما يقولان إن التفاوت في هذه الاشياء ليس بغالب، فصار كالصبرة (2)، وأبو حنيفة يقول: إنها تختلف من حيث الصغر والكبر، والجودة والرداءة، فلم يسقط الخيار\r__________\r(1) لعله عمرو بن ابى عمرو من اصحاب محمد بن الحسن الشيباني.\r(2) والصيرة الناحية من الشى وطرفه.","part":2,"page":87},{"id":499,"text":"برؤيته البعض كالثياب.\rولو اشترى دهن سمسم في قارورة فرأى، من خارج القارورة الدهن في القارورة، روى ابن سماعة عن محمد أنه قال: يكفي، ويسقط خياره، لان رؤيته من الخارج تعرفه حالة الدهن، فكأنه رآه خارج القارورة، في قصعة ونحوها، ثم اشتراه.\rوروي عن محمد في رواية أخرى أنه لا يبطل ما لم ينظر إلى الدهن، بعدما يخرج من القارورة، لان لون الدهن مما يتغير بلون القارورة.\rولو نظر إلى المرآة فرأى المبيع، قالوا: لا يسقط خياره، لانه ما رأى عين المبيع، وإنما رأى مثاله.\rقال: هكذا قال بعضهم، والاصح أنه يرى عين المبيع، لكن يعرف به أصله، وقد تتفاوت هيئاته بتفاوت المرآة.\rوعلى هذا قالوا: من نظر في المرآة فرأى فرج أم امرأته عن شهوة، لا تثبت حرمة المصاهرة.\rولو نظر إلى فرج امرأته المطلقة طلاقا رجعيا عن شهوة في المرآة لا يصير مراجعا، لما قلنا.\rولو اشترى سمكا في الماء يمكن أخذه، من غير اصطياد، فرآه في الماء: قال بعضهم: يسقط خياره، لانه رأى عين المبيع.\rوقال بعضهم: لا يسقط، وهو الصحيح لان الشئ لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو فبهذه الرؤية لا تعرف حاله حقيقة.\rولو وكل رجلا بالنظر إلى ما اشتراه ولم يره، فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء، وقال: ويصح التوكيل، ويقوم نظره مقام نظره، لانه جعل الرأي إليه.\rولو وكل بقبضه فقبضه فرآه، هل يسقط خيار الموكل؟","part":2,"page":88},{"id":500,"text":"عند أبي حنيفة: يسقط، لانه من تمام القبض، وعندهما: لا يسقط.\rوأجمعوا أنه إذا أرسل رسولا بقبضه فرآه الرسول ورضي به، كان المرسل على خياره.\rوأجمعوا في خيار العيب أنه إذا وكل رجلا بقبض المبيع، فقبض الوكيل، وعلم بالعيب، ورضي به: لا يسقط خيار الموكل.\rوأما خيار الشرط، فلا رواية عن أبي حنيفة، واختلف المشايخ، قال بعضهم: على هذا الاختلاف، وقال بعضهم: لا يسقط بالاتفاق.\rوأما بيان ما يسقط به الخيار فنقول: إن خيار الرؤية لا يسقط بالاسقاط صريحا، بأن قال المشتري: أسقطت خياري.\rكذا روى ابن رستم عن محمد: لا قبل الرؤية ولا بعدها، بخلاف خيار الشرط وخيار العيب.\rوالفرق أن هذا الخيار ثبت شرعا، لحكمة فيه، فلا يملك العبد إسقاطه، كما في خيار الرجعة: فإنه لو قال: أسقطت الرجعة\rوأبطلت لا تبطل، ولكن إن شاء راجع، وإن شاء تركها حتى تنقضي العدة، فتبطل الرجعة، حكما، بخلاف خيار الشرط، فإنه يثبت شرطهما، فجاز أن يسقط بإسقاطهما وكذلك خيار العيب: فإن السلامة مشروطة من المشتري، عادة، فهو كالمشروط صريحا.\rثم خيار الرؤية إنما يسقط بصريح الرضا، ودلالة الرضا، بعد الرؤية، لا قبل الرؤية، ويسقط بتعذر الفسخ، وبلزوم العقد،\r__________\r(1) هو ابراهيم بن رستم أبو بكر المروزى.","part":2,"page":89},{"id":501,"text":"حكما وضرورة، قبل الرؤية، وبعدها، لما ذكرنا أنه لا يثبت في الاصل إلا بعد الرؤية، فلا يجوز أن يسقط بالرضا، صريحا ودلالة، إلا بعد ثبوته، حتى إنه إذا رأى وصلح له يجيزه، وإن لم يصلح له يرده، لانه شرع نظرا له، ولكن إذا تعذر الفسخ بأي سبب كان، أو لزم العقد بطريق الضرورة، سقط قبل الرؤية خياره أو بعدها، لانه لا فائدة في ثبوت حق الفسخ، فالتزم العقد ضرورة ويجوز أن يثبت الشئ ضرورة، وإن كان لا يثبت قصدا، كالموكل: لا يملك عزل الوكيل، بدون علمه، قصدا، ويملك ضرورة: بأن باع الموكل، بنفسه ليعزل الوكيل.\rإذا ثبت هذا تخرج عليه المسائل، إذا ذهب المبيع من غيره، ولم يسلمه، أو عرضه على البيع ونحوهما قبل الرؤية لا يسقط، لانه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة الرضا.\rولو أعتق المشتري العبد أو دبره، أو استولد الجارية، فإنه يسقط الخيار قبل الرؤية وبعدها، لانه تعذر الفسخ، لان هذه حقوق\rلازمة أثبتها للعبد، ومن ضرورة ثبوت الحق اللازم من المالك لغيره لزوم الملك له فثبت اللزوم شرعا، ضرورة ثبوت الحق اللازم، شرعا، ومتى ثبت اللزوم تعذر الفسخ.\rولو رهنه المشتري ولم يسلمه، أو أجره من رجل، أو باعه على أن المشتري بالخيار سقط خياره قبل الرؤية وبعدها، حتى لو أفتك الرهن، أو مضت المدة في الاجازة، أو رده على المشتري بخيار الشرط ثم رآه، لا يكون له الرد بخيار الرؤية، لانه أثبت حقا لازما لغيره بهذه التصرفات، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار فيبطل ضرورة لانه لا فائدة فيه.\rوفي خيار العيب لا يسقط بهذه التصرفات، لان ثمة العقد لازم،","part":2,"page":90},{"id":502,"text":"مع العيب بعد القبض، حتى لا يمكنه الرد إلا بقضاء أو رضا، وإذا كان لازما فلا يسقط الخيار لضرورة اللزوم، وإنه لازم.\rوعلى هذا فالمشتري إذا كاتب، ثم عجز العبد ورد في الرق ثم رآه، لا يثبت له خيار الرؤية لان الكتابة عقد لازم.\rوكذلك لو وهب، وسلم قبل الرؤية، لانه بالتسليم أثبت حقا لازما، فإنه لا يقدر على الرجوع إلا بقضاء أو رضا.\rهذا إذا كان المشتري بصيرا، أما إذا كان المشتري أعمى حتى ثبت له الخيار، بسبب جهالة الاوصاف، لعدم الرؤية فبماذا يسقط خياره؟ اختلفت الروايات عن أصحابنا فيه، والحاصل أن ما يمكن جسه وذوقه وشمه يكتفي بذلك، لسقوط خياره، في أشهر الروايات، ولا يشترط بيان الوصف\rله، ويكون بمنزلة نظر البصير، وفي رواية هشام عن محمد أنه يعتبر الوصف، مع ذلك، لان التعريف الكامل في حقه يثبت بهذا.\rأما ما لا يمكن جسه، بأن اشترى ثمارا على رؤوس الاشجار، فإنه يعتبر فيه الوصف، لا غير في أشهر الروايات، وفي رواية: يوقف في مكان لو كان بصيرا لرأى ذلك.\rوأما إذا كان المبيع دارا أو عقارا، فالاصح من الروايات أنه يكتفي بالوصف، فإذا رضي به كان بمنزلة النظر من البصير.\rوقالوا في الاعمى: إذا اشترى فوصف له ورضي بذلك، ثم زال العمى، فلا خيار له لان الوصف خلف عن الرؤية في حقه، والقدرة على الاصل، بعد حصول المقصود بالبدل، لا تسقط حكم البدل.\rولو اشترى البصير شيئا لم يره، فوصف له فرضي به لم يسقط خياره، لانه لا عبرة للخلف مع القدرة على الاصل.","part":2,"page":91},{"id":503,"text":"ولو اختلف البائع والمشتري فقال البائع: بعتك هذا الشئ، وقد رأيته، وقال المشتري: لم أره، فالقول قول المشتري، لان البائع يدعي عليه إلزام العقد، وهو منكر فيكون القول قوله، ويستحلف المشتري، لان البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ، ولزوم العقد، وهذا مما يصح بذله والاقرار به، فيجري فيه الاستحلاف.\rولو رأى عبدا أو دابة، ثم اشترى بعد ذلك، بشهر أو نحوه، فلا خيار له، لانه اشترى شيئا قد رآه، وثبوت هذا الخيار معلق بشراء شئ لم يره، ولان ما هو المقصود من الخيار قد ثبت، فكان الاقدام على الشراء دلالة الرضا.\rولو اختلفا فقال المشتري: قد تغير عن الحالة التي رأيته، والبائع ينكر فالقول قول البائع مع يمينه، لان دعوى التغيير إما أن تكون دعوى العيب أو دعوى تبدل هيئته فيما يحتمل التبدل، وهذا دعوى أمر عارض فيكون القول قول من تمسك بالاصل.","part":2,"page":92},{"id":504,"text":"باب خيار العيب الكلام فيه في مواضع: في بيان شرعية خيار العيب، وفي بيان العيوب التي توجب الخيار: جملة، وتفصيلا وفي بيان كيفية الرد، وفي بيان ما يمنع الرد ويسقط الخيار، وفي بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع، وفي بيان الابراء عن العيوب.\rأما الاول فلان سلامة البدلين، في عقد المبادلة مطلوبة عادة، فتكون بمنزلة المشروط صريحا، ولو اشترى جارية على أنها بكر أو خبازة ولم توجد، ثبت الخيار، لفوات غرضه، كذا هذا.\rوأما بيان العيوب الموجبة للخيار في الجملة فنقول: كل ما أوجب نقصان القيمة والثمن في عادة التجار فهو عيب يوجب الخيار.\rوما لا يوجب نقصان القيمة والثمن فليس بعيب.\rوأما تفصيل العيوب، فهي على نوعين:","part":2,"page":93},{"id":505,"text":"أحدهما: ما يوجب فوات جزء من المبيع، أو تغييره، من حيث الظاهر، دون الباطن.\rوالثاني: ما يوجب النقصان، من حيث المعنى دون الصورة.\rأما الاول فكثير، نحو: العمى، والعور، والشلل، والزمانة (1)، والاصبع الناقصة، والسن السوداء، والسن الساقطة، والسن الشاغية (2)، والظفر الاسود، والصمم، والخرس، والبكم، والقروح، والشجاج، وأثر الجراح، والامراض كلها التي تكون في سائر البدن، والحميات، وهذا كله ظاهر.\rوأما الثاني فنحو: السعال القديم، وارتفاع الحيض في زمان طويل، أدناه شهران فصاعدا في الجواري.\rومنها: صهوبة (3) الشعر، والشمط (4)، والشيب في العبيد والجواري، والبخر (5) عيب في الجواري، دون العبيد، إلا أن يكون فاحشا، أو يكون عن داء، وكذلك الدفر (6).\rومنها: الزنا: عيب في الجواري، دون الغلمان، إلا إذا كثر ذلك منهم، وصار عادة لهم فيكون عيبا.\rوكذا كونه ولد الزنا يكون عيبا في الجواري دون العبيد.\r__________\r(1) يقال زمن الشخص زمانة إذا مرض مرضا يدوم زمانا طويلا.\r(2) والسن الشاغية هي التي تزد على الاسنان ويخالف منبتها منبت غيرها.\rوقيل الشغي ان تتقدم الاسنان العليا على السفلى.\rوقيل ان للسن الشاغية معنيين:\rاحدهما ان تكون زائدة، والثانى ان تكون اطول أو اكبرا ومخالفة لمنبت التى تليها.\r(3) أي احمراره.\r(4) الشمط بياض شعر الراس يخالط سواده (مختار الصحاح).\r(5) البخر نتن ريح الفم - يقال هو ابخر وهى بخراء (المصالح) (6) الدفر نتن الريح (المصباح).","part":2,"page":94},{"id":506,"text":"والحبل عيب في الجارية، لا في البهائم.\rوالنكاح في الغلام والجارية عيب.\rوالكفر عيب في الجارية والغلام.\rومن هذه الجملة: الاباق (1)، والسرقة، والبول في الفراش، والجنون.\rوحاصل الجواب فيها أنها في الصغير الذي لا يعقل ولا يأكل وحده لا تكون عيبا، لانه لا يعرف الامتناع من هذه الاشياء، فلا يثبت به وجود العيب بالاحتمال، فأما إذا كان صبيا عاقلا، فإنه يكون عيبا، ولكن عند اتحاد الحالة يثبت حق الرد، لا عند الاختلاف، بأن ثبت أنه أبق عند البائع، ثم يأبق عند المشتري كلاهما في حالة الصغر، أو كلاهما في حالة الكبر، لان سبب وجود هذه الاشياء في حالة الصغر عيب، وهو قلة المبالاة، وقصور العقل، وضعف المثانة، وفي حال الكبر يكون السبب سوء اختياره، وداء في الباطن، فإذا اتفق الحالان علم أن السبب واحد، فيكون هذا العيب ثابتا عند البائع، فأما إذا اختلف، فلا يعرف، لانه يجوز أن يزول الذي كان عند البائع ثم يحدث النوع الآخر عند المشتري، فلا يكون له حق الرد، كالعبد إذا حم عند البائع ثم حم عند المشتري، فإن كان هذا الثاني غير ذلك\rالنوع لا يثبت حق الرد، وإن كان من نوعه ثبت حق الرد، كذا هذا.\rفأما الجنون: إذا ثبت وجوده عند البائع فهل يشترط وجوده ثانيا عند المشتري؟ ليس فيه رواية نصا، واختلف المشايخ، فبعضهم قالوا: لا يشترط، لان محمدا قال: الجنون عيب لازم أبدا، فلا يشترط وجوده ثانيا عند المشتري، بخلاف السرقة والاباق\r__________\r(1) أي في الاباق والسرقة والبول في الفراش.\rأما الجنون فسياتى الكلام عليه وحده عقب الكلام على الاولى.","part":2,"page":95},{"id":507,"text":"والبول في الفراش، فإنه ما لم يوجد عند المشتري، لا يثبت حق الرد.\rوقال بعضهم: لا يكون له حق الرد ما لم يوجد ثانيا عند المشتري، كما في الاباق ونظائره، إلا أن الفرق أن في الجنون، لا يشترط اتحاد الحالة، فإن جن عند البائع، وهو صغير ثم جن عند المشتري بعد البلوغ فإنه يثبت حق الرد، وفي الاباق ونظيره لا يثبت حق الرد، إلا عند اتحاد الحالة، على ما ذكرنا.\rوأما كيفية الرد فنقول: إن المشتري إذا ادعى عيبا بالمبيع، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون عيبا ظاهرا، مشاهدا، كالاصبع الزائدة، والسن الشاغية الزائدة، والعمى، ونحوها.\rأو كان عيبا باطنا، في نفس الحيوان، لا يعرفه إلا الاطباء.\rأو يكون في موضع لا يطلع عليه الرجال، ويطلع عليه النساء.\rأو يكون عيبا لا يعرف بالمشاهدة، ولا بالتجربة والامتحان عند الخصومة، وذلك كالاباق، والسرقة، والبول على الفراش، والجنون.\rأما إذا كان عيبا مشاهدا، فإن القاضي لا يكلف المشتري بإقامة البينة\rعلى إثبات العيب عنده، لكون العيب ثابتا عنده بالعيان والمشاهدة، ويكون للمشتري حق الخصومة مع البائع، بسبب هذا العيب فبعد هذا القاضي ينظر في العيب الذي يدعي، فإن كان عيبا لا يحدث مثله في يدي المشتري، كالاصبع الزائدة ونحوها، فإنه يرد على البائع، ولا يكلف المشتري بإقامة البينة على ثبوت العيب عند البائع، لانه تيقن ثبوته عنده، إلا أن يدعي البائع الرضا والابراء، فيطلب منه البينة، فإن أقام البينة عليه، وإلا فحينئذ يستحلف المشتري على دعواه،","part":2,"page":96},{"id":508,"text":"فإن نكل لم يرد عليه، وإن حلف رد على البائع، فإن كان عيبا يجوز أن يحدث مثله في يد المشتري، فإن القاضي يقول للبائع: هل حدث هذا عندك؟ فإن قال: نعم قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا والابراء، وإن أنكر الحدوث عنده، فإنه يقول للمشتري: ألك بينة؟ فإن أقامها قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا والابراء، وإن لم يكن له بينة ذكر في الاصل وقال: يستحلف البائع على البتات (1) بالله: لقد بعته وسلمته، وما به هذا العيب لان هذا أمر لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف لصدق قوله، وإنما يحلف على هذا الوجه لان العيب قد يحدث بعد البيع قبل القبض، فيثبت له حق الرد، فلا بد من ذكر البيع والتسليم.\rثم من المشايخ من قال: لا يجب أن يستحلف هكذا، لانه يبطل حق المشتري، في الرد في بعض الاحوال، لانه يكون للمشتري حق الرد بعيب حادث بعد البيع قبل القبض، فمتى حلف على هذا الوجه لم يحنث، إذا حدث العيب قبل القبض، لان شرط الحنث وجود العيب\rعند البيع والقبض جميعا، ولكن الاحتياط للمشتري أن يحلف البائع بالله: وما للمشتري رد السلعة بهذا العيب الذي يدعي، وقيل: يحلف بالله: لقد سلمته وما به هذا العيب الذي يدعي.\rومنهم من قال بأن ما ذكر محمد صحيح مع إضمار زيادة في كلامه، فيحلف البائع بالله: لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب لا عند البيع ولا عند التسليم، إلا أن محمدا اختصر كلامه، والاختصار ثابت في اللغة، فيحمل كلامه عليه.\rوأما إذا كان العيب باطنا لا يعرفه إلا الخواص من الناس، كالاطباء والنخاسين، فإنه يعرف ذلك ممن له بصارة في ذلك الباب، فإن اجتمع\r__________\r(1) أي على القطع والجزم لا على مجرد نفى العلم.","part":2,"page":97},{"id":509,"text":"على ذلك العيب رجلان مسلمان، أو قال ذلك رجل مسلم عدل، فإنه يقبل قوله، ويثبت العيب في حق إثبات الخصومة، ثم بعد هذا يقول القاضي للبائع: هل حدث عندك العيب الذي يدعي؟ فإن قال \" نعم \" قضى عليه بالرد، وإن أنكر يقيم المشتري البينة، فإن لم يكن له بينة استحلف البائع على الوجه الذي ذكرنا، فإن حلف لم يرد عليه، وإن نكل قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الابراء.\rوإن كان العيب مما لا يطلع عليه الرجال، ويطلع عليه النساء، فإنه يرجع إلى قول النساء، فترى امرأة مسلمة عدلة، والثنتان أحوط.\rفإذا شهدت على العيب، ففي هذه المسألة عن أبي يوسف روايتان، وكذا عن محمد روايتان:\rفي رواية فرق أبو يوسف بين ما إذا كان المبيع في يد البائع أو في يد المشتري فقال: إن كان في يد البائع، رد المبيع بشهادتها، لان ما لا يطلع عليه الرجال فقول المرأة الواحدة بمنزلة البينة، فيثبت العيب بقولها، والعيب الموجود عند البائع يفسخ به البيع.\rوإن كان بعد القبض أقبل قولها في حق إثبات الخصومة، ولا أقبل في حق الرد على البائع، لان المبيع وجد معيبا في ضمان المشتري فلا أنقل الضمان إلى البائع بقول النساء، ولكن أثبت حق الخصومة ليثبت الاستحقاق.\rوفي رواية قال: إن كان العيب مما لا يحدث مثله يفسخ بقولهن، لان العيب قد ثبت بشهادتهن، وقد علمنا كون العيب عند البائع بيقين، فيثبت حق الفسخ، وإن كان عيبا يحدث مثله لم يثبت حق الفسخ بقولهن، لان هذا مما يعلم من جهة غيرهن.\rوأما عن محمد ففي رواية قال: لا يفسخ بقولهن بحال، وفي رواية: يفسخ قبل القبض وبعده بقولهن، لان قولها فيما لا يطلع عليه","part":2,"page":98},{"id":510,"text":"الرجال كالبينة، كما في النسب وأما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولا يعرف بقول الناس، كالاباق والجنون والسرقة والبول على الفراش، فقد ذكرنا أنه لا بد من ثبوت العيب عند المشتري وعند البائع، عند اتحاد الحالة، إلا في الجنون إن اتحاد الحال ليس بشرط في الجنون.\rفإن أقام المشتري البينة على حدوث العيب عنده، فإنه يقول القاضي للبائع: هل أبق عندك؟ فإن قال: نعم، قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الابراء، وإن أنكر الاباق أصلا، وادعى اختلاف\rالحالة، يقول القاضي للمشتري: ألك بينة؟ فإن قال: نعم وأقام البينة على ما يدعى، قضى عليه بالرد، وإن قال: لا، يستحلف البائع بالله: ما أبق عندك قط منذ بلغ، ولا جن عندك قط، فإن حلف انقطعت الخصومة بينهما، وإن نكل عن اليمين قضى عليه بالرد.\rوإن لم يجد المشتري بينة على إثبات أصل العيب عند نفسه، هل يستحلف القاضي البائع على ذلك أم لا؟ لم يذكر في بيوع الاصل، وذكر في الجامع وقال: يستحلفه على قول أبي يوسف ومحمد، ولم يذكر قول أبي حنيفة، فمن المشايخ من قال: يستحلف بلا خلاف، ومنهم من قال: هذه المسألة على الاختلاف، فقول أبي حنيفة: لا يستحلف، نص عليه في كتاب التزكية، على ما يعرف في الجامع، والله أعلم.\rثم كيف يستحلف؟ قالوا: يستحلف على العلم، لانها يمين، على غير فعله بالله ما يعلم أن هذا العيب موجود في هذا العبد الآن، فإن نكل عن اليمين ثبت العيب عند المشتري، فيثبت له حق الخصومة، وإن حلف برئ.","part":2,"page":99},{"id":511,"text":"وأما ما يبطل حق الرد ويمنع وجوب الارش، وما لا يمنع فنقول: أصل الباب أن الرد بالعيب يمتنع بأسباب: منها: حدوث العيب عند المشتري عندنا، خلافا لمالك، والشافعي في أحد قوليه.\rوالصحيح قولنا، لان المبيع خرج عن ملكه معيبا بعيب واحد، فلو رد يرد بعيبين، وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ ولم يوجد.\rومنها: الزوائد المنفصلة المتولدة من العين بعد القبض، كالولد والثمرة، أو المستفادة، بسبب العين، كالارض والعقر تمنع الرد بالعيب، وسائر أسباب الفسخ، كالاقالة، والرد بخيار الرؤية، والشرط، في قول علمائنا.\rوقال الشافعي: لا تمنع.\rوأجمعوا أن الكسب أو الغلة، التي تحدث بعد القبض لا تمنع فسخ العقد.\rوأجمعوا أن الزوائد المنفصلة قبل القبض: لا تمنع الفسخ، بل يفسخ على الاصل والزوائد جميعا.\rفأما في الزوائد المتصلة، كالسمن، والجمال ونحوها، وقد حدثت بعد القبض فإنه لا يمنع الرد بالعيب إذا رضي المشتري، لكونها تابعة للاصل حقيقة وقت الفسخ، فإذا انفسخ العقد على الاصل، يفسخ فيها تبعا.\rفأما إذا أبى المشتري أن يرد، وأراد الرجوع بنقصان العيب وقال البائع: لا أعطيك نقصان العيب ولكن رد علي المبيع: حتى أرد عليك الثمن، هل للبائع ذلك؟","part":2,"page":100},{"id":512,"text":"على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ليس له ذلك.\rوعلى قول محمد له ذلك.\rوهذا لان الزيادة المتصلة، بعد القبض تمنع فسخ العقد على الاصل، إذا لم يوجد الرضى ممن له الحق في الزيادة عندهما، وعند محمد لا تمنع، كما في مسألة المهر إذا ازداد زيادة متصلة بعد القبض ثم\rطلقها الزوج قبل الدخول بها، على ما نذكر في كتاب النكاح.\rومنها: تعذر الفسخ بأسباب مانعة من الفسخ على ما عرف.\rومنها: الرضى بالعيب صريحا أو دلالة، على ما ذكرنا في خيار الشرط، أو وصول عوض الفائت إليه، حقيقة أو اعتبارا، وكان للمشتري حق الرجوع بنقصان العيب في المواضع التي امتنع الرد، إلا إذا وجد الرضا صريحا أو دلالة، أو وصل إليه العوض حقيقة أو اعتبارا، لان ضمان النقصان بدل الجزء الفائت، فإذا رضي بالعيب فقد رضي بالمبيع القائم، بجميع الثمن، بدون الجزء الفائت، فلا يجب شئ، وإذا حصل العوض، فكأن الجزء الفائت صار قائما معنى بقيام خلفه.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان المشتري عاقدا لنفسه، فأما إذا كان عاقدا لغيره: فإن كان ممن يجوز أن يلزمه الخصومة، كالوكيل، والشريك، والمضارب، والمأذون، والمكاتب، فالخصومة تلزمه، ويرد عليه بالعيب بالحجة، لانها من حقوق العقد، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد إذا كان ممن يلزمه الخصومة، كالعاقد لنفسه فما قضى به على العاقد رجع به على من وقع له العقد، لكونه قائما مقامه، إلا المكاتب والمأذون، فإنهما لا يرجعان على المولى، ولكن الدين يلزم المكاتب، ويباع فيه المأذون، لانهما يتصرفان لانفسهما فلا يرجعان على غيرهما.","part":2,"page":101},{"id":513,"text":"فأما القاضي والامام إذا عقدا بحكم الولاية، أو أمينهما بأمرهما، لم يلزمهم الخصومة، ولم يصيروا خصما في الباب، إلا أنه ينصب خصما يخاصم في ذلك فما قضى به عليه رجع في مال من وقع التصرف له، وإن\rكان التصرف للمسلمين رجع في بيت مالهم.\rفأما العاقد إن كان صبيا محجورا، أو عبدا محجورا بإذن إنسان، في بيع أو شراء، فلا خصومة عليهما ولا ضمان، وإنما الخصومة على من وكلهما في ذلك التصرف، لان حكم العقد وقع للموكل، والعاقد ليس من أهل لزوم العهدة، فيقوم مقامه في مباشرة التصرف لا غير، بمنزلة الرسول والوكيل في النكاح.\rوأما البراءة عن العيوب فنقول: جملة هذا أنه إذا باع شيئا على أن البائع برئ عن كل عيب، فعم ولم يخص شيئا من العيوب، فإن البيع جائز، والشرط جائز، في قول علمائنا، حتى لو وجد المشتري به عيبا فأراد أن يرده، فليس له ذلك.\rوقال الشافعي: البراءة عن كل عيب لا يصح ما لم يسم العيب فيقول: عن عيب كذا.\rوكذلك على هذا الخلاف والبراءة، والصلح عن الديون المجهولة.\rوإذا لم يصح البراءة عن كل عيب عنده، هل يفسد العقد به أم لا؟ فله فيه قولان: في قول: يبطل العقد أيضا.\rوفي قول: يصح العقد، ويبطل الشرط.\rوقال ابن أبي ليلى: ما لم يعين العيب ويضع يده على العيب، ويقول: أبرأتك عن هذا العيب، فإنه لا يصح الابراء.","part":2,"page":102},{"id":514,"text":"ثم إذا صح هذا الشرط - عندنا - يبرأ عن كل عيب من العيوب، الظاهرة والباطنة، لان اسم العيب يقع على الكل.\rفأما إذا قال: أبرأتك عن كل داء روي عن أبي يوسف أنه يقع على كل عيب ظاهر، دون الباطن.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة على عكسه أنه يقع على كل عيب باطن، والعيب الظاهر يسمى مرضا.\rولو أبرأ البائع عن كل غائلة، روي عن أبي يوسف أنه يقع على السرقة، والاباق، والفجور، وما كان من فعل الانسان مما يعد عيبا عند التجار.\rثم اتفق علماؤنا على أنه يدخل تحت البراءة المطلقة، العيب الموجود وقت البيع.\rواختلفوا في العيب الحادث بعد البيع قبل القبض؟ قال أبو يوسف: يدخل تحت البراءة، حتى لا يملك المشتري الرد بالعيب الحادث.\rوقال محمد: لا يدخل حتى يملك الرد بذلك العيب.\rوهذا فرع مسألة أخرى، وهي أنه إذا باع بشرط البراءة عن كل عيب يحدث بعد البيع قبل القبض، هل يصح هذا الشرط أم لا؟ عند أبي يوسف: يصح.\rوعند محمد: لا يصح.\rفلما صحت البراءة عن العيب الحادث حالة التنصيص، فكذا في حالة الاطلاق عن كل عيب فيدخل تحته الحادث بعد البيع قبل القبض، فلما كانت البراءة عن العيب الحادث بعد البيع قبل القبض، لا تصح عند محمد حالة التنصيص، فحالة الاطلاق أولى.","part":2,"page":103},{"id":515,"text":"ثم ما ذكرنا من الجواب، فيما إذا قال: أبرأتك عن كل عيب مطلقا.\rفأما إذا قال: أبيعك على أني برئ من كل عيب به، لم يدخل في ذلك العيب الحادث في قولهم جميعا، لانه لم يعم البراءة وإنما خصها بالموجود القائم عند العقد، دون غيره.\rولو قال: على أني برئ من كل عيب كذا، وسمى ضربا من العيوب أو ضربين، لم يبرأ من غير ذلك النوع، مثل أن يبرأ من القروح أو الكي، ونحو ذلك لانه أسقط الحق من نوع خاص.\rولو كانت البراءة عامة، فاختلفا في عيب، فقال البائع: كان به يوم العقد، وقال المشتري: بل حدث قبل القبض، فالقول قول البائع عند أبي يوسف وعند محمد، لان البراءة عامة، فإذا ادعى المشتري حدوث عيب فيريد إبطال العموم، فلا يبطل قوله إلا ببينة.\rوقال زفر والحسن: القول قول المشتري، لان الاصل هو ثبوت الحق، والمشتري هو المبرئ، فيكون القول قوله في مقدار البراءة.\rولو كانت البراءة من عيب خاص سماه المشتري ثم اختلفا فقال البائع: كان بها، وقال المشتري: حدث قبل القبض،، فالقول قول المشتري عند محمد، ولم يثبت عن أبي يوسف قول، لان هذه البراءة خاصة، فالقول فيها قول المشتري، كما في البراءة عن دين خاص.","part":2,"page":104},{"id":516,"text":"باب الاقالة والمرابحة وغير ذلك في الباب فصول:\rبيان المرابحة، وبيان الاقالة، وبيان حكم الاستبراء، وبيان جواز التفريق بين ذوي الرحم المحرم، وتحريمه في البيع.\rأما الاول فنقول: البيع في حق البدل ينقسم خمسة أقسام: بيع المساومة: وهو البيع بأي ثمن اتفق، وهو المعتاد.\rوالثاني: بيع المرابحة: وهو تمليك المبيع بمثل الثمن الاول وزيادة ربح.\rوالثالث: بيع التولية: وهو تمليك المبيع بمثل الثمن الاول من غير زيادة ولا نقصان.\rوالرابع: الاشراك: وهو بيع التولية في بعض المبيع، من النصف والثلث وغير ذلك.\rوالخامس: بيع الوضيعة: وهو تمليك المبيع بمثل الثمن الاول مع نقصان شئ منه.","part":2,"page":105},{"id":517,"text":"ثم الاصل في بيع المرابحة أنه مبني على الامانة فإنه بيع بالثمن الاول، بقول البائع، من غير بينة ولا استحلاف، فيجب صيانته عن حقيقة الخيانة وشبهها، فإذا ظهرت الخيانة يجب رده، كالشاهد: يجب قبول قوله، فإذا ظهرت الخيانة يرد قوله، كذا هذا.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذ باع شيئا مرابحة على الثمن الاول، فلا يخلو إما أن يكون\rالثمن من ذوات الامثال، كالدراهم والدنانير، والمكيل، والموزون، والمعدود المتقارب، أو يكون من الاعداد المتفاوتة، مثل العبيد والدور والثياب والرمان والبطاطيخ ونحوها.\rأما إذا كان الثمن الاول مثليا فباعه مرابحة على الثمن الاول وزيادة ربح: فيجوز، سواء كان الربح من جنس الثمن الاول أو لم يكن، بعد أن يكون شيئا مقدرا معلوما، نحو الدرهم، والخمسة، وثوب مشار إليه، أو دينار، لان الثمن الاول معلوم، والربح معلوم.\rفأما إذا كان الثمن الاول لا مثل له، فإن أراد أن يبيعه مرابحة عليه، فهذا على وجهين: إما أن يبيعه مرابحة ممن كان العرض في يده وملكه أو من غيره.\rفإن باعه ممن ليس في ملكه ويده لا يجوز، لانه لا يخلو إما أن يبيعه مرابحة بذلك العرض أو بقيمته، ولا وجه للاول، لان العرض ليس في ملك من يبيعه منه، ولا وجه أن يبيعه مرابحة، بقيمته، لان القيمة تعرف بالحزر، والظن، فيتمكن فيه شبهة الخيانة.\rوأما إذا أراد أن يبيعه مرابحة، ممن كان العرض في يده، وملكه، فهذا على وجهين: إن قال: أبيعك مرابحة، بالثوب الذي في يدك وبربح عشرة","part":2,"page":106},{"id":518,"text":"دراهم، جاز لانه جعل الربح على الثوب عشرة دراهم، وهي معلومة.\rوإن قال: \" أبيعك بذلك الثوب بربح ده يازده \" (1)، فإنه لا يجوز، لان تسمية ربح ده يازده أو أحد عشر يقتضي أن يكون الربح من\rجنس رأس المال، لانه لا يكون أحد عشر إلا وأن يكون الحادي عشر من جنس العشرة فصار كأنه باع بالثمن الاول وهو الثوب، وبجزء من جنس الاول، والثوب لا مثل له من جنسه.\rثم في بيع المرابحة يعتبر رأس المال وهو الثمن الاول، أي ما ملك المبيع به، ووجب بالعقد، دون ما نقده بدلا عن الاول بيانه: إذا اشترى ثوبا بعشرة دراهم، ثم أعطى عنها دينارا، أو ثوبا قيمته عشرة دراهم، أو أقل أو أكثر، فإن رأس المال هو العشرة المسماة في العقد، دون الدينار والثوب، لان هذا يجب بعقد آخر، وهو الاستبدال.\rوكذلك من اشترى ثوبا بعشرة، وهي خلاف نقد البلد، ثم قال لآخر: أبيعك هذا الثوب بربح درهم، لزمه عشرة مثل التي وجبت بالعقد.\rوإن كان يخالف نقد البلد، والربح يكون من نقد البلد، لانه أطلق الربح، فيقع على نقد البلد.\rولو نسب الربح إلى رأس المال فقال: أبيعك بربح العشرة، أو: ده يا زده، أو: بربح أحد عشر، فالربح من جنس الثمن الاول، لانه جعله جزءا منه، فكان على صفته.\rولو اشترى ثوبا، بعشرة دراهم جياد، ثم إنه دفع إلى البائع عشرة دراهم، بعضها جياد وبعضها زيوف، وتجوز بذلك البائع، ثم أراد أن\r__________\rمعنى ده يازده كل عشرة احد عشر، أي كل عشرة ربحها واحد.","part":2,"page":107},{"id":519,"text":"يبيعه مرابحة، جاز له أن يبيعه مرابحة على العشرة الجياد من غير بيان، لان المسمى المضمون بالعقد هو الجياد، لكن جعل الرديئة بدلا عن\rالاول، بعقد آخر.\rولو اشترى ثوبا بعشرة، نسيئة، فباعه مرابحة على العشرة، وبين أنه اشتراه بها نسيئة، لا يكره، لانه لم يوجد الخيانة، حيث أعلم المشتري بذلك ورضي به، فأما إذا باع مرابحة على العشرة من غير بيان النسيئة فإنه يكره والبيع جائز، وللمشتري الخيار إذا علم لانه وجد الغرور والخيانة، لان المشتري إنما اشتراه مرابحة على العشرة على تقدير أن الثمن في البيع الاول عشرة بطريق النقد، ويختلف ثمن المبيع بين النسيئة والنقد، فيثبت له الخيار، كما لو اشترى برقمه، ثم علم في المجلس يثبت له الخيار، كذا هذا، بخلاف ما إذا باعه مساومة، بأكثر من قيمته، ثم علم المشتري، بأنه اشترى بأقل من ذلك، لا يكون له الخيار، لان المشتري لم يصر مغرورا من جهته.\rولو قال: إن قيمته كذا وهو أكثر من قيمته، والمشتري لا يعرف قيمة الاشياء، واشتراه بناء على قول البائع، فإنه يكون له الخيار، لانه يصير غارا، أما إذا كان عالما بالقيمة، واشتراه بأكثر من ذلك، لغرض له في ذلك، فلا بأس به، وأصحابنا يفتون في المغبون أنه لا يرد، ولكن هذا في مغبون لم يغر، أما في مغبون غر فيكون له حق الرد، استدلالا بمسألة المرابحة في النسيئة.\rولو اشترى بدين له على رجل، فله أن يبيعه مرابحة من غير بيان، لانه اشترى بثمن في ذمته، لان الدين لا يتعين ثمنا.\rوإن أخذ ثوبا صالحا من دين له على رجل، ليس له أن يبيعه مرابحة على ذلك الدين، لان مبنى الصلح على الحط.","part":2,"page":108},{"id":520,"text":"ولو اشترى ثوبا بعشرة، ثم رقمه بأكثر من الثمن، وهو قيمته فإن\rكان قيمته أكثر من ذلك ثم باعه مرابحة على الرقم جاز ولا يكون خيانة، لانه باع المبيع من غير خيانة، حيث ذكر الرقم، ولكن هذا إذا كان عند البائع، أن المشتري يعلم أن الرقم غير والثمن غير، وأما إذا كان عنده أن المشتري يعلم أن الرقم والثمن سواء: فإنه يكون خيانة، وله الخيار.\rوكذا لو ملك شيئا بالميراث، أو الهبة، فقومه رجل عدل بقيمة عدل، ثم باعه مرابحة على قيمته، وهي كذا، لا بأس به، لانه صادق في مقالته.\rولو اشترى شيئا بعشرة دراهم، فقال لرجل آخر: اشتريت هذا باثني عشر وأبيعك مرابحة بربح درهم، ثم ظهر أن الثمن الاول كان عشرة إما بإقرار البائع أو بالبينة، قال أبو حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما: لا يحط قدر الخيانة من الثمن، ولكن يتخير المشتري: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء رضي ربه بجميع الثمن.\rوقال أبو يوسف بأنه يحط قدر الخيانة، وحصته من الربح، ويكون العقد لازما بالباقي من الثمن فيحط عنه درهمان، وحصتهما من الربح، وذلك سدس درهم.\rهذا في بيع المرابحة.\rفأما إذا خان في بيع التولية، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يحط قدر الخيانة، ويلزم البيع بالثمن الباقي، بلا خيار.\rوقال محمد بأنه لا يحط قدر الخيانة، لكن يتخير المشتري ما دام المبيع قائما، فإذا هلك سقط خياره.","part":2,"page":109},{"id":521,"text":"فأبو يوسف سوى بين التولية والمرابحة، وقال: يحط قدر الخيانة فيهما، ويلزم العقد بالباقي فيهما.\rومحمد سوى بينهما وقال: لا يحط قدر الخيانة فيهما، ويثبت له الخيار.\rوأبو حنيفة فرق فقال: يحط قدر الخيانة في التولية، ولا يحط في المرابحة.\rثم الاصل أن كل نفقة ومؤونة حصلت في السلعة، وأوجبت زيادة في المعقود عليه، إما من حيث العين أو من حيث القيمة وكان ذلك معتادا إلحاقا برأس المال عند التجارة، فإنه يلحق برأس المال، كأجرة القصارة، والخياطة، والكراء، وطعام الرقيق وكسوتهم، وعلف الدواب وثيابهم، ونحو ذلك، فبيعه مرابحة عليه، ولا يقول عند البيع: إن ثمنه كذا، ولكن يقول: يقوم علي بكذا فأبيعك على هذا مع ربح كذا، حتى لا يكون كاذبا في كلامه.\rأما أجرة تعليم القرآن والادب والشعر والحرف، فإنها لا تلحق برأس المال وإن أوجبت زيادة في القيمة، لانها ليست بمتعارفة عند التجار.\rوكذا أجرة الطبيب، وثمن الدواء، وأجرة الفصاد، والحجام، وأجرة الختان، والبزاغ، وأجرة الرائض والراعي، وجعل الآبق، لان عادة التجار هكذا.\rوأما أجرة السمسار ففي ظاهر الرواية يلحق برأس المال، وفي البرامكة قال: لا يلحق.\rوأما الاقالة فمشروعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: من أقال نادما بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة.\rثم اختلفوا فيها،\rقال أبو حنيفة: هي فسخ في حق المتعاقدين، بيع جديد في حق","part":2,"page":110},{"id":522,"text":"الثالث، حتى إن من اشترى دارا ولها شفيع، فسلم الشفعة، ثم أقالا البيع فيها، فإنه يثبت للشفيع الشفعة ثانيا، لانها عقد جديد، في حق الشفيع.\rوقال محمد: الاقالة فسخ، إلا إذا كان لا يمكن أن تجعل فسخا، فتجعل بيعا جديدا.\rوقال أبو يوسف: هي بيع جديد ما أمكن، فإن لم يمكن تجعل فسخا بأن كانت الاقالة قبل قبض المبيع، وهو منقول: فإنها تجعل فسخا، لان بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، حتى إذا كان المبيع دارا، وأقالا قبل القبض، يكون بيعا، لان بيع العقار المبيع قبل القبض جائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.\rوقال زفر: هي فسخ في حق المتعاقدين وغيرهما، حتى لا يقول بثبوت الشفعة كما قال أبو حنيفة.\rويبنى على هذا أنهما إذا تقابلا بأكثر من الثمن الاول، أو بأقل أو بجنس آخر، أو أجل الثمن في الاقالة، فعلى قول أبي حنيفة: تصح الاقالة بالثمن الاول، ويبطل ما شرطاه، لانها فسخ في حق المتعاقدين، والفسخ يكون بالثمن الاول، ويبطل الشرط الفاسد.\rوهو قول زفر، لانها فسخ محض، في حق الناس كافة.\rوعلى قول الشافعي: الاقالة باطلة ههنا، لانهما أدخلا فيها شرطا فاسدا، فهي كالبيع.\rوقال محمد: إن كانت الاقالة بغير الثمن الاول، أو بأكثر منه، فهي\rبيع.\rوإن كانت بمثل الثمن الاول، أو أقل، فهي فسخ بالثمن، ويبطل شرط النقصان، وكذلك إن أجل يبطل الاجل.","part":2,"page":111},{"id":523,"text":"وعلى قول أبي يوسف يصح بما ذكرا من الثمن، وشرطا به من الزيادة والنقصان والاجل، لانها بيع جديد ما أمكن وهو ممكن.\rوأما بيان حكم الاستبراء فنقول: الاستبراء مشروع.\rوهو نوعان: مندوب وواجب.\rفالاستبراء المندوب إليه: هو أن الرجل إذا وطئ جاريته ثم أراد بيعها، يستحب له أن يستبرئها بحيضة ثم يبيعها، عند عامة العلماء.\rوقال مالك: واجب، لان احتمال العلوق منه قائم، فيجب عليه صيانة مائه عن الضياع.\rولكن عندنا: لا يجب، لان سبب الوجوب لم يوجد، على ما نذكر.\rوأما الاستبراء الواجب: فهو الاستبراء على من يحدث له ملك الاستمتاع بملك اليمين، بأي سبب كان من السبي، والشراء، والهبة، والوصية، والميراث، ونحوها.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال في سبايا أوطاس (1) ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحيالى (2) حتى يستبرئن بحيضة، أوجب الاستبراء على السابي، والسبي سبب حدوث ملك الاستمتاع بملك اليمين، فيكون نصا في كل ما هو سبب حل الاستمتاع بملك اليمين، دلالة.\r__________\r(1) اوطاس موضع على ثلاث مراحل من مكة كانت به وقعة للنبى (ص).\r(2) الحيالى \" جمع الحائل وهى التى لا حبل لها.\rوقيل: انما قيل الحيالى لتزويج الحيالى، والقياس ان يقال: الحوائل، لانها جمع حائل، ونظيره الغدايا والعشايا والقياس الغداوات \".","part":2,"page":112},{"id":524,"text":"ثم مقدار مدة الاستبراء، هي في الحيضة حق ذوات الاقراء، وفي حق ذوات الاشهر شهر واحد.\rلان الاستبراء إنما يجب صيانة للماء كي لا يختلط ماؤه بماء غيره، فلا بد له من المدة، وأقل المدة هذا.\rوإن كانت الجارية ممتدة الطهر، بأن كانت شابة لا تحيض، فإن استبراءها لا يكون بشهر واحد كما في الآيسة، واختلف العلماء في مدة استبرائها حتى يباح للمشتري وطؤها عند مضيها، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطأها حتى يمضي عليها مدة لو كانت حاملا لظهر آثار الحمل، من انتفاخ البطن وغيره وذلك ثلاثة أشهر وما زاد عليه.\rوقال محمد أولا بأنه لا يطأها حتى يمضي عليها أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم رجع وقال: شهران وخمسة أيام.\rوقال زفر: لا يطأها حتى تمضي سنتان.\rثم ما لم تمض مدة الاستبراء لا يحل للمالك أن يطأها، وأن يقبلها ويمسها لشهوة، وأن ينظر إلى عورتها، بالنص الذي روينا.\rوبالمعنى الذي ذكرنا من صيانة الماء، وسواء وطئها أولا، أو كان بائعها ممن لا يطؤها، كالمرأة والصبي، لان احتمال الوطئ من غيره قائم.\rثم إنما يعتبر الاستبراء بعد القبض، حتى لو مضت مدة الاستبراء بعد البيع، قبل القبض، ثم قبضها يجب الاستبراء.\rهذا هو المشهور من مذهب أصحابنا جميعا.\rوروي عن أبي يوسف أنه يجزيه الاستبراء قبل القبض.\rولو اشترى جارية حاملا، فوضعت الحمل بعد القبض يباح الوطئ، لان وضع الحمل كونه دليلا على براءة الرحم، فوق القرء.","part":2,"page":113},{"id":525,"text":"وإن كان الوضع قبل القبض فلا عبرة، لما ذكرنا أنه إنما يجب سبب حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين، وإنما يحل الوطئ بعد القبض، فلا يجب قبل وجود سبب الوجوب.\rوعلى هذا إذا اشترى جارية لها زوج وقبضها وطلقها زوجها قبل الدخول بها، فلا استبراء عليه، لان السبب غير موجب الاستبراء عند القبض، بسبب كونها حلالا لزوج، فلا يجب بعد ذلك.\rوعلى هذا إذا اشتراها، وهي معتدة من زوج، فانقضت عدتها بعد القبض لانها لا تجب حال وجود السبب لمانع، فلا يجب بعد ذلك.\rولو انقضت العدة قبل القبض، يجب الاستبراء بعد القبض، لما قلنا.\rولو حرم فرج الامة على مولاها على وجه لا يخرج عن ملكه لمانع، بعدما كان حلالا، واستبرأها بعد القبض، ثم زال ذلك المانع بعد الشراء، حل الوطئ ولا استبراء عليه، كما إذا كاتبها فتعجز، أو زوجها فيطلقها الزوج قبل الدخول، أو ترتد عن الاسلام ثم تسلم، أو أحرمت بالحج بإذن سيدها ثم حلت، لان هذا تحريم عارض، مع بقاء الملك المبيح، فلا يمنع صحة الاستبراء، فصار كما لو حاضت ثم طهرت.\rولو اشترى أمة مجوسية أو مسلمة فكاتبها قبل أن يستبرئها، أو اشترى جارية محرمة، فحاضت في حال كتابتها ومجوسيتها، وحال\rإحرامها بعد القبض، ثم عجزت المكاتبة، وأسلمت المجوسية، وحلت المحرمة عن الاحرام: فإنه يجتزئ تلك الحيضة من الاستبراء، لانها وجدت بعد وجود سبب الاستبراء وهو حدوث ملك اليمين الموجب لملك الاستمتاع إلا أنه لا يحل الاستيفاء لمانع، وهذا لا يمنع من الاعتداد كالحيض، بخلاف ما إذا اشترى جارية بيعا فاسدا وقبضها، ثم حاضت حيضة، ثم اشتراها بعد ذلك، شراء صحيحا، حيث لا يعتد","part":2,"page":114},{"id":526,"text":"بتلك الحيضة عن الاستبراء، لان الشراء الفاسد لا يوجب ملك الاستمتاع، وإن اتصل به القبض.\rوأما التفريق بين الصغير وبين ذوي الارحام المجتمعة في الملك فنقول: لا خلاف أن التفريق في الولاد مكروه، كالتفريق بين الاب وابنه، ونحو ذلك.\rوأما فيمن سواهم من ذوي الرحم المحرم، كالاخوة والاخوات والاعمام والعمات والاخوال والخالات، فإنه يكره التفريق أيضا عندنا، خلافا للشافعي.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين الجنة وذوو الارحام ملحقة بالولاد، في باب المحرمات، احتياطا لحرمة النكاح.\rوقال الشافعي: لا يلحق ذو الارحام بالولاد، كما في العتق والنفقة.\rوإنما يباح التفريق بعد البلوغ.\rوقال الشافعي: إذا بلغ سبع سنين جاز التفريق.\rوالصحيح قولنا، لما روى الدارقطني بإسناده عن النبي عليه السلام\rأنه قال: لا يجمع عليهم السبي والتفريق حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية \".\rثم متى فرق بينهما بالبيع، جاز مع الكراهة عندنا.\rوقال الشافعي: البيع باطل.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال في الولاد: البيع باطل، وفي غيرهم: جائز مع الكراهة.","part":2,"page":115},{"id":527,"text":"وهذا بناء على أن النهي عن المشروع يقتضي بطلان التصرف عند الشافعي، وعندنا بخلافه، لكن هذا نهي لمعنى في غيره، بمنزلة البيع وقت النداء.\rوإذا اجتمع مع الصغير عدد من أقربائه، من الرحم المحرم في ملك واحد، فعن أبي يوسف روايتان، في رواية بشر أنه لا يفرق بينه وبين واحد منهم، اختلفت جهات قرابتهم كالعمة والخالة، أو اتفقت كالعمين والخالين والاخوين، وكذا لا يفرق بينه وبين الابعد، وإن وجد الاقرب، حتى إذا اجتمع مع الصغير أبواه وجداه لم يفرق بينه وبين الجدين لان لكل شخص شفقة على حدة.\rوفي رواية ابن سماعة عنه أنه يجوز التفريق بين الصغير وبين الابعد إذا وجد من هو أقرب منه.\rوذكر محمد في الزيادات: إذا اجتمع مع الصغير أبواه: لم يفرق بينه وبين واحد منهما، وجاز أن يفرق بينه وبين من سواهما معهما.\rوإذا اجتمعت القرابات غير الاب والام،\rفإن كانت من جهات مختلفة، كأم الاب وأم الام، والخالة والعمة، لم يفرق بينه وبين واحد منهم.\rوإن كانوا من جهة واحدة، كالاخوة، أو العمات، أو الخالات، جاز بيعهم من غير كراهة، إلا بيع واحد منهم.\rويجوز بيع البعيد إذا وجد من هو أقرب منه لان في الجنس الواحد الشفقة من جنس واحد، فيكتفي بواحد.\rوعند اختلاف الجهات يختلف الشفقة، فلكل نوع شفقة تخالف النوع الآخر، فلا بد من اجتماع الكل.","part":2,"page":116},{"id":528,"text":"كتاب النكاح يحتاج إلى: بيان صفة النكاح المشروعة، وإلى بيان تفسير النكاح لغة، وإلى تفسيره في عرف الشرع.\rأما الاول فقد اختلف العلماء فيه: قال داود بن علي الاصفهاني ومن تابعه من أصحاب الظواهر: إن النكاح فرض عين حتى إن من تركه مع القدرة على الوطئ والانفاق فإنه يأثم.\rوقال الشافعي: إنه مباح.\rواختلف أصحابنا، فقال بعضهم: إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.\rوقال بعضهم: إنه مندوب ومستحب.\rوقال بعضهم: إنه واجب لكن بعضهم قالوا: يجب على سبيل\r__________\r(1) الاصفهانى وهو داود بن خلف امام اهل الظاهر أبو سليمان، وقد قيل ان اصله من اصبهان، ومولده بالكوفة، ونشاته ببغداد.\rوقد ولد سنة 202 ه وتوفى ببغداد سنة 270 ه.\rوقد اخذ العلم عن اسحاق بن راهويه، وابى ثور، وروى عنه ابنه أبو بكر محمد ابن داود واخرون.","part":2,"page":117},{"id":529,"text":"التعيين، بمنزلة الوتر والاضحية.\rوقال بعضهم: هو واجب على سبيل الكفاية.\rويبتنى على هذا الخلاف مسألة التخلي، فعندنا الاشتغال بالنكاح مع أداء الفرائض والسنن أولى من التخلي (1) لنوافل العبادة مع ترك النكاح، خلافا للشافعي، وهي مسألة معروفة.\rوأما تفسير النكاح لغة، فهو الجمع المطلق، يقال: أنكحنا الفرا فسرى (2) أي جمعنا بينهما.\rوأما في الشرع فعبارة عن وجود ركن العقد مع شروطه.\rأما ركنه فهو الايجاب والقبول من الزوجين، وهما لفظان يعبر بهما عن الماضي، أو يعبر بأحدهما عن الماضي، والآخر عن المستقبل، وفي البيع: لا يصح ما لم يكن اللفظان يعبر بهما عن الماضي، على ما ذكرنا في البيوع.\rثم لا خلاف بين العلماء بأن النكاح ينعقد بلفظ التزويج والنكاح.\rواختلفوا فيما سواهما من الالفاظ، نحو لفظ البيع، والهبة، والتمليك ونحوها.\rوقال الشافعي: لا ينعقد إلا بهذين اللفظين.\r* (الهامش) (1) أي التخلي للعبادة بعدم الزواج.\r(2) \" انكحنا الفرا فسرى: مثل، واصله ان رجلا خطب ابنته إليه رجل فابى ان يزوجه اياها، ورضيت\rامها بتزويجه وغلبت الاب حتى زوجها على كره منه وقال: \" انكحنا الفرا \" ثم اساء الزوج العشرة فطلقها.\rوهذا المثل يضرب في التحذير من العاقبة: الفرا في الاصل الحمار الوحشى، استعاره للرجل استخفافا به \".","part":2,"page":118},{"id":530,"text":"وعند أصحابنا: لا ينعقد إلا بلفظ موضوع للتمليك.\rثم اختلف المشايخ، قال عامتهم: لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك الاعيان، كالبيع والهبة، ولا ينعقد بلفظ موضوع لتمليك المنافع كالاجارة والاعارة.\rوقال الكرخي: ينعقد بلفظ وضع للتمليك مطلقا، سواء كان لتمليك الاعيان أو لتمليك المنافع، حتى ينعقد بلفظ الاجارة، والاعارة عنده.\rوأما لفظ الوصية فإن ذكر مطلقا بأن قال: أوصيتك بابنتي هذه بألف درهم، لا يصح، لان الوصية تمليك بعد الموت، والنكاح المضاف إلى وقت لا يجوز، بأن قالت المرأة: زوجت نفسي منك شهر رمضان بألف درهم.\rوأما إذا قال: أوصيتك بابنتي هذه الآن بألف درهم، أو لم يذكر المهر، وقبل الزوج، فإنه ينعقد النكاح.\rوأما بلفظة الاحلال، والتحليل والاباحة فلا ينعقد، لانها لا تقتضي التمليك.\rوكذا بلفظة المتعة، بأن قال الزوج: أتمتع بك بكذا، فرضيت أو قالت نعم، لا ينعقد، لانها لم توضع للتمليك، ولان المتعة صارت منسوخة، وهي عبارة عن النكاح المؤقت.\rو كذا لو قال: زوجي نفسك مني إلى شهر كذا، فقالت: نعم!\rزوجت، لا ينعقد النكاح عندنا.\rوعند زفر: ينعقد النكاح، ويلغو ذكر الوقت.\rوعندنا هو تفسير نكاح المتعة، وإنه منسوخ.\rوأما النكاح المضاف إلى وقت، أو المعلق بشرط فلا يصح بالاجماع، بأن قالت: زوجت نفسي منك غدا أو شهر رمضان الآتي، أو: زوجت نفسي منك إن خلت الدار فقال الزوج قبلت.","part":2,"page":119},{"id":531,"text":"ولو قال: أتزوجك على أن أطلقك إلى عشرة أيام، فرضيت، أو قالت: نعم أو قالت: زوجت نفسي منك على هذا، فإنه ينعقد النكاح، ويبطل الشرط.\rهذا الذي ذكرنا هو الحكم في الزوجين، فأما إذا كان أحد العاقدين مالكا، والآخر وليا، أو وكيلا، أو رسولا، فكذلك الجواب، لانه لا بد من وجود لفظين، وهو الايجاب من أحدهما والقبول من الآخر.\rوأما إذا كان الواحد وليا من الجانبين أو وكيلا، أو رسولا، من الجانبين، أو وكيلا من جانب ووليا من جانب، فإنه يكتفي فيه بكلام واحد، بأن يقول: زوجت فلانة من فلان بكذا، فينعقد العقد، ولا يحتاج إلى أن يقول: قبلت عن فلان، لان كلامه يقوم مقام كلامين.\rوهذا عندنا وقال زفر والشافعي: لا يجوز أن يكون الواحد في النكاح عاقدا من الجانبين، كما في البيع، لا يجوز أن يكون الواحد وكيلا من الجانبين.\rوعندنا: في البيع يجوز أن ينعقد بكلام واحد من الجانبين، كالاب والوصي، لكن في الوكيل لا يجوز على ما عرف في البيوع.\rوأما شروطه فأنواع: منها - ما يرجع إلى الاهلية من وجود العقل، والبلوغ، وهو شرط\rعام في تنفيذ كل تصرف دائر بين الضرر والنفع.\rومنها: الحرية، فإن العبد والامة إذا تزوجا بدون إذن المولى، فإنه لا ينعقد النكاح، في حق الحكم، على ما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده، فهو عاهر.\rوكذلك الجواب في المدبر، وأم الولد، والمكاتب.","part":2,"page":120},{"id":532,"text":"فأما إذا أذن المولى، فهو جائز.\rوإذا نفذ بإذن المولى، يجب المهر في رقبته، وكسبه في القن (1).\rوفي غيره: يكون في الكسب، لا في الرقبة، إلا في المكاتب إذا عجز فيكون المهر في رقبته وكسبه: فإما أن يباع فيه أو يؤدي المولى ويستخلص الرقبة لنفسه.\rومنها: كون المرأة محللة: فإن المحرمة لا تكون محلا لحكم النكاح، قال الله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * إلى أن قال: (واحل لكم ما وراء ذلكم) (2).\rثم تحريم النكاح يتنوع إلى تسعة أنواع: تحريم بسبب القرابة، وتحريم بالصهرية، وتحريم بالرضاع، وتحريم الجمع، وتحريم تقديم الامة على الحرة، وتحريم بسبب حق الغير، وتحريم بسبب الملك، وتحريم بسبب الشرك، وتحريم بالطلقات الثلاث.\rأما التحريم بسبب القرابة فنقول: المحرمات بالقرابة سبع فرق: الامهات، والبنات، والاخوات، والعمات، والخالات، وبنات الاخ، وبنات الاخت.\rويثبت في حق هؤلاء حرمة النكاح وحرمة الوطئ، ودواعيه بطريق\rالتأبيد.\rعرفنا ذلك بقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم).\rأما الامهات: فأم الرجل، وجداته، من قبل أبيه وأمه، وإن علون.\r__________\r(1) القن من العبيد الذى ملك هو وابوه.\rوعن ابن الاعرابي: عبد قن أي خالص العبودة.\rوعلى هذا (2) سورة النساء: الاية 23 - 24.","part":2,"page":121},{"id":533,"text":"وأما البنات: فبنت الرجل من صلبه، وبنات الابن وإن سفلن.\rوأما الاخوات: فثلاثة أنواع: الاخوات لاب وأم، والاخوات لاب، والاخوات لام.\rوأما العمات فثلاثة أنواع: عمة لاب وأم، وعمة لاب، وعمة لام.\rوكذا عمات أبيه وعمات أجداده، وعمات أمه، وعمات جداته وإن سفلن.\rوأما الخالات: فخالة الرجل لاب وأم، وخالته لاب، وخالته لام، وخالات آبائه وأمهاته.\rوأما بنات الاخ، وبنات الاخت، وبنات بنات الاخ، والاخت، وبنات أبناء الاخ، وبنات أبناء الاخت، وإن سفلن.\rوأما التحريم بالصهرية فنقول: المحرمات بالصهرية أربع فرق: إحداها: أم الزوجة، وجداتها، من قبل الاب والام، وإن علون.\rثم أم الزوجة تحرم بنفس العقد على البنت، ولا يشترط الدخول بالبنت، حتى إن من تزوج امرأة، تحرم عليه أمها، دخل بها أو لم يدخل، وهذا قول عامة العلماء، وعامة الصحابة.\rوقال مالك، وداود الاصفهاني، ومحمد بن شجاع وبشر المريسي: إنها لا تحرم بنفس العقد على البنت، ما لم يوجد الدخول بالبنت، وحكوا هذا المذهب عن علي رضي الله عنه.\rوالصحيح قول العامة، لقوله تعالى: (وأمهات نسائكم) من غير فصل.\rومنها: بنت المرأة، لكن يشترط الدخول بالام.\rولا تحرم بنفس","part":2,"page":122},{"id":534,"text":"العقد على الام، لقوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) (1): شرط الدخول بالام لحرمة الربيبة.\rوكذا بنات بنت المرأة، وبنات ابنها أيضا.\rويستوي الجواب بين ما إذا كانت بنت المرأة في حجر الزوج أو لا، خلافا لبعض الناس.\rومنها: حليلة الابن: حرام على أبيه.\rدخل بها الابن أو لا.\rوكذا حليلة ابن الابن، وابن البنت.\rوإن سفلن، لقوله تعالى: * (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم) *.\rوأما حليلة الابن المتبنى فلا تحرم على الاب المتبني لقوله: * (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) *.\rومنها: حليلة الاب، وحليلة الاجداد، من قبل الاب، والام، وإن علوا، لقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم).\rثم حرمة المصاهرة، تثبت بطريق التأييد، بسبب النكاح الصحيح دون الفاسد.\rوكذا تثبت بالوطئ الحلال بملك اليمين، وكذا تثبت بوطئ عن\rشبهة.\rوتثبت أيضا بالنظر إلى الفرج عن شهوة، دون النظر إلى سائر الاعضاء، وتثبت باللمس عن شهوة في سائر الاعضاء، وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا تثبت بالمس والنظر.\rويعني بالمس عن شهوة أن يشتهي بقلبه، وهو أمر لا يقف عليه\r__________\r(1) سورة النساء: الاية 23.\r(2) سورة النساء: الاية 22.","part":2,"page":123},{"id":535,"text":"إلا اللامس والناظر فيعرف بإقراره، أما تحريك الآلة والانتشار فليس بشرط، وهذا هو الاصح، فإن اللمس عن شهوة يتحقق من العنين ولا ينتشر، وكذا المجبوب لا آلة له ويتحقق منه المس والنظر عن شهوة.\rونعني بالنظر إلى الفرج: النظر إلى عين الفرج، لا إلى حواليه، وهو الاصح.\rوكذا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا والمس، والنظر إلى الفرج بدون الملك وشبهته، عندنا.\rوعند الشافعي لا يثبت حرمة المصاهرة بالزنا، والمسألة معروفة.\rوأما التحريم بسبب الرضاع فنقول: كل من يحرم من الفرق السبع، بسبب القرابة: يحرم بسبب الرضاع قال الله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) * (1) وقال عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.\rوكذا كل من يحرم بالصهرية من الفرق الاربع، بالنسب: يحرم بالرضاع، حتى يحرم على الواطئ: أم الموطوءة، وبنتها من جهة الرضاع.\rوتحرم الموطوءة على أب الواطئ وابنه، من جهة الرضاع،\rويحرم موطوءة أب الرضاع على ابنه من الرضاع، ويحرم موطوءة ابن الرضاع على أب الرضاع، لما روينا من الحديث.\rوأما تحريم الجمع: فنوعان: أحدهما: تحريم الجمع بين الاجنبيات.\rوالثاني: تحريم الجمع بين ذوات الارحام.\rوكل واحد منهما على وجهين: الجمع في النكاح والثاني الجمع في الوطئ ودواعيه.\r__________\r(1) سورة النساء: الاية 23.","part":2,"page":124},{"id":536,"text":"أما تحريم الجمع بين الاجنبيات في النكاح، فإنه تحريم الجمع بين خمس نسوة، فصاعدا ويباح الجمع بين الاربع وما دونها، وهذا عند عامة العلماء.\rوقال بعضهم: يحل الجمع بين تسع نسوة.\rوقال بعضهم: يحل الجمع بين ثماني عشرة.\rفأما الجمع في ملك اليمين: فحلال، عقدا، ووطئا، وإن كثرن، لقوله تعالى: * (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم (1)) *.\rوأما تحريم الجمع بين ذوات الارحام، فنوعان أيضا: الجمع في عقد النكاح، والجمع في الوطئ بملك اليمين.\rأما الاول، وهو تحريم الجمع نكاحا فنقول: لا خلاف بين العلماء في تحريم الجمع بين الاختين، نكاحا وتحريم الجمع بين الام وبنتها.\rفأما الجمع بين ذواتي رحم محرم نكاحا غير الجمع في الولاد.\rوغير الجمع بين الاختين مما سواهما.\rكالجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما\rذكرا، لا يجوز نكاح الاخرى له، من الجانبين، أيتهما كانت غير عين، كالجمع بين عمة المرأة وبين بنت أخيها، وبين خالة المرأة وبين بنت أختها، ونحو ذلك، فحرام عند عامة العلماء.\rوقال عثمان البتي (2): الجمع فيما سوى الاختين من ذوات الارحام، ليس بحرام.\rوإذا ثبت أن الجمع بينهما نكاحا حرام، فإذا تزوج إحداهما قبل\r__________\r(1) سور المعارج: الاية 30 والايات 29 - 30.\r(2) عثمان البتى فقيه البصرة زمن ابى حنيفة.\rراى انس بن مالك.\rوروى الحسن البصري.","part":2,"page":125},{"id":537,"text":"الاخرى، فنكاح الاولى جائز، ونكاح الثانية باطل، ولو تزوجهما معا، بطل نكاحهما، لان الجمع حصل بهما، فيجب على كل واحد منهما أن يعتزل عن صاحبه ويترك النكاح، ولو علم القاضي بذلك يفرق بينهما.\rوإن كان قبل الدخول فلا مهر لها ولا عدة عليها، وإن كان بعد الدخول يجب مهر المثل مقدرا بالمسمى، ولا يجب الحد، وإن قال الزوج: علمت أنها علي حرام، ولا يدعي شبهة الاشتباه، لان شبهة النكاح قائم، ولو وطئها مرارا قبل التفريق والمتاركة، لا يجب إلا مهر واحد، لان العقد الفاسد منعقد من وجه.\rولو وطئها بعد المتاركة مرة أخرى: لا يجب مهر آخر، ويجب الحد، لان هذا زنا.\rولو تزوج أخت جاريته التي وطئها، أو أخت أم ولده: جاز النكاح، ولكن لا يطأها، ما لم يحرم عليه وطئ إحداهما، بأن زوج أم ولده من إنسان، أو زوج الامة، أو باعها، لانه لا فراش للامة عندنا، خلافا للشافعي، وفراش أم الولد ضعيف ينتفي بمجرد النفي، ولا\rيحتاج إلى اللعان.\rفأما إذا تزوج أخت امرأة تعتد منه: فلا يجوز عندنا، سواء كانت مطلقة طلاقا رجعيا أو بائنا أو ثلاثا، أو بالمحرمية الطارئة، وسواء كانت العدة عن النكاح، أو عن الوطئ بالشبهة.\rوقال الشافعي: يجوز، إلا في الطلاق الرجعي، لان النكاح قائم من وجه عندنا، في حالة العدة، والثابت من وجه، في باب التحريم، كالثابت من كل وجه.\rوكذلك: لا يجوز له أن يتزوج أربعا أخرى سواها، عندنا خلافا له.","part":2,"page":126},{"id":538,"text":"وأما إذا تزوج أخت أم ولده، وهي تعتد منه، بأن أعتقها، ووجبت عليها العدة، فإنه لا يجوز، ويجوز أن يتزوج أربعا سواها، وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه.\rوقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما: يجوز ذلك كله.\rوقال زفر: لا يجوز ذلك كله.\rوأما الجمع بين الاختين في ملك اليمين: فجائز عندنا خلافا لمالك.\rوأما الجمع بينهما وطئا فلا يجوز.\rلكن يطأ إحداهما، لا غير.\rولا يجمع بينهما في المس عن شهوة، والنظر إلى الفرج.\rوإن أزال الموطوءة عن ملكه، أو زوجها من إنسان: يباح له الاستمتاع بالاخرى.\rوهذا قول عامة الصحابة وعامة العلماء.\rوروي عن عثمان بن عفان أنه قال: يحل الجمع بينهما وطئا،\rولكن أنا لا أفعل.\rوأما تحريم تقديم الامة على الحرة فنقول: من كانت تحته حرة، لا يجوز له أن يتزوج الامة.\rومن كانت تحته أمة، جاز له أن يتزوج الحرة.\rولو جمع بين نكاح الامة والحرة لا يجوز نكاح الامة، ويجوز نكاح الحرة.\rوأصله قوله عليه السلام: \" لا تنكح الامة على الحرة، وتنكح الحرة على الامة \".\rوإذا كان قادرا على مهر الحرة ونفقتها جاز له أن يتزوج الامة عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجوز.","part":2,"page":127},{"id":539,"text":"ولو كانت الحرة في عدته، فتزوج الامة، لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما: يجوز.\rوالصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله، لان النكاح من وجه، كالثابت من كل وجه، في باب التحريم.\rوأما التحريم بسبب حق الغير: فنكاح منكوحة الغير حرام قال الله تعالى: * (والمحصنات من النساء (1)) *.\rوكذلك نكاح معتدة الغير، لان النكاح قائم من وجه، وحقه محترم.\rوكذلك منكوحة الذمي ومعتدته، لان حقه محترم.\rفأما المسبيات المنكوحات فبعد الاحراز بدار الاسلام تقع الفرقة، وتحل للسابي، وغيره، فلا عدة عليهن.\rوعند الشافعي: تحل في دار الحرب.\rوعلة الفرقة عنده هو السبي، وعندنا تباين الدارين، حتى لو سبي الزوجان معا، لا تقع الفرقة عندنا لعدم تباين الدارين.\rفأما المهاجرة، وهي المرأة التي دخلت دار الاسلام، مراغمة لزوجها، مسلمة أو ذمية جاز نكاحها، ولا عدة عليها عند أبي حنيفة، وقالا: عليها العدة.\rوأما إذا كانت حاملا، فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية محمد: لا يتزوجها.\rوفي رواية أبي يوسف، يتزوج ولكن لا يطأها حتى تضع حملها.\r__________\r(1) سورة النساء: الاية 24.","part":2,"page":128},{"id":540,"text":"ولو تزوج امرأة حاملا، من زنا جاز، ولا يطأها حتى تضع حملها عندهما.\rوعند أبي يوسف لا يصح النكاح.\rوالصحيح قولهما، لانه لا حرمة لماء الزاني، ولكن لا يطأها لقوله عليه السلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره.\rوروي عنه صلى عليه واله وسلم أنه قال: لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة في طهر واحد وحرمة الوطئ بعارض طارئ على المحل لا ينافي النكاح، لا بقاء ولا ابتداء، كالحيض والنفاس.\rوأما التحريم بسبب الشرك فنقول: لا يحل وطئ المشركات، بنكاح، ولا بملك يمين.\rوتحل الكتابيات لقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (1) *، وقال تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (2).\rويجوز نكاح الامة الكتابية كالحرة عندنا، خلافا للشافعي.\rوأما نكاح المجوسيات: فلا يجوز، ولا يحل وطؤهن بملك اليمين، لانه لا كتاب لهم.\rفأما الصابئات: فقال أبو حنيفة: يحل بالنكاح وبملك اليمين، خلافا لهما، وهو ليس باختلاف في الحقيقة، وإنما الخلاف لاشتباه مذهبهم، فعند أبي حنيفة أنهم من أهل الكتاب، فإنهم يقرؤون الزبور ولا يعبدون الكواكب، لكن يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 221.\r(2) سورة المائدة: الاية 5.","part":2,"page":129},{"id":541,"text":"الاستقبال إليها، وعندهما أنهم يعبدون الكواكب فحكمهم حكم عباد الوثن.\rوأما نكاح الكفار فيما بينهم فجائز.\rوقال مالك: أنكحتهم فاسدة.\rوالصحيح قول العامة، لان النكاح سنة آدم عليه السلام، فهم على شريعته في ذلك، وقال عليه السلام: ولدت في نكاح ولم أولد في سفاح، وإن كان آباؤه كفارا.\rوأما المرتدة فلا يجوز لمسلم ولا لكافر ولا لمرتد نكاحها، لانه لا ملة لها للحال، لانها تركت ملة الاسلام، فلا تقر على ما صارت إليه من الملة.\rولو ارتد أحد الزوجين: يبطل النكاح.\rولو ارتدا، معا يبقى النكاح بينهما، عندنا خلافا لزفر لاجماع الصحابة على ذلك.\rوأما التحريم بسبب ملك اليمين:\rفهو أنه لا يجوز نكاح جاريته، ولا مكاتبته، ولا جارية مديونه دينا مستغرقا، ولا جارية مشتركة بينه وبين غيره، ولا جارية له فيها حق الملك، كجاريته من أكساب عبده المأذون المديون وأكساب مكاتبه.\rوكذا المرأة لا يجوز لها أن تتزوج مملوكها، لان في النكاح حقوقا لا يجوز أن تثبت بين العبد والمولى، لما بينهما من التنافي.\rوكذلك إذا اعترض ملك اليمين، يبطل النكاح، بأن ملك كل واحد من الزوجين صاحبه، أو شقصا منه.","part":2,"page":130},{"id":542,"text":"وقالوا في العبد والمدبر المأذونين: إذا اشتريا زوجتيهما لا يفسد النكاح، لانه لا يثبت ملك المنفعة، بملك اليمين، في حقهما.\rوكذا المكاتب إذا اشترى زوجته، لم يفسد النكاح، لانه لا يملكها، وإنما يثبت له فيها حق الملك، وإنه يمنع ابتداء النكاح، ولا يفسد كالعدة.\rوقالوا فيمن زوج ابنته من مكاتبه ثم مات: لم يفسد النكاح بينهما، حتى يعجز لان المكاتب لا يورث.\rوعند الشافعي: يفسد.\rوأما المعتق: فهو في حكم المكاتب عند أبي حنيفة، وعندهما حر.\rوأما التحريم بالطلاق الثلاث: فقد ثبت بكتاب الله عز وجل: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * (1).\rوأحكام المطلقة ثلاثا تذكر في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.\rومنها: الولي والمهر وفيهما خلاف، على ما نذكر في بابهما إن شاء الله تعالى.\rومنها: الشهادة وهي شرط عند عامة العلماء.\rوقال مالك: الاعلان شرط، حتى إذا وجد الاعلان بدون حضرة الشهود، نحو ضرب الدف والطبل ونحوه، ينعقد ولو حضر شاهدان سرا عن الناس وشرطوا عليهما الكتمان فإنه لا ينعقد.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لقوله عليه السلام: لا نكاح إلا بشهود.\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 230.","part":2,"page":131},{"id":543,"text":"ثم الشهود الذين ينعقد النكاح بهم فيهم شرائط: منها: العقل، والبلوغ، والحرية، حتى لا ينعقد بحضرة الصبيان، والمجانين، والعبيد.\rوكذا الاسلام في حق نكاح المسلم والمسلمة، حتى لا يجوز إلا بحضرة المسلمين.\rفأما المسلم إذا تزوج ذمية بشهادة ذميين، جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: لا يجوز.\rوكذا القاضي لا يقضي بنكاح المسلمة على المسلم إلا بشهادة المسلمين.\rوهل يقضي بنكاح المسلم على الذمية بشهادة الذميين؟ إن ادعت الذمية النكاح على المسلم لا يقبل، لانه شهادة على المسلم.\rوإن جحدت الذمية وادعى المسلم النكاح هل يقضي بشهادة الذميين؟ فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الانعقاد.\rوأما نكاح أهل الذمة فيما بينهم فإنه ينعقد بشهادتهم عندنا، سواء كانت مللهم متفقة، كشهادة اليهود لليهود، والنصارى للنصارى، أو\rمختلفة كشهادة اليهود للنصارى.\rوقال ابن أبي ليلى: يجوز عند اتفاق الملل، دون اختلافها.\rوعند الشافعي: لا يجوز أصلا.\rثم عندنا إنما يجوز إذا كانوا من أهل دار واحدة، بأن كانوا في دار الاسلام أو في دار الحرب.\rوأما إذا اختلفت الدور، بأن كانت الشهود من أهل دار الحرب، كشهادة المستأمنين في نكاح الذمي، فلا يصح.\rوإن كان على العكس يصح كنكاح الذمي ينعقد بشهادة المسلمين، ولا ينعقد نكاح المسلم بشهادة أهل الذمة.","part":2,"page":132},{"id":544,"text":"ومنها: العدد فهو شرط، وهو شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين وهذا عندنا.\rوقال الشافعي رحمه الله: لا يصح إلا بشهادة الرجلين.\rوكذا الخلاف في قضاء النكاح بشهادتهم.\rوهذا إذا لم يتعلق به وجوب الحد فأما إذا تعلق، بأن قام الشهود على الزنا، فأنكر الزاني الاحصان، فشهد رجل وامرأتان على النكاح، يقبل أيضا عند أصحابنا، وعند زفر لا يقبل.\rوأما العدالة: فليست بشرط لانعقاد النكاح عندنا، حتى ينعقد بشهادة الفاسقين.\rوعند الشافعي رحمه الله: شرط.\rوهل يقضي القاضي بالنكاح بشهادتهم؟ فعنده: لا يقضي على كل حال.\rوعندنا، إن كان القاضي تحرى الصدق في شهادتهم، جاز، وإلا\rفلا، فكان للفساق شهادة عندنا في انعقاد النكاح على كل حال.\rوفي صحة القضاء عند رجحان الصدق، عند القاضي، بالتحري والتأمل في أحواله أن مثل هذا الفاسق لا يكذب في العادة.\rوأما المحدود في القذف فإن كان قبل التوبة وقبل إقامة الحد فإنه ينعقد النكاح بشهادته عندنا، خلافا للشافعي رحمه الله.\rوإن كان بعد التوبة، فإن كان قبل إقامة الحد عليه، فإنه ينعقد النكاح، ويقبل شهادته بلا خلاف.\rوإن كان بعد إقامة الحد، فإنه ينعقد النكاح بشهادته، ولا تقبل شهادته عندنا.","part":2,"page":133},{"id":545,"text":"وعند الشافعي: ينعقد، وتقبل.\rوكذا ينعقد النكاح بشهادة الاثنين منهما عندنا، خلافا للشافعي.\rوأما الاعمى: فينعقد النكاح بحضرتهم، لانهم من أهل الشهادة.\rوهل تقبل شهادتهم؟ عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما لا تقبل.\rوقال أبو يوسف: إن كان بصيرا وقت التحمل تقبل شهادته، وإلا فلا.","part":2,"page":134},{"id":546,"text":"باب المهر الكلام في هذا الباب في مواضع: في بيان كون المهر شرط جواز النكاح،\rوفي بيان تقدير المهر، وفي بيان ما يصلح مهرا وما لا يصلح، وفي بيان ما يفسد به التسمية وما يصح معه التسمية، وفي بيان ما يستحق به جميع المهر، وما يسقط به نصف المهر، وفي بيان ما يجب عليها من التسليم عند قبض المهر أو تأجيله، وفي بيان حكم الاختلاف بين الزوجين في المهر، وفي بيان ذكر المهر على طريق الرياء (1)، والسمعة، والتلجئة.\rأما الاول فنقول: إن المهر شرط جواز النكاح، حتى لا يجوز النكاح بدون المهر، حتى إن من تزوج امرأة بغير مهر، أو بشرط أن لا مهر لها، وأجازت المرأة، فإن النكاح ينعقد، ويجب مهر المثل عند أصحابنا.\rوعند الشافعي: النكاح جائز بغير مهر.\rوالصحيح قولنا: لقوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) * (2)، الله تعالى أحل النكاح بشرط المال، فلا يكون مشروعا * (الهامش) (1) في القاموس المحيط: \" رايته مراءة ورئاء اريته على خلاف ما انا عليه...وعمل رئاء وسمعة \".\r(2) سورة النساء: الاية 24.","part":2,"page":135},{"id":547,"text":"بدونه، فإذا نفي المهر، وشرط خلو النكاح عن المهر، فقد شرط شرطا فاسدا، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، فيصح النكاح، ويبطل الشرط، فيجب العوض الاصلي، وهو مهر المثل.\rوحكم كيفية وجوب مهر المثل، والمتعة، نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\rوأما بيان تقرير المهر\rفعندنا المهر مقدر، وأدناه عشرة دراهم فضة، أو دينار ذهب خالص.\rوقال الشافعي: المهر غير مقدر، والقليل والكثير فيه سواء.\rوالصحيح قولنا، لقوله تعالى: * (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) * (1) أي قدرنا.\rوإذا ثبت أن أقل مقدار المهر عشرة، فإذا سمي أقل من عشرة هل يصح التسمية؟ فعند أصحابنا الثلاث تصح التسمية، ويكمل المهر عشرة دراهم.\rوعلى قول زفر: يجب مهر المثل، ولا تصح التسمية.\rوالصحيح قولنا: وهو أن التقدير حق الشرع، فمتى قدر بأقل من عشرة، فقد أسقطا حق أنفسهما، ورضيا بالاقل، فلا يصح في حق الشرع، فيجب أدنى المقادير، وهو العشرة.\rوأما بيان ما يصلح مهرا وما لا يصلح فنقول: المهر ما يكون مالا متقوما عند الناس، فإذا سميا ما هو مال يصح التسمية، وما لا فلا.\r* (الهامش) (1) سورة الاحزاب: الاية 50.","part":2,"page":136},{"id":548,"text":"فإذا تزوج امرأة على ما هو مال مطلق، كالنقود والاعيان صحت التسمية.\rوإذا تزوج على منافع الاعيان، كالدور، والحيوان، والعقار جاز، لانها مال متقوم عند الناس.\rوإذا تزوج على منافع الحر لا يجوز، بأن زوجت نفسها من رجل\rعلى أن يخدمها سنة، أو يرعى إبلها أو غنمها سنة، لان منافع الحر ليست بمال، وإنما يجوز عقد الاجارة عليها، ويتقوم باتفاق العاقدين، بطريق الضرورة، ولا ضرورة في النكاح.\rوعن ابن سماعة عن محمد أنه إذا تزوجها على أن يرعى غنمها سنة جاز، فيكون في المسألة روايتان.\rوإذا لم تصح التسمية ما حكمها؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: لها مهر مثلها، لان التسمية لم تصح.\rوقال محمد رحمه الله: لها قيمة خدمته سنة، لان التسمية قد صحت، لكن تعذر التسليم عليه، لانه لا يجوز لها استخدامه، بل عليها خدمة الزوج، فيجب قيمة الخدمة، كما لو تزوج على عبد فاستحق تجب قيمته لا مهر المثل، كذا هذا، حتى إن رعي الغنم والعمل خارج البيت، لما لم يكن من باب الاستخدام صحت التسمية.\rولو تزوج امرأة على خمر أو خنزير، أو على طلاق ضرتها، أو على العفو عن القصاص، أو على أن لا يخرجها من بلدها، ونحو ذلك فالنكاح صحيح، وبطلت التسمية، ويجب مهر المثل، لان هذه الاشياء ليست بمال.\rولو جمع بين ما هو مال وبين ما ليس بمال، لكن لها فيه منفعة إن","part":2,"page":137},{"id":549,"text":"كان شيئا يباح لها الانتفاع به، كطلاق الضرة والامساك في بلدها ونحو ذلك: فإن وفى بالمنفعة وأوصل إليها، فإنه لا يجب إلا المسمى، إذا كان عشرة فصاعدا، لانها أسقطت حقها عن مهر المثل لغرض صحيح،\rوقد حصل وإن لم يف بما وعد لها إن كان ما سمي لها من المال مثل مهر المثل أو أكثر، فلا شئ لها إلا ذلك المسمى، وإن كان ما سمي لها أقل من مهر مثله يكمل لها مهر مثلها عندنا.\rوعند زفر: إن كان ما وعد لها، سوى المسمى، شيئا هو مال، كما إذا شرط أن يهدي لها هدية فلم يف، يكمل مهر المثل، وإن كان شيئا ليس بمال فلم يف، فلا يجب إلا المسمى.\rوالصحيح قولنا، لانها لم ترض بإسقاط حقها عن كمال مهر المثل إلا بغرض مرغوب فيه عند الناس وحلال شرعا، فإذا لم يحصل الغرض يعود حقها إلى المعوض، وهو مهر المثل.\rوأما إذا كان وعد لها شيئا لا يباح الانتفاع به، كالخمر والخنزير، فإن كان المهر المسمى عشرة فصاعدا، يجب ذلك ويبطل الحرام، ولا يجب على الزوج تكميل مهر المثل، لان الخمر لا منفعة للمسلم فيها، فلا يجب لفواتها عوض.\rوأما بيان ما يصح معه التسمية، وما لا يصح فنقول: التسمية لا تصح مع الجهالة الفاحشة، وتصح مع الجهالة المستدركة.\rوبيان ذلك أن المهر أنواع ثلاثة: نوع هو مجهول الجنس، وهذه الجهالة تبطل التسمية، ويجب مهر المثل، بالغا ما بلغ.\rوذلك نحو أن يتزوج على ثوب أو دابة أو حيوان أو دار، لان الثوب","part":2,"page":138},{"id":550,"text":"مجهول الجنس: يقع على الخز والبز (1)، وكل ذلك ينقسم أنواعا مختلفة.\rوكذلك الدار فإنها تختلف باختلاف البلدان والمحال، والسكك\rوتختلف في أنفسها من حيث الصغر والكبر ونحو ذلك.\rونوع هو معلوم الجنس والنوع، مختلف الوصف والقدر كما إذا تزوج امرأة على عبد أو أمة أو تزوج على فرس أو على جمل أو على بقر ونحو ذلك وهذا معلوم النوع مختلف الاوصاف.\rوحكمه أن الزوج بالخيار إن شاء أعطاها الوسط من ذلك، وإن شاء أعطاها القيمة، وتجبر المرأة على القبول، بخلاف البيع فإن هذا لا يصلح ثمنا في باب البيع، لان النكاح يحتمل ضربا من الجهالة، فإنه يجوز بمهر المثل مع جهالته، فكل جهالة هي نظير جهالة مهر المثل لا تمنع صحة التسمية، وجهالة الوصف والقدر نظير ذلك، فأما البيع فلا يصح مع الجهالة أصلا.\rونوع هو معلوم الجنس، والنوع، والقدر، والصفة، كما إذا تزوج على مكيل أو موزون موصوف في الذمة فإنه يجوز، ولا خيار للزوج في ذلك، بل يجبر الزوج على دفعه إليها، ولا يجوز أن يدفع قيمة ذلك، إلا برضاها، لان هذا يثبت دينا في الذمة صحيحا ولهذا جاز البيع به.\rفأما إذا تزوج على كر حنطة مطلقة ولم يصفها ذكر ههنا وقال: إن شاء الزوج أعطاها كرا وسطا، وإن شاء أعطاها قيمته.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه قال: يجبر الزوج على تسليم الكر، ولا يجوز له أن يدفع القيمة بدون رضاها، وعلى هذا مسائل.\r__________\r(1) البز نوع من الثياب.\rوقيل: الثياب خاصة من امتعة البيت.\rوقيل: امتعة التاجر من الثياب.","part":2,"page":139},{"id":551,"text":"وأما بيان ما يستحق به جميع المهر، وما يسقط به النصف فنقول:\rالمهر يستحق بالعقد.\rويتأكد بالوطئ، والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين.\rوهو نوعان: المسمى، ومهر المثل.\rفإن كان المهر مسمى، وطلق بعد الوطئ، أو الخلوة الصحيحة، أو وجد موت أحد الزوجين فإنه يجب كمال المهر المسمى، وهذا عندنا.\rوعلى قول الشافعي لا يتأكد بالخلوة.\rثم الخلوة الصحيحة أن لا يكون ثم مانع من حيث الحس، ولا من حيث الشرع.\rأما من حيث الحس فكالمرض الذي يمنع الوطئ، ووجود ثالث في الدار معهما، وكون المرأة رتقاء (1).\rوأما الجب (2) فلا يمنع صحة الخلوة عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rوالعنة (3) لا تمنع بالاجماع.\rوأما من حيث الشرع فبأن كانت المرأة حائضا، أو نفساء، أو كان أحدهما صائما صوم شهر رمضان، أو محرما بحجة فريضة أو نفلا، وفي غير صوم شهر رمضان روايتان.\rوإن طلقها قبل الدخول بها يجب نصف المهر المسمى، سواء كان المهر عينا أو دينا.\r__________\r(1) امراة رتقاء بينه الرتق: إذا لم يكن لها خرق الا المبال (المغرب).\rوفى المصباح: رتقت الفتق رتقا من باب قتل سدسته.\r(2) أي استئصال الذكر والخصيتين - من الجب بمعنى القطع.\rوالمحجوب هو الخصى.\r(3) \" اللعنة على زعمهم اسم من العنين وهو الذى لا يقدر على اتيان النساء \" المغرب.","part":2,"page":140},{"id":552,"text":"ولو زاد الزوج على المهر المسمى، ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه يتنصف المسمى في العقد، ولا تتنصف الزيادة في أشهر الروايات.\rوعن أبي يوسف أنه تتنصف الزيادة.\rوإن فرض المهر هو أو القاضي في موضع لا تسمية فيه، ثم طلق قبل الدخول، فإنه لا يتنصف المفروض بعد العقد أيضا.\rوروي عن أبي يوسف أنه يتنصف.\rوأما مهر المثل فإنه يتأكد أيضا، بما يتأكد به المسمى، من الموت والدخول والخلوة.\rوإذا طلقها قبل الدخول فإنه لا يتنصف مهر المثل، عندنا، خلافا للشافعي، ولكن تجب المتعة، وهي ثلاثة أثواب: درع، وخمار وملحفة، ويعتبر فيها حال الرجل، كما في النفقة، وهو الصحيح، و في مهر المثل يعتبر حالها.\rوالمتعة نوعان: واجبة ومستحبة: فالواجبة لا تكون إلا لمطلقة واحدة: وهي التي طلقها قبل الدخول بها في نكاح، لا تسمية فيه.\rوأما المستحبة: فهي ثابتة لكل مطلقة لم تستحق بالطلاق جميع المهر ولا نصفه، إلا أن تكون الفرقة من قبل المرأة فإنه لا يستحب فيها المتعة، مدخولا بها، أو لم يكن، لانها جانية، فكيف يستحب الاحسان في حقها؟ وأما بيان ما يجب عليها من تسليم النفس، وما لها من حق المنع فنقول: إن تسليم النفس بمقابلة تسليم المهر.","part":2,"page":141},{"id":553,"text":"فقبل تسليم المهر إليها لها أن تمنع نفسها من الزوج، ولها أن تسافر وتذهب حيث شاءت، بغير إذن الزوج.\rوإن سلم المهر إليها، فله أن يطالبها بتسليم النفس إليه، والدخول في بيته، والتمكين من الاستمتاع بها، ولا يجوز لها أن تخرج من بيت الزوج إلا بإذنه لا إلى سفر ولا إلى زيارة الابوين، ولا إلى قضاء حاجة ما، إلا سفر الحج إذا كان عليها حجة الاسلام، ووجدت محرما.\rوإن بقي درهم من المهر على الزوج: فلها حق المنع، وأن تخرج من مصرها.\rهذا إذا كان المهر حالا، فأما إذا كان المهر مؤجلا إلى أجل معلوم فيجب عليها تسليم النفس، للحال، عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما، لانها رضيت بإسقاط حقها، فلم يسقط حق الزوج بدون رضاه.\rوقال أبو يوسف آخرا لها أن تمنع نفسها بالمؤجل، لان حق الاستمتاع بها بمقابلة تسليم المهر فمتى طلب تأجيل المهر، فقد رضي بتأخير حقه في الاستمتاع.\rولو كان مؤجلا إلى أجل غير معلوم، كما إذا أجل إلى الميسرة أو قال: أتزوجك على ألف مؤجلة، فإنه يثبت المهر حالا، ويبطل الاجل.\rولو كان بعضه حالا، وبعضه مؤجلا معلوما، فليس لها أن تمنع نفسها بالاجماع، أما عندهما، فلان الزوج ما رضي بإسقاط حقه.\rوأما\rعند أبي يوسف: فلانه لما عجل البعض، لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع.","part":2,"page":142},{"id":554,"text":"ولو لم يدخل بها الزوج حتى حل أجل الباقي، فكذلك الجواب، لما قلنا.\rفأما إذا كان الكل مؤجلا، وشرط أن يدخل بها، قبل أن يعطيها فله ذلك، عند أبي يوسف أيضا، لانه لما شرط الدخول، لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع.\rولو مكنت المرأة، برضاها حتى وطئها، قبل تسليم المهر إليها، وقد تزوجها من غير أجل، ثم أرادت أن تمنع نفسها بعد ذلك فلها ذلك عند أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف ومحمد: ليس لها ذلك.\rفهما يقولان: إن التسليم الصحيح قد وجد حتى يتأكد المهر، فلا يكون لها حق الامتناع، كما في البيع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن صح، وليس له حق الرجوع كذا هذا.\rوأبو حنيفة يقول: إن المهر مقابل بالاستمتاع في جميع العمر، لا بمجرد تسليم النفس، بدليل أنها لو انتقلت إلى بيت الزوج، كان لها حق المنع، ما لم تقبض المهر، وقد وجد تسليم بعض المنفعة، فكان لها حق في منع الباقي كما لو باع عبدين، فسلم أحدهما قبل قبض الثمن: كان له أن يحبس الآخر، حتى يستوفي الثمن.\rوأما بيان اختلاف الزوجين في المهر فنقول: إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر فقال الزوج: تزوجتها على ألف درهم، وقالت المرأة: على ألفين \":\rفإن كان لاحدهما بينة تقبل بينته، ولا يقبل قول الآخر.\rوإن كان لهما بينة فبينة المرأة أولى، لانها أكثر إثباتا.\rوإن لم يكن لهما بينة تحالفا، ويبدأ بيمين الزوج، فإن نكل يقضى","part":2,"page":143},{"id":555,"text":"عليه بما تدعيه المرأة، وإن حلف تحلف المرأة: فإن نكلت، يقضي عليها بما يدعيه الزوج، وإن حلفت سقط اعتبار التسمية بالحلف، ويحكم بمهر المثل الذي هو العوض الاصلي، فإن كان مهر مثلها مثل ما قال الزوج أو أقل، فلها ما قال الزوج، لان الظاهر شاهد له، وإن كان مثل ما ادعت المرأة أو أكثر فلها ما ادعت، وإن كان مهر مثلها فوق ما قال الزوج ودون ما ادعت فلها مهر مثلها.\rوقال أبو يوسف: القول قول الزوج، إلا أن يأتي بشئ مستنكر جدا، لانه منكر، إلا إذا خالفه الظاهر، وتفسير المنكر في رواية أن يكون أقل من عشرة دراهم، وفي رواية: أن يذكر شيئا لا تتزوج مثل تلك المرأة عليه، وهو الاصح، لان المهر في الشرع لا يكون أقل من عشرة دراهم.\rوذكر أبو الحسن (1) التحالف في الفصول الثلاثة.\rوعن أبي بكر الرازي أن التحالف يكون في فصل واحد، وهو ما إذا لم يشهد مهر المثل لدعواهما، فأما إذا كان مهر المثل مثل ما يدعيه أحدهما، فالظاهر شاهد له، فلا حاجة إلى التحالف.\rوالصحيح ما قاله أبو الحسن، لان مهر المثل لا يعتبر عند وجود التسمية، فلا يسقط اعتبار التسمية إلا بالحلف، لان الظاهر لا يكون حجة على الغير.\rوعلى هذا الخلاف: إذا قال الزوج: تزوجتك على هذا العبد، وقالت المرأة: على هذه الجارية، إلا في فصل واحد وهو أنه إذا كان مهر مثلها مثل قيمة الجارية أو أكثر، فلها قيمة الجارية لا عينها، لان\r__________\r(1) أي الكرخي.","part":2,"page":144},{"id":556,"text":"تمليك الجارية لا يكون إلا بالتراضي، ولم يتفقا عليه، فوجب القضاء بقيمتها.\rوعلى هذا الاصل إذا اختلفا في طعام بعينه فقال الزوج: إنه كر، وقالت المرأة: شرطت أنه كران، لان القدر معقود عليه في الطعام المعين، بخلاف القدر في الثوب المعين، فإنه بمنزلة الصفة، والاختلاف في مقدار ما يتعلق العقد على قدره يوجب التحالف، فأما الاختلاف في الصفة في المبيع المعين فلا، فأما الذرع والكيل والصفة إذا كان في الذمة، فهو معقود عليها، فإذا اختلفا فيها تحالفا.\rوعلى هذا أيضا إذا ادعى أحدهما ألف درهم، والآخر مائة دينار، فهو مثل الالف والالفين، يعني أن مهر مثلها إن كان مثل مائة دينار أو أكثر، فلها مائة دينار، لان مهر المثل يقضي به من جنس الدراهم والدنانير، فجاز أن يستحق المائة دينار من غير تراض، بخلاف العبد والجارية.\rلما ذكرنا.\rولو طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الالف في مسألة الالف والالفين بالاتفاق، لان مهر المثل لا يجب في الطلاق قبل الدخول، ولا يمكن التحكيم به، فيجب المتيقن، وهو نصف الالف وفي مسألة الجارية والعبد، لها المتعة، إلا أن ترضى أن يأخذ نصف العبد، لانهما لم يتفقا\rعلى تسمية أحدهما، فلم يمكن القضاء بنصف الاقل، إلا باختيارهما، بخلاف الالف والالفين.\rوإما إذا كان المهر دينا، فاختلفا في جنسه أو نوعه أو صفته فهو كالاختلاف في العبدين، لان كل واحد من الجنسين لا يملك إلا بالتراضي، فهو كالاختلاف في العبدين.","part":2,"page":145},{"id":557,"text":"وأما بيان التلجئة في المهر فنقول: التلجئة والهزل إما أن يكون في نفس النكاح، أو في مقدار المهر، أو في جنس المهر.\rأما في نفس النكاح، فلا تصح التلجئة، ويصح النكاح.\rوصورته إذا تواضعا في السر على أن يظهر النكاح، رياء وسمعة، ولا يكون نكاح بينهما حقيقة، فأظهرا عقد النكاح بشرائطه عند الناس، فإن النكاح صحيح، وإن ثبتا على المواضعة، لان النكاح لا يفسد مع الهزل، لقوله عليه السلام: ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: العتاق، والطلاق، والنكاح.\rأما إذا كان الهزل في مقدار المهر بأن اتفقا في السر على أن يكون المهر مائة، ويظهرا مائتي درهم، فتزوجا على مائتين ظاهرا فعن أبي حنيفة روايتان.\rوفي رواية: المهر ما أظهراه، وما ذكرا في الباطن لا يعتبر، لان المهر تابع للنكاح، وأنه يصح مع الهزل فكذا المهر.\rوفي رواية: المهر مائة، ولا يصح مع الهزل، وهو قول أبي يوسف ومحمد.\rوأما إذا كان الهزل في الجنس، بأن تواضعا على أن يكون المهر ألف درهم، ولكن أظهرا مائة دينار، سمعة ورياء، وعقدا على مائة دينار، ففي رواية: لها مهر المثل.\rوفي رواية: لها مائة دينار.\rولو تزوجا تزويجا باتا قاطعا في السر، على مهر مسمى، ثم أظهرا غير ذلك في العلانية، لم يعتبر الظاهر، لان النكاح قد انعقد في السر حقيقة فلا يكون الظاهر معتبرا.\rولو تواضعا أن يقرا بالنكاح وأقرا بذلك ولم يكن بينهما نكاح، لم","part":2,"page":146},{"id":558,"text":"يلزمهما لان الاقرار إخبار، فلا يصح مع الهزل، كما لا يصح مع الاكراه.","part":2,"page":147},{"id":559,"text":"باب الولي الولاية في باب النكاح نوعان: أحدهما: في حق الصغار، والصغائر، ومن كان في معناهم، من البالغين وهم المجانين.\rوالثاني: في حق البالغات العاقلات.\rأما الاول فلا خلاف أن ولاية النكاح ثابتة للوالدين والمولودين في حقهم، ولاية الاستبداد، حتى يجوز نكاحهم في حق جميع الاحكام، ولا يثبت الخيار، بعد البلوغ استحسانا.\rثم إنما يجوز النكاح من الاب والجد إذا زوجا من كفء، بمهر\rالمثل.\rفأما إذا زوجا من غير كفء، أو بمهر قاصر فيجوز عند أبي حنيفة.\rوقالا: لا يجوز.\rثم إذا اجتمع الاب والابن في حق الكبيرة المجنونة، قال أبو حنيفة: الابن أولى، لان الابن أقرب العصبات.\rوقال محمد: الاب أولى، لانه أولى بالتصرف في مالها، فكذا في نفسها.","part":2,"page":149},{"id":560,"text":"وعن أبي يوسف روايتان، في رواية محمد عنه أن الابن أولى، وفي رواية المعلى عنه: أيهما زوج جاز، فإن اجتمعا، فينبغي للابن أن يفوض التزويج إلى الاب تعظيما له.\rثم بعد الوالدين والمولودين، تثبت الولاية للعصبات: الاقرب فالاقرب عندنا.\rوقال الشافعي: لا تثبت لغير الاب والجد، ولكن تثبت للامام والقاضي.\rوإذا جاز النكاح عندنا، يثبت الخيار للصغير والصغيرة بعد البلوغ، عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يثبت الخيار.\rوإذا ثبت لهما الخيار فإن اختارا الفرقة، يكون فسخا حتى لا يجب المهر قبل الدخول، ولا يصح ذلك، إلا بقضاء القاضي، بخلاف خيار المعتقة، حيث يكون فسخا، بغير قضاء القاضي.\rوأما القاضي والسلطان إذا زوج الصغير والصغيرة في حال\rالولاية، فلهما الخيار، على قياس ظاهر الرواية فإنه قال: إذا زوجهما غير الاب والجد، فلهما الخيار.\rوروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة أنه لا خيار لهما.\rوقال أبو يوسف: لا خيار لهما.\rوإن اختارا النكاح بطل الخيار، فأما إذا سكتا فإن كانت صغيرة بكرا فسكوتها عقيب بلوغها يكون رضا ويسقط خيارها، علمت الخيار أو لم تعلم، بخلاف خيار المعتقة: إنه لا يسقط بدون العلم، وإن كانت ثيبا، لا يبطل خيارها، إلا بالقول أو الفعل الذي يدل على الرضا، وهو التمكين من الاستمتاع بها، أو مطالبة المهر، أو النفقة، ونحو ذلك.","part":2,"page":150},{"id":561,"text":"وأما في الغلام فالبكر والثيب سواء لا يبطل خيارهما بالسكوت، بل يشترط الرضا به صريحا، أو دلالة الفعل، كما في الصغيرة الثيب.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان الاقرب حاضرا، أو غائبا غيبة غير منقطعة، فأما إذا كان غائبا غيبة منقطعة تنتقل الولاية إلى الابعد عندنا، خلافا لزفر.\rوعند الشافعي أنها تنتقل إلى السلطان.\rواختلفت الروايات في تفسير الغيبة المنقطعة، روي عن محمد: ما بين الكوفة والري.\rوعن أبي يوسف: ما بين بغداد والري.\rوقال محمد بن شجاع: إن كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل\rوالرسل في السنة إلا مرة واحدة، فهو غيبة منقطعة، وإلا فلا.\rوعن الشيخ الامام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه قال: إن كان في موضع لا ينتظر الخاطب حضوره وبلوغ إذنه، تكون منقطعة، وإلا فلا.\rثم إذا لم يكن واحد من العصبات، ولكن من ذوي الارحام الذين يرثون من الرجال والنساء، فإن لهم ولاية التزويج، الاقرب فالاقرب أولى، كالام والعمة والخال والخالة، وهو المشهور من الرواية عن أبي حنيفة، رواها أبو يوسف ومحمد.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يزوج الصغير والصغيرة إلا العصبة وهو قول أبي يوسف ومحمد.\rثم إذا عدم الاولياء على القولين، فتنتقل الولاية إلى السلطان، ونائبه القاضي.","part":2,"page":151},{"id":562,"text":"ثم مولى العتاقة آخر العصبات، وهو أولى من ذوي الارحام، بلا خلاف.\rوأما مولى الموالاة فيزوج عند أبي حنيفة، عند عدم العصبة وعدم الورثة، لانه آخر الورثة.\rوعلى قولهما: لا يزوج، لانه ليس بعصبة.\rوالنوع الثاني وهو في حق الكبيرة العاقلة قال أبو حنيفة وزفر: ليس لاحد عليها ولاية بطريق الحتم، وإنما تثبت عليها الولاية، بطريق الندب، والاستحباب، وهو قول أبي يوسف الاول، حتى إن المرأة العاقلة إذا زوجت نفسها من كفء بمهر وافر فإنه يجوز، وليس للاولياء حق الفسخ، وإذا زوجت من غير كفء\rفلهم حق الفسخ.\rوإذا قصرت عن مهر مثلها كان للاولياء حق الفسخ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: ليس لهم ولاية الفسخ، وإنما يتصور الخلاف عندهما إذا أذن الولي لها بالتزويج، وعند الشافعي إذا أذن الولي رجلا بأن يزوجها، فزوجها بمهر قاصر.\rوقال أبو يوسف ومحمد والشافعي بأن لهم ولاية التزويج في حق الكبيرة العاقلة، لكن اختلفوا فيما بينهم فيما إذا زوجت نفسها من غير إذن الولي: قال الشافعي: لا يجوز أصلا، ولا يتوقف على إجازة الولي.\rوقال محمد: يتوقف على إجازة الولي، ولا نفاذ له لحال - حتى لو وطئها يكون وطئا حراما وليس فيه طلاق ولا ظهار ولو ماتا لم يتوارثا.\rوعن أبي يوسف روايتان، في رواية: إذا مات أحدهما قبل أن يجيزه الولي، والزوج كفء: يتوارثان.\rوفي رواية الحسن عنه: أنهما لا يتوارثان، كفئا كان أو غير كفء.","part":2,"page":152},{"id":563,"text":"وأما بيان أن الولاية ثابتة على الكبيرة العاقلة بطريق الندب عند أبي حنيفة فنقول: إنها إذا زوجت من غير كفء فللاولياء حق الاعتراض.\rوكذلك المرأة إذا طلبت من الولي التزويج من كفء، فامتنع الولي فإنه يصير عاضلا (1) وتثبت الولاية للسلطان.\rوكذلك إذا زوجها الولي بغير رضاها وبلغها الخبر وسكتت، أو في الابتداء استأمرها الولي فسكتت، يكون سكوتها رضا.\rوفي تزويج الاجنبي إذا بلغها الخبر، فسكتت، لا يكون إجازة، إلا بالقول\rصريحا أو دلالة.\rوإذا زوج المرأة ولي فقالت: لم أرض ولم آذن، وقال الزوج: قد أذنت، فالقول قول المرأة، لان الزوج يدعي عليها الاذن والرضا وهي تنكر، فيكون القول قولها، ولا يمين عليها عند أبي حنيفة.\rوعلى قولهما القول قولها مع اليمين، والتحالف لا يجري في الاشياء الثمانية وهذا الفصل من جملتها.\rوقد قال أصحابنا: إذا زوجت البكر، فقال الزوج: بلغك الخبر فسكت، وقالت: رددت، فالقول قولها خلافا لزفر، لانها منكرة في الحقيقة، وإن كانت مدعية الرد ظاهرا.\rثم اختلفت الاحكام بين البكر والثيب فلا بد من تفسيرهما فنقول: كل من زالت عذرتها بوثبة أو طفرة أو حيضة أو طول التعنيس، فهي في حكم الابكار في قولهم.\r__________\r(1) العضل: لغة هو المنع.\rوشرعا هو منع الايم (وهى الانثى التى لا زوج لها كبيرة أو صغيرة، من التزويج، ومنع الزوج امراته من حسن الصحبة لتفدى منه - وكلاهما محرم بنص القران العزيز.","part":2,"page":153},{"id":564,"text":"ومن زالت عذرتها بوطئ يتعلق به ثبوت النسب فهي في حكم الثيب بالاجماع.\rوأما إذا زالت بكارتها بالزنا، فقال أبو حنيفة: تزوج كما تزوج الابكار، وقال الشافعي: تزوج الثيب، وهي مسألة معروفة.\rثم لا خلاف بين أصحابنا أن الكفاءة معتبرة في النكاح، وقال مالك وسفيان الثوري، وهو اختيار أبي الحسن الكرخي: لا اعتبار للكفاءة، لقوله تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (1).\rوالصحيح قول العامة، لقوله عليه السلام: لا يزوج النساء إلا الاولياء، ولا يزوجن إلا من الاكفاء.\rثم اختلف أصحابنا في شرائطها، قال أبو حنيفة: الكفاءة تعتبر في خمسة أشياء: الحرية، والنسب، والمال، والدين، وإسلام الآباء.\rقال محمد: الكفاءة في الدين والتقوى ليس بشرط، إلا أن يكون فسقا هو شين في العرف، نحو أن يصفع، أو يسكر ويمشي في الاسواق فسخر منه.\rوأما الحرية فشرط حتى لا يكون العبد، والمكاتب والمدبر كفئا للحرة بحال، لان الرق نقص وشين فوق النقص في النسب.\rوأما النسب فالعرب بعضهم أكفاء لبعض، ولا يكونون أكفاء لقريش، وقريش بعضهم أكفاء لبعض، الاعلى والادنى سواء حتى لا يفضل الهاشمي على قرشي ليس بهاشمي، قال محمد: إلا أن يكون أمرا مشهورا فيها، مثل البيت الذي فيه الخلافة، ولا يكون العجم والموالي\r__________\r(1) سورة الحجرات: الاية 13.","part":2,"page":154},{"id":565,"text":"أكفاء للعرب، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، ويكون موالي العرب أكفاء لموالي قريش، وأصله الحديث: قريش بعضها أكفاء لبعض، والعرب بعضها أكفاء لبعض، والموالي بعضها أكفاء لبعض: حي بحي وقبيلة بقبيلة.\rوأما المال فالمعتبر فيه القدرة على المهر والنفقة، حتى إن من لا يقدر على المهر والنفقة ليس بكفء.\rوقال بعض المشايخ: إنه يعتبر الكفاءة في المال، فيما سوى المهر\rوالنفقة، لان الغنى سبب الشرف، في العادة بمنزلة النسب.\rوأما إسلام الآباء فكل من كان له أب واحد في الاسلام، لا يكون كفئا لمن كان له آباء في الاسلام.\rوكل من كان له أبوان في الاسلام فصاعدا يكون كفئا لمن كان له آباء كثيرة في الاسلام.\rوفي الحرية يجب أن يكون هكذا، لان الشرف يقع بحرية الآباء.\rوأما الكفاءة في الحرف والصناعة فعلى قول أبي حنيفة، لا يعتبر وعلى قول أبي يوسف: يعتبر، حتى لا يكون الحائك كفئا للصيرفي والصائغ.\rوبعض مشايخنا قالوا: هذا اختلاف عصر وزمان، فأبو حنيفة بنى الامر على عادة العرب أن مواليهم يعملون هذه الاعمال لحاجتهم، وحاجة مواليهم، ولا يقصدون بها الحرفة، ولا يعيرون بها.\rوأبو يوسف أجاب على عادة أهل العجم أنهم اتخذوا هذه الصناعات حرفة، ويعيرون بالدنئ من ذلك فلم يكن بينهم خلاف في الحقيقة ففي كل بلد عادتهم التعيير والتفاخر في الحرف، يعتبر فيه الكفاءة.\rوالله أعلم.","part":2,"page":155},{"id":566,"text":"باب النفقات الكلام في النفقة من وجوه: في بيان أنواعها، ويتضمن ذلك بيان الاسباب.\rوفي بيان المقدار.\rوفي بيان أن النفقة معتبرة بحال المرأة أو بحال الرجل، ونحو ذلك.\rأما الاول فنقول: النفقة الواجبة أنواع ثلاثة: نفقة الزوجات،\rونفقة المحارم من الرحم ونفقة الرقيق.\rأما نفقة الزوجات فتجب بسبب استحقاق الحبس للزوج عليها، بسبب النكاح عندنا.\rوعند الشافعي: تجب بسبب الزوجية، حتى إن عنده تجب النفقة للصغيرة والكبيرة والمريضة وغيرها، وإنما تسقط بسبب النشوز من جهتها.\rوأما عندنا فأقسام: إن كانت امرأة حرة، بالغة، لم تمتنع عن المقام مع الزوج، وعن الدخول في بيته، بعد استيفاء المهر كله، إذا لم يكن مؤجلا، أو كان المهر مؤجلا، فإنه يجب عليه نفقتها إذا طالبته بها، سواء انتقلت إلى بيت الزوج أم لا، لان النفقة حق المرأة عليه، والانتقال إلى بيت","part":2,"page":157},{"id":567,"text":"الزوج حقه عليها بعد إيفاء المهر، فإن لم يطالبها الزوج بالانتقال، فقد ترك حقه، فلا يسقط حقها.\rوأما إذا امتنعت عن الانتقال إلى بيته، فإن كان بحق لا تسقط النفقة، بأن امتنعت لتستوفي المهر.\rفأما إذا كان الامتناع بغير حق، بأن أوفاها الزوج المهر أو كان مؤجلا: فإنه تسقط النفقة، لانه وجد النشوز منها، وإنه يسقط النفقة.\rفأما إذا كانت المرأة صغيرة فإن كانت تجامع مثلها، فكذلك الجواب.\rوأما إذا لم تجامع مثلها، فسلمت إلى بيت الزوج، فإنه لا نفقة له، لانه لا يمكن الاستمتاع بها.\rوكذلك المريضة التي لا يمكن وطئها،\rوله أن يردها إلى بيت أهلها إن شاء.\rوإن كانت الصغيرة مما ينتفع بها، بالخدمة أو يستأنس بها، وكذلك المريضة إذا كانت ممن يستأنس بها الزوج، فأمسكها في بيته فلها النفقة، لانه رضي بالحبس القاصر.\rوأما إذا كانت محبوسة بالدين قبل النقلة فإن كانت تقدر على أن تخلي بينه وبين نفسها فلها النفقة وإلا فلا، لان هذا حبس بحق.\rوهذا إذا كانت لا تقدر على أداء الدين، فأما إذا كانت تقدر ولا تؤدي، تسقط لتقصير منها.\rفأما إذا طلبت النفقة، وليست بمريضة، ولا محبوسة، وهي بالغة، ففرض لها النفقة، ثم مرضت أو حبست لم تبطل نفقتها، لان النفقة قد وجبت بتسليم النفس، من غير مانع عن الوطئ، فاعتراض المانع لا\r__________\r(1) نشزت المرأة من زوجها نشوزا: عصمت زوجها وامتنعت عليه، ونشز الرجل من إمرأته نشوزا: تركها وجفاها (المصباح).","part":2,"page":158},{"id":568,"text":"يسقط النفقة، كالحيض.\rوذكر محمد في الاصل وقال في الرتقاء والمريضة: إذا طلبتا النفقة قبل النقلة فرض لهما القاضي، ولم يحك خلافا.\rوما ذكرنا في المريضة من التفصيل، قبل الانتقال أو بعده، قول أبي يوسف.\rوأما الزوجة إذا كانت أمة، فإن بوأها (1) المولى بيت الزوج تجب النفقة وإلا فلا، والتبوئة أن يخلى بينها وبين زوجها في منزل الزوج، ولا يستخدمها.\rفإن فعل ذلك: تجب على الزوج النفقة، لان الحبس المستحق بالنكاح، قد وجد.\rفإذا لم توجد التبوئة، لم يوجد الحبس المستحق بالنكاح.\rفإن بوأها المولى، ثم بدا له أن يستخدمها، فله ذلك، لان منافع سائر الاعضاء بقيت على ملكه، وإن استحق عليه منافع بعضها بالنكاح، إلا أنه أعارها منه بالتبوئة، فله أن يستردها، وتسقط النفقة، فإن بوأها ثانيا، عادت النفقة، كالحرة إذا نشزت، ثم عادت.\rوكل من وجبت لها النفقة وجبت لها السكنى، وإلا فلا، لقوله تعالى: * (أسكنوهن) (الاية) * (2).\rواما مقدار النفقة: فيعتبر فيه حال الرجال من اليسار والاعسار، دون حال المرأة.\r__________\r(1) أي اسكنها.\r(2) سورة الطلاق: الاية 6.","part":2,"page":159},{"id":569,"text":"وذكر الخصاف أنه يعتبر بحالهما، جميعا.\rوالصحيح ما ذكرنا، لقوله تعالى: * (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) * (1).\rثم الزوج إن كان موسرا لا تفرض عليه نفقة أكثر من خادم واحد عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن كان لها خادمان يفرض لها.\rوأما إذا كان الزوج معسرا، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يفرض عليه نفقة الخادم، وإن كان لها خادم.\rوقال محمد: إن كان لها خادم: فرض عليه نفقته، وإن لم يكن لها\rخادم: لا يفرض.\rوإن اختلف الزوجان في اليسار والاعسار، فالقول قول الزوج، لانه يدعي الفقر، وهو أصل.\rوإن أقاما البينة، فالبينة بينة المرأة على أنه موسر، لانها تثبت أمرا زائدا عارضا، فكانت أولى.\rثم النفقة غير مقدرة بالدراهم والدنانير عندنا، لان السعر قد يغلو وقد يرخص، ولكنها مقدرة بكفايتها إن كان الرجل موسرا يوسع في النفقة والكسوة، وإن كان معسرا ينفق عليها أدنى الكفاية من الطعام والادام والدهن، على حسب العرف والعادة، في الموسر والمعسر.\rفإذا طلبت الفرض من القاضي فإنه يقوم عليه مقدار الكفاية، بالدراهم أو الدنانير، ويفرض عليه بذلك.\rثم نفقة الزوجات لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي أو بتراضي الزوجين.\rفإذا يوجد أحد هذين، فإنها تسقط بمضي الزمان لانها وجبت\r__________\r(1) سورة الطلاق: الاية 7.","part":2,"page":160},{"id":570,"text":"صلة، جزاء الحبس لا عوضا عن الوطئ.\rوهذا عندنا، وعند الشافعي: لا تسقط كسائر الديون لانها وجبت عوضا كالمهر سواء، إلا أنها تسقط بعد الفرض بالموت، وإن لم تسقط بمضي الزمان، لانها صلة لم تتأكد بالقبض فتسقط بالموت، كسائر الصلات.\rوإنما يفرض القاضي النفقة إذا كان الزوج حاضرا، والمرأة تطلب الفرض.\rفأما إذا كان غائبا، وطلبت فرض النفقة من القاضي، وسماع البينة منها على الزوجية، وعلى قيام المال في يد إنسان أمانة، من الوديعة أو\rالمضاربة أو نحو ذلك، أو ثبوت الدين له على إنسان، ولا علم للقاضي بالزوجية ولا بالمال، فإن القاضي لا يجيبها إلى ذلك، ولا يحكم عليه.\rوهذا قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول شريح (1)، وقد كان قوله الاول أن القاضي يقضي لها، وهو قول إبراهيم، والصحيح قول شريح، لان هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون له خصم حاضر وإنه لا يجوز، عندنا.\rفأما إذا كان القاضي عالما بالزوجية، ويكون ماله في يد إنسان أمانة، أو بثبوت دينه على إنسان لمعاينة وجود السبب، أو الاقرار في النكاح، أو أقر صاحب اليد بكون المال للزوج أو أقر من عليه الدين وأقر بالزوجية، فإن القاضي يأمر من عليه الدين والمودع، بدفع النفقة\r__________\r(1) هو شريح القا ضى: ادرك النبي (ص) ولم يلقه، وقيل لقيه: والمشهور الاول، وقيل: كان في زمن النبي (ص) ولم يسمع منه.\rوقال الاكثرون: استقضاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه على الكوفة، واقره من جاء بعده فبقى على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة.\rوروى ميسرة عن شريح قال: وليت القضاء لعمر وعثمان وعلى ومعاوية ويزيد بن معاوية ولعبد الملك الى ايام الحجاج، فاستعفيت الحجاج.\rوكان له يوم استعفائه مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة.\rوقال على بن ابى طالب لشريح: \" انت اقضي العرب \" وقيل: توفى سنة 77 ه، وقيل سنة 78 ه، وقيل سنة 79 ه، وقيل سنة 80 ه.","part":2,"page":161},{"id":571,"text":"إليها، ويفرض النفقة لها، لانه لا يحتاج إلى القضاء، لان هذا واجب شرعا، على ما قال عليه السلام لهند امرأة أبي سفيان: خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف، فكان هذا من باب النظر للغائب بإحياء زوجته، وللقاضي ولاية النظر في مال الغائب، ولهذا\rيبيع القاضي ما يتسارع إليه الفساد من مال الغائب، نظرا له، لان هذا من باب الحكم.\rوإذا طلبت المرأة من القاضي أن يأذن لها بالاستدانة على الزوج، ففي الفصل الاول لا يأذن بالاستدانة عليه، لانه لم يفرض النفقة، لكونه قضاء على الغائب، فكذا هذا.