{"pages":[{"id":1,"text":"جواهر الأدب\rفي أدبيات وإنشاء لغة العرب\rأحمد الهاشمي\rكتاب يبحث في علمين مهمين من علوم اللغة وهما علم الأدب وعلم الإنشاء والكتاب على قسمين، قسم في الإنشاء وفيه خمس أبواب\" أصول الإنشاء والمراسلات والمناظرات والأوصاف والروايات\" والقسم الثاني في الأدب كتب فيه عن تاريخ الأدب العربي، وأبواب الشعر العربي\rنسح وتنسيق مكتبة مشكاة الإسلامية\rمقدمة في علم الإنشاء\rالإنشاء لغة الشروع والإيجاد والوضع تقول أنشأ الغلام يمشي إذا شرع في المشي وأنشأ الله العالم أوجدهم وأنشأ فلان الحديث وضعه واصطلاحاً علم يعرف به كيفية استنباط المعاني وتأليفها مع التعبير عنها بلفظ لائق بالمقام وهو مستمد من جميع العلوم. وذلك لأن الكاتب لا يستثنى صنفاً من الكتابة فيخوض في كل المباحث ويتعمد الإنشاء في كل المعارف البشرية.\rوينحصر المقصود منه في ثلاثة أبواب وخاتمة وملحق.\rالباب الأول في أصول الإنشاء\rوهي أربعة: مؤاده وخواصه وطبقاته ومحاسنه.\rأما مواده فثلاث: الأولى: الألفاظ الفصيحة الصريحة., الثانية: المعاني. الثالثة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ومرجعها إلى الفصاحة وعلمي المعاني والبيان.\rوأما خواصه فهي محاسنه السبعة وهي: أولاً: الوضوح بأن يختار المفردات البينة الدلالة على المقصود وأن يعدل عن كثرة العوامل في المجلة الواحدة وإن يتحاشى عن الالتباس في استعمال الضمائر وأن نسبك الجمل سبكاً جلياً بدون تعقيد والتباس وأن يتحاشى عن كثرة الجمل الاعتراضية.\rوثانياً: الصراحة بأن يكون الإنشاء سالماً من ضعف التأليف وغرابة التعبير بحيث يكون الكلام حراً مهذباً تناسب ألفاظه للمعاني المقصودة كما قيل:\rتزينُ معانيه ألفاظهُ\r\rوألفاظه زائناتُ المعاني\rويكون الكلام صريحاً بانتقاء الألفاظ الفصيحة والمفردات الحرة الكريمة وكذا بإصابة المعاني وتنقيح العبارات مع جودة مقاطع الكلام وحسن صوغه وتأليفه. وكذا بمراعاة الفصل والوصل وهو العلم","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بمواضع العطف والاستئناف والاهتداء إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها.\rوثالثاً: الضبط وهو حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ كقول قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612م.\rأرى الموتَ لا يرعى على ذي قرابةٍ\r\rوإنْ كان في الدّنيا عزيزاً بمقعد\r\rلعمرك ما الأيام إلاّ معارةٌ\r\rفما اسطعتَ من معروفها فتزوَّد\r\rورابعاً: الطبعية بأن يخلو الكلام من التكلف والتصنع كما قال في رثاء ابنه أو العتاهية المتوفي سنة 211ه?.\rبكيتك يا بني بدمع عيني\r\rفلم يغن البكاءُ عليك شيّا\r\rوكانت في حياتك لي عظاتٌ\r\rوأنت اليوم أوعظُ منك حيّا\r\rوذلك لأن من تطبع طبعه نزعته العادة حتى ترده إلى طبعه كما أن الماء إذا أسخنته وتركته عاد إلى طبعه من البرودة. وحينئذ الطبع أملك.\rوخامساً: السهولة بأن يخلص الكلام من التعسف في السبك وأن يختار ما لان منها كما قال في الأشواق بهاء الدين زهير المتوفي سنة 656ه?.\rشوقي إليكَ شديدٌ\r\rكما علمتَ وأزيدْ\r\rفكيفَ تنكرُ حبَّا\r\rبهِ ضميرك يشهدْ\rوأن تهذب الجمل وأن يأتلف اللفظ مع اللفظ مع مراعاة النظير كما قال الشاعر في الوداع.\rفي كنفِ الله ظاعنٌ ظعنا\r\rأودع قلبي وداعه حزنا\r\rلا أبصرتْ مقلتي محاسنه=إنْ كنتُ أبصرتُ بعده حسنا قال بعض البلغاء أحذركم من التقعير والتعمق في القول وعليكم بمحاسن الألفاظ والمعاني المستخفة المستملحة فإن المعنى المليح إذا كسي لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاً كان في فلب السامع أحلى ولصدره أملأ قال البستي:\rإذا انقادَ الكلامُ فقدهُ عفواً\r\rإلى ما تشتهيه من المعاني\rولا تكرهْ بيانكَ أنْ تأبى\r\rفلا إكراهَ في دين البيان\r\rوسادساً: الاتساق بأن تتناسب المعاني كقول المتنبي المتوفي سنة 346ه?.\rومازلتُ حتى قادني الشوقُ نحوه\r\rيسايرني في كلّ ركبٍ له ذكرُ\r\rوأستكبرُ الأخبارَ قبلَ لقائهِ\r\rفلمّا التقينا صغّرَ الخبرَ الخبرُ","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وسابعاً: الجزالة وهي إبراز المعاني الشريفة في معارض من الألفاظ الأنيقة اللطيفة كقول الصابئ المتوفي سنة 384ه?.\rلك في المحافل منطقٌ يشفي الجوى\r\rويسوغُ في أذن الأديب سلافه\r\rفكأنّ لفظكَ لؤلؤٌ متنخّلٌ\r\rوكأنّما آذاننا أصدافهُ\r\rوأما عيوبه فسبعة الهجنة بأن يكون اللفظ سخيفاً والمعنى مستقبحاً كقوله:\rوإذا أدنيتَ منهُ بصلاً\r\rغلبَ المسكَ على ريح البصل\rوالوحشية كون الكلام غليظاً تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع كقوله:\rوما أرضى لمقلتهِ بحلم\r\rإذا انتبهتَ توهَّمهُ ابتشاكا\rوالركاكة ضعف التأليف وسخافة العبارة كقول المتنبي المتوفي سنة 346ه?.\rإنْ كان مثلك كان أو هو كائنٌ\r\rفبرئتُ حينئذٍ من الإسلام\r\rوالسهو عبارة عن ضعف البصر بمواقع الكلام المتنبي يشبه ممدوحه بالله تعالى (وهو كفر).\rتتقاصرُ الأفهامُ عن إدراكه\r\rمثل الذي الأفلاكُ منهُ والدُّني\rوالإسهاب الإطالة الزائدة المملة في شرح المادة والعدول إلى الحشو كقوله:\rأعنى فتى لم تذرُّ الشَّمسُ طالعةٌ\r\rيوماً من الدّهر إلا ضرَّ أو نفعا\rوالجفاف الإيجاز والاختصار المخل كقول الحارث بن حلزة المتوفي سنة 232ه?.\rوالعيشُ خيرٌ في ظلال النّوكِ\r\rممَّن عاشَ كدّا","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ووحدة السياق التزام أسلوب واحد من التعبير وطريقة واحدة من التركيب بحيث تكون للأذهان كلالا وللقلوب ملالاً.\rوللكلام عيوب كثيرة منها اللحن ومخالفة القياس الصرفي وضعف التأليف والتعقيد والتكرار وتتابع الإضافات إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون ثقيلة على اللسان مخالفة للذوق والعرب غريبة على السمع.\rوأما طبقاته ثلاث الأولى: الطبقة السفلى ومرجعها إلى الإنشاء الساذج وهو ما عرا عن رقة المعاني وجزالة الألفاظ والتأنق في التعبير فهو بالكلام العادي أشبه لسهولة مأخذه وقرب مورده ويستعمل في المحافل العمومية ليقرب منال المعاني على جمهور السامعين في المقالات والتأليف العلمية لينصرف الذهن إلى أخذ المعنى وليس دونه حائل من جهة العبارة وفي المكاتبات الأهلية والرحلات والأسفار والأخبار وما شابه ذلك (الثانية: الطبقة العليا) ومرجعها إلى الإنشاء العالي وهو ما شحن بغرر الألفاظ وتعلق بأهداب المجاز ولطائف التخيلات وبدائع التشابيه فيفتن ببراعته العقول ويسحر الألباب ويصلح في الترسل بين بلغاء الكتاب وفي المجالس الأدبية وديباجة بعض التصانيف إلى غير ذلك من المواضع التي من شأنها الزجر وتحريك العواطف والحماسة.\r(الثالثة: الطبقة الوسطى) ومرجعها إلى الإنشاء الأنيق وهو ما توسط بين الإنشاء العالي والساذج فيأخذ من الأول رونقه ومن الثاني جلاءه وسلامته ويصلح في مراسلات ذوي المراتب وفي الروايات المنمقة والأوصاف المسهبة وفي خطب المحافل وما أشبه ذلك.\rوأما محاسنه فهي أساليب وطرائق معلومة وضعت لتزيين الكلام وتنميقه لغرض أن يتمكن البليغ من ذهن السامع بما يورده من أساليب الكلام المستحسنة فيحرك أهواء النفس ويثير كامن حركاتها، ولغرض أن يكون قوله أشد اتصالاً بالعقل وأقرب للإدراك بتصرفه في فنون البلاغة.\r?كيفية الشروع في عمل مواضيع الإنشاء","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"إذا عن لك أو اقترح عليك إنشاء موضوع فأنت منوط إذاً بأمرين التفكر أولاً والكتابة ثانياً فإذا أنعمت الفكر ملياً في أجزاء الموضوع بعد استيلاء الإحساس بها على قلبك وقلبتها على جميع الأوجه الممكنة فيها تولد في خيالك لكل جزء عدة صور تتفاوت في تأديته كتفاوت صور المنظوم في الحسن والقبح فبعضها يستميل النفوس بتأثيره في الحواس وبعضها يوجب نفورها وبعضها بين بين، وإذا تشخصت الصور في الخيال يتخير العقل منها ماله المكانة الرفيعة في حسن تأدية الغرض المناسب للمقام فإن كان المقام للتحريض على القتال مثلاً انتخب الصورة المهيجة للإحساس المشجعة للنفس على اقتحام الأخطار وإن كان المقام مقام فرح وسرور انتخب نما يشرح الصدور وتقر به العيون وتروق به الأرواح ويذهب عنها الحزن والأتراح.\rوبعد تشخيص الصور وتخير المناسب منها تعتن أيها المنشئ بحسن تأليف وترتيب ما تخيرته بأن تجمع الصور المناسبة التي يرتبط بعضها ببعض بدون تكلف بحيث يكون المجموع منسجماً يمضي وحده مع النفس دون علاج وتعب في فهم الغرض منه وحينئذ يمكنك إظهار هذه الصورة المعقولة في صورة محسوسة بواسطة القلم.\rأركان الكتابة\rاعلم أن للكتابة أركاناً لابد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن. أولها أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع. أو يكون مبنياً على مقصد الكتاب. الثاني: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض ولا تكون مقتضبة. الثالث: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظاً غريبة فإن ذلك عيب فاحش بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكاً غريباً يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس وهي مما في أيدي الناس. وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيسه الخواطر براعتها والأقلام شجاعتها. وهذا الموضع بعيد المنال كثير الإشكال يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21] ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولايكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله. والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسماً لمعنى شريف.\rعلى أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع وما منهم إلا من يقع له المعنى الشريف ويظهر من مخاطره المعنى الدقيق ولكنه لايحسن أن يزوج بين لفظين.\rفالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول. وعلى هذا فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني فإنه لايمنع الجاهل الذي لايعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة. واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلم العلم.\rفإذا استكملت معرفة هذه الأركان وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا.\r(عن المثل السائر باختصار)\rكيفية نظم الكلام","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"إذا أردت أن تصنع كلاماً فأخطر معانيه ببالك. وتنق له كرائم اللفظ واجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها ولا يتعبك تطلبها. واعلمه ما دمت في شباب نشاطك فإذا غشيك الفتور وتخونك الملال فأمسك. فإن الكثير مع الملال قليل والنفيس مع الضجر خسيس. والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء فتجد حاجتك من الري وتنال أربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها وقل عنك وعناؤها. واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطالبة والمجاهدة والتكلف والمعاودة. وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك. ومن أراد معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً فإن من حق المعنى الشريف اللفظ الشريف. فإذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها صائرة إلى مستقرها حالة في مركزها متصلة بسلكها بل وجدتها قلقة في موضعها نافرة عن مكانها فلا تكرهها اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد. وإن تكلفته ولم تكن حاذقاً مطبوعاً ولا محكماً لشأنك بصيراً عابك من أنت أقل عيباً منه وزرى عليك من هو دونك.\rفإن لم تسمح لك الطبيعة بنظم الكلام في أول وهلة وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ودعه سحابة يومك ولا تضجر وأمهله سواد ليلتك وعاوده عند نشاطك فإنك لا تعدم الإجابة والمؤاتاة. فإن تمنع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر وطول الإمهال فتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك فإنك لم تشتهها إلا وبينكما نسب. والشيء لا يحن إلا إلى ما شاكله.\rوينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وبين أقدار الحالات فتجعل لكل طبقة كلاماً ولكل حال مقاماً حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين. على أقدار الحالات.\r(عن كتاب الصناعتين باختصار)\r??الطريق إلى تعلم الكتابة","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"إن الطريق إلى تعلم الكتابة على ثلاث شعب: الأولى أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني ثم يحذو حذوهم وهذه أدنى الطبقات عندي.\r\rوالثانية أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنه أما في تحسين ألفاظ أو في تحسين معان وهذه هي الطبقة الوسطى وهي أعلى من التي قبلها. والثالثة أن لا يتصفح كتابة المتقدمين ولا يطلع على شيء منها بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ. ثم يأخذ في الاقتباس فيقوم ويقع ويخطئ ويصيب ويضل ويهتدي حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه. وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها. وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعد إماماً في فن الكتابة إلا أنها مستوعرة جداً ولا يستطيعها إلا من رزقه الله لساناً هجاماً وخاطراً رقاماً. ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطاً في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والشعر بحيث إنه لا يستثنى كتاباً إلا من ذلك بل أريد أنه إذا حفظ القرآن وأكثر من حفظ الأشعار ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه مفتش عن دفائنه وقلبه ظهراً لبطن عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية.\r(المثل السائر باختصار)\rكيفية تهذيب الكلام وأوقات تأليفه","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"تهذيب الكلام عبارة عن ترداد النظر فيه بعد عمله نظماً كان أو نثراً وتغيير ما يجب تغييره وحذف ما ينبغي حذفه وإصلاح ما يتعين إصلاحه وتحرير ما يدق من معانيه وإطراح ما يتجافى عن مضاجع الرقة من غليظ ألفاظه لتشرق شموس التهذيب في سماء بلاغته وترشف الأسماع على الطرب رقيق سلافته. فإن الكلام إذا كان موصوفاً بالمهذب منعوتاً بالمنقح علت رتبته وإن كانت معانيه غير مبتكرة. وكل كلام قيل فيه: لو كان موضع هذه الكلمة غيرها ولو تقدم هذا المتأخر وتأخر هذا المتقدم. أو لو تمم هذا النقص بكذا ا, تكمل هذا الوصف بكذا. أو لو حذفت هذه اللفظة أو لو اتضح هذا المقصد وسهل هذا المطلب لكان الكلام أحسن والمعنى أبين. كان ذلك الكلام غير منتظم في نوع التهذيب.\rوكان زهير بن أبي سلمى معروفاً بالتنقيح والتهذيب وله قصائد تعرف بالحوليات. قيل: إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر ويهذبها وينقحها في أربعة أشهر ويعرضها على علماء قبيلته أربعة أشهر. ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب مع جلالته في العلم وتقدمه في النقد يقدمه على سائر الفحول من طبقته وما أحسن ما أشار أبو تمام إلى التهذيب بقوله:\rخذها ابنةَ الفكرِ المهذَّبِ في الدَّجى\r\rوالليلُ أسودُ رقعةِ الجلباب","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات فيكون الفكر فيه مجتمعاً ومرآة التهذيب فيه صقيلة لخلو الخاطر وصفاء القريحة لاسيما وسط الليل.\rقال أبو عبادة البحتري: كنت في حداثتي أروي الشعر وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت في تعريفه عليه. فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عليها ثقل الغذاء. واحذر المجهول من المعاني وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الوحشية وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك لا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه.\r(عن خزانة الأدب وزهر الآداب باختصار)\rمحاسن الإنشاء ومعايبه","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"إن للنثر محاسن ومعايب يجب على المنشئ أن يفرق بينهما محترزاً من استعمال الألفاظ الغريبة وما يخل بفهم المراد ويوجب صعوبته ولابد من أن يجعل الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس. لأن المعاني إذا تركبت على سجيتها طلبت لأنفسها ألفاظاً تليق بها فيحسن اللفظ والمعنى جميعاً. وأما جعل الألفاظ متكلفة والمعاني تابعة لها فهو شأن من لهم شغف بإيراد شيء من المحسنات اللفظية فيصرفون العناية إليها ويجعلون الكلام كأنه غير مسوق لإفادة المعنى. فلا يبالون بخفاء الدلالات وركاكة المعنى ومن أعظم ما يليق بمن يتعاطى الإنشاء أن يكتب ما يراد لا ما يريد كما قيل في الصاحب والصابئ: أن الصابئ يكتب ما يراد والصاحب يكتب ما يريد.\r(عن آداب المنشئ ببعض تصرف)\rفصاحة الألفاظ ومطابقتها للمعاني\rفصاحة الألفاظ تكون بثلاثة أوجه: الأول مجانبة الغريب الوحشي حتى لا يمجه سمع ولا ينفر منه طبع. والثاني تنكب اللفظ المبتذل والعدول عن الكلام المسترذل حتى لا يستسقطه خاصي ولا ينبو عنه فهم عامي كما قال الجاحظ في \"كتاب البيان\": أما أنا فلم أر قوماً أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب وذلك أنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً ولا ساقطاً عامياً.\rوالثالث أن يكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة ومطابقة. أما المطابقة فهي أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا تزيد عليها ولا تنقص عنها. وأما المناسبة فهي أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ إما لعرف مستعمل أو لاتفاق مستحسن حتى إذا ذكرت تلك المعاني بغير تلك الألفاظ كانت نافرة عنها وإن كانت أفصح وأوضح لاعتياد ما سواها.\r(أدب الدين والدنيا باختصار)\rحقيقة الفصاحة","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"اعلم أن هذا موضوع متعذر على الوالج ومسلك متوعر على الناهج. ولم تزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه. ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل.\rوغاية ما يقال في هذا الباب أن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي يقال: أفصح الصبح إذا ظهر. ثم إنهم يقفون عند ذلك لا يكشفون عن السر فيه. وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات. أحدها أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهراً بيناً لم يكن فصيحاً ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحاً الوجه الثاني إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص. فإن اللفظ قد يكون ظاهراً لزيد ولا يكون ظاهراً لعمرو. فهو إذاً فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا. وليس كذلك بل الفصيح هو فصيح عند الجميع لا خلاف فيه بحال من الأحوال. لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. الوجه الثالث أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بين ينبغي أن يكون فصيحاً. وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن للفظ لا وصف قبح.\rولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه. ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي السر فيه وسأوضحه في كتابي هذا وأحقق القول فيه فأقول: إن الكرم الفصيح هو الظاهر البين. وأعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة. وإنما بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها. وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا وقسموا. فاختاروا الحسن من الألفاظ حتى استعملوه وعلموا القبيح منها فلم يستعملوه. فحسن الاستعمال سبب استعمالها دون غيرها. واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها. فالفصيح إذاً من الألفاظ هو الحسن.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فإن قيل من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوبة التي شاهدها من نفسها. لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات. فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن. والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أنى السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما ويكره صوت الغراب وينفر عنه. وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس. . والألفاظ جارية هذا المجرى فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والديمة حسنة يستلذها السمع. وإن لفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع. وهذه اللفظات الثلاث من صفة المطر وهي تدل على معنى واحد. ومع هذا فإنك ترى لفظتي المرنة والديمة وما جرى مجراهما مألوفتي الاستعمال وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لايستعمل. وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق سليم. ولا جرم أنه ذم وقدح فيه ولم يلتفت إليه وإن كان عربيا محضا من الجاهلية الأقدمين. فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرج على ما خرج عنها.\r(عن ابن الأثير باختصار)\r?الانسجام","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"الانسجام لغة جريان الماء وعند أهل البلاغة هو أن يأتي الناظم أو الناثر بكلام خال من التعقيد اللفظي والمعنوي بسيطا مفهوما دقيق الألفاظ جليل المعنى لاتكلف فيه ولا تعسف يتحدر كتحدر الماء المنسجم فيكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة. ولايكون ذلك إلا في من هو مطبوع على سلامة الذوق وتوقد الفكرة وبراعة الإنشاء وحسن الأساليب. وإن فحول هذا الميدان ما أثقلوا كاهل سهولته بنوع من أنواع البديع اللهم إلا أن يأتي عفوا من غير قصد. وعلى هذا أجمع علماء البديع في حد هذا النوع فإنهم قرروا أن يكون بعيدا من التصنع خاليا من الأنواع البديعية إلا أن يأتي في ضمن السهولة من غير قصد. فإن كان الانسجام في النثر تكون أغلب فقراته موزونة من غير قصد وإن كان في النظم فتكاد الأبيات أن تسيل رقة وعذوبة وربما دجلت في المطرب المرقص.\r(بديعية العميان بديعية الحموي)\rحل الشعر\rحل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: منها وهو أدناه مرتبة أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة وهذا عيب فاحش. ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدده وكان يقوم عذره في ذلك إن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه. وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة فيقال هذا شعر فلان بعينه لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء. وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا كقوله في بعض أبيات الحماسة:\rوألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنما\r\rتغلي عداوةُ صدرهِ في مرجلِ\rأزجيته عني فأبصرَ قصدهُ\r\rوكويته فوقَ النَّواظرِ من علِ","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"فقال في نثر هذين البيتين: فكم لقي ألد ذا حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل وتغلي عداوة صدره في مرجل فكواه فوق ناظريه وأكبة لفمه ويديه. فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لاغير.\rومن هذا القسم ضرب محمود لاعيب فيه وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن شيئا لا يمكن تغيير لفظه فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ وكذلك الأمثال السائرة فإنه لابد من ذكرها على ما جاءت في الشعر.\rوأما القسم الثاني: وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة فهو أن ينثر المعنى المنظوم ببعض ألفاظه ويعبر عن البعض بألفاظ أخر.. هناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لايلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاد. ولاخفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح والاستهداف للطعن. والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:\rحذَّاءُ تملأ كلَّ أذنٍ حكمةً\r\rوبلاغةً وتدرُّ كلَّ وريدِ","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"فقوله: (تملأ كل أذن حكمة) من الكلام الحسن وهو أحسن ما في البيت. فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد م استعمال لفظه بعينه لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة. فعليك حينئذ أن تؤاخيه بمثله وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب مثالا من نثر الشعر بغير لفظه لأنه مسلك ضيق لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة. وأما نثر الشعر بغير لفظه فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه ولايكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته. وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر وفاق مسير الشمس والقمر.وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علاقة وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة. ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة ويجعل فصاحة كل لسان عجمة. وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة.\rفانظر كيف فعلت في هذا الموضع فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها فجئت بهذا الفصل كنا تراه. وكذلك ينبغي أن يفعل في ما هذا سبيله.\rوأما القسم الثالث: وهو أعلى من القسمين الأولين فهو أن يأخذ المعنى فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه. وثم يتبين حذق الصائغ في صياغته ويعلم مقدار تصرفه في صناعته فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية إلا أحسن التصرف وأتقن التأليف ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره فيورده بضروب من العبارات وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة. ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة أن يخرج من ذلك اللفظ وإنما يكون هذا لعدم النظير فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:\rلايعذلِ المشتاق في أشواقهِ\r\rحتى يكونَ حشاكَ في أحشائهِ","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وقد نثرت هذا المعنى فمن ذلك قولي: لاتعذل المحب في ما يهواه حتى تطوي القلب على ما طواه. ومن ذلك وجه آخر وهو إذا اختلفت العينان في النظر فالعذل ضرب من الهذر. وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه فكقول أبي تمام:\rتردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى\r\rلها الليلُ إلاَّ وهيَ من سندسٍ خضرِ\rقصد أبو تمام المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة. وهذا البيت لايمكن تبديل ألفاظه وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه لأنه يتصدى لنثره بألفاظه. فإن كان عنده قوة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا. وقد قلت في نثره: لم تكسه المنايا نسج شفارها حتى كسته الجنة نسج شعارها فبدل أحمر توبه بأخضره وكأس حمامه بكأس كوثره.\rوإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر وكيفية نثره وذكر ما يسهل منه وما يعسر فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول: من أحب أن يكون كاتبا أو كان عنده طبع مجيب فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد ولايقنع بالقليل من ذلك. ثو يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته.. وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدا من القصائد فينثره بيتا بيتا على التوالي. ولايستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها فإنه لايستطيع إلا ذلك. وإذا مرنت نفسه وتدرب خاطره ارتفع عن هذه الدرجة وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده ثم يرتفع عن ذلك فتكسوه ضروبا من العبارات المختلفة. وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني.\rوسبيله أن يكثر الإدمان ليلا نهارا ولايزال على ذلك مدة طويلة حتى يصير له ملكة. فإذا كتب كتابا أو خطب خطابا تدفقت المعاني في أثناء كلامه وجاءت ألفاظه معسولة وكان عليه حدة تكاد ترقص رقصا وهذا شيء خبرته بالتجربة (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"[فاطر:104].\r(عن المثل السائر باختصار)\rالتخلص والاقتضاب في مواضيع الإنشاء\rالتخلص هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غي أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من أجل أن تطاق الكلام يضيق عليه ويكون متبعا للوزن والقيافة فلا تؤاتيه الألفاظ على حسب إرادته.وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. ومما جاء من التخلصات الحسنة قول المتنبي المتوفى سنة 354 ه?.\rخليليَّ إني لا أرى غيرَ شاعرٍ\r\rفلمَ منهم الدّعوى ومنّي القصائد\rفلا تعجباً إنّ السيوفَ كثيرةٌ\r\rولكن سيفَ الدولة اليومَ واحد\r\rوهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، والاقتضاب أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ولايكون للثاني علاقة بالأول كقول أبي نواس المتوفى سنة 198ه? في قصيدته النونية التي لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا فبينما هو يصف الخمر ويقوا:\rفاسقني كأساً على عذلٍ\r\rكرهتْ مسموعه أذني\r\rمن كميتِ اللّونِ صافيةٍ\r\rخيرِ ما سلسلتَ في بدني\rما استقّرت في فؤاد فتى\r\rفدرى ما لوعة الحزن\r\rحتى قال:\rتضحكُ النيا إلى ملكٍ\r\rقامَ بالآثار والسُّنن\r\rسنّ للناس الندى فندوا\r\rفكأنّ البخلَ لم يكنِ","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وإذا لم يستطع التخلص بأن كان قبيحا ممسوخا فالاقتضاب أولى منه فينبغي لسالك هذه الطريقة أن ينظر إلى ما يصوغه فإن أتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه ولايستكرهه حتى يكون مثل هذا.\rواعلم أن التخلص غير ممكن في كل الأحوال وهو من مستصعبات علم البيان فليتدبر الشاعر.\r(انتهى من المثل السائر بتصرف)\rكيفية افتتاح مواضيع الإنشاء وختامها\rالافتتاح أن تجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من ذلك الكلام إن كان فتحا ففتحا وإن كان هناء فهناء أو كان عزاء فعزاء وهكذا: وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد منه فإذا نظم الشاعر قصيدة فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير أن يفتتحها بغزل وبين أن يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول القائل:\rإن حارتِ الألبابُ كيف تقولُ\r\rفي ذا المقامِ فعذرها مقبولُ\r\rسامحْ بفضلكَ مادحيكَ فما لهم\r\rأبداً إلى ما تستحقُّ سبيلُ\r\rإن كان لايرضيك إلاّ محسنٌ\r\rفالمحسنونَ إذنْ لديك قليلُ","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ذلك فإنه لاينبغي أن يبدأ فيه بغزل، ومن أدب هذا النوع أن لايذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه أو يستقبح: لاسيما إذا كان في التهاني فإنه يكون أشد قبحا: وإنما يستعمل في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة: ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استعماله: والختام أن يكون الكلام مؤذنا بتمامه بحيث يكون واقعا على آخر المعنى فلا ينتظر السامع سيئا بعده: فعلى الشاعر والناثر أن يتأنقا فيه غاية التأنق ويجودا فيه ما استطاعا لأنه آخر ما ينتهي إلى السمع ويتردد صداه في الأذن ويعلق بحواشي الذكر فهو كمقطع الشراب يكون آخر ما يمر بالفم ويعرض على الذوق فيشعر منه بما لايشعر من سواه: ولذلك يجب أن يكون الختام مميزا عن سائر الكلام قبله بنكتة لطيفة أو أسلوب رشيق أو معنى بليغ: ويختار له من اللفظ الرشيق الحاشية الخفيف المحمل على السمع السهل الورود على الطبع ويتجافى به عن الإسهاب والتعقيد والثقل وغير ذلك، وحكم الختام كما سبق أن يكون مؤذنا بتمام الكلام بحيث يكون واقعا على آخر المعنى فلا ينتظر السامع شيئا بعده، وإذا لم يكن المعنى دالا بنفسه على الختام حسن أن يدل عليه بكلام آخر يذكر على عقب الفراغ من سياقة الأغراض السابقة، وحكمه أن يكون منتزعا مما سبقه فيقفى به تقريرا لشيء من الأغراض أو إجمالا لمفصلها موردا على وجه من وجوه البلاغة أو الكلام الجامع أو مخرجا مخرج المثل أو الحكمة أو ما شاكل ذلك مما تعلقه الخواطر وتقيده الأذهان كقول المتنبي المتوفى سنة 354ه.\rوما أخصُّكَ في برءٍ بتهنئة\r\rإذا سلمتَ فكلُّ الناس قد سلموا","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وكقول الزمخشري المتوفى سنة 528ه? في ختام إحدى مقالاته (إن الطيش في الكلام يترجم عن خفة الأحلام وما دخل الرفق شيئا إلا زانه وما زان المتكلم إلا الرزانة) وأما في غير ذلك فالأكثر فيه أن يضمن غرضا آخر من الدعاء أو عرض النفس على خدمة المكتوب إليه أو توقع الجواب منه أو غير ذلك مما تحتمله مقامات الكلام وتقتضيه دواعي الحال:وأكثر ما يختمونها في النثر بعد الأغراض المذكورة بقولهم إن شاء الله: أو بمن الله وفضله: وما أشبه ذلك وكثيرا ما يختم الناثر بقوله والسلام: أو بلا حول ولا قوة إلا بالله: أو قوله والله المستعان: أو بقوله والحمد لله أولا وآخرا باطنا وظاهرا. أو بقوله والله أعلم: أو غير ذلك. وربما ختم بمثل كختام الخوارزمي المتوفى سنة 383ه رسالته بقوله: ولقد سلك الأمير من الكرم طريقا يستوحش فيها لقلة سالكها ويتيه في قفارها لدروس آثارها وانهدام منازلها أعانه الله على صعوبة الطريق وقلة الرفيق وألهمه صبرا يهون عليه احتمال المغارم ويقرب عليه مسافة المكارم، فبالصبر تنال العلا وعند الصباح يحمد القوم السرى.\r\"ومن أمثلته في الشعر قول ابن الوردي المتوفى سنة 749ه?\"\rسلامٌ عليكم ما أحبّ وصالكم\r\rوغايةُ مجهودِ المقلّ سلامٌ\r\rتقسيم الإنشاء إلى فني النظم وانثر","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"اعلم أن لسان العرب وكلامهم يدور على فنين. فن الشعر المنظوم وهو الكلام المقفى الموزون بأوزان مخصوصة. وفن النثر وهو الكلام غير الموزون فأما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء. وأما النثر فمنه ما يؤتى به قطعا ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة ويسمى سجعا وهو ثلاث أقسام القسم الأول أن يكون الفصلان متساويين لا يزيد أحدهما على الآخر كقوله تعالى: (فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ {9} وَأَمّا السّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ) [الضحى: 9، 10] وهو أشرف السجع منزلة للاعتدال الذي فيه: القسم الثاني أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول لا طولا يخرج به عن الاعتدال خروجا كثيرا فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبا فمما جاء من ذلك قوله تعالى: (بَلْ كَذّبُواْ بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً {11} إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً {12} وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: 11 13] فالفصل الأول ثمان لفظات والثاني والثالث تسع تسع: ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاث فقر فإن الفقرتين الأوليين تحسبان في عدة واحدة ثو تأتي الثالثة فينبغي أن تكون طويلة طولا يزيد عليهما وقد تكون الثلاثة متساويات كقوله تعالى: (فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مّنضُودٍ وَظِلّ مّمْدُودٍ) [الواقعة: 28 30] القسم الثالث : أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب فاحش وأما النثر فهو ما يؤتى به قطعا من غير تقيد بقافية ولا غيرها وهو الذي يطلق فيه الكلام إطاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها.\r(انتهى من المثل السائر باختصار)\rكيفية عمل الشعر","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه (أي من جنس شعر العرب) حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من فحول الإسلام مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواي وأبي تمام والبحتري والشريف الرضي وأبي فراس وأكثره شعر \"كتاب الأغاني\" لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية.\rثم لابد من الخلوة واستجادة المكان المنظوم فيه باشتماله على مثل المياه والأزهار وكذا استجادة المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور: ثم مع هذا كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه: قالوا وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر: ورما يكون من بواعثه العشق والانتشاء قالوا فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه: وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغة ونسجه يضعها ويبني الكلام عليها إلى آخره لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما تجيء نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم تبق إلا المناسبة فليتخير فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولايضن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة فإن الإنسان مفتون بشعره إذ هو بنات فكره واختراع قريحته ولايستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة، وقد حظر أئمة اللسان على المولد ارتكاب الضرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده بحيث تكون ألفاظه على طبق معانيه","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"ومعانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم ويجتنب أيضا الحوشي من الألفاظ والمقصر وكذلك السوقي المبتذل فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الإفادة وفي هذا القدر كفاية.\r(عن ابن خلدون باختصار)\rالباب الثاني في فنون الإنشاء\rفنونه سبعة: وهي المكاتبات، والمناظرات، والأمثال، والأوصاف، والمقامات، والروايات، والتاريخ.\rالفن الأول في المكاتبات والمراسلات\rالمكاتبة وتعرف أيضا بالمراسلة هي مخاطبة الغائب بلسان القلم وفائدتها أوسع من أن تحصر من حيث أنها ترجمان الجنان ونائب الغائب في قضاء أوطاره ورباط الوداد مع تباعد البلاد، وطريقةالمكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما. وخواصها خمس: السذاجة، والجلاء، والإيجاز، والملأمة، والطلاوة. فالسذاجة تجعل الكلام فطريا سليما من شوائب التكلف منزها عن زخرف القول بعيدا عن بهرجة الكلام: والهجاء هو العدول عن الكلام المغلق والتشابيه المستبعدة والتراكيب الملتيسة إلى الكلام المهذب الصريح: والإيجاز تنقيح الرسالة من حشو الكلام وتطويل الجمل فيبرزها وافية الدلالة على المقصود مقتصرة على المحسنات القريبة المنال: والملاءمة تنزل الألفاظ والمعاني قدر الكاتب والمكتوب إليه فلا تعطي خسيس الناس رفيع الكلام ولارفيع الناس خسيس الكلام على أنها تجعل الرسالة وتعابيرها مستعذبة الأوضاع حسنة الارتباط يأخذ بعضها بأزمة بعض. والطلاوة تكسو الكلام رونقا وإشراقا بجودة العبارة وسلامة المعاني وسلاسة الألفاظ ونجعله بذلك أحسن موقعا عند سامعه.\rأبواب الرسائل\rتنقسم الرسائل باعتبار موضوعها إلى ثلاثة أقسام الأول الرسائل الأهلية والثاني الرسائل المتداولة والثالث الرسائل العلمية.\rالكلام على الرسائل الأهلية","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"الرسائل الأهلية وتعرف برسائل الأشواق هي ما دارت بين الأقارب والأصدقاء وأسفرت عن مكنون الوداد وسائر الفؤاد ولا حرج على الكاتب إذا بسط فيها الكلام على أحواله وأخفى السؤال في أحوال أصحابه، وتتفرد هذه الرسائل بأن يطلق الكاتب فيها العنان للأقلام ويتجافى عن الكلفة ويعدل عن الانقباض: وقد قيل: الأنس يذهب المهابة والانقباض يضيع المودة. هذا: ولابد من مراعاة مقتضى الحال والاعتصام بركن الفطنة أخذا بقول أبي الأسود الدؤلي:\rلاترسلنّ رسالةً مشهورةً\r\rلاتستطيعُ إذا مضت إدراكها\rوإلى هذا الباب ترجع نكاتبات الأشواق والتعاريف قبل اللقاء والهدايا والاستعطاف والاعتذار وغير ذلك. ولنذكر شذرات من أقوال الكتب.\rالفصل الأول في الشوق\r\"كتاب أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة 429ه??\"\rشوقي إليك رهين قلبي وقرين صدري والزعيم بتعليق فكري وتفريق صدري سمير ذكري ونديم فكري زادي في سفري. وعتادي في حضري لايستقل به ولايقوى عليه صبري يكاد يكون لزاما ويعد غراما لا يرحل مقيمه ولا يصرف غريمه استخف نفسي واستفرها وحرك جوانحي وهزها شوق أخذ بسمع خاطري وبصره وحال بين مورد قلبه ومصدره شوق قد استنفذ جلدي وملك خلدي شوق براني بري الخلال ومحقني محق الهلال شوق تركني حرضا وأوسعني مضضا أراني الصبر حسرة والوجد يمنة ويسرة شوق يزيد على الأيام توقدا وتأججا وتضرما وتوهجا نار الشوق حشو ضلوعي وماء الصبابة ملء جفوني أنا من لواعج الشوق بين غمائم لاتمطر إلا صواعق وسمائم قد قدحت في كبدي من الحرقة بهذه الفرقة ما يفوت أيسره حد الشكاية ويجوز أضعفه كنه الكناية. شوق الروض الماحل إلى الغيث الهاطل.\r\"وكتب في تشبيه الشوق\"","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"ما الأعرابية حنت إلى نجد وأنت من وجد بأشد مني كلفا وأتم مني شغفا. أنا في شدة الشوق إليك كالعطشان كشف له عن ماء عذب ومنع منه بمانع صعب شوق له ألقي على الكواكب بعضه لما ساؤت أو كلفت الأفلاك ثقله لما دارت شوق لو فرق على القلوب الخالية لاشتغلت ولو قسم على الأكباد الباردة لاشتعلت أنا أشتاقك مع كل صباح طالع وضياء شارق ونجم طارق\r\"وكتب في أثر الفراق\"\rوجد يتكرر على كر الجديدين ويستغرق ساعات الملوين قد تحملت مع يسير الفرقة عظيم الحريق ومع قليل البعد كثير الوجد قد انثنت بجسم ناحل وصرت من صبري على مراحل فأرقتني وفرقت جميع صبري واستصبحت فريقا من قلبي فرقت به بين عيني والرقاد وجنبي والمهاد ما أعول إلا على العويل لو كان يغني ولا استنصر غير الوجدلم كان يجدي يدي لاتساعدني وحطي لايشبه في الدقة إلا بدني لولا حصانة الأجل لخرجت روحي على عجل فارقتني فتفرق عني شمل أنس منتظم وتمكن مني برح شوق مضطرم فارقتني ففرقت بين الروح والبدن وتركتني والنزاع في قرن قد صرت حليف وحشة وإن كنت ثاويا في وطن وقرين كربة وإن كنت بين جيرة وسكن.\r\rعسى الدَّهرُ يدنينا ويدني دياركمو\r\rويجمعُ ما بيني وبينكمو الشَّملا\r\rفأشكو تباريحَ الغرام إليكمو\r\rوحرَّ جوىً تبلي عظامي وما يبلى\r\"وكتب البسطامي المتوفى سنة 332ه?\"\rقلبي بنار الهوى معذّبْ\r\rشوقاً إلى حضرة المهذّب\rشوقاً إلى ماجدٍ كريمٍ\r\rيخطرُ لي ذكرهُ فأطربْ\r\rوبعد فالعبد ينهي من لواقح شوقه ولوافح توقه إلى شهود ذاتكم الجميلة ومشاهدة صفاتكم الجليلة لينشق عرفكم الفائح وبخور عرفكم الفاتح مد الله سبحانه وتعالى ظلكم وأدر وبلكم وظلكم.\rأحبُّ الوعدَ منك وإن تمادى\r\rوأقنعُ بالخيالِ إذا ألمَّا\r\rعسى الأيام تسمحُ لي بوصلٍ\r\rوتأخذُ لي من الهجران سلما\rوالجناب منذ طوى عنا أبواب ملاقاته. وزوى منا أطايب أوقاته قبض العبد عنان مقاله وخفض لسان حاله.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"شكوتُ وما الشكوى بمثلي عادةٌ\r\rولكن تفيضُ العينُ عند امتلائها\rفجلس الفراق بعظيم حجاجه. وأليم عذابه. على ذروة عرشه. وافترس بقوة بطشه. وصار للسر جارا. وأوقد للحرب نارا جهارا.\rطوعاً لقاضٍ أتى في حكمهِ عجبا\r\rأفتى بسفكِ دمي في الحلّ والحرم\rوهذه حانته المفصح عنها مقالته:\rإنَّ الأمورَ إذا التوتْ وتعقَّدتْ\r\rجاء القضاءُ من الكريم فحلّها\rفلعلّ يسراً بعدَ عسر علّها\r\rولعلّ منْ عقدَ العقودَ يحلّها\r\rفلعل غروس التمني قد أثمرت. وليالي الحظ قد أقمرت:\rسألتُ أحبّتي ما كان ذنبي\r\rأجابوني وأحشائي تذوب\rإذا كان المحبُّ قليلَ الحظّ\r\rفما حسناتهُ إلاّ ذنوبُ\r\rفرعى الله أياما لاحت فيها أقمار غروزها. وفاحت فيها أطراز طروزها. بهاء سمائها. على منار ضيائها. من ذات جلالها. وصفات دلالها. في جنات عواطفها. وحنات تعاطفها.\rفإن كنتُ لا أطرقُ رحبَ\r\rفنائكم فقد أطرقُ باب ثنائكم\rلئن غيّبتني عن ذراك حوادثٌ=فليس ثنائي عن فناك بغائبِ\r\"وكتب عبد الحمن محمد بن طاهر المتوفى سنة 431ه?\"\rكتبت أعزك الله عن ضمير اندمج على سر اعتقادك دره. وتبلج في أفق ودادك بدره. وسال على صفحات ثنائك مسكه. وصار في راحة سنائك ملكه. ولما ظفر بفلان حملته من تحيتي زهرا جنيا. يوافيك عرفه ذكيا. ويواليك أنسه نجيا. ويقضي من حقك فرضا مأتيا. على أن شخص جلالك لي ماثل وبين ضلوعي نازل. لاتمله خاطر. ولايمسه عرض داثر إن شاء الله عز وجل.\r\"وكتب أبو الفضل بن العميد المتوفى سنة 360ه?\"\rقد قرب أيدك الله محلك على تراخيه وتصاقب مستقرك على تنائيه لأن الشوق يمثلك. والذكر يخيلك. فنحن في الظاهر على افتراق. وفي الباطن على تلاق. وفي النسبة متباينون. وفي المعنى متواصلون. ولئن تفارقت الأشباح لقد تعانقت الأرواح.\r\"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?\"","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"يعز علي أطال الله بقاء مولاي. أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي. ويرد مشرعة الأنس به كتابي قبل ركابي: ولكن ما الحيلة والعوائق جمة.\r(وعلي أن أسعى وليس علي إدراك النجاح) وقد حضرت داره وقبلت جداره وما بي حب الحيطان ولكن شغفاً بالقطان. ولا عشق الجدران ولكن شوقاً إلى السكان.\rأمرُّ على الدّيار ديار سلمى\r\rأقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا\r\rوما حبُّ الدّيارِ شفعن قلبي\r\rولكنْ حبُّ منْ سكنَ الديارا\rوحين عدت العوادي عنه أمليت ضمير الشوق على لسان القلم معتذراً إلى مولاي على الحقيقة عن تقصير وقع وفتور في الخدمة عرض ولكني أقول:\rإن يكن تركي لقصدك ذنباً\r\rفكفى أن لا أراك عقابا\r\r\"وكتب أبو محمد عبد الله البطليوسي المتوفي سنة 521ه?\"\rيا سيدي الأعلى وعمادي الأسنى وحسنة الدهر الحسنى الذي جل قدره وسار الشمس ذكره ومن أطال الله لفضل يعلي مناره وعلم يحيي آثاره: نحن أعزك الله نتدانى إخلاصاً وإن تناءينا أشخاصاً ويجمعنا الأدب وإن فرقنا النسب فالأشكال أقارب والآداب مناسب وليس يضر تنائي الأشباح إذا تقاربت الأرواح.\rنسيبيَ في رأيي وعلمي ومذهبي\r\rوإن باعدتنا في الأصول المناسب\r\"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?\"\rأراني أذكر \"مولاي\" إذا طلعت الشمس أو هبت الريح أو نجم أو لمع البرق أو عرض الغيث أو ذكر الليث أو ضحك الروض وأنى للشمس محياه وللريح رياه وللنجم حلاه وعلاه وللبرق سناؤه وسناه وللغيث نداه ونداه وفي كل صالحة ذكراه وفي كل حادثة أراه فمتى أنساه وأشده شوقاه: وعسى الله أن يجمعني وإياه.\r\r\"وكتب الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906م\"","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"مازلت أدافع النفس عما تتقاضاني من شكوى أشواقها وفي الشكوى شفاء واستنزال أثر من لدنك تتعلل به مسافة البين إلى أن يمن الله باللقاء ومن دون إجابتها مشاده قد شغلت الذرع وشواغل قد أفرغ من دونها الوسع إلى ان اغلب جيش الوجد على معاقل الصبر وزاحم مناكب العدواء حتى ضرب أطنابه وبين الحجاب والصدر فاتخذت هذه الرقعة أزجيها إليك وفيها من وقر الشوق ما ينوء برسولها ومن رقة الصبابة ما يكاد يطير بها: أو يخلفها فيصافح الأعتاب قبل وصولها: راجياً لها أن تتلقى بما عهد في سيدي من الطلاقة والبشر وأن لا يضن عليها بما عودني من تمهيد العذر ويصلني من بعدها بأبنائه الطيبة عائدة عنه بما يكون للناظر قرة وللخاطر مسرة: إن شاء الله تعالى بمنه وكرمه.\r?\"وكتب أيضاً\"\rوافاني كتابك العزيز فأهلاً بأكرم رسول جاء ببينات الإخلاص والوفاء مصدقاً لما بين يديه من ذمة الوداد والإخاء. يتلو علي من حديث الشوق ما شهد بصحته سقمي. وهتف مؤذنه في كل مفصل من جسمي ويذكرني من عهدك ما طالما أذكرينه البرق إذا لمع والبدر إذا طلع والقمري إذا سجع. وإنما عداني عنك ما أنا فيه من مجاذبة الشواغل ومساورة البلابل.\rوفي القلب ما في القلب من شجن الهوى\r\rتبدّلت الحالاتُ وهو مقيمُ\r\rوأنا على ما بي من غل البنان وشغل الجنان مازالت أبناؤك عندي لا يخطئني بريدها ولا ينقطع عني ورودها أهنئ النفس منها بما تتمنى لك من سلامة لا يرث لها شعار وإقبال لا يعترضه بإذن إدبار.\rوقصارى المأمول في كرمك أن تعاملني بما سبق لك من جميل الصلة إلى أن يمن الله بالاجتماع ويغني بالعيان عن السماع (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 17].\r\r\"وكتب أبو العباس الغساني المتوفي سنة 498ه?\"","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"سر إلى مجلس يكاد يسير شوقاً إليك. ويطير بأجنحة من جواه حتى يحل بيم يديك فلله در كما له إن طلعت بدراً بأعلاه. وجماله إن ظهرت غرة بمحياه. فهو أفق قد حوى نجوماً تتشوق إلى طلوع بدرها وقطر قد اشتمل على أنهار تتشوق إلى بحرها لنستمد منها إن مننت بالحضور وإلا فيا خيبة السرور.\r\"وكتب الصاحب بن عباد المتوفي سنة 385ه?\"\rمجلسنا يا سيدي مفتقر إليك معول في شوقه عليك ولقد توردت خدود بنفسجة وفتقت فأرة نارنجه وانطلقت ألسن الأوتار وقامت خطباء الأطيار وهبت رياح الأقداح ونفقت سوق الأنس والأفراح وقد أبت راحته أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك وأقسم غناؤه لا طيب حتى تعيه أذناك. ووجنات أترجه قد احمرت خجلاً لإبطائك. وعيون نرجسه قد حدقت تأميلاً للقائك ونحن لغيبتك كعقد ذهبت واسطته وشباب قد أخذت جدته وإذا غابت شمس السماء عنا فلا أن تدنو شمس الأرض منا. فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد ونحصل بك في جنة الخلد: فكن إلينا أسرع من السهم في ممره والماء إلى مقره لئلا يخبث من يومي ما طاب ويعود من نومي ما طار.\r\"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 383ه?\"","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"كتابي وأنا بما يبلغني من صالح أخبار \"السيد\" مغتبط مسرور وبما يعرفه الزمان وأهله من اعتضادي به مصون موفور والله على الأولى محمود وعلى الأخرى مشكور، التطفل وإن كان محظوراً في غير مواطنه فإنه مباح في أماكنه وهو وإن كان في بعض الأحوال يجمع عاراً ووزراً فإنه في بعضها يجمع فخراً ورب فعل يصاب به وقته فيكون سنة وهو في غير وقته بدعة وقد تطفلت على \"السيد\" بهذه الأحرف أخطب بها مودته إليه وأعرض فيها مودتي عليه وأسأله أن يرسم لي في لساني وقلبي رسماً ويختم عليهما ختماً فقد جعلتها باسمه وقصرتهما على حكمه وسأضعهما تحت ختمة وبرئت إليه منهما وصرت وكليه فيهما فهماً على غيره حمى لا يقرب، وبحيرة لا تحلب ولا تركب، ولما نظرت إلى آثار السيد على الأحرار ونشرت طراز محاسنه من أيدي القاصدين والزوار ورأيت نفسي غفلاً من سمة مودته وعطلاً من جمال عشرته حميتها من أن يحمي عليها ورد مورود ويحسر عنها ظل على الجميع ممدود: وعجبت من:\rسحابٌ خطاني جوده وهو صيّبٌ\r\rوبحرٌ عداني سيلهُ وهو مفعمٌ\r\rوبدرٌ أضاءَ الأرض شرقاً ومغرباً\r\rوموضعُ رجلي منهُ أسودُ مظلم\r\r\"وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?\"\rمولاي: أما الشوق إلى رؤيتك فشديد وسل فؤادك عن صديق حميم وود صميم وخله لا يزيدها تعاقب الملوين وتألق النيرين إلا وثوقاً في العرى وإحكاماً في البناء ونماء في الغراس وتشييداً في الدعائم ولا يظنن سيدي أن عدم ازديادي ساحته الشريفة واجتلائي طلعته المنيفة لتقاعس أو تقصير فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير والسيد أطال الله بقاءه أجدر من قبل معذرة صديقه وأغضى عن ريث استدعته الضرورة.. وبعد فرجائي من مقامكم السامي أن لا تكون معذرتي هذه عائقاً لكم عن زيارتي: فلكم مننا طوقتمونيها ولكم فيها فضل البداءة وعلي دوام الشكران والسلام.\r\"وكتب المرحوم محمد بك دياب المتوفي سنة 1339ه?\"","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"كتابي إليك: وقد أطال بي الانتظار وشوقي يجل عن الكيف والانحصار فشخصك دائم المثول أمام إنساني وعن سواك من الأخلاء ألهاني وأنساني فلله أيام قضيناها وليال من الدهر اختلسناها كان السرور فيها ضارباً خيامه والأنس ناشراً أعلامه طوي بساطها وكأن الأمر ما كان غير أنها زرعت بفؤادي شجرة الأشجان لكن عودها حليف أوبتك وتجددها رهين إشارتك فمتى يقرب المزار وتنجلي سحب الأكدار فاضرب لعودك أجلاً فالعود لاشك أحمد واكتب بقربك وصلا فالوصل اضمن للعهد: وعهدي من خلقك الوفاء وحسن الولاء فلا تجعل صفقة شوقي إليك خسراً بل هبني بعد العسر يسرا.\r\"وكتب وفا أفندي محمد المتوفي سنة 1319ه?\"\rأما بعد، سلامي عمليك فهذا كتابي ينبئك عني وعن شوقي وعن ودي ولا أزيدك علماً أني ما كتبته من دواة ولا أجريت عليه فلماً ولكنها دموع وشوق سالت على القرطاس وجرت على حركات الخواطر والأنفاس وهبت عليه حرارة كبدي بالأشواق ووجدي بالفراق: فبينما عي عقيقة حمراء غذ صارت فحمة سوداء: ألا وإن كتابي هو قلبي ولساني أما تراه على رقته ولطف عبارته وصدق طويته بين يديك مقبلاً عليك ينشره الشوق ويطويه لا يخفى أمراً ولا يكتم عنك سراً وتلك صفات لساني وقلبي معك: فما الذي أبتغيه بعد وقد بعثت إليك بالأصغرين وما أنا إلا بهذين نعم أرجو بقاك ممتعاً بنعماك لأكون على الدوام محل نظرك والسلام.\r\"وكتب مؤلف هذا الكتاب\"\rكتابي لديك يصف شوقي إليك ولا يخفى عليك فمذ فارقتني فرقت بين أنسي ونفسي بل بين روحي وجسمي ولا تعجب إذا كنت أغدو وأروح فالطير يمشي من الألم وهو مذبوح وإني أشكو إليك ؟من ألم الوحشة غراماً لا يشعر به إلا من ذاق حلو أنسك وعرف مقدار نفسك وساهد جمال لطفك وفي صفاتك ترويحاً لروحي وفي كرم خلقك تفريحاً لنفسي.\rإذا وصف الناسُ أشواقهم\r\rفشوقي لوجهك لا يوصفُ\rفعندي لك من المحبة والشوق والتلهف والتوق ما لايصفه الواصفون ولا يعبر عن حقيقته العارفون.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"الشّوق فوق الذي أشكو إليكَ وهل\r\rتخفى عليك صباباتي وأشواقي\r\rفيا شوقي إلى لقياك ووالهفي على جمال محياك قيدن أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري.\rفؤادي والهوى سلمٌ وحربُ\r\rوسلواني أقام على الحياده\rوشوقي كاملٌ ما فيهِ نقصٌ\r\rفلستُ عليهِ أطمعُ في الزّياده\rفليت شعري ماذا أصنع في شوق أنا مدفوع إليه من صادق حبي بعوامل صادفت مني قلباً خالياً فتمكنت بالتعارف ولم تدع للسلوان سبيلاً.\rعرفتُ هواهُ قبل أن أعرفَ الهوى\r\rفصادفَ قلباً خالياً فتمكَّنا\r\rإي وربي إن شوقي إليك الظمآن إلى برد الشراب وحنيني لك حنين الشيخ إلى زمن الشباب، فما الأبل وقد حنت إلى أعطانها، والغرباء وقد أنت إلى أوطانها بأعظم مني حنيناً ولا أكثر أنيناً.\rولكنّ التفرُّق طالً حتى\r\rتوقّدَ في الضُّلوع له حريقٌ\rفكلما تخطر ببالي في أي وقت من الأوقات يمثل لي التذكر منك محاسن ولطائف تجذبني ميلاً إليك وتطربني شغفاً بك واغتباطاً بإخائك فلا عجب أن كان شوقي لرؤيتك عظيماً لأنه كما قيل (كم كرم الرجل حنينه إلى أوطانه وشوقه إلى إخوانه).\rيا خلاصَ الأسيرِ يا حصّة المّد\r\rنف يا زورة على غيرِ وعدِ\r\rيا نجاةَ الغريقِ يا فرحةَ الأو\r\rبة ياقفلة أتتْ بعد بعدِ\r\rارضَ عنّي فدتكَ نفسيَ أنّي\r\rلك عبدٌ أذلُّ من كلّ عبدِ\r\rناشدتك الله أن ترفق بحالي وتعيد وصالي وارع الود القديم وأبدل شقاء محبك بالنعيم واغمد سيف ظلمك المسلوى (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 34].\r\rالفصل الثاني في التعارف قبل اللقاء\r\"كتب أبو منصور التيسابوري المتوفي سنة 429ه?\"","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"نحن في الظاهر على افتراق وفي الباطن على تلاق نحن نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر إذا حصل القرب بالإخلاص لم يضر البعد بالأشخاص أنا أناجيك بخواطر قلبي وإن كان قد غاب شخصك عني إن أخطأتك يدي بالمكاتبة ناجاك سري بالمواصلة رب غائب بشخصه حاضر بخلوص نفسه إن تراخى الالقاء فإننا نتلاقى على البعاد ونتلافى نظر العين بالفؤاد.\r\"وكتب أيضاً\"\rأنا أشتاقك كما تشتاق الجنان وإن لم تتقدم لها العينان أنا وإن كنت ممن لا يسعد بلقائك فقد اشتمل علي الأنس ببقائك والشوق إلى محاسنك التي سارت أخبارها ولاحت آثارها لازالت الأيام تكشف لي من فضلك والأخبار تعرض علي من عقلك ما يشوقني إليك وإن لم أراك ويزيدني رغبة في ودك وقد سمعت خبرك.\r\"وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?\"","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"كما أن شغف الجنان بالحسن والإحسان تكون داعيته المشاهدة وتسريح الأنظار في محيا الكمال ومجلتي الجمال فترى العين من تلك الغرة ما يملؤها قرة فكذلك السماع يستدعي هذا الشغف فيتأثر الفؤاد بما يشنف الأذن مما تهديه إليه طرائف الأخبار حتى كأن حاستي السمع والبصر في ذلك صنوان بل أخوان في هيكل هذا الجثمان وقد يعلن السيد أطال الله بقاءه وأدام ارتقاءه أن ذلك الأمر (أي الشغف بالسماع) ليس بالحديث العهد ولا القريب الجدة بل هو أمر عرف قديماً أن يهدي السماع إلى سويداء القلب لاعج الحب سعره من الأنباء عرف شميم فتهيم بمجرد استنشاق ذلك الشميم حتى يقول الشاعر العربي (والأذن تعشق قبل العين أحياناً) أجل والقدوة في هذا المعنى والأس لذلك المبني قوله (: \"إني لأشم نفس الرحمن من قبل اليمن\" لما أملته العناية الربانية والملك الروحاني على قلبه الشريف من نبأ القرني أويس ولم يكن رآه بعد.\rالأوان محاسن السيد الأجل لما سارت بها الركبان وأثنى عليها كل لسان ما بين أخلاق أبهى من الروض النضير وأعراق أشهى من عذيب النمير قد احتلت من فؤادي لا أقول منزلاً رحيباً ولا وادياً خصيباً بل منزله شماء ودارة علياء وأوجاً بطوالعها السعيدة يسعد ويلوح بها من ذكراه كل حين فرقد فلم أنشب أن قدمت كتابي هذا لمولاي بين يدي اللقاء عله أن يسمح به الزمان وتسفر عنه الليالي والأيام ليتاح لي ري الفؤاد بما أرويه من حديث زيد الخيل الذي سماه رسول الله ( زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد فرأيته إلا وجدته دون ما وصف لي سواك وإن فيك خصلتين يحبهما الله (الحلم والأناة) مقتدياً بالإمام محمود جار الله في تقديم هذا الحديث الشريف على ما أنشده إياها الشريف بن الشجري أول ما لقيه وكانا قد تحابا بالسماع.\rكانت مساءلةُ الرُّكبان تخبرنا\r\rعن جابر بن رباحِ أطيبَ الخبرِ\r\rحتى اجتمعنا فلا والله ما سمعت\r\rأذني بأحسن مما قد رأى بصري","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"\"وكتب حفني بك ناصيف المتوفي سنة 1337ه?\"\rيعلم الله ما عندي من الشوق إلى لقاء السيد وإن لم يكتحل بإثمد محاسنه النظر والشغف بسماع الحديث منه كما سمعته عنه فقد سبقت ذكرى محاسنه إلى السمع ووصل خبر لطائفة إلى النفس. وما المرء إلا ذكره ومآثره. وحسدت العين عليه الأذن وودت لو أنها السابقة إلى اجتلاء رقائقه وشهود حقائقه.\rفللعين عشق مثل ما يعشق السمع. لا جرم أن ما تعارف من الأرواح ائتلف وما تناكر منها كما قيل اختلف. ونحن وإن بعدت بيننا الشقة ولم يسبق لنا باللقاء عهد فلحمة الدب تجمعنا ووحدة الوجهة تضمنا ولحمة الأدب أقوى من لحمة النسب وجامعة الوجهة فوق اجتماع الوجوه وقد رأيت أن أزدلف إليك بالمكاتبة وأترسل إلى شرف التعرف بالمراسلة حتى إذا لم يبق في الصبر على الافتراق مسكة ولبى الجسم دعوة الروح فاندفع إلى طلب الاجتماع أكون قد مهدت له سبيلاً ووطأت له طريقاً فلا تبهرني فرحة اللقيا ولا يغرني طرب الظفر \"فمن فرح النفس ما يقتل ومن نشوة الراح ما يزهق الأرواح\" فإن رأى السيد أن يكاتب عبده ويعتقه من رق الفرقة عجل بجواب هذا الكتاب ليعلم العبد أن نميقته صادفت قبولاً وأن وسيلته اتخذت لي سيده سبيلاً قرب الله زمن اللقا وقصر أمد النوى حتى أنشد في الختام.\rتطابقَ الخبرُ في علياك والخبرُ\r\rوصدّقَ السمعَ في أوصافكَ البصرُ\r\"وكتب أحمد أفندي سمير المتوفي سنة 1329ه?\"","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"يعلم سيدي أن المودة لا تباع ولا تشترى وإنما هي نتيجة الاجتماع والتعارف وقد خلق الإنسان مضطراً إليهما لأن انتظام العمران عليهما موقوف ولهذا شهد العيان بأن المنفرد بأعماله المستبد بآرائه عرضة للخطأ مظنة لعدم الثقة: بخلاف ما إذا كان الاشتراك في الفكر قاعدة للعمل فلا بد أن الصواب يتمحض منه لضعف التفرد وقوة الاجتماع إذ لا جرم أن المرء كما قيل: \"قليل بنفسه كثير بإخوانه\" وقد سمعت عن السيد وقرأت من آثاره المأثورة ما حببه إلي وشاقتي للتعرف به لتشترك في منفعة تبادل الأفكار فإني لا أكتفي بمجرد السماع ولا أقول: \"إن الأذن تعشق قبل العين\" فإنما هي جارحة صغيرة ولكن كلي ميال إليه محب لاستجلاء مرآه عالم إني غذ دخلت إلى مودته من باب التلاقي لا أجد دهري.\rيقرّب منّي كلَّ شخصٍ كرهنهً\r\rويبعدُ عنّي منْ إليه أميل\r\rفإن لم يتيسر أن يراني أو أراه فليسعدني ببضعة أسطر تضمن لي رضاه عن هذه المعرفة الترسلية لنتراءى بأعين الطروس قبل أعين الرؤوس ونتجاذب أحاديث المراسلة إن عزت المقابلة وقد وقفت عليه خالص ودي واخترته من بين رجال العصر سعيا لكسب المعالي بمعرفته (كُلّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ) [الطور: 21] (لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ) [النجم: 39].\rعن المرء لا تسألْ وسلْ عن قرينه\r\rفكلُّ قرين بالمقارنِ يقتدي\r\r\"وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة 1329ه?\"","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"لم أكن فيما أكتبه لك إلا سارياً في ليل التعارف على ضياء خلالك التي أملاها علي لسان المدح الذي شرق وغرب الأرض صيته وإني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة واجتناء مفاكهتك الغضة فقد دلني على الليث زئيره وعلى البحر خريره وعلى العقل أثره وعلى السيف إثره ولئن لم تجمعنا لحمة النسب فقد جمعتنا حرفة الأدب أو لم يضمنا قبل مصيف ومرتبع فالطيور على أشكالها تقع وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه: وهذه الرقعة وإن وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤيتك والميل إلى صداقتك فقلما تنوب عن المشابهة أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها: زفي ظني أن سيدي يود ما أوده وعما قليل يسفر صبح اللقاء ونتجاذب أهداب المعرفة: ورأى من سيدي فوق ما توسمته وسمعته ويرى مني ما يرضيه والسلام.\r\"وكتب الشيخ طه محمود المتوفي سنة 1325ه?\"","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"أيها السيد العزيز الجناب الغزير الآداب، قد علمت ولا أزيدك علماً زادك الله ولا نقصك أن الإنسان كما اشتق اسمه من الأنس كذلك جبل عليه مسماه وأن المجتمع الإنساني عقد يتحلى به صدر الزمان نظامه التآلف وواسطته التعارف: فهذان الأمران هما قطب المدار في هذه الدار لهذا العالم من لدن آدم وليس إلا بهما يحسن الحال وينعم البال وتدر ضروع المنافع وتتفجر عيون الفوائد ومن ثم كان أوفر الناس حظاً من مغنم الإنسانية من يألف ولا خير فيمن لا ولا ناهيك بخلق امتن الله به على عباده إذ قال عز من قائل: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ) [الحجرات: 13].\rذلك \"أيها السيد\" هو الذي بعثني أن اكتب إليك أستفتح باب مودتك بمفتاح الترسل وأستصبح في سبيل صحبتك بمصباح التوسل لا أبالي بما ينسب إلي وينتقم علي ممن عسى أن يقول مالك ولهذا الفضول وكيف تتطفل على مأدبة أديبة لم تدع إليها وهل هذا منك إلا أشبه بالتبرج لغير خاطب: أيها المنتقد هون عليك ما تجد فلو علمت أن ظل الآداب شامل ودعوة المودة الجفلى لا يذاد عنها وأغل لأسرعت معي إلى الوغول ولم تر في التودد إلى أهل الفضل من فضول وأي عيب على النكرة في التحلي بحلية المعرفة ومصاحبة الأعلام أما سمعت قول القائل:\rبصحبتكَ الكرامَ تعدُّ منهم\r\rوتأمنُ من ملمّات الزّمان\rوكيف أضع نفسي بحيث يقول الأول:\rدعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها\r\rواقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"وشتان ما بين الرجلين رجل يهوى المكارم وبينها ويبتغي المناقب وذويها ويقف نفسه على مسألة يعلمها وفضيلة يتحلى بها.\rوآخر يبذل وجهه المصون في ملء الحقائب والبطون.\rهذا: وقد رجوت أن أكون الرجل الأول بصحبتك \"أيها السيد\" فكم روى لنا من أحاديث فضائلك للصحاح وتلى علينا من آيات شمائلك الحسان ما أشخص إليك القلوب قبل قوالبها وأوفد عليك الأرواح قبل أشباحها وأعجلني أن أكتب إليك بهذا الرقيم ألتمس بالتعرف إلى جنابك الكريم ما ألتمس الكليم من صحبة ذي الوجه النضر أبي العباس الخضر وإني وإن كنت والحمد لله ممن آمنوا بالغيب وليس عندي في صدق هذه الآيات مرية ولا ريب: بيد أن للصحبة فضلاً لا ينكر وللمؤاخاة مزية لا يتمارى فيها اثنان.\rفإذا ورد على السيد كتابي هذا وانشرح صدره \"شرح الله صدره\" إلى إجابة سؤلي وارتاحت نفسه إلى اصطناعي كتب إلى عبده بما يكون آية جلية على ارتياحه لتحقيق هذه الأمنية.\rحتى أقول لوجه آمالي ابتهجْ\r\rلأولّينّك قبلةً لاترضاها\r\r\"وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر\"\rلإنسان العين وعين الإنسان: المودة \"وصل الله بأجفان الأشواق أهدابها وفتح لنا أبوابها\" أمر عزيز المرتقى على من يصطفى صديقه ويرعى حقوقه وإني اصطفيتك على الناس برسالتي هذه وعهدي بكرم سجاياك أن تصافحها براحة القبول وتتخذها فاتحة ود طارت إليك رياح فضلك بعدما مثلت آياته لك في القلوب معنى ظهرت في مرآه الأعين صورته.\rفإن أبيت ودادي غيرَ مكترثٍ\r\rفعنكَ ما دمتُ حيَّا لا أرى بدلا\rوحاشاك عن مثل ذلك الإباء ونحن وإن لم تحظ أشباحنا باللقاء فأرواحنا من قبل جنود وأعيننا شهود فإن أنت منحتني ولاء خالصاُ وإخاءً صادقاً (وإلا فهبني أمراً هالكاً) ولا إخالك ترضاه وإن كنت المتطفل على مائدة مودتك فلي نفس أديب لا ترى العز زإلا في الترامي على ذرا الكمال لازلت على مرقى الجلال والسلام.\r\"وكتب الفاضل السيد محمد الببلاوي\"","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"سيدي إن مكارم الأخلاق ومعالي الهمم مما تسترق القلوب وتسترق العقول وتمتلك الأرواح وإن لم تتلاق الأشباح فإني مذ سرى إلي النسيم بأخلاقكم الغراء وابتسم لي ثغر هذا العصر عن آثاركم الزهراء وتواترت الأخبار بحبكم للفضل وأهله وارتياحكم للعلم وذويه وأنا مشغوف الفؤاد بالتعرف بسيادتكم مشغول البال بالتوسل إلى رياض مودتكم ولعلمي أن للصداقة حقوقاً وللمصاحبة شروطاً ربما صعبت على من حاولها وعزت على من أراد الوفاء بها كنت أرى الوحدة أولى والانفراد بي أسلم ولكن ما زلت تنمي إلى أحاسن شمائلكم المشرفة وتتوارد على مسامعي محاسن سيركم المطهرة فينمو الوجد ويزداد الشوق \"والأذن تعشق قبل العين أحياناً\" وما كنت أجد سبيلاً للتعرف ولا سبباً للتودد ولا متجسر نفسي على المراسلة ابتداء إلى أن رأيت سيدي قد اهتم للأدب فأعلى منارة ونظر للإنشاء فرفع مقداره ونصر دولته وأحيا صولته وأعاد شبابه وفتح لأدباء هذا العصر بابه فعلمت أن الدهر قد ساعدني والفرصة قد أمكنتني من مصافحة أملت ومصافات ما أردت من اجتناء ثمار سيدي والتعرف به والتمسك بأهداب فضائله والتزود من آدابه فإن الأدب أحسن يستصبح بأنواره وأشرف ما يتسابق لاقتطاف أثماره ويحمد التطفل على موائده ويمدح التنافس في التقاط فرائد فوائده فجعلت طلب الانتظام في سلك أرباب الأقلام وسيلة لورود عذب وداده ونمير التعرف به فإن رأى سيدي أن يعد نفس حر في عداد معارفه ويقابل رسالته بما اشتهر من لطائفه حتى يتمتع بالرؤية الأبصار كما تمتعت المسامع بطيب الأخبار كنت مديم الشكر لأفضاله مستمر الثناء على كماله.\r\"وكتب الشيخ عبد الكريم سلمان المتوفي سنة 1336ه?\"","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"أما بعد فهذه أول رسالة أكتبها إلى من لم تكن لي به جامعة جسمية ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية وهي وإن كانت في عرف غيري تعد هجوماً أو تحس فضولاً إلا أني أعتقد أنها أوفدت على كريم يكرم وفادتها ويتقبل به ما يهديه إليه من زعيم تحية وجليل إجلال ويجتلي من خلالها إرادة ود ورجاء ولاء وبغية فضل ورغبة في إخاء فيحلها منه محل القبول ويدرأ عنها وصمة الفضول: إن لسيدي آثاراً شاهدناها فاستفدناها ومآثر سمعناها فرويناها ولا مرية في أن ما غاب عنا منها أكثر مما وعينا وأوفى مما سمعنا ونحن والله يعلم طلاب كمال ومنتجعوا إفضال ورواد وما خصب من فيحاء العلوم وقد توسمنا في السيد أطال الله بقاه طلبتنا ووجدنا لديه ضالتنا قحثثنا إلى رحابه مطية المكاتبة ولنا أمل كبير في نوال المأمول لعله يجتح إلى مقابلة المثل بالمثل فيكتب لأخيه بعض كليمات يعرف منها أنه قبل الإخاء ومال إلى مقتضى طبعه من الوفاء ولا أظن ذلك إلا وقد كان في أقرب ما يكون من الزمان فإن الأرواح ما تعارف منها ائتلف كما برهنه الأصحاب في معاشرتهم خلفاً عن سلف.\r\"وكتب مؤلف هذا الكتاب\"\rلقد سمعنا بأوصافٍ لكم كملتْ\r\rفسرَّنا ما سمعناهُ وأحيانا\r\rمن قبل رؤيتكم نلنا محبّتكم\r\rوالأذن تعشقُ قبلَ العين أحياناً\rسيدي ومولاي: لقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما يدعوني لخطب ودك ويرغبني في إخائك ويحببني في التوسل إلى معرفة جنابك وإن لم تجمعنا جامعة شخصية ولم تضمنا حفلة تعارف ذاتية إلا أن أحاديث فضائلك الصحاح أوفدت عليك الأرواح قبل الأشباح والولاء والإخلاص قبل الأجسام والأشخاص ولا غرابة في ذلك فإن من سنة الله في خلقه أن يؤلف بين الأرواح وأمثالها وإن لله ملائكة يسوقون الأشكال إلى أشكالها وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه.\rإنّ القلوبَ لأجنادٌ مجنّدةٌ\r\rلله في الأرض بالأهواء تعترفُ","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ=وما تناكرَ منها فهو مختلفُ فلذا اصطفيتك لنفسي واخترتك لمودتي وأنسي نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر وإن بعدنا في الظاهر فرب غائب بنفسه حاضر بخلوص نفسه.\rفإنْ أبيتَ ودادي غيرَ مكترثٍ\r\rفعنك ما دمت حياً لا أرى بدلا\rوحاشاك عن مثل هذا الإباء والهجر والجفاء.\rلكلّ امرئ شكلٌ من النّاس مثله\r\rوكلّ امرئ يهوى إلى من يشاكلهُ\rناشدتك الله أن تقبل مني الإخاء وتضمن لي الوفاء وأنا أرضى بك من الدنيا نصيباً وأختارك من العالمين حبيباً.\rالفصل الثالث في رسائل الهدايا\rكتب سعيد بن حميد المتوفي سنة 105ه? يوم النيروز إلى بعض أهل السلطان\"\rأيها السيد الشريف عشت أطل الأعمار بزياد من العمر موصولة بفرائضها من الشكر لا سينقضي حق نعمة حتى يجدد لك الأخرى ولا يمر بك يوم إلا كان مقصراً عما بعده موفياً عما قبله: إني تصفحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السادة والتمست التأسي بهم في الإهداء وإن قصرت بي الحال عن الواجب فوجدت أني: إن أهديت نفسي فهي ملك لك لاحظ فيها لغيرك. ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك فإن كنت أهديت منها شيئاً فإني لمهد مالك إليك. ونزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت إن جعلتها هديتي أني لم أجدد لهذا اليوم الجديد براً ولا لطفاً ولم أميز منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصراً عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك والإقرار بالتقصير عما يجب لك براً أتوسل به إليك وقلت في ذلك.\rإن أهد مالاً فهو واهبهُ\r\rوهو الحقيقُ عليه بالشكرِ\rأو أهد شكري فهو مرتهنٌ\r\rبجميل فعلكَ آخرَ الدّهرِ\r\rوالشمس تستغني إذا طلعتْ\r\rأنْ تستضيء بسنَّة الدّهر\r\r\"وكتب حنفي بك ناصف المتوفى سنة 1337ه?\"","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"الهدية في نظر الأصيفاء جليلة وإن كانت في نفسها قليلة ومكانتها خطيرة وإن كانت يسيرة وسنة حسنة اجتمعت على فضلها الألسنة.\rمضت الدّهورُ وأمرها مستحسنٌ\r\rوتعاقبتْ بمديحها الأيام\r\rاللهم إلا أن لبست جلباب الرياء وولجت أبواب الارتشاء ولا مراء إن الأوداء من ذلك براء.\rلا يبتغون سوى الوفاءِ وما لهم\r\rغيرُ البقاءِ على الصَّفاءِ مرام\rوما زالت الهدية شعار الأصدقاء وعنون تذكار الولاء وكم جددت بين الأصحاب عهود التحاب.\rوتعهّدت ودّا فعادَ شتيتهُ\r\rولشملهِ بعد البدادِ نظامُ\rقد وصلتني يد العصا فحبذا الإهداء وأهلاً بتلك اليد البيضاء وليست هذه أول أياديك علي ولا أكبر عارفة جاءت من ناديك إلي وقد أمنت بها النوب واعتضدت بها على تفريق شمل الكرب.\rفإذا طغا بحر الهموم ضربتهُ\r\rبعصايَ فاجتازت به الأقدام\rتنفلق بها من الأيام صخور فتنبجس منها عيون السرور وتلقف ما يصنع الأعداء فتذهب بسحر البغضاء وإذا اشتد هجير الوحشة نشرت ظلال أنسها أو عصى فرعون الدهر راعته ببأسها.\rفكأنَّما أوصى الكليمُ لنا بها\r\rحتى يرى آياته الأقوامُ\r\rوقد فكرت ماذا أقابل به طرفتك وأتلقى به تحفتك إلى أن هداني الله أن يد المنعم إنما تقابل بالأفواه ليعزز القبول بالقبل ويؤدي الرسم باللثم فأرسلت إليك فم سجارة وجعلته لهذا المعنى إشارة وقلت:\rمولايَ كم فاضتْ يمينكَ بالنَّدى\r\rحتى غدوتُ غريقَ بحر الأنعمِ\rوالشكرُ أوجبَ أن أقبّلَ راحها\r\rفكنيتُ عن هذا بإهداءِ الفمِ\r\rوقد علمت أن المنظر البهيج يتم بالتدريج فاخترت أن يكون مبدؤه كالليل إذا عسعس ومنتهاه كالصبح إذا تنفس إيذاناً بزوال الشرور بالسرور ورمزاً إلى الخروج من الظلمات إلى النور.\r?\"وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر\"\rيا أيّها المولى الذي\r\rعمَّت أياديهِ الجميلهْ\rاقبلْ هديّةَ منْ يرى\r\rفي حقّكَ الدُّنيا قليلهْ","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"غرة وجه السعود وقرّة عين الوجود الأمير الجليل: يا جليل الفضائل إليك توجه الآمال ويا جميل الشمائل بساحتك تحط الرحال تلك هي الساحة الفيحاء والشيمة الحسناء والهمة العلياء واليد البيضاء والأعمال التي تضرب بها الأمثال كم من نعم أسديتها ومكارم أوليتها وعلوم أحييتها فأنت المصدر والمورد والمقصد والموعد: إليك أقدم تلك الهدية المرضية وأرفع ذلك الكتاب المستطاب مشفعاً في قبوله كرم سجاياك وعظم مزاياك وإني وإن كنت أعلم أن مقامك العلي يجل عن أن يرفع إليه مثله فقد عرفناك متواضعاً في علاك قريباً مع اعتلاك.\rدنوتَ تواضعاً وعلوت مجداً\r\rفشأنك انخفاضٌ وارتفاعُ\r\rكذاك الشّمس يبعدُ أن تسامى\r\rويدنو الضّوءُ منها والشّعاعُ\rوحاشاك أن أهدي للقمر نوراً أو للشمس ضياء أو أبعث ببنية القطر إلى ذلك البحر ولكنني أحببت أن يحظى بلثم بنانك وينال من كرمك وإحسانك وقد عهدناك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم وترتاح لإسداء الجميل كما يرتاح للكرم التنزيل وللشفاء العليل وما هون إلا من نور فكرك مقتبس فعساه يحظى بالقبول فأبلغ غاية المأمول والسلام.\r\"وكتب الأستاذ عبد الله بك الأنصاري\"\rالمولى أدام الله وجوده ممتعاً بهدايا الأيام وتحف الأعوام طالما أوفد من الرفد إلي ووجه من الخيرات ما أفعم يدي حتى أصبحت وله الفضل والمنة أجر ذيول النعماء على غبراء البأساء واجتلي معارف السراء بعوارفه البيضاء التي لايوازيها ثناء وحمد ولا يوزازيها عطاء ورفد ولا يطاولها سماء وبحر ولا يغالبها بؤس وفقر وإن لي من آلاء السيد حفظه الله وأدام علاه ما اينع وأزهر وأورق وأثمر حدائق قامت لشكره عيدانها وسجدت لفضله أغصانها وترنمت طرباً وتمايلت عجباً بنفحات هي عرفه وبركات هي عرفه ولي أمل في جنابه وأنا سليل نعمته وعهدي بأخلاقه وأنا ابن مودته أن يمن بقبول ما أهديته وهو من مال نفسه وثمرة غرسه (باكورة تفاح) يرفعها إجلال وإعظام وتصحبها تحية وسلام.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"\"وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة 1329ه?\"\rالهدية غمرك الله بالمعروف تتبسط يد المودة وتدر بها أخلاف القرب وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف وما أنا فيما أهديه إليك إلا مستبضع تمراً إلى أرض خبير أو كالواهب الماء للبحر والضوء للبدر والملك لسليمان والمال لقارون والحلم لأحنف والذكاء لإياس والتفسير لابن عباس وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام بسهم ووعى من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار وموجزات الرسائل (فهو كما قيل) كل الصيد في جوف الفرا.\rتزين معانيهِ ألفاظهُ\r\rوألفاظهُ زائنات المعاني\rعلى أني وإن تطفلت عليك وسقت لك هذا الكتاب مزدلفاً إلى جانبك الرحب ومقامك الأسنى فقد أصبت كبد الصواب ووضعته حيث يعرفه أهلوه ويتقبله من باذله عالموه علماً بأنك عماد العلوم وأساس الفضائل لا تغادر شاردة إلا وعيتها ولا نادرة إلا رويتها وإلا.\rلو كان يهدى عليّ قدري وقدركمو\r\rلكنت أهدي لك الدُّنيا وما فيها\r\r\"وكتب مؤلف هذا الكتاب إلى أستاذه الحكيم الشيخ محمد عبده\"\rسيدي ومولاي أطال الله بقاك ورفع في الدارين علاك الهدية مفتاح باب المودة وعنوان تذكار المحبة يتسابق إليها كرام السجايا ويتسارع إلى إحياء شعائرها عشاق المزايا حرصاً على حفظ عهود الوداد والتآلف وإذهاباً لوحشة التقاطع والتحالف.\rهدايا النّاس بعضهمْ لبعضٍ\r\rتولّد في قلوبهم الوصالا\r\rوتزرع في القلوب هوى وودا=وتكسوك المهابة والجلالا ولقد وجدتك إماماً حكيماً وفيلسوفاً عليماً تقدر الأعمال حق قدرها وتضع الأشياء في مواضعها سباقاً إلى نشر العلوم والمعارف في المشارق والمغارب.\rيبقى الثّناء وتنفد الأموال\r\rولكل دهرٍ دولة ورجال\r\rما نالَ محمدةَ الرّجال وشكرهم\r\rإلاّ الصّبور عليهم المفضال","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"فلذا أهديك كتابي (جواهر الدب في بلاغة لغة العرب) جمع فأوعى من الآداب والحكم ما خلت منه مفعمات الأسفار فهو بلا شك ولا مرا كل الصيد في جوف الفرا.\rتزين معانيهِ ألفاظه\r\rوألفاظه زائنات المعاني\rعلى أني وإن تطفلت عليك ووضعت كتابي هذا بين يديك فقد ولجت الأمور من الأبواب وأصبت كبد الصواب حيث يعرف الفضل من الناس ذووه ويتقبله بقبول حسن عالموه.\rشكراً وحمداً إن قبلت هديّتي\r\rوجعلت لي فضلاً على أقراني\rفتنازلك بقبوله يكون الإقبال عليه جليلاً ويعجز لساني عن أن أشكرك جزيلاً والسلام.\rالفصل الرابع في رسائل الاستعطاف والاعتذار\r\"وكتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?\"\rالكريم إذا قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا أسر أعتق قد هربت منك إليك واستعنت بعفوك عليك فأذقني حلاوة رضاك عني كما أذقتني مرارة انتقامك مني: الحر الكريم الظفر إذا نال أقال واللئيم إذا نال استطال قد هابك من استتر ولم يذنب من اعتذر تكلف الاعتذار بلا زلة كتكلف الدواء بلا علة مولاي يوجب الصفح عند الزلة كما يلتزم البذل عند الخلة مولاي يوليني صفيحة صفحة ويؤتيتي العفو من عفوه زللت وقد يزل العالم الذي لا أساويه وعثرت وقد يعثر الجواد الذي لا أجاريه لاتضيقن لاعني سعة خلقك ولاتكدرن علي صفو ودك مالي ذنب يضيق عنه عفوك ولا جرم يتجافى تجاوزك وصفحك: والسلام.\r\"وكتب عبد الله بن معاوية المتوفي سنة 158ه? إلى أبي مسلم\"","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه (أما بعد) فقد أتاك الله حفظ الوصية ومنحك نصيحة الرعية وألهمك عدل القضية فإنك مستودع الودائع ومولى الصنائع فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك فالودائع عارية والصنائع مرعية وما النعم عليك وعلينا فيك بمنزور نداها ولا بمبلوغ مداها فنبه للتفكير قلبك واتق الله ربك وأعط من نفسك من هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة فقد أنعم الله عليك بأن فوض أمرنا إليك فاعرف لنا لين شكر المودة واغتفار مس الشدة والرضا بما رضيت والقناعة بما هويت فإن علينا من سمك الحديد وثقله أذى شديداً مع معالجة الأغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة ولإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم إلينا الهموم زيارتهم الحراسة وبشارتهم الإياسة فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى ونشكو شدة البلوى فمتى تمل إلينا طرفاً وتولنا منك عطفاً تجد عندنا نصحاً صريحاً ووداً صحيحاً لايضيع مثلك مثله ولا ينفي مثلك أهله فارع حرمة من أدركت بحرمته واعرف حجة من فلجت بحجته فإن الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء يمشون في الإيراد ونحن نحجل في الأقياد بعد الخير والسعة والخفض والدعة والله المستعان وعليه التكلان.\r\"وكتب بدر الدين محمد بن حبيب الحلبي المتوفي سنة 799ه?\"\rرفقاً بمن ملك الوجد قياده وعطفاً على من أذاب الشوق فؤاده متيم أقلقه فرط صدودك ومغرم أغراه بحبك قول حسودك وسقيم لا شفاء له دون مزارك ومقيم على عهدك ولو طالت مدة نفارك إلى م هذا التنائي والنفور وعلام ياذا القد العادل تجور لقد تضاعفت الأسف والأسى وتطاول التعلل بعل وعسى.\rهبني تخطّيتُ إلى زلّة\r\rولم أكن أذنبتُ فيما مضى\r\rأليسَ لي من بعدها حرمةٌ توجبُ لي منك جميلَ الرّضا","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"ولست ألوذ إلا بباب نعمك ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك وما جل ذنب يضاف إلى صفحك ولا عظم جرم يسند إلى عفوك ومثلك من يقيل العثرات ويتجاوز عن الهفوات.\rوكنت أظنُّ أن جبال رضوى=تزول وإن ودَّك لا يزول\rولكنّ القلوب لها انقلابٌ\r\rوحالاتُ ابن آدم تستحيل\rطالما آنستني بقربك ودنوت مني مفارقاً ظباء سر بك وأنجزت وعودي وأطلعت نجوم سعودي.\rوكنتُ إذا ما جئتُ أدنيت مجلسي\r\rووجهكَ من ماء البشاشةِ يقطرُ\rفمن ليَ بالعين التي كنتَ مرَّة\r\rإليَّ بها من سالف الدَّهر تنظر\r\rقيدت أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري، أحوم حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر، وإذا صدرت من عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وإن شفيع المذنب إقراره ورفض خطيئته عند مولاه استغفار.\rومنْ كان ذا عذرٍ لديك وحجّةٍ\r\rعذريَ إقراري بأن ليس لي عذرُ\rلهفي على عيش بسلاف حديثك سلف وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف وآها لأيام بطيب أنك مضت وبروق ليال لولا قربك ما أومضت.\rكنتُ أعرفُ في الهوى مقدارها\r\rرحلتْ وبالأسف المبرّح عوضت\rكيف السّبيلُ إلى إعادة مثلها\r\rوهيَ التي بالبعدِ قلبي أمرضت\r\rفجد بالتداني واسمح بنيل الأماني وألن قلبك القاسي وعد عن التنائي والتناسي وارع الود القديم وابدل شقاء محبك بالنعيم ولا تعدل عن منهاج المعدلة وسلم فقد أخذت حقها المسألة وأغمد سيف حيف صبرته مسلولاً وأوف (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 34].\r\"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?\"","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ليس عندي أعزك الله سبب ولا اقدر على شفيع إلا ما طبعك الله عليه من الكرم والرحمة والتأميل الذي لايكون إلا من نتاج حسن الظن وإثبات الفضل بحال المأمول وأرجو أن أكون من الشاكرين فتكون خير معتب وأكون أفضل شاكر ولعل الله يجعل هذا الأمر سبباً لهذا الأنعام وهذا الأنعام سبباً للانقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم فيكون لا أعظم بركة ولا أنمى بقية من ذنب أصبحت فيه وبمثلك جعلت فداك عاد الذنب وسيلة والسيئة حسنة ومثلك من انقلب به الشر خيراً والغرم غنما من عاقب لقد أخذ حظه وإنما الأجر في الآخرة وطيب الذكر في الدنيا على قدر الاحتمال وتجرع المرائر: وأرجو أن لا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه وإنما الفضل والثناء العفو عن عظيم الجرم ضعيف الحرمة وإن كان العفو العظيم مستطرفاً من غيركم فهو تلاد فيكم حتى ربما دعا ذلك كثيراً من الناس إلى مخالفة أمركم فلا أنتم عن ذلك تنكلون ولا على سالف إحسانكم تندمون ولا مثلكم إلا كمثل عيسى ابن مريم حين كان لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شراً وأسمعهم خيراً فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم كلما أسمعوك شراً أسمعتم خيراً فقال كل امرئ ينفق مما عنده وليس عندكم إلا الخير ولا في أوعيتكم إلا الرحمة. وكل إناء بالذي فيه ينضح.\r\"وكتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء\"\rنبت بي غرة الحداثة فردتني إليك التجربة وقادتني الضرورة ثقة بإسراعك إلي وأن أبطأت عنك وقبولك لعذري وإن قصرت عن واجبك وإن كانت ذنوبي سدت علي مسالك الصفح عني فراجع في مجدك وسؤددك وإني لا أعرف موقفاً أذل من موقفي لولا أن المخاطبة فيه لك ولا خطة أدنا من خطتي لولا أنها في طلب رضاك والسلام.\r\"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 740ه?\"\rلو بغير الماء حلقي شرقٌ\r\rكنتُ كالغصّانِ بالماء اعتصاري","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"كيف يقدر أبقى الله السيد على الدوام من لا يهتدي إلى أوجه الداء وكيف يداري أعداءه من لايعرف الأصدقاء من الأعداء وكيف يعالج علة القرحة العمياء أم كيف يسري بلا دليل في الظلماء أم كيف يخرج الهارب من بين الأرض والسماء: الكريم غذ قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا اسر أعتق ولقد هربت من السيد إليه وتسلحت بعفوه عليه وألقيت ربقة حياتي ومماتي بيديه فليذقني حلاوة رضاه عني كما أذاقني مرارة انتقامه مني ولتلح على حالي غرة عفوه كما لاحت عليها مواسم غضبه وسطوه وليعلم أن الحر كريم الظفر إذا نال أقال وإن اللئيم لئيم الظفر إذا نال استطال وليغتنم التجاوز عن عثرات الأحرار ولينتهز فرص الاقتدار وليحمد الله الذي أقامه مقام من يرتجى ويخشى وركب نصابه في رتبة شاب الزمان ومجدها فتي وأخلق العالم وذكرها طري وليعتقد أنه قد هابه من استتر ولم يذنب إليه من اعتذر وإن من رد عليه عذره فقد أخرج إلى الشجاعة بعد الجبن وأخرج ذنبه إلى صحن اليقين من سترة الظن وفق الله السيد لما يحفظ عليه قلوب أوليائه وعصمه مما يزيد به في عدد جماجم أعدائه.\r\"وكتب بعضهم إلى رئيسه\"\rوجدت استصغارك لعظيم ذنبي أعظم بقدر تجاوزك عني ولعمري ما جل ذنب يقاس إلى فضلك ولا عظم جرم يضاف إلى صفحك ويعول فيه على كرم عفوك وإن كان قد وسعه حلمك فأصبح جليله عندك محتقراً وعظيمة لديك مستصغراً أنه عندي لفي أقبح صور الذنوب وأعلى رتب العيوب غير أنه لولا بوادر السفهاء لم تعرف فضائل الحلماء ولولا ظهور نقص بعض الأتباع لم يبن جمال الرؤساء ولولا إلمام الملمين لبطل تطول المتطولين بالصفح وغني لأرجو أن يمنحك الله السلامة بطلبك لها ويقيلك العثرات بإقالتك أهلها وما علمت أني وقفت منك على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تشتمل على فائدة فضل تتبعها عائدة عقل.\r\"وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906\"","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"بم يعتذر إليك من لايرى لنفسه عذراً وكيف يستتر من عتبك من لايستطيع لذنبه ستراً بل كفاني من العتب تعنيف نفسي على ما ألقيت عليها من تبعة تقصيري وما حلت به من التفريط بينها وبين معاذيري والله يعلم ما كان تقصيري شيئاً أردته ولا كان تفريطي أمراً قصدته ولكنها الأيام إن صاحبتها لم تصحب وإن عاتبتها لم تعتب فلقد عبرت بي هذه البرهة كلها وأنا بين شواغل لا يشغلها عني شاغل وبلابل قد اختلط حابلها بالنابل فنازعتها هذه النهزة اليسيرة أجدد فيها التذكرة إلى أن يمن الله بصلة الحبل واجتماع الشمل واستنزل أحرفاً من حظك يكتحل بها الناظر ويأنس إليها الخاطر متوقعاً بعد ذلك أن أبقى بين يدي مودتك مذكوراً وإلا يكون عجزي لديك شيئاً منظوراً وإن تجري بي على عادة حلمك إلى أن يجمع الله الشتيتين ويغني العين عن الأثر بالعين إن شاء الله تعالى والسلام.\r\"وكتب أيضاً\"","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وافاني كتابك العزيز والنفس نازعة إلى ما يزيل نفارها والقريحة تائقة إلى ما يشحذ غرارها فكان روضة باسمة الكمائم فائحة النسائم قد ردت على النفس انبساطها وأحيت البادرة فاستأنفت نشاطها فأنا منه ما بين وشي يخجل طراز العبقرية وزخرف دونه نضرة السابرية تناجيني منه رشاقة ألفاظ تفضح قدود الحسان وغضاضة أنفاس يغار منها ورد الجنان ورقة خطاب يشف عن ود صفي ولطف خفي وكرم وفي عتب أعذب من الماء القراح وأرق من نسمات الصبا في الصباح حتى لقد جنب إلى تقصيري وشفع عند نفسي في قبول معاذيري على أن ما عندي من الولاء لا يعتريه معاذ الله وهن ولايخلقه تمادي زمن أو ترامي وطن ولكن صروف الأحداث قد قصرت الجهد جواد العزيمة عن القصد والله يعلم أني لو نزلت على حكم نوازل الدهر ولم أدافع طلائعها بما بقي من ساقة الصبر لما كان في همتي إلا كسر اليراع وهجر المحابر والرقاع وحسبي من العذر ما أعرفه من حلمك المألوف وما ألفته من كرمك المعروف.\rوالله أسأل أن يبقيك لي من الدهر نصيباً ويمتعني بلقائك قريباً بمنه وكرمه.\r\"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?\"\rأما بعد فنعم البديل من الزلة الاعتذار وبئس العوض من التوبة الإصرار فأنا لا عوض من إخائك ولا خلف من حسن رأيك وقد انتقمت مني في زلتي بجفائك فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك فإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك وقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك.\r\"وكتبت زبيدة زوجة الرشيد المتوفاة سنة 216ه? إلى المأمون\"","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك وكل إساءة وإن جلت يسيرة لدى حلمك وذلك الذي عودكه الله أطال مدتك وتمم نعمتك وأدام بك الخير ودفع عنك الشر والضير.\rوبعد فهذه رقعة الولهى التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر وفي الممات لجميل الذكر فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حيلتي وأن تصل رحمي وتحسب فيما جعلك الله له طالباً وفيه راغباً: فافعل: وتذكر من لو كان حياً لكان شفيعي إليك.\r\"وكتب إليها المأمون جواب المواساة الآتي\"\rوصلت رقعتك يا أماه أحاطك الله وتولاك بالرعاية ووقفت عليها وساءني (شهد الله) جميع ما أوضحت فيها لكن الأقدار نافذة والأحكام جارية والأمور متصرفة المخلوقون في قبضتها لايقدرون على دفاعها والجنيا كلها إلى شتات وكل حي إلى ممات والغدر والبغي حتف الإنسان والمكر راجع إلى صاحبه.\rوقد أمرت برد جميع ما أخذ لك ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهه.. وأنا بعد ذلك لك علي أكثر مما تختارين والسلام.\r\"وكتب بعضهم\"\rإني وإن جنيت على نفسي وخرجت عن حد الأدب فيما يجب على العبد لسيده فإني عبد نعمتك وصنيع إحسانك وذنبي وإن عظم وضاق باب التوبة عن قبول المعذرة فالعفو عنه بعض حسناتك التي فطرت عليها والغضاء عني سر من أسرارك التي تميل إليها فاجعل العفو عني قربة إلى مولى الموالي واترك العبد عتيق مكارم الأخلاق وإلا فضع سيف نقمتك في نحر عبد نعمتك وأنت حل من دم أراقه أهله أو آل أمره إلى وارث لايسعه إلا النزول عن المطالبة به: ألا وهو مقام جلالتكم السامي.\rوحاشاك أن تعدم الصادق في خدمتك بهفوة لم يقصدها وذنب أقلع عنه.\r\rوعلى كل فالعبد بين يديك وأمره منك وإليك فقد ألقي إليك مقاليد الأجل فافعل ما تشاء واتق الله عز وجل.\r\"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?\"","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"أعاذك الله من سوء الغضب وعصمك من سرف الهوى وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف ورجح في قلبك إيثار الأناة: فقد خفت أيدك الله أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء ومجانبة سبل الحكماء.\rوبعد فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت المتوفي سنة 54ه?.\rوإنّ امرأ أمسى وأصبحَ سالماً\r\rمن النّاس إلا ما جنى لسعيدُ\r\rوقال الآخر:\rومنْ دعا الناس إلى ذمّةِ\r\rذمّوه بالحقّ وبالباطلِ\r\rفإن كنت اجترأت عليك أصلحك الله فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله \"عمر كان خيراً لي منك أرهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني\"فإن كنت لا تهب عقابي \"أيدك الله\" لخدمة فهبه لأ ياديك عندي فإن النعمة تشفع في النقمة وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة وإلا فافعل ذلك الحسن الأحدوثة وإلا فات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد وتتجافى عن عقاب المصر حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر وذنبه ونسيان ومن لا يعرف الشكر إلا لك والأنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة: واعلم أيدك الله أن شين غضبك علي كزين صفحك عني وأن موت ذكرى مع انقطاع سببي منك كحياة ذكرك مع اتصال سببي بك واعلم أن لك فطنة عليم وغفلة كريم والسلام.\rالكلام على الرسائل المتداولة\rهذه الرسائل تتفرع إلى ثلاثة أقسام باعتبار الغرض المقصود: فأما أن تقصد بها أمور الكاتب: وأما أمور المكتوب إليه وأما غرضاً ثالثاً.\rفالأول يشمل على الرسائل التجارية والطلب والشكر والاعتذار والثاني على رسائل النصح والملامة والإخبار والتهنئة والتعزية والأجوبة والثالث على رسائل الوصاة والشفاعات.\rالفصل الثاني في رسائل الطلب\r\"وكتب إلى عبيد الله بن سليمان أبو العيناء المتوفي سنة 282ه?\"","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"أنا أعزك الله وعيالي زرع من زرعك إن أسقيته راع وزكا وإن جفوته ذبل وذوى وقد مسني منك جفاء بعد بر وإغفال بعد تعاهد حتى تكلم عدو وشمت حاسد ولعبت بي ظنون رجال كنت بهم لاعباً مخرساً:\rلاتهنّي بعدَ أن أكرمتني\r\rوشديدٌ عادةٌ منتزعه\r\r\"وكتب الوزير الخطير عبد الخالق باشا ثروت\"\rإليك يا من قد استأسر النفوس بكرمه واسترق الأحرار بجميل صنعه وأولى النعم والخيرات وأسدى المعروف والمبرات أرفع كتاباً تبعثه إلى ناديك العالي عوامل الحاجة وتزجيه إلى ساحتك دواعي الشدة آمل أن يكون تذكرة بأمري والذكرى تنفع المؤمنين وتذكرة بحالي (اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: 120] فقد كان سيدي رفع الله قدره وأعلى مرتبته وعدني ومثله من يتمسك من الوفاء بالعروة الوثقى ويقطع حبل الإخلاف بسيف الوفاء ويطرز خلعه الوعد بوشي العطاء أن يرسل لي من خيراته ويوليني من آلائه وحسناته ويضاعف لي من مننه ويزيدني من عطتئه ما أشد به أزري على الزمان وأطاول به نوائب الحدثان فقد بارزني الدهر بسيوفه ورماني بسهامه وأناخ علي بكلاكله وقد أطال الأمد على حاجتي عند سيدي أطال الله بقاءه حتى طار غراب شبابها وصاح بجانب ليلها فخفت أن تكون هبت عليها ريح النسيان وعصفت بها عاصفة الحدثان فكتبت إلى سيدي ومولاي تلك الرقعة استعجل بها بره وأستدر بها ضرع عطائه علماً بأن التعجيل يكبر العطية وإن كانت صغيرة ويكثرها وإن كانت يسيرة فعسى أن يكون قد لاح نجم النجاح وهب نسيم الفلاح فيرسل سيدي إلى سحاب كرمه ويمطرني من غياث فضله فترف غصون آمالي بعد ذبولها وتضحك وجوه مطالبي بعد عبوسها وأملي في ذلك فسيح فإن سيدي من أكرم الناس نسباً وأشرفهم حسباً ومثله جدير بحفظ العهد وإنجاز الوعد: فإن رأى سيدي أن يخفف ثقل الحاجة عني ويرد ما سلبه الدهر مني بقطرة من بحر عطائه ومنة من بعض آلائه ويجبر ما كسره الفقر من جناحي ويرد عني النوائب التي لاتفتأ تتولاني عقدت","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"لساني على مدحه ووقفت نفسي على شكره فيحرز من الله أجراً جزيلاً ومني شكراً جميلاً. إن شاء الله بمنه وكرمه.\r\"وكتب الفاضل أحمد بك رأفت\"\rالسيد الكامل أدام الله علاءه وأطال بقاءه وجعله موئل الكرم ومسدي النعم قد غمرني بنعمائه وطوقني بآلائه حتى قصرت حمدي عليه وأمسكت لساني عن الشكر إلا إليه وكان من مننه علي وأياديه البيضاء لدي أن وعدني أنه يقلدني في أول العام وظيفة عالية ومرتبة سامية فاخضل روض الأمل بعد ذبوله وبزغ كوكبه بعد أفوله واتسع نطاقه واستبشر القلب نبيل أمنيته والحصول على طلبته واشتد أزري على مقارعة كتائب الزمان وقوي جنائي على صد جيوش الحدثان ومازالت بي الأيام حتى حان أول العام وما تحقق الوعد أو أوفى العهد، ومثل السيد من إذا وعد وفى أو تعهد أوفى.\rأفي دين ذي المعروف يجملُ أنني\r\rتنوءُ بيَ البؤسى ويثقلني العسرُ\r\rوأنتَ الذي أعطى المكارمَ حقّها\r\rولم يحك جدواك السَّحابُ ولا البحرُ\rفعجّلْ فخيرُ البرّ يحمدُ عاجلاً\r\rوأوفِ فوعدُ الحرّ دين به الحرُّ\r\rهذا ولكنني رجعت وحكمت العقل فعذرت السيد وحملت ذلك على أنه إنما لم يعجل بإنجازه وعده وإيفاء عهده إلا لتقليد عبده وظيفة أسمى ومرتبة أعلى عله يستدرك ما فات ويحسن إلى عبده فيما هو آت.\r\r\"وكتب الفاضل عبد العزيز بك محمد\"","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"عهدي بالسيد الجليل أدامه الله مصدراً للمكارم تستق منه صفاتها ومظهراً للفضائل تتجلى فيه آياتها سباقاً إلى غايات المجد درا كالمطلب الحمد أريحيا لا يصبو إلا إلى إسداء المنن جواداً لايطمع طرفه في بث عوارفه إلى ثمن ما أمه أسير فاقة إلا وألفى لديه كهفاً منيعاً وجاهاً رفيعاً قصده ذو حاجة إلا وصدر عن مورد فضله شادياً بثنائه معلناً بولائه وإن لي إلى السيد حاجة إن لم يسعف بقضائها فيا حسرة نفسي وطول شقائها وليست هذه بأول مرة استمحت فيها عالي مروءته واستمطرت صيب همته فإنه طالما طوقني قلائد نعمه وأرسل علي مدرار كرمه فليجر في هذه أيضاً على عادته ويقابلني بما عودني من كرامته: ومعاذ الله أن اسأله ما ليس في وسعه أن أستقضه شيئاً يحرص على منعه: ولكنني:\rأريد بسطةَ كفّ أستعينُ بها\r\rعلى قضاء حقوق للعلى قبلي\rوالذي يكفلُ لي تلك البسطة أن يقلدني سيدي وظيفة مناسبة لحالتي حتى تكون لي درعاً أتقى بها مهانة الفقر وسيفاً أكف به عوادي الدهر ومالي والأقسام عليه في إنالتي هذه البغية بنفيس وقت قضيته في خدمة العلم واقتناء أبكاره وطويل عناء تحملته في مزاولة الأدب واكتشاف أسراره ونفس ارتاضت بالفضل وآثرت غصة الفقر على منة البذل ووله من سنيات الفضائل وعليات الفواضل وجليات المآثر وجليلات المفاخر ما لو أقسم به عليه في إنالة أعز المطالب لألزمه كرم سجاياه بر ذلك القسم وإجابة دواعي الهمم: وإنك لفاعل إن شاء الله تعالى.\r\"وكتب فقيد الأدب حسن أفندي توفيق المتوفي بلندن سنة 1322ه?\"","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"كتابي إلى رب النعماء واليد البيضاء وقد أصبحت كما قال الحريري خاوي الوفاض بادي الأنفاض لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة قد التوى علي أمري وثقل من حاجتي ظهري مد الاحتياج إلى أطنابه وسربلني الافتقار إهابه والدنيا مكدرة بأحداثها وقصورها منمغضة بأجداثها نعيمها يضفو ولكن لا يصفو وأنت كما أعلم مفرج كريبي ومنقذي من شدتي، بطرفة من طرف رفدك ولمحة من لمحات برك فإن استدررت حلوبة مالك فقد لاذ غيري بجاهك ما يممت غيرك وكيف يقصد النهر من جاوز البحر ويحتاج إلى النجم من يسري في ضوء البدر فأستهز عطف جودك وأستمطر سحاب كرمك كيف وأنت قبلة المعروف: وملاذ الملهوف إليك تشد الرحال وبك تناط الآمال مال أولياؤك منك في ظل ممدود وهناء وسعود أفأنت الشمس عمت بالإشراق أو الغيث وغلى الاندفاق: لكن.\rمنْ قاسَ جدواك يوماً\r\rبالسُّحبِ أخطأ مدحك\r\rفالسُّحبُ تعطي وتبكي\r\rوأنت تعطي وتضحك\rنسب الكرم بك عريق وروض المجد أنيق أصل راسخ وفرع شامخ تهتز للمكارم اهتزاز الحسام وتثبت أمام الشدائد بثغر بسام.\rتراه إذا ما جئتهُ متهلّلاً\r\rكأنّك تعطيه الذي أنتَ سائلهُ\rحكمت الآمال في أموالك واستعبدت الأحرار بفعالك ينابيع الجود من أناملك تتفجر وربيع السماح بك ضاحك لايضجر فلا زلت مولاي ممتعاً بشرف سجاياك وشيمك مستمداً الشكر من غراس نعمك ولازالت الأنام تنفع بتلك الشيم وتجني ثمار ذلك الكرم ودمت للمكارم بدر تم لا يناله خسوف وشمس فضل لا يحلقها كسوف: أطال الله لك البقاء كتطول يديك بالعطاء آمين.\rالفصل الثالث في رسائل الشكر\r\"كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?\"\rالشكر ترجمان النية ولسان الطوية وشاهد الإخلاص وعنوان الاختصاص عندي من إنعامه وخاص بره وعامه ما يستغرق منه الشكر ويستنفذ قوة شكر الأسير لمن أطلقه والمملوك لمن أعتقه شكر كأنفاس الأحباب في الأسحار أو أنفاس الرياض غب الأمطار.\r\"وكتب الحسن بن وهب المتوفي سنة 472ه?\"","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"من شكرك على درجة رفعته إليها أو ثروة أقدرته عليها فإن شكري لك على مهجة أحييتها وحشاشة أبقيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه فلكل نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه ومدى تقف عنده وغاية من الشكر لايسمو إليها الطرف خلا هذه النعمة التي فاقت الوصف وأطالت الشكر وتجاوزت قدره (وأنت من وراء كل غاية رددت عنا كيد العدو وأرغمت أنف الحسود) فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل وكنف كريم فكيف يشكر الشاكر وأين يبلغ جهد المجتهد.\r\"وكتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفي سنة 436ه?\"\rفأما الشكر الذي أعارني رداءه وقلدني طوقه وسناءه فهيهات أن ينتسب إلا إلى عادات فضله وأفضاله أو يسير إلا تحت رايات عرفة ونواله وهو ثوب لايحلى بذكره طرازه واسم له حقيقته ولسواه مجازه ولو انه حين ملك رقي بأياديه وأعجز وسعي عن حقوق مكارمه ومساعيه خلي لي مذهب الشكر وميدانه ولم يجاذبني زمامه وعنانه لتعلقت في بلوغ بعض الواجب بعروة طمع ونهضت فيه ولو على وهن وطلع ولكنه يأبى إلا أن يستولي على أمد الفضائل ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل فلا يدع في المجد غاية إلا سبق إليها فارطا وتخلف سواه عنها حسيراً ساقطاً لتكون المعالي بأسرها مجموعة في ملكه منظومة في سلكه خالصة له من دعوى القسم وشركه.\r\"وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده إلى حافظ بك إبراهيم\"","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك لكنك لم تقف بعرفك عندنا بل عممت به من حولنا وبسطته على القريب والبعيد من أبناء لغتنا زفقت إلى أهل اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة العربية سحرت قومها وملكت فيهم يومها ولا تزال تنبه منهم خامداً وتهز فيهم جامداً بل لا تنفك تحيي من قلوبهم ما أماتته القسوة وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة حكمة أفاضها الله على رجل منهم فهدى إلى التقاطها رجلاً منا فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب وجلاها للناظر وحلاها للطالب بعدما أصلح من خلقها وزان من معارفها حتى ظهرت محببة إلى القلوب رشيقة إلى مؤانسة البصائر تهش للفهم وتبش للطف المذوق وتسابق الفكر إلى موطن العلم فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي من النفس في مكان الإلهام.\rحاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجم مبلغك فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها ويرد ما سلبه المعتدون عليها من متانة التأليف وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه: أما أنت فقد وفيت من ذلك ما لا غاية لمريد بعده ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح \"ابن المقفع\" كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع ومعنى أنفع ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور كتابك ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه فتكون قد أحسنت إلى الأبناء كما أجملت في الصنع مع الآباء وحكمت للغة العربية أن لا يدخلها بعد من العجمة ما هو الأسماء الأماكن والأشخاص لا أسماء المعاني والأجناس: ومثلي من يعرف قدر الإحسان إذا عم ويعلي مكان المعروف إذا شمل ويتمثل في","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"رأيه بقوله:\rولو أ'ني حبيتُ الخلدَ فرداً\r\rلما أحببت بالخلدِ انفرادا\r\rفلا هطلت علي ولا بأرضي\r\rسحائبُ ليسَ تنتظم البلادا\r\rفما أعجز قلمي عن الشكر لك وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.