\rفأما إذا علم القاضي بالزوجية أو كان قد فرض النفقة في حال حضور الزوج، ثم طلبت المرأة بعد الغيبة الاستدانة عليه، فإنه يأذن لها بالاستدانة عليه.\rوفائدة الاذن بالاستدانة ليس هو رجوعها على الزوج بالنفقة، لان النفقة إذا كانت مفروضة كان لها أن ترجع بغير الاذن بالاستدانة عليه، ولكن فائدته أن بعد الاذن بالاستدانة، لصاحب الدين أن يأخذ من الزوج، كما له أن يأخذ من المستدينة، لانه لا يجب على الانسان أداء مال إلا بالتزامه أو بإلزام من له ولاية الالزام عليه فأما إذا استدانت عليه من غير إذن القاضي، فإن كان قبل فرض القاضي، تكون متطوعة في الانفاق، وتسقط بمضي الوقت، إذا لم يفرض القاضي، ولم يتراضيا عليه، وإن كان بعد فرض القاضي، فإن له أن يرجع عليها، لا على الزوج، لما ذكرنا، أنه لم يلتزم، ولم يلزم عليه القاضي بالاذن بالاستدانة.\rوإذا طلبت المرأة من القاضي، فرض النفقة على زوجها المعسر: فإن القاضي يقضي، لان نفقة الزوجة تجب على الفقير، ويؤخر إلى وقت","part":2,"page":162},{"id":572,"text":"اليسار، لانه لو لم يفرض تسقط بمضي الوقت.\rولو طلبت من القاضي أن يستدين عليه، فإنه يفرض النفقة، ويأذن لها بالاستدانة، للفائدة التي ذكرنا.\rولو طلبت الفرقة، لعجز الزوج عن الانفاق عليها فإن القاضي لا يفرق بينهما، وليس لها حق الفسخ، وهذا عندنا، وعند الشافعي يكون لها حق الفسخ إن شاءت، وهذه مسألة معروفة.\rولو قبضت المرأة نفقة لسنة، بفرض القاضي أو بالتراضي، ثم مات الزوج قبل مضي السنة، لم يكن لورثته الرجوع عليها بشئ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك إذا ماتت المرأة لم يرجع الزوج في تركتها بشئ.\rوقال محمد: أرفع لها من النفقة حصة ما مضى، وأقضي عليها برد الباقي.\rوكذلك الكسوة يسقط عنها حصة ما مضى من المدة ويرد الباقي.\rوالصحيح قولهما، لان النفقة صلة، وقد تأكدت بالقبض، فلا يثبت فيها الرجوع بعد الموت، كما في الهبة.\rوأما نفقة ذوي الارحام، فنقول: الارحام ثلاثة أقسام: رحم الولادة، ورحم محرم النكاح، ورحم غير محرم.\rولا خلاف أنه لا تجب النفقة لرحم غير محرم، كقرابة بني الاعمام ونحوهم، ولا خلاف أنها تجب بقرابة الولادة.","part":2,"page":163},{"id":573,"text":"واختلفوا في رحم محرم، كالاخوة والعمومة والخؤولة، فعندنا تجب، وعند الشافعي لا تجب.\rوحاصل الخلاف أن هذه القرابة هل هي واجبة الوصل أم لا؟ فعندنا كذلك وعنده بخلافه.\rوينبني على هذا هذه المسألة.\rوكذلك إذا ملك أخاه أو عمه أو خاله: لا يعتق عليه عنده، وعندنا يعتق.\rوكذلك الخلاف في قطع السرقة الموجودة من هؤلاء.\rوهي مسألة معروفة، تذكر في العتاق، إن شاء الله تعالى.\rثم الكلام في تفصيل هذه الجملة، فنقول: الرجل الموسر إذا كان له أبوان وأولاد صغار، وأولاد كبار غير الاصحاء، كالزمني والعميان والمجانين، والاناث وهم فقراء، فإنه يجب عليه نفقتهم، صلة للرحم.\rفأما الاولاد الكبار الاصحاء فلا يجب عليه نفقتهم.\rوجعل القدرة على الكسب بمنزلة الغنى في حق هؤلاء، إلا في حق الابوين، فإن إلزام الوالد التكسب مع غنى الولد سبب للتأذي من الولد، والله تعالى حرم التأفيف، لما فيه من نوع أذى وهذا فوق ذلك.\rوأما الاولاد الصغار، فإذا كان لهم مال فنفقتهم من مالهم، لا على الاب.\rوإن كان المال حاضرا في يد الاب ينفق منه إن شاء، ولكن ينبغي أن يشهد على ذلك رجلين عدلين حتى يصدقه القاضي إذا أنكر الولد بعد الكبر إنفاقه عليهم، لانه خلاف الظاهر والغالب، لان","part":2,"page":164},{"id":574,"text":"الموسر ينفق على ولده من مال نفسه، وإن كان لهم مال.\rوكذلك إن كان المال غائبا ينفق من مال نفسه، ويشهد على ذلك ليمكنه الرجوع.\rفأما فيما بينهم وبين الله فلا حاجة إلى الاشهاد، ولكن لا بد أن ينوي عند الانفاق أنه يكون قرضا عليه، إذ له ولاية الاقراض للصبي، فيشترط البينة، فيحل له الرجوع.\rوإن كان الرجل فقيرا صحيحا مكتسبا، فإنه يجب عليه نفقة الوالدين والاولاد الصغار، والاناث، والكبار الزمنى.\rويشاركونه في نفقته التي اكتسبها لنفسه، وإن لم يكن في ذلك كفاية لهم، لانه لا يشارك الرجل أحد في نفقة والديه، وكذلك في نفقة الولد المحتاج، لقيام البعضية بينهم.\rأما إذا كان الاب فقيرا زمنا: فإنه تجب نفقة هؤلاء على من كان موسرا من ذوي الرحم المحرم، فإنه روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا كان للفقير الصحيح أولاد صغار، ولهم جد موسر، لم أفرض النفقة على الجد، وإن كان الاب زمنا، أفرض النفقة على الجد، لان الاب الفقير الزمن لا يكون من أهل وجوب النفقة عليه، فجعل كأن لم يكن.\rوقالوا في حق هؤلاء: إذا كان الرجل الموسر غائبا، وماله حاضر في يد إنسان أمانة، فأقر بالقرابة والمال، أو كان القاضي له علم بذلك، فإنه يفرض القاضي نفقة هؤلاء في مال الغائب، إذا كان ماله دراهم أو دنانير، أو طعاما، فأما إذا كان عروضا، فإن القاضي لا يبيع عروضه للنفقة على هؤلاء، كما لا يبيع العقار، ولكن الابوان يبيعان عروضه\rويصرفان إلى نفقتهما بقدر المعروف، ولا يتعرض لهما القاضي ويجوز ذلك البيع.\rوهذا قول أبي حنيفة وهو استحسان، والقياس أن لا يجوز بيع","part":2,"page":165},{"id":575,"text":"الابوين عروض ولدهما، كما لا يجوز بيع العقار.\rوما عرفت من الجواب في حق الوالدين، فهو الجواب في حق الجد والجدة، عند عدم الوالدين، فأما في حال قيامهما فحكمهما كحكم سائر ذوي الارحام.\rثم من سوى هؤلاء الذين ذكرناهم من ذوي الارحام المحرم، فإنه تجب النفقة على الموسرين للمعسرين، على قدر المواريث.\rولا يجب على الفقراء قليل ولا كثير، ولا يشاركونهم في نفقاتهم، لانها وجبت بطريق الصلة، والصلات تجب على الاغنياء، دون الفقراء، للتعارض.\rثم الكلام في كيفية وجوب نفقة المحارم فنقول: الاصل أنه إذا اجتمع الاقرب والابعد في الوالدين والمولودين، وفي غيرهما من ذوي الرحم المحرم، فإنه تجب النفقة على الاقرب دون الابعد.\rوإذا استويا في القرب، فإنه يجب على من له نوع رجحان في الوالدين والمولودين.\rوفي غير الوالدين والمولودين من ذوي الرحم إذا وجد الاستواء في القرابة، رجح بكونه وارثا حتى إن كل من ورث يجب عليه دون من حجب.\rفإذا استويا في الميراث، يجب عليهما بقدر الميراث لوجود الاستواء في سبب الاستحقاق وسبب الترجيح، فتكون النفقة بينهم على قدر المواريث.\rإذا ثبت هذا الاصل يخرج عليه المسائل، فنقول: إن الفقير إذا كان له والد وابن ابن موسر تجب النفقة على الوالد لانه أقرب.","part":2,"page":166},{"id":576,"text":"وإن كان له والد وابن موسر تجب على الابن، لانهما استويا في القرب، ويرجح الابن، لانه كسبه فيكون له حق في كسبه.\rولو كان له جد وابن موسر: تجب عليهما النفقة، على قدر الميراث، على الجد السدس، والباقي على ابن الابن.\rوكذلك إذا كان له أم وعم، أو أم وأخ، لاب وأم، أو لاب: فعلى الام الثلث، وعلى العم أو الاخ الثلثان على قدر الميراث.\rولو كان له عم وخال، فالنفقة على العم، لانهما تساويا في القرابة، والعم هو الوارث فيجب عليه.\rولو كان له خال وابن عم فالنفقة على الخال دون ابن العم، لانهما لم يستويا في الرحم المحرم، بل الخال هو ذو الرحم المحرم، فيجب عليه واستحقاق الميراث للترجيح وذلك عند الاستواء في سبب الاستحقاق.\rولو كان له عمة وخالة وابن عم، فعلى الخالة الثلث، وعلى العمة الثلثان، ولا شئ على ابن العم، لانه لم يوجد في حق ابن العم سبب الاستحقاق، والعمة والخالة استويا في سبب الاستحقاق وفي استحقاق الميراث فيكون بينهما على قدر الميراث.\rولو كان له عم وعمة وخالة، فالنفقة على العم لا غير، لانه ساواهما في الرحم والتحريم، وهو الوارث، دونهما، فتكون النفقة\rعليه.\rوعلى هذا الاصل مسائل.\rثم النفقة لا تجب مع اختلاف الدين إلا للوالدين والمولودين والزوجة، والجد والجدة، في حال عدم الابوين، ومن سوى هؤلاء تجب نفقته عند اتفاق الدين لا غير، لان نفقة الولادة تجب باعتبار البعضية","part":2,"page":167},{"id":577,"text":"وصيانة نفسه عن الهلاك واجب فكذلك صيانة بعضه، فأما نفقة ذي الرحم المحرم فتجب باعتبار الصلة، وإنها تجب عند اتفاق الدين.\rفشرط وجوب نفقة المحارم: اليسار، واتفاق الدين، بخلاف نفقة الزوجات والوالدين والمولودين.\rثم ما حد اليسار الذي يتعلق به وجوب النفقة؟ ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه اعتبر نصاب الزكاة.\rوروى هشام عن محمد أنه إذا كان له فضل عن نفقة شهر له ولعياله، فإنه يجب عليه نفقة ذي الرحم المحرم، وإلا فلا.\rوروي عن محمد أنه من لا شئ له من المال، وهو يكتسب كل يوم درهما، ويكفي له أربعة دوانيق، فإنه يرفع لنفسه وعياله ما يتسع فيه وينفق فضله على من يجبر على نفقته.\rوقول محمد أوفق.\rوأما نفقة الرقيق فسبب وجوبها الملك.\rولهذا لا يجب على العبد نفقة ولده الحر، لان كسبه مال مولاه.\rوكذا لا يجب على الحر نفقة ولده الرقيق، لانه ملك غيره، فتكون نفقته عليه.\rوقالوا في الجارية المشتركة إذا جاءت بولد وادعاه الموليان: فنفقة هذا الولد عليهما.\rوعلى الولد إذا كبر نفقة كل واحد منهما، لانه أب كامل في حقه.\rوقالوا في المفقود: إن القاضي يفرض في ماله لابويه، ولامرأته، والصغار من ولده، والبنات، والذكور الزمنى، فينصب عنه خصما، ويقضي عليه بنفقة هؤلاء.","part":2,"page":168},{"id":578,"text":"وقالوا: يقضي في مال المفقود للجد، وولد الولد، في حال عدم الاب والولد.\rفأما في حال قيامهما فلا يقضي، لانهم حينئذ في حكم ذوي الارحام ولا يقضي بنفقة ذوي الارحام في مال المفقود، والله تعالى أعلم.","part":2,"page":169},{"id":579,"text":"كتاب الطلاق يحتاج إلى بيان أنواع الطلاق، وإلى بيان أحكامها فنقول: الطلاق في الاصل نوعان: طلاق سنة وطلاق بدعة.\rوالسنة نوعان: نوع يرجع إلى العدد، ونوع يرجع إلى الوقت.\rوكذلك طلاق البدعة نوعان أيضا: يرجع إلى العدد، والوقت.\rثم السنة في العدد والوقت نوعان عندنا: حسن وأحسن.\rفالاحسن أن يطلق الرجل امرأته واحدة رجعية في طهر لم يجامعها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، أو كانت حاملا قد استبان حملها.\rوأما الحسن، فأن يطلقها واحدة في طهر لم يواقعها فيه، ثم\rيطلق في الطهر الآخر واحدة ثم في الطهر الثالث واحدة فتبين.\rوأما طلاق البدعة في الوقت: فأن يطلقها في حالة الحيض، أو في طهر جامعها فيه.\rوأما طلاق البدعة في العدد: فأن يطلقها ثلاثا، بكلمة واحدة.\rثم السنة التي ترجع إلى العدد: تستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها، لانه إيقاع الطلاق من غير حاجة.\rفأما السنة في الوقت، فيختلف فيها المدخول بها وغير المدخول بها،","part":2,"page":171},{"id":580,"text":"فإن الطلاق في حالة الحيض يكره عليها إذا كان مدخولا بها لا غير، لان فيه تطويل العدة، فأما في غير المدخلة فلا يكره، لانه لا يؤدي إلى تطويل العدة فإنه لا عدة عليها.\rوهذا الذي ذكرنا من السنة والبدعة قول أصحابنا، وقال الشافعي: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وإنما السنة والبدعة في الوقت، على ما ذكرنا.\rوأصل ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته في حالة الحيض، فسأل رسول الله (ص) عن ذلك، فقال: أخطأت السنة، ما هكذا أمرك الله، إن من السنة أن يستقبل الطهر فيطلقها، لكل قرء تطليقة.\rهذا الذي ذكرنا في حق ذوات الاقراء.\rفأما في حق الآيسة و الصغيرة، فطلاق السنة أن يفصل بين كل تطليقة بشهر، بالاجماع.\rوفي حق الممتد طهرها، لا يطلق للسنة، إلا واحدة.\rوأما في الحامل، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يطلق ثلاثا، للسنة،\rويفصل بين كل تطليقة بشهر.\rوقال محمد وزفر: لا يطلق للسنة إلا واحدة، وهي مسألة معروفة.\rثم في حق الآيسة والصغيرة إذا دخل بهما، لا يكره الطلاق، وإن طلقهما في طهر جامعهما فيه، بل يباح له الطلاق في أي وقت شاء، لان احتمال الحبل معدوم، وفي ذات الاقراء يكره لهذا.\rوكذلك في حق الحامل لان الكراهة للندامة بسبب الحمل، فمتى طلقها مع قيام الحمل، علم أنه لم يندم.\rهذا الذي ذكرنا في حق الحرة، فأما في حق الامة المسلمة والكتابية","part":2,"page":172},{"id":581,"text":"فلا يختلف الجواب في حق السنة والبدعة، إلا أن في حق الامة طلاق السنة واحدة، لان طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان.\rولو طلق امرأته واحدة ثم راجعها في ذلك الطهر فله أن يطلقها ثانيا للسنة، عند أبي حنيفة وزفر.\rوقال أبو يوسف: لا يطلق.\rوعن محمد روايتان.\rوأجمعوا أنه لو أبانها في طهر لم يجامعها فيه ثم تزوجها، له أن يطلقها ثانيا للسنة.\rفأبو حنيفة ألحق المراجعة بالتزويج والمعنى الجامع بينهما أن بالمراجعة بطل حكم الطلاق، فجعل كأن لم يكن.\rوعلى هذا قالوا: لو راجعها بالقبلة واللمس، له أن يطلقها ثانيا في ذلك الطهر عند أبي حنيفة، فأما إذا راجعها بالوطئ فلا يطلق ثانيا، لان الوطئ دليل المراجعة، فيصير كما لو راجع ثم جامعها، ليس له أن\rيطلقها.\rفأما إذا جامعها، فحبلت، جاز له أن يطلق أخرى، في ذلك الطهر، في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقال أبو يوسف: لا يطلقها، والصحيح قولهم، لان الكراهة لمكان احتمال الحبل، فإذا علم بالحبل وطلق، فالظاهر أنه لا يندم، كما إذا ظهر الحبل فجامعها ثم طلقها لا يكره لما قلنا.\rوإذا طلق امرأته في حالة الحيض ثم راجعها ثم أراد طلاقها للسنة، ذكر في الاصل أنها إذا طهرت ثم حاضت، ثم طهرت، طلقها إن شاء.","part":2,"page":173},{"id":582,"text":"وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة.\rوذكر الكرخي وقال: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة، وما ذكر في الاصل قولهما.\rوما قال أبو حنيفة هو القياس، لانه طهر لم يجامعها فيه، وما ذكر في الاصل لحديث ابن عمر أن النبي عليه السلام قال لعمر: مر ابنك فليراجعها، ثم يدعها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر ثم يطلقها إن شاء طاهرا من غير جماع.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذا قال لامرأته: أنت طالق للسنة، فإن كانت من ذوات الاقراء.\rوهي طاهرة من غير جماع، يقع الطلاق للحال، وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه، لم يقع الساعة، فإذا حاضت، وطهرت وقعت بها تطليقة.\rوإذا قال: أنت طالق ثنتين للسنة، أو ثلاثا للسنة، وقع عند كل\rطهر لم يواقعها فيه، طلقة.\rولو قال: أنت طالق ثلاثا للسنة، ونوى الوقوع للحال، يقع عندنا، خلافا لزفر لان السنة نوعان، سنة إيقاع، وسنة وقوع، فإن وقوع الثلاث عرفناه جائزا مشروعا بالسنة، وسنة الايقاع ما ذكرنا، فإذا نوى صحت نيته.\r- ولو قال: أنت طالق للسنة، ونوى الثلاث صح، لما ذكرنا أن سنة الايقاع نوعان: حسن وأحسن، فإذا لم يكن له نية، يقع على الاحسن، وهو الطلاق الواحد في طهر لم يجامعها فيه، وإذا نوى الثلاث فقد نوى إيقاعه في ثلاثة أطهار فيقع عند كل طهر واحدة، كأنه قال: أنت طالق ثلاثا في ثلاثة أطهار.\rولو قال: أنت طالق للبدعة، ونوى الثلاث، صح، لان","part":2,"page":174},{"id":583,"text":"إيقاعه الثلاث جملة في طهر واحد بدعة والطلاق في حالة الحيض بدعة، فإذا نوى الثلاث، فقد نوى ما يحتمله كلامه، فصحت نيته.\rفأما في حق الآيسة والصغيرة والحامل، فإنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا للسنة، يقع للحال واحدة وعند كل شهر أخرى لقيامه مقام الطهر.\rوعلى هذا إذا قال: أنت طالق طلاق العدة، أو طلاق العدل، أو طلاق الاسلام، أو طلاق الحق، أو طلاق القرآن، أو أجمل الطلاق، أو أعدل الطلاق، أو أحسن الطلاق، فالجواب فيه مثل قوله: أنت طالق للسنة.\rثم يتنوع الطلاق أيضا إلى نوعين آخرين: رجعي وبائن.\rأما الرجعي: فهو صريح الطلاق إذا كان واحدا أو اثنتين.\rوالصريح ما اشتق من لفظ الطلاق نحو قولك: أنت طالق وأنت مطلقة وطلقتك، ونحو ذلك، وكذلك إذا قال: أنت الطلاق، لان المصدر قد يراد به المفعول، كأنه قال: أنت مطلقة وقد يراد به الفاعل فكأنه قال: أنت طالق.\rوكذلك الالفاظ الثلاثة التي تسمى كناية، نحو قولك: اعتدي و استبري رحمك وأنت واحدة فإنه يكون رجعيا، لان قوله اعتدي إن كان بعد الدخول يقع الطلاق به، بطريق الاقتضاء، لان الامر بالاعتداد يكون بعد الطلاق، فيصير الطلاق ثابتا مقتضى صحة الامر، كأنه قال: طلقتك فاعتدي، وإن كان قبل الدخول بها: يجعل مجازا عن الطلاق.\rوكذا قوله استبري رحمك، وقوله أنت واحدة أي أنت طالق طلقة واحدة.","part":2,"page":175},{"id":584,"text":"ثم ما كان من الصريح لا يحتاج فيه إلى النية.\rوأما في هذه الالفاظ الثلاثة فيحتاج إلى النية.\rفإن نوى بقوله: أنت طالق، ونظائره، ثلاث تطليقات أو طلقتين، لا يصح عندنا، وعند زفر والشافعي يصح.\rفأما إذا ذكر بلفظة الامر، بأن قال طلقي نفسك، أو قال لرجل: طلق امرأتي، ونوى الثلاث صح.\rوكذلك إذا قرن به المصدر، بأن قال: أنت طالق طلاقا، وكذا إذا ذكر المصدر وحده، بأن قال: أنت الطلاق ونوى الثلاث، صح\rبالاجماع.\rولا خلاف في الكنايات المنبئة عن البينونة والحرمة، نحو قولك: أنت بائن، أنت علي حرام ونوى الثلاث، فإنه يقع الثلاث، والمسألة معروفة.\rولو قال: أنت طالق، وقال: أردت طلاقا عن وثاق، يصدق فيما بينه وبين الله، دون القضاء، لانه صرف الكلام عن ظاهره شرعا.\rولو قال: أنت طالق، وقال: أردت الطلاق عن العمل، لا يصدق أصلا، كذا قال أصحابنا.\rوروى الحسن على أبي حنيفة أنه قال: يصدق فيما بينه وبين الله في الفصلين.\rولو قال: أنت مطلقة رجعية، لا يقع بدون النية.\rولو قال: أنت أطلق من امرأة فلان، وهي مطلقة، فإنه يقف على النية، إلا إذا كان في حال سؤال الطلاق منها، فإنه يقع من غير نية.\rولو قال: يا مطلقة، أو: يا طالق، وقال: أردت به الشتم، يصدق فيما بينه وبين الله، دون القضاء إن لم يكن لها زوج قبله، فأما إذا كان لها","part":2,"page":176},{"id":585,"text":"زوج قبله، فإنه يصدق في القضاء.\rولو قال: أنت طالق طالق، أو: طلقتك طلقتك، وعنى بالثاني الاخبار: يصدق فيما بينه وبين الله، دون القضاء.\rولو قال أنت طالق، فقال رجل ما قلت؟ فقال: قلت: هي طالق، أو قال: قد طلقتها، فهي واحدة في القضاء، لان الظاهر يدل عليه.\rوأما حكم الطلاق الرجعي فنقول:\rإنه يوجب الحرمة وزوال الملك عند انقضاء العدة، وفي الحال ينعقد سببا لزوال الملك، ويتم عليه عند انقضاء العدة.\rوكذا ينعقد سببا لزوال حل المحلية، عند انضمام الطلقة الثانية والثالثة إليه.\rفأما في الحال فلا يزول شئ من الحل والملك.\rوهذا عندنا.\rوعلى قول الشافعي: حكمه للحال زوال حل الوطئ وزوال الملك من وجه.\rوعلى هذا ينبني حل الوطئ عندنا، لقيام ملك النكاح من كل وجه، وإنما يزول عند انقضاء العدة، فيكون الحل قائما قبل انقضاء العدة، وتكون الرجعة استدامة الملك، وعنده الرجعة إنشاء النكاح من وجه، واستبقاء من وجه، فيقول بالحرمة احتياطا.\rوعلى هذا ينبني أن الاشهاد ليس بشرط في الرجعة عندنا، وعنده شرط، لما كان إنشاء النكاح من وجه.\rوأجمعوا أنه يملك المراجعة من غير رضا المرأة، ومن غير مهر، ومن غير تجديد العقد، وهو أن يقول لامرأته: راجعتك، أو عبارة تقوم مقامها في هذا المعنى، والافضل أن يشهد على رجعتها، وأن يعلمها بذلك.","part":2,"page":177},{"id":586,"text":"وعلى هذا إن الرجعة لا تثبت بالفعل عنده، لان إنشاء النكاح من كل وجه يكون بالقول، والرجعة إنشاء من وجه، فيجب أن تكون بالقول أيضا، لكنا نقول: عندنا تثبت الرجعة والاعادة إلى الحالة الاولى بطريق الدلالة، لان الطلاق الرجعي متى زال الملك به عند انقضاء العدة، يثبت من وقت التكلم من وجه، لان الابانة قول الزوج، قوله هو الطلاق السابق، فلو لم تصح الرجعة بالوطئ، لصار\rالوطئ واقعا في ملك الغير من وجه، فكان الاقدام على الوطئ دلالة الرجعة والرد إلى الحالة الاولى، احترازا عن الحرمة من وجه.\rوكذا إذا لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، لان ذلك حرام أيضا في غير الملك من وجه.\rفأما النظر إلى فرجها، لا عن شهوة والنظر إلى سائر أعضائها عن شهوة فلا يوجب المراجعة، لان هذا مما يباح في الجملة.\rولو جامعت الزوج، وهو نائم، أو مجنون: تثبت الرجعة.\rولو لمسته المرأة بشهوة مختلسة، أو كان نائما، واعترف أنه كان بشهوة، فهو رجعة عند أبي حنيفة.\rوهو رواية عن أبي يوسف.\rوقال محمد: ليس برجعة.\rوقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع، في الجارية المشتراة بشرط الخيار للمشتري إذا لمست المشتري بشهوة، على الاختلاس، فلا نعتد به.\rثم إنما تصح الرجعة إذا راجعها في العدة.\rفلا تصح بعد انقضاء العدة، لانه زال الملك، فلا بد من تجديد العقد.\rولو أنها إذا طهرت من الحيضة الثالثة فقال: راجعتك لا يخلو إما أن تكون أيامها عشرة، أو ما دون العشرة، فإن كانت أيامها عشرة فإنه لا تصح الرجعة وتحل للازواج،","part":2,"page":178},{"id":587,"text":"لان عدتها تنقضي بمجرد مضي العشرة.\rفأما إذا كانت ما دون العشرة، فإن اغتسلت لا تصح الرجعة وتحل للازواج، وإن كان قبل الاغتسال فلا تحل للازواج، وتصح الرجعة، لان مدة الاغتسال من الحيض، بإجماع الصحابة.\rولو اغتسلت بسؤر حمار فلا تصح الرجعة، ولا تحل للازواج، لان سؤر الحمار مشكوك فيه، فكان الاحتياط في باب الحرمة أن لا تصح الرجعة، ولا تحل للازواج.\rولو اغتسلت وبقي في بدنها عضو، كانت له الرجعة، وإن كان أقل من عضو، فلا رجعة وهذا استحسان، والقياس أنه إذا بقي أقل من عضو أن تبقى الرجعة، لان الحدث باق، حتى لا تحل لها الصلاة، هكذا روي عن أبي يوسف، وقال محمد: الاستحسان في العضو أنه لا تنقطع الرجعة، والقياس أنه تنقطع كما في المضمضة والاستنشاق، إلا أنهم استحسنوا وقالوا: لا تنقطع الرجعة، لان وجوب غسل العضو مجمع عليه، فلا يكون الاغتسال معتبرا معه، كما لو زاد على العضو.\rفأما إذا بقي المضمضة أو الاستنشاق، فقد روي عن محمد أنه قال: تنقطع الرجعة، ولا تحل للازواج، لان المضمضة مختلف في وجوبها، فكان الاحتياط أن تنقطع الرجعة ولا تحل للازواج.\rهذا الذي ذكرنا حكم الاغتسال.\rولو مضى وقت صلاة كامل قبل أن تغتسل، فإنه تنقطع الرجعة.\rلان الصلاة صارت دينا، فيكون لها حكم الطاهرات مطلقا.\rفأما إذا تيممت، بأن كانت مسافرة فإن صلت تنقطع الرجعة أيضا، فأما بنفس التيمم فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تنقطع.\rوعند محمد وزفر: تنقطع، والمسألة معروفة.","part":2,"page":179},{"id":588,"text":"ولو قال الزوج: قد كنت راجعتك أمس، وكذبته المرأة فإن كانت في العدة فالقول قوله، لانه أخبر بما يملك إنشاءه للحال.\rوإن قال بعد\rانقضاء العدة، وكذبته المرأة، فالقول قولها، لانه أخبر بما لا يملك للحال إنشاءه، ولا يمين عليها عند أبي حنيفة، خلافا لهما، وهذه من جملة المسائل السبعة التي لا يستحلف فيها عنده.\rفإن قال: قد راجعتك، فقالت مجيبة: قد انقضت عدتي، فالقول قولها عند أبي حنيفة، وقالا: القول قول الزوج، والمسألة معروفة.\rومن حكم الطلاق الرجعي، أن تكون الاقراء محسوبة من العدة، لان الطلاق واقع في حق أحد الحكمين، وهو انعقاده سببا لزوال حل التزوج.\rوأما الطلاق البائن فنذكر أقسامه وأحكامه فنقول: الطلاق البائن أقسام ثلاثة: أحدها: أن يقترن بصريح الطلاق ما يدل على البينونة، والثاني: أن يكون اللفظ منبئا عن البينونة، والثالث: ما يقع به البينونة من طريق الحكم.\rأما الاول، فنقول: إذا اقترن بالصريح العدد الثلاث بأن قال: أنت طالق ثلاثا، أو اقترن باللفظ المنبئ عن البينونة صفة للمرأة، من غير حرف العطف كقوله: أنت طالق بائن، أو: طالق البتة، أو: أنت طالق حرام.\rوعن أبي يوسف أنه إذا قال أنت طالق للبدعة، ونوى واحدة","part":2,"page":180},{"id":589,"text":"بائنة: تكون بائنة، وروى هشام عن محمد في هذه المسألة أنه واحدة\rرجعية.\rولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق، روي عن أبي يوسف أنه رجعي، وقال محمد: أنه بائن.\rوالقسم الثاني: أن يوقع بألفاظ دالة على البينونة والقطع والحرمة وهي تسمى كنايات الطلاق.\rوهي في الجملة أقسام ثلاثة، منها ما يصلح للشتم، والتبعيد، والطلاق، ومنها ما يصلح للطلاق والتبعيد، ولا يصلح للشتم، ومنها ما لا يصلح للطلاق.\rوالاحوال ثلاثة: حال ذكر الطلاق، وحال الغضب، وحال ابتداء الزوج بالطلاق ليس بحال سؤال الطلاق ولا حال الغضب.\rوههنا حكمان: أحدهما: أن وقوع الطلاق بهذه الالفاظ يفتقر إلى نية الطلاق أم لا؟ والثاني: إذا قال المتكلم: ما عنيت بهذا اللفظ الطلاق، هل يصدق أم لا؟ فنقول: أما بيان الحكم الاول: إذا ذكر لفظا يصلح للطلاق في غير حال مذاكرة الطلاق، وحال الغضب، كيفما كان، فإذا نوى به الطلاق، يقع، وإن لم يكن له نية، لا يقع، لانه كما يصلح للفرقة لامر آخر، فإن قوله بائن يحتمل بينونة الطلاق، ويحتمل البينونة عن الخير أو عن الشر.\rوكذلك قوله: اذهبي واغربي والحقي بأهلك فإنه كما","part":2,"page":181},{"id":590,"text":"يصلح للطلاق، يصلح للابعاد عن نفسه، والتغريب من غير طلاق محتمل، والمحتمل لا يقع بدون النية.\rوإن كان لفظا لا يصلح للطلاق، فإنه لا يقع به الطلاق وإن نوى، لان الطلاق يقع باللفظ لا بالنية، كقوله: اسقني واقعدي وأعرضت عن طلاقك وصفحت عن فراقك وتركت طلاقك وخليت سبيل طلاقك ونحو ذلك.\rوأما في حال ذكر الطلاق وحال الغضب، ففي تسعة ألفاظ من الكنايات يقع الطلاق، بلا نية، وهي قوله: أنت بائن وأنت علي حرام وخلية وبريئة وبتة وأمرك بيدك واختاري و اعتدي واستبري رحمك، لان هذه الالفاظ كما تصلح للطلاق تصلح لغيره، والحال يدل على الطلاق ظاهرا، لانه حال سؤال الطلاق، وحال الغضب والخصومة، فكان الظاهر أنه قصد الطلاق بذلك فرجح جانب الطلاق على غيره.\rوأما في سائر الالفاظ، نحو قولك: لا سبيل لي عليك و فارقتك وخليت سبيلك ولا ملك لي عليك والحقي بأهلك ووهبتك لاهلك واغربي واخرجي واذهبي و قومي واستتري وتقنعي وتزوجي و لانكاح عليك ونحو ذلك، فلا يقع إلا بالنية، لانه كما تصلح للطلاق تصلح للتبعيد عن نفسه، والانسان قد يبعد امرأته من غير طلاق، فلا بد من النية.\rوأما الحكم الثاني: وهو أنه إذا قال: ما عنيت به الطلاق، هل يصدق؟ فنقول: في كل لفظ يصلح للطلاق، يصدق فيما بينه وبين الله، لكونه محتملا، فأما في\rالقضاء فهل يصدق؟ فهو على أقسام ثلاثة:","part":2,"page":182},{"id":591,"text":"- قسم منه لا يدين، في الاحوال كلها، وهو أربعة ألفاظ: قوله: أمرك بيدك واختاري واعتدي واستبري رحمك، لان هذه الالفاظ لا تصلح للشتم ولا للتبعيد، فالظاهر منها الطلاق، والحال يدل عليه، فلا يصدق في القضاء.\rوقسم منه يدين في حال الغضب، ولا يدين في حال ذكر الطلاق، وذلك في كل لفظ يصلح للشتم، وهي خمسة ألفاظ: أنت خلية برية بتة باين أنت علي حرام، لان هذه الالفاظ تصلح للشتم، وتصلح للطلاق، وحال الغضب يصلح للامرين جميعا، فكان الحال محتملا، واللفظ محتملا، للطلاق وغيره، فلا يكون قوله خلاف الظاهر فيصدق، وأما في حال ذكر الطلاق فذكر هذه الالفاظ مع الرضى لا يصلح إلا للطلاق، فحمل عليه، دون الشتم.\r- وقسم منه يدين في حال الغضب، وحال ذكر الطلاق، وهي الالفاظ التي تصلح للتبعيد والطلاق دون الشتم، لان هذه الالفاظ تصلح للتبعيد وتصلح للطلاق، فلا يترجح أحد الامرين بالحال، وقد نوى ما يحتمله كلامه، والظاهر لا يخالفه، فيصدق في القضاء.\rوالقسم الثالث: وأما البائن الذي يقع حكما فكثير، كاعتراض حرمة المصاهرة، والرضاع، واللعان، والردة ونحوها، لان الغرض هو المفارقة بينهما، فلا بد من ثبوت البينونة، لكن بعضها يكون طلاقا بالاجماع بين أصحابنا، وبعضها يكون فسخا بالاجماع، وبعضها مختلف فيه.\rأما الاول: فكالفرقة بالايلاء (1)، فإذا مضت مدة الايلاء، بانت بتطليقة بائنة عندنا، لانه حصل بقول الزوج، وكتفريق القاضي بسبب العنة،\r__________\r(1) الايلاء في اللغة عبارة عن اليمين، وفى الشريعة عبارة عن منع النفس عن قربان المنكوحة أربعة أشهر فصاعدا منعا مؤكدا باليمين.","part":2,"page":183},{"id":592,"text":"فإن القاضي نائب عن الزوج في التفريق الواجب عليه.\rوأما ما يكون فسخا بالاجماع فكالفرقة التي تقع بحرمة مؤبدة، مثل حرمة المصاهرة، وحرمة الرضاع، لانها خلاف حكم الطلاق.\rوكذلك كل فرقة حصلت بفعل المرأة، أو حصلت لا بفعل الزوجين فهي فسخ، لان المرأة لا تملك الطلاق، والطلاق لا بد له من قول الزوج، وذلك نحو اختيار الامة المعتقة نفسها، أو اختيار الصغيرة إذا أدركت، وردة المرأة، وإباؤها الاسلام بعد إسلام زوجها، والفرقة الواقعة باختلاف الدارين، لانه ليس فعل أحد، وكذا إذا ملك أحد الزوجين صاحبه، لانه تقع الفرقة بلا فعل، وكذا إذا أسلم الحربي، وتحته أكثر من أربع نسوة، فاختار أربعا منهن، تقع الفرقة على الباقيات بغير طلاق لان الحرمة تثبت شرعا، واختيار الزوج للبيان لا أنه طلاق، وكذا اختيار الصغير نفسه بعد البلوغ، وإن كان فعله لانه رفع النكاح من وجه، والفسخ يثبت بطريق الضرورة.\rوأما المختلف فيه فنحو الفرقة بسبب اللعان عند أبي حنيفة، ومحمد تكون طلاقا، وعند أبي يوسف تكون فسخا، لانه يثبت به حرمة مؤبدة عنده خلافا لهما.\rوكذا ردة الزوج عند أبي حنيفة، وأبي يوسف فرقة بائنة بغير\rطلاق.\rوقال محمد: هي طلاق بائن.\rوإباء الزوج الاسلام إذا أسلمت امرأته الذمية، فهو طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: فرقة بائنة بغير طلاق.\rفمحمد سوى بينهما وجعلهما طلاقا بائنا.\rوأبو يوسف جعلهما فسخا.\rوأبو حنيفة فرق بينهما فقال: ردة الزوج فسخ، وإباؤه الاسلام طلاق.","part":2,"page":184},{"id":593,"text":"وأما بيان أحكام الطلاق البائن فنقول: منها: إن كان واحدا يزول به ملك النكاح، وتبقى المرأة محلا للنكاح بطلاقين، حتى لا يحل له الاستمتاع بها، ولا يصح الظهار والايلاء، ولا يجري التوارث، ولا تحل إلا بتجديد النكاح، ولو وطئها لا يجب الحد، لاختلاف الصحابة في الكنايات إنها بوائن أو رواجع، وأصحابنا أخذوا بقول من قال: إنها بوائن.\rوالشافعي أخذ بقول من قال إنها رواجع.\rوإن كانت البينونة بالثلاث يزول الملك، وحل المحلية جميعا، حتى لا يحل له وطئها إلا بعد إصابة الزوج الثاني.\rوإن وجد عقد النكاح أو ملك اليمين، فإن النكاح لا يصح لعدم حل المحلية، وبسبب ملك اليمين، يصح، ولا يفيد الحل.\rومنها: أن المبانة والمختلعة يلحقها صريح الطلاق، ما دامت في العدة، عندنا، خلافا للشافعي.\rوأجمعوا أنه لا تلحقها الكنايات المزيلة للنكاح، والمسألة معروفة.\rومنها: أن الطلاق البائن هل يكره إذا خلا عن العدد والعوض؟ فيه\rروايتان: في ظاهر الرواية: لا يكره.\rوفي رواية الزيادات: يكره.\rوإذا اقترن به العدد: يكره بالاجماع.\rوإذا اقترن به العوض وهو الخلع، لا يكره على ما نذكر.\rثم وقوع الطلاق بما ذكرنا من الالفاظ يستوي فيه الجواب بين أن وجد من الزوج، أو من نائبه، وهو الوكيل والرسول.\rوكذلك إذا كتب وهو أنواع: إن لم يكن مستبين الحروف كما إذا كتب على الماء والهواء، فهذا ليس بشئ، لانه لا يسمى كتابة.","part":2,"page":185},{"id":594,"text":"وإن كان مستبين الخط، ولكن لا يكون على رسم الكتابة، بأن كانت على لوح أو حائط أو أرض، فهو في حكم الكتابة، ولان الانسان قد يكتب لتجربة الخط ولتجربة الحبر والقلم، فإن نوى الطلاق: يقع، وإلا فلا.\rفأما إذا كان على رسم الكتابة والرسالة، بأن يكتب: أما بعد، يا فلانة إذا وصل إليك كتابي، فأنت طالق فإنه يقع الطلاق به، ولا يصدق إذا قال: لم أرد به الطلاق، لان الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر.\rثم إذا كتب مطلقا، وقال أنت طالق، على رسم الكتابة، يقع الطلاق، كما كتب، ولا يتوقف على الوصول إليها.\rوإن علقه بشرط الوصول، بأن قال: إذا وصل إليك كتابي، فإنه لا يقع الطلاق، ما لم يصل الكتاب إليها، لان المعلق بالشرط لا ينزل قبل وجوده.\rهذا الذي ذكرنا في حكم الصحيح فأما المريض إذا طلق، وهو صاحب الفراش، طلاقا رجعيا أو بائنا أو ثلاثا، ثم مات من ذلك المرض وهي في العدة، فإنها ترث عندنا خلافا للشافعي.\rوالقياس معه لكنا استحسنا بإجماع الصحابة.\rولو زال المرض ثم نكس المريض ومات وهي في العدة، لم يرثه، لانه تبين أنه ما طلق في مرض الموت.","part":2,"page":186},{"id":595,"text":"باب تفويض الطلاق ههنا فصول أربعة: أحدها: أن يقول لامرأته: أمرك بيدك، والثاني: أن يقول لها: اختاري، والثالث: أن يقول: أنت طالق إن شئت، والرابع: أن يقول: طلقي نفسك.\rأما الاول فهو نوعان: إما أن يكون مطلقا، أو مؤقتا.\rأما إذا قال أمرك بيدك مطلقا، ولم يوقته بوقت، ويريد به الطلاق، فإنه يصير أمرها بيدها، ويصير الطلاق مفوضا إليها، وتصير مالكة للتطليق، ما دامت في مجلسها ذلك وإن طال.\rوهذا إذا كانت حاضرة وسمعت الامر من الزوج، وعلمت به.\rفأما إذا كانت غائبة، أو حاضرة ولم تسمع، فلها الخيار في مجلس بلغ إليها الخبر فيه، وعلمت بذلك، لان هذا تمليك الطلاق، والتمليك\rيقتصر جوابه على المجلس، ويكون مؤقتا به، كما في قبول البيع.\rوإذا صار الامر في يدها، فإن اختارت نفسها في المجلس، تقع واحدة بائنة، إذا أراد الزوج به طلاقا واحدا أو اثنين.\rفإن أراد الزوج","part":2,"page":187},{"id":596,"text":"ثلاثا، فهي ثلاث، لان هذا اللفظ من الكنايات، فيحتمل الثلاث، فلا بد من نية الطلاق، على التفصيل الذي ذكرنا.\rوكذلك إذا قالت: طلقت نفسي أو أبنت أو أنا منك بائن أو طالق أو قالت أنت علي حرام أو أنت مني بائن، فإنه يكون جوابا، لان هذه الالفاظ للطلاق.\rفأما إذا وجد منها كلام، أو فعل يدل على الاعراض عن اختيار النفس فإنه يبطل خيارها، ويخرج الامر من يدها، وذلك نحو أن تقوم من مجلسها ذلك، إذا سمعت بالخيار، إن كانت قاعدة، أو كانت قائمة فركبت، وإن كانت سائرة فإن أجابت على الفور أو وقفت للتأمل في ذلك وإلا فيبطل خيارها، لان ذلك دليل الاعراض.\rوكذلك إذا اشتغلت بافتتاح الصلاة، أو بالاكل والشرب، حتى يكون ذلك مجلس الاكل والشرب.\rفأما إذا أكلت شيئا يسيرا، أو شربت شربة فلا يعتبر.\rفإن قالت: ادعوا لي أبواي حتى أستشيرهما، أو: ادعوا لي شهودا أشهدهم عليه، لم يبطل خيارها، لانها تحتاج إلى ذلك، فلا يكون دليل الاعراض.\rثم إذا اختارت نفسها مرة ليس لها أن تختار ثانيا، ويبطل الخيار، لانه فوض إليها الخيار مرة واحدة.\rوكذلك لو قال لها: أمرك بيدك إن شئت.\rفأما إذا قال: أمرك بيدك كلما شئت، فيكون الامر في يدها، في ذلك المجلس، وغيره، حتى تبين بثلاث، لان كلمة كلما تقتضي التكرار، لكنها لا تطلق نفسها في المجلس إلا مرة واحدة، كأنه قال لها في كل مجلس أمرك بيدك، فما لم يتجدد المجلس لا يتجدد الخيار.","part":2,"page":188},{"id":597,"text":"وكذلك إذا قال لها أمرك بيدك إذا شئت أو متى شئت أو ما شئت أو متى ما شئت، فلها الخيار في المجلس، وغيره، كأنه قال لها اختاري في أي وقت شئت، إلا أنه يكون لها الخيار مرة، لان هذه الالفاظ لا توجب التكرار.\rفأما إذا كان الامر باليد موقتا، بأن قال: أمرك بيدك يوما، أو شهرا، أو سنة، أو هذا اليوم، أو هذا الشهر، أو هذه السنة، فلها الامر في جميع ذلك الوقت، وإعراضها عن الجواب في ذلك المجلس، وغيره، واشتغالها بغير الجواب من الاعمال والاقوال، لا يبطل خيارها، ما بقي شئ من ذلك الوقت، لانه فوض الطلاق إليها في جميع ذلك الوقت، غير أنه إذا كان الوقت منكرا، كقوله يوما أو شهرا، فلها الخيار من ساعته التي تكلم، إلى أن يتم الوقت ويكون الشهر بالايام.\rفأما إذا عين فقال: هذا اليوم أو هذا الشهر أو هذه السنة، فلها الخيار في بقية اليوم والشهر والسنة.\rولو لم تعلم بالوقت حتى مضى، يبطل خيارها، ولا يتوقف ثبوت الخيار على الوقت الذي علمت به، لانه أثبت الخيار في زمان مقدر، فينتهي بانتهاء الوقت، إذ لو بقي، لزاد على مقدار الوقت، وفي الامر باليد مطلقا يتوقف على مجلس العلم، فيشترط\rعلمها بذلك، لانه ما قيده بالوقت.\rولو اختارت زوجها في أول الشهر، أو في أول السنة، ثم أرادت أن تختار نفسها بعد ذلك فلها في ذلك قول أبي حنيفة ومحمد، لانه جعل إليها الخيار في جميع المدة، واختيارها للزوج في اليوم إبطال للخيار فيه، فلا يوجب بطلان الخيار في يوم آخر، في ذلك الوقت، كما إذا أعرضت عن الجواب في يوم إذا اشتغلت بأمور كثيرة، فيبطل خيارها في ذلك اليوم، لا في باقي المدة، كذا هذا.\rوقال أبو يوسف: يخرج الامر من يدها، في الشهر كله، لان هذا","part":2,"page":189},{"id":598,"text":"تمليك واحد في أشهر، فيبطل برد واحد كتمليك البيع.\rوكذلك الخلاف في قوله: أمرك بيدك كلما شئت وإذا شئت و \" متى شئت \"، وقالوا أيضا: إن الخلاف على عكس هذا.\rوأما الفصل الثاني: إذا قال لها اختاري فنقول: الجواب في هذا وفي قوله: أمرك بيدك سواء في جميع الاحكام إلا في موضعين: أحدهما: أن الزوج إذا أراد به الثلاث لا يقع، وفي قوله: أمرك بيدك يقع، لان ذلك من كنايات الطلاق، وأما قوله: اختاري فليس من ألفاظ الطلاق، وإنما هو تفويض الطلاق بلفظ لا يقتضي التكرار.\rوالثاني: أنه لا بد من ذكر النفس، ههنا، في أحد الكلامين، بأن يقول الزوج: اختاري نفسك أو قالت: اخترت نفسي إذا قال الزوج: اختاري لا غير.\rوأما إذا قال: اختاري فقالت: اخترت لا\rيكون شيئا.\rوكذلك إذا قرن بالخيار ما يوجب الاختصاص باختيار الطلاق، فهو كاف، بأن قال: اختاري الطلاق أو اختاري اختيارة.\rثم المرأة إذا قالت: اخترت نفسي أو طلقت نفسي يكون جوابا.\rولو قالت: اخترت أمي أو أبي أو أهلي أو الازواج فالقياس أن لا يقع به شئ، وفي الاستحسان: يقع، لان المرأة عند الطلاق تلحق بهؤلاء، فصار اختيارها لذلك دلالة اختيار الطلاق، كأنها قالت: اخترت الطلاق.","part":2,"page":190},{"id":599,"text":"والفصل الثالث: إذا قال: أنت طالق إن شئت فالجواب فيه مثل الجواب في أمرك بيدك في جميع الاحكام، إن كان مطلقا فعلى المجلس، وإن كان مؤقتا فثابت في جميع الوقت كما ذكرنا في الخيار.\rإلا أن هنا يقع الطلاق الرجعي، وثم يقع بائنا، إلا إذا قال لها: أمرك بيدك في تطليقة أو اختاري تطليقة واختارت نفسها، يقع رجعيا لانه فوض إليها الرجعي.\rوكذلك إذا قال: أنت طالق إن أردت، أو رضيت، أو هويت، أو أحببت فإذا قالت: شئت أو أردت، في المجلس، يقع الطلاق، وإن كان لا يعرف مشيئتها حقيقة، لان الحكم متعلق بالاخبار عن المشيئة والارادة، ولهذا إذا قال لها: إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت طالق فقالت أحبك وفي قلبها بخلافه، يقع، ويعتبر الخبر، لا حقيقة المحبة.\rوكذلك إذا قال لها: إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار، أو تكرهين دخول الجنة فأنت طالق، فقالت: إني أحب العذاب بالنار وأكره الجنة، وقع الطلاق، لوجود الخبر.\rولو قال: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، فقالت: أحبك وفي قلبها بخلافه يقع الطلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لما ذكرنا، وعند محمد: لا يقع، لانه علقه بحقيقة فعل القلب، ولم يوجد.\rوأما الفصل الرابع: إذا قال: طلقي نفسك: فالجواب فيه مثل الاول، لان هذا تمليك الطلاق منها، بخلاف ما إذا قال لاجنبية طلقي امرأتي حيث لا يقتصر على المجلس، وفي قوله: طلقي نفسك يقتصر على المجلس، لان ذلك توكيل، وفي حق","part":2,"page":191},{"id":600,"text":"المرأة تمليك، إلا أن الفرق أن في قوله طلقي نفسك إذا أراد الزوج الثلاث يقع ثلاث وفي قوله أنت طالق إن شئت فقالت: شئت إذا أراد الثلاث، لا يقع.\rولو قال: اختاري، فقالت: طلقت يقع.\rولو قال: طلقي نفسك، فقالت: اخترت، لا يقع لان قولها: اخترت ليس من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنها لو قالت: اخترت نفسي، فبلغ الزوج، وأجاز، لا يقع به شئ.\rولو قالت: طلقت نفسي، فأجاز الزوج يقع، وإنما صار جوابا لقوله: اختاري وأمرك بيدك بالنص، والاجماع، بخلاف القياس، فاقتصر عليه.\rثم في هذه الفصول إذا أراد الزوج أن يعزلها، ويخرج الامر من يدها، ويرجع عن ذلك، لا يصح، وكذلك لو نهاها عن ذلك، لان هذا تفويض الطلاق، وتمليك له، والطلاق لا يحتمل الفسخ، فإيجابه كذلك.\rوكذلك إذا قال: طلقي نفسك أو طلقي نفسك إن شئت، فقالت: شئت، لا يقع شئ.\rولو قال: أنت طالق إن شئت فقالت: شئت، يقع، لان ثمة أمرها بالتطليق، ولم يوقع، وهنا علق الطلاق بمشيئتها، وقد أتت بالشرط.","part":2,"page":192},{"id":601,"text":"باب الاستثناء وغيره في الباب فصول مختلفة: الاول: فصل الاستثناء إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله، فإن كان موصولا لا يقع الطلاق، وإن كان مفصولا يقع، سواء قدم الاستثناء على لفظ الطلاق أو أخر، لان قوله إن شاء الله تعليق الطلاق بمشيئة الله، وإنها لا تعرف.\rثم الاستثناء المفصول أن يفصل المتكلم بين الاستثناء وما قبله، بسكوت، أو بكلام آخر.\rفإذا انقطع الكلام بالتنفس فلا عبرة به، لانه لا يمكن الاحتراز عنه.\rولو حرك لسانه بالاستثناء وأتى بحروفه على الوجه، لكنه لم يسمع، يكون استثناء، لان هذا كلام، وليس الشرط هو السماع، ألا ترى أن الاصم يصح استثناؤه، وإن لم يسمع هو.\rولو قدم الاستثناء، فقال: إن شاء الله فأنت طالق يصح استثناؤه بالاجماع.\rفأما إذا قال: إن شاء الله أنت طالق يصح على قول أبي حنيفة","part":2,"page":193},{"id":602,"text":"وأبي يوسف، وعند محمد: لا يصح، هو يقول: هذا استثناء منقطع، وهما يقولان: إن الفاء ههنا مضمر، بدلالة الاستثناء.\rولو قال: أنت طالق إن شاء فلان فهو معلق بمشيئته، فإن شاء في مجلس العلم يقع.\rوإن علق بمشيئة من لا تعلم مشيئته من العباد مثل الملائكة والجن والشياطين، فإنه يصح الاستثناء، حتى لا يقع الطلاق، كما إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، لانه لا يعلم.\rولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو اثنتين يصح الاستثناء، لان هذا استثناء البعض من الجملة، فيكون تكلما بالباقي.\rولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا يقع الثلاث، ويبطل الاستثناء، لانه استثنى الكل.\rولو قال: أنت طالق عشرة إلا تسعا يقع واحدة، وإن قال: إلا ثمانية تقع ثنتان.\rوإن قال: إلا سبعا، يقع ثلاثا، وكذا لو نقص عن السبع، يكون ثلاثا، لانه تكلم بالباقي، كأنه قال: أنت طالق واحدة فتقع واحدة، أو قال: أنت طالق ستا فيقع ثلاثا.\rوالفصل الآخر إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة أو ربع تطليقة تقع واحدة، لان الطلاق لا يتجزأ، فيتكامل.\rولو قال: أنت طالق نصفا وربع تطليقة يقع ثنتان.\rولو قال: نصف تطليقة وربعها يقع واحدة، لانه أضاف إلى الاول.\rولو قال: نصفك طالق أو ربعك طالق يصح، لان الاضافة","part":2,"page":194},{"id":603,"text":"إلى الجزء الشائع، كالاضافة إلى الكل.\rوالحاصل أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء شائع أو إلى جزء جامع يقع، بأن كان ذلك الجزء يعبر به عن جميع البدن، في الاستعمال، نحو أن يقول: رأسك طالق أو فرجك أو رقبتك أو وجهك.\rفأما إذا أضاف الطلاق إلى جزء لا يعبر به عن جميع البدن، بأن قال: يدك، أو رجلك، أو ظهرك، أو بطنك طالق فإنه لا يقع عندنا، وعند الشافعي: يقع، والمسألة معروفة.\rوالفصل الآخر طلاق المكره صحيح عندنا خلافا للشافعي.\rوكذلك طلاق السكران واقع، سواء سكر بالخمر أو بالنبيذ.\rوعلى أحد قولي الشافعي لا يقع، وهو اختيار الطحاوي.\rوأجمعوا أنه إذا شرب البنج (1) أو الدواء، فسكر وزال عقله، فطلق لا يقع.\rوالصحيح قولنا، لانه زال العقل بسبب هو معصية، لتلذذه بذلك، فيجعل قائما، عقوبة عليه، بخلاف شرب الدواء ولهذا قالوا: إن\rالمكره على شرب الخمر، أو المضطر إذا شرب فسكر فإن طلاقه لا يقع، لان هذا ليس بمعصية، وبعض المشايخ قالوا: يقع لانه حصل بسبب له فيه لذة.\rوعن محمد أن من شرب النبيذ، فلم يزل عقله، فصدع، وزال عقله بسبب الصداع، فطلق امرأته قال: لا يقع.\r__________\r(1) البنج تعريب بنك، وهو نبت له حب يسكر، وقيل يسبت (أي يقطع) ورقه وقشره وبزره، وفي القانون: هو سم يخلط العقل ويبطل الذكر، ويحدث جنونا وخناقا.","part":2,"page":195},{"id":604,"text":"وعلى هذا طلاق الهازل، وطلاق الخاطئ واقع، وهو أن يريد الرجل غير الطلاق، فسبق على لسانه الطلاق والعتاق.\rوذكر الكرخي أن في العتاق عن أبي حنيفة روايتين.\rفصل آخر لا خلاف أن تنجيز الطلاق لا يصح إلا في الملك.\rفأما التعليق في الملك فصحيح بالاجماع، بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق.\rوأما التعليق بالملك، بأن قال لاجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق فإنه يصح عندنا، وعند الشافعي لا يصح، وكذلك إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق.\rوقال مالك: إن عم لا يجوز، وإن خص جاز.\rوالصحيح قولنا، لان تعليق الطلاق ليس بطلاق للحال، وإنما هو إيقاع الطلاق عند وجود الشرط، وملك النكاح قائم، في ذلك الوقت فيصح.\rثم إذا علق الطلاق في النكاح، ثم وجد الشرط، فإن كانت منكوحة يقع الطلاق، وتنحل اليمين.\rوإن كانت مبانة، وهي في\rالعدة عند الشرط، يقع الطلاق أيضا عندنا، لان المبانة والمختلعة يلحقها صريح الطلاق عندنا.\rوإذا انقضت عدتها، فوجد الشرط تنحل اليمين، لا الى الجزاء.\rولو علق ثلاث تطليقات في الملك ثم طلقها ثلاثا يبطل التعليق، إلى الجزاء.\rعند أصحابنا الثلاثة.\rوعند زفر لا يبطل، حتى لو تزوجت بزوج آخر، وعادت إليه، بعد إصابة الزوج الثاني وطلاقه، ثم وجد الشرط، لا يقع شئ عندنا خلافا له.","part":2,"page":196},{"id":605,"text":"ولو طلقها واحدة أو اثنتين، فتزوجت بزوج آخر، فوطئها وعادت إليه، فوجد الشرط: فإنه يقع ثلاث تطليقات عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوعند محمد: يقع، بقدر ما بقي من الطلاق المملوك بالنكاح الاول، ولقب المسألة أن إصابة الزوج الثاني هل تهدم الطلقة والطلقتين أم لا، والمسألة معروفة.\rفصل آخر إذا قال لامرأته: أنت علي حرام أو قال: حرمتك على نفسي أو أنت محرمة علي: يرجع إلى نيته: فإن أراد به الطلاق يقع بائنا، على ما ذكرنا.\rوإن نوى التحريم ولم ينو الطلاق، أو لم يكن له نية فهو يمين، ويصير موليا.\rوإن قال: أردت به الكذب، فليس بيمين، فيما بينه وبين الله تعالى، ويصدق في ذلك، لان الخبر محتمل، ولكن لا يصدق في إبطال اليمين، في القضاء، لان هذا اللفظ صريح، في اليمين، شرعا.\rولو نوى بالحرام الظهار، فهو ظهار عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوعند محمد هو إيلاء، وليس بظهار.\rوأما إذا قال ذلك في غير المرأة، من الطعام والشراب وكلام فلان، فإنه يكون يمينا عندنا، خلافا للشافعي.\rولقب المسألة أن تحريم الحلال يمين أم لا؟ فإذا فعل شيئا مما حرمه، قليلا كان أو كثيرا، يحنث في يمينه.\rفأما إذا قال: كل حل علي حرام أو قال: حل الله علي حرام ولا نية له، فإنه يقع على الطعام والشراب خاصة، لان هذا لا يمكن العمل بعمومه، لانه لا يراد به في العرف التنفس وفتح العينين والتحرك، فيقع","part":2,"page":197},{"id":606,"text":"على الحلال المعتاد، وهو الاكل والشرب.\rفإن نوى مع ذلك اللباس أو امرأته، يقع على الاكل والشرب واللباس والمرأة، فأي شئ فعل من ذلك وحده، يحنث في يمينه ويلزمه الكفارة، لان الطعام والشراب دخلا بحكم العادة، واللباس والمرأة بنيته، واللفظ صالح له فيصح.\rفإن نوى بقوله: كل حل عليه شيئا بعينه دون غيره، فإن نوى به الطعام خاصة، أو الشراب خاصة، أو اللباس خاصة، أو امرأته خاصة، فهو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء، لان هذا يقع على أخص الخصوص، لتعذر العمل بعمومه، فإذا عين ذلك صح، إذ التخصيص ترك العمل بالعموم، وهذا متروك.\rثم في الموضع الذي يدخل امرأته والطعام والشراب في قوله: كل حل علي حرام ونوى الطلاق في امرأته، فإنه لا يحنث، لانه لا يمكن العمل بعمومه، لان هذا كلام واحد لا يتناول اليمين والطلاق جميعا.\rولو قال: أنت علي كالميتة والدم أو كلحم الخنزير أو كالخمر: فإن أراد به الكذب صدق، لانه ليس بصريح في اليمين، بخلاف قوله: أنت علي حرام.\rوإن أراد به التحريم فهو إيلاء.\rوإن نوى الطلاق فهو كقوله: أنت علي حرام، لانه شبهها بالمحرم، فكأنه قال: أنت علي حرام، وبمثله لو قال: أنت علي كمال فلان ونوى به الطلاق، لا يصح، لان عين المال ليس بحرام.","part":2,"page":198},{"id":607,"text":"باب الخلع الخلع طلاق عندنا.\rوقال الشافعي: هو فسخ، في أحد القولين.\rولهذا قلنا: إن من قال لامرأته: خالعتك، ولم يذكر العوض، ونوى الطلاق: كان طلاقا بائنا.\rولو نوى الثلاث صح لانه من كنايات الطلاق، إلا أنه في عرف الشرع، عند الناس، صار عبارة عن الطلاق بعوض، فيصير حقيقة عرفية، حتى ينصرف إليه مطلق الكلام، حتى إن الرجل إذا قال لغيره: اخلع امرأتي فخلعها، بغير عوض لا يصح، ويكون موقوفا على إجازة الزوج، فإن أجاز يكون طلاقا بائنا.\rوقالوا: لو قال لامرأته: اخلعي نفسك، فقالت: خلعت نفسي بألف درهم، وقف على إجازة الزوج.\rولهذا قالوا: إن من قال لامرأته: خالعتك على ألف درهم،\rفقبلت، وقال الزوج: لم أنو به الطلاق: لم يصدق، لانه إنما يكون كناية عند خلوه عن المال، فلا بد من النية، فأما إذا كان على مال، فلا حاجة إلى النية.\rثم الخلع على المال يفتقر إلى الايجاب والقبول، حتى تقع به الفرقة، ويستحق به الزوج العوض عليها، إلا أنه في جانب الزوج، في معنى اليمين، وفي جانبها في معنى المعاوضة، حتى إن الزوج إذا قال:","part":2,"page":199},{"id":608,"text":"خالعتك على ألف درهم، لم يصح رجوعه عن ذلك، ولم يبطل بقيامه عن المجلس، قبل قبولها، ولم يقف على حضرتها المجلس، بل يجوز وإن كانت غائبة، فإذا بلغها الخبر، فلها القبول في مجلسها.\rويجوز أن يعلق ذلك بشرط أو بوقت، فيقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف درهم، وإذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف درهم، والقبول إليها بعد مجئ الوقت، وقدوم زيد، فإن قبلت قبل ذلك لم يجز.\rفأما إذا ابتدأت المرأة، فقالت: خالعت نفسي منك بألف درهم، فهو بمنزلة البيع في جانبها، حتى يصح منها الرجوع عنه، قبل قبول الزوج، ويبطل بقيامها عن المجلس، وبقيامه أيضا، ولا يقف على غائب، ولا يجوز تعليقه بشرط، ولا بوقت، كالبيع سواء.\rوعلى هذا الاصل قال أبو حنيفة: إذا خالعها وشرطت لنفسها الخيار جاز، خلافا لهما.\rوإذا ثبت تفسير الخلع شرعا، فنقول: لا يخلو: إما أن يخالعها على مثل العوض الذي أخذت، أو أقل أو\rأكثر، والنشوز والكراهة من قبل الزوج أو من قبل المرأة فنقول: إن كان النشوز من جهة الزوج، فلا يحل له أن يأخذ شيئا منها، بل له أن يطلقها، بلا عوض، لقوله تعالى: * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * (1).\rوإن كان النشوز من جهتها، يجوز له أن يأخذ منها جميع ما استحقت عليه بالعقد، ولا تحل له الزيادة على ذلك في\r__________\r(1) سورة النساء: الاية 20 - 21.","part":2,"page":200},{"id":609,"text":"ظاهر الرواية.\rوفي رواية: يحل له أخذ الزيادة، وهذا في حق الديانة والتنزه، فأما في الحكم فإذا تخالعا على الزيادة من المهر، فإنه يلزم وتؤمر بالاداء إليه.\rثم الخلع جائز بكل بدل يصلح مهرا، ويلزم المرأة أداؤه إلى الزوج.\rوما ذكرنا في المهر أن الزوج فيه بالخيار بين أن يعطي عينه أو قيمته، ففي الخلع المرأة بالخيار، كما في العبد الوسط ونحوه.\rوكل ما لا يجوز أن يكون مهرا لحرمته، كالخمر والخنزير والميتة والدم والحر، لا يجوز أن يكون بدلا في الخلع.\rلكن إذا قبل الزوج ذلك في الخلع: تقع الفرقة بينهما، ولا شئ على المرأة من الخلع، ولا يجب عليها أن ترد من مهرها شيئا، لان هذه الاشياء لا تصلح عوضا في حق المسلمين، والزوج رضي بما لا قيمة له، والبضع في حال الخروج عن ملكه لا قيمة له حتى تجب القيمة، فلا يرجع عليها بشئ، بخلاف النكاح فإن ثمة يجب مهر المثل، لان البضع متقوم في حال الدخول في ملك الزوج.\rثم الطلاق على المال والخلع في الاحكام سواء، إلا في فصل واحد، وهو أن الخلع متى وقع على عوض، لا قيمة له لا يجب العوض، ولا قيمة البضع، ويكون الطلاق بائنا، لان الخلع من كنايات الطلاق، وأما الطلاق بعوض لا قيمة له إذا بطل العوض، فالطلاق يكون رجعيا، لان صريح الطلاق يكون رجعيا.\rوإنما ثبتت البينونة لاجل العوض، فإذا بطل العوض، بقي مجرد صريح الطلاق، فيكون رجعيا.\rولو خلعها على حكمها، أو حكمه، أو حكم أجنبي، فنقول: إن الخلع على الحكم، خلع بتسمية فاسدة، لما فيه من الجهالة","part":2,"page":201},{"id":610,"text":"الفاحشة، والخطر، فيجب الرجوع إلى مهرها المستحق بالعقد.\rثم إن كان الخلع على حكم الزوج، فإن حكم بمقدار المهر أو أقل، أجبرت على التسليم إلى الزوج، لانه حكم بالمستحق، أو حط بعضه، وهو يملك حط بعضه، لكونه حقا له، وإن حكم بأكثر من المهر لم يلزمها الزيادة، لانه أوجب لنفسه أكثر من المستحق بالعقد، فلا يصح إلا برضاها.\rوأما إذا كان الحكم إليها، فإن حكمت بمهر المثل أو أكثر، جاز وأجبر الزوج على القبول، لانها قضت بالمستحق، أو زادت عليه، وهي تملك إيفاء الزيادة.\rوإن حكمت بأقل من المهر: لم يجز، إلا برضا الزوج، لانها حطت بعض ما عليها حقا لزوج، وهي لا تملك حط حق الغير.\rفأما إذا كان الحكم إلى أجنبي، فإن حكم بمهر المثل، جاز، وإن حكم بزيادة أو نقصان، لم تجز الزيادة إلا برضا المرأة، ولا يجوز النقصان\rإلا برضا الزوج، لان الاجنبي لا يملك إسقاط حق واحد منهما.","part":2,"page":202},{"id":611,"text":"باب الايلاء يحتاج في الباب إلى: تفسير الايلاء لغة وشرعا، وإلى بيان حكم البر في الايلاء، وإلى بيان الفئ، وحكم الحنث.\rأما الاول فالايلاء في اللغة: اليمين، وفي الشرع عبارة عن اليمين على ترك الوطئ في الزوجة مدة مخصوصة بحيث لا يمكنه الوطئ إلا بحنث يلزمه بسبب اليمين.\rوقد كان الايلاء طلاقا في الجاهلية، فجعله الشرع طلاقا معلقا بترك وطئ الزوجة مدة مخصوصة، كأن الزوج قال لامرأته الحرة: إن لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق بائن ولامرأته الامة: إن لم أقربك شهرين فأنت طالق بائن.\rوركن الايلاء شرعا هو اللفظ الدال على ترك الوطئ، في عرف الشرع، مؤكدا باليمين، وهو قوله: والله لا أقربك أو لا أطأك أو لفظة المباضعة والمناكحة والاتيان والاصابة ونحوها.\rفإن كان اللفظ مستعملا في الوطئ، فلا يحتاج إلى النية.\rولو أتى بلفظ محتمل، يحتاج فيه إلى نية الزوج ترك الوطئ بذلك.","part":2,"page":203},{"id":612,"text":"فأما المدة فهي أربعة أشهر في حق الحرة، وشهران في حق الامة عندنا.\rوعند الشافعي: المدة في حقهما سواء، وهي زيادة على أربعة أشهر.\rوالصحيح قولنا، لقوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * (1)، فلا تجوز الزيادة على المدة المنصوصة.\rوأما تفسير اليمين فهي اليمين بالله، وبصفاته، على ما نذكر في كتاب الايمان، أو اليمين بالشرط والجزاء، وذلك نوعان: ما يكون به موليا، وما لا يكون به موليا.\rأما الذي يكون به موليا فأن يقول: إن قربتك فعبدي حر، أو امرأتي طالق، أو هي علي كظهر أمي، أو علي صدقة، أو حج البيت، أو صيام سنة، ونحو ذلك لانه لا يتوصل إلى الوطئ في هذه المدة إلا بشئ يلزمه بحكم اليمين، كما يلزمه الكفارة بسبب اليمين بالله.\rولو قال: إن قربتك فعلي أن أصلي ركعتين أو علي أن أغزو لم يكن موليا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويكون موليا عند محمد وزفر.\rولو قال الرجل لامرأته: أنا منك مولى فإن عنى به الخبر كذبا فليس بمولي، فيما بينه وبين الله، لانه لفظ لفظة الخبر، ولا يصدق في القضاء، لانه خلاف الظاهر، لان هذا إيجاب في الشرع، وإن عنى به الايجاب فهو مولي في القضاء وفيما بينه وبين الله، لانه أوجب الايلاء بهذا اللفظ.\rولو قال لامرأته: أنت علي مثل امرأة فلان، وقد كان فلان آلى من امرأته، فإن نوى به الايلاء، كان موليا، لانه شبهها بها في باب اليمين،\r__________\r(1) سورة البقرة: الايتان: 266 - 227.","part":2,"page":204},{"id":613,"text":"والتشبيه يقتضي المساواة فيما شبه به، وإن لم ينو اليمين ولا التحريم: لا يكون موليا، لانه قصد التشبيه من وجه.\rوأما بيان حكم البر فهو وقوع الطلاق البائن بسبب الاصرار على موجب هذا اليمين، وهو الامتناع عن الوطئ أربعة أشهر، بحيث لا يتوصل إليه إلا بحنث يلزمه، فيكون مؤكدا له في الامتناع، خوفا عن لزوم الحنث.\rوفي الوطئ حق المرأة، فصار الزوج ظالما لمنع حقها المستحق، فالشرع جعل الامتناع عن إيفاء حقها المستحق لها، في هذه المدة، سببا للبينونة، تخليصا لها من حبالته، لتتوصل إلى حقها، من جهة غيره، وهذا معنى قوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * (1) فسماه عزيمة الطلاق، وهو فعل الزوج، فيصير الزوج، بالاصرار على موجب هذا اليمين، معلقا طلاقا بائنا، بترك الوطئ أربعة أشهر بعد اليمين أبدا، كأنه قال: أنت طالق بائن عند مضي كل أربعة أشهر، لا أقربك فيها أو إن لم أقربك كل أربعة أشهر، ما بقي اليمين، فأنت طالق بائن.\rإذا ثبت هذا، فإذا مضت أربعة أشهر من وقت اليمين، ولم يقربها: تقع تطليقة بائنة عندنا.\rوعند الشافعي يخير الزوج بين أن يطأها وبين أن يطلقها، فإن لم يفعل يفرق القاضي بينهما.\rفإذا وقعت تطليقة بائنة بمضي أربعة أشهر ثم مضت أربعة أشهر أخرى، وهي في العدة، لم يقع الطلاق، لانها بائنة، فلا تستحق الوطئ على الزوج، فلا يكون الامتناع عن الوطئ في هذه الحالة ظلما، وبهذا\rالوصف صار الاصرار على موجب البر، وهو ترك الوطئ سببا للفرقة،\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 227.","part":2,"page":205},{"id":614,"text":"فإن تزوجها عند مضي الاربعة الاشهر، ثم مضت أربعة أشهر منذ تزوج ولم يقربها بانت بأخرى.\rوكذلك إذا تزوجها ثالثة، لان بالتزويج عاد حقها في الوطئ، واليمين باقية، لانها تنحل بالحنث، وهو الوطئ.\rأما زوال الملك فلا يبطل اليمين، فيكون ترك الفئ ظلما، فيكون سببا للفرقة، فإن تزوجها بعد وقوع ثلاث تطليقات، فمضت أربعة أشهر لم يطأها، لم يقع عليها شئ، عندنا، خلافا لزفر، لانه زال حل المحلية فيبطل اليمين.\rولو آلى منها ثم أبانها، فمضت أربعة أشهر لم يطأها، وهي في العدة، وقعت أخرى بالايلاء، لان ابتداء الايلاء قد انعقد موجبا للطلاق، لوجوده في الملك، فإذا أبانها، فالبينونة تلحقها بعقد سابق، وإن كان لا يلحقها ابتداء - عندنا خلافا لزفر - فإن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق بائن ثم أبانها، ثم دخلت الدار، وهي في العدة، فإنه يقع بائنا، لما قلنا.\rوأما تفسير الفئ وحكم الحنث فنقول الفئ هو الوطئ، في مدة الايلاء، مع القدرة عندنا.\rوعند الشافعي: الوطئ بعد المدة.\rوالصحيح قولنا لان الله تعالى قال: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا (الاية)) * (1) وفي قراءة عبد الله بن مسعود فإن فاؤوا فيهن، وإنما سمى الوطئ فيئا لان الفئ في اللغة هو\rالرجوع، يقال: فاء الظل إذا رجع، والمولي قصد بالايلاء منع حقها في الوطئ، فيكون الوطئ رجوعا عما قصده فسمي فيئا.\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 226.","part":2,"page":206},{"id":615,"text":"ثم الفئ على ضربين: أحدهما هو الاصل، وهو الفئ بالوطئ، مع القدرة.\rوالآخر، بدل عن الاول، وهو الفئ بالقول، عند العجز عن الوطئ.\rففي حق القادر لا يكون فيئا إلا بالوطئ، لانه هو الاصل، وفي الحقيقة هو الرجوع، لان به يندفع الظلم، ويصل الحق إلى المستحق، فما لم يوف حقها لا يسقط حكم الايلاء، وفي حق العاجز صار الفئ بالقول قائما مقام الوطئ، وهو أن يقول للمرأة: إني فئت إليك أو راجعتك أو أبطلت الايلاء ويحسن إليها بالقول بدلا عن الاحسان بالفعل، فيكون رجوعا، عما عزم عليه، بالقول ثم العجز نوعان: أحدهما: من طريق المشاهدة كالمرض الذي لا يمكن معه الجماع، من الجانبين، أو تكون المرأة صغيرة، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الايلاء، أو تكون المرأة ناشزة محتجبة عنه في مكان لا يعرفه، أو تكون محبوسة لا يمكنه أن يدخل عليها ويمنع عن ذلك، ونحو ذلك.\rوأما العجز من طريق الحكم فمثل أن يكون محرما أو صائما في رمضان.\rلكن العجز المعتبر في حق نقل الفئ من الوطئ إلى القول، هو العجز الحسي، دون الحكمي عندنا.\rوعند زفر هو معتبر أيضا، وقاس على الخلوة أن ثم يعتبر المانع الحسي والحكمي جميعا.","part":2,"page":207},{"id":616,"text":"ولكنا نقول: هو قادر على الوطئ، حقيقة، فيصير ظالما بمنع الحق، وحق العباد لا يسقط لاجل حق الله في الجملة.\rفإذا أتى بالفئ، من حيث القول سقط حكم الايلاء، إلى وقت القدرة.\rثم من شرط صحة الفئ، بالقول، عند العجز عن الوطئ، حسا ومشاهدة شيئان: أحدهما: أن يكون العجز مستداما، من وقت الايلاء إلى تمام المدة، وهو أربعة أشهر، حتى إنه إذا قدر على الوطئ قبل تمام المدة، بطل الفئ بالقول، وانتقل إلى الفئ بالجماع، حتى لو ترك الوطئ إلى تمام المدة، فإنها تبين، وأما إذا تمت المدة ثم قدر، فإن الفئ بالقول صحيح، في حق المدة الماضية، وهذا لما ذكرنا أنه بدل، والقدرة على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل تبطل حكمه، وبعد حصول المقصود لا يبطل، كالمصلي بالتيمم إذا رأى الماء في وسط الصلاة تبطل صلاته، ولو كان رأى بعد الفراغ لا تبطل الصلاة المؤداة، كذا هذا.\rوالشرط الثاني: أن يوجد الفئ، بالقول، في حال يحل له الوطئ بأن كانت زوجة له.\rفأما إذا أبانها ثم فاء إليها باللسان فإنه لا يصح، لانه بدل،\rفيصح في حال يصح الاصل.\rولهذا قالوا: إن من آلى وهو صحيح، مقدار ما يمكن الجماع فيه، ثم مرض: ففيئه بالجماع، لانه هو الذي فرط في إيفاء حقها، فلا يعذر، بخلاف المريض إذا آلى من امرأته.\rولو آلى وهو مريض فلم يفئ بالقول حتى مضت المدة، فبانت ثم صح ثم تزوجها وهو مريض ففاء إليها بلسانه، فإنه","part":2,"page":208},{"id":617,"text":"يصح عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يصح، وما قاله أبو يوسف أصح، لان الايلاء حصل وهو مريض وعاد حكمه وهو مريض، وفي زمان الصحة بين المدتين هي بائنة، لا تستحق الوطئ، فلا يعود حكم الايلاء.\rوأما حكم الحنث في اليمين بالله تعالى فهو الكفارة.\rوفي اليمين بالشرط والجزاء يلزمه ما هو جزاؤه من الطلاق والعتاق والظهار ونحوها.\rهذا الذي ذكرنا في حق المسلم، وأما الذمي إذا آلى من امرأته، فإن حلف بطلاق أو عتاق، يكون موليا، بالاتفاق.\rوإذا حلف بما هو قربة كالصدقة والصيام، فليس بمول بالاتفاق.\rفأما إذا حلف باسم من أسماء الله أو بصفاته فهو مول عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يكون موليا.\rوإذا صح إيلاء الذمي فهو في أحكامه كالمسلم، إلا أنه إذا وطئ في اليمين بالله لا يلزمه الكفارة، لانها عبادة وهو ليس من أهلها.\rفأما إذا آلى أو ظاهر، ثم رجع عن الاسلام، ولحق بدار الحرب،\rثم رجع مسلما وتزوجها، فهو مول، ومظاهر، عند أبي حنيفة في رواية محمد، وقال أبو يوسف: يسقط الظهار والايلاء، وهذا يعرف في الخلافيات، واختلفت رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة.","part":2,"page":209},{"id":618,"text":"باب الظهار يحتاج في هذا الباب إلى: بيان ركن الظهار شرعا، وإلى بيان شرائطه، وإلى بيان حكمه، وإلى تفسير الكفارة.\rأما ركن الظهار شرعا فنقول: أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فيقع به الظهار، نوى أو لم ينو، لانه صريح في بابه.\rوكذا إذا نوى به تحريم الطلاق أو تحريم اليمين لا يصح، لما قلنا إنه صريح في الظهار، فإذا نوى غيره: لا يصح.\rولو قال أردت به الخبر عن الماضي، كاذبا، لا يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله.\rوكذا إذا أضاف الظهار إلى جزء شائع، أو جامع، من امرأته.\rولو أضاف إلى جزء معين، غير جامع، ولا شائع: لا يجوز، كالطلاق.\rولو شبه امرأته بعضو من أمه، غير الظهر: فإن كان لا يجوز النظر\rإليه: فهو ظهار، نحو البطن والفخذ والفرج.","part":2,"page":211},{"id":619,"text":"ولو شبه امرأته بذوات المحارم غير الام: إن كانت الحرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة: فإنه يكون ظهارا.\rولو شبه امرأته بامرأة محرمة عليه، في الحال، وهي ممن تحل له في حالة أخرى، مثل أخت امرأته، ومثل امرأة لها زوج، أو مجوسية، أو مرتدة: لم يكن مظاهرا، لان النص ورد في الام، وهي محرمة على التأبيد.\rوأما شرائط صحة الظهار فنقول: منها أن يكون المظاهر، مسلما، عندنا.\rوعند الشافعي: ليس بشرط.\rوالصحيح قولنا، لان حكمه هو الحرمة المؤقتة بالكفارة، وهي عبادة، والكافر ليس من أهلها، وهي مسألة معروفة.\rومنها: أن تكون المرأة محللة بالنكاح، لا بملك اليمين، حتى لو ظاهر من أمته أو مدبرته أو أم ولده: لا يصح لانه حكم ثبت، بخلاف القياس بالنص، وقد ورد في حق الزوجة، بقوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم) * (1) فلا يقاس عليها غيرها.\rولو ظاهر من المختلعة والمبانة، لا يصح وإن كان يلحقها صريح الطلاق، لانها ليست بمحللة بالنكاح.\rوإن بقي النكاح من وجه.\rوأما حكمه فهو تحريم الاستمتاع بها من الوطئ ودواعيه، مؤقتا، إلى وجود التكفير مع بقاء ملك النكاح، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال\rللمظاهر الذي واقع امرأته: استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر.\r__________\r(1) سورة المجادلة: الاية 3.","part":2,"page":212},{"id":620,"text":"ويجب على المرأة أن تمنع الزوج عن الاستمتاع بها، حتى يكفر.\rوللمرأة أن تطالب الزوج بالوطئ عند الحاكم، وعلى الحاكم أن يجبره حتى يكفر، ويطأ، لانه أضر بها في الامتناع عن الوطئ مع قيام الملك وفي وسعه إزالته بالتكفير.\rثم هذه الحرمة لا تزول بسبب من أسباب الاباحة، ما لم توجد الكفارة، لا بالنكاح ولا بملك اليمين ولا بإصابة الزوج الثاني، حتى أن المظاهر إذا طلقها طلاقا بائنا وانقضت عدتها، ثم تزوجها، لا يحل له وطؤها ما لم يكفر.\rوكذلك لو كانت الزوجة أمة الغير فظاهر منها، ثم اشتراها حتى بطل النكاح، لم يحل له أن يطأها بملك اليمين، حتى يكفر.\rوكذلك لو كانت حرة، فارتدت عن الاسلام ولحقت بدار الحرب، فسبيت واشتراها.\rوكذلك لو طلقها ثلاثا، وتزوجت بزوج آخر ثم عادت إليه بالنكاح لا تحل له حتى يكفر، وإن صح النكاح.\rولو كفر بعد ما أبانها أو طلقها ثلاثا صح التكفير حتى لو تزوجها حل له وطؤها، لان صحة التكفير لا تعتمد قيام الملك.\rوإن كان الظهار مؤقتا إلى وقت، بأن قال: أنت علي كظهر أمي يوما أو شهر أو سنة ثم مضى الوقت، سقط الظهار عندنا، خلافا للشافعي، لان الشرع جعل التكفير مزيلا للظهار المؤبد أو المطلق، حتى تنتهي الحرمة، والمؤقت ينتهي بمضي الوقت.\rولو قال: أنت علي كأمي، فأنه يرجع إلى نيته عند أبي حنيفة إن أراد الاكرام لا يكون ظهارا، وإن أراد الطلاق أو الظهار فهو كما نوى، وإن أراد التحريم فهو إيلاء.\rوقال محمد: هو ظهار.\rوقال أبو","part":2,"page":213},{"id":621,"text":"يوسف: هو إيلاء.\rولو قال: أنت عليه حرام كأمي، حمل على نيته، فإن لم يكن له نية، كان ظهارا، لان حرف التشبيه يختص بالظهار.\rوأما بيان الكفارة فنقول: الكفارة لا تجب إلا عند وجود الظهار، والعود قال الله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) * (1) وفيه كلام أن سبب الوجوب كلاهما أو أحدهما أو غيرهما.\rوالعود عندنا هو العزم على وطئها بعد الظهار.\rوقال الشافعي: العود أن يسكت المظاهر عن طلاقها، عقيب الظهار.\rوقال أصحاب الظواهر: العود أن يكرر لفظ الظهار.\rوالصحيح قولنا، لانه بالظهار حرم وطأها على نفسه، فمتى عزم على وطئها فقد قصد الرجوع عن الاول والعود هو الرجوع، فيسمى عودا.\rثم الكفارة تجب على الترتيب: الاعتاق عند القدرة، ثم صيام شهرين متتابعين عند العجز عن الاعتاق، ثم إطعام ستين مسكينا عند العجز عن الصوم.\rعرف ذلك بالنص، وهو قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم).\rوإنما يكفر قبل الوطئ، لقوله تعالى: (من قبل أن يتماسا)","part":2,"page":214},{"id":622,"text":"فإن وطئ قبل أن يكفر فقد باشر وطئا حراما، فعليه أن يستغفر الله تعالى ولا يطأ حتى يكفر.\rولو أعتق بعض رقبة عن كفارته ثم وطئ، ثم أعتق ما بقي منها لم يجزه، وعليه أن يستقبل إعتاق رقبة عند أبي حنيفة، لان الاعتاق عنده مما يتجزأ، فيكون معتقا بعضه بعد الوطئ وبعضه قبل الوطئ، والله تعالى أمر بإعتاق رقبة كاملة، قبل المسيس.\rوعلى قولهما: صح، لان عندهما الاعتاق لا يتجزأ فإعتاق البعض إعتاق الكل.\rولو جامع المظاهر في خلال الصوم جماعا يفسد الصوم، فإنه يستقبل الصوم بالاجماع، لان الواجب عليه صيام شهرين متتابعين قبل المسيس، مع الامكان، ولم يوجد.\rولو جامع في الشهرين ليلا، أو نهارا ناسيا لصومه، استقبل عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: يمضي على صيامه وهي مسألة معروفة.\rولو جامع في خلال الاطعام لم يلزمه الاستقبال بالاجماع، لان الله تعالى لم يذكر في الاطعام ترك المسيس، لكن يمنع عن الوطئ قبل الفراغ من الاطعام، لجواز أن يقدر على الصوم أو العتق، فتبين أن الوطئ كان حراما.\rولو كفر بالاعتاق يعتق رقبة كاملة للذات والرق، على ما نبين في\rكتاب الايمان.\rولو كفر بالاطعام أطعم ستين مسكينا كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق، أو صاعا من تمر أو شعير، كما ذكرنا في صدقة الفطر، وحكمه حكم ذلك.","part":2,"page":215},{"id":623,"text":"باب اللعان يحتاج في هذا الباب إلى: بيان مشروعية اللعان وماهيته، وإلى بيان سبب وجوب اللعان، وإلى بيان شرائط الوجوب، وإلى بيان كيفية اللعان، وإلى بيان حكمه.\rأما الاول فنقول: اللعان مشروع بين الزوجين.\rوهو شهادات مؤكدات بالايمان عندنا، وعند الشافعي أيمان مؤكدات بالشهادة.\rويكون قائما مقام حد القذف في جانب الرجل، وقائما مقام حد الزنا في جانب المرأة، ولهذا قلنا لا يثبت بالشهادة على الشهادة، ولا بشهادة النساء مع الرجال، ولا بكتاب القاضي إلى القاضي.\rوكذلك إذا وطئت، محصنة بالشبهة، فقذفها زوجها، لم يجب اللعان، كما لو قذفها أجنبي: لا يجب حد القذف، فسقط اللعان،\rبالشبهة، كالحد.","part":2,"page":217},{"id":624,"text":"وأصل ذلك قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم) * (1).\rوأما بيان سبب الوجوب فنقول: سبب وجوب اللعان بين الزوجين هو القذف الصحيح عند وجود شرائطه، من الزوج.\rونعني بالقذف الصحيح ما يكون موجبا للحد في حق الاجنبي بأن كان عاقلا، بالغا، والمرأة عاقلة بالغة، لان القذف من الصغير والمجنون ليس بموجب للحد، لعدم الجناية.\rوكذلك قذف الصغيرة والمجنونة بالزنا كذب، لانه لا يتصور الزنا منها، فلا يكون قذفا صحيحا.\rوكذلك إحصان المقذوف شرط.\rوذلك نوعان: أحدهما: أن يقول: يا زانية أو زنيت بفلان أو ولدك من الزنا، فأنكرت المرأة وخاصمته إلى الحاكم، فعجز الزوج عن إقامة البينة على الزنا.\rوالثاني: أن ينفي ولدا أقر أن امرأته ولدته، أو شهدت امرأة على الولادة، فقال: هذا ليس بابني وذلك قبل الاقرار بالولد، وقبل مضي مدة تهنئة الولد، التي هي قائمة مقام الاقرار على ما يعرف في كتاب الدعوى.\rولو قال لامرأته وهي حامل: هذا الحمل ليس مني فهو ليس بقاذف، ولا لعان بينهما عند أبي حنيفة وزفر.\rوقال أبو يوسف ومحمد: إن جاءت بولد لاقل من ستة أشهر لا عنها، وإن جاءت به لاكثر\rفلا لعان.\rواتفق أصحابنا أنه لا ينفي نسب الحمل قبل الولادة.\r__________\r(1) سورة النور: الاية 6.","part":2,"page":218},{"id":625,"text":"وأما شرائط الوجوب فنقول: هو أن يكونا زوجين، حرين، مسلمين، عاقلين، بالغين، غير محدودين في القذف، والمرأة عفيفة.\rأما اعتبار الزوجية فلان الله تعالى خص اللعان بالازواج وجعله حد للزوج قائما مقام حد القذف.\rولهذا قال أصحابنا: إن من تزوج امرأة نكاحا فاسدا، ثم قذفها، لا يجب اللعان.\rولو قذفها الزوج، فلم يلتعنا حتى طلقها ثلاثا أو بائنا فلا حد ولا لعان، لانه انقطعت الزوجية وحصل الفراق، وحكم اللعان التفريق والتحريم، فلا يصح اللعان بدون حكمه.\rولو كان الطلاق رجعيا يلاعن، لقيام الزوجية.\rوأما الحرية فلان العبد والامة ليستا من أهل الشهادة، واللعان شهادات فيها معنى الايمان.\rوكذلك الحرية في جانبها من شرائط الاحصان، وإحصان المقذوف شرط.\rوأما اعتبار العقل والبلوغ فلما قلنا إنه لا يصح القذف بدون العقل والبلوغ.\rوأما اعتبار نفي حد القذف فلان المحدود في القذف لا شهادة له.\rوأما اعتبار الاسلام: أما في جانبها فمن باب الاحصان، فإن المرأة الكافرة لا يجب بقذفها الحد، وكذلك اللعان.\rوأما الزوج الكافر إذا قذف الزوجة المسلمة، فلا لعان عليه، لانه\rليس من أهل الشهادة على المسلمين.\rوصورة المسألة في الكافر إذا أسلمت امرأته فلم يعرض عليه الاسلام حتى قذفها فيحد و لا يلاعن.","part":2,"page":219},{"id":626,"text":"فما لم يوجد هذه الشرائط لا يجب اللعان، لكن بعضها شرط وجوب اللعان، وبعضها شرط تحقق القذف وصحته.\rثم متى سقط اللعان وبطل هل يسقط الحد عن الرجل؟ قال مشايخنا: إن بطل بمعنى من جهة الزوج، يجب الحد.\rولا يجب اللعان وهذا صحيح إذا كان القذف صحيحا، كقذف العاقل البالغ، فأكذب نفسه، يجب الحد ولا يجب اللعان.\rفأما إذا لم يكن القذف صحيحا، كقذف الصبي والمجنون، فإنه لا يجب الحد ولا اللعان، وإن سقط بمعنى من جهة الزوج.\rوقالوا: إن بطل تعني من جهة المرأة لم يجب على الزوج حد ولا لعان، كما إذا صدقته، وكما إذا كانت حرة عفيفة مسلمة إلا أنها محدودة في القذف فلا حد ولا لعان، لان المعنى من جهتها، وهو أنها ليست من أهل الشهادة، مع كون القذف صحيحا.\rفإذا كان المعنى من جهتها، والقذف ليس بصحيح: لا يجب الحد واللعان جميعا أيضا حتى إذا كانت الزوجة كافرة، أو أمة، أو صغيرة أو مجهولة أو زانية: فلا حد ولا لعان، لان القذف ليس بصحيح، لان المرأة ليست بمحصنة.\rوإذا كان كل واحد من الزوجين محدودا في القذف، يجب الحد ولا يجب اللعان لان القذف صحيح، والمانع من جهة الزوج، ولا عبرة\rبجانبها.\rوعلى هذا تدور المسائل.\rوأما تفسير اللعان فإن كان القذف بصريح الزنا، فأنكرت المرأة وخاصمته إلى القاضي، فأمره بإقامة البينة على صدق مقالته، فعجز عن إقامة البينة،","part":2,"page":220},{"id":627,"text":"فإنه يبتدئ من جهة الزوج، ويأمره باللعان فيقوم الزوج ويقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، فيقول ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ويقبل بوجهه على المرأة في كل ذلك.\rثم يأمرها باللعان، فتقوم وتواجه زوجها، وتقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا أربع مرات ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.\rفإذا قالت ذلك تم اللعان بينهما.\rوإن كان القذف بنفي الولد، وكذبته المرأة وخاصمته إلى الحاكم: فإنه يأمر الحاكم الزوج باللعان، وهو أن يقوم الرجل فيقول: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به من نفي ولدها هذا أربع مرات، ويقول في الخامسة: إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من نفي ولدها هذا ثم يأمر المرأة أن تقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من نفي ولدي هذا، أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به من نفي ولدي هذا.\rوالقيام ليس بشرط، ولا يضره قال ذلك قائما أو قاعدا كذا رواه الحسن عن أبي حنيفة.\rفإذا قالا ذلك تم اللعان بينهما.\rوإذا تم اللعان بينهما لا تقع الفرقة ما لم يفرق القاضي بينهما.\rفينبغي أن يفرق القاضي بينهما في الفصل الاول.\rوفي الفصل الثاني: يفرق بينهما ويقضي بنفي الولد وقطع النسب من الاب ويلحقه بالام، لان التفريق وقطع النسب كلاهما حكم اللعان إذا كان اللعان بالقذف بنفي الولد، فلا بد من قضاء القاضي بقطع النسب.","part":2,"page":221},{"id":628,"text":"وأما حكم اللعان فهو ثبوت حق التفريق.\rفإذا تم اللعان يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بنفس اللعان وهذا مذهب علمائنا.\rوقال زفر: تقع الفرقة بلعانهما.\rوقال الشافعي: بلعان الزوج.\rثم اختلف أصحابنا فيما بينهم: قال أبو حنيفة ومحمد: هي تطليقة بائنة، فيزول ملك النكاح، وتثبت حرمة الاجتماع والتزوج إلى وقت الاكذاب وإقامة الحد.\rوقال أبو يوسف وزفر: هي فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا.\rوأصله قوله عليه السلام: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا.\rفأخذ أبو يوسف وزفر بظاهر الحديث، وأبو حنيفة ومحمد أخذا بمعناه وهو أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا ما داما متلاعنين، فإن حقيقة المتفاعل هو المتشاغل بالفعل، حقيقة أو حكما، فإذا زال اللعان حقيقة وحكما لا يبقى حكمه.\rثم إذا وقعت الفرقة بتفريق القاضي وثبت حرمة الاجتماع، فإذا أكذب الزوج نفسه وضرب الحد، يباح له أن يتزوجها، لانه بطل القذف وخرج من أن يكون من أهل اللعان بصيرورته محدودا في القذف فلا يبقى اللعان.\rوكذلك إذا صدقته المرأة بعد الفرقة، لانها صارت معترفة، وبطل القذف فبطل حكم اللعان.\rوكذا إذا حدت في قذف.\rفإن أخطأ القاضي فبدأ بالمرأة ثم بالرجل، فإنه ينبغي له أن يعيد","part":2,"page":222},{"id":629,"text":"اللعان على المرأة، لانها شهادة، وإنما يبدأ بشهادة المدعي، ثم بشهادة المدعى عليه بطريق الدفع، فلهذا يبدأ بالرجل، فإن أخطأ يجب الاستدراك بالاعادة، فإن لم يعد جاز، لانه قضاء في موضع الاجتهاد، فإن عند بعضهم اللعان إيمان، وفي التحالف يجوز تقديم يمين أيهما كان.\rولو أخطأ القاضي، وفرق قبل تمام اللعان، فإن كان كل واحد منهما قد التعن أكثر اللعان، وقعت الفرقة.\rوإن لم يلتعنا أكثر اللعان أو كان أحدهما لم يلتعن أكثر اللعان، لم تقع الفرقة لانه قضاء بطريق الاجتهاد، في موضع يسوغ فيه الاجتهاد لانه للاكثر حكم الكل، في كثير من الاحكام.\rوفي الفصل الثاني قضاء في موضع لا يسوغ فيه الاجتهاد، فلا ينفذ.\rوإذا امتنع أحد الزوجين عن الالتعان، فإن القاضي يحبسه حتى يلتعن.\rوعند الشافعي: لا يحبس، ولكن يحد حد القذف.","part":2,"page":223},{"id":630,"text":"باب فرقة العنين لا خلاف بين العلماء أن الجب (1) والعنة (2) عيب يثبت بهما الخيار للمرأة في التفريق، والبقاء على النكاح.\rواختلف أصحابنا في عيوب أخر بالزوج تخل بالوطئ مثل الجنون، والجذام، والبرص.\rقال أبو حنيفة: لا يثبت الخيار، وقال محمد والشافعي: يثبت.\rوأجمع أصحابنا أن لا يفسخ النكاح بعيوب في المرأة.\rوقال الشافعي: يفسخ بعيوب خمسة: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق (3)، والقرن (4) وهي مسألة معروفة.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذا ادعت المرأة أن زوجها مجبوب أو عنين ورفعت الامر إلى القاضي، فإنه يسأل الزوج عن ذلك أنه هل وصل إليها أم لا؟ فإن\r__________\r(1) الجب القطع، ومنه المجبوب الخصى الذى استوصل ذكره وخصياه.\r(2) العنة على زعمهم اسم من العنين وهو الذى لا يقدر على إتيان النساء.\r(3) امرأة رتقاء بينة الرتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال.\r(4) القرن في الفرج مانع يمنع من سلوك الذكر فيه إما غدة غليظة أو لحمة مؤتنفة أو عظم - وامرأة قرناء: بها ذلك.","part":2,"page":225},{"id":631,"text":"أنكر، ففي المجبوب يعرف بالمس من وراء الازار.\rوإن أقر، يثبت لها الخيار في المجبوب، لانه لا فائدة في التأجيل.\rوفي العنين: إذا أقر وصدقها في ذلك يؤجله القاضي سنة.\rوإن\rأنكر أنه عنين وقال: وصلت إليها فإن القاضي يسأل المرأة أهي بكر أو ثيب.\rفإن قالت: ثيب: فإنه يجعل القول قول الزوج، لان الظاهر شاهد له، لان من خلا بالثيب فالظاهر أنه يطأها.\rوإن قالت إني بكر نظر إليها النساء، والمرأة الواحدة كافية والاكثر أوثق فإن قلن: إنها بكر فالقول قولها، لان قيام البكارة يدل عليه، وقول النساء فيما لا يطلع عليه الرجال مقبول.\rوإذا ثبت أنه لم يصل إليها، إما بإقراره أو بظهور البكارة، فإن القاضي يؤجله حولا، وإنما يعتبر الاجل سنة، لان الامتناع من الوطئ قد يكون للعجز و قد يكون لبغضه إياها، فإذا أجل فيقدم على الوطئ دفعا للعارض عن نفسه إن كان قادرا.\rوأول الاجل من حين الاقرار وظهور البكارة، ولا يحتسب على الزوج ما قبل التأجيل.\rوالتأجيل إنما يكون بسنة شمسية، لان الفصول تكمل فيها، فيحتمل أن يزول الداء في المدة التي بين الشمسية والقمرية.\rفإذا حال الحول فرفعت الامر إلى القاضي وادعت أنه لم يصل إليها، فإنه يسأل الزوج عن ذلك، فإن قال: قد وطئتها، وهي ثيب، فالقول قوله.\rوإن كانت بكرا نظر إليها النساء فإن قلن: إنها بكر فالقول قولها، وإن قلن: إنها ثيب فالقول قول الزوج.\rوإذا ثبت عدم الوصول إليها، إما باعترافه أو بظهور البكارة، فإن القاضي يخيرها، لان العيب قد استقر، فإن اختارت المقام، بطل حقها، ولم يكن لها خصومة أبدا، في هذا النكاح، لانها رضيت","part":2,"page":226},{"id":632,"text":"بالعيب.\rوإن اختارت الفرقة، يفرق القاضي بينهما، وتكون تطليقة\rبائنة، على ما مر.\rولو وصل إليها مرة ثم عجز، وعرف ذلك بإقرارها، فإن القاضي لا يخيرها، لانه وصل حقها إليها، لانه يجب كمال المهر، فلا يعتبر ما زاد عليه.\rوإذا خيرها الحاكم فوجد منها ما يدل على الاعراض، يبطل خيارها، كما في خيار المخيرة.\rوقال أصحابنا: إن العنين إذا أجل سنة، فشهر رمضان وأيام الحيض محسوبة من الاجل، لان التأجيل سنة، عرفنا ذلك بإجماع الصحابة من غير استثناء من هذه الايام، مع علمهم بذلك.\rفأما إذا مرضا في المدة، مرضا لا يمكن الجماع معه، فإن كان أقل من نصف شهر، احتسب عليه، وإن كان أكثر من نصف شهر لم يحتسب عليه، وكذلك الغيبة.\rوروي عن محمد أنه قدر ذلك بالشهر، وفيه روايات، وهذا أوثق، لان الشهر في حكم الاجل.\rهذا إذا لم تكن المرأة رتقاء، فإن كانت رتقاء وكان زوجها عنينا، فلا يؤجله القاضي، لانه لا حق لها في الوطئ، وإنما حقها في الاستمتاع والمساس.\rولو علمت المرأة بالعنة، عند العقد ورضيت بالعقد، فإنه لا خيار لها، كمن اشترى عبدا وهو عالم بعيبه.\rفإن كان زوج الامة عنينا فالخيار في ذلك إلى المولى عند أبي يوسف.\rوقال زفر: الخيار للامة.\rوروى الحسن، عن أبي حنيفة، مثل قول أبي يوسف.","part":2,"page":227},{"id":633,"text":"باب الحضانة الولاية إلى العصبات في الجملة، والحضانة إلى ذوات الرحم المحرم لان الحضانة تبتنى على الشفقة والرفق بالصغار، وذلك من جانب النساء أوفر، وهن بالتربية أعلم.\rويكون الاقرب فالاقرب أولى.\rثم الاقرب ههنا هي الام، ثم الجدة أم الام، ثم الجدة أم الاب، ثم الاخوات، فأولاهن الاخت لاب وأم، ثم الاخت لام، ثم الاخت لاب، ثم بنات الاخت، على هذا الترتيب، ثم بنات الاخ، وعلى هذا الترتيب، وهذا على الرواية التي تقدم الاخت لاب على الخالة وهي رواية محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورواية الحسن عن أبي يوسف.\rوفي رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الخالة أولى من الاخت لاب، وهو قول محمد وزفر.\rثم بعد الاخوات، وأولادهن من الاناث، الخالات على الترتيب: الخالة لاب وأم، ثم الخالة لام، ثم الخالة لاب.\rثم العمات على الترتيب، العمة لاب وأم، ثم العمة لام، ثم العمة لاب.\rفأما بنات العم والخال والعمة والخالة، فلا حق لهن في الحضانة، لان لهن رحما غير محرم.\rثم الام والجدات أحق بالغلام إلى أن يأكل وحده، ويشرب وحده،","part":2,"page":229},{"id":634,"text":"ويلبس وحده.\rوفي رواية عن محمد: ويتوضأ وحده أو يستنجي وحده.\rفأما الجارية فهي أحق بها حتى تحيض.\rوالقياس أن يكون لهن حق الحضانة في الغلام إلى وقت البلوغ، لحاجة الصغار إلى التربية في الجملة إلى وقت البلوغ، إلا أنا استحسنا في الغلام، لانه يحتاج إلى التأديب، والاب أقدر.\rثم عندنا: ليس للصغير العاقل اختيار أحد الابوين في الحضانة.\rوعن الشافعي: يخير الصبي.\rوالصحيح قولنا، لانه لا يعرف الا نظر منهما.\rوأما من لا أولاد لها من النساء، فلا حق لهن في الجارية والغلام، بعد الاستغناء بأنفسهما، فيما ذكرنا.\rوينتقل الحق إلى العصبات من ذوي الرحم المحرم، الاقرب فالاقرب، على الترتيب، إلا بني الاعمام، لان الحاجة إلى الحفظ، وخوف الصغير من العصبة أشد من خوفه من غير الامهات من ذوات الرحم المحرم.\rفأما بنو الاعمام: فلا حق لهم في الحضانة، لان لهم رحما غير محرم، ويحل لهم نكاحها، فلا يؤمن عليها.\rثم من كان من عصباتها، ممن لا يؤمن عليها من ذوي الرحم المحرم لفسقه ومجانته، لم يكن له فيها حق، لان في كفالته لها ضررا عليها.\rفإن لم يكن للجارية من عصباتها غير ابن العم، فالاختيار إلى القاضي، إن رآه أصلح ضم إليه، وإلا فيضع عند أمينه.\rوهذا الذي ذكرنا من ثبوت حق الحضانة لذوات الرحم المحرم إذا لم يكن لهن أزواج فأما من لها زوج فلا حق لها في الحضانة، إلا إذا كان زوجها ذا رحم محرم من الصغير، لانه يلحقه الجفا والمذلة من زوج الام","part":2,"page":230},{"id":635,"text":"إذا كان أجنبيا.\rويضعه القاضي حيث يشاء، بمنزلة من لا قرابة له.\rوأم الولد والزوجة، في الحضانة، على السواء، إذا أعتقت.\rفأما الرقيقة، فلا حق لها في حضانة الولد الحر، لانه ضرب من الولاية، والرق ينافي الولايات.\rوأهل الذمة في هذا بمنزلة أهل الاسلام، لان هذا أمر يبتنى على الشفقة.\rولو كانت الام كافرة والولد مسلم، ذكر في الاصل أنها في الحضانة كالمسلمة.\rوكان أبو بكر الرازي يقول: إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا، فإذا عقلا، سقط حقها، لانها تعودهم أخلاق الكفرة.\rولا حق للمرتدة في الولد، لانها تحبس، وفي الحبس ضرر بالصبي.\rوإذا ثبت أن حق الحضانة للام، فإذا أرادت أن تخرج بالولد إلى بلد آخر هل للاب حق المنع؟ فلا يخلو إما أن تكون الام زوجته أو مطلقة بائنة.\rفإن كانت زوجته فللزوج حق المنع من الخروج، بنفسها وبولدها.\rفأما إذا كانت مبتوتة فإما أن تخرج بولدها إلى بلدها أو إلى بلد آخر، وقد وقع النكاح في ذلك البلد أم لا، ويكون بعيدا أو قريبا يقدر الاب على مشاهدة الولد والعود إلى بيته قبل الليل.\rأما إذا أرادت الخروج إلى بلدها وكان البلد بعيدا فإن وقع النكاح فيه ليس للاب حق المنع، لانه لما عقد النكاح ثم، فالظاهر أنه التزم المقام فيه.\rلان الظاهر أن الزوج يقيم في البلد الذي تزوج فيه، إلا أنه","part":2,"page":231},{"id":636,"text":"يلزمها اتباع الزوج إذا أعطى جميع المهر، حيث شاء أو رضيت بذلك فإذا زالت الزوجية لم تجب المتابعة، فيعود الامر الاول.\rفإن لم يقع عقد النكاح في بلدها فليس لها أن تنقل ولدها إلى ذلك البلد، لان فيه التفريق بين الاب وبين ولده الصغير، وفيه ضرر بالاب، ولم يلتزم الضرر حيث لم يتزوج ثم.\rوإذا أرادت أن تنقل الولد إلى البلد الذي وقع فيه النكاح، وليس ذلك بلدها فليس لها ذلك، لانه ليس بوطن لها، فهي دار غربة لها، كما أن البلد الذي فيه الزوج دار غربة، فتساويا، وليس لها أن تلحق الضرر بالاب.\rوأما إذا كان البلد قريبا، بحيث يقدر الاب أن يجئ إلى الولد ويراه ويعود إلى منزله قبل الليل، فلها ذلك، ويكون ذلك بمنزلة أطراف المصر، لانه ليس فيه كثير ضرر.\rوأما أهل القرى إن أرادت المبتوتة أن تنتقل بالصبي إلى قريتها من قرية الاب إن وقع النكاح فيها، فلها ذلك.\rوإن وقع النكاح في غيرها، فليس لها أن تنقل الصبي إلى قريتها، ولا إلى القرية التي وقع النكاح فيها إذا كانت بعيدة، كما في البلدين.\rوإن كانت قريبة بحيث يمكن الاب رؤية الصبي والعود إلى منزله قبل الليل، فلها ذلك، لانه ليس فيه ضرر معتبر.\rوإن كان الاب متوطنا في المصر، فأرادت نقل ولدها إلى قريتها، والنكاح وقع فيه فلها ذلك، لان الاب التزم المقام في مكان النكاح، إذا كان وطن الزوجة.\rوإذا أرادت النقل إلى قرية قريبة من المصر، بحيث يمكن النظر إلى ولده والعود قبل الليل، فإن وقع النكاح فيها فلها ذلك، لانه رضي","part":2,"page":232},{"id":637,"text":"بغربة الولد، وإن لم يقع النكاح فيه فليس لها ذلك، لان أخلاق أهل القرى لا تساوي أخلاق أهل المصر، فيلحق الصبي بذلك ضرر، وفيه ضرر بالوالد فلم يجز، إذا لم يلتزمه الاب.\rوقد ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الصغير مبهمة فقال: إنما أنظر في هذا إلى الموضع الذي وقع فيه عقد النكاح والصحيح ما ذكرنا من التفصيل.\rثم الام وإن كانت أحق بالحضانة، فإنه لا يجب عليها إرضاع الصبي، لان ذلك بمنزلة النفقة، ونفقة الولد يختص بها الوالد، إلا أن لا يوجد من يرضعه، فتجبر على إرضاعه.\rوقال مالك: إن كانت شريفة لم تجبر، وإن كانت دنية تجبر.\rفإن كانت لا ترضع إلا بأجر فإن كان في حال قيام النكاح فليس لها ذلك، لان الاجر لحفظ الصبي وغسله، وذلك من باب نظافة البيت، وهي منفعة تحصل لها بذلك، فلا تستحق الاجر.\rولو استأجر الاب ظئرا، وأرادت الام أن ترضع فهي أولى، لانها أشفق عليه.\rوإن كانت المرأة مبانة وهي في العدة، ففي إحدى الروايتين لا يجوز لها أن تأخذ الاجر، لانها تستحق النفقة، كالزوجة.\rوفي رواية يجوز، لانها صارت أجنبية.\rفأما إذا انقضت العدة فيجوز أن تأخذ الاجر، لانها بمنزلة\rالاجنبية، وهي أولى من الاجنبية.\rوتجب الاجرة على الزوج بمثل ما تأخذ الاجنبية.\rوإن قال الاب: أنا أجد من ترضعه بغير أجر أو بأقل من ذلك","part":2,"page":233},{"id":638,"text":"الاجر فليس لها أن تمنع الزوج من ذلك، لان في ذلك ضررا بالاب، ولكن ترضع الظئر في بيت الام ما لم تتزوج، لان حق الحضانة لها.","part":2,"page":234},{"id":639,"text":"باب الرضاع قد ذكرنا أن الرضاع سبب للتحريم بطريق التأبيد، فيحرم به ما يحرم بالنسب والصهرية، وإنما يخالف النسب في مسألتين.\rإحداهما: أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل أخت ابنه من النسب، ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع، لان أخت ابنه من النسب بنت امرأته الموطوءة، وبنت موطوءته حرام عليه، وهذا لا يوجد في الرضاع.\rوالثانية: أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل أم أخته من النسب، ويجوز أن يتزوج أم أخته من الرضاع، لان أم أخته من النسب موطوءة أبيه، وحليلة الاب حرام على الابن، وهذا لا يوجد في الرضاع.\rوتعرف ذلك بالتأمل.\rوجملة ذلك أن الرضاع يتعلق به التحريم في جانب المرضعة، وفي جانب الواطئ الذي ينزل اللبن من وطئه.\rوالتحريم في جانب المرضعة مجمع عليه، وفي جانب الزوج مختلف فيه فعندنا يثبت، وعند الشافعي: لا يثبت.\rولقب المسألة أن لبن الفحل هل يحرم أم لا؟ وبيانه أن المرأة إذا أرضعت طفلا، فإنها تحرم عليه، وصارت أما له، وصاحب اللبن صار أبا له، فإن كان المرضع أنثى، تحرم على صاحب اللبن، لكونها بنتا له، وإن كان ذكرا تحرم المرضعة عليه، لكونه ابنا له.","part":2,"page":235},{"id":640,"text":"وأولاد المرضعة، من صاحب اللبن، إخوة وأخوات المرضع لاب.\rوأم وأولاد المرضعة من غير صاحب اللبن إخوة وأخوات له لام، وأولاده من غير المرضعة إخوة وأخوات له لاب.\rوكذلك الحكم في أولاد الاولاد من الجانبين.\rوأمهات المرضعة جداته من قبل الام، وأمهات صاحب اللبن جداته من قبل الاب.\rوإخوة المرضعة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته، وبنات الاخوال والخالات والاعمام والعمات من الرضاع حلال، كما في النسب.\rولا يجوز للمرضع أن يتزوج بمن أرضعته المرضعة من الاناث.\rلانهن أخواته، لكونهن بنات لها من جهة الرضاع.\rوأصل ذلك أن كل اثنين اجتمعا على ثدي واحد فهما أخوان أو أختان، أو أخ وأخت.\rوعلى هذا لو كان لرجل امرأتان فحبلتا منه، وأرضعت كل واحدة منهما، صغيرا أجنبيا، فقد صارا أخوين لاب، فإن كانت إحداهما أنثى، لم يجز لها أن تتزوج بالآخر، لانه أخوها من أبيها، وإن كانا اثنين لم يجز لرجل واحد أن يجمع بينهما في النكاح، لانهما أختان لاب.\rوقد ذكرنا تفسير حرمة الرضاع بسبب الصهرية في كتاب النكاح فلا نعيده.\rثم الرضاع المحرم ما كان في حال الصغر.\rفأما رضاع الكبير: فلا يتعلق به التحريم.\rوأصله قوله عليه السلام: الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم.","part":2,"page":236},{"id":641,"text":"واختلف أصحابنا في الحد الفاصل، قال أبو حنيفة: يثبت حكم الرضاع في الصغير إلى ثلاثين شهرا، فما ارتضع بعد ذلك لم يتعلق به التحريم.\rوقال أبو يوسف ومحمد إلى الحولين وهو قول الشافعي.\rوقال زفر: إلى ثلاث سنين والمسألة معروفة.\rولو فطم الصبي، في مدة الرضاع، ثم أرضع بعد الفصال، في المدة اختلفت الروايات فيه عن أصحابنا: روى محمد عن أبي حنيفة أن ما كان من الرضاع إلى ثلاثين شهرا، قبل الفطام أو بعده: فهو رضاع محرم.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فطم في السنتين حتى استغنى بالطعام ثم ارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهرا لم يكن ذلك رضاعا، لانه لا رضاع بعد فطام تام.\rوإن هي فطمته، فأكل أكلا ضعيفا لا يستغني به عن الرضاع، ثم عاد فأرضع في الثلاثين فهو رضاع يحرم، كرضاع الصغير الذي لم يفطم.\rوروى محمد وأصحاب الاملاء عن أبي يوسف أنه إذا فطم قبل\rالحولين، ثم ارتضع في بقية الحولين فهو رضاع محرم، وهو مذهب محمد، وكان لا يعتد بالفطام قبل الحولين.\rوروى الحسن عن أبي يوسف أنه إذا أرضع بعد الفطام في الحولين لم يكن رضاعا.\rثم عندنا: قليل الرضاع وكثيره سواء في حال الصغر، في التحريم.\rوقال الشافعي: لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات.\rوالصحيح قولنا، لقوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) *","part":2,"page":237},{"id":642,"text":"(1) من غير فصل.\rوكذا عندنا: تثبت حرمة الرضاع بلبن الميتة.\rوعند الشافعي: لا يقع به التحريم، لكونه نجسا.\rوإذا وصل اللبن إلى جوف الصبي، لا من الثدي، بأن أوجر (2) أو أسعط (3) تثبت الحرمة، لان الوجور يصل إلى الجوف، والسعوط يصل إلى الجوف أيضا.\rولو حقن الصبي باللبن ذكر الكرخي وقال: لم يحرم، ولم يحك خلافا.\rوروي عن محمد أنه يحرم، كما يقع به الافطار.\rأما إذا أقطر في الاذن لم يثبت التحريم، لانه لم يعلم وصوله إلى الجوف.\rوكذا إذا أقطر في إحليله، لهذا المعنى.\rوكذلك لو أقطر في جائفة (4) أو آمة (5)، لما ذكرنا.\rولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه:\rإن اختلط بالطعام، ومسته النار، حتى نضج وطبخ لم يتعلق به الحرمة، في قولهم جميعا، لانه تغير، بالطبخ مع غيره، عن طبعه وصفته.\r__________\r(1) سورة النساء: الاية 23.\r(2) الوجور: الدواء يصب في الحلق: وأوجرت المريض إيجارا، فعلت به ذلك.\r(3) السعوط: دواء يصب في الانف.\r(4) الجائفة هي الجراحة التى تصل الى بطن من الصدر أو الظهر أو البطن.\r(5) الامة هي الشجة التى تصل الى أم الدماغ وهى جلدة تحت العظم فوق الدماغ.","part":2,"page":238},{"id":643,"text":"وإن اختلط به الطعام، ولم تمسه النار فإن كان الطعام هو الغالب لم يثبت به التحريم، لانه زال اللبن وصار اللبن كالعدم.\rوإن كان اللبن غالبا للطعام، وهو طعام ظاهر يعتد به قال أبو حنيفة: لا يقع به التحريم.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يحرم اعتبارا للغالب فأبو حنيفة يقول إنه يضعف معنى اللبن، ويزول قوته، حتى يصير اللبن رقيقا ضعيفا يعرف بالمشاهدة.\rوإن اختلط اللبن بالدواء أو الدهن أو النبيذ فإن كان اللبن غالبا يحرم، وإن كان الدواء غالبا لا يحرم، ويعتبر الغلبة بالاجماع، لان قوة اللبن باقية.\rوإن اختلط اللبن بالماء فإن كان اللبن غالبا يقع به التحريم.\rوإن كان الماء غالبا لا يقع به التحريم، اعتبارا للغالب.\rوقال الشافعي: إذا أقطر من اللبن خمس رضعات، في جب ماء، فشرب منه الصبي تثبت الحرمة.\rوإن اختلط اللبن بلبن شاة تعتبر الغلبة أيضا، لان لبن الشاة لا\rيؤثر في زوال قوة لبن الآدمية.\rوأما إذا اختلط لبن امرأتين فروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الحكم للاغلب، فثبت به التحريم، دون الآخر.\rوقال محمد وزفر: يثبت التحريم منهما، احتياطا في باب الحرمة.\rوهما يقولان: إن المغلوب لا عبرة به في الشرع.\rولو طلق امرأته طلاقا بائنا، ولها منه لبن فما دامت في العدة، أو بعد التزوج بغيره قبل ظهور الحبل، لو أرضعت صبيا، فإن التحريم يثبت من الزوج الاول، لان اللبن له.\rفأما إذا حبلت من الزوج الثاني، فأرضعت صبيا قال أبو حنيفة: التحريم للاول دون الثاني، حتى","part":2,"page":239},{"id":644,"text":"تضع، فإذا وضعت يكون التحريم للثاني، دون الاول.\rوقال أبو يوسف: إذا نزل لها اللبن من الثاني، فالتحريم للثاني، وبطل الاول.\rوروى الحسن عنه أنها إذا حبلت فاللبن للثاني.\rوقال محمد: إذا نزل لها لبن، فالتحريم للزوجين، فإذا وضعت، فالتحريم للثاني لا غير وهي مسألة المبسوط.\rهذا الذي ذكرنا حكم الرضاع المقارن للنكاح، فأما الرضاع الطارئ على النكاح فإنه يبطله، لانه يوجب حرمة مؤبدة بيانه: - إذا تزوج الرجل صغيرة، فأرضعتها أمه حرمت عليه، لانها صارت أختا له بالرضاع.\r- ولو تزوج رجل صغيرتين رضيعتين، فجاءت امرأة وأرضعتهما معا، أو واحدة بعد الاخرى، صارتا أختين من الرضاعة، وحرمتا\rعليه، وبطل نكاحهما، لان الجمع بين الاختين يستوي فيه الابتداء والبقاء، ويجب على الزوج لكل واحدة من الصغيرتين نصف المهر، لان الفرقة وقعت قبل الدخول بهما من غير فعلهما.\rثم ينظر فإن كانت المرضعة تعمدت الفساد يرجع عليها الزوج بما غرم من نصف المهر، وإن كانت لم تتعمد لم يرجع.\rوقال الشافعي: يضمن مهر المثل في الوجهين جميعا.\rوالصحيح قولنا، لان فعلها سبب الحرمة لاعتدائها، وإنما يكون السبب تعديا بقصد الفساد، أما بدون قصد الفساد فليس بتعد، كحفر البئر على قارعة الطريق، وحفر البئر في ملك نفسه.\rوإذا ثبت أن الرضاع محرم، فإنما يعرف بالاقرار، أو بشهادة رجلين","part":2,"page":240},{"id":645,"text":"أو رجل وامرأتين.\rأما لا يثبت بشهادة الرجل الواحد، ولا بشهادة النساء وحدهن، لان هذا مما يطلع عليه الرجال، فإن النظر إلى ثدي المرأة جائز في الجملة.","part":2,"page":241},{"id":646,"text":"باب العدة العدة أنواع ثلاثة: عدة الوفاة، وعدة الطلاق، وعدة الوطئ.\rأما عدة الوفاة: ففي حق الحرة أربعة أشهر وعشرا، صغيرة كانت أو كبيرة، دخل بها زوجها أو لم يدخل، حرا كان زوجها أو عبدا.\rوهذه العدة لا تجب إلا في نكاح صحيح، لقوله تعالى: * (والذين\rيتوفون منكم ويذرون أزواجا) * (1) من غير فصل، ومطلق اسم الزوج لا يقع على المتزوج نكاحا فاسدا.\rوأما في حق الزوجة الامة فشهران وخمسة أيام، كان زوجها حرا أو عبدا، لان العدة تتنصف بالرق وتتكامل بالحرية، ويعتبر فيها جانب النساء دون الرجال، بالاجماع.\rوإن كانت الزوجة حاملا فانقضاء عدتها بوضع حملها، إذا كان تاما أو سقطا مستبين الخلق، كله أو بعضه، قصرت المدة أو طالت.\rوعند علي رضي الله عنه: عدتها أبعد الاجلين.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لظاهر قوله تعالى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (2)، والنص مطلق، وهو آخرهما نزولا، على ما\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 234.\r(2) سورة الطلاق: الاية 4.","part":2,"page":243},{"id":647,"text":"روي عن ابن مسعود أنه قال: من شاء باهلته (1) أن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة.\rوأما عدة الطلاق: فثلاثة قروء (2) في حق ذوات الاقراء، إذا كانت حرة.\rوفي حق الآيسة، والصغيرة، والتي لا تحيض بعد ثلاثين سنة: ثلاثة أشهر إذا كان بعد الدخول بها، أو بعد الخلوة الصحيحة، في النكاح الصحيح، لانها توجب كمال المهر، فتوجب كمال العدة بطريق الاولى، احتياطا.\rوأما الخلوة الصحيحة في النكاح الفاسد فلا توجب العدة، ولا\rكمال المهر، لان التسليم لا يجب عليها، فلا تقام الخلوة مقامه.\rوأما الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح فإن كان يمكنه الوطئ مع المانع، كالحيض والاحرام ونحو ذلك، يجب كمال العدة، دون كمال المهر، لانهما يتهمان في العدة التي هي حق الشرع.\rوإن كان لا يمكنه الوطئ مع المانع حسا، كالمريض أو المريضة التي لا يقدر الوطئ منهما، أو الصغير أو الصغيرة التي لا يتصور الجماع منهما، فلا عدة، لانهما لا يتهمان، ولم يوجد التسليم الذي أوجب العدة.\rوإن كانت الزوجة مملوكة للغير، فعدتها حيضتان إن كانت من ذوات الاقراء، وإن لم تحض فشهر ونصف.\rولا تجب عدة الطلاق قبل الدخول.\r__________\r(1) أي لاعنه - من البهلة وهى اللعنة.\rوباهل بعضهم بعضا.\rوتبهلوا وتباهلوا: تلاعنوا.\r(2) القرء بالضم والفتح.\rويجمع على أقراء وقروء.\rمن الاضداد: يقع على الحيض واليه ذهب أبو حنيفة واهل العراق، وعلى الطهر واليه ذهب الشافعي واهل الحجاز.\rوهو في الاصل للوقت، وانما قيل للحيض والطهر قرء لانهما يجيئان في الوقت - يقال: هبت الريح لقرئها أي لوقتها.","part":2,"page":244},{"id":648,"text":"والحكم في الخلوة الصحيحة ما ذكرنا.\rوأما أم الولد إذا أعتقت، أو مات سيدها فعدتها ثلاث حيض، عندنا.\rوعند الشافعي: بقرء واحد.\rوأصله قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروحء) * (1).\rوقال الله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم يحضن) * (2).\rوقال: * (يا أيها الذين آمنوا إذا\rنكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * (3).\rوأما في حق الحامل فعدتها وضع الحمل، لا خلاف في المطلقة، لظاهر قوله: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (4) وقال عليه السلام: طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان.\rوقال عمر رضي الله عنه: طلاق الامة تطليقتان، وعدتها حيضتان، ولو استطعت لجعلتها حيضة ونصف.\rوأما عدة الموطوءة: وهي التي وطئت بالنكاح الفاسد أو شبهة عقد أو شبهة ملك أو كانت أم ولد فأعتقها مولاها، أو مات عنها فثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، أو وضع الحمل، لانها ملحقة بالمنكوحة شرعا.\rولو طلق الرجل امرأته في مرضه الذي مات فيه، ثلاثا أو طلاقا\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 228.\r(2) سورة الطلاق: الاية 4.\r(3) سورة الاحزاب: الاية 49.\r(4) سورة الطلاق: الاية 4.","part":2,"page":245},{"id":649,"text":"بائنا، ثم مات قبل أن تنقضي عدتها، فورثت: اعتدت بأربعة أشهر وعشرا، فيها ثلاث حيض عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حيض.\rوكذلك امرأة المرتد: يجب عليها العدة، وترث من المرتد، على هذا الخلاف، في إحدى الروايتين.\rوإن كان الطلاق رجعيا، في صحة أو مرض، فعدتها أربعة أشهر وعشرا، وبطل عنها الحيض في قولهم، لان الزوجية باقية.\rوموت الزوج يوجب عدة الوفاة.\rوإذا مات الصبي عن امرأته وهي حامل، فعدتها أن تضع حملها، عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: عدتها أربعة أشهر وعشرا.\rوالصحيح قولهما، لظاهر قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن).\rوذكر الكرخي: فإن مات وهي غير حامل، ثم حملت بعد موته، قبل انقضاء العدة فعدتها الشهور، في قولهم.\rثم في حق من كانت عدته بالشهور، كيف يعتبر الشهر؟ بالايام أو بالاهلة؟ فنقول: جملة هذا أن الوفاة أو الطلاق إذا اتفق في غرة الشهر اعتبرت الشهور بالاهلة، وإن نقصت عن العدد في قول أصحابنا جميعا.\rفأما إذا حصل في بعض الشهر، فقال أبو حنيفة: تعتبر بالايام، فتعتد في الطلاق تسعين يوما، وفي الوفاة مائة وثلاثين يوما.\rوقال محمد: تعتد بقية الشهر بالايام، ثم تعتد شهرين بالاهلة، وتكمل الشهر الاول من الشهر الثالث بالايام.","part":2,"page":246},{"id":650,"text":"وعن أبي يوسف روايتان: في رواية مثل قول أبي حنيفة.\rوفي رواية مثل قول محمد وهو قوله الاخير.\rوأصله قوله عليه السلام: الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابع يديه ثلاثا وخنس (1) إبهامه في الثالث، فكان الاصل هو الاهلة عند الامكان، وعند التعذر يصار إلى الايام.\rثم العدتان يتداخلان عندنا، سواء كانتا من جنس واحد، أو من\rجنسين مختلفين.\rوقال الشافعي: لا يتداخلان، بل يجب أن تمضي في العدة الاولى، فإذا انقضت استأنفت الاخرى.\rوصورة المسألة أن المطلقة إذا مضى بعض عدتها، وتزوجت في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تاركها، فإنه يجب عليها عدة أخرى ويتداخلان.\rوكذا إذا كانتا من جنسين، بأن كان المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة تداخلت أيضا.\rويعتبر ما ترى من الحيض في الاشهر من عدة الوطئ وهي مسألة معروفة.\rثم العدة معتبرة بالنساء: تتنصف برقها، وتتكامل بحريتها، بالاجماع وإنما الخلاف في الطلاق.\rثم ما عرفت من الجواب في حق المسلمة، فهو الجواب في حق الكتابية إذا كانت تحت مسلم، لان العدة فيها حق الشرع وحق الزوج والولد، فإن لم تكن مخاطبة بحق الشرع، فمخاطبة بإيفاء حق الزوج والولد.\r__________\r(1) خنس ابهامه قبضها.","part":2,"page":247},{"id":651,"text":"وأما الذمية تحت ذمي، فلا عدة عليها في موت ولا فرقة عند أبي حنيفة إذا كان في دينهم كذلك، إلا أن تكون حاملا، فلا يجوز نكاحها.\rوقال أبو يوسف: عليها العدة، لجريان أحكام الاسلام عليهما،\rبسبب الذمة.\rوأبو حنيفة يقول: إنها غير مخاطبة بحق الشرع، والزوج لا يعتقد العدة حقا لنفسه، فلم تجب لحقه.\rأما إذا كانت حاملا فتمنع من التزويج، حقا للولد، حتى لا يختلط النسب، فيضيع الولد.\rثم في النكاح الفاسد إذا وقعت الفرقة بعد الوطئ بتفريق القاضي، أو بمتاركتها فإنه تعتبر العدة من وقت التفريق، لا من وقت الوطئ، عندنا، خلافا لزفر: فإنه يعتبر من آخر وطئة وطئها.\rوالصحيح قولنا، لان النكاح الفاسد موجود من وجه، وهو ملحق بالثابت من كل وجه، في حق الاحكام، فلا بد من التفريق حتى تجب العدة.\rوإذا كان الزوج غائبا، فطلق امرأته أو مات عنها، والمرأة لا تعلم بذلك، حتى مضت مدة العدة، فإنه تنقضي العدة، وتعتبر من وقت الطلاق.\rوالعلم ليس بشرط لمضي العدة، فإنها أجل وضع لبراءة الرحم، وإنه يحصل بلا علم.\rوأما الممتد طهرها، فعدتها بالاقراء، ولا تنقضي بالشهور، ما لم تدخل في حد الاياس، لانها من ذوات الاقراء في الجملة.","part":2,"page":248},{"id":652,"text":"باب ما يجب على المعتدة المعتدة إما إن كانت عن طلاق، أو عن وفاة.\rفإن كانت عن طلاق ينبغي لها أن لا تخرج من بيتها، ليلا ولا\rنهارا، بل يجب عليها السكنى في البيت الذي تسكن فيه، وأجر السكنى والنفقة على الزوج.\rوأصله قوله تعالى: و * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * (1).\rوأما المتوفى عنها زوجها، فلا بأس بأن تخرج بالنهار في حوائجها، ولا تبيت في غير منزلها، الذي تعتد فيه، لان نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج، لاصلاح أمرها.\rوعن محمد: لا بأس بأن تبيت في غير بيتها، أقل من نصف الليل، لان البيتوتة عبارة عن السكون في المكان أكثر الليل في العرف.\rثم منزلها الذي تؤمر بالسكنى، والاعتداد فيه، هو الموضع الذي كانت تسكنه، قبل مفارقة الزوج، وقبل موته، سواء كان الزوج ساكنا فيه أو لم يكن، لان الله تعالى أضاف البيت إليها، والبيت المضاف إليها هو الذي تسكنه.\rولهذا قال أصحابنا: إنها إذا زارت أهلها، فطلقها زوجها، كان\r__________\r(1) سورة الطلاق: الاية 1.","part":2,"page":249},{"id":653,"text":"عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه، فتعتد هنالك.\rفإن اضطرت إلى الخروج، فلا بأس بذلك، مثل أن تخاف سقوط البيت وانهدامه، أو تخاف أن يغار على متاعها، أو أن يكون بأجرة ولا تجد ما تؤديه في أجرته في عدة الوفاة، فإن كانت تقدر على الاجرة، فلا تنتقل.\rوإن كان المنزل لزوجها، وقد مات عنها، فلها أن تسكن في نصيبها إن كان نصيبها يكفيها في السكنى، ولكن تستتر عن سائر الورثة ممن ليس\rبمحرم لها.\rفأما إذا كان نصيبها لا يكفيها، أو خافت على متاعها منهم فلها أن تنتقل، ويكون ذلك عذرا، والسكنى وجبت حقا لله تعالى عليها، فيسقط بالعذر، كسائر العبادات.\rوكذلك المسافرة حرام أيضا للمطلقة، سواء كان سفر حج، فرض أو غيره.\rمع زوجها أو محرم، حتى تنقضي عدتها، لان السفر خروج مديد، إلا أن في المطلقة طلاقا رجعيا للزوج أن يسافر بها إذا راجعها.\rوقال زفر: لزوجها أن يسافر بها، وهذا بناء على أن المسافرة بها مراجعة عند زفر، وعندنا ليس بمراجعة.\rفأما لا خلاف أن الخروج في حال العدة حرام عليها.\rولو خرجت المرأة مع زوجها في سفر غير سفر الحج، ثم طلقها في بعض الطريق إن كان بينها وبين مصرها الذي خرجت منه أقل من ثلاثة أيام، وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام، فإنها ترجع إلى منزلها، لانه ليس فيها إنشاء السفر، وفي ذلك إنشاء السفر.\rوإن كان في كل جانب أقل من مدة السفر: كان لها الخيار، لما ذكرنا.\rوإن كان من كل جانب مدة السفر ينظر: إن كانت هي في موضع يمكنها المقام فيه، أقامت في ذلك الموضع، واعتدت، ولا تمضي عند أبي","part":2,"page":250},{"id":654,"text":"حنيفة رضي الله عنه، وإن وجدت محرما.\rوعلى قولهما: إن لم يكن معها محرم، فكذلك.\rوإن كان معها محرم، مضت على سفرها.\rوإن كانت في موضع لا يصلح للاقامة، وتخاف على نفسها ومالها فإن شاءت مضت، وإن شاءت رجعت، لاستواء الامرين، لكن إذا\rبلغت إلى أدنى الموضع الذي يصلح للاقامة فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا.\rفإن أحرمت للحج، وخرجت إلى سفر الحج مع محرم لها غير الزوج، ثم طلقها الزوج، أو مات، فبلغها الخبر، وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام فإنها ترجع، وتصير بمنزلة المحصر، فإن راجعها زوجها، بطلت العدة، وتعود الزوجية، فجاز لها السفر.\rوأما الحداد فيجب على كل معتدة، بالغة، عاقلة، مسلمة، حرة، بانت من زوجها، بواحدة أو ثلاث، أو مات عنها زوجها.\rفإن كانت معتدة عن وفاة يجب الاحداد، بالاجماع.\rوإن كانت عن طلاق، بائن أو ثلاث، فكذلك، عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجب الاحداد.\rوأجمعوا أنه لا يجب الاحداد على المطلقة، طلاقا رجعيا.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا، والمباينة نظير المتوفى عنها زوجها في التحسر على ما فات، في الغالب، فيجب الاحداد عليها.\rثم تفسير الاحداد هو الاجتناب عن جميع ما يتزين به النساء من","part":2,"page":251},{"id":655,"text":"الطيب، ولبس الثوب المصبوغ، والمطيب بالعصفر والزعفران، والاكتحال، والادهان، والامتشاط، ولبس الحلي، والخضاب، ونحو ذلك، إلا إذا لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ، فلا بأس بأن تلبسه ولا تقصد الزينة.\rوقال في الاصل: ولا تلبس قصبا ولا خزا تتزين به، لان هذا مما يلبس للحاجة، فيعتبر فيه القصد، فإن قصدت الزينة يكره، وإن لم تقصد فلا بأس.\rهذا الذي ذكرنا حكم المعتدة، البالغة، العاقلة، المسلمة، الحرة، في النكاح الصحيح.\rفأما الصغيرة، والكتابية، والامة، والمدبرة، وأم الولد، والمكاتبة، والموطوءة عن شبهة أو نكاح فاسد، فليس عليهن السكنى، ويباح لهن الخروج، لان السكنى حق الله تعالى، والكافرة لا تخاطب به.\rفأما الرقيقة، فلا يلزمها المقام في منزل زوجها، لقيام حق المولى في الخدمة، إلا إذا بوأها مولاها منزلا، فحينئذ لا تخرج، لانه أسقط حق نفسه في الخدمة.\rفإن أراد المولى أن يخرجها فله ذلك، لانه أعار منفعة خدمته للزوج، وللمعير أن يسترد العارية.\rوأما الكتابية، فلها أن تخرج إلا أن يحبسها الزوج، لحقه في عدتها لصيانة الماء، فتكون السكنى حق الزوج، لاجل الولد.\rوأما الصغيرة، فلها الخروج، وليس للزوج منعها، لانه لا يلزمها حق الشرع، ولا حق الزوج، لان حقه في حفظها لصيانة الولد، ولا يتصور الولد في حقها.\rوأما أم الولد إذا أعتقت، أو مات سيدها فلها أن تخرج، لان عدتها عدة الوطئ.","part":2,"page":252},{"id":656,"text":"وكذلك في الوطئ لشبهة، أو نكاح فاسد لها أن تخرج، لان ذلك واجب في النكاح الصحيح، لا غير.\rفأما الحداد، فلا يجب على الصغيرة والكافرة، لانه ليس عليهما حق\rالله تعالى.\rفأما على الامة، والمدبرة، وأم الولد، والمكاتبة إذا كانت زوجته فيجب الحداد، لانه عبادة بدنية، وإنها لا تسقط بسبب الرق.\rوفي عدة أم الولد بعد العتق والموت، وفي العدة من نكاح فاسد لا حداد أيضا، لانه يجب لحرمة الزوجية، ولم توجد.\rثم المعتدة إذا قالت: انقضت عدتي في مدة تنقضي بها العدة، غالبا، فإنها تصدق، لانها أمينة، والقول قول الامين، فيما لا يخالفه الظاهر، بالاجماع.\rولو لم تعترف بانقضاء العدة لا تنقضي، لاحتمال أنها تصير ممتدة الطهر.\rفأما إذا أخبرت بانقضاء العدة في مدة أقل من شهرين، قال أبو حنيفة: لا يصدق في أقل من شهرين.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يصدق في تسعة وثلاثين يوما.\rولتخريج قول أبي حنيفة رحمه الله وجهان: أحدهما رواه محمد، والثاني رواه الحسن.\rوإن طلقها في نفاسها وهي حرة: فقال أبو حنيفة في رواية محمد: لا تصدق، في أقل من خمسة و ثمانين يوما.\rوفي رواية الحسن: مائة يوم.","part":2,"page":253},{"id":657,"text":"وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما.\rوقال محمد: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة.\rووجه تخريج المسألة يعرف في كتاب الحيض والله أعلم.","part":2,"page":254},{"id":658,"text":"كتاب العتاق الاعتاق أنواع: قد يكون قربة وطاعة لله تعالى، بأن أعتق لوجه الله تعالى أو نوى عن كفارة عليه.\rوقد يقع مباحا غير قربة بأن أعتق من غير نية، أو أعتق لوجه فلان.\rوقد يقع معصية بأن قال: أنت حر لوجه الشيطان، ويقع العتق أيضا.\rثم الالفاظ تذكر في العتق نوعان: نوع يثبت به العتق في الجملة إما بالنية، أو بغير النية.\rنوع لا يثبت به العتق أصلا، وإن نوى.\rوأما الذي يثبت به العتق فثلاثة أنواع: صريح، وملحق بالصريح، وكناية.\rأما الصريح: فما اشتق من لفظ الحرية، والعتق، والولاء بأن قال: أنت حرة أو حررتك أو أنت عتيق أو معتق أو أعتقتك أو أنت مولاي.","part":2,"page":255},{"id":659,"text":"وقد يكون بصيغة النداء بأن قال: يا حر، يا عتيق، يا مولاي.\rففي هذه الالفاظ لا يحتاج إلى النية، لكونه صريحا.\rولو نوى به الخبر عن الكذب، في هذه الالفاظ يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لان صيغته صيغة الخبر، والخبر قد يكون كذبا.\rوإن نوى أنه كان حرا فإن كان مسبيا يصدق في الديانة، لا في القضاء.\rوإن كان مولدا لا يصدق أصلا.\rوإن قال: أنت حر ونوى أنه حر من العمل أي لا أستعمله في عمل ما لا يصدق، في القضاء، ويعتق، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى.\rوكذا إذا قال: أنت مولاي ونوى الموالاة في الدين لا يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى.\rولو قال: أنت حر من هذا العمل وسمى عملا معينا، أو قال: أنت حر من عمل اليوم فإنه يعتق في القضاء، لان العتق لا يتجزأ، فإذا جعله حرا في بعض الاعمال، أو جعله حرا عن الاعمال كلها في بعض الازمان يثبت في الكل، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى أنه أراد به البعض.\rوأما اللفظ الملحق بالصريح: كقوله لعبده: وهبت لك نفسك أو وهبت نفسك منك فإنه يعتق العبد، قبل العبد أو لم يقبل، نوى أو لم ينو.\rوكذلك إذا قال: بعت نفسك منك إلا أنه إذا باع نفسه من","part":2,"page":256},{"id":660,"text":"العبد، بثمن معلوم يشترط القبول لاجل ثبوت العوض.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لعبده: أنت مولى فلان أو عتيق فلان: يعتق في القضاء، لانه أقر بالحرية، وهو مالك العبد.\rولو قال: أعتقك فلان لا يعتق، لانه يحتمل أنه أراد به أنه قال لك: أنت حر الآن، ويحتمل الخبر، فلا يثبت العتق بالشك، لكن يجوز أن يقال: يعتق في الحالين.\rوأما ألفاظ الكناية: فأن يقول لعبده: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك أو خليت سبيلك أو خرجت عن ملكي، فإن نوى العتق يعتق، وإن لم ينو يصدق في القضاء لانه لفظ مشترك إلا إذا قال: لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء فهو حر في القضاء، ولا يصدق أنه أراد به غير العتق.\rولو قال: إلا سبيل الموالاة يصدق في القضاء، لانه قد يراد به الموالاة في الدين، بخلاف لفظ الولاء فإنه مستعمل في ولاء العتق.\rوأما الالفاظ التي لا يعتق بها، وإن نوى بأن قال لعبده: لا سلطان لي عليك، أو قال لعبده: اذهب حيث شئت، أو توجه أين شئت من بلاد الله، أو قال لعبده: أنت طالق أو طلقتك أو أنت بائن أو أنت علي حرام أو قال ذلك لامته، وكذلك سائر كنايات الطلاق ونوى العتق في هذه الفصول لا يعتق، لانها عبارة عن زوال اليد، وإنه لا يقتضي العتق، كما في الكناية.\rولو قال: يدك أو رجلك حر ونوى العتق لا يعتق، وإنما يعتق إذا أضيف إلى جزء شائع، أو جزء جامع، بأن قال: رأسك حر أو","part":2,"page":257},{"id":661,"text":"وجهك حر كما في الطلاق.\rولو نوى فقال: رأسك رأس حر أو بدنك بدن حر أو وجهك وجه حر، يعتق.\rولو قال على الاضافة: وجهك وجه حر أو رأسك رأس حر أو بدنك بدن حر لا يعتق، لان هذا تشبيه.\rولو قال: ما أنت إلا مثل الحر أو أنت مثل الحر ونوى العتق، لا يعتق، لانه تشبيه.\rوقد قالوا: إذا نوى العتق يعتق فإنه ذكر في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته: أنت مثل امرأة فلان وفلان آلى من امرأته، ونوى الايلاء يصدق، ويصير مولى.\rومن الالفاظ التي يثبت بها العتق ألفاظ النسب.\rوالاصل فيه أن من وصف مملوكه بصفة شخص يعتق عليه، إذا ملكه فهو على وجهين أحدهما أن يذكره بطريق الصفة، والآخر أن يذكره بطريق النداء.\rأما الصفة فنحو أن يقول: هذا ابني أو هذه ابنتي.\rوالنداء أن يقول: يا بني، يا بنتي، ولا يخلو إما إن كان العبد مجهول النسب، أو معروف النسب من غيره.\rولا يخلو: إما إن كان يصلح ولدا له أو لا يصلح، وكذلك في سائر القرابات المحرمة للنكاح.\rأما في الصفة بأن قال: هذا أخي أو عمي أو خالي: فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه يعتق، وسوى بين الكل، إلا في الاخت والاخ، فإنه لا يعتق، إلا بالنية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه سوى بين الكل وقال: يعتق.\rوأما النداء إذا قال: يا بني، يا بنتي، يا أمي، يا\rأبي فإنه لا يعتق إلا إذا نوى، لان النداء لا يراد به ما وضع له","part":2,"page":258},{"id":662,"text":"اللفظ، وإنما يراد به استحضار المنادى، إلا إذا ذكر اللفظ الموضوع للحرية كقوله، يا حر، يا مولاي: فيعتق لان في الموضوع لا يعتبر المعنى.\rثم ينظر: إن كان مجهول النسب، وهو يصلح ولدا له أو والدا فإنه يثبت النسب، ويعتق.\rوإن كان معروف النسب من غيره فإنه لا يثبت النسب، ولكن يعتق، لاحتمال النسب منه، بالنكاح، أو الوطئ عن شبهة، والاشتهار من غيره، أو بسبب الزنا.\rوعند الشافعي: ما لم يثبت النسب منه لا يثبت العتق.\rوإن كان لا يصلح ولدا ولا والدا ولا عما، قال أبو حنيفة: يعتق.\rوقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: لا يعتق.\rولو قال: هذه بنتي أو أمي وهي تصلح لذلك، فإن كانت مجهولة النسب، وليس للمدعي أم معروفة يثبت النسب والعتق، والحرمة.\rوإن كانت معروفة النسب، أو كانت للمدعي أم معروفة لا يثبت النسب، ولكن يثبت العتق، والحرمة.\rوإن كانت لا تصلح بنتا له أو أما له: يثبت العتق عند أبي حنيفة، ولكن لا تثبت الحرمة.\rوهذا إذا لم تكن زوجة له.\rفإن كانت زوجة له، فقال: هذه بنتي\rأو أمي فإن كانت معروفة النسب لا تثبت الحرمة أيضا.\rوكذلك إذا كانت البنت أكبر سنا منه والام أصغر سنا منه، لا تقع الفرقة.","part":2,"page":259},{"id":663,"text":"وعلى هذا قالوا في الزوجة إذا قال: هذه بنتي وهي تصلح بنتا له، ثم قال: أوهمت أو أخطأت لم تقع الفرقة، وإنما تقع إذا دام على ذلك وثبت.\rولو قال لعبده: هذا ابني أو لامته هذه بنتي ثم قال أخطأت يعتق، ولا يصدق.\rلو قال لامته وهي مجهولة النسب، وهي أصغر سنا منه: هذه بنتي ثم تزوجها: جاز، سواء أصر على ذلك أم لا كذلك ذكر في كتاب النكاح.\rولكن قالوا: هذا الجواب في معروفة النسب فأما في المجهولة إن دام على ذلك ثم تزوجها لم يجز، وإن لم يدم عليه جاز.\rولو قال لعبده: هذه بنتي أو لامته: هذا ابني اختلف المشايخ فيه.\rثم في معروف النسب من الغير إذا أعتق هل تصير أمه أم ولد له إذا كانت في ملكه؟ بعضهم قالوا: لا يثبت الاستيلاد، سواء كان الولد معروف النسب أو مجهول النسب.\rوقال بعضهم: يثبت في الحالين.\rوبعضهم فرق: إن كان معروف النسب لا يثبت، وفي مجهول النسب يثبت.","part":2,"page":260},{"id":664,"text":"باب آخر من العتق في هذا الباب فصول: أحدها الاعتاق بين الشريكين أو الشركاء والاصل فيه أن الاعتاق يتجزأ عند أبي حنيفة رحمه الله.\rوعند أبي يوسف ومحمد: لا يتجزأ.\rوقال الشافعي: في حالة اليسار لا يتجزأ.\rوفي حالة الاعسار يتجزأ.\rفيخرج المسائل على هذا: - إذا أعتق الرجل عبدا بينه وبين شريكه أعتق نصيبه لا غير، سواء كان موسرا أو معسرا، ولشريك المعتق خمس خيارات، إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء دبره، وإن شاء كاتبه، وإن شاء استسعاه، وإن شاء ضمن المعتق إن كان موسرا.\rغير أنه إذا دبره يصير مدبرا نصيبه، ويجب عليه السعاية، للحال، فيعتق، ولا يجوز له أن يؤخر عتقه إلى ما بعد الموت.\rثم إذا أعتق العبد بإعتاق الشريك نصيبه أو بالاستسعاء واستيفاء بدل الكتابة، يكون الولاء بينهما، لوجود الاعتاق منهما.\rوإن ضمن المعتق فللمعتق أن يعتقه إن شاء، وإن شاء استسعاه، وإن شاء كاتبه","part":2,"page":261},{"id":665,"text":"أو دبره، لان نصيبه انتقل إليه في حق الاعتاق، والمدبر يحتمل النقل في\rحق الاعتاق لا غير، فكان له الخيار، كما في الشريك قبل التضمين، ويكون الولاء كله له.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يعتق كله.\rثم إن كان المعتق موسرا، فللشريك أن يضمنه إن شاء، وإن شاء ترك، وليس له أن يستسعي العبد، وإن كان معسرا له أن يستسعي.\rوقال الشافعي: إن كان المعتق موسرا يعتق كله، وله أن يضمنه، وإن كان معسرا يعتق ما أعتق، ويبقى الباقي رقيقا، ويجوز فيه جميع التصرفات المزيلة للملك في نصيبه.\r- ولو كان العبد كله لرجل واحد، فأعتق نصفه، أو شيئا معلوما منه، فإنه يعتق بقدره، وله الخيار في الباقي بين أن يعتق أو يدبر أو يكاتب أو يستسعي، ويكون الولاء كله له إذا أعتق بالاعتاق أو بالسعاية.\rوعندهما: يعتق كله، وليس له أن يستسعيه.\r- وكذا لو أعتق نصيبه بإذن شريكه، فللشريك أن يستسعي، وليس له حق التضمين، لانه سقط بالاذن، وهذا قول أبي حنيفة.\rوعندهما: يسقط الضمان، وليس له حق الاستسعاء.\r- وكذلك لو أعتق نصيب شريكه بإذنه: يعتق عند أبي حنيفة، وليس أن يضمن شريكه الذي يقع الاعتاق من جهته، لانه راض بفساد نصيب نفسه، بالاقدام على إعتاق نصيب شريكه، وله أن يستسعي العبد.\rوعلى قولهما: ليس له أن يستسعي، وقيل إن على قولهما: ينبغي أن يكون له حق التضمين، لانه ضمان تملك.\rولو أعتق نصيب شريكه، بغير إذنه لا ينفذ عتقه، لانه أضاف عتقه إلى ما ليس بمملوك له، فلا ينفذ، ويتوقف على إجازته.\rثم تفسير اليسار الذي يتعلق به وجوب الضمان هو أن يكون المعتق","part":2,"page":262},{"id":666,"text":"مالكا لمقدار قيمة ما بقي من العبد، قلت أو كثرت.\rوتفسير الاعسار أن لا يقدر على هذا.\rثم إنما تعتبر القيمة في الضمان والسعاية، يوم الاعتاق، لانه سبب الضمان.\rوكذا يعتبر حال المعتق في يساره وإعساره يوم الاعتاق، حتى إذا كان موسرا يثبت للشريك حق التضمين، فإذا أعسر المعتق لا يبطل حق التضمين، وإن كان معسرا حتى يثبت حق الاستسعاء للشريك ثم إذا أيسر المعتق ليس للشريك حق التضمين.\rولو اختلفا في قيمة العبد لا يخلو إما إن كان العبد قائما أو هالكا فإن كان قائما، إن كانت الخصومة وقعت في حال الاعتاق، تعتبر قيمة العبد، للحال، ويحكم عليه بذلك، ويسقط اعتبار البينة والتحالف.\rوإن اتفقا أن الاعتاق سابق على حال الخصومة فلا يمكن الرجوع إلى قيمة العبد، للحال، لان قيمة العبد قد تزيد وتنقص في هذه المدة، ويكون القول قول المعتق، لانه ينكر الزيادة.\rوإن كان العبد هالكا فالقول قول المعتق، لانكاره الزيادة.\rوإن اختلفا في حال المعتق من اليسار والاعسار، والعتق متقدم على حال الخصومة إن كانت مدة يختلف فيها اليسار والاعسار فالقول قول المعتق، لانه ينكر اليسار، وإن كان لا يختلف يعتبر الحال.\rوالفصل الثاني إذا قال لعبديه: أحدكما حر، أو قال: هذا حر أو هذا حر، أو\rسماهما فقال: سالم حر أو بزيع حر فالمولى بالخيار بين أن يعين العتق","part":2,"page":263},{"id":667,"text":"في أيهما شاء.\rوكذلك في إعتاق إحدى أمتيه، فإنه أثبت العتق في أحدهما فهو المبهم فكان البيان إليه.\rفإذا خاصمه العبدان إلى الحاكم أجبره الحاكم على أن يعين أحدهما، لانه تعلق به حق العتق لاحدهما.\rفإن لم يخاصما عند الحاكم واختار إيقاع العتق على أحدهما وقع العتق عليه حين اختار عتقه وهما قبل ذلك بمنزلة العبدين، ما دام خيار المولى قائما فيهما.\rفأما إذا انقطع خيار المولى، وأحدهما في ملكه تعين للعتق بأن مات أحد العبدين.\rوإذا مات المولى يعتق من كل واحد منهما نصفه، لان الخيار فات بموت المولى، ولا يعرف الحر من العبد، فيشيع فيهما.\rفإن أخرج المولى أحدهما عن ملكه بوجه من الوجوه، بأن باعه أو رهنه أو آجره أو كاتبه أو دبره، أو كانتا أمتين فاستولد إحداهما، أو باع أحدهما على أنه بالخيار، أو على أن المشتري بالخيار، أو باع أحدهما بيعا فاسدا وقبضه المشتري، أو حلف على أحدهما بالاعتاق إن فعل شيئا فذلك كله اختيار لايقاع العتق في الآخر، لان المخير بين الشيئين إذا فعل ما يستدل به على الاختيار، قام مقام قوله اخترت وفي هذه المواضع وجد ما يستدل به على الاختيار، لانه إما أن يزيل الملك، أو هو سبب لانشاء زوال الملك أو العتق، أو تصرف لا يجوز إلا بالملك.\rفأما إذا وطئ إحدى أمتيه التي أبهم العتق فيهما لا يكون اختيارا للعتق عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن تعلق منه، وعندهما يكون\rاختيارا.\rوكذلك الخلاف إذا لمسها لشهوة.\rوأجمعوا أنه لو استخدم إحداهما لا يكون بيانا والمسألة معروفة.","part":2,"page":264},{"id":668,"text":"والفصل الثالث، إعتاق الحمل والاصل فيه أن الحمل يعتق بإعتاق الام تبعا، ويعتق بإضافة العتق إليه مقصودا أيضا، لانه أصل من وجه، تبع من وجه.\rإذا ثبت هذا نقول: - إذا قال لامته: ما في بطنك حر فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر، منذ قال ذلك يعتق، وإن جاءت به لاكثر من ستة أشهر منذ قال ذلك لم يعتق، لانا تيقنا بالعلوق في الفصل الاول، ووقع الشك في الثاني، فلا يعتق مع الشك.\rفإن ولدته ميتا بعد القول، بيوم لم يعتق، لانا لم نعلم حياته عند الايقاع.\rفإن كانت الامة في عدة من زوج عتق الولد إذا ولدته ما بينها وبين السنتين، منذ وجبت العدة، وإن كان لاكثر من ستة أشهر منذ قال المولى، لانا نحكم بثبوت نسب هذا الولد من الزوج، فلا بد أن يحكم بوجوده قبل الطلاق.\rوالعتاق متأخر عن ذلك.\r- ولو قال: ما في بطنك حر ثم ضرب رجل بطنها بعد يوم، فألقت جنينا ميتا: ففيه ما في جنين الحرة، عبدا أو أمة، لانه لما وجب الضمان على الضارب شرعا، فقد حكم بكونه حيا يوم الاعتاق.\rولو ولدت ولدين أحدهما لاقل من ستة أشهر، والآخر لاكثر منه،\rبيوم عتقا لانه تيقنا بعتق الذي ولدت لاقل من ستة أشهر، والآخر يجب أن يكون موجودا وهو حمل واحد، فمتى ثبت حكم الحياة في أحدهما، فكذا في الآخر.\r- ولو قال لعبده أو لامته: أنت حر إن شئت أو خيرتك في إعتاقك أو جعلت عتقك في يديك فإنه يصح تفويض العتق إلى","part":2,"page":265},{"id":669,"text":"الرقيق، ويكون الخيار إليه في المجلس، والجواب في العتق في هذا الفصل والطلاق سواء وقد بيناه في كتاب الطلاق.\r- ولو قال لعبده: أنت حر إن شاء الله فإنه لا يعتق.\rوما عرفت من الجواب في استثناء الطلاق، فهو الجواب في العتاق وقد ذكرناه في كتاب الطلاق.\rفصل قال عامة العلماء: إن من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه، صغيرا كان المالك أو كبيرا، صحيح العقل أو مجنونا.\rوقال مالك وأصحاب الظواهر: لم يعتقوا إلا بإعتاق المالك.\rوقال الشافعي: لا يعتق بالملك إلا من له ولاد.\rوأجمعوا أنه لا يعتق من كان له رحم غير محرم للنكاح.\rوأهل الذمة وأهل الاسلام في ذلك سواء بخلاف النفقة فإنها تختلف في الوالدين والمولودين تجب، وفي غيرهم من الرحم المحرم لا تجب والمسألة معروفة.\rولو ملك سهما من الرحم المحرم عتق، بقدر ما ملك، عند أبي\rحنيفة رحمه الله.\rوعند أبي يوسف ومحمد وزفر: عتق كله، لان العتق يتجزأ عنده، خلافا لهم.\rولو ملك رجلان عبدا، وهو ابن أحدهما أو ذو رحم محرم منه، بعقد عقداه جميعا أو قبلاه جميعا من الشراء والهبة والصدقة لم يضمن من عتق عليه لشريكه شيئا، ويسعى العبد له في نصيبه عند أبي حنيفة.\rوقال","part":2,"page":266},{"id":670,"text":"أبو يوسف ومحمد: يضمن الذي عتق عليه نصيبه إن كان موسرا.\rوأجمعوا أنهما لو ملكاه، بسبب الارث لم يضمن لشريكه شيئا في قولهم جميعا.\rوعلى هذا إذا باع رجل نصف عبده من ذي رحم محرم من عبده حتى عتق عليه نصيب المشتري، لم يضمن للبائع شيئا عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rويستوي الجواب بين ما إذا لم يعلم أن الشريك أو المشتري قريب العبد، وبين ما إذا علم في جواب ظاهر الرواية.\rوروى بشر عن أبي يوسف: إن كان الاجنبي يعرف ذلك فإن العبد يعتق، ويسعى للاجنبي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوإن كان لا يعلم فهو بالخيار إن شاء نقض البيع، وإن شاء أتم عليه.\rوعلى هذا الخلاف إذا حلف رجل بعتق عبد إذا ملكه ثم اشتراه هو وآخر لا ضمان عليه لشريكه عند أبي حنيفة، وعندهما: له أن يضمن، ذكر الخلاف أبو بكر الرازي، وأبو الحسن الكرخي يقول: لا أعرف الرواية في هذه المسألة.\rومن أصحابنا من فرق بين المسألتين وهذه المسألة تعرف في الخلافيات.\rفصل\rأصل هذا أن العتق المضاف إلى الملك كالمعلق في الملك عندنا، خلافا للشافعي وهي مسألة معروفة.\rإذا ثبت هذا نقول: - إذا قال: كل مملوك لي فهو حر فإنه يقع على ما هو مملوكه للحال.\r- وكذا إذا قال: كل مملوك أملكه فهو حر ولا نية له فهو على","part":2,"page":267},{"id":671,"text":"مملوك له يوم حلف، ولا يقع على ما يحدث فيه الملك، لان قوله: أملك صار عبارة عن الحال، باعتبار العرف، فإن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله يكون مسلما.\rوحكم المسألة أن كل من كان من ملكه من ذكر أو أنثى، قن أو مدبر ومدبرة، أو أم ولد وأولادها إنه يعتق من غير نية لانه مملوكه.\rفأما المكاتب: فلا يعتق بالنية، لانه غير مضاف إليه مطلقا.\rويدخل العبد المرهون، والعبد المستأجر، والعبد الذي عليه دين مستغرق.\rفأما عبيد عبده المأذون فإذا لم يكن على العبد المأذون دين فلا يدخلون عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا بالنية، لانهم لا يضافون إلى المولى مطلقا.\rوقال محمد يعتقون، لانهم ملكه على الحقيقة.\rوإن كان على المأذون دين مستغرق لم يعتق عند أبي حنيفة، وإن نواهم لانه لا يملك أكسابه عنده.\rوقال أبو يوسف: إن نواهم، عتقوا، لانهم ملكه، لكن لا يضافون إليه مطلقا.\rوقال محمد: يعتقون بلا نية، لانهم ملكه، والمعتبر عنده الملك، دون الاضافة.\rولا يدخل في هذا الكلام الحمل نحو أن يكون موصى له بالحمل.\rوكذلك لو قال: إن اشتريت مملوكين فهما حران فاشترى أمة حاملا لم يعتقا.\r- وكذلك لو قال لامته: كل مملوك لي حر لم يعتق حملها، لانه لا يسمى مملوكا على الاطلاق، فإن كانت الامة في ملكه يعتق الام والولد جميعا، لكن الولد يعتق بحكم التبعية، لا بحكم اليمين.\rفإن عنى به الذكور دون الاناث لم يدين في القضاء، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى،","part":2,"page":268},{"id":672,"text":"لانه نوى تخصيص كلامه.\r- ولو نوى في قوله: كل مملوك أملكه الاستقبال دون الحال، فإنه يقع على ما في ملكه، وما يملك في المستقبل جميعا، لان اللفظ ظاهره في العرف للحال، فلا يصدق في صرف الكلام عنه، ويقع العتق على ما سيملكه، بإقراره بالعتق فيما هو ملكه في المستقبل.\r- ولو قال: كل مملوك أملكه اليوم وله مملوك، فاستفاد في ذلك اليوم مماليك عتق الكل.\r- وكذلك إذا قال: هذا الشهر وهذه السنة، لان التوقيت دلالة على اشتمال اليمين على من يملكه في المدة، فعتقوا جميعا.\rفإن قال: عنيت أحد الصنفين دون الآخر دين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لانه ادعى تخصيص العموم.\r- ولو قال: كل مملوك أملكه الساعة فهو حر فهذا على ما ملكه تلك الساعة، دون غيرها، ولا يعتق ما يستفيد الملك فيه في ساعته تلك، لان المراد بقوله الساعة هو الحال في العرف، دون الساعة\rالتي عند المنجمين، فكان المراد به ما كان في ملكه في الحال التي حلف.\rفإن قال: أردت من أستفيد الملك فيه في هذه الساعة فقد نوى ما يحتمله كلامه، وهو الساعة الزمانية، وفيه تشديد على نفسه، فيصدق في دخوله ذلك في يمينه، ولا يصدق في صرف العتق عمن كان في ملكه.\r- ولو قال: كل مملوك أملكه غدا فهو حر ولا نية له قال محمد رحمه الله في الجامع: إنه يدخل فيه من كان ملكه في اليوم ودام إلى الغد، ومن استفاد ملكه في الغد أيضا، وهو قول محمد، واعتبر جانب الحال كأنه قال: كل مملوك أنا مالكه غدا فهو حر.\rوقال أبو يوسف رحمه الله: يعتق ما يملكه في الغد، دون ما جاء الغد وهو في ملكه، واعتبر","part":2,"page":269},{"id":673,"text":"جانب الاستقبال، لوجود الاضافة إلى زمان مستقبل.\r- وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل مملوك أملكه رأس الشهر.\r- وأجمعوا أنه إذا قال: كل مملوك أملكه إذا جاء غد فهو حر أنه على ما هو في ملكه غدا، لان مجئ الغد شرط، ومن أضاف العتق إلى شرط، يدخل في العتق ما كان مملوكه يوم الحلف دون ما يستفيده.\r- ولو قال: كل مملوك أملكه إلى سنة أو إلى ثلاثين سنة: فإنه يقع على ما يستقبل، بلا خلاف، وأولها من حين حلف بعد سكوته، لانه خاص للاستقبال، بدلالة العادة.\r- وكذلك لو قال: كل مملوك أملكه ثلاثين سنة أو أملكه سنة أو أملكه أبدا أو إلى أن أموت فإنه يدخل فيه ما استأنف فيه الملك، دون ما كان في ملكه.\rفإن قال: أردت بقولي أملكه سنة أن يكون في ملكي سنة من يوم حلفت دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في\rالقضاء، لان الظاهر أن هذا الكلام يراد به الاستقبال، فلا يصدق على خلاف الظاهر في القضاء.\r- ولو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه، فدخل الدار، ثم اشتراه، فدخل الدار ثانيا: لم يعتق، وإن لم يدخل الدار بعد البيع عتق، لان بالبيع لا يزول اليمين، لان بقاء الملك ليس بشرط لبقاء اليمين، فإذا بقيت اليمين فإذا اشتراه ودخل، فوجد الشرط، والعبد في ملكه، فعتق.\rفأما إذا دخل بعد البيع ينحل اليمين، لا إلى جزاء لوجود شرط الحنث، فإذا دخل بعد ما ملكه ثانيا، فقد وجد الشرط، ولا يمين، فلا يثبت به العتق.\r- ولو قال لعبده: إن دخلت هاتين الدارين فأنت حر، فباعه فدخل إحداهما ثم اشتراه، فدخل الاخرى عتق، لان العتق معلق","part":2,"page":270},{"id":674,"text":"بدخول الدارين، فإنما ينزل عند دخول الاخرى، فيشترط قيام الملك، عنده، لانه حال نزول الجزاء، والملك كان موجودا عند اليمين، وحال دخول الدار الاولى ليست حال انعقاد اليمين ولا حال نزول الجزاء، فلا يشترط فيه الملك.","part":2,"page":271},{"id":675,"text":"باب أم الولد يحتاج في الباب إلى تفسير الاستيلاد، وإلى بيان حكم أم الولد.\rأما الاول فنقول: أم الولد كل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالك لها أو من مالك\rلبعضها فإن المملوكة إذا جاءت بولد، وادعاه المالك، يثبت نسبه، وتصير الجارية أم ولد له.\rوإذا كانت مشتركة، فجاءت بولد، فادعاه أحدهما يثبت النسب منه، وتصير الجارية كلها أم ولد له، ويضمن قيمة نصيب شريكه، ويضمن نصف العقر، ويكون الولد حرا.\rفإن ادعاه الآخر، يثبت النسب منهما، جميعا، وتصير الجارية أم ولد لهما.\rوكذلك لو ثبت نسب ولد مملوكة، من غير سيدها بنكاح أو وطئ شبهة ثم ملكها، فهي أم ولد له، من حين ملكها لا من وقت العلوق، وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا تصير الجارية أم ولد له.\rوأجمعوا أنه إذا ملك الولد يعتق عليه وهي من مسائل الخلاف.\rثم الولد، سواء كان ميتا أو حيا، أو سقطا قد استبان خلقه أو بعض خلقه، إذا أقر به، فهو بمنزلة الولد الكامل الحي، في صيرورة الجارية أم ولد له، لان الولد الميت يسمى ولدا له، وتعلق به أحكام كثيرة.","part":2,"page":273},{"id":676,"text":"وإن لم يستبن خلقه، وادعاه المولى لا تكون أم ولد له، لان هذا لا يسمى ولدا، ويجوز أن يكون لحما أو دما عبيطا (1).\rوروي عن أبي يوسف أن المولى إذا قال: حمل هذه الجارية مني أو هي حبلى مني أو ما في بطنها من ولد فهو مني ثبت النسب، وتصير أم ولد له.\rولو قال هكذا، ثم قال بعد ذلك: لم تكن حاملا وإنما كان ريحا.\rفصدقته الامة فهي أم ولد له، لان هذا إقرار بكون الولد منه، فلا\rيصح رجوعه، ولا يعتبر تصديقها في حق الولد.\rوأما حكم أم الولد فنقول: إنه لا يجوز إخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه.\rولا يجوز فيها تصرف يفضي إلى بطلان حقها في حق الحرية.\rويجوز إعتاقها وتدبيرها وكتابتها لما فيه من إيصال حقها إليها معجلا.\rويجوز استخدامها ووطؤها وإجارتها لانها باقية على ملكه.\rوهذا قول عامة العلماء، خلافا لاصحاب الظواهر.\rوإذا جاءت أم الولد بولد، فإنه يثبت نسبه من غير دعوة، لانها صارت فراشا للمولى، إلا أنه ينتفي بمجرد النفي، بخلاف فراش النكاح فإنه لا ينتفي إلا باللعان.\rوإذا زوج أم الولد، فجاءت بولد لستة أشهر فصاعدا، فهو ابن الزوج، لان فراش المولى زال بالتزويج.\rفإن ادعى المولى نسب هذا الولد لم يثبت نسبه منه، لان الفراش الظاهر لغيره، ولكن يعتق عليه، لانه أقر به على نفسه، وهو محتمل.\r__________\r(1) الدم العبيط هو الدم الطري.","part":2,"page":274},{"id":677,"text":"ويستوي الجواب بين ما إذا كان النكاح فاسدا ووطئها الزوج، أو جائزا، لان المرأة تصير فراشا بالنكاح الفاسد.\rولو زال ملك المولى عنها بموته حقيقة أو حكما بالردة للحوق بدار الحرب، وهي حية يعتق من جميع المال، ولا تسعى للوارث ولا للغريم، بخلاف المدبر فإنه يعتق من الثلث.\rويجب على أم الولد بعد الموت أن تعتد بثلاثة أقراء.\rوكذلك لو أعتقها في حال الحياة على ما مر.\rوحكم ولد أم الولد حكم الام، لانه تابع للام حالة الولادة.\rثم أم الولد لا تضمن عند أبي حنيفة بالغصب، ولا بالقبض في البيع الفاسد، ولا بالاعتاق بأن كانت أم ولد بين رجلين، فأعتقها أحدهما لم يضمن المعتق لشريكه، ولم تسع أيضا في شئ.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يضمن في ذلك كله، كالمدبرة والامة ولقب المسألة أن أم الولد غير متقومة من حيث إنها مال عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما.\rوأجمعوا أن المدبر متقوم.\rوروي عن محمد في الاملاء أنه قال: إن أم الولد تضمن في الغصب عند أبي حنيفة بما يضمن به الصبي الحر إذا غصب أراد بهذا أنها إذا ماتت من سبب حادث من جهة الغاصب، بأن ذهب بها إلى طريق فيه سباع فأتلفها ونحو ذلك.\rوأجمعوا أنها تضمن بالقتل، لان دمها متقوم، وضمان القتل ضمان دم، وهي من مسائل الخلاف والله أعلم.","part":2,"page":275},{"id":678,"text":"باب المدبر في الباب فصلان: بيان المدبر، وبيان حكمه.\rأما الاول فنقول: المدبر نوعان: مطلق، ومقيد.\rفالمطلق من تعلق عتقه بموت المولى مطلقا، من غير قيد الموت بصفة ولا بشرط آخر سوى الموت.\rوالمقيد نوعان: أحدهما: أن يكون عتقه معلقا بموت موصوف بصفة، بأن قال: إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا.\rوالثاني: أن يكون عتقه معلقا بموته وبشرط آخر سواه.\rثم التدبير المطلق له ثلاثة أنواع من الالفاظ: أحدها: صريح اللفظ مثل أن يقول: دبرتك أو أنت مدبر.\rوروى هشام عن محمد رحمة الله عليهما: إذا قال لعبده: أنت مدبر بعد موتي فإنه يصير مدبرا للحال، لان المدبر اسم لمن يعتق عليه عن دبر موته، فقوله: أنت مدبر بعد موتي وأنت حر بعد موتي سواء.\rوكذلك إذا قال: أعتقتك بعد موتي أو أنت حر بعد موتي، أو أنت حر عن دبر موتي.","part":2,"page":277},{"id":679,"text":"والثاني: بلفظة اليمين: بأن قال: إن مت فأنت حر أو إن حدث لي حدث فأنت حر، ونحو ذلك.\rوالثالث: لفظة الوصية بأن قال: أوصيت لك برقبتك أو أوصي له بثلث ماله فيدخل فيه رقبته أو بعض رقبته، لان الايصاء للعبد برقبته إزالة ملكه عن رقبته، لانه لا يثبت له الملك في رقبته فبيع نفس العبد منه إعتاق، فيصير كأنه قال: أنت حر بعد موتي.\rوأما حكم المدبر المطلق فنقول: إنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته إن كان يخرج من الثلث، وإن لم يخرج يعتق ثلثه، ويسعى في ثلثيه.\rوكذلك الجواب في المدبر المقيد إنه يعتق من الثلث.\rوأما حكمه في حالة الحياة فإنه يثبت له حق الحرية، أو الحرية من وجه، فلا يجوز إخراجه عن ملكه إلا بالاعتاق أو بالكتابة، ولا يجوز فيه تصرف يبطل حقه، أما ما لا يبطل حقه فيجوز.\rولهذا لا يجوز رهن المدبر، لان فيه نقل الملك في حق الحبس.\rولو زوج المدبرة جاز.\rوكذلك لو أجره، لان هذا تصرف في المنفعة.\rوكذا أكساب المدبر، والمدبرة، ومهرها، وأرشها، للمولى، لان المدبر باق على ملكه.\rوولد المدبر المطلق حكمه حكم أمه يعتق بموت المولى.\rوهذا كله مذهبنا، وقال الشافعي: يجوز بيع المدبر المطلق والمسألة معروفة.","part":2,"page":278},{"id":680,"text":"وأما حكم المدبر المقيد فنقول: في حال الحياة إنه لا يكون مدبرا حقيقة، للحال، حتى يجوز جميع التصرفات فيه.\rوأما حكمه بعد الموت فالذي علق عتقه بموت موصوف بصفة بأنه قال: إن مت من مرضي هذا أو إن مت من سفري هذا أو إن قتلت أو غرقت فإنه إذا مات من غير ذلك الوجه لا يعتق، لانه لم يوجد الشرط، وهو الموت بصفة.\rوإن مات من مرضه أو سفره فإنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته، ولا يحتاج إلى إعتاق الورثة، لانه لم يتأخر عتقه عن الموت.\rفأما إذا أخر عتقه عن الموت، بأن قال: أنت حر بعد موتي بساعة\rأو بيوم أو بشهر ونحوه فإنه لا يعتق بالموت، لانه أخر عتقه عن الموت إلى وقت، فيكون مضافا إلى الوقت، فإذا جاء الوقت لا يعتق، ولكن يعتقه الوصي أو الوارث أو القاضي، لان هذا وصية بالاعتاق، لان الميت لا يكون من أهل الاعتاق.\rوكذلك الجواب في المدبر الذي علق بموته وبشرط آخر بأن قال: أنت حر بعد موتي وموت فلان أو إن مت أنا وفلان فأنت حر أو قال: إن مت ودخلت الدار أو إن كلمت فلانا فأنت حر بعد موتي فإن وجد الشرط قبل الموت، بأن مات فلان أو كلم فلانا صار مدبرا مطلقا، لانه بقي عتقه معلقا بالموت، لا غير.\rوأما إذا مات هو أولا ثم مات فلان فإنه لا يعتق.\rوكذلك إذا مات ثم دخل العبد الدار فإنه لا يعتق، لانه لم يوجد الشرطان.\rوأما إذا وجد موت فلان أو دخول الدار، فكذلك، لان المولى خرج","part":2,"page":279},{"id":681,"text":"من أن يكون من أهل الاعتاق بالموت، ولكن يجعل هذا وصية بالاعتاق، فينبغي للوصي أن يعتقه.\rوما عرفت من الجواب في الموت الحقيقي، فهو الجواب في الموت الحكمي، وذلك نحو أن يرتد المولى، ويلحق بدار الحرب، ويقضي القاضي بلحاقه، لان المرتد حكمه حكم الميت في الاحكام، والله أعلم.","part":2,"page":280},{"id":682,"text":"باب الكتابة\rيحتاج في الباب إلى: تفسير الكتابة، وإلى بيان حكمها.\rأما الاول فنقول: الكتابة عقد مشروع، مندوب إليه، لانه سبب العتق: قال الله تعالى: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * (1).\rثم الكتابة نوعان: حالة ومؤجلة.\rأما الكتابة الحالة فجائزة عندنا وعند الشافعي: لا تجوز، على عكس السلم فالسلم الحال لا يجوز عندنا، وعند الشافعي: السلم الحال جائز.\rوأما الكتابة المؤجلة فجائزة، بلا خلاف.\rوتفسيرها أن يقول الرجل لعبده: كاتبتك على ألف درهم على أن تؤدي إلي كل شهر كذا على أنك إذا أديت فأنت حر.\rوكذلك إذا قال: إذا أديت إلي ألف درهم كل شهر منه كذا فأنت حر وقبل العبد فإنه يكون كتابة، لان معنى الكتابة ليس إلا الاعتاق على مال مؤجل منجم بنجوم معلومة ولكن إنما يجوز إذا قبل بدل الكتابة، لانه عقد معاوضة، فلا بد من الايجاب والقبول.\r__________\r(1) سورة النور: الاية 33.","part":2,"page":281},{"id":683,"text":"وكذلك لو قال: كاتبتك على ألف درهم ونجمه، وسمى النجوم، وقبل العبد فإنه يكون كتابة، وإن لم يعلق العتق بالاداء، ولم يقل: على أنك إن أديت إلي ألفا فأنت حر، لانه عقد معاوضة، فيعتق بحكم المعاوضة، لا بحكم الشرط.\rوعلى قول الشافعي: لا بد من ذكر التعليق بشرط الاداء.\rولهذا إنه لو أبرأ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق، ولو كان معلقا بالاداء لا يعتق، بدون الشرط.\rوأما حكم الكتابة فنقول: أما حكمها قبل أداء الكتابة: فأن يكون أحق بمنافعه ومكاسبه، ويبقى على ملك المولى حتى لو أعتق عن كفارة يمينه، جاز عندنا خلافا للشافعي وهي مسألة كتاب الايمان.\rوأجمعوا أنه لو أدي بعض بدل الكتابة، فأعتقه عن الكفارة لا يجوز، لانه يصير في معنى الاعتاق على عوض من وجه.\rولو أراد المولى أن يمنعه من الكسب ليس له ذلك، لان الكسب حق المكاتب.\rولو تزوج لا يجوز، لانه ليس من باب الكسب، وفيه ضرر بالمولى بلزوم المهر في رقبته.\rولا يجوز فيه تصرف يفضي إلى إبطال حق المكاتب، من البيع والشراء والاجارة والرهن ونحوها فلا يجوز فيه إلا الاعتاق، والتدبير، لان فيه منفعة له.\rثم عقد الكتابة لازم في حق المولى، حتى لا يملك فسخه إلا برضا","part":2,"page":282},{"id":684,"text":"المكاتب، وغير لازم في حق المكاتب حتى أن له أن يعجز نفسه، فيفسخ عقد الكتابة بدون رضى المولى، إلا أنه إذا أخل بنجم فلم يؤد وعجز عنه، للمولى أن يفسخ العقد، وروي عن أبي يوسف أنه لا يفسخ، ما لم يخل بنجمين لانه لو لم يثبت حق الفسخ عند الامتناع عن الاداء،\rيتضرر به المولى.\rفأما حكم الاداء: فإنه إذا أدى البدل بتمامه يثبت العتق، لانه عقد معاوضة، فمتى سلم البدل يسلم المبدل، ويكون أكسابه وأولاده سالمة له، فيعتق أولاده بعتقه.\rوكذلك إذا أبرأه المولى عن البدل، لانه حق المولى، فيقدر على إسقاطه عنه، كما في سائر الديون.\rوإذا مات الكاتب: فإن مات عاجزا فإنه ينفسخ عقد الكتابة، لانه لا فائدة في بقائه.\rفأما إذا مات عن وفاء فإنه يؤدي بدل كتابته من تركته، فيأخذ المولى، فيعتق عن آخر جزء من أجزاء حياته فيعتق أولاده، وما فضل من التركة، يكون ميراثا لورثته الاحرار.\rوكذلك إذا لم يترك وفاء، ولكن ترك ولدا مولودا في الكتابة، فإن الولد يقوم مقامه في أداء البدل، لكونه مكاتبا تبعا له، فإذا عجز الاصل قام التبع مقامه، وإذا أدى يعتق المكاتب وولده.\rوبين الفصلين فرق في حق بعض الاحكام على ما يعرف في الزيادات إن شاء الله تعالى.\rولو قال لعبده: إذا أديت إلي ألف درهم فأنت حر أو إذا أديت إلي قيمتك فأنت حر فأداه، يعتق، لان العتق معلق بالاداء، فإذن","part":2,"page":283},{"id":685,"text":"وجد شرطه قال الكرخي: ولا يكون هذا كتابة، وإن كان فيه معنى الكتابة من وجه، حتى أن العبد إذا جاء بالبدل، فإنه يجبر على قبوله،\rأي يصير المولى قابضا له كما في الكتابة.\rوبيان التفرقة بينهما في مسائل: - فإنه إذا مات العبد ههنا قبل الاداء، وترك مالا، فالمال كله للمولى، ولا يؤدي عن، فيعتق، بخلاف الكتابة.\r- وكذا لو مات المولى، وفي يد العبد كسب، فالعبد رقيق يورث عنه مع أكسابه، بخلاف الكتابة.\rولو كانت هذه أمة، فولدت ثم أدت لم يعتق ولدها، بخلاف المكاتبة إذا ولدت ثم أدت، فعتقت يعتق ولدها.\r- ولو قال العبد للمولى: حط عني مائة فحط المولي عنه، فأدى تسعمائة فإنه لا يعتق بخلاف الكتابة.\r- ولو أبرأ المولى العبد عن الالف لم يعتق.\rولو أبرأ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق.\r- ولو باع هذا العبد ثم اشتراه وأدى إليه يجبر على القبول عند أبي يوسف.\rوقال محمد في الزيادات: لا يجبر على قبولها، فإن قبلها عتق.\rوكذلك لو رد إليه، بخيار أو بعيب.\rولو باع المكاتب لا يجوز إلا برضاه، ومتى رضي ينفسخ الكتابة.\rوذكر في الاصل: إذا قال لعبده: إن أديت إلي ألفا فأنت حر فإن ذلك على المجلس، لان العتق معلق باختيار العبد، فكأنه قال: أنت حر إن شئت.\rوروي عن أبي يوسف أنه لا يقف على المجلس، لان","part":2,"page":284},{"id":686,"text":"العتق معلق بالشرط، فلا يقف على المجلس، كقوله: إن دخلت\rالدار.\rوأما الاعتاق على مال فهو خلاف الكتابة، وخلاف تعليق العتق بالاداء، فإنه إذا قال لعبده: أنت حر على ألف درهم فقبل العبد، فإنه يعتق من ساعته، ويكون البدل واجبا في ذمته، لانه أعتقه بعوض، فمتى قبل يزول العوض عن صاحبه كما في البيع.\rوكذا إذا قال لعبده: أنت حر على قيمة رقبتك، فقبل ذلك: فإنه يعتق.\rوكذا لو أع تقه على مكيل أو موزون، موصوف في الذمة، معلوم الجنس يجوز، فإن هذا يصلح عوضا في البيع.\rولو أعتق على عوض بعينه، وهو ملك غيره فإنه يعتق فإن أجاز المالك يستحق عينه، وإن لم يجز يجب على العبد قيمة رقبته.\rوكذلك لو أعتق على عوض، بغير عينه، معلوم الجنس جاز فإن كان موصوفا فعليه تسليمه، وإن لم يكن موصوفا فعليه الوسط من ذلك، فإن جاء بالقيمة أجبر المولى على القبول كما في المهر.\rولو أعتقه المولى على مجهول الجنس بأن قال: أنت حر على ثوب يعتق، ويلزمه قيمة نفسه، لان جهالة الجنس تمنع صحة البدل، كما في المهر.\rفلو أدى إليه العوض، فاستحق من يد المولي فإن كان بغير عينه في العقد فعلى العبد مثله، لانه لم يعجز عن الذي هو موجب العقد.\rوإن كان عينا في العقد، وهو عوض أو حيوان فإنه يرجع على العبد بقيمة نفسه عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: يرجع بقيمة المستحق.","part":2,"page":285},{"id":687,"text":"وعلى هذا الخلاف إذا باع نفس العبد منه، بجارية، ثم استحقت الجارية أو هلكت، قبل التسليم فعندهما يرجع بقيمة العبد، وعنده يرجع بقيمة الجارية، وهي مذكورة في الخلافيات.","part":2,"page":286},{"id":688,"text":"باب ولاء العتاقة الولاء يثبت للمعتق بالاعتاق شرعا، دون المعتق.\rوأصله ما روي أن رجلا سأل النبي عليه السلام فقال: إني اشتريت عبدا فأعتقه فقال عليه السلام: إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك.\rهو أخوك ومولاك، وإن مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته.\rثم الولاء يثبت به الارث، والعقل، وولاية النكاح قال عليه السلام: الولاء لحمة كلحمة النسب: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.\rثم الولاء كما يثبت بحقيقة الاعتاق، يثبت أيضا بحق العتق، فإن ولاء المدبر يثبت بالتدبير لمدبره، ولا ينتقل عنه، وإن عتق من جهة غيره، لان الولاء قد ثبت بحق الحرية للمدبر، والولاء لا يحتمل الفسخ، ولا يتحول عنه.\rوصورة المسألة أن مدبرة بين شريكين جاءت بولد، فادعاه أحدهما، ثبت نسبه منه، وعتق عليه، وغرم نصيب شريكه منه، والولاء بينهما.\rوكذلك مدبر بين شريكين أعتقه أحدهما وهو موسر فضمن، عتق\rبالضمان، ولم يتغير الولاء عن الشركة عند أبي حنيفة، وعندهما إذا أعتق أحدهما نصيبه، عتق جميعه، والولاء بينهما.","part":2,"page":287},{"id":689,"text":"ثم الولاء يثبت لكل معتق، بأي وجه حصل العتق، سواء كان المعتق رجلا أو امرأة، مسلما أو كافرا، إلا أن الكافر لا يرث المسلم لكفره، حتى لو أسلم يرث بالولاء الذي يثبت له بالاعتاق.\rقال عليه السلام: ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن (الحديث).\rلكن المعتق يرث بالولاء بطريق التعصيب، وهو آخر العصبات عند عامة الصحابة، وهو قول عامة العلماء فإن لم يكن سواه، وارث فالكل له، وإن كان معه أصحاب الفرائض يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم، والباقي له.\rوقال ابن مسعود: هو آخر ذوي الارحام، حتى إذا لم يكن للمعتق أحد من الاقرباء يكون له.\rوإذا مات المعتق فإنه لا يورث الولاء، حتى يكون لاصحاب الفرائض فرائضهم والباقي للعصبة لما روينا أنه لا يورث، ولكن يكون الولاء للذكور من عصبة المعتق الاقرب فالاقرب على ما يعرف في كتاب الفرائض.","part":2,"page":288},{"id":690,"text":"باب ولاء الموالاة الاصل في شرعية عقد الموالاة قوله تعالى: * (والذين عقدت أيمانكم\rفآتوهم نصيبهم) * (1).\rوتفسير عقد الموالاة أن من أسلم على يدي رجل وقال له: أنت مولاي ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت وقال الآخر: قبلت فينعقد بينهما عقد الموالاة.\rوكذا إذا قال: واليتك، وقال الآخر: قبلت.\rوكذلك إذا عقد مع رجل غير الذي أسلم على يديه.\rوكذلك اللقيط إذا عقد مع غيره عقد موالاة.\rوشرط صحة عقد الموالاة أن لا يكون للعاقد وارث مسلم.\rوإذا انعقد عقد الموالاة، يصير مولى له حتى لو مات ولم يترك وارثا، يكون ميراثه لمولاه، ولو جنى يكون عقله عليه، ويلي عليه في الجملة.\rوللمولى الاسفل أن يتحول بولائه إلى غيره ما لم يعقل المولي الاعلى عنه، فإذا عقل عنه لا يقدر أن يتحول بالولاء إلى غيره، وصار العقد لازما، إلا إذا اتفقا على النقض.\r__________\r(1) سورة البقرة: الاية 33.","part":2,"page":289},{"id":691,"text":"ولو أراد أحدهما نقض الموالاة، بغير محضر من صاحبه لم ينتقض.\rولو كان رجلان ليس لهما وارث مسلم، وهما مسلمان في دار الاسلام فوالى أحدهما صاحبه ثم والاه الآخر: فعند أبي حنيفة يصير الثاني مولى للاول ويبطل ولاء الاول، وعندهما: كل واحد منهما مولى لصاحبه.\rفهما يقولان إن الجمع بين الولائين ممكن، فإنه يجوز أن يكون شخصان كل واحد منهما يرث من صاحبه ويعقل عنه، كالاخوين وابني\rالعم، فلا يتضمن صحة أحدهما انتقاض الآخر، بل يثبتان جميعا وأبو حنيفة يقول: إن المولى الاسفل تابع للمولى الاعلى، وهو فوقه، كالمعتق تابع للمعتق، ولهذا يلي الاعلى على الاسفل ويعقل عنه، ولا يجوز أن يكون التبع متبوعا لمتبوعه، والمتبوع تبعا لتبعه، وإذا لم يجز الجمع بينهما فيتضمن صحة الثاني انتقاض الاول.\rثم مولى الموالاة آخر الورثة حتى إذا لم يكن للميت أحد من الورثة، قريب أو بعيد، يرث، وإلا فلا وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: إنه لا يورث بولاء الموالاة، ويكون ماله لبيت المال، وعلى هذا الخلاف: لو أوصى بجميع ماله لانسان، ولا وارث له يصح عندنا وعند الشافعي: لا يصح، وهي مسألة كتاب الفرائض.","part":2,"page":290},{"id":692,"text":"كتاب الايمان ذكر محمد في الاصل وقال: الايمان ثلاثة يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله تعالى بها صاحبها.\rأما اليمين التي تكفر فهي اليمين على أمر في المستقبل.\rوهي أنواع، إما أن يعقد على ما هو متصور الوجود عادة، أو على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلا، أو على ما هو متصور الوجود في نفسه لكن لا يوجد على مجرى العادة وهذه الجملة قد تكون في الاثبات وقد تكون في النفي، وتكون مطلقة وموقوتة.\rأما النوع الاول: فإن كان في الاثبات مطلقا بأن قال: والله لآكلن هذا الرغيف أو لآتين البصرة فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، فهو على يمينه، لتصور البر، وهو الفعل مرة في العمر، فإذا هلك أحدهما صار تاركا للبر، فيحنث في يمينه.\rوإن كان في موضع النفي مطلقا بأن قال: والله لا آكل هذا الرغيف أو لا أدخل هذه الدار فإن فعل مرة حنث، لانه فات البر.\rوإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه قبل الفعل لا يحنث، لان شرط بره هو","part":2,"page":291},{"id":693,"text":"الامتناع عن الفعل، ولا يتصور ذلك الفعل بعد هلاك الحالف أو هلاك المحلوف عليه.\rوأما الموقتة صريحا في الاثبات، كقوله: والله لآكلن هذا الرغيف اليوم فإن مضى اليوم، والحالف والمحلوف عليه قائمان، يحنث في يمينه، لانه فات البر، لفوات وقته المعين.\rأما إذا هلك أحدهما في اليوم فإن هلك الحالف قبل مضي اليوم: لا يحنث بالاجماع.\rوإن هلك المحلوف عليه وهو الرغيف قبل مضي اليوم أجمعوا أنه لا يحنث في الحال ما لم يمض اليوم، ولا تجب الكفارة، حتى لو عجل الكفارة لا يجوز.\rواختلفوا فيما إذا مضى اليوم قال أبو حنيفة ومحمد: لا يحنث في يمينه.\rوقال أبو يوسف: يحنث وتجب الكفارة.\rوعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لاقضين دين فلان غدا، فقضاه اليوم، أو أبرأه صاحب الدين، اليوم ثم جاء الغد.\rوكذلك على هذا في اليمين بالطلاق والعتاق، بأن قال: إن لم أشرب هذا الماء اليوم فامرأته طالق أو عبده حر ثم أهريق الماء قبل مضي اليوم لا يحنث عندهما، حتى لا يقع الطلاق والعتاق عند مضي اليوم، وعنده يحنث عند مضي اليوم.\rوحاصل الخلاف أن تصور البر شرط لانعقاد اليمين عندهما، وعند أبي يوسف: ليس بشرط، إنما الشرط أن يكون اليمين على أمر في المستقبل على ما نذكر، فلما كان تصور البر شرطا عندهما لانعقاد اليمين، فيكون شرطا لبقائها، فإذا هلك المحلوف عليه، خرج البر من أن يكون متصورا، فتبطل اليمين، فإذا مضى الوقت، فوجد شرط الحنث، ولا يمين، فلا يحنث، كما إذا هلك الحالف، وعنده لما لم يكن تصور البر","part":2,"page":292},{"id":694,"text":"شرط الانعقاد، لا يكون شرط البقاء، فتكون باقية، فوجد الحنث في آخر اليوم، والحالف من أهل وجوب الكفارة، فيلزمه بخلاف ما إذا مات الحالف، لانه وجد شرط الحنث، لكن الحالف ليس من أهل وجوب الكفارة بعد الموت فلا يجب.\rوأما إذا حلف على النفي بأن قال: والله لا آكل هذا الرغيف اليوم فإن مضى اليوم قبل الاكل، بر في يمينه، لانه وجد ترك الاكل في اليوم كله.\rوإن هلك الحالف أو المحلوف عليه بر في يمينه أيضا، لان شرط البر عدم الاكل، وقد تحقق.\rوأما إذا عقد اليمين على فعل لا يتصور وجوده أصلا: بأن قال: والله لاشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء، فلا ينعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما، وعند أبي\rيوسف: ينعقد، ويحنث للحال فهما يقولان: إن اليمين يعقد للبر، ثم تجب الكفارة، لرفع حكم الحنث، وهو الاثم، فإذا لم يكن البر متصورا، فلا يتصور الحنث، فلا فائدة في انعقاد اليمين.\rوعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لاقتلن فلانا وهو لا يعلم بموته، لان يمينه تنصرف إلى الحياة التي كانت، وقد فاتت بحيث لا يتصور عودها.\rفأما إذا كان عالما بموته فإنه تنعقد اليمين بالاجماع، لان يمينه تنصرف إلى الحياة التي تحدث فيه، فيكون البر متصورا، لكنه خلاف المعتاد، فيكون من القسم الثالث، هكذا فصل في الجامع الصغير، وهو الصحيح.\rونظير القسم الثالث أيضا: إذا قال: والله لاصعدن السماء أو لاحولن هذا الحجر ذهبا أو لاشربن ماء دجلة كله لان البر متصور على خلاف العادة فباعتبار","part":2,"page":293},{"id":695,"text":"التصور تنعقد اليمين في الجملة، وباعتبار العجز من حيث العادة يحنث في الحال.\rفأما إذا وقت اليمين فقال: والله لاصعدن السماء اليوم، فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: يحنث في آخر اليوم، لان البر يجب في الموقتة في آخر اليوم، ويكون الوقت ظرفا، لانه يفضل عنه.\rوعند أبي يوسف يحنث، للحال، لتحقق العجز للحال وهو الصحيح من مذهبه.\rوإنما يتأخر الحنث إلى آخر الوقت عنده فيما إذا كان الفعل متصورا من حيث العادة ثم فات بسبب هلاك المحلوف عليه كما ذكرنا.\rونوع آخر من اليمين في المستقبل: ما تكون موقتة دلالة، وهي تسمى يمين الفور، وهي كل يمين خرجت جوابا لكلام، أو بناء على أمر، فتتقيد بذلك، بدلالة الحال.\rكمن قال لآخر: تعال تغد معي فقال: والله لا أتغدى ولم يتغد معه، وذهب إلى بيته وتغدى، لا يحنث في يمينه، استحسانا، خلافا لزفر.\rوكذلك إذا أرادت امرأة إنسان أن تخرج من الدار فقال لها: إن خرجت فأنت طالق فتركت الخروج ساعة ثم خرجت، لا يحنث، ويتقيد بتلك الحال ولهذا نظائر.\rوأما اليمين التي لا تكفر فهي يمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة، قصدا في الماضي كقوله: والله لقد دخلت هذه الدار وهو يعلم أنه ما دخلها.\rوفي الحال: نحو قوله لرجل: والله إنه عمرو مع علمه أنه زيد ونحوها.\rوحكمها وجوب التوبة والاستغفار، دون الكفارة بالمال، عندنا.","part":2,"page":294},{"id":696,"text":"وعند الشافعي: تجب الكفارة بالمال، وهي مسألة معروفة.\rوأما اليمين التي يرجى فيها عدم المؤاخذة فهي اليمين الكاذبة خطأ، وهي تسمى يمين اللغو، كمن قال: والله ما دخلت هذه الدار، وعنده كذلك، والامر بخلافه.\rأو رأى طيرا من بعيد، فظن أنه غراب فقال: والله إنه لغراب فإذا هو حمام.\rولا حكم لهذه اليمين أصلا.\rوقال الشافعي: يمين اللغو هي اليمين التي تجري على لسان الحالف، من غير قصد: لا والله وبلى والله أو كان يقرأ القرآن\rفجرى على لسانه اليمين.","part":2,"page":295},{"id":697,"text":"باب ألفاظ اليمين اليمين خمسة أنواع: يمين بالله تعالى صريحا، وهي نوعان يمين بأسمائه، ويمين بصفاته.\rوالثالث: يمين بالله تعالى بطريق الكناية.\rوالرابع: اليمين بغير الله تعالى صورة، ومعنى.\rوالخامس: اليمين بغير الله تعالى صورة، ومعنى.\rأما اليمين بأسماء الله تعالى فالحلف بكل اسم من أسمائه بأن قال: بالله أو والله أو تالله أو الله أو الرحمن أو الرحيم أو بالعالم أو القادر ونحو ذلك، لان من أسماء الله تعالى ما يكون خاصا لا يجوز إطلاقه على غير الله تعالى، ومنها ما يجوز، لكن متى ذكر في موضع القسم، والقسم لا يجوز بغير الله، فكان المراد به اسم الله تعالى.\rوأما الحلف بصفاته فأقسام ثلاثة: أحدها: أن يذكر صفة لا تستعمل إلا في الصفة، في عرف الناس، كقولهم: وعزة الله، وعظمته، وجلاله، وكبريائه.\rوإن كان يستعمل","part":2,"page":297},{"id":698,"text":"صفة لغيره، لكن تعين كون صفة الله تعالى مرادا به، بالاضافة إلى الله\rتعالى تنصيصا.\rوالقسم الثاني: أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله، ولغيره، وتستعمل في غير الصفة، لكن لا يكون استعماله في غير الصفة، غالبا، بحيث تسبق الافهام إليه عند الذكر، نحو قولهم: وقدرة الله وقوته وإرادته ومشيئته ونحو ذلك، فيتعين صفة لله تعالى، مقسما به، بدلالة ذكر القسم.\rومن هذا القسم وأمانة الله في ظاهر الرواية، خلافا لما ذكره الطحاوي: أنه لا يكون يمينا وإن نوى، وخلافا لما روي عن أبي يوسف: أنه لا يكون يمينا.\rوالقسم الثالث: أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله تعالى ولغيره، وتستعمل في غير الصفة لكن على وجه غلب استعماله فيه بحيث لا تسبق الافهام إلا إليه عند الذكر مطلقا.\rوذلك نحو قولهم: وعلم الله، ورحمة الله، وكلام الله وكذا الرضا والغضب والسخط، فإنه يذكر العلم ويراد به المعلوم غالبا، وكذا الرحمة: تذكر ويراد بها الجنة وآثار الرحمة من النعمة والسعة.\rفعندنا: إن نوى به اليمين يكون يمينا، وإن لم ينو لا يكون يمينا.\rوقال الشافعي: يكون يمينا، كسائر صفاته، بدلالة القسم.\rوعلى هذا قال في ظاهر الرواية: وحق الله لا أفعل، كذا لا يكون يمينا ما لم ينو، لانه يستعمل في العرف في الحق المستحق لله تعالى على عباده.\rولو قال: والحق لا أفعل كذا يكون يمينا، لانه اسم من أسماء الله","part":2,"page":298},{"id":699,"text":"تعالى، قال الله تعالى: * (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) * (1).\rولو قال: حقا بالفارسية، اختلف المشايخ فيه.\rثم في اليمين بأسماء الله تعالى وصفاته إذا ذكر القسم والمقسم به والخبر، باللفظ المستعمل في الحال بأن قال: حلفت بالله أو أقسمت بالله لافعلن كذا يكون يمينا بلا خلاف.\rفأما إذا ذكر القسم باللفظ المستقبل بأن قال: أحلف بالله أو أقسم بالله لافعلن كذا أو أشهد بعزة الله تعالى لافعلن كذا يكون يمينا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يكون يمينا إلا بالنية.\rوالصحيح قولنا، لان هذا في العرف يراد به الحال، كقولهم: أشهد أن لا إله إلا الله ونحو ذلك.\rوأما إذا ذكر القسم، والخبر، ولم يذكر المقسم به، بأن قال: أشهد أو أحلف أو أقسم لافعلن كذا يكون يمينا عند علمائنا الثلاثة، نوى أو لم ينو.\rوقال زفر: إن نوى يكون يمينا.\rوقال الشافعي: لا يكون يمينا، وإن نوى.\rوالصحيح قولنا، لان ذكر القسم والخبر دليل على مقسم محذوف، وهو اسم الله تعالى.\rهذا إذا ذكر المقسم به مرة واحدة، فأما إذا ذكر مكررا، بأن قال: والله والله أو والله الرحمن الرحيم إن فعلت كذا ذكر في الجامع الكبير إن لم يدخل بين الاسمين حرف عطف يكون يمينا واحدة، وإن دخل بينهما حرف عطف يكون يمينين.\rوفيه اختلاف الروايات.\r__________\r(1) سورة النور: الاية 25.","part":2,"page":299},{"id":700,"text":"والصحيح ما ذكر في الجامع، ولهذا يستعمل على باب القضاة هذه اليمين: والله الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك.\rفأما إذا ذكر الخبر معه مكررا بأن قال: والله لا أفعل كذا، لا أفعل أو والله لا أكلم فلانا، والله لا أكلمه فإنه يكون يمينين لانه وجد تكرار صيغة اليمين إلا إذا أراد بالكلام الثاني الخبر عن الاول، فإنه يكون يمينا واحدة.\rوكذا في اليمين بالطلاق والعتاق على هذا.\rوأما اليمين بالله تعالى من حيث الكناية نحو قول الرجل: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئ من الاسلام أو كافر بالله ونحو ذلك إن فعل كذا يكون يمينا، وإن فعل يلزمه الكفارة، استحسانا.\rوقال الشافعي: لا يكون يمينا، قياسا.\rوجه قولنا أن الناس تعارفوا الحلف بهذه الالفاظ من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير.\rمع أن اليمين بغير الله معصية دل أنها كناية عن اليمين بالله في العرف، وإن لم يعقل معنى كقولهم لله علي أن أضرب ثوبي حطيم الكعبة كناية عن النذر بالصدقة في عرفهم، وإن لم يعقل وجه الكناية كذا هذا.\rوأما إذا قال: هو يهودي أو نصراني إن كنت فعلت كذا في الماضي كاذبا قصدا، لا يلزمه الكفارة عندنا.\rولكن هل يكفر؟ اختلف المشايخ فيه.\rوالصحيح أنه لا يكفر، كذا روى الحاكم الشهيد عن أبي يوسف،\rلان قصده ترويج كلامه دون الكفر.","part":2,"page":300},{"id":701,"text":"وكذا إذا قال: يعلم الله أنه فعل كذا وهو يعلم أنه لم يفعل: لا رواية له، واختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه لا يكفر.\rوقيل هذا إذا كان عنده أنه لا يكفر، فأما إذا كان عنده أنه يكفر إذا حلف به في الماضي أو في المستقبل وحنث في يمينه إنه يكفر، لانه بالاقدام عليه صار مختارا للكفر، واختيار الكفر كفر.\rوأما اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى بأن حلف بالاسلام أو بأنبياء الله تعالى أو بملائكته أو بالكعبة أو بالصلاة والصوم والحج أو قال: عليه سخط الله وعذابه، لا يكون يمينا، ولا يجب عليه الكفارة.\rوأما اليمين بغير الله تعالى صورة وهي يمين بالله تعالى معنى: فهو الحلف بذكر الشرط والجزاء، لانه مانع عن تحصيل الشرط وحامل على البر، بمنزلة ذكر اسم الله تعالى وذلك نحو قولهم: إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق أو إن دخلت أو متى دخلت أو إذا ما دخلت أو متى ما دخلت إذا وجد الدخول طلقت لان هذه حروف الشرط، وقد وجد الشرط فيحنث في يمينه.\rولو دخلت ثانيا لا تطلق، لان هذه الحروف لا تقتضي التكرار.\rولو قال: كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق فدخلت الدار، تطلق.\rولو دخلت ثانيا وثالثا تطلق عند كل دخلة طلقة واحدة، لان كلمة كلما توجب تكرار الافعال.\rوإذا طلقت ثلاثا فتزوجت بزوج آخر، وعادت إليه، ثم دخلت\rالدار في المرة الرابعة، لا تطلق، لان محل الجزاء قد فات.\rولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة تطلق، لوجود الشرط، ولو تزوجها ثانيا لا تطلق.","part":2,"page":301},{"id":702,"text":"ولو تزوج امرأة أخرى تطلق، لان كلمة كل توجب عموم الاسماء، ولا توجب عموم الافعال وتكرارها.\rولو جمع بين الشرطين لا يقع الطلاق إلا بوجودهما فإن جمع بحرف العطف بأن قال: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فلا يقع إلا بدخول الدارين، سواء قدم الشرط أو أخر، أو كان متوسطا.\rويستوي الجواب بين أن يدخل الدار المذكورة أولا أو الثانية، لان حرف الواو لمطلق الجمع، ولعطف الشئ على جنسه، فيكون الشرط معطوفا على الشرط لا على الجزاء.\rوإن عطف بحرف الفاء فقال: إن دخلت هذه الدار فهذه الدار فأنت طالق فما لم تدخل الدارين على الترتيب بأن تدخل الاولى ثم الثانية لا حنث، لان حرف الفاء للجمع على سبيل الترتيب والتعقيب بلا فصل.\rويستوي الجواب بين تقدم الشرط وتقدم الجزاء وتوسطه.\rولو عطف بحرف ثم فقال: إن دخلت هذه الدار ثم هذه الدار فما لم يدخل الدارين، الاولى ثم الاخرى، بعد ساعة أو أكثر من ذلك: لا يحنث، لان حرف ثم للترتيب على طريق التأخير.\rوكذلك إذا أعاد حرف العطف مع الفعل في هذه الفصول بأن قال: إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار: فالجواب لا يختلف.\rوكذلك في حرف الفاء وحرف ثم.\rولو قال: والله لا أكلم فلانا ثم قال في ذلك المجلس أو في مجلس آخر والله لا أكلم فلانا أو قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم قال بعد ذلك: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو قال: والله لا أدخل هذه الدار ثم قال بعد ذلك: علي حجة إن دخلت هذه الدار وعبدي حر إن دخلت هذه الدار فهذا على ثلاثة أوجه إما أن","part":2,"page":302},{"id":703,"text":"لا يكون له نية، أو نوى بالثانية التغليظ والتشديد، أو نوى بالثانية الاولى: فإن لم يكن له نية، فهما يمينان، حتى لو دخل الدار مرة يلزمه كفارتان في اليمين بالله تعالى، وفي اليمين بالطلاق يقع طلقتان، ويكون الدخول شرطا في اليمينين.\rوإن نوى به التغليظ، فكذلك، لان التغليظ في أن يكون يمينين، حتى يلزمه كفارتان، ويقع طلاقان.\rوإن نوى بالثانية الاولى، كانت يمينا واحدة، لانه نوى التكرار، وهو مستعمل في العرف للتأكيد إلا أن في مسألة الطلاق لا يصدق في القضاء.","part":2,"page":303},{"id":704,"text":"باب الخروج والدخول رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو برضاي أو بعلمي أو بأمري أو بغير إذني أو بغير رضاي فهذا كله سواء إذا خرجت بغير إذنه، أو بغير رضاه، أو علمه، أو أمره\rحنث.\rوهنا ثلاث فصول: أحدها هذا.\rوالثاني: أن يقول إلا أن آذن لك أو حتى أرضى.\rوالثالث: أن يقول: إلا أن آذن لك أو إلا أن أرضى.\rأما في الاول: فيشترط الاذن في كل مرة، لانه حرم عليها الخروج عاما، واستثنى خروجا موصوفا بصفة وهو أن يكون مأذونا فيه من جهته.\rفإذا وجد خروج بإذن فهو خروج مستثنى عن يمينه، فلا يكون داخلا تحت اليمين، فلا يحنث.\rوإذا خرجت بعد ذلك بغير إذن، يحنث، لان هذا ليس بخروج مستثنى، واليمين باقية، فيحنث، نظيره: إذا قال لامرأته: إن خرجت إلا بملحفة أو إلا راكبة فأنت طالق فإن وجد الخروج المستثنى، لا يحنث، وإن وجد لا على ذلك الوصف، يحنث، لان المستثنى غير داخل في اليمين، وغير المستثنى داخل، فيحنث، لوجود الشرط.","part":2,"page":305},{"id":705,"text":"وأما الثاني، بكلمة وحتى: فيكتفي فيه بالاذن مرة، وتسقط اليمين.\rوإذا خرجت بغير إذن، يحنث، لانه جعل الاذن غاية ليمينه، لان كلمة حتى كلمة غاية، فلا تبقى اليمين بعد وجود الغاية، فوجد الخروج الذي هو شرط الحنث، ولا يمين، فلا يحنث.\rوقبل الاذن: اليمين باقية، فيحنث بالخروج.\rوأما الثالث، إلا أن آذن لك:\rفعند عامة العلماء هذا بمنزلة قوله حتى.\rوقال ا لفراء (1) من أهل النحو هذا وقوله: إلا بإذني سواء.\rوتجئ هذه الفصول بالفارسية: ترا طلاق اكر بيرون آي ازين سرائي مكر بدستوري من (2).\rيا كويد: بيرون آي ازين سرائي بي دستوري من (3).\rأو يقول: ترا طلاق اكر بيرون آي ازين سرائي تا من دستوري دهم ترا (4).\rأو يقول: ترا سه طلاق أكر ازين سرائي بيرون آئي مكر من دستوري دهم ترا (5).\r__________\r(1) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور المعروف بالفراء.\rولد بالكوفة سنة 144 ه.\rواقام ببغداد.\rوتوفى سنة 207 ه.\rوكان امام الكوفيين واعلمهم بالنحو واللغة وفنون الادب.\rوكان مع ذلك فقيها متكلما.\r(2) ترجمتها: انت طالق ان ذهبت خارج هذا الدار الا باذنى.\r(3) ترجمتها: أو يقول ذهبت خارج هذا الدار بغير اذنى.\r(4) ترجمتها: أو يقول انت طالق ان خرجت من هذه الدار حتى امنحك الاذن.\r(5) ترجمتها: أو يقول انت طالق ثلاثا ان ذهبت خارج هذه الدار الا ان اعطيك الاذن.","part":2,"page":306},{"id":706,"text":"ولو أراد بقوله: إلا بإذني حتى آذن لك يصح نيته، حتى لو أذن لها مرة سقطت يمينه، لان بين الغاية والاستثناء مشابهة ولكن قيل: يدين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لانه خلاف الظاهر.\rولو أراد بقوله: حتى آذن لك إلا بإذني صحت نيته، ويصدق في القضاء، لانه نوى ما يحتمله كلامه، وفيه تشديد على نفسه.\rولو أذن لها مرة، في قوله: إلا بإذني، ثم نهاها عن الخروج، قبل أن تخرج من الدار بإذنه، يصح نهيه، حتى لو خرجت بعد ذلك، بغير\rإذنه، يحنث في يمينه، لانه صح رجوعه عن الاذن، واليمين باقية، فجعل كأنه لم يأذن.\rوفي مسألة حتى إذا أذن ثم نهاها قبل الخروج، فخرجت بغير إذنه ثانيا لا يحنث، لان اليمين سقطت بالاذن، فلا يعتبر النهي بعد ذلك.\rثم الحيلة في قوله: إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني حتى لا يقع الطلاق متى لم يأذن لها عند كل خروج، أن يقول لها: كلما شئت الخروج فقد أذنت لك حتى يثبت الاذن في كل خرجة وجدت، لان كلمة كلما توجب التعميم والتكرار.\rوروى المعلى عن محمد رحمه الله أنه قال في قوله: إلا بإذني: إذا قال الزوج: قد أذنت لك عشرة أيام فخرجت مرارا في العشرة فإنه لا يحنث.\rوكذلك لو قال: قد أذنت لك أبدا أو الدهر كله فهذا إذن منه في كل مرة.\rولو أنه إذا أذن لها إذنا عاما، ثم نهاها عن الخروج بعد ذلك نهيا عاما، عن الخرجات كلها هل يعمل نهيه؟ روي عن محمد أنه يعمل،","part":2,"page":307},{"id":707,"text":"لان النهي في الاذن الخاص يعمل، فكذلك في الاذن العام.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: لا يعمل نهيه، لانه بالاذن العام صارت الخرجات كلها مأذونا فيها والشرط هو الخروج الحرام، فصار الشرط بحال لا يتصور وجوده، فلا تبقى اليمين، فلا يصح النهي بعد ذلك، بخلاف الاذن الخاص.\rولو قال: إن خرجت إلا بإذن فلان فمات فلان قبل الاذن تبطل اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\rوقال أبو يوسف رحمه الله: اليمين باقية، حتى لو خرجت بعد ذلك يحنث، كما ذكرنا في مسألة الكوز.\rولو أذن لها بالخروج من حيث لا يسمع في المسألة الاولى، فخرجت بعد الاذن فإنه يحنث عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف رحمه الله لا يحنث.\rفأبو يوسف يقول: إن هذا إذن من وجه دون وجه، فإنه لا يحصل ما هو المقصود بالاذن، وهو العلم المسموع، وشرط الحنث هو الخروج من غير إذن مطلقا، فلا يحنث بالشك.\rوهما يقولان: إنه حرم عليها الخروج عاما، واستثنى خروجا مأذونا فيه مطلقا، وهذا مأذون من وجه، فلم يكن هذا خروجا مستثنى، فبقي داخلا تحت الحرمة.\rولو حلف رجل على زوجته أو على عبده، أو سلطان حلف رجلا أن لا يخرج من الدار أو الكورة (1) إلا بإذنه، فبانت المرأة، أو زال العبد عن ملكه، أو عزل السلطان عن عمله، ثم خرجوا، بغير الاذن لم يحنث، وسقطت اليمين وتتوقت اليمين ببقاء الولاية، بدلالة الحال، فإذا زالت الولاية، انتهت اليمين.\r__________\r(1) الكورة: الصقع ويطلق على المدينة.","part":2,"page":308},{"id":708,"text":"وعلى هذا الغريم إذا حلف المطلوب أن لا يخرج من بلده إلا بإذنه، فإن خرج وعليه دين يحنث.\rوإن خرج بعد القضاء والابراء لا يحنث وتقيدت اليمين ببقاء الدين، وهذا من جملة يمين الفور على ما\rمر.\rولو قال لامرأته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فخرجت من البيت إلى صحن الدار، يحنث، لان البيت غير الدار، لان البيت اسم لمسقف واحد، والدار اسم لمحدود يجمع البيوت والمنازل.\rوعلى هذا إذا قال: إن دخل فلان بيتك فدخل صحن دارها، دون بيتها، لم يحنث ولكن هذا في عرفهم، فأما في عرفنا فإن اسم البيت بالفارسية مطلقا يطلق على الدار والمنزل، فيحنث.\rوإن قال: إن خرجت من هذه الدار، فخرجت من هذه الدار من أي باب كان، ومن أي موضع كان من فوق حائط أو سطح أو نقب، حنث، لان المراد الخروج من الدار وقد وجد، وهو الانفصال من الباطن إلى الظاهر.\rولو قال: إن خرجت من باب هذه الدار، فأنت طالق فخرجت من أي باب كان، حنث في يمينه، سواء كان من الباب القديم أو الذي يحدث بعد اليمين، لانه ذكر الباب مطلقا.\rولو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب، لا يحنث، لانه ليس بباب.\rولو عين الباب فقال: إن خرجت من هذا الباب لا يحنث ما لم تخرج من ذلك الباب المعين، وإن خرجت من باب آخر، لا يحنث، لان في التعيين فائدة في الجملة، لانه ربما يكون لذلك الباب المعين منفذ إلى الطريق الاعظم دون الثاني.\rولو قال: إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا فخرجت في","part":2,"page":309},{"id":709,"text":"ذلك الامر مرة، ثم خرجت لامر آخر، يحنث، لانه حرم عليها جميع\rالخرجات إلا خروجا موصوفا بصفة، فإذا وجد منها الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد خروج آخر، يحنث، وإن عنى به الخروج مرة يصح ويصير إلا عبارة عن حتى مجازا، كأنه قال: إن خرجت من هذه الدار، حتى تخرج في أمر كذا فإذا خرجت في ذلك الامر يسقط اليمين، لوجود الغاية، لكن لا يدين في القضاء، لانه خلاف الحقيقة.\rولو قال: إن خرجت من الدار مع فلان فأنت طالق فخرجت وحدها أو مع غير فلان، ثم خرج فلان ولحقها لم يحنث، لان حرف مع للصحبة والقران، ولم يوجد عند الخروج، والدوام على الخروج ليس بخروج، وإن وجد بقاء الخروج مع فلان.\rولو قال: إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فدخلت في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف شارع إلى الطريق الاعظم، فإنه لا يحنث، لان هذا لا يسمى خروجا من الدار.\rولو قال لها وهي خارجة من الدار: إن خرجت من الدار لا يحنث.\rوكذلك إذا كانت في الدار فقال: إن دخلت هذه الدار لا يحنث ويقع على خروج ودخول مستأنف.\rوبمثله لو قال: إن قمت، أو قعدت، أو لبست، أو ركبت وهي قاعدة، أو قائمة، أو راكبة، أو لابسة فدامت على ذلك ساعة يحنث.\rوهذا كله مذهبنا وقال الشافعي في الدخول والخروج: إنه يقع على الدوام.\rوالصحيح قولنا، لان الخروج هو الانتقال من الباطن إلى الظاهر والدخول على عكسه، وهذا مما لا دوام له، وأما الركوب ونظائره: ففعل","part":2,"page":310},{"id":710,"text":"له دوام، فيكون له حكم الابتداء.\rوكذا إذا قال لها، وهي في الاكل والضرب: إذا أكلت أو ضربت فأنت طالق، فدامت على ذلك: يقع، لان كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلا وضربا.\rولو قال لامرأته، وهي حائض أو مريضة، إن حضت أو مرضت فأنت طالق فإنه يقع على الحادث، في العرف.\rولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة، أو يزداد من المرض: يصح، لان الحيض ذو أجزاء يحدث حالا فحالا، فتصح نيته.\rولو قال: إن حضت غدا، وهو لا يعلم أنها حائض، فإنه يقع على الحيض الحادث.\rوإن كان يعلم فإنه يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر، واستمر ثلاثة أيام، لانه لما علم أنها حائض وقد حلف، فقد أراد استمرار الحيض، وما لم يكن ثلاثة أيام لا يكون حيضا.\rولو حلف أن لا يدخل دارا أو بيتا أو مسجدا أو حماما، فالدخول هو الانفصال من خارج ذلك الشئ إلى داخله، فعلى أي وجه دخل من الباب أو غيره، حنث، لوجود الدخول، فإن نزل إلى سطحها حنث، لانه منها.\rوكذا إذا قام على حائطها، لان الدار اسم لما تدور عليه الدائرة، وفي عرفنا لا يحنث.\rولو قام على ظلة (1) لها شارعة، أو كنيف شارع إن كان مفتحه في الدار، حنث.\rلانه ينسب إليها.\rوإن قام على أسكفة (2) الباب إن كان الباب إذا غلق كانت الاسكفة خارجة منه، لم يحنث، وإن بقيت من\r__________\r(1) الظلة: شئ كالصفة يستتر به من الحر والبرد.\r(2) الاسكفة خشبة الباب التى يوطأ عليها.","part":2,"page":311},{"id":711,"text":"داخل الدار حنث.\rولو دخل دهليز الدار، حنث، لانه من داخل الدار.\rولو دخل ظلة باب الدار، لا يحنث، لانها اسم للخارج.\rوإن أدخل الحالف إحدى رجليه في الدار لا غير، لا يحنث، لانه لم يوجد الدخول مطلقا.\rوكذا إذا أدخل رأسه دون قدميه.\rولو حلف لا يدخل دارا، فدخل دارا بعد انهدامها، ولا بناء لها لا يحنث.\rولو قال: والله لا أدخل هذه الدار ثم دخلها بعد ذهاب البناء يحنث، لان البناء وصف مرغوب معتاد للدار، فمتى ذكر منكرا يقع على الدار المتعارف، وفي المعين لا يعتبر الصفة، ويعتبر المعين، واسم الدار يقع عليه بعد الانهدام.\rولو قال: لا أدخل هذا المسجد فدخل بعد ذهاب البناء يحنث، لانه مسجد، وإن لم يكن مبنيا وقالوا: إذا صعد سطح المسجد يحنث، لانه مسجد.\rولو حلف لا يدخل بيتا، أو هذا البيت، فدخله بعد ذهاب بنائه، لا يحنث، لانه اسم للمبنى المسقف.\rوإن حلف أن لا يدخل بيتا، فدخل مسجدا، أو الكعبة، أو بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار، أو حماما، أو دهليزا، أو ظلة باب دار لا يحنث، لان هذه الاشياء لا تسمى بيتا في العرف.\rوإن دخل صفة: يحنث وهذا في عرف أهل الكوفة، لان الصفة عندهم بيت له أربع حوائط، أما التي هي صفة في عرفنا: فلا يحنث.\rولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار لا يحنث، ما لم يدخل من\rالباب القديم.\rولو حلف لا يدخل من باب الدار، فمن أي باب دخل حنث،","part":2,"page":312},{"id":712,"text":"إلا إذا أراد به الباب المعروف فيدين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء.\rولو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارا بين رجل وبين فلان فإن كان فلان ساكنا فيها حنث، لانه لو كان ساكنا فيها بالاجارة يحنث وههنا أولى.\rوإن لم يكن ساكنا: لا يحنث، لان الدار مضافة إليهما، لان بعض الدار لا يسمى دارا.\rولو حلف لا يزرع أرض فلان، فزرع أرضا بين فلان وبين آخر حنث، لان كل جزء من الارض يسمى أرضا.\rولو حلف لا يدخل بيت فلان، ولا نية له، فدخل صحن داره، وفلان ساكن فيها، لا يحنث، حتى يدخل البيت.\rوإن نوى بقوله لا يدخل بيت فلان، مسكنه، يحنث، وهذا على عرفهم.\rولو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازا أو عابر سبيل: فإن دخل وهو لا يريد الجلوس، لا يحنث، لانه استثنى الدخول بصفة الاجتياز.\rوإن دخل يعود مريضا ومن رأيه الجلوس عنده، يحنث، لان هذا غير مستثنى، وإن دخل لا يريد الجلوس، ثم بدا له بعدما دخل فجلس لم يحنث، لانه لم يحنث بدخوله، والبقاء على الدخول ليس بدخول.\rوإن نوى بقوله: لا يدخلها إلا مجتازا النزول فيها والدوام، لا يحنث بالجلوس، لانه يقال دخلت عابر سبيل بمعنى أنه لم يدم على الدخول ولم يستقر.\rولو حلف لا يسكن هذه الدار وهو خارج منها، فالسكنى أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ويستعمله في منزله، فإن كان له أهل ينقله أيضا، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وهو حانث في يمينه، لان السكنى هو الكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة، وذلك يكون بما يسكن به عادة ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه، لم","part":2,"page":313},{"id":713,"text":"يكن ساكنا للمسجد، ولو أقام بما يتأثث به، يوصف بكونه ساكن المسجد، فكان معتبرا في اليمين.\rولو كان الرجل ساكنا في دار، وحلف لا يسكنها، فإنه لا يبر في يمينه، ما لم ينتقل بنفسه وأهله وولده ومتاعه، ومن يأويها لخدمته، وللقيام بأمره في منزله، لان السكنى في الدار بهذه الاشياء، فكان ترك السكنى فيها بضدها، فإذا لم يأخذ في النقلة من ساعته مع الامكان، يحنث في يمينه، ولو أخذ في النقلة من ساعته لا يحنث، وإن كان فيه من السكنى قليل، لانه لا يمكن الاحتراز عنه، فكان مستثنى دلالة وهذا عندنا، خلافا لزفر.\rولو انتقل بنفسه، ولم ينتقل بمتاعه وأهله، قال أصحابنا: يحنث.\rوقال الشافعي: لا يحنث.\rوالصحيح قولنا، لما قلنا إن السكنى في المكان بما يسكن به عادة، وبأهله إن كان له أهل، فكان ترك السكنى بترك الكل بخلاف ما إذا حلف لا يسكن في بلد كذا، فخرج منه وترك أهله فيه، لم يحنث لان في العادة لا يقال لمن بالبصرة وأهله بالكوفة إنه ساكن بالكوفة، فأما إذا انتقل بنفسه وأهله ومتاعه وترك من أثاثه شيئا قليلا، فإن أبا حنيفة رضي\rالله عنه قال: يحنث، وقال أبو يوسف: إذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتا أو بعض الدار على ما يتعارف الناس، لا يحنث.\rوكان أصحابنا رحمهم الله يقولون: معنى قول أبي حنيفة: إذا ترك شيئا يسيرا، عنى به ما يسكن به، ويعتد به في التأثث، فأما لو خلف فيها وتدا أو مكنسة، لم يحنث.\rفإن منع من التحول ومنعوا متاعه وأوتقوه وقهروه، فإنه لا يحنث، وإن أقام على ذلك أياما، لانه ليس بساكن، إنما هو مسكن عن إكراه.\rوقال محمد رحمه الله: إذا خرج من ساعته، وخلف متاعه كله في","part":2,"page":314},{"id":714,"text":"المسكن، ومكث في طلب المنزل أياما ثلاثة.\rفلم يجد ما يستأجر، وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارجا من الدار لا يحنث، لان هذا من عمل النقلة عادة، لان المعتاد أن ينتقل من منزل إلى قصده منزل، لا أن يلقى متاعه على الطريق.\rوقال محمد: لو كان الساكن موسرا وله متاع كثير، وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم، فلم يفعل، وجعل ينقل بنفسه الاول فالاول، ومكث في ذلك سنة، وهو لا يترك الاشتغال بالنقل فإنه لا يحنث، لانه لا يلزمه الانتقال بأسرع الوجوه.\rولو قال: عنيت به أن لا أسكن بنفسي ففي المسألة الاولى فيما لم يكن ساكنا فيها، يصدق في القضاء، لانه شدد على نفسه.\rوفي المسألة الثانية فيما إذا كان ساكنا فيها، يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لانه نوى خلاف الظاهر والعادة.\rولو حلف لا يدخل علي فلان، ولم يسم شيئا فإنه يحنث إذا كان يقصده بالدخول.\rوإن لم\rيقصده، بالدخول لا يحنث ولهذا قلنا: إذا دخل عليه في بيت رجل آخر ولم يقصده بالدخول، لا يحنث، لان بهذا الاستخفاف به وترك إكرامه، وذلك لا يكون إلا مع القصد.\rوذكر ابن سماعة في نوادره ضد هذا، فقال في رجل قال: والله لا أدخل على فلان بيتا فدخل بيتا وعلى قوم وفيهم فلان ولا يعلم به الحالف فإنه حانث بدخوله، لان الشرط وجد، والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث، كمن حلف لا يكلم زيدا، فكلمه، وهو لا يعرفه إلا أن ظاهر المذهب ما ذكرنا.\rولو دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار لم يحنث، لان الدخول المعتاد على الانسان للزيارة في البيوت خاصة.\rوفي عرف","part":2,"page":315},{"id":715,"text":"بخاري: يحنث في المسجد، لانهم يجلسون فيه للزيارة.\rولو دخل عليه في خيمة أو فسطاط أو بيت شعر لم يحنث، إلا أن يكون المحلوف عليه من أهل البادية، لان الدخول على غير البدوي في البيوت، وفي حق البدوي ما هو بيوتهم من الشعر.\rولو دخل في داره، والرجل في البيت، لم يحنث، لانه ليس بدخول عليه.\rولو كان في صحن الدار، حنث، لانه دخول عليه عادة.\rولو دخل الحالف دارا ليس فيها فلان، فدخل فلان تلك الدار لا يحنث، لانه ما دخل على فلان، بل فلان دخل عليه، فلا يحنث.","part":2,"page":316},{"id":716,"text":"باب\rالاكل والشرب أصل الباب أن الاكل إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه، مضغه أو لم يمضغه.\rوالشرب إيصال ما لا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه حال وصوله، مثل الماء، والنبيذ، واللبن، والعسل الممزوج.\rوالذوق هو معرفة طعم الشئ المذوق، بفمه، بإيصال الشئ إليه، سواء ابتلعه أو مجه من فمه، فكل أكل فيه ذوق، لكن الذوق ليس بأكل.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذا حلف لا يأكل أو لا يشرب، فذاق لم يحنث.\rوإذا حلف لا يذوق طعاما أو شرابا، فأكل أو شرب، أو أدخله في فمه، وعرف طعمه، ثم مجه، حنث، لوجود الذوق.\rولو حلف لا يذوق شيئا وعنى به أكله أو شربه، فإنه تصح نيته، ولا يحنث، بالذوق، لان اسم الذوق قد يقع عليهما في العرف يقول الرجل: ما ذقت اليوم شيئا، وما ذقت إلا الماء يريد به الاكل والشرب.\rولو حلف لا يذوق ماء، فتمضمض في الوضوء، لا يحنث في يمينه، لان قصده التطهير، دون معرفة الطعم.\rولو حلف لا يأكل طعاما، فإنه يقع على الخبز، واللحم، والفاكهة، وما يؤكل على سبيل الادام مع الخبز، لان الطعام اسم لما","part":2,"page":317},{"id":717,"text":"يطعم في اللغة، وفي العرف صار اسما لما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة.\rوكذا إذا حلف لا يأكل من طعام فلان، فأكل شيئا مما ذكرنا من طعام فلان يحنث.\rولو أخذ نبيذ فلان أو ماءه فأكل بخبز نفسه لا\rيحنث، لان هذا يسمى آكلا طعام نفسه عادة.\rولو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكله مع الخبز حنث، لان اللبن هكذا يؤكل عادة.\rولو شربه لا يحنث، لان هذا ليس بأكل.\rولو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى تفله وابتلع ماءه لا يحنث.\rولو ابتلع العنب أو الرمانة، من غير مضغ يحنث، لان الاول شرب، والثاني أكل.\rولو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكل مما يتخذ منه، من الجبن والاقط (1) ونحوهما لا يحنث، لانه قد تغير، فلا يبقى له اسم العين.\rوكذا إذا حلف لا يأكل هذا الكفري (2) فصار بسرا (3)، أو من هذا البسر فصار رطبا، أو رطبا فصار تمرا، لانه تغير الاول.\rولو حلف لا يأكل هذه البيضة فأكل من فرخ خرج منها، أو حلف لا يشرب من هذا الخمر، فصار خلا، فشرب لا يحنث، لانه تغير عن أصله.\rولو حلف لا يأكل من لحم هذا الجمل أو هذا الجدي، فصار كبشا أو تيسا فإنه يحنث، لان العين قائمة لم تتغير، واليمين وقعت على الذات المعينة.\r__________\r(1) الاقط بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها - يتخذ من اللبن المخيض: يطبخ ثم يترك حتى يمصل.\r(2) بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء - كم النخل الذي يستر ما في جوفه.\r(3) البسر التمر إذا لون ولم ينضج.\rوالرطب ما نضج من البسر قبل ان يصير تمرا.\rوالتمر اليابس من ثمر النخل.","part":2,"page":318},{"id":718,"text":"وكذا في غير هذا، إذا حلف لا يكلم هذا الشاب، فكلمه بعد ما شاخ، حنث، لان العين لم تتغير.\rولو حلف لا يكلم شابا، فكلم شيخا لا يحنث، لان اليمين تقع على موصوف منكر، فيكون الصفة بمنزلة الشرط.\rولو حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئا، فصب فيه ماء، فذاقه روي عن أبي يوسف أنه إن بقي لون اللبن وطعمه يحنث، وإن كان اللبن أقل.\rولو ذهب طعمه ولونه لا يحنث، وإن كان اللبن أكثر فاعتبر في الغلبة ظهور اللون والطعم، دون كثرة الاجزاء.\rوذكر محمد رحمه الله في الاصل هذه المسألة وقال: إذا كان اللبن مغلوبا لا يحنث وظاهره يقتضي غلبة الاجزاء.\rفأما إذا اختلط المحلوف عليه بجنسه، أن اختلط اللبن المحلوف عليه بلبن آخر من جنسه فقال أبو يوسف: إذا كان اللبن المحلوف عليه مغلوبا لا يحنث، لانه في معنى المستهلك.\rوقال محمد: يحنث، وإن كان مغلوبا، لان الشئ لا يصير مستهلكا بجنسه، وإنما يصير مستهلكا بخلاف جنسه.\rوذكر في الاصل: رجل حلف لا يأكل سمنا فأكل سويقا لته بسمن، ولا نية له إن كان يستبين السمن في السويق، فيوجد طعمه، يحنث، وإلا فلا لما قلنا.\rومحمد إنما لم يجعل خلط الجنسين استهلاكا إذا كان الجنس، والنوع، والصفة، واحدا، وأما إذا اختلف النوع، كلبن الضأن ولبن المعز.\rأو اختلفت الصفة، كالماء العذب بالماء المالح، فإنه يجعله استهلاكا، ويعتبر فيه الغلبة، كما في الجنسين.\rوإذا حلف لا يأكل لحما، فأي لحم يأكل، حنث، سوى لحم السمك، لانه ناقص في معنى اللحمية، ولو أكل شحم الظهر، يحنث،","part":2,"page":319},{"id":719,"text":"لانه لحم سمين.\rولو أكل شحم البطن والالية، لا يحنث، لانه لا يسمى لحما، ولو نوى، يحنث، لان فيه معنى اللحم من وجه، وهو الدسومة.\rوفي لحم السمك إذا نوى، يحنث، لانه لحم ناقص.\rولو أكل ما في البطون، سوى شحم البطن يحنث وهذا في عرفهم، لان يباع مع اللحم، وأما في الموضع الذي لا يباع مع اللحم، لا ينصرف يمينه إليه، فلا يحنث.\rولو أكل لحم خنزير أو لحم إنسان أو ميتة، يحنث، لانه لحم حقيقة، وإن كان حراما.\rولو أكل لحم الرأس من الحيوانات، سوى السمك، يحنث، لانه لحم عضو من الحيوان.\rولو حلف لا يأكل شحما، فأكل شحم الظهر لا يحنث عند أبي حنيفة، خلافا لهما، لانه لحم سمين، ولكن يقع اليمين على شحم البطن.\rولو حلف لا يأكل رأسا أو لا يشتري إن نوى الرؤوس كلها انصرف إليها، لانه نوى حقيقة كلامه، وشدد على نفسه.\rوإن لم يكن له نية قال أبو حنيفة: يقع على رأس الغنم والبقر، وعند زفر: على رأس الابل أيضا، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يقع على رأس الغنم خاصة وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، ويعتبر العرف والعادة، في كل بلد.\rوإذا حلف لا يأكل بيضا فإن نوى بيض كل شئ يقع عليه، لانه نوى حقيقة كلامه، وفيه تشديد.\rوإن لم يكن له نية ينصرف إلى بيض الطير والدجاج والاوز، بدلالة العرف.\rولو حلف لا يأكل فاكهة فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:","part":2,"page":320},{"id":720,"text":"- في وجه يحنث بالاتفاق، وهو أنه يقع على ثمرة كل شجر، سوى العنب والرطب والرمان، ويستوي في ذلك الرطب واليابس، لانها اسم لما يتفكه به ويؤكل قبل المائدة وبعدها.\r- وفي وجه لا يحنث بالاتفاق، وهو أن يأكل القثاء والخيار والخوخ والجزر، لانها تؤكل مع البقول.\r- وفي وجه اختلفوا فيه، وهو العنب والرطب والرمان فإذا لم يكن له نية فعند أبي حنيفة: لا يحنث، وعندهما: يحنث.\rوإن نوى هذه الاشياء عند الحلف يحنث، بالاجماع ومشايخنا قالوا: هذا اختلاف عرف وزمان، وكان في زمن أبي حنيفة لا يعدونها من جملة الفواكه فأفتى على عرف زمانه، وتغير العرف في زمانهما وفي عرفنا ينبغي أن يحنث في يمينه أيضا.\rولو حلف لا يأكل فاكهة يابسة، فأكل الجوز واللوز والتين ونحوها يحنث.\rوفي عرفنا في الجوز لا يحنث، لانه لا يتفكه بالجوز اليابس.\rوإذا حلف لا يأكل حلواء أو حلوا أو حلاوة، فأكل السكر والفانيذ، وكل شئ فيه حلاوة، وليس من جنسه حامض يحنث، المتخذ وغير المتخذ سواء، كالفالوذج والخبيص والناطف.\rولو أكل شيئا حلوا، من جنسه حامض، مثل العنب والرمان الحلو، والتفاح الحلو، لا يحنث\rوهذا في عرفهم، وفي عرفنا إذا كان اليمين على الحلاوة والحلو فكذلك، فأما في الحلواء فيقع على المصنوع من الحلاوة وحدها، أو مع غيرها كالخبيص والناطف، فلا يقع على السكر والفانيذ على الانفراد.\rولو حلف لا يأكل الحنطة، يقع على أكل عينها، مقلية ومطبوخة، ولا يقع على الخبز، وما يتخذ من الدقيق.\rوعلى قولهما: يقع على ما\r__________\r(1) الفانيذ نوع من الحلوى يعمل من القند والنشاء، وهى كلمة أعجمية والقند ما يعمل منه السكر.","part":2,"page":321},{"id":721,"text":"يتخذ منها.\rولو أكل من عينها ففيها روايتان وأصل المسألة أن الكلام إذا كان له حقيقة مستعملة، ومجاز متعارف، فالعمل بالحقيقة أولى عند أبي حنيفة، وعندهما: العمل بعموم المجاز أولى، وهذا مما يعرف في الجامع الكبير فيمن حلف لا يشرب من الفرات أو من هذا النهر فعند أبي حنيفة: يقع على الشرب كرعا (1) حتى لو اغترف بإناء أو بيده لا يحنث، وعندهما: يقع عليهما، لعموم المجاز.\rولو حلف لا يشرب من الجب، أو البئر، وهو غير ملآن، فشرب بيده أو بإنائه، يحنث، لانه لا يمكن الشرب منه كرعا.\rولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل مما يتخذ منه يحنث، لان عينه لا يؤكل.\rوعلى هذا الاصل إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فأكل من ثمرتها يحنث، لان عينها لا تؤكل.\rولو حلف لا يأكل، ولا يشرب، ولا يلبس، ونوى طعاما خاصا، وشرابا خاصا، وثوبا خاصا فإنه لا يصدق، لانه نوى خلاف مقتضى كلامه، ولا عموم له.\rولو قال: لا آكل طعاما، ولا ألبس ثوبا، ونوى طعاما بعينه، وثوبا بعينه يصدق، لانه نوى تخصيص الملفوظ.\rولو حلف لا يأكل إداما فهذا على ثلاثة أوجه: - إن أكل ما يصطبغ به ويلتزق بالخبز، كالزيت والخل يحنث، بالاتفاق، لان هذه الاشياء تصير تبعا للخبز، ولا تؤكل مقصودة، بنفسها، والادام اسم لهذا.\r__________\r(1) كرع في الماء أو الأناء: مد عنقه وتناول الماء بفيه من موضعه.","part":2,"page":322},{"id":722,"text":"- وإن أكل مع الخبز عنبا وسائر الفواكه أو البقول، لا يحنث، بالاتفاق لانها لا تؤكل إداما مقصودا، بل هي تبع للاكل مع الادام.\r- وإن أكل مع الخبز الجبن واللحم والبيض فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يحنث، ولا يكون ذلك إداما.\rولو أكل الخبز مع اللحم يحنث، لانه تبع.\rولو أكل الارز والعصائد لا يحنث، لانه يؤكل مقصودا في العرف.\rوإن كان في موضع يؤكل تبعا للخبز، يكون إداما عند محمد والمسألة معروفة.\rولو حلف لا يأكل شواء، ونوى أكل كل مشوي يحنث، لانه نوى حقيقة كلامه.\rوإن لم يكن له نية ينصرف إلى اللحم المشوي، لان الاسم له عادة.\rولو حلف لا يأكل طبيخا، ولا نية له، ينصرف إلى اللحم المطبوخ، وإلى المرقة المتخذة منه، لما فيها من أجزاء اللحم، لان الطبيخ في العرف اسم لهذا، والعبرة للعرف في الباب.","part":2,"page":323},{"id":723,"text":"باب من اليمين على أشياء مختلفة في الباب فصول مختلفة، ومسائل متفرقة: إذا قال الرجل: عبده حر إن وهبت لفلان شيئا أو تصدقت عليه أو أعرته أو أعطيته أو نحلته أو أقرضته ثم فعل ذلك، ولم يقبل المحلوف عليه فإنه يحنث.\rوإن حلف على عقد فيه بدل، مثل البيع والاجارة والصرف والسلم ونحوها، ففعل الحالف، ولم يقبل الآخر لا يحنث لان الاول تمليك من أحد الجانبين، إلا أن القبول شرط لثبوت الحكم في حقه، فقد وجد ما ينطلق عليه الاسم، فيحنث.\rوالفصل الثاني تمليك من الجانبين لغة وشرعا، فلا يتحقق الاسم إلا بوجود الايجاب من أحدهما والقبول من الآخر.\rولو باع بيعا فاسدا يملك به إذا قبض، أو صحيحا، وقبل يحنث، لان اسم البيع لغة يقع على الفاسد والصحيح جميعا.\rولو باع بيعا فيه خيار البائع أو المشتري حنث عند محمد، وعند أبي يوسف: لا يحنث، لانه مع الخيار لا ينعقد سببا.\rومحمد يقول إنه انعقد سببا لكن تأخر حكمه، فهو كالبيع الفاسد.\rولو قال: والله لا أتزوج اليوم ولا نية له، فتزوج نكاحا فاسدا لا يحنث، استحسانا، لان المقصود هو الحل في العقد المضاف إلى","part":2,"page":325},{"id":724,"text":"المستقبل، فيقيد بالصحيح، بخلاف البيع، لان المقصود ثم هو الملك.\rوكذلك إذا حلف لا يصلي يقع على الصحيح، لان المقصود هو التقرب، ولا يحصل في الفاسد.