\r\r\"وكتب أيضاً في الشكر مع المودة إلى بعض أصحابه\"\rلك في قلوبنا من المودة ما يزكيه سناؤك وفي مناطقنا من الحمد ما يوجبه كمالك وفي صدورنا من الإجلال ما يرفعه بهاؤك وما بيننا من المودة لا تحده منه ولا تخلق له جده نعيذه من حاجة للتجديد واستدعاء للمزيد فلا المواصلة تربيه ولا المجاهلة توهيه: نعم إن ما يحفظ لك في الأنفس هو تجلي فضلك ومثال علائك ونبلك وذلك الخالد بخلود الأرواح الباقي في تفاني الأشباح.\rوبعد فقد تلقيت منك كتاباً يبوح بسر المحبة وبنشر طي الصداقة فيه تبيان وجدانك مما وجدنا وتأثرك على ما فقدنا فكان نبأ عما نعلم وقضاء بما نحكم ولكن شكرنا لك فضل المراسلة وأريحية المجاملة والله يتولى إيفاءك مثوبة تكافئ وفاءك.\r\"وكتب أيضاً في الشكر لآخر\"\rلو كان في الثناء وملازمة الدعاء وحفظ الجميل والقيام بالخدمة جهد المستطيع ما يفي بشكر من يفتتح باب المحبة ويبدأ بصنائع المعروف لكنت والحمد لله من أقدر الناس عليه ولكن أني يكون في ذلك وفاء والمحبة سر نظام الأكوان والإحسان قوام عالم الأمكان والقائم على كنه جميعه قيوم السموات والأرض والمفتتحون لأبواب العرف على هذه النسبة الجليلة منه فليس لي إلا أن ألجأ إلى الله في مكافأة فضيلتكم على ما كان منكم أيام الإقامة بينكم ثم أسلي نفسي عن عجزي بما أتخيل أن كرمكم سيروي:\rسيكفي الكريم إخاءُ الكريم\r\rويقنع بالودّ منه توالا","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وبعد هذا أرجو عفوكم عن التقصير في المبادرة إلى المكتبة لأني شغلت بما شغلني عن نفسي ولكن زالت العوارض والحمد لله: وفاتني لهذا العذر تهنئتكم بالعيد: وإنما للمؤمن في كل يوم بربه عيد فنهنئكم برضاء الله عنكم وتقبله صالح الأعمال منكم: وسلامي على نجلكم ومن يتمنى إليك.\r\rالفصل الرابع في رسائل النصح والمشورة\r\"كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398 ه?\"\rاسمعْ نصيحةَ ناصحٍ\r\rجمعَ النصيحة والمقه\r\rإياك واحذرْ أن تكون\r\rن منْ الثقاتِ على ثقة\r\rصدق الشاعر وأجاد وللثقات خيانة في بعض الأوقات: هذه العين تريك السراب شراباً وهذه الأذن تسمعك الخطأ صواباً فلست بمعذور إن وثقت بمحذور وهذه حالة الواثق بعينه السامع بأذنه وأرى فلاناً يكثر غشيانك وهو الدنيء دخلته الرديء جملته السيء وصلته الخبيث كلته وقد قاسمته في زرك وجعلته موضع سرك فأرني موضع غلطك فيه حتى أريك موضع تلافيه أفظاهره غرك أم باطنه سرك.\rيا مولاي يوردك ثم لا يصدرك ويوقعك ثم لا يعذرك فاجتنبه ولا تقربه وإن حضر بابك فاكنس جنابك وإن مس ثوبك فاغسل ثيابك وأن لصق بجلدك فاسلخ إهابك ثم أفتتح الصلاة بلغته وإذا استعذت بالله من الشيطان فأعنه.\r\"وكتب الاسكندر المقدوني إلى أستاذه الحكيم أرسطو\"\r\"يستشيره فيما يفعله بأبناء ملوك فارس بعد أن قتل آباءهم وتغلب على بلادهم\"","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"عليك أيها الحكيم منا السلام أما بعد فإن الأفلاك الدائرة والعلل السماوية وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين فإنا مضطرون إلى حكمتك غير جاحدين لفضلك والاجتباء لرأيك لما بلونا من أجداء ذلك علينا وذقنا من جنى منفعته حتى صار ذلك وبنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا كالغذاء لنا فما ننفك نعول عليه ونستمد منه استمداد الجداول من البحار وقد كان مما سبق إلينا من النصر وبلغنا من النكاية في العدو ما يعجز القول عن وصفه والشكر على الإنعام به وكان ذلك أنا أرض سورية والجزيرة إلى أرض بابل وفارس فلما نزلنا بأهلها لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم يرأس ملكهم هدية وطلباً للحظوة عندنا فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة أرعوائه ووفائه ثم أمرنا بجمع من كان هنالك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم، فرأينا رجالاً عظيمة أجسامهم وأحلامهم حاضرة ألبابهم وأذهانهم رائعة مناظرهم ومناطقهم دليلاً على أن وراء ذلك ما لم يكن معه سبيل إلى غلبتهم لولا أن القضاء أدالنا منهم وأظهرنا عليهم ولم نر بعيداً من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم وتجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم فرأينا أن لا نعجل ببادرة الرأي في قتلهم دون الاستظهار بمشورتك فيهم؟؟ فارفع إلينا رأيك في ما استشرناك فيه بعد صحته عندك وتقليبك إياه بجلي نظرك.\rوالسلام على أهل اللام فليكن علينا وعليك.\r\"وكتب أرسطو المتوفى قبل الميلاد سنة 322 إلى الاسكندر المقدوني\"","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"إن لكل تربة ولا محالة قسماً من كل فضيلة وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة وإنك إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء منهم على أعقابهم وتورث سفلتهم منازل عليتهم وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم ولم تبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم من غلبة السفلة وذل الوجوه وأحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة فإنهم إن نجم منهم ناجم على جندك وأهل بلادك دهمهم ما لا روية فيه ولا منفعة معه فانصرف على هذا الرأي إلى غيره وأعمد إلى من قبلك من العظماء والأحرار فوزع بينهم مملكتهم وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحية وأعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه فإن المتسمي بالملك لازم لاسمه والمعقود له التاج لا يخضع لغيره ولا يلبث ذلك أن يوقع بين كل ملك وصاحبه تدابراً وتغالباً على الملك وتفاخراً بالمال والجند حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وتعود بذلك حربهم لك حرباً بينهم ثم لا يزدادون بذلك بصيرة إلا أحدثوا هنالك استقامة لك فإن دنوت منهم كانوا لك وإن تأيت عنهم تعززوا بك حتى يثبت كل منهم على جاره باسمك وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لأحداثهم بعدك (وإن كان لا أمان للدهر) وقد أديت للملك ما رأيته خطأ وعلي لاحقاً: والملك أبعد روية وأعلى عيناً في استعان بي عليه.\rوالسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك.\r\"ومن رسالة للإمام علي المتوفى سنة 40 ه?\"\rدع الإسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين أو تطمع وأنت متمزغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين.\rوإنما المرء مجزيء بما أسلف وقادم على ما قدم: والسلام.\r\"وكتب أيضاً كرم الله وجهه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما\"","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"أما بعد فإن المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن أسفك على ما فات منها وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه فرحاً وما فاتك منها فلا تأسف عليه جزعاً وليكن همك فيما بعد الموت.\r\"وكتب بطل الوطنية السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314 ه?\"\rلا حول ولا قوة بالله اشتبه المراقب باللاه واستبدل الحلو بالمر وقدم الرقيق على الحر وبيع الدر بالخزف والخز بالخشف وأظهر كل لئيم كبره (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران: 13] سمعاً سمعاً فالوشاة إن سمعوا لا يعقلوا (وّيُحِبّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ) [آل عمران: 188] فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر و(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 118] وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر (وَلَقَدْ جَآءَهُم مّنَ الأنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) [القمر: 4] عجبت لهم وقد دخلوا دارنا (وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: 105] (فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ) [الأنبياء: 12] فقابلوهم بنبال الطرد في الأعناق (حَتّىَ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) [محمد: 4] أيدخلون بما لا ينفع في بيوت أذن الله أن ترفع سيعلمون مقام الهبوط والعروج (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: 42] ويقولون إذا لم يجدوا ملاذاً (يَوَيْلَنَا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هََذَا) [الأنبياء: 97] فإنهم عزموا على الإقامة مدة ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة وأنت يا عزيز العليا ووحيد الدنيا بيتت لك فعلهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) [آل عمران: 159] ولكنهم طمعوا في عميم طولك (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159] أتراهم يعقلون كلامك أم يفهمون","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"(لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: 72] لهم قلوب لا يدرون بها للحسد قرار لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً) [الكهف: 18] وأني قد شيدت لك بقلبي حصناً صعباً (فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً) [الكهف: 97] نسيت بالعاذل جميل الصوت وأنكره ما أنسانبه إلا الشيطان أن أذكره رميت أيها العاذل بسيف الغدر في نحرك أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك فإن لم ترجع عن السحر وفعله فلنأتينك بسحر مثله كيف يسعى العاذل بين النديم وإلفه (وَقَدْ خَلَتِ النّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الأحقاف: 21] فيا سادتي دعوني من المعجب والمطرب (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [البقرة: 177] واجعلوا سيف ثباتكم للعذال مسلولا (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [الإسراء: 34] فإنهم قالوا كذب النديم أو بطر سيعلمون غداً من الكذاب الأشر وها قد صار أمر الحزبين عندك جلياً أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً أتظن عهد العذل عند غضبك لا ينكث مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث على أنه لكم عدو كبير ففروا إلى الله إني لكم منه نذير فإنه جمع لقتالك الأولاد والأحفاد وآخرين مقرنين في الأصفاد تركوا أمر الله واشتغلوا بما يرضونه فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه: وطني أن وصل إليك كتابي أنهم يطرون ويردعون (وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: 95] أيعجبك إذا مشى هذا اللاه ثاني عطفه (لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ) [القمان: 6] وإنك وإن فرحت بعلم ما يجهلون قد نعلم إنه لحزنك الذي يقولون: فإن قلت إن اجتماعي بهم لأجل الصدقة أو شيء من هذا القبيل (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ) [التوبة: 60] على أنه لا تحل الصدقة لذميم (هَمّازٍ مّشّآءِ بِنَمِيمٍ) [القلم: 11] وطباعهم كما تعلم منكرة مستقذرة (كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّسْتَنفِرَةٌ فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ) [المدثر: 50 51] وقد قال (وفائي) خاطب عزيزك هذه المرة وإن لم يعمل فيك فكرا (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّىَ أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَىَ) [عبس: 3 4] فقال (لساني) إن الود هو الرسول المأمون (فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ) [القصص: 34] فقلت سيروا مع المحبة ذات الفتوة (وَلاَ","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"تَكُونُواْ كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ) بالنحل: 92] وقولوا له عند الغاية قد جئناك بآية ولا تهابوا الجيش وإن كبر سيهزم الجمع ويولون الدبر ولا تظنوا من ظاهر الأمر حلول البلوى (إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىَ) [الأنفال: 42] بل قاتلوهم قتال المستشهدين (وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ) [التوبة: 123] وإذا اشتبك القتال فليدب كل منكم على مولاه (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ) [الأنفال: 61] فسيروا ودعوا الأولاد والجنة (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ) [آل عمران: 133] ولا تسألوا عن الميرة من أصله (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) [التوبة: 28] فإن الله قد أثاركم لقتال العذال العائبين (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ) [آل عمران: 127] واحملوا عليهم فإنهم متى طعنوا في جنوبهم رضوا أن يكونوا مع الخوالف (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة: 93] ولا تدبروا إذا رأيتموهم قدامكم (إِن تَنصُرُواْ اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7] وإن أخذتم أسرى فقاتلوا أنصارها (فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَآءً حَتّىَ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4] فإن أطعتم رفعتم وأصلح الله بالكم (وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم) [محمد: 38] وسأتلوا في خطبتكم عند قدومكم سالمين (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45].\r\"وكتب أستاذي الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده المتوفى سنة 1323 ه?\"","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"عرض لي ما منعني من قراءة الجرائد نحو أسبوع وكنت أسمع فيه بحادثة (ميت غمر) من بعض الأفواه أظنها من الحوادث المعتاد وقوعها حتى تمكنت من مراجعة الجرائد ليلة الخميس الماضي فإذا لهب ذلك الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين سكان (ميت غمر) ويصهر من فؤادي ما يصهره من لحومهم حتى أرقت تلك الليلة ولم تغمض عيناي إلا قليلاً وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الحم من أخوة وأخوات يتقلبون في شدة البأساء فأردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيعه قليلاً لا يغني من الحاجة ولا يكشف البلاء ثم رأيت أن ادعوا جمعاً من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت وكان ذلك يوم السبت فحضر منهم سابقون وتأخر آخرون وكتب بعضهم يعتذرون فشكر الله سعي من حضر وجزى خيراً من اعتذر وغفر لمن تأخر.. على أنه ليس الحادث بذي الخطب اليسير فالمصابون خمسة آلاف وبضع مئين منهم الأطفال الذين فقدوا عائليهم والتجار والصناع الذين هلكت آلاتهم ورؤوس أموالهم ويتعذر عليهم أن يبتدئوا الحياة مرة أخرى إلا بمعونة من إخوانهم وإلا اصبحوا متلصصين أو سائلين والذين فقدوا بيوتهم ولا يجدون ما يأوون إليه ولا مال لهم يقيمون ما يؤويهم من مثل بيوتهم المتخربة لهذا رأيت ورأى كل من تفكر في الأمر أن يجمع مبلغ وافر يتمكن به من تخفيف المصاب عن جميع أولئك المنكوبين.\r\r\"وكتب أيضاً في الغرض المذكور\"","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"قد بلغكم ولا ريب من أخبار الجرائد ما عليه أهل (ميت غمر) بعد الحريق الذي أصاب مدينتهم فهم بلا قوت ولا ساتر ولا مأوى فليتصور أحدكم أن الأمر نزل بساحته أفما كان يتمنى أن يكون جميع الناس في معونته فليطالب الآن كل منا نفسه بما يطالب به الناس لو نزل به ما نزل بهم ولينفق مما له ما يدفع الله به عنه مكروه الدهر.. فأرجو من همتكم أن تدفعوا شيئاً من مالكم في مساعدة إخوانكم وان تبذلوا ما في وسعكم لحث من عندكم على مشاركتكم في هذا العمل: والسلام.\rالفصل الخامس في رسائل الملامة والعتاب\r\"كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398 ه?\"\rلئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ\r\rلقد سرني أني خطرتُ ببالكِ","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"الأمير أطال الله بقاءه في حالي بره وجفائه متفضل وفي يومي إدنائه وإبعاده متطول وهنيئاً له من حمانا ما يحله ومن عرانا ما يحله ومن أعراضنا ما يستحله: بلغني انه أدام الله عزه استزاد صنيعه فكنت أظنني معجباً عليه مساء إليه فإذا أنا في قرارة الذنب ومثارة العتب وليت شعري أي محظور في العشرة حضرته أو مفروض من الخدمة رفضته أو واجب في الزيارة أهملته وهل كنت إلا ضيفاً أهداه منزع شاسع وأداه أمل واسع وحداه فضل وإن قل وهداه رأي وإن ضل ثم لم يلق إلا في آل ميكال رحله ولم يصل إلا بهم حبله ولم ينظم إلا فيهم شعره ولم يقف إلا عليهم شكره: ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة ولا زادت مرمة إلا نقصت صيانة ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة ولم تزل الصفة بنا حتى صار وابل الأعظام قطرة وعاد قميص القيام صدره ودخلت مجلسه وحوله من الأعداء كتيبه فصار ذلك التقريب ازورارا وذلك السلام اختصاراً والاهتزاز إيماء والعبارة إشارة وحين عاتبته آمل إعتابه وكاتبته أنتظر جوابه وسألته أرجو إيجابه أجاب بالسكوت فما ازددت له إلا ولاء وعليه ثناء ولا جرم إني اليوم أبيض وجه العهد واضح حجة الود طويل لسان القول رفيع حكم العذر وقد حملت فلاناً من الرسالة ما تجافى القلم عنه والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقاً إن شاء الله عز وجل.\r\"وكتب أيضاً إلى القاسم الكرجي المتوفى سنة 440 ه?\"","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"بالتحمل أحاسب مولاي أيده الله على أخلاقه ضناً بما عقدت يدي عليه من الظن به والتقدير في مذهبه: لولا ذلك لقلت في الأرض مجال إن ضاقت ظلالك وفي الناس واصل إن رثت حبالك واأخذه بأفعاله: فإن أعارني أذناً واعية ونفساً مراعية وقلباً متعظاً ورجوعاً عن ذهابه ونزوعاً عن هذا الباب الذي يقرعه ونزولاً عن الصعود الذي يفرعه فرشت لمودته خوان صدري وعقدت عليه جوامع خصري ومجامع عمري وغن ركب من التعالي غير مركبه وذهب من التغالي في غير مذهبه أقطعته خطة أخلاقه ووليته جانب إعراضه.\rولا أذودُ الطير عن شجرٍ\r\rقد بلوت المرّ من ثمره\rفإني وإن كنت في مقتبل السن والعمر قد حلبت شطري الدهر وركبت ظهري البر والبحر ولقيت وفدي الخير والشر وصافحت يدي النفع والضر وضربت إبطي العسر واليسر وبلوت طعمي الحلو والمر ورضعت ضرعي العرف والنكر فما تكاد الأيام تريني من أفعالها غريباً وتسمعني من أحوالها عجيباً ولقيت الأفراد وطرحت الآحاد فما رأيت أحداً إلا ملأت حافتي سمعه وبصره وشغلت حيزي فكره وأثقلت كتفه في الحزن وكتفه في الوزن وود لو بادر القرن صحيفتي أو لقي صفيحتي فما لي صغرت هذا الصغر في عينه وما الذي أزرى بي عنده حتى احتجت وقد قصدته ولزم وقد حضرته.\rأنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل أو يجحد فضل العلم أو يمتطي ظهر التيه على أهليه وأسأله أن يختصني من بينهم بفضل إعظام إن زلت بي مرة قدم في قصده وكأني به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة والرتبة المتحيفة وهو في جنب جفائه يسير فإن أقلع عن عادته ونزع عن شيمته في الجفاء فأطال الله بقاء الأستاذ الفاضل وأدام عزه وتأييده.\r\"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى بالبصرة سنة 255 ه?\"","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"والله يا قليب لولا أن كبدي في هواك مقروحة وروحي مجروحة لساجلتك هذه القطيعة وماددتك حبل المصارمة وأرجو أن الله تعالى يديل صبري من جفائك فيردك إلى مودتي وأنف القلى راغم فقد طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء والسلام.\r\"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفى سنة 740 ه?\"\rكتابي وقد خرجت من البلاد خروج السيف من الجلاء وبروز البلد من الظلماء وقد فارقتني المحنة وهي مفارق لا يشتاق إليه وودعتني وهي مودع لا يبكي عليه والحمد لله تعالى على محنة يجليها ونعمة ينيلها ويواليها كنت أتوقع أمس كتاب مولاي بالتسلية واليوم بالتهنية فلم يكاتبني في أيام البرحاء بأنها غمته ولا في أيام الرخاء بأنها سرته وقد اعتذرت عنه إلى نفسي وجادلت عنه قلبي فقلت أما إخلاله بالأولى فلأنه شغله الاهتمام بها عن الكلام فيها وأما تغافله عن الأخرى فلأنه أحب أن يوفر علي مرتبة السابق إلى الابتداء ويقتصر بنفسه على محل الاقتداء لتكون نعم الله سبحانه علي موفورة من كل جهة ومحفوفة بي من كل رتبة فإن كنت أحسنت الاعتذار عن سيدي فليعرف لي حق الإحسان وليكتب إلي بالاستحسان وإن كنت أسأت فليخبرني بعذره فإنه أعرف مني بسره وليرض مني بأني حاربت عنه قلبي واعتذرت عن ذنبه حتى كأنه ذنبي وقلت يا نفس اعذري أخاك وخذي منه ما أعطاك فمع اليوم والعود أحمد.\r\"وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر المتوفى سنة 80 ه?\"\rأما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك وذلك أنك ابتدأتني بلطف عن غير حبرة ثم أعقبته جفاء من غير ذنب فأطمعتني أولك في إخائك وأيأسني آخرك من وفائك فسبحان من لو شاء لكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك فاجتمعنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف والسلام.\r\"وكتب صديقي الأوفى زعيم الوطنية الشيخ عبد العزيز جاويش\"","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"سيدي: مالي أراك كمن نسي الخليط وتجرد في الصحبة عن المحيط والمحيط فإذا ما صادفتك صدفت أو أنصفتك ما نصفت أتظن أني قعيدة بيتك أو رهين كيتك وذيتك فوحقك إذا آنست من يدي مللا أو من قدمي كللا لنجزتها البتات وكلت بنقصها الذات ولو أني آنست من الزاد فترة أو من الشراب عسرة لطعمت الطوى وأستقيت الجوى فكيف أداعب وتصاعب وأحالف وتخالف وأواصل وتفاصل وأجالب وتجانب لبئست مطيتك التي اقتدعت وشرعتك التي شرعت فوالله لولا أن الحب حادث لا يتقي بالتروس ومعنى لا يدب إلا في النفوس وسهام لا ترمى إلا من قسي الحواجب ونحو أوله المعية وآخره الجوازم لما افترست الظباء الصيد الأسود ولا ملكت الأحرار العبيد ولولا أني كرعت من صابه والتحفت ببردة أوصابه لتعوذت منك (بسورة الفلق) ونبذتك نبذ الرداء الخلق ولهان علي أن أدعك أو أسمعك.\rتمرَّون الديارَ ولن تعوجو\r\rكلامكمو عليّ إذاً حرامُ\rغير أن لي نفساً شبت على الحب فلم أفطمها وتقادعت على ناره فلم أعصمها حتى بلغ السيل الزبى وتبددت النفس أيدي سبا إلا حشاشة غفل عنها الوجد وبقية رمق ألفيتها من بعد وكلما رأيت منك الشطط واعتساف الخطط عمدت إلى أن اثني من رسنها وأذود عن عطنها وشخصت إلى المكافحة والمكافأة وأن لا أكليك إلا مثلاً ولا أسقيك إلا وشلا ولا أزيدك إلا فشلا.\rولست أجزيك الجزاء الذي\r\rعلى وفاءِ الصنع لا يخسه\rوليس يبكي صاحباً من إذا\r\rأهين لا يبكي على نفسه\r\rعلى أني بالرغم أصبح في نهار أحلك من ليل وأمسي في ليل أشق على النفس من ويل.\rوليل كموج البحر أرخى سدوله\r\rعليّ بأنواع الهموم ليبتلي","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"فإن تخلصت من لقائك فإلى الشقاء وإذا لجأت من عسفك فإلى العناء وإذا استجرت بفراقك فقد استجرت بالنار من الرمضاء وكأنك لم تدر أن دولة الحسن سريعة التقويض وأنه لابد من هبوط القمر إلى الحضيض ولسوف تبلى بعارض بيد أنه غير ممطر وبساعة مقبلك فيها مدبر وستصبح عما قريب قد عفت رسومك ولم تجد في سوق الصحبة من يسومك والعاقل من لا يختال بنفسه ولا يبني على غير أسه فإنك ما نضت لؤلؤة مبسمك ولا نضرت صورة معصمك ولا شئت فخلقت كما تشاء ولا اتخذت عند الله عهداً وهذا الوفاء ولكن مثلك من أفرغه الله في القالب الذي اختار وجعله مرتع النفوس ومسرح الأبصار وغني أبها العزيز قد تقدمت إليك.\rولي أملق قطعتُ به الليالي\r\rأراني قد فنيت به وداما\r\rفلا تحرمني من سائغ العفو وسابغه ولا تجعلني (كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) [الرعد: 14].\rفأشدُ ما لقيتُ من ألم الجوى\r\rقربُ الحبيب وما إليه وصولُ\rكالعيسِ في البيداء يقتلها الظما\r\rوالماءُ فوق ظهورها محمولُ","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"فاعمل في يومك لغدك واستجز غيرك ببسط يدك ولا تأخذني بجرم الجاني المتلبس ولا تبتغ مني صحيفة المتلمس بيد أني أنشدك الذي بلى العاشق بالمعشوق وكلفه في الحب بيض الأنوق وسهد طرفه بنواعس العيون وخول للحسن (إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82] كما قرن الهوى بالنوى والقلب بالجوى وقضى على المحب ونشر العشق فلم يحتجب ما الذي أغرى إلى الإعتكاف وعدم الإنصاف ألين الأعطاف أم فتور الأجفان أم تكسر الكلام أم هيف القوام؟ لقد شددت أزرك والله بضعاف واستمنت تلك العجاف وهل حدا إلى قطيعتي بك أني خشن الملمس رث الملبس ولم أمنح كما منحت نضرة ولم ألبس برقع البياض والحمرة فأعلم أنك إن تظرتني بعين الرضا ورحمت فؤاداً يتقلب منك على جمر الغضا فستجدني صديقك الذي لا يبطره الوفاء ولا يثنيه الجفاء املك لك من لسان وأطوع لأمرك من بنان: أكتب فأين لعبد الحميد الكاتب قلمي وأشعر فأين الشعراء إلا تحت علمي وأبذل فأين حاتم من كرمي وأحلم فأين أحنف من حلمي.\rوحسبك فخراً أن يجود بنفسه\r\rعلى رغب منْ ليس يأملُ في الشكر\rومن يحتمل في الحب ما فوق كاهلي\r\rفحسبك حلماً أن يقيمَ على الهجرِ\r\rفإن أصخت إلى الداعية ووعيت كلمات لا تسمع فيها لاغية فإليك الجزاء وعلي الوفاء وإلا فالفرار إلى الموت أمرٌ يسير والقبر للعشاق قليلٌ من كثير.\r\"وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى سماحة السيد توفيق البكري\"\rكتابي إلى السيد السند ولا أجشمه الجواب عنه فذلك ما لا انتظره منه وإنما أسأله أن ينشط إلى قراءته ويتنزل إلى مطالعته وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه أو يزكيها ويحكم عليها أو لها.\rفقد تنفعُ الذكرى إذا كان هجرُ همو\r\rدلالا فأما إن ملالاَ فلا نفعاً","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"زرت السيد ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه كحرصي على بقائه وكلفي بشهوده كشغفي بوجوده فقد بعد والله عهد هذا التلاق وطال أمد الفراق وتصرم الزمان وأنا من رؤيته في حرمان فسألت عنه فقيل لي أنه خرج لتشييع زائر وهو عما قليل حاضر فانتظرت رجوعه وترقبت طلوعه ولم أزل أعد اللحظات وأستطيل الأوقات حتى بزغت الأنوار وارتج صحن الدار وظهر الاستبشار على وجوه الزوار وجاء السيد في مركبه وجلالة محتده ومنصبه فقمنا لاستقباله وهينمنا بكماله فمر يتعرف وجوه القوم حتى حازاني وكبر على عينه أن يراني فغادرني ومن على يساري وأخذ في السلام على جاري وجر السلام الكلام وتكرر القعود والقيام وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة ومر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.\rتمرّون الديارَ ولن تعرجوا\r\rكلامكمو عليَّ إذنْ حرام\rوكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر أن عهدي لديه لا يحفر فإذا أنا لست في العير ولا في النفير وغيري عند السيد كثير وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.\rومن مدتِ العليا إليه يمينها\r\rفأكبر إنسان لديه صغيرُ\r\rولا أدعي أني أوازي السيد صانه الله في علو حسبه أو أدانيه في علمه وأدبه أو أقاربه في مناصبه ورتبه أو أكاثره في فضته وذهبه وإنما أقول ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار وشهود الأواني على مائدة الإفطار وبين من يزوره للسلام وتأييد جامعة الإسلام وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصاً للخلاص ومن يتردد إجابة لدعوة الإخلاص وأن لا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد وقناص الشوارد بنقاء الموالد ورواد الطرف بأرباب الحرف.\rفما كلُ منْ لقيتَ صاحبُ حاجةٍ\r\rولا كل من قابلت سائلك العرفا","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الجناس فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس وإلا فلماذا يطوف على بعض الضيوف ويحييهم بصنوف من المعروف ويتخطى الرقاب \"لصروف\" ويخترق لأجله الصفوف فإن زعم السيد أنه اعلم بتصريف الأقلام فليس بأقدم هجرة في الإسلام وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.\rولا أرومُ بحمد الله منزلة\r\rغيري أحقُ بها مني إذا راما\r\rوإنما أصونُ نفسي عن المهانة والضعة\r\rولا اعرّضها للضيق وفي الدنيا سعة\r\rوأكرم نفسي أنني إن أهنتها\r\rوحقك لم تكرم على أحد بعدي\rفلا يصعر السيد من خده فقد رضيت بما ألزمني من بعده ولا يغض من عينه فهذا فراقٌ بيني وبينه وليتخذني صاحباً من بعيد ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.\rكلانا غنيّ عن أخيه حياتهُ\r\rونحن إذا متنا أشدُ تغانيا\r\rومن يعلى السيد السلام على الدوام ومبارك إذا لبس جديداً وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيداً ومرحى إذا أصاب وشيعته السلامة إذا غاب وقدوماً مباركاً إذا آب وبالرفاء والبنين إذا أعرس وبالطالع المسعود إذا أنجب ورحمه الله إذا عطس ونوم العافية إذا نعس وصح نومه إذا استيقظ وهنيئاً إذا شرب وما شاء الله كان إذا ركب ونعم صاحبه إذا انفجر الفجر وسعد مساؤه إذا أذن العصر وبخ بخ إذا نثر ولا فض فوه إذا شعر وأجاد وأفاد إذا خطب وأطرب واغرب إذا كتب وإذا حج البيت فحجاً مبروراً وإذا شيع جنازتي فسعياً مشكوراً: والسلام.\rالفصل السادس في رسائل الشكوى\r\"كتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة 436 ه?\"","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"إنما أشكو إليك زماناً سلب ضعف ما وهب وفجع بأكبر مما متع وأوحش فوق ما آنس وعنف في نزع ما البس فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع حتى جرعنا مرارة الفراق ولم يمتعنا بأنس الالتقاء حتى غادرنا رهن التلهف والاشتياق والحمد الله تعالى على كل حال يسوء ويسر ويحلو ويمر ولا أيأس من روح الله في إباحة صنع يجعل ربعه مناخي ويقصر مدة البعاد والتراخي فألاحظ الزمان بعين راض ويقبل إلي حظي يعد إعراض وأستأنف بعزته عيشاً عذب الموارد والمناهل مأمون الآفات والغوائل.\r\"وكتب عبد الحميد بن يحيى المقتول سنة 132 إلى أهله\rوهو مهزم مع مروان\" أما بعد، فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها ومن عضته بناتها ذمها ساخطاً عليها وشكاها مستزيداً لها وقد كانت أذاقتنا أفاويق اسحليناها ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا مولية فملح عذبها وخشن لينها فأبعدتنا من الأوطان وفرقتنا عن الإخوان فالدار نازحة والطير بارحة وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعداً وإليكم وجدا فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار والذل شر جاز نسأل الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.\r\r\"وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده وهو مسجون\rبسبب الحوادث العرابية\"\rتقلّدتني اللّيالي وهي مدبرةٌ\r\rكأنني صارمٌ في كفّ منهزم","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"عزيزي (هذه حالتي) اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى واعترضت ما بين المشرق والمغرب وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس إذ تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية أو الإنسانية فأصبحت قلوب الثقلين (كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدّ قَسْوَةً) [البقرة: 74] فتبارك الله أقدر الخالقين انتثرت نجوم الهدى وتدهورت الشموس والأقمار وتغيبت الثوابت النيرة وفر كل مضيء منهزماً من عالم الظلام ودارت الأفلاك دورة العكس ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا فولى معه آلهة الخير أجمعين وتمحضت السلطة لآلهة الشر فقلبوا الطباع وبدلوا الخلق وغيروا خلق الله وكانوا على ذلك قادرين.\rرأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه في ليلة داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء فتكاثف ركاماً ركاماً لا أرى إنساناً ولا أسمع ناطقاً ولا أتوهم مجيباً أسمع ذئاباً تعوي وسباعاً تزأر وكلاباً تنبح كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب والتف على رجلي تنينان عظيمان وقد خويت بطون الكل وتحكم فيها سلطان الجوع ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.\rتقطع الأمل وانفصمت عروة الرجاء وانحلت الثقة بالأولياء وضل الاعتقاد بالأصفياء وبطل القول بإجابة الدعاء وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء وجميع العالمين.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"سقطت الهمم وخربت الذمم وغاض ماء الوفاء وطمست معالم الحق وحرقت الشرائع وبدلت القوانين ولم يبق إلا هوى يتحكم وشهوات تقضى وغيظ يحتدم وخشونة تنفذ \"تملك سنة القدر\" و(اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف: 52].\rذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه ومقذوفات من التهم وسواقط من اللمم ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة ويغشوا بها أعين الناظرين لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه أو لمستور يكشفونه أو لحق خفي فيهرونه أو خرق بدا فيرقعونه أو نظام فاسد فيصلحونه كلا: بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوا غير مخطئين، وقد وجدوا لذلك أعواناً من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة وفاسدي الأخلاق وخبثاء الأعراق رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان واختلاق الإفك وقد تقدموا إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل ليكونوا بها علينا من الشاهدين، كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة ولم تحل قلبي وحشة بل أنا على أتم أوصافي التي تعلمها غير مبالٍ بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء، عالماً بأن كل ما يسوقه القدر وما ساقه من البلاء فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق فيه، لأن الله تعالى يعلم كما أنت تعلم أنني بريء من كل ما رموني به، ولو أطلعت عليه لوليت منه رعباً وكنت من الضاحكين.\rنعم حنقني الغم وأحمى فؤادي الهم وفارقني النوم ليلة كاملة عند ما رأيت اسمك الكريم واسم بقية الأبناء والأخوان المساكين تنسب إليهم أعمال لم تكن وأقوال لم تصدر عنهم لقصد زجهم في المسجونين.\rلكن اطمأن قلبي وسمن جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر فرجوت أن الحكومة لم ترد أن تفتح باباً لا يذر الأحياء ولا الميتين.\rقدم فلان وفلان تقريرين جعلا تبعات الحوادث الماضية على عنقي ولم يتركا شيئاً من التخريف إلا قالاه وذكرا أسماءكم في أمور أنتم جميعاً أبعد الناس عنها، لكن لا","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"حرج عليهما فإني لأراهما من المجانين، ولم أتعجب من هذين الشخصين إذ يعملان مثل هذا الذنب القبيح ويرتكبان هذا الجرم، الشنيع ولكن أخذني العجب \"كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي\"، إذ أخبرني المدافع عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إله السلام وأبلغته سروري عندما سمعت باستخدامه، وأنا في هذا السجن رهين.