\rأما إذا حلف في الماضي بأن قال: والله ما تزوجت أو ما صليت، فإنه يقع على الفاسد أيضا، لان الغرض هو الاخبار، والاسم يقع عليهما.\rولو حلف لا يصلي فكبر ودخل في الصلاة، لا يحنث، ما لم يقيد بالسجدة، استحسانا، لانه أفعال مختلفة، فما لم يوجد الكل لا يسمى مصليا.\rولو حلف لا أصلي صلاة لا يحنث، ما لم يصل ركعتين، لان أدنى الصلاة ركعتان.\rولو حلف لا يصلي الظهر لا يحنث، ما لم يقعد القعدة الاخيرة، لان صلاة الظهر مقدرة بالاربع.\rولو حلف لا يصوم فأصبح صائما يحنث، لانه يسمى صائما.\rولو حلف لا يصوم صوما لم يحنث، ما لم يصم اليوم، لان أقل الصوم الشرعي يوم كامل.\rولو حلف لا يحج أو لا يحج حجة لا يحنث حتى يطوف طواف الزيارة، لان الحج عبارة عن أجناس أفعال، فيكون اسم الحج واقعا على الكل حقيقة، لا على البعض، وللاكثر حكم الكل.\rولو حلف لا يعتمر وأحرم فطاف أربعة أشواط، حنث، لانه وجد الاكثر.\rولو جامع حتى فسد الحج، لا يحنث، لان اليمين انعقدت على الحج الذي هو قربة، والفاسد ليس بقربة.","part":2,"page":326},{"id":725,"text":"وكذلك إذا حلف لا يصوم صوما ثم أفطر، لا يحنث، لانه لم يوجد الصوم التام.\rولو حلف لا يصوم فصام ساعة ثم أفطر، يحنث، لان الحنث قد حصل بصوم ساعة، فبالافطار لا يبطل الحنث، وإن فسد الصوم من الاصل.\rولو حلف ليفطرن عند فلان، فأفطر بالماء في منزله، ثم تعشى عند فلان حنث، لان شرط بره الافطار عند فلان، وهو اسم لما يضاد الصوم، وذلك حصل في منزله بالماء.\rوإن نوى به العشاء عند فلان، لا يحنث، لانه نوى به المتعارف يقال: فلان يفطر عند فلان إذا كان يتعشى عنده وإن كان أصل الفطر يقع في منزله.\rوإذا حلف لا يلبس من غزل فلانة شيئا، ولا نية له، فلبس ثوبا قد غزلته فلانة يحنث في يمينه، لان الغزل عينه لا يلبس، فيقع على ما يصنع منه، وهو الثوب.\rولو نوى الغزل بعينه لا يحنث، إذا لبس ذلك الثوب، لانه نوى حقيقة كلامه.\rولو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة يقع على الثوب.\rولو نوى الغزل لا يصدق.\rولو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها لا يحنث، لان الثوب اسم لشئ مقدر، فلا يقع على بعضه.\rولو حلف لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها حنث، لان البعض يسمى غزلا.\rولو حلف لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبا دخاريصه أو تلابيبه (1)\r__________\r(1) دخاريص جمع والمفرد دخريص ودخرص و دخرصة وهو أعجمى معرب.\rوالتخريص لغة فيه.\rودخريص القميص ما يوسع به من الشعب أي ما يوصل به البدن ليوسعه.\rوقد انشد الاعشى: \" كما زدت في عرض القميص الخارص \" كما يقال للدخرصة ايضا: البنيقة واللبينة.\rوالتلابيب جمع تلبيب وهو ما في موضع اللبب من الثياب واللبب واللبة هو موضع القلادة من الصدر.","part":2,"page":327},{"id":726,"text":"من غزل فلانة: يحنث، لان هذا القدر صار ملبوسا من غزلها بلبس الثوب.\rولو لبس زرا وعروة من غزلها لا يحنث، لان الزر لا يصير ملبوسا بلبس القميص.\rولو لبس تكة من غزلها لا يحنث، عند أبي يوسف، لانه يقال شد التكة، ولا يقال: لبس.\rوعند محمد: يحنث.\rولو حلف لا يلبس مما يشتريه فلان فاشتراه فلان مع غيره لم يحنث، لانه لبس بعض ثوب اشتراه فلان لا كله.\rولو حلف لا يأكل مما يشتريه فلان فاشتراه فلان مع غيره، فأكل منه حنث، لانه قد أكل ما اشتراه فلان، لانه يقع مع البعض.\rولو حلف لا يلبس من نسج فلان، فنسجه فلان مع غيره يحنث.\rولو قال: لا يلبس من ثوب نسجه فلان لا يحنث إذا نسجه مع غيره، لما قلنا.\rولو حلف لا يأكل من طبيخ فلان، فأكل مما طبخ فلان وغيره حنث، لان كل جزء من الطبيخ طبيخ.\rولو قال: لا آكل من قدر طبخها فلان، فأكل مما طبخ فلان مع غيره لا يحنث، لان كل جزء من القدر ليس بقدر.\rولو قال: لا آكل خبز فلان، فأكل خبزا مشتركا بينه وبين غيره","part":2,"page":328},{"id":727,"text":"حنث، لان كل جزء يسمى خبزا.\rولو حلف لا يأكل لفلان رغيفا فأكل رغيفا مشتركا لا يحنث، لان بعضه لا يسمى رغيفا.\rولو حلف لا يأكل مما خبز فلان، ومما طبخ، فالخباز هو الذي يضرب الخبز في التنور، دون من عجنه وبسطه، والطابخ هو الذي يوقد النار دون الذي ينصب القدر ويصب الماء واللحم فيه، وإنما ذلك مقدماته، لان الطبخ ما ينضج به اللحم، وذلك يحصل بالايقاد.\rولو حلف لا يأكل من كسب فلان، فالكسب ما يصير ملكا للانسان بفعله، أو بقوله، مثل الاستيلاء، والاصطياد، والبيع، وغيرها، لانه لا بد من القبول في حق الحكم، في الاسباب الشرعية التي يثبت بها الملك، فأما الميراث فليس بكسب، لانه يثبت به الملك من غير صنعه.\rولو مات المحلوف عليه، وترك أكسابه، فورثه الحالف، فأكل حنث، لانه أكل من أكساب المحلوف عليه، لانه لا يصير كسبا للوارث، فلم تنقطع الاضافة عن الاول.\rولو باع المحلوف عليه كسبه من رجل، فأكل منه الحالف لا يحنث، لانه صار كسبا للمشتري، فانقطعت الاضافة عن الاول.\rوإن حلف لا يجلس على الارض.\rفجلس على شئ حائل بينه\rوبين الارض، كالبوري (1) والبساط فإنه لا يحنث، لانه يقال جلس على البساط، دون الارض.\rولو جلس على ثيابه: حنث، لانها تبع للجالس سمي جالسا على\r__________\r(1) البورية والبورياء الحصير المنسوج من القصب.","part":2,"page":329},{"id":728,"text":"الارض، لا على ثيابه.\rولو حلف لا يجلس على هذا الفراش فجعل فوقه بساطا آخر، فجلس عليه لا يحنث، لانه انقطعت الاضافة عن الاول.\rولو حلف لا يجلس على هذا الفراش أو لا ينام فجعل فوقه فراشا آخر، فنام عليه لا يحنث عند محمد، لما قلنا.\rوقال أبو يوسف: يحنث، لانه يحصل به زيادة توطئة ولين، فيكونان مقصودين بالنوم عليهما.\rوأجمعوا أنه إذا حلف لا يجلس على الفراش فجعل فوقه محبسا (1) أو قراما (2) حنث، لانه تبع للفراش.\rولو حلف لا يجلس على هذا السرير أو الدكان أو السطح فجعل فوقه مصلى أو فراشا أو بساطا، ثم جلس عليه حنث، لان السرير يجلس عليه هكذا غالبا.\rولو جعل فوق السرير سريرا أو فوق السطح سطحا آخر لا يحنث، لان الجلوس يضاف إلى الثاني دون الاول.\rولو نوى الجلوس على اللوح والارض والسطح، يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لانه خلاف المعتاد، وإن كان حقيقة.\rولو حلف لا يجلس على ألواح هذا السرير فجلس على بساط فوقه لا يحنث، لانه لم يجلس على اللوح.\rولو حلف لا يجلس على الارض، فجلس على صحن السطح يحنث، لان ذلك يسمى أرض السطح.\rولو حلف لا يفعل كذا فأمر غيره ففعل، ينظر:\r__________\r(1) المحبس ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه.\r(2) القرام الستر الرقيق: وبعضهم يزيد: وفيه رقم ونقوش.","part":2,"page":330},{"id":729,"text":"إن كان فعلا له حقوق تتعلق بالفاعل، فإنه يشترط وجود الفعل من الفاعل حقيقة، ولا يقوم فعل المأمور مقام فعل الآمر، كالبيع والشراء والاجارة والقسمة، لان حقوق هذه العقود تختص بالعاقد المباشر، دون الآمر ولهذا قالوا: إن الوكيل إذا كان هو الحالف يحنث، لان حقوق العقد راجعة إليه، إلا إذا كان الحالف ممن لا يلي هذه الافعال بنفسه، كالقاضي والسلطان ونحوهما.\rوإن كان فعلا لا يتعلق حقوقه بالعاقد، وإنما يتعلق بالآمر، أو ليس له حقوق، كالنكاح والطلاق والكتابة والضرب والذبح والقتل والهبة والصدقة والكسوة والقضاء والاقتضاء والخصومة والشركة، بأن قال: لا أشارك فلانا فأمر إنسانا بأن يشارك مع فلان ويعقد معه عقد الشركة نيابة عنه إذا فعل هذه الافعال بنفسه، أو أمر غيره ففعل يحنث.\rوروي عن أبي يوسف، في الصلح، روايتان: فإن قال: فيما لا يتعلق حقوقه بالمباشر نويت أن أباشر ذلك بنفسي قال في الجامع الصغير: يدين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء، لانه نوى غير الظاهر.\rوقال أبو يوسف ومحمد: إذا حلف لا يضرب عبده أو لا يذبح شاته، فأمر إنسانا أن يفعل ذلك ففعل، وقال: عنيت أن أباشر ذلك بنفسي فإنه يصدق في القضاء، لانه نوى حقيقة كلامه.\rولو حلف لا يشتري دابة أو لا يركب دابة فهي على ما يركبه الناس في حوائجهم، وهو الفرس والحمار والبغل، دون البقر والابل، لانها في حقيقة اللغة اسم لما يدب على وجه الارض، وإنه غير مراد، فكان المراد ما هو المعتاد عند الناس.\rولو حلف لا يركب فرسا، فهو على العربي لا غير، والبرذون","part":2,"page":331},{"id":730,"text":"يقع على الاعجمي، والخيل اسم جنس يقع عليهما.\rولو حلف لا يركب مركبا ولا نية له، فهو على كل ما يركب من السفينة، والدواب، وغيرها.\rوهذا في عرفهم، وأما في عرفنا فيقع على الفرس.\rولو حلف لا يكلم فلانا فناداه من بعيد، وهو حاضر في مكان بعيد فإن كان في موضع لو أصغى إليه أذنه يسمعه فإنه يحنث في يمينه، وإن لم يسمعه لاشتغاله بأمر آخر، وإن كان في موضع لا يسمعه، لبعده فإنه لا يحنث.\rوكذا إذا كان أصم بحيث لو أصغى إليه أذنه لا يسمع لا يحنث، لان تكليم فلان عبارة عن إسماع كلامه إياه، إلا أن الاسماع أمر باطن، فأقيم السبب الظاهر مقامه، وهو ما ذكرنا.\rولو كان نائما فناداه حتى أيقظه حنث في يمينه، لانه أسمعه كلامه.\rوإن لم يوقظه لا يحنث، وهو الصحيح، لان الانسان لا يعد مكلما للنائم إذا لم يتيقظ بكلامه، كما لا يعد متكلما مع الغائب.\rولو سلم على قوم والمحلوف عليه فيهم حنث في يمينه، لانه كلمه، وكلم غيره أيضا، فإن قصد بالسلام عليهم دونه، تصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى، لانه نوى تخصيص كلامه.\rولو سلم في الصلاة والمحلوف عليه معه في الصلاة فإن كان الحالف إماما ينظر إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، لان التسليمة الاولى كلام في الصلاة، لانه بها يخرج عن الصلاة، ولا تفسد الصلاة، فلا يكون من كلام الناس.\rوإن كان على يساره فقد اختلف المشايخ فيه.\rوإن كان الحالف مقتديا فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف كذلك،","part":2,"page":332},{"id":731,"text":"لان المقتدي لا يصير خارجا عن الصلاة بسلام الامام عندهما، وعلى قول محمد: يحنث، كيفما كان، لانه صار خارجا عن صلاته بسلام الامام، فوجد كلامه خارج الصلاة مع فلان، فيحنث.\rولو كاتب فلانا أو أشار إليه بالاصبع فإنه لا يحنث، لان هذا ليس بكلام.\rولو حلف لا يتكلم اليوم، ولا نية له، فصلى وكبر وقرأ وسبح لا يحنث، استحسانا، لان هذا لا يسمى كلام الناس في العرف.\rولو قرأ خارج الصلاة.\rأو سبح أو هلل أو كبر يحنث عندنا، خلافا للشافعي، لان هذا كلام حقيقة، لكن حالة الصلاة مستثناة بدلالة الحال، وقيل هذا في عرفهم.\rوأما في عرفنا: فلا يحنث، لان هذا لا يسمى متكلما، كما في الصلاة.\rولو حلف لا يكلم فلانا عاجلا أو آجلا، فالعاجل يقع على أقل من الشهر، والاجل يقع على الشهر فصاعدا.\rولو حلف لا يكلمه إلى بعيد، ولا نية له فإنه يقع على أكثر من الشهر.\rولو قال: إلى قريب يقع على الشهر فما دونه.\rولو حلف لا يكلم فلانا أياما كثيرة فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه: يقع على العشرة، وعلى قولهما: يقع على سبعة أيام.\rوعلى هذا الخلاف لو حلف لا يكلم فلانا لايام عند أبي حنيفة: يقع على العشرة، وعندهما: على سبعة.\rولو حلف لا يكلمه أياما: ففي رواية الجامع: يقع على ثلاثة أيام.","part":2,"page":333},{"id":732,"text":"وفي رواية كتاب الايمان يقع على العشرة عنده، وعندهما: على سبعة.\rوعلى هذا الخلاف إذا حلف أن لا يكلمه الشهور أو السنين، (بالالف واللام) فعند أبي حنيفة يقع على عشرة.\rوعندهما: في الشهور يقع على اثني عشر شهرا، وفي السنين يقع على الابد.\rولو حلف لا يكلمه شهورا أو أشهر فعلى ثلاثة أشهر بالاتفاق.\rولو حلف لا يكلمه جمعا أو الجمع ففي المنكر يقع على ثلاثة بالاتفاق، وفي المعرف عند أبي حنيفة: على عشرة جمع، وعندهما: على جمع الابد.\rوالاصل عند أبي حنيفة رحمه الله أن المعرف يقع على الجنس، وعندهما على المعهود إن كان، وإلا فيقع على الكل، وفي المنكر يقع على أقل الجمع بالاجماع، وهو ثلاثة.\rولو حلف لا يكلمه دهرا أو الدهر فعندهما: يقع في المنكر على ستة أشهر، وفي المعرف يقع على العمر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن كان له نية فعلى ما نوى، وإن لم يكن له نية فما أدري ما الدهر.\rومن\rأصحابنا من قال: لا خلاف في الدهر أنه على الابد، وإنما قال أبو حنيفة: لا أدري ما الدهر إذا قال دهرا.\rولو حلف لا يكلم فلانا حينا أو زمانا أو الحين أو الزمان فإنه يقع على ستة أشهر، لانه يستعمل في أربعين سنة، وفي الزمان القليل أيضا يستعمل، ويستعمل في ستة أشهر فحمل على ستة أشهر، لانا لا نعلم أنه لا يريد به القليل والكثير، فحمل على الوسط.\rولو حلف ليضربن عبده عشرة أسواط، فجمع عشرة أسواط وضربه مرة واحدة.\rوأصاب الجميع جلده لا يحنث، لانه ضربه عشرة","part":2,"page":334},{"id":733,"text":"أسواط.\rفأما إذا لم يصب كل سوط جلده، فإنه يحنث، لانه لا يسمى ضاربا عشرة أسواط.\rولو حلف لا يقتل فلانا في المسجد أو يضربه أو لا يرمي إليه أو لا يشتمه فكل فعل له أثر في المفعول يعتبر وجود الاثر، ويتعلق بمكان المفعول، وإن لم يكن له أثر، يعتبر مكان الفاعل ففي القتل والضرب والرمي يعتبر مكان المفعول، حتى لو كان الفاعل خارج المسجد والمفعول في المسجد يحنث، ولو كان على عكسه لا يحنث.\rوفي الشتم لو كان الشاتم خارج المسجد، والمشتوم في المسجد لا يحنث، وعلى عكسه يحنث.\rولو قال لا أتزوج في مكان كذا أو في يوم كذا فزوجه الفضولي امرأة في مكان آخر أو في يوم آخر، فبلغه الخبر، فأجازه في المكان الذي حلف وفي اليوم الذي حلف يحنث، ويعتبر مكان الاجازة، لان له أثرا وهو الحكم.\rوكذا في البيع والشراء يعتبر مكان الاجازة ويوم الاجازة.\rوقال محمد: في العقد الشرعي يعتبر مكان الفاعل وزمانه، وفي القتل كما قال أبو يوسف، لان الحكم يثبت من وقت العقد.\rولو حلف لا يدخل هذا الفسطاط، وهو مضروب في مكان، فقلع وضرب في مكان آخر، فدخله حنث، لان اليمين يقع على العين، والعين باق.\rولو حلف لا يجلس إلى هذه الاسطوانة وهي مبنية أو إلى هذا الحائط، فهدما، ثم بنيا بنقضهما، فجلس إليه: لا يحنث، لان العائد غير الاول.\rولو حلف لا يكتب بهذا القلم، فكسر القلم، بحيث لم يبق له","part":2,"page":335},{"id":734,"text":"صورته، ثم براه، فكتب به: لم يحنث، لان بعد الكسر هو أنبوبة، فإذا براه، فهو غير الاول.\rوكذا إذا حلف على مقص أو سكين أو سيف، فكسر، ثم أعاده ثانيا لا يحنث، لانه غير الاول.\rولو نزع مسمار المقص، ونصاب السكين، وجعل مكانه مسمارا آخر أو نصابا آخر يحنث، لان الاول باق، إنما فات وصف التركيب.\rولو حلف لا يدخل هذه الدار فجعلها بستانا أو حماما أو مسجدا لا يحنث، لانه صارت شيئا آخر من حيث الانتفاع والغرض.\rولو حلف لا يدخل هذا البيت فهدمه ثم بناه ثانيا، فدخل لا يحنث، لان البيت اسم للمبنى، وهذا غير بناء الاول، بخلاف الدار إذا هدمها، ثم بناها ثانيا، فدخلها، أو دخل وهي مهدومة يحنث، لان\rالدار اسم للعرصة، والبناء تابع.\rولو كان اليمين على خف أو قميص أو جبة، ففتقها، ثم أعادها حنث، لان العائد عين الاول.\rولو فتق القميص فجعله جبة محشوة، لم يحنث، لان الجبة غير القميص.\rولو حلفت المرأة لا تلبس هذه الملحفة فخيط جانباها، فجعلت درعا، وجعلت لها جيبا، فلبستها لم تحنث، لان الدرع غير الملحفة.\rولو حلف لا أكلم عبد فلان أو لا أدخل دار فلان أو لا أركب دابة فلان أو لا ألبس ثوب فلان ولم يعين، ثم زال الملك، فكلم العبد، أو دخل الدار، أو ركب الدابة، أو لبس ذلك الثوب لا يحنث، بالاجماع.\rبخلاف الزوجة والصديق، لانه يحتمل أن يكون الحلف لمعنى فيهما.\rفأما إذا عين فقال: لا أكلم عبد فلان هذا أو لا","part":2,"page":336},{"id":735,"text":"أدخل دار فلان هذه أو لا أركب دابة فلان هذه أو لا ألبس ثوب فلان هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: تبقى اليمين ببقاء الاضافة، فإذا زالت بزوال الملك، تبطل اليمين، إلا أن يعين سكنى هذه الدار خاصة.\rوقال محمد: يحنث، وإن زال ملك فلان، إلا أن يعني ما دام ملكا لفلان.\rولو حلف لا يكلم زوجة فلان هذه أو صديق فلان هذا، وزال النكاح والصداقة فكلم: حنث، بالاجماع.\rولو حلف لا أكلم هذا العبد أو لا أدخل هذه الدار أو لا أركب هذه الدابة يعتبر العين بالاجماع.\rفأبو حنيفة رحمه الله اعتبر الاضافة شرطا لليمين، لان الظاهر بهذه الاضافة الامتناع من الكلام لمعنى في المالك، كما إذا لم يكن معينا، ومحمد رحمه الله جعل الاضافة للتعريف بمنزلة الاسم إذا وجد التعيين حتى لا يلغو التعيين، كما في الزوجة والصديق عند التعيين.\rولو حلف لا يدخل دار فلان ولا يلبس ثوب فلان ولا يركب دابة فلان ولا يكلم عبد فلان ولا يأكل عند فلان ولا يأكل طعام فلان ولا يشرب شراب فلان فهذا على ما في ملكه يوم فعل الذي حلف عليه، ولا يشترط قيام الملك يوم حلف هذا جواب ظاهر الروايات عن أصحابنا.\rوروى ابن سماعة عن محمد أنه يقع على ما في ملكه يوم حلف ولا يحمل على ما يحدث فيه الملك.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: فيما يستدام فيه الملك ولا يتجدد ساعة فساعة فاليمين على ما في ملكه، كالدار والعبد والثوب، وما يتجدد فيه الملك حالا فحالا في العادة فإنه يقع على ما في ملكه يوم فعل، كالطعام والشراب.\rوالصحيح جواب ظاهر الروايات، لان هذه اليمين عقدت على المنع","part":2,"page":337},{"id":736,"text":"من الفعل في ملك فلان، فيعتبر يوم الفعل.\rولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا هو ساكنها، بالملك أو بالاجارة أو بالاعارة، فهو سواء، ويحنث، لان الدار تضاف إلى المستأجر والمستعير في العرف.\rولو حلف من بشرني من عبيدي بقدوم فلان فهو حر فبشره جماعة من عبيده فإن كانوا معا عتقوا، وإن سبقهم واحد منه ثم الباقون يعتق السابق.\rوإن حصل له العلم بقدوم فلان، بخبر غيرهم، أو\rبالمشاهدة منه ثم أخبره من العبيد الذين حلف بعتقهم، فإنه لا يعتق واحد منهم، لان البشارة خبر سار ليس عند المخبر به خبره، وهذا لا يحصل إذا كان له علم قبل خبره.\rوإذا لم يكن عالما، حصل العلم بخبر الجماعة معا، فيحنث.","part":2,"page":338},{"id":737,"text":"باب النذر إذا نذر لله سبحانه وتعالى بما هو قربة وطاعة، يجب عليه الوفاء به، ولم يجب عليه غير ذلك.\rوإن كان مباحا لا يجب عليه شئ.\rوإن كان معصية لم يجب عليه الوفاء به، وعليه كفارة اليمين إذا فعله.\rوأصله قوله عليه السلام: من نذر نذرا أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وقال عليه السلام: النذر يمين، وكفارته كفارة يمين.\rوهذا على الرواية المشهورة عن أصحابنا فيمن قال: لله علي أن أصوم سنة ونحوها يلزمه الوفاء بها، ولا يجزئه كفارة اليمين.\rوفي رواية تجزئه كفارة اليمين.\rوقالوا: رجع أبو حنيفة رحمه الله عن الجواب الاول، إليه وهو قول الشافعي.\rوالمسألة معروفة.\rولو قال: لله علي أن أحج ماشيا يلزمه الحج ماشيا، فلو حج راكبا يجزئه، وعليه إراقة الدم، لان النذر ملحق بالامر، والحج الواجب راكبا لا ماشيا، فخرج عن نذره لكن يلزمه الدم، لانه أدخل نقصا وفيه ورد الحديث هكذا.\rولو قال: لله على أن أصلي ركعتين يوم كذا أو في موضع كذا فصلى قبل ذلك اليوم، أو في موضع آخر أجزأه، عنه.","part":2,"page":339},{"id":738,"text":"ولو قال: لله علي أن أتصدق يوم كذا أو علي مساكين بلد كذا فإنه لا يتقيد بذلك.\rولو قال: لله علي أن أصوم رجب فصام شهرا قبل ذلك، جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعلى قول محمد: لا يجزئه.\rأما الصلاة فلا تتقيد بالمكان واليوم، لان معنى القربة في نفس الفعل، وكذا الصدقة، وأما الصوم فأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان: إن ذكر الوقت لتقدير لا لتعين الواجب، لان الاوقات، في معنى العبادة، سواء.\rولو قال: علي طعام مساكين ولم يكن له نية فعليه أن يطعم عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر.\rولو قال لله علي صدقة ولم يكن له نية فعليه نصف صاع.\rولو قال: لله علي صوم فعليه صوم يوم.\rولو قال لله علي أن أصلي صلاة فعليه ركعتان، لان النذر معتبر بالامر، فإذا لم يذكر فيه التقدير، اعتبر أدنى ما ورد في الامر، وهو ما ذكرنا.","part":2,"page":340},{"id":739,"text":"باب كفارة اليمين الحانث لا يخلو: إما إن كان موسرا، أو معسرا.\rفإن كان موسرا فهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين الاطعام، والكسوة، والاعتاق لقوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) * (1).\rفإن اختار الطعام: يعطي كل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعا من شعير أو دقيقهما أو صاعا من تمر، أو قيمة هذه الاشياء، دراهم ودنانير أو عروضا، كما في صدقة الفطر على ما ذكرنا.\rولو دعا عشرة مساكين، فغداهم وعشاهم مشبعا خبزا مع الادام أو بغير الادام أو سويقا، أو تمرا كان جائرا، لان الله تعالى أمر بالاطعام، وهو اسم للفعل، إلا أن التمليك عرفناه بدلالة النص، والاطعام في حق الاهل قد يكون مع الادام، وقد يكون بغيره.\rولو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام، غداء وعشاء، أو أعطى مسكينا واحدا، عشرة أيام، كل يوم نصف صاع، جاز، لان المقصود سد خلة\r__________\r(1) سورة المائدة: الاية 89.","part":2,"page":341},{"id":740,"text":"عشرة مساكين، عشرة أيام، وقد حصل.\rولو أطعم عشرة مساكين في يوم غداء، وأعطى كل واحد مدا من الطعام، جاز، لانه جمع بين التمليك وطعام الاباحة.\rوكذا لو غدى رجلا واحدا، عشرين يوما، أو عشى رجلا في رمضان عشرين يوما، جاز، لان المقصود قد حصل.\rولو أعطى مسكينا واحدا، طعام عشرة في يوم واحد لم يجز،\rلان الله تعالى أمر بسد جوعة عشرة مساكين، جملة أو متفرقا على الايام ولم يوجد.\rولو أطعم فقراء أهل الذمة، جاز، وفقراء المسلمين أفضل، كما ذكرنا في صدقة الفطر، خلافا لابي يوسف.\rوإن اختار الكسوة: كسا كل مسكين ثوبين.\rوإن كساهم ثوبا جامعا نحو القميص والقباء والملحفة والكساء جاز، لان الله تعالى أمر بالاكساء، فكل ثوب يصير به كاسيا دخل تحت النص.\rولو كساه قلنسوة أو عمامة لا يجوز، لانه لا يسمى به كاسيا.\rولو كسا سراويل، قال: لا يجوز.\rولو كساه إزار جاز، ولكن أراد به أن يكون من الرأس إلى القدم.\rوأما إذا كان يستر به العورة لا يستر البدن لا يجوز وهذا جواب ظاهر الرواية.\rوروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: إذا كان مما يستر به العورة، وتجوز فيه الصلاة: يجوز.\rوالمعتبر في ظاهر الرواية ما يسمى لابسا، ولابس السراويل يسمى عريانا.\rولو أن قيمة العمامة والسراويل بلغت قيمة الطعام، هل يقع عن","part":2,"page":342},{"id":741,"text":"الطعام؟ عند محمد: يقع بغير نية، إذا وجدت منه نية الكفارة.\rوعند أبي يوسف: لا يقع ما لم ينو الكسوة عن الطعام.\rوأما إذا اختار التحرير: فإن أعتق رقبة مطلقة كاملة الذات وكاملة الرق بنية الكفارة، بأي صفة كانت جاز، صغيرا كان أو كبيرا، مسلما كان أو ذميا، لان الله\rتعالى أمر بإعتاق رقبة مطلقة، بقوله: (أو تحرير رقبة) وكذا في كفارة الظهار، وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يجوز إلا المؤمنة، كما في كفارة القتل.\rولو أعتق رقبة معيبة فالاصل فيه أن كل عيب يوجب فوات جنس المنفعة، يمنع عن الكفارة، وإلا فلا.\rإذا ثبت هذا نقول: إذا أعتق عبدا أعور، أو مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين أو اليد والرجل من خلاف أجزأه، لان منفعة الجنس باقية.\rولو أعتق الاعمى أو المقطوع اليدين أو الرجلين، أو المقطوع اليد والرجل من جانب واحد، لا يجوز، لان منفعة الجنس معدومة.\rوأما المجنون المغلوب، فلا يجوز، لان منفعة الاجناس معدومة.\rولو أعتق مفلوجا يابس الشق لا يجوز، لانه فات منفعة الجنس.\rولو أعتق الحمل لا يجوز، وإن ولد حيا بعد يوم، لانه في معنى الاجزاء من وجه.\rوأما الاصم فالقياس أن لا يجوز.\rوفي الاستحسان يجوز، لانه إذا بولغ في الصياح، يسمع، فلا يفوت جنس المنفعة.","part":2,"page":343},{"id":742,"text":"وأما الاخرس فلا يجوز، لما قلنا.\rولو أعتق حلال الدم، جاز، لانه رقبة كاملة لوجود الملك، واسم الرقبة ووجوب القصاص، لا يمنع جواز التكفير به، وإنما وجب عليه حق.\rولو أعتق عبدا مديونا، جاز، وللغرماء حق الاستسعاء.\rولو أعتق ذا رحم محرم منه عن الكفارة جاز، عندنا خلافا\rللشافعي.\rولو أعتق المكاتب، جاز عندنا خلافا له.\rولو أدى بعض بدل الكتابة لا يجوز بالاجماع.\rولو أعتق عبدا مشتركا بينه وبين شريكه، وهو موسر، واختار الشريك الضمان حتى عتق كله عن المعتق، لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز، لان الاعتاق لا يتجزأ عندهما، فيقع الكل عن الكفارة، وثبت الملك بالضمان سابقا، وعند أبي حنيفة الاعتاق يتجزأ فإذا أعتق النصف جاز، وينتقص، فإذا ضمن ملك النصف الناقص، وإعتاق الناقص لا يجوز.\rوبمثله لو أعتق نصف عبده عن الكفارة ثم أعتق النصف الباقي جاز، وبين الامرين فرق بعيد.\rوإن كان معسرا حتى وجبت السعاية على العبد، لا يجوز، لانه يجب عليه السعاية فيصير كالعتق بعوض وهذه مسألة معروفة.\rولو قال لعبده: إن اشتريتك فأنت حر، ثم اشتراه بنية الكفارة لا يجوز، لانه لم توجد النية منه عند اليمين وإنه يصير معتقا بذلك الكلام، حتى لو قال له: إن اشتريتك عن يمين فأنت حر عن كفارة يميني جاز.","part":2,"page":344},{"id":743,"text":"ولو أعتق المدبر أو أم ولد عن الكفارة، لا يجوز، لانه ناقص الرق.\rأما إذا كان الحالف معسرا فعليه صوم ثلاثة أيام متتابعة، عندنا وعند الشافعي: يجوز متفرقا، وقد ذكرنا هذا\rولو أفطر لمرض، أو المرأة تحيض، استقبلا لانهما يجدان ثلاثة أيام لا تحيض فيها ولا مرض في الغالب، فيبطل التتابع، بخلاف صومه شهرين متتابعين فإن ثم لا ينقطع التتابع، لاجل العذر، وينقطع بالمرض لان الغالب أن الشهرين لا يخلوان عن الحيض أو عن المرض.\rولو أن المعسر إذا أيسر في خلال الصوم، يجب عليه الاطعام أو الاعتاق أو الكسوة، ويبطل الصوم، لانه قدر على الاصيل قبل حصول المقصود بالبدل.\rولو أيسر بعد الصيام، لا يبطل الصوم، بخلاف الشيخ الفاني إذا أطعم مكان الصوم ثم قدر، يبطل، لان ذلك بدل ضروري.\rولو أعتق رجل بأمر رجل أو أطعم عنه أو كسا جاز، وإن لم يعطه الدراهم والدنانير.\rوإن فعل بغير أمره ثم أجازه: لم يجز، لان الاعتاق بأمره كإعتاقه، ويكون مليكا للعبد منه، وأمره بذلك قبول منه، فجاز.\rفأما إذا فعل بغير أمره، لا يتوقف على إجازته، لانه وجد نفاذا على مالكه، وهو التقرب إلى الله، فلا يتوقف.\rولو صرف قيمة الطعام والثياب، بنية الكفارة، إلى بناء المساجد أو أكفان الموتى أو قضاء دين رجل فقير، فإنه لا يقع عن الكفارة، لان الواجب هو التمليك، ولم يوجد.","part":2,"page":345},{"id":744,"text":"ولو كان الحانث له مال، وعليه دين مستغرق، أجزأه الصوم، لانه مستحق الصرف إلى الدين.\rولو كان له عبد وعليه دين، لم يجزئه الصوم، لانه قادر على إعتاقه\rعن الكفارة، وقيل: من أصحابنا من قال: يجوز، لكونه فقيرا.","part":2,"page":346},{"id":745,"text":"كتاب الاجارة الاجارة نوعان: إجارة على المنافع، وإجارة على الاعمال.\rولكل نوع شروط، وأحكام.\rأما الاجارة على المنافع فكإجارة الدور والمنازل، والحوانيت والضياع، وعبيد الخدمة، والدواب للركوب والحمل، والثياب والحلي للبس، والاواني والظروف للاستعمال.\rوالعقد جائز في ذلك كله.\rوشرط جوازه أن تكون العين المستأجرة معلومة، والاجرة معلومة، والمدة معلومة بيوم أو شهر أو سنة، لانه عقد معاوضة كالبيع، وإعلام المبيع والثمن شرط في البيع فكذلك ههنا، إلا أن المعقود عليه ههنا هو المنافع، فلا بد من إعلامها بالمدة والعين والذي عقدت الاجارة على منافعه.\rوأما أحكام هذا النوع من الاجارة، فكثيرة: منها: أنه يجب على الآجر تسليم المستأجر عقيب العقد.\rوليس له أن يحبس المستأجر لاستيفاء الاجرة كما في باب البيع، لان الاجرة لا تجب بنفس العقد، عندنا، لكون المعقود عليه، وهو المنافع، معدومة، وإذا لم يجب الاجر فليس له حق حبس المستأجر لاخذ الاجر، وأما في البيع فالثمن واجب.","part":2,"page":347},{"id":746,"text":"وإنما يجب الاجر ويملك بأحد معان ثلاثة: إما بأن يشترط تعجيله في نفس العقد، وإما أن يعجل بغير شرط، وإما باستيفاء المنافع شيئا فشيئا أو بالتمكين من الاستيفاء بتسليم المستأجر إليه وبتسليم المفتاح إليه أيضا.\rوعند الشافعي: تجب الاجرة كلها بنفس العقد والمسألة معروفة.\rثم إن وقع الشرط في عقد الاجارة أن لا يجب الاجر إلا بعد انقضاء مدة الاجارة فذلك جائز، فيكون تأجيلا للاجرة، بمنزلة تأجيل الثمن.\rوأما إذا لم يشترط في العقد شيئا فقال أبو حنيفة أولا، وهو قول زفر: لا تجب الاجرة إلا في آخر المدة، ثم رجع وقال: تجب حالا فحالا، كلما مضى يوم يسلم أجرته، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لان الاجرة تملك على حسب ملك المنافع ساعة فساعة، والاستيفاء على هذا الوجه متعذر، فقدره باليوم.\rوذكر الكرخي في الاجارة على قطع المسافة أنه يسلم أجرة كل مرحلة.\rومنها: أنه يعتبر ابتداء المدة من حين وقع العقد، فإذا أجر شهرا أو شهورا أو سنين معلومة فإن وقعت الاجارة في أول الشهر يعتبر بالاهلة، وإن وقعت في بعض الشهر يعتبر بالايام كل شهر ثلاثون يوما.\rوكذلك في الشهور والسنين.\rوذكر في الاصل إذا استأجر دارا سنة مستقبلة في بعض الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهرا بالاهلة ويتم الشهر الاول بالشهر الثاني فيكون في المسألة روايتان.\rولو أضاف الاجارة إلى زمان في المستقبل، بأن قال في رمضان أجرتك هذه الدار سنة أولها غرة المحرم يجوز.","part":2,"page":348},{"id":747,"text":"وقال الشافعي: لا تجوز الاجارة ما لم يكن أول المدة عقيب العقد.\rولهذا قلنا: إن المؤاجر لو باع هذه الدار لا يصح في حق المستأجر، وإن لم يجئ الوقت الذي أضيف إليه الاجارة، لكن لا يجب عليه تسليم الدار ما لم يأت ذلك الوقت.\rومنها: أنه إذا استأجر دارا أو حانوتا أو غير ذلك من العقار غير المزارع، فله الانتفاع بها كيف شاء من السكنى، وله أن يسكن فيها من أحب، بالاجارة والاعارة، وله أن يعمل فيها أي عمل شاء، غير أنه لا يجعل فيها حدادا ولا قصارا ولا ما يضر بالبناء ويوهنه.\rولا تفسد الاجارة وإن لم يسم ما يعمل فيها، لان منافع السكنى غير متفاوتة إذا لم يكن فيها ما يوهن البناء، وذلك مستثنى فصارت المنافع معلومة بخلاف ما إذا استأجر أرضا للزراعة حيث لم يجز العقد حتى يبين ما يزرع فيها، أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء، لان منافع الزراعة مختلفة.\rولو استأجر دابة ولم يسم ما يحمل عليها، أو عبدا ولم يبين العمل لا يجوز، لان ذلك مما يتفاوت، وإن اختصما يفسخ العقد، وإن مضت المدة، أو حمل عليها، أو استعمل العبد فالقياس أن يجب أجر المثل، لانه استوفى المنفعة بعقد فاسد، وفي الاستحسان يجب المسمى، لانه يتعين المعقود عليه ويصير معلوما بالعمل والحمل، فيعود العقد جائزا.\rومنها: أنه يجب على المؤاجر تسليم المستأجر سليما عن العيب الذي\rيضر بالانتفاع، خاليا عن الموانع التي تمنع من الانتفاع في جميع المدة حتى يجب عليه جميع الاجر.\rفإن كان به عيب يضر بالانتفاع، فالمستأجر بالخيار إن شاء فسخ الاجارة، وإن شاء مضى عليها","part":2,"page":349},{"id":748,"text":"فإن مضى عليها مع العيب، يجب عليه جميع المسمى، لانه رضي بالمعقود عليه مع العيب.\rوإن زال ذلك العيب أو سقط حائط فبناه المؤاجر، فلا خيار للمستأجر، لان العيب زال.\rفإن كان المؤاجر غائبا فليس له أن يفسخه، لان الفسخ لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من قام مقامهما.\rوإن سقطت الدار كلها أو انهدمت، فله أن يخرج من الدار، كان المؤاجر حاضرا أو غائبا.\rواختلفت إشارة الروايات في أن العقد ينفسخ أو يثبت له حق الفسخ؟ والصحيح أنه ينفسخ، لانه فات جنس الانتفاع المعهود، بالدار، وإنما يمكنه أن ينتفع بضرب الخيمة ونحوها، والعقد ينفسخ بهلاك المعقود عليه.\rوأما إذا استأجر دارين صفقة واحدة، فسقطت إحداهما أو منعه مانع من إحداهما، أو كانت الدار المستأجرة واحدة وامتنع رب الدار عن تسليم بيت منها، فله أن يفسخ العقد، لان الصفقة تفرقت في المنافع، وتفريق الصفقة يثبت الخيار.\rأما إذا حدث مانع يمنع من الانتفاع بعد التسليم في المدة كما إذا\rغصبه غاصب، أو حدث الاباق أو المرض المعجز عن الانتفاع، أو انقطاع الماء في الرحا أو الشرب في الارض، فإنه تسقط الاجرة، في المستقبل، ما لم يسلم إليه ويلزمه أجر ما مضى، لان الاجر يجب شيئا فشيئا بمقابلة استيفاء المنافع.\rثم تطيين الدار وإصلاح ميازيبها، وما وهى من بنائها على رب الدار دون المستأجر، حتى تكون صالحة للانتفاع، ولكن لا يجبر على ذلك،","part":2,"page":350},{"id":749,"text":"لان المالك لا يجبر على إصلاح ملكه، لكن يثبت الخيار للمستأجر، لان هذا في معنى العيب.\rوكذا إصلاح بئر الماء، والبالوعة، والمخرج على رب الدار، وإن امتلا من فعل المستأجر، لكن لا يجبر عليه، لما ذكرنا.\rوإذا انقضت مدة الاجارة، وفي الدار تراب من كنس المستأجر، فعليه أن يرفعه لانه حدث بفعله.\rوالقياس في امتلاء المخرج والبالوعة كذلك، وفي الاستحسان لا يلزمه، لان العادة جرت أن كل ما كان مغيبا في الارض فنقله على صاحب الدار.\rوإن أصلح المستأجر شيئا من ذلك، يكون متبرعا إلا إذا فعل ذلك بأمر رب الدار أو بأمر من هو نائب عنه.\rوعلى المستأجر، في إجارة الدار والحانوت تسليم المفتاح إلى المؤاجر بعد انتهاء المدة.\rفأما في الدابة التي استأجرها للركوب في حوائجه في المصر وقتا معلوما فليس عليه أن يسلمها إلى صاحبها، بأن يذهب بها إلى منزله، وعلى المؤاجر أن يقبضها من منزل المستأجر، لانه حصل له المنفعة بالتسليم إلى\rالمستأجر، وهو الاجر، فلم يكن عليه الرد كما في الوديعة، حتى لو أمسكها أياما ولم ينتفع بها فهلكت في يده لم يضمنها، وفي العارية والغصب يجب الرد على المستعير والغاصب.\rولو استأجر من موضع مسمى في المصر إلى مكان معلوم ذاهبا وجائيا فإن على المستأجر أن يأتي بها إلى ذلك الموضع الذي قبضها منه، لان انتهاء الاجارة إلى هذا الموضع، فعليه أن يأتي بها إليه، لان الرد واجب على المستأجر، فإن حملها إلى منزله فأمسكها حتى عطبت يضمن لانه","part":2,"page":351},{"id":750,"text":"تعدى في حملها إلى غير موضع العقد حتى لو قال المستأجر اركبها من هذا الموضع إلى موضع كذا، وارجع إلى منزلي فليس على المستأجر أن يردها إلى منزل المؤاجر، لان الاجارة انتهت، فبقيت أمانة في يده، فلا يجب عليها الرد كما في الوديعة.\rوأما الاجارة على الاعمال فكاستئجار القصار والاسكاف والصباغ وسائر من يشترط عليه العمل في سائر الاعمال، من حمل الاشياء من موضع إلى موضع ونحوها.\rوهو نوعان: استئجار الاجير المشترك، والاجير الخاص الذي يسمى أجير الوحد، فالاجير المشترك، كاسمه، الذي يتقبل الاعمال من الناس كالصباغ والقصار ونحوهما.\rوأجير الوحد كاسمه الذي يعمل للواحد مدة معلومة، وللاول أن يعمل لهم جميعا، وليس لمن استأجره أن يمنعه عن العمل لغيره.\rوفي أجير الوحد ليس له ذلك، وللمستأجر أن يمنعه.\rثم أحكامهما تختلف في بعض الاشياء وتتفق في البعض:\rفأجير الوحد لا يكون ضامنا للعين التي تسلم إليه للعمل فيها، كما إذا استأجر يوما أو شهرا قصارا أو خياطا ليعمل له لا غير، حتى لو هلك في يده لا بصنعه لا يضمن بالاجماع.\rوكذلك لو تخرق بصنعه الذي هو من العمل المأذون فيه.\rفأما الاجير المشترك فلا يكون ضامنا وتكون العين التي في يده أمانة عند أبي حنيفة وزفر.\rوفي قول أبي يوسف ومحمد: يكون مضمونا لو هلك بغير صنعه يضمن إلا إذا هلك بحرق غالب أو بغرق غالب ونحو ذلك.\rولو تخرق بصنع معتاد بأن دق مثله، أو ألقاه في النورة فاحترق، أو الملاح إذا غرقت السفينة من عمله، والحمار إذا سقط وفسد الحمل، أو الراعي المشترك إذا ساق الدواب فضرب بعضها بعضا في حال","part":2,"page":352},{"id":751,"text":"سياقه حتى هلك: يكون مضمونا عندنا، وقال زفر والشافعي: لا يضمن والمسألة معروفة.\rولو استأجر البزاغ والفصاد والختان فعملوا عملهم ثم سرى إلى النفس ومات فلا ضمان عليهم، لانه ليس في وسعهم الاحتراز من ذلك.\rولو تخرق بدق أجير القصار، لا ضمان عليه، ولكن يجب الضمان على الاستاذ، لان عمله ينتقل إليه كأنه فعل بنفسه.\rولو وطئ على ثوب من ثياب القصارة فخرقه، يضمن، لان هذا ليس من توابع العمل.\rولو وقع من يده سراج فأحرق ثوبا من ثياب القصارة، فالضمان على الاستاذ، لا عليه، لان الذهاب والمجئ بالسراج عمل مأذون فيه.\rوكذلك لو وقع الكذينق (1) من يده فخرق ثوبا من ثياب القصارة، فالضمان على الاستاذ، لان هذا من عمل القصارة.\rولو وقع على ثوب وديعة عند الاستاذ فخرقه، ضمنه الاجير وكذا في السراج إذا حرقه.\rولو هلك العين المعمول فيه هل يسقط الاجر؟ فهذا لا يخلو إما إن كان العين المعمول فيه في يد الاجير أو في المستأجر.\rفإن كان في يد الاجير فهو على وجهين: إما إن كان لعمله أثر في العين، كالقصارة والصباغة، فإنما يجب الاجر بتسليم ذلك الاثر، فإذا هلك قبل التسليم في يده سقط الاجر، لانه لم يسلم المعقود عليه.\r__________\r(1) الكذينق الذى يدق به القصار.\rليس بعربي.","part":2,"page":353},{"id":752,"text":"وإن لم يكن لعمله أثر في العين، كالحمال والملاح، فكما فرغ من العمل يجب الاجر، وإن لم يسلم العين إلى صاحبه، لان المعقود عليه المنفعة ونفس العمل، فإذا انتهت المدة فقد فرغ من العمل وصار مسلما في العين التي هي ملك صاحبها فلا يسقط الاجر بالهلاك بعده، ولهذا قالوا: إن كل عمل له أثر في العين هو الذي ملك صاحبه: كان له حق حبس العين، حتى يستوفي الاجر، لان البدل مستحق بمقابلة ذلك الاثر، وما لا أثر له: لا يثبت فيه حق الحبس، لان العمل المعقود عليه ليس في العين ولهذا قالوا إن الحمال إذا حبس المتاع الذي في يده ليستوفي الاجر، فهلك يضمن، لان العين أمانة في يده، فإذا حبس صار غاصبا، فيضمن.\rوأما إذا كان العين المعمول فيه في يد المستأجر، بأن عمل الاجير في ملك المستأجر أو فيما في يده من فناء ملكه ونحو ذلك فإذا فرغ من العمل يستحق كل الاجر وإن لم يفرغ وعمل بعضه يستحق الاجر بقدره ويصير ذلك مسلما إلى صاحبه حتى إنه إذا استأجر إنسانا ليبني له بناء في داره أو فيما في يده، أو يعمل له ساباطا أو جناحا، أو يحفر له بئرا أو قناة أو نهرا في ملكه أو فيما في يده، فانهدم البناء أو انهارت البئر أو سقط الساباط لم يسقط شئ من الاجر إن كان بعد الفراغ، وإن كان قبل الفراغ يجب بقدر حصة العمل.\rوأما إذا كان الحفر أو البناء في غير ملكه ويده فلم يصر مسلما إليه بالعمل، فما لم توجد التخلية من الاجير، بين المستأجر وبينه، لا يصير قابضا للمعقود عليه، فإذا فسد قبل ذلك أو هلك سقط الاجر.\rوعلى هذا إذا استأجره ليضرب له لبنا في ملكه، فرب اللبن لا يصير قابضا حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة، وعندهما حتى * () * (1) الساباط سقيفه بين حائطين.","part":2,"page":354},{"id":753,"text":"يشرجه (1)، وإن كان ذلك في غير ملكه أو في غير يده لم يكن له الاجر حتى يسلمه إليه منصوبا عنده، وعندهما مشرجا، لانه لم يكن في يده حتى يصير العمل مسلما إليه، فلا بد من التخلية بعد الفراغ من العمل.\rوعلى هذا الخياط يخيط له في منزله قميصا، فإن خاط بعضه لم يكن له أجر، لان هذا العمل لا ينتفع ببعضه، فإذا فرغ منه ثم هلك فله الاجر، لانه صار مسلما للعمل عنده.\r__________\r(1) شرج اللبن نضد بعضه الى بعض وكل ما ضم بعضه الى فقد شرج.","part":2,"page":355},{"id":754,"text":"باب الاجارة الفاسدة وما يكون به مخالفا المستأجر إذا كان مجهولا، أو الاجر مجهولا، أو العمل، أو المدة، فالاجارة فاسدة، لانها جهالة تفضي إلى المنازعة، كما في البيع.\rوإجارة المشاع، فيما يقسم أو لا يقسم، فاسدة عند أبي حنيفة وزفر.\rوعلى قولهما: جائزة وهو قول الشافعي.\rوأجمعوا أنها من الشريك جائزة.\rوأجمعوا أنه لو أجر من رجلين جاز، ولو مات أحدهما حتى بطلت الاجارة في حصته وصارت ملكا للوارث فيصير شيوعا طارئا، فإنه لا تبطل الاجارة، فالشيوع المقارن مفسد والطارئ غير مفسد، هذا هو المشهور من الرواية، والمسألة تعرف في الخلافيات.\rوالاجارة على القرب والطاعات، كالحج والامامة والآذان ونحوها فاسدة عندنا خلافا للشافعي.\rوالاجارة على المعاصي، كما إذا استأجر مغنيا أو نائحة فهي فاسدة.\rولا يجوز إجارة النهر والبئر والقناة مع الماء، ولا إجارة المراعي والآجام، لان هذه إجارة على استهلاك العين، والاجارة لاستيفاء المنافع مع بقاء العين.","part":2,"page":357},{"id":755,"text":"ولو أستجر نهرا يابسا أو موضعا من الارض معلوما، ليسيل فيه ماء\rالمطر أو ماء الزراعة، لا يجوز، لتفاوت في قلة الماء وكثرته، وذلك مما يضر بالنهر، وروي عن محمد أنه يجوز.\rولو استأجر طريقا في دار غيره ليمر فيها وقتا معلوما لم يجز في قياس قول أبي حنيفة، ويجوز في قياس قولهما بناء على أن إجارة المشاع فاسدة عنده، خلافا لهما.\rوإذا استأجر رجلا للبيع والشراء لا يجوز، لانه لا يقدر على ذلك إلا بفعل غيره، وأما إذا استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز، لان الاجارة وقعت على منفعة المدة، وهي معلومة.\rولو استأجر أرضا، فيها رطبة، سنة لا يجوز، لانه لا يمكن تسليمها إلا بضرر، وهو قلع الرطبة، فإن قلع رب الارض الرطبة، وسلم أرضا بيضاء جاز ويجبر على القبول، كما إذا اشترى جذوعا في سقف.\rولو استأجر عبدا للخدمة أو دابة للحمل وشرط المستأجر نفقتها، فهي فاسدة، لان قدر النفقة مجهول.\rثم في الاجارة الفاسدة، إذا استوفى المنفعة يجب أجر المثل، مقدرا بالمسمى عندنا، وعند زفر: يجب أجر المثل تاما على ما مر.\rوأما بيان ما يصير به مخالفا، وما لا يصير به مخالفا فنقول: إذا استأجر دابة ليحمل عليها شيئا، فحمل عليها غيره ينظر: إن كان ضرر الدابة من حيث الخفة والثقل فإن كان ذلك الشئ مثل المأمور به أو أخف فلا شئ عليه، لان التعيين لا فائدة فيه.\rوإن كان أثقل فإن كان بخلاف جنسه، بأن حمل مكان الشعير الحنطة، فعطبت الدابة، فهو مخالف وضامن ولا أجر عليه لانها هلكت بفعل غير","part":2,"page":358},{"id":756,"text":"مأذون فيه، فوجب الضمان دون الاجر، لانهما لا يجتمعان.\rوإن كان من جنسه، فحمل المسمى وزاد عليه، بأن حمل أحد عشر قفيزا مكان العشرة فإن سلمت الدابة فله ما سمى من الاجر، وإن عطبت فهو ضامن لجزء من أحد عشر جزءا من أجزاء الدابة، وعليه الاجر الذي سمي، لانها ماتت بفعل مأذون وغير مأذون، فيقسم على قدر ذلك.\rفأما إذا كان ضرر الدابة لا من حيث الخفة والثقل، بأن يستأجر دابة ليحمل عليها مائة من قطن، فحمل عليها مثل وزنه حديدا أو أقل، ضمن، لان ثقل القطن يكون على جميع العضو لانه ينبسط على الموضع الذي حمل عليه، فأما ثقل الحديد فيكون في موضوع واحد، فيكون أثره أقوى في الضرر.\rوعلى هذا إذا استأجرها ليركبها، فأركب من هو مثله في الثقل أو أخف، ضمن، لان ذلك يختلف بالحذق والخرق، ولو ركبها، وأركب مع نفسه غيره، فعطبت فإن كانت الدابة مما يمكن أن يركبها اثنان يضمن نصف قيمتها، لان التلف حصل بركوبهما، فصار كما لو تلفت بجراحتهما وأحدهما غير مأذون، وإن كان لا يمكن فعليه جميع قيمتها، لان هذا إتلاف منه.\rوعلى هذا إذا استأجر دابة بإكاف (1) فأسرجها لا ضمان عليه، لان الضرر أقل، لانه يأخذ من الظهر أقل.\rوإن استأجر حمارا بسرج فأسرجه سرجا آخر فإن كان مثل الاول بأن يسرج به الحمار، لا يضمن، وإن أسرجه بسرج الفرس يضمن.\rفإن أوكفه ذكر في الاصل أنه يضمن بقدر ما زاد الاكاف على السرج وفي\r__________\r(1) إكاف الحمار برذعته.","part":2,"page":359},{"id":757,"text":"الجامع الصغير على قول أبي حنيفة: يضمن الكل.\rوعندهما: بقدر ذلك.\rوإن استأجر حمارا عريانا فأسرجه فإن استأجر ليركب خارج المصر لا يضمن.\rوإن استأجر ليركبه في المصر فإن كان رجلا من الاشراف أو الاوساط لا يضمن، لان مثله لا يركب من غير سرج، فيكون إذنا دلالة، وإن كان من الاسافل يضمن، لان مثله يركب بغير سرج، بالجل (1) ونحوه، والسرج أثقل فيضمن.\rثم الاجارة تفسخ بالاعذار المخصومة عندنا، وإن وقعت الاجارة صحيحة لازمة، بأن لم يكن ثمة عيب ولا مانع من الانتفاع.\rوقال الشافعي: لا تفسخ والمسألة معروفة.\rثم العذر ما يكون عارضا يتضرر به العاقد مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ بيان ذلك: إذا أراد المستأجر أن ينتقل عن البلد أو يسافر، فله أن ينقض الاجارة، في العقار وغيره.\rوكذا مستأجر الحانوت: إذا ترك ذلك العمل أو التجارة وانتقل إلى غيره.\rوكذا إذا أفلس.\rوليس للمؤاجر عند السفر والنقلة عن البلد عذر، لانه لا ضرر عليه في تبقيه العقد.\rومرض الحمال والجمال بحيث يضره الحمل عذر في رواية أبي يوسف، لان غيره لا يقوم مقامه إلا بضرر وذكر محمد في الاصل وقال:\r__________\r(1) جل الدابة وجلها الذي تلبسه لتصان به.","part":2,"page":360},{"id":758,"text":"مرض الجمال لا يكون عذرا، لان خروجه مع الابل ليس بمستحق.\rوكذا الدين الذي لا طريق للمؤاجر في قضائه إلا بيع المستأجر يكون عذرا.\rوكذا المستأجر إذا كان لا يحصل له النفع مما استأجر، إلا بضرر يدخله في ملكه أو بدنه، فبدا له ذلك فله فسخه كمن استأجر رجلا ليقصر له ثيابا أو يقطعها أو يخيطها أو ينقض دارا له أو يقطع شجرا أو يحدث في ملكه شيئا من بناء أو حفر أو ليحتجم أو يفتصد، أو يقلع ضرسا له، أو ليزرع أرضا له ببذره ونحو ذلك لانه إذا بدا له من ذلك ظهر أنه له فيه ضررا.\rثم الاجارة تبطل بموت المستأجر أو المؤاجر عندنا، خلافا للشافعي ونعني به موت من وقع له عقد الاجارة، دون العاقد، حتى إذا كان وكيلا لا تبطل.\rفأما هلاك المستأجر، فإن كان شيئا بعينه يبطل.\rوإن كان بغير عينه، بأن وقعت الاجارة على دواب بغير عينها للحمل أو الركوب، وسلم إليه الدواب، فهلكت فعلى المؤاجر أن يأتي بغيرها ليحمل المتاع، وليس له أن يفسخ، لانه لم يعجز عن وفاء ما التزمه بالعقد وهو حمل متاعه إلى موضع كذا.\rثم إجارة الظئر مثل إجارة عبد الخدمة لا بد من بيان الوقت،\rوبيان الاجر، ونحو ذلك، إلا أن في الظئر إذا استأجرها بكسوتها ونفقتها جاز، من غير بيان عند أبي حنيفة استحسانا وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي: لا يجوز، لان هذه جهالة تفضي إلى المنازعة غالبا.\rوإنها بمنزلة أجير الوحد لا يجوز لها أن ترضع غيره.\rوعليها الرضاع، والقيام بأمر الصبي فيما يحتاج إليه من غسله وغسل","part":2,"page":361},{"id":759,"text":"ثيابه وطبخ طعامه، وتهيئة ذلك والطعام على الاب.\rوذكر وما يعالج به الصبيان من الريحان والدهن فعلى الظئر، وهذا من عادة بلدهم، فأما في بلادنا بخلافه فعلى الاب.\rثم الاجارة (1) تتوقف على إجازة المالك، ثم ينظر: إن أجاز العقد قبل استيفاء المنفعة جاز، وتكون الاجرة للمالك.\rوإن أجازه بعد استيفاء المنفعة، لم يجز بإجازته، وكانت الاجرة للعاقد، لان المنفعة الماضية تلاشت، فلا يبقى العقد بعد فوات محله، فلا يلحقه الاجازة، ويصير العاقد غاصبا بالتسليم فصار كالغاصب إذا آجر، وقالوا في الغاصب إذا آجر وسلم ثم قال المالك أجزت ما آجرت إذا انقضت المدة فالاجر للغاصب، وإن أجاز في نصف المدة فالاجر كله للمالك في قول أبي يوسف، وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر الباقي للمالك.\rوكذا قال محمد فيمن غصب أرضا، فأجرها للزراعة، فأجاز رب الارض، قال: إن أعطاها مزارعة وأجازها صاحب الارض جازت، وإن كان الزرع قد سنبل، ما لم ييبس، فلا شئ للغاصب من الزرع لان المزارعة كالشئ الواحد لا ينفصل بعض عملها عن بعض، فإذا\rلان المزارعة كالشئ الواحد لا ينفصل بعض عملها عن بعض، فإذا أجازها قبل الفراغ، فجعل كالابتداء، وأما إذا يبس الزرع فقد انقضى عمل المزارعة، فلا تلحقه الاجازة فيكون للغاصب.\rثم تفسير الاستصناع هو عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع.\rوالقياس أن لا يجوز.\r__________\r(1) أي من غير المالك ونائبه.\rوبعبارة أخرى ممن له حق التأجير - كالغاصب.","part":2,"page":362},{"id":760,"text":"وفي الاستحسان جائز، لتعامل الناس، فلا جرم اختص جوازه بما فيه تعامل، كما في الخف والقلنسوة والاواني ونحوها، بعد بيان القدر، والصفة، والنوع.\rوهو عقد غير لازم ولكل واحد منهما الخيار في الامتناع قبل العمل، وبعد الفراغ من العمل: لهما الخيار، حتى إن الصانع لو باعه قبل أن يراه المستصنع جاز لانه ليس بعقد لازم، فأما إذا جاء به إلى المستصنع فقط سقط خياره لانه رضي بكونه للمستصنع حيث جاء به إليه.\rفإذا رآه المستصنع فله الخيار إن شاء أجاز، وإن شاء فسخ عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: لا خيار له، لانه مبيع في الذمة بمنزلة السلم.\rوهما يقولان: إنه بمنزلة العين المبيع الغائب.\rفإذا ضرب الاجل في الاستصناع ينقلب سلما عند أبي حنيفة، خلافا لهما، لانه إذا ذكر فيه الاجل يكون فيه جميع معاني السلم، والعبرة للمعنى لا للفظ ولهذا لو استصنع ما لا يجوز استصناعه حتى يكون استصناعا فاسدا، وشرط فيه الاجل ينقلب سلما، بلا خلاف، كذا هذا والله أعلم.","part":2,"page":363},{"id":761,"text":"تحفة الفقهاء - السمرقندي ج 3\rتحفة الفقهاء\rالسمرقندي ج 3","part":3,"page":0},{"id":762,"text":"تحفة الفقهاء","part":3,"page":1},{"id":763,"text":"تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى 535 ه وهى أصل \" بدائع الصنائع \" للكاساني - قال اللكنوي: \" ملك العلماء الكاساني، صاحب البدائع شرح تحفة الفقهاء: أخذ العلم عن علاء الدين محمد السمرقندي، صاحب التحفة \".\rالجزء الثالث دار الكتب العلمية بيروت لبنان","part":3,"page":3},{"id":764,"text":"جميع الحقوق محفوظة لدار الكتاب العلمية بيروت لبنان الطبعة الثانية دار الكتاب العلمية بيروت - لبنان ص - ب: 9424 / 11 - تلكس: - 41245 le nasher هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 4781373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 / 00","part":3,"page":4},{"id":765,"text":"كتاب الشركة\rالشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود.\rفشركة الاملاك على ضريين.\rاحدهما - ما كان بفعلهما، مثل أن يشتريا أو يوهب لهما أو يوصى لهما فيقبلا.\rوالاخر - بغير فعلهما، وهو أن يرثا.\rوالحكم في الفصلين واحد، وهو الملك مشترك بينما.\rوكل واحد منهما في نصيب شريكه كا لاجنيي: لا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه.\rوأما شركة العقود فعلى ثلاثة أوجه: شركة با لا مقوال، وشركة بالاعمال، وشركة بالوجوه، ويدخل في كل واحد منها شركة العنان وشركة المفاوضة - فنذكر في كل نوع: كيفيته، وشرائطه وأحكامه.\rوأما شركة العقود فعلى ثلاثة أوجه: شركة بالاموال، وشركة بالاعمال، وشركة بالوجوه، ويدخل في كل واحد منها شركة العنان وشركة المفاوصة - فنذكر وأما الشركة بالاموال فهلا شروط، عنانا كانت الشركة أو مفاوضة: منها - أن يكون مال الشركة حاضرا، إما عند العقد أو عند الشراء،","part":3,"page":5},{"id":766,"text":"ولا يجوز بمال غائب أو دين في الحالين - ولهذا قالوا فيمن دفع إلى رجل ألف درهم وقال \" اخرج مثلها، واشتر بها، وبع فما ربحت كان بيننا \" فأخرج ألفا واشترى بها: جاز، وإن لم يوجد المال المعين عند\rالعقد، وإنما وجد عند الشراء.\rوإنما كان كذلك لان الشركة لا تتم إلا بالشراء.\rفوجود المال عنده كوجوده في الابتداء.\rومنها - أن يكون رأس مال الشركة أثمانا مطلقة، من الدارهم والدنانير، عند أكثر العلماء، ويصح عقد الشركة فيهما با لاجماع ولو كان من أحدهما دراهم ومن الاخر دنانير: جازت الشركة عندنا.\rوعند زفر: لا يجوز.\rوأما التبر فلا تصح الشركة به، وجعله كالعروض في هذا الكتاب، وفي كتاب الصرف جعله ثمنا.\rوخلط المالين ليس بشرط عندنا، وعند زفر شرط.\rوأما المكيل والموزون والعديات المتقاربة: فلا تصح الشركة بها، قبل الخلط، بالاجماع، لانها ليست باثمان عند التعيين، والشركة لا تصح فيها إلا وهي ثمن، وإنما هي أثمان في الذمة أما بعد الخلط: فقال صحت الشركة بالخلط.\rوإنما يظهر الخلاف فيما إذا كان المكيل نصفين، وقد شرطا أن يكون الربح أثلاثا، فخلطاه واشتريا به: قال أبو يوسف: الربح على قدر المالين، وقال محمد: على ما شرطا.\rوأما الشركة بالعروض: فلا تجوز عندنا، خلافا لمالك، لان الشركة تقتضي الوكالة والتوكيل على الوجه الذي تضمنه الشركة لا يصح بالعروض، فإنه لو قال لغيره \" بع عرضك على أن ثمنه بيننا \": لم","part":3,"page":6},{"id":767,"text":"بصح.\rولو قال لرجل \" اشتر بألف من مالك على أن ما اشتريته بيننا وأنا أشتري بألف من مالي على أن أشتري بيننا \": جاز - فلهذا افترقا.\rوأما شركة العنان: فتفسيرها أن يشارك صاحبه في بعض الاموال التي ذكرنا، لا في جميع الاموال، ويكون كل واحد منها وكيلا عن صاحبه في التصرف في النوع الذي عينا من أنواع التجارة أو في جميع أنواع التجارة إذا عينا ذلك أو أطلقا وببينان قدر الربح.\rوهذه الشركة جائزة بالاخلاف، لانها تقتضي الوكالة في التصرف، عن كل واحد منهما، لصاحبه، والتوكيل صحيح.\rولهذا تجوز هذه الشركة بين كل من كان من أهل التجارة ما ذونا فيها، كا لعبد المأذون والصبي المأذون والمكاتب والذمي، كما تجوز بين الاحرار البالغين المسلمين، لان قبو الوكالة صحيح منهم.\rويجوز أن يشترط العمل عليهما، بان اشتركا على أن \" يبيعا ويشتريا على أن ما رزق الله من ذلك فهو بينهما على كذا \"، ويجوز أن يشترطا العمل على أحدهما دون الاخر.\rثم لا شك أنهما إذا شرطا الربح بينهما نصفين.\rجاز بالاجماع، إذا كان رأس مالهما على السواء، سواء شرط العمل عليهما أو على احدهما، لان استحقاق الربح بالمال أو بالعمل، وقد وجد التساوي في المال.\rوإن شرطا الربح بيهما أثلاثا: فإن كان العمل عليهما، جاز سواء كان فضل الربح لمن كان رأس ماله أكثر أو أقل، لانه يجوز ان يكون له زيادة حذاقة، فيكون الربح بزيادة العمل.\rوإن شرطا العمل على أحدهما: فإن شرطا العمل على الذي شرط له فضل الربح، جاز، لانه عامل في ماله، وربحه له، وعامل في مال","part":3,"page":7},{"id":768,"text":"شريكة، ببعض ربحه، والربح يستحق بالعمل.\rوإن شرطا العلم على أقلهما ربحا خاصة: لا يجوز، لانه شرط للاخر فضل ربح بغير عمل ولا ضمان، والربح لا يستحق إلا بمال أو عمل أو ضمان، ولا نعني بقولنا العمل وجوده بل نعني به شرط العمل.\rوإذا اشترك الرجلان بمالى على أن يشثريا وببيعا، فما كان من الربح فهو بينهما، ولم يخلطا المال، فضاع مال أحدهما قبل الشراء، فقد انتقضت الشركة، لان الشركة تعينت في المالين، فإذا هلك احدهما قبل الشراء بطلبت الشركة فيه، وبطلت في المال الاخر، لان صاحبه لم يرض بمشاركة شريكة فيه إلا بشرط الشركة في مال، وإذا بطلت الشركة فما يشتريه بماله يكون له خاصة.\rولو اشترى باحد المالين، ثم هلك المال الاخر، فما اشتراه فهو بينهما، لانه اشتراه مع بقاء الشركة، فملكان المشترى، فهلاك المال بعده لا يغير حكم الملك.\rثم لكل واحد من شريكي العنان، بعد ما اشتريا برأس المال أعيانا، أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة، ويشتري بالنقد والنسيئة، وإنما أراد بالشراء بالنسيئة فيما إذا كان في يده دراهم أو دنانير أو مكيل أو موزون فاشترى بذلك الجنس شيئا، لان الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسيئة.\rفإذا لم يكن في يده ما ذكرنا وصار مال الشركة كله أعيانا وأمتعة، فاشترى بدراهم أو بدنانير نسيئة فا لمشترى له خاصة، دون شريكه، لانه لو صح في حق شريكه صار مستدينا على مال الشركة.\rوالشريك شركة عنان والمضارب لا يملكان الاستدانة إلا أن يؤذن لهما\rفي ذلك.","part":3,"page":8},{"id":769,"text":"وكذا لكل واحد منهما أن يبضع، ويودع، ويوكل بالبيع، ويحتال بالثمن، ويستأجر، ويسافر بمال الشركة عند أبي حنيفة في أصح الروايات.\rوكذا يقبض ما باع بنفسه، ويخاصم فيه، ولا يقبض ما باع صاحبه، ولا يخاصم فيه، إلا إذا قال كل واحد منهما لصاحبه \" اعمل فيه برأيك \" فلهما أن يعملا في ذلك ما كان من التجارة وتوابعها، من الرهن، والارتهان، ودفع المال مضاربة، والسفر بالمال في قولهم إلا القرض والهبة، والكنابد، والتزويج، ونحو ذلك، لان هذا من باب التبرع وليس من جنس التجارة.\rوأما شركة المفاوضة: فشرط صحتها أن تكون في جميع التجارات، ولا يختص أحدهما بتجارة دون شريكه، وأن يكون ما يلزم أحدهما من حقوق ما يتجران فيه لازما للاخر، وما يجب لكل واحد منهما يجب للاخر.\rويكون كل واحد منهما، فيما وجب لصاحبه، بمنزلة الوكيل، وفيما وجب عليه بمنزلة الكفيل عنه، ويتساويان مع ذلك في رؤوس الاموال: في قدرها وقيمتها، ويتساويان في الربح، فإن تفاوتا في شئ من ذلك لم تكن مفاوضة وكانت عنانا - فصارت المفاوضة شتملة على الوكالة والكفالة والتساوي في الربح والمال الذي يقع به الشركة، ولهذا لا تجوز إلا بين المسلمين الحرين البالغين العاقلين لتساويهما في أهلية الكفالة وأهلية سائر التصرفات، بخلاف العبد والصبي والمكاتب والذمي والمجنون.\rثم كل ما يجوز لشريك العنان أن يفعله يجوز للمفاوض أن يفعهل أيضا، لان شركة المفاوضة أعم.\rثم كل ما هو شرط في صحة شركة العنان، فهو شرط في صحة","part":3,"page":9},{"id":770,"text":"المفاوضة، وكل ما فسدت به شركة العنان فهو مفسد لشركة المفاوضة.\rويجوز للمفاوض أيضا ما لا يجوز لشريك شركة عنان، فمها يختص به المفاوضة أن يجوز إقراره بالدين على نفسه وعلى شريكه، ويطالب المقر له أيهما شاء ليكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه، وكذلك كل ما وجب على كل واحد منهما من دين سائر العقود التي تكون في التجارة، من الشراء والبيع والاستئجار وغير ذلك من سائر ما يضمنه أحدهما من الاموال: بالغضوب، والبيوع الفاسدة، والخلاف في الودائع والعواري، والاستهلاكات، والاجارات، والرهن والارتهان والكفالة با لمال عند أبي حنيفة خلافا لما، والقبض والخصومة، وإقامة البينة، والاستحلاف على العلم، والكتابة، والاذن في التجارد لعبد الشركة، وتزويج الامة، ونحو ذلك.\rولا يجوز أن يعتق شيئا من عبيد التجارة، ولا أن يزوجهم.\rوإذا اشترى أحدهما طعاما لاهله أو كسوة أو ما لا يتهم فيه فذلك جائز، وهو له خاصة دون صاحبه، وللبائع أن يطالب بثمن ذلك أيهما شاء، إلا أنهم قالوا إن الشريك يرجع على شريكه بنصف ثمن ذلك، لانه فضى دينه، من ماله، باذنه، دلالة.\rوليس له أن يشتري جارية للوطئ أو للخدمة بغير إذن الشريك، وإذا اشترى احدهما جارية ليطاه بإذن شريكه، فهي له خاصة، ولا يرجع\rعليه بشئ من الثمن - ولم يذكر الخلاف في كتاب الشركة، وذكر في الجامع الصغير فقال: عند أبي حنيفة لا يرجع عليه بشئ من الثمن.\rوعندهما: يرجع عليه بنصيبه على ما عرف ثم.\rوأما الشركة با لوجوه فأن يشترك الرجلان ولا مال لهما على أن يشتريا ويبيعا بوجودهما،","part":3,"page":10},{"id":771,"text":"على أن ما اشتريا أو اشترى أحدهما، فهو بينهما نصفان، وسميت \" شركة الوجوه \" لانه لا يشتري بالنسئية إلا من له وجه عند الناس.\rوهي عقد جائز عندنا، خلافا للشافعي، لتعامل الناس في الاعصار، من غير نكير.\rثم كيفما شرطا وقوع الملك في المشتري بنهما، إما نصفان أو كان لاحدهما أكثر، فهو جائز، ويقع الملك بينهما كذلك، ويكون الربح على قدر ملكهما، ولا يجوز أن يفضل أحدهما على ربح حصته شيئا، لان الربح يستحق في هذه الشركة بالضمان، لا بالمال والعمل، والضمان على قدر الحصة، فيكون الربح كذلك، إذ لو شرط زيادة الربح فإنه يشترط من غير عمل ومال وضمان، وهذا لا يجوز.\rثم هما في جميع ما يجب لهما وما يجب عليهما ما يجوز فيه فضل أحدهما على شريكه وما لا يجوز، بمنزلة شريكي العنان، لانهما اطلقا الشركة، والشركة المطلقة تقتضي العنان، فإذا اشتركا بوجوههما شركة مفاوضة فذلك جائز، لانهما ضما إلى الوكالة المطلقد الكفالة، وذلك جائز إلا أنه لا بد من التساوي فيما يتبايعانه، لان المفاوضة تمنع من التفاضل.\rوأما الشركة بالاعمال فهي تسمى \" شركة الصنائع \"، وتسمى \" شركة الابدان \" لان العمل\rبالبدن يكون، وهو أن يشترك اثنان في عمل القصارة والصباغة، على أن يتقبلا الاعمال ويعملا، فما أخذا من الاجر فهو بينهما.\rوهذه الشركة جائزة عندنا، خلافا للشافعي، وهي مما جرى به التعامل في جميع الاعصار.\rثم هي قد تكون مفاوضة وقد تكون عنانا.","part":3,"page":11},{"id":772,"text":"فالمفاوضة ما ذكرا فيه لفظة المفاوضة أو ذكرا ما هو في معنى المفاوضة، بأن اشترط الصانعان على أن يتقبلا جميعا الاعمال وأن يضمنا جميعا العلم على التساوي، وأن يتساويا في الربح والوضيعة، وأن يكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه فيما لحقه بسبب هذه الشركة، فهي مفاوضة.\rوإن شرطا على أن ما قبلا من الاعمال وضمنا العمل فعلى أحدهما الثلثان من العمل، وعلى الاخر الثلث، والاجر والوضيعة بينهما على قدر ذلك، فهذا شركة عنان لوجود معنى شركة العنان.\rوكذا إذا ذكرا لفظة لعنان.\rوكذا لو أطلقا فهي شركد عنا أيضا، استحسانا، لا نهما جميعا قبلا الاعمال وضمنا تسليم ذلك إلى صاحبه، فيكون ذلك جاريا مجرى المضاوضة في أن العمل عليهما، ولصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء، ول واحد منهما أن يطالب بأجرة العمل، وإلى أيهما دفع صاحب العمل برئ وعلى أيهما وجب ضمان العمل: فكان لصاحب العمل أن يطالب الاخر، ولكن لا تكون مفاوضة حقيقة ما لم تذكر لفظة المفاوضة أو يوجد معناها وهو ما ذكرنا، حتى قالوا في الدين إذا اقر به احدهما، من ثمن\rصابون أو اشنان أو أجر أجير أو حانوت قد مضى - فانه لا يصدق على صاحبه إلا باقراره أو ببينة قامت عليه، ويستوي أن تكون الشركة في نوع عمل، فيعملان ذلك أو يعمل أحدهما عملا والاخر غير ذلك، أو لم يعمل بعد أن ضمنا جميعا العملين جميعا، لان الانسان قد يعمل ينفسه وأجيره.\rفإن عمل أحدهما دون الاخر، والشركة عنان أو مفاوضة، فالاجر بينهما إن شرطا العمل عليهما والتزما ذلك، فيكون أحدهما معينا للاخر، كا لقصار إذا استعان برجل في القصارة.","part":3,"page":12},{"id":773,"text":"وكذلك إذا شرطا لاحدهما زيادة أجر، أو شرطا العمل على قدر الاجر، والوضيعة كذلك: فهو جائز، وإن كان عمل الذي شرط له الاجر القليل أكثر، لان الربح بقدر ضمان العمل، لا بحقيق العمل.\rوإن شرطا الوضيعة نصفين، لا يصح، ويبطل، وتكون الوضيعة على ما شرطا من ضمان العمل والاجر كذلك.\rولو جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعا، لان ذلك بناء على ضمان العمل، وقد ضمنا جميعا.","part":3,"page":13},{"id":774,"text":"باب الشركد الفاسدة وهي انواع: منها - الاشتراك في جميع المباحات التي تملك بالاخذ، مثل الاصطياد.\rوالاحتطاب، والاحتشاش، والاستقاء، واجتناء الثمار، وحفر المعادن.\rفإن اشتركا على أن ما أصابا من ذلك فهو بينهما، فالشركة فاسدة، ولكل واحد منهما ما أخذه، لان الشركة تقتضي الوكالة، والوكالة في الاصطياد ونحوه لا تصح، وإذا فسدت، فالاخذ سبب الملك، فيكون ملكا له: ثم ينظر: إن اخذا جميعا معا: فهو بينهما، لاستوائهما في سبب الملك، وإن أخذ كل واحد منهما شيئا بانفراده وخلطاه، وباعاه: فإن كان مما يكال ويوزن: يقسم الثمن على قدر الكيل والوزن الذي لكل واحد منهما، وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، يقسم الثمن بينهما، بالقيمة، فيأخذ كل واحد منهما بقيمة الذي له، وإن لم يعرف الكيل والوزن والقيمة، يصدق كل واحد منهما، فيما يدعي، إلى النصف، وإن ادعى أكثر من النصف فعليه البينة.\rوإن عمل أحدهما وأعانه الاخر في عمله فله أجر المثل، بالغا ما بلغ عند محمد، وعند أبي يوسف: له أجر مثله، لا يجاوز به نصف المسمى أو قيمته، أي نصف ذلك الشئ الذي أعانه فيه أو قيمته، كمن قال","part":3,"page":15},{"id":775,"text":"لاخر: \" بع هذا الثوب على أن نصف ثمنه لك \": فإنه يجب أجر المثل مقدرا بنصف ذلك الثمن.\rومنها - أن يكون لاحدهما بغل، وللاخر حمار، فاشتركا على أن يؤاجرا ذلك، فما رزق الله من شئ فبينهما، فاجراهما جميعا، بأجر معلوم، في عمل معلوم، وحمل معلوم: فإن هذه الشركة فاسدة، لان الوكالة على هذا الوجه لا تصح بأن قال لاخر: \" أجر بعيرك على أن أجره بيننا \" فإنه فاسد - فكذا الشركة.\rوإذا فسدت الشركة، فالاجارة صحيحة، لوقوعها على منافع معلومة ببدل معلوم، فيقسمان ما أخذا من الاجر: على قدر أجر مثل البغل\rوالحمار.\rومنها - أنه لو دفع إلى رجل دابة، ليؤاجرها على أن الاجر بينهما، كان ذلك فاسدا، والاجر لصاحب الدابة، وكذلك السفينة والدار، لانه عقد على ملك الغير بإذنه ويجب أجر المثل، لانه استوفى منفعة بعقد فاسد.\rونوع آخر - رجل اشترى شيئا، فقال له الاخر: \" اشركني فيه \" - فهذا بمنزلة البيع والشراء، بمثل ما اشترى، في النصف، والتولية أن يجعل كله له بمثل ما اشترى، على ما مر في كتاب البيوع، فإن كان قبل أن يقبض الاول: لم يجز، لانه بيع الميبع المنقول قبل القبض، وإن كان بعده، جاز، ويلزمه نصف الثمن، فإن كان لا يعلم بمقدار الثمن، فهو بالخيار إذا علم: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك.\rولو اشترى رجلان عبدا، فأشتركا فيه رجلا بعد القبض: فالقياس أن يكون للشريك النصف، لان كل واحد منها لو أشركه في نصيبه، على الانفراد استحق نصفه، فكذا إذا أشركاه جميعا معا، وفي","part":3,"page":16},{"id":776,"text":"الاستحسان: يكون له الثلث، لان الشركة تقتضي المساواة، فإذا قالا له \" أشر كناك فيه \" فكأنهما قالا \" شاركناك \".\rفإن أشركه أحدهما في نصيبه ونصيب صاحبه، فأجاز شريكه ذلك، كان للداخل النصف وللاولين النصف، لانه لما أجاز شريكه في نصيبه صار نصف نصيبه له، وقد أشركه في نصيب نفسه هذا فيكون للثاني النصف، وبقي لكل واحد منهما الربع.","part":3,"page":17},{"id":777,"text":"كتاب المضاربة يحتاج إلى معرفة: تفسير المضاربة، والالفاظ التي بها تنعقد\rالمضاربة، وإلى بيان شروط صحتها والشروط المفسدة، وإلى بيان أحكامها.\rوأما تفسير المضاربة فهو دفع المال إلى غيره، ليتصرف فيه، ويكون الربح بينهما على ما شرطا: فيكون الربح لرب المال بسبب ماله لانه نماء ماله، وللمضارب باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح.\rوأما ألفاظ المضاربة فأن يقول: \" دفعت هذا المال إليك مضاربة، أو مقارضة، أو معاملة \" أو: \" خذ هذا المال اعمل فيه على أن ما رزق الله من شئ فهو بيننا نصفان أو على أن لك ربعه أو خمسه أو عشره \" ولم يزد على هذا - فهو مضاربة.\rثم هي نوعان: مطلقة وخاصة.\rأما المطلفة - فأن يدفع المال إلى رجل ويقول \" دفعت هذا المال إليك مضاربة، على أن الربح بيننا نصفان \".\rوأما الخاصة - فأن يدفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يعمل بها في","part":3,"page":19},{"id":778,"text":"الكوفة أو أن يعمل بها في البز أو الخز، أو قال: \" خذ هذا المال مضاربة بالنصف على أن تشتري به الطعام \" ونحو ذلك.\rوأما شرائط صحتها فمنها - أن يكون رأس المال من الاثمان المطلقة، فكل ما يصلح رأس مال الشركة ويصح به عقد الشركة، تصح به المضاربة، وإلا فلا، وقد ذكرنا هذا في كتاب الشركة.\rوأما المضاربة برأس مال الدين فهو على وجهين:\rأحدهما: أن يكون الدين لرب المال على رجل فيقول له: \" اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربد بالنصف \" - فإن اشترى بها وباع، فجميع ما اشترى وباع يملكه وله ربحه وعليه وضيعته، والدين في ذمته بحاله عند أبي حنيفة، بناء على أصله، فيمن وكل رجلا ليشتري بالدين الذي في ذمته، لم يجز.\rوعلى أصلهما: يجوز هذا التوكيل ويبرأ من الدين، فيكون ما اشترى وباع لرب المال: له ربحه وعليه وضيعته، والمضاربة فاسدة، لان الشراء وقع للموكل، فيكون مضاربة بالعروض.\rوأما إذا قال له: \" اقبض مالي على فلان من الدين واعمل به مضاربة \": فقد جاز، لانه أضاف المضاربة إلى المقبوض الذي هو أمانه في يده.\rومن شرط صحتها - أن يكون الربح جزءا مشاعا من الجملة.\rأما إذا عين بأن قال: \" على أن لك من الربح مائة درهم أو نحوها \" - فلا يصح، لاحتمال أن الربح لا يكون إلا هذا القدر، فلا يحصل الربح لرب المال.\rوكذا الوصي - لو دفع مال الصبي مضاربة، وشرط عمل الصغير: فالمضاربة فاسدة لبقاء يد المالك على المال.","part":3,"page":20},{"id":779,"text":"ومنها - انقطاع يد رب المال عن رأس المال: شرط صحتها - حتى قالوا في المضارب إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث، فالمضاربة الثانية فاسدة.\rومنها - إعلام قدر الربح، لان الربح هو المقصود، فجهالته توجب فساد العقد.\rفكل شرط يؤدي إلى جهالة الربح: يفسد المضاربة: وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح: يبطل الشرط، ويصح العقد - مثل أن يشترط أن تكون الوضيعة، على المضارب أو عليهما: فالشرط يبطل، ويبقي العقد صحيحا، والوضيعة في مال المضاربة، وكذا دفع ألفا مضاربة، على أن الربح بينهما نصفان وعلى أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة، أو على أن يسكنه داره سنة: فالشرط باطل، والمضاربة جائزة.\rوأما الاحكام فنقول: المضاربة تشتمل على أحكام مختلفة: إذا دفع المال إلى المضارب: فهو أمانة في يده، في حكم الوديعة، لانه قبضه بأمر المالك لا على طريق البدل والوثيقة.\rفإذا اشترى به: فهو وكالة، لانه تصرف في مال الغير بإذنه.\rفإذا ربح: صار شركة لانه ملك جزءا من المال بشرط العمل، والباقي نماء مال المالك فهو له فكان مشتركا بينهما.\rفإذا فسدت المضاربة، بوجه من الوجوه: صارت إجارة، لان الواجب فيها أجر المثل وذلك يجب في الاجارات.\rفإن خالف المضارب: صار غاصبا، والمال مضمون عليه لانه","part":3,"page":21},{"id":780,"text":"تعدى في ملك غيره.\rثم من حكم المضاربة المطلقة العامة أن يتصرف المضارب في مال المضاربة ما بدا له من أنواع التجارات، وله أن يدفع بضاعة (1) ووديعة، ويستأجر الاجير والدواب والبيوت، وأن يبيعه بالنقد والنسيئة، ويوكل وكيلا في الشراء والبيع، وله أن يرهن ويرتهن في المضاربة، وله أن يسافر\rبالمال في الطريق الذي يسافر فيه التجار.\rوليس له أن يقرض وأن يستدين على المضاربة، وإن يأخذ سفتجة (2)، حتى يأمره بذلك، وليس له أن يدفع المال إلى غيره مضاربة، وأن يشارك به، وأن يخلطه، بماله ولا بمال غيره في قولهم جميعا.\rوفي الرواية المشهورة: له أن يأذن لعبد المضاربة في التجارة، لانه عادة التجار.\rوأما المضاربة الخاصة - فهي، فيما ذكرنا من الاحكام، مثل المضاربة العامة، وإنما تفارقها في قدر الخصوص، وهو أن يتقيد بالمصر الذي قيده بها، بأن دفع المال مضاربة ليعمل بها في الكوفة، فليس له أن يخرج المال من الكوفة بنفسه، ولا يعطيها أيضا بضاعة لمن يخرج بها عن الكوفة، فإن أخرجها من الكوفة ضمن، فإن اشترى بها وباع فما اشترى فهو لنفسه وإن لم يشتر بها شيئا حتى يرده إلى الكوفة برئ من الضمان ورجع المال مضاربة على حالها، كالمودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إلى الوفاق.\r__________\r(1) الايضاع استعمال شخص في المال بغير عوض أي أن يدفع المال لشخص ليتجربه لصاحب المال ويكون كل الربح لصاحب المال فيكون المستبضع وكيلا متبرعا.\r(2) السفاتج جمع سفتجه بضم السين وفتح التاء: فارسي معرب - أصله سفته: يقال للشئ المحكم - وسمي هذا القرض به لاحكام أمره.\rوصورتها أن يدفع إلى تاجر مالا قرضا ليدفعه إلى صديقه.\rوقيل: هو أن يقرض انسانا مالا ليقضيه المستقرض في بلد يريده المقرض وانما يدفعه إلى سبيل القرض لا على سبيل الامانة ليستفيد به سقوط خطر الطريق، وهو نوع نفع استفيد بالقرض.\rوقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قرض جر نفعا.\rوقيل: هذا إذا كانت المنفعة مشروطة، وأما إذا لم تكن فلا بأس بذلك.","part":3,"page":22},{"id":781,"text":"ولو دفع إليه على أن يعمل في سوق الكوفة فعمل بالكوفة في غير سوقها، فهو جائز على المضاربة، استحسانا - لانه لا يفيد غالبا.\rولو قال له: \" تعمل إلا في سوق الكوفة \" - فعمل في غير السوق، فباع واشترى، فهو ضامن، لان هذا حجر، والاول تخصيص، وإنما يصح التخصيص إذا كان مفيدا، والحجر عن التصرف في ملك نفسه جائز، ولا يصح التصرف بدون إذنه.\rثم في المضاربة المطلقة إذا نهى رب المال أن يخرج المال من المصر الذي اشتراه منه وعلم بالنهي، فليس له أن يخرجه، وحاصل هذا أن في المضاربة المطلقة إن خصصها رب المال بعد العقد: فإن كان رأس المال بحاله أو اشترى به متاعا ثم باعه وقبض ثمنه دراهم ودنانير: فإن تخصيصه جائز، كما لو خصص المضاربة في الابتداء، لانه يملك التخصيص إذا كان فيه فائدة.\rأما إذا كان مال المضاربة عروضا: فليس يصح نهي رب المال حتى يصير نقدا، وذلك نحو أن يقول: \" لا تبع بالنسيئة \"، لان المضاربة تمت بالشراء، ولو أراد العزل عن البيع، لم يصح عزله، فكذلك عن صفته.\rومنها - أن المضارب ليس له أن ينفق من مال المضاربة ما دام في مصره، وإذا سافر أنفق من مال المضاربة لنفقته، وكسوته، ومركوبه، وعلف دوابه، ونفقة أجيره، ومؤونته وما لا بد في السفر منه عادة إلا مؤونة الحجامة والخضاب والنورة (1): فهو من ماله.\rوروى الحسن أن كل ما يثبت فيه نفقة الانسان، كان فيه الدواء والحجامة، في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك الدهن، وقال محمد: الدهن في ماله.\r__________\r(1) النورة حجر االكلس ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره وتستعمل لازالة الشعر.","part":3,"page":23},{"id":782,"text":"ولو أقام في مصر من الامصار، للبيع والشراء، ونوى الاقامة خمسة عشر يوما فنفقته من مال المضاربة، ما لم يتخذ من المصر دارا للتوطين.\rثم إذا دخل مصره فما فضل من نفقته وكسوته يرده إلى مال المضاربة.\rثم مقدار النفقة التي أنفق يحتسب كله من الربح إن كان ربح، وإن لم يكن فهو من رأس المال.\rوما أنفقه من ماله، فيما له أن ينفقه من مال المضاربة، على نفسه: فهو دين في المضاربة، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه لان تدبير ذلك مفوض إليه.\rومنها - أن قسمة الربح قبل قبض رأس المال لا تصح، حتى أنهما لو اقتسما الربح، ورأس المال في يد المضارب، فهلك فما أخذ رب المال من الربح يكون محسوبا من رأس المال، ويرجع على المضارب فيما قبضه حتى يتم رأس المال، فإن فضل فهو ربح بينهما.\rولو هلك رأس المال في يد المضارب، قبل أن يشتري به شيئا، يهلك أمانة، وتنفسخ المضاربة، لان المال يتعين في المضاربة.\rوالقول في المضاربة الصحيحة قول المضارب، وفي الفاسدة قول رب المال.\rفأما إذا اشترى بالمال رقيقا، فهلك الرقيق، فهو على المضاربة.\rولو كان رأس المال ألفا، فاشترى به شيئا، فهلك الالف، قبل\rالتسليم - فإنه يرجع هو بالالف على رب المال ثانيا وثالثا ورابعا، وذلك كله رأس المال، لان المضاربة قد تمت.\rلو مات المضارب، ينفسخ عقد المضاربة، لعجزه عن العمل به،","part":3,"page":24},{"id":783,"text":"فصار كلما لو عزله، إلا أن في العزل لا بد من العلم وفي الموت ينفسخ وإن لم يعلم، لانه فسخ حكمي.\rكذلك إذا مات رب المال: ينفسخ، سواء علم المضارب بموته أولا، لانه فسخ حكمي.\rوهذا إذا كان المال نقدا، فأما إذا كان المال عروضا: فإن بيع المضارب جائز، حتى يصير نقدا فيؤدي رأس المال، ولا ينعزل بالعزل صريحا - وكذلك بالموت.\rثم المضاربة متى فسدت، وقد ربح فيها، فالربح لرب المال، وللمضارب أجر المثل، لان استحقاق رب المال الربح لكونه نماء ماله، والمضارب إنما يستحق بالشرط، وقد فسد العقد، لكن عمل له بحكم عقد فاسد، فيلزمه أجر المثل.\rوكذا إذا لم يربح لانه استعمله مدة في عمله فكان عليه أجر العمل.\rوفي المضاربة الصحيحة، إن لم يكن ربح، فلا شئ للمضارب، لانه عامل لنفسه، فلا يستحق الاجر - والله أعلم.","part":3,"page":25},{"id":784,"text":"كتاب الصرف الصرف اسم لبيع الذهب والفضة، والتبر، والمضروب والمصوغ في\rذلك سواء، وكذلك الجنس وخلاف الجنس، والمفرد والمجموع مع غيره.\rيسمى هذا العقد \" صرفا \" لاختصاصه بالتقابض والصرف من يد إلى يد.\rوحكمه - حكم سائر الموزونات والمكيلات في جريان ربا الفضل والنسا، وذلك عند اتحاد الجنس والقدر.\rإنما اختص من سائر البياعات بثلاثة أشياء: أحدها - أنه لا يصح بدون تقابض البدلين، قبل افتراق العاقدين بأنفسهما، فإذا عقدا عقد الصرف، بأن باع دينارا بدينار أو دينارا بعشرة دراهم، سواء كانا حاضرين وقت العقد أولا: فإنه ينعقد العقد وينفذ إذا وجد التقابض قبل افتراق العاقدين.\rوكذلك إذا كان مجموعا مع غيره، بأن باع ذهبا وثوبا، بفضة أو ذهب - فالفضة تنقسم على الذهب والثوب: فما يكون بمقابلة الذهب يكون صرفا وما يقابل الثوب يكون بيعا، فإذا قبض حصة الذهب من الفضة، وقبض الآخر الذهب بحصة الفضة - جاز، وإن لم يقبض حصة الثوب، لكن الشرط افتراق العاقدين، سواء كانا مالكين أو نائبين","part":3,"page":27},{"id":785,"text":"كالوكيل والاب والوصي، لان القبض من تمام عقد الصرف فيعتبر بالعاقدين، فإن وجد أحد البدلين زيوفا أو نبهرجة فحكم المسألة مع فروعها قد ذكرناه في كتاب البيوع.\rوالثاني - أن لا يكون فيه خيار شرط، لهما أو لاحدهما.\rالثالث - أن لا يكون لهما، أو لاحدهما، أجل في الصرف.\rفإذا أبطلا الخيار، أو مات من له الخيار، قبل افتراق العاقدين: يجوز الصرف استحسانا، عندنا - خلافا لزفر.\rوكذا إذا أبطلا الاجل في المجلس عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف روايتان.\rوإن افترقا ولاحدهما خيار رؤية بأن كان مصوغا - أما في المضروب فلا يثبت خيار الرؤية، لانه لا فائدة فيه، كما في المسلم فيه - فلا يفسد العقد (1)، لانه خيار حكمي (2).\rوكذا خيار العيب.\rوكذا خيار الاجازة بأن وجد الصرف من الفضوليين على غيرهما، فإذا بلغه كان له خيار الاجازة وإنه لا يفسد لانه خيار يثبت حكما.\rوالمفسد خيار الشرط لا غير.\rولو تصارفا دينارا بدينار، وسلم أحدهما الدينار، وأبرأ صاحبه عن الدينار أو وهب منه:\r__________\r(1) المعنى أنه لو إفترقا وفي الصرف خيار رؤية: جاز - ولكن لا يتصور في النقد وسائر الديون خيار الرؤية، لان العقد ينعقد على مثلها، لا على عينها، فلا يكون هناك فائدة في الخيار، لان قيام العقد يقتضي ولاية المطالبة بالمثل، فإذا قبض يرده ويطالبه بآخر وهكذا.\r(2) أي يثبت بدون اشتراطه كما سيتبين في المتن فيما يلي.","part":3,"page":28},{"id":786,"text":"فإن قبل الذي عليه الدين ما أبرأه أو وهب له: بطل الدين عنه، وانتقض الصرف لان البراءة توجب سقوط القبض، الذي هو مستحق حقا للشرع في الصرف، فإذا اتفقا على إسقاطه: بطل العقد، بفواته.\rوإن لم يقبل عليه الدين البراءة: لا تصح، لانها سبب للفسخ، فلا\rيثبت بقول أحد المتعاقدين بعد صحة العقد، ولو استبدل عن ذلك الدينار شيئا بخلاف جنسه، فالبيع فاسد، لان فيه تفويت القبض الذي هو حق الشرع - وإذا لم يصح هذا، بقي عقد الصرف وقد وجد قبض أحد البدلين، فعليه أن يقبض الآخر، ويتم العقد الاول بينهما.\rوإن أخذ عن الدينار الذي عليه دينار أردأ مما سمى أو زيوفا: فإنه يجوز، ولا يكون استبدالا، لانه من جنس حقه، إلا أنه ناقص الوصف، والجيد والردئ سواء ههنا.\rفإن امتنع الواهب والمبرئ أن يأخذ ما وهب له أو أبرأ فإنه يجبر على ذلك، لان في ترك قبض ذلك فساد عقد الغير.\rولو باع دينارا بعشرة دراهم، وسلم الدينار، ولم يقبض العشرة، وكان لمشتري الدينار على بائعه عشرة دراهم، فأراد المقاصة - فههنا ثلاث مسائل: أحدها - أن العشرة التي على البائع وجبت عليه قبل الصرف، بقرض أو غصب أو من ثمن مبيع، فأراد أن يجعلا ثمن الدينار، وهو العشرة، قصاصا بذلك الدين: فإن أجمعا على ذلك: جاز وكان قصاصا، وإن لم يجمعا على ذلك: لم يكن قصاصا - وهذا جواب الاستحسان، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر.\rوالثانية - أن يصير قصاصا وإن لم يتقاصا، وهو أن تكون العشر دينا، على بائع الدينار، بقبض مضمون، بعد عقد الصرف - بأن غصب","part":3,"page":29},{"id":787,"text":"منه عشرة أو أقرضه عشرة، وسلمها إليه، فيصير قصاصا بثمن الصرف وإن لم يتقاصا.\rوالثالثة - وهو أن تجب العشرة، على بائع الدينار، بعقد متأخر عن عقد الصرف: فلا يصير قصاصا بثمن الصرف وإن تقاصا.\rوهذه المسائل ذكرناها في البيوع.","part":3,"page":30},{"id":788,"text":"باب آخر منه أصل الباب أن ما يجوز البيع فيه متفاضلا، يجوز فيه البيع مجازفة، وما لا يجوز فيه البيع متفاضلا، لا يجوز فيه البيع مجازفة.\r- إذا باع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مجازفة لا يجوز، لانه لا يجوز البيع فيه متفاضلا، فكذلك المجازفة، لاحتمال الزيادة في أحدهما.\rويستوي الجواب بين أن لا يعرف المتبايعان وزن كل واحد منهما، أو كانا يعرفان وزن واحد دون الآخر، أو كان أحدهما يعرف والآخر لا يعرف.\rفإن وزنا في المجلس، فكانا، سواء في الوزن: فالبيع جائز، استحسانا، وإن تفرقا قبل الوزن، ثم وزنا، واستويا في الوزن، فالبيع فاسد.\rوقال زفر: إذا استويا في الوزن، جاز في الحالين.\rوالقياس ما قاله: لان الفساد لاجل احتمال الفضل، وقد تبين أنه لا فضل ولكنا نقول: إن علم المتعاقدين بالتساوي بين البدلين شرط جواز العقد، فيعتبر عند العقد، إلا أن للمجلس حكم حالة واحدة، فكان كالعلم عند العقد.\r- وأما إذا كان بخلاف الجنس، بأن باع الذهب بالفضة مجازفة:","part":3,"page":31},{"id":789,"text":"جاز، لانه جاز البيع فيهما متفاضلا - ولهذا قالوا: إذا باع قلب فضة محشوا، بدرهم، ولا يعلم قدر وزن القلب: فالبيع باطل، وقال زفر: جائز، إلا أن يعلم التفاضل.\rوعلى هذا: - القسمة إذا قعت فيما يجري فيه الربا: لا تجوز مجازفة في الجنس الواحد، وتجوز في مختلفي الجنس.\rولو باع السيف بالسيف، وأواني الصفر بجنسها، مجازفة: جاز، لانه جاز التفاضل.\r- ولو باع فضة فيها غش بفضة مثلها، والفضة غالبة، فحكمها حكم الفضة لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء بسواء يدا بيد.\rوإن كان الغش هو الغالب: فحكمها حكم النحاس الخالص لا يباع بالنحاس إلا مثلا بمثل، يدا بيد.\rوإن كان الغش مع الفضة سواء: فيكون حكمه حكم الفضة في أنه لا يجوز أن يباع إلا وزنا، ولا يجوز بيعه مجازفة وعددا، وإذا قوبل بالفضة الخالصة في البيع، يراعى فيه طريق الاعتبار: إن علم أن الفضة الخالصة، أكثر، حتى تكون الفضة بإزاء الفضة وزنا، والزيادة بإزاء الغش: جاز البيع.\rوإن كانت الفضة الخالصة أقل من الفضة التي في المغشوش، أو مثلها، أو لا يدري: لا يجوز، لما فيه من الربا.\r- ولو باع سيفا محلى بذهب أو فضة: إن باع بجنس الحلية والثمن أكثر من الحلية: جاز، وتكون الحلية بيعا، بمثل وزنها، والفضل بإزاء\rالجفن والحمائل، لان الاصل عندنا في تقسيم الثمن على المبيع، إذا كان أشياء بعضها من جنس الثمن والبعض لا، صرف الثمن إلى جنسه بمثل وجه فيه تصحيح العقد ما أمكن، وذلك في صرف بعض الثمن","part":3,"page":32},{"id":790,"text":"إلى جنسه بمثل وزنه والبعض إلى خلاف الجنس على طريق الاعتبار وذلك ما قلنا.\rوأما إذا كان الثمن مثل الحلية أو أقل: فلا يجوز، لانه يبقى الجفن والحمائل فضلا في بيع الربا.\rوكذلك إذا كان لا يعلم أو اختلف التجار في ذلك: فإن علم أن الحلية أقل في المجلس: يكون جائزا عندنا، وإن علم بعد الافتراق: لا يجوز عندنا - خلافا لزفر، كما في بيع المجازفة.\rوهذا إذا قبض حصة الحلية في المجلس، فأما إذا تفرقا قبل أن يتقابضا، أو قبض أحدهما دون الآخر - فإنه ينظر: إن كانت الحلية مما لا يتخلص عن السيف إلا بضرر: فسد البيع كله.\rوإن كانت تتخلص بغير ضرر: جاز في السيف، وفسد في الحلية، لان العقد بقدر الحلية يكون صرفا، وفي حق السيف يكون بيعا مطلقا، والتقابض شرط صحة الصرف لا غير - فإذا كانت تتخلص الحلية من غير ضرر، فكأنهما شيئان منفصلان، ولهذا جاز العقد في أحدهما دون الآخر، ولذا جاز أن يبقى.\rفأما إذا كانت لا تتخلص إلا بضرر فاسد كله، في حصة الحلية: لعدم التقابض، وفي حصة السيف، لانه بيع شئ لا يمكن تسليمه إلا بضرر يلحق البائع، وابتداء البيع على\rهذا الوجه مفسد للبيع، فكذا في حالة البقاء، كما إذا باع جذعا في سقف، حتى لو فصل الحلية عن السيف، وسلم: جاز، ويجبر المشتري لتغير صفة المبيع.\r- ولو باع السيف المحلى بجنس الحلية أو بخلاف جنسها من الذهب والفضة، والثمن أكثر من الحلية، ولاحدهما خيار الشرط في البيع، أو","part":3,"page":33},{"id":791,"text":"كان شرط تأجيل الثمن في العقد، ثم تفرقا عن قبض: فإن كانت الحلية مما لا يتميز إلا بضرر: فسد البيع في الحلية، بالتأجيل والخيار المفسدين للصرف، وفسد في السيف، لانه لا يجوز إفراده بالعقد، لما فيه من إلحاق الضرر بالبائع، بالتسليم منفصلا.\rوإن كانت تتميز من غير ضرر: فسد العقد فيهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لان الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، والفساد في نفس المعقود عليه، وفي مثل هذا يشيع الفساد في الكل عندهما، وعند محمد: يجوز البيع في السيف ويبطل في الحلية، لان الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، وللفاسد قيمته، فيصح في الصحيح، ويفسد في الفاسد.\rوإذا اشترى من الرجل قلب فضة وزنه عشرة بعشرة، وافترقا عن قبض، ثم حط البائع عنه درهما أو زاده المشتري درهما، وقبل الآخر ذلك، فالبيع، فاسد عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: الحط والزيادة فاسدان، والعقد الاول صحيح.\rوقال محمد: الحط جائز، والزيادة فاسدة، والعقد الاول صحيح - وهذا فرع اختلافهم في الشرط الفاسد: يلتحق بالعقد ويفسده عند أبي حنيفة، فإذا وجدت الزيادة والحط والتحقا بالعقد يجعل كأن العقد في الابتداء على هذا الوجه، فيفسد، للتفاضل،\rفي مال الربا! وإنما شرط القبول في الحط ههنا عنده، لانه يتعلق به فسخ العقد، فلا يملكه أحد العاقدين إلا برضا الآخر، ومن أصل أبي يوسف أن الشرط الفاسد لا يلتحق بالعقد، فيسقط اعتبار الزيادة والحط جميعا، وأما محمد فقوله مثل قول أبي يوسف إلا أنه يقول: الزيادة فاسدة، فلا نلتحق بالعقد، والحط صحيح، لانه يمكن أن يجعل هبة مبتدأة كحط جميع الثمن.\rفأما إذا كان بخلاف الجنس بأن باع قلب فضة وزنه عشرة بدينار، والمسألة بحالها: صح الحط والزيادة، بالاجماع، ويلتحقان بأصل العقد","part":3,"page":34},{"id":792,"text":"فيشترط قبض هذه الزيادة، في المجلس - حتى لو افترقا قبل قبض الزيادة في مجلس الزيادة: يفسد العقد في حصة الزيادة، لان الزيادة صارت ثمن الصرف.\rوفي الحط: تفرقا أول لم يتفرقا، فهو صحيح، لان الفضل في خلاف الجنس جائز، ويجب عليه رد ما حط.\rولو باع دينارا ودرهما، بدرهمين ودينارين - جاز عندنا، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس، خلافا لزفر والشافعي.\rوعلى هذا الخلاف إذا قوبل أبدال من جنسين مختلفين، بأبدال من جنسين مختلفين، في أموال الربا، في المكيل والموزون: فإنه يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، والمسألة معروفة.\rولو كسر حلية سيف، أو سوارا: فإنه يضمن قيمة الصياغة - بخلاف جنسه، لان هذه جودة متقومة، لحصولها بصنع العباد، ولكن لا يمكن تضمينه من جنسه، لانه يؤدي إلى الربا فيجب التضمين بخلاف الجنس.\rفصل القرض: جائز فيما له مثل من جنسه لانه يجب عليه رد المثل.\rوالاجل في القرض باطل، شرط في الاصل، أو طرأ عليه، لان أحذ مثل القرض كعين القرض فيكون فاضلا في العين وهو باطل.\rولو استقرض فلوسا أو دراهم، ثم كسدت: فعند أبي حنيفة يجب عليه رد مثلها، عند أبي يوسف ومحمد: رد قيمتها، لكن عند أبي يوسف تعتبر القيمة يوم القرض، وعند محمد في آخر وقت نفاقها قبل أن تكسد، وهذا كا لاختلاف بينهما فيمن غصب مثليا وانقطع: قال أبو يوسف: تجب قيمته يوم الغصب، وعند محمد: يوم الانقطاع.\rفإذا باع الفلوس بخلاف جنسها: فإنها لا تتعين إن كان ما يقابلها من العروض بمنزلة الدراهم، وإن كان ما يقابلها من الدراهم والدنانير لا","part":3,"page":35},{"id":793,"text":"تتعين أيضا - لكن إذا افترقا من غير قبض أحدهما، يفسد العقد، لانه افتراق عن دين بدين، وإن قبض أحدهما: جاز، ولا يشترط قبضهما، لانه ليس بصرف.\rوأما إذا باع الفلوس بعضها ببعض.\rفإن كان عينا بعين، فإنه يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، متفاضلة أو متساوية، لانها إنما لا تتعين لعدم الفائدة، وفي التعيين فائدة، وهو جواز العقد، وعند محمد: لا يجوز متفاضلة، لانها ثمن فيكون كبيع الدرهم بالدرهمين.\rفأما إذا كان الكل دينا أو أحدهما: فالمشهور من الرواية عنهم أنه لا يجوز.\rوعن أبي يوسف: يجوز والمسألة تذكر في الخلافيات.","part":3,"page":36},{"id":794,"text":"كتاب الرهن يحتاج إلى: بيان شرعية عقد الرهن، وإلى بيان ركنه، وإلى بيان شرائط جوازه، وإلى بيان ما يصلح مرهونا، وإلى بيان ما يكون مرهونا به، وإلى بيان حكم الرهن، وما يتعلق به من الاحكام.\rأما الاول - فنقول: الرهن عقد شرع وثيقة بمال.\rعرفت مشروعيته بالنص، وهو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) إلى أن قال: (فرهان مقبوضة) (1).\rوروي عن النبي عليه السلام أنه اشترى من يهودي طعاما، نسيئة، ورهن به درعه.\rوأما بيان ركنه فهو الايجاب والقبول - فالايجاب قوله: \" رهنتك هذا بمالك علي من\r__________\r(1) البقرة 282 - 283.","part":3,"page":37},{"id":795,"text":"الدين \"، أو قوله: \" خذ هذا الشئ رهنا بدينك \" ونحو ذلك.\rوأما شرائط جوازه فمنها - القبض، وهو عندنا.\rوقال مالك: يصح بالايجاب والقبول.\rوهو خلاف النص: قال الله تعالى: \" فرهان مقبوضة \".\rومنها: دوام القبض، بأن يكون محوزا في يده، لان مقصود الرهن هو الاستيثاق، وذلك لا يحصل إلا بهذا.\rومنها - أن يكون منفصلا عن غيره، غير متعلق بما لم يقع عليه عقد الرهن.\rوعلى هذا قلنا: إن رهن المشاع لا يصح.\rوقال الشافعي: يصح.\rوالصحيح ما قلناه، لانه لا يقدر على تسليمه إلا بالتهايؤ، وذلك يوجب فوات القبض على الدوام.\rويستوي الجواب في المشاع الذي ينقسم والذي لا ينقسم، ومن الشريك وغيره.\rوأما الشيوع الطارئ: فيبطل الرهن في رواية الاصل.\rوروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لا يبطل.\rوأما إذا رهن بيتا بعينه، من دار بعينها: جاز، لانه ليس بشائع - ولهذا قلنا إنه لا يجوز رهن ثمرة في شجرة بدون الشجرة، ولا الشجرة بدون الكرم، حتى يحوزه ويسلمه إلى المرتهن، وكذا رهن شجر في أرض بدون الارض، وكذا إذا رهن زرعا دون الارض، أو الارض دون الزرع، لان الرهن متصل بما ليس برهن، فلا يصح التسليم، وإن رهن النخل والشجر والكرم بمواضعها من الارض: جاز، لانه لا يمكن","part":3,"page":38},{"id":796,"text":"قبضها، بما فيها، بالتخلية.\rولو قال: \" رهنتك هذه الدار أو هذه الارض أو هذه القرية \" -\rيدخل في الرهن كل ما كان متصلا بالمرهون: من البناء في الدار، والشجر مع الثمر والزرع والرطب في الارض - لان الرهن لا يجوز بدون ما يتصل به، فكان إطلاق العقد ينصرف إلى ما فيه تصحيحه.\rولو رهن دارا، وفيها متاع قليل أو كثير، أو حبوب، أو شئ مما ينتفع به، دون هذه الاشياء: لم يصح الرهن، حتى يسلم الدار فارغة عنها.\rولو رهن الدار بما فيها، صح إذا سلم الدار إليه، وخلى بينه وبين الدار بما فيها، ويصير الكل رهنا.\rولو رهن دارا، والراهن والمرتهن في جوفها، فقال: \" رهنتها منك وسلمتها إليك \" وقال المرتهن: \" قبلت \" - لم يتم الرهن حتى يخرج الراهن من الدار ثم يقول الراهن: \" قد سلمتها إليك \" - لانه لا يصح التسليم إلى المرتهن، وهو في الدار، فإذا خرج فلا بد من تسليم جديد.\rثم قبض الاب: والوصي ووكيل المرتهن كقبضه.\rوكذا قبض العدل: كقبضه، لانه يمسك الرهن للمرتهن، ولكن لا يملك نقض يده، والرد إلى يد الراهن.\rوليس له أن يقبضه المرتهن إلا بإذن الراهن، لانه لم يرض بإمساك المرتهن، حيث جعلاه في يد العدل، وشرطا في عقد الرهن أو بعد الرهن.\rفأما إذا شرطا أن يكون في يد العدل، وأن يبيعه بدينه ويقضي به دينه - فيصح، ولكن لا يملك الراهن نقض هذه الوكالة إلا برضا المرتهن، لان البيع صار حقا من حقوق الرهن، زيادة وثيقة في حق المرتهن بطلبه.\rولو لم يكن مشروطا في الرهن، ثم أمر العدل بعد ذلك ببيعه - فهذا","part":3,"page":39},{"id":797,"text":"توكيل بالبيع: فيملك الراهن عزله والنهي عن البيع، وإذا مات الراهن، ينعزل هذا الوكيل - وفي الفصل الاول لا يملك الراهن عزله ولو مات لا ينعزل الوكيل عن البيع.\rوأما بيان ما يصلح مرهونا فكل مال، متقوم، يجوز أن يكون مبيعا - لان حكمه ملك الحبس بالدين، ليقضي منه الدين، إذا عجز عن القضاء إلا به فلا بد من أن يكون ما لا متقوما.\rولهذا لا يجوز أن يكون المدبر، وأم الولد، والمكاتب، والحر - رهنا، لانه لا يمكن استيفاء الدين من هؤلاء.\rوكذلك لا يجوز أن يكون الخمر، والخنزير - رهنا، سواء كان العاقدان مسلمين، أو أحدهما مسلما والآخر ذميا، لان الرهن للايفاء والاستيفاء، وإيفاء الدين من الخمر والخنزير لا يجوز من المسلم، وكذا الاستيفاء من المرتهن المسلم.\rثم في حق أهل الذمة يجوز الرهن والارتهان بالخمر والخنزير، لانهما مال عندهم، ولا يجوز بالميتة والدم، لانهما ليسا بمال أصلا.\rوكذا المشاع، والثمرة المعلقة من الشجرة، والزرع النابت في الارض - لا يصح رهنا، لانه لا يتحقق فيه التسليم.\rوأما بيان ما يجوز أن يكون مرهونا به - فنقول: الدين يصلح أن يكون مرهونا به على كل حال، سواء كان ثمة بيع، أو ضمان إتلاف، ونحو ذلك، لان الرهن للاستيفاء، واستيفاء الدين من ثمن الرهن متحقق.\rوأما الاعيان المضمونة فعلى وجهين: ما كان مضمونا بنفسه، كا لمغصوب - فيجوز الرهن به، والمضمون","part":3,"page":40},{"id":798,"text":"بنفسه ما يجب، عند هلاكه، مثله إن كان مثليا وقيمته إن لم يكن له مثل.\rوأما الاعيان المضمونة بغيرها - فلا يجوز الرهن بها، كالمبيع في يد البائع: مضمون با لثمن، لا بنفسه، على معنى أن المبيع إذا هلك يسقط الثمن، إذ لا يجب بهلاكه شئ على الضامن ويصير به مستوفيا للدين.\rوأما الاعيان التي ليست بمضمونة: كالودائع، والعواري، والمستأجر ومال المضاربة، والشركة: فلا يجوز الرهن بها، لان ما ليس بمضمون لا يصير المرتهن مستوفيا بهلاكه.\rويجوز الرهن ببدل الصلح عن دم العمد، وببدل الخلع، والمهر، لانها مضمونة بأنفسها فإنها إذا هلكت يجب مثلها إن كان لها مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل.\rثم إذا هلك الرهن، والعين المضمونة قائمة في يد الراهن، يقال له: \" سلم العين التي في يدك، وخذ من المرتهن الاقل من الدين ومن قيمة الرهن - \" لان المرهون مضمون عندنا كذلك.\rوإن هلكت العين المضمونة قبل هلاك الرهن، فيصير الرهن رهنا بقيمة العين المضمونة، فإذا هلك الرهن، بعد ذلك، هلك بالاقل من قيمته ومن قيمة العين التي كانت رهنا بها.\rولا يجوز الرهن بقصاص، في نفس، أو فيما دونها، لانه لا يمكن استيفاء القصاص من الرهن.\rوإن كانت الجناية خطأ، جاز الرهن بأروشها، لانه يمكن الاستيفاء من الرهن.","part":3,"page":41},{"id":799,"text":"وأما حكم الرهن فعندنا ملك العين في حق الحبس، حتى يكون المرتهن أحق بإمساكه، إلى وقت إيفاء الدين.\rوإذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء، فيستوفي منه دينه، فما فضل يكون لسائر الغرماء والورثة.\rولهذا لا يجوز للراهن أن يتصرف فيه تصرفا يبطل حق المرتهن من البيع والاجارة والهبة وغيرها.\rولهذا لا يجوز له أن ينتفع بالمرهون، نوع انتفاع، من الاستخدام والركوب، ونحو ذلك.\rوكذلك زوائد الرهن: تكون رهنا عندنا وهو أحق بالامساك.\rويكون أحق به، بعد وفاته، كما في حق الاصل - إلا أن الزوائد غير مضمونة عليه، حتى لا يسقط الدين بهلاكها.\rوليس للمرتهن أن يبيع الرهن بدينه، إلا إذا سلطه الراهن على بيعه، أو سلط العدل على ذلك.\rفإن أعار المرتهن الرهن من الراهن، أو الراهن من المرتهن: فإنه يجوز، ويخرج الرهن من ضمان المرتهن، وعقد الرهن على حاله، ولكل واحد منهما أن يبطل العارية، ويرده إلى الرهن لان العارية غير لازمة.\rوعلى هذا: إذا غصبه غاصب: يخرج عن ضمان المرتهن، ولكن الرهن قائم - حتى إن للمرتهن أن يأخذه من الغاصب ويرده إلى الرهن.\rوأما إذا آجره الراهن من المرتهن: فيخرج من الرهن، ولا يعود\rأبدا، لان الاجارة عقد لازم، فا لاقدام عليه يكون فسخا للرهن.","part":3,"page":42},{"id":800,"text":"وكذلك لو آجر الراهن، من غير المرتهن، فأجازه المرتهن - أو المرتهن من غيره فأجازه الراهن جازت الاجارة ويخرج من الرهن، لما قلنا.\rولو باع الراهن أو المرتهن، وأجاز صاحبه: فإنه يجوز البيع، ويصير الثمن رهنا مكانه، قبض من المشتري أو لم يقبض، لان الثمن قائم مقام الرهن، وإن كان الثمن في ذمة المشتري، ولا يجوز رهن الدين ابتداء، ولكن يجوز البقاء، كالعبد الرهن: إذا قتل، تكون قيمته رهنا، حتى لو توى الثمن في ذمته، أو هلك المقبوض: فإنه يهلك من مال المرتهن، ويسقط الدين بقدره، كما لو كان في يده.\rوللمرتهن أن يطالب الراهن بإيفاء الدين مع عقد الراهن، إذا لم يكن مؤجلا، لان الرهن شرع لتوثيق الدين، فلا يسقط حق المطالبة إلا با لاداء.\rويجوز للراهن أن يوكل المرتهن ببيعه، واستيفاء لدين منه.\rولو قال الراهن \" إن جئتك بحقك إلى وقت كذا وإلا فهو لك \": لم يجز، وهو رهن على حاله، لان التمليك لا يتعلق بالشرط.\rولا يجوز للحاكم أن يبيع الرهن بدينه، بعد حلول الاجل، إذا كان مفلسا، عن أبي حنيفة، ولكن يحبس الراهن حتى يبيعه، وعند أبي يوسف ومحمد: يبيعه - وهذا فرع مسألة الحجر على الحر.\rوأما نفقة الرهن فعلى وجهين: فكل نفقة ومئونة كانت لمصلحة الرهن وتبقيته: فعلى الراهن.\rوكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن أو لرد جزء منه فات\rبسبب حادث: فعلى المرتهن.\rبيانه أن الرهن - إذا كان حيوانا: فنفقته وكسوته على الراهن.","part":3,"page":43},{"id":801,"text":"وإن كان الرهن أمة، فولدت: فأجر الظئر على الراهن.\rوإن كان الرهن بستانا فيه أشجار وكرم: فسقيه، وتلقيح نخله، وجداده (1)، والقيام بمصلحته على الراهن وكذ الخراج، فأما العشر: ففي الغلة، والزرع يأخذ الامام والباقي رهن عنده.\rوكذا أجر الراعي: عليه، لانه يحتاج إليه لعلف الحيوان، فهو كالطعام والشراب.\rويستوي الجواب فيه بين أن يكون الرهن مضمونا أو أمانة، كزوائد الرهن أو ما فضل من قيمة الرهن على الدين، لان كله ملكه: فعليه كفايته ومئونته.\rوأما ما يحتاج إليه للحفظ - كأجرة المسكن، وأجرة الحافظ، ومأوى البقر والغنم: فعلى المرتهن.\rوكذا ما يحتاج لرد العين إلى يد المرتهن كجعل الآبق: فعليه، إن كان قيمة الرهن والدين سواء، وأن كان بعضه أمانة: فعليهما على قدر الامانة والضمان.\rوأما ما يجب لرد جزء من العين إلى يد المرتهن الذي فات بسبب عارض - كمداواة الجراح والقروح والامراض: فهو منقسم عليهما: فما كان من حصة المضمون: فعلى المرتهن، وما كان من حصة الامانة: فعلى الراهن.\rوما وجب على الراهن، ففعله المرتهن، بغير أمر الحاكم - فهو متبرع\rفيه.\rوإن كان بأمره: يرجع به على الراهن.\rوكذا ما وجب على المرتهن، فأداه الراهن، بغير أمره - فهو متبرع.\r__________\r(1) جد النخل جوادا صرمه أي قطع ثمره.","part":3,"page":44},{"id":802,"text":"ثم للراهن أن يمتنع من إيفاء الدين عند محل الاجل، حتى يحضر المرتهن الرهن، أنه ربما يكون هالكا أو غائبا.\rفإذا أحضر الرهن يقال للراهن: \" سلم الدين إليه أولا ثم اقبض الرهن \".\rحتى يتعين حقه، فيكون عينا بعين كما في البيع.\rولو جنى المرتهن، على الرهن، أو غيره جناية: يجب عليه قيمته، أو مثله إن كان الرهن مثليا، ثم إن لم يكن الدين حالا: يكون رهنا مكانه، وإن كان الدين حالا أو حل: فإن كان مثل دينه في الجنس والصفة، يصير المرتهن مستوفيا لدينه.\rوإن كان هو المتلف: يصير قصاصا بقدر الدين ويترادان الفضل.\rوإن كان الرهن عبدا، فجنى على إنسان، خطأ - فإن ضمان الجناية على المرتهن، ويقال للمرتهن أولا: \" أفد العبد عن أرش الجناية \" - وإنما يخاطب هو بذلك أولا، لما أن فيه إبقاء حقه، وهو الرهن، لانه إذا فدى طهر العبد عن الجناية، فجعل كأن الجناية لم تكن، فيبقى الدين والرهن على حاله، ولا يرجع على الراهن بشئ من الفداء، لانه أصلح الرهن باختياره.\rوليس للمرتهن أن يدفع العبد بحال، لان الدفع تمليك الرقبة، وهو لا يملك تمليك مال الغير بغير إذنه.\rوإن لم يفد وأبى ذلك، يقال للراهن: \" ادفع أو أفده \" - فأيهما اختار: بطل الرهن، والدين، لان عين العبد، أو بدله، وهو الفداء، صار مستحقا بسبب كان عند المرتهن، فجعل كأنه هلك الرهن.\rولو استهلك العبد المرهون مال إنسان، وذلك يستغرق الرقبة: فإن أدى المرتهن الدين، الذي لزم العبد المرهون: بقي الرهن والدين على حاله، وفرغ عن الدين، وإن أبى أن يؤدي الدين: قيل للراهن: \" بعه في دينه أو اقض دينه \" - فإن قضى دينه: بطل دين المرتهن على الراهن، ويخرج العبد عن الرهن، لانه استحق بسبب كان عند المرتهن، فيكون","part":3,"page":45},{"id":803,"text":"عليه، وإن لم يقض دين العبد: يباع العبد في الدين الذي لحقه، فيأخذ صاحب دين العبد دينه، ويبطل بمقدار ذلك من دين المرتهن: فإن كان دين المرتهن أقل: كان ما بقي من ثمن العبد للراهن، وإن كان دين المرتهن أكثر من دين الغريم: استوفى المرتهن ما بقي من دينه، وما فضل من ثمن العبد للمرتهن إن كان الدين حل، وإلا أمسك ما فضل رهنا في يده إلى أن يحل الدين فيأخذه قصاصا بدينه.\rولو رهن عبدين أو ثوبين بألف درهم، كل واحد منهما بخمسمائة، فأدى خمسمائة لم يكن له أخذ واحد منهما، حتى يؤدي كل الدين.\rوكذلك في العبد الواحد - لان كل جزء من الرهن محبوس بكل الدين، فما لم يقبض الكل، يكون له حق حبس الكل.\rوإن كان الرهن شيئين أو أكثر، فإنه ينقسم الدين عليهما، على قدر قيمتهما يوم القبض، لانه صار مضمونا بالقبض.\rولو زاد في الرهن شئ، بأن ولدت الامة المرهونة ولدا، أو نحو ذلك، فإنه ينقسم الدين على الاصل يوم القبض، وعلى الزيادة يوم الفكاك، لان الزوائد تكون مضمونة، وإن كانت محبوسة إلى يوم الفكاك.\rثم الزيادة في الرهن جائزة عندنا: خلافا لزفر، كالزيادة في المبيع،\rوينقسم الدين عليهما جميعا، ويعتبر قيمة الاصل يوم قبضه ويعتبر قيمة الزيادة يوم الزيادة.\rفأما الزيادة في الدين: فلا تجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\rوعند أبي يوسف: تجوز - وهذه المسألة من مسائل الخلافيات.\rولو استعار من رجل شيئا ليرهنه بدينه، فأعاره منه، مطلقا ليرهنه: فله أن يرهنه، بأي صنف من الدين، وبأي قدر: قليلا أو","part":3,"page":46},{"id":804,"text":"كثيرا، لان هذا بمنزلة الاذن له بقضاء الدين من مال هو عنده وديعة، قد أذن مطلقا فيجب العمل بإطلاقه.\rوإن سمي له قدرا أو إنسانا، بعينه أو في بلد بعينه - فليس له أن يفعل بخلافه، ولو فعل كان لصاحبه أن يأخذ الرهن، لانه لم يأت بما أمر به، فلم يصح الرهن، فإن عجز الراهن عن قضاء الدين، فقضاه المعير: فله أن يرجع، لا يكون متبرعا، لانه مضطر في ذلك لوصوله إلى ماله - بمنزلة الوارث: إذا قضى دين الميت لتسلم له التركة: يرجع في التركة، لما قلنا.\rولو رهن عبدا من إنسان، ثم جاء برهن آخر حتى يكون مكان الاول، وقبل المرتهن الرهن الثاني - جاز، ويصير الثاني هو الرهن إذا قبض الراهن الاول، لانه ما رضي بالجمع بينهما رهنا، ولا يصير الثاني رهنا إلا بعد انفساخ الاول، ضرورة عدم الجمع.\rوإنما تقع الضرورة إذا قبض الاول، فأما إذا لم يقبض: بقي الاول رهنا دون الثاني، حتى لو هلكا: يكون الثاني أمانة والاول هلك بدينه.\rولو أعتق الراهن العبد المرهون: ينفذ عتقه عندنا، خلافا للشافعي - وهي مسألة معروفة.","part":3,"page":47},{"id":805,"text":"كتاب الشفعة يحتاج فيه إلى: بيان ما تجب به الشفعة، وإلى بيان شرائط الوجوب، وإلى بيان كيفية الوجوب، وإلى بيان الاحكام المتعلقة بالشفعة.\rأما الاول - فنقول: سبب استحقاق الشفعة أحد الاشياء الثلاثة: الشركة في البقعة، والشركة في الحقوق، والجوار على سبيل الملاصقة - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يستحق إلا بالشركة في البقعة - وهي مسألة معروفة.\rثم إنما تستحق الشفعة بها على الترتيب: فالشريك في البقعة أولا، ثم الشريك، في الحقوق، ثم الجار الملاصق - لان الشفعة إنما تجب لدفع ضرر الدخيل عن الاصيل، والضرر على هذا الترتيب في العرف.\rفإن سلم الشريك في البقعة: ثبتت للشريك في الحقوق، وإن سلم هو: تثبت للجار الملاصق.\rولا يثبت للجار المقابل لان ضرره دون ضرر هؤلاء، والشرع ورد بالشفعة في حق هؤلاء، فلا يقاس عليهم غيرهم مع التفاوت في الضرر.","part":3,"page":49},{"id":806,"text":"وأما شرائط الوجوب\rفمنها - عقد المعاوضة عن المال بالمال: فإنها لا تجب بهذه الاسباب إلا عند عقد البيع أو ما هو في معناه من: الصلح والهبة بشرط العوض إذا وجد قبض البدلين، فأما إذا قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة - وهذا عندنا، خلافا لزفر: إنها تجب بنفس العقد - وهذا فرع مسألة بينهم: أن الهبة بشرط العوض: عقده عقد هبة، وجوازه جواز البيع، فما لم يتقابضا لا يكون في معنى البيع، وعنده: عقده عقد بيع - وهي مسألة كتاب الهبة.\rولو وهب ثم عوض بعد العقد: فلا يجب الشفعة فيه، ولا فيما هو عوض عنه، بأن جعل العوض دارا، لان هذا ليس في معنى البيع، لانه ليس بمشروط في العقد.\rولهذا لا يجب في المملوك بمقابلة المنافع، بأن جعل الدار مهرا أو أجرة.\rولهذا لا يجب في الدار المملوكة بغير بدل كالهبة، والصدقة والوصية، أو ببدل ليس بمال، كبدل الخلع والصلح عن دم العمد.\rولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: إن من تزوج امرأة على دار على أن ترد عليه ألفا، فلا شفعة في شئ من الدار.\rوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: تجب الشفعة.\rواستحقاق الشفعة في البيع بشرط الخيار قد ذكر في البيوع.\rوفي البيع الفاسد: إذا ملك عند القبض لا يستحق الشفعة ما لم يبطل حق الفسخ، إما لاتصال المبيع بزيادة، أو بزوال ملك المشتري، لان حق الفسخ ثبت لحق الشرع.","part":3,"page":50},{"id":807,"text":"وإذا أخذ الشفيع المشتري شراء فاسدا بالشفعة: يأخذه بقيمته يوم\rقبض لان القيمة فيه بمنزلة الثمن في الشراء الصحيح.\rومنها - أن يكون المبيع عقارا أو في معناه: وقال مالك: يثبت في المنقول الذي هو نظيره، وهو السفن، ولهذا قال: إذا بيعت الضيعة ببقرها ومماليك يعملون فيها - يجب الشفعة في الكل.\rوعندنا: لا يستحق فيما ليس بعقار من البقر والعبيد.\rوأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: \" لا شفعة إلا في ربع (1) أو حائط.\rويستوي الجواب عندنا في العقار الذي تجوز قسمته والذي لا تجوز قسمته، كالحمام والرحى والبئر والنهر والدور الصغائر.\rوعند الشافعي: لا يجب فيما لا يقسم.\rوإذا بيع سفل عقار دون علوه، أو علوه دون سفله: تجب الشعفة - أما في بيع السفل: فلا يشكل، لانه عقار.\rوأما في بيع العلو وحده: فقياس واستحسان، لانه ليس بعقار ولكن في معناه لان حق التعلي يتعلق بالبقعة، على التأييد، فهو بمنزلة البقعة.\rوأما بيان كيفية الوجوب - فنقول: إن حق الشفعة يجب على طريق الفور، عندنا نظرا من الجانبين.\rوعند الشافعي: يجب وجوبا مؤبدا.\rواختلف الرواية في تفسير الفور: في بعضها: أنه إذا علم بالبيع\r__________\r(1) الربع هو الدار حيث - وجمعه رباع وربوع.","part":3,"page":51},{"id":808,"text":"ينبغي أن يطلب الشفعة ساعتئذ، فإذا سكت ولم يطلب، بطلت شفعته، وفي بعضها: أنه على المجلس - فإن محمدا ذكر في \" الاصل \": \" إذا بلغ\rالشفيع البيع: إن لم يطلب الشفعة مكانه: بطلت الشفعة \".\rوذكر الكرخي أن هذا ليس باختلاف رواية، وإنما هو على المجلس، كخيار المخيرة والقبول.\rثم الطالب نوعان: أحدهما: طلب مواثبة - وهو ما ذكرنا: فكما علم ببيع الدار يطلب الشفعة فيقول: \" طلبت الشفعة وأنا طالبها \" أو قال: \" ادعيت الشفعة وأنا على شفعتي \"، ويشهد على ذلك، حتى يتأكد الوجوب، بالطلب على الفور - ويعلم أنه ليس بمعرض، حتى يحصل المطالبة من الخصم بعد ذلك - من غير اشتغال بشئ مع القدرة على المطالبة.\rوليس الاشهاد بشرط لصحة الطلب، ولكن للتوثيق - حتى إذا أنكر المشتري طلب الشفعة حين علم فيقول: \" لم تطلب الشفعة حين علمت بل تركت الشفعة وقمت عن المجلس \" والشفيع يقول: \" طلبت \" - فالقول قول المشتري، فلا بد من الاشهاد وقت الطلب، توثيقا لحقه.\rولو لم يكن الشهود حاضرين، فبعث في طلبهم، ومكث في المجلس، لا تبطل شفعته، كما في خيار المخيرة.\rوعن أبي بكر الرازي أنه قال: إذا طلب الشفعة ثم قام عن المجلس إلى الشهود، وأشهدهم على ذلك جاز، لان الطلب يحتاج إليه، لثبوت الشفعة، فيما بينه وبين ربه، والشهود يحتاج إليها، للتوثيق الذي ذكرنا.\rوالطلب الثاني: المطالبة من الخصم - لان المطالبة لا بد لها من مطالب ومطلوب.\rفإن كان المبيع لم يقبض بعد: فالشفيع بالخيار بين مطالبة البائع أو","part":3,"page":52},{"id":809,"text":"المشتري أو الطلب عند المبيع والاشهاد عليه - لان المشتري مالك، والبائع صاحب يد، فيصح من الشفيع المخاصمة معهما لنقل الملك واليد.\rفأما المبيع.\rفيتعلق الشفعة به، فيقوم الطلب عنده مقام الطلب منهما باعتبار\rالحاجة.\rفأما إذا كان المبيع في يد المشتري: لم يصح الاشهاد على البائع لانه خرج من أن يكون خصما، لزوال يده وملكه، ولكن له الخيار في الاشهاد على المشتري أو عند العقار.\rثم ما ذكرنا من الاختيار إذا كان الشفيع حاضرا عند وقوع البيع، بحضرة الدار والبائع والمشتري.\rوأما إذا عقد البيع في غير الموضع الذي فيه الدار، والشفيع حاضر، فلم يطالبهما بالشفعة، وحضر موضع الدار وأشهد ثم: بطلت، شفعته، حيث ترك المطالبة مع القدرة عليها.\rوإن كان الشفيع غائبا عن مجلس البيع، فعلم فحضر موضع الدار، ولم يطلب الشفعة، وذهب حتى يجد البائع أو المشتري: تبطل شفعته، لانه ترك الطلب مع القدرة عليه.\rفأما إذا بيعت الدار في المصر الذي هي فيه، والشفيع في مصر آخر، فعلم بذلك: فالجواب في حقه والجواب في حق الحاضر سواء: في أنه يطلب على الفور، ويشهد، ثم يشتغل بالطلب من البائع أو المشتري، أو الاشهاد عند الدار إلا أن له الاجل بمقدار المسافة التي بينه وبين المصر الذي وقع فيه البيع من المتعاقدين، حتى يذهب إليه بنفسه فيطلب الشفعة، أو يبعث وكيلا لطلب الشفعة والاشهاد عليه، وذلك الاجل من وقت العلم بالبيع وطلب المواثبة، فإذا مضى الاجل، ولم يذهب بنفسه، ولا بعث وكيلا لمطالبته الشفعة - تبطل شفعته.","part":3,"page":53},{"id":810,"text":"وإذا وجد كلا الطلبين وصح الاشهاد على الوجه الذي ذكرنا،\rفبعد ذلك له أن يشتغل بالمرافعة إلى باب القاضي والخصومة، لاخذ الدار بالشفعة.\rفإن كان المبيع في يد البائع: فالقاضي يحضر البائع والمشتري جميعا، ولا يقضي له بالشفعة حتى يحضرا، لكونهما خصمين: أحدهما بيده، والآخر بملكه، لان القضاء لا يجوز بدون حضرة الخصم.\rوإن كان المبيع في يد المشتري: فالقاضي يحضره لا غير، ويقضي عليه، لان البائع خرج من أن يكون خصما لزوال يده.\rفإذا قضى القاضي بالشفعة، والدار في يد البائع: انتقض البيع الذي بينه وبين المشتري، وينعقد البيع بينهما في المشهور من الرواية، وينتقل الصفقة إليه.\rوروي عن أبي يوسف أن البيع لا ينتقض.\rفعلى الرواية المشهورة: يسلم الشفيع الثمن إلى البائع، ويكون عهدة الشفيع على البائع، وهي الرجوع بالثمن عند الاستحقاق ويرجع المشتري على البائع بالثمن إن نقده.\rثم الشفيع يأخذ الدار بالثمن الذي وقع عليه البيع، من الدراهم والدنانير والمكيل والموزون في الذمة، لان تلك الصفقة انتقلت إليه.\rوإن كان الثمن من العروض فيأخذ بقيمته.\rثم القاضي يقضي بالشفعة سواء أحضر الشفيع الثمن أو لا، في المشهور من الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، ويأمر الشفيع بتسليم الثمن إليه للحال، فإن لم يسلم: يحبسه، ولا ينقض الاخذ بالشفعة - لانه بمنزلة الشراء، فإن طلب منه: حتى يذهب ويحضر الثمن - فالقاضي لا يحبسه، لانه لم يوجد منه المطل.\rوإن طلب الاجل يوما أو","part":3,"page":54},{"id":811,"text":"يومين فالقاضي يؤجله، إن رضي الخصم، وإلا فيحبسه.\rوقل محمد: لا ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الثمن.\rفإذا أحضر الثمن يقضي بالشفعة، ويأمر الشفيع بتسليم الثمن إلى المشتري.\rفإن قضي القاضي له بالشفعة، قبل إحضار الثمن وأمر الشفيع بدفع الثمن إليه من ساعته فقال: \" لا أنقده إلى يوم أو يومين \" أو \" إلى شهر \"، وأبى المشتري أن يقبل ذلك، لا يفسخ قضاؤه ولا ينقض الاخذ بالشفعة، ولكن يحبسه.\rوالاحتياط من القاضي أن لا يقضي بالشفعة ما لم يؤجل للشفيع أجلا ويقول له: \" إن لم تأت بالثمن إلى هذا الاجل فلا شفعة لك \" - حتى إذا امتنع وفرط في الاداء: تبطل شفعته، فأما، بدون ذلك، إذا قضي بالشفعة: لا تبطل شفعته، بالتأخير.\rولو أن الشفيع بعد وجود الطلبين والاشهاد، إذا أخر المرافعة إلى باب القاضي ولم يخاصم هل تبطل شفعته؟ فقد اختلفت الروايات عن أصحابنا والحاصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله: لم تسقط الشفعة، بالتأخير بعد الاشهادين، إلا أن يسقطها بلسانه فيقول: \" تركت الشفعة \".\rوهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى عنه: إذا ترك المخاصمة إلى القاضي في زمان يقدر على المخاصمة فيه: بطلت شفعته - ولم يوقت.\rوقال محمد وزفر: إذا أخر المطالبة بعد الاشهاد شهرا من غير عذر: بطلت شفعته.\rوعن الحسن أنه قال: وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر - وبه نأخذ.","part":3,"page":55},{"id":812,"text":"وذكر الكرخي أنه إذا حال بين الشفيع وبين الاشهاد، عند الدار أو على البائع أو المشتري، حائل لا يستطيع الشفيع أن يصل إلى ذلك معه ولا أن يبعث وكيلا: فهو على شفعته إلى أن يزول الحائل المانع له، ثم يعود الامر بينهم على ما ذكرنا، لان ترك المطالبة، مع المانع، لا يدل على الاعراض - ولهذا قالوا: إن حق الشفعة يجب عند البيع.\rويتأكد بالطلب، ويثبت الملك به بقضاء القاضي أو بالتراضي من الخصمين.\rوأما الاحكام فكثيرة - نذكر بعض المشهور منها: فمن ذلك - بيان ما تبطل به الشفعة وما لا تبطل مما يحدث من الشفيع.\rبيان ذلك: إذا اشترى الرجل دارا لها شفيع فساوم الشفيع المشتري في الدار، لنفسه أو لغيره، أو سأله أن يوليه إياها، أو يشركه فيها، أو يؤاجرها منه، أو كانت أرضا فطلب منه المزارعة، أو نخلا أو كرما فسأله المعاملة - وذلك كله بعدما علم بالشراء: فذلك كله تسليم للشفعة، لان ذا دلالة الاعراض عن طلب الشفعة لان حكمها ينافي حكم أخذ الدار بالشفعة.\r- ولو باع الشفيع داره التي يشفع بها، بعد الشراء، للمشتري: تبطل شفعته، سواء علم بالشراء أو لم يعلم، لانه بطل الجوار، الذي\rهو سبب الاستحقاق، قبل أخذ الدار بالشفعة.\r- ولو سلم الشفعة قبل البيع، لا يكون تسليما، لان الشفعة لم تثبت بعد، فلا يصح إبطاله.\rولو سلم بعد الشراء: تبطل الشفعة، سواء علم أو لم يعلم،","part":3,"page":56},{"id":813,"text":"بخلاف المساومة والاستئجار.\r- ولو أخبر الشفيع أن الشراء بألف درهم، فسلم الشفعة، ثم ظهر أن الثمن أكثر أو أقل، أو على خلاف جنسه - فالاصل في هذه المسائل أنه إذا لم يحصل غرض الشفيع على الوجه الذي سلم: لم يصح التسليم، وإن حصل - صح: فإذا ظهر أن الثمن أكثر مما أخبر به: لم يبطل التسليم، لان الشفيع إذا لم يصلح له الشراء بالالف، فأولى أن لا يصلح بأكثر منه، فلا يفوت غرضه بما ظهر بخلاف ما أخبر.\rولو ظهر أن الثمن أقل: لا تبطل الشفعة، لان التسليم يكون لكثرة الثمن عنده، وأنها لا تساوي بها، ويصلح له الدار با لاقل.\rولو أخبر أن الثمن ألف درهم فإذا هو مائة دقينار: فإن كان قيمتها ألف درهم أو أكثر: صح التسليم، وإن كان أقل: فله الشفعة، عندنا، خلافا لزفر، لما قلنا.\r- ولو أخبر أن الثمن ألف درهم أو مائة دينار ثم ظهر أنها بيعت بمكيل أو موزون قيمته مثل ذلك أو أقل: فتسليمه باطل، لانه يجوز أن يكون سلم، لانه لا يقدر على ذلك الجنس الذي أخبر، وهو يقدر على الجنس الذي بيعت به.\r- وكذا إذا أخبر أنها بيعت بالحنطة ثم ظهر أنها بيعت بشعير قيمته مثل الحنظة أو أقل: فله الشفعة لما ذكرنا.\r- ولو أخبر أن الثمن دراهم أو دنانير، ثم ظهر أن الثمن عرض من العروض الذي تجب الشفعة بقيمته: فإن كان مثله أو أكثر: فالتسليم صحيح، وإن كان أقل: فلا يصلح، لان القيمة دراهم أو دنانير.","part":3,"page":57},{"id":814,"text":"- وإن أخبر أنها بيعت بعرض ثم ظهر أنها بيعت بجنس آخر من العروض: فهو على شفعته لما ذكرنا.\r- ولو بلغه أنها بيعت نصفها فسلم، ثم ظهر أنه باع الكل فله الشفعة.\rوإن كان على عكس هذا: فلا شفعة له، لان الانسان ربما لا يرضى مع الشريك، فكان التسليم بناء عليه، ويرضى بالدار كلها.\rوفي رواية: الجواب على ضد ما ذكرنا.\r- ولو أخبر أن المشتري زيد، فسلم، ثم ظهر أنه عمرو: فله الشفعة.\rوإن كانا قد اشترياها جميعا، أخذ نصيب الذي لم يسلم الشفعة فيه، لان الانسان قد يرضى بشركة واحد ولا يرضى بشركة غيره.\r- ولو اشترى الرجل دارا صفقة واحدة، فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها دون بعض، أو يأخذ ما يليه من الدار - ليس له ذلك، وإنما له أن يأخذ الكل أو يدع، لان فيه تفريق الصفقة على المشتري.\r- ولو اشترى دارين، صفقة واحدة، فأراد شفيعهما أن يأخذ إحداهما ويترك الاخرى: فليس له ذلك، سواء كانت الداران متلاصقتين أو لا، وسواء كانتا في مصر واحد أو في مصرين، لان فيه\rتفريق الصفقة على المشتري.\rوقال زفر: له الخيار بين أن يأخذهما أو يأخذ إحداهما.\r- ولو كان الشفيع شفيعا لاحداهما دون الاخرى، وقد وقع البيع صفقة واحدة: فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: له أن يأخذهما، وليس له أن يأخذ التي تجاوره بالحصة، وقال محمد: يأخذ التي تليه با لشفعة، ولا شفعة له في الاخرى لما ذكرنا.","part":3,"page":58},{"id":815,"text":"- ولو أن الشفيع وجد الدار المبيعة منقوضة بعد الشراء أو مهدومة، فإنه ينظر: إن كان بفعل المشتري أو الاجنبي فهو بالخيار: إن شاء أخذ العرصة بالحصة، وإن شاء ترك.\rوإن انتقضت أو انهدمت بنفسها: فله الخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك، لان أخذ الدار بالشفعة بمنزلة الشراء، فيثبت الملك بالشفعة في العرصة والبناء جميعا، لكونه تبعا لها، والاتباع لا حصة لها من الثمن إذا فاتت لا بصنع أحد، فأما إذا فاتت بصنع المشتري أو الاجنبي، فصار مقصودا بالاتلاف والقبض فيصير لها حصة، من الثمن، وقد تغير المبيع فكان له الخيار على الوجه الذي ذكرنا.\r- وإن كان المشترى كرما وفيه أشجار وثمار، فقطع المشتري شجرها أو جد ثمرها، أخذ بحصة الكرم، ويحط قيمة ما أخذ منه.\rوإن ذهبت بآفة سماوية: أخذها بجميع الثمن أو ترك، لما قلنا.\rفإن لم يكن، في وقت الشراء، فيه ثمر، ثم أثمرت، فجدها المشتري، فإن الشفيع يأخذها بجميع الثمن إن شاء أو يترك، ولا يدفع له بحصة الثمر، لانه لم يكن في أصل البيع، فإن كان الثمر في أصل\rالبيع: فهو كما ذكرنا، من البناء والنخل.\r- وإن كان المشتري أرضا، فيها زرع: فإنه يأخذها الشفيع، بزرعها، بقلا كان أو مستحصدا، لانه تبع الارض فإن حصد المشتري الزرع ثم جاء الشفيع فإنه أقسم الثمن على قيمة الارض وعلى قيمة الزرع، وهو بقل، يوم وقع عليه العقد، فيأخذ الشفيع الارض بما أصابها من الثمن، ولا يقسم الثمن على قيمة الزرع وهو مستحصد - هذه رواية عن أبي يوسف.\rوروي عن محمد أنه قال: أقوم الارض وفيها الزرع، وأقومها ليس","part":3,"page":59},{"id":816,"text":"فيها ذلك الزرع، فما كان بين ذلك فهو قيمة الزرع ولا أقوم الزرع، وهو بقل محصود.\rولو كان للدار شفعاء بسبب الشركة، فحضروا: فهي بينهم على عد الرؤوس عندنا.\rوعند الشافعي: على قدر الانصباء - وهي مسألة معروفة.\rفإن سلم الشركاء إلا واحد: فله أن يأخذ الدار كلها.\rوإن سلم البعض دون البعض فا لدار كلها بين من لم يسلم، على قدر عددهم.\rفإن سلم الشركاء كلهم: فللجيران الشفعة، على عددهم.\rوعلى هذا: إذا بيعت دار في زقاق غير نافذ: فأهله جميعا شركاء في الشفعة، وهم أولى من الجيران المتلاصقين الذين لا طريق لهم في الزقاق، لان الشريك في الطريق أولى.\rفإن سلم الشركاء في الطريق، فالشفعة للجوار المتلاصقين.\rولو اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فقال المشتري: \" اشتريتها بألفين \"، وقال الشفيع: \" بألف \" - فالقول للمشتري في الثمن مع يمينه، وعلى الشفيع البينة، فإن أقام الشفيع البينة: يقضي ببينته، وإن أقاما جميعا البينة: فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري - وهي تعرف في الخلافيات.\rولو اشترى الرجل ساحة، فبناها، ثم جاء شفيعها وطلب الشفعة، فإنه يقضي له بالعرصة، ويقال للمشتري \" اقلع بناءك وسلم الساحة إلى الشفيع \" عندنا، وروي في رواية عن أبي يوسف أنه يقال للشفيع: \" خذ الدار بالثمن وبقيمة البناء أو اترك \" - وهو قول الشافعي وهي مسألة معروفة.","part":3,"page":60},{"id":817,"text":"ولو أخذ الشفيع الدار بالشفعة، فبناها، ثم استحقت الدار، فإن المستحق يأخذ الدار، ويقال للشفيع \" اهدم بناءك \" ولا يرجع على المشتري بقيمة البناء إن كان أخذ الدار من يده، ولا على البائع إن كان أخذها منه، لانه ليس بمغرور، ولكن يرجع على المشتري بالثمن، لانه لم يسلم له المبيع.\rولو اشترى الرجل دارا بثمن مؤجل - فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمن حال، وإن شاء انتظر إلى مضي الاجل، فإذا مضى الاجل أخذها، وليس له أن يأخذ بثمن مؤجل، لان الاجل إنما يثبت بالشرط، ولم يوجد بين المشتري والشفيع.\rولو مات الشفيع بعد طلب الشفعة والاشهاد على المشتري، قبل أن يقضى له بالشفعة، تبطل الشفعة عندنا، ولا تثبت للورثة.\rوعند الشافعي: يثبت للورثة.\rفحق الشفعة لا يورث، عندنا، كالخيار، وعنده يورث.\rولو اشترى رجل دارا لم يرها، فبيعت بجنبها دار، فأخذا بالشفعة: لم يبطل خياره، ولو كان له فيها خيار الشرط: يبطل خياره - لانه لو قال \" أبطلت خياري قبل الرؤية \": لم يبطل خيار الرؤية، فلا يبطل بدلالة الابطال، ولو قال \" أبطلت خيار الشرط \": يبطل - فكذا با لدلالة.\rثم الحيلة في إبطال الشفعة هل هي مكروهة؟ روي عن أبي يوسف أنها لا تكره.\rوعن محمد أنه قال: أكره ذلك أشد الكراهة.\rوعلى هذا: الخلاف في إسقاط الزكاة، قبل مضي الحول - والله أعلم.","part":3,"page":61},{"id":818,"text":"كتاب الذبائح يحتاج إلى بيان: ما يباح أكله من الحيوان وما لا يباح، وما يكره، وإلى بيان شرائط الاباحة.\rوإلى بيان محل الذبح وكيفيته، وإلى بيان ما يذبح به، وإلى بيان أهلية الذبح.\rأما الاول - فنقول: إن الحيوان على ضربين: ما لا يعيش إلا في الماء، وما لا يعيش إلا\rفي البر.\rأما الذي لا يعيش إلا في الماء: فكله محرم الاكل، إلا السمك خاصة بجميع أنواعه، سوى الطافي منه: فإنه مكروه، لقوله عليه السلام: \" أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال \" - وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: السمك الطافي، وجميع ما في البحر، حلال.\rثم عندنا - الطافي على وجهين: إن مات بسبب حادث: يؤكل، وإن مات حتف أنفه: لا يؤكل.","part":3,"page":63},{"id":819,"text":"وأصله ما روي عن جابر بن عبد الله الانصاري (1) أن النبي عليه السلام نهى عن أكل الطافي.\rفأما الذي مات من الحر أو البرد أو كدر الماء: ففيه روايتان.\rوقالوا في سمكة ابتلعت سمكة: إنها تؤكل، لانها ماتت بسبب حادث.\rوهو حلال في حق المحرم والحلال جميعا.\rوكذلك اصطياد ما في البحر: حلال في حق المحرم والحلال.\rأما ما لا يعيش إلا في البر: فعلى نوعين: منه ما ليس له دم سائل، ومنه ما له دم سائل.\rأما ما ليس له دم سائل - فكله حرام إلا الجراد، مثل الذباب، والزنبور وسائر هوام الارض وما يدب عليها وما يكون تحت الارض من الفأرة واليربوع والحيات والعقارب، لانها من جملة الخبائث، إلا أن الجراد يحل بالحديث الذي كذكرنا.\rوأما ما له دم سائل - فعلى ضربين: مستوحش ومستأنس.\rفالمستأنس منه - لا يحل أكله من البهائم سوى الانعام، وهو الابل والبقر والغنم لقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (2) واسم \" الانعام \" خاص فيما ذكرنا عند أهل اللغة.\rفأما ما لا يحل فا لحمير والبغال والخيل - وهذا قول أبي حنيفة.\r__________\r(1) هو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله صلى الله ععليه وآله وسلم وممن روى عنهم أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة ومعاذ.\rوروى عنه جماعات من أئمة النابعين منهم سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار وقد توفي با لمدينة سنة ثلاث وسبعين وقيل ثمان وسبعين وقيل ثماني وستين وهو ابن أربع وتسعين سنة.\r(2) المائدة: 1.","part":3,"page":64},{"id":820,"text":"وقال أبو يوسف ومحمد كذلك إلا أنهما قالا: يحل الفرس خاصة - وهي مسألة معروفة.\rوأما المستأنس من الطيور، كالدجاج والبط والاوز: فيحل بإجماع الامة.\rوأما المستوحش منه - فيحرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور، إلا الارنب خاصة، لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - رواه ابن عباس: أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير - وخص منه الارنب لحديث عمر.\rفذو الناب من السباع: الاسد والذنب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البري والاهلي.\rوكذلك الفيل وابن عرس من جملة ذي الناب - ونحوها.\rوذو المخلب من الطيور: الصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين\rونحوها.\rوما سوى ذلك من المستوحش من البهائم والطيور: فهو حلال - كالظبي وبقر الوحش وحمر الوحش والابل ونحوها.\rومن الطيور: الحمام والعصفور والعقعق وغراب الزرع الذي يأكل الزرع ولا يأكل الجيف ونحوها - إلا أنه يكره أكل الغراب الابقع والغراب الاسود الذي يأكل الجيف.\rويكره الجلالة من الابل والبقر والغنم، لان الغالب من أكلها النجاسة.\rفأما الدجاجة المخلاة التي تأكل النجاسة أيضا - قالوا: لا يكره، لانها تخلطها بغيرها، ولان الجلالة ينتن لحمها ويتغير ولحم الدجاجة لا","part":3,"page":65},{"id":821,"text":"ينتن ولا يتغير.\rثم الجلالة إذا حبست أياما حتى تعتلف ولا تأكل النجاسة: تحل.\rوعن أبي حنيفة روايتان: في رواية محمد: لم يوقت الحبس بل يحبس حتى يطيب لحمها ويذهب نتنه، وفي رواية أبي يوسف: مقدر بثلاثة أيام.\rفأما الدجاجة فقد روي عن أبي يوسف أنها لا تحبس، لانه لا ينتن لحمها، ولكن المستحب أن تحبس يوما أو يومين.\rأما جنين ما يؤكل لحمه إذا خرج ميتا: لا يحل عند أبي حنيفة وزفر والحسن.\rوقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: يحل - والمسألة معروفة.\rوأما شرائط الحل فمنها - الذبح، أو النحر في جميع ما يشترط فيه الذبح - لكن النحر في\rالابل، والذبح في الشاة: أحب.\rوأصله قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم) (1)، واسم الذكاة يقع عليهما جميعا.\rومنها - التسمية: حتى لو تركها، عامدا: لا يحل عندنا - وعند الشافعي: يحل.\rوأجمعوا أنه لو تركها، ناسيا: يحل - والمسألة معروفة.\rثم في ذكاة الاختيار: تجب التسمية لكل ذبيحة عند الحز والقطع.\rوفي ذكاة الاضطرار: يشترط عند الرمي والارسال لا عند الاصابة.\rولا يشترط التعيين لكل صيد، بخلاف الاهلية.\rبيانه أنه:\r__________\r(1) سورة المائدة: 3.","part":3,"page":66},{"id":822,"text":"- لو أضجع شاة ليذبحها، فسمى، ثم بدا له أن لا يذبحها فأرسلها، وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يحل.\r- ولو رمى صيدا، وسمى فأخطأه وأصاب آخر فقتله: فلا بأس بأكله، لان التسمية، عند الذبح، تشترط عند القدرة، وعند العجز أقيم الارسال والرمي مقام الذبح إذا اتصلت به الآلة.\rوكذا لو أرسل كلبا على صيد بعينه، وسمى، فأخذ غير الذي هو سمى عليه من غير أن مال عن سنن الاولى: يحل.\r- ولو ذبح شاة وسمى، ثم ذبح أخرى فظن أن التسمية الاولي تجزي عنهما: لم يؤكل، فيجب أن يحدث لكل ذبيحة تسمية.\r- ولو رمي سهما وسمى: فقتل به من الصيد اثنين، أو أرسل كلبا وسمى فقتل صيدين: يحل كله، لما قلنا.\rولو سمى وتكلم بكلام قليل، أو فعل فعلا قليلا، ثم ذبح، فلا بأس به، ويجعل كالمتصل للضرورة، أما إذا تكلم بكلام طويل، أو فعل فعلا كثيرا، بين التسمية والحز لا يحل.\rومنها - تجريد اسم الله عند الذبح عن اسم غيره - حتى لو قرن باسم الله اسم غيره، وإن كان اسم النبي عليه السلام: فإنه لا يحل.\rوتجريده عن الدعاء مستحب، وليس بشرط، بأن قال \" باسم الله! اللهم تقبل عني أو عن فلان \"، ولكن ينبغي أن يدعو بهذا وبمثله قبل التسمية أو بعد الفراغ عن التسمية منفصلا عنها، ولكن لا يوجب الحرمة.\rولو سبح أو هلل أو كبر وأراد به التسمية على الذبيحة: يحل أما لو أراد به الحمد على سبيل الشكر: لا يحل.","part":3,"page":67},{"id":823,"text":"وكذا لو سمى: ينبغي أن يريد به التسمية على الذبيحة.\rأما لو أراد به التسمية عند افتتاح العمل: لا يحل.\rوأما محل الذبح، وكيفيته - فنقول: الذكاة نوعان: ذكاة ختيار، وذكاة اضطرار.\rأما ذكاة الاضطرار - فمحله جميع البدن فيحل بوجود الجرح أينما أصاب على ما نذكره.\rوأما ذكاة الاختيار - فمحله ما بين اللبة واللحيين، لقوله عليه السلام: \" الذكاة ما بين اللبة واللحيين \".\rثم الذكاة هي فري الاوداج، والادواج أربعة: الحلقوم، المرئ، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمرئ: فالحلقوم مجرى النفس، والمرئ\rمجرى الطعام والشراب، والعرقان مجرى الدم.\rفإذا قطع الاوداج الاربعة: فقد أتى بالذكاة المأمور بها بتمامها.\rفأما إذا نقص من ذلك - فقد اختلفوا فيه: روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه إذا قطع أكثر الاوداج: حل، وفسر ذلك بأن قطع ثلاثة منها من أي جانب كان - وبه أخذ، ثم رجع فقال: لا يحل ما لم يقطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين.\rوروي عن محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ما لم يقطع الاوداج الاربعة أو الاكثر من كل واحد منها: لا يحل، حتى إنه إذا قطع الثلاثة أو الاكثر منها وقطع نصف الرابع أو أقل: لا يحل - وبه أخذ محمد.\rفصار الحاصل - أن عند أبي حنيفة: الاكثر على رواية أبي يوسف يرجع إلى الثلاثة منها، وعلى رواية محمد: الاكثر يرجع إلى كل واحد من الاربعة، وقال محمد: إنه لا يحل ما لم يقطع الكل أو الاكثر من كل","part":3,"page":68},{"id":824,"text":"واحد منها.\rوقال أبو يوسف: يحل إذا قطع ثلاثة منها: الحلقوم والمرئ وأحد الودجين.\rوقال الشافعي: إذا قطع الحلقوم والمرئ يحل.\rولو أبان رأس البعير أو الشاة بالسيف: فإن كان من قبل الحلقوم: أكل، وإن كان من قبل القفا: فإن صار بحال لا يعيش قبل قطع الاوداج: لا يحل، وإن كان بحال يعيش: يحل.\rويكره في حال الذبح أن يجرها برجلها إلى المذبح، أو يضجعها ويحد الشفرة بين يديها.\rويكره أن يذبحها على وجه يبلغ النخاع، وهو العرق الابيض الذي في عظم لرقبة.\rويكره أن يسلخ قبل أن تموت، لان هذا زيادة ألم لا يحتاج إليه.\rفإن نخع (1) أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بذلك، لانه لم يوجد فيه ألم: ذكره الكرخي.\rو بعض المشايخ قالوا: يكره النخاع بعد الموت قبل ان يبرد ويكره السلخ.\rوعن مجاهد (2) أنه قال: كره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعة من الشاة المذبوحة: الذكر، والانثيين، والقبل، والغدد، والمثانة، والمرارة، والدم.\rثم أبو حنيفة فسر هذا وقال: الدم حرام للنص القاطع، وأما الحكم في السبعة: فمكروه، لانه مما لا تستحسنه الانفس، وإنه أراد به الدم المسفوح، فأما دم الكبد والطحال ودم اللحم: فليس بحرام.\r__________\r(1) نخع الذبيحة جاوز بالسكين منتهى الذبح فأصاب نخاعها.\r(2) مجاهد بن جبير: تابعي.\rوهو إمام في الفقه والتفسير والحديث.\rسمع من الصحابة ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وعائشة وغيرهم، ومن التابعين طاوسا وابن أبي ليلى وآخرين.\rتوفي، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، سنة 101 ه، وقيل سنة 100 وقيل سنة 7102","part":3,"page":69},{"id":825,"text":"وأما بيان ما يذكى به - وهو الآلة: فعلى ضربين: آلة تقطع وآلة تفسخ.\rفالآلة التي تقطع - على ضربين: حادة، وكليلة: فالحادة: يجوز الذبح بها، حديدا كان أو غير حديد، من غير كراهة.\rوالكليلة التي تقطع: يجوز الذبح بها، مع الكراهة، حديدا كانت أو غير حديد.\rوأصله قوله عليه السلام: \" كل ما أنهر الدم وأفرى الاوداج فهو\rذكاة \".\rوقال أصحابنا: إذا ذبح بظفر منزوع أو بسن منزوع: جاز، مع الكراهة.\rوقال الشافعي: لا يجوز.\rوأما الآلة التي تفسخ - فهو نحو الظفر القائم والسن القائم: إذا ذبح به: لا يحل، لانه يعتمد على المذبوح من وجه، فيختنق ويتفسخ - حتى قالوا: إذا كان الظفر طويلا، فأخذ إنسان آخر بيده، وذبح بظفره، وأمر عليه كما يمر السكين: يحل، لانه لم يعتمد عليه حتى يكون فيه معنى التخنيق.\rوأما بيان أهلية الذبح - فنقول: يشترط أن يكون من أهل الملة التي يقر عليها، ويعقل الذبح، ويضبطه، ويقدر عليه - لانه إذا كان من أهل الملة، وهو عاقل، فالظاهر أنه يأتي باسم الله تعالى عند الذبح، وإذا لم يكن عاقلا، فإجراء اسم الله تعالى على لسانه وعدمه سواء، ولهذا لا يصح الاسلام منه.\rوالقدرة","part":3,"page":70},{"id":826,"text":"على الذبح لا بد منها حتى يتحقق فعل الذبح على وجهه.\rفيصح الذكاة من المسلم والكتابي إذا عقلا الذبح، ولا يتركان التسمية عمدا، سواء كان ذكرا أو أنثى، صغيرا أو بالغا.\rولا يجوز ذبح المجوسي ولا المرتد.\rولا ذبح الصبي والسكران والمجنون إذا لم يعلقوا ولم يضبطوا الذبح.\rهذا الذي ذكرنا في غير الصيد - فأما في الصيد: فيشترط أن لا يكون محرما، ولا الذبح بأمر المحرم، ولا في الحرم - حتى لا يؤكل ما يذبح\rالمحرم من الصيد، أو يأمر به، ولا ما يذبحه الحلال في الحرم من الصيد، ويكون ذلك كالميتة.\rفأما ذبح المحرم لغير الصيد: فسبب الحل، في الحل والحرم.","part":3,"page":71},{"id":827,"text":"كتاب الصيد الاصيطاد مباح في البحر في حق كافة الناس، وفي البر في حق غير المحرم على كل حال إلا في الحرم، وفي حق المحرم لا يباح في الحل ولا في الحرام.\rوأصله قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر (الآلة)) (1)، ولان الكسب مباح في الاصل، وما يصيده قد يؤكل، وقد ينتفع بجلده وبشعره، ونحو ذلك.\rثم ما يباح أكله من الصيد المأكول، بأخذ الجوارح والرمي وغير ذلك من فعل العباد - إذا مات قبل أن يقدر عليه، له شرائط: أحدها - أن تكون الآلة، التي بها يصطاد جارحة، تجرح الصيد، وهو السهم والسيف والرمح والحيوان الذي له ناب أو مخلب فيجرح به، فيموت - هذا هو الرواية المشهورة.\rأما إذا لم يجرح الكلب أو البازي: فلا يحل.\rوروي عن أبي حنيفة أن الكلب إذا خنق: يحل.\rولو لم يخنقه ولم يجرحه ولكنه كسره فمات، ففيه روايتان.\rولو أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه، فإن وصل إلى اللحم\rفأدماه: أكل، وإلا فلا.\r__________\r(1) المائدة: 96.","part":3,"page":73},{"id":828,"text":"واختلف المشايخ في الشاة إذا اعتلفت بالعناب فذبحت ولم يسل منها الدم: فقال أبو القاسم الصفار (1): لا يحل.\rوقال أبو بكر الاسكاف: يحل.\rوهذا إذا مات بجرحه غالبا.\rفأما إذا وقع الشك: فلا يحل إذا كان يمكن الاحتراز عنه، بأن رمي صيدا في الهواء فسقط على جبل، أو سطح أو شجر، أو على سنان رمح مركوز في الارض، أو على حرف آجرة أو صخرة، أو في الماء، ثم سقط على الارض - لا يحل، احتياطا لجانب الحرمة.\rوإذا وقع على آجرة مطبوخة على الارض، أو على أرض صلبة - فالقياس أن لا يحل، وفي الاستحسان: يحل، لانه لا يمكن الاحتراز عن الارض.\rوالثاني - أن يكون الحيوان الجارح معلما، لقوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) (2).\rوتعليم ذي الناب أنه إذا أرسل يتبع الصيد، وإذا أخذه أمسكه على صاحبه ولم يأكل منه شيئا.\rوتعليم ذي المخلب أن يستجيب إذا دعي، ويتبع الصيد إذا أرسل، وإن أكل منه فلا بأس به.\rثم أبو حنيفة، في ظاهر الرواية، لا يوقت في التعليم ولكن ينبغي أن يقول أهل العلم بذلك إنه معلم.\r__________\r(1) هو أحمد بن عصمة - أخذ عن نصير بن يحيى عن محمد بن سماعة عن أبي يوسف وكان إماما كبيرا - إليه الرحلة ببلخ.\rتفقه عليه أبو حامد أحمد بن الحسين المروزي.\rومات سنة 336 ه في السنة التي توفي فيهاا أبو بكر الاسكاف.\rوقيل مات سنة 326 ه.\r(2) المائدة: 4.","part":3,"page":74},{"id":829,"text":"وروى الحسن عنه أنه قال: لا يأكل أول ما يصيد ولا الثاني ثم يؤكل الثالث وما بعده.\rوقال أبو يوسف ومحمد: إذا صاد ثلاث مرات ولم يأكل فهو معلم.\rثم إذا صار معلما، من حيث الظاهر، وصاد به صاحبه، ثم أكل بعد ذلك من صيد يأخذه، فقد بطل تعليمه، ولا يؤكل بعد ذلك صيده، حتى يعلم تعليما ثانيا بلا خلاف.\rفأما ما صاده قبل ذلك هل يؤكل جديده وقديمه؟ عند أبي حنيفة: لا يؤكل لانه ظهر أنه صار معلما.\rوعندهما: يحل، لان العالم قد ينسى.\rوالثالث - أن لا يكون الحيوان الجارح الذي يصطاد به محرم العين، كالخنزير، فإنه - وإن كان معلما - لا يحل صيده.\rفأما ما سواه من الجوارح، إذا علم يحل صيده، كالفهد والاسد والذئب والنمر وابن عرس.\rالرابع - أن يكون الارسال ممن هو أهل للذبح، لان الارسال والرمي بمنزلة الذبح، فلا بد من أن يكون المرسل أهلا، من مسلم أو كتابي، مع سائر الشرائط.\rوالخامس - أن يكون الارسال على ما هو صيد مشاهد معاين، بأن رأى صيدا أو جماعة فرمى إليهم.\rفأما التعيين فليس بشرط، حتى أنه لو أصاب صيدا آخر سوى ما عاين، يحل، لان الارسال وجد إلى الصيد، وفي التعيين حرج.\r- ولو أرسل إلى ما ليس بصيد من الابل والبقر والغنم أو الآدمي، فأصاب صيدا، لا يحل، لانه لم يوجد الارسال إلى الصيد.\r- ولو سمع حس صيد، فظنه صيدا، فأرسل عليه كلبه أو رمى","part":3,"page":75},{"id":830,"text":"سهمه إليه، فأصاب صيدا، وبان له أن ما ظنه صيدا فهو غنم أو آدمي، لا يحل، لانه ما أرسل إلى الصيد، لكنه ظنه كذلك.\r- ولو سمع حسا، ولا يعلم أنه حس صيد أو آدمي، فأرسل، فأصاب صيدا، لا يحل.\r- ولو سمع حسا فظنه آدميا، فرماه، وأصاب الذي سمع حسه، فإذا هو صيد - قالوا: يحل لانه رمى إلى محسوس معين، لكنه ظن أنه آدمي، وقصد الآدمي، فظهر أنه بطل قصده، ولكن الرمي صادف محله، وهو الارسال إلى محسوس معين، وهو الصيد، فصح إرساله، وتسميته - كمن أشار إلى امرأته وقال: \" هذه الكلبة طالق \": تطلق، وإن أخطأ الاسم.\r- ولو ظن حسن صيد، فرماه أو أرسل، فإذا هو حس صيد، غير مأكول أو مأكول، وأصاب صيدا آخر: يحل.\rوقال زفر: إن كان صيدا لا يؤكل لحمه: ولا يحل.\rوروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كان خنزيرا لا يحل خاصة.\rوالصحيح قولنا، لان الصيد اسم للمأكول وغيره.\rوالسادس - أن يكون، فور الارسال، باقيا، ولا ينقطع إلى وقت\rالاخذ والاصابة، حتى إنه إذا أرسل إلى صيد وسمى، فما أخذ في ذلك الفور من الصيد فقتله، يحل، فإذا انقطع الفور، بأن جثم على صيد طويلا ثم مر به صيد آخر، فقتله لا يحل الثاني.\r- وكذلك في الرمي إذا تغير، بأن رمى إلى الصيد، فذهب به الريح يمنه أو يسرة، فأصاب صيدا: لا يحل.\r- ولو أصاب السهم حائطا أو صخرة، فرجع السهم، وأصاب الصيد: فإنه لا يؤكل، وهذا لان الارسال انقطع فاحتمل أنه حصل بقوة","part":3,"page":76},{"id":831,"text":"غيره، ولا يحل مع الشك.\rفأما إذا مر على سننه (1): فإن أصاب الحائط، فلا بأس به.\r- ولو أرسل رجلان كلبين، أو رميا سهمين، فأصابا معا صيدا، فقتلاه، فهو بينهما، ولوجود السبب منهما جميعا.\rولو سبق أحدهما، فهو له، لان سبب الملك والذبح وجد منه سابقا، وهو الارسال بأثره، فكان أولى.\rوالسابع - التسمية في حال الارسال، إذا كان ذاكرا لها، لان الارسال والرمي ذبح من الفاعل، تقديرا، فيشترط التسمية عنده، كما في الذبح، ألا أنه لا يشترط على كل صيد بعينه، بخلاف الذبح - على ما مر.\rوالثامن - أن يلحقه المرسل، والرامي، أو من يقوم مقامهما، قبل انقطاع الطلب أو التواري عنه - وهذا استحسان، والقياس أن لا يحل، لاحتمال أنه مات بسبب آخر، لكن ترك القياس بالاثر والضرورة، لانه لا يمكن الاحتراز عنه.\rفأما إذا قعد عن طلبه ثم وجده بعد ذلك ميتا: فلا يؤكل، لانه لا\rضرورة.\rوأصله ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: \" كل ما أصميت ودع ما أنميت \" - وقال أبو يوسف: الاصماء ما عاينه، والانماء ما توارى عنه.\rوالتاسع - أن لا يدرك ذبحة الاختيار بأن كان ميتا.\rفإن كان بحال لا يعيش، ولم يذبحه: ففيه اختلاف، بناء على مسألة المتردية والنطيحة\r__________\r(1) أي مر في طريقة مستقيما كما هو لم يتغير أي لم يرجع عن وجهه.","part":3,"page":77},{"id":832,"text":"والموقوذة: إذا ذبحت هل تحل أم لا؟ - وهي على وجهين: إن كان فيها حياة مستقرة: حلت بالذبح في قولهم جميعا.\rوإن كانت فيها حياة ولكنها غير مستقرة تحل بالذبح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كان فيها من الحياة ما يعيش مثلها: تحل، وإن كان لا يعيش مثلها: لا تحل.\rوقال محمد: إن بقي حيا أكثر من بقاء المذبوح بعد الذبح: يحل.\rإذا ثبت هذا ففي هذه المسألة: إذا وجد حيا: تبطل الذكاة الاضطرارية عند أبي حنيفة وإن لم يكن فيه حياة مستقرة، وعندهما: على الوجه الذي قلنا.\rولو أبان رأس الصيد وسمي، يحل كله.\rولو قطع عضوا منه سوى الرأس، فمات: لم يؤكل العضو المبان.\rويحل الباقي - لان الاوداج تنقطع بإبابنة الرأس، فيكون ذبحا.\rوإذا قطع عضوا غيره، لا يؤكل الجزء المبان، لان الموت حصل والجزء مبان - قال عليه السلام: \" ما أبين من الحي فهو ميت \".\rولو قطع نصفين طولا أو عرضا: يحل أكله، لان الموت يحصل بهذا الفعل، فيكون الكل مذكى ذكاة اضطرار.\rوإن كان أحد النصفين أكثر: فإن كان مما يلي الرأس أقل: يؤكل كله، وإن كان أكثر: أكل مما يلي الرأس ولا يؤكل ما سواه، لان الاوداج متصلة من القلب إلى الدماغ، فمتى كان النصف الذي يلي الرأس أقل، يكون ذكاة بقطع الاوداج، ومتى كان أكثر كان ذكاة الاضطرار فيكون ذلك عند الموت، فيكون الجزء الذي بان، فات حياته قبل الذكاة، فيكون ميتة.\rولو قطع أقل الرأس: لا يحل المبان، ويحل الباقي - لان هذا ذكاة الاضطرار، فلا يحل المبان قبل الموت.","part":3,"page":78},{"id":833,"text":"ولو بقي أقل الرأس وقطع الاكثر: يحل كله، لانه صار ذكاة بقطع العروق.\rولو قطع الرأس نصفين: فعلى قول أبي حنيفة ومحمد: يحل كله وهو قول أبي يوسف الاول ثم رجع وقال: لا يحل المبان، فكان عنده أن العروق متصلة بالنصف الذي يلي البدن، وعندهما: متصلة بالدماغ، فتصير مقطوعة بقطع النصف.","part":3,"page":79},{"id":834,"text":"كتاب الاضحية يحتاج إلى: بيان أن الاضحية واجبة أم لا؟ وإلى بيان شرائط الوجوب، وبيان شرائط الاداء، وإلى بيان كيفية القضاء،\rوإلى بيان ما يجوز في الاضحية وما لا يجوز، وإلى بيان ما يكره.\rأما الاول - فنقول: قال أصحابنا: إن الاضحية واجبة على المقيمين، من أهل الامصار والقرى والبوادي، من الاعراب والتركمان.\rوقال الشافعي: سنة - وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.\rوأجمعوا أنها لا تجب على المسافرين.\rوالصحيح قولنا، لقوله تعالى: \" فصل لربك وانحر \" (1) - قال أهل التفسير: المراد منه صلاة العيد ونحر اللاضحية، والامر للوجوب، والنص ورد في حق المقيم، لان الخطاب للرسول عليه السلام، وهو حكم لا يعرف بالقياس، فلا يتعدى إلى المسافر، كما في االجمعة واليعيدان.\r__________\r(1) الكوثر: 2.","part":3,"page":81},{"id":835,"text":"وأما شرائط الوجوب فمنها - اليسار: وهو اليسار، الذي تعلق به وجوب صدقة الفطر، دون اليسار الذي تعلق به وجوب الزكاة على ما ذكرنا في كتاب الزكاة.\rومنها - الاسلام: لانها عبادة وقربة.\rومنها - الوقت: فإنها لا تجب قبل أيام النحر.\rولهذا لو ولدت المرأة ولدا بعد أيام النحر لا تجب الاضحية لاجله، ولو مات الولد في وسط أيام النحر لا تجب الاضحية، لان الوجوب يتأكد في آخر الوقت.\rوكذا كل من مات من أهل وجوب الاضحية، لما ذكرنا.\rوأما البلوغ والعقل - هل يشترط؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف:\rليس بشرط، حتى تجب على الصغير، إذا كان غنيا، في ماله - حتى لو ضحى الاب أو الوصي من ماله: لا يضمن.\rوعند محمد وزفر: لا يجب على الصغير - حتى يضمن الاب والوصي.\rولو كان مجنونا موسرا: تجب في ماله، ويضحي عنه الولي - هذا هو المشهور، كما في صدقة الفطر.\rوفي رواية فرق بين صدقة الفطر وبين الاضحية وقال: لا تجب الاضحية في ماله.\rولا خلاف بين أصحابنا أنه تجب الاضحية على الموسر بسبب أولاده الصغار، دون الكبار، بمنزلة صدقة الفطر، إذا لم يكن للصغار مال، لكن إذا ضحى من مال الصغير لا يتصدق به، لان الواجب هو الاراقة، فأما التصدق باللحم فتطوع، ومال الصغير لا يحتمل التبرع، فينبغي أن يطعم الصغير، ويدخر له، أو يستبدل لحومه بالاشياء التي ينتفع بها الصغير، مع بقاء أعيانها، كما في جلد الاضحية.","part":3,"page":82},{"id":836,"text":"وأما شرائط الاداء وكيفية القضاء فمنها - وقت الفجر: فإنه لا يصح التضحية إلا في أيام النحر، ولو ذهب الوقت تسقط التضحية.\rإلا أن في حق المقيمين في الامصار يشترط شرط آخر: وهو أن يكون بعد صلاة العيد، بالحديث، حتى إن في حق أهل القرى تجوز التضحية في أول الوقت.\rوإن دخل الرستاقي (1) المصر لصلاة العيد، وأمر أهله بأن يضحوا عنه: لهم أن يضحوا عنه قبل صلاة العيد.\rوالمعتبر مكان الذبيحة لا مكان المذبوح عنه، في ظاهر الرواية.\rوفي\rرواية: مكان المذبوح عنه، وهو قول الحسن.\rوكذلك إذا ترك الصلاة يوم النحر، لعذر أو لغير عذر: يجوز أن يضحي بعد انتصاف النهار.\rوفي اليوم الثاني والثالث، سواء صلوا صلاة العيد أو لم يصلوا: لهم أن يضحوا قبل صلاة العيد، لان الترتيب في اليوم الاول ثبت، بالحديث، غير معقول المعنى فاقتصر عليه إذا صلى أو مضى وقت الصلاة.\rثم أيام النحر ثلاثة: يوم الاضحى وهو العاشر من ذي الحجة، والحادي عشر، والثاني عشر - يجوز التضحية في نهار هذه الايام ولياليها، بعد طلوع الفجر من اليوم الاول إلى غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، غير أنه يكره الذبح بالليل - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: أربعة أيام وزاد اليوم الثالث عشر.\r__________\r(1) الرستاقى نسبة إلى الرستاق معرب ويستعمل في الناحية التى هي طرف الاقليم والجمع رساتيق.","part":3,"page":83},{"id":837,"text":"والصحيح قولنا - لما روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأنس رضي الله عنهم، وغيرهم، أنهم قالوا: \" أيام النحر ثلاثة، أفضلها أولها \" - فإذا مضت هذه الايام، فقد فات الذبح في حق من لم يذبح - حتى لا يجوز له أن يذبح.\rثم إن كان أوجب شاة بعينها، أو اشتراها ليضحي بها، فمضت أيام النحر، قبل أن يذبحها، تصدق بها حية، ولا ينقص منها شيئا من الشعر واللبن، ولا يأكل من لحمها، لانه انتقل الواجب من إراقة الدم\rإلى التصدق.\rوإن لم يوجب، أو لم يشتر، والرجل موسر، وقد مضت أيام النحر، فإن عليه أن يتصدق بقيمة الشاة، التي تجوز في الاضحية لما قلنا.\rوأما بيان ما يجوز في الاضحية، وما لا يجوز وما يكره: وذلك أنواع: منها: أنه لا يجوز في الضحايا والهدايا إلا الثني من الابل البقر والغنم، والجذع من الضأن خاصة إذا كان عظيما.\rثم الثني من الابل عند الفقهاء ابن خمس سنين، ومن البقر ابن سنتين ومن الغنم ابن سنة، والجذع من الابل ابن أربع سنين، ومن البقر ابن سنة، ومن الغنم ابن ستة أشهر - هكذا حكى القدوري.\rوذكر الزعفراني في \" الاضاحي \" وقال: الجذع ابن سبعة أشهر أو ثمانية، فأما ابن ستة أشهر فهو حمل.\rولا يجوز الحمل والجدي والعجل والفصيل في الاضحية.\rولا يجوز في الاضاحي شئ من الوحش، لعدم ورود الشرع، وإن","part":3,"page":84},{"id":838,"text":"كان متولدا، من الوحش والانسى: فالمعتبر فيه جانب الام.\rوالابل والبقر يجوز من سبعة نفر على ما روى جابر أنه قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.\rولا تجوز الشاة عن أكثر من الواحد، وإن كانت عظيمة قيمتها قيمة شاتين، لان القربة إراقة الدم وذلك لا يتفاوت.\rولكن إنما يجوز بشرط أن يكون قصدهم من التضحية التقرب إلى الله\rتعالى، سواء كان من نوع واحد، كما إذا كانوا شركاء في الاضحية أو في الهدي، أو من أنواع مختلفة بأن كان نوى أحدهم الاضحية والآخر الهدي والآخر دم الكفارة ونحو ذلك، ولكن الافضل أن تكون الشركة في نوع واحد.\rفأما إذا كان أحد الشركاء أراد بالذبح اللحم لا التقرب، أو كان أحدهم ذميا - لم يقع عن الاضحية، لانها مما لا يتجزأ، فإذا لم يكن البعض قربة بطل الكل.\rوالنوع الثاني: ما لا يجوز بسبب العيب، وما يكره - فنقول: العيب القليل لا يمنع والكثير يمنع: فذاهبة العين الواحداة، وهي العوراء، ومقطوعة الاذن الواحدة، ومقطوعة الالية والذنب - كلها لا تجوز.\rفأما إذا كان الذاهب بعض بصر العين، أو بعض الاذن الالية والذنب - ففيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية: الثلث وما دونه قليل، وما زاد عليه فهو كثير.\rوفي رواية: الثلث وما زاد فهو كثير، وما دون الثلث قليل.\rوفي رواية أبي يوسف - وهو قوله: النصف وما زاد فهو كثير، وما دون النصف قليل.","part":3,"page":85},{"id":839,"text":"ولا يجوز السكاء التي لا أذن لها في الخلقة، وإن كانت صغيرة: يجوز.\rوالهتماء التي لا أسنان لها: لا يجوز، فإذا كان لها بعض الاسنان: فإن كانت لا تعتلف ويصب في حلقها: لا يجوز، وإن كانت تعتلف: يجوز.\rوالعجفاء التي لا تنقي: لا يجوز.\rوكذلك العرجاء التي لا تمشي إلى المنسك، وإن كانت تقدر على المشي مع العرج: جاز.\rوالثولاء وهي المجنونة: جاز.\rوكذا الجرباء السمينة: جاز.\rوكذلك الخصي: جاز، وعن أبي حنيفة: إنه أحب إلي، لانه أطيب لحما.\rوما جاز مع العيب: فهو مع الكراهة، وإنما المستحب هو السليمة عن العيوب الظاهرة.\rولو اشترى سليمة للاضحية، أو أوجب على نفسه ذبح شاة بعينها، ثم ظهر بها عيب يمنع عن الجواز، يوم النحر، فإنه لا يجوز، لان العبرة لوقت الذبح، لكن إذا اعترضت آفة عند الذبح، بإصابة السكين عينها ونحو ذلك: فلا بأس به، لانه من ضرورات الذبح - وهذا في حق الموسر، لانه وجب عليه أضحية كاملة بإيجاب الله تعالى.\rفأما إذا كان معسرا اشتراها للاضحية، أو أوجبها بعينها، ثم اعترضت آفة مانعة عن الجواز: يجوز له أن يضحي بها، لانها معينة في حقه، ففوات بعضها كفوات كلها، حتى لا يجب عليه شئ، لكونها","part":3,"page":86},{"id":840,"text":"معنية - حتى لو أوجب الفقير أضحية بغير عينها، فاشترى صحيحة ثم تعيبت قبل الذبح بعيب مانع، فضحى، لا يسقط عنه الواجب، لما قلنا.\rولو ذبح إنسان أضحية صاحبه، بغير أمر، جاز، من صاحبه\rاستحسانا.\rوكذلك لو غلطا، فضحى كل واحد منهما أضحية صاحبه، لان الاذن ثابت من حيث العادة، دلالة، ويترادان اللحم، فإن جواز ذلك لصاحبه بالاذن، فإن لم يرض كل واحد منهما بفعل صاحبه، صريحا، يكون أضحية كل واحد ما ضحى بنفسه، وجاز عنه، ويضمن لصاحبه، وصار غاصبا له بالاخذ ويصير مالكا سابقا على الذبح، فيصير مضحيا ملك نفسه، فجاز.\rوكذا من غصب شاة إنسان، وضحى بها: يضمن قيمتها، وتجوز عن أضحيته، في الرواية المشهورة، لما ذكرنا - بخلاف المودع: إذا ذبح الشاة الوديعة وضمن، لا يجوز، لانها لم تكن مضمونة وقت الذبح - لهذا افترقا.\rويكره له أن يحلب لبن الاضحية، وأن يجز صوفها قبل التضحية، لانها من أجزاء الاضحية، ولو فعل يتصدق بها.\rولو باع شيئا منها يتصدق بثمنها.\rوأما بعد الذبح فلا بأس بذلك.\rولو ولدت - قالوا يذبح ولدها معها.\rوقال بعضهم بأنه لا يذبح، ولكن يتصدق بالولد، لانه ليس بمحل للاضحية.\rوللمضحي أن يأكل من أضحيته: إن شاء كلها، وإن شاء أطعم الكل، والاحب أن يتصدق بالثلثين ويأكل الثلث إن كان موسرا.\rوإن","part":3,"page":87},{"id":841,"text":"كان ذا عيال، وهو وسط الحال في اليسار، فله أن يتوسع بها على عياله، ويدخر منها ما شاء وينتفع بجلدها وشعرها، وله أن يستبدلها بشئ\rينتفع بعينه، كالجراب والمنخل والثوب.\rولو باع ذلك أو باع لحمها: فإنه يجوز بيعه، ولا ينقض البيع في جواب ظاهر الرواية، لكن يتصدق بالثمن، وعلى قول أبي يوسف: له أن ينقض البيع، لانه بمنزلة الوقف عنده في قول.","part":3,"page":88},{"id":842,"text":"كتاب الغصب مسائل الغصب تبتنى على: معرفة حد الغصب، وبيان حكمه.\rأما حد الغصب الموجب للضمان - فنقول: هو إزالة يد المالك، أو صاحب اليد، عن المال، بفعل في العين، فأما إثبات اليد على مال الغير، على وجه التعدي، بدون إزالة اليد: فيكون غصبا موجبا للرد، لا موجبا للضمان - وهما عندنا.\rوقال الشافعي: حده إثبات اليد، على وجه التعدي.\rولهذا قلنا: إن من سكن دار غيره، بغير إذنه، وأخرج صاحبها عنها لو كان فيها، أو زرع أرض غيره، بغير إذنه: يكون غصبا موجبا للرد، ولا يكون موجبا للضمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوعلى قول محمد والشافعي: يجب الضمان لو خربت الدار، أو غرق العقار - والمسألة معروفة.\rولو استخدم مملوك رجل بغير إذنه، أو بعثه في حاجة، أو ركب دابته، أو حمل عليها شيئا، فهلكت: فهو ضامن - لما قلنا.\rوإن لم ينقل شيئا مما يحتمل النقل، كما إذا جلس على بساط الغير: لا يضمن.\rولهذا قلنا: إن زوائد الغصب، متصلة كانت أو منفصلة، من الولد","part":3,"page":89},{"id":843,"text":"واللبن والصوف والسمن: لا تكون مغصوبة، خلافا للشافعي، لعدم إزالة اليد.\rولو جاء المالك وطلب الزوائد، فمنعها: يضمن بالاجماع.\rفأما لو باعها وسلمها إلى المشتري: ففي المنفصل: المالك بالخيار: إن شاء ضمن البائع، وإن شاء ضمن المشتري، قيمته، يوم البيع والتسليم.\rفأما في الزوائد المتصلة: فللمالك أن يضمن الغاصب قيمة المغصوب يوم الغصب، وليس له أن يضمنه قيمة الزوائد يوم البيع - إنما له أن يضمن المشتري قيمة الغصوب مع الزوائد المتصلة يوم القبض بالشراء - وهذا قول أبي حنيفة، وعلى قولهما: له أن يضمن البائع أو المشتري، قيمته، يوم البيع والتسليم، مع الزوائد.\rوكذلك الخلاف في إتلاف الزوائد المتصلة في غير الآدمي - هذا هو الصحيح.\rوأما في القتل: فله الخيار بين أن يضمنه بالغصب يوم الغصب، وبين أن يضمنه بالقتل - والمسألة معروفة.\rولهذا قلنا: إن المنافع لا تضمن بالغصب والاتلاف، خلافا للشافعي.\rوصورة الغصب أن يحبس عبد إنسان، بغير إذن مالكه، شهرا، ولم ينتفع به، وكذا الدواب.\rوصورة الاتلاف أن يغصب عبدا أو دابة وانتفع بها - والمسألة\rمعروفة.\rولهذا - لو أجر المغصوب من إنسان شهرا وأخذ الاجرة فإن الاجرة","part":3,"page":90},{"id":844,"text":"ملك الغاصب دون المالك، لان المنافع تحدث في يد الغاصب.\rوأما حكم الغصب.\rفمن حكمه - وجوب رد العين المغصوبة - ما دامت قائمة من غير نقصان - لقوله عليه السلام: \" على اليد ما أخذت حتى ترد \".\rومن حكمه أيضا - وجوب ضمان النقصان إذا انتقص.\rثم لا يخلو: إما أن يكون النقصان بسبب تراجع السعر، أو بفوات جزء من العين، أو بفوات وصف أو معنى مرغوب في العبد تزداد قيمته به.\rأما النقصان بسبب السعر - فغير مضمون في الغصب، لانه فتور يحدثه الله تعالى في قلوب العباد، لا معنى يرجع إلى العين.\rولهذا لا يعتبر في الرهن، والمبيع إذا كان في يد البائع: حتى لا يسقط الدين بقدره، ولا يثبت الخيار للمشتري، لما قلنا.\rوأما النقصان الذي يرجع إلى العين أو الوصف - فلا يخلو: إما إن كان في أموال الربا كالمكيل والموزون الذي لا يجوز بيع البعض بجنسه متفاضلا، أو في غير ذلك.\rفإن كان في أموال الربا - بأن غصب حنطة ونحوها فصب فيها ماء، أو غصب دراهم أو دنانير فانكسرت في يده وصارت قراضة (1): فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه ولا شئ له غير ذلك، وإن شاء تركه وضمنه مثله وزنا ولا يضمن نقصان الضرب.\r- وإن كان إناء فضة فهو بالخيار أيضا: إن شاء أخذه ولا شئ له غير ذلك، وإن شاء ضمنه قيمته من الذهب.\r__________\r(1) قرضه يقرضه قطعه.\rوالقراضة بالضم ما سقط بالقرض.","part":3,"page":91},{"id":845,"text":"- وإن كان الاناء من الذهب: إن شاء أخذه مهشوما، وإن شاء ضمنه قيمته من الفضة، لان الصياغة متقومة، ولحصولها بصنع العباد، ولا يمكن تضمينه بجنسه، لانه يؤدي إلى الربا، فيضمن بخلاف جنسه، حتى لا يفوت حقه.\r- وكذلك آنية الصفر والنحاس والشبه، إن كان يباع وزنا، لانه يدخلها الربا.\rفأما إذا كان يباع عددا لم يكن من مال الربا.\rفأما إذا كان التآلف ليس من أموال الربا - فنقصان الجزء من العور والشلل، ونقصان الوصف كذهاب البصر والسمع، أو ما يفوت به من معنى من العين كنسيان الحرفة ونحوه، أو حدث به عيب ينقص قيمته كا لا باق والجنون والكبر في العبد والجارية: فمضمون عليه.\rأما نبات اللحية في الغلام الامر فليس بنقص - فيقوم العبد صحيحا لا عيب فيه ولا نقص، يقوم وبه العيب والنقص فيضمن قدر ذلك لصاحبه، لانه فات حقه.\rوعلى هذا - إذا غصب عصيرا فصار خلا، أو عنبا فصار زبيبا، أو لبنا فصار رائبا، ورطبا فصار تمرا - فصاحبه بالخيار: إن شاء إخذه عينه ولا شئ له، وإن شاء ضمنه مثله وسلم له ذلك كله لانه من أموال الربا.\r- وإن كان تبر ذهب أو فضة، فصاغ منه إناء أو حليا أو دارهم أو\rدنانير: فإنه يأخذ ذلك كله في قول أبي حنيفة ولا يعطيه لعمله شيئا.\rوعندهما: لا سبيل له على المصوغ.\rوعليه مثله - فعند أبي حنيفة: هذا الوصف لا قيمة له في مالية العين، لانه لا يزيد في العين، بخلاف الصنعة في غير أموال الربا.\r- ولو غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه فهو بالخيار: إن شاء أخذه ناقصا","part":3,"page":92},{"id":846,"text":"مقطوعا وضمنه ما نقص بالقطع، وإن شاء تركه وضمنه قيمة الثوب، يوم غصبه، لانه فوت عليه منفعة معتبرة، وهو ليس من أموال الربا.\r- وكذلك إذا غصب شاة، فذبحها، ولم يشوها: فله الخيار بين أن يأخذ الشاة وأخذ قيمة ما نقصها، وإن شاء تركها وأخذ قيمتها منه.\rوروي عن أبي حنيفة أن المالك بالخيار: إن شاء أخذها ولا شئ له غيرها، وإن شاء تركها وضمنه قيمتها يوم غصبها، لان الذبح زيادة.\rفأما إذا زاد المغصوب سمنا، فنفقة الغاصب، أو كان مريضا فداواه حتى صح، أو كان زرعا أو أشجارا فسقاها حتى نما وانتهى فإنه يأخذه، ولا شئ عليه بسبب الزيادة، لان ذلك لم يحصل بفعله.\rأما إذا كان زيادة حصلت بفعله ظاهرا - فهي أنواع: نوع منه ما يكون استهلاكا للعين معنى، ونوع هو استهلاك من وجه.\rوالجواب في الفصلين واحد: في أنه ينقطع حق المالك عن العين، ويصير ملكا للغاصب، ويضمن الغاصب مثله أو قيمته.\rولكن يختلفان في أحكام أخر حتى إن الزيادة في الثمن والمثمن لا تجوز في الفصل الاول، لصيرورة المبيع هالكا، وتجوز في الفصل الثاني - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: تكون الزيادة ملكا للمالك، ولا ينقطع حقه عن\rالعين بالضمان.\rأما نظير الاستهلاك فبأن كان حنطة فطحنها الغاصب، أو بيضا فخضبه، أو دقيقا فخبزه، أو قطنا فغزلها، أو غزلا فنسجه، أو سمسما فعصره، أو حنطة فزرعها.\rونظير الفصل الثاني - أن قطع الثوب قميصا أو قباء فخاطبه، أو كان","part":3,"page":93},{"id":847,"text":"لحما فشواه أو غصب ساجة (1) فأدخلها في بنائه، أو لبنا أو آجرا فجعلها في أساس حائطه، أو غصب فسيلا (2) فكبر، ونحو ذلك.\rثم هذه الزوائد التي صارت ملكا للغاصب: لا يباح له الانتفاع به، وعليه أن يتصدق لانه حصل بسبب خبيث.\rولو باع أو وهب: يجوز، لكونها ملكا له.\rوروي عن أبي يوسف وزفر أنه يباح له الانتفاع بها إلا أن عند أبي يوسف بعد إرضاء صاحبه بأداء الضمان، وعند زفر كيفما كان.\rوما قالا قياس، وجواب ظاهر الرواية استحسان.\rونوع آخر: ما هو زيادة في العين وليس بإتلاف من وجه، وهو الصبغ: إذا صبغه أصفر أو أحمر أو أخضر ونحوها، فأما إذا صبغه أسود: فهو نقصان عند أبي حنيفة، وعندهما زيادة.\rثم الجواب في الصبغ الذي هو زيادة أن صاحب الثواب بالخيار: إن شاء ترك الثوب عليه وضمنه قيمته أبيض، وإن شاء أخذه مصبوغا وضمن له ما زاد الصبغ فيه.\r- ولو غصب صبغ إنسان فصبغ به ثوبه: فعليه مثله، والثوب المصبوغ له.\r- ولو وقع ثوب رجل في صبغ إنسان، فانصبغ: فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء أخذه وأعطى ما زاد فيه الصبغ.\rوإن شاء يبيع الثوب فيأخذ رب الثوب من الثمن قيمة ثوب أبيض، ويأخذ صاحب الصبغ\r__________\r(1) الساجة مفرد ساج وهو ضرب عضيم من الشجر لا ينبت إلا بالهند ويجلب منها، وقال الزمخشري: الساج خشب أسود رزين يجلب من الهند ولا تكاد الارض تبليه.\rوقال بعضهم: الساج يشبه الابنوس وهو أقل سوادا منه.\r(2) الفسيل صغار النخل.","part":3,"page":94},{"id":848,"text":"قيمة صبغة في الثوب للحال، لان الصبغ ينقص ولا صبغ له فيه.\r- فأما إذا قصر الثوب المغصوب: فيأخذه صاحبه، ولا شئ عليه لانه ليس فيه زيادة في ثوب.\r- ولو غصب خمر مسلم، فخلله: لا ينقطع حق المالك، وله أن يأخذه، لانه ليس فيه مال قائم.\r- ولو استهلك الغاصب الخل فإنه يضمن خلا مثله.\r- ولو غصب عصير مسلم فتخمر عنده: يضمن قيمة العصير، لانه صار مستهلكا في حق المسلم معنى.\r- ولو غصب خمر مسلم، فاستهلكه: لا ضمان عليه، لانه لا قيمة لها.\r- ولو استهلك خمر ذمي أو غصب، فهلكت عنده: يضمن قيمتها.\rولو أتلفها الذمي: يضمن مثلها - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يضمن.\r- وكذا إذا أتلف الخنزير: فهو على هذا الاختلاف - والمسألة\rمعروفة.\r- ولو غصب جلدا فدبغه: فإن كان جلدا لمذكى ودبغه بما لا قيمة له، مثل الماء والتراب: فلصاحبه أن يأخذه ولا شئ عليه، لانه ليس فيه عين مال من جهة الغاصب بل هو بمنزلة الغسل.\rوإن دبغه بما له قيمة، مثل العفص والقرظ: فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه قيمته غير مدبوغ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه، لان له فيه عين مال قائم، فصار كالصبغ في الثوب.\rوإن كان جلد ميتة، أخذه من بيت صاحبه.\rفدبغه بما ليس له","part":3,"page":95},{"id":849,"text":"قيمة: فلصاحبه أخذه بلا شئ.\rوإن دبغه بما له قيمة: فلصاحبه أن يأخذه، ويغرم له ما زاد الدباغ فيه، لان الجلد صار مالا، بمال الغاصب، وهو عين قائم.\rولو هلك عند الغاصب: لا ضمان عليه، بالاجماع، لان الدباغ ليس بإتلاف.\rفأما إذا استهكله: فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن قيمة الجلد مدبوغا، وبنقص عنه ما زاد الدباغ فيه - والمسألة تذكر في الخلافيات.\rوأما إذا أتلف الغاصب المغصوب على وجه يبقى منتفعا به، أو هلك على وجه لا ينتفع به، بأن احترق ونحوه، ينظر: إن كان مثليا: يضمن مثله، وإن لم يكن مثليا: يلزمه قيمته يوم الغصب، لانه صار متلفا من ذلك الوقت.\rومتى ضمن واختار المالك الضمان، فإنه يملك المغصوب من وقت الغصب بطريق الظهور، أو بطريق الاسناد على حسب\rما قيل فيه - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يملك.\r- وكذلك إذا أبق العبد لم يعرف قيامه بتصادقهما، أو قامت البينة على الموت: فهو على هذا الخلاف.\rولو ظهر حيا: لا يعود: ملك المالك فيه، عندنا - خلافا للشافعي.\rولقب المسألة: المضمونات هل تملك بأداء الضمان أم لا - وهي مسألة معروفة.\rولو أنه هلك المغصوب المثلي أو انقطع المثلي عن أيدي الناس، واختصما في حال انقطاعه، فإن القاضي يقول له: إن شئت تتربص حتى","part":3,"page":96},{"id":850,"text":"تأخذ مثل حقك في أوانه، وإن شئت تأخذ القيمة، فإن اختار أخذ القيمة كيف يحكم بذلك؟ قال أبو حنيفة يحكم على الغاصب بقيمته يوم الخصومة.\rوقال أبو يوسف: يوم الغصب.\rوقال محمد: يحكم بقيمته عند آخر انقطاعه.\rوالصحيح قول أبي حنيفة، لانه حقه عن العين إنما ينقطع يوم الخصومة، حيث اختار القيمة فيجب اعتبار القيمة، فيجب اعتبار القيمة في هذا الوقت.\rولو غصب جارية، فولدت عند الغاصب ولدا، وانتقصت بالولادة، فردها على المالك - هل يضمن نقصان الولادة؟ إن كان في الولد وفاء به، أو قيمته أكثر: فإنه ينجبر النقصان به، وعليه أن يرد الجارية مع الولد، ولا يضمن النقصان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يضمن.\rوإن لم يكن في الولد وفاء به: أو قيمته أكثر: فإنه ينجبر النقصان به، وعليه أن يرد الجارية مع الولد، ولا يضمن النقصان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يضمن.\rوإن لم يكن في الولد وفاء به: فإنه ينجبر بقدره، ويضمن الباقي.\rولو ماتت من الولادة، وبقي ولدها: فإنه يضمن قيمتها يوم الغصب، ولا ينجبر النقصان، بالولد، في ظاهر الرواية.\rوفي رواية أخرى: ينجبر.\rولو هلك الولد قبل الرد: يجب عليه نقصان الولادة، وجعل كأن الولد لم يكن.\rهذا إذا كان الحبل عند الغاصب من الزنا.\rفأما إذا كان الحبل من المولى أو من الزوج: فإنه لا يضمن الغاصب، وإن ماتت الجارية، لان","part":3,"page":97},{"id":851,"text":"التلف حصل بسبب من جهة المولى، فصار كما لو قتلها المولى في يد الغاصب.\rوالله أعلم.","part":3,"page":98},{"id":852,"text":"كتاب الديات يحتاج إلى: بيان القتل الموجب للقصاص، والقتل الموجب للدية.\rوإلى بيان مقدار الدية، وكيفيتها: في النفس، وما دون النفس، وعلى من تجب.\rأما بيان الاول - فنقول:\rإن الجناية على الآدمي نوعان: في النفس، وما دون النفس.\rوكل واحد منهما على نوعين: موجب للقصاص، وموجب للمال.\rأما الجناية في النفس الموجبة للقصاص: فنوع واحد، وهو القتل العمد، الخالي عن الشبهة - لقوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) (1) وقوله عليه السلام: \" العمد قود \" (2) وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: في قول: يجب به أحدهما: إما القتل أو الدية، والخيار إلى الولي، وفي قول: الواجب هو القصاص عينا، لكن للولي حق العدول إلى المال، من غير رضا القاتل.\r__________\r(1) البقرة: 178.\r(2) القود القصاص يقال: استقدمت الامير من القاتل فأقادني منه أي طلبت منه أن يقتله ففعل.\rوأقاد فلانا بفلان قتله به.","part":3,"page":99},{"id":853,"text":"ولا خلاف أنه إذا لم يقدر على استيفاء القصاص من كل وجه، فإن له حق العدول إلى المال - فإن من قطع يد إنسان ويد القاطع شلاء أو منقوصة بإصبع، أو شج رأس إنسان ورأس الشاج أصغر أو أكبر، فإنه لا يجب القصاص عينا، بل الولي بالخيار في ذلك - والمسألة معروفة.\rوكذلك إذا تعذر استيفاء القصاص لمعنى: فإنه يجب المال - حتى إن القصاص إذا كان مشتركا بين رجلين فعفا أحدهما: فإنه ينقلب نصيب الآخر مالا.\rوكذلك الخاطئ مع العامد، أو الصغير الكبير، أو المجنون والعاقل - إذا اشتركا في القتل وتعذر استيفاء القصاص في حق أحد\rالشريكين: فإنه يجب المال عليهما، نصفين.\rوأما الاب والاجنبي إذا اشتركا في قتل ابن: فلا يجب القصاص على الاب بالاجماع، ولا يجب على الشريك عندنا - ولكن يجب المال، وعند الشافعي: يجب القصاص على الاجنبي - والمسألة معروفة.\rولو وجد القتل العمد من الجماعة في حق الواحد: فإنهم يقتلون به، بالاجماع - قال عمر رضي الله عنه: \" لو اجتمع أهل صنعاء على قتله لقتلتهم به \".\rوأما الواحد إذا قتل جماعة: فإنه يقتل ولا يجب شئ من الدية.\rوعند الشافعي: يجمع بين القتل والدية، فيكون القتل بمقابلة الواحد، وتجب الدية في حق كل واحد من الباقين - والمسألة معروفة.\rولو قطع جماعة يد واحد: لا تقطع أيديهم بها، ولكن يجب عليهم دية اليد.\rوأما الواحد إذا قطع يد جماعة: فإنه تقطع يده، يجب عليه الدية في الباقين.","part":3,"page":100},{"id":854,"text":"وعند الشافعي: الايدي تقطع بيد واحدة - والمسألة معروفة.\rولهذا قلنا: إن الحر يقتل بالعبد، خلافا للشافعي.\rوالعبد يقتل بالحر، بالاجماع، ويجري القصاص بين الصغير والكبير والذكر والانثى، والمسلم والذمي، في النفس، لما تلونا من النص - خلافا للشافعي.\rوأجمعوا أن المسلم لا يقتل بالمستأمن.\rوكذلك الذمي.\rوأما المستأمن هل يقتل بالمستأمن؟ فيه روايتان.\rولو قتل إنسان رجلا عمدا، فحق استيفاء القود إلى الولي الكبير إن\rكان واحدا، ولو كانوا أكثر: فللكل.\rفأما إذا كان الكل صغارا: فقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا: الاستيفاء إلى السلطان، وبعضهم قالوا: ينتظر إلى بلوغهم أو بلوغ أحدهم.\rأما إذا كان البعض كبارا والبعض صغارا: فقد قال أبو حنيفة: للكبير ولاية الاستيفاء - وعلى قولهم: يؤخر إلى وقت بلوغ الصغار - والمسألة معروفة.\rوأما اللقيط إذا قتل عمدا: فولاية استيفاء القصاص إلى السلطان عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعند أبي يوسف: لا يستوفي، ولكن تجب الدية وهي مسألة كتاب اللقيط.\rوأما القتل الموجب للمال: فأنواع: عمد محض فيه شبهة، وشبه العمد، وقتل الخطأ، والقتل بطريق التسبيب.\rأما الاول: فما ذكرنا من قتل المستأمن ونحوه.","part":3,"page":101},{"id":855,"text":"وعلى هذا قال أبو حنيفة، من له القصاص في الطرف إذا استوفى الطرف، وسرى إلى النفس، ومات - لا يجب القصاص، لاجل الشبهة، وتجب الدية، وعلى قولهم: لا يجب شئ.\rوأجمعوا أن الامام إذا قطع يد السارق، أو البزاغ (1)، أو الختان، والفصاد، والمأمور بقطع اليد: إذا سرى فعلهم، لا يجب عليهم شئ - وهي تعرف في الخلافيات.\rولهذا قال أبو حنيفة: من له القصاص في النفس إذا استوفى في الطرف، ثم عفا عن النفس، وبرأ (2)، لا يقطع طرفه، ولكن يجب أرش اليد عند أبي حنيفة، وعندهم: لا يجب شئ.\rولو سرى إلى النفس: لا يجب شئ.\rوعلى هذا قال أبو حنيفة: من شج رأس إنسان، فعفى عنها، ثم سرى إلى النفس: تجب الدية دون القود.\rوقالوا: لا يجب شئ.\rومن قال لغيره: \" اقتلني \" - فقتله عمدا أم خطأ، تجب الدية دون القود، في ظاهر الرواية.\rوروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب شئ.\rولو قال: \" اقتل عبدي \" - فقتله، لا يجب شئ لانه أمره فيما هو حقه.\rولو قال له: \" اقتل ولدي \" ولا وارث له سوى الاب، فقتله: يقتل القاتل لانه لا حق له في دم ولده، بخلاف نفسه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: تجب الدية، استحسانا.\r__________\r(1) البزاغ الحاجم وهو من يشرط ويسيل الدم.\r(2) أي طرف المقتص.","part":3,"page":102},{"id":856,"text":"ولو عفا المجروح عن الجراحة، ثم مات منه - صح عفوه، استحسانا.\rوكذلك الوارث: إذا عفا قبل موت المجروح، يصح العفو، استحسانا، لان له حقا.\rولو قال الرجل: \" اقتل أخي \" وهو وارثه، فقتل، لا يجب القود، استحسانا، وتجب الدية، وعند زفر: يقتل - ولهذا نظائر.\rوأما الثاني:\rفهو القتل بآلة لم توضع له، ولم يحصل به الموت غالبا، مثل السوط الصغير، والعصا الصغيرة: فإنه يوجب المال، دون القصاص - بالاجماع.\rفأما القتل بالعصا الكبيرة، وبكل آلة يحصل بها الموت غالبا، لكنها لا تجرح: فعند أبي حنيفة: هو شبه العمد، لا يوجب القود.\rوعندهما: يوجب القود - وهو قول الشافعي.\rوعلى هذا: إذا ضرب بالسوط الصغير، ووالى في الضربات، حتى مات: لا يجب القود عند أبي حنيفة، وعندهم: يجب - والمسألة معروفة.\rوأما القتل الخطأ: فهو أن يرمي سهما إلى صيد فأصاب آدميا، أو أراد أن يطعن قاتل أبيه فتقدمه رجل، فوقع فيه، ونحو ذلك.\rوهو موجب للمال، دون القصاص، بالاجماع - لقوله تعالى: \" ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله \" (1).\r__________\r(1) سورة النساء: 92.","part":3,"page":103},{"id":857,"text":"وأما القتل بطريق التسبيب: فنحو من حفر بئرا على قارعة الطريق، فوقع فيه إنسان، ومات - فإنه يجب عليه الدية، دون القصاص، بالاجماع، لانه مسبب للقتل، وليس بمباشر لان الحفر ليس بقتل.\rوعلى هذا - شهود القصاص إذا رجعوا: لا يجب عليهم القصاص، ولكن تجب عليهم الدية، عندنا، خلافا للشافعي، لانه لم يوجد منهم القتل مباشرة، وإنما وجد منهم سبب القتل.\rوأما بيان حكم ما دون النفس - فنقول: كل ما يمكن فيه القصاص، وهو الفعل العمد الخالي عن الشبهة، فإنه يوجب القصاص.\rوكل ما لا يمكن القصاص، وهو الفعل الخطأ وما فيه شبهة: ففي بعض الاعضاء تجب دية كاملة، وفي بعض الاعضاء يجب أرش مقدر، وفي البعض تجب حكومة العدل - فنقول: لا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجري القصاص فيما دون النفس بين العبيد، ولا بين الاحرار والعبيد، ولا بين الذكر والانثى - لان القصاص فيها مبني على التساوي في المنافع والاروش، ولا مساواة بين هؤلاء في منافع الاطراف والاروش، ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء ولا بمنقوصة الاصابع.\rوكذا لا تقطع اليمنى إلا باليمنى، ولا اليسرى إلا باليسرى.\rوكذلك في أصابع اليدين والرجلين: يؤخذ إبهام اليمنى بإبهام اليمنى، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، ولا يقطع الاصابع إلا بمثلها من القاطع.\rوكذلك لا تؤخذ العين اليمنى باليسرى، ولا العين اليسرى باليمنى.","part":3,"page":104},{"id":858,"text":"وكذلك في الاسنان: الثنية بالثنية، والناب بالناب، والضرس بالضرس، ولا يؤخذ الاعلى بالاسفل، ولا الاسفل بالاعلى، لما ذكرنا من التفاوت في المنافع: وإنما يجري القصاص فيما يمكن فيه التساوي لا فيما لا يمكن.\rولهذا - لو قطع الكف من المفصل أو من المرفق أو من الكتف يجب القصاص.\rولو قطع من الساعد أو من العضد: لا يجب، لانه لا يعرف\rالتساوي.\rوكذلك كل ما كان في غير المفاصل.\rوكذلك في الاسنان: إذا قلع أو كسر: يجب القصاص: فيقلع سن القالع، ويكسر، بقدره بالمبرد.\rوأما العين إن قورت: فلا يمكن القصاص فيها: فإن كانت العين قائمة وذهب ضوءها: فالقصاص ممكن، بأن يجعل على وجه القطن المبلول وتحمى مرآة وتقرب من عينه حتى يذهب ضوءها.\rوروي عن أبي يوسف أنه لا يجب القصاص في الاحول، لان الحول نقص في العين والمماثلة شرط.\rوفي الاذن إذا قطعت كلها، أو بعضها معروفا - يقتص.\rوأجمع أصحابنا على القصاص في الحشفة والمارن (1).\rواختلف أبو يوسف ومحمد في الانف والذكر واللسان إذا استوعب كل واحد منهما: فعند أبي يوسف: يجب القصاص، وعند محمد: لا يجب.\rوإنما يريد بقطع الانف كل المارن، فأما قصبة الانف فعظم وأجمعوا أنه لا يجب القصاص في العظم، لعدم الامكان.\rوفي حلق اللحية، والرأس، والحاجب، والشارب إذا لم ينبت: لا\r__________\r(1) المارن ما دون قصبة وهو ما لان منه.","part":3,"page":105},{"id":859,"text":"يجب القصاص، وروي في النوادر أنه يجب القصاص.\rوأما في الشجاج فلا خلاف أنه يجب القصاص في الموضحة، بأن ينتهي السكين إلى العظم، ولا خلاف أنه لا يجب القصاص فيما بعد الموضحة من الهاشمة وغيرها.\rوأما فيما قبل الموضحة: فقد ذكر في \" الاصل \" أنه يجب القصاص، لانه يمكن تقدير غور الجراحة بمسمار ثم يعمل حديدة على قدرها، فتغمد\rفي اللحم إلى آخرها، فيستوفى، مثل ما فعل.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجب به القصاص.\rوأما بيان وجوب الدية، ومقدارها، وكيفيتها فنقول: الجناية الموجبة للدية إما إن كانت في النفس، أو فيما دونها.\rأما إذا كانت في النفس: ففيما بين الاحرار تجب دية كاملة، يستوي فيها الصغير والكبير، والوضيع والشريف، والمسلم والذمي.\rوقال الشافعي: في دية اليهود والنصارى أربعة آلاف درهم فضة، وفي المجوس ثمانماثة درهم.\rثم مقدار الدية في الاحرار ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم فضة، أو مائة من الابل - كل واحدة أصل: وهو الظاهر في قول أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف ومحمد كذلك، وقالا من البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الحلل مائتا حلة: كل حلة ثوبان: إزار ورداء.\rوروي عن أبي حنيفة في كتاب المعاقل ما يدل على مثل قولهما، فإنه قال: إذا صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة أو مائتي حلة: لم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولو لم تكن هذه الاشياء أصولا لجاز","part":3,"page":106},{"id":860,"text":"الصلح على أكثر منها، كما لو صالح على عروض أخر تزداد قيمتها على الدية - وهذا عندنا.\rوقال الشافعي: من الابل والدنانير مثل قولنا، وفي الدراهم قال: اثني عشر ألفا.\rوأصله ما روى عبيدة السلماني (1) عن عمر أنه قضى في الدية من\rالدراهم بعشرة آلاف، ومن الدنانير بألف، ومن الابل بمائة، ومن البقر بمائتين، ومن الشياه بألفين، ومن الحلل بمائتين.\rوأما كيفية الاسنان في الابل: فقال أصحابنا في دية الخطأ: إنها خسمة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة - وهو قول ابن مسعود.\rوقال الشافعي: عشرون ابن لبون مكان ابن مخاض.\rوأما دية شبه العمد - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف أرباعا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة - وهو قول ابن مسعود.\rوقال محمد: في شبه العمد: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها، كلها خلقة - وهو قول عمر وأبي موسى الاشعري والمغيرة رضي الله عنهم.\r__________\r(1) هو أبو مسلم ويقال أبو عمرو عبيدة بن قيس وقيل عبيدة بن عمرو وقيل عبيدة بن قيس بن عمرو ويقال له السلماني نسبة إلى بني سلمان بطن من مراد.\rأسلم قبلل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين ولم يره.\rوسمع عمر بن الخطاب وعليا وابن مسعود وابن الزبير.\rوهو مشهور بصحبة علي.\rوروى عنه الشعبي والنخعي وابن سيرين وغيرهم.\rنزل الكوفة وورود المدينة وحضر مع علي قتال الخوارج.\rوكن أحد أصحاب ابن مسععود الذين يقرؤون ويفتنون.\rوكان رابع أربعة بالكوفة أما الثلاثة الآخرون فهم الحارث وعلقمة وشريح.\rوتوفي سنة 72 وقيل سنة 73 وقيلل سنة 74 ه.","part":3,"page":107},{"id":861,"text":"وذكر في \" الاصل \": وعن علي رضي الله عنه أنه قال في شبه العمد أثلاث: ثلاثة وثلاثون حقة، وثلاثة وثلاثون جذعة، وأربعة\rوثلاثون خلفة في بطونها أولادها.\rوأما حكم الجناية فيما دون النفس خطأ - فنقول: قد تجب دية كاملة بتفويت العضو، وقد تجب الدية بتفويت معنى في النفس تفوت به النفس حكما في حق جنس المنفعة، قد يجب أرش مقدر، وقد تجب حكومة العدل.\rفأما العضو الذي يجب كمال الدية بتفويته: فهو العضو الذي لا نظير له في البدن يفوت به جمال كامل، أو منفعة بها قوام النفس، وذلك نحو اللسان كله، والانف كله والذكر كله.\rوتجب أيضا بقطع الحشفة والمارن، وبعض اللسان إذا كان يمنعه من الكلام، وكذا الافضاء بين السبيلين بحيث لا يستمسك البول والغائط.\rوكذا حلق شعر رأس الرجل والمرأة وحلق لحية الرجل بحيث لا ينبت - وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: تجب حكومة العدل.\rوأما حلق لحية العبد: ذكر في \" الاصل \": تجب فيه حكومة العدل، وفي رواية الحسن: تجب قيمة العبد.\rوقال أبو جعفر الهندواني: إنما تجب الدية بحلق اللحية إذا كانت كاملة يتجمل بها، فإن كانت طاقات لا يتجمل بها: فلا شئ فيها.\rوكذلك في لحية تشين ولا تزين، بأن كانت على ذقنه شعرات.\rوإن كانت لحية يقع بها الجمال في الجملة، ولا يقع بها الشين: تجب فيها حكومة العدل.","part":3,"page":108},{"id":862,"text":"وأما فوات المعنى: فهو ذهاب العقل، والبصر، والسمع، والشم، والذوق، والكلام، والجماع، مع قيام الآلة التي قوم بها هذه المنافع صورة - فتجب بكل واحد منها الدية.\rوإنما يعرف فوات البصر بأن يلقى بين يديه\rحية، فإن هرب يعلم أن بصره باق.\rوفي السمع يتغفل ثم ينادي، فإن أجاب يعلم أنه لم يفت سمعه.\rوأما العضو الذي في البدن منه اثنان - العينين، والاذنين، والشفتين، والحاجبين إذا حلقا على وجه لا ينبتان، واليدين، والرجليين، وثديي المرأة وحلمتيهما - ففيها الدية، وفي واحد من ذلك نصف الدية وفي الانثيين: إن قطعهما مع الذكر جملة، من جانب واحد، في حالة واحدة، فإنه يجب عليه ديتان: دية بإزاء الذكر، ودية بإزاء الانثيين.\rوإن قطع الذكر أولا، ثم الانثيين: يجب ديتان أيضا، لان بعد قطع الذكر منفعة الانثيين قائمة، وهي إمساك المني.\rوأما إذا قطع الانثيين أولا، ثم الذكر: تجب الدية بقطع الانثيين، لزوال منفعة مخصوصة، وتجب بقطع الذكر حكومة العدل، لان منفعة الايلاد بطلت فوات الانثيين.\rوفي أشفار العينين كلها الدية، وفي كل واحد منهما ربع الدية إذا لم ينبت.\rوكذا في قطع الاجفان مع الاشفار: تجب دية كاملة وتصير الاجفان تابعة للاشفار.\rفأما إذا قطع الاجفان التي لا أشفار لها: تجب حكومة العدل - وصار","part":3,"page":109},{"id":863,"text":"كقطع الاصابع وحدها: يوجب دية كاملة، لان الكف تبع.\rولو قطع الكف بدون الاصابع تجب حكومة العدل.\rولو قطع الكف مع الاصابع تجب دية واحدة، لان الكف تبع - كذا هذا.\rوفي أصابع اليدين\rأو، والرجلين، كلها الدية الكاملة.\rوفي كل إصبع عشر الدية - لا فضل للكبيرة على الصغيرة.\rثم ما كان من الاصابع فيه ثلاثة مفاصل ففي كل مفصل ثلث دية الاصبع، وما كان فيه مفصلان ففي كل واحد منهما نصف دية الاصبع.\rوإصبع اليد والرجل في الارش سواء.\rوفي الاسنان - في كل سن إذا سقطت خمسمائة درهم، ستوى فيه الاضراس والثنايا وغيرها.\rفإذا اسودت السن من الضربة أو أحمرت أو اصفرت: ففيه الارش تاما عند أبي حنيفة.\rوقد روى أبو يوسف عنه أنه قال: فيها حكومة العدل.\rوروى محمد عنه أنه قال: إن كان حرا فلا شئ عليه، وإن كان عبدا ففيه حكومة العدل.\rوقال: فيها حكومة العدل.\rثم هذا الحكم في الاسنان بعد أن يستأنى بها سنة فإن نبتت بيضاء مستقيمة: فلا شئ عليه.\rوإن نبتت سوداء أو حمراء أو صفراء أو خضراء: جعلت كأن لم تكن، لانه لم يحصل بها الجمال والمنفعة.\rوأما الشجاج (1) - فقد ذكر المشايخ أن الشجاج إحدى عشرة شجة:\r__________\r(1) يلاحظ أن الشجاع تخصص بالوجه والرأس أما الجراح ففي سائر البدن (أي غير الوجه والرأس).","part":3,"page":110},{"id":864,"text":"أولها الخادشة - وهي التي تخدش الجلد.\rوبعدها الدامعة - وهي التي يخرج منها ما يشبه الدمع.\rوبعدها الدامية وهي التي يخرج منها الدم.\rوبعدها الباضعة - وهي التي تبضع اللحم.\rوبعدها المتلاحمة - وهي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة - هكذا روي عن أبي يوسف.\rوقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة وهي التي يتلاحم فيها الدم ويسود.\rوبعدها السمحاق - وهي التي تصل إلى جلدة رقيقة فوق العظم: تلك الجلدة تسمى السمحاق.\rثم الموضحة - وهي التي توضح العظم.\rثم الهاشمة - وهي التي تهشم العظم.\rثم المنقلة - وهي التي يخرج منها العظم على وجه النقل.\r- ثم الآمة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ.\rثم الدامغة - وهي التي تخرق الجلدة وتصل إلى الدماغ.\rفهذه أحدى عشرة شجة.\rولم يذكر محمدا لخادشة، ولا الدامغة، لانه لا يتصل بهما الحكم غالبا لان الخادشة لا يبقي لها أثر ولا حكم للشجة التي لا يبقى لها أثر، والدامغة لا يعيش معها الانسان فيكون حكمه حكم القتل.\rثم في الشجاج التي قبل الموضحة تجب حكومة العدل.\rوفي الموضحة تجب خمس من الابل.","part":3,"page":111},{"id":865,"text":"وفي الهاشمة عشر من الابل.\rوفي المنقلة خمسة عشر من الابل.\rوفي الآمة ثلث الدية.\rثم مواضع الشجاج عندنا هو الرأس، والوجه في مواضع العظم مثل: الجبهة، والوجنتين، والصدغين، والذقن، دون الخدين ولا تكون الآمة إلا في الرأس، وفي الوجه في الموضع الذي يخلص منه إلى الدماغ.\rوالصغيرة والكبيرة في ذلك سواء، لقوله عليه السلام: \" في الموضحة خمس من الابل من غير فصل.\rثم الجراح في سائر البدن - ليس في شئ منها أرش معلوم، سوى الجائفة، وهي الجراحة النافذة إلى الجوف، والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف هي: الصدر، والظهر، والبطن، والجنبان دون الرقبة، والحلق، واليدين والرجلين - وفيها ثلث الدية.\rفإذا نفذت إلى الجانب الآخر، فهي جائفتان، وفي كل واحدة منهما ثلث الدية، فإنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية، وذلك بحضرة الصحابة، من غير خلاف.\rوأما ما يجب حكومة العدل فيه - فقد ذكرنا بعضه.\rومن ذلك: كسر الضلع، وكسر قصبة الانف، وكسر كل عظم من البدن، سوى السن: فيه حكومة العدل.\rوكذا في ثدي الرجل، وفي حلمة ثدييه حكومة عدل دون ذلك، وفي أحدهما نصف ذلك.\rوفي لسان الاخرس، وذكر الخصي، والعنين، والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السوداء، واليد الشلاء، والذكر المقطوع","part":3,"page":112},{"id":866,"text":"الحشفة، والكف المقطوع الاصابع، وكسر الظفر وقلعه بحيث لا ينبت أو نبت مع العيب.\rوأما الصبي الطفل: ففي لسانه حكومة عدل، ما لم يتكلم.\rوفي يده ورجله، وذكره إذا كان يتحرك، مثل الكبير: وفي المارن والاذن: المقصود هو الجمال، فحكمه حكم الكبير، وفي المعين إذا وجد ما يستدل به على البصر كالكبير.\rوفي حلق رأس إنسان إذا نبت أبيض: على قول أبي حنيفة: لا يجب شئ إذا كان حرا، لان الشيب ليس بعيب، وإن كان عبدا يجب ما نقصه، وقال أبو يوسف: تجب حكومة العدل فيهما.\rوفي ثدي المرأة المقطوعة الحلمة والانف المقطوع الارنبة، والجفن الذي لا أشفار له - حكومة العدل.\rثم الشجة إذا التحمت ونبت الشعر - لا يجب فيها شئ على الشاج عند أبي حنيفة، لان الشين الذي لحقه بسببه قد زال.\rوقال أبو يوسف: تجب عليه حكومة عدل في الالم.\rوقال محمد: يلزمه أجرة الطبيب.\rواختلف المتأخرون من أصحابنا في كيفية الحكومة: فقال الطحاوي: يقوم المجني عليه، لو كان عبدا، صحيحا، ويقوم وبه الشجة - فما نقص بين القيمتين كانت أرشا في شجة الحر.\rوكان أبو الحسن الكرخي يقول: يقرب من الشجة التي لها أرش مقدر، بالحزر والظن: يحكم بذلك أهل العلم بالجراحات.\rوأما حكم النساء - فنقول: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل بإجماع الصحابة، مثل عمر","part":3,"page":113},{"id":867,"text":"وعلي وابن مسعود (1) وزيد بن ثابت (2) رضي الله عنهم وغيرهم: فإنهم قالوا: دية المرأة على النصف من دية الرجل، إلا أن ابن مسعود قال: إلا في الموضحة والسن: فإنها كالرجل.\rوأما فيما دون النفس من المرأة: فإنه يعتبر بديتها: فيتنصف كديتها، لان المرأة في ميراثها وشهادتها بمنزلة النصف من الرجل - فكذا في الدية.\rوقال ابن مسعود: تعاقل (3) المرأة الرجل فيما كان أرشه نصف عشر الدية، يعني ما كان أقل من ذلك فالرجل والمرأة في ذلك سواء، واستدل بالغرة.\rوقال سعيد بن المسيب (4): تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها: يعني ما كان أقل من ثلث الدية فالرجل والمرأة فيه سواء.\rوروي أن ربيعة الرأت (5) سأل سعيد بن المسيب عن رجل قطع إصبع\r__________","part":3,"page":114},{"id":868,"text":"امرأة، فقال: فيها عشر من الابل، قال: فإن قطع ثلاثا قال: فيها ثلاثون من الابل، قال: فإن قطع أربعة، قال: فيها عشرون من الابل، فقال ربيعة: لما عظم ألمها وزادت مصيبتها، قل أرشها - فقال له: أعراقي أنت؟ قال: لا! بل جاهل متعلم، أو عالم متبين، فقال: هكذا السنة يا ابن أخ! - أراد بذلك سنة زيد بن ثابت.\rوما قال ربيعة فهو حجتنا في المسألة: أن ما قالوا يؤدي إلى أن يقل الارش عند كثرة الجناية - وهذا لا يصح، لان ما دون النفس معتبر بدية النفس، بدلالة ما زاد على ثلث الدية.\rوأما في العبد: إذا قتله حر خطأ: فإن كان قليل القيمة: فإنه يجب قيمته بالاجماع، فأما إذا كان كبير القيمة، بأن زادت قيمته عن دية الحر: قال أبو حنيفة ومحمد: يجب عشرة آلاف إلا عشرة، وقال أبو يوسف والشافعي: تجب قيمته بالغة ما بلغت، إلا أن عند الشافعي تجب بمقابلة المالية، وعند أبي يوسف تجب بمقابلة الدم، ولهذا قال: مقدار الدية يجب على العاقلة، ويجب مؤجلا في ثلاث سنين، ويدخل فيه الابل كما قالا - والمسألة معروفة.\rوأما إذا قتله عبد، خطأ: فإنه يجب الدفع أو الفداء.\rوأما إذا جنى العبد على حر، أو على عبد غير المولي: فإن كان عمدا، يجب القصاص، وإن كان خطأ، في نفس، أو فيما دونها، قل أرشها، أو كثر، فذلك في رقبة الجاني وليس في ذمة المولى منه شئ، ويكون\r__________","part":3,"page":115},{"id":869,"text":"المولى بالخيار: إن شاء دفع العبد بالجناية، وإن شاء فدى عنه، بجميع الارش، لاجماع الصحابة على ذلك.\rفإن مات العبد قبل أن يختار الفداء، فلا شئ على لمولى، لان الحق متعلق بالعين، فيزول بزواله، وإن كان بعد اختيار الفداء، لم يبطل، لانه انتقل الحق إلى ذمة المولى بالتزامه.\rوإن جنى العبد على جماعة: فالمولى بالخيار: بين أن يدفع العبد إليهم وكان مقسوما بينهم، على قدر ما لكل واحد منهم من أرش الجناية، وبين أن يمسك العبد، ويفدى بأرش الجنايات كلها، لما ذكرنا.\rولو تصرف المولى في العبد الجاني، بعد العلم بالجناية، تصرفا يخرجه\rعن ملكه، نحو البيع والهبة والاعتاق، أو أقر به لرجل أو كانت أمة فاستولدها - فإنه يصير مختارا للفداء: بالدية إن كانت الجناية في النفس، وبالارش إن كانت الجناية فيما دون النفس، لان المخير بين الشيئين إذا فعل ما يدل على اختيار أحدهما، أو منع من اختيار أحدهما تعين الآخر للاختيار ومع هذه التصرفات تعذر الدفع.\rوإن كان لا يعلم بالجناية يلزمه قيمة عبده، إذا كانت أقل من الارش لانه لا يصير مختارا بلا علم، ولكن امتنع التسليم إلى الولي بفعله، مع تعلق حق الولي به فيصير متلفا عليه هذا القدر، فليزمه ذلك القدر ولا حق لولي الجناية فيما زاد عليه.\rوأما جناية المدبر وأم الولد: ففي مال المولى دون عاقلته يعتبر الاقل من أرش الجناية ومن قيمته لان الاصل في جناية العبد هو دفع الرقبة، إلا أنه بالتدبير والاستيلاد صار مانعا من التسليم من غير اختيار فكأنه دبره وهو لا يعلم بالجناية فيلزمه الاقل من ذلك لما ذكرنا.","part":3,"page":116},{"id":870,"text":"ولا يلزم المولى بجنايتهما أكثر من قيمة واحدة، وإن كثرت الاروش: يستوي فيه من تقدم أو تأخر في الجناية، لان المنع منع واحد، والضمان يتعلق به، فجعل كأن الجنايات اجتمعت ثم دبره وهو لا يعلم بها.\rويعتبر قيمة المدبر لكل واحد منهم يوم جنى عليه، ولا يعتبر القيمة يوم التدبير، لانه صار مانعا بالتدبير السابق عن تسليمه في حال الجناية.\rوأما جناية المكاتب: فعلية دون سيده، ودون عاقلته يحكم عليه بالاقل من قيمته ومن\rأرش جنايته.\rوهذا لان الواجب الاصلي هو دفع الرقبة، وتسليم رقبته ممكن، في الجملة، بأن عجز نفسه، فيكون متعلقا برقبته على طريق التوقف: فلا ينتقل الحق من رقبته إلى ذمته، ليؤدي من كسبه، إلا بأحد معان ثلاثة: إما بحكم الحاكم بأرشها عليه، أو يصطلحوا على الارش، أو يموت ويترك مالا أو ولدا وهذا الذي ذكرنا مذهبنا.\rوقال زفر: إن جنايته تجب في ذمته بمنزلة الحر.\rوثمرة الخلاف تظهر في مواضع: من ذلك أن المكاتب إذا عجز، قبل انتقال الجناية من رقبته يقال للمولى: ادفعه أو افده وعند زفر: يباع في الارش.\rومن ذلك أيضا أن المكاتب إذا جنى ثم جنى قبل القضاء بالجناية الاولى عليه، يقضي عليه بقيمة واحدة، لان الجناية تتعلق بالرقبة، والرقبة الواحدة تتضايق عنهما، كجنايتي العبد.\rوعند زفر: يحكم في كل جناية بقيمته، لانها تجب عنده في الذمة ولا تضايق فيها.\rوأما جناية العبد والمدبر وأم الولد على مولاهم أو على ماله، خطأ: فتكون هدرا، لانه لو وجب الضمان، يجب على العبد للمولى، والمولى لا يجب له مال على عبده.","part":3,"page":117},{"id":871,"text":"وكذا الجناية من المولى، عليهم: تكون هدرا أيضا، إلا أن في المدبر يجب عليه أن يسعى في قيمته إذا قتل المولى خطأ لان العتق وصية فلا يجوز أن يسلم للقاتل.\rوأما جناية المكاتب على مولاه، وجناية مولاه عليه: خطأ فلازمة لان المكاتب أحق، بمنافعه وأكسابه فيكون كالحر سواء.\rوأما الجنين - فنقول:\rإذا ضرب الرجل بطن امرأة حرة فألقت جنينا ميتا فعليه الغرة وهي عبد أو أمة تعدل خمسمائة درهم، ذكرا كان الجنين أو أنثى.\rوكان القياس فيه أن لا يجب شئ، لانه يحتمل أنه لم يكن فيه حياة، وقت الضرب، ولهذا لو ضرب بطن دابة، فألقت جنينا ميتا لا يجب الضمان، وفي الاستحسان: يجب لاجماع الصحابة على ذلك.\rويكون على العاقلة.\rولو ألقته حيا فمات من ساعته فعليه الدية كاملة على العاقلة لان صارت نفسا من كل وجه.\rولو ماتت الام بالضرب ثم خرج الجنين ميتا: لا يلزمه الغرة لاحتمال أنه مات بسبب الخنق، فزاد هاهنا احتمال آخر.\rوأصل الوجوب ثبت بخلاف القياس فلا يقاس عليه ما ليس نظيره.\rولو ضرب بطن أمة فألقت جنينا ميتا: يغرم نصف عشر قيمته","part":3,"page":118},{"id":872,"text":"إن كان ذكرا، وعشر قيمتها إذا كان أنثى، وقال الشافعي: فيه عشر قيمة الام.\rوهذا لما ذكرنا أن الواجب في الجنين الغرة، بالنص، وهو خمسمائة درهم وذلك عشر دية الانثى، ونصف عشر دية الذكر، والقيمة في الامة كالدية في الحرة، فوجب عشر قيمتها، إن كانت أنثى، ونصف عشر قيمته إن كان ذكرا، بناء على الحر، إلا أن ما وجب في جنين الامة، فهو في مال الضارب، حالا، لان ما دون النفس من الرقيق ضمانه ضمان\rالاموال، وذلك مما لا تتحمله العاقلة بخلاف جنين الحرة.\rوأما بيان من تجب عليه الدية - فنقول: كل دية وجبت بنفس القتل في خطأ أو شبة عمد، أو في عمد دخلته شبهه تجب في ثلاث سنين، على من وجبت عليه في كل سنة الثلث.\rفالخطأ وشبه العمد على العاقلة.\rوأما العمد الذي تدخله الشبهة فيتحول مالا فهو في مال الجاني، في ثلاث سنين، وذلك مثل قتل الاب ابنه والمولى عبده.\rوكذلك إذا صولح من الجناية على مال: لا يجب على العاقلة، ويجب على القاتل، في ماله حالا لانه ما وجب بنفس القتل وإنما وجب بعقد الصلح، فإن جعلاه مؤجلا، يكون مؤجلا وإلا فيكون حالا كثمن المبيع.\rوكذا من أقر على نفسه، بالقتل، خطأ: فالدية في ماله في ثلاث سنين لا على العاقلة.\rوكذلك ما وجب بجناية العبد: فإنه لا يكون على العاقلة.","part":3,"page":119},{"id":873,"text":"وأصل ذلك حديث عمر رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا: لا تعقل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة إلا أن في الصلح تجب حالا وفي الاقرار، والعمد الذي فيه شبهة، تجب عليه، ولكن مؤجلا في ثلاث سنين، لاجماع الصحابة أن الدية تجب مؤجلة في ثلاث سنين في كل سنة الثلث، عند انقضائها.\rوكذلك الحكم في الحر من بدل النفس فهو في ثلاث سنين، كالعشرة إذا قتلوا واحدا، خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين.\rولا يغرم كل رجل من العاقلة إلا ثلاثة دراهم أو أربعة في ثلاث سنين، فإن قلت العاقلة حتى صار نصيب كل واحد منهم أكثر من ذلك يضم إليهم أقرب القبائل منهم في النسب، من أهل الديوان كانوا أو من غيرهم حتى لا يلزم الرجل منهم أكثر من ذلك، لانه يجب عليهم، بطريق الاعانة، تخفيفا على قريبهم، فلا يجوز أن يجب عليهم على وجه فيه تعسير عليهم.\rوأما أرش ما دون النفس، خطأ، إذا بلغ نصف عشر الدية، فهو على العاقلة في سنة.\rوكذا في المرأة إذا بلغ نصف عشرة ديتها: يكون على العاقلة، في سنة، لان ما دون النفس معتبر بالدية.\rثم ما زاد في نصف العشر إلى أن يبلغ ثلث الدية ففي سنة قياسا على ما يجب على العاقلة في السنة الاولى.\rفإن زاد على الثلث: فالزيادة تجب في سنة أخرى إلى الثلثين.\rفإن زاد على الثلثين: فهي في السنة الثالثة.","part":3,"page":120},{"id":874,"text":"ثم العاقلة من هم؟ فعندنا العاقلة هم أهل الديوان في حق من له الديوان وهم المقاتلة، ومن لا ديوان له فعاقلته من كان من عصبته في النسب.\rوعند الشافعي: لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب.\rوالصحيح قولنا لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانت\rالدية على القبائل، فلما وضع عمر رضي الله عنه الدواوين جعلها على أهل الديوان، وذلك بحضرة الصحابة، رضي الله عنهم من غير خلاف.\rوتبين أنه إنما كان على أهل القبائل للتناصر، فلما صار التناصر بالديوان اعتبر الديوان، لوجود المعنى، ولهذا لا تكون المرأة، والصبي، والعبد، والمدبر، والمكاتب من جملة العاقلة، لانهم ليسوا من أهل التناصر، ولا من أهل الاعانة بالشرع والله أعلم.","part":3,"page":121},{"id":875,"text":"باب ضمان الراكب، ومن كان في معناه أصل الباب: أن السير في ملك نفسه مباح مطلق، والسير في طريق المسلمين مأذون، بشرط السلامة: فما تولد من سير تلف، مما يمكن الاحتراز عنه، فهو مضمون، وما لا يمكن الاحتراز عنه، فليس بمضمون، إذ لو جعلناه مضمونا لصار ممنوعا عن السير وهو مأذون.\rولهذا قال أصحابنا رضوان الله عليهم إن ما أثار من الغبار، بالمشي أو بسير الدابة، لا يضمن ما تولد منه لانه لا يمكن الاحتراز عنه.\rوكذا ما أثارت الدابة بسنابكها، من الحصى الصغار، وأما الحصى الكبار فإن الراكب يضمن ما تولد منه، لانه لا يكون سببا إلا بالعنف في السير فيمكن الاحتراز عنه.\rوإذا ثبت هذا فنقول: من سارت دابته في طريق المسلمين، وهو راكب عليها أو قائد أو سائق فوطأت دابته رجلا بيدها أو برجلها أو كدمت أو صدمت\rبصدرها أو خبطت بيدها: فهو ضامن لانه يمكن الاحتراز عنه.\rوكذلك السائق والقائد لانه مقرب للدابة إلى الجناية.\rوالرديف كالراكب: إلا أن الفرق أن الراكب قاتل بوطئ الدابة بثقله وفعله هو ليس بمسبب، والسائق مسبب حتى تجب الكفارة على","part":3,"page":123},{"id":876,"text":"الراكب دون السائق والقائد.\rولو نفحت الدابة برجلها وهي تسير أو بذنبها فلا ضمان في ذلك على راكب، ولا رديف ولا سائق ولا قائد لان الاحتراز عنه غير ممكن.\rولو أوقف الدابة في الطريق فهو ضامن لما تولد من وقوف الدابة من الوطئ، والنفحة بالرجل والذنب وما عطب بروثها وبولها ولعابها.\rوكذا إذا أوقفها على باب مسجد من مساجد المسلمين، فهو بمنزلة الطريق لانه من جملته، والسير مأذون في الطريق دون الوقوف والايقاف.\rفإن جعل الامام للمسلمين عند باب المسجد موقفا لوقوف الدواب فما حدث من الوقوف غير مضمون لان مأذون فيه.\rولكن ساق الدابة فيه أو قاد أو سار فيه، على الدابة يضمن لان الاذن في حق الوقوف لا غير، فبقي السير على ما كان بشرط السلامة.\rوعلى هذا وقوف الدواب في سوق الخيل والدواب لان ذلك مأذون من جهة السلطان.\rوعلى هذا الفلاة وطريق مكة، إذا كان وقوف الدابة في غير المحجة، في ناحية منه، لان هذا مما لا يضر بالناس، فلا يحتاج فيه إلى الاذن وأما الوقوف في المحجة فهو كالوقوف في طريق المسلمين.\rفأما إذا كان الطريق ملكا خاصا، له فساق فيه دابتة، أو سار بها وهو راكب أو في ملكه في الجملة فما تولد من سيره فهو غير مضمون عليه، إلا وطئ الدابة، لانه تصرف في ملكه، فلا يتقيد بشرط","part":3,"page":124},{"id":877,"text":"السلامة، لكن الوطئ بمنزلة فعله، لحصول الهلاك بثقله، ومن تعدى على الغير في دار نفسه يضمن.