\r\rإلى هذا الوقت لم يصلني التقرير ولكن سيصل إلي إنما فيما بلغني أنه شهادة بأقبح شيء لا يشهد به إلا عدو مبين: هذا اللئيم الذي كنت أظن أنه يألم لألمي ويأخذه الأسف لحالي ويبذل وسعه إن أمكنه في المدافعة عني فكم قدمت له نفعاً ورفعت له ذكراً وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين: كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد وأوسع محرريها لوماً وتقريعاً وأهزأ بتلك الحركات الجنونية وكان هو علي في بعض أفكاري هذه من اللائمين: كان ينسب فلاناً لسوء القصد اتباعاً لرأي فلان وأعارضه أشد المعارضة، ثم لم أنقض له عهداً ولم أبخس له ودا وحقيقة كنت مسروراً لوجوده موظفاً فما باله أصبح من الناكثين: آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد حفظه للولاء، ما أغيره على حقوق الأولياء، ما أثبته على الوفاء، ما أرقه على الضعفاء، ما أشد اهتمامه بشؤون الأصدقاء، ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة، وإن كانوا فيها غير صادقين، ما أبعد هذا القلب من الإيذاء ولو للأعداء، ما أشده رعاية للود، ما أشده محافظة على العهد ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الظاهرة، ما أقواه على العمل الحق، والقول الحق، لا يطلب عليه جزاء، وكم اهتم بمصالح قوم وكانوا عنها غافلين، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم هو الذي سر قلوبهم بالترقية وملأها فرحاً بالتقدم ولطف خواطرهم بحسن المعاملة وشرح صدورهم بلطيف المجاملة ودافع عنهم أزماناً \"خصوصاً هذا اللئيم\" أفنشرح الصدور وهم يحرجون ونشفي القلوب وهم يؤلمون ونفرحها وهم يحزنون؟ تالله (قَدْ ضَلّواْ وَمَا","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: 140] هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم، وما بقي من هذا القلب فهو في خوف على من يعرفهم على عهد مودته، فإن تسللوا جميعاً بمثل هذه العمال اصبحوا من مودته خالين واتخذوه وقاية لهم من المضرة وجعلوه ترساً يعرضونه لتلقى سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم كما اتخذوه قبل ذلك سهماً يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم فقد أراحوا تلك البقية من الفكر فيهم، والله يتولى حسابهم (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62]، آه ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شؤون الأحبة وإن جاروا في تصرفهم.\rإن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود وإن كان خشناً فصعب أن ينفصل ولو مزقته خشونته، وإن هذا القلب في علاقة مع الأوداء كالضياء مع الحرارة أيما حادث يحدث وأيما كيماوي يدقق لا يجد للتحليل بينهما سبيلاً، وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من المتحققين.\r\"وكتب حافظ بك ابراهيم إلى الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده\"\rكتابي إلى سيدي وأنا من وعده بين الجنة والسلسبيل ومن تيهي به فوق النثرة والإكليل وقد تعجلت السرور وتسلقت الحبور وقطعت ما بيني وبين النوائب.\rوبشّرتُ أهلي بالذي قد سمعتهُ\r\rفما منحتي إلاّ ليالٍ قلائل\r\rوقلت لهم للشيخ فينا مشيئةٌ\r\rفليس لنا من دهرنا ما ننازلُ\rوجمعت فيه بين ثقة الزبيدي بالصمصامة والحارث بالنعامة فلم أقل ما قال الهذلي لصاحبه حين نسي وعده وحجب رفده.\r\"يا دار عاتكة التي أتغزل\" بل أناديه نداء الأخيذة في عمورية شجاع الدولة العباسية وأمد صوتي بذكر إحسانه مد المؤذن صوته في آذانه واعتمد عليه في البعد والقرب اعتماد الملاح على نجمة القطب.\rوقال أصيحابي وقد هالني النَّوى\r\rوهالهمُ أمري متى أنتَ قافل","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"فقلت إذا شاء الإمامُ فأوبتي\r\rقريبٌ وربعي بالسَّعادة آهلُ\r\rوهأنا متماسك حتى تنحسر هذه الغمرة وينطوي أجل تلك الفترة وينظر لي سيدي نظرة ترفعني من (ذَاتِ الصّدْعِ) [الطارق: 12] إلى (ذَاتِ الرّجْعِ)[الطارق: 11] وتردني إلى وكري الذي فيه درجت رد الشمس قطرة المزن إلى أصلها ورد الوفي الأمانات إلى أهلها.\rفإن شاءَ فالقربُ الذي قد رجوته\r\rوإن شاءَ فالعزُّ الذي أنا آملُ\r\rوإلاَّ فإني قافُ رؤبةَ لم أزل=بقيد النَّوى حتى تغولَ الغوائلُ\rفلقد حللت السودان حلول الكليم في التابوت والمغاضب في جوف الحوت بين الضيق والشدة والوحشة والوحدة: لا، بل حلول الوزير في تنور العذاب والكافر في موقف الحساب بين نارين نار القيظ ونار الغيظ.\rفناديت باسم الشيخ والقيظ جمرهُ\r\rيذيب دماغ الضّب والعقل ذاهل\rفصرت كأني بينَ روضٍ ومنهلٍ\r\rتدبُّ الصّبا فيه وتشدو البلابل\r\rواليوم أكتب إليه وقد قعدت همة النجمين وقصرت يد الجديدين. عن إزالة ما في نفس ذلك الجبار العنيد فلقد نما ضب ضغنه علي وبدرت بوادر السوء منه إلي فأصبحت كما سر العدو وساء الحميم وآلامي كأنها جلود أهل الجحيم كلما نضج منها أديم تجدد أديم وأمسيت وملك آمالي إلى الزوال أسرع من أثر الشهاب في السماء ودولة صبري إلى الاضمحلال أحث من حباب الماء فنظرت في وجوه تلك العباد وإني لفارس العين والفؤاد فلم تقف فراستي على غير بابك.\rوإني أهديك سلاماً لو امتزج بالسحاب واختلط منه باللعاب لأصبحت تتهادى بقطرة الأكاسرة وأمست تدخر منه الرهبان في الأديرة ولأغنى ذات الحجاب عن الغالية والملاب ولابدع إذا جاد السيد بالرد فقد يرى وجه المليك في المرآة وخيال القمر في الإضاءة وإن حال حائل دون أمنية هذا السائل فهو لا يذم يومك ولا ييأس من غدك فأنت خير ما تكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً: والسلام.\rالفصل السابع في رسائل العيادة\r\"كتب ابن الرمي المتوفي سنة 284ه? إلى بعضهم\"","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"لأذن الله في شفائك وتلقى داءك بدوائك ومسح بيد العافية عليك ووجه وفد السلامة إليك وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك.\r\r\"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 383ه?\"\rوصل كتابك يا سيدي فسرني نظري إليه ثم غمني اطلاعي عليه لما تضمنه من ذكر علتك جعل الله أولها كفارة وآخرها عافية ولا أعدمك على الأولى أجراً وعلى الأخرى شكراً: وبودي لو قرب علي متناول عيادتك فاحتملت عنك بالتعهد والمساعدة بعض أعباء علتك فلقد خصني من هذه العلة قسم كقسمك ومرض قلبي فيك لمرض جسمك.. وأظن أني لو لقيتك عليلاً لانصرفت عنك وأنا أعل منك فإني بحمد الله تعالى جلد على أوجاع أعضائي غير جلد على أوجاع أصدقائي شفاك الله وعافاك.\rالفصل الثامن في رسائل التهاني\r\"كتب في التهنئة بالأولاد أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?\"\rأهلاً وسهلاً بعقلية النساء وأم الأبناء وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار.\rولو كانَ النّساء كمثل هذي\r\rلفضّلتِ النّساءُ على الرّجالِ\rفما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ\r\rولا التّذكيرُ فخرٌ للهلالِ\r\rوالله يعرفك البركة في مطلعها والسعادة بموقعها فالدنيا مؤنثة والناس يهدمونها والذكور يعبدونها والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية وفيها كثرت الذرية والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب وحليت بالنجوم الثواقب والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام ولا تحرك الأنام والجنة مؤنثة وبها وعد المقتون وفيها تنعم المرسلون فهنيئاً هنيئاً ما أوليت وأوزعك الله شكر ما أعطيت وأطال بقاءك ما عرف النسل وما بقي الأبد.\r\"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه? إلى الدواردي يهنيه بمولود\"","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"حقاً لقد أنجز الإقبال وعده ووافق الطالع سعده وإن الشأن لفيما بعده وحبذا الأصل وفرعه وبورك الغيث وصوبه وأينع الروض ونوره وحبذا سماء أطلعت فرقداً وغابة أبرزت أسداً وظهر وافق سنداً وذكر يبقى أبداً ومجد يسمى ولداً وشرف لحمة وسدى.\rأنجب كلٌّ منْ والديه به\r\rإذْ نجلاه فنعمَ ما نجلا\rفألفياه شهاب ذكاء وبدر علاء.\rووجداهُ ابنْ جلا\r\rأبيضَ يدَّعى الجفلى\rلمثلهِ أولى فلا\r\rإذا النَّديُّ احتفلا\r\r\"وكتب في التهنئة بالقدوم أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?\"\rأهنيء سيدي ونفسي تطيب بما يسر الله من قدومه سالماً وأشكر الله على ذلك شكراً دائماً جعل الله قدومك بالخيرة التامة العامة والكفاية الشاملة الكاملة.\r\rغيبة المكارم مقرونة بغيبتك وأوبة النعم موصولة بأوبتك: فوصل الله قدومك من الكرامة بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة وهناك بإيابك وبلغك غاية محابك مازلت بالنية معك مسافراً وباتصال الذكر والفكر ملاقياً إلى أن جمع شمل سروري بأوبتك وسكن نافر قلبي بعودتك.\r\"وكتب أيضاً في التهنئة برمضان\"\rساق الله إليك سعادة إهلاله وعرفك بركة كماله لقاك الله فيه ما ترجوه ورقاك إلى ما تحب في ما تتلوه جعل الله ما يطول من هذا الصوم مقروناً بأفضل القبول مؤذناً بدرك البغية ونجح المأمول ولا أخلاك من بر مرفوع ودعاء مسموع قابل الله بالقبول صاميك وبعظيم المثوبة تهجدك وقيامك أعاد الله إلى مولاي أمثاله وتقبل فيه أعماله وأصلح في الدين والدنيا أحواله وبلغه منها آماله سعد الله مولاي بهذا الشهر ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر.\r\"وكتب أبو الفرج الببغاء المتوفي سنة 398ه? تهنئة\"","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"سيدي: أيده الله، أرفع قدراً. وأنبه ذكراً وأعظم نبلاً وأشهر فضلاً من أن نهنئه بولاية وإن جل خطرها وعظم قدرها. لأن الواجب تهنئه الأعمال بفائض عدله والرعية بمحمود فعله والأقاليم بآثار رياسته والولايات بسمات سياسته فعرفه الله بمن ما تولاه ورعاه في سائر ما استرعاه ولا أخلاه من التوفيق فيما يعانيه والتسديد فيما يبرمه ويمضيه.\r\"وكتب رشيد الدين الوطواط المتوفي سنة 573ه? تهنئة بالقدوم من سفر\"\rبلغني إياب سيدي زانه الله بصنوف المعالي وصانه من صروف الليالي من سفرته الميمونة التي أسفرت عن نيل المراد وتسهيل البغية إلى دار أقامته ومستقر كرامته لم يؤثر فيه نصب السير وعناؤه وكلال السفر وعثاؤه فبلغ سروري بذلك مبلغاً يضاهي ما كنت بصدده من الجزع لغيبته فحمدت الله تعالى على ما يسر له من الرجوع إلى مغانيه والطلوع على بلدة جر فيها ذيول أمانيه فسألته عظمت هيبته أن يجعل ما أنعم به عليه من قرب الدار ودنو المزار موصولاً بطول العمر والبقاء مقروناً بدوام العز والعلاء أنه سميع الدعاء.\r\"كتب المرحوم الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?\"\rأي جهابذة الكنانة نبال الجنابة مياه الأجانة أبناء تلك اللغى صناديد هذه الوغى إليكم يساق الحديث في القديم والحديث عن هذا النبأ العظيم والمجد الصميم مالي أرى في لغتنا الشريفة \"ويعلم أولو النهي آية هي من اللغات أحق بهذا النبر أن يصرف إليها عند الإطلاق\" هبوباً غب خمول وترة بعد تحول ونوراً عقيب أفول ونوراً إثر ذبول وصبا وراء قبول وعدلاً ولا حيف وقوة ولا ضعف وما يشاء المطري في هذا القبيل من العطف.\rآمنت بالقدر المقدور والبعث والنشور كذلك يحيي الله الموتى.\rأليس رجل واحد أسفرت عنه عناية التوفيق فألقت إليه المقاليد بلى ولكنه الواحد الذي يقول في مثله صاحب بني ميكال:\rوالناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ\r\rوواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنا","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"إي ورب تلك البنية باريء نسم البرية إنه لرجل البلاد رجل الحزم والسداد ألم تر جنابه وحنانه وبنانه وبيانه عوامل رفع لهذه اللغة لغة الفرقان لغة الأوطان لا بل أمضى من العوامل حتى ظلت آدابها فرائض وقد كانت وما بالعهد من قدم نوافل ومن حليها أجياد اللهجات عواطل اللهم إلا بقية ثمد قد منيت صحفها الأود ففقدت الجلد والجلد وبعد أن راج سوق الرطانة ونضب ماء الإبانة وخبت أنوار البلاغة وزوت أنوار النباعة وكسد البيان وقوض منه البنيان وأصبحت العربية لقى ملقاه وبضاعة مزجاه فأي هذا اليراع لا أقل من نفثات في صوغ كليمات تقدر هذه النعمة قدرها ويمنحها شكرها.\rويحك هب من سنتك في حلية مقتك وانض حسامك واشحذ كهامك وانشل كنانتك وأعمل بنانتك وصغ إن استطعت تهانئ غرا بل عقوداً درا بل أنجماً زهراً مشتاراً منن خلايا ذلك الأري الشهي الندي الذكي ما جرست نحلة الشيح والخزامى وأطايب الثمار وأزاهي الأزهار تهديهن أولئك المصاقع شكراناً لتلك النعم تجميعاًُ لشواردها وتقييداً لأوابدها كما شبهها رسول الله ( وهو الصادق المصدوق وإشفاقاً عليها من الجماح بعد ذلك الارتياح.\rفإليكم بني هذه اللغة كتابي هذا تهنئة بتلك النهضة العربية في إبان كما تعلمون وجهه مكفهر وبدنه مقشعر وثناء على العناية التوفيقية والعزمة الرباضية.\r\rعلى أن لهذا المولى الوزير سوى ذلك أيادي مبرورة ومساعي مشكورة أكسبت الوطن وأهلية نهضات وأقالته كثيراً من العثرات لكنني آثرت تلكم النهضة العربية بتهنئتكم بها، أي بني جلدتي وإخوان حرفتي لكونها فيما إخال لا بل فيما أتيقن ويتيقن أولو الحجا أعظم النهضات وأيمن ما اجتازه الوطن من العقبات ولو كان في نطاق الإمكان زيادة البيان في هذا الشأن لأسهبت وأوسعت وأطريت وأظنبت ولو لم يكن في تلك النهضة إلا أن حياة الأمة حياة لغتها فحسب لكفاك وشفاك وأغناك وكان ذلك قصاراك وحماداك.\r\"وكتب الأستاذ محمود بك أو النصر\"","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"إنسان عين الفضائل عزيزي فلان المحترم.\rنور على نور وشفاء لما في الصدور شفاؤك أيها العزيز من ذلك الرمد: قد أنجز الإقبال ما وعد وابتهجت النفوس الطروس واهتزت الأقلام وأعلنت بالسلام.\rولاح فجرُ التّهاني بالبشائر إذ\r\rحيّتْ فأحيتْ ربوعَ الفضل والأدب\rوكيف لا وأنت واحد الكتاب وإنسان عين الآداب رمدت فرمدت وشفيت فاهتزت وربت وقد كان طرفها كليلً وفؤادها عليلاً واليوم زال العناء وحق الهناء ووافى الشفاء فكان برداً وسلاماً على القلوب وقميص يوسف في أجفان يعقوب.\rفلك الهناء بصحّةٍ ميمونةٍ\r\rأبداً على مرّ الدُّهور وتدوم\rوإن الله ما قضى بما قد مضى إلا ليعرف سيدي مكانته من القلوب ومنزلته من الفضل وهذه حلل العافية قد خلعت عليك وثياب السلامة سيقت إليك فوافى السرور وعم الحبور والله يبلغك بالصحة والأعمال منتهى الآمال والسلام.\r\r\"وكتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة 1307ه? في تهنئة العيد\"\rهذا يوم نشر البشر فيه أعلامه وأضاءت الدنيا وازدانت الآفاق ببهجة هذا العيد السعيد وأخذ الأحبة يتهادون رسائل البشائر فيما بينهم وكل حزب فرحون بما لديهم بما أودع فيهم من روابط المحبة وعوامل الاتحاد السارية في النفوس: أما أنا فعيدي وبهجة نفسي وسرور فؤادي دوام إقبال الزمان عليك بوجه النصر وعود أعياد السرور على جبانك الرفيع فمثلك تشرق الدنيا بطلعته وتفرح الأعياد برؤيته.\rوأرى الحياةَ لذيذةً بحياته\r\rوأرى الوجودَ مشرفاً بوجودهِ\r\rلو أنني خيرتُ من دهري المنى\r\rلاخترتُ طولَ بقائه وخلودهِ\r\rأعاد الله عليك أيها الأخ أمثاله وأمثال أمثاله في صفاء وهناء.\rالفصل التاسع في رسائل التعازي\r\"كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?\"","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"خبر عز علي مستمعه وأثر في قلبي موقعه خبر تستاء له المساميع وترتج منه الأضالع خبر يهد الرواسي ويفلق الحجر القاسي كادت له القلوب تطير والعقول تطيش والنفوس تطيح خبر يشيب ويذيب الحديد قد كاد من الحزن أن تنقبض الألسن عن هذا النعي الفادح وتخرس وتقصر الأيدي عن التعزية بهذا الرزء الفادح وتيبس.\r\"وكتب أيضاً في الأمر بالصبر على المصيبة\"\rماذا نصنع والبلاء نازل والموت حكم شامل وإن لم نعتصم بحبل الصبر فقد اعترضنا على مالك الأمر عليك بعزيمة الصبر وصريمة الجلد فإنها في الدين حتم وفي الرأي حزم واعلم بأن الميت لا ترده نار تلهبها من الهم على كبدك ولا يرجعه انزعاج تسلطه بالحزن على جسدك فخير لك من ذلك أن تفعل ما يفعله الذاكرون وتقول: (إِنّا للّهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) [البقرة: 156].\r\"وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?\"\rإذا ما الدّهر جرّ على أناسٍ\r\rمصائبهُ أناخَ بآخرينا\r\rفقل للشامتين بنا أفيقوا\r\rسيلقى الشامتون كما لقينا\r\rأحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب وخصوصه بالرغائب فهو يدعو الجفلى ذا ساء ويخص بالنعمة إذا شاء فليفكر الشامت: فإن كان أفلت فله أن يشمت: ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه والموت وصنوفه من فاتحة أمره إلى خاتمة عمره هل يجد لنفسه أثراً في نفسه أم لتدبيره عوناً على تصويره أم لعمله تقديماً لأمله أم لحيله تأخيراً لأجله كلا بل هو العبد لم يكن شيئاً مذكوراً خلق مقهوراً فهو يحيا جبراً ويهلك صبراً وليتأمل المرء كيف كان قبلاً فإن كان العدم أصلاً والوجود فضلاً فليعلم الموت عدلاً...\r\rوالموت أطال الله بقاء مولاي خطب فقد عظم حتى هان وأمر قد خشن حتى لان ولعل هذا السهم قد صار آخر ما في كنانتها وأزكى ما في خزانتها ونحن معاشر التبغ نتعلم الأدب من أقواله والجميل من أفعاله فلا نحثه على الجميل وهو الصبر ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر فبهما رأيه.\r\"وكتب أيضاً\"","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"يا سيدي: المصاب لعمر الله كبير وأنت بالجزع جدير ولكنك بالصبر أجدر والعزاء عن الأعزة رشد كأنه ألغي وقد مات الميت فليحي الحي.\r\"وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906م\"\rأشباح تروح وتجي وآجال تمسي وتغتدي وأنفاس تتقطع من دونها حزناً وأسفاً وعبرات تتفطر وجداً ولهفاً وما عمدت الأقدار إلى استنزاف مدمع ولا أرادت الأيام إيلام موجع إنما هي سنة الخلق كون يليه زوال وعقد يسبقه انحلال وأن لكل شيء أجلاً موقوتاً وإن لكل أجل سبباً مقدوراً وأن الإنسان لفي كل ذلك شاهد يسمع لاهياً ويبصر ساهياً وليس في يده أن يسترد ماضياً ولا أن يرد آتياً ولقد وددت أن أعزيك لولا ما يغالبني على العزاء من كبد حرى ومقلة شكرى وزفرة تترى ثم وددت أن أستبكيك لولا أنيب بكيت حتى لم أدع في البكاء من واد وأحييت ليالي بالنوح حتى ما بالنجم سهاد ثم لم يزدني البكاء على سقم جسدي ولم يزدني النوح على صفر يدي إلا من كبدي وإن الأقدار سهام إذا انطلقت لم ترد وإن المتطلع إلى الفائت لطويل شقة الكمد وإن الخطوب لهي هي إنما تتفاوت عند الجلد.\rوإن الحصى عند الجزوع ثقيلةٌ\r\rوضخم الصّفا عند الصّبور خفيف\rوالله المسؤول في إطالة بقائك قرة للعيون وجبراً لخاطر المحزون بمنه وكرمه.\rالفصل العاشر في رسائل الأجوبة\r\"كتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة 1307ه?\"","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"سيدي سلمك الله وحياك وأسعدك برؤية محياك وزاد عزك وعلياك وحرس دينك ودنياك وجمعني على بساط المسرة وإياك ولا حرمني دوام لقياك ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك مباهياً أعصار الأوائل بأيامك ولياليك محلياً أجياد المفاخر بزواهر لآليك: ورد علي كتابك الكريم مورد إعزاز وتكريم فبل بعض ما في الجوانح من الصدى وأنعشني ولا انتعاش الزهر بمباكرة الندى وجلا علي من البلاغة روضاً غضاً وأدار لدي صفواً من سلاف المحبة محضاً وهزني هزة النشوان شوقاً وطرباً واستفزني بمعجز آياته الحسان عجباً وعجباً ونثر علي من محاسن لفظك الحر وكلماتك الغر ما يخجل الدراري ويفضح الدر.\rكلامٌ كستهُ بهجةُ الحسن رونقاً\r\rهو السحر لا بل جلَّ قدراً عن السّحر\r\"وكتب أيضاً وهو بالآستانة العلية في يوم برد كثير الأمطار\"","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"كتبت إليك والأمطار ساجمة بطلها ووبلها وعساكر البرد والبرد هاجمة بخيلها ورجلها والسماء متلفعة بأذيال السحاب وكأن الشمس خافت من الطل فتوارت الحجاب والجو مسكي الرداء عنبري الأرجاء كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور قد وجل من صوله البرد فلبس فروة السمور والغمام على الأفق بكلاكله وهز من البرق بيض مناصله ونشر في الجو طرائق مطارفه وجاد على الأرض بتليده وطارفه وثقل على كاهل الهواء كالطير بل جناحه بالماء وقرب حتى كاد يمسك باليدين ويعتصر بالراحتين أو كأنه مرآة مذهبة تبدو وتخفى أو جذوة متلهبة توقد وتطفئ والرعد يهدد بزواجر زماجره السحائب فيبكيها والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ويطرب بأفنان الألحان أفنان البان فيعليها ويثنيها ويقرأ على رؤوس الأغصان أوراده الحسان فيقربها ويرقيها وقوس السماء يرمي بسهام وبله جنوب الشقائق فيصميها ويدميها والريح أخلاف الغمائم فتمر بها وترضع بدرها بنات النبات في حجور أراضيها فتربيها وتربيها وترصع بدرها تيجان القضبان وتارة تجعله عقوداً في تراقيها أو دموعاً في أماكقيها وكأن الحر خاف من بنادق البرد ومدافع الرعد ففر إلى مصر ونواحيها وأصبح نزيل من فيها لكرم أهليها وكأن غيرها بخلت عليه فلم تقبله عندها ضيفاً أو غلط الناس في حساب الفصول فظنوا شتاها صيفاً.\r\"وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى الشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1313ه?\"","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف \"قفص\" من عنب كاللؤلؤ في الصدف تتألق عناقيده كأنها من صناعة \"النجف\" ولعمر الحق أنها تحفة من أحلى التحف لا يعثر على مثلها إلا بطريق \"الصدف\" فقابلناه لثماً بالأفواه ورشفاً بالشفاه واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء ولم نفرط في حبه عند اللقاء بل حللنا له الحبي وقلنا له أهلاً وسهلاً ومرحباً وأوسعناه عضاً ولثماً وتناولناه تجميشاً وضماً وحفظنا في صدورنا سره المكنون وطويناه في غضون البطون فطربت من تعاطيه الأرواح ولا غرو فهو أصل الراح وانتشينا ولم نحمل وزراً وثملنا ولم نذق طعماً مراً فهو كبيان مهدية سحر ولكنه حلال ولعب إلا أنه كمال فإن أكسبت الشمول شاربها قوة في الجنان ونفحت ذائقها طلاقة في اللسان فقد سرت في أجسامنا من حرارته شجاعة \"ليثيه\" ودبت في كلامنا من مذاقته فصاحة \"علوية\" وخلصت إلينا منه فوائد لا يحيط بها العلم ونجمت عنه منافع ليس يصحبها إثم، فإن زعم الأولون أن في الخمر معنى ليس في العنب فقد تغير الحال في هذه الهدية وانقلب وانكشف للمتأخرين حقيقة الأمر أن في العنب معنى ليس في الخمر.\rوكان الأحرى بهذا العنب أن يناط بالنحور أو تزين به الصدور فما هو إلا اللؤلؤ لكنه سلم من سجن البحار وما هو إلا الدر لكن ليس فيه صغار.\r.ومنْ كنتَ بحراً له يا علي=لا يلقطُ الدُّرّ إلاّ كباراً وما ضره أن ضمه القفص حصة من الحصص فإن كريم الطير يودع في الأقفاص والقلب ليس له من حنايا الضلوع خلاص فلا بدع أن تستقل في حباته حبات القلوب ويستملح في جنب حلاوته رضاب المحبوب وكأن الثريا لما أخذت شكله فغر الهلال فاه لعنقودها يريد أكله فهو يطاردها في السماء ويأخذ عليها الطريق من الوراء وهي تجري من الأمام مخافة الالتهام هذا لمجرد تشابه في الشكل فكيف بالثريا لو أشبهته حلاوة ورياً فلله تلك العناقيد ما اشد تألقها وأصفى ماءها وأحسن رونقها من كل عنقود تخاله عمود الصبح أحاطت به","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"الدراري أو غصن البان تعلقت به القماري.\rفسقى الغيث أرضاً أنبتته ولاثل الدهر عروشاً حملته وأرضاً عرفتنا بأثمارها حلاوة الجنة وأبرزت لنا لمحة من محاسنها المستكنة وأنساناً عنبها ذكرى دمشق وأزمير وأنباناً غارسها مصر خير مستقر (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14] وعروساً كالعروس تتيه في الحلي والملبوس تحسدها المجرة في السماء وتود لو تكون لها هذه البهجة والرواء لازال مولاي يهدي ويهدي وصنائعه تعيد في ثنائه وتبدي\r\"وأجابه المرحوم الشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1313ه?\"\rوبعد فقد وصل كتاب القاضي الفاضل وأرج الأرجاء بلطيف فواضله وشريف الفضائل وما كنت أظن أن يحصل من زبيبه خماره حتى رأيت الفاضل سبكه في قوالب شتى وصاغه وأتى بما أدهش اللب من أساليب البلاغة فتارة عقداً على النحور وتارة في ميادين الطلب تطارده البدور وآونة دراً مكبراً ومرة خمراً عنبراً وساعة دوالي \"نجفة\" وساعة غصناً تعلق به الهزار وألفه.\rتكاثرتِ الظّباءُ على خراشِ\r\rفما يدري خراشٌ ما يصيدُ\rعجباً لك أيها الفاضل: هذا مع اشتغال بالك وإقبالك على ما لديك من مراعاة عدلك واعتدالك فكيف لو تفرغت لهذا الأمر ولإراحة النفس اعتصرت من العنقود قدحاً من خمر وامتطيت طرف اليراع منهجاً مناهج الطرس ودبجت بياض صفحاته بمحاسن حلى النفس فلله أنت من بليغ بلغ ما يريد وقلد فرائد آدابه كل جيد وأفاد السحر منثوراً في فواصله وأقام بعوامل أقلامه تثقيف عوامله وأوجب علينا الشهادة له بالسبق فأذعنا مسلمين والحق أحق: هذا ولولا أن يقاتل فلان جفا وما احتفل بكتاب أخيه ولا احتفى وإن كان شيبي يلزمني ذلك كما أن شباب (البيك) يسلك به أقوم المسالك لترلات عيي وما أشرت ورأيت طي خيراً لي مما نشرت وجعلت كتاب سيدي في عنقي تميمة ورؤحت النفس تيمناً بمس آياته الكريمة وقلت كفاني ما أحاط بالعنق من قلائده حيث العبد لا يبلغ في الفخامة كمال سيده.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وهبني قلتُ هذا الصُّبحُ ليلٌ\r\rأيعمي العالمون عن الضّياء\rلازالت برد الترسل بيننا مستمرة ومدد التوصل على جناح التقرب مستقرة ولا برح الجناب في كل بداية يترقى كما يحب من غاية إلى غاية والسلام.\rالفصل الحادي عشر في رسائل الوصايا والشفاعات\r\"من كلام له عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب في غزوة الفرس\"\rإن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده: ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً.\rوالعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.\rإن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا اصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكبلهم عليك وطعمهم فيك فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره: وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.\rومن وصية له عليه الصلاة والسلام قالها بصفين","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"أما بعد فقد جعل الله عليكم حقاً بولاية أمركم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجلاي لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه الأجرى له ولو كان لأحد أن يجر ي له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً اقترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويجب بعضها بعضاً ولا يستوجب بعضها إلا ببعض وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها سبحانه لكل على كل فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدجى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العجل وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الأحكام وكثر علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فهل فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتعظم تبعات الله عند العباد فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده لبالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة: ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته يفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته فقال عليه السلام إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله ولطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء: وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي يفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلني إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.\rومن وصية له عليه السلام وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف وسفاح الجبال أو أثناء الأنهيار فيما يكون لكم رداء ودونكم مرداً ولتكن مقالتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن: واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة.\r?\"ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات\"","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل الله في أموالكم من حق فتأدوه إلى وليه فإن قال قائل لا فلا تراجعه: وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه وتوعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخل عليها متسلط عليه ولا عنيف به ولا نتفرن بهيمة ولا تفرعنها ولا تسؤن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره فلا تزال بذلك حتى يبقى ما فيه لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله ولا تأخذن عوداً ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقاً بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها غلا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً غير معنف ولا مجحف ولا مغلب ولا متعب ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصبره حيث أمر الله فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصليها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجدنها ركوباً وليعدل بين صواحبتها في ذلك وبينها: وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه ( فإن ذلك أعظم","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.\r\rوقال عليه السلام وقد سمع رجلاً يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأبلطيلها ثم تذمها أتغتر بالدنيا ثم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبعي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فيهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومتجر أولياء اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت بينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت للهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا.\r\"عهد الإمام علي المتوفي سنة 401 ه? لمالك بن الحارث الأشتر النخعي\"\r\"حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها وإصلاح أهلها وعمارة بلادها\"","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثلى ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت: واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدى لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤثر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك وإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل محتال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حرباً حتى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله سميع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضاء الرعية فإن سخط","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"العامة يجحف برضاء الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضاء العامة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأخف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة: وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم: وليكن ابعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب سترة من رعيتك: أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لايصح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين: ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك من الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله: إن شر وزارائك من كان قبلك للأشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واحد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لا يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه أولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفاً وأقل لغيرك إلفاً فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك: ثم ليكن عندك أقولهم لك بمر الحق وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع: وألصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة: ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه: واعلم أنه","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه للمؤونات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجمع لك حسن الظن برعيتك فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً: وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشيء مما مضي من تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها: وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك: واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الأنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه ( عهداً منه عندنا محفوظاً فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله تعالى لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المقاعد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغ رفق غيرهم: ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة: ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزومه الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأطهرهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على كالأقوياء ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكلام وشعب من العرف: ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من والدهما ولا يتفاقمن من نفسك شيء قويتهم به ولا تحفرن لطفاً تتعاهدهم به وإن قل فإنه داعية إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً به وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه: وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوق أهلهم حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك: وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية وأنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتههم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديل ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى: ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضيفن بلا ء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امرئ أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً: واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ) [النساء: 59] فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة: ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر عن الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء وأولئك قليل: ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح غلته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك مالاً يطمع فيه","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"غيره من خاصتك لتأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيها بالهوى وتطلب به الدنيا ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولاهم محاباة وأثره فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام فإنهم أكرم أخلاقاً واصح أعراضاً وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً: ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو خانوا أمانتك: ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله: وليكن نظرك عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحاطة أرض اعتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم: ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلدك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك بى استفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"فإن العمران يحتمل ما حملته وإنما يأتي خراب الأرض من أعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لإشراف أو نفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم وأخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك ولا يضعف عقداً اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل: ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم في العامة أثراً وأعرفهم بالأمانة وجهاً فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره واجعل لرأس كل من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها ولا يتستت عليه صغيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجربها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته: وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله ( منع منه وليكن البيع سمحاً بموازين عدل واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف: ثم الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحتقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثم أعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم: واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله ( يقول في غير موطن: \"لقد تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع\" ثم احتمل الخرق منهم والعي وسنح عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته وبوجب لك ثواب طاعته وأعط هنيئاً وامنع في إجمال وإعذار: ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه: واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية: وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة فاعط فاعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"الله سبحانه من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً فإن فيلا الناس من به العلة ولا الحاجة وقد سألت رسول الله ( حين وجهني اليمن كيف اصلي بهم فقال: \"صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً\" وأنا بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على الحق سمات نعرف بها ضروب الصدق من الكذب وإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسجيه أو مبتلى بالمنع: فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة، ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة ولا يطعمن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة: وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويم على الحق ولا تدفعن صلحاً دعاك ولله فيه رضا فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو ربما قارب ليغتفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"حسن الظن وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر فلا تغدرون بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه كعهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك فيه من الله طلبة فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك، إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة زولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه يتولى الحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن كفيه قود البلدان وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلق يوجب المقت عند الله والناس قال سبحانه وتعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: 3] وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت أو الوهن عنها إذا استوضحت فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه، وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذة منك لاغيرك وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم: أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار وزلن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو اثر عن نبينا ( أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي دليلك لكيلا يكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه من حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة وإن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة (إِنّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ) [التوبة: 59] والسلام على رسول الله ( الطيبين الطاهرين.\r\r\"وكتب أبو بكر الصديق المتوفي 7 جمادى الثانية سنة 13ه? إلى بعض قواده\"","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"إذا سرت فلا تعنف أصحابك في السير ولا تغضبهم وشاور ذوي الآراء منهم واستعمل العدل وباعد عنك الجور فإنه ما افلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوعم و (إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ) [الأنفال: 15 16] وإذا نصرتم عليهم فلا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا تقطعوا شجراً ولا تذبحوا بهيمة إلا ما يلزمكم للأكل ولا تغدروا إذا هادنتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا الله فدعوهم وما انفردوا إليه وارتضوه لأنفسهم فلا تهدموا صوامعهم ولا تقتلوهم والسلام.\r\r\"وكتب عمر بن الخطاب المقتول في 26 ذي الحجة سنة 23 ه? إلى بعض قواده\"\rأما بعد فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وأن تكون أنت ومن معك أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا لتيس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة (وإلا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا) واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيهما أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به، وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"\"وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه? إلى ابن أخته\"\rأنت ولدي ما دمت والعلم شأنك والمدرسة مكانك والمحبرة حليفك والدفتر أليفك فإن قصرت ولا أخالك فغيري خالك، والسلام.\r\"ومن وصية ابن سعيد المغربي المتوفي سنة 697ه? لابنه وقد أراد السفر\"\rأودعكَ الرَّحمنَ في غربتك\r\rمرتقباً رجماهُ في أوبتك\r\rفلا تطل حبل النّوى إنّني\r\rوالله أشتاق إلى طلعتك\r\rواختصر التّوديعَ أخذاً فما\r\rلي ناظرٌ يقوى على فرقتك\r\rواجعل وصاتي نصبَ عين ولا\r\rتبرح مدى الأيام من فكرتك\r\rخلاصة العمر التي حنّكتْ\r\rفي ساعةٍ زفّتْ إلى فطنتك\r\rفللتَّجاريب أمور إذا\r\rطالعتها تشحذَ من غفلتك\r\rفلا تنمْ عن وعيها ساعةً\r\rفإنّها عونٌ إلى يقظتك\r\rوكلّ ما كابدتهُ في النّوى\r\rإيّاك أن يكسرَ منْ همتك\r\rفليس يدرى أصلُ ذي غربة\r\rوإنما تعرفُ من شيمتك\r\rوامش الهوينا مظهراً عفّةً\r\rوابغ رضا الأعين عن هيئتك\r\rوانطق بحيثُ الغيُّ مستقبحُ\r\rواصمتْ بحيث الخير في سكتتك\rولج على رزقك من بابه=واقصدْ له ما عشتَ في بكرتك\rووفّ كلاّ حقَّه ولتكن\r\rتكسر عند الفخر من حدّتك\r\rوحيثما خيَّمت فاقصد إلى\r\rصحبة من ترجوه في نصرتك\r\rوللرزايا وثبةٌ مالها\r\rإلا الذي تذخرُ من عدَِّتك\r\rولا تقل اسلمُ لي وحدتي\r\rفقد تقاسي الذل في وحدتك\r\rولتجعل العقلَ محكَّماً وخذ\r\rكلاّ بما يظهر في نقدتك\r\rواعتبر الناس بألفاظهم\r\rواصحبْ أخاً يرغب في صحبتك\rكم من صديقٍ مظهرٍ نصحه\r\rوفكرهُ وقفْ على عثرتك\r\rإيّاك أن تقربه إنهُ\r\rعونٌ مع الدّهر على كربتك\r\rوأنُ نموَّ النبت قد زاره\r\rغبُّ النَّدى واسمُ إلى قدرنك","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"ولا تضيّعْ زمناً ممكناً=تذكارهُ يذكي لظى حسرتك والشّرّ مهما استطعتَ لا تأتهِ= فإنهُ جورٌ على مهجتك يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثلة قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم قول الأول.\rيزينُ الغريبَ إذا ما اغتربْ\r\rثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدّب\r\rوثانية حسن أخلاقهِ\r\rوثالثةٌ اجتنابُ الرّيب\r\rواصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر ولو أن الديار نبت بكم لسكنتم الأخلاق والآدابا.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب وكلن كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئاً من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلماً وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه حلول الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعة أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولا تتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويتغير نته القلب واللسان وإنما العاقل من جعل عقله معياراً وكان كالمرأة يلقى كل وجه بمثاله: وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك وحثاً لك واهتداء وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك فراع ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يبتسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد والله در القائل:\rوماليَ لا أوفى البريّة قسطها\r\rعلى قدرِ ما يعطي وعقلي ميزانُ","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة ولا تجف الناس بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر.\rوكنتَ إذا حللتَ بدارِ قومٍ\r\rرحلتَ بخزيةٍ وتركتَ عارا\rواحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل: كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته فجاوبه أن الصحبة رق ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف كيف ملكتك واستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية يجعلها نهاية لك.\rوخذْ من الدّهر ما أتاك به\r\rمن قرّ عيناً بعيشه نفعه\r\rغذ الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو والمجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله در القائل:\rإذا ما كنتَ للأحزان عوناً\r\rعليك مع الزمان فمن تلوم","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"مع انه لا يرد عليك الغائب الحزن ولا يرعوي بطول عتبك الزمن.\rولقد شاهدت بغرظ ناطة شخصاً قد ألقته الهموم وعشقته الغموم ومن صغره إلى كبره لا تراه أبداً خلياً من فكرة حتى لقب \"بصدر الهم\" ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم. وينشد: \"توقع زوالاً إذا قيل تم\" وينشد \"وعند التناهي يقصر المتطاول\".\rوله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره محسور يمر ضياعاً، ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العالم ما تحسنه حسداً لك وقصداً لتصغير قدرك عندك وتزهيداً لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتركن إلى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:\rإن الغراب وكان يمشي مشيةً\r\rفيما مضى من سالف الأجيال\rحسدّ القطا وأرادَ يمشي مشيها\r\rفأصابه ضربٌ من العقَّال\r\rفأضلَّ مشيته وأخطأ مشيها=فلذلك كنَّوهُ أبا مرقال ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يرتاح فيه فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان واستحقت طلعته للهوان وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وأقاموا الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم ولا تزل هذين البيتين من فكرك.\rلنْ إذا ما نلتَ عزَّا\r\rفأخو العزّ يلين\r\rفإذا نابكَ دهرٌ\r\rفكما كنتَ تكون\r\rوالأمثال تضرب لذب اللب الحكيم وذوا البصر يمشي على الصراط المستقيم والفطن يقنع بالقليل ويستدل باليسير والله سبحانه خليفتي عليك لا رب سواه.\r\"وصية هارون الرشيد لمعلم ولده الأمين\"","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"يا احمر: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليم ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.\r\"ومن وصية ابن شداد لابنه\"\rعليك بتقوى الله العظيم وليكن أولى الأمور شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد وكن كما قال الحطيئة:\rولستُ أرى السّعادةَ جمعَ مالٍ\r\rولكنّ التّقيّ هو السّعيدُ\r\rوتقوى الله خير الزّاد ذخراً\r\rوعندَ الله للأتقى مزيدُ\r\rثم قال: أي بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب فكم من راغب قد كان مرغوباً إليه وطالب أصبح مطلوباً ما لديه: واعلم أن الزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان يرى الهوان.\rثم قال: أي بني كن جواداً بالمال في موضع الحق. بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر وأن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس بن الخطيم:\rأجودُ بمكنون التِّلاد وإنّني\r\rبسرّك عمّن سالني لضنينُ\r\rإذا جاوزَ الإثنين سرُّ فإنه\r\rبنث وتكثير الحديث قمين\r\rوعندي له يوماً إذا ما ائتمنتني\r\rمكانٌ بسوداء الفؤاد مكين","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"ثم قال: أي بني وإن غلبت يوماً على المال فلا تدع الحيلة على حال فإن الكريم يحتال والدنيء عيال وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطن مالاً فإن الكريم من كرمت طبيعته وظهرت عند الأنفاذ نعمته.\rثم قال: أي بني وإن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بالشاهد فإنك إن أمضيتها حيالها رجع العيب على من قالها وكان يقال الأريب العاقل هو الفطن المتغافل.\r\r\"وصية بعض نساء العرب إلى ابنها وقد أراد السفر\"\rقال أبان بن تغلب وكان عابداً من عباد أهل البصرة شهدت أعرابية وهي توصي ولداً لها يريد سفراً وهي تقول له.\rأي بني أجلس أمنحك وصيتي وبالله توفيقك فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. فقال أبان فوقفت مستمعاً لكلامها مستحسناً لوصيتها فإذا هي تقول. أي بني إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين المحبين وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضاً وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام. وقلما اعتورت السهام غرضاً إلا كلمته حتى يهي ما اشتد من قوته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريماً يلن لهزتك ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها ومثل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه ومن كانت مودته بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها، والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم ومن جميع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها.\rالفصل الثاني عشر في رسائل التنصل والتبرؤ\r\"كتب أبو الحسن علي بن الرومي المتوفي سنة 284ه? إلى القاسم بن عبيد الله\"","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ترفع عن ظلمي إن كنت بريئاً وتفضل بالعفو إن كنت مسيئاً فو الله إني لأطلب عفو ذنب لم اجنه وألتمس الإقالة مما لا أعرفه لتزداد تطوالاً وأزداد تذللاً وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها وأحرسها بوفائك زمن باغ يحاول إفسادها وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدرودي لك ومحلي من رجالك بحيث استحق منك.\r\"وكتب أبو الوليد بن زيدون المتوفي بأشبيلية سنة 463ه?\"\rيا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به وامتدادي منه ومن أبقاه الله ماضي حد العزم وأرى زند الأمل ثابت عهد النعمة إن سلبتني أعزك الله لباس نعمائك وعطلتني من حلى إيناسك وأظمأتني إلى برود إسعافك ونفضت بي كف حياطتك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك وسمع الأصم ثنائي عليك وأحس الجماد باستحمادي إليك.\rفلا غزو قد يغض الماء شاربه ويقتل الدواء المستشفى به ويؤتى الحذر من مأمنه وتكون منية المتمني في أمنيته والحين قد يسبق جهد الحريص.\rكلُّ المصائبِ قد تمر?ُ على الفتى\r\rوتهون غير شماتةِ الحسَّادِ\r\rوإني لأتجلد وأرى للشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عض به إكليله ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله وسمهري عرضه على النار مثقفه وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول:\rفقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً\r\rفليقسُ أحياناً على من يرحمُ\r\rهذا العتب محمود عواقبه وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع ولن يربيني من سيدجي إن أبطأ سبييه أو تأخر غير ضنين غناؤه فأبطأ الدلاء فيضاً أملؤها وأثقل السحائب مشياً أحفلها وأنفع الحيا ما صادف جدباً وألذ الشراب ما أصاب غليلاً ومع اليوم غد و (لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38] له الحمد على اهتباتله ولا عتب عليه في اغتفاله.\rفإن يكن الفعلُ الذي ساءَ واحداً\r\rفأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"وأعود فأقول ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك والجهل إلي لم يأت من ورائه حلمك والتطاول الذي لم تستغرقه تطولك والتحامل الذي لم يف به احتمالك ولا أخلو من أن أكون بريئاً فأين عدلك أو مسيئاً فأين فضلك.\rألاَّ يكن ذبنٌ فعدلك واسعٌ\r\rأو كان لي ذنبٌ ففضلك أوسع\r\rفهبني مسيئاً كالذي قلت طالباً\r\rقصاصاً فأين الأخذ يا عزّ بالفضل\rحنانيك قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدام فأبيت واستكبرت.\rوقال لي نوح اركب معنا فقلت سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وأمرت ببناء صرح لعلي أطلع إلى إله موسى وعكفت على العجل واعتديت في السبت وتعاطيت فعقرت وشربت من النهر الذي ابتلى به جيوش طالوت وقدت الفيل لأبرهة وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة وتأولت في بيعة العقبة واستنفرت إلى العير ببدر وانخذلت بثلث الناس يوم أحد وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة وجئت بالإفك على عائشة الصديقية وأنفت عن إمارة أسامة وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد ومزقت الأديم الذي باركت يد الله عليه وضحيت بأشمط عنوان السجود به وبذلت لقطام.\rثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ\r\rوضربُ عليّ بالحسامِ المسمَّمِ\rوكتبت إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين وتمثلت عندما بلغني من وقعة الحرة.\rليت أشياخي ببدرٍ شهدوا\r\rجزع الخزرج من وقع الأسل\rورجمت الكعبة وصلبت العائذ على الثنية لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يكون نكالاً ويدعى ولو على المجاز عقابا.\rوحسبك من حادث بازمرئٍ\r\rترى حاسديهِ له راحمينا\r\rفكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم المهمازون المشاؤون بنميم والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال ما ظنك بقوم الصدق محمود إلا منهم.\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبةً","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"وليسَ وراءَ الله للمرءِ مذهبُ\rوالله ما غششتك بعد النصيحة ولا انحرفت عنك بعد الصاغية إليك ولا نصبت لك بعد التشيع فيك ولا أزمعت يأساً منك مع ضمان تكلفت به الثقة عنك وعهد أخذه حسن الظن عليك ففيم عبث الجفاء بأذمتي وعاث العقوق في مواتى وتمكن الضياع من وسائلي ولم ضاقت مذاهبي وأكدت مطالبي وعلام رضيت من المركب بالتعليق بل من الغنيمة بالإياب وأنى غلبني المغلب وفجر على العاجز الضعيف ولطمتني غير ذات سوار.\rومالك لم تمنع من قبل أن أفترس وتدركني ولما أمزق.\rأم كيف لا تضطرم جوانح الأكفاء حسداً لي على الخصوص بك وتنقطع أنفاس النظراء منافسة لي على الكرامة فيك وقد زانني اسم خدمتك وزهاني وسم نغمتك وأبليت البلاء الجميل في سماطك وقمت المقام المحمود على بساطك.\rألستُ الموالى فيك غرّ قصائد\r\rهي الأنجمُ اقتادت مع الليلي أنجما\rثناءٌ يظلُّ الروض منه منوراً\r\rضحّى ويخال الوشى فيه منمنما\r\rوهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بفضائلك وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك واستملى الربيع إلا ثناء أملأته في محاسنك وبث المسك إلا حديثاً أذعته في محامدك (ما يوم حليمة بسر) وإن كنت لم أكسك سليباً ولا حليتك عطلاً ولا وسمتك غفلاً بل وجدت آجراً وجصاً فبنيت ومكان القول ذا سعة فقلت حاشا لك أن أعد من العاملة الناصية وأكون كالذبابة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق (فلك المثل الأعلى) وهو بك وبي وفيك أولى ولعمرك ما جهلت أن (صريح الرأي) أن أتحول إذا بلغتني الشمس (وبنا بي المنزل) واصفح عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال فلا (استوطئ العجز) ولا أطمئن إلى الغرور. ومن الأمثال المضروبة: خامري أم عامري.\rوإني مع المعرفة أن الجلاء سباء والنقلة مثلة.\rومن يغتربْ عن قومه لم يزل يرى\r\rمصارعَ مظلوم مجرا مسحبا\r\rويدفن منه الصالحات وإن يسيء\r\rيكن ما أساء النار في راس كبكبا","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"عارف أن الأدب الوطن لا يخشى فراقه والخليط لا يتوقع زياله والنسيب لا يخفى والجمال لا يجفى.\rثم ما قران السعد بالكواكب أبهى أثراً ولا أثنى خطراً من اقتران غنى النفس به وانتظامها نسقاً معه فغن الحائز لهما الضارب بسهم فيهما \"وقليل ما هم\" أينما توجه ورد منهل بر وحط في جناب قبول وضوحك قبل إنزال رحلة وأعطى حكم الصبي على أهله.\rوقيلَ له أهلاً وسهلاً ومرحبا\r\rفهذا مبيتٌ صالحٌ ومقيل\r\rغير ان الوطن محبوب والمنشأ مألوف واللبيب يحن إلى وطنه النجيب إلى عطنه والكريم لا يجفوا أرضاً بها قوابله ولا ينسى بلداً فيها مراضعه، قال الأول:\rأحبّ بلادَ الله ما بين منعجٍ\r\rإليّ وسلمى أن يصوبَ سحابها\rبلاد بها حلّ الشّباب تمائمي\r\rوأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابها\r\rهذا إلى مغالاتي بعقد جوارك ومنافستي بلحظة من قربك واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع والغنى ممن سواك عناء والبدل منك أعور والعوض لفاء وكل الصيد في جوف الفرا.\rوإذا نظرتُ إلى أميري زادني\r\rضنَّا بهِ نظري إلى الأمراء\r\rوفي كل شجر نار وأستمجد (المرخ والعهفار) فما هذه البراءة ممن يتولاك والميل عمن لا يميل عنك وهلا كان هواك فيمن هواه ورضاك فيمن رضاه لك.\rيا من يعزُّ علينا أن نفارقهم\r\rوجداننا كلَّ شيء بعدكم عدمُ\rأعيذك ونفسي من أن أشيم خلباً وأستمطر جهاماً وأكدم في غير مكدم وأشكو شكوى الجريح إلى الغربان والزخم فما أبسست لك إلا لتدر ولا حركت لك الحوار إلا لتحن ولا نبهتك إلا لأنام.\rولا سريت إليك إلا لأحمد السرى لديك.\rوإنك إن سنيت عقد أمري تيسر ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر وعلمك محيط بأن المعروف ثمرة النعمة والشفاعة زكاة المروءة وفضل الجاه يعوذ به صدقه.\rوإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً\r\rمن جاهله فكأنّهامن ماله","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"لعلي ألقي العصا بذارك وتستقر بي النوى في ظلك وأستأنف التأديب بأدبك والاحتمال على مذهبك فلا أوجد للحاسد مجال لحظة ولا أدع للقادح مساغ لفظه.\rوالله ميسرك من إطلابي بهذه الطلبة وإشكائي من هذه الشكوى بصنيعة تصيب منها مكان المصنع وتستودعها أحفظ مستودع حسبما أنت خليق له وأنا منك حري به وذلك بيده وهين عليه.\r?مكاتبات متفرقة\r\"كتب الدولة العلية العثمانية إلى إحدى الدول الأوروبية\"\rأيها الوزير الأفخم: إن لفظة (تقسيم تركيا) إفك لا يفوه به عاقل ولا يتصوره إنسان تكاد تنفطر له السماء دهشة وترتج له الأرض وحشة بل تخر دونه الجبال وتنفك عنده الآمال كأن أوروبا تستطيعه ولكنها لم تفعله: ولن تفعله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فقل: (اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26] تقسم تركيا كلمة ليست اكبر من أوروبا فقط بل هي أكبر من منظومة هذا العالم الشمسي الذي تراه أو تسمع به إن كنت لا تراه فلا يليق أن يفوه به إلا فم القدرة الإلهية (قَآئِمٌ عَلَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: 33] (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21] تقسيم تركيا ربما يكون ولكن متى يكون؟ يكون حينما يتحلى وجه البسيطة بدمائنا الطاهرة الزكية يوم ترى الأرض لابسة تلك الحلة الأرجوانية الثمينة حيث تتمشى الدماء على فيروزج الفضاء محاطة كواكب الوجود بكتائب جنود العدم المطلق: لا أرض لمن تقل ولا سماء لمن تظل ولا قائم موجود ولا دائم مقصود، هنالك تتحدث شياطين الخيال في أندية المحال بحديث ذلك التقسيم المشؤوم ولا من سميع ولا من مجيب فالويل ثم الويل يوم ذلك التقسيم الموهوم والثبور ثم الثبور إذا تنزلت السماء بقضاء ذلك الهول المقسوم: إن في","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"ذلك لبلاغاً يتفكرون.\r\"وكتب ابن العميد المتوفى سنة 360ه? في شكر صديق له على مراسلته إياه\"\rوصل ما وصلتني به جعلني الله فداك من كتابك بل نعمتك التامة ومنتك العامة فقرت عيني بوروده وشفيت نفسي بوفوده ونشرته فحكى نسيم الرياض غب المطر وتنفس الأنوار في السحر وتأملت مفتتحه وما اشتمل عليه من لطائف كلمم وبدائعه حكمك فوجدته قد تحمل من فنون البر عنك و ضروب الفضل منك جداً وهزلاً ملأ عيني وغمر قلبي وغلب فكري وبهر لبي فبقيت ا أدري أسموط در خصصتني بها أم عقود جوهر منحتنيها ولا أدري أجدك أبلغ وألطف أم هزلك أرفع وأظرف وأنا أوكل بتتبع ما انطوى عليه نفساً لا ترى الحظ إلا ما اقتنته منه ولا تعد الفضل إلا فيما أخذته وأمتع بتأمله عيناً لا تقر إلا بمثله مما يصدر عن بدك ويرد من عندك وأعطيه نظراً لا يمله وطرفاً لا يطردونه، وأجعله مثالاً أرتسمه وأحتذيه وأمتع خلقي برونقه وأعذي نفسي ببهجته وأمزج قريحتي برقته وأشرح صدري بقراءته ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزاً وفي تعديد ما ذكرته متخلفاً لقد عرفت أن ما سمعت به منه السحر الحلال.\r\"وكتب السيد توفيق البكري في سفراه إلى الآستانة العلية\"","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"كتابي إلى السيد الأجل وأنا أحمد الله إليه وأدعوه أن يديم النعمة والسلامة عليه، وبعد: فلما اعتزمت عى الرحلة هذا العام إلى قبة السلام ودا خلافة الإسلام وفارقت مصر وساكنها وأرباضها ومواطنها ركبت سفينة عدولية إلى الثغور الفرنجية فجرت في خضم عجاج ملتطم الأمواج لع دوي من جرجرة الآذي أخضر الجلد كأنه إفرند تصطخب فيه النينان وتجري لفي جوفه الدعاميص، والحيتان إذا ما زحه الأصيل وبالعشي خلته كسرت، عليه الحلي أو مزج بالرحيق القطربلي وإن لاحت به نجوم السماء خلته صفائح من فضة بيضاء سمرت بمسامير صغار من نشضار وأخذت السفينة تشق عبابه وتفلق حبابه بين ريح رخاء أو زعزع هوجاء فهي تارة في طريق معبد ورةميث مسرد وطوراً فو حزن وردد أو على صرح ممرد وطان معنا في الفلك رهط من العرب والترك فكنا نتوار د معهم جوائب الأخبار وطرف الأحاديث والأسمار ما يزري بالمنهل العذب واللؤلؤ الرطب إلى أن يميل ميزان وتغرق ذكاء في البحار ويمسي الكون من السواد في لبوس حديد أو لباس حداد وتبرق ونجوم السماء في أكناف الظلماء كأنها سكاك دلاص أو فلق رصاص أو عيون جراد أو جمر في خلال رماد أو در في بحر أو ثقوب في قبة الديجور يلوح منها النور ويبدو الهلال كأنه خنجر من ضياء يشق طياليس الظلماء أو قلادة أو دنملج غادة أو سنان لواه الضراب أو الليل فيل وهو ناب فنأخذ مجلساً نسمه الكافور وأرضه عنبر مذور رقمت فيه زرابي مثبوتات ومنابذ وحسبانات وأنماط مفروشة وأبسط منقوشة.\rبسط أجادَ الرسمَ صانعها\r\rوزها عليه النقشُ والشكلُ\rفيكاد يقطف من أزهارها\r\rويكاد يسقط فوقها النحلُ","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وحوله شموع تزهر وأضواء تبهر وقد دارت عليه سقاة جماع الثريا بأقداح الحميا وأكواب الفانيذ المروق وقوارير الجلاب المصفق ثم تجيء قينة في يدها ناي كأنه صور إسرافيل يحيي الرفات وينشر الأموات حتى إذا بدا الضياء كابتسام الشفة اللمياء دخلنا المضجع لنهجع وهلّم جراً في أيامنا الأخرى إلى أن وطئنا أرض القوم بعد ثلاثة أيام وبعض يوم فلما أضحت مرأى عين كبرنا تكبر ابن الحسين.\rكبرتُ حول ديارهم لما بدت\r\rمنها الشموس وليس فيها المشرق","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"وراقنا ما رأينا من عمران وحضارة ورفهينة وشارة وزراعة وصناعة وتجارة وضخامة وسلكان بنيان وجواد كالأودية بين الأطواد وكأنما الناس في المدينة احتفلوا ليوم الزينة أو هم لكثرة الحركة منهزموا معركة ىفيهم غادون ورائحون زرافات ووحداناً إناثاً وذكراناً وقد لبثنا في تيك البلدان هنيهة من الزمان نتقلب في جنباتها ونتنقل في أنحائها وجهاتها إلى أن قدمنا القسطنطينية إيوان الخلافة الإسلامية وعش الدعوة المحمدية فإذا النعيم والملك الكبير والجنةوالحرير وإذا بقعة أطيب الأرضين رقعة وأمرعها نجعة وقد اعتلت منائرها في الفضاء وحلقت قصورها بالسماء فلبست أردية الغيوم وتقلدت عقود النجوم ولاحت مقاصيرها البيضاء في أكنافها الخضراء وجرى بينها خليج الماء فكأنها النجوم والمجرة والسماء واكتظت نواحيها بالآثار وحشدت بالجوامع الكبار ناهيك \"بأيا صوفية\" وما أدراك ما \"أيا صوفية\" هو بنية تعلوها شرافات علية وقبة ضخمة جوفاء كأنها قبة السماء وأرض تلك البنية كالماوية من مرمر ألاق ذي بصيص براق وافيها دعائم كل دعامة كالحق واستقامة وبها محاريب وحنايا وأقبية زوايا ومنبر كأنه أريكة سلطان في الخورنق أو غمدان هذا وقد نزلت من كنف أمير المؤمنين وخليقة رب العالمين ىفي دار السعادة ومرع الفضل والمجاد ومطلع الجود وفل السعود وحظيرة لنع ومشعر الهمم وأقمت ضيفاً تعند السيد السند الهزبري النضد تاج آل محمد السيد فلان في عصابة من الصوابة لاعيب فيهم غير أنهم ينسون الغريب وطنه وحامته وسكنه لهم أعراق عربية وأخلاق هاشمية وحماس وسماح كالماء والراح ولم أكد ألقي العصا وتستقر بين النوى حتى جاءني سلام من أمير المؤمنين خلته السلام الذي ذكره في قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر: 46].\r\"كتبت السيدة وردة اليازجية إلى السيدة عائشة تيمور المتوفاة سنة 1300ه?\"","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"سيدتي ومولاتي: أعرض أنني بينما أنا ألهج بذكر ألطافكم السنية أتنسم شذا أنفاسكم العبقرية وأترقب لقاء أثر من لدنكم يتعللل به الخاطر ويكتحل بإثمد مداد الناظر.\rوصلتني مكاتبكم فجلت العين أقذاءها وردت إلى النفس صفاءها فتناولتها بالقلب لا بالبنان وتصفحت ما في طيها من سحر البيان، فقلت:\rهذا الكتابُ الذي هامَ الفؤاد به\r\rيا ليتني قلمٌ لفي كفّ كاتبه\r\rولعمري إنه كتاب حوى بدائع المنثور والمنظوم وتحلى من درر الفصاحة فأخجلت لديه دراي النجوم وقد تطفلت على مقالكم العالي بهذا الجواب ناطقاً بتقصيري وضمنته من مدح سجاياكم الغراء وما يشفع لدى مكارمكم في قبو معازيري لا زلتم للفضل معهدناً وذخر اً وللأدب كنزاً وفخراً.\r?\"وكتبت السيدة عائشة تيمور إلى السيدة وردة اليازجية المتوفاة سنة 1313ه?\"","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"استهل براعة سلام مل الشوق وتقلد الشقق ما نشقت ناشقة عف الوداد كفالته ورضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء مداد حروفه وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه ولعمري قد توجته أزهار الثناء بلآلئ غراء كللته زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباح مساء، وتتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافاً وآناء، ومما زادني شوقاً إلى شوق حتى لقد شبّ فيه طفل الشفق تعن الطوق اجتلائي حديقة \"الورد\" القدسية ونافجة الأدب المكية فيالها من حديقة رقمتها أحداق الأذهان فاقتبست نوراً وانشقتها مسام الآذان فثملت طرباً وسروراً ومنذ سرحت في أرجاء تلك اليانعة إنان العيون وشرحت بأفكار البصيرة أسرار ذلك الدر المصون لم أزل بين طرب أتوشح وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه وجعلت أغازل من نرجس تلك الروضة تعيوناً ملكت مني الحواس وهصرت من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس وأتأدب في حضرة وردها خوفً من شوكة سلطانها وأن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفس جماثة وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى فأشار المنثور بكفه الخضيب أن لا نظير لتك الغادة ونطق الزنبق بلسان البيان لا تكتموا الشهادة فعد ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور فعثر بذيل النسيم وتكسر وتمايل أغصانها المورقة لسماع هذا الحديث وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ونشراً لهذه الفضائل التي سارت مسير المثل السائر فقلت بلسان الصادق الأمين بعد تحقق هذا النبأ اليقين هكذا وهكذا تكون الحديقة وإلا وكذلك كذلك لتكتب الفضائل وتملي.\rوحدثني يا سعد عنهم فزدتني\r\rغراماً فزدني من حديثك يا سعدُ","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة وأعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي على استحياء وكلما حركة الشوق يبطئه الحياء وكيف وقد حل في منيع الفضائل والمقام الذي لم يدع مقالاً لقائل فكأني إما أهدي الثمر إلى هجر وأمنح البحر الخضم بالمطر أدام الله معالي تلك الحضرة وزادها في كل حال بهجة ونضرة ما لاح جبين وبلغ غاية الكمال.\r?\"وكتب السيد عبد الله النَّدي المتوفى سنة 1314ه?\"\rأستاذي وقدوتي وملاذي وعمدتي، ربيت فأحسنت وغذيت فأسمنت مؤدباً ليثا ولنت فسودت وجدت فعودت مهذباً غيثاً وعلمت فأفهمت وأشرت فألهمت غرض سهمك وقد نلت ما أملت فيمن تعليه عولت حسن فهمك.\rغلامك الشهيرُ بالنّديم\r\rمنْ صار في البيان كالنّسيم\rوكيف لا يكون لساني قوس البديع وكلامي السهم السريع وأنت باريه وراميه أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع وقدري العزيز الرفيع وأنت معليه وبانيه وفوجه جمال العلم أنت غرته وإنسان عين العلم أنت قرته وحاليه وجاليه وجبين العقل أنت طرته وكتاب الفضل أنت صورته وطاليه وتاليه.\rعلى بابك العالي من الفضل رايةٌ\r\rعلى رأس أرباب المعارف تخفقُ\r\rفعلمك جناتٌ من الفضل رايةٌ\r\rوكلك خبراتٌ وغيثك مغدقٌ\r\rأرى غصن من يدعو إلى الفضل نفسه\r\rمن الفضل عرياناً وغصنك مورقٌ\r\rإذا رمت إنشاء فعن صدق فكرة\r\rتهادى بأبكار وغيرك يسرق\r\r\"وكتب أيضاً في التوادد\"","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"بينما أنا راكب لجة بحر الفكر مجد في طلب فريدة بكر تارة أغوص ومرة أسبح وآونة أقف وطوراً أصفح لا يقر لي قرارا ولا يمكنني الفرار ولا يقصر عن طرح شباكي ذراعٌ ولا يطوى لسفينتي شراع كلما أدركني الملل هاجت عليّ رياح الأمل حتى دخلت في بحر عجاج متلاطم الأمواج فاقتحمت هذا المركب الصعب وتهت بين الجزائر والشعب فتعلقت أفكاري بالسواري والحبال وبت بليلة نجومها كواحل لا يرى فيها بر ولا سواحل وقلت اشتداد الأمر يستدعي ضده ولا يأتي الفرج إلا بعد الشدة، وعينيك ما سل سيفها على مفرق مساها حتى سمعت (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) [هود: 41] فكان من تمام حظي وسعودي أن تركت لجنة اليم (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ ) [هود: 44] وتنصرف خوفي وارتباكي وبادرت بطرح شباكي فإذا هي قد ملئت بأصداف الجوهر وعلقت بها شجرة العنبر فتفتح الصدف عن در يستخدم الأقمار وفاح العنبر بما أذهب شذى الأزهار.\rوصرت ما بينها كسرى الزمان له\r\rشمسٌ تنادمه في مجلس عطر\r\rونلت أقصى أمان كنت آملها\r\rالأنس في خلدي والنور في نظري\rولما جلوت الطرف بما فيها من الظرف ووقعت ندي الموقع الحسن أردت أن أسومها بثمن فإذا هي درة يتيمة لا يقدر لها أحد على قيمة فاستهديتها من ربها لشغفي بحبها وجعلت القلب لها كنزاً والفؤاد لها حرزاً ألا وهي محة العزيز الحافظ أبدع مرئي وأبلغ لافظ.\r\"وكتب إبراهيم بك المويلحي المتوفى سنة 1323 يعزي محمود باشا البارودي\"\rأنت فوق أن تعزى عن الأحبا\r\rب فوق الذي يعزيك عقلا\r\rوبألفاظك اهتدي فإذا عزا\r\rك قال الذي له لت قبلا\r\rوقتلت الزمان علماً فما يغ\r\rرب قولاً ولا يجدد فعلا","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"نعم إن يا \"محمود\" الخصال و\"سامي\" الفعال لأنت الشهم المجرب لصروف الحدثان والعالم الخبير بأحوال الزمان قد أعددت لنوازل المقدور نزلاً من الصبر المأجور وصرفت ضيف الشجون والهموم إلى قرى الفضائل العلوم وأخذت من المصاب العظيم بسيرة ذاك الفيلسوف الحكيم بين هو جالسٌ يوماً في الدرس بين تلاميذه إذ جاءه من أخبره بأن ابنه الوحيد مات وهو رطب الشباب غض العمر فلم يتوله الفزع ولم يظهر عليه الاضطراب ولم يبد على وجهه الكدر وما زاد على أن استرجع واستمر في قراءة درسه كما كان فلما انتهى منه بادر أحد الحاضرين من أصحابه ممن حيرتهم الدهشة في أمره ويسأله كيف لم يسله الحزن ثوب الثبات برهة مفاجأته بالخبر فقال له: \"لو فاجأتني النازلة على غرة مني لجزعت وحزنت ولكني ما وزلت أقدر لابني منذ يوم ولادته حلول أجله كل يوم من أيام حياته ولمثل هذا اليوم كنت أعده من زمان طويل وكان كلما مضى عام من أعوام اعتبرته خلسة اختلسها من الدهر حتى مضى على هذه العارية عشرون عاماً فشكري لله اليوم على أن أبقاها في يدي و لهذه المدة يوم مقام الحزن عند غير لدى استرداها\" وعن النبي صلى الله عليه وسلم: \"إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد\" وأنت يا محمود صلوات الله عليك ورحمته لقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ {155} الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 157] أول من يمثل لحكم القضاء ويسترجع عنه نزول","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"البلاء ويعمل بأدب الدين في التجلد والتصبر ويأخذ بسيرة الحكماء في التدبر والتبصر.\rومن كان ذا نفس كنفسك حرة\r\rففيه لها مغنٍ وفيها له مسلْ\r\rالكلام على الرسالات العلمية\rالرسالات العلمية هي مقالات في المطالب العلمية أو المسائل الأدبية وإنما سميت بالرسالات لأن أصحابها يرسلونها إلى من اقترحها عليهم ويسلك فيها صاحبها مناهج الاسترسال والمخاطبات البليغة وقد أفردنا لها كتابنا \"أسلوب الحكيم في منهم الإنشاء القويم\" فارجع إليه إن شئت.\rالفن الثاني في المناظرات\rللمناظرة ثلاثة شروط: الأول: أن يجمع بين خضمين متضادين أو متباينين في صفاتهما بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة كالربيع والخريف والصيف والشتاء، والثاني: أن يأتي كل من الخصمين في نصرته لنفسه وتفنيد مزاعم قرنه بأدلة من شأنها أن ترفع من قدره وحط من مقام الخصم بحيث ميل بالسامع عنه إليه، والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً حسناً وترتب على سياق محكم ليزيد بذلك نشاط السامع وتنمي فيه الرغبة في حل المشاكل.\rولنذكر لك عليها شذرات من أقوال الكتاب فنقول:\r\"مناظرة العثمان بن المنذر وكسرى وأنوشروان في شأن العرب\"","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"روى بن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعند وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم: فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جمع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها: فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأم ونظرت في حالة من يقدم عليّ من وفود الأمم، فوجدت للروم حظاً في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وإن لها دينا يبين خلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها وكثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها و وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وإن لها ملكاً يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر ودين ولا دنيا لا حزم ولا قوة: ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قوى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك إشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم (ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً وقرى وحصوناً وأموراً تشبه بعض أمور الناس يعني اليمن) ثم لا أراكم تستكبنون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان أصلح الله","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"الملك: حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلوا درجتها إلا أن عندي جواباً في كل ما ينطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمنني من غضبه نطقت به: قال كسرى: قل فأنت آمن: قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمه الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها:قال كسرى بماذا: قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها.\rفأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دخلوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر، إذا غيرها من لأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.\rوأما أحسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والتك المشوهة والروم المقسرة.\rوأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا ويسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه.","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وأما سخاؤها فإن أذناهم رجلا الذي تكون عند البكرة والنا عليها بلاغة في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتري بالشربة فيعقرها وله ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.\rوأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنة وزنه وقوافيه مع معرفتهم بالأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات وما ليس لشيء من ألسنة الأجناس، ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعدنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفرٌ.\rوأما دينها وشريعتها لأنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلجاً محرماً وبيتاً محجوجاً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وه قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى.\rوأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولت (أي عهد) وعقدة ولا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تحفز ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى لما أحفز من جواره وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله.\rوأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.\rوأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً ل فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوماً وأطيبها لحوماً وأرقها ألباناً وأقلعها غائلة وأحلاها ومضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"عليه.\rوأما تجاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً وتخوفت نهوض عدوها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيقولون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم.\rوأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا ن يكونوا ملوكاً أجمعين مع آنفتهم من أداء الخراج والوطث (أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف.\rوأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك وأمرٍ مجتمع فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً ولولا ما وتر به من يليه العرب لمال إلىة مجال واحد من يجيد الطعان ويغضب الأحرار من غلبة العبيد الأشرار.\rقال فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وال إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة.\rفلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صفي حاجب بن زرارة التيميين وإلى الحارث بن ظالم وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد لسليمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المري فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غوار أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه: فقالوا أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما حججته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"قال إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف ومن ناحيتكم ولاليس شيء أحب إليّ مما سدد الله أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم والرأي أن تسيرزا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب تعلى غير ما ظن أو حدثته نفسه ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه لا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل ولكن أمر بين ذلك تظهر به دماثة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكون منكم فيجد في آدابكم مطعناً فإنه ملك مترف وقادر مسلط ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك كل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوتة وأمر لكل رجل نهم بخيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتاباً.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"أما بعد فإن الملك ألقى إلى من أمر العرب ما قد علم وأجبته بما قد فه مما أحببت أن يكون منه على علم ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطً من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم فليسمع الملك وليغمض عن جفاء أ، ظهر من منطقهم وليكرمنني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم الملك وليغمض عن جفاء أن ظهر من منطقهم وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن فدفعوا إليه كتاب النعمان فرآه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلساً يسمع منهم فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته وجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كاسي عن يمينه وشماله ثم دعا بع على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه وأقام الترجمان ليؤدي إليه كالمهم ثم أذن لهم في الكلام.\rفقام أكثم بن صفي فقال إن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخيرُ الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها.\rالصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فسادر الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء.\rشر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء المرء يعجز لا محالة أفضل الأولاد البررة الأعوان من لم يراء بالنصيحة أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل حسبك من شر سماعه الصمت حكم وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدد نفر ومن تراخى تألف فتعجب كسرى من أكثم ثم قال ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه قال أكثم الصدق","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"بنبئ عنك لا الوعيد قال كسرى لو لم يكن للعرب غيرك لكفى قال أكثم رب قول أنفذ من صول.\rثم قام حاجب بن زرارة التيمي وقال: ورى زندك وعلت يدك وهيب سلطانك، وإن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مرتها ومنعت درتها وهي لك وامقة ما تألفتها مسترسلة ما لا ينتها سامعة ما سامحتها وهي العلقم مرارة وهي الصاب غضاضة والعسل حلاوة والماء الزلال سلاسة نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ذمتنا محفوظة وأحسابنا ممنوعة وعشائرها فينا سامعة مطيعة إن نؤوب لك حامدين خيراً فلك بذلك عموم محمدتنا وإن نذم لم نخص بالذم دونها، قال كسرى يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها قال حاجب بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى وذلك.","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"ثم قام الحارث البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها، من طال رشاؤه كثر متحه ومن ذهب ماله قل نحه تناقل الأقاويل يعرف اللب وهذا مقام سيوجف بما تنطق به الركب وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ونحن جيرانك الأدنون وأعوانك المعينون خيولنا جمة وجيوشنا فخمة ون استنجدتنا فغير ربض وإن استطرفتنا غير جهض وإن طلبتنا فغير غمض ولا ننثني لذعر ولا نتنكر لدهر رماحنا طوال وأعمارنا قصار وقال كسرى أنفس عزيزة وأمة ضعيفة قال الحارث أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة قال كسرى لو قصر عمرك لن تستول على لسانك نفسك قال الحارث أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرراً بنفسه على الموت فهي منية استقبلتها وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً وأحبسها وهي تصرف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرات لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري ولم أقصر عن خوض خضخاضها حتى انغمس في غمرات لججها وأكون فلكاً لفرساني إلى بحبوحة كبشها فاستمطرها دماً وأترك حماتها جز السباع وكل نسر قشعن ثم قال كسرى لمن حضره من العرب أكذلك هو قالوا فعاله أنطق من لسانه قال كسرى ما رأيت كاليوم وفداً أحشد ولا شهوداً أوفد.\rثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك نعم بالك ودام في السرور حالك أن عاقبة الكلام متدبرة وأشكال الأمور معتبرة وفي كثير ثقلة وفي قليل بلغة وفي الملوك سورة العز وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه شرف وخمل من خمل لم نأتِ لضيمك ولم نفد لسخطك ولم نتعرض1 لرفدك إن في أموالنا منتقداً وعلى عزنا معتمداً إن أورينا اثقبنا وإن أود دهر بنا اعتدلنا إلا أنا م هذا لجوارك حافظون ولمن رامك كافحون حتى يحمد الصدر ويستطاب الخبر قال كسرى ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ولا مدحك بذمك قال عمرو كفى بقليل قصدي هاديا وبأيسر إفراطي مخبراً ولم يلم من غربت نفسه ما يعلم ورضى من القصد بنما بلغ","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"قال كسرى ما كل ما يعرف المرء ينطق، اجلس.\rثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا ورشده إرشاداً إن لكل منطق فرصة ولك حاجة غصة وعي المنطق من عي السكوت وعثار القول أنكأ من عثار الوعث وما فرصة وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعي أنني له مطيق أحب إلي من تكلفني ما أتخوف ويتخوف مني وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الأعوان ونغم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة وأيدينا لك بالوفاء رهينة قال له كسرى نطقت بعقل وسمرت بفضل وعلوت بنبل. ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال: نهجت سبل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج وللعويص مخارج وخير القول اصدقه وأفضل الطلب أنجح، وإنا وإن كانت المحبة أحضراتنا والوفادة فربتنا فليس من حضرك منا بأفضل من عزب عنك بل لو قست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه دنيا أنداداً وأكفاء كلهم إلى الفضل منسب وبالشرف والسودد موصوف وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف يحمي حماه ويروي نداماه ويذود أعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره، أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفاً والحصى عدداً فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك، قال كسرى وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه أبلغت وأحسنت.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد وجنبك المصاب ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذا أتيناك ما لا يحنق صرك ولا يزرع لنا حقداً في قلبك لم تقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلن أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أما في المنطق غير محجمين وفي الناس غير مقرصين وإن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين قال كسرى غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد: قال قيس أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كوافٍ غدر به أو كخافر خفر بذمته قال كسرى ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة قال قيس أيها الملك م أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من حرمتك قال كسرى ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأئمة ناله من الخطأ ما نالني وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفي ويعد فينجز، قال وما أحقه بلك وما رأيته إلا لي قال كسرى القوم بزل فأفضلها أشدها.\rثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق وليس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر في الفعال والعجز في النجدة: والسؤدد مطاوعة القدة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحرا إن أدلت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمور لها أعلام، قال كسرى وما تلك الأعلام قال مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر قال كسرى وما الأمر الذي يذكر قال عامر مالي علم أكثر مما خبرني به خبر قال كسرى متى تكاهنت يا ابن الطفيل قال لسن بكاهن ولكني بالرمح طاعن قال كسرى فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث.\rثم قامر عمرو بن معد يكرب الزبيدي: فقال: إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجدة الارتياد وعفو الرأي خيرٌ من استكراه الفكرة وتوقيف الخبرة خيرٌ من","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"اعتساف الحيرة فاحتبذ طاعتنا بلفظ واكتظم بإدراتنا وألن كتفك يسلس لك قيادتا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع ناقير من أراد قضماً ولكن منعاً ن كل من رام لناهضما.\rثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف وانقيادنا لك عن تصاف ما أنت لقبول ذلك منا ولا للاعتماد عليه بحقيق ولمن الوفاء بالعهود وإحكام ولث لعقود والأمر بينا وبينك معتدل وما لم يأتمن قبلك ميل أو زلل، قال كسرى من أنت قال الحارث بن ظالم قال إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر قال الحارث إن في الحق مغضبة والسر التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك قال كسرى هذا فتى القوم، ثم قال كسرى قد فهمت ما نطقت به أخطاؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم بحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كثيراً مما تكلمنم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم والذي أحب من إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما يني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان في من خلل فانصرفوا إلى ملككم فاحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة.\rروي عن الكلبي أنه قال كان كسرى يحفل بالعرب ويستأنس بمشاهدهم ويرغب في سماع محادثاتهم ومفاخراتهم ومنافراتهم ولم يدخر وسعاً إلا بذله للحصول على ذلك (وممات اتفق له) أن النعمان بن المنذر كان بمجلسه يوماً فقال له هل في العرب من قبلية تشرف على قبيلة، قال نعم، قال فبأي شيء قال من كانت له ثلاث آباء متوالية رؤساء واتصل ذلك بمزية فبيته أشرف بيت وليه تنسب القبيلة وه","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"تعلو تعلى غيرها، قال أحضر من هذه صفتهم فطلبهم النعمان فلو يصبهم إلا في الحذيفة بن بدر وآل ذي الجدين وآل الأشعث بن قيس بن كندة فأحضرهم في جملة من عشائرهم، فعقد لهم كسرى مجلساً عاماً حضره لحكام والعدول والأعيان، ثم قال ليتكلم كل منكم بمآثر قومه وليصدق.\rفانتصب حذيفة بن در قائماً وكان ألسن القوم فقال: قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والفخر الأعظم، لقيل له لم ذاك يا أخا فزارة قال ألسنا الدعائم التي لا تنرام والعز الذي لا يضام، فقيل له صدقت.\rثم قام شاعرهم فقال:\rفزارةُ بيتُ العزّ والعز فيهمِ\r\rفزةارةُ بدرِ حسبُ بدر نضالها\r\rلها العزةُ القعساء والحسبُ الذي\r\rبناه لبدرٍ في القيم رجالها\r\rفهيهات قد أعيا القرون التي مضت\r\rمآثر بدرٍ مجدها وفعالها\r\rوهل أحدٌ إن مدّ يوماً بكفه\r\rإلى الشمس في مجرى النجوم ينالها\rفإن يصلحوا يصلح لذاك جميعنا\r\rوإن يفسدوا يفسد على الناس حالها\r\rثم قام الأشعث بن قيس فقال: لقد علمت العرب أن نقاتل عديدها الأكثر ونقهر جمعها الكبر وأنا غياث اللزبات وبناة المكرمات، فقيل له لم يا أخا كندة، قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:\rإذا قستَ أبياتَ الرجال بيتنا\r\rوجدت لهُ فضلاً على من يفاخرُ\rفمن قال كلاّ أو أتانا بخطّةٍ\r\rينافرنا يوماً فنحن نخاطرُ\r\rتعالوا فغدوا يعلم الناس أيُّنا\r\rله الفضل فيما أورثته الأكابر\r\rثم قام بسطام لابن قيس فقال: قد علمت العرب أنّا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول، فقيل له ولم يا أخا شيبان، قال لأنا أدرهم للثأر وأضربهم لملك الجبار وأقوالهم للحق وألدهم للخصم.\rثم قام شاعرهم فقال:\rلعمري بسطامٌ أحقُّ بفضلها\r\rوأوّلُ بينت العزّ عزُّ القبائل\r\rفسائل أبيتَ اللّعن عن عزّ قومها","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"إذا جدّ يوم الفخر كلُّ مناضل\r\rفيخبرك الأقوام عنها فإنها\r\rوقائع جدّ لا ملاعب هازل\r\rألسنا أعزّ الناس قوماً وأسرةً\r\rوأضربهم للكبش يوم التخاذل\r\rوقائع عزّ كلها ربعية\r\rتذل لهم فيها رقابُ المحافل\r\rإذا ذكرتم ينكر الناس فلها\r\rوعاذ بها من شرها كل قائل\r\rوإنا ملوك الناس في كلّ بلدة\r\rإذا نزلت بالناس إحدى النوازل\rثم قام حاجب بن زرارة التيمي فقال: قد علمت العرب أن فرع دعامتها وقادة زحفها.\rفقيل له لم ذلك يا أخا بني تميم. قال لأنّا أكثر عديداً وأنجبهم طريداً وليدا وأعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل.\rثم قام شاعرهم فقال:\rلقد علمت أبناء خندفَ أنّنا\r\rلنا العزُّ قدماً في الخطوب الأوائل\rوأنّا كرام أهلُ مجد وثروةٍ\r\rوعزّ قديم ليس بالمتضائل\r\rفكم فيهم من سيّد وابن سيّد\r\rأغر نجيب ذي فعال ونائل\r\rفسائل أبيت اللعن عنا فإنّنا\r\rدعائم هذا الناس عند الجلائل\r\rثم قام قيس بن عاصم السعدي فقال: لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات وأثبتهم في النائبات، فقيل له لم ذاك يا أخا بني سعد، قال لأنا أدركهم للثأر وأمنعهم للجار لا نتكل إذا حملنا ولا نرام إذا حللنا.\rثم قام شاعرهم فقال:\rلقد علمت قيسٌ وخندف أنّنا\r\rوجلُّ تميم والجموعُ التي ترى\r\rبأنّا ليوثُ البأس في كلّ مأزقٍ\r\rإذا جزّ بالبيض الجماجم والطلى\r\rوأنا إذا داعٍ دعانا لنجدةٍ\r\rأجبنا سراعاً في العلائم من دعا\r\rفهيهات قد أعيا الجميع فعالهم\r\rوفاتوا بيوم الفخر مسعاة من سعى\rفقال كسرى حينئذٍ ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه.\rوأعظم صلاتهم أجمعين وردهم إلى أقوام معظمين.\r??\"مناظرات المهدي لأهل بيته ومشاروته لهم في حر خراسان\"","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"هذا ما ترجع فيه المهدي ووزراءه وما دار بينهم من تجبير الرأي في حرب خراسان أيان تحاملت عليهم العمال وأعنفت فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا ببعتهم ونقضوا موثقهم وطردوا العمال والتووا بما عليهم الخراج وحمل المهدي مات يجب من مصلحتهم ويكره من عينهم على أن أقال عثرتهم اغتفر زلتهم واحتمل دالتهم تطولاً بالفضل واتساعاً بالعفو وأخذاً بالحجة ورفاً بالسياسة ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية رفيقاً بمدار سلطانه وبصيراً بأهل زمانه باسطاً للمعدلة ف رعيته تسكن إلى كنفه وتأنس بعفوه وتثق بحلمه فإذا وقعت الأقضية اللازم والحقوق الواجبة فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة أثرة للحق وقياماً بالعدل وأخذاً بالحزم فدعا أهل خراسان الاغترار بحمله والثقة بعفوه وأن كسروا الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق ثم خلطوا احتجاجاً باعتذار وخصومة بإقرار وتنصلا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستفهم للرعية ثم أمر الموالي بالابتداء وقل للعباس بن محمد \"أي عم\" تعقب قولنا وكن حكماً بينا وأرسل ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي وأمر محمد بن الليث بحظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب.\rفقال سلام صاحب المظالم: أيها المهدي إن في كل أمر غاية ولكل قوم صناعة استفرغت رأيهم واستغرقت أشغالهم واستنفدت أعمارهم وذهبوا بها وذهبت بهم وعرفوا بهم ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز وإخوان التجارب وأبطال الوقائع الذين رشحهم سجالها وفياتهم ظلالها وعضتهم شدائدها وفرمتهم نواجذها فلو عجمت ما قبلهم وكشفت ما عندهم لوحدت نظائر تؤيد أمرك وتجارب توافق نظرك وأحاديث تقوي قلبك فأما نحن معاشر عمالك وأصحاب دواوينك فحسنٌ بنا، وكثيرٌ","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك واستودعتنا من أمانتك وشغلتنا من إمضاء عدك وإنفاذ حكمك إظهار حقك.\rفأجابه المهدي إن في كل قوم حكمة ولك زمان سياسة وفي كل حال تدبيراً يبطل ألآخر الأول ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا.\rقال نعم أيها المهدي أنت متبع الرأي وثيق العقدة قوي المنة بليغ الفطنة معصوم النية محضور الروية مؤيد البديهة موفق العزيمة معان بالظفر مهدي إلى الخير، إن هممت في عزمك مواقع الظن وإن اجتمعت صدع فعلك ملتبس الشك فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك وقل ينطق الله بالحق لسانك فإن جنوك جمة وخزائنك عامرة ونفسك سخية وأمرك نافذ.\rفأجابه المهدي أن المشاورة والمناظرة بلا رحمة ومفتاحاً بركة لا يهلك عليهما رأي ولا يتغيل معها حزم فأشيروا برأيكم وقولوا بما بحضوركم فأثنى من ورائكم وتوفيق الله من وراء ذلك.","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"قال الربيع: أيها المهدي إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة متراخية الشقة متفاوتة السبيل فإذا ارتأيت من محكم لتدبير ومبرم التقدير ولباب الأصول رأياً قد أحكمه نظرك وقلبه تدبيرك فليس وراءه ومذهب طاعن ولا دونه معلق لخصومه عائب ثم أجبت البرد به وانطوت الرسل عليه بالحري أن لا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ينقضه فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم وشوارد آثارهم ومصادر أمورهم فتحدث رأياً غيره وتبتدع تدبيراً سواه وقد انفرجت الحلق وتحللن العقد واسترخى الحقاب وامتد الزمان ثم لعلمك موقع الآخرة كمصدر الأولى ولكن الرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فبما جمعتنا له واستشرتنا فيه من تدبير لحربهم والحيل في أمرهم إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل وعقل كامل وورع واسع وليس موصوفاً بهوى في سواك ولا متهماً في أثرة عليك ولا ظنيناً على دخلة مكروهة ولا منسوباً إلى بدعة محذورة فيقدح في ملكك ويريض الأمور لغيرك ثم تستند إليه أمورهم وتفوض غليه حربهم وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة الأمور واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها ويثبت رأي الشاهد لها فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب وسقط عنه ما أتي من بعيد تمت الحيلة وقويت المكيدة ونفذ العمل وأحد النظر إن شاء الله.\rقال الفضل بن العباس: أيها المهدي إن ولي الأمور سائس الحروي ربما حي جنوده وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه لا ضغطه حال اضطرته فيقعد عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديمها منها فاقداً لها ولا يثق ولا يصول بعدة ولا يفزع إلى ثقة فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تعفي خزائنك من الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسألون فيفسد عليك أدبهم وتجريء من رعيتك غيرهم ولكن أغرهم بالحيلة","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"وقاتلهم بالمكيدة وصارعهم باللين خاتلهم بالرفق وأبرق لهم بالقول أرعد نحوهم بالفعل وأبعث البعوث وجند الجنود وكتب الكتائب واعقد الألوية وانصب الرايات وأظهر إنك موجه إليهم الجيوش مع أخنق قوادك عليهم وأسوئهم أثراً فيهم ثم ادسس الرسل وأثبت الكتب وضع بعضهم على طمع من وعدك وبعضاً على خوف من عيدك وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم واغرس أشجار التنافس بينهم حتى تملأ القلوب نمن الوحشة وتنطوي الصدور على البغضة ويدخل كلاً من كل الحذر والهيبة فإن مرام الظفر بالعيلة والقتال بالحيلة والمناصبة والكتب والمكايدة بالرسل والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب القوي الموقع من النفوس المعقود بالحجج الموصول بالحل المبني على اللين الذي يستميل القلوب ويسرق العقول والآراء ويستميل الأهولاء ةويستجعي المواتاة انفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة أحكم عملاً وألطف منظراً وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال ولإتلاف للأموال والتغرير والخطار وليعلم المهدي إنه إن وجه لقتالهم رجلاً لم ير لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة وتقدم على أسفار ضيقة وأموال متفرقة وقواد غششة إن ائتمنهم استنفدوا ماله وإن استنصحهم كانوا عليه لا له.