\rولو نفرت الدابة أو انفلتت منه: فما أصابت في فورها ذلك، لا ضمان عليه، وسواء كان الانفلات في ملك صاحبها أو في الطريق، أو في ملك الغير، لانه لا صنع له فيه، ولا يمكن الاحتراز عنه.\rوقد قالوا فيمن أرسل دابته: فما أصابت في فورها ضمن، وإن مالت يمينا أو شمالا، ثم أصابت فهو على وجهين: إن لم يكن لها طريق آخر يجب الضمان على المرسل، لانها باقية على الارسال وإن كان لها طريق آخر، فانعراجها باختيارها يقطع حكم الارسال، فتصير كالمنفلتة.\rولو حفر بئرا في طريق المسلمين، أو أخرج جناحا، أو نصب فيه ميزابا، أو بنى دكانا، أو وضع حجرا، أو خشبة أو متاعا، أو صب ماء في الطريق، أو قعد ليستريح، أو لمرض أصابه فعثر بشئ من ذلك عابر، فوقع فمات، أو وقع على غيره، فقتله، أو على مال إنسان، فهلك: فهو ضامن، لانه متعد، لان الطريق مأذون فيه للسير لا غير، فما تولد منه يكون مضمونا.\rثم ما كان من الجناية، على بني آدم فهو على العاقلة، على ما ذكرنا وما كان على المال فهو عليه في ماله حالا.\rولو كان الرجل سائرا على دابته، أو واقفا عليها، في ملكه أو في طريق العامة فنخس دابته رجل فضربت ذنبها أو برجلها، أو نفرت فصدمت إنسانا في فور النخسة فالناخس ضامن، دون الراكب، إذا فعل ذلك بغير أمره، لانه متعد في النخس، فما تولد منه مضمون عليه والراكب ليس بمتعد.","part":3,"page":125},{"id":878,"text":"فأما إذا انقطع الفور، فذاك مضاف إلى اختيار الدابة لا إلى الناخس.\rوكذلك لو ضربها رجل بغير أمره.\rفأما إذا نخس بأمر الراكب أو ضرب - فنفحت برجلها إنسانا فقتلته فإن كان الراكب يسير في الطريق أو كان واقفا في ملكه، أو في موضع قد أذن فيه بالوقوف، من هذه الاسواق ونحوها، فلا ضمان في هذا على راكب، ولا سائق، ولا ضارب، ولا ناخس، لانه فعل بأمر الراكب فعلا يملكه الراكب، فصار فعله كفعله، ولو فعل الراكب لا يضمن ما أصابت الدابة بالرجل فكذا هذا.\rولو كان الراكب واقفا في بعض طرق المسلمين، التي لم يؤذن بالوقوف فيها، فأمر رجلا أن يضرب دابته فضربها فنفحت رجلا فقتلته فالدية عليهما نصفان هكذا ذكر الكرخي.\rوروى ابن سماعة عن أبي يوسف، في هذا أن الضمان على الراكب لا غير، لان ضربه له، بأمر الراكب كضرب الراكب ولو فعل الراكب،\rفتولد منه شئ برجلها يضمن فكذا هذا.\rووجه ما ذكر الكرخي أن كل واحد منهما متعد بطريق التسبيب فصارا شريكين.\rولو كان الرجل يسير على دابته، فأمر رجلا حتى ينخسها أو يضربها فوطئت إنسانا، فمات فالضمان عليهما.\rوكذلك لو فعل، بغير أمر الراكب، فوطئت إنسانا، فمات: فالضمان عليهما، لان الموت حصل بسبب فعل الناخس، وثقل الراكب فيكون الضمان عليهما.","part":3,"page":126},{"id":879,"text":"ولو قاد الرجل قطارا، فما أوطأه أوله، أو أوسطه، أو آخره فهو ضامن له.\rوكذلك إن صدم إنسانا، فقتله، لان القائد مقرب للبهيمة إلى الجناية، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه في الجملة بأن يذود الناس عن الطريق.\rفإن كان معه سائق فالضمان عليهما كيفما كان السائق في وسط القطار، أوفي آخره لانه قد يكون سائقا وقائدا، وقد يكون سائقا لا غير والاول قائد، فهما مسببان في هذه الجناية.\rولو كان على القطار محامل فيها أناس نيام أو غير نيام فإن كان منهم القود والسوق فهم شركاء السائق والقائد وعلى الركبان الكفارة لا غير.\rفأما إذا لم يكن منهم فعل في القود فهم كالمتاع، فلا شئ عليهم.\rولو أن حائطا من دار إنسان مال إلى نافذ أو إلى دار رجل فهذا على وجهين.\rإن بني الحائط مائلا إلى ملك غيره، أو إلى الطريق فهو ضامن لما عطب، بسقوطه، وإن لم يطالب بنقضه، لانه متعد بالبناء في هواء غيره، وهواء طريق المسلمين حقهم أيضا، فما تولد منه وهو ممكن الاحتراز عنه، يؤاخذ به.\rفأما إذا بنى في ملكه وحقه، ثم مال البناء إلى الطريق، أو إلى دار إنسان، فلم يطالب بنقضه، ولم يشهد عليه فيه، حتى سقط على رجل فقتله، أو على مال إنسان فأتلفه فلا يضمن، لانه شغل هواء غيره، ووقع في يده بغير صنعه، وهو ميلان الجدار، فيكون في يده أمان","part":3,"page":127},{"id":880,"text":"كثوب ألقته الريح في يده، فما تولد منه لا يؤخذ به، وإن طولب بنقضه وأشهد عليه، ثم سقط بعد ذلك في مدة أمكنه، نقضه فيها، فهو ضامن، لان بعد المطالبة يجب عليه التفريغ، فإذا لم يفعل، مع الامكان، صار متعديا كما في الثوب الذي هبت به الريح إذا طلبه صاحبه، فامتنع عن الرد، يجب الضمان عليه إذا هلك.\rأما إذا لم يفرط في نقضه، وذهب حتى يستأجر من يهدمه، فسقط فأفسشيئا، فلا شئ عليه، لانه يجب عليه إزالة يده بقدر الممكن.\rوالاشهاد أن يقول الرجل: اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا.\rوالمعتبر عندنا المطالبة بالهدم، وإنما يحتاج إلى الاشهاد ليثبت به المطالبة، عند الانكار، كما قلنا في الشفعة إن المعتبر هو الطلب، وإنما الاشهاد ليثبت الطلب بالشهادة، عند الانكار حتى لو\rاعترف صاحب الدار أنه طولب بنقضه وجب عليه الضمان، وإن لم يشهد عليه.\rثم إن كان الميلان إلى دار إنسان، فالاشهاد إلى صاحب الدار إن كان فيها، أو لم يكن فيها ساكن، وإن كان فيها سكان، فالاشهاد إلى السكان.\rوإن كان الميلان إلى طريق العامة، فالاشهاد إلى كل من له حق المرور فيه المسلم والذمي فيه سواء.\rولكن أنما يصح الاشهاد على مالك الحائط أو الذي له ولاية النقض: مثل الاب والوصي: ولا يصح الاشهاد على المرتهن، والمستأجر، والمستعير، والمودع لانه ليس لهم ولاية النقض، فكان الاشهاد عليهم وعدمه سواء.\rولو أشهد من له حق الاشهاد، على صاحب الحائط المائل، أو على من يصح عليه الاشهاد، فطلب منه التأجيل أو الابراء، فأجل وأبرأ فإن كان أميل إلى الدار صح، لانه أبطل حقه.\rفأما إذا كان الميل إلى","part":3,"page":128},{"id":881,"text":"الطريق، فأبرأ أو أجل الذي أشهد عليه، ممن له حق المرور أو القاضي، فإنه لا يصح، لانه هذا حق العامة فإبراء الواحد وتأجيله يصح في حقه لا في حق الناس.\rولو باع صاحب الدار، بعد الاشهاد فسقط الحائط بعدما قبضه المشتري أو بعدما ملكه، في زمان لا يتمكن من نقضه، فلا ضمان على البائع، فيما هلك بسقوطه، لانه لا يملك النقض فسقط حكم الاشهاد وإن كان بعد التفريط لا يسقط الضمان.","part":3,"page":129},{"id":882,"text":"باب القسامة يحتاج في هذا الباب إلى: بيان مشروعية القسامة، وإلى تفسيرها، وإلى بيان من تجب عليه.\rأما الاول فالقسامة مشروعة في القتيل الذي يوجد وبه علامة القتل، من الجراح وغيرها، ولم يعرف له قاتل بالاحاديث، وقضاء عمر رضي الله عنه، وإجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه.\rوأما تفسير القسامة، وبيان من تجب عليه: فهو ما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله عليهما أنه قال في القتيل يوجد في المحلة أو في دار رجل في المصر إن كانت به جراحة، أو أثر ضرب، أو أثر خنق فإن هذا قتيل، وفيه القسامة على عاقلة رب الدار إذا وجد في الدار وعلى عاقلة أهل المحلة إذا وجد في المحلة يقسم خمسون رجلا: كل رجل منهم بالله: ما قتلته، ولا علمت له قاتلا","part":3,"page":131},{"id":883,"text":"ثم يغرمون الدية في ثلاث سنين، على أهل الديوان في كل سنة الثلث، مقدار ما يصيب كل واحد منهم ثلاثة دراهم أو أربعة في ثلاث سنين، فإن زاد ضموا إليهم أقربهم منهم من القبائل نسبا، لا جوارا فإن نقصوا عن خمسين كررت عليهم الايمان.\rثم لا يدخل في القسامة إلا العاقل البالغ الحر، فأما المرأة: فهل\rتدخل؟ ذكر الطحاوي أنه لا يدخل في القسامة إلا رجل عاقل بالغ حر.\rوذكر محمد عن أبي حنيفة في القتيل يوجد في قرية امرأة لا يكون بها غيرها، وليس لها عاقلة قريبة - قال: تستحلف، ويكرر عليها الايمان، وعلى عاقلتها التي هي أقرب القبائل إليها في النسب.\rوقال أبو يوسف: ينظر إلى أقرب القبائل إليها، وتكون القسامة عليهم، ولا قسامة على المرأة لانها ليست من أهل النصرة كالصبي والجنون والعبد.\rوهما يقولان: إن المرأة من أهل الاستحلاف في الحقوق ومن أهل المشاركة في الدية: فإنها إذا قتلت رجلا خطأ تشارك العاقلة في الدية.\rويدخل في القسامة: الاعمى والمحدود في القذف والذمي لانهم من أهل الاستحلاف والنصرة.\rويكون الاختيار في رجال القسامة إلى أولياء القتيل، لان ذلك حقهم ولهم في الاختيار فائدة.\rهذا الذي ذكرنا مذهب علمائنا رحمهم الله.\rوقال مالك والشافعي رحمهما الله: إذا كان هناك لوث، أي علامة القتل من واحد بعينه، أو بينهما عداوة ظاهرة فإنه يستحلف الاولياء خمسين يمينا.","part":3,"page":132},{"id":884,"text":"ثم يقتص من المدعي عليه عند مالك.\rوعند الشافعي: يقضي لهم على المدعي عليه بالدية.\rولكن هذا خلاف الاحاديث المشهورة وإجماع الصحابة.\rثم إذا وجد القتيل في دار رجل، فالقسامة على رب الدار، وعلى\rجيرانه إن كانوا عاقلته، وإن لم يكونوا: فعلى عاقلته من أهل المصر، وعليهم الدية كذا ذكر محمد في الاصل ولم يذكر إذا كانت العاقلة غيبا.\rوذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن القسامة عليه وعلى عاقلته غيبا كانوا أو حضورا.\rوعلى قول أبي يوسف: لا قسامة على العاقلة.\rوذكر الكرخي: إن كانت العاقلة حاضرة في المصر دخلوا في القسامة وإن كانت غائبة، فالقسامة على صاحب الدار يكرر عليه الايمان والدية عليه وعلى العاقلة.\rثم القسامة والدية على الاقرب فالاقرب من عاقلة من وجد فيهم القتيل رب الدار وقومه أخص ثم أهل المحلة، ثم أهل المصر.\rوكذلك القبائل الاقرب فالاقرب، وإن كانت المحلة فيها من قبائل شتى، فإن الدية والقسامة على أهل الخطة وليس على المشتري شئ عند أبي حنيفة ومحمد لا قسامة ولا دية، ما بقي واحد من أهل الخطة.\rوعلى قول أبي يوسف: على أهل الخطة والمشترين جميعا.\rوقيل: إنما أجاب أبو حنيفة على عادة أهل الكوفة فإن أهل الخطة هم الذين يدبرون أمر المحلة، وأبو يوسف بني على عادة أهل زمانه أن التدبير إلى الاشراف، من أهل الخطة كانوا أولا.\rوأما إذا لم يكن في المحلة أحد، من أهل الخطة، وفيها ملاك وسكان فعند أبي حنيفة ومحمد:","part":3,"page":133},{"id":885,"text":"على الملاك دون السكان.\rوقال أبو يوسف: عليهم جميعا.\rولو وجد القتيل في السوق: فعند أبي حنيفة ومحمد: على أربابها وعند أبي يوسف: على سكانها.\rوإن كنت السوق للعامة أو للسلطان: فالدية في بيت المال ولو وجد في المسجد الجامع، أو الجسور العامة، أو النهر العام كدجلة والفرات، فالدية في بيت المال ولا قسامة على أحد.\rفأما في النهر الخاص الذي يقضي فيه بالشفعة للشريك فعلى عاقلة أرباب النهر.\rولو وجد في السجن، ولا يعرف من قتله: فعند أبي حنيفة ومحمد: على بيت المال، وعند أبي يوسف تجب القسامة، والدية، على أهل السجن.\rوإن وجد في السفينة: فالدية والقسامة على من في السفينة، من ركبها أو يمدها، من المالك وغيره بخلاف الدار، لانها مما ينقل من موضع إلى موضع فيعتبر فيه اليد دون الملك.\rوكذلك العجلة أو الدابة: إذا وجد عليها قتيل ومعها رجل يحملها وهو قائد، أو سائق، أو راكب فإنه يكون القسامة عليه.\rوإن اجتمع رجال: بعضهم قائد، وبعضهم سائق.\rوبعضهم راكب فيكون عليهم، لانه في أيديهم فصار كوجوده في دارهم.\rوإن وجد في فلاة من الارض ينظر إن كانت ملكا لانسان فالقسامة والدية على المالك وعلى قبيلته.\rوإن كان ذلك الموضع لا مالك له، وكان موضعا يسمع فيه الصوت من مصر من الامصار أو","part":3,"page":134},{"id":886,"text":"قرية من القرى فعليهم، وإن كان لا يسمع فيه الصوت، وليس بملك لاحد فهو هدر لانه لا يد لاحد عليه.\rوكذلك في الدجلة والفرات أراد في حق القسامة، فأما الدية ففي بيت المال إذا ظهر أولياؤه.\rفأما إذا وجد على شط نهر عظيم، مثل دجلة والفرات، فعلى أقرب القرى، من ذلك الموضع من حيث يسمع الصوت القسامة والدية.\rولو وجد القتيل في عسكر في الفلاة: فإن كانت ملكا، فعلى أرباب الفلاة، وإن لم يكن لها مالك: فإن وجد في خباء أو فسطاط، فعلى من يسكن الخباء والقسطاط، وعلى عواقلهم، وإن وجد خارجا من الفسطاطا والخباء فعلى أقرب الاخبية والفساطيط.\rوإن كان العسكر لقوا قتالا فقاتلوا، فلا قسامة، ولا دية، في قتيل وجد بين أظهرهم، لان الظاهر أنه قتيل العدو.\rولو وجد قتيل في دار نفسه فديته على ورثته وعلى عاقلتهم وتكون ميراثا لهم لو فضل من ديته عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعندهما: لا شئ فيه وهو هدر وبه أخذ زفر.\rوروى أبو يوسف عن أبي حنيفة مثله لان وجود القتيل في الدار، بمنزلة مباشرة القتل من صاحبها، فإذا وجد القتيل في دار نفسه، فيصير كأنه قتل نفسه، وأبو حنيفة يقول: إن المعتبر، في القسامة والدية، حال ظهور القتيل، بدليل أن مات قبل ذلك، لا يدخل في الدية، وحال ظهور القتيل، الدار للورثة، فيكون عليهم وعلى عاقلتهم، كمن وجد قتيلا في دار ابنه، أو بئر حفرها ابنه أليس أن القسامة والدية على ابنه وعواقله كذا هذا.\rثم يثبت الميراث له بعدما صار للمقتول، حتى يقضي دينه، فما فضل يكون للورثة، بسبب القرابة والله أعلم.","part":3,"page":135},{"id":887,"text":"هذا الذي ذكرنا إذا لم يدع الاولياء على رجل بعينه من أهل المحلة.\rفأما إذا ادعوا على رجل بعينه فالقسامة، والدية بحالهما في جواب ظاهر لرواية.\rوروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة ومحمد أنه يسقط.\rوقال أبو يوسف: ا لقياس أنه يسقط وفي الاستحسان أنه لا يسقط للاثر.\rوجه ظاهر الرواية أن الظاهر أن القاتل أحد أهل المحلة والولي يدعي إلا أنه عين وهو متهم في التعيين فلا يعتبر.\rفأما إذا ادعى الولي القتل على رجل من غيرهم فيكون إبراء لهم عن القسامة والدية لانه نفي القتل عنهم بدعواه على غيرهم.\rولو شهد اثنان، من أهل المحلة، للولي، بهذه الدعوى لم تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل وإنما قال أبو حنيفة هذا لان أهل المحلة صاروا خصما في هذه الدعوى، فلا تقبل شهادتهم، وإن خرجوا عن الخصومة، بالابراء كالوكيل إذا خاصم ثم عزل فشهد لا تقبل شهادته كذا هذا.\rوكذا لو ادعى الاولياء القتل، على واحد من أهل المحلة، بعينه، فشهد شاهدان من أهل المحلة عليه لم تقبل شهادتهما، بالاتفاق لان الخصومة قائمة عليهم بعد هذه الدعوى على ما بينا فتكون هذه شهادة لانفسهم فلا تقبل.","part":3,"page":136},{"id":888,"text":"كتاب\rالحدود جمع في هذا الكتاب بين حد الزنا وحد القذف، وبين التعزير فيحتاج إلى: بيان سبب وجوب كل واحد منها، وإلى بيان شرائط الوجوب.\rوإلى بيان كيفية الحد، ومقداره.\rأما حد الزنا فنوعان: الرجم والجلد مائة.\rوسبب وجوبهما جميعا هو الزنا، إلا أن لوجوب الرجم شرائط إذا وجد الكل يجب، وإلا فيجب الجلد.\rولو أسقط الجلد للشبهة، يجب العقر، إذ الزنا، في دار الاسلام لا يخلو عن عقوبة أو غرامة.\rفنذكر: الزنا الموجب للحد.\rوشرائط وجوب الرجم.\rوطريق ثوبته عند القاضي.","part":3,"page":137},{"id":889,"text":"أما الزنا فهو: الوطئ الحرام الخالي عن حقيقة الملك، وحقيقة النكاح وعن شبهة الملك وعن شبهة النكاح وعن شبهة الاشتباه أيضا.\rأما الوطئ ففعل معلوم، وهو إيلاج فرج الرجل في فرج المرأة.\rوإنما شرطنا كونه حراما فإن وطئ المجنون ووطئ الصبي العاقل لا\rيكون زنا لان فعلهما لا يوصف بالحرمة.\rوكذلك الوطئ في الملك والنكاح، وإن كان حراما، لا يكون زنا كوطئ الحائض، والنفاس، ووطئ الجارية المجوسية والاخت من الرضاع والجارية المشتركة ونحوه.\rوقوله الخالي عن شبهة الملك، فإن وطئ جارية ابنه، وجارية مكاتبه، وجارية عبده المأذون المديون، والجارية من المغنم في دار الحرب، أو بعد الاحراز قبل القسمة، فليس بزنا، فإن شبهة الملك، وهو الملك من وجه، ثابت في هذه المواضع حتى لا يجب الحد، وإن قال علمت أنها علي حرام.\rوقولنا عن شبهة العقد: فإن وطئ امرأة تزوجها بغير شهود أو أمة تزوجت بغير إذن مولاها أو عبد تزوج بغير إذن مولاه لا يكون زنا.\rوكذا من تزوج أمة على حرة أو تزوج مجوسية، أو خمسا في عقد أو جمع بين أختين، أو تزوج من محارمه فوطئها، وقال: علمت أنها علي حرام لا حد عليه عند أبي حنيفة، وعندهما يجب الحد في كل وطئ، حرام على التأبيد، فوجود التزوج فيه لا يوجب شبهة، وما ليس بحرام على التأبيد فالعقد يوجب شبهة كالنكاح بغير شهود ونحوه والمسألة معروفة.\rوأما شبهة الاشتباه: وهي أنه إذا وطئ فقال ظننت أنها تحل لي","part":3,"page":138},{"id":890,"text":"لا يجب الحد.\rوإذا قال: علمت أنها علي حرام فإنه يحد.\rوجملة هذا أن دعوى الاشتباه معتبرة في سبعة مواضع: جارية الاب، وجارية الام، وجارية الزوجة، والمطلقة ثلاثا ما دامت في\rالعدة، وأم الولد ما دامت تعتد منه، والعبد إذا وطئ جارية مولاه، والجارية المرهونة في رواية كتاب الرهن.\rوفي أربعة مواضع لا يحد، وإن قال علمت أنها علي حرام جارية الابن وإن سفل، والجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل القبض، والجارية المتزوج عليها إذا كانت في يد الزوج والمطلقة طلاقا بائنا والجارية بين الشريكين.\rوفيما سوى ما ذكرنا يجب الحد، ولا يعتبر شبهة الاشتباه.\rومن وجد على فراشه، أو في بيته، امرأة.\rفوطئها، وقال: ظننت أنها جاريتي أو امرأتي يحد لانه لا يحل له الوطئ مع الاشتباه فأما الاعمى إذا وجد على فراشه امرأة، فوطئها فكذلك الجواب عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال زفر: لا يجب عليه الحد، كما في المرأة المزفوفة إلى بيت زوجها.\rوقال محمد: إذا دعا الزوج الاعمى امرأته، فأجابته امرأة فقالت: أنا فلانة امرأتك فوطئها، لا حد عليه فأما إذا أجابته ولم تقل أنا فلانة يجب الحد لانه في وسعه أن يتحفظ أكثر من هذا فلا يصير شبهة فيجب الحد.\rوأما شرائط وجوب الرجم: فأن يكونا محصنين.\rوالاحصان: عندنا عبارة عن استجماع سبعة اشياء: البلوغ، والعقل، والاسلام، والحرية، والنكاح الصحيح، والدخول على وجه يوجب الغسل، من غير إنزال وهما على صفة الاحصان.","part":3,"page":139},{"id":891,"text":"وروي عن أبي يوسف إن الاسلام ليس بشرط وهو قول الشافعي.\rوكذا روي عن: أنه لا يعتبر الدخول بها وهما على صفة الاحصان\rحتى قال: إن المسلم إذا وطئ الكافرة صار بها محصنا.\rوإذا وجد الوطئ قبل الحرية، ثم أعتقا صارا محصنين بالوطئ المتقدم والمسألة معروفة.\rفإذا فات شرط من شرائط الاحصان، يجب الجلد لا الرجم، لقوله تعالى: * (فاجلدوا كلواحد منهما مئة جلدة) *.\rولا يجمع بين الجلد والرجم بالاتفاق.\rواختلفوا في الجمع بين الجلد والتغريب فقال أصحابنا رحمهم الله: لا يجمع.\rوقال الشافعي: يجمع والمسألة معروفة.\rفأما طريق ثبوته عند القاضي: فشيئان: البينة والاقرار.\rأما مشاهدة القاضي الزنا، في حالة القضاء أو قبل القضاء، فلا يعتبر في حق الحدود، الاجماع، وإن كان بين العلماء اختلاف في غيرهما من الاحكام.\rأما البينة - فشهادة: أربعة رجال عدول أحرار مسلمين على الزنا.\rولا تقبل فيها شهادة النساء مع الرجال بلا خلاف.\rوأما الاحصان: فيثبت بشهادة الرجال مع النساء عندنا خلافا لزفر.\rوأما الاقرار - فهو أن يقر المقر أربع مرات بالزنا، عند الامام في أربعة مواطن، عندنا خلافا للشافعي.","part":3,"page":140},{"id":892,"text":"وينبغي للامام، إذا جاء الرجل وأقر بالزنا، أن يزجره عن الاقرار، ويظهر الكراهية من ذلك ويأمر بتنحيته عن المجلس - فإن عاد ثانيا،\rفعل به مثل ذلك.\rوإن عاد ثالثا، فعل به مثل ذلك.\rفإذا أقر، أربع مرات، نظر في حاله: هل هو صحيح العقل، وأنه ممن يجوز إقراره على نفسه؟ فإذا عرف ذلك، سأله عن الزنا: ما هو؟ وكيف زنى؟ وبمن زنى، ومتى زنى؟ وأين زنى؟ لاحتيال الشبهة في ذلك.\rفإذا بين ذلك، سأله: هل هو محصن؟ فإن قال: هو محصن سأله عن الاحصان ما هو؟ فإن فسره ووصفه بشرائطه حكم عليه بالرجم وأمر بإقامته عليه.\rويعتبر اختلاف مجلس المقر، لا اختلاف مجلس القاضي، حتى إن القاضي إذا كان في مجلسه فأقر الزاني أربع مرات في أربعة مجالس من مجلس المقر يقام عليه الحد، وسواء تقادم العهد أو لا.\rوإنما يعتبر التقادم مانعا في لشهادة: إذا شهدوا بعد تقادم العهد لا تقبل لاجل التهمة ولا تهمة في الاقرار.\rولو أقر، بالزنا، عند غير الامام أو عند من ليس له ولاية إقامة الحد، أربع مرات فإنه لا يعتبر حتى إنه لو شهد الشهود، على إقراره، أربع مرات، في مجالس مختلفة في حضرة من ليس له ولاية إقامة الحد فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة، لان الزاني إن كان منكرا، فقد رجع عن الاقرار وإن كان مقرا فلا عبرة لشهادة مع الاقرار.\rولو أنه إذا أقر أربع مرات، عند القاضي، ثم رجع، بعد الحكم بالرجم، أو قبله، أو رجع، بعدما رجم قبل الموت إن كان محصنا، أو بعد ما ضرب بعض الجلد إذا لم يكن محصنا، أو هرب فإنه يدرأ","part":3,"page":141},{"id":893,"text":"الحد عنه، لان النبي عليه السلام لقن ماعزا الرجوع حين أقر بين يديه بالزنا: لعلك مسستها لعلك قبلتها فلو لم يصح الرجوع، لم يكن لهذا التلقين فائدة.\rثم إذا ثبت وجوب الرجم، بالشهادة، فالقاضي أمر الشهود أولا بالرجم، فإذا رجموا رجم الامام بعدهم ثم الناس.\rوقال الشافعي: البداءة بالشهودة ليس بشرط.\rفإن امتنع الشهود أو بعضهم عن الرجم سقط الرجم في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف، لان امتناعهم عن لرجم أورث شبهة الكذب في شهادتهم.\rوفي الجلد لا يؤمر الشهود به لان كل واحد لا يعرف الجلد على وجهه.\rولو جن الشهود أو خرسوا أو عموا أو ارتدوا أو ماتوا سقط الحد لما قلنا.\rثم ينصب الرجل قائما ولا يربط بشئ، ولا يحفر له حفيرة.\rلانه ربما يفر، فيكون دلالة الرجوع.\rوفي المرأة يحفر لها حفيرة للستر وفي رواية لا بأس بترك الحفر.\rفأما في الجلد فإنه يقام الرجل، وتضرب المرأة قاعدة، وينزع عن الرجل ثيابه، إلا الازار في الزاني، وفي التعزيز ولا ينزع في القاذف إلا الفرو والحشو وفي الشارب روايتان وأشهرهما أنه يجرد.","part":3,"page":142},{"id":894,"text":"فالحاصل أن أشد الضرب هو التعزير، ثم الجلد في الزنا، ثم في الشرب، ثم في القذف.\rوفي المرأة لا ينزع الثياب، إلا الفرو والحشو، لان كشف العورة حرام والزجر واجب.\rويضرب الحد في الاعضاء كلها متفرقا إلا في العضو الذي هو مقتل وهو الرأس والوجه والصدر والبطن المذاكير وهذا في حق الصحيح.\rفأما المريض فلا يجلد حتى يبرأ، وكذا الحامل حتى تضع حملها وتخرج عن النفاس لان النفاس مرض بخلاف الحيض.\rفأما الرجم فيقام في الاحوال كلها، إلا في الحامل لانه لا جناية من الحمل.\rولا تقام الحدود في المسجد، وإنما تقام في موضع يشاهده الامام أو يبعث أمينه حتى يقام بين يديه.\rوإذا مات لمرجوم، يدفع إلى أهله حتى يغسلوه، ويكفنوه، ويصلوا عليه هكذا قال النبي عليه السلام في ماعز: اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم.\rوأما حد القذف فيحتاج إلى بيان كيفيته، وبيان مقداره، وإلى تفسير القذف الموجب للحد، وإلى بيان رائطه.\rوإلى بيان أحكامه.","part":3,"page":143},{"id":895,"text":"أما الاول: فحد القذف مقدر بثمانين سوطا، لقوله تعالى: * (فاجلدوهم ثمانين\rجلدة) *.\rوأما تفسير القذف: فهو نوعان: أحد هما: أن يقذفه بصريح الزنا، الخالي عن شبهة الزنا الذي لو أقام عليه أربعة من الشهود أو أقربه المقذوف يجب عليه حد الزنا، فإذا عجز القاذف عن إثباته بالحجة، فينعقد سببا لوجوب حد القذف.\rالثاني: أن ينفي نسب إنسان، من أبيه المعروف، فيقول: لست بابن فلان أو هو ليس بأبيك فهو قاذف لامه، كأنه قال: أمك زانية أو زنت أمك.\rولو قال: يا ابن الزاني أويا ابن الزانية يكون قاذفا.\rولو قال: لست لامك لا يكون قذفا.\rولو قال: أنت ابن فلان لعمه، أو خاله أو لزوج أمه، في غير حال الغضب لا يكون قذفا، لانه ينسب إليه في العرف.\rوإن كان في حال الغضب على سبيل الشتم يكون قذفا.\rولو قال لرجل: يا زانية لا يجب الحد عن أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا ل محمد.\rولا قال لامرأته: يا زاني يحد بالاجماع.\rلو قال: يا زانئ باهمزة، وعنى به الصعود يحد لان العامة لا","part":3,"page":144},{"id":896,"text":"تعرف هذا.\rولو قال: زنأت في الجبل وعنى به الصعود: فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يحد، لما قلنا خلافا لمحمد.\rولو قال: زنأت على الجبل يحد بالاجماع لانه لا يستعمل لفظه على الصعود.\rوأما الشرائط: فشروط وجوب الحد أن يكون المقذوف محصنا.\rوشرائط إحصان حد القذف خمسة: العقل والبلوغ والحرية والاسلام والعفة عن الزنا.\rوأما شرط ظهور حد القذف عند القاضي، بالبينة أو بالاقرار فهو خصومة المقذوف، ومطالبته وحضرته عند الاقامة لان فيه حق العبد، وحق العبد لا يثبت إلا بمطاليته وخصومته.\rثم حق الخصومة والطلب، للمقذوف، إذا كان حيا، سواء كان حاضرا أو غائبا، وليس لاحد حق الخصومة إلا بإنابته عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعند أبي يوسف: لا تصح وكالة في حد ولا قصاص.\rوأجمعوا أنه لا يصح الوكالة في استيفاء الحدو والقصاص، وعنوا بهذا أنه لا بد من حضرة المقذوف، وحضرة ولي القصاص للاستيفاء.\rفأما إذا حضر ففي حد القذف الاستيفاء إلى الامام، وفي القصاص إلى الولي.\rلكن إذا وكل إنسانا بالاستيفاء بين يديه، لعجزه وضعف قلبه جاز بالاجماع.\rولو أنه طلب المقذوف الحد وخاصم بين يدي القاضي وحكم القاضي به ثم مات، أو مات قبل أن يطالب، أو مات بعدما ضرب","part":3,"page":145},{"id":897,"text":"بعض الحد بطل وبطل ما بقي، وإن كان سوطا واحدا ولا تبطل شهادة المقذوف وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: يقول الوارث مقامه في لخصومة والحضرة.\rفالحاصل أن المغلب في حد القذف حق الله تعالى عندنا.\rوعنده المغلب حق العبد فلا يورث عندنا خلافا له.\rوعلى هذا: لا يصح الصلح والعفو من لمقذوف، عندنا خلافا له والمسألة معروفة.\rهذا إذا قذفه في حال الحياة، فأما إذا قذفه بعد الموت بالزنا، فإن حق الخصومة فيه للوالد وإن علا، وللولد وإن سفل، ولا حق للاخ والعم والمولى وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى يدخل فيه أولاد البنات عندهما وعند محمد: لا يدخل إلا من يرث بالعصوبة.\rوأما بيان الاحكام - فنقول: إذا رفع المقذوف الامر إلى القاضي، والقذف صحيح، فلا يخلو إما أن ينكر القاذف أو يقر.\rفإن أنكر وطلب المقذوف من القاضي أن يؤجله حتى يقيم البينة، وادعى أن له بينة، حاضرة في المصر فإنه يؤجله إلى أن يقوم من المجلس، ويحبس المدعى عليه القذف، فإن أقامها، إلى آخر المجلس، وإلا خلى سبيله، ولا يأخذ منه كفيلا بنفسه وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يأخذ منه كفيلا بنفسه، حتى يحضر الشهود ولا يحبسه.\rوعن محمد أنه قال: أكفله ثلاثة أيام ولا أحبسه فإن أقام شاهدا واحدا عدلا فإنه يحبس حتى يحضر الشاهد الآخر، وإن أقام شاهدا غير عدل، فإنه يؤجله إلى آخر المجلس.","part":3,"page":146},{"id":898,"text":"وإن قال المقذوف: بينتي خارج المصر أو غائبون فإن القاضي\rيخلي سبيل القاذف على ما ذكرنا.\rوإن أقام رجلا وامرأتين: أو لشهادة على الشهادة، أو كتاب القاضي في إثبات القذف فلا يقبل لان الذكورة شرط في الحد.\rولو أقام القاذف رجلا وامرأتين، على أن المقذوف صدقة في قذفه له يقبل لانها قامت على درء الحد.\rوإن طلب المقذوف من القاضي، أن يستحلف القاذف فإنه لا يحلفه عندنا، خلافا للشافعي بناء على أن حد القذف حق العباد عنده.\rفإذا أقام البينة على القذف، أو أقر القاذف فإن القاضي يقول للقاذف أقم البينة على صحة قولك.\rفإن أقام أربعة من الشهود، على معاينة الزنا، أو على إقراره بالزنا، على الوجه الذي ذكرنا - يقيم حد الزنا، على المقذوف، ولا يقيم حد القذف على القاذف، لانه ظهر أنه صادق في مقالته.\rفإن عجز عن إقامة البينة للحال، وقال للقاضي أجلني حتى أحضر البينة، ولي بينة في المصر فإنه ؤجله إلى قيام المجلس: فإن أقام البينة إلى آخر المجلس وإلا أقام عليه حد القذف، ولا يأخذ منه كفيلا، حتى يذهب، فيطلب شهوده ولكن يحبسه ويقول له ابعث إلى شهودك.\rوعلى قول أبي يوسف: يؤجل إلى المجلس الثاني.\rوعن محمد أنه قال: إن لم يجد أحدا يبعثه إلى الشهود، أتركه حتى يذهب ويحضر الشهود، وأبعث معه شرطا حتى يحفظوه ولا أدعه حتى يفر فإن عجز أقيم عليه الحد.\rفإن ضرب بعض الحد فحضر الشهود وشهدوا بطل الحد","part":3,"page":147},{"id":899,"text":"الباقي وأقبل شهادتهم.\rوإن شهدوا بعد إقامة الحد، على صدق مقالته - تقبل شهادتهم ويظهر في حق الشهادة حتى لا يرد شهادته بعد ذلك.\rوأما التعزير فيجب في جناية ليست بموجبة للحد، بأن قال يا كافر أو يا فاسق أو يا فاجر ونحو ذلك.\rويكون التعزير على قدر الجناية، وعلى قدر مراتب الجاني: قد يكون بالتغليظ في القول وقد يكون بالحبس وقد يكون بالضرب.\rوأقل التعزير ثلاثة أسواط فصاعدا، ولا يبلغ أربعين، بل ينقص منه سوط وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: في العبد ينقص من أربعين أسواط، وفي الحر لا يبلغ ثمانين، وينقص منه خمسة أسواط.\rوأصله قوله عليه السلام: من بلغ حدا، في غير حد فهو من المعتدين.\rولا يؤخذ فيه الكفالة.\rولا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشهادة على الشهادة.\rوعند محمد: يؤخذ فيه الكفيل، وتقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال وروي عنه أنها تقبل في حق الحبس أياما ثم يخرج ولا تقبل في حق الضرب.","part":3,"page":148},{"id":900,"text":"كتاب السرقة\rقال رحمه الله: جمع في الكتاب بين السرقة وقطع ا لطريق وتفسير البغاة وأحكامهم.\rأما الاول - فنقول: يحتاج إلى: تفسير السرقة الموجبة للقطع في الشرع، وإلى بيان حكمها.\rأما الاول: فهو أخذ مال الغير، على سبيل الخفية، مع شرائطها: منها: أن يكون السارق عاقلا بالغا.\rومنها: أن يكون المسروق مالا، متقوما - حتى لو سرق الخمر والخنزير وجلد الميتة فإنه لا قطع عليه.\rولو سرق حرا، صغيرا، فمات في يده أو مرض فلا شئ عليه ولو أصابته آفة من الوقوع في البئر أو افتراس السبع يضمن لانه تضييع له.\rومنها: أن يكون المال المسروق مقدرا عندنا بعشرة دراهم.","part":3,"page":149},{"id":901,"text":"وعند مالك بثلاثين درهما.\rوعند الشافعي بربع دينار.\rوتكلم العلماء في صفة الدراهم العشرة: ذكر أبو الحسن الكرخي أنه يعتبر عشرة دراهم مضروبة.\rوكذا روي عن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يقطع في عشرة دراهم تبرا ما لم تكن\rمضروبة.\rوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا سرق عشرة مما يروج بين الناس: قطع فهذا يدل على أن التبر إذا كان رائجا يقطع فيه.\rويجب أن يكون وزن الدراهم العشرة وزن سبعة مثاقيل، كما في نصاب الزكاة.\rويجب أن يكون قيمة المسروق عشرة، من وقت السرقة، إلى وقت القطع، ولا ينتقص من حيث السعر.\rوروي عن محمد أنه لا يعتبر نقصان السعر بعد لاخذ.\rولو سرق في بلد وأخذ في بلد أخرى، لا يقطع، ما لم تكن القيمة في البلدين عشرة.\rفأما نقصان القيمة، بانتقاص العين بعد الاخذ، فلا عبرة به، فيقطع، لانه لو هلك كله لقطع فكذا إذا انتقص.\rوهذا الذي ذكرنا شرط في سرقة عشر من حرز واحد فإن أخذ عشرة، من حرز واحد، يقطع سواء كانت العشرة لواحد أو لجماعة لانها سرقة واحدة من حرز واحد.\rولو أخرج عشرة لرجل بعضها من دار، وبعضها من دار أخرى لا يجب القطع، لانه سرقتان بلا نصاب.\rولو أخرج من دار واحدة عشرة مرة خمسة ومرة خمسة لا","part":3,"page":150},{"id":902,"text":"يقطع ما لم يوجد إخراج العشرة جملة مرة واحدة.\rولو حمل اللصوص جملة متاعا من الحرز دفعة واحدة فإن بلغ قيمة المتاع مقدار ما تكون حصة كل واحد منهم نصابا كاملا، يجب القطع، وإلا فلا.\rومنها: أن يكون المال المسروق محفوظا محرزا على الكمال.\rوإنما يكون محرزا بأحد أمرين إما أن يكون في مكان معد للاحراز عادة الدور والبيوت والحوانيت والصناديق.\rوإما أن يكون محرزا بالحافظ.\rوفي القسم الاول: يكون المكان حرزا بنفسه سواء كان ثمة حافظ أو لا، وذلك أن يكون في الامصار والقرى والخيام والاخبية في المفاوز مع جماعة ممتنعة إلا إذا كان الباب مفتوحا، في الليل والنهار وليس ثمة حافظ فهذا لا يكون حرزا في العادة.\rوأما القسم الثاني: فأن لا يكون المكان حرزا بنفسه، وإنما يكون حرزا بالحافظ وذلك نحو قارعة الطريق، والمفازة، والمساجد فإن كان ثمة حافظ قريب من المال يكون حرزا، سواء كان نائما أو يقظانا.\rولو كان العدل والجوالق على الدابة في حال السير، فسرق رجل من العدل يقطع.\rولو سرق والعدل نفسه، والجوالق لا يقع، لان هذا غير محفوظ بالسائق.\rولو دخل السارق الحرز، وأخذ منه متاعا فقبل أن يخرجه، علم به صاحب الحرز، فأخذه - لا يقطع، لانه لم يوجد منه الاخراج من الحرز.\rولو أخذه السارق ورمى به إلى خارج الحرز، فأخذه صاحبه، ثم إن صاحب الحرز أخذ السارق من الحرز لا يقطع، لانه لم تثبت يده عليه،","part":3,"page":151},{"id":903,"text":"عند الخروج، لثبوت يد غيره.\rولو رماه من الحرز ثم خرج وأخذه يجب القطع عندنا، خلافا\rلزفر، لان هذا في حكم ده، إذا لم يأخذه غيره.\rولو أخذ المتاع من الحرز، وناول صاحبا له خارج الحرز فلا قطع عليهما عند أبي حنيفة كيفما كان، وقال محمد: إن أخرج الداخل يده من الحرز ونال الخارج يقطع الداخل دون الخارج وإن أدخل الخارج يده في الحرز وأخذ فلا قطع عليهما.\rوقال أبو يوسف إذا أخرج الداخل يده: لا قطع عليه فأما الخارج لان عنده دخول الحرز ليس بشرط، إذا أمكن السارق أخذ المال المحرز.\rوعلى هذا: إن السارق إذا نقب الجدار وأدخل يده وأخذ متاعا يساوي عشرة دراهم لا قطع عليه عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال ابو يوسف: يقطع.\rوكذا لو دخل الحرز، وجمع المتع عند النقب، ثم خرج وأدخل يده، وأخرج فهو على هذا الخلاف.\rوكذا لو دخلوا الحرز، وحملوا الامتعة على ظهر رجل منهم، أو رجلين حتى أخرجا الامتعة، وخرج الباقون من غير حمل شئ القياس أن لا يقطع غير الحامل، وفي الاستحسان: يقطعون لان السرقة من الجماعة هكذا تكون عادة.\rوكذا لو حملوا على دابة، حتى خرجت بها من الحرز يجب القطع.\rوإن كان معهم صبي أو مجنون: لا قطع على الكل عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن باشرا الاخراج دون الكبار العاقلين لا","part":3,"page":152},{"id":904,"text":"قطع على الكل، وإن باشر الاخراج غيرهما: يجب القطع على الكبار.\rومنها: أن يكون المسروق أعيانا قابلة للادخار والامساك ولا يتسارع إليها الفساد حتى لو سرق ثمارا مجدودة، محرزة في حظيرة عليها باب مغلق أو كان ثمة حافظ، ولكن يتسارع إليها الفساد، نحو العنب والتين، والسفرجل، والرطب، والبقول لا يقطع.\rولو كانت مما يبقى، مثل الجوز، واللوز، والتمر اليابس، والفواكه اليابسة يجب القطع.\rولو كانت الثمرة الباقية على الشجر، والحنطة في السنبلة لم تحصد في حائط موثق أو ثمة حافظ لا يجب القطع، لانه لم تستحكم ماليته بعد.\rوعلى هذا لو سرق اللحم الطري أو اليابس لا يجب القطع، لانه مما يتسارع إليه الفساد.\rوعلى هذا.\rالنبيذ الحلال والعصير واللبن بخلاف الخل والدبس.\rومنها: أن لا يكون المسروق شيئا يوجد مباح الاصل، كالطيور والخشب والقصب، والنورة واللبن، إلا إذا كان شيئا له خطر عند الناس، كالذهب والفضة واللعل والفيروزج والساج والعاج ونحوها، أو يحدث فيه صنع كالسرير ونحوه.\rومنها: أن لا يكون مأذونا بالدخول في الحرز، أو فيه شبهة الاذن، كالسرقة من ذوي الرحم المحرم.\rوكذلك عبد الرجل، ومدبره، ومكاتبه، وخادمه، وخادم امرأته،","part":3,"page":153},{"id":905,"text":"وأجيرهما، وضيفهما، ونحو ذلك.\rوكذلك لو سرق العبد من ابن مولاه، وأبويه لانه يدخل عليهم عادة.\rوإن سرق من غريمه فإن كان من جنس دينه، وهو حال لا يقطع وإن كان الدين مؤجلا لا يقطع استحسانا.\rوإن كان المسروق أكثر من الدين، وتلك الزيادة تكون نصبا فكذلك لان حقه ثابت في الجملة شائعا.\rوإن كان من خلاف جنسه يقطع خلافا للشافعي.\rوبعض أصحابنا قالوا: لا يقطع لاختلاف العلماء فيه من السلف.\rومنها: أن لا يكون المسروق شيئا له تأويل الاخذ أو الاتلاف، كما إذا سرق مصحفا، أو صليبا، أو نردا أو شطرنجا من ذهب أو فضة.\rومنها: أن لا يكون النصاب تبعا لما لا يقطع بسرقته، كما إذا سرق كلبا أو سنورا وفي عنقه طوق ذهب أو فضة، أو مصحفا مرصعا بالذهب والياقوت، أو سرق صبيا حرا عليه حلى أو ثياب ديباج لا يجب القطع.\rوكذلك لو سرق إناء فضة فيه طعام، وأخرجه من الحرز كذلك لا يجب القطع.\rولو صب الطعام وأخرج الاناء يقطع.\rومنها: شرط ظهور السرقة، الموجب للقطع، عند القاضي، وهو خصومة المسروق منه حتى لو شهدوا على السرقة من غير خصومة، أو أقر السارق فإن القاضي لا يقطع.\rولو جاء السارق ثانيا إلى المالك، ورد إليه، قبل المرافعة إلى الحاكم سقط الحد، في المشهور، عندنا.\rوأما إذا ردها بعد المرافعة، وسماع البينة لا يسقط القطع، سواء","part":3,"page":154},{"id":906,"text":"كان قبل القضاء أو بعده.\rوأما إذا وهبها من السارق، أو ملكها السارق، بوجه ما سقط القطع قبل القضاء وبعده عندنا خلافا للشافعي.\rثم الشرط خصومة المسروق منه بأن كان صاحب ملك أو صاحب يد أمانة، أو يد ضمان، ويثبت السرقة في حق الاسترداد، أما في حق القطع فعندنا كذلك وعند زفر: لا يثبت.\rوالشافعي يقول: لا يعتبر خصومة غير المالك أصلا.\rوأما السارق من السارق، فإن خصومته لا تعتبر، في حق القطع بالاجماع.\rوهل تعتبر في حق الاسترداد؟ فيه روايتان.\rوإنما تعتبر الخصومة إذا لم يتقادم العهد.\rفأما إذا تقادم عهد السرقة، فلا يسمع الخصومة كما في حد الزنا على ما ذكرنا.\rوأما قطاع الطريق والبغاة فنقول: إن قطاع الطريق، الذين لهم أحكام مخصوصة لهم شرائط: أحدها: أن يكون لهم منعة وشوكة بحيث لا تمكن للمارة المقاومة معهم وقطعوا الطريق عليهم، سواء كان بالسلاح أو بالعصا الكبيرة والحجر، وغيرها.\rوالثاني: أن يكون ذلك خارج المصر بعيدا عنه.\rفأما في المصر وقريبا منه، أو بين مصرين فلا يكون قطع الطريق وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وخلافا لابي يوسف.\rوالثالث: أن يكون ذلك في دار الاسلام، على أهل دار الاسلام.\rوالرابع: أن يوجد فيه جميع ما شرط في السرقة الصغرى، حتى إن ما أخذوا لو قسم على القطاع، فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم","part":3,"page":155},{"id":907,"text":"يجب القطع وإلا فلا.\rويشترط أن يكون القطاع كلهم أجانب في حق أصحاب الاموال، وأن يكون كلهم من أهل وجوب القطع، حتى إذا كان أحدهم ذارحم محرم أو صبيا أو مجنونا لا يجب عليهم القطع عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لابي يوسف.\rوإذا كان معهم امرأة ففيه روايتان والاصح أنه لا يقطع.\rالخامس: أن يظفر بهم الامام قبل التوبة ورد الاموال إلى أربابها.\rأما أحكامهم - فنقول: إن قطع الطريق على أربعة أنواع: إن أخذوا المال لا غير: تقطع أيديهم وأرجلهم، خلاف، إذا كانوا صحيحي الاطراف.\rوإن قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا.\rوإن أخذوا المال وقتلوا: فالامام بالخيار إن شاء قطع وقتل وإن شاء قتل لا غير ثم هو مخير بين أن يقتله صلبا وبين أن يقتله بلا صلب.\rثم الكرخي يقول: يصلب حيا ثم يقتل والطحاوي يقول: يصلب مقتولا.\rوإن خوفوا بقطع الطريق لا غير: يحبسون ويعزرون حتى يتوبوا وهو تفسير النفي لقوله تعالى: * (أو ينفوا من الارض) *.","part":3,"page":156},{"id":908,"text":"ثم إذا أقيم الحدان القطع والقتل فلا شئ عليهم من ضمان ما هلك من الاموال وضمان الجراحات والقتل لان الحد مع الضمان لا يجتمعان.\rوأما إذا فات شئ من الشرائط حتى لا يقام الحد عليهم فإنه يحكم القاضي بما هو حكم ذلك الفعل، بدون قطع الطريق، حتى إذا أخذوا المال لا غير يجب الرد أو الضمان، فإن قتلوا لا غير يجب القصاص لا الحد حتى إذا قتلوا بالسلاح يقتلوا ولا يقتلوا إذا قتلوا بغير السلاح.\rولا يقتل الردء والمعين.\rوإن خرجوا إن أمكن استيفاء القصاص يقتص منهم وإلا فيجب الضمان.\rوأما البغاة: فقوم لهم شوكة ومنعة، وخالفوا المسلمين في بعض الاحكام، بالتأويل، كالخوارج وغيرهم، وظهروا على بلدة من البلاد، وكانوا في عسكر وأجروا أحكامهم.\rفإذا قطعوا الطريق على أهل العدل من المسافرين فلا يجب عليهم الحد لانهم يدعون إباحة أموالهم عن تأويل ولهم منعة.\rولو جاء رجل من أهل البغي تائبا وأتى بسارق قد سرق ماله من أهل البغي لا يقطعه الامام العدل.\rولو كان رجل منهم في دار أهل العدل فسرق مال أهل العدل يقطع وإن استحله لانه لا منعة له والله تعالى أعلم.","part":3,"page":157},{"id":909,"text":"كتاب الهبة يحتاج إلى: بيان مشروعية عقد الهبة.\rوإلى بيان ركنه، وإلى بيان شرائط صحته، وإلى بيان حكمه.\rأما الاول فنقول: الهبة عقد، مشروع، مندوب إليه بالكتاب والسنة والاجماع.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) *.\rوأما السنة فقوله عليه السلام: تحابوا وقال عليه السلام: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.\rوعليه الاجماع.","part":3,"page":159},{"id":910,"text":"وأما ركن الهبة: فهو الايجاب والقبول: فالايجاب قوله وهبت هذا الشئ منك أو جعلته لك أو هذا لك أو نحلته لك أو قال جعلت هذه الدار لك عمري أو عمرك أو حياتي أو حياتك، فإذا مت فهو رد علي فهذا كله هبة، وهي له حياته وموته، والشرط الذي شرطه باطل، على ما روي عن النبي عليه السلام\rأنه قال: امسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها، فإن من أعمر شيئا كان لمن أعمره.\rولو قال هذه الدار لك رقبي أو حبيسة ودفعها إليه فهي عارية في يده ويأخذها منه متى شاء وقال أبو يوسف: إذا قبضها فهي هبة، وقوله: رقبي وحبيسة باطل.\rولو قال هذه الدار لك سكنى أو هذه الشاة أو هذه الارض لك منحة فهي عارية في قولهم جميعا، لان المنحة عبارة عن بذل المنافع، فإذا أضاف إلى عين ينتفع بها مع قيامها، عمل بحقيقته فأما إذا أضاف إلى شئ لا ينتفع به، إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعاما، أو لبنا، أو دراهم، أو دنانير فإنه يكون هبة لانه لا منفعة له مع قيام عينه.\rوعلى هذا قالوا: إن عارية الاعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون قرض ويكون تمليك العين.\rوكذا لو قال هذه الدار لك سكنى عمري أو عمري سكنى فهي عارية.\rوكذا إذا قال هبة سكنى أو سكنى هبة فهي عارية.","part":3,"page":160},{"id":911,"text":"وإن قال هذه الدار لك عمري تسكنها أو صدقة تسكنها فهي هبة وصدقة وقوله: تسكنها أو تؤاجرها أو تعيرها يكون مشورة، فيكون شرطا فاسدا، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة.\rكذا لو قال: هي لك هبة تسكنها فهي هبة جائزة لما ذكرنا.\rولو وهب الرجل أمة، على أن لا يبيعها فالهبة جائزة، والشرط باطل عند أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف أيضا.\rوكذا لو شرط أن يتخذها أم ولد أو أن يبيعها من فلان أو يردها\rعليه بعد شهر كانت الهبة جائزة، والشرط باطل وكان ينبغي أن لا يكون الشرط الفاسد مفسدا للعقد، وإنما جاء الفساد لاجل النهي والنهي ورد في البيع وما ورد في غيره، فبقي غيره على الاصل إلا إذا كان في معناه وأصله ما روي عن النبي عليه السلام أنه أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر.\rأما شرائط الصحة: فمنها القبض حتى لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض وهذا عندنا.\rوقال مالك: القبض ليس بشرط.\rوأصله ما روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة.\rومنها: أن تكون الهبة مقسومة إذا كان يحتمل القسمة وتجوز إذا كان مشاعا لا يحتمل القسمة، سواء كانت الهبة للشريك أو غيره.\rوقال الشافعي: هبة المشاع جائزة.\rوكذلك الخلاف في التصدق بالمشاع.","part":3,"page":161},{"id":912,"text":"وأصله ما روينا عن الصحابة أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، والحيازة يراد بها القسمة هاهنا، بالاجماع.\rومنها: أن تكون الهبة متميزة عن غير الموهوب وغير متصلة به، ولا مشغولة بغير الموهوب، حتى لو وهب أرضا فيها زرع للواهب دون الزرع، أو نخلا فيها ثمرة للواهب معلقة به دون الثمرة، لا يجوز، وكذلك لو وهب ثمرة النخل دون النخل، أو الزرع دون الارض وقبض\rالنخيل والثمرة والارض والزرع لا يجوز.\rوكذا لو وهب دارا فيها متاع للواهب، أو ظرفا فيه متاع للواهب دون المتاع، أو وهب دابة عليها حمل للواهب دون الحمل وقبضها فإنه لا يجوز، ولا يزول الملك عن الواهب إلى الموهوب له، لان الموهوب غير متميز عما ليس بموهوب فيكون بمنزلة هبة المشاع.\rولو قسم المشاع وسلم ما وهب جاز.\rوكذا في هذه الفصول، إذا سلم الدار فارغة عن المتاع.\rوكذا إذا حصد الزرع وجز الثمر، ثم سلم النخل والارض جاز، لان الملك يثبت عند القبض، فيعتبر حالة القبض وتكون الهبة موقوفة في حق ثبوت الملك إلى وقت الافراز، وفي كون الهبة، في الحال فاسدة أو لا خلاف بين المشايخ ولكن لا خلاف أنه إذا وجد التسليم بعد القسمة والافراز جاز.\rولو وهب دارا من رجلين، أو كرا من طعام أو ألف درهم أو شيئا مما يقسم فإنه لا يجوز عند أبي جنيفة وعندهما جائز.\rوالحاصل أن عند أبي حنيفة: الشيوع متى حصل عند القبض فإنه يمنع صحة الهبة، وإن حصل القبض في غير مشاع جاز فجوز هبة الاثنين من الواحد ولم يجوز هبة الواحد من الاثنين.\rواعتبر أبو يوسف","part":3,"page":162},{"id":913,"text":"ومحمد في فساد العقد حصول الشيوع في الطرفين جميعا فجوزا هبة الواحد من اثنين وهبة الاثنين من الواحد.\rولو وهب عبدا من رجلين، أو شيئا مما لا يقسم جاز، بالاجماع، لانه لا عبرة للشيوع فيما لا يحتمل القسمة في باب الهبة.\rولو وهب رجل لرجلين وقال: وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها ولهذا نصفها فهو على الخلاف الذي ذكرناه.\rولو قال: وهبت لك نصفها ولهذا نصفها: لم يجز، بالاجماع، لان العقد وقع في المشاع في كل نصف.\rولو قال: وهبت لكما هذا الدار: لهذا ثلثها ولهذا ثلثاها جاز عند محمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز فهما مرا على أصلهما، وأبو يوسف فرق عند مخالفة النصيبين كما لو رهن عينا واحدة من اثنين لاحدهما الثلث وللآخر الثلثان فكذلك هذا.\rثم إن عند أبي حنيفة: إذا قسم وسلم إلى كل واحد منهما حصته مفرزة جاز لما قلنا.\rولو تصدق بعشرة دراهم على مسكينين جاز، ولو تصدق على غنيين لم يجز عند أبي حنيفة، كالهبة من اثنين لان الصدقة تقع من المتصدق لله تعالى، لا للفقير فلا يتحقق الشيوع، والصدقة من الغنيين هبة فلم تجز، وقيل على قوله: تجوز الصدقة من الغنيين لانه يحل لهما صدقة التطوع.\rولو وهب رجل لرجل ما في بطن جاريته أو غنمه أو ما في ضروعها، أو وهب له سمنا في لبن، أو زبدا قبل أن يمخض.\rأو دهنا في سمسم قبل أن يعصر، أو زيتا في زيتون، أو دقيقا في حنطة وسلطه على قبضه عند الولادة وعند استخراج ذلك فإنه لا يجوز، لان بعض هذه","part":3,"page":163},{"id":914,"text":"الاشياء معدوم عند العقد، أو معجوز التسليم لمعنى في المحل، أو مجهول حتى لا يكون محلا للبيع، وإذا كان هكذا فيكون فاسدا، لا\rموقوفا، بخلاف ما ذكرنا من هبة المشاع، والموهوب المتصل بغيره حيث يجوز إذا سلم بعد الافراز والفصل، لان المشاع قابل لحكمه، لكن المانع هو العجز عن التسليم، لمعنى في غيره، فإذا زال المانع فينقلب جائزا.\rولو وهب جارية أو حيوانا، واستثنى الحمل: جازت الهبة في الام والحمل جميعا، وبطل الاستثناء.\rوجملة هذا أن العقود على ثلاثة أضرب: أحدها: إذا عقد على الام دون الحمل: فسد العقد، وبطل الاستثناء، وهو كالبيع والاجازة والرهن، لان الحمل تبع للام في هذه العقود، فكان موجبه ثبوت الحكم في الكل، فإذا استثنى الحمل فقد نفى بعض موجب العقد ففسد العقد.\rوالثاني: أن يصح فيه العقد ويبطل الاستثناء، وذلك مثل النكاح والخلع والصلح عن دم العمد والهبة لان موجبه أن يثبت الحكم في الكل.\rوقد نفى بعض الموجب بالاستثناء فيكون شرطا فاسدا والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة.\rالثالث: يجوز العقد والاستثناء وهو الوصية: إذا أوصى بجارية إلا حملها صحت الوصية في الجارية، وبقي الحمل للورثة، لان الحمل أصل في حق هذا التصرف، حتى تجوز الوصية بالحمل فجاز الاستثناء.\rولو أعتق ما في بطن جاريته ثم وهبها جازت الهبة في الام.\rولو دبر ما في بطن جاريته ثم وهبها لم يجز فمن أصحابنا من","part":3,"page":164},{"id":915,"text":"قال في المسألة روايتان، ومنهم من فرق بين التدبير والاعتاق.\rولو وهب عبدا أو ثوبا، أو عينا من الاعيان، مفرزا مقسوما، لم يأذن له في قبضه، فقبضه، الموهوب له فإن كان بحضرة الواهب يجوز استحسانا، والقياس أن لا يجوز ذكرنا في الزيادات.\rوإذا قام من المجلس، ثم قبض لا يصح، لان القبض في الهبة بمنزلة القبول في حق إثبات الحكم، وذلك يصح في المجلس لا بعده كذلك هذا.\rولو وهب دينا له على رجل، لرجل وأذن له بقبضه ممن عليه جازت الهبة، إذا قبض ذلك، استحسانا، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر، ولو لم يأذن له في قبض الدين لم تجز الهبة، وإن قبضه الموهوب له بحضرة الواهب.\rولو وهب العارية أو الوديعة وكل أما نة في يد إنسان من صاحب اليد فإنه يجوز، ويثبت الملك للموهوب له وينوب قبض الامانة عن قبض الهبة وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون قابضا حتى يتمكن من قبضه بالخلية ووجه الاستحسان أن الهبة تبرع، وقبض الامانة ينوب عنه بخلاف ما إذا باع من المودع، لان البيع عقد ضمان، وقبض الامانة لا ينوب عن قبض الضمان.\rولو كانت العين مضمونة في يد إنسان، بالمثل أو بالقيمة كما في الغصب والمقبوض على سوم الشراء، فوهبها من صاحب اليد تصح الهبة ويبرأ عن الضمان، فيكون قبضا غير مضمون.\rولو كانت مضمونة بغيرها كالرهن والمبيع، فوهبها المالك، لمن هي في يده فإنه لا يكون قابضا بذلك، ما لم يقبضها قبضا مستأنفا بعد عقد الهبة، لانها إذا كانت مضمونة بغيرها لم تصح البراءة عنها بالهبة فلا\rيصير قبض أمانة، ولا بد من تجانس القبضين حتى يتساويا.","part":3,"page":165},{"id":916,"text":"ثم إذا صحت الهبة عند وجود شرائطها واحتجنا إلى بيان الحكم فنقول: حكم الهبة ثبوت الملك للموهوب له، غير لازم، حتى يصح الرجوع والفسخ عندنا.\rوعند الشافعي: يقع الملك لازما إلا في هبة الولد لولده.\rلكن يكره الرجوع في الهبة، لان من باب الدناءة.\rوللموهوب له أن يمتنع عن الرد.\rولا يصح الرجوع إلا بتراض أو بقضاء القاضي لانه فسخ بعد تمام العقد، فصار كالفسخ بسبب العيب بعد القبض.\rوإنما يمتنع الرجوع بأسباب منها: العوض للحديث: الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها أي يعوض.\rولكن العوض نوعان: عوض مشروط في العقد، وعوض متأخر عن العقد.\rأما المشروط في العقد بأن قال وهبت لك هذا العبد على أن تعوضني هذا الثوب فحكمه أن لكل واحد أن يرجع في السلعتين جميعا، ما لم يتقابضا.\rوإن قبض أحدهما دون الآخر: كان للقابض وغير القابض الرجوع.\rفإذا تقابضا جميعا انقطع الرجوع، وصار بمنزلة البيع، وإن كان عقده عقد هبة، حتى يرد كل واحد منهما بالعيب، ويرجع في الاستحقاق، وتثبت الشفعة - وهذا عندنا، وعند زفر عقده\rعقد بيع - حتى يشترط القبض عندنا، لثبوت الملك في هذه الهبة، ولا يصح في الشيوع وعنده بخلافه.","part":3,"page":166},{"id":917,"text":"فأما العوض المتأخر عن العقد فهو لاسقاط الرجوع فلا يصير في معنى المعاوضة لا ابتداء ولا انتهاء، وإنما يكون المال الثاني عوضا عن الاول بالاضافة إليه نصا، بأن أعطى للواهب شيئا، وقال هذا عوض عن هبتك أو قد نحلتك هذا عن هبتك أو كافأتك أو جازيتك أو أثبتك أو قال هذا بدل هبتك أو مكان هبتك أو قد تصدقت بهذا عليك بدلا من هبتك فإن هذا عوض في هذه الوجوه إذا وجد قبض العوض ويكون العوض هبة تصح بما تصح به الهبة وتبطل بما تبطل به الهبة.\rفأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة الاولى: فإنها تكون هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين جميعا.\rومنها: العوض من حيث المعنى، وهو ليس بعوض مالي، كالثواب في الصدقة: فإنه يكون عوضا مانعا من الرجوع، وكصلة الرحم المحرم، وصلة الزوجية، حتى لا يصح الرجوع في هبة ذوي الارحام المحارم، وهبة الزوجين لانه قد حصل العوض معنى.\rومنها: إذا زادت في الهبة زيادة متصلة: بفعل الموهوب له أو بفعل غيره، بأن كانت جارية مهزولة فسمنت، أو كانت دارا فبنى الموهوب له فيها بناء، أو كانت أرضا فغرس فيها أشجارا أو نصب فيها دولابا، وهو مثبت في الارض مبني فيها، أو كان ثوبا فصبغه بعصفر، أو قطعه قميصا وخاطه، لان الموهوب اختلط بغيره، والرجوع لا يمكن في غير الموهوب\rفامتنع أصلا.\rأما الزيادة المنفصلة، كالارش والولد والعقر فلا تمنع الرجوع، لانه يمكن الفسخ في الام والاصل، دونها، بخلاف زوائد المبيع، لان ثم يؤدي إلى الربا، لانها عقد معوضة بخلاف الهبة.","part":3,"page":167},{"id":918,"text":"وأما نقصان الموهوب فلا يمنع الرجوع لانه فات بعضه، ولو كان الكل قائما فرجع في البعض دون البعض جاز فكذا هذا.\rومنها: خروج الموهوب عن ملك الموهوب له، بأن باع أو وهب لان اختلاف الملكين كاختلاف العينين.\rوكذا إذا مات الموهوب له، لان الملك ينتقل إلى ورثته.\rوكذا إذا مات الواهب، لانه ينتقل إلى ورثته.\rوكذا لو هلك الموهوب، لانه زال الملك فلا يحتمل الفسخ.\rثم الرجوع في الهبة بغير القضاء فسخ عندنا حتى يجوز في المشاع ولا يشترط القبض خلافا لزفر والمسألة معروفة.\rولو وهب رجل لابنه الصغير شيئا صحت الهبة، لان قبض الاب كقبضه، وكذا قبض جده بعده، وقبض وصي الاب والجد بعدهما، حتى لو وهب هؤلاء من الصغير، والمال في أيديهم صحت الهبة، ويصيرون قابضين للصغير، وعلى هذا قالوا: إذا باع الاب ماله، من ابنه الصغير، ثم هلك المبيع عقيب البيع، كان الهلاك على الصغير لانه صار قابضا بقبض الاب.\rوكذلك لو وهب أجنبي للصغير شيئا، فقبض ذلك أحد هؤلاء الاربعة، لان لهم ولاية التصرف في ماله.\rومن غاب منهم غيبة منقطعة، فالولاية تنتقل إلى الابعد كما في ولاية النكاح.\rولا يجوز قبض غير هؤلاء عنه، أجنبيا كان أو ذا رحم منه، لانه لا ولاية لهم عليه، إلا إذا كان الصغير في حجره وعياله فيكون قبضه للهبة بمنزلة إيصال النفع إليه ويكون من باب الحفظ.","part":3,"page":168},{"id":919,"text":"ولو قبض الصغير العاقل ما وهب له واحد من هؤلاء الاربعة جاز قبضه، استحسانا، والقياس أن لا يجوز، لان هذا من باب النفع وقبض هؤلاء عليه أيضا، وإن كان عاقلا، لان النظر الكامل في هذا أن يملك كل واحد منهما ذلك.\rولو وهب الاب مال الصغير لا يجوز، لانه تبرع ولو وهب بشرط العوض، وقبل الآخر العوض لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يجوز ف أبو حنيفة اعتبر نفس الهبة وهي من باب التبرع، ولا يملك الاب ذلك، ومحمد يقول هذا بمعنى البيع.\rوعلى هذا الخلاف: لمأذون والمكاتب، إذا وهبا بشرط العوض لم يجز عندهما خلافا له.\rولو وهب رجل، لعبد رجل فإن القبول والقبض إلى العبد، دون مولاه، ويكون الملك لمولى بحكم أنه كسب عبده لان الغرض هو وجه العبد فيكون هبة له، ولا يجوز قبض المولى وقبوله عنه، سواء كان على العبد دين أو لم يكن، لانه هبة للعبد.\rوكذلك الجواب في المكاتب أن قبول الهبة وقبضها إليه دون مولاه لانه أحق بكسبه.\rويكون للواهب الرجوع إذا كان العبد أجنبيا في حقه وإن كان انتقل الملك إلى مولاه، لان ملك العبد غير مستقر فيه فكأن الملك وقع للمولى ابتداء.\rوكذلك في المكاتب إن عتق فظاهر، لانه استقر ملكه وإن عجز وصار كسبه للمولى، فله حق الرجوع في قول أبي يوسف ولم يجز الرجوع في قول محمد - بناء على أن عند أبي يوسف: كأن الملك وقع للمولى من الابتداء، وعند محمد: كأنه ثبت من وقت العجز.","part":3,"page":169},{"id":920,"text":"ولو وهب الرجل لعبد رجل هبة، والواهب ذو رحم محرم من العبد، دون المولى، فإنه يرجع بالاتفاق.\rوأما إذا كان المولى ذا رحم محرم من الواهب دون العبد فعند أبي حنيفة: يرجع أيضا، وعندهما لا يرجع وهذا بناء على أن الملك في الهبة يقع للمولى، فيكون هبة من المولى عندهما، وإن كان ذا رحم محرم لا يرجع، وإن كان أجنبيا يرجع، ولا عبرة لجانب العبد، وعند أبي حنيفة: هذا هبة للمولى من وجه، وللعبد من وجه، فلا تكون صلة كاملة في حق كل واحد على الانفراد، والصلة الكاملة مانعة للرجوع، فلا تتعدى إلى الصلة من وجه.\rفأما إذا كانا جميعا ذوي رحم محرم من الواهب: ذكر أبو الحسن الكرخي عن محمد أن قياس قول أبي حنيفة: أن يرجع لانه لم يكن لكل واحد منهما صلة كاملة.\rوقال أبو جعفر الهندواني: ليس له أن يرجع في قولهم جميعا لان الهبة لايهما كانت تمنع الرجوع.\rوعلى هذا التفريع لو وهب للمكاتب وهو ذو رحم محرم من الواهب أو مولاه ذو رحم محرم من الواهب فإن أدى المكاتب اعتبر حاله، لانه استقر ملكه بالعتق.\rفإن عجز ففي قياس قول أبي حنيفة: يعتبر حال المولى، كأن الهبة وقعت له من الابتداء.\rوعند محمد: لا يرجع، لان الكسب كان للمكاتب، وعند العجز ينتقل إلى المولى.\rولو وهب الرجل أولاده، فسلم إلى الكبار حصتهم، وقبض هو حصة الصغار جاز لما قلنا.\rولكن ينبغي أن يسوي بين أولاده في الهبة، في قول أبي يوسف، وفي قول محمد: يجزيه إن أعطاهم على قدر مواريثهم والله أعلم بالصواب.","part":3,"page":170},{"id":921,"text":"كتاب الوديعة اعلم أن عقد الوديعة مشروع ومندوب إليه لان فيه إعانة لصاحبها لحفظ ماله، والله تعالى يقول: * (وتعاونوا على البر والتقوى) *.\rثم عقد الوديعة استحفاظ من المودع، وائتمان له، فتكون الوديعة أمانة في يد المودع، الوجود الائتمان من المودع، يلزمه حفظها، إذا قبل الوديعة، لانه التزم الحفظ، فيجب عليه أن يحفظ على الوجه الذي يحفظ ماله، بحرزه، وبيده، وبيد من كان ماله في يده نعني بحرزه الذي هو ملكه، أو يستأجره، أو يستعيره، وليس الشرط أن يحفظه في الحرز الذي يحفظ فيه ماله، ونعني بيد من كان ماله في يده كل من كان في\rعياله، حتى المتسأجر الذي استأجره مشاهرة بنفقته وكسوته، دون الذي استأجره بالدراهم أو المستأجر مياومة، ويدخل فيه العبد المأذون الذي في يده ماله، شريك المفاوضة والعنان وإن لم يكونوا في عياله.\rثم إذا أخرجه من يده ودفعه إلى غيره وديعة يصير ضامنا، لانه رضي بحفظه، دون حفظ غيره من غير ضرورة، حتى إذا وقع الحريق ونحوه في داره فأودع غيره لا يضمن.\rوأما مودع المودع: هل يضمن لو هلكت الوديعة؟ فعند أبي حنيفة:","part":3,"page":171},{"id":922,"text":"لا يضمن، وعند أبي يوسف ومحمد: يضمن، والمالك بالخيار: إن شاء ضمن المودع الاول، وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الاول لا يرجع على الثاني، وإن ضمن الثاني يرجع على الاول.\rولو استهلك الثاني الوديعة فلصاحب الوديعة الخيار في تضمينها فإن ضمن الاول يرجع الاول على الثاني، لانه يصير ملكا له، بالضمان، فكأنه أودع ماله عنده، وإن ضمن الثاني: لا يرجع على الاول المسألة معروفة.\rفإن استرد المودع الاول من الثاني وحفظه بنفسه يبرأ عن الضمان عندنا خلافا للشافعي.\rوعلى هذا: إذا استعمل الوديعة بأن ركب الدابة، ولبس الثوب ثم نزل ونزع يعود أمينا عندنا خلافا للشافعي والمسألة معروفة.\rوفي المستأجر والمستعير إذا خالفا ثم تركا الخلاف بقي الضمان وعند بعضهم هذا بمنزلة المودع.\rولو سافر بالوديعة لا يضمن عند أبي حنيفة ولو أودع إنسانا ضمن وعندهما يضمن والمسألة معروفة.\rولو رد الوديعة إلى بيت المودع، من غير حضرة المودع يضمن.\rوكذا إذا رد إلى يد من في عيال المالك، لانه لم يرض بيدهم حيث أودع، وفي الاجارة والعارية: لا يضمن، لعادة الناس، حتى إن العارية إذا كانت شيئا ونفيسا - قالوا: يضمن، وقيل أيضا في الثياب كذلك، وإنما العادة في بعض آلات البيت.\rولو بعث الوديعة مع من كان في عياله لا يضمن.","part":3,"page":172},{"id":923,"text":"ولو قال له: احفظ في هذه الدار ولا تحفظ في هذا البيت، وإنه مثل غيره في الحرز فلو حفظ في غيره لا يضمن، بخلاف الدارين.\rولو قال: احفظ في هذا المصر ولا يخرج يجب عليه الحفظ في ذلك المصر، إلا إذا كان ثمة عذر ظاهر بأن قصد السلطان أخذه فأخرجه مع نفسه.\rولو قال المودع: هلكت الوديعة عندي أو رددتها إليك، وأنكر المودع وقال: لا بل أتلفتها فالقول قول المودع لانه أمين في ذلك ولكن مع اليمين، لانه لو أقر بذلك يلزمه، فإن أقام المودع البينة على الاتلاف: يضمن المودع، وكذا إذا حلف المودع على الاتلاف، فنكل.\rفلو أقام المودع البينة على أنه أتلفها المودع، وأقام المودع البينة على أنها هلكت، فبينة المودع أولى، لانها أكثر إثباتا.\rولو أقام على إقرار المودع أنها هلكت: يقبل، ويكون إكذابا لبينته.\rولو طلب المودع يمين المودع: بالله ما يعلم أنها هلكت فالقاضي\rيحلفه فإن حلف: يقضي بالضمان، وإن نكل يقضي بالبراءة.\rوعلى هذا إذا جحد الوديعة فالقول قوله.\rولو أقام المودع البينة على الوديعة يضمن المودع فإن أقر بالوديعة وأقام المودع البينة على أنها هلكت قبل جحوده الوديعة لا يقبل، لانه بالجحود أكذب بينته وإن أقام على إقرار المودع بذلك يقبل.\rولو طلب من القاضي أن يحلف المودع بالله ما يعلم أن الوديعة هلكت قبل جحوده إياها يحلفه فإن حلف يقضي بالضمان، وإن نكل يقضي بالبراءة.\rولو أودع رجلان عند رجل وديعة، وغابا ثم حضر أحدهما فليس له أن يدفع إليه حصته.\rما لم يجتمعا وإن طلب منه عند أبي","part":3,"page":173},{"id":924,"text":"حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يقسم، ويدفع إليه حصته، ولا تصح القسمة في حق الغائب، حتى لو هلك النصف الباقي في يده يكون للغائب في أن يأخذ المودع نصفه الآخر.\rولو أودع رجل عند رجلين وديعة مما يقسم فلهما أن يقسماه ويأخذ كل واحد نصفه للحفظ، لانه رضي بحفظهما وأمكن من هذا الوجه.\rولو دفع أحدهما إلى صاحبه ضمن النصف عند أبي حنيفة لانه رضي بحفظهما، لا بحفظ أحدهما وعندهما لا يضمن.\rوأجمعوا أنها إذا كانت لا تقسم لا يضمن لانه لا يمكن حفظهما في مكان واحد، فكان راضيا بحفظ أحدهما.\rوعلى هذا الخلاف في المرتهنين والوكيلين بالقبض.\rولو خلط الودية بمال نفسه إن كان يمكن التمييز لا شئ عليه\rويميز وإن كان لا يمكن التمييز يضمن الحافظ عند أبي حنيفة مثله لصاحبه.\rوكذلك إذا كانت وديعتان، فخلط إحداهما بالاخرى يضمن مثل ذلك لصاحبهما، وإذا أدى الضمان حل له ذلك وعندهما في الدراهم والدنانير إن شاء المالك ضمنه مثله، وإن شاء أخذ نصف المخلوط.\rوكذا في الوديعتين، وفي سائر المكيلات والموزونات إن شاء ضمنه كل واحد مثل حقه، وإن شاء باعا المخلوط وقبضا الثمن ويأخذ صاحب الحنطة ثمن الحنطة، غير مخلوط بالشعير، ويأخذ صاحب الشعير ثمن الشعير غير مخلوط بالحنطة.\rولو مات المودع، ولم يبين الوديعة، فإن كانت معروفة، وهي","part":3,"page":174},{"id":925,"text":"قائمة: ترد إلى صاحبها.\rوإن لم تعرف يضمن، ويكون صاحبها شريكا للغرماء والله تعالى أعلم.","part":3,"page":175},{"id":926,"text":"كتاب العارية أعلم أن إطلاق اسم العارية في العرف بطريقتين: بطريق الحقيقة وبطريق المجاز.\rأما بطريق الحقيقة: فهو إعارة الاعيان التي ينتفع بها، مع قيامها، كالدور والعبيد والدواب ونحوها، وهو تمليك منافع الاعيان عند عامة المشايخ.\rوقال الكرخي: إنه عقد إباحة فإنه ليس للمستعير أن يؤاجر، ولو كان تمليكا لملك الاجارة كالمستأجر يملك أن يؤاجر.\rلكن هذا ليس بصحيح، فإنه يملك أن يعير، ولو كان إباحة لكان لا يملك، كالمباح له الطعام لا يملك الدفع إلى غيره إلا أنه لا يملك الاجارة، لانه عقد لازم، والعارية تبرع، فكيف يملك به ما هو لازم فيؤدي إلى تغيير المشروع؟ ثم العارية أمانة عندنا وعند الشافعي: مضمونة وهي مسألة معروفة.\rولو شرط الضمان في العارية هل يصح؟ المشايخ مختلفون فيه وأما بطريق المجاز: فهو إعارة المكيل والموزون، وكل ما لا يمكن الانتفاع به إلا","part":3,"page":177},{"id":927,"text":"باستهلاكه، فهو قرض حقيقة، ولكن يسمى عارية مجازا، لانه لما رضي بالانتفاع به باستهلاكه ببدل، كان تمليكا له ببدل، وهو تفسير القرض ولا يلزم الاجل فيه كما في العارية.\rثم العارية قد تكون مطلقة وقد تكون مقيدة: فالمطلقة.\rأن يستعير شيئا، ولم يبين أنه يستعمله بنفسه أو بغيره ولم يبين كيفية الاستعمال.\rوحكمها أنه ينزل منزلة المالك، فكل ما ينتفع به المالك، ينتفع به المستعير من الركوب والحمل، وله أن يركب غيره ولكن يحمل بقدر المعتاد، لا زيادة عليه، لان الزيادة تكون إتلافا.\rفأما إذا بين أنه يستعمل بنفسه فهذا على وجهين: إن كان مما يتفاوت الناس في استعماله، كالركوب واللبس فإنه يختص به، ولا يجوز له أن يركب غيره وأن يلبس غيره.\rوإن كان شيئا لا يتفاوت كسكنى الدار فله أن يعير غيره.\rوكذا إذا سمي وقتا أو مكانا، فجاوز ذلك المكان أو زاد على الوقت: يضمن، لان التخصيص مفيد.\rفأما إذا بين مقدار الحمل والجنس: فإن حمله عليه أو زاد يضمن بقدر الزيادة.\rولو حمل عليه شيئا بخلاف جنسه فإن كان مثله في الخفة أو أخف منه: لا يضمن، وإن كان أثقل منه يضمن، إلا إذا كان شيئا فيه زيادة ضرر بالدابة: فيضمن، وإن كان مثله في الوزن والثقل بأن استعار دابة ليحمل عليها مائة منه من القطن فحمل عليها مائة من من الحديد: فإنه يضمن، لان ثقل الحديد يكون في موضع واحد، وثقل","part":3,"page":178},{"id":928,"text":"القطن يتفرق على جميع ظهرها وبدنها.\rوإن كان أثقل منه فإن كان من الجنس المذكور: يضمن بقدر الزيادة، وإن كان من خلاف الجنس يضمن كل القيمة وليس للمستعير أن يؤاجر لما ذكرنا فإن فعل فهو ضامن من حين سلمه إلى.\rالمستأجر، ويكون المعير بالخيار إن شاء ضمن المستعير وإن شاء ضمن المستأجر، لوجود التعدي منهما فإن ضمن المستعير لم يرجع على المستأجر لانه ملك العين بالضمان، فكأنه آجر ملك نفسه، فهلك وإن ضمن المستأجر فإن كان لا يعلم أنه عارية، يرجع على المستعير، لانه ضمن الدرك، بإيجاب عقد فيه بدل فيكون غرور فأما إذا كان\rيعلم فلا يرجع لانه لا غرور فيه والرجوع بحكم الغرور.\rولو استعار أرضا على أن يبني فيها بناء، أو يغرس فيها غرسا فإما إن كان مطلقا أو مؤقتا إلى عشر سنين ونحوه.\rفإن كان مطلقا فبنى فيها أو غرس فلصاحب الارض أن يستردها في أي وقت شاء، لان العارية غير لازمة، وعلى المستعير أن يأخذ غرسه وبناءه، لانه شغل أرض غيره ولم يرض صاحبه بذلك، وليس للمستعير أن يضمن المعير قيمة غرسه وبنائه ويترك ذلك عليه، لانه لم يوجد منه الغرور لان العارية تسترد على كل حال.\rوعلى قول مالك: له أن يرجع عليه.\rوإن كان مؤقتا فله أن يسترد أيضا لكن المستعير بالخيار إن شاء ضمن المعير قيمة غرسه وبنائه ويترك ذلك عليه، لانه غره حيث وقت وقتا طويلا، ثم استرد قبل مضيه، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه إن لم يضر","part":3,"page":179},{"id":929,"text":"القلع بأرض المعير، فأما إذا كان يضر به، فالخيار للمعير: إن شاء أخذ الغرس والبناء، بالضمان، وإن شاء رضي الله بالقطع، فأما إذا أعار الارض، ليزرع فزرع ثم أراد أن يسترد والزرع غير مدرك فليس له ذلك، وتبقى الارض في يده، بطريق الاجارة، إلى أن يأخذ الغلة، لان هذه مدة يسيرة معلومة فيه، وفيه نظر من الجانبين، بخلاف الغرس والبناء فإنه لو انقلبت إجارة، يتضرر به المعير لطول المدة.\rوإن اختلف المعير والمستعير في عدد الايام، أو في مقدار الحمل، أو\rفي المكان فالقول قول المعير لان المستعير قابض لنفسه فيكون سقوط الضمان بناء على الاذن له.","part":3,"page":180},{"id":930,"text":"كتاب الدعوى والبينات الدعوى نوعان: صحيحة، وفاسدة.\rأما الصحيحة: فأن يوجد فيها شرائط الصحة، بأن يدعى على خصم حاضر، وأن يكون المدعى به شيئا، معلوما، معينا، وأن يتعلق به حكم على المطلوب منه.\rوالفاسدة: أن لا يكون الخصم حاضرا، وأن يكون المدعى به مجهولا، لانه لا يمكن للشهود الشهادة، ولا للقاضي القضاء به، وأن لا تلزم المطلوب منه ذلك بأن ادعى أنه وكيل فلان.\rوالقاضي لا يسمع دعواه، إذا أنكر الآخر لان يمكنه عزله للحال.\rثم إنما يصير المدعى به معلوما: إما بالاشارة إليه عند القاضي، بأن كان منقولا في الدعوى، وبالشهادة، وإن لم يكن منقولا، نحو العقار والرحى ونحوهما مما يمكن معرفته بالتحديد فإعلامه بذلك وهو في العقار.\rوما لا يمكن معرفته بالتحديد كحجر الرحى فينصب القاضي أمينا حتى يسمع الدعوى والبينة عند ذلك بالاشارة.\rثم المدعي: من يلتمس بدعواه إثبات ملك على غيره، في العين أو في الدين، أو يثبت حقا.\rوالمدعى عليه من يدفع ذلك عن نفسه وينفيه.","part":3,"page":181},{"id":931,"text":"وقيل: المدعى من إذا ترك الدعوى يترك، والمدعي عليه من إذا ترك الدعوى لم يترك.\rوذكر محمد أن المدعى عليه وهو المنكر.\rإذا ثبت هذا فنقول: إذا جاء المدعي إلى القاضي مع خصمه فالقاضي يسأله: ماذا يدعي عليه؟ فإذا ادعى المدعي دعوى صحيحة، على خصم حاضر سأل المدعى عليه عن جواب المدعي وقال: أجب خصمك بلا أو نعم وما ذكرنا استحسان والقياس ما ذكر في الزيادات أن المدعي إذا جاء إلى القاضي مع خصمه فإنه لا يسأل المدعي: ماذا يدعي؟ حتى يبدأ المدعي بدعواه، ثم إذا ادعى دعوى صحيحة، وسمعها، لا يسأل المدعى عليه عن جواب ما لم يسأل المدعي منه، أن يسأل المدعى عليه، عن جوابه، لانه إنشاء الخصومة.\rلكن الصحيح هو الاستحسان لان الخصمين ربما يعجزان عن ذلك لمهابة مجلس القاضي.\rفإذا سأل المدعى عليه عن الجواب: فإذا أقربه أمره بتسليم المدعى به إلى المدعي، وإن أنكر سأل المدعي عن البينة عند أبي حنيفة، وعندهما يحلف المدعى عليه، إذا طلب المدعي منه الحلف لان عنده إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة في المصر، فالقاضي لا يحلفه وعندهما يحلفه فلذلك يسأل.\rفإذا قال: لا بينة لي أو ليس لي بينة حاضرة فإنه يحلف المدعى عليه، إذا طلب المدعي اليمين، لان اليمين حقه، فلا بد من طلبه.\rفإذا حلفه فإن حلف تنقطع الخصومة إلى وقت إقامة البينة،\rوإن نكل يقضي عليه بالنكول عندنا، في الاموال، وعند الشافعي: يرد اليمين إلى المدعي: فإذا حلف يقضي له.\rوفي القصاص في","part":3,"page":182},{"id":932,"text":"الطرف: يقضي بالنكول، أيضا عند أبي حنيفة وعندهما يقضي بالدية وأما في النفس فعندهما يقضي بالدية أيضا.\rوعنده لا يقضي بالقصاص ولا بالدية، ولكن يحبس حتى يقر أو يحلف، وكذا لا يقضي بالنكول في الاشياء السبعة عند أبي حنيفة، وعندهما يقضي وأجمعوا أنه لا يقضي بالنكول في الحدود.\rوعلى هذا الاستحلاف عنده لا يستحلف في الاشياء السبعة وهي النكاح، والرق والولاء والنسب والرجعة، والفئ في الايلاء، والاستيلاد لان الاستحلاف لاجل النكول، وهو بذل وإباحة عند أبي حنيفة، ولا يجري ذلك في هذه الاشياء.\rوعندهما هو بمعنى الاقرار الذي فيه شبهة، وهذه الاشياء مما يثبت بدليل فيه شبهة - وهذا مما يعرف في الخلافيات.\rثم الدعوى إما أن تكون في ملك مطلق أو بسبب مع التاريخ أو بدون، ولا يخلو إما إن كانت من الخارج على ذي اليد، أو من الخارجين على ذي اليد أو من صاحبي اليد أحدهما على صاحبه.\rأما إذا كان الدعوى في ملك مطلق فنقول: إن كانت من الخارج على ذي اليد، بلا تاريخ فبينة الخارج أولى، عندنا وعند الشافعي: بينة اليد أولى - وهي مسألة معروفة.\rوعلى هذا الخلاف إذا أرخا، وتاريخهما سواء، لانه لم يثبت سبق أحدهما، فبقيت دعوى ملك مطلق.\rفأما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق فهو أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول محمد أولا ثم رجع بعد رجوعه من الرقة وقال لا تقبل بينة ذي اليد على وقت ولا غيره إلا في التاج كذا ذكر ابن سماعة.\rوذكر محمد هذه المسألة في كتاب الدعوى وقال: عند أبي","part":3,"page":183},{"id":933,"text":"حنيفة: يقضي بها للخارج، ثم رجع وقال: يقضي بها لصاحب اليد وهو قول محمد أي قوله الاول لان بينة صاحب اليد أثبتت أنه أول المالكين.\rوأما إذا وقت أحدهما.\rولم يوقت الآخر فعند محمد: لا عبرة لتاريخ صاحب اليد.\rفالخارج أولى.\rوعند أبي يوسف: بينة صاحب الوقت أولى، وعن أبي حنيفة روايتان: في رواية مع محمد وفي رواية مع أبي يوسف.\rوأما إذا كانت الدعوى من الخارجين في ملك مطلق، بلا تاريخ، أو تاريخهما واء، والشئ في يد الثالث فهو بينهما نصفان عندنا.\rوللشافعي فيه قولان: في قول تهاترت البينتان وتبقى في يد صاحب اليد قضاء ترك، وفي رواية: يقرع بينهما ويقضي للذي خرجت له القرعة والمسألة معروفة.\rوأما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق فهو أولى بالاتفاق، لان بينة الخارجين مسموعة، فيترجح أحدهما بالتاريخ.\rوأما إذا وقت أحدهما دون الآخر فهما سواء عند أبي حنيفة، ولا عبرة بالتاريخ لجواز أن يكون الآخر لو وقت كان تاريخه أسبق.\rوعند أبي يوسف: صاحب الوقت أولى.\rوعند محمد: الذي أطلق أولى، لان\rالملك المطلق ملك من الاصل حكما حتى يستحق الزوائد به.\rوأما إذا كان الشئ في أيديهما، فأقام كل واحد منهما البينة أنه له فإنه يقضي لكل واحد منهما بنصف ما في يد صاحبه لانه خارج في ذلك النصف.\rولو أقام أحدهما البينة: يقضي له بنصف ما في يد صاحبه وما في يده يترك في يده قضاء ترك.","part":3,"page":184},{"id":934,"text":"ولو لم يكن لهما بينة قضى بينهما نصفين، قضاء ترك حتى لو أقام أحدهما البينة على صاحبه بعد ذلك، تقبل.\rوكذا إذا أرخا وتاريخهما سواء.\rوأما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق فعند أبي حنيفة وأبي يوسف صاحب الوقت الاول، أولى.\rوقال محمد: لا يعتبر الوقت في حق صاحب اليد فكان بينهما.\rوأما إذا كان لاحدهما وقت دون الآخر فعند أبي حنيفة ومحمد: لا عبرة للوقت، فيكون بينهما.\rوقال أبو يوسف: هو لصاحب الوقت في حق صاحب اليد فكان بينهما.\rوأما إذا كان لاحدهما وقت دون الآخر فعند أبي حنيفة ومحمد: لا عبرة للوقت، فيكون بينهما وقال أبو يوسف: هو لصاحب الوقت.\rوأما إذا كان دعوى الملك بسبب: فإن كان السبب هو الارث فإن كان أحدهما خارجا، والآخر صاحب اليد، وأقام كل واحد منهما البينة أنه ملكه: مات أبوه وتركه ميراثا له: فهو للخارج، في قول أصحابنا جميعا، لان كل واحد منهما\rيثبت الملك للميت مطلقا فصار كما لو حضر المالكان وادعيا ملكا مطلقا: يكون للخارج كذا هذا.\rوكذا إذا أرخا وتاريخهما سواء أو ذكر أحدهما الوقت دون الآخر.\rوأما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق فهو لصاحب الوقت الاول عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوفي قول محمد الآخر للخارج.\rوأما إذا كانا خارجين، في دعوى الميراث على ثالث ووقت أحدهما أسبق فهو له في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد","part":3,"page":185},{"id":935,"text":"روايتان في ظاهر الرواية قال في الميراث ذلك كله سواء وهو بينهما نصفان.\rوفي نوادر هشام: إن لم يؤرخا ملك الميتين فهو بينهما نصفان، وإن أرخا ملك الميتين: فهو لصاحب التاريخ الاول.\rوكان أبو بكر الرازي يفرق لمحمد بين الميراث من اثنين، وبين الشراء من اثنين قال في الميراث بينهما نصفان، وفي شراء الخارجين من رجل واحد: إنه لصاحب الوقت الاول، لان المشتري يثبت الملك لنفسه، والوارث ثبت الملك للميت.\rلكن روي عن محمد في الاملاء في الخارجين إذا أقاما البينة على الشراء من واحد وأرخا أن التاريخ لا يقبل إلا أن يؤرخا ملك البائع - وسوى بينه وبين الميراث.\rوأما إذا كان السبب هو الشراء - بأن ادعى الخارج الشراء من صاحب اليد، وهو منكر يقبل.\rولو ادعى صاحب اليد الشراء من خارج: يقبل أيضا لانه يصح تلقي الملك من جهته.\rفأما إذا ادعى كل واحد منهما الشراء من صاحبه، من غير تاريخ فلا يقضي بالبينتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف وترك المدعى به في يد صاحب اليد.\rوعند محمد: يقضي بالبينتين جميعا، لانه يمكن تصحيحهما، ويجعل كأن الخارج باع من صاحب اليد، وسلم إليه، ثم باع صاحب اليد منه، ولم يسلم إليه، فيؤمر بالتسليم إليه، ولا يمكن على العكس، لان بيع العقار قبل القبض، عنده لا يجوز.\rوأما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق: فإنه يقضي لآخرهما وقتا: أيهما كان، والبيع الثاني ينقض البيع الاول عندهما وقال محمد: يقضي","part":3,"page":186},{"id":936,"text":"بها للخارج وفي المسألة تفصيل لم يذكره الكرخي.\rوأما إذا أقاما البينة على الشراء القبض فعندهما: تهاترت البينتان، والمدعي لمن هو في يده، وعند محمد: يقضي بها للذي في يده، والثمن بالثمن قصاصا كأن الخارج اشتراها من الداخل، فقبضها ثم اشتراها الداخل منه، وقبض لان المذهب عنده أن القبض الموجود مهما أمكن أن يجعل قبض بيع، يجعل حملا لامر العاقل على الصحة.\rوأما الخارجان إذا ادعيا الشراء على صاحب اليد: فإن كان واحدا وأقاما البينة على الشراء منه بثمن معلوم، ولم يذكرا التاريخ ولا القبض - فإنه يجعل بينهما نصفين، عندنا.\rوعند الشافعي في قول: تهاترت البينتان.\rوفي قول: يقرع بينهما.\rفأما إذا أرخا وتاريخ أحدهما أسبق فهو له.\rوكذا إذا وقت أحدهما، دون الآخر فهو لصاحب الوقت، لانه ثبت سبق بيع أحدهما، وبيع الآخر معنى حادث، ولا يعلم تاريخه فيحكم به للحال.\rوأما إذا لم يكن لواحد منهما تاريخ، ولكن له قبض، بأن كان في يد أحدهما: فهو أولى، لانه يحمل على قبض البيع، والبيع الثاني حادث، ولم يعرف تاريخهما، فجعل كأن بيع صاحب القبض أسبق.\rفإن ذكر الآخر تاريخا، ولاحدهما تاريخ، وللآخر قبض لم يعتبر التاريخ إلا أن يشهدوا أن بيعه كان قبل بيع الذي الشئ في يده، فيقضي له به، ويرجع الآخر بالثمن على البائع.\rفأما إذا ادعى كل واحد منهما الشراء من رجل غير الذي ادعى","part":3,"page":187},{"id":937,"text":"عليه صاحبه، وأقاما البينة فهو بينهما نصفان، لان المشتريين قاما مقام البائعين، كأنهما حضرا وأقاما البينة، والمال بينهما نصفان.\rولو أرخا وتاريخ أحدهما أسبق يكون له عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وهذه رواية الاصول.\rوقد ذكرنا فرق أبي بكر الرازق ورواية الاملاء عن محمد، في هذا الفصل فلا نعيده.\rثم في هذه المسائل في الشراء يثبت الخيار لكل واحد من مدعي الشراء لانه يدعي شراء الكل، فلا يرضى بالنصف، مع الشركة، وهي عيب فإن اختار أخذ النصف يرجع على البائع بنصف الثمن، لاستحقاق نصف المبيع، وإن اختار الرد رجع بجميع الثمن لانفساخ البيع.\rوإن اختار أحدهما الرد والآخر الاخذ فإن كان قبل تخيير الحاكم لهما والحكم لهما نصفين فإنه يأخذ جميع المبيع، بجميع الثمن، لانه\rاستحقه، بحكم العقد، وإنما امتنع لاجل المزاحمة، فإذا ترك الآخر الخصومة، فله ذلك، بحكم العقد.\rفأما إذا كان بعد حكم الحاكم بينهما: فيأخذ النصف، بنصف الثمن، لانه، بحكمه، ينفسخ العقد، في النصف، ولا يعود إلا بالتجديد.\rوأما دعوى النتاج: فإن ادعى الخارج وذو اليد النتاج في دابة، فهي لصاحب اليد، لانتهما ادعيا أولية الملك، فاستويا في الدعوى، فيرجح باليد - وفي عين هذه المسألة ورد حديث جابر عن النبي عليه السلام.\rوإن دعى أحدهما النتاج: فهو لصحب اليد، أيهما كان، لما ذكرنا.","part":3,"page":188},{"id":938,"text":"وإن كان خارجان ادعيا النتاج، وهو في يد ثالث يدعي ملكا مطلقا: فهي بين الخارجين نصفان لاستوائهما.\rثم ظاهر مذهبنا أنه يقضي لصاحب اليد، لا أن يترك في يده بلا قضاء.\rوروي عيسى بن أبان أنه تتهاتر البينتان، ويترك في يده صاحب اليد قضاء ترك وهذا خلاف مذهبنا فإن الخارجين يقضي بينهما، ولو كان ترك في يد صاحب اليد، لا بطريق القضاء ينبغي أن يكون لصاحب اليد إذا تهاترت البينتان.\rفإن أرخا، فإنه ينظر: إن كان سن النتاج يوافق أحد التاريخين فهو له.\rوإن أشكل الامر: سقط حكم التاريخ، وجعل كأنهما لم يذكرا\rالتاريخ.\rوإن خالف الوقتين: ذكر في ظاهر الرواية أنه لا عبرة للتاريخ والحكم فيه ما ذكرنا من غير تاريخ.\rوذكر الحاكم أن في رواية أبي الليث تهاترت البينتان، ويبقى النتاج في يد صاحب اليد قضاء ترك وهو الاصح.\rكذا الجواب في كل ما لا يتكرر فيه سبب الملك، ولا يعاد، ولا يصنع مرتين فهو كالنتاج.","part":3,"page":189},{"id":939,"text":"وما يتكرر فيه سبب الملك، ويصنع مرتين فهو على التفصيل الذي ذكرنا من دعوى الملك المطلق وبالسبب.\rوإذا كان حائط بين دارين، وليس لواحد منهما عليه جذوع، ولا له اتصال بالبناء فإنه يكون بينهما لاستوائهما في الاستظلال.\rوإن كان لاحدهما عليه جذوع فالحائط له لانه مستعمل له.\rوإن كان لهما جذوع، على السواء: فهو لهما لاستوائهما.\rوإن كان لاحدهما أكثر ذكر الكرخي أنه إذا كان لاحدهما ثلاثة فصاعدا، وللآخر كثير فهما سواء.\rأما إذا كان لاحدهما ما دون الثلاثة، وللآخر أكثر فهو لصاحب الكثير وكذا ذكر محمد في كتاب الاقرار وذكر في كتاب الدعوى أن لكل واحد منهما ما تحت خشبته ولا يكون له كل الحائط.\rوإن لم يكن لهما جذوع ولاحدهما اتصال بالبناء من جانب واحد.\rأي يكون بعض ألبان الحائط المدعى به في حائط مملوك له قال: صاحب الاتصال أولى.\rوذكر في الاصل أنه إذا كان اتصال تربيع فهو أولى من صاحب الجذوع.\rوروي عن أبي يوسف أنه إذا كان الاتصال من الطرفين: كان أولى من صاحب الجذوع.\rوالمراد من اتصال التربيع أن يكون بعض الالبان متداخلا في البعض كالازج والطاقات، وأبو يوسف اعتبر هذا في جانبي الحائط","part":3,"page":190},{"id":940,"text":"المدعى به متصلا بحائطي المدعي، لان هذا دليل على أن باني الحائط هو، ثم لصاحب الجذوع حق وضع الجذوع في هذه المسألة.\rوكذا إذا كان له جذع واحد فالحائط لصاحب الاكثر، وله حق الوضع، وليس لصاحبه أن يرفع إلا إذا أقام البينة أن الحائط له فحينئذ يرفع لان البينة دليل مطلق.\rوإن كان خصا بين شخصين، والقمط إلى أحدهما، وادعى كل واحد الخص فهو بينهما عند أبي حنيفة ولا يرجح بكون القمط في جانبه.\rوقالا بأن صاحب القمط أولى.\rولو كان وجه البناء أو الطاقات على الحائط في أحد الجانبين: فلا يرجع هذا، بالاجماع لان هذا لا يختص بالملك.\rولو كان لاحدهما سفل وللآخر علو فليس لصاحب السفل أن يتصرف تصرفا لم يكن في القديم، وإن كان لا يتضرر به صاحبه عند أبي حنيفة.\rوعندهما لا بأس به إذا لم يكن فيه ضرر وكذا صاحب العلو.\rولو انهدما، فامتنع صاحب السفل عن البناء لا يجبر عليه لان الانسان لا يجبر على عمارة بيته، لكن يقال لصاحب العلو: ابن بمالك\rالسفل، وضع عليه علوك، وارجع عليه بقيمته مبنيا، وامنع الآخر عن السكن حتى يدفع القيمة.\rوكذا الجواب في الحائط بين الدارين.\rولو هدمه أحدهما: يجبر على العمارة والله تعالى أعلم.","part":3,"page":191},{"id":941,"text":"كتاب الاقرار قال رحمه الله: يحتاج في هذا الكتاب إلى: بيان كون الاقرار حجة، وإلى بيان ألفاظ الاقرار، وإلى بيان شرائط صحته، وإلى بيان المقربه، وما يتصل بذلك من الفرق بين حالة الصحة وحالة المرض.\rأما بيان كون الاقرار حجة: فإنه خبر صدق أو راجح صدقه على كذبه، فإن المال محبوب المرء طبعا فلا يقر به لغيره كاذبا.\rوأما بيان ألفاظ الاقرار - فنقول: إذا قال: لفلان علي كذا أو لفلان قبلي كذا فهو إقرار، لان علي كلمة إيجاب لغة، والقبالة والكفالة اسم للضمان.\rوكذا إذا قال: لفلان في مالي ألف درهم فهو إقرار له بذلك في مال.\rلكن لم يبين محمد في الاصل أنه يكون مضمونا أو لا، وذكر\rأبو بكر الرازي، أنه إقرار بالشركة، فيكون لك القدر المقربه عنده أمانة","part":3,"page":193},{"id":942,"text":"وقال بعض مشايخ العراق: إن كان ماله محصورا فهو إقرار بالشركة وإن كان غير محصور فهو إقرار في ذمته.\rوإن قال: له من مالي ألف درهم فهو هبة: لا تصير ملكا له إلا بقبوله والتسليم من المقر.\rولو قال: له عندي ألف درهم فهو وديعة.\rوكذا لو قال: معي أو في منزلي أو في بيتي أو في صندوقي أو في كيسي لانها لا تختص بالايجاب فيحمل على الادنى.\rهذا الذي ذكرنا إذا ذكر هذه الالفاظ مطلقا.\rفأما إذا قرن بها لفظا آخر، مخالفا للاول في المعنى، بأن قال: لفلان علي أو قبلي ألف درهم وديعة يكون وديعة لانه بيان معتبر فيصح بشرط الوصل، كالاستثناء.\rأما إذا ذكر مطلقا وقال: عنيت به الوديعة - لا يصدق، لانه خلاف الظاهر، فلا يصدق على الغير.\rوإن قال لفلان عندي أو: معي ألف درهم قرضا فهو إقرار، لانه بيان معتبر.\rولو قال: عندي كذا، وأعني به الاقرار صدق، وإن فصل، لان هذا إقرار على نفسه، فلا يتهم.\rولو قال: له من مالي ألف درهم لا حق لي فيها فهو إقرار.\rولو قال: لفلان عندي ألف درهم وديعة قرضا أو وديعة دينا أو مضاربة قرضا أو دينا، أو بضاعة قرضا أو دينا فهو إقرار إذا ادعى المقر\rله الدين، لان الضمان قد يطرأ على الامانة.","part":3,"page":194},{"id":943,"text":"ولو قال: لفلان عندي ألف درهم عارية فهو قرض.\rوكذا في كل ما يكال أو يوزن لان إعارة ما لا ينتفع بأعيانها إلا بالاستهلاك: يكون قرضا في العرف.\rوأما بيان الشرائط: فالعقل والبلوغ: شرط بلا خلاف لانه لا يصح بدونهما التصرف الضار.\rوأما الحرية: فهي شرط في بعض الاشياء دون بعض على ما نذكر.\rوكذا الرضا والطوع: شرط حتى لا يصح إقرار المكره بشئ على ما يعرف في كتاب الاكراه.\rوأما بيان أنواع المقربه: فهو نوعان في الاصل: حقوق الله تعالى والثاني حقوق العباد.\rأما حقوق الله تعالى فنوعان: أحدهما أن يكون خالصا لله كحد الشرب، والزنا، والسرقة والاقرار به صحيح، من الحر والعبد.\rولو رجع المقر عن ذلك، قبل الاستيفاء بطل الحد، لاحتمال الصدق في الرجوع، فأورث شبهة.\rويكتفي في ذلك بالاقرار مرة، إلا في الزنا فإنه يشترط العدد أربع مرات، لحديث ماعز، بخلاف القياس.\rوروي عن أبي يوسف أنه اعتبر عدد الاقرار بعدد الشهادة فشرط في\rالسرقة والشرب الاقرار مرتين لكن روي عنه أنه رجع.","part":3,"page":195},{"id":944,"text":"ويستوي الجواب، في الاقرار بالحدود بين تقادم العهد وعدمه، إلا في شرب الخمر فإنه لا يؤخذ به عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعد ذهاب رائحة الخمر استحسانا لحديث ابن مسعود وعند محمد: يؤخذ به وهو القياس.\rفأما حد القذف: فقد ذكرناه في كتاب الحدود.\rوأما حقوق العباد فأنواع: منها - القصاص والدية.\rومنها - الاموال.\rومنها - الطلاق والعتاق وحق الشفعة ونحو ذلك.\rوالمال قد يكون عينا وقد يكون دينا وقد يكون معلوما وقد يكون مجهولا، وقد يكون الاقرار في الصحة وقد يكون في المرض فنذكر جملة ذلك إن شاء الله تعالى.\rأما إقرار العبد فنذكره في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى.\rوأما الحر فإقراره بالمال صحيح كيفما كان سواء كان بالمال المقر به عينا أو دينا، وسواء كان معلوما أو مجهولا، وعليه البيان.\rفجهالة المقر به لا تمنع صحة الاقرار وجهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة والقضاء لانه لا يمكن القضاء بالمجهول، فأما في الاقرار فيؤمر بالبيان والقول قوله بيانه.\rإذا أقر أنه غصب من فلان مالا أو لفلان عليه شئ أو حق فإنه يؤمر بالبيان: فإذا بين شيئا له قيمة ويجري فيه المنع\rوالشح يصدق.\rوإن كان بخلافه يجبر على بيان شئ له قيمة.\r- في الغصب إذا قال: غصبت منه شيئا فبين ما لا قيمة له،","part":3,"page":196},{"id":945,"text":"بأن قال: غصبت منه صبيا حرا صغيرا أو خمرا لمسلم أو جلد ميتة يصدق، لان هذا مما يغصب عادة.\r- ولو قال: غصبت شاة أو عبدا أو جارية فبين سليما أو مع العيب أو قال: غصبت دارا فبين في بلدة قريبة أو في بلدة بعيدة يصدق لان الغصب يكون على ما يتفق فيكون القول قوله إلا أن في غصب الدار إن أمكنه تسليمها إليه يسلم ولا ضمان عليه إن خرجت أو عجز عن التسليم إلا عند محمد: فإنه يجب عليه القيمة عند العجز وهي مسألة معروفة.\r- ولو قال: علي قفيز حنطة فهو بقفيز البلد الذي أقر فيه فكذلك الرطل والامنان والصنجات فذلك كله على وزن البلد.\r- ولو قال: علي ألف درهم فهو على ما يتعارفه أهل البلد من الاوزان أو العدد، وإن لم يكن شيئا متعارفا، فيحمل على وزن سبعة، فإنه الوزن المعتبر في الشرع وكذلك في الدينار يعتبر وزن المثاقيل إلا في موضع يتعارف فيه بخلافه.\r- ولو قال: لفلان علي دريهم أو دنينير فعليه التام لان التصغير قد يذكر لصغر الحجم وقد يكون لاستحقار الدرهم، وقد يكون لخفة الوزن فلا ينتقص الوزن بالشك.\r- ولو قال: لفلان علي دراهم أو دنانير يقع على ثلاثة لانها أقل الجمع.\r- ولو قال: علي دراهم كثيرة يقع على عشرة عند أبي حنيفة وعندهما على النصاب وهو مائتا درهم.\r- ولو قال: علي مال عظيم أو كثير أو كبير فعليه مائتا","part":3,"page":197},{"id":946,"text":"درهم بلا خلاف، عند بعضهم.\rوقيل على قول أبي حنيفة: يقع على العشرة.\rوقيل: يعتبر حال المقر إن كان غنيا يقع على ما يستعظم عند الاغنياء وإن كان فقيرا يقع على النصاب.\r- ولو قال: غصبت إبلا كثيرة أو شياها كثيرة يقع على أقل النصاب من جنسه.\r- وإن قال: علي حنطة كثيرة يقع عندهما على خمسة أوسق وعند أبي حنيفة: البيان إليه.\r- وإن قال: علي أموال عظام روي عن أبي يوسف أنه يقع على ستمائة لان أقل الجمع ثلاثة.\rولو قال: علي ثلاثة دراهم غير درهم يلزمه درهمان، لان كلمة غير بالنصب للاستثناء.\r- وكذا إذا قال: علي ثلاثة آلاف درهم غير ألف يلزمه ألفان لما قلنا.\r- وكذا لو قال: علي ثلاثة دراهم إلا درهما فعليه درهمان.\r- ولو قال: علي عشرة إلا ثلاثة يلزمه سبعة.\r- ولو قال: إلا سبعة يلزمه ثلاثة لان الاستثناء تكلم بالباقي.\rوفي الاستثناء من الاستثناء يكون الاستثناء من المستثنى لا من المستثنى منه، ويلحق ذلك بالمستثنى منه.\r- إذا قال: علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما يلزمه ثمانية، لان ثلاثة صارت مستثناة من العشرة، ثم الاستثناء الثاني من الثلاثة،","part":3,"page":198},{"id":947,"text":"لانه أقرب إليه، فيخرج درهم ويلتحق بالمستثنى منه وهو سبعة فصار ثمانية.\r- ولو قال: لفلان عليه عشرة دراهم إلا ثوبالا يصح الاستثناء عندنا.\rوعند الشافعي: يصح، ويخرج قدر قيمة الثوب.\r- ولو استثنى شيئا من المكيل والموزون بأن قال: علي عشرة دراهم إلا قفيز حنطة أو علي مائة دينار إلا عشرة دراهم يصح الاستثناء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ويخرج من المستثنى منه قدر قيمة القفيز والعشرة، لان الجنس واحد وهو القدر وقال محمد وزفر رحمهما الله: لا يصح الاستثناء كما في الثوب.\r- ولو قال لفلان: علي ألف درهم إلا قليلا يلزمه أكثر من النصف، والقول قوله في الزيادة مع يمينه.\r- وكذا إذا قال: عليه قريب من ألف أو زهاء ألف أو عظم الالف لان هذا أكثر من النصف بيقين وفي الزيادة القول قوله.\rولو قال: علي ألف ونيف فعليه الالف عليه بيان النيف لانه عبارة عن الزيادة.\rولو قال: عليه ألف ودرهم أو عليه مائة ودينار يكون المعطوف عليه من جنس المعطوف بالاتفاق.\rوكذلك في جميع المكيل والموزون والعددي المتقارب.\r- وأما في العروض والعددي المفاوات، بأن قال: علي عشرة\rوثوب أو عشرة وعبد أو عشرة ودابة فعلى قول محمد: يلزمه المعطوف المسمى، والقول قوله في بيان المعطوف عليه: وعلى قول أبي يوسف: يكون المعطوف عليه من جنس المعطوف، لان العرف على هذا.","part":3,"page":199},{"id":948,"text":"ولو قال: لفلان علي ألف لا بل ألفان فجملة هذا إن الاستدراك في الاقرارات ثلاثة أنواع: إما أن يكون في خلاف جنس الاول، أو يكون في جنس الاول واستدرك الغلط في القدر من الكثرة والقلة أو في الصفة من الجودة والرادءة.\rفأما الاول - فبأن يقول: علي ألف درهم لا بل مائة دينار أو كر حنطة لا بل كر شعير.\rوحكمه أنه يلزمهما جميعا، لان الغلط فيه نادر والنادر ملحق بالعدم.\rوأما الثاني: بأن قال: علي ألف درهم لا بل ألفان أو قال: علي دينار لا بل ديناران فيلزمه الاكثر استحسانا والقياس أن يلزمهما جميعا، كما في خلاف الجنس، وكما في الطلاق إذا قال: أنت طالق واحدة لا بل ثنتين يقع الثلاث، وهو قول أبي يوسف ومحمد وفي الاستحسان أنه إخبار ويجري فيه الغلط فيصح التدارك بخلاف إنشاء الطلاق حتى إن في الاخبار كذلك، بأن قال: كنت طلقت امرأتي أمس واحدة لا بل ثنتين يقع على الاكثر.\rوأما الثالث: بأن قال: علي ألف درهم سود لا بل بيض.\rأو قال: علي قفيز حنطة جيدة لا بل وسط فيلزمه الاجود.\rولو قال: لفلان علي ألف ثمن مبيع إلا أنه زيوف فعند أبي\rحنيفة رحمة الله عليه: يلزمه الجيد ولا يصدق، سواء وصل أو فصل، كما لو قال: بعتك هذا العبد على أنه معيب: لم يصدق، وإن وصل وعندهما: إن وصل يصدق، وإن فصل لا يصدق.\rوفي القرض روايتان عنه.\r- وإذا قال: علي ألفم درهم مطلقا، ثم قال زيوف يصدق بشرط الوصل في قولهم.","part":3,"page":200},{"id":949,"text":"وفي الغصب والوديعة يصدق وصل أو فصل.\r- ولو قال: علي من ثمن بيع ألف درهم ستوقة أو رصاصا لا يصدق عند أبي حنيفة، وعن أيوسف أنه يصدق إذا وصل.\rوفي البيع الفاسد وفي الغصب والوديعة يصدق في الستوقة بشرط الوصل في قولهم جميعا.\r- ولو قال: له علي ألف درهم ثم قال: هو ثمن عبد لم أقبضه منه لم يصدق في قول أبي حنيفة، إلا أن يقول موصولا، والعبد قائم بعينه، في يد المقر له، وعندهما: إن صدقه المقر له كان القول قوله، وإن لم يصدقه كان الالف له، لازما عليه.\r- ولو قال: اقتضيت من فلان ألف درهم التي لي عليه أو قال: استوفيت أو قبضت أو أخذت وقال المقر له: لم يكن لك علي شئ يؤمر بردها إليه، مع يمينه على ما يدعيه المقر.\r- ولو قال: أخذت من فلان ألف درهم وديعة، فقال فلان: بل أخذت غصبا فالقول قول المقر له لما قلنا.\r- ولو قال: أودعني فلان ألف درهم أو قال: أعطاني وديعة،\rفقال: لا بل أخذتها غصبا فالقول قول المقر لانه ما أقر بسبب الضمان وهو الاخذ.\rثم الاقرار في حالة الصحة يصح للاجنبي والوارث جميعا من جميع المال ولا يكون الدين المتقدم أولى ويكون الغرماء أسوة إذا صار مريضا ليس له أن يؤثر البعض في القضاء، وفي الاداء في حالة الصحة له أن يؤثر البعض، لان الدين يثبت في الذمة حالة الصحة، وإنما ينتقل","part":3,"page":201},{"id":950,"text":"إلى المال بالمرض فكذلك على هذا.\rأما الاقرار في المرض فيصح للاجنبي من جميع المال، ولا يصح للوارث إلا إذا أجاز الورثة، لكن دين الصحة مقدم على دين المرض الثابت بإقراره.\rأما إذا ثبت بالبينة، أو بمشاهدة القاضي فهما سواء.\rوإقرار المريض باستيفاء الدين في حالة المرض يصح، سواء كان دين الصحة أو دين المرض في الجملة وهذا في حق الاجنبي وله تفاصيل كثيرة.\rوإما الاقرار بالوارث من المريض أو من الصحيح فنوعان: في حق النسب، وفي حق الميراث.\rأما في النسب فمن الرجل يصح بخمسة نفر بالوالدين، وبالولد، وبالزوجة، وبكونه مولى لفلان لانه ليس فيه تحميل النسب على غيره.\rمن المرأة يصح بأربعة: بالوالدين، وبالزوج، وبالولاء، دون الولد، لان فيه تحميل النسب على الغير.\rولا يصح الاقرار بالاخ والعم والخال في حق النسب ونحو ذلك، لما\rفيه من تحميل النسب فلا بد من البينة.\rفأما في حق الميراث فإن لم يكن للمقر وارث ظاهر صح إقراره في حق الارث، لانه إقرار على نفسه.\rفأما إذا كان له وارث ظاهر فلا يصح في حقه وإن كان الذي أقر به، مقدما عليه، بأن أقر بالاخ وله خال وعمة، لان فيه إبطال حق القريب.\rوكذلك لو كان له مولى الموالاة لانه آخر الورثة فلا يصح إقراره في حقه.\rولو أوصى بجميع ماله ثم أقر بأخ صح إقراره، وتنفذ الوصية من الثلث.","part":3,"page":202},{"id":951,"text":"وكذا لو أقر بأخ، ثم أوصى بجميع ماله يصح من الثلث، لان إقراره بالاخ صحيح في حقه إن لم يصح في حق غيره.\rولو أقر بالاخ، ثم رجع صح لانه ثبت بقوله.\rوعلى هذا - الوارث إذا أقر بوارث آخر: يصح في حق نصيبه، حتى إن الاخ إذا أقر بأخ آخر فإن ما في يده يكون بينهما نصفين.\rوهذا كله إذا صدقه المقر له في ذلك فأما إذا لم يصدقه لم يثبت.","part":3,"page":203},{"id":952,"text":"كتاب الوصايا في هذا الكتاب فصلان: فصل في الوصية، وفصل في الايصاء.\rنبدأ بالوصية فنقول:\rنحتاج إلى: بيان الوصية، وإلى بيان صفة المشروعية، وإلى بيان شرائط الصحة، وإلى بيان الموصى به، وإلى بيان الموصى له، وما يتصل بهذه الجملة.\rأما الوصية: فهي تمليك، مضاف إلى ما بعد الموت، بطريق التبرع إذ التمليك أنواع ثلاثة، فلا بد لكل نوع من اسم خاص ليتميز عن صاحبه فالبيع اسم لتمليك عين المال بعوض في حالة الحياة، والهبة والصدقة تمليك عين المال بغير عوض في حالة الحياة بطريق التبرع، والعارية تمليك المنفعة بطريق التبرع في حالة الحياة فيكون الوصية اسما لتمليك المال، بعد","part":3,"page":205},{"id":953,"text":"الموت، بطريق التبرع في العين والمنافع جميعا.\rفأما الاعتاق في معرض الموت تنجيزا وكذا الهبة والمحاباة فليست من جملة الوصية: فإنها نافذة للحال.\rوكذلك الكفالة، وضمان الدرك - لكن في معنى الوصية على معنى أنه يعتبر من ثلث المال لتعلق حق الغرماء بالتركة في مرض الموت.\rولو كان عليه حجة الاسلام، أو الزكاة، أو الكفارات، وجبت في الصحة أو في المرض فيبطل بالموت عندنا.\rولو أوصى بها تصح من الثلث، بمنزلة التبرع في المرض.\rوعلى هذا قلنا: إن القبول من الموصى له والرد يعتبر بعد الموت، لان الايجاب ينزل بعد الموت، والقبول يشترط عند الايجاب، كما في البيع وغيره وهذا عندنا.\rوعند زفر: القبول ليس بشرط، ولا ترتد بالرد كالميراث.\rولو رد أو قبل في حياة الموصي لا يصح حتى لو مات الموصى له بعد القبول قبل موت الموصي فإن الوصية لا يكون ملكا لورثة الموصى له.\rولو مات الموصى له بعد موت الموصي، قبل القبول والرد فالقياس أن لا يكون لورثة الموصى له شئ، لان القبول لم يوجد من الموصى له فيبطل وفي الاستحسان يصير لورثته إما لانه وجد القبول منه دلالة، أو لان الايجاب قد تم بنفسه، وتوقف على قبوله، فإذا مات ثبت الملك له، كأنه قبل دلالة كالمشتري بالخيار إذا مات يلزم العبد.\rفلو رد ورثته بعد موته هل يصح ردهم؟ اختلف المشايخ فيه قيل: يجوز الرد لانه صح لوجود القبول منهم دلالة، فإذا وجد الرد","part":3,"page":206},{"id":954,"text":"صريحا يبطل.\rوقيل: لا يجوز، لانه صار ميراثا، للورثة عن الموصى له لصيرورته ملكا له بالموت ولا يصح رد الميراث.\rوأما بيان المشروعية فنقول.\rقال بعضهم: مشروعة بصفة الوجوب في حق الكل.\rوقال بعضهم: واجبة في حق الوالد ين، لقوله تعالى: * (الوصية للوالدين والاقربين) *.\rوالصحيح أنها مشروعة بطريقة الندب، لقوله عليه السلام: إن\rالله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم، في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم.\rوأما شرائط الصحة فمنها: أهلية التبرع: حتى لا يصح من الصبي والعبد والمكاتب في حق المولى.\rومنها: عدم الدين: لقوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو *) دين.\rومنها: التقدير بثلث التركة: حتى أنها لا تصح، فيما زاد على الثلث، إلا أن يجيز الورثة، وإجازتهم وردهم يصح بعد الموت.\rأما قبل الموت: فلا يصح، لما قلنا: إن الملك بالوصية يثبت بعد الموت.\rومنها: أن يكون الموصى له أجنبيا: حتى أن الوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة، لقوله عليه السلام: لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة فإن أجاز بعض الورثة: تنفذ بقدر حصته من الميراث لا غير.","part":3,"page":207},{"id":955,"text":"ومنها: أن لا يكون قائلا، لقوله عليه السلام: لا وصية لقاتل.\rولو أجاز الورثة يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، لانه لا يجوز لحق الورثة فيجوز بإجازتهم، كما في وصية الوارث.\rوعند أبي يوسف: لا يجوز لان المانع حق الله تعالى فصار كالميراث.\rومنها: أن يكون الموصى له موجودا، حيا حتى لو أوصى للجنين إن كان موجودا حيا عند الايصاء يصح وإلا فلا.\rوإنما يعرف بأن ولد قبل ستة أشهر حيا.\rوأما بيان الموصى به:\rفالموصى به يجب أن يكون مالا.\rثم المال نوعان: المنافع، والاعيان.\rوأما الوصية بالمنافع: فجائزة بأن أوصى بخدمة عبد بعينه لفلان يكون وصية بالخدمة له وعين العبد تكون للورثة، ما دام الموصى له حيا، وإذا مات فيسلم العبد إلى الورثة، فإنها في معنى العارية المؤبدة، فينتهي بموت الموصى له.\rوكذا لو أوصى بالعبد لانسان وبخدمته لآخر جاز لما قلنا.\rوكذا لو أوصى بسكنى داره، أو بغلة بستانه، ولم يوقت في ذلك وقتا - فيكون للموصى له مدة حياته، ويعود البستان والدار إلى الورثة، وما كان من الثمرة والغلة حاصلا قبل موت الموصى له فيكون لورثته، وما يحصل بعد موته يكون لورثة الموصي.\rوإنما يجوز إذا خرج من الثلث، وإنما يعتبر خروج قيمة الاعيان التي أوصى بغلتها وخدمتها وثمرتها من الثلث دون أن يضم الغلة وقيمة الثمرة والخدمة إلى رقبة الاعيان.","part":3,"page":208},{"id":956,"text":"ولو أوصى بالثمرة بالغلة للمساكين جاز بالاجماع.\rولو أوصى بسكنى داره، أو بخدمة عبده، أو بظهر فرسه للمساكين لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما: يجوز.\rولو أوصى لفقير واحد بعينه: جاز وهي مسألة معروفة.\rوأما الوصية بأعيان الاموال: فإنه يجوز، سواء كان الموصى به موجودا معينا، أو بربع المال أو ثلثه\rأو خمسه وله مال، أو أوصى بالمعدوم، بأن يوصي بما يثمر نخله أو ما يخرج من بستانه أو بثلث ماله ولا مال له: فإن الوصية جائزة من الثلث.\rويعتبر الثلث وقت موت الموصي، لا قبله، لما ذكرنا أنها إيجاب الملك عند الموت حتى إنه لو أوصى بثلث ماله وله ثلاثة آلاف درهم، ثم مات وله ألف: فإن الوصية تصح في ثلث الالف، لما قلنا.\rولو أوصى بلبن غنمه وأصوافها وأولادها ثم مات الموصي فإنه يقع على ما هو الموجود يوم الموت، دون ما يحدث من بعد الموت، وإن لم يكن شيئا موجودا وقت الموت، بخلاف الوصية بثمرة النخلة فإنه يقع على الموجود وقت الموت إن كان، وإن لم يكن يقع على ما يحدث بعد موت الموصي.\rوأما الوصية بالموجود فإن كان شيئا معينا فإنه يصح فيه، حتى إذا خرج من الثلث يكون للموصى له، وإن لم يكن يخرج يكون له بقدر الثلث.\rوإذا هلك ثلثاه وبقي الثلث يكون كل الثلث له إن خرج من ثلث المال.\rوأما إذا كانت الوصية بثلث المال أو بربعه ونحو ذلك: فإن خرج يكون له، وإن لم يخرج يكون له بقدر الثلث.\rوأما إذا اجتمعت الوصايا: لاحدهم بالثلث، ولآخر بالربع ولآخر","part":3,"page":209},{"id":957,"text":"بالخمس فإن أجاز الورثة جاز في الكل.\rوإلا يصرف إلى كل واحد منهم من الثلث بقدر وصيته، ويتضاربون في ذلك: فيكون ثلث الثلث لهذا وربع الثلث وخمس الثلث للآخرين كما في المواريث.\rوإن كان وصية أحدهم أكثر من الثلث، بأن أوصى له بالنصف أو\rبالثلثين: فعند أبي حنيفة يضرب من زاد نصيبه على الثلث بالثلث دون الزيادة، ومن كان نصيبه دون الثلث فيما سمي له.\rوعندهما يضرب صاحب الزيادة بجميع ما سمي له كما في الميراث.\rوأجمعوا في خمس وصايا أنه يضرب بما سمي وإن جاوز عن الثلث في العتق الموقع في المرض وفي العتق المعلق بموت الموصي وهو التدبير وبالمحاباة في المرض، وبالوصية بالاعتاق بعد الموت، وبالوصية المرسلة وهي الوصية بشئ بغير عينه ولا يكون منسوبا إلى جزء من المال نحو الوصية لفلان بمائة درهم ونحوها.\rوهل يقدم بعض أصحاب الوصية معلى البعض؟ فلا يخلو إما إن كانت الوصايا للعباد أو تقع الله تعالى.\rأما إذا كانت الوصايا للعباد فإنه يقدم العتق الموقع في المرض، والعتق المعلق بمطلق لموت، وهو التدبير الصحيح، والمحاباة في البيع الواقع في المرض.\rوما سوى هذه الوصايا يتضارب فيها أهل الوصايا على السواء لا يقدم بعضهم على بعض.\rوإن ضاق الثلث عن العتق والمحاباة: يبدأ بما بدأ به الموصي منهما، لاستوائهما في القوة، فترجح بالبداءة - وهو قول أبي حنيفة، وقالا: يبدأ بالعتق لا محالة لانه لا يحتمل الفسخ.","part":3,"page":210},{"id":958,"text":"وأما إذا كانت الوصايا بما هو من حقوق الله تعالى، نحو الحج والزكاة والكفارات والصدقات ونحوها من أعمال البر ينظر:\rإن كان كله تطوعا بدأ بما بدأ به الموصي، لاستواء الكل في نفسه، في القوة، فيترجح بالبداءة، لانه هو ألاهم عنده ظاهرا، ولا يقدم الوصية بالاعتاق لانه يحتمل الفسخ كسائر الوصايا فإذا بلغ الثلث للكل فبها ونعمت، وإن فني الثلث بالبعض، يبطل الباقي.\rوإن كانت كلها فرائض متساوية، بأن كان وجوبها ثبت بدليل مقطوع به، يرجح بالبداءة، لتساويها في القوة، وقالوا: في الحج والزكاة عند أبي يوسف، يقدم الحج في رواية، وإن أخره جاز.\rوفي رواية: يقدم الزكاة وهو قول محمد رحمه الله.\rثم ما أوجبه الله تعالى ابتداء، أولى مما أوجبه عند فعل من المكلف، فقالوا: يقدم الحج والزكاة على الكفارات المذكورة في القرآن.\rثم هذه الكفارات مقدمة على صدقة الفطر والفطرة مقدمة على كفارة الفطر، لانها ثبتت بخبر الواحد، وهي مقدمة على المنذور، هو مقدم على الاضحية.\rوالواجبات كلها مقدمة على النوافل.\rوأما إذا كان مع الوصايا الثابتة لحق الله تعالى الوصية للآدمي فإن الموصى له يضرب مع الوصايا بالقرب، ويجعل كل جهة من جهات القرب مفردة بالضرب، ولا يجعل كلها جهة واحدة، بأن قال ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارات ولزيد يقسم على أربعة أسهم، لان كل جهة غير الاخرى، ولا يقدم الفرض على حق الادمي، لحاجة العبد إلى حقه.\rثم إنما يصرف إلى الحج الفرض، والزكاة، والكفارات إذا أوصى","part":3,"page":211},{"id":959,"text":"بها، فأما بدون الوصية فلا يصرف الثلث إليها، بل يسقط عندنا، خلافا للشافعي، على ما ذكرنا في الزكاة.\rوإذا أوصى يعتبر من الثلث لتعلق حق الورثة بماله في مرض الموت.\rوأما بيان الموصى له وأحكامه فنقول: الموصى له يجب أن يكون حيا وأن يكون أجنبيا لا وارث له، ولا قائلا إياه وقد ذكرنا هذا، حتى لو أوصى لرجلين أحدهما ميت تكون الوصية كلها للحي.\rولو أوصى لاجنبي ولوارثه يكون النصف للاجنبي، لان الوارث من أهل الوصية، حتى لو أجاز باقي الورثة جاز.\rولو أوصى لذوي قرابته أو لاقربائه، أو لذي قراباته، أو لارحامه، أو لذوي رحم منه فإن عند أبي حنيفة يعتبر في هذه الوصية أشياء ذو الرحم المحرم، والاقرب فالاقرب، وأن لا يكون فيهم والد ولا ولد، وأن يكون اثنين فصاعدا إن كان بلفظ الجمع، أو يقول: لذوي قرابته.\rولو قال: لذي قرابته يقع على الواحد فصاعدا.\rوعند أبي يوسف ومحمد: الوصية لجميع قرابته، من جهة الرجال والنساء إلى أقصى أب له في الاسلام، القريب والبعيد فيه سواء - كما إذا أوصى للعلوية والعباسية: يصرف إلى من يتصل بعلي وعباس رضي الله عنهما، دون من فوقهما من الآباء.\rبيانه: إذا ترك عمين وخالين فعنده الوصية للعمين للقرب، وعندهما: بين الكل أرباعا.\r- ولو ترك عما وخالين فللعم النصف، والنصف للخالين عنده،","part":3,"page":212},{"id":960,"text":"لان اسم الجمع، في الوصية، ينصرف إلى اثنين، فيستحق كل واحد النصف، فيكون للاقرب النصف والنصف للابعدين بينهما سواء.\rوإن ترك عما واحدا، ولم يكن له غيره من ذوي الرحم المحرم فالنصف للعم، والنصف رد على الورثة عنده.\rوعندهما يصرف إلى ذي الرحم الذي ليس بمحرم.\rوإن كان أوصى لذي قرابته فجميع الثلث للعم، لما بينا.\rولو أوصى لاهل بيت فلان، أو لحسبه، أو نسبه، أو لانسبائه: فهذا يقع على قرابة أبيه الذين ينسبون إليه، إلى أقصى أب له في الاسلام، دون قرابة أمه، لان النسب والحسب والبيت يختص بالاب دون الام.\rوكذا لو أوصى لآل فلان: فهو بمنزلة أهل بيت فلان.\rولو أوصى لاهل فلان: فالقياس أن يقع على زوجة فلان خاصة وهو قول أبي حنيفة: وعندهما: يصرف إلى جميع من كان في عياله من الاحرار ولا يدخل فيه المماليك، وأما الابن الكبير الذي اعتزل عنه والبنت التي في بيت الزوج فلا تدخل.\rولو أوصى لبني فلان فإن كانوا لا يحصى عددهم، كبني تميم وبني العباس فإنه يصرف إلى جميع القبيلة.\rويدخل فيهم الحليف والموالي بسبب الولاء والعتاقة، لان هذا بمنزلة الصدقة، وله أن يصرف إلى واحد وأكثر عند أبي يوسف، لانه اسم جنس، وعند محمد: يصرف إلى اثنين وأكثر دون الواحد، لان اسم الجمع في الوصية يقع على الاثنين، والذكر\rوالانثى فيه سواء لانه اسم للقبيلة.\rولو كانوا يحصون، وأبوهم من العرب فإنه يدخل فيه بنو فلان من العرب، دون الحلفاء والموالي.","part":3,"page":213},{"id":961,"text":"ثم عند أبي حنيفة يدخل فيه الذكور من أولاد الصلب دون الاناث.\rوقال أبو يوسف ومحمد: يدخل فيه الكل وهو قول أبي حنيفة الاول.\rوأجمعوا أنه إذا كان الكل إناثا لا يدخلون.\rوأما إذا لم يكن لفلان ولد الصلب فإن الوصية للذكور من أولاد البنين عند أبي حنيفة، وعندهما: يدخل الكل.\rوهل يدخل بنو البنات؟ فروى الحسن عن أبي حنيفة أنهم يدخلون، وذكر في السير الكبير أنهم لا يدخلون.\rولو كان له ابن واحد، وبنو بنين فللابن النصف والباقي للورثة دون بني البنين، وعندهما: للابن النصف والباقي لبني البنين.\rولو كان له ابنان، وبنو ابن فالكل للابنين، لان الابنين في الوصية بمنزلة الجمع.\rولو كان له ابن واحد، وبنات فالنصف للابن، والباقي للورثة عند أبي حنيفة.\rوعندهما: للابن النصف والباقي للبنات.\rولو كان له بنات، وبنو ابن فلا شئ لهم، بل للورثة، عنده وعندهما: للكل على السواء.\rولو أوصى لولد فلان فإنه يدخل فيه الذكر والانثى، على\rالسواء، ويدخل فيه الجنين الذي يولد لاقل من ستة أشهر، ولا يدخل ولد الولد ما دام الصلبي حيا.\rولو كان له بنات وبنو الابن: فهي للبنات لا غير.\rولو كان ولد واحد: فالكل له، لان اسم الولد يقع له.\rولو أوصى لعقب فلان - فعقب الرجل هو ولده من الذكور والاناث.\rفإن لم يكن فولد ولده من الذكور دون الاناث، ودون ولد","part":3,"page":214},{"id":962,"text":"الاناث.\rويكون هذا الاسم بعد موت الاب، لا قبله، حتى إن الموصي إذا مات، وفلان حي فلا شئ لهم، لانهم لا يكونون عقبا حال حياته.\rوكذا لو أوصى لورثة فلان فهو مثل عقب فلان، إلا أن في العقب سهم الذكر والانثى سواء في الورثة يكون بينهم على قدر المواريث.\rولو أوصى لعصبة فلان فإنه يصح الوصية، وإن لم يمت فلان، حتى إذا مات الموصي: تصرف الوصية إلى عصبته فإن كان له أب وابن: فالعصبة هو الابن دون الاب، ويكون للاقرب فالاقرب على ترتيب العصبات.\rولو أوصى لاختانه فالختن زوج كل ذات رحم محرم منه، وكل ذي رحم محرم من أزواجهن، من الذكر والانثى وهم في الوصية سواء.\rولو أوصى للاصهار فالصهر كل ذي رحم محرم من زوجته الذكر والانثى.\rولو أوصى لايتام بني فلان فإنه يقع على من لا أب له.\rولو أوصى لايامي بني فلان فالايم كل امرأة لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا، وعند محمد: يقع على الثيب الايم، والارملة كل امرأة محتاجة أرملت من زوجها ومالها.\rثم هذه الوصايا نوعان: فالوصية لقوم يحصون: تقع على عدد رؤوسهم، على السواء ذكرهم وأنثاهم، غنيهم وفقيرهم صغيرهم وكبيرهم.\rفأما إذا كانوا لا يحصى عددهم فهو على ثلاثة أوجه","part":3,"page":215},{"id":963,"text":"إن أوصى لاهل الحاجة نصا، بأن قال: لفقراء بني تميم أو لمساكينهم وأراملهم فإنه يصح لان الحق فيه لله تعالى، والفقراء مصارف فصاحب الحق معلوم فصحت.\rوالثاني: أن يذكر اسما لا يدل على الحاجة، لا عرفا ولا لغة، كقوله: أوصيت لبني فلان أو لايامي بني فلان ولشبانهم أو لكهولهم أو لشيوخهم فإنه لا يجوز، لان الوصية تقع لهم وهم مجهولون.\rوالثالث: أن يكون الاسم قد يقع على الفقراء، إما في عرف اللغة أو في عرف الشرع، كما إذا أوصى لايتام بني فلان أو لعميانهم أو لزمناهم لقوله تعالى: * (واليتامى ؤ والمساكين) * فمتى كانوا لا يحصون يستدل به أنه أراد به الفقراء منهم، تصحيحا للوصية، بخلاف ما إذا كانوا يحصون: فإنه يقع على الاغنياء والفقراء جميعا لانه يمكن العمل بحقيقة الاسم لان الوصية تصح لهم.\rولو أوصى لغلمان بني فلان ولصبيانهم يقع على من لم يحتلم.\rولو قال: لشبانهم أو لفتيانهم يقع على من بلغ منهم إلى أن يصير كهلا ودخل في الثلاثين، إلا إذا غلبه الشمط قبل ذلك.\rوالكهل يقع على من دخل في الثلاثين إلى خمسين، إلا إذا غلب البياض.\rوالشيخ يقع على الخمسين إلى آخر العمر، إلا إذا غلب البياض قبله هذا هو الاشبه من الاقوال.","part":3,"page":216},{"id":964,"text":"فصل في الايصاء نقول: الايصاء جائز.\rولا بد له من القبول من الموصي لانه متبرع بالعمفيه فلا بد من قبوله.\rوكان ينبغي أن يعتبر القبول بعد الموت، كما في الوصية بالمال، لانه إيجاب بعد الموت لكن جاز هاهنا القبول في حال الحياة، بخلاف الوصية بالمال، لضرورة أن الميت إنما يوصي إلى من يعتمد عليه من الاصدقاء والامناء، فلو اعتبر القبول بعد الموت، فربما لا يقبل، فلا يحصل غرضه، وهو الموصي الذي اختاره.\rوإذا صح فلا يخلو إما أن كان الموصي حاضرا أو غائبا.\rفإن كان حاضرا وقبل مواجهة صح.\rولو أراد أن يرد الوصاية ويرجع لا يصح، بدون محضر الموصي، أو علمه، لما فيه من الغرور به.\rوإذا رد في المواجهة صح.\rفأما إذا كان غائبا فبلغه الخبر فقبل فلا يصح رده إلا بحضرة الموصي.\rوإذا بلغه، ولم يقبل ورده صح، بغير محضره لانه ليس بغرور.\rوأما إذا بلغه بعد الموت فإذا قبل، أو تصرف في التركة تصرفا يدل","part":3,"page":217},{"id":965,"text":"على قبوله: فلا يصح رده، إلا عند الحاكم، لانه قائم مقام الموصي، كالوكيل لا يملك عزل نفسه، في حال غيبة الموكل، ويملك في حال حضرته.\rفأما إذا لم يقبل ورد كما علم يصح وله الخيار بين أن يقبل ويرد لانه متبرع في العمل فلا يجبر عليه.\rولو لم يعلم القاضي بأن للميت وصيا والوصي غائب، فأوصى إلى رجل فالوصي هو وصي الميت دون وصي القاضي لانه اتصل به اختيار الميت كما إذا كان القاضي عالما.\rثم للقاضي أن يعزل وصي الميت، إذا كان فاسقا، غير مأمون على التركة.\rوإن كان ثقة، لكنه ضعيف، لا يقدر على التصرف، وحفظ التركة بنفسه فإن القاضي يضم إليه غيره ولا يعزله لاعتماد الموصي عليه لامانته فيحصيل الغرض بهما.\rولو أوصى الميت إلى رجل، ثم أوصى إلى آخر، كان هذا اشتراكا في الوصاية، ما لم ينص على عزل الاول وإخراجه.\rوكذلك هذا من القاضي.\rولو أنه أوصى إلى رجل بقضاء دينه، وأوصى إلى آخر بأن يعتق عنه فهو وصيان فيهما جميعا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوكذلك إذا أوصى بنصيب بعض ولده إلى رجل وبنصيب من بقي إلى آخر.\rوعلى هذا: لو أوصى بميراثه في بلد إلى رجل وفي بلد آخر إلى آخر.\rوكذلك لو أوصى بتقاضي الدين إلى رجل، وبنفقة الورثة إلى آخر،","part":3,"page":218},{"id":966,"text":"وبحفظ المال إلى آخر.\rوكذا إذا أوصى إنسان للحال، وإلى آخر إن قدم، فإذا قدم فلان فهو وصي دون الاول فهما وصيان في ذلك كله عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافا لمحمد، لان الوصاية لا تتجزأ عندهما: متى ثبتت في البعض، تثبت في الكل.\rوروي عن أبي حنيفة فيمن أوصى إلى فلان حتى يقدم فلان، فإذا قدم، فهو الوصي، دون الاول فهو كما قال، فيكون عن أبي حنيفة روايتان في هذا.\rويجوز أن يكون الاول قول أبي يوسف خاصة.\rوعند ومحمد: كل واحد منهما وصي، فيما جعل إليه هذا هو المشهور من الخلاف.\rولو أوصى إلى رجل، وهو وصي لرجل آخر فإنه يكون وصيا في تركته، وتركة الاول عندنا خلافا لابن أبي ليلى.\rولو أوصى إلى رجلين فإن أحدهما لا ينفرد بتصرف يحتاج فيه إلى الرأي عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعند أبي يوسف: ينفرد.\rثم إن عندهما: ينفرد في أشياء مخصوصة، بأن يكون في تأخير التصرف، ضرر، إلى حضرة صاحبه، أو لا يحتاج فيه إلى الرأي،\rوذلك نحو شراء الكفن، وجهاز الميت، وكذا جمع الاموال المتفرقة، من قبض الديون والودائع والمغصوب.\rوكذلك في أداء ما على الميت من رد الودائع والمغصوب، وقضاء الدين، وتنفيذ الوصية بألفين أو بألف مرسلة، أو بإعتاق عبد بعينه، بخلاف الوصية بأعمال البر أو إعتاق عبد غير معين، لانه يحتاج فيه إلى الرأي.\rوكذا شراء ما لا بد لليتيم منه، نحو الانفاق والكسوة، وكذا قبول","part":3,"page":219},{"id":967,"text":"الهبة، وبيع ما يتسارع إليه الفساد لان فيه منفعة للصبي.\rوهكذا ينفرد بالخصومة للميت وعليه.\rولو مات أحد الوصيين، وأوصى إلى رجل آخر جاز، ويكون قائما مقامة.\rوإن لم يوص إلى آخر فللقاضي أن ينصب وصيا آخر، حتى ينفذ تصرفهما عندهما خلافا لابي يوسف.\rثم وصي الاب أولى من الجد.\rفإن لم يكن فالجد ثم وصي الجد.\rفإن لم يكن، فالقاضي ووصي القاضي.\rثم ينظر: إن كان في التركة دين يملك الوصي بيع كل شئ لقضاء الدين من العقار والمنقول.\rوإن لم يكن دين - والورثة كلهم صغار: يملك بيع كل شئ وإمساك ثمنه والتصرف فيه.\rوإن كان كلهم كبارا، وهم حضور ليس له ولاية بيع شئ إلا إذا كان فيه وصايا.\rوإن كانوا غيبا: يملك بيع المنقول، لان حفظ الثمن أيسر، وله ولاية حفظ مال الغائب، ولا يملك بيع العقار.\rوإن كان بعضهم صغارا وبعضهم كبارا غيبا يملك بيع العقار عند أبي حنيفة: وعندهما: لا يصح في حصة الكبار.\rوأما وصي الام والاخ والعم - فهؤلاء بأنفسهم يملكون حفظ مال الصبي، وبيع المنقول، لانه من باب الحفظ.","part":3,"page":220},{"id":968,"text":"ولو قال لرجل: إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا: فأنت وصيي في مالي فبرأ ولم يمت حتى رجع من السفر، ثم مات لا يكون وصيا، لانه تعلق بشرط خاص، ولم يوجد.\rولو أوصى إلى عبد إنسان، أو إلى ذمي أو إلى صبي عاقل فإنه لا ينفذ ويخرجه القاضي.\rولو عتق العبد، وأسلم الذمي، قبل إخراج القاضي: تنفذ الوصايا.\rوإذا بلغ الصبي لا تنفذ عند أبي حنيفة، وعندهما: تنفذ.\rولو تصرف العبد أو الذمي، قبل الاخراج يصح في رواية، ولا يصح في رواية وفي الصبي لا يصح بالاجماع.\rولو أوصى إلى عبد نفسه، فإن لم يكن في الورثة كبير جاز عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rولو كان في الورثة كبير لا يصح بالاجماع.","part":3,"page":221},{"id":969,"text":"باب الرجوع عن الوصية أصل الباب: أن الرجوع في الوصية صحيح، لانه تبرع لم يتم، لان القبول فيه بعد الموت، فيملك الرجوع، كالرجوع عن الايجاب في\rالبيع قبيل القبول.\rوإذا ثبت أنه يصح الرجوع فيه فكل فعل، يوجد من الموصي، فيه دلالة على تبقية الملك لنفسه يكون رجوعا.\rوكل فعل يدل على إبقاء العقد وتنفيذ الوصية لا يدل على الرجوع كما إذا وجد منه فعل لو فعل في ملك غيره ينقطع حق الملك للمالك ويصير ملكا له.\rفإذا فعل بعد الوصية في الموصى به، ما يدل على إبقاء الملك فيه لنفسه فيكون رجوعا كما إذا أوصى بثوب ثم قطعه وخاطه ونظائره كثيرة.\rوكذا إذا اتصلت بعين الموصى به زيادة، لا يمكن تمييزها ولا يستحق عليه نقضها فإنه يكون رجوعا، لانه لا يمكن تسليمها إلا بتسليم لك الزيادة، ولا يجب عليه ذلك، فيدل على الرجوع وذلك كالسويق إذالته بالسمن، أو بني بناء في الدار الموصى بها، وكذلك لو أوصى بقطن ثم حشا به قباء وضربه أو بثوب فجعله ظهارة أو بطانة، لانه لا يجب عليه نقض ذلك لكونه تصرفا في ملكه.\rوكذلك لو أزال الموصى به عن ملكه بأن باعها، ثم اشتراها","part":3,"page":223},{"id":970,"text":"بطلت الوصية.\rولو ذبح الشاة تبطل الوصية، بنفس الذبح، لانه يدل على الرجوع، لان لذبيحة لا تبقى إلى ما بعد الموت.\rولو أوصى بقميص ثم نقضه، وجعله قباء يكون رجوعا.\rولو لم يخطه قباء لكن نقض القميص فيه اختلاف المشايخ.\rولو أوصى بدار، ثم جصصها أو هدمها لا يكون رجوعا لان\rالبناء تبع والتجصيص زينة.\rوكذلك لو غسل الثوب الموصى به لازالة الوسخ.\rولو قال: أوصيت بهذا العبد لفلان ثم قال: أوصيت بهذا لفلان آخر يكون شركة.\rولو قال: العبد الذي أوصيت به لفلان، هو لفلان يكون للثاني، ولا يكون شركة.\rولو قال: العبد الذي أوصيت به لفلان فقد أوصيت به لفلان يكون شركة.\rولو أوصى، ثم أنكر الوصية، وجحدها فالجحود لا يكون رجوعا عند أبي يوسف وعند محمد: يكون رجوعا.\rولو أوصى بعبد لانسان ثم قال: ما أوصيت لفلان فهو لعمرو وهو حي، ثم مات عمرو قبل موت الموصي: يكون ميراثا، لان الوصية انتقلت إلى عمرو، فإذا مات قبل موت الموصي بطلت الوصية، فيكون ميراثا.\rولو قال: ما أوصيت لفلان، فهو لعقب عمرو - وعمرو حي، فإن مات عمرو قبل موت الموصي: فهو لورثة عمرو، لانهم صاروا عقبا","part":3,"page":224},{"id":971,"text":"له، قبل نفاذ الوصية بالموت: ولو مات الموصي، وعمرو حي فتكون الوصية لفلان، لانه لم تنتقل الوصية إليهم ولو أوصى بسيف لانسان: فهو له بغمده، لان العقب لا يكون قبل موت عمرو.\rولو أوصى بسيف لانسان، فهو لله بغمده وحمائله عند أبي حنيفة وزفر.\rوقال أبو يوسف: له السيف لا غير.\rوكذا لو أوصى بالميزان والقبان والسرج فعند زفر: يدخل كل ما\rكان توابع ذلك الشئ.\rوعند أبي يوسف: يدخل ما كان متصلا به.\rوفي المصحف الذي له غلاف: عند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يدخل الغلاف.\rوعند زفر: يدخل فأبو يوسف مر على أصله، وكذا زفر.\rوأبو حنيفة إما أن يفرق بين المصحف وسائر المسائل أو يكون عنه روايتان.\rولو أوصى بشئ في الظرف، فإن المعتبر فيه العادة: إن كان مما يباع مع الظرف يدخل وإلا فلا.","part":3,"page":225},{"id":972,"text":"كتاب الوكالة يحتاج إلى: بيان الوكالة لغة وشرعا، وإلى بيان أنواعها.\rأما الوكالة: في اللغة: فهي الحفظ: قال الله تعالى: * (حسبنا الله ونعم الوكيل) * أي ونعم الحافظ.\rوقد يراد بها التفويض يقال: توكلت على الله أفوضت أمري إليه.\rوفي الشرع كذلك هي: تفويض التصرف، والحفظ، إلى الوكيل.\rولهذا قال أصحابنا: من قال: وكلت فلانا في مالي يصير وكيلا في الحفظ، لانه أدنى.\rثم الوكالة نوعان: أحدهما في حقوق الله تعالى، والثانى في حقوق العباد\rأما الوكالة في حقوق الله تعالى.\rفنوعان: في الاثبات، والاستيفاء.","part":3,"page":227},{"id":973,"text":"الاول: التوكيل في إثبات الحدود: وهو الذي يحتاج فيه إلى الخصومة: من حد السرقة، وحد القذف وفيه خلاف قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، وقال أبو يوسف: لا يجوز.\rوكذا الخلاف في إثبات القصاص أيضا.\rأما في غيرهما: فلا يحتاج فيه إلى الخصومة، فلا يصح فيه التوكيل في الاثبات، بل يثبت ذلك عند القاضي: بالشهود والاقرار.\rوأما في الاستيفاء: فإن كان المسروق منه حاضرا والمقذوف: يجوز التوكيل بالاستيفاء، لان ذلك إلى الامام وهو لا يقدر أن يباشر بنفسه على كل حال.\rوإن كان غائبا اختلف المشايخ قيل: يجوز لانه لا يصح العفو والصلح عنهما.\rوقيل: لا يجوز لانه يحتمل الاقرار والتصديق.\rوأما في القصاص: فإن كان الولي حاضرا: يجوز وإن كان غائبا: لا يجوز لاحتمال العفو.\rوأما الوكالة في حقوق العباد فأنواع منها: الوكالة في الخصومة في إثبات الدين، والعين، والحقوق.\rواختلفوا فيها: قال أبو حنيفة: لا يصح من غير رضا الخصم إلا من عذر السفر، أو المرض، أو كانت امرأة مخدرة.\rوقال أبو بكر الرازي: جواب أصحابنا في الرجل والمرأة سواء، وإنما هذا شئ استحسنه المتأخرون.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد: يصح من غير رضا الخصم في الاحوال كلها، وهي مسألة معروفة","part":3,"page":228},{"id":974,"text":"وإذا صح التوكيل بالخصومة فإذا أقر الوكيل على موكله فعند أبي حنيفة ومحمد: يصح في مجلس القضاء، ولا يصح في غير مجلسه.\rوقال أبو يوسف: يصح فيهما جميعا.\rوقال زفر والشافعي: لا يصح أصلا.\rوأجمعوا أنه إذا استثنى الاقرار وتزكية الشهود في عقد التوكيل يصح ويكون وكيلا بالانكار لا غير.\rوأما إذا وكل بالخصومة مطلقا، ثم استثنى الاقرار في كلام منفصل: فعند محمد: لا يجوز وعند أبي يوسف: يصح.\rوأجمعوا أن إقرار الاب والوصي وأمين القاضي على الصغير لا يصح.\rوأما التوكيل بالاقرار إن ثبت عنده ذكر الطحاوي أنه لا يجوز وذكر في الوكالة أنه يجوز.\rوالوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي بالمال هل يملك القبض؟ فعندنا: يملك، وعند زفر: لا يملك.\rأما الوكيل بتقاضي الدين: فيملك القبض أيضا في ظاهر الرواية ولكن أصحابنا المتأخرون قالوا: لا يملك بحكم العرف كالوكلاء في باب القضاء.\rوأما الوكيل بقبض الدين فهل يملك الخصومة في إثبات الدين إذا\rأنكر الغريم؟ عند أبي حنيفة: يملك و عندهما: لا يملك.\rوأجمعوا أن الوكيل بقبض العين، إذا أنكر الغريم، لا يملك الخصومة.","part":3,"page":229},{"id":975,"text":"وأجمعوا أن الوكيل بالملازمة لا يملك القبض.\rوقالوا في الوكيل بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة إنه يملك الخصومة.\rثم لكل واحد من الخصمين أن يعزل وكيله، من غير محضر من خصمه، إلا إذا كان وكيلا بالتماس الخصم فلا بد من حضرة الخصم حتى يصح عزله، ولكن لا بد من علم الوكيل، أو حضرته حتى يصح عزله حتى لا يؤدي إلى الغرور في حقه.\rوكذا الجواب في كل وكالة.\rوإذا بلغ الوكيل الخبر بالعزل، بالكتابة أو بالرسالة ينعزل بلا خلاف.\rوأما إذا جاءه على وجه الخبر: لم ينعزل عند أبي حنيفة، حتى يخبره رجل عدل، أو رجلان على أي صفة كانا فالشرط عنده أحد شطري الشهادة إما العدالة أو العدد.\rوعندهما: خبر الواحد مقبول ولا يشترط العدالة، لان هذا من باب المعاملة.\rومنها الوكالة بقبض الدين: صحيحة، لحاجة صاحبه إلى قبض الوكيل، لعجزه عن قبض ديونه بنفسه كلها إلا أن في قبض رأس مال السلم، وثمن الصرف يصح التوكيل في المجلس، لا خارج المجلس، لان الموكل يملك القبض في المجلس لا غير.\rوإذا قبض الوكيل يبرأ المديون، وصار المقبوض ملكا لصاحب الدين، ويكون أمانة في يد الوكيل، ويكون حكمه حكم المودع في أن يقبل قوله إنه دفعه إلى صاحب الدين، وفي كل ما يبرأ به المودع من الوديعة.","part":3,"page":230},{"id":976,"text":"وليس للوكيل بالقبض أن يوكل غيره لانه رضي برأيه وأمانته وحده.\rفإن فعل ذلك، وقبض الوكيل الثاني لم يبرأ الغريم من الدين، لان التوكيل لم يصح، فهو كالاجنبي، إلا إذا وصل ما قبض إلى الوكيل الاول، لانه وصل إلى يد من هو نائب المالك، فإن هلك في يد القابض، قبل ذلك ضمنه الذي قبضه، ولم يبرأ الدافع من الدين الذي عليه، وكان للطالب أن يأخذ الغريم بدينه.\rفإذا أخذه منه، رجع الغريم على من دفعه إليه، فيرجع الوكيل الثاني على الاول إن هلك، ما قبض، في يده إلا إذا قال الموكل للوكيل بالقبض اصنع ما شئت فله أن يوكل غيره بالقبض.\rوليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ عينا مكانه، لان هذا عقد معاوضة، وقد وكله بقبض حقه لا غير لا بالاستبدال ولا بالاعتياض.\rولو وكل رجلين بقبض دينه، فليس لاحدهما أن يقبض دون صاحبه، لانه رضي برأيهما لا برأي أحدهما فإن قبض أحدهما لم يبرأ الغريم، حتى يصل ما قبض أحدهما إلى صاحبه، فيقع ذلك في أيديهما جميعا، أو يصل إلى الموكل، لان المقصود بالقبض قد حصل فكأنهما قد قبضاه ابتداء.\rولو أن الوكيل بقبض الدين قبضه، فوجده معيبا، فما كان للموكل\rرده فللوكيل رده وأخذ بدله لانه قائم مقامه.\rولو كان لرجل على رجل دين فجاءه رجل وقال له: إن الطالب أمرني بقبضه منك، فدفعه إليه، ثم جاء الطالب وأنكر أن يكون أمره بذلك، فهذا على ثلاثة أوجه: أحدها: إن صدق الوكيل بالوكالة، ودفعه إليه، فإنه يقال له: ادفع الدين إلى الطالب ولا حق لك على الوكيل، لانه أقر بالوكالة","part":3,"page":231},{"id":977,"text":"وإقراره صحيح في حق نفسه، فكأنه يقول: إن الطالب ظلمني بالقبض، فلا أظلم الوكيل القابض بحق.\rوالثاني: إن صدقه وضمنه ما دفعه إليه، ثم حضر الموكل ورجع عليه: رجع هو على القابض - لانه، وإن اعترف أنه قبض بحق وأن الطالب ظالم فيما قبض، ولكنه ضمنه ما يطلبه الطالب بغير حق فيصح الضمان كما لو قال: ما غصبك فلان فهو علي.\rوالثالث: إن كان المطلوب يقول: كذب الوكيل في الوكالة، أو لم يصدق ولم يكذب، ودفعه إليه، ثم حضر الطالب، وأخذ منه: رجع على الوكيل، لانه لما كذبه أو لم يكذبه ولم يصدقه ثم طالبه عاد إلى التكذيب وله ذلك فلم يقر بكونه قابضا بحق فله أن يرجع.\rوأما التوكيل بالشراء فنقول: جملة هذا أن الوكالة على ضربين: وكالة عامة، ووكالة خاصة.\rأما الوكالة العامة: فإنها تصح مع الجهالة الكثيرة، كما إذا قال: اشتر لي ما شئت أو ما رأيت، لانه فوض الرأي إليه، فصار بمنزلة البضاعة والمضاربة.\rوأما الوكالة الخاصة: فالقياس أن لا تجوز ما لم يذكر الجنس وقدر الثمن والصفة، كما في البيع.\rوفي الاستحسان أن الجهالة اليسيرة لا تمنع.\rوإنما تقل الجهالة إذا كان اسم ما وكل بشرائه لا يتناول إلا نوعا واحدا، وذكر فيه أحد أمرين إما الصفة أو مقدار الثمن.\rفإذا كان الاسم يتناول أنواعا مختلفة أو في حكم الانواع المختلفة فإن الجهالة كثيرة، فلا تجوز الوكالة، وإن بين مقدار الثمن أو الصفة، أو","part":3,"page":232},{"id":978,"text":"كلاهما، ما لم يبين مع ذلك نوعا منه.\rأما بيان الاول: - إذا قال الموكل للوكيل: اشتر لي عبدا أو جارية: إن بين الثمن أو الصفة، بأن قال تركيا أو روميا أو هنديا جاز لانه تقل الجهالة بذكر أحدهما وبحال الموكل.\r- ولو قال: اشتر لي حمارا أو بغلا أو فرسا، ولم يبين له صفة ولا ثمنا قالوا: يجوز، لان النوع لم يختلف، والصفة تكون معلومة بحال الموكل.\r- ولو قال: اشتر شاة أو بقرة، ولم يبين له صفة ولا ثمنا - لم يجز، لانها لا تصير معلومة الصفة بحال الموكل، وقد ذكرنا أنه لا بد من أن تكون الصفة أو الثمن معلوما.\rوأما بيان الثاني: - إذا قال: اشتر لي حيوانا، أو مملوكا، أو دابة، أو ثوبا: لا يجوز، وإن بين الثمن، لان الاسم يقع على أنواع مختلفة.\r- وكذا إذا قال: اشتر لي جوهرا لما قلناه.\rوكذا إذا قال: اشتر لي حنطة: لا تجوز الوكالة، ما لم يبين الثمن أو عدد القفزان.\rولو وكله بشراء عبد أو جارية، وسمى الثمن أو الصفة، فاشترى أعمى أو مقطوع اليدين أو الرجلين فإنه يجوز ذلك عند أبي حنيفة إذا اشترى ما يسمى عبدا أو جارية وعندهما: يجوز الاعور أو مقطوع أحد الطرفين فأما فائت جنس المنفعة فلا يجوز.\rولو وكله بأن يشتري له طعاما ولم يبين له فإن كان الثمن قليلا","part":3,"page":233},{"id":979,"text":"يصرف إلى الخبز، وإن كثيرا انصرف إلى الحنطة والدقيق.\rولو قال: اشتر لي بدرهم لحما انصرف إلى ما يباع في السوق في الاغلب، دون لحم الوحش والطير والسمك والشواء والمطبوخ.\rوفي الرأس ينصرف إلى المشوي دون النئ، ويقع على رأس الغنم دون البقر وهو أمر مبني على العادة.\rولو قال: اشتر لي جارية بعينها بمائة دينار فاشتراها بدراهم، تكون قدر قيمة مائة دينار، أو أقل - جاز على الآمر، في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال زفر: لا يلزم الآمر وهذا رواية الحسن بن زياد.\rوقال الكرخي: المشهور من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه لا يجوز أن يشتريها بالدراهم، كما قال زفر لانهما جنسان مختلفان.\rثم الوكيل بالشراء إذا خالف يصير مشتريا لنفسه.\rفأما الوكيل بالبيع إذا خالف، يكون موقوفا على إجازة صاحبه والفرق ظاهر.\rوأما التوكيل بالبيع فنقول:\rعند أبي حنيفة: الوكيل بالبيع مطلقا له أن يبيع بما عز وهان، بأي ثمن كان، وإن كان غبنا فاحشا، وسواء كان الثمن عينا أو دينا.\rوعندهما: لا يجوز إلا أن يبيع بالاثمان بمثل قيمته.\rوأما إذا باع الوكيل بعض ما وكل ببيعه فهو على وجهين: إن كان ذلك مما لا ضرر في تبعيضه: جاز، وبالاتفاق، مثل المكيل والموزون، أو يبيع شيئين.\rوإن كان في تبعيضه ضرر، بأن كان التوكيل ببيع عبد.\rفباع نصفه جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا أن يجيزه الموكل.","part":3,"page":234},{"id":980,"text":"ثم الوكالة نوعان: منها: ما لا حقوق له إلا ما أمر به، كالوكالة بتقاضي الدين، والوكالة بالملازمة، ونحوهما.\rومنها: ما يكون حقوقه للوكيل وعليه.\rومنها: ما يكون حقوقه للموكل وعليه.\rفكل ما لا يحتاج فيه إلى إضافة العقد إلى الموكل، ويكتفي فيه بالاضافة إلى نفسه: كالبياعات، والاشربة، والاجارات، والصلح عن إقرار، ونحوها فإن الحقوق ترجع إلى الوكيل، حتى يجب عليه تسليم المبيع، وقبض الثمن، ويخاصم المشتري الوكيل في العيب، ويجب عليه الضمان عند الاستحقاق، إلا إذا كان العقد ليس من أهل لزوم العهد، كالصبي المحجور والعبد المحجور والقاضي وأمين القاضي ونحو ذلك.\rوللوكيل أن يوكل غيره في الحقوق.\rوليس للموكل أن يباشر ذلك\rبنفسه، ما دام الوكيل قائما، فإن مات الوكيل أو جن جنونا مطبقا، وهو شهر عند أبي يوسف، وحول عند محمد: يخرج الوكيل من الوكالة، وترجع العهدة إلى الموكل.\rوأما ما يحتاج فيه إلى الاضافة إلى الموكل كالنكاح، والخلع، والطلاق على مال، والصلح عن دم العمد، والعتق على مال، والكتابة، والصلح عن إنكار، ونحوها: فالحقوق ترجع إلى الموكل.\rثم الوكيل بالبيع إذا رد عليه المبيع بالعيب، يملك أن يبيعه مرة أخرى.\rوكذلك في كل ما يكون هو الخصم فيه.\rولو أن الوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري من الثمن أو أجله أو أخذ بالثمن عوضا غيره، أو صالحه من الثمن على شئ، فذلك كله جائز","part":3,"page":235},{"id":981,"text":"على الوكيل عند أبي حنيفة، ويضمن للموكل وعلى قولهما: لا يجوز شئ من ذلك.\rوإن ارتد الوكيل، توقفت الوكالة فإن أسلم جاز وإن قتل على ردته، أو لحق بدار الحرب مرتدا وحكم بالحاقه تبطل وعندهما: جائزة وأصل المسألة أن تصرفات المرتد موقوفة عنده وعندهما: نافذة.\rوتصرفات المرتدة نافذة بلا خلاف.\rفإن رجع مسلما: عاد إلى وكالته عند محمد، وعند أبي يوسف: لا يعود.","part":3,"page":236},{"id":982,"text":"كتاب الكفالة قال:\rيحتاج إلى بيان الكفالة لغة وشرعا، وإلى بيان ألفاظ الكفالة، وإلى بيان شرائط صحتها، وإلى بيان أنواع المكفول به، وإلى بيان أحكامها.\rأما الاول: فالكفالة لغة هي الضم قال الله تعالى: * (وكفلها زكريا) *، أي ضمها إلى نفسه.\rوفي الشرع ضم ذمة، إلى ذمة، في حق المطالبة، أو في حق أصل الدين على حسب ما اختلف المشايخ فيه.\rوأما ألفاظ الكفالة فأن يقول الكفيل للطالب: دعه فأنا ضامن ما عليه أو كفيل بذلك أو قبيل أو زعيم أو هو إلي أو علي أو هو لك","part":3,"page":237},{"id":983,"text":"عندي أو هو لك قبلي.\rوقد ذكرنا في كتاب الاقرار: إذا قال لفلان عندي كذا، يكون إقرارا بالوديعة، وهاهنا يكون ضمانا لان قوله عندي يحتمل هو في يدي ويحتمل هو في ذمتي، فيقع على الادنى، وهو الوديعة، فأما الدين فلا يكون إلا في الذمة ولا يكون في اليد، فحمل على الوجوب هاهنا.\rوأما شرائطها:\rفمن ذلك: أن يكون الكفيل من أهل التبرع، لان الكفالة تبرع بالتزام المال.\rفلا يصح في الصبي، والعبد المحجور عليه.\rوكذا لا تصح كفالة المكاتب.\rوكذا كفالة المريض لا تصح إلا من الثلث كتبرعه.\rومن شرطها أيضا: أن يكون الدين صحيحا، سواء كان على الصغير أو العبد المحجور لانه يطالب بعد العتق.\rأما الكفالة ببدل الكتابة فإنه لا تجوز، لانه ليس بدين صحيح، لانه لا يجب للمولى على عبده شئ، وإنما وجب مخالفا للقياس، لصحة الكتابة، نظرا للعبد، حتى يصل إلى العتق.\rوأما المكفول به: فنوعان الديون والاعيان.\rوما الكفالة بالديون: فصحيحة بلا خلاف، وصاحب الدين بالخيار: إن شاء طالب الاصيل، وإن شاء طالب الكفيل ولا يوجب براءة الاصيل عندنا.","part":3,"page":238},{"id":984,"text":"وعند ابن أبي ليلى: يوجب البراءة وهذا فاسد، لانه يصير الكفالة والحوالة سواء.\rوأيهما واختار مطالبته لا يبرأ الآخر بخلاف غاصب الغاصب مع الغاصب: فإن للمالك أن يضمن أيهما شاء، وإذا اختار تضمين أحدهما، لم يكن له اختيار الآخر.\rوكذا في إعتاق أحد الشريكين: الشريك الساكت بالخيار بين أن يضمن المعتق إن كان موسرا، وبين أن يستسعي العبد، فإذا اختار أحدهما ليس له أن يختار الآخر.\rوجملة هذا أن الكفيل ليس له أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه شيئا إلا أنه إذا طولب طالب المكفول عنه بالخلاص.\rفإن حبس كان له أن يحبس المكفول عنه.\rأما إذا أدى فينظر إن كان كفل، بغير أمره فلا يرجع عندنا، خلافا لمالك، لانه تبرع بقضاء دين غيره، وإن كفل عنه بأمره، وهو ممن يجوز إقراره على نفسه بالدين ويملك التبرع يرجع عليه لان الكفالة في حق المكفول عنه استقراض وهو طلب القرض، والكفيل بالاداء مقرض للمكفول عنه ونائب عنه في الاداء إلى المكفول له وفي حق المكفول له تمليك ما في ذمة المكفول عنه من الكفيل بما أخذه من المال، فيرجع عليه بما أقرضه حتى إن الصبي المحجور إذا أمر رجلا بأن يكفل عنه، فكفل، وأدى لا يرجع عليه، لان استقراض الصبي لا يتعلق به الضمان وأما العبد المحجور فلا يرجع عليه إلا بعد العتق لما قلنا.\rولو وهب صاحب الدين، المال لاحدهما جاز، وذلك بمنزلة أداء المال.\rوكذا لو مات الطالب، فورثه أحدهما، لان بالهبة والميراث يملك ما في ذمته فإن كان الموهوب له أو الوارث هو الكفيل، فقد ملك ما في ذمته، فيرجع على الاصيل، كما لو ملك ذلك بالاداء.\rوإن كان الموهوب","part":3,"page":239},{"id":985,"text":"له أو الوارث هو المكفول عنه، برئ الكفيل، كأنه أدى.\rولو أبرأ الطالب الاصيل، فقد برئا جميعا.\rوإن أبرأ الكفيل، برئ، دون الاصيل، سواء كان ذلك بأمر المكفول عنه أو لا.\rولو قال لاحدهما: برئت إلي من المال فهو إقرار بالقبض،\rبالاتفاق، لان هذا اللفظ يستعمل في الاداء.\rولو قال لاحدهما: برئت من المال - فهو إقرار بالقبض عند أبي يوسف، كأنه قال: برئت إليه من المال.\rوعند محمد بمنزلة قوله: أبرأتك من المال.\rثم الكفيل يرجع بما ضمن، لا بما أدى، لانه ملك ما في ذمة الاصيل، حتى أنه إذا كان عليه دراهم صحاح جيدة، فأدى زيوفا، وتجوز به صاحب الدين، فإنه يرجع بالجياد.\rوكذا لو أدى عنها من المكيل والموزون أو العروض: فإنه يرجع بالدراهم بخلاف الوكيل بقضاء الدين فإنه يرجع بما أدى، لا بما على الغريم، وبخلاف الصلح إذا صالح من الالف على خمسمائة فإنه يرجع بخمسائة لا بالالف، لانه إسقاط البعض.\rولو كفل لرجل بمال إلى القطاف أو إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى النيروز أو إلى المهرجان، ونحوها من الآجال المجهولة: يصح، عندنا، خلافا للشافعي بخلاف البيع إلى هذه الآجال فلا يجوز بالاجماع.\rولو كان عليه ثمن بيع، أو دين حال، فأجله إلى هذه الآجال يصح أيضا - بمنزلة الكفالة.\rولا خلاف في جواز الكفالة إلى أجل معلوم من الشهر والسنة ونحوها.","part":3,"page":240},{"id":986,"text":"أما إذا كفل إلى أجل مجهول لا يشبه آجال الناس، مثل مجئ المطر وهبوب الريح فالاجل باطل، والكفالة جائزة لان الكفالة وردت\rمنجزة لكن الاجل باطل فلم يصح التأجيل فتبقى الكفالة حالة.\rأما إذا علق الكفالة بشرط: فإن كان ذلك سبب الوجوب الحق أو وسيلة إلى الاداء في الجملة مثل أن يقول: إذا قدم زيد أو استحق المبيع - فالكفالة جائزة، لانه سبب للوصول إلى الاداء لان زيدا ربما يكون مضاربا.\rفأما إذا قال: إذا جاء المطر، أو هبت الريح، أو دخل زيد دارنا فأنا كفيل عندك بكذا فإنه لا يجوز، لان الاموال لا يجوز أن يتعلق وجوبها بالشروط.\rولو كان على رجل دين مؤجل فكفل به رجل مطلقا فإنه يكون مؤجلا، لانه التزم مثل ما على الاصيل، فإن سمي الكفيل أجلا زائدا عليه، أو ناقصا، أو مثله يلزمه كذلك، لانه متبرع، فيلزمه على حسب ما تبرع به.\rولو كان المال حالا، فكفل إنسان مؤجلا، بأمر المكفول له فإنه يجوز، فيكون تأجيلا في حقهما، في ظاهر الرواية.\rوفي رواية ابن سماعة عن محمد أنه حال على الاصيل مؤجل في حق الكفيل.\rولو كفل عن رجل لرجل والمكفول له غائب، فبلغه الخبر فأجاز لا يصح، ولا تتوقف الكفالة على قبوله وهذا عند أبي حنيفة ومحمد: وقال أبو يوسف: يجوز - وهذا بناء على أن شطر العقد يتوقف في النكاح عند أبي يوسف، خلافا لهما: فهذا كذلك إلا أنهما استحسنا في المريض إذا قال عند موته لورثته: اضمنوا ما علي من الدين لغرمائي، وهم غيب، ففعلوا فهو جائز، ويلزمهم نظرا للغرماء.","part":3,"page":241},{"id":987,"text":"ولو كفل رجلان رجلا، بألف درهم بأمره، ولم يكفل كل واحد عن صاحبه فإن على كل واحد منهما خمسمائة، لاستوائهما في الكفالة.\rولو أدى أحدهما: لا يرجع على صاحبه، لانه يؤدي عن نفسه، لا عن صاحبه لكن يرجع على الاصيل بما أدى.\rولو لقي المكفول له الكفيلين يعد ذلك، فكفل أحدهما عن صاحبه صح، لان الكفالة عن الكفيل صحيحة، ثم ما أدى فالقول قوله: إنه أدى من كفالة الكفيل الآخر أو من كفالة نفسه لانه لزمه المال من وجهين.\rولو لقي المكفول له الكفيل الآخر الذي لم يكفل، فطلب منه أن يكفل عن صاحبه، وكفل صح، والجواب فيه وفيما إذا كان في الابتداء كفل كل واحد من الكفيلين عن صاحبه سواء، وهو أن كل ما يؤدي كل واحد منهما إلى المكفول له، فذلك عن نفسه إلى خمسمائة.\rولو قال: أؤدي عن شريكي، لا عن نفسي لا يقبل، ويكون عن نفسه.\rفأما إذا زاد على خمسمائة، فيرجع بالزيادة على شريكه إن شاء وإن شاء على المكفول عنه.\rوعلى هذا إذا اشترى رجلان من رجل عبدا بألف درهم على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه ثمن حصته.\rوكذا الجواب في المفاوضين بعد فسخ الشركة إذا كان عليهما دين: لصاحبه أن يطالب به كل واحد منهما، وإذا أدى أحدهما النصف لا يرجع، فإذا أدى زيادة على النصف، له أن يرجع على صاحبه، لان كل واحد منهما كفيل عن صاحبه.\rو أما الكفالة بالاعيان: فهي أنواع ثلاثة:\rأحدهما: كفالة بعين هي أمانة غير واجبة التسليم، كالوديعة، وكمال المضاربة، والشركة وهي لا تصح أصلا.","part":3,"page":242},{"id":988,"text":"والثاني: الكفالة بعين هي أمانة، ولكنها واجبة التسليم، كالعارية، والمستأجر في يد المستأجر، وكذا العين المضمونة بغيرها، كالمبيع، قبل القبض: مضمون بالثمن، وكالرهن مضمون بالدين والجواب في الكل واحد، وهو أنه تصح الكفالة بتسليم العين، فمتى هلكت العين لا يجب على الكفيل قيمة العين.\rوالثالث: العين المضمونة بقيمتها كالمغصوب، والمبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء تصح الكفالة بها، ويجب عليه تسليم العين ما دامت باقية، وإذا هلكت يجب عليه تسليم قيمتها متى ثبت الغصب بالبينة أو الاقرار.\rثم الكفالة بالنفس بعد الدعوى من قبيل القسم الثاني: فإنه مضمون بالتسليم، وإنه يجب عليه تسليم النفس، والحضور إلى باب القاضي، حتى يقيم الخصم البينة، فتصح الكفالة به عندنا، خلافا للشافعي، ولكن لو هلك الكفيل، لا شئ عليه من المال المدعى به حتى لا يؤخذ من تركته والمسألة معروفة.\rوكذا لو كفل بنفس من عليه التعزير.\rأما لو كفل بنفس من عليه حد القذف أو حد السرقة أو القصاص هل يجوز؟ ذكر أبو الحسن أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص جائزة في قولهم إذا بذلها المطلوب بنفسه، ولكن هل للقاضي أن يأمره بالتكفيل إذا طلب الخصم؟ قال أبو حنيفة: لا يأخذ القاضي منه كفيلا، ولكن يحبسه حتى تقام عليه البينة أو يستوفي.\rثم الكفيل بالنفس يؤخذ بإحضار المكفول عنه، ما دام إحضارة ممكنا مقدورا.\rفإن صار بحال لا يقدر على إحضاره بوجه من الوجوه، بأن مات بطلت الكفالة، ولا شئ على الكفيل، فأما إذا كان يرجى حضور المكفول عنه، بأن غاب فإنه يتأخر المطالبة بالاحضار عن","part":3,"page":243},{"id":989,"text":"الكفيل، للحال، ويؤجل إلى مدة يمكنه الاحضار في تلك المدة، فإن لم يحضره وظهرت مماطلته، فإنه يحبس الكفيل، فإذا ظهر للقاضي أنه لا يقدر على الاحضار، بدلالة الحال، أو شهد الشهود بذلك فإنه يخرج من الحبس، وينظر إلى وقت القدرة، كما في الاعسار في حق الدين، وإذا أخرجه القاضي فإن الغرماء يلازمونه، ولا يحول القاضي بينه وبين الغرماء، ولكن ليس للغرماء أن يمنعوه من اشتغاله، كما في الافلاس سواء.\rهذا إذا كفل بالنفس مطلقا.\rفأما إذا ادعى عليه ألف درهم فكفل بنفسه على أن يوافيه به غدا، فإن لم يوافه به غدا فعليه المال الذي ادعى فإن أقر المطلوب بالالف، أو ثبت بالبينة، وقضى القاضي، وكفل على هذا الوجه صحت الكفالة بالنفس، وتصح الكفالة بالمال معلقا بشرط ترك الموافاة غدا، والكفالة بالشرط صحيحة فإذا لم يواف به غدا: يؤخذ منه المال بسبب الكفالة بالمال، وبقيت الكفالة بالنفس، لان من حجته أن يقول: لي عليه مال آخر.\rولو قال: كفلت بنفسه على أني إن لم أواف به غدا فعلي الالف ولم يقل الالف الذين ادعيت فعلى قول محمد: لا تصح الكفالة،\rوعلى قولهما: تصح كأنه قال فعلي الالف الذي تدعي لانه هي المعهودة.\rفأما إذا أنكر المطلوب المال، ثم كفل بنفسه على أن يوافيه به غدا وإن لم يواف به فعليه المال فلم يوافه به لا يلزمه المال، لان وجوب المال لا يتعلق بالخطر، أما الكفالة بالمال الثابت فيتعلق بالخطر.\rولو كفل بالنفس والمال، وسماه، ثم قال: إن وافيتك به غدا فأنا","part":3,"page":244},{"id":990,"text":"برئ منه، فوافاه به من الغد يبرأ من المال في إحدى الروايتين، وفي رواية لا يبرأ، لان هذا تعليق البراءة بالشرط، وفي البراءة معنى التمليك، فلا يصح تعليقه بالشرط.\rولو كفل بالنفس على أن يوافي به عند القاضي، غدا فسلمه إليه في السوق فإنه يبرأ.\rوالاصل أنه إذا سلمه في مكان يقدر على أن يحضره فيه إلى القاضي فهو كتسليمه في مجلس القاضي.\rوكذا إذا سلمه في أطراف هذا المصر.\rولو سلمه في قرية هذا المصر التي ليس فيها قاض لا يبرأ.\rولو كفل على أن يدفع في مصر معين فدفع في مصر آخر يبرأ عند أبي حنيفة، وفي كل موضع فيه قاض وعندهما لا يبرأ ما لم يسلم في ذلك المصر بعينه.","part":3,"page":245},{"id":991,"text":"كتاب الحوالة الحوالة مشروعة، لقوله عليه السلام: من أحيل على ملئ\rفليتبعه.\rثم الحوالة مبرئة عندنا حتى يبرأ المحيل، من الدين الذي عليه، بالحوالة إلى المحتال عليه.\rوللمحتال له أن يطالب المحتال عليه لا غير.\rوقال زفر: لا يبرأ وله أن يطالبهما كما في الكفالة.\rوكذا الكفالة بشرط براءة الاصيل حوالة أيضا عندنا لانها حوالة معنى.\rثم ليس للمحتال له أن يرجع على المحيل إلا إذا توى ما على المحتال عليه وذلك بطريقين عند أبي حنيفة: بأن يموت المحتال عليه مفلسا أو يجحد المحتال عليه الحوالة ويحلف.\rوعندهما: بهذين الطريقين وبطريق ثالث وهو أن يقضي القاضي بإفلاسه في حال الحياة، لان القضاء بالافلاس صحيح عندهما في حالة الحياة وعند أبي حنيفة: لا يصح.\rوعلى قول الشافعي: لا يعود الدين إلى المحيل أبدا والمسألة معروفة.","part":3,"page":247},{"id":992,"text":"ثم الحوالة نوعان: مطلقة ومقيدة أما المطلقة: فأن يحيل صاحب الدين على رجل، له مال عليه أو لم يكن وقبل ذلك الرجل.\rفإن لم يكن عليه مال: يجب عليه أن يؤدي.\rوإن كان عليه مال، ولم يقيد الحوالة به، بأن لم يقل: أحيله عليك بمالي عليك أو على أن تعطيه مما عليك وقبل المحتال عليه: فعليه أداء الالفين: ألف إلى المحيل وألف إلى المحتال له، وللمحيل أن\rيطالبه بذلك الالف، لانه لم تتقيد الحوالة به، كما إذا كان عند رجل ألف درهم وديعة، فأحال غريمه عليه بألف درهم، ولم يقيده بالالف الوديعة، فقبله: له أن يأخذ الوديعة، وعلى المحتال عليه أداء الالف بالحوالة.\rفأما إذا قيد الاداء بالمال الذي عليه: فليس للمحيل أن يطالبه بالاداء إليه، لانه تعلق به حق المحتال له، فإذا أدى تقع المقاصة بينهما.\rثم في الحوالة المطلقة: إذا لم يكن على المحتال عليه دين، فأدى إلى المحتال له، أو وهب له، المحتال له، أو تصدق عليه، أو ورث من المحتال له، أو أدى المحتال عليه دنانير أو عروضا بدل الدراهم: فإنه يرجع على المحيل بالمال، بمنزلة الكفيل، على ما مر.\rوإن أبرأه عن الدين، وقبل منه، ولم يرد الابراء فإنه يبرأ.\rولا يرجع على المحيل بشئ كما في الكفالة.\rهذا إذا كانت الحوالة بأمر المحيل، فإن كانت بغير أمره، فأدى المحتال عليه فإنه لا يرجع وإن كان عليه دين: فهو بحاله.","part":3,"page":248},{"id":993,"text":"كتاب الصلح الصلح مشروع بالكتاب، والسنة، والاجماع.\rأما الكتاب فقوله تعالي: * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) *.\rوأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.\rوعليه الاجماع.\rثم الصلح أنواع ثلاثة: أحدها: الصلح عن إقرار المدعى عليه: وهو جائز، بالاجماع.\rوالثاني: الصلح عن إنكاره: وهو جائز، عندنا.\rوقال ابن أبي ليلى: لا يجوز، وهو قول الشافعي.\rوالثالث: الصلح عن سكوت المدعى عليه: وهو جائز أيضا، عندنا، وهو قول ابن أبي ليلى.\rوقال الشافعي: لا يجوز والمسألة معروفة.\rثم لا يخلو: إما إن كان الصلح بين المدعي والمدعى عليه أو بين المدعي والاجنبي.","part":3,"page":249},{"id":994,"text":"أما الاول: فلا يخلو إما أن تكون الدعوى في العين القائمة أو في الدين، ولا يخلو: إما إن كان الصلح عن إنكار أو عن إقرار أما إذا كانت الدعوى في الاعيان القائمة، والصلح عن إقرار: فإن هذا الصلح في معنى البيع، من الجانبين، فما يجوز في البيع يجوز في الصلح، وما لا فلا.\rفإن كان المدعى به عروضا أو عقارا أو حيوانا من العبيد والدواب: يجوز الصلح إذا كان بدل الصلح عينا قائما معينا مملوكا له، سواء كان كيليا أو وزنيا أو غير ذلك من الحيوان والعروض.\rأما إذا كان دينا: فإن كان شيئا من المكيل والموزون معلوم القدر والصفة يجوز، كما في البيع، لان هذه الاشياء تصلح ثمنا عينا كان أو دينا.\rوإن كان البدل ثيابا موصوفة في الذمة لا يجوز، ما لم يوجد فيه\rجميع شرائط السلم، بخلاف الكيلي والوزني فإنه يثبت دينا في الذمة مطلقا في المعاوضة المطلقة، فيصلح ثمنا من غير أجل.\rوإن كان البدل حيوانا موصوفا في الذمة لا يجوز، لانه لا يصير دينا في مقابلة مال بمال فلا يصلح ثمنا.\rوإن كان الصلح عن إنكار فكذلك الجواب في جانب المدعي.\rفأما في جانب المدعى عليه: فهو إسقاط وبدل عما ليس بمال.\rوعلى هذا يثبت حق الشفعة، في الجانبين، في الصلح عن إقرار، حتى أن البدل إذا كان دارا والمدعى به دارا يثبت للشفيع الشفعة في الدارين وفي الصلح عن إنكار، والمسألة بحالها ثبت للشفيع الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، وكذا حق الرد بالعيب، وحكم دون الدار التي هي مدعى بها لما قلنا.","part":3,"page":250},{"id":995,"text":"وكذا حق الرد بالعيب، وحكم الاستحقاق على هذا في الصلح عن إقرار يثبت من الجانبين، وفي الصلح عن إنكار يثبت في جانب المدعي لا غير.\rأما إذا كان المدعى به ذهبا أو فضة فإن كان البدل غير الذهب والفضة: فإنه يجوز الصلح، كيفما كان وإن كان البدل ذهبا أو فضة.\rفإن كان الصلح عن إقرار، والبدل من جنس المدعى به فلا يصح إلا سواء بسواء ويشترط التقابض.\rإن كان بخلاف جنسه، كالذهب مع الفضة يجوز مع التفاضل، ولكن يشترط القبض في المجلس، لان هذا صرف، فيشترط فيه شرائط\rالصرف.\rوكذلك الجواب في الصلح، عن إنكار، في حق المدعي.\rهذا كله إذا كان المدعى به عينا فأما إذا كان دينا: فإن كان دراهم أو دنانير، وبدل الصلح عين مال معلوم من غير الكيلي والوزني فإنه يجوز، ويكون ذلك بمنزلة بيع العين بالدين إن كان عن إقرار.\rوإن كان عن إنكار ففي حق المدعي كذلك، إلا أنه إذا كان البدل من الذهب والفضة التي تتعين، كالتبر والاواني منهما يكون صرفا، فيشترط التساوي والتقابض في الجنس، والتقابض، في خلاف الجنس، دون التساوي.\rوإن كان البدل من الدراهم والدنانير فإن كان من جنسه، كما إذا كان عليه ألف درهم جيدة، فصالح من ذلك على ألف درهم جيدة أو رديئة جاز، ويكون هذا استيفاء عين حقه وإبراء عن صفته.\rوإن صالح على خمسمائة جيدة أو رديئة جاز، ويكون استيفاء","part":3,"page":251},{"id":996,"text":"للبعض وإبراء عن البعض.\rوإن صالح على ألف درهم لا يجوز، لانه لا يمكن أن يجعل استيفاء، فيجعل صرفا، والتساوي شرط لصحة الصرف عند اتحاد الجنس.\rوأصل هذا أن الصلح متى وقع على جنس ما هو المستحق بعقد المداينة، يجعل استيفاء، وإن لم يمكن أن يجعل استيفاء، يكون صرفا، فيشترط فيه شرائط الصرف.\rوعلى هذا إذا صالح من ألف درهم ردئ، على خمسمائة جيدة\rلا يجوز، لان مستحق الردئ لا يستحق الجيد، فلا يمكن أن يجعل استيفاء، فيكون صرفا، وبيع ألف درهم ردئ بخمسمائة جيدة لا يجوز، لانه ربا.\rولو صالح من ألف سود، على ألف بيض، وسلمها في المجلس جاز، لانه ليس باستيفاء وهو صرف فإذا وجد التقابض وهما في مجلس واحد جاز، لان الجودة لا قيمة لها، عند مقابلتها بجنسها.\rوإن افترقا بطل.\rولو صالح عن ألف بيض، على خمسمائة سود جاز، ويكون هذا حطا عن القدر والصفة واستيفاء لبعض الاصل.\rولو صالح من الدين الحال على المؤجل، وهما في القدر سواء جاز، ويكون هذا تأجيلا للدين.\rولو كان على العكس: يجوز أيضا، ويكون استيفاء، ويصير الآخر تاركا حقه، وهو الاجل.\rولو كان الدين مؤجلا، وصالح على بعضه معجلا لا يجوز، لان صاحب الدين المؤجل لا يستحق المعجل، فلا يمكن أن يجعل استيفاء، فصار عوضا، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز.","part":3,"page":252},{"id":997,"text":"ولو كان البدل بخلاف جنسه، بأن صالح من الدراهم على الدنانير فإن وجد التقابض يجوز، وإلا فلا، لانه لا يمكن أن يجعل استيفاء، لاختلاف الجنس، فيصير صرفا فيشترط شرائط الصرف.\rوكذا في سائر الوزنيات إذا كانت موصوفة في الذمة لانه افترق عن دين بدين.\rوعلى هذا إذا كان الدين كيليا، فصالح على جنسه، أو على خلاف\rجنسه، على الفصول التي ذكرنا من غير تفاوت.\rوأما إذا كان بدل الصلح المنافع بأن كان على رجل عشرة دراهم، فصالح من ذلك على منفعة الدار سنة أو ركوب الدابة سنة ونحو ذلك فإنه يجوز، ويكون إجارة إن كان الصلح عن إقرار من الجانبين.\rوإن كان عن إنكار من جانب المدعي فكل حكم عرف في الاجارة، فهو الحكم ههنا في موت العاقدين، وهلاك المستأجر، والاستحقاق من غير تفاوت، وقد ذكرنا في الاجارة إلا أن في الصلح عن إقرار يرجع إلى المدعى به، وفي الصلح عن إنكار يرجع إلى أصل الدعوى.\rوإن كان الدين المدعى به حيوانا بأن وجب في الذمة عن قتل الخطأ، أو في المهر وبدل الخلع، فصالح على دراهم في الذمة، وافترقا من غير قبض جاز، وإن كان هذا دينا بدين، لان هذا ليس بمعاوضة، بل استيفاء عين حقه، لان الحيوان الذي وجب في الذمة لم يكن وجوبه لازما، حتى إن من عليه إذا جاء بقيمته يجبر من له على القبول بخلاف سائر الديون.\rهذا الذي ذكرنا إذا كان المدعى به مالا فأما إذا كان حقوقا ليست بمال، فصالح منها على بدل هو مال فهذا على ضربين ضرب يجوز وضرب لا يجوز.","part":3,"page":253},{"id":998,"text":"أما الضرب الذي يجوز: فنحو الصلح عن موجب العمد في النفس وما دون النفس على أي بدل كان، دينا كان أو عينا، أقل من الدية وأرش الجناية أو أكثر، لان هذا بدل القصاص، لا بدل الدية إلا أن البدل إذا كان دينا لا بد من القبض في المجلس، حتى لا يكون افتراقا\rعن دين بدين.\rوبمثله لو كان الصلح في قتل الخطأ وجراح الخطأ، فيما ذكرنا من جواز الصلح واشتراط القبض في الدين، إلا أن الفرق بين العمد والخطأ أن في العمد الصلح على أكثر من الدية والارض جائز، وفي الخطأ على أكثر من الدية والارش لا يجوز، لان ها هنا الارش والدية مقدران شرعا والزيادة عليه ربا فلا يجوز فهو الفرق.\rثم ينظر: إن كان البدل مما يصلح مهرا في النكاح، وتصح تسميته يجب ذلك.\rوإن كان مما لا يصلح مهرا ولا تصح تسميته، ويجب في ذلك مهر المثل تجب هاهنا دية النفس في القتل، وأرش الجناية فيما دون النفس إلا في فصل واحد وهو أنه إذا صالح على خمر أو خنزير في العمد فإن كان في النكاح يجب مهر المثل، وهاهنا يسقط القصاص، ولا يجب شئ ويكون ذلك عفوا منه.\rوما عرفت من الجواب في الصلح عن دم العمد، فهو الجواب في الخلع، والعتق على مال والكتابة فيما ذكرنا.\rوأما الضرب الثاني: فأنواع كثيرة: منها: أن المشتري إذا صالح مع الشفيع عن حق الشفعة على مال معلوم لا يجوز.\rومنها: أن الكفيل بالنفس إذا صالح المكفول له، بمال معلوم على أن يبرأ من الكفالة: فالصلح باطل والكفالة لازمة.\rولو كان لرجل ظلة على طريق نافذة أو كنيف شارع، فخاصمه رجل","part":3,"page":254},{"id":999,"text":"فيه وأراد طرحه، فصالحه على دراهم فالصلح باطل، لان هذا حق لجماعة المسلمين، ولم يكن له حق معتبر حتى يكون إسقاطا لحقه.\rبمثله لو كان الطريق غير نافذ، فخاصمه رجل من أهل الطريق فصالحه على دراهم مسماة فالصلح جائز لانه مشترك بين جماعة محصورة، فيكون جزء منه ملكا لهذا الواحد، فيكون صلحا عن حقه، وفيه فائدة لاحتمال أن يصالح البقية بخلاف الاول، لانه لا يتصور الصلح من جميع الناس.\rولو ادعى رجل على رجل مائة درهم، فأنكرها المدعى عليه، فصالح المدعي على أنه إن حلف المدعى عليه، فهو برئ، فحلف المدعى عليه ما لهذا المدعي قليل ولا كثير: فإن الصلح باطل، والمدعي على دعواه، فإن أقام بينة أخذه بها، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلافه له ذلك وإنما بطل ذلك، لانه إبراء معلق بالشرط، وهو فاسد، لان فيه معنى التمليك.\rوأما الاستحلاف فهو على وجهين إن حلف في غير مجلس القاضي: فله أن يحلفه ثانيا، لان الحلف في غير مجلس القاضي لا عبرة به، فيحلفه ثانيا.\rوأما إذا حلف في مجلس القاضي فلا يحلفه ثانيا، لان حق المدعي في الحلف صار مستوفي مرة، فلا يجب عليه الايفاء ثانيا.\rولو اصطلحا على أن يحلف المدعي، فمتى حلف فالدعوى لازمة للمدعى عليه فحلف المدعي على ذلك فإن الصلح باطل، ولا يلزم المدعى عليه شئ بهذا لان هذا إيجاب المال بشرط وهو فاسد.\rولو ادعى على امرأة نكاحها، فصالحها، على مائة درهم، على أن تقر له بالنكاح فهو جائز، وتكون المائة زيادة في مهرها، لان إقرارها بالنكاح محمول على الصحة.","part":3,"page":255},{"id":1000,"text":"وكذا لو قال لها: أعطيتك مائة درهم، على أن تكوني امرأتي فهو جائز إذا قبلت ذلك بمحضر من الشهود ويكون هذا كناية عن النكاح ابتداء.\rوكذا لو قال: تزوجتك أمس على ألف درهم فقالت: لا، فقال: أزيدك مائة على أن تقري لي بالنكاح، فأقرت: كان لها ألف ومائة، والنكاح جائز، ويحمل إقرارها على الصحة.\rوكذا لو ادعي على رجل مجهول النسب أنه عبده، فأنكر وقال: إني حر الاصل، فصالح المدعي عليه، مع المدعي، على بدل معلوم: جاز حتى لو أقام المدعي البينة بعد ذلك: لا تقبل، ويصير ذلك بمنزلة العتق ببدل، ولكن تقبل البينة في حق إثبات الولاء.\rولو ادعى على رجل ألف درهم، فأنكر، فقال: أقر لي بها عليك على أن أعطيك مائة درهم كان باطلا، لان هذا إيجاب الالف على نفسه بمائة درهم.\rوكذلك لو صالح القاذف مع المقذوف، بشئ، على أن يعفو عنه، ولا يخاصمه - فهو باطل.\rوكذلك لو صالح الشاهد، بمال على أن لا يشهد عليه أو أراد أن يشهد على الزاني أو السارق أو القاذف، فصالحوه على مال فالصلح باطل، ولا تقبل شهادته في هذه الحادثة، وفي غيرها، إلا أن يتوب ويسترد المال منه في جميع ذلك.\rولو ادعى رجل قبل رجل، وديعة، أو عارية، أو مالا مضاربة أو إجارة فقال الامين: قد رددتها عليك أو هلكت، ثم صالحه على مال فإن الصلح باطل عند أبي يوسف، وعند محمد: جائز وهي من\rالخلافيات.","part":3,"page":256},{"id":1001,"text":"وأما إذا كان الصلح بين المدعي والاجنبي: فلا يخلو إما إن كان بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه.\rأما إذا كان بإذنه: فإنه يصح الصلح، ويكون وكيلا عنه في الصلح، ويجب المال على المدعى عليه، دون الوكيل، سواء كان الصلح عن إقرار أو عن إنكار، لان الوكيل في الصلح لا ترجع إليه الحقوق - وهذا إذا لم يضمن بدل الصلح عن المدعى عليه، فأما إذا ضمن فإنه يجب عليه بحكم الكفالة والضمان لا بحكم العقد.\rفأما إذا كان بغير إذنه: فهذا صلح الفضولي.\rوهو على أربعة أوجه: في ثلاثة منها: يصح الصلح، ويجب المال على المصالح الفضولي، ولا يجب على المدعى عليه شئ - بأن يقول الفضولي للمدعي أصالحك من دعواك هذه على فلان بألف درهم على أن ضامن لك هذه الالف أو عليه هذه الالف أو قال علي ألفي هذه أو على عبدي هذا أضاف المال إلى نفسه، أو عين البدل فقال: عليه هذه الالف أو علي هذا العبد، وإنما كان هكذا، لان التبرع بإسقاط الدين، بأن يقضي دين غيره بغير إذنه، صحيح، والتبرع بإسقاط الخصومة عن غيره صحيح، والصلح عن إقرار إسقاط للدين، والصلح عن إنكار إسقاط للخصومة، فيجوز كيفما كان.\rوفي فصل واحد لا يصح، بأن قال: أصالحك من دعواك هذا\rمع فلان على ألف درهم، أو على عبد وسط فإن هذا الصلح موقوف على إجازة المدعى عليه فإن أجاز يصح، ويجب المال عليه دون المصالح، لان الاجازة بمنزلة ابتداء التوكيل، والحكم في التوكيل كذلك، وإن لم يجز يبطل الصلح، لانه لا يجب المال، والمدعى به لا يسقط.","part":3,"page":257},{"id":1002,"text":"وعلى هذا الخلع من الاجنبي: على هذه الفصول: إن كان بإذن الزوج: يكون وكيلا عنه، ويجب المال على المرأة للزوج دون الوكيل، لانه معبر وسفير، فلا يرجع إليه بالحقوق.\rوإن كان بغير إذنه فإن وجد من الفضولي ضمان بدل الخلع أو قال: خالع امرأتك على كذا درهم علي أو على عبدي هذا أو على هذا الالف أو على هذا العبد فإن الخلع صحيح، ويجب المال على الفضولي، وليس له أن يرجع، لانه متبرع.\rوإن قال: اخلع امرأتك على كذا، فقال: خلعت فإنه موقوف على إجازة المرأة فإن أجازت صح الخلع، ويجب البدل عليها دون الفضولي.\rوإن لم تجز بطل الخلع ولا يقع الطلاق.\rوعلى هذه الفصول: العفو عن دم العمد من الاجنبي.\rوعلى هذه الفصول: الزيادة في الثمن من الاجنبي إن كانت بإذنه يكون وكيلا، وتجب على المشتري.\rلا وإن كانت بغير إذن المشتري: فهو على الفصول التي ذكرنا.","part":3,"page":258},{"id":1003,"text":"باب آخر من الصلح\rجمع في الباب مسائل متفرقة: منها: - أن من كان له على آخر ألف درهم، فقال للمديون: أصالحك على أن أحط عنك منها خمسمائة على أن تعطيني اليوم خمسمائة فصالحه على ذلك قال أبو حنيفة ومحمد: إن أعطاه خمسمائة في ذلك اليوم: برئ من الخمسمائة الاخرى، وإن لم يعطه حتى مضى اليوم انتقض الصلح، وعادت الالف عليه كما كانت.\rوقال أبو يوسف بأنه يبرأ من الخمسمائة، ويبقى عليه خمسمائة.\r- وأجمعوا أنه إذا قال: أصالحك عن الالف على خمسمائة تعجلها اليوم فإن لم تعجلها فالالف عليك ولم يعجل اليوم بطل الصلح وعليه الالف.\rوحاصل هذا - أن عندهما هذا الكلام، في موضع الاجماع، وهو الفصل الثاني، ليس تعليق البراءة عن خمسمائة بشرط تعجيل خمسمائة، لان الالف كلها معجلة بحكم عقد المداينة، فلا معنى لاشتراطه وهو ثابت، ولان تعليق البراءة بالشرط لا يجوز، لانه تمليك من وجه حتى يرتد بالرد، وهذا الكلام صحيح بالاجماع، ولكنه حط وإبراء عن الخمسمائة للحال، وتعليق فسخ البراءة بترك التعجيل في اليوم، وتعليق الفسخ بالشرط جائز فإن من قال لغيره: أبيعك هذا العبد بألف","part":3,"page":259},{"id":1004,"text":"درهم على أن تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فلا بيع بيننا فإن البيع جائز، وجعل ترك التعجيل شرطا في الفسخ، فكذا هذا وهذا المعنى موجود في فصل الخلاف.\rوعند أبي يوسف: هذا تعليق البراءة بشرط التعجيل، والبراءة لا يصح تعليقها بالشروط وجه قول أبي يوسف أنه صالح على عوض بشرط تعجيله، فإذا لم يوجد الوفاء، بالتعجيل، لم ينفسخ العقد بدون شرط الفسخ صريحا، ولم يوجد، فبقي الحط صحيحا، كما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف على أن تعجلها اليوم.\rبخلاف الفصل المجمع عليه لان ذلك صلح على خمسمائة للحال، وجعل ترك التعجيل شرطا للفسخ عرفنا ذلك بالتنصيص على ذلك الشرط.\r- ولو صالح على أن يعطيه خمسمائة إلى شهر على أن يحط عنه خمسمائة الساعة، فإن لم يعطه إلى شهر، فعليه الالف فهو صحيح، لان هذا إبراء للحال، وتعليق لفسخ الابراء بالشرط.\rوعلى هذا الكفالة: إذا أخذ منه كفيلا بألف درهم، فصالح معه على أن يحط خمسمائة وشرط على الكفيل ذلك إن أوفاه خمسمائة إلى شهر، فإن لم يوفه خمسمائة إلى رأس الشهر، فعليه الالف فهو جائز والالف على الكفيل إن لم يوفه، لما قلنا.\rولو ضمن الكفيل الالف مطلقا، ثم قال: عنك حططت خمسمائة على أن توفيني رأس الشهر خمسمائة، فإن لم توفني فالالف عليك فهذا صحيح، وهو أوثق من الاول.\rولو قال لمن عليه الالف: متى ما أديت إلي خمسمائة فأنت تبرأ عن الباقي فإن هذا لا يصح، ويبقى عليه الالف، لان هذا تعليق البراءة بالشرط.","part":3,"page":260},{"id":1005,"text":"- وكذلك إذا قال: صالحتك على أنك متى ما أديت إلي خمسمائة\rفأنت برئ من خمسمائة لا يصح لما قلنا.\r- وكذا من قال هذه المقالة لمكاتبه: إذا أديت إلي خمسمائة فأنت برئ من باقي الكتابة، لما قلنا.\rولو قال له: إن أديت إلي خمسمائة فأنت حر والبدل ألف يصح ويبرأ لان هذا تعليق العتق وتثبت البراءة حكما.\rومنها: المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا فصالحه البائع من العيب على شئ دفعه إليه أو حط عنه من ثمنه شيئا فإن كان المبيع مما يجوز رده على البائع، أو كان له حق المطالبة بأرشه دون رده: فالصلح جائز، لان هذا صلح عن حقه، وإن لم يكن له حق الرد ولا أخذ الارش لا يجوز الصلح، لان هذا أخذ مال لا بمقابلة شئ فلا يجوز.\rوهذا إذا كان بيعا يجوز فيه التفاضل.\rوأما إذا كان في بيع الربا فلا يجوز لانه يؤدي إلى الزيادة وهو ربا فلا يجوز.\rوفي الموضع الذي جاز إذا زال العيب، بأن انجلى البياض يبطل الصلح ويأخذ البائع ما أدى لانه زال حقه.\rولو صالح عن عيب قائم وعن كل عيب يجوز.\rولو لم يجد به عيبا وصالح، مع هذا عن كل عيب جاز لوجود سبب الحق.\rولو صالح عن عيب خاص كالعمى ونحوه يجوز، لانه لما جاز عن كل عيب، جاز عن الواحد.","part":3,"page":261},{"id":1006,"text":"كتاب المزارعة في الكتاب فصلان: فصل في المزارعة، وفصل في المعاملات.\rونحتاج إلى: تفسيرهما في عرف اللغو الشرع.\rوإلى بيان مشروعيتهما، وإلى بيان أنواع المزارعة، وإلى بيان شرائط المزارعة: المصححة منها والمفسدة، وإلى بيان المعاني التي تجعل عذرا في فسخ المزارعة، والامتناع منها بعد الشروع فيها.\rأما الاول فنقول: المزارعة: عبارة عن عقد الزراعة، ببعض الخارج.\rوهو إجارة الارض، أو العامل، ببعض الخارج.\rوأما إجارتهما بالدراهم والدنانير في الذمة، أو معينة، فلا يكون عقد مزارعة بل سمي إجارة، وقد ذكرنا في كتاب الاجارة.\rوكذا المعاملة: هو إجارة العامل، ليعمل في كرمه وأشجاره، من السقي والحفظ، ببعض الخارج.\rوأما بيان المشروعية: فقال أبو حنيفة: كلتاهما فاسدتان غير مشروعتين.","part":3,"page":263},{"id":1007,"text":"وقال أبو يوسف ومحمد: كلتاهما مشروعتان.\rوقال الشافعي: المعاملة مشروعة، دون المزارعة وهي معروفة في\rالخلافيات.\rوأما بيان أنواع المزارعة: ذكر في الكتاب وقال: المزارعة أنواع أربعة.\rوهي كذلك في الظاهر، لكن يتفرع منها أنواع أخر، ومعرفة ذلك مبنية على معرفة أصول: منها: أن المزارعة فيها معنى الاجارة والشركة لانها إما إجارة الارض أو العامل ببعض الخارج إن كان بالبذر من قبل صاحب الارض فهو مستأجر العامل ليعمل له في أرضه، بما يعطيه من العوض، وهو بعض الخارج الذي هو نماء ملكه وهو البذر.\rوإن كان البذر من العامل فهو مستأجر الارض، ليزرعها، ببعض الخارج، الذي هو نماء ملكه وهو البذر.\rومنها أيضا: معنى الشركة بين المتعاقدين، لكون الخارج مشتركا بينهما، على قدر ما سميا في العقد.\rإذا ثبت هذا فنقول: قد جاء الشرع بجواز المزارعة ببعض الخارج إذا كان عوضا عن منفعة الارض، أو عن منفعة العامل، بخلاف القياس، لحاجة الناس، لان الاجرة معدومة مجهولة، فمتى كان العقد على هذا الوجه يكون مزارعة صحيحة وإلا فيكون مزارعة فاسدة.\rوأصل آخر: وهو أن صاحب البذر يستحق الخارج بسبب أنه نماء ملكه لا بالاجارة، والذي ليس بصاحب البذر يستحق الخارج بالشرط، وهو عقد المزارعة فإن العقد إذا كان صحيحا يجب البدل","part":3,"page":264},{"id":1008,"text":"المسمى، وإذا كان فاسدا لا يستحق البدل المسمى ولكن يجب أجر المثل بمقابلة منفعة الارض، أو منفعة العامل، لانه لم يرض ببذل المنفعة من غير عوض.\rلكن عند محمد يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، وعند أبي يوسف: مقدرا بقيمة الخارج المسمى ذكر الخلاف في كتاب الشركة ويكون الخارج كله لصاحب البذر لانه نماء ملكه.\rثم إذا كان البذر من صاحب الارض، يكون الزرع كله له، طيبا، ولا يتصدق بشئ، لانه نماء ملكه، وقد حصل في أرضه.\rوإن كان البذر من العامل فإن الخارج، بقدر بذره وبقدر ما غرم من أجر مثل الارض والمؤن، يطيب له، لانه أدى عوضه، ويتصدق بالفضل على ذلك، لانه - وإن تولد من بذره - لكن في أرض غيره بعقد فاسد فأورث شبهة الخبث.\rوعلى هذا قالوا في المزارعة الصحيحة: إذا لم تخرج الارض شيئا لا يجب على واحد منهما لا أجر العمل ولا أجر الارض، لان الواجب هو الخارج، لكون التسمية صحيحة، فتقومت المنافع بهذا البدل، فمتى لم يوجد بقيت المنافع على الاصل، وهي غير متقومة.\rوفي المزارعة الفاسدة: يجب أجر المثل وإن لم تخرج الارض شيئا، لان المنافع تتقوم هاهنا بأجر المثل ففوات الخارج لا يمنع من وجوبه.\rإذا ثبت هذا فنقول: ذكر في الكتاب وقال: المزارعة أنواع أربعة، وهي في الظاهر كذلك، ولكن يتفرع منهما أنواع أخر.\rأما بيان الاربعة: أن يكون الارض والبذر من رب الارض، والبقر والعمل وآلاته من\rالعامل.\r- أو يكون الارض والبقر والبذر من رب الارض، والعمل من العامل لا غير.","part":3,"page":265},{"id":1009,"text":"- أو تكون الارض وحدها من صاحب الارض، والباقي كله من العامل.\r- أو تكون الارض والبقر من صاحب الارض، والبذر والعمل من العامل.\rففي الثلاثة الاولى: المزارعة صحيحة، لان في الفصل الاول صاحب الارض مستأجر للعمل، والبقر آلة العمل، فيكون تبعا له، فلا تكون الاجرة بمقابلة البقر، كمن استأجر خياطا ليخيط بآلته يجوز.\rوفي الفصل الثاني: صاحب الارض مستأجر للعامل أيضا وحده.\rوفي الفصل الثالث: يكون العامل مستأجرا للارض وحدها.\rوقد ذكرنا أن استئجار الارض وحدها، واستئجار العامل ببعض الخارج وحده يكون مزارعة صحيحة، لورود الحديث فيه مخالفا للقياص.\rوفي الفصل الرابع: لا يجوز، لانه يصير صاحب البذر، وهو العامل مستأجرا للارض والبقر، ببعض الخارج، فيكون البعض بمقابلة البقر مقصودا، ولم يرد الشرع به، فبقي على أصل القياس.\rوروي عن أبي يوسف في الامالي أنها جائزة.\rوأما ما يتفرع منها: - الاستئجار البذر: وهو أن يدفع الرجل بذرا إلى رجل، ليزرعه في\rأرضه ببقره بنصف أو بثلث فالمزارعة فاسدة، لما قلنا إنه يصير مستأجرا الارض والعامل جميعا، ولم يرد الشرع به.\rوروي عن أبي يوسف أنها جائزة.\rومنها: أن يشترك أربعة من أحدهم الارض، ومن الآخر البذر ومن الثالث البقر، ومن الرابع العمل فهي فاسدة.\rوفي عين","part":3,"page":266},{"id":1010,"text":"هذه الحادثة ورد الاثر بالفساد.\r- ولو شرط عمل صاحب الارض مع العامل لا يجوز، لانه لم يوجد تخلية الارض، ويجب أجر المثل فيما إذا كان البذر من العامل، ويجب أجر مثل عمل العامل إذا كان البذر من صاحب الارض.\rولو شرط عمل عبد صاحب الارض على أن يكون الخارج أثلاثا ثلثه لصاحب الارض، وثلثه لعبده، وثلثه للعامل إن كان البذر من صاحب الارض جاز، لانه مستأجر للعامل، فيكون العبد معينا له، ويكون نصيب العبد لصاحبه.\rوإن كان البذر من العامل لا يجوز، ويكون الخارج لصاحب البذر، وعليه أجر مثل الارض والعبد، وكذا أجر البقر إن كان من صاحب الارض أيضا.\rولو شرط عمل رجل أجنبي مع العامل.\rعلى أن الخارج يكون أثلاثا فإن كان البذر من العامل لا يجوز في حق العامل الثاني، ويجوز فيما بين صاحب الارض والعامل الاول فيكون الثلث لصاحب الارض، والثلثان للعامل الاول، وللعامل الثاني أجر المثل.\rوإن كان البذر من صاحب الارض: جاز ويكون الثلث له، ولكل عامل الثلث، لانه يصير مستأجرا للعاملين وهذا جائز.\rوأما شرائط الصحة والفساد: فمن شرائط الصحة: بيان المدة: سنة أو أكثر وهذا جواب ظاهر الرواية.\rوعن محمد بن سلمة أنه قال: هذا في بلادهم، لان وقت الزراعة","part":3,"page":267},{"id":1011,"text":"متفاوت، فيصير ابتداء الزراعة مجهولا، أما في بلادنا فيجب أن يجوز، لان وقته معلوم، فصار المعاملة، ويقع على أول زرع يخرج.\rوأما في المعاملة فالقياس أن يشترط بيان المدة، وفي الاستحسان أنه يقع على أول ثمر يخرج، فإذا انتهى الثمر انتهى العقد.\rفأما في الرطاب فإذا دفع الارض ليزرع الرطاب ودفع بذرها، أو دفع أرضا فيها أصول رطبة ثابتة، ولم يسم المدة فإن كان شيئا ليس لابتداء نباته، ولا لانتهاء جزه، وقت معلوم لا يجوز، فأما إذا كان وقت جزه معلوما فإنه يجوز ويقع على وقت جزه واحدة كما في الشجرة المثمرة.\rولو دفع إليه نخلا فيها طلع وبسر أحمر أو أصفر أو أخضر فإنه يجوز، وإن لم يبين الوقت لانه وقت إدراكه معلوم.\rولو دفع إليه البسر وقد تناهى عظمه، لكن لم يصر رطبا بعد لا يجوز، لانه لم يبق للعامل عمل يحصل به الثمر.\rوكذا الجواب في دفع الزرع مزارعة إن كان بقلا لم يستحصد جاز، وإن استحصد لا يجوز لما قلنا.\rومنها: إذا شرط على العامل شرطا يبقى منفعته إلى السنة الثانية، وقد دفع الارض مزارعة سنة، كحفر الانهار الصغار والآبار ووضع\rالمسناة: تفسد المزارعة، وإن كان في موضع لا يبقى يجوز.\rوعلى هذا إذا شرط الكراب لا تفسد لانه لا تبقى منفعته في","part":3,"page":268},{"id":1012,"text":"السنة الثانية، وإن شرط الثنيان تفسد وبعضهم قالوا: أراد به تثنية الكراب مرتين ومرارا، وهذا تبقى منفعته في السنة الثانية.\rومنهم من قال: أراد به أن تثنى الكراب بعد انقضاء مدة المزارعة، حتى يرد الارض مكروبة إلى صاحبها، وهو شرط مفسد.\rثم شرط الكراب إذا لم يكن مفسدا - هل يلزم المزارع؟ فنقول: يلزم بالشرط، لانه سبب لزيادة الغلة، فصار كمن اشترى جارية على أنها خبازة أو كاتبة فيجبر على الكراب لو امتنع.\rولو عقد المزارعة مطلقا، هل يجب الكراب على العامل؟ إن كان بحال يخرج الارض زرعا معتادا من غير كراب لا يلزمه، وإن كان لا يخرج زرعا معتادا: فإنه يجبر عليه، وإن كان يخرج شيئا قليلا، لانه وجب عليه مطلق عمل الزراعة، فيقع على أدنى عمل معتاد، فأما غير المتعاد من الزرع القليل فلا عبرة به.\rوكذا السقي يجب عليه إذا كان لا يخرج زرعا، معتادا بماء السماء وحده.\rولو دفع على أنه: إن زرع بكراب، فله كذا.\rإن ثنى فله كذا.\rوإن زرع بغير كراب وثنيان، وكذا صح العقد في ظاهر الرواية.\rوكذا إذا قال: إن زرع حنطة فله كذا، وإن زرع شعيرا فله كذا فهو على هذا أيضا.\rومنها: أن يشترط الحصاد، والدياس، التذرية، والحمل إلى\rموضع البيدر فهو شرط مفسد للعقد، في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه شرط صحيح وهو قول مشايخ خراسان.","part":3,"page":269},{"id":1013,"text":"وأما شرط الحمل، بعد القسمة، إلى منزل صاحب الارض فهو مفسد بالاتفاق.\rومنها: التخلية بين الارض والمزارع شرط الصحة وقد ذكرنا.\rوأما المعاني التي تجعل عذرا للفسخ، أو تجعل عذرا في الامتناع عن العمل أو حق أخذ الارض فنقول: إذا عقد عقد المزارعة، ثم أراد أحدهما الامتناع: فإن كان صاحب البذر: له ذلك، لانه لا يمكنه الشروع، إلا بعد إتلاف ملكه.\rوهو البذر.\rوإذ لم يكن صاحب البذر ليس له ذلك، إلا بعذر يفسخ به العقد.\rولو مات أحدهما: فللآخر أن يمتنع إن كان قبل الشروع.\rوبعد الشروع ينفسخ العقد، عندنا خلافا للشافعي، على التفصيل الذي نذكر.\rوالاعذار الموجبة حق الفسخ في جانب صاحب الارض هو الدين الذي لا وجه لقضائه إلا بثمن الارض، أو كون العامل جانيا.\rوفي جانب العامل هو المرض الذي يعجزه عن العمل والسفر ونحو ذلك.\rثم إذا فسخ أو ترك العقد، وقد عمل فيها العامل من الكراب، وكرى السواقي، ونحوها: فإنه لا يأخذ شيئا من صاحب الارض، لانه\rلا قيمة للمنافع، وهما قوماها بالخارج، وقد بطل سبب الاستحقاق، بالفسخ لكن هذا في الحكم، أما يما بينه وبين الله تعالى: فعليه أن يرضي العامل بإعطاء عوض عمله.","part":3,"page":270},{"id":1014,"text":"ثم بيان كيفية الفسخ بموت أحد العاقدين فنقول: إن مات رب الارض والزرع بقل، وقد عقد المزارعة ثلاث سنين فإنه يبقى العقد في هذه السنة، لهذا الزرع، وليس لورثة رب الارض أخذ الارض، ولكن تترك الارض في يد المزارع حتى يستحصد، فإذا استحصد قسموه على شرطهم، وتنتقض المزارعة، فيما بقي من السنين، وإنما يبقى العقد نظرا للجانبين شرعا.\rولو مات المزراع، والزرع بقل فإن كان ورثة المزراع قالوا: نحن نعمل فليس لصاحب الارض أن يقلع.\rوتبقى المزارعة حكما.\rفأما إذا قال ورثة المزارع نحن لا نعمل، ولكن نقلع الزرع، والبقل بيننا لا يجبرون على العمل، ويقال لصاحب الارض اقلع فيكون بينكم، أو أعطهم قيمة حصتهم والزرع كله لك، أو أنفق على حصتهم وتكون نفقتك في حصتهم.\rفأما إذا انقضت المدة من غير موت المزارعين، والزرع بقل انتهى عقد المزارعة، ولكن الزرع مشترك بينهما، فيكون العمل عليهما إلى أن يستحصد، وعلى المزارع أجر مثل نصف الارض.\rوعلى هذا في مدة الاجارة والعارية إذا انقضت، والزرع بقل، فإنه يجب أجر مثل الارض، ويترك الزرع حتى يستحصد، نظرا لهما بخلاف الموت فإنه ثمة لا يجب أجر مثل الارض، لان ثمة يبقى العقد\rحكما، ويكون العمل على العامل لا عليهما.\rوعلى هذا قالوا: إن الجمال إذا مات في بعض طريق مكة فإن المستأجر يمضي إلى مكة بالمسمى لانا بقينا العقد حكما كذا هذا.\rوكذا إذا كان على صاحب الارض دين فادح، وفي الارض الزرع","part":3,"page":271},{"id":1015,"text":"بقل ليس له أن يبيع الارض، بل يبقى العقد إلى أن يستحصد لما قلنا.","part":3,"page":272},{"id":1016,"text":"كتاب الاكراه الاكراه نوعان: نوع يوجب الالجاء والاضرار: كالتخويف بالقتل، وقطع العضو، والضرب المبرح المتوالي الذي يخاف منه التلف.\rونوع لا يوجب: كالتخويف بالحبس، والقيد، والضرب اليسير.\rوالذي يقع عليه الاكراه، من الفعل والترك، إما إن كان من الامور الحسية أو من الامور الشرعية.\rأما إذا وقع الاكراه على الفعل الحسي: فهو أقسام ثلاثة، في حق الاباحة والرخصة والحرمة.\rأما الذي يحتمل الاباحة كشرب الخمر وأكل الميتة والخنزير فإن كان الاكراه بما يوجب الاضطرار، وهو القتل وقطع العضو ونحوه.\rفإن كان غالب حال المكره أنه يقتله لو لم يشرب فإنه يباح له شربه وتناوله، لان هذا مما يباح عند الضرورة، كما في حال المخمصة.\rوإن كان غالب حاله أنه لا يقتله، ولا يحقق ما أوعده، أو كان\rالتخويف بما ليس فيه خوف تلف النفس كالحبس والقيد والضرب اليسير فإنه لا يباح الاقدام عليه ولا يرخص حتى يأثم بالاقدام عليه، لانه يجب تقديم حق الله تعالى على حق نفسه.","part":3,"page":273},{"id":1017,"text":"وفي الفصل الاول: يباح حتى لو أقدم لا إثم عليه.\rولو لم يقدم حتى هلك يأثم، لانه صار مهلكا نفسه عن اختيار.\rوأما الفصل الذي يرخص فيه ولا يسقط الحرمة كما إذا أكره بالقتل على أن يجري كلمة الكفر على لسانه، أو على أن يشتم محمدا أو على أن يصلي إلى الصليب فإنه لا يباح له ذلك، ولكن يرخص له الفعل، وإن امتنع حتى قتل كان مثابا ثواب الجهاد، لان الحرمة لم تسقط بخلاف الفصل الاول.\rوعلى هذا لو أكره على إتلاف مال إنسان، بما فيه خوف التلف، وغالب ظنه أن يفعل فإنه يرخص، ولا يباح لان حرمة مال الغير لا تسقط لحقه ولكن يرخص بالضمان كما في حال المخمصة.\rوأما الفصل الثالث: فلا يباح ولا يرخص، وإن كان يخالف القتل على نفسه، كما إذا أكره بالقتل على أن يقتل فلانا المسلم، أو يقطع عضوه أو يضربه ضربا يخاف فيه التلف، وكذا في ضرب الوالدين على وجه يخاف منه التلف لان القتل حرام محض، وضرب الوالدين كذلك، فلا يسقط، لاجل حقه.\rولو فعل فإنه يأثم في الآخرة.\rوأما أحكام الدنيا من القود والضمان فنقول: في الاكراه على إتلاف مال الغير يجب الضمان، على المكره بلا خلاف.\rوأما في القتل خطأ، وعمدا فيكون الحكم على المكره عند أبي حنيفة ومحمد، ويصير المكره آلة، ويصير قاتلا، فيكون الحكم عليه.\rوعند أبي يوسف: تجب الدية على المكره، ولا يجب القود أصلا.\rوعند الشافعي: يجب على المكره والمكره جميعا القود.\rوعند زفر: على المكره والمسألة معروفة.","part":3,"page":274},{"id":1018,"text":"وكذا في الاكراه على القطع على هذا الخلاف.\rهذا إذا لم يأذن المكره عليه للمكره على ما أكره.\rأما إذا أذن له بقطع اليد، والقتل: فلا يباح للمكره ذلك، لانه لا يباح بالاباحة والاذن ولكن في القطع: لا يجب الضمان على أحد، لوجود الاذن من جهته، وفي القتل: لا عبرة لاذنه، بل تجب الدية على المكره، كما لو لم يوجد الاذن هذا جواب ظاهر الرواية وفي رواية لا يجب.\rولو أكره على الزنا، بالقتل لا يباح، ولا يرخص للرجل ويرخص للمرأة.\rوكان أبو حنيفة يقول أولا إنه لا يجب الحد، ثم رجع وقال: فإن كان الاكراه من السلطان: لا يجب الحد، ويجب العقر.\rوإن كان من غيره يجب الحد.\rوعندهما: لا يجب الحد، ويجب العقر كيفما كان.\rوأما الاكراه على الامور الشرعية: فنوعان في الاصل: إما إن ورد الاكراه على إنشاء التصرف أو على الاقرار به.\rأما إذا ورد على الانشاء: فهو على وجهين: إن كان تصرفا يحتمل الفسخ، ويشترط فيه الرضا، كالبيع والشراء والاجارة ونحوها، والاكراه بأي طريق كان فإنه يكون التصرف فاسدا: إن اتصل به التسليم يفيد الملك، وإلا فلا.\rوعلى قول زفر: يكون موقوفا على إجازة المكره والمسألة معروفة.","part":3,"page":275},{"id":1019,"text":"وهذا إذا باع أو اشترى بالثمن الذي أكره عليه.\rفأما إذا باع بخلاف جنسه ينفذ، ويخرج عن الاكراه، لانه أتى بغير ما أكره عليه.\rوإن باع بأقل من ذلك الثمن فالقياس أن ينفذ، ولا يكون مكرها، وفي الاستحسان يكون كرها.\rوإن باعه بأكثر من ذلك الثمن يكون طائعا.\rوإن كان تصرفا لا يحتمل الفسخ، كالطلاق، والعتاق، والنكاح، واليمين، والنذر، ونحوها فإنه ينفذ التصرف، عندنا خلافا للشافعي والمسألة معروفة.\rثم الطلاق إن كان قبل الدخول بها يلزمه نصف المهر المسمى.\rوالمتعة في غير المسمى: على المكره، لانه وجب عليه بسبب إكراهه.\rوإن كان بعد الدخول يجب على الزوج المكره، لانه استوفى منفعة البضع.\rوأما في العتاق فيجب الضمان على المكره، سواء كان موسرا أو معسرا، ولا يسعى العبد في ذلك، ويكون الولاء للمعتق المكره، لان العتق حصل بفعل المكره، لكن جعل ذلك إتلافا من المكره فعليه قيمته.\rوفي النكاح إذا أكرهت المرأة على التزويج بألف، ومهر مثلها عشرة آلاف فالنكاح صحيح، ويقول القاضي للزوج إن شئت تمم لها مهر مثلها، وإلا فرقت بينكما وإن لم ترض المرأة إن كان الزوج كفوا لها.\rوتخير المرأة إن كان غير كفء، وإن تمم لها مهر مثلها.\rوإن رضيت المرأة بنقصان المهر، وعدم الكفاءة يثبت الخيار للاولياء في عدم الكفاءة بالاتفاق، وفي نقصان المهر عند أبي حينفة، خلافا لهما هذا إذا كان قبل الدخول.\rفإن كان بعد الدخول، وهي غير مكرهة في التمكين يجوز النكاح، لوجود الرضا، دلالة، ويسقط الخيار للمرأة، ويبقى الخيار للاولياء.\rوإن فرق القاضي بينهما: فلا شئ عليه قبل الدخول، لان","part":3,"page":276},{"id":1020,"text":"الفرقة جاءت من قبلها.\rوأما إذا أكره على الاقارير: فلا يصح، سواء كان بالمال، أو الطلاق، أو العتاق، ونحو ذلك، لان الاقرار إخبار والخبر الذي ترجح كذبه لا يكون حجة والاكراه دليل رجحان الكذب.\rولكن هذا إذا كان الاكراه بوعيد شئ معتبر عند الناس، حتى يكون نافيا للضرر.\rويختلف باختلاف حال المكره من الشرف والدناءة، والضعف والقوة، حتى قال أصحابنا بأن السوط الواحد، والقيد والحبس في اليوم الواحد إكراه في حق بعض الناس، وليس بإكراه في حق البعض فيكون مفوضا إلى رأي القاضي المجتهد، لاختلاف أحوال الناس فيه.\rولو أكره رجل على قتل وارثه، بإكراه يوجب الالجاء، فإنه لا يحرم عن الميراث، وإن كان لا يباح له الاقدام على قتله لانه مضطر فيه.\rولو أكره رجل على شراء ذي رحم محرم منه، حتى عتق لا يجب على المكره شئ، لان الشراء يصح بمثل القيمة، والزيادة عليه لا تجب والاعتاق وشراء القريب سواء في ثبوت العتق، إلا أنه لا تجب القيمة هاهنا لانه حصل له عوض وهو صلة الرحم.\rولو أكره على شراء عبد قال له: إن ملكتك فأنت حر، فاشتراه، وقبضه حتى عتق عليه لا يضمن المكره، لانه مباشر الشرط، فإن العتق باليمين يقع.\rوكذا لو قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر فأكره على أن يدخل الدار، فدخل فعتق لا يضمن لانه مباشر للشرط دون العلة.","part":3,"page":277},{"id":1021,"text":"ثم الاكراه عند أبي حنيفة إنما يصح من السلطان لا غير.\rوعندهما: يصح من كل مسلط له قدرة تحقيق ما وعد.\rوقيل: إن هذا اختلاف زمان، لان في زمن أبي حنيفة كان لا يقدر على الاكراه إلا السلطان، وفي زمانهما تغيرت الامور فأجاب كل واحد على حسب زمانه.\rوبعضهم حققوا الاختلاف من حيث المعنى.\rولو أن صبيا مسلطا، بأن كان سلطانا، أكره رجلا، بالقتل، على القتل، ونحوه فالجواب فيه وفي البالغ سواء لانه تحقق منه الاكراه له.\rوكذا إذا كان رجل به مرة يختلط به وهو مسلط يجوز إكراهه كالعاقل سواء.","part":3,"page":278},{"id":1022,"text":"كتاب القسمة القسمة في الاملاك المشتركة نوعان: قسمة الاعيان، وقسمة المنافع وهي المهايأة.\rأما قسمة الاعيان المشتركة فمشروعة عرفنا شرعيتها بحديث رسول الله ص أنه قسم خيبر بين الغانمين.\rوعليه توارث الامة.\rوالاعيان المشتركة قد تكون أمثالا متساوية فقسمتها تكون تمييز الانصباء لا غير مثل المكيل والموزون والعددي المتقارب.\rوقد تكون أشياء مختلفة، مثل الدور والعقار والعروض والحيوان وقسمتها تكون في معنى البيع.\rثم القسمة قد تكون من القاضي وأمينه بإذنه وقد تكون من الشركاء عند التراضي.\rفإن كانت القسمة من القاضي عند المرافعة إليه: فإن كان في ذلك منفعة لهم: فإنه يقسم.\rوإن كان فيه ضرر أو لا حاجة لهم إلى ذلك: فإنه لا يفعل، وإن تراضيا عليه، ولكن يفوض الامر إليهم حتى يقسموا بأنفسهم فإن الحمام المشترك بين اثنين إذا طلبا من القاضي القسمة لا يقسم لان في القسمة ضررا، لانهما يتضرران بذلك، لانه لا يمكن الانتفاع ببعض الحمام دون البعض ولو قسما","part":3,"page":279},{"id":1023,"text":"بأنفسهما جاز، لولايتهما على أنفسهما.\rوكذا في البيت الواحد، والثوب الواحد، والجوهرة الواحدة لا تجوز القسمة من القاضي.\rولو طلبا منه القسمة لا يفعل، ولو قسما بأنفسهما جاز.\rوكذا دار بين اثنين، لاحدهما فيها شقص قليل: إن طلب صاحب القليل: لا يقسم، لانه لا فائدة له فيه، فيكون متعنتا.\rوإن طلب صاحب الكثير: يقسم، لان له حاجة في ذلك ويدفع الضرر عن نفسه، ولو قسما بأنفسهما: جاز، لما قلنا.\rثم المقسوم لا يخلو: إما إن كان دورا أو عقارا، أو منقولا: فإن كان عقارا، وهي في يد الجماعة، وطلبوا القسمة من القاضي فإن قالوا: هي بيننا ميراث عن فلان فإن عند أبي حنيفة لا يقسم حتى يقيموا البينة على موت فلان، وعلى عدد الورثة وعندهما يقسم بإقرارهم، ويشهد أنه قسمها بإقرارهم.\rولو كان ذلك في عروض أو شئ منقول فإنه يقسم بإقرارهم بالاتفاق.\rوكذا إذا أقروا بكون العقار بينهم ملكا مطلقا، ولم يدعوا انتقال الملك فيها من واحد: فإنه يقسم بينهم، بإقرارهم بالاجماع.\rوإن ادعوا أنهم اشتروا من فلان الغائب ففي رواية الاصل لا يقسم حتى يثبتوا الانتقال من الغائب وفي رواية يقسم بإقرارهم.\rوهذا إذا لم يكن في الورثة غائب كبير أو صغير لا ولي له، فأما إذا كان في الورثة كبير غائب أو صغير فعند أبي حنيفة: لا يقسم على كل حال.\rوعندهما ينظر: إن كانت الدار في يد الكبار الحضور فإنه يقسم بينهم، ويضع حق الغائب في يد أمين يحفظه، ويوكل عن الصغير","part":3,"page":280},{"id":1024,"text":"رجلا حتى يحفظه.\rوإن كانت الدار في يد الغائب أو في يد الصغير أو في أيديهما منها شئ فإنه لا يقسم حتى تقوم البينة على الميراث وعدد الورثة بالاتفاق.\rثم إذا قامت البينة على الميراث ينظر إن كان الحضر اثنين فصاعدا والغائب واحد أو أكثر، وفيهم صغير فإن القاضي يقسم بينهم ويعزل نصيب كل صغير وغائب ويجعل في يد أمين يحفظه.\rولو كان هذا في ملك مطلق وشريكان حاضران، وشريك غائب فالقاضي لا يقسم، لان القاضي له ولاية في الجملة، في مال مشترك بين الورثة فيكون قضاء على الحاضر، ولا ولاية له على مال الغائب مقصودا فلا يقسم من غير أن يحضر من يقوم مقامه.\rولو حضر وارث واحد، وغاب الباقون وطلب القسمة: فإن القاضي لا يقسم، لان القسمة لا تصح إلا بين المتقاسمين الحاضرين.\rولو كان وارث كبير حاضر، وهناك وارث صغير نصب القاضي له وصيا وقسم لانه حضر المتقاسمان وطلب أحدهما القسمة، فإنه يحكم بالقسمة على أحدهما للطالب.\rولو قسم دارا بين شريكين، وفيها مسيل الماء والطريق ونحوهما: فإن قسم مطلقا وأمكن أن يجعل في نصيب كل واحد منهما طريقا ومسيل ماء فإنه تصح القسمة في الكل.\rوإن كان لا يمكن جعل الطريق في ملك أحدهما، بل يحتاج إلى تسييل الماء والاستطراق في نصيب شريكه فإن ذكر القاسم في القسمة: إني قسمت الدار بينهما بحقوقها - فإنه يبقى مشتركا بينهما، فيكون له حق تسييل الماء والاستطراق في نصيب\rشريكه.\rوإن لم يذكر الحقوق: تنقض القسمة، ويكون ذلك غلطا من","part":3,"page":281},{"id":1025,"text":"القاسم، لانه لا يتمكن كل واحد منهما من الانتفاع به بدون الطريق.\rولو قسم دورا بينهم، وجعل لكل واحد نصيبه في دار واحدة، سواء كانت متلاصقة أو فبلدة أو في بلاد لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: إن كان يمكن التعديل في القسمة في ذلك فلا بأس به.\rوعلى هذا قسمة الرقيق، بأن جعل نصيب كل واحد في عبد لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما جائز.\rفأما في المنقول سوى الرقيق إذا كان جنسا واحدا، مثل الابل والبقر والغنم والمكيل والموزون فإنه جائز بلا خلاف لان التفاوت يسير.\rفأما إذا جعل لاحدهم الابل، وللآخر الغنم، وللآخر البقر لم يجز، لاختلاف الانواع.\rوكذا في الثياب من جنس واحد تجوز القسمة، وفي الاجناس المختلفة لا تجوز.\rوفي الثوب الواحد لا تجوز لانه يحتاج إلى القطع وهو ضرر.\rثم إذا قسم الدار فإنه يقسم العرصة بالذراع، ويقسم البناء بالقيمة، ويجوز أن يجعل لاحدهما أكثر ذراعا من الآخر لان قيمته أكثر.\rثم ذكر أبو الحسن أن أبا حنيفة قال: يحتسب في القسمة كل ذراع من السفل الذي لا علو له، بذراعين من العلو الذي لا سفل له.\rوقال أبو يوسف: ذراع من السفل بذراع من العلو.\rوقال محمد: يقسم على القيمة دون الذراع.\rومشايخنا قالوا: إنما أجاب أبو حنيفة على عادة أهل الكوفة","part":3,"page":282},{"id":1026,"text":"لاختيارهم السفل على العلو.\rالعمل في هذه المسألة على قول محمد، لاختلاف حال البلاد في ذلك، فتعتبر القيمة.\rثم ما كان في البيع من خيار الرؤية، وخيار الشرط، والرد بالعيب ففي القسمة كذلك: لا يختلفان، لانها في معنى البيع وهذا إذا قسما بالتراضي.\rفأما إذا قسم القاضي فكذلك في العيب، ولا يثبت خيار الرؤية، ولا خيار الشرط فيه، لانه لو فسخ كان للقاضي أن يقسم ثانيا، فلا فائدة فيه.\rولاحد الشريكين أن يحفر في نصيبه بئرا أو بالوعة، وإن كان يضر بقسم شريكه وكذا هذا في الجارين.\rوإذا ظهر للميت دين بعد القسمة، أو وارث غائب، أو طفل أدرك ولم يكن له وصي: فلهم نقض القسمة، لان القاسم غلط فيها فإن كان للميت مال سوى ما قسم يقضي منه الدين ولا ينقض القسمة.\rوكذلك إذا قضى بعض الورثة الدين، أو كفل رجل عن صاحب الدين.\rوكذا لو ظهر الدين للوارث الذي قسم ولا تكون القسمة منه إبراء للدين الذي عليه لانه ربما لا يعلم ذلك.\rوكذلك إذا ظهرت الوصية لاجنبي، أو ظهر ولد وارث: فإنه تنقض\rالقسمة لان الموصى له كواحد من الورثة.\rوأما المهايأة فنوعان: من حيث المكان، أو من حيث الزمان.","part":3,"page":283},{"id":1027,"text":"أما من حيث المكان بأن كانت دارا كبيرة، يسكن أحدهما ناحية والآخر ناحية: جاز، وهي قسمة المنافع، ولا يشترط فيها بيان المدة.\rولو استغل أحدهما نصيبه: جاز بخلاف العارية: فإنها لا تؤاجر.\rوقال بعضهم: لا يجوز، كما في العارية إلا إذا اشترطا الاستغلال لمن شاء منهما.\rوأما من حيث الزمان بأن كانت دارا صغيرة، يسكن أحدهما شهرا والآخر شهرا: جاز، وهذا في معنى العارية ولهذا يشترط المدة.\rولو آجر أحدهما: لا يجوز كما في العارية.\rولو تهايأ في الرقيق المشترك فأخذ أحدهما عبدا والآخر عبدا: جاز عندهما بلا شك، لان قسمة الرقيق جائزة عندهما.\rوعند أبي حنيفة: تجوز هاهنا لانها قسمة المنافع وهي من جنس واحد.\rوفي النخيل والشجر المشترك إذا أخذ أحدهما طائفة يستثمرها وينتفع بثمرها خاصة، والآخطائفة لا يجوز لانها استحقاق العين بالاجارة.\rوفي الاراضي يزرع أحدهما البعض، والآخر البعض جائز، لانها قسمة المنافع.","part":3,"page":284},{"id":1028,"text":"كتاب المأذون\rقال: يحتاج إلى بيان مشروعية الاذن، للعبد، في التجارة، وإلى تفسير الاذن.\rوإلى بيان حكم الاذن، وما يملك به العبد من التصرف وما لا يملك.\rوإلى بيان صحة الحجر، وإلى بيان حكم المأذون بعد الحجر.\rأما الاول: فلما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يجيب دعوة المملوك.\rوعليه توارث الامة.\rوأما إذن العبد الصغير العاقل، أو الصبي الحر العاقل - فصحيح، عندنا.\rوعند الشافعي: لا يصح - والمسألة معروفة.\rوأما تفسير الاذن فنقول: الاذن نوعان: خاص، وعام.\rفأما الاذن الخاص فأن يقول لعبده: اشتر بدرهم لحما لنفسك أو: اشتر كسوة لنفسك أو لفلان، فاشتراه - فإنه يجوز، ويكون","part":3,"page":285},{"id":1029,"text":"مأذونا، في ذلك، خاصة، والقياس أن يكون مأذونا في الانواع كلها، لان الاذن بالتصرف لا يتجزأ، وفي الاستحسان يقتصر على ما أذن فيه، لان هذا من باب الاستخدام، فلو نفذ الاذن إلى غيره، ولم يكن قصد المولى أن يكون مأذونا في التجارات لا يقدر على الاستخدام.\rوأما الاذن العام فأن يقول: أذنت لك في التجارات أو في التجارة يصير مأذونا في الانواع كلها، بلا خلاف.\rأما إذا أذن في نوع، بأن قال: اتجر في البز، أو في بيع الطعام أو غير ذلك - يصير مأذونا في أنواع التجارات، عندنا.\rوعند زفر والشافعي: يقتصر على ما سمي.\rوكذا إذا قال: اقعد في التجارة أو في الصناعة يصير مأذونا في جميع أنواع الحرف.\rوكذا إذا قال: أذنت لك أن تتجر شهرا أو سنة يصير مأذونا، في جميع الاوقات، ما لم يحجر عليه حجرا عاما.\rوكذا لو قال: اتجر في البز، ولا تتجر في الخز لا يصح نهيه، ويعم الاذن في النوعين، وغيرهما والمسألة معروفة: أن الاذن تمليك التصرف أو إسقاط الحق وفك الحجر ثم الاذن قد يثبت صريحا وقد يثبت بطريق الدلالة.\rفالصريح ما ذكرنا.\rوأما الدلالة بأن رأى المولى عبده، يبيع ويشتري، فسكت ولم ينهه عن ذلك يصير مأذونا في التجارات، ولا يصير مأذونا في بيع ذلك الشئ بعينه وفي الشراء يصير مأذونا وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: لا يصير مأذونا.\rوالكسوت يكون إذنا في مواضع فإن من باع عبدا من إنسان","part":3,"page":286},{"id":1030,"text":"بحضرته، والعبد ساكت يكون إقراراي منه بالرق دلالة.\r- وكذا المشتري: إذا قبض السلعة بحضرة البائع، وسكت البائع\rيكون إذنا بالقبض.\r- وكذا إذا سمع الشفيع بالبيع، فلم يطلب الشفعة، وسكت يكون تسليما للشفعة.\r- وكذا البكر: إذا زوجها وليها، فسمعت من الولي، وسكتت يكون إذنا.\rوله نظائر.\rوفي بعض المواضع لا يكون السكوت رضا، على ما عرف في موضعه.\rوكذلك إذا قال لعبده: أد إلي ألفا فأنت حر فإنه يصير مأذونا، لانه لا يقدر على الاداء إلا بالكسب فيكون إذنا له دلالة.\rوكذلك إذا كاتب عبده: يصير مأذونا، لانه جعله أحق بكسبه.\rثم الاذن بالتجارة يصح، معلقا بشرط، ومضافا إلى وقت بأن قال: أذنت لك إلى رأس الشهر أو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أذنت لك - جاز، لان الاذن إسقاط لحق نفسه، والاسقاط يصح تعليقه بالاخطار.\rوبمثله لو علق الحجر بالشرط: لا يصح، لان الحجر فيه معنى الاثبات، وإعادة الحق، ولا يصح تعليق الاثبات بالشرط.\rوأما بيان حكم الاذن، وما يملك المأذون وما لا يملكه فنقول: كل ما كان من التجارة، وتوابع التجارة، وضروراتها فإنه يملكه المأذون، وما لا فلا.","part":3,"page":287},{"id":1031,"text":"وله أن يستأجر إنسانا ليعمل معه، أو مكانا ليحفظ فيه أمواله، أو\rدوابا ليحمل عليها أمتعته.\rوله أن يؤاجر ما اشترى من الدواب والرقيق.\rوله أن يؤاجر نفسه أيضا.\rويصح منه الشراء بالنقد والنسيئة، وبالعروض لان ذلك معتاد للتجار.\rويملك البيع والشراء، بغبن يسير بالاجماع.\rوأما بالغبن الفاحش فيملك أيضا عند أبي حنيفة، خلافا لهما، كما اختلفوا في الوكيل بالبيع المطلق إذا باع بغبن فاحش إلا أن في الوكيل بالشراء بغبن فاحش لا يجوز عند أبي حنيفة.\rوعندهما يجوز.\rوفي المأذون: الشراء والبيع سواء يجوز بغبن فاحش عند أبي حنيفة لان الوكيل متهم، ولا تهمة هاهنا.\rويملك تأخير الدين من ثمن مبيع، أو إقرار له بإتلاف كسبه ونحو ذلك.\rوالقرض لا يصح تأجيله منه، كما لا يصح من الحر.\rوأما الحط فلا يصح منه، لكونه تبرعا.\rوكذلك الابراء، والكفالة لانه تبرع.\rويملك التصدق باليسير، والضيافة اليسيرة لانها من ضرورات التجارة عادة.\rولا يملك التصدق بالدرهم الكامل ولا الهبة ولا الهدية ولا القرض.\rوكذا لا يملك الكفالة بالنفس ولا بالمال لانها تبرع.\rولا يملك أن يكاتب، وأن يعتق على مال لانه ليس من التجارة.\rويملك أن يوكل بالبيع والشراء، لانه هذا من عادة التجارة، فإنه لا","part":3,"page":288},{"id":1032,"text":"يقدر أن يفعل ذلك كله بنفسه.\rويجوز له أن يتوكل عن غيره بالبيع بالاتفاق.\rوهل يجوز أن يتوكل بالشراء عن غيره؟ إن وكله بالشراء، نقدا، ودفع الثمن إليه أو لم يدفع فالقياس أن لا يجوز، لانه يصير في معنى الكفيل بالثمن.\rوفي الاستحسان يجوز.\rوإذا توكل بشراء عبد نسيئة لا يجوز الشراء عن الآمر ويصير مشتريا لنفسه، لانه يصير الثمن عليه، والملك يقع لغيره، وعليه التسليم إليه، لان الثمن مؤجل، فيكون بمعنى الكفالة.\rفأما إذا كان الشراء بالنقد، فلا يجب عليه التسليم إلى الآمر، بل له أن يحبسه حتى يستوفي الثمن من الموكل، فلا يكون في معنى الكفالة بل في معنى البيع.\rويملك أن يأذن لعبيده في التجارة.\rوله أن يعير دوابه.\rوله أن يودع، ويقبل الوديعة لان هذا من صنيع التجار.\rوله أن يدفع المال مضاربة، ويأخذ المال من غيره وضاربه ويشارك مع غيره شركه عنان.\rولا يجوز أن يشارك شركة مفاوضة، لانها تتضمن الكفالة، ولا تصح منه الكفالة.\rوإذا شارك شركه مفاوضة تنقلب شركة عنان.\rوهل يملك أن يكاتب عبدا من أكسابه؟ إن لم يكن عليه دين، وأجاز المولى جاز، ويكون العبد مكاتبا المولاه، ويدفع بدل الكتابة إلى المولى، ويعتق، إلا إذا أذن المولى إياه بقبض بدل الكتابة.\rوإن كان عليه دين\rلا يصح، لانه تعلق به حق الغرماء، فيكون موقوفا على إجازة المولى فإن لم يجز المولى، ورد الكتابة ينفسخ، وما اكتسبه يصرف إلى دينه.\rوإن أجاز المولى الكتابة، وأمر العبد بقبض بدل الكتابة إن كان عليه دين مستغرق لا تصح الكتابة، لان هذا إعتاق بشرط الاداء، والمولى","part":3,"page":289},{"id":1033,"text":"لا يملك كسب عبده المأذون إذا كان عليه دين مستغرق فكذا هذا، ويباع المكاتب في الدين.\rوإن كان الدين غير مستغرق يعتق العبد، ويضمن المولى قيمة العبد للغرماء، لتعلق حقهم به، كما لو أعتقه ابتداء.\rوعندهما: تصح الكتابة، كيفما كان، كما يصح الاعتاق، كيفما كان، والكسب الذي أداه المكاتب، إلى العبد المأذون، يدفع إلى الغرماء، وإن فضل شئ فعلى مولاه، لاتلاف حقهم بالاعتاق.\rولا يملك التسري بجارية من أكسابه، لانه لا يملك حقيقة.\rوليس له أن يتزوج، لانه ليس من التجارة، فإن أذن المولى، جاز وعليه المهر بعد العتاق إن كان النكاح بغير إذن المولى.\rوإن كان بالاذن منه يتعلق برقبته وكسبه، لكن بعدما فضل من دين التجارة إن ثبت بإقرار المولى.\rفإن ثبت بالبينة تحاص المرأة الغرماء بمهرها.\rوليس له أن يزوج عبده، لانه ليس من التجارة وفيه ضرر بالمولى.\rوكذا ليس له أن يزوج أمته عندهما.\rوعند أبي يوسف: يملك لانه تصرف نافع.\rويصح منه الاقرار، على نفسه بالثمن والاجرة.\rولو أقر بالغصب فإن كان معاينة، فالضمان يتعلق برقبته، لانه\rمن التجارة معنى، فإنه يملك به المغصوب.\rوكذلك إذا جحد المضاربة، والوديعة لانه بمعنى الغصب.\rثم إذا ثبت تعلق الدين برقبة العبد، وكسبه فإن الدين يقضي من الكسب أولا.\rفإن فضل من الدين شئ، أو لم يكن له كسب أصلا فإن القاضي يبيع الرقبة إذا طلبه الغرماء، إلا إذا قضى المولى دينه.\rولا يجوز من المولى بيع العبد إلا بإذن الغرماء، أو","part":3,"page":290},{"id":1034,"text":"بإذن القاضي، أو بأن يقضي دينهم، لان ملكه قائم لكنه مشغول بحق الغرماء.\rولو أعتقه المولى: صح إعتاقه لانه ملكه غير أنه إن كان عليه دين أقل من قيمته يقضي ديونه، وإن كانت ديونه أكثر من قيمته، غرم قيمته، وإن كثرت فإن فضل شئ عن قيمته، يؤاخذ العبد بعد العتاق.\rوإن كان المأذون مدبرا، أو أم ولد، ثم أعتقه جاز عتقه، ولا ضمان للغرماء، لانه حقهم غير متعلق بهما، لانه لا يجوز بيعهما.\rولو أعتق عبد عبده المأذون: إن كان عليه دين مستغرق لا يصح إعتاقه، عند أبي حنيفة خلافا لهما.\rوإن كان غير مستغرق يصح بالاجماع، والمولى ضامن لقيمته، إن كان موسرا، وإن كان معسرا، فللغرماء أن يضمنوا العبد، ويرجع هو على المولى، كما إذا أعتق العبد المرهون.\rفأما حكم الحجر - فنقول: إن المولى يملك حجر العبد المأذون، إذا كان حجرا مشهورا، بأن يشتهر ذلك في السوق.\rفأما إذا حجر في بيته فلا يصح لان فيه ضررا بالناس وغرورا.\rولو باعه ولا دين عليه يصير محجورا لانه صار ملك الغير، فلا تبقى ولاية الاول عليه.\rوكذا إذا كانت جارية، فاستولدها المولى صارت ومحجورا عليها، دلالة منع المولى أم الولد عن الخروج إلى الاسواق.\rوإن أغمي عليه لم يصر محجورا استحسانا.\rوفي الجنون: يصير محجورا.","part":3,"page":291},{"id":1035,"text":"وإذا أبق أو ارتد: صار محجورا.\rوقال أبو يوسف: لا يصير محجورا.\rإذا دبر المأذون: لا يصير محجورا، لانه يمكنه التصرف مع التدبير.\rوإذا صح الحجر: فلا يملك التصرف بعده في حق المولى.\rولو أقر بشئ من حقوق الاموال: فإنه لا يلزم مولاه، ولا يتعلق برقبته، لكن يؤاخذ بعد العتاق.\rوإذا كان في يده شئ من الاكساب، وعليه دين فإنه لا يصح حجره في حقها.\rوليس للمولى أن يستردها، لتعلق حق الغرماء به.\rولو جنى المأذون جنايات: فإنه يقتص فيما يجب فيه القصاص، والدفع أو الفداء فيما لا يجب فيه القصاص.\rوالمأذون وغير المأذون في ذلك سواء وقد ذكرنا هذا في كتاب الديات فلا نعيده.","part":3,"page":292},{"id":1036,"text":"كتاب السير\rقال: يحتاج إلى: تفسير الجهاد، وإلى بيان كيفية فرض الجهاد، وإلى بيان من يفترض عليه، وإلى بيان ما يجب حال شهود الوقعة، وإلى بيان أحكام الانفال والغنائم، وإلى بيان حكم الجزية، وإلى بيان أحكام أهل الردة، وإلى بيان أحكام البغاة، ونحو ذلك.\rأما تفسير الجهاد.\rفهو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال، مع من امتنع عن القبول، بالمال والنفس قال الله تعالى: * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * وقال: * (إن الله اشترى من المؤمنين) *.\rالآية.","part":3,"page":293},{"id":1037,"text":"وأما بيان كيفية فرضه فنقول: إنه فرض كفاية، لا فرض عين.\rونعني به أنه إذا لم يقم به البعض من أهل الثغور وغيرهم ممن هو يقرب منهم، فإنه يفرض على جميع الناس، ممن له قدرة عليه، إما بالنفس أو بالمال.\rفإذا قام به البعض، سقط عن الباقين، لان المقصود وهو دفع شر الكفرة، والدعاء إلى دين الاسلام يحصل بالبعض، فما لم يتعين البعض، يجب على الكل، وإذا\rتعين البعض سقط عن الباقين.\rولهذا قلنا: إذا كان النفير عاما يجب على العبد أن يخرج بغير إذن المولى، وعلى المرأة القادرة عليه أن تخرج بغير إذن زوجها، وعلى الولد أن يخرج بغير إذن الوالدين، أو أحدهما، إذا كان الآخر ميتا.\rفأما إذا قام به البعض فلا يجوز لهؤلاء أن يخرجوا إلا بالاذن.\rوأما بيان ما يجب حال شهود الوقعة فنقول: إذا لقي الغزاة قوما من الكفار فإن لم تبلغهم الدعوة أصلا، ينبغي أن يدعوهم إلى الاسلام أولا.\rفإن أبوا فإلى الذمة.\rفإن أبوا فحينئذ يقاتلونهم.\rفأما إذا بلغتهم الدعوة، فالاولى البداءة بالدعاء إلى الاسلام.\rفإن بدأوا بالقتال والاغارة والبينات عليهم، فلا بأس بذلك، لانه قد توجه عليهم الخطاب بالايمان، باتفاق الامة.\rفإن سمع رجلا قال: لا إله إلا الله أو قال: أشهد أن محمدا رسول الله فإن كان من عبدة الاوثان أو من الثنوية أو من الدهرية: فإنه لا يباح قتله لانه أتى بالتوحيد.\rوإن كان من أهل الكتاب فإتيان الشهادتين لا يكفي، ما لم يتبرأ من دين اليهودية والنصرانية.\rوكذا إذا قال: أنا مسلم أو مؤمن أو أنا مصل لانهم","part":3,"page":294},{"id":1038,"text":"يعتقدون أن دينهم إسلام وأن لهم شرائع وصلاة.\rوإذا قال: أنا صليت مع المسلمين بجماعة أ وأنا على دين محمد، لا يباح قتله، لان ذلك دلالة الاسلام.\rثم الغزاة لهم أن يقتلوا: كل من كان من أهل القتال، وكل من\rقاتل، وإن لم يكن من أهل القتا ل في الجملة، نحو الصبيان، والمجانين، والرهابين، والشيوخ الهرمى.\rفأما إذا لم يقاتلوا فلا يباح قتل هؤلاء.\rوأما الرهابين: فإن كانوا لا يخالطون الناس فكذلك.\rوإن كانوا يخالطون الناس أو يدلون على عورات المسلمين فيباح قتلهم.\rولا بأس أن يحرقوا حصونهم بالنار، ويغرقوها بالماء، وينصبوا، المجانيق على حصونهم، ويهدموها عليهم، وأن يرموها بالنبال، وإن علموا أن فيهم أسارى المسلمين والتجار لان فيه ضرورة.\rوكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين وبأسا راهم، لكن ينبغي أن يقصدوا به قتل الكفار دون المسلمين، لما فيه من ضرورة إقامة الفرض عليهم.\rثم إذا ظفر الغزاة بهم، فلا بأس بأن يقتل المقاتلة منهم من كان مقاتلا، سوى الصبي والمجنون: فإنه لا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال، لانهما ليس من أهل القتل ليكون جزاء على قتالهما، إلا إذا كان الصبي أو المعتوه ملكا، فلا بأس بقتلهما كسرا لشوكتهما، ويباح، في حالة القتال لدفع الشر.\rوأما الشيوخ، والرهابين، والنسوان إذا قاتلوا فيباح قتلهم بعد الفراغ أيضا، جزاء على قتالهم، إلا إذا كانت المرأة ملكة فيباح قتلها وإن لم تقاتل.\rوينبغي لهم أن يخرجوا إلى دار الاسلام نساءهم، وصبيانهم، ويسترقوهم، لما فيه من منفعة المسلمين، ولا ينبغي أن يتركوهم في دار","part":3,"page":295},{"id":1039,"text":"الحرب، لما فيه من ضرر بالمسلمين.\rوأما الشيخ الفاني الذي لا قتال عنده، ولا يقدر أن يلقح لكن يمكن\rأن يفادى به فإن شاؤوا تركوه، وإن شاؤوا أخرجوه، على قول من يرى فاداة الاسير بالاسير، وعلى قول من لا يرى يتركونه في دارهم لانه لا فائدة فيه.\rوكذا في العجوز الكبيرة التي لا تلد.\rولا ينبغي للغزاة أن يفر واحد من اثنين منهم.\rوالحاصل أن الامر مبني على غالب الظن: فإن غلب في ظن المقاتل أنه يغلب ويقتل فلا بأس بأن يفر منهم، ولا عبرة بالعدد، حتى إن الواحد، إذا لم يكن معه سلاح، فلا بأس بأن يفر من اثنين معهما السلاح أو من الواحد الذي معه سلاح.\rثم الغزاة هل لهم أن يؤمنوا الكفرة؟ إن كان عندهم أن القوة للكفرة: يجب أن يؤمنوا حتى يتقووا، ثم يخبروهم بنقض الامان، ويشتغلوا بالقتال، لان الامان في هذه الحالة في معنى القتال.\rثم أمان الواحد الحر، أو العبد المقاتل أو المرأة صحيح بلا خلاف.\rفأما أمان العبد المحجور فلا يصح عندهما، وعند محمد والشافعي: يصح والمسألة معروفة.\rوأما أمان الصبي المراهق فلا يصح عندهم.\rوعند محمد: يصح.\rوأجمعوا أنه لا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، ولا الاسير فيها، ولا أمان المسلم الذي لم يهاجر إلينا، ولا أمان الذمي المقاتل معهم، لانهم متهمون في ذلك.","part":3,"page":296},{"id":1040,"text":"فأما المسلم الحر فيستوي فيه الاعمى والمريض والشيخ الكبير لان\rهؤلاء من أهل الرأي.\rثم بعد صحة الامان، للامام أن ينقض، إذا رأى المصلحة فيه، لكن يخبرهم بذلك، ثم يقاتلهم حتى لا يكون تغريرا لهم.\rوكذا الجواب في الموادعة، وهو الصلح على ترك القتال، مدة، بمال أو بغير مال: تجوز من الامام إن رأى المصلحة، ثم يخبرهم بالنقض، وينقض حتى لا يكون تغريرا.\rوما أخذ من المال، إن لم يتم المدة يرد إليهم بقدره.\rوكذلك الموادعة في حق المرتدين، وأهل البغي جائزة إذا كان فيه مصلحة، لان هذا بمنزلة الامان.\rوهذا إذا كان الصلح على أن يكونوا على حكم الكفر.\rولو صالحوا، على أن يكونوا على أحكام المسلمين، فإنهم يصيرون ذمة، ولا يجوز لنا نقض ذلك كعقد الذمة.\rوأما أحكام الانفال والغنائم فنقول: هنا ثلاثة أشياء: النفل، الغنيمة، والفئ.\rأما النفل: فما خصه الامام، لبعض الغزاة، تحريضا لهم على القتال، لزيادة قوة وجرأة منهم بأن قال: من قتل قتيلا فله سلبه، أو قال لسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو قال لاحد معين: ما أصبت فهو لك فإنه مختص به، ويثبت الملك له في النفل، ولا يشارك فيه غيره من الغزاة.\rوالسلب عبارة عن ثياب المقتول، وسلاحه، التي معه، ودابته التي عليها سرجها، وآلاتها، وما عليها من الحقيبة التي فيها الاموال، وما على المقتول من الكيس الذي فيه الدراهم.\rفأما ما يكون مع غلامه على فرس آخر، وأمواله التي على دابة أخرى فذلك من","part":3,"page":297},{"id":1041,"text":"الغنيمة: يشترك فيه الغزاة كلهم وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: السلب للقاتل، وإن لم ينص عليه الامام وهي مسألة معروفة.\rوأما الفئ: فما حصل من غير مقاتلة فهو خاص لرسول عليه السلام، فيتصرف فيه رسول الله آ كيف شاء قال الله تعالى: * (وما أفاء الله على ؤ رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشآء) *.\rوأما الغنائم: فهو اسم لما يؤخذ، من أموال الكفرة، بقوة الغزاة وقهر الكفرة، بسبب القتال بإذن الامام.\rويتعلق بالغنائم أحكام: منها: حكم ثبوت الحق والملك فيها فنقول: هذا أقسام ثلاثة: أحدها أن يتعلق حق التملك، أو حق الملك، للغزاة، بنفس الاخذ والاستيلاء، ولا يثبت به الملك بل الاحراز بدار الاسلام عندنا خلافا للشافعي: فإن عنده، في قول: يثبت الملك بنفس الاخذ.\rوفي قوله: بعد الفراغ من القتال، وانهزام العدو.\rويبتنى على هذا الاصل فروع منها: أن الامام إذا باع شيئا من الغنائم، لا لحاجة الغزاة، أو باع واحد من الغزاة، فإنه لا يصح عندنا لعدم الملك.\rوكذا لو أتلف واحد من الغزاة في دار الحرب فإنه لا يضمن.\rولو مات واحد من الغزاة لا يورث سهمه.","part":3,"page":298},{"id":1042,"text":"ولو لحق المدد الجيش، قبل القسمة، في دار الحرب يشاركونهم في القسمة.\rولو قسم الامام في دار الحرب، لا مجتهدا ولا باعتبار حاجة الغزاة فإنه لا يصح القسمة عندنا.\rوعند الشافعي: يصح بخلاف ذلك في الفصول والمسألة معروفة.\rوأما بيان ثبوت الحق - فإن الاسير إذا أسلم قبل الاحراز بدار الاسلام فإنه لا يكون حرا.\rولو أسلم قبل الاخذ: يكون حرا، لما أنه يتعلق به حق الغزاة بالاخذ.\rوكذلك لو أسلم أرباب الاموال قبل الاحراز، بدار الاسلام فإنهم لا يختصون بأموالهم، بل هم من جملة الغزاة في الاستحقاق، بسبب الشركة في الاحراز بدار الاسلام، بمنزلة المدد.\rوكذا ليس لواحد من الغزاة، أن يأخذ شيئا من الغنائم، من غير حاجة ولو لم يثبت الحق كان بمنزلة المباح.\rوالقسم الثاني: بعد الاحراز، بدار الاسلام، قبل القسمة فإن حق الملك يتأكد ويستقر، ولكن لا يثبت الملك أيضا.\rولهذا قالوا: لو مات احد منهم، يورث نصيبه.\rولو قسم الامام، أو باع جاز.\rولو لحقهم مدد لا شاركونهم، ويضمن المتلف، ولكن الملك لا يثبت، حتى لو أعتق واحد من الغزاة عبدا من عبيد الغنيمة لا يعتق، لانه لا يثبت الملك الخاص إلا بالقسمة.\rوالقسم الثالث: بعد القسمة يثبت الملك الخاص، لكل واحد فيما هو نصيبه.\rفأما حكم الطعام والعلف في دار الحرب فنقول: لا بأس بتناول الطعام والعلف، لعموم الحاجة، سواء كان المتناول","part":3,"page":299},{"id":1043,"text":"غنيا أو فقيرا، من غير ضمان، لان في إلزام الغني حمل الطعام والعلف، مع نفسه، مدة ذهابه وإيابه ومقامه، في دار الحرب حرجا عظيما.\rوإذا كان محرزا بدار الاسلام: لا يباح التناول بغير ضمان.\rوما فضل من الطعام والعلف، بعد الاحراز، قبل القسمة فإنه يرد إلى الغنيمة إن كان غينا، وإن كان فقيرا يأكل بالضمان.\rوإن كان بعد القسمة، فإنه يرد ثمنه إلى الفقراء.\rوإن باع شيئا منه، يرد ثمنه إلى المغنم، إن كان غنيا، قبل القسمة، وإن كان بعد القسمة: يتصدق على الفقراء.\rوإن كان فقيرا يأكل إن كان بعد القسمة.\rوأما ما سوى الطعام والعلف من الاموال فلا يباح للغزاة أن يأخذوا شيئا منها، لتعلق حق الكل بها، إلا في السلاح والكراع والثياب، عند الحاجة، وإذا استغنى يرده إلى المغنم، أو يدفع إليه بحصته من الغنيمة - فلا يباح للغني أن يفعل ذلك بخلاف الطعام والعلف ومنها حكم كيفية قسمة الغنائم فنقول: يقسم على خمسة أسهم: فأربعة أسهم.\rللغزاة، والخمس لاربابه، وإنما يصرف إلى المقاتلة، يعني به أهل القتال، سواء كان شابا أو شيخا، عبدا مأذونا أو حرا، بعد أن كان رجلا مسلما مأذونا للقتال، وسواء كان صحيحا أو مريضا.\rأما الصبي العاقل، والمرأة، والذمي، والعبد المحجور عن القتل إذا قاتلوا، فإنه يرضخ لهم الامام شيئا، لا سهما كاملا، لانه لا يجب القتال على هؤلاء، إلا عند الضرورة.\rثم ينظر: إن كان راجلا فله سهم واحد، وإن كان فارسا فله","part":3,"page":300},{"id":1044,"text":"سهمان عند أبي حنيفة: سهم له، وسهم لفرسه.\rوعندهما: له ثلاث أسهم سهم له وسهمان لفرسه.\rثم يسهم للفارس لفرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.\rوعند أبي يوسف: يسهم لفرسين، ولا يسهم لما زاد على ذلك وهذه المقادير تعرف بالاخبار الواردة في الباب ومنها: أنه يعتبر حال المقاتل، في كونه فارسا أو راجلا، في حال دخوله دار الحرب، في ظاهر الرواية، إذا كان قصده الدخول للجهاد، حتى إذا كان يدخل تاجرا، فإنه لا يستحق.\rولو دخل فارسا، لقصد الجهاد، يستحق سهم الفرسان وإن مات فرسه.\rوعند الشافعي: يعتبر وصف المقاتل حال شهود الوقعة والمسألة معروفة.\rولو دخل راجلا، ثم اشترى فرسا، أو وهب له، أو ورث، أو استعار أو استأجر وقاتل فارسا فله سهم راجل، لاعتبار حال الدخول.\rوروى الحسن عنه أنه له سهم فارس.\rولو دخل فارسا، ثم باع فرسه، أو آجره، أو أعاره، أو رهنه أو وهبه وسلم روى الحسن عن أبي حنيفة أن له سهم فارس، لاعتبار\rالدخول.\rوذكر في السير الكبير أن له سهم راجل، لانه لم يكن دخوله لقصد الجهاد فاعتبر الحسن حالة الدخول بناء على الظاهر، واعتبر حال شهود الوقعة أيضا، لاجل حقيقة القتال.\rومنها حكم الاسرى فنقول: الامام بالخيار: إن شاء قتل المقاتلة منهم، سواء كانوا من المشركين أو من أهل الكتاب، من العرب أو من العجم، لانه قد يكون مصلحة","part":3,"page":301},{"id":1045,"text":"المسلمين في قتلهم، وإن شاء استرقهم وقسمهم بين الغانمين، إلا في حق مشركي العرب: فإنهم لا يسترقون ولكن يقتلون إن لم يسلموا قال الله تعالى: * (تقاتلونهم أو يسلمون) *.\rفأما النساء والذراري: فيسترقون كلهم، العرب والعجم فيه سواء، ولا يباح قتلهم، لانه فيه منفعة للمسلمين.\rوليس للامام أن يمن على الاسرى، فيترك قتلهم، لان فيه إبطال حق الغزاة من غير نفع يرجع إليهم.\rوهل يجوز أن يترك قتلهم بالمفاداة، بأن يفادى بهم أسرى المسلمين؟ عند أبي حنيفة: لا تجوز المفاداة، وعند أبي يوسف ومحمد: تجوز المفاداة بهم.\rولا يجوز مفاداة أسر الكفار بمال يؤخذ منهم والمسألة معروفة.\rثم للامام خيار آخر في حق أهل الكتاب، وعبدة الاوثان من العجم: أن يعقد معهم عقد الذمة على أن يقبلوا الجزية، ويترك الاراضي في أيديهم بالخراج كما فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق في حق مشركي العجم.\rفأما في حق مشركي العرب فلا يجوز أخذ الجزية منهم، كما لا يجوز الاسترقاق، فيقسم أراضيهم بين الغزاة، لقوله عليه السلام: لا يجتمع دينار في جزيرة العرب.\rومنها: حكم الخمس، فنقول: إن الخمس في زماننا يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم","part":3,"page":302},{"id":1046,"text":"للمساكين، وسهم لابناء السبيل.\rولم يكن ذكر هؤلاء الاصناف على طريق الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنف منهم جاز كما في الصدقة.\rواختلف مشايخنا: قال بعضهم بأن في زمن النبي عليه السلام كان يقسم على خمسة أسهم سهم للرسول آ، وسهم لاقرباء الرسول عليه السلام للفقراء دون الاغنياء.\rوقال بعضهم: يصرف إلى الفقراء والاغنياء من الاقرباء، وثلاثة أسهم إلى ما ذكر الله تعالى في الكتاب وهذا عندنا.\rوعند الشافعي: يقسم على خمسة أسهم فسهم الرسول يصرف إلى كل خليفة في زمانه، وسهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة أسهم أخرى إلى ما نص الله عليهم.\rوعندنا على الوجه الذي كان، وقد بقي ثابتا، وهم فقراء القرابة، سوى سهم الرسول عليه السلام: فإنه سقط بوفاته والمسألة معروفة.\rثم الخمس إنما يجب فيما يؤخذ من أموال أهل الحرب، إذا أخذ إما بإذن الامام، أو بقوة قوم لهم منعة وشوكة، فإن الغنيمة اسم لمال يؤخذ على طريق القهر والغلبة أما في المنعة فظاهر.\rوكذا إذا أذن الامام لسرية\rأو لواحد، حتى يدخل للاغارة، بخمس ما أصابه، لانه أخذ بقوة الامام ومعونته والامداد عند الحاجة.\rفأما إذا دخل قوم لا منعة لهم، بغير إذن الامام، وأخذوا شيئا لا يجب فيه الخمس، عندنا خلافا للشافعي، وهم بمنزلة اللصوص والتجار: ظفروا بمال أهل الحرب، خفية، وأخرجوه يكون ملكا لهم خاصة ولا خمس فيه لانه ليس بغنيمة.\rهذا الذي ذكرنا حكم أموال الكفار التي أخذت منهم.","part":3,"page":303},{"id":1047,"text":"وأما حكم أموالنا التي أخذوا من المسلمين، بالقهر والغلبة في دار الاسلام فقبل أن يحرزوا بدار الحرب: لا يثبت الملك لهم.\rوإن أحرزوا يثبت الملك لهم عندنا، خلافا له.\rوكذا الجواب في عبيدنا إذا أخذوا في دار الاسلام.\rفأما إذا أبق العبد منا ودخل دار الحرب، ثم أخذوه وأسروه لا يصير ملكا لهم عند أبي حنيفة وعندهما: يملكونه.\rوأجمعوا أنهم إذا أخذوا مدبرينا ومكاتبينا، وأمهات أولادنا - أنهم لا يملكون، حتى لو وجد الملك القديم، يأخذه من غير شئ: قبل القسمة وبعد القسمة وفي يد التاجر.\rفأما كل مال ملكوه: فإن وجد قبل القسمة يؤخذ بغير شئ.\rوإن كان بعد القسمة، يؤخذ بالقيمة.\rوإن وجد في يد تاجر أخرجه إلى دار الاسلام، فإنه يأخذ بالثمن إن شاء، لان للمالك القديم حق التملك بالبدل كالشفيع وهذا في غير المكيل والموزون فأما في المثليات، فلا يأخذ، لانه لا فائدة في أن يأخذ شيئا ويعطي مثله.\rولو أن حربيا، دخل دار الاسلام، بغير أمان يصير فيئا لجماعة المسلمين حتى لو أسلم قبل أن يأخذه واحد من المسلمين فإنه لا يعتق وهذا عند أبي حنيفة.\rفأما عندهما: فيصير ملكا للآخذ حتى لو أسلم قبل الاخذ يكون حرا.\rوأجمعوا أنه إذا عاد، إلى دار الحرب، قبل الاخذ، ثم أسلم يكون حرا، لان حق أهل دار الاسلام لم يتأكد عند أبي حنيفة، وعندهما لم يثبت.\rفإن دخل بأمان، ثم أخذ يصح الامان، ولا يصير ملكا للآخذ، لكن يقول له الامام: إن رجعت قبل سنة: فلا شئ عليك، وإن","part":3,"page":304},{"id":1048,"text":"مضت سنة وضعت عليك الجزية وصرت ذميا - فإن ذهب قبل مضي السن وإلا صار راضيا بالذمة ويصير ذميا.","part":3,"page":305},{"id":1049,"text":"باب أخذ الجزية، وحكم المرتدين أما حكم الجزية فنقول: إن أخذ الجزية، وعقد الذمة - مشروع في حق جميع الكفار، إلا في حق مشركي العرب، والمرتدين فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يشرع فيهم الاسترقاق.\rفأما في حق أهل الكتاب، فلقوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) *.\rوأما في حق العجم فبحديث عمر رضي الله عنه: أنه فتح سواد\rالعراق، وضرب الجزية على جماعتهم، ووضع الخراج على أراضيهم.\rثم الجزية إنما تشرع في حق المقاتلين، من الرجال، العقلاء، الاحرار، الاصحاء دون النساء والصبيان والمجانين والارقاء لانها تجب على من يجب عليه القتل.\rثم الجزية على التفاوت - في حق الموسر المكثر في كل سنة، ثمانية وأربعون درهما.\rوفي حق المتوسط أربعة وعشرون.\rوفي حق الفقير المعتمل، أعني القادر على العمل والكسب: اثنا عشر درهما حتى لا يجب على الزمن، والاعمى، والشيخ الفاني، إذا لم يكونوا أغنياء، وإذا","part":3,"page":307},{"id":1050,"text":"كانوا أغنياء فكذلك، في ظاهر الرواية لان هؤلاء ليسوا من التقل.\rوعن أبي يوسف في رواية أنه يجب على الاغنياء منهم.\rوعلى هذا - في التغلبي الفقير الذي لا يقدر على العمل: لا شئ عليه، لان الصدقة المضاعفة جزية حقيقة.\rوكذلك إن مرض الذمي أكثر السنة لا تجب الجزية لان الصحة شرط.\rوكذلك أهل الصوامع، والرهابين، والسياحون يؤخذ منهم الخراج، إذا كانوا ممن يقدرون على العمل.\rوعن محمد أنه لا خراج عليهم، لانهم لا يقتلون إذا لم يكن منهم شر ظاهر فلا تؤخذ منهم الجزية: ثم الجزية تجب زجرا لهم عن الكفر في المستقبل عند أبي حنيفة حتى تؤخذ منهم الجزية في السنة التي يعقد فيها الذمة.\rوإذا مضت السنة لا يؤخذ، لما مضى.\rوعندهما: تؤخذ، ما دام ذميا لما مضى.\rولقب المسألة أن الموانيد هل تؤخذ أم لا؟ فعنده: لا تؤخذ خلافا لصاحبيه.\rوأما إذا أسلم الذمي، أو مات تسقط الجزية عندنا، خلافا للشافعي والمسألة معروفة.\rوأما حكم أهل الردة فنقول: لهم أحكام: من ذلك - أن الرجل المرتد يقتل، لا محالة، إذا لم يسلم، ولا يسترق لكن المستحب أن يعرض عليه والاسلام أولا، فإن أسلم، وإلا","part":3,"page":308},{"id":1051,"text":"فيقتل من ساعته إذا لم يطلب التأجيل.\rفأما إذا طلب التأجيل، إلى ثلاثة أيام، لينظر في أمره فإنه يؤجل، ولا يزاد عليه.\rولكن مشايخنا قالوا: الاولى أن يؤجل ثلاثة أيام ويحبس ويعرض عليه الاسلام، فإذا وقع اليأس فحينئذ يقتل.\rفأما المرأة: فلا تقتل عندنا.\rخلافا للشافعي، ولكنها تحبس وتجبر على الاسلام وتضرب في كل ثلاثة أيام إلى أن تسلم.\rوكذا الجواب في الامة، إلا أن الامة تحبس في بيت المولى، لان ملكه قائم، بخلاف المرتدة المنكوحة فإن النكاح قد بطل بالردة.\rولو لحقت بدار الحرب، ثم ظهر المسلمون عليهم، لهم أن يسترقوا المرتدة دون المرتد.\rفأما الصبي العاقل إذا ارتد: فردته صحيحة عند أبي حنيفة ومحمد، كإسلامه.\rوعند أبي يوسف: إسلام صحيدون ارتداده.\rوعند الشافعي: لا يصح كلاهما والمسألة معروفة.\rلكن لا يقتل ويعرض عليه الاسلام، ولكن لا يحبس، ولا يضرب، وإذا بلغ الآن يعرض عليه الاسلام، جبرا، ويحبس ويضرب لكن لا يقتل لانه لا يجب القتل بهذه الردة.\rوعلى هذا الصبي إذا حكم بإسلامه تبعا لابويه، ثم بلغ كافرا، ولم يسمع منه الاقرار بعد البلوغ: فإنه يجبر على الاسلام، ولكن لا يقتل أيضا فأما إذا سمع منه الاقرار بعد البلوغ: يقتل إذا ارتد.\rوالسكران إذا ارتد في حال ذهاب عقله: فالقياس أن تصح ردته في حق الاحكام، وفي الاستحسان لا تصح.\rوإن ذهب عقله بسبب","part":3,"page":309},{"id":1052,"text":"البرسام والاغماء، فارتد في تلك الحالة: لا تصح ردته، قياسا، واستحسانا لان الكفر لا يصح بدون القصد.\rومنها حكم مال المرتد وتصرفاته: قال أبو حنيفة: إنه موقوف فإن مات، أو قتل على ردته، أو لحق بدار الحرب بطل جميع ذلك، إلا أن يدعي ولد جارية له فيثبت نسبه، وتصير الجارية أم ولد له.\rوإن أسلم، صح ذلك كله، لان ماله موقوف، عنده، بين أن يصير لورثته من وقت الردة، وبين أن يبقى له إذا أسلم، فالتصرفات المبنية عليه كذلك.\rوعند أبي يوسف: تصرفاته صحيحة مثل تصرف الصحيح.\rوعند محمد: تصرفاته مثل تصرف المريض لا تصح تبرعاته إلا من الثلث، لان عندهما ملكه باق بعد الردة، وإنما يزول بالموت والقتل وإلحاق بدار الحرب.\rوأما حكم مال المرتدة وتصرفاتها فمثل قولهما في المرتد عند أبي حنيفة، لانها لا تقتل.\rومنها حكم ميراث المرتد: وإذا مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب وترك ماله في دار الاسلام قال أبو حنيفة: فما اكتسبه في حال الاسلام.\rفهو ميراث لورثته المسلمين، وما اكتسبه في حال الردة، فهو فئ.\rوعندهما: الكل ميراث.\rثم عندهما: يعتبر حال الوارث، وقت الموت والقتل دون الردة فإن كان مسلما حرا يرث وإلا فلا.\rوعن أبي حنيفة روايتان في رواية: يعتبر حال الردة لا غير.\rوفي رواية: يعتبر حال الردة والدوام إلى وقت الموت والقتل.","part":3,"page":310},{"id":1053,"text":"وكذلك إذا لحق بدار الحرب فإنه يورث ماله، لان اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت.\rلكن هل يشترط قضاء القاضي بلحاقه؟ ففيه روايتان.\rولكن القاضي يحكم بعتق أمهات أولاده، ومدبريه.\rوأما المكاتب فإذا أدى بدل الكتابة إلى ورثته: عتق، ويكون الولاء للمرتد، ويقوم الورثة مقامه في حق قبض بدل الكتابة، كما إذا مات المولى وترك مكاتبا.\rولو أن المرتد، بعدما لحق بدار الحرب عاد إلى دار الاسلام مسلما فإن كان قبل قضاء القاضي بلحاقه فما له على حاله، ولم يعتق مدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده.\rوإن كان بعد القضاء فما وجد من ماله، في\rيد وارثه، بحاله فهو أحق به، كأنه وهب منه، وله أن يرجع.\rوما زال عن ملكه، بالتمليك أو بالاكل، فلا رجوع فيه.\rولا سبيل له على أمهات الاولاد، والمدبرين، ولا يفسخ عتقهم، لانه لا يحتمل الفسخ، وإن وجد بدل الكتابة في يد الورثة يأخذه وإلا فلا شئ على الورثة.","part":3,"page":311},{"id":1054,"text":"باب أحكام البغاة قال: إذا خرج طائفة على الامام على التأويل، وخالفوا الجماعة: فإن لم يكن لهم منعة: فللامام أن يأخذهم ويحبسهم، حتى يحدثوا توبة.\rوإن كانت لهم منعة: فإنه يجب على الذين لهم قوة وشوكة، أن يعينوا إمام أهل العدل، ويقاتلوهم حتى يهزموهم، ويقتلوهم.\rوبعد الانهزام يقتلون مدبريهم، وأسرائهم، يجهزون على جريحهم.\rوأصله قوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على والاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ؤ تفيحء إلى أمر الله) *.\rوإن عفا الامام عن أسرائهم فلا بأس به أيضا.\rوإن لم يكن لهم منعة ينحازون إليها: فليس للامام أن يقتل أسراهم ولا مدبريهم، ولكن يحبسهم حتى يحدثوا توبة.\rثم يخلى سبيلهم.\rثم بعد التوبة ما أخذ الامام من أموالهم وسلاحهم، وهو قائم يرد إليهم.\rوما استهلكوه فلا ضمان عليهم.\rوكذا في جانب أهل البغي: إذا أتلفوا أموال أهل العدل.","part":3,"page":313},{"id":1055,"text":"وأصله حديث الزهري أنه قال: وقعت الفتنة، فاجتمع أصحاب رسول الله آ، وهم متوافرون، على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر، وكل ما أتلف بتأويل القرآن فلا ضمان فيه، وكل فرج استبيح بتأويل القرآن فلا حد فيه، وما كان قائما يرد.\rوهذا إذا أتلفوا في حال التجبر والمنعة.\rفأما إذا أتلفوا مالهم ونفوسهم قبل ظهور المنعة، أو بعد الانهزام فإنهم يضمنون، لانهم من أهل دار الاسلام.\rوهذا جواب الحكم، وإنما نعني به أن يضمن كل واحد من الفريقين للآخر ما أتلف من الانفس والاموال، لكونها معصومة في هذه الحالة إلا بطريق الدفع.\rثم كل من لا يباح قتله من أهل الحرب، لا يباح قتله من أهل البغي، إلا إذا وجد القتال من العبيد والنسوان والشيوخ فيحنئذ يقتلون في حالة القتال.\rوبعد الانهزام لا يباح.\rويكره أن يبعث برؤوس البغاة أو الحربى إلى الآفاق إلا إذا كان في ذلك وهن لهم فلا بأس به.\rثم قتلى أهل العدل شهداء: يفعل بهم مثل ما يفعل بالشهداء يكفنون في ثيابهم ولا يغسلون، ويصلى عليهم.\rفأما قتلى أهل البغي: فلا يصلى عليهم، سواء كان لهم منعة أو لم يكن وهو الصحيح.\rولكن يغسلون، ويكفنون، ويدفنون، لان هذا\rمن شيمة الموتى.\rوأما قضاء قاضي أهل البغي بشهادة أهل البغي فلا يصح، لاحتمال أنه قضى بما هو باطل عندنا، لانهم يستحلون أموالنا ودماءنا، ولا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضيهم، لما ذكرنا من الاحتمال.","part":3,"page":314},{"id":1056,"text":"وإذا تابوا، ورجعوا، ينظر الامام في قضاياه فإن قضى بما هو الحق بشهادة أهل العدل ينفذ وإلا فيرد الكل.\rوأما إذا نصبوا قاضيا من أهل العدل فإقضاءه نافذ، لان لهم شوكة وقوة وأمكن للقاضي تنفيذ قضاياه بقواهم والله أعلم.","part":3,"page":315},{"id":1057,"text":"كتاب الشرب في هذا الكتاب فصلان: أحدهما في أحكام الشرب.\rالثاني في أحكام الاراضي.\rأما الاول فنقول: إن المياه أنواع أربعة: ماء مملوك: وهو ما أحرز في الاواني.\rوحكمه حكم سائر الاملاك ليس لاحد فيه حق، ولا يحل لاحد أن يأخذه، ولا أن يشربه إلا عند الضرورة القاتلة، بأن أصابه العطش على وجه يهلك فيباح له الاخذ والشرب، ولو منع صاحبه له أن يقاتله بالسلاح حتى يتمكن من تناوله بقدر ما\rيدفع به عطشه، إذا كان معه فضل ماء عن حاجته الماسة.\rوفي الطعام: يباح له أن يأخذ جبرا وقهرا، ولكن لا يقاتل بالسلاح، كما قال بعض المشايخ.\rوقال بعضهم: هذا في البئر الخاص والنهر الخاص فإن حق الشفة ثابت لكل الناس، فمن منع حقه: له أن يقاتل معه.\rفأما في الماء المملوك فعند الضرورة القاتلة يباح له الاخذ قهرا لكن لا يقاتل كما في الطعام.","part":3,"page":317},{"id":1058,"text":"والثاني: الماء الذي يكون في البئر والحوض والعين المملوكة له فهو حق خاص له، كالمملوك، لكن لعامة الناس حق الشفة من هذا الماء، حتى يشرب بنفسه، ويأخذ الماء لنفسه ولمواشيه، وليس لصاحب الماء حق المنع، وهو معنى قوله عليه السلام: الناس شركاء في الثلاث: في الماء والكلا والنار.\rولكن لو أراد أحد أن يسقي زرعه من ذلك الماء، لا يجوز له ذلك، ويمنعه السلطان عنه.\rلان هذا يبطل حقه، لانه لو أطلق هذا، لشاركه فيه كل من يمكنه سقي أرضه منه، فيبطل حقه أصلا.\rوالثالث: أن يكون نهرا مشتركا بين جماعة محصورة، حتى يثبت الشفعة بسبب الشركة فيه كان لهؤلاء الشركاء حق السقي بقد شركتهم في النهر، وليس لغيرهم حق السقي للمزارع والاشجار، إنما لهم حق الشفة.\rولو أراد واحد من الشركاء أن يكري نهرا صغيرا، ويأخذ الماء من\rالنهر المشترك، فيسوق إلى أرض أحياها، ليس لها منه شرب ليس له ذلك، إلا برضا الشركاء.\rوكذلك إذا أراد أن ينصب عليه رحى ليس له ذلك، إلا برضا الشركاء، لان بقعة الرحى حق وملك لجماعتهم، فإذا بنى اختص بتلك البقعة، وانقطع حق الشركاء عنها، فيمنع.\rأما إذا كان موضع الرحى ملكه، موليس فيه ضرر بالشركاء، بأن كان الماء يدير الرحى ويجري الماء على سننه في النهر - فليس لهم حق المنع، لان الماء مشترك بينهم، ولكل واحد منهم أن ينتفع بحقه على وجه لا يتضرر به شركاؤه.\rفأما إذا كرى نهرا من هذا النهر، وعرج الماء، حتى يصل إلى الرحى","part":3,"page":318},{"id":1059,"text":"المملوكة له في أرضه، فيدير رحاه، ثم يجري النهر من أسفله ليس له ذلك، لان فيه ضررا بالشركاء بقطع الماء عن سننه فيتأخر وصول حقهم إليهم وينتقص في الجملة أيضا.\rوكذا الجواب في نصب الدالية والسانية.\rوالرابع: الانهار العظام، كالفرات والدجلة والجيحون وغيرها فلا حق لاحد فيها، على الخصوص، بل هو حق العامة فكل من يقدر على سقي أراضيه، منها فله ذلك.\rوكذا نصب الرحى والدالية ونحو ذلك.\rوهذا إذ لم يكن فيه ضرب بالنهر العظيم أما إذا كان فيه ضرب فيمنع عن ذلك.\rثم كري الانهار العظام، على السلطان، من مال بيت المال، لان\rمنفعتها ترجع إلى عامة الناس، فيكون مؤونة ذلك في مال العامة، وهو مال بيت المال.\rوأما كري النهر المشترك بين أقوام معلومين فعليهم واختلفوا في كيفية ذلك: قال أبو حنيفة: عليهم جميعا أن يكروا من أعلاه، فإذا جاوز أرض رجل واحد، دفع عنه حصته، يكرن الكرى على من بقي.\rوقال أبو يوسف ومحمد: الكري عليهم جميعا، من أوله إلى آخره بحصص الشرب والارض.","part":3,"page":319},{"id":1060,"text":"وبيان ذلك أن النهر إذا كان بين عشرة، ولكل واحد منهم، عليه، أراض على السواء، فإن الكري، من فوهة النهر إلى أن يجاوز شرب أولهم بينهم على عشرة أسهم: على كل واحد منهم العشر، فإذا تجاوز شرب الاول خرج هو من الكري، ويكون الكري على الباقين، على تسعة أسهم، فإذا تجاوز شرب الثاني سقطت عنه النفقة، ويكون الكري على الباقين على ثمانية أسهم: على هذا الترتيب.\rوقالا: إن المؤونة بينهم على عشرة أسهم، من أول النهر إلى آخره.\rفهما يقولان: إن لصاحب الاعلى منفعة في حفر الاسفل، فإنه مسيل مائة، كما أن لصاحب الاسفل منفعة في الاعلى، ثم حفر الاعلى مشترك فكذلك الاسفل.\rوأبو حنيفة يقول: إن فوهة النهر مشتركة، لا يتوصل أحدهم إلى الانتفاع بشربه إلا بحفرها.\rوكذا حفر ما بعدها، فإذا تجاوز شرب أحدهم، فلا حق له فيحفر ما بعد أرضه، لان ذلك ملك الباقي لا\rملكه، إنما له حق تسييل الماء فيه، فتكون المؤونة على المالك، لا على صاحب الحق، كما في مسيل الماء على سطع مملوك لغيره.\rوإذا كان نهر لرجل بين أراض، فاختلفوا في المسناة قال صاحب الارض: هي ملكي، وقال صاحب النهر: هي ملكي، ولا يعرف أن المسناة في يد من هي، وفي تصرف من هي قال أبو حنيفة: هي ملك صاحب الارض، حتى إن له أن يغرس فيها ويزرع، ويمنع صاحب النهر عن إلقاء الطين فيها، وعن المرور فيها إلا أنه ليس له أن يحفر المسناة، فيسيل ماء النهر في غير موضعه، فيكون حق صاحب النهر في إمساك الماء لا غير.\rوعلى قولهما: إنما هي ملك صاحب النهر.\rومن مشايخنا من قال: إن هذا الخلاف مبني على أن النهر هل له حريم أم لا؟ فإن كرى رجل نهرا في أرض موات بإذن السلطان فعند","part":3,"page":320},{"id":1061,"text":"أبي حنيفة: ليس له حريم.\rوعندهما: له حريم فكان الظاهر شاهدا لصاحب النهر عندهما وليس بشاهد له عند أبي حنيفة.\rلكن أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: لا خلاف أن للنهر حريما في أرض موات، فإن النبي عليه السلام جعل للبئر حريما، فيكون جعله ذاك، جعلا للنهر حريما، بطريق الاولى، لشدة حاجة النهر إلى الحريم.\rولكن الخلاف هاهنا فيما إذا لم يعرف أن المسناة في يد صاحب النهر، بأن كانت متصلة بالاراضي، مساوية لها ولم تكن أعلى منها: فالظاهر شاهد أنها من جملة أراضيه، إذ لو لم تكن هكذا، لكانت أعلى، لالقاء الطين فيها ونحو ذلك.\rوعندهما: الظاهر شاهد لصاحب النهر، لكونه حريما له فوقع الكلام بينهم في الترجيح.\rثم الشرب، الخاص أو المشترك، لا يجوز بيعه وهبته ونحو ذلك، إلا الوصية.\rويجري فيه الارث، لانه ليس بعين مال، بل هو حق مالي.\rفأما إذا باع تبعا لارضه، جاز، ويصير الشرب لصاحب الارض، وإنما يدخل الشرب إذا ذكره صريحا في البيع أو يذكر: إني بعت الارض بحقوقها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير هو لها، داخل فيها وخارج منها، من حقوقها فحينئذ يدخل.\rفأما في الاجارة فيدخل الشرب من غير ذكر، لان الانتفاع بالارض المستأجرة لا يكون إلا بالماء، بخلاف البيع.\rأما أحكام الاراضي.\rفهي أنواع: وأرض مملوكة عامرة: لا يجوز لاحد التصرف فيها، والانتفاع بها، إلا برضا صاحبها.\rوالثانية: أرض خراب انقطع ماؤها وهي ملك صاحبها لا تزول","part":3,"page":321},{"id":1062,"text":"عنه إلا بإزالته، وتورث عنه إذا مات.\rوهذا إذا عرف صاحبها.\rوإن لم يعرف فحكمها حكم اللقطة.\rالثالثة: الارض المباحة، وتسمى الموات وهي نوعان: أحدهما: ما يكون تبعا لبعض القرى: مرعى لمواشيهم، ومحتطبا لهم فهي حقهم، لا يجوز للامام أن يقطعها من أحد، لان في ذلك ضررا بهؤلاء.\rولكن ينتفع بالحطب والقصب، التي فيها، هؤلاء وغيرهم، وليس لهم أن يمنعوها عن غيرهم، لانها ليست بملك لهم.\rوالحد الفاصل أن يسمع صوت الرجل من أدنى الارض المملوكة إليه، فما\rلم يسمع صوته فيه فهي ليست بتابعة لقريتهم.\rوالنوع الثاني: ما لا يكون تبعا لقرية من القرى فهي على الاباحة: من أحياها بإذن الامام: فعند أبي حنيفة تكون ملكا له، وعندهما: بغير إذن الامام تصير ملكا له، ويصير هو أحق بها من غيره ملكا.\rوالاحياء أن يبني ثمة بناء.\rأو يحفر نهرا، أو يجعل للاراضي مسناة ونحو ذلك.\rأما إذا وضع أحجارا حولها وجعل ذلك حدا، فإنه لا تصير ملكا له، ولكن يكون هو أحق بالانتفاع بها، بسبق يده على ما روي: مني مناخ من سبق.\rثم في الاراضي المملوكة: لا شركة لاحد في الحطب والقصب منها، وإنما لهم حق في الكلا، وليس لاربابها منع الغير عن ذلك، للحديث الذي روينا.\rولو منع عن الدخول، يقول له: أخرج الكلا إلى الطالب، وإلا فاتركه حتى يدخل فيحصد بنفسه.\rوهكذا المروج المملوكة والاجمة المملوكة في حق الكلا والسمك، لا في الحطب والقصب.","part":3,"page":322},{"id":1063,"text":"ثم إذا حفر نهرا هل له حريم؟ عند بعض المشايخ على الخلاف الذي ذكرنا في المسناة.\rوعند بعضهم: له حريم، بقدر ما يحتاج إليه بالاتفاق لالقاء الطين ونحوه.\rواختلف أبو يوسف ومحمد في مقداره: قال أبو يوسف: قدر عرض نصف النهر من هذا الجانب، وقدر النصف من الجانب الآخر.\rوقال محمد: قدر عرض جميع النهر من كل جانب.\rوكذا الاختلاف في الحوض.\rفأما حريم بئر العطن فأربعون ذراعا، بالاجماع.\rوحريم العين خمسمائة ذراع، من كل جانب، بالاجماع.\rواختلفوا في بئر الناضح قال أبو حنيفة: أربعون من كل جانب.\rوقالا: ستون ذراعا.","part":3,"page":323},{"id":1064,"text":"كتاب الاشربة قال: يحتاج إلى: تفسير أسماء الاشربة المحرمة في الجملة، وإلى بيان أحكامها.\rأما الاسماء فثمانية: الخمر والسكر ونقيع الزبيب ونبيذ التمر والفضيخ والباذق والطلاء ويسمى المثلث والجمهوري ويسمى أبو يوسفي.\rأما الخمر فهو اسم للنئ من ماء العنب بعدما غلي واشتد وقذف بالزبد وسكن عن الغليان وصار صافيا وهذا عند أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف ومحمد: إذا غلي واشتد فهو خمر، وإن لم يسكن عن الغليان.\rوأما السكر فهو النئ من ماء الرطب بعدما غلي، واشتد، وقذف بالزبد وسكن غليانه عنده، وعندهما: إذا غلي ولم يسكن غليانه.\rوأما نقيع الزبيب فهو الزبيب إذا نقع في الماء حتى خرجت حلاوته إلى الماء من غير طبخ.\rوأما نبيذ التمر فيقع على الماء الذي نقع فيه التمر، فخرجت حلاوته، ثم اشتد وغلي وقذف بالزبد - وهذا الاسم يقع على المطبوخ والنئ منه.","part":3,"page":325},{"id":1065,"text":"وأما الفضيخ فهو البسر إذا خرج منه الماء، وغلي، واشتد، وقذف بالزبد - وذلك بأن يكسر ويدق: يسمى فضيخا لانه يفضخ أي يكسر ويرض.\rوأما الباذق فهو اسم لما طبخ أدنى من ماء العنب حتى ذهب أقل من الثلثين، سواء كان أقل من الثلث أو النصف، أو طبخ أدنى طبخه بعدما صار مسكرا وسكن عن الغليان.\rوأما الطلاء فهو اسم للمثلث، وهو المطبوخ من ماء العنب، بعدما ذهب ثلثاه، وبقي الثلث، وصار مسكرا.\rوأما الجمهوري فهو الطلاء الذي يلقى فيه الماء حتى يرق ويعود إلى المقدار الذي كان في الاصل، ثم طبخ أدنى طبخه وصار مسكرا وهذا بيان الاسماء.\rأما بيان الاحكام فنقول: أما الخمر فلها أحكام ستة: الاول: تحريم شرب قليلها وكثيرها.\rويحرم الانتفاع بها للتداوي وغيره.\rلكن عند أبي حنيفة: ما لم تسكن من الغليان يباح شربها، وعندهما: إذا صار مسكرا يحرم شربه وإن لم يسكن من الغليان قال عليه السلام: حرمت الخمر لعينها: قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب.\rوالثاني: تكثير جاحد حرمتها لان حرمتها ثبتت بنص الكتاب.\rوالثالث: يحرم تمليكها، وتملكها، بسبب الملك، من البيع والهبة وغيرهما مما للعباد فيه صنع.\rوالرابع: هي نجسه نجاسة غليظة، حتى إذا أصاب الثوب أكثر","part":3,"page":326},{"id":1066,"text":"من قدر الدرهم، يمنع جواز الصلاة لقوله تعالى: * (رجس من عمل الشيطان) *.\rوالخامس: يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها، بإجماع الصحابة عليه.\rوالسادس: يجب فيه الحد، مقدرا بثمانين سوطا في حق الاحرار، وفي حق العبيد نصف ذلك.\rوأما حكم السكر ونقيع الزبيب، والتمر من غير طبخ، والفضيخ والباذق فواحد، وهو أنه يحرم شرب قليلها وكثيرها، لكن هذه الحرمة دون حرمة الخمر، حتى إن من جحد حرمة هذه الاشربة لا يكفر بخلاف الخمر.\rوكذا لا يجب الحد بشرب قليلها وإنما يجب الحد بالسكر.\rوقال بعض الناس بإباحة هذه الاشربة، مثل بشر المريسي، وغيره لورود الاخبار في إباحة شربها.\rواختلفت الروايات في النجاسة: ففي رواية عن أبي حنيفة أنه نجس العين كالخمر، ويمنع من جواز الصلاة ما كان مقدرا بأكثر من قدر الدرهم، وفي رواية ظاهر.\rوعن أبي يوسف أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش.\rأو ما بيع هذه الاشربة وتمليكها فجائز عند أبي حنيفة.\rوعند أبي يوسف ومحمد: لا يجوز ذلك فهما يقولان إن المال ما يباح الانتفاع به،","part":3,"page":327},{"id":1067,"text":"حقيقة وشرعا، وهذه الاشربة لا يباح شربها ولا الانتفاع بها شرعا، فلا تكون مالا، كالخمر.\rأبو حنيفة يقول: إن الاخبار تعارضت في هذه الاشربة، في الحل والحرمة، فقلنا بحرمة الشرب احتياطا ولا تبطل المالية الثابتة في الحالة الاولى، احتياطا، لان الاحتياط لا يجري في إبطال حقوق الناس.\rوأما حكم الطلاء وحكم مطبوخ التمر، والزبيب، أدنى طبخ، على السواء فالقليل منه حلال ظاهر، والمسكر حرام، وهو القدح الذي يسكر.\rفإذا سكر يجب عليه الحد.\rويجوز بيعه، وتمليكه ويضمن متلفه وهذا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوعن محمد روايتان: في رواية أنه حرام شربه، لكن لا يجب الحد ما لم يسكر وهو قول الشافعي.\rوفي رواية قال: لا أحرمه، ولكن لا أشرب منه، والصحيح قولهما، باتفاق عامة الصحابة على إباحة شربه، حتى إن عند أبي حنيفة هذا من علامة مذهب السنة والجماعة، حتى سئل عنها، فقال: السنة أن تفضل الشيخين وتحب الختنين إلى أن قال: ولا تحرم نبيذ الجر.\rثم ما سوى هذه الاشربة مما يتخذ من الحنطة والشعير والذرة والسكر، والفانيذ، والعسل، والتين فهي مباحة، وإن سكر منها، ولا حد على من سكر منها هذا هو الصحيح من الرواية، لان هذه من جملة الاطعمة، ولا عبرة بالسكر، فإن في بعض البلاد قد يسكر المرء من\rالخبز ونحوه، والبنج يسكر ولبن الرمكة يسكر.","part":3,"page":328},{"id":1068,"text":"وروى الحسن عن أبي حنيفة أن المسكر منه حرام، كما في المثلث ولكن إذا سكر منه، لا حد فيه بخلاف المثلث.\rثم حد السكر الذي تعلق به وجوب الحد، والحرمة، عند أبي حنيفة أن يزول عقله بحيث لا يفهم شيئا.\rوعندهما: إذا كان غالب كلامه الهذيان.\rفما قاله أبو حنيفة غاية السكر، فاعتبر الكمال في درء الحد، ولو كان الخمر فيها حموضة غالبة، وفيها طعم المرارة، لكنه مغلوب فإنه لا يحل ما لم يزل من كل وجه.\rوهما اعتبرا الغالب، فيحل عندهما.\rويحرم على الاب أن يسقي الصبيان خمرا وعليه الاثم في الشرب.\rوكذلك لو سقى الدواب حتى سكرت، ثم ذبحها لا يحرم أكل لحمها.\rولو نقعت فيها الحنطة، ثم غسلت، حتى زال طعمها ورائحتها يحل أكلها.\rولو ألقى في الخمر علاجا من الملح، والمسك والبيض والخل حتى صارت حامضا: يحل شربها عندنا، وصارت خلا.\rوعند الشافعي: لا يحل.\rولقب المسألة أن تحليل الخمر بالعلاج هل يباح أم لا؟ ولو نقل الخمر من الظل إلى الشمس، ومن الشمس إلى الظل، حتى تصير حامضا تحل عندنا، وللشافعي، فيه قولان والمسألة معروفة.\rوالله\rأعلم.","part":3,"page":329},{"id":1069,"text":"كتاب الحظر والاباحة سمى محمد بن الحسن رحمه الله ومشايخنا هذا الكتاب: كتاب الاستحسان، لما فيه من المسائل التي استحسنها العقل والشرع.\rوالشيخ أبو الحسن الكرخي سماه: كتاب الحظر والاباحة، لما فيه من بيان أحكام الحظر والاباحة والكراهة والندب على الخصوص.\rوبدأ الكتاب بإباحة المس والنظر إلى الرجال والنساء فنقول: النسوان على أربعة أنواع: نوع منها الزوجات، والمملوكات بملك اليمين.\rونوع منها الاجنبيات، وذوات الرحم التي لا يحرم نكاحهن.\rونوع آخر ذوات الرحم المحرم، والمحارم التي لا رحم لها كالمحرمة بالرضاع والصهرية.\rونوع آخر مملوكات الغير.\rأما النوع الاول: فيحل للزوج وللمالك النظر والمس من قرنها إلى قدمها عن شهوة، ويحل الستمتاع في الفرج، وما دون الفرج، إلا في حالة الحيض فإنه لا يباح الوطئ في هذه الحالة ما لم تطهر.\rوهل يباح الجماع فيما دون الفرج؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا","part":3,"page":331},{"id":1070,"text":"يباح الاستمتاع إلا فوق الازار.\rوقال محمد: يجتنب شعار الدم ويحل\rله ما وراء ذلك من غير إزار.\rواختلف المشايخ في تفسير قول أبي حنيفة وأبي يوسف: ما فوق الازار بعضهم قالوا: أراد ما فوق السرة من البطن ونحوه، ولا يباح ما دون السرة إلى الركبة.\rوقال بعضهم: أراد به أنه يحل الاستمتاع مع الازار لا مكشوفا.\rوكذا لا يحل الاستمتاع بالدبر عند عامة العلماء.\rوقال بعض أصحاب الظواهر يباح.\rوالاصل في ذلك قوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون) * * (إلا على ؤ أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) *.\rمن غير فصل، إلا أن حالة الحيض صارت مستثناة لقوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) *.\rوصار الاستمتاع بالدبر مستثنى بأجماع الصحابة، وبحديث علي رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها، أو أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فهو كافر بما أنزل على محمد.\rوأما النظر إلى عين الفرج: فمباح أيضا لان الاستمتاع مباح، فالنظر أولى، لكن ليس من الادب النظر إلى فرج نفسه أو إلى فرجها.\rوأصل ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قبض رسول الله آ وما نظرت إلى ما منه وما نظر إلى ما مني.\rوأما النوع الثاني وهو المحارم من ذوات الرحم، والمحارم التي لا رحم لها من الاجنبيات فنقول:","part":3,"page":332},{"id":1071,"text":"النظر حرام، إلى هؤلاء: إلى ما بين السرة والركبة، وإلى البطن والظهر، ويباح النظر إلى ما سوى ذلك من الشعر، والصدر،\rوالساعدين، والساقين، ونحوها لقوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) *.\rولكن هذا إذا كان غالب رأيه أنه لا يشتهي.\rفأما إذا كان غالب حاله أنه يشتهي: فلا يباح له النظر.\rوما عرفت من الجواب في حق النظر، فهو الجواب في حق المس أنه لا يباح له مس الاعضاء التي لا يباح له النظر إليها، ويباح مس الاعضاء التي يباح له النظر إليها.\rوهذا إذا كانت الاعضاء مكشوفة.\rفأما إذا كانت مع الثياب، واحتاج ذو الرحم المحرم إلى مس هذه الاعضاء الاربعة، وراء الثوب، للاركاب، والانزال، والوضع في القبر واللحد فلا بأس بذلك إذا كان لا يشتهي، لاجل الحاجة.\rوأما النوع الثالث وهو مملوكات الغير: فحكمها وحكم ذوات الرحم المحرم في حرمة النظر والمس سواء.\rوأما النوع الرابع وهو الاجنبيات، وذوات الرحم بلا محرم: فإنه يحرم النظر إليها أصلا من رأسها إلى قدمها، سوى الوجه والكفين، فإنه لا بأس بالنظر إليهما من غير شهوة، فإن كان غالب رأيه أنه يشتهي يحرم أصلا.\rوأما المس فيحرم سواء عن شهوة، أو عن غير شهوة وهذا إذا كانت شابة.\rفإن كانت عجوزا، فلا بأس بالمصافحة إن كان غالب رأيه أنه لا","part":3,"page":333},{"id":1072,"text":"يشتهي.\rولا تحل المصافحة إن كانت تشتهي وإن كان الرجل لا يشتهي.\rفإن كان عند الضرورة: فلا بأس بالنظر، وإن كان يشتهي، كالقاضي والشاهد: ينظر إلى وجهها، عند القضاء، وتحمل الشهادة، أو كان يريد تزوجها، لان الغرض ليس هو اقتضاء الشهوة، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال للمغيرة بن شعبة: لو نظرت إليها لاحرى أن يؤدم بينكما.\rوأما النظر إلى القدمين هل يحرم ذكر في كتاب الاستحسان: هي عورة في حق النظر، وليس بعورة في حق الصلاة.\rوكذا ذكر في الزيادات إشارة إلى أنها ليست بعورة في حق الصلاة.\rوذكر ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة أنها ليست بعورة، في حق النظر كالوجه والكفين.\rوأما الرجال في حق الرجال: فيباح لكل واحد النظر إلى الآخر، سوى ما بين الركبة إلى السرة.\rوالركبة عورة عندنا، خلافا للشافعي والسرة ليست بعورة عندنا وعنده عورة.\rوكذلك النساء في حق النساء: يباح النظر إلى جميع الاعضاء سوى ما بين الركبة إلى السرة.\rوما يباح النظر يباح المس من غير شهوة.\rولا يباح المس والنظر إلى ما بين السرة والركبة، إلا في حالة الضرورة، بأن كانت المرأة ختانة تختن النساء، أو كانت تنظر إلى الفرج لمعرفة البكارة، أو كان في موضع العورة قرح أو جرح يحتاج إلى التداوي، وإن كان لا يعرف ذلك إلا الرجل، يكشف ذلك الموضع الذي فيه جرح وقرح، فينظر إليه، ويغض البصر ما استطاع.","part":3,"page":334},{"id":1073,"text":"وكذا يباح للنساء النظر إلى الرجال، إلا فيما بين السرة إلى الركبة لان هذا ليس بعورة، فإن الرجال قد يكونون في إزار واحد في الاسواق ولم ينكر عليهم أحد.","part":3,"page":335},{"id":1074,"text":"باب آخر قال: رجل رأى إنسانا قتل أباه، عمدا بالسلاح أو أقر عنده، ثم قال القاتل: إنما قتلته لانه قتل وليي عمدا، أو أنه ارتد عن الاسلام، ولم يعرف الابن ذلك إلا بدعواه: فإنه يباح له أن يقتص منه، لا يقبل قوله، لان القصاص ثبت عنده لوجود القتل العمد ظاهرا، بالعيان أو بالاقرار، فإن الاقرار حجة بنفسه، وقول القائل يحتمل الصدق والكذب فلا يعتبر إلا بحجة.\rولو شهد، عنده، رجلان، عدلان: إن هذا الرجل قتل أباك، عمدا، بالسلاح فإنه لا يباح له أن يقتله، لان قول الشاهدين لا يصير حجة، بدون قضاء القاضي، بخلاف الاقرار والعيان.\rولو شهد عند الابن شاهدان على دعوى القاتل: أنه قتله بحق، ينظر: إن كان بحال لو شهدا عند القاضي، فالقاضي يقضي بشهادتهما: فإنه لا يتعجل بالقتل، بل يتوقف إلى أن يشهدا عند القاضي.\rوإن كان بحال لا يقبل القاضى قولهما: يباح له أن يقتله للحال بيانه: - إذا كان الشاهدان محدودين في القذف، أو فاسقين، أو النساء وحدهن فالقاضي لا يقضي بقولهم، ويباح له أن يقتله للحال.\rوإن\rكانا رجلين عدلين يتوقف.","part":3,"page":337},{"id":1075,"text":"- وكذلك في الشاهد الواحد يتوقف.\r- وروي عن محمد: في المحدودين أحب إلي أن يتوقف، لان القاضي ربما يقبل شهادتهما، على رأي الشافعي، ويكون اجتهاده يفضي إليه، ويراه حقا وصوابا، وقضاء القاضي، في فصل مختلف فيه جائز.\r- وكذلك في الفاسقين، والنساء وحدهن: يجب أن يكون الجواب كذلك عنده لان ذلك فصل مختلف فيه أيضا.\r- وكذلك الجواب فيما إذا رأى إنسانا أخذ مال أبيه، أو أقر عنده، ثم قال: كان ذلك عنده وديعة لي فأخذته أو: كان لي عليه دين فاقتضيته فله أن يأخذه.\r- ولو شهد رجلان عنده بذلك: ليس له أن يأخذ لما قلنا.\r- ولو أن القاضي إنما قضى في فصل مجتهد فيه، وهو من أهل الاجتهاد برأيه، والمقضى عليه فقيه مجتهد يرى بخلاف ما يقضي به القاضي فإنه يجب عليه أن يترك رأيه برأي القاضي، سواء كان ذلك من باب الحل أو الحرمة أو الملك أو الطلاق أو العتاق ونحوه، لان قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه ينفذ بإجماع الامة، لان رأيه ترجح بولاية القاضي - وهذا قول محمد.\rوكذا قال أبو يوسف فيما ليس من باب الحرمة، فأما إذا كان من باب الحرمة: فيتبع رأي نفسه، احتياطا في باب الحرمة بيانه: - رجل قال لامرأته: أنت طالق ألبتة وهو رجل فقيه في\rزعمه واجتهاده أنه طلاق ثلاث أو بائن، فرفعت المرأة الامر إلى القاضي، ورأيه أنه طلاق واحد، يملك الرجعة، فقضى بالحل للمرأة عليه، يحل للزوج وطؤها، ويصير رأيه متروكا برأي القاضي عند محمد، وعند أبي يوسف بخلافه.","part":3,"page":338},{"id":1076,"text":"- ولو كان رأي الزوج أن هذا طلاق رجعي، ورأي القاضي أنه طلاق بائن أو ثلاث، فقضى بالحرمة، يحرم عليه وطؤها في القولين.\rولو كان الرجل المطلق ليس بفقيه، فأفتى له الفقهاء بأن هذا طلاق محرم، ورفعت الامر إلى القاضي وقضى القاضي بالحل يحل له وطؤها، لان فتوى الفقهاء للمطلق بمنزلة الاجتهاد منها، فيجب عليه ترك الفتوى برأي القاضي عند محمد خلافا لابي يوسف.\r- وإذا كانت المسألة على العكس فالجواب كذلك أنه يتبع رأي القاضي من القولين.\r- ولو أن فقيها مجتهدا قال لامرأته: أنت طالق ألبتة ورأيه أنه ثلاث، وعزم على الحرمة وأمضى رأيه فيما بينه وبينها، وأجنب عنها، ثم تحول رأيه إلى أنه طلاق يملك الرجعة - يجب العمل بالرأي الاول في حق هذه المرأة، حتى لا يحل له وطؤها، إلا بنكاح جديد، أو بعد الزوج الثاني، وبالرأي الثاني في المستقبل في حقها وفي حق غيرها، لان ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله.\rولو لم يعزم على الحرمة، ولم يمض اجتهاده بينه وبينها، حتى تحول رأيه إلى الحل وأنه طلاق رجعي له أن يطأها، ولا تقع الفرقة لانه لم يوجد إمضاء الاجتهاد الاول، فصار كالقاضي إذا كان رأيه التحريم فقيل\rأن يقضي تحول رأيه إلى الحل، يعمل بالرأي الثاني، ويقضي بالحل في حق هذه المرأة فكذا هذا.","part":3,"page":339},{"id":1077,"text":"باب آخر منه لا خلاف بين الامة في إباحة استعمال الحرير، للنساء، لبسا، واستفراشا، وجلوسا عليه، ونحو ذلك.\rفأما في حق الرجال: فاللبس حرام بالاجماع، بأن جعله قباء، أو قيمصا، أو قلنسوة، وهو حرير خالص، في غير حالة الحرب.\rفأما في حال الحرب فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما: يباح اللبس في حال الحرب.\rوهذا إذا كان كله حريرا.\rفأما إذا كان لحمته حريرا، فلا يكره في الحرب، بالاجماع ويكره في غيره.\rوإذا كان السدى حريرا لا غير لا يكره بالاجماع.\rوأصله قوله عليه السلام على ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عليه السلام أخذ حريرا بشماله وذهبا بيمينه ورفع بهما يديه وقال: إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لاناثها ف أبو حنيفة أخذ بعموم الحديث ولم يفصل بين الحرب وغيره.\rوهما قالا بالاباحة في حق أهل الحرب، لان لباس الحرير أهيب للعدو وأثبت للسلاح، فخصا أهل الحرب من عموم الحديث، ولكن أبا حنيفة قال: هذا المعنى يحصل بما إذا كان لحمته حريرا، فلا ضرورة في الحرير الخالص.\rوأما لباس الصبيان والمجانين: فحرام على الاولياء، ويأثمون","part":3,"page":341},{"id":1078,"text":"بذلك.\rأما لا حرمة في حقهم فلانه لا خطاب عليهم.\rوأما النوم على الحرير، واستعماله في الجلوس عليه والاتكاء عليه فجائز عند أبي حنيفة، لانه ليس فيه تعظيم، بخلاف اللباس.\rوعندهما: لا يجوز للرجال أيضا، لانه لباس الكفرة من الاعاجم.\rولكن القليل من الحرير عفو في حق اللبس، وذلك مقدار ثلاث أصابع أو أربع، فإن النبي عليه السلام لبس فروة أطرافها من حرير، وكذلك العلم في الثياب معتاد من غير نكير من أحد، فيكون إجماعا.\rوأما استعمال الذهب والفضة بطريق التحلي: فمباح في حق النساء، وفي حق الرجال حرام، سوى التختم بالفضة.\rلما روينا من الحديث، وجاءت الرخصة في الخاتم.\rوأما استعمال الاواني من الذهب والفضة، في الشرب والاكل والادهان، ونحو ذلك مما يستعمل في البدن فحرام في حق الرجال والنساء جميعا، حتى المكحلة والمرآة والمجمر، ونحوها، وكذلك الركاب واللجام والثفر والكرسي والسرير ونحوها.\rأما إذا كان ففا أو مضببا فلا بأس باستعماله عند أبي حنيفة، وكذلك إذا كان على السيف.\rوعندهما: يكره ذلك كله، لان الذهب والفضة صارا من أجزاء ذلك الشئ.\rوأبو حنيفة يقول إنه تبع لما ليس بذهب وفضة، والعبر للاصل وهذا في إحدى الروايتين.\rوفي رواية: إذا كان فمه عند الشرب يقع على العود لا يكره، وإن كان يقع على الفضة يكره.\rوكذا إذا كان الجلوس على الكرسي المف والمذهب، على هاتين الروايتين إن كان الجلوس على موضع العود: لا يكره، وإن كان على\rالفضة يكره.\rوفي رواية لا يكره أصلا.","part":3,"page":342},{"id":1079,"text":"وهما رخصا في المصحف في رواية.\rوفي رواية يكره في المصحف أيضا.\rوهذا إذا كان الذهب مما يخلص با لاذابة.\rفأما إذا كان مموها بماء الذهب والفضة، فلا بأس به، لانه لا يخلص عند الاذابة.\rوكذا كتابة الذهب والفضة على الثياب فعلى هذا الاختلاف.\rوإذا جدع أنفه، فجعل أنفا من فضة، لازالة الشين، لا يكره ولو جعل من الذهب لا يكره أيضا، لانه إذا كان من الفضة ينتن فرخص في ذلك، وفي عين هذا ورد الاثر.\rولو تحرك سنه فشدها بذهب أو فضة: فلا بأس به، عند أبي حنيفة.\rوفي الجامع الصغير: لا يشدها بالذهب.\rوعند محمد لا بأس به.\rوكان أبو حنيفة لا يرى بأسا بشدها بالفضة، لانه لا حاجة إلى الذهب.\rولو خيف سقوط الفص من خاتم الفضة فشد بمسمار من ذهب فلا بأس به، بالاتفاق، لاجل الضرورة.\rولو سقطت سن إنسان، وأراد أن يعيدها ويشدها بالذهب والفضة، يكره، عند أبي حنيفة، كما لو وضع سن ميت آخر يكره.\rوقال أبو يوسف: لا بأس بإعادة سنه مكانها، ولا يشبه سنه سن ميت آخر، وبينهما فصل عندي، وإن لم يحضرني ذلك.\rثم ذكر في الكتاب مسائل: ذكرها متفرقة في الكتب، وقد جمعها\rهاهنا، وقد ذكرناها في مواضعها، فلا نعيدها ونذكر بعض ما لم نذكره.\rومنها: أنه يكره شرب لبن الاتان، للتداوي، بالاتفاق أما عند أبي حنيفة فلا يشكل، كما في بول ما يؤكد لحمه.\rوأبو يوسف فرق","part":3,"page":343},{"id":1080,"text":"وقال: الاصل هو الكراهة لقوله عليه السلام: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، ولكن في البول ورد حديث خاص، فبقي الباقي على الاصل.\rوقال: لا بأس بعيادة اليهودي والنصراني، للحديث الوارد فيه، ولاجل إلف أهل الذمة، خصوصا في حال المرض مما يدعوهم إلى الدين الحق.\rأما السلام فقالوا: يكره لما فيه من التعظيم وتعظيمهم مكروه.\rوأما رد السلام: فلا بأس به، لان الامتناع من ذلك يؤذيهم، والاحسان في حقهم مندوب، لكن ينبغي أن لا يزيد على قوله: وعليكم، لانه قيل إنهم يقولون السام عليكم فيجابون بقوله وعليكم بطريق المجازاة.\rوهل يكره منع هؤلاء من الدخول في المساجد قال مالك: يمنعون عن دخول المسجد الحرام، وعن كل مسجد.\rوقال الشافعي: يمنعون عن دخول المسجد الحرام لا غير.\rوعندنا: لا يمنعون عن دخول شئ من المساجد، وذلك لان المشركين كانوا يدخلون المسجد الحرام عند رسول الله آ، لعرض الاسلام عليهم ونحو ذلك.\rويكره للمرأة أن تصل شعرها المقطوع بشعرها، وكذا بشعر\rغيرها، لقوله عليه السلام: لعن الله الواصلة والمستوصلة.\rولا بأس بأن تصل شعرها بشعر البهيمة، لان ذلك من باب الزينة، وهي غير ممنوعة عنها للزوج.\rويكره اللعب بالنرد، والشطرنج.\rوالاربعة عشر، وكل لهو لقوله","part":3,"page":344},{"id":1081,"text":"عليه السلام: ما أنا من دد ولا الدد مني.\rوبعض أصحاب الحديث أباحوا اللعب بالشطرنج، لما فيه من تشحيذ الخاطر.\rولكن الصحيح هو الكراهة، على ما روينا: كل لعب حرام إلا ثلاثة.\rوهذا إذا لم يكن فيه قمار.\rفأما إذا كان فيه قمار، فهو حرام محض لثبوت حرمته بنص الكتاب، وهو قوله تعالى: * (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) *.\rولو أن حاملا ماتت وفي بطنها ولد يضطرب: فإن كان غالب الظن أنه ولد حي، وهو في مدة يعيش غالبا، فإنه يشق بطنها، لان فيه إحياء الآدمي، بترك تعظيم الآدمي، وترك التعظيم أهون من مباشرة سبب الموت.\rولو ابتلع إنسان درة رجل، فمات - لم يشق بطنه، لاخراج الدرة، لان حرمة النفس فوق حرمة المال.\rوإن كان الذابتلع غنيا، يضمن قيمة الدرة لصاحبها.\rوإن كان فقيرا، فيكون له ثواب التصد بها والله تعالى أعلم.","part":3,"page":345},{"id":1082,"text":"كتاب السبق\rقال: لا بأس بالمسابقة في أربعة أشياء: في النصل، والحافر، والخف، والقدم لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: كل لعب حرام إلا ثلاث: ملاعبة الرجل أهله، ورميه عن قوسه، وتأديبه فرسه.\rوتفسير المسابقة في النصل هو الرمي بالسهام، والرماح، وكل سلاح يمكن أن يرمى به.\rفكانت المسابقة بذلك من باب تعلم أسباب الجهاد، فكان مرخصا، وإن كان في الاصل من اللعب.\rوتفسير المسابقة بالحافر هو عدو الفرس والحمار والبغل.\rوالمراد بالخف هو الابل والبقر، لانه قد يركب عليها، في باب الجهاد، بعض الناس.\rوالمراد بالمسابقة بالقدم هو المشي بالقدم، وهذا مما يحتاج إليه للكر وللفر في الجهاد.\rفكان من رياضة النفس.\rوأصله ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سابقت النبي عليه السلام فسبقته، فلما حملت اللحم سابقته، سبقني، فقلت: هذه بتلك.\rثم المسابقة على أربعة أوجه: فثلاثة أوجه منها حلال والرابع حرام.\rأما أحد الاوجه الحلال بأن كان السلطان أو أحد من الرؤساء إذا","part":3,"page":347},{"id":1083,"text":"قال لجماعة من الفرسان أو لاثنين: من سبق منكم، فله كذا أو: إن سبق فلا شئ عليه فمن سبق جعل له خطر.\rوكذا إذا قال لجماعة من الرماة إلى الهدف: من أصاب منكم الهدف، فله كذا لان هذا تحريض لهم على فعل هو سبب الجهاد في\rالجملة.\rوالترجيح من الامام في الغنيمة لبعض الغزاة، تحريضا لهم على الجهاد، جائز، بأن قال: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن دخل الحصن أولا فله من النفل كذا مع أن الغنيمة حق الغزاة في الجملة فهذا يعطي من ماله فأحق بالجواز.\rوالثاني: أن يسابق رجلان أو يسابق جماعة، في السهام أو في الفرس أو المشي بالقدم، وقال لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا وإن سبقتك فلا شئ عليك فهذا مباح، لان الخطر فيه من أحد الجانبين.\rوالثالث: إن كان الخطر من الاثنين أو من الجماعة، ومعهم محلل يأخذ خطرهم إن سبق، ولا يغرم وإنه سبق فهذا جائز.\rالرابع: أن يكون الخطر من كل واحد: على أنه إن سبق فله الخطر، وإن سبق فيغرم لصاحبه مثله فهذا لا يجوز، لان هذا من باب القمار، وإن حرام.\rثم إنما يجوز الرهان والمسابقة فيما يجوز أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر.\rفأما إذا كان في موضع يعلم من حيث الغالب أنه يسبق أحدهما، فإن ذلك لا يجوز، لان هذا إيجاب المال للغير على نفسه، بشرط لا منفعة له فيه، وإنما جوزنا ذلك في الفصل الاول لانه تحريض على مباشرة سبب الجهاد في الجملة.","part":3,"page":348},{"id":1084,"text":"كتاب المفقود قال:\rيحتاج إلى: تفسير المفقود، وإلى بيان أحكامه على الخصوص.\rأما الاول: فالمفقود هو الذي غاب عن بلده، بحيث لا يعرف أثره، ومضى على ذلك زمان، ولم يظهر أثره.\rوأما حكمه فنوعان: أحدهما في الحال، والثاني في المآل.\rأما حكم المآل: إذا تطاول الزمان بعدما فقد من وقت ولادته بحيث لا يعيش مثله إلى ذلك الزمان بيقين، أو من حيث الغالب يحكم بموته.\rوتقع الفرقة بينه وبين نسائه.\rويعتق أمهات أولاده ومدبروه.\rويقسم ماله بين ورثته.\rولا يرث هو من أحد.\rولم يقدر في ظاهر الرواية تقديرا في ذلك.\rوروى ابن زياد عن أبي حنيفة أنه قدر ذلك بمائة وعشرين سنة من وقت الولادة.","part":3,"page":349},{"id":1085,"text":"وأما حكم الحال: فهو أن القاضي هو الحافظ لماله، والمتصرف فيه فيما يرجع إلى الحفظ.\rفإن كان شيئا مما يتسارع إليه الفساد، فإنه يبيعه ويحفظ ثمنه.\rوكذا إذا كان عروضا، وحفظ الثمن أيسر - فلا بأس ببيعه.\rولا يبيع العقار أصلا.\rوإن كان له ودائع يترك في أيديهم، لكونهم أمناء، ما دام المفقود في حكم الاحياء.\rثم إن له أن ينفق من ماله على نسائه إن كان يعلم ببقاء النكاح بينهما.\rوكذا على أولاده الصغار، والذكور الكبار الزمنى والاناث.\rوإن لم يكن له مال، وله ودائع: فإنه ينفق من ذلك إذا كان من جنس الطعام، والثياب، والدراهم، والدنانير.\rولا يبيع العروض للنفقة على هؤلاء، ولكن للاب أن يبيع العروض في نفقته، لان للاب ولاية التصرف في مال الابن في الجملة، وإن لم يكن من باب الحفظ بخلاف القاضي.\rوهذا إذا كان المودع مقرا بالوديعة وبالنكاح وبالنسب.\rفأما إذا كان منكرا، فإنه لا يسمع عليه الخصومة في إثبات المال، ولا في إثبات النكاح والنسب، لان هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر، وإنه غير جائز عندنا.\rولو مات واحد من أقربائه، فإنه لا يرث، حتى لا يأخذ القاضي حصته من تركة الميت فيحفظ على المفقود، ولكن يوقف حتى يظهر أمره، لانه حي من حيث الظاهر، والظاهر لا يصلح حجة لاستحقاق أمر لم يكن، ولكن لما كانت الحياة ثابته ظاهرا اعتبر في حق التوقف.","part":3,"page":350},{"id":1086,"text":"كتاب اللقيط واللقطة وجعل الآبق قال: يحتاج إلى:\rتفسير اللقيط، واللقطة، والآبق، والضالة، وإلى بيان أحكامها على الخصوص.\rأما الاول: فنقول: أما اللقيط: فما يلتقط ويؤخذ مما طرح على الارض من صغار بني آدم.\rواللقطة: ما يلتقط مما يوجد مطروحا على الارض من الاموال من غير الحيوان.\rوالآبق: هو المملوك الذي فر من صاحبه قصدا.\rوالضالة: هي الدابة التي ندت وضلت الطريق إلى مربطها.\rوأما الثاني فنقول: أما حكم اللقيط فنقول: إن اللقيط يساوي الصبي، الذي ليس بلقيط، في عامة الاحكام.\rوله أحكام على الخصوص:","part":3,"page":351},{"id":1087,"text":"منها: أن التقاطه واجب على كل من وجده، لان في تركه ضياعه، فيجب عليه صيانته.\rومنها: أنه إذا التقطه فإن شاء تبرع بتربيته والانقاف عليه، وإن شاء رفع الامر إلى السلطان، ليأمر بتربيته، أحدا، من مال بيت المال، والانفاق عليه، لان بيت المال معد لحوائج جميع المسلمين.\rوهذا إذا لم يكن له مال.\rفإن كان له مال، بأن وجد الملتقط معه مالا، فيكون مال اللقيط فنفقته من ذلك المال، لانه غير محتاج فلا يثبت حقه في بيت المال.\rولو أنفق عليه الملتقط، ليرجع عليه بعد بلوغه: فإن كان بإذن القاضي، له أن يرجع، وإلا فيكون متبرعا.\rومنها: أن الولاية عليه للسلطان في حق الحفظ، وفي حق التزويج، لقوله عليه السلام: السلطان ولي من لا ولي له، وليس للملتقط ولاية التزويج.\rوإذا زوجه السلطان، فالمهر في بيت المال، إلا إذا كان للقيط مال، فيكون في ماله.\rومنها: الولا: فيكون ولاؤه لبيت المال، حتى إنه إذا جنى على إنسان، خطأ، فإن ذلك يكون في بيت المال، لان عاقلته جميع المسلمين، فيكون عقله من مالهم، وهو مال بيت المال.\rوكذلك ميراثه: لبيت المال إذا لم يظهر له وارث.\rومنها: حكم الحرية: فهو حر من حيث الظاهر، لان دار الاسلام دار حرية فيبني على الظاهر.\rولو ادعى الملتقط أنه عبده: فإن لم يقر بأنه لقيط، فالقول قوله، لان الصغير لا يد له، فهو وسائر الاموال سواء، فإذا كان في يده فهو","part":3,"page":352},{"id":1088,"text":"ملكه ظاهرا فيكون القول قوله.\rفأما إذا أقر أنه لقيط فلا يصح دعواه، لانه ثبتت حريته ظاهرا.\rولو بلغ اللقيط وأقر أنه عبد فلان: إن لم يجز عليه حكم الاحرار، من قبول شهادته وضرب قاذفه ونحو ذلك، يصح إقراره.\rوإن أجرى عليه من أحكام الحرية شئ، لا يصح.\rومنها: حكم النسب إذا ادعى الملتقط، أو غيره، أنه ابنه،\rوالمدعي مسلم أو ذمي، فالقياس أن لا يصح دعواه، إلا بالبينة.\rوفي الاستحسان: يصح، لان في هذا نفع للصغير.\rولو ادعاه رجلان: أحدهما مسلم، والآخر ذمي فإنه يثبت نسبه من المسلم.\rولو ادعى المسلم أنه عبده، والذمي أنه ابنه فإنه يثبت نسبه من الذمي، حتى يثبت له الحرية، ويكون مسلما، لان حكمه حكم دار الاسلام.\rولو كانا مسلمين وأحدهما عبد مأذون أو مكاتب فالنسب يثبت من الحر.\rولو كانا حرين مسلمين: فإن لم يكن لهما بينة ولم يذكر أحدهما علامة، أو ذكرا جميعا العلامة، أو أقاما جميعا البينة فهو بينهما.\rوإن كان لاحدهما بينة، أو ذكر العلامة، ولم يكن للآخر ذلك فالاول أولى، لانه ترجح جانبه بمرجح.\rوإن ادعت امرأة اللقيط أنه ابنها فإن لم يكن لها زوج: لا يصح لان في ذلك حمل النسب على الغير وإن كان لها زوج فصدقها أو شهدت لها القابلة أو شاهدان يثبت النسب بينهما.","part":3,"page":353},{"id":1089,"text":"ولو ادعت امرأتان: فإن لم يكن لهما بينة لا تقبل.\rوإن أقاما البينة على أنه ابنها من فلان فعن أبي حنيفة أنه يقبل منهما، ومن الرجل.\rوعن محمد روايتان: في رواية أبي حفص: يجعل ابنهما، وفي رواية أبي سليمان: لا يجعل ابنهما.\rوأما حكم الاسلام فقد اختلفت الرواية عن أصحابنا: ففي ظاهر\rالروايات: اعتبر المكان دون الواجد فإن وجد في دار الاسلام: يكون مسلما.\rوإن وجد في كنيسة اليهود، أو في بيعة النصارى، أو في قرية كلهم أهل الذمة: فهو تبع لهم.\rوفي رواية: اعتبر الواجد، كيفما كان، دون المكان.\rوفي رواية: اعتبر جانب الاسلام: إما الواجد أو المكان.\rوأما حكم اللقطة على الخصوص: فمنها: أن من ظفر على لقطة، فالاخذ أولى.\rأما الترك فقالوا: إن كان يأمن على نفسه أنه يعرفها ويردها على صاحبها، ولا محالة أو غالبا، فالاخذ أولى، لانه ربما يأخذه فاسق لو تركه.\rوأما إذا كان لا يأمن على نفسه فالترك أولى، لان صيانه نفسه عن الوقوع في الفساد أولى، مع احتمال أن يأخذه مصلح فيصل إلى صاحبه أيضا.\rوإذا أخذ وأراد أن يضعها مكانها، وندم على الاخذ، فوضعها - هل يضمن؟ في ظاهر الرواية: لا يضمن، وفي بعض الروايات: يضمن وهو قول الشافعي.\rولو دفعها، إلى غيره، بغير إذن القاضي فإنه يضمن، لانه يجب عليه حفظها، بنفسه، بالتزامه الحفظ، بالالتقاط.\rولو هكلت في يده فإن أشهد على اللقطة، بأن قال للناس: إني","part":3,"page":354},{"id":1090,"text":"وجدت لقطة فمن طلبها فدلوه علي: فإنه لا يضمن.\rولو لم يشهد فعند أبي حنيفة: يضمن، وعندهما: لا يضمن إذا كان أخذه ليرده إلى صاحبه ويحلف على ذلك إن لم يصدقه صاحبه.\rثم الملتقط إذا أخذه ليرده إلى صاحبه، وأشهد ينبغي أن يرفع الامر\rإلى القاضي فإن كانت اللقطة حيوانا، فالقاضي يأمره حتى يؤاجرها، فتكون نفقتها ومؤونتها من الاجرة، إن رأى المصلحة في ذلك.\rوإن لم ير المصلحة في الاجارة: فإن رأى أن يأمره بأن ينفق عليها بما لنفسه، ليرجع على صاحبه، فعل، وإن رأى أن يبيعها ويأمره بإمساك ثمنها فعل.\rويعرف ذلك سنة في جواب ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن على قدر حال اللقطة: في النفيس سنة، وفي الدني الذي قيمته زائدة على عشرة دراهم لا ينقص من شهر على هذا الاعتبار.\rفإذا مضى وقت التعريف ولم يظهر صاحبها فإن كان الرجل موسرا لا يحل له أن ينفق على نفسه، ولكن يتصدق بها على الفقراء.\rوقال الشافعي: يحل.\rوإن كان معسرا له أن يتصدق على نفسه، وإن شاء: يتصدق بها على الفقراء.\rفإن ظهر صاحبها: فإن شاء أمضى الصدقة وله ثوابها، وإن شاء أخذ من المتصدق عليه، وإن شاء ضمن الملتقط.\rوإن كان شيئا يتسارع إليه الفساد، فإنه يعرفها، بقدر ما لا يفسد، ثم يتصدق، أو ينفق على نفسه على ما ذكرنا.\rوإنما يدفع إلى من يدعي اللقطة إذا أقام البينة.\rفإن ذكر علامات","part":3,"page":355},{"id":1091,"text":"هي فيها فإن شاء الملتقط صدقه ودفع إليه، وإن شاء امتنع حتى يقيم البينة.\rوكذا الجواب في الدابة الضالة، من الغنم والابل وغيرهما: فأما إذا لم تكن ضالة، ولكنها نفرت في المراعي، فإنه لا يأخذها، لان ذلك أمر\rمعتاد، إذا كان قريبا من البلدة أو القرية أو الخيام.\rفأما إذا كان غالب ظنه أنها ضالة، فإنه يأخذها.\rوأما العبد إذا لم يكن ضالا للطريق، ولكنه آبق، من صاحبه فالجواب ما ذكرنا.\rلا ولكن هاهنا متى رده إلى المالك: إن كان من مسيرة سفر، يستحق الجعل على صاحبه: أربعين درهما عندنا، وعند الشافعي: لا يجب شئ.\rوإن كان الرد في أقل من مدة السفر يستحق الرضخ بقدره.\rولو كان الراد اثنين، فيكون الجعل بينهما.\rوهذا إذا كانت قيمته أكثر من أربعين درهما.\rفأما إذا كانت أربعين، أو دون ذلك، فإنه ينقص من الجعل درهما عند أبي حنيفة ومحمد.\rوقال أبو يوسف: لا ينقص منه شئ.\rولو كان الراد من كان في عياله، لا يستحق الجعل.\rفأما من لم يكن في عياله، فإنه يستحق، سواء كان أجنبيا أو ذا رحم محرم منه، إلا الوالدين والمولودين: ففيه اختلاف بين أبي يوسف ومحمد.","part":3,"page":356},{"id":1092,"text":"كتاب الخنثى قال: الخنثى من يكون له آلة الرجال وآلة النساء.\rوالشخص الواحد لا يكون ذكرا وأنثى، ولكن يحتمل أن يكون ذكرا، وآلة النساء في حقه نقصان، بمنزلة موضع شجة لم تلتئم، ويحتمل أن يكون أنثى، وآلة الرجال في حقها زيادة، بمنزلة الاصبع الزائدة.\rوالشرع جعل العلامة الفاصلة بينهما، قبل البلوغ، هو المبال، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: الخنثى يورث من حيث يبول فلما جعل الامارة هذا في حق الارث، فكذا في حق الاحكام التي تختص بالخنثى يجب أن يكون هو العلامة.\rفإن كان يبول من مبال الرجال، فهو ذكر.\rوإن كان يبول من مبال النساء، فهو أنثى، وإن كان يبول منهما جميعا، فالحكم للاسبق منهما.\rوإذا استويا في السبق: قال أبو حنيفة: أتوقف فيه.\rوقالا: يعتبر الاكثر في ذلك، ثم إذا استويا في الكثرة والقلة، توقفا فيه أيضا كما توقف أبو حنيفة.\rوالتوقف في موضع عدم الدليل واجب وهو الخنثى المشكل.\rوإنما يظهر الحال، ويزول الاشكال، بالبلوغ: بظهور الحيض، والحبل، ونهود الثديين، ونبات اللحية، والاحتلام، ونحوها فيجري عليه أحكام الذكر أو الانثى.","part":3,"page":357},{"id":1093,"text":"فأما في حال كونه مشكلا فله أحكام مخصوصة منها: الختان: ينبغي أن يشترى له جارية، ختانة، من ماله إن كان له مال، ومن مال الابوين إن كان، وإلا فالقاضي يشتري له من مال بيت المال جارية ختانة فتختنه: فإن كان ذكرا فهي جاريته، وإن كان أنثى، فالانثى قد تختن الانثى عن الحاجة إليه.\rولا يلبس الحرير احتياطا.\rوموقفه في الصلاة خلف صف الذكور، قبل صف النساء.\rوكذا في ترتيب الجنائز عند الاجتماع: تقدم جنازته على جنازة الاناث.\rوتغسله زوجته إن كانت، وإلا فلا يغسل، ولكن ييمم: إن كان له ذو رحم محرم ييممه بلا خرقة وإن كان أجنبيا فمع الخرقة.\rوأما حكم الميراث: فعند أصحابنا: يكون له أقل الانصباء، وهو نصيب الانثى إن كان أقل.\rوأن كان أكثر في بعض الاحوال يكون له نصيب الذكور.\rوعلى قول الشعبي: يكون له نصف ميراث الرجال، ونصف ميراث النساء.\rبيانه.\r- إذا ترك ابنا معروفا وخنثى: للابن الثلثان، وللخنثى الثلث، لانه أقل.\r- وإذا ترك خنثى وعصبة: فللخنثى النصف، وهو ميراث البنت، والباقي للعصبة.\r- ولو ترك اختا لاب وأم، وخنثى لاب، وعصبة يجعل أنثى، أنه ترك: أختا لاب وأم، وأختا لاب، وعصبة: فللاخت للاب والام","part":3,"page":358},{"id":1094,"text":"النصف، وللخنثى السدس، والباقي للعصبة.\r- وإن تركت زوجا، وأختا لاب وأم، وخنثى لاب: فللزوج النصف، وللاخت لاب وأم النصف، ولا شئ للخنثى، ويجعل ذكرا، لان هذا أسوأ حالة، لانا لو جعلناه أنثى يكون نصيبه، السدس، وتعول المسألة، ولو جعلناه ذكرا لا يرث شيئا - كما إذا تركت زوجا، وأختا لاب وأم، وأخا لاب على هذا القياس.\rوبيان قول الشعبي، وتفسير قول أبي يوسف، وتخريجه له، وتخريج\rمحمد، على وجه آخر، يذكر في الفرائض إن شاء الله تعالى ونشير إليه هاهنا: إذا ترك ابنا وخنثى: فعلى تخريج أبي يوسف يجعل المال بينهما على سبعة أسهم للابن المعروف أربعة، وله ثلاثة.\rوعلى تخريج محمد: الميراث بينهما على اثني عشر سهما، بطريق تنزيل الاحوال، فيكون للابن المعروف سبعة، وللخنثى خمسة والله تعالى أعلم بالصواب.","part":3,"page":359},{"id":1095,"text":"كتاب الشهادات يحتاج إلى ثلاثة فصول: إلى بيان تحمل الشهادة.\rوإلى بيان حضور الشهود عند النكاح، وإلى بيان جواز أداء الشهادة عند القاضي.\rأما الاول: فنقول: تحمل الشهادة إنما يجوز عند المعاينة، أو عن سماع الاقرار وإنشاء القول، من النكاح، والطلاق، والبيع، ونحوها، من الخصم.\rفأما التسامع من الناس فلا عبرة به، إلا في مواضع مخصوصة: في النكاح، والنسب، والموت، وفي الولاء اختلاف عند أبي حنيفة ومحمد: لا يقبل، وعند أبي يوسف: يقبل.\rوإنما يصح التحمل ممن له عقل وتمييز، ليفهم كلام الخصمين، أو يعلم ما يفعله، سواء كان حرا أو عبدا، أو فاسقا أو كافرا، أو صغيرا\rعاقلا أو بالغا، حتى إذا زالت هذه المعاني وحدثت ضدها تقبل شهادته.\rوكذا العبد إذا تحمل الشهادة لمولاه، أو المرأة لزوجها تقبل بعد العتق والبينونة.\rلكن لو شهد لمولاه وردت شهادته، أو شهدت المرأة لزوجها وردت، ثم شهد بعد العتق والبينونة، في تلك الحادثة لا تقبل بخلاف الكافر إذا شهد على مسلم في حادثة، فردت شهادته، ثم","part":3,"page":361},{"id":1096,"text":"أعاد تلك الشهادة بعد الاسلام تقبل والفرق مذكور في الخلافيات.\rوأما حضور الشهود عند عقد النكاح فقد بينا ذلك في كتاب النكاح.\rفلا نعيده.\rوأما جواز الشهادة عند القاضي فنقول: شهادة رجلين عدلين مقبولة في جميع الاحكام في أسباب العقوبات وغيرها إلا في الزنى فإنه لا تقبل إلا شهادة أربعة رجال عدول.\rوشهادة رجل وامرأتين مقبولة في جميع الاحكام، عندنا، إلا في الحدود والقصاص.\rوعند الشافعي: لا تقبل إلا في الاموال وتوابعها.\rوكذا حكم الشهادة على الشهادة: مثل حكم شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.\rوتجوز شهادة الاقارب، مثل شهادة الاجانب، إلا شهادة الوالدين والمولودين، وشهادة أحد الزوجين لصاحبه.\rوعند الشافعي تقبل شهادة الازواج.\rولا تجوز شهادة المحدود في القذف إذا تاب عندنا خلافا للشافعي.\rولا تجوز شهادة الاعمى، وإن كان بصيرا عند التحمل، عند أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف: تقبل إذا كان بصيرا عند التحمل.\rولا تجوز شهادة العبد، والاخرس.\rوالصبي العاقل، والمعتوه، ولا شهادة الاخير له في تجارته التي استأجره فيها، ولا شهادة أحد الشريكين في مال الشركة والتصرف فيها، وتقبل فيما سوى ذلك.","part":3,"page":362},{"id":1097,"text":"وأما شهادة الفاسق فإن تحرى القاضي الصدق في شهادته: تقبل، وإلا فلا.\rوعند الشافعي لا تقبل أصلا، ولا تقبل في العقوبات.\rولو طعن المشهود عليه في الشاهد: أنه رقيق أو فاسق لم تمض الشهادة، ما لم يقم البينة على الحرية إن كان مجهول النسب.\rوكذا ما لم يسل عن عدالتهم في السر والعلانية.\rولا يجوز القضاء بظاهر العدالة بالاتفاق.\rوقبل الطعن يجوز عند أبي حنيفة، خلافا لهما.\rولو اختلف الشاهدان في الوقت، والمكان، والعبارة، مع استواء العبارتين في المعنى فإن كان ذلك في الاقرار: تقبل شهادتهما، ولا يوجب اختلاف الشهادة.\rوإن كان في الفعل.\rمن الغصب، والقتل، والقطع وإنشاء البيع والطلاق ونحوها.\rفإنه يوجب اختلاف الشهادة، فما لم يوجد على كل واحد شاهدان: لا يقبل.\rوإذا اختلف الشاهدان في جنس المشهود به لا يقبل.\rولو اختلفا في المقدار، وأحدهما يدخل في الآخر والمدعي يدعي الاكثر، كما إذا شهد أحدهما على ألف والآخر على ألفين: لا تقبل عند أبي حنيفة وعندهما: تقبل على الاقل.\rوكذا إذا شهد أحدهما على طلقة، والآخر على طلقتين أو ثلاث لا يقبل عند أبي حنيفة، وعندهما: يقبل على الاقل.\rوأجمعوا أنه إذا شهد أحدهما على ألف، والآخر على ألف وخمسمائة، والمدعي يدعي لاكثر: يقبل على ألف، وقد ذكرنا في الطلاق.\rوأكثر مسائل الشهادة ذكرنا في الكتب السابقة، فلا نعيدها.","part":3,"page":363},{"id":1098,"text":"كتاب الرجوع عن الشهادات الرجوع عن الشهادة لا يصح بعد قضاء القاضي، ويصح قبله، لانه إخبار يحتمل الغلط.\rوإنما يصير حجة، ضرورة صحة القضاء، فم لم يتصل به قضاء القاضي، يصح الرجوع.\rولا يلزم الشهود بذلك شئ لانه لم ثبتبه الحكم.\rوبعد الحكم لا يصح الرجوع في حق الخصم، ولكن يصيب متلفا في حق المشهود عليه، فيلزمه ضمانه، إلا إذا حصل العوض، للمشهود عليه فبذلك لا يضمن، لانه يكون إتلافا بعوض، فلا يكون إتلافا معنى.\rوالعبرة في الرجوع بقاء من بقي من الشهود، لا رجوع من رجع، ويبقى الحق بقدر بقاء الشهود، ويتلف بقدر ما رجع.\rإذا ثبت هذا الاصل تخرج عليه المسائل.\r- إذا شهد شاهدان لى رجل بمال، وقضى القاضي بذلك، وسلم المال إلى المدعي، ثم رجع أحدهما: غرم نصف المال، لانه بقي النصف ببقاء شاهد واحد.\rولو رجعا جميعا غرما المال، بينهما، نصفين.\r- ولو كانوا أربعة، فرجع اثنان أو واحد منهم فلا شئ عليه،\rلبقاء المال ببقاء الشاهدين.\rولو رجع ثلاثة يلزمهم نصف المال لبقاء النصف، ببقاء شاهد واحد.\r- ولو شهد رجل وامرأتان، على مال، فرجعت امرأة غرمت ربع","part":3,"page":365},{"id":1099,"text":"المال.\rولو رجعتا غرمتا نصف المال لبقاء النصف ببقاء رجل لان المرأتين بمنزلة رجل واحد.\r- ولو شهد رجل واحد وعشر نسوة، على رجل بمال ثم رجعوا جميعا بعد الحكم: فقال أبو حنيفة: على الرجل سدس المال، وعلى النساء خمسة أسداسه، لان كل امرأتين بمنزلة رجل واحد.\rوعند أبي يوسف ومحمد: على الرجل النصف، وعلى النساء النصف، لان النساء وإن كثرن لهن شطر الشهادة.\r- ولو شهدا على رجل: أنه باع عبده من فلان بألف، وقبض الثمن ثم رجعا لم يضمنا، لان هذا إتلاف بعوض.\r- وكذا لو شهدا على رجل أنه تزوج امرأة بألف درهم، وهو مهر مثلها، وقضى القاضي النكاح ثم رجعا لم يضمنا لانهما أثبتا له البضع بمقابلة المال.\r- ولو شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا، وقد دخل بها، وقضى القاضي، ثم رجعا لم يضمنا، إلا ما زاد على مهر المثل، لانه، بقدر مهر المثل إتلاف بعوض وهو استيفاء منافع البضع.\rولو كان قبل الدخول: فإن كان المهر مسمى، ضمنا النصف، وإن لم يكن المهر مسمى يضمنان المتعة، لان ذلك تلف بشهادتهما، ولم يحصل له بمقابلته عوض.\r- وكذلك لو شهدا على رجل، بإجارة داره سنة، ثم رجعا بعد\rاستيفاء السكنى فإنهما يغرمان للمستأجر ما زاد على أجر المثل، لانه، بقدر أجر المثل حصل العوض، والباقي بغير عوض فيكون إتلافا.\r- وكذا لو شهدا على رجل أنه أعتق عبده بألف درهم وسلم إليه أولا، ثم رجعا لم يضمنا لان هذا إتلاف بعوض.","part":3,"page":366},{"id":1100,"text":"- ولو شهدا أنه أعتق بغير مال ثم رجعا يضمنان للاتلاف بغير عوض.\r- ولو شهدا على أنه قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر، وقد دخل، وقضى القاضي بالعتق، ثم رجعا ضمنا لان هذه شهادة على الاعتاق وهو إتلاف بغير عوض، فيضمنان.\r- ولو شهدا أنه حلف بعتق عبده بدخول الدار، وشهد آخران على الدخول، وقضى القاضي بالعتق، ثم رجعوا: فإن الضمان يجب على شهود اليمين، لا على شهود الدخول، لان الدخول شرط، وكلام اليمين صار إعتاقا، والتلف يضاف إلى العلة دون الشرط ويكون، المتلف هو شاهد ليمين.\r- ولو شهدا على رجل بسرقة عشرة دراهم، وقضى القاضي، عند خصومة المالك، وقطعت يده، ثم رجعا يغرمان دية اليد.\r- وكذلك لو شهدا على رجل بقتل الخطأ أو بجراحه خطأ ثم رجعا.\r- ولو شهدا على القتل العمد، وقضى القاضي، واقتص، ثم رجعا: لا يجب القصاص على الشهود عندنا.\rوعند الشافعي: يجب، ولكن عندنا يجب المال، لانه لا يمكن إيجاب القصاص بالتسبيب، ويمكن\rإيجاب المال كما في حفر البئر.\r- ولو شهد أربعة على رجل بالزنا، وشهد آخران على الاحصان ثم رجعوا بعد إقامة الرجم لا يجب على شهود الاحصان شئ، وتجب الدية على شهود الزنى، لان الزنا علة، والاحصان شرط.\rولو رجع أحد الشهود بالزنا، بعد الرجم: فإنه يجد حد القذف،","part":3,"page":367},{"id":1101,"text":"لان شهادته صارت قذفا، بإقراره، ويغرم ربع الدية، لبقاء ثلاثة أرباع بثلاثة شهود.\rوإن رجع آخر فكذلك.\rولو أنه إذا رجع واحد منهم، بعد القضاء، قبل إقامة الحد عليهم يحدون جميعا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: يحد الراجع وحده استحسانا.\rوأجمعوا أنه إذا رجع واحد قبل القضاء بالرجم: فإنهم يحدون جميعا وهي من مسائل الخلافيات.","part":3,"page":368},{"id":1102,"text":"كتاب أدب القاض القضاء فريضة محكمة، يجب على من وجد في حقه شرائط القضاء، من الولاية على المقضي عليه، بتسليم المقضي به، إلى المقضي له، وهو السلطان، أو من يقوم مقامه - لان هذا من باب إنصاف المظلوم من الظالم، وهذا مفوض إلى الخلفاء والسلاطين، غير أنهم إذا عجزوا بأنفسهم، إما لعدم العلم أو لاشتغا لهم بأمور أخر، يجب عليهم أن يقلدوه من كان يصلح له، ممن هو من أفقه الناس بحضرتهم\rوأورعهم.\rفإن وجدوا اثنين: أحدهما أفقه، والآخر أورع فالاورع أولى لانه يمكنه أن يقضي م غيره، ولا بد من الورع، حتى لا يتجاوز حد الشرع، ولا يصور الباطل بصورة الحق، طمعا في الرشوة.\rويجب على من استجمع فيه شرائط القضاء، أن يقبله إذا قلدوه، حتى لو امتنع يأثم، إلا إذا كان في العلماء بحضرتهم ممن يصلح له كثرة، فلا بأس بأن يعتذر بعذر، فيدفع عن نفسه إلى غيره، لانه ليس بمتعين لذلك، والذي تعين لا يحل له الامتناع إذا قلد، ولكن لا ينبغي أن يطلب لانه ربما لا يقلد، يذهب ماؤه وحرمة علمه.","part":3,"page":369},{"id":1103,"text":"ثم القضاء له واجبات وآداب: فأما الواجبات: فمنها: أنه يجب على القاضي أن يقضي، في كل حادثة، بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى، إما بدليل قطعي نحو نص الكتاب مفسرا لا شبهة في معناه، أو السنة المتواترة أو المشهورة، أو الاجماع وإما بدليل ظاهر موجب للعمل، كظاهر النص، من الكتاب، والسنة، والقياس، وذلك في موضع لا إجماع فيه بين الفقهاء.\rوإن كان مختلفا فيه، أو لم تكن واقعة، أو كانت واقعة، ولا رواية في جوابها عن لسلف، يجب عليه أن يعمل برأي نفسه إن كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، يختار قول من هو أفقههم وأورعهم.\rولو كان القاضي من أهل الاجتهاد، لكن لم ينظر في دليل المسألة،\rواعتمد على اجتهاد من هو أفقه منه - هل يجوز له القضاء به؟ على قول أبي حنيفة: جاز، وعلى قولهما: لا يجوز، إلا وأن يعمل باجتهاد نفسه ذكر الاختلاف في كتاب الحدود.\rومما يجب عليه أيضا: أن يقضي بما ثبت عنده بالبينة أو الاقرار، أو يكون المدعى به مما يدخل فيه النكول، لان الشرع جعل هذه الجملة حجة في حقه، ولكن لا بد من أن يثبت عدالة الشهود عنده، بالسؤال عنهم، ممن له علم بأحوالهم في السر والعلانية، فعدلوه وقالوا: هو جائز الشهادة.\rوأما القضاء بعلم نفسه، بالمعاينة أو بسماع الاقرار أو بمشاهدة الاحوال: فإن قضى بعلم حادث له في زمان القضاء، وفي مكانه، في الاملاك المرسلة، والحقوق، من الطلاق والعتاق ونحوهما، وفي","part":3,"page":370},{"id":1104,"text":"القصاص وفي حد القذف جاز.\rوإن كان في سائر الحدود: لا يجوز وهذا عندنا.\rوعن الشافعي قولان: في قول: لا يجوز في الكل وفي قول: يجوز في الكل.\rوأما إذا قضى بعلم كان قبل أن يقلد القضاء، أو بعلم بعد التقليد لكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه: فقد أجمع أصحابنا أنه لا يجوز في الحدود غير حد القذف.\rفأما في سائر الاحكام وفي حد القذف و القصاص فقد اختلفوا: قال أبو حنيفة: لا يجوز.\rوعلى قول أبي يوسف ومحمد: يجوز وفروع هذا الفصل ودلائله تعرف في المبسوط إن شاء الله تعالى\r.\rولا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه، ولا لابويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لاولاده، وإن سفلوا ولا لكل من لا تجوز شهادته لهم.\rوهل يقضي بكتاب قاضي ورد إليه من قضاة البلدان؟ ليس له أن يقضي في الحدود والقصاص، وأما في الديون والعروض والعقار فقد جاز القضاء به.\rولا يجوز في الحدود والقصاص القضاء بالشهادة على الشهادة.\rوفي الغلام والجارية: عند أبي حنيفة ومحمد: لا يكتب إلى القضاء، ولا يقبل.\rوعن أبي يوسف: يقبل وهو قول ابن أبي ليلى وعمل القضاة على هذا، لاجل الضرورة العامة.\rثم فيما يقبل فيها الكتاب إذا ورد الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، ينبغي أن لا يفك الكتاب ولا يقرأه إلا بحضرة الخصم كي لا يتهم في ذلك.","part":3,"page":371},{"id":1105,"text":"وأما آداب القضاة فللقاضي أن يجلس مع نفسه قوما من الفقهاء ليشاور معهم إذا احتاج إليه.\rفإن اتفقوا عليه، والحادثة معروفة في السلف، يقضي به.\rوإن اختلفوا فعلى ما ذكرنا.\rفإن بدا له أن يرجع فيما اعتمد على قول بعضهم، ورأى الصواب في قول الآخر فله ذلك، لان له أن يقضي في المجتهد فيه، بما لاح له من دليل الاجتهاد إن كان مجتهدا.\rفأما بعد الحكم فليس له أن يبطل ذلك القضاء، لان صار بالقضاء كالمتفق عليه، ولكن يعمل في المستقبل بخلافه إذا رأى ذلك صوابا.\rوينبغي أن يعدل بين الخصمين في مجلسهما منه: لا يقرب أحدهما دون الآخر، وإن كان له شرف العلم والنسب.\rوإن كان يريد تعظيم ذلك في المجلس، ينبغي أن يجلس خصمه معه، أينما أجلس الاول.\rوكذلك يعدل بينهما النظر والمنطق ولا يشير إلى أحد الخصمين دون الآخر.\rوكذلك لا يخلو بأحدهما، دفعا للتهمة.\rولا يرفع صوته على أحدهما ما لم يرفع على الآخر، عند الشغب والمنازعة.\rفأما إذا وجد من أحدهما، فإنه يرفع صوته عليه تأديبا له.\rولا ينبغي أن يلقن أحد الخصمين حجته.\rولا بأس بأن يلقن الشاهد، إذا كان يستحي ويهاب مجلس القاضي بشئ هو حق.\rوإذا تكلم أحدهما أسكت الآخر، حتى يسمع كلامه ويفهم ثم يستنطق الآخر حتى يكون أقرب إلى الفهم.\rولا ينبغي أن يجلس للقضاء وبه ما يشغله عنه، نحو الهم،","part":3,"page":372},{"id":1106,"text":"والغصب، والنعاس، وغيرها، على ما قال عليه السلام: لا يقضي القاضي وهو غضبان.\rوينبغي أن يقدم الرجال على حدة، والنساء على حدة، الاول فالاول.\rولا يخلط النساء بالرجال لانه سبب للفتنة.\rوينبغي أن يتخذ كاتبا من أهل العفاف والصلاح، وهو فقيه عالم بصنعة الكتابة، ثم يقعده حيث يرى ما يكتب وما يصنع.\rوفي عادة السلف أن القاضي هو الذي يكتب خصومة كلا الخصمين، على كاغذ السؤال والجواب، ثم يكتب شهادة الشهود على حسب ما شهدوا بعد\rكتابة جواب الخصم، ثم يطوي الكتاب، ثم يختمه، ثم يكتب على ظهره خصومة فلان وفلان، في شهر كذا، في سنة كذا ويضعه في قمطرة على حدة.\rوفي زماننا: العادة أن الكاتب هو الذي يكتب كتاب الدعوى، ويترك موضع التاريخ، ولا يكتب جواب الخصم ويكتب أسماء الشهود بعد ذلك ويترك فيما بين الخطين فرجة فإذا رفع الدعوى عند القاضي، فيكتب التاريخ بنفسه، ويكتب جواب الخصم على الوجه الذي تقرر.\rوإذا شهد الشهود في المجلس على ما يدعيه المدعي يكتب شهادة كل واحد تحت اسمه على الوجه الذي تقرر ويختم الكتاب، ثم يكتب بنفسه في ذلك اليوم أسماء الشهود، أو يأمر الكاتب حتى يكتبه بين يديه، ويختم، ويبعث بذلك على يد رجل من أهل الثقة، في السر، إلى أهل الثقة والسلاح عنده حتى يعدلوا الشهود.\rفإذا اتفق اثنان أو أكثر على تزكية رجل قبل قوله وعمل به.\rوإن اجتمع جماعة على أنه ثقة، واثنان على جرحه يأخذ بالجرح.\rوالعدد شرط عندهما في المزكين.\rوأما عند أبي حنيفة: فالواحد كاف.","part":3,"page":373},{"id":1107,"text":"وكذا الخلاف في الذي يبعث المستورة: يشترط فيه العدد عند هما خلافا له.\rثم يسأل عن التزكية علانية بعدما يسأل في السر حتى لا يقع فيه ريبة على القاضي، فيتهم بذلك.\rولا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية إلا من ذي رحم محرم منه أو من صديق، قديم الصحبة، قد كان بينهما التهادي قبل زمان القضاء، فأما\rمن غير هذين: فلا يقبل الهدية، ويكون ذلك في معنى الرشوة.\rوأما الدعوة فإن كان دعوة عامة، مثل دعوة العرس، والختان: فلا بأس بذلك.\rفأما الدعوة الخاصة: فإن كانت من ذي الرحم المحرم، أو الصديق القديم الذي كان يضيفه قبل القضاء فلا بأس بالاجابة.\rوفي غيرهما: لا ينبغي أن يحضر، لان ذلك يوجب تهمة فيه.\rولا بأس للقاضي أن يبعث الخصمين إلى المصالحة إن طمع منهما المصالحة.\rوإن لم يطمع ولم يرضيا بذلك فلا يردهما إلى الصلح ويتركهما على الخصومة، وينفذ القضاء في حق من قامت الحجة له والله تعالى أ لعلم.","part":3,"page":374},{"id":1108,"text":"كتاب الوقف والصدقة في الكتاب فصلان: فصل في الوقف، وفصل في الصدقة.\rأما الاول: فقد أجمع العلماء أن من وقف أرضه أو داره، مسجدا، بأن قال: جعلت هذه الارض مسجدا يصلي فيه الناس أنه جائز، لان هذا إبطال ملكه عنه، وجعله لله تعالى خالصا، كمن أعتق عبده.\rلكن التسلم شرط عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: ليس بشرط.\rوتسليمه عندهما أن يأذن للناس بصلاة الجماعة فيه، فيصلي فيه جماعة من الناس بجماعة: فإنه يصير مسلما إلى الناس كذا ذكر هلال\rالرأي في كتاب الوقف الذي صنفه.\rوقال بعض المشايخ: إذا جعل له متوليا قيما يتصرف في مصالحه، ويأذن له بقبضه، بطريق النيابة عن الناس.\rويأمرهم بالصلاة فيه فيكون التسليم صحيحا، ولا يمكنه الرجوع بعد ذلك عندهما.","part":3,"page":375},{"id":1109,"text":"وأما إذا جعل أرضه أو داره وقفا على الفقراء، أو على وجوه الخير فعند أبي حنيفة: إن جعله وقفا في حال حياته، ولم يقل وصية بعد وفاته، فإنه يكون هذا الوقف صحيحا، في حق التصديق بالغلة وبالسكنى في الدار إلى وقت وفاته، ويكون نذرا بالتصدق بذلك، وتكون رقبة الارض على ملكه: يجوز له بيعه والتصرفات فيه.\rوإذا مات يصير ميراثا للورثة وهذا معنى قول بعض المشايخ: إن الوقف لا يجوز عند أبي حنيفة: أن الوقف لا حكم له عنده، بل يكون نذرا بالتصدق بغلته ومنافعه.\rوأما إذا وقف في حال حياته وأوصى بذلك بعد وفاته فإنه يجوز بلا خلاف، لكن ينظر: إن خرج من الثلث: يجوز في الكل، وإن لم يخرج من الثلث: يجوز الوقف فيه بقدر الثلث، ويبقى الباقي إلى أن يظهر له مال آخر، أو يجيزه الورثة.\rفإن لم يظهر له مال، ولم يجز الورثة، تقسم الغلة بينهم أثلاثا: الثلث للوقف والثلثان بين الورثة على قدر أنصبائهم.\rوإن أجازه الورثة يصير جائزا، ويتأبد الوقف بحيث لا يبطل بعد ذلك.\rولو رفع الامر إلى القاضي، فأمضى القاضي الوقف، بناء على دعوى صحيحة، وشهادة قائمة على ذلك، وأنكر الواقف ذلك صح.\rولو شهد الشهود على الوقف، من غير دعوى قالوا: إن القاضي يقبل، لان الوقف حكمه التصدق بالغلة، وهو حق الله تعالى، وفي حقوق الله تعالى لا يشترط الدعوى.\rوهذا إذا كان من رأي القاضي أن الوقف صحيح، لازم، لا يجوز نقضه بحال، كما قال أبو يوسف ومحمد، حتى يكون قضاء في فصل مجتهد فيه، فينفذ قضاؤه، ولا يمكن نقضه بعد ذلك، ولا يجوز بيعه، ولا يورث بالاتفاق، لان قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه على أحد","part":3,"page":376},{"id":1110,"text":"الوجهين برأيه، وهو من أهل الاجتهاد، ينفذ بالاجماع.\rهذا الذي ذكرنا على مذهب أبي حنيفة.\rأما عند أبي يوسف ومحمد والشافعي وعامة الفقهاء: فإن الوقف صحيح، في حق الرقبة ويزول عن ملكه كما في المسجد.\rلكن اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما: قال محمد: إنما يجوز بأربع شرائط: أحدها: أن يخرجه من يده، ويسلمه إلى المتولي، حتى يتصرف فيه فيصرف أولا إلى مصالح الوقف، ويصرف الباقي إلى المستحقين.\rوالثاني: أن يكون في المفروز دون المشاع.\rوالثالث: أن لا يشترط لنفسه شيئا من منافع الوقف.\rوالرابع: أن يكون مؤبدا، بأن يجعل آخره إلى فقراء المسلمين.\rوعلى قول أبي يوسف: لا يشترط شئ من هذه الاشياء.\rوهذا الذي ذكرنا إذا وقف في حالة الصحة.\rفأما إذا وقف في حالة المرض: فإن وقف وأوصى بها بعد وفاته:\rفهذا وحالة الصحة مع الوصية سواء: يعتبر خروجه من الثلث، ولا يكون ميراثا للورثة.\rوإن لم يجعله وصية بعد وفاته: ففي جواب ظاهر الرواية: هذا والوقف في حالة الصحة سواء.\rوذكر الطحاوي: هو بمنزلة الوقف بعد وفاته.\rوالتوفيق بين الروايتين أو مراد محمد: أن وقف المريض نافذ للحال، غير مضاف إلى ما بعد الموت، كالوصية: فإن المريض إذا أعتق في حالة المرض ينفذ عتقه، وإن كان لا يخرج من الثلث عندهما، ويسعى وهو حر.\rوعند أبي حنيفة: ينفذ بقدر الثلث دون الثلثين، ويسعى،","part":3,"page":377},{"id":1111,"text":"وهو رقيق، فيعتق الباقي.\rومراد الطحاوي أنه لا يصح من جميع المال بل من الثلث، بمنزلة الوصية.\rوبمنزلة الوقف والوصية بعد الموت هذا هو الصحيح.\rهذا الذي ذكرنا في العقار.\rفأما في المنقول هل يجوز وقفه؟ إن كان تبعا للعقار كالثيران، وآلا الحراثة، والعبيد فإنه يجوز، ويعجل وقفا، ويكون ملكا لعامة الفقراء كعبيد الخمس في الغنائم.\rوأما إذا كان مقصودا فإن كان مما يجري فيه التعامل، وهو معتاد فيما بين الناس: يجوز عندهما، خلافا لابي حنيفة وذلك نحو الكراع، والسلاح في سبيل الله، ولا نحو المر والقدوم لحفر القبور، وكثياب الجنازة ونحوها.\rوأما وقف الكتب - فقد اختلف المشايخ فيه، على قولهما وعن نصير بن يحيى أنه وقف كتبه على الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة.\rولو جعل أرضه أو داره رباطا، أو مقبرة، أو سقاية - فعند أبي\rحنيفة: لا يجوز.\rوعندهما: يجوز غير أن محمدا يشترط الشرائط التي ذكرنا، والتسليم عنده هو أن ينزل في الرباط بعض المارة، وأن يدفن فيها الموتى، وأن يسقى منها الناس، وسقي الواحد كاف، أو يسلم إلى المتولي ويأمره أن يأذن للمارة بالنزول فيها، والدفن في المقبرة، والشرب من السقاية، بعدما صب الماء فيها.\rولو وقف أرضا على عمارة المساجد ومرمة الرباط، والمقابر: جاز عندهما.","part":3,"page":378},{"id":1112,"text":"فأما الوقف على مسجد بعينه هل يجوز؟ اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: على الخلاف على قول محمد: لا يجوز، لان هذا لا يتأبد عنده، فإن المسجد إذا خرب واستغنى الناس عن الصلاة فيه، يعود ملكا لصاحبه إن كان حيا، ويصير ميراثا لورثة الواقف بعد وفاته.\rوعلى قول أبي يوسف: يجوز، لان عنده لا يصير ميراثا بالخراب، فإنه يبقى مسجدا أبدا.\rوقال أبو بكر الاعمش: ينبغي أن يجوز بالاتفاق.\rوقال أبو بكر الاسكاف: ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق.\rوأما حكم الصدقة إذا قال: داري هذه صدقة في المساكين فإنه يجب عليه أن يتصدق: إن شاء بعين الدار، وإن شاء باعها، وتصدق بثمنها على الفقراء، لان الصدقة عند الاطلاق تقع على تمليك الرقبة، دون التصدق بالسكنى والغلة - بخلاف ما إذا قال: داري هذه صدقة موقوفة على المساكين أنه ينصرف عند أبي حنيفة إلى التصدق بالغلة لوجود\rملكا لصاحبه إن كان حيا، ويصير ميراثا لورثة الواقف بعد وفاته.\rوعلى قول أبي يوسف: يجوز، لان عنده لا يصير ميراثا بالخراب، فإنه يبقى مسجدا أبدا.\rوقال أبو بكر الاعمش: ينبغي أن يجوز بالاتفاق.\rوقال أبو بكر الاسكاف: ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق.\rوأما حكم الصدقة إذا قال: داري هذه صدقة في المساكين فإنه يجب عليه أن يتصدق: إن شاء بعين الدار، وإن شاء باعها، وتصدق بثمنها على الفقراء، لان الصدقة عند الاطلاق تقع على تمليك الرقبة، دون التصدق بالسكنى والغلة - بخلاف ما إذا قال: داري هذه صدقة موقوفة على المساكين أنه ينصرف عند أبي حنيفة إلى التصدق بالغلة لوجود التعارف.\rولو قال: جميع ما أملك فهو صدقة - فإنه ينصرف إلى أموال الزكاة، من السوائم، وأموال التجارة، والصامت، دون العقار والرقيق، وعليه أن يتصدق بالكل، ويمسك نفقة نفسه وعياله.\rثم إذا ملك مالا، يتصدق بمثل ما أنفق من المال الذي نذر بالتصدق به.","part":3,"page":379},{"id":1113,"text":"ولو قال: ما لي صدقة في المساكين، فإنه لا يدخل فيه السوائم والعقار والرقيق، ويدخل أموال التجارة والصامت - وقد ذكرنا فيما سبق نظائره وبينا الفرق فلا نعيده.\rوالله تعالى أعلم.\rانتهى بحمد الله تعالى","part":3,"page":380}],"titles":[{"id":1,"title":"الجزء 1","lvl":1,"sub":0},{"id":414,"title":"الجزء 2","lvl":1,"sub":0},{"id":761,"title":"الجزء 3","lvl":1,"sub":0}]}