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"قال المهدي هذا رأي قد أسفر نوره وأبرق ضوءه وتمثل صوابه للعيون ومجد حقه في القلوب ولكن (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76] ثم نظر ابنه علي فال ما تقول قال علي: أيها المهدي إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك ولم ينصبوا من دونك أحداً يقدح في تغيير ملكك ويريض الأمور لفساد دولتك ولو فعلوا لكان الخطب أيسر والشأن أصغر والحال أدل لأن الله مع حقه الذي لا يخذله وعند موعده الذي لا يخلفه ولكنهم قوم من رعيتك وطائفة من شيعتك الذي جعلك الله عليهم والياً وجعل العدل بينك وبينهم حاكماً طلبوا حقاً وسألوا إنصافاً فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال أو يحدث من عندهم فتق أطعت أمر الرب واطفأت ثائرة الحرب ووفرت خزائن المال وطرحت تغرير القتال وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة وسجية حلمك وأشجاع خليفتك ومعدلة نظرك فأمنت أن تنسب إلى ضعف وأن يكون فيما بقي دربة وإن منعتم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا اعتدلت بك وبهم الحال وساويتهم في ميدان الخطاب فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته مقرين بمملكته مذعنين بطاعته لا يخرجون أنفسهم عن قدرته ولا يبرؤنها من عبوديته فيملكهم أنافسهم ويخلع نفسه عنهم ويقف على الحيل معهم ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة ومضمار المخاطرة أيريد المهدي وفقه الله الأموال فلعمري لا ينالها ولا يظفرها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعي قبلهم ولو نالها فحملت إليه أو وضعت بخرائطها بين يديه ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم لها لكان مما إليه ينسب وبه يعرف من الجود الذي طبه الله عليه وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه فإن قال المهدي هذا رأيٌ مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا وتحامل ولاتنا فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود انطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية وكسروا قيد الفتنة فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالاً لغيرهم وعظة لسواهم فيعلم المهدي أنه","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"لو أتى بهم مغلولين في الحديد مقرنين في الأصفاد ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه والإقالة عثرتهم صفحة واستبقاهم لما هم فيه من حزبه أو من بإزائهم من عدوه لما كمان بدعاً من رأيه ولا مستنكراً من نظره لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفواً وأشدها وقعاً وأصدقها أصوله وأنه لا يتعاظمه عفو ولا يتكادءه صفح وإن عظم الذنب وجل الخطب فالرأي للمهدي وفقه الله تعالى أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العو عنهم وأن يذطر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم برأيهم وتسعاً لهم فإنهم إخوان دولته وأركان دعوته وأساس حقه الذين بعوزتهم يصول وبحجتهم يقول وإنما مثلهم فيما دخلوا من مساخطه وتعرضوا له من معاصيه وانطووا فيه عن إجابته ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم أو نقل حاله لهم أو تغير من نعمته بهم كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين أصاب أحدهما خبلٌ ولهوٌ حادث فنهض إلى أخيه بالأذى وتحامل عليه بالمكروه فلم يزدد أخوه إلا رقة ولطفاً به واحتيالاً لمداواة مرضه ومراجعة حاله عطفاً عليه وبراً به ومرحمة له.\rفقال المهدي أما علي فقد كوى سمت اللبان وفض القلوب في أهل خراسان (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ )، [الأنعام: 67] فقال ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنه.\rفقال موسى:","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"أيها المهدي لا تسمكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم وأنت ترى الدماء تسيل من خلال فعلهم الحال من القوم ينادي بمضمرة شر وخفية حقد قد جعلوا المعاذير عليها ستراً اتخذوا العلل من دونها حجاباً رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخر والأمور بالتطويل فيكسروا حيل المهدي فيهم ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم وتتلاحق مادتهم وتستفحل حربهم وتستمر الأمور بهم والمهدي من قولهم في حال غرة ولباس آمنة قد فتر لها وأنس بها وسكن غليها ولولا ما اجتمعت به قلوبهم وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد لرهبوا عواقب أخبار الولاء وغب سكون الأمور فليشدد المهدي وفقه الله أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم وليضع الأمر على أشج ما يحضره فيهم وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم وقوة الذين أقرهم وتلك العادة وأجراهم على ذلك الأرب ولم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر ولا يصلح عليه دين ولا ستقيم به دنيا وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة واستمرار الدربة لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة والمؤونة الشديدة والرأي للمهدي وفقه الله أن لا يقيل عثرتهم ولا يقبل معذرتهم حتى تطأهم الجيوش وتأخذهم السيول ويستحر بهم القتل ويحدق بهم البلاء ويطبق عليهم الذل فإن فعل المهدي ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم وهزيمة لكل بادرة شرفيهم واحتمال المهدي في مؤونة غزوتهم هذه تضع عنه غزوات كثيرة ونفقات عظيمة.\rقال المهدي قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل.\rفقال العباس بن محمد: أيها المهدي أما (الموالي9 فأخذوا بفروع الرأي وسلكوا جنبات الصواب وتعدوا أموراً قصر بنظرهم عنها وأه لم يأت تجاربهم عليها وأما (الفضل) فأشار بالأموال أن لا تنفق والجنود أن لا تفرق وبأن لا يعطي القوم ما طلبوا ولا يبذل لهم ما سألوا وجاء بأمر بين ذلك استصغاراً لأمرهم واستهانة بحربهم وإنما يهيج جسيمات الأمور","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"صغارها وأما (علي) فأشار باللين وإفراط الرفق وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتاً والخير محضاً لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينة ولا بشر يحسبهم إلى خيره فقد ملكهم الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثني أعناقهم فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة فنزوة في رؤوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم وإن لم يقبلوا دعوته يسرعوا لإجابته باللين المحض والي الصراح فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم وما قد يشبه أن يكون من مثلهم لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير مال لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها فلولا أنه خلق ناراً جعلها لم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا وأما (موسى) فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها وأن يرموا بشر ولا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته الخوف مفاداً والشر مجرداً ليسعهما طمع ولا لين بثنيتهم اشتت الأمور بهم وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين إما أن تدخلهم الحمية من الشدة والأنفة من الذلة والامتعاض من القهر فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف والاستبسال في القتال والاستسلام للموت وإما أن ينقادوا بالكره ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة وعداوة باقية تورث النفاق وتعب الشقاق فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابت لهم قدرة أو قويت لهم حال عاد أمرهم إلى اصعب وأغلظ وأشده مما كان.\rوقاتل في قول الفضل: أيها المهدي أكفى دليل أوضح برهان وأبين خبر بأن فد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم وتوجيه البعوث نحوم مع إعطائهم ما سألوا من الحق وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل.\rقال المهدي ذلك رأي.\rقال هارون ما خلطت الشدة أيها المهدي باللين فصارت الشدة أمر فطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب ولكن أرى غير ذلك.\rقال المهدي لد قلت","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"قولاً بديعاً وخالفت فيه أهل بيتك جميعاً والمرء مؤتمن بما قال وظنين بما ادعى حتى يأتي بينة عادلة وحجة ظاهرة فاخرج عما قلت.\rأيها المهدي إن الحرب خدع والأعاجم قوم مكرة وربما اعتدلت الحال بهم واتفقت الأهواء منهم فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون وربما اقترفت الحالان وخالف القلب اللسان فانطوى القلب على محجوبه تبطن واستسر بمدخوله لا تعلن والطبيب الرفيق بطبه البصير بأمره العالم بمقدم يده وموضع مسيمه لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء فالرأي للمهدي وفقه الله أن يفر باطن أمرهم فر المسنة ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء متابعة الكتابة ومظاهرة الرسل وموالاة العيون حتى تهتك جب عيونهم وتكشف أغطية أمورهم فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه وامتدت الأعناق نحو يدين يعتقدونه وأثم يستحلونه عصبهم بشد لا لين فيها ورماهم بعقوبة لا عفو معها وإن انفرجت العيون واهتصرت الستور ورفعت الحجب والحال فيهم مريعة والأمور بهم معتدلة في مناصحتهم فالرأي للمهدي وفقه الله أن يتسع لهم بما طالبوا ويتجافى لهم عما كرهوا ويشعب من أمهم ما صدعوا من فتقهم ما قطعوا ويولي عليهم من أحبوا ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم فإنما المهدي وأمته وسواد أهله مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق والوالد الشفيق والراعي المجر الذي يختال لمرابض غنمه وضوال رعيته حتى يبرئ المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى انس جماعتها، ثم إن خراسان بخاصة الذين لهم دالة محمولة وماتة مقبولة ووسيلة معروفة وحقوق واجبة لأنهم أيدي دولته وسيوف دعوته وأنصار حقه وأعوان عدله فليس من شأن المهدي الاضطعان عليهم ولا المؤاخذة لهم ولا التوغير بهم ولا المكافأة بإساءتهم لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلط أحزم في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والهاون بها حتى","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"يلتئم قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها إلى جمهورها.\rقال المهدي ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء وانسل انسلال السيف فيما ادعى فدعوا ما سبق موسى فيه فإنه هو الرأي وثنى بعد هارون ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحر وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج وأفرطت بهم الدالة.\rقال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوم البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض لحظات نظرك وليس ينقض عنك من بيوتات العرب ورجال العجم ذو دين فاضل ورأي كامل وتدبير قوي تقلده حربك وتستودعه جندك ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويضطلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النقيبة مبارك العزيمة مخبور التجارب محمود العواقب معصوم العزم فليس يقع اختيارك وزلا يقع نظرك على أحد توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك لله ما تحب وجمع لك منه ما تريد.\rقال المهدي إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكني أحب الموافقة على الرأي والاعتبار للمشاورة فالأمر المهم.\rقال محمد بن الليث:","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة وشياطين خدعة زروع الحمية فهم نابتة وملابس الأنفة عليهم ظاهرة فالروية عنهم عازية والعجلة عنهم حاضرة تسبق سيولهم مطرهم وسيوفهم عذلهم لأنهم بين صفة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا يفطمون إلا بالمر وإن ولي المهدي عليهم وضيعاً لم تنقد له العظماء وإن ولي أمرهم شريفاً تحمل عليه الضعفاء وإةن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه وأو بني عمه أو بني أبيه ناصحاً يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا مصيبة تنفرهم تنفست اليان بهم وتراخت الحال بأمرهم فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع لعظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد ولا يستصلحه وإن جهد إلا بعد دهر طويل وشر كبير وليس المهدي وفقه الله فاطماً عاداتهم ولا قارعاً صفاتهم ويمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بمسمعك ويد ممثلة لعينك وصخرة لا تزعزع وبهمة لا تثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل نقي العرض نزيه النفس جليل والخطر قد اتضعت الدنيا عن قدره وسما نحو الآخرة بهمته فجع الغرض الأقصى لعينه نصبا والغرض الأدنى لقدمه موطئاً فليس يقبل عملاً ولا يتعدى أملاً وهو رأس مواليك وأنصح بني أبيك رجل قد غذي بلطيف كرامتك ونبت في ظل دولتك ونشأ على قوائم أدبك فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كان قفلاً فتحه أمرك وباباً أغلقه نهيك فجعل العدل عليه وعليهم أميراً والإنصاف بينه وبينهم حاكماً وإذا حكم المنصفة وسلك المعدلة فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما عليهم غرس في الذي لك بين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متماثلة فيحول شيء عوامهم متمكنة من قلوب من غيضك أو نبعة من أورمتك فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي: فسلطة أعزك الله عليهم ووجهه بالجيوش إليهم ولا تمنعك ضراعة سنة وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من لشك والجهل مه الكهولة وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق لأخذ الصيد بلا تدريب والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: فتاء أهل بيتك المهدي في الحلم على ما ذكر وأهل خراسان في حال عز على ما وصف: ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلاً ليس بقديم الذكر في الجنود ولا نبيه الصوت في لحروب ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء داخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان أحدهما أن الأعداء يغتمرونها منه ويحتقرونها فيه ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه قبل الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه ولأمر الآخر أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة وبم يعرفوه بالصيت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختيارهم ووقوع معرفتهم وبنا وقع البوار قبل الاختيار، وبباب المهدي وفه الله رجل مهيب نبيه حنيك صيت له نسب زاك وصوت عال قد قاد الجيوش وساد الحروب وتآلف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل الثقة فلولا ولاه المهدي أمرهم لكفاه شرهم قال المهدي جانبت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية إذا رأى الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلفاء من غيرنا ولمتن أين تركتم ولي العهد.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده ونسيج وده ومن الدين وأهله بحي يقصر القول عن أدنى فضله وكن وجدنا الله عز وجل حجب عن خلقه وستر دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور و ريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك فكرهنا شسوعه ن محله الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود ومعدن الجود ومجمع الأموال التي جعلها الله قطباً لدار الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن وداعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت وقلنا إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهد إليهم بنسفه وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامة واستدارت الحال بإمامه حتى يقع عوض لا يستغنى عنه أو يحدث أمر لابد منه صار ما بعد ما هو أعظم وأجل خطراً له تبعاً وبه متصلاً.\rقال المهدي: الخط ب أيسر مما تذهبون إليه وعلى غير ما تصفون الأمر عليه نحن أهل البيت نجري من أساليب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم ومحتوم من الأمر قد أنبأت به الكتب ونبأت عليه الرسل وولي عهد عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله ثم يخرج نشطاً حنقاً عليهم يريد أن لا يدع أحداً من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال إلا توطأة بحر القتل والبسه قناع القهر وقلده طوق الذل ولا أحد من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار لبدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وداول نهله فإذا خرج مزمعاً بع مجمعاً عليه لم يسر إلا قليلاً حتى تأتيه أن قد عملت محيلة وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب وقعت طائرة الأهواء واجتمع","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"عليه المختلفون بالرضى فيميل نظراُ لهم وبراً بهم وتعطفاً عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بين اله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال وأما الآخر فإنه يوجع إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه فأضعت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد الأول ناحية نجعت بطاعتها وأفت بأزمتها عليهم بالرمة فاتقى فيهم ناحية وأنزلها ظل كرامته ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتي ناحية يغلب عليها الشقاء وتستمليهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون آخر من يبعث وأبطا من يوجه فيصطلي عليها موجودة ويبتغي لها علة لا يبث أن يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأسر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أماناً ولا يقبل لهم عهداً ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هربهم في لجج البحار وقلل الجبال وحميل الأدوية وبطون الأرض تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً حتى يدع الديار خراباً والنساء أيامى، وهذا أم لا نعرف له في كتبنا وقتاً ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيراً وأما موسى ولي عهدي فهذا أو أن توجه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضي الله له من الشخوص إيها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة له بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجاميع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتدأب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس.\rقال محمد بن الليث: أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علماً قد","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"تثنت نحوه أعناقها ومجت سمته أبصارها وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر فأما إذا انفرد بنفه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع آثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبير سياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور بهم وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيه وعطفاً لأهوائهم فلا يفتأ المهدي وفقه الله ناظراً له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته وتستجمع رضاء أمته هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمه وأجل موقعاً في قلوب رعيته وأحمد حالاً في نفوس ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدلة تنتشر عن ثر ومحبة للخير وأهله وأن يختار المهدي وفقه الله من خيار أهل كل مصر أقواماً تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه.\rقال امهدي صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصباً ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمر ظاهر بتقوى الله وطاعته احتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله عز وجل كفيك من أسخطه عليه إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه، ثم اعلم أن الله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حيل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذ لأولياء دينه أنصاراً وعلى إقامة عدله أعواناً يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد وأن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"فهم عناد الأرض إذا أرجفت لففها وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها وأذلت رقاب الجبرين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا وأقاموا فيظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذاتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أرباباً في أقطار الأرض وملوكاً على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلا ومحالفة الأسى وجهد البأس والضر فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حق طاعتهم ووسيلة دالتهم ووماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلبت مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتوثق ه عين رعيتك واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين عملك ونصفة منك لراعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلاً توليه أمرهم وتجعل العدل حاكماً بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج فلايسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسامة عواقب الأمور ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلاً وبعرى حبلك متعلقاً رجلان أحدهما كريمة مكن كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أد فاضل وحلم راجح ودين صحيح والآخر له دين غير مغموز وموضع غير مدخول بصير بتقليب وتصريف الرأي وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع آداباً نافعة وآثاراً باقية من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره بحربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي ويرعى في خضرة جناني ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواماً يكونون جيرانك وسمارك وأهل مشاورتك فيمت تورد أصحاب مناظرتك فيما تصدر فسر على بركة الله أصحبك الله من","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"عونه وتوفيقه دليلاً يهدي إلى الصواب قلبك وهادياً ينطق بالخير لسانك.\r\"وفود بكارة الهلالية على معاوية\"\rاستأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذٍ بالمدينة فدخلت عليه وكانت أسنت وعشي وبصرا وضعفت قوتها ترعشبين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال: كيف أنت يا خالة فقالت بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر فقال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين:\rيا زيد دونك فاحتفر من دارنا\r\rسيفا حساماً في التراب دفينا\rقد كنت أذخره ليوم كريهة\r\rفالآن أبرزه الزمان مصونا\r\rقال مروان وهي ولله قائلة يا أمير المؤمنين:\rأترى ابن هند للخلافة مالكاً\r\rهيهات ذاك وإن أراد بعيدُ\r\rمنتّك نفسك في الخلاء ضلالة\r\rأغراك عمرو للشقا وسعيد\r\rقال سعيد بن العاص وهي والله القائلة:\rقد كنت أطمع أن أموت ولا أرى\r\rفوق المنابر من أمية خاطبا\r\rفالله أخر مدتي فتطاولت\r\rحتى رأيت من الزمان عجائبا\r\rفي كل يوم لازال خطيبهم\r\rبين الجميع لآل أحمد عائبا\r\rثم سكتوا فقالت يا معاوية كلامك أعشى بصري وقصر حجتي أنا والله قائلة ما قالوا خفي عليك مني أكثر فضحك وقال ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك: قالت أما أن فلا.\r\"مناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة 749ه?\"\rلما كان السيف والقلم عتي العمل ولقول، وعمدتي الدول عدمتهما دولة فلا حول.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وركني إسناد الملك المعربين عن المخفوض والمرفوع ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً أو أعلى قدراً فجلست مجلس الحكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى وسويت بين الخصمين في الإكرام واستنطقت لسان حالهما للكلام، (فقال القلم): (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41]، (وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا {3} وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) [الشمس: 3 4] أما بعد حمد الله بارئ القلم ومشرفه بالقسم وجعله أول ما خلق وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق والصلاة على القائل جفت الأقلام فإن القلم قصب السباق والكاتب بسبعة أقلام من طبقت الكتاب السبع الطباق جرى بالقضاء والقدر وناب عن اللسان فيما نهى وأمر طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها واتل البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ومشيه لهم على أم رأسه، (قال السيف): بسم الله الخافض الرافع (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ ) [الحديد: 25] أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطروس وخدمته والأقلام ماشية على الرؤوس وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم فإن السيف عظيم الدولة شديد الصولة محا أسطار البلاغة وأساغ ممنوع الإساغة من اعتمد على غيره في قهر العداء تعب وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب فإن كلن القلم شاهداً فالسيف قاضي وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقل قطعه السيف بفعل ماضي به ظهر الدين وهو العدة لقمع المعتدين حملته دون القلم يد نبينا فشرف بذلك في الأمم شرفاً بينا الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الجم يخرج من خلاله زينت بزينة الكواكب سماء غمده وصدق لقائل (السيف أصدق إنباءً من ضده) لا يعبث به الخامل ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل ما","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"هو كاللم المشبه بقوم عروا لبوسهم ثم نكسوا ما قبل على رؤوسهم فكأن السيف (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) [الطارق: 6] أو كوكب راشق مقدراً في السرد فهو الجوهر الفرد لا يشترى كالقلم بثمن بخس ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين في أثر فهو في جراب القوم قوام الحر ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب (قال القلم) أمن ينشأ في المخصوص وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو القائم عن الشمال وأن الجالس على اليمين أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى ما لنت إلا بعد دخول السعير وما حددت إلا عن ذنب كبير أنت تنفع في العمر ساعة وأنا أفني العم في الطاعة أنت للرهب وأنا للرعب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ماء ذهب أين تقليدي من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي، (قال السيف): أمثلكم يعبر مثلي بالدماء فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين: فأصبحت من النفاثات فيعدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنف وقطعت لسان، ويك إن كنت للديوان فحاسبٌ مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه فناقص في المعلوم، أو للشاعر فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم فللحي القيوم، وأما أنا فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذا أشهرن والصعود على المنبر، شكلي الحسن علي، ولم لا حملك الحطب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فإنك كناسك، أسلك الطرائق وأقطع العلائق، (قال القلم): وأليف الغدير وحليف الهواء، وأما أنت فابن النار والدخان، وباتر الأعمار وخوان الإخوان، تفصل ما لا تفصل، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم شمر السيف وصقل قفاه، وسقي ماء حميماً فقطع معاه، يا غرب البين، ويا عدة الحين، ويا معتل العين، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت.. وأرملت وأيئمت (قال السيف): يا بن الطين، ألست ضامراً وأنت بطين، كم جريت بعكس وتصرفت في مكس، وزورت","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وحرفت، ونكرت وعرفت، وسطر ت وهجواً وشتماً، وخلدت عاراً وذماً، أشر بفرط روعتك، وشدة خيفتك، إذا قستن بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن جوابك فعندي حدة، وأقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فنستأصل أصلك وتجحتث جرثومتك، فسقيا لمن غاب بك عن غابك، ورعياً من أهاتب بك لسلخ إهابك، (فلما رأى القلم) السيف احتد، الآن له من خطابه ما اشتد وقال: أما ألأدب فيؤخذ عني، وأما اللطف فيكةتس منس، فإن لنت لنت، وإن أحينت أحينت، نحن اهل السمع والطاعة، ولهذا نجمع في الدواء الواحدة منا جماعة، وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف، ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف، (قال السيف): أمراً ودعوى عفة، لأمر ا جدع قصير أنفع لو كنت كما زتعمت ذا أدب، لما قابلت رأس الكىاتب بعقدة الذنب، أنا ذو الصيت والصوت، وغرارء لسانا مشرفي يرتجل غرائب الموت، أنا من مارج النمار، والقلم من صلصال كالفخار، وإذات زعنم القلم أه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي (قال اللم): صف فصاحب السيف بلا سعادة كأعزل، (قال السيف): مه فقلم البيلغ بغير حظ معزل، (قال القلم): أنا أزكى وأطهر، (قال السيف): أنا أبهى وأبهر فتلا، (ذو القلم) لقلمه: (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [لكوثر:1] فتلا: (صاحب السيف): (فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2] فتلا( ذو القلم) لقلمه: (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر:3] (قال) أما وكتابي المسطور، وبيتي المعمور، والتوراة والإنجيل، والقرآن ذي التنبجيل، إن لم تكف عني غربك، وتبعد مني قربك، لأكتبنك من الصم والبكم، ولسطرن عليك بقلمي بهذا الحكم، (قال السيف): أما ومتني المتين، وفتحي المبين، ولساني الرطبين، ووجهين الصلبين، وإن لم تغب عن بياضي بسوادك، لأمسحن وجهك بمدادك، ولقد كسبت من الأسد في الغابة، توقيح العين والصلابة، ومع أني ما ألوتك نصحاً، أفنضرب عنكم","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"الذكر صفحاً.\r(قال القلم): سلم إلي مع من سلم، إن كنت على فأنا أعلم، وإن كنت أحلى فأنا أحلم، وإن كنت أقوى فأنا أقوم، أوكنت ألوى فأنا ألوم، أو كنت أطرى فأنا أطرب، أو كنت أغلى فأنا أغلب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضة فأنا أقضب (قال السيف): كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري، (قال القلم) كيف لا أفضلك وهو تعز نصره ولي أمري.\r(قال الحكم بين السيف والقلم): فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبينتين متعارضتين، وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم لطفت الوسيلة ودقت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه.\rوأخرت بينهما الترجيح، وسكت عما هو عندي الصحيح، إلى أن بحكم المقر لبينهما بعلمه ويسكن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه.\r?\"مناظرة بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري للآمدي\"\r(صاحب أبي تمام): كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ وعلى حذوه احتذى ومن معانيه استقى حتى قيل الطائي الأكبر والطائي الأصغر.\r(صاحب البحتري): أما الصحبة له فما صحبه ولا تتلمذ له وا روى ذلك أحد عنه ولا نقله ولا رأي قط أنه محتاج إليه ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها:\rأأفاقَ صبَ من هوى فأُفيقا","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتاً كثيرة فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فال أيها الأمير ما ظننت أن أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم ثم اندفع ينشج ما حفظه حتى أتي على أبيات كثيرة من القصيدة فبهت البحتري ورأ ى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد فحينئذٍ قال له أبو تمام أيها الأمير والله ما الشعر إلا له وإنه أحسن فيه الإحسان كله وأقبل يقرظه ويصف معانيه ويذكر محاسنه ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه قبل أن يعرف أبا تمام جدير به أن يستغني عن أن يصحبه أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء على أنني لا أنكر استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري ولا بمانعه أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام فهذا كثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه فما رأينا أحداً قال إن جميلاً أشعر منه بل هو عند أهل الشعر والرواية أشعر من جميل (صاحب أبي تمام): أن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام منه فقد سئل عنه وعن أبي تمام فقال أن جيده خير من جيدي وجيد أبي تمام كثير.\r(صاحب البحتري): إن كان هذا الخر صحيحاً فهو للبحتري لا عليه لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف وشعره شديد الاستواء ولمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علواً حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً وأن البحتري يعلو بتوسط ولا يسقط ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف.\r(صاحب أبي تمام): أن أبا تمام انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً إماماً متبوعاً وشهر به حتى قيل هذا مذهب أبي تمام وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره وهي فضيلة عري عن مثلها البحتري.\r(صاحب البحتري) ليس الأمر على ما وصفت وليس أبو تمام صاحب هذا","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"المذهب ولا يأول فيه ولا سابق إليه بل سلك فيه سبيل مسلم بن الوليد واحتذى حذوه وأفرط في ذلك وأسرف حتى زال عن النّهج المعروف وسنن المألوف بل إنّ مسلماً غير مبتدع له ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع متفرّقة في أشعار المتقدمين فقصدها وأكثر في شعره منها ولكنه حرص على أن يضعها في مواضعها ولم يسلم مع ذلك من الطعن عليه حتى قيل إنه أول من أفسد الشعر فجاء أبو تمام على أثره واستحسن مذهبه وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأصناف فسلك طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني استكراهاً ففسد شعره وذهب طلاوته ونشف ماؤه فقط سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه: وكلّ ما في المسألة أنه استكثر منه وأفرط فكان إفراطه فيه من أعظم ذنوبه وأكبر عيوبه. أما البحتري فإنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعروفة على كثرة ما جاء في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة فكان انفراده بحسن العبارة وحلاوة اللفظ وصحّة المعنى والبعد عن التكلف والتعمل سبباً في إجماع الناس على استحسان شعره واستجادته وتداوله ونفاق شعر الشاعر دليل على علو مكانته واضطلاعه بما يلائم الأذواق ويلامس القلوب من أساليب الكلام ومناهجه.\r(صاحب أبي تمام) إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه لدقّة معانيه وقصور فهمه عنه أما النقاد والعلماء فقد فهموه وعرفوا قدره وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه.\r(صاحب البحتري) لا يستطيع أحد أن ينكر منزلة ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني ودعبل بن الخزاعي من الشعر ومنزلتهم من العلم بكلام العرب وقد علمتم مذهبهم في أبي تمام وازدراءهم بشعره حتى قال دعبل إن ثلث شعره محال وثلثه مسوق وثلثه صالح وقال ما جعل الله أبا تمام من الشعراء: بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر: وقال ابن الأعرابي في شعر أبي تمام إن كان شعراً فكلام العرب باطل وهذا محمد","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"بن يزيد المبرد ما علمناه دون له كبير شيء.\r(صاحب أبي تمام) إن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده على ما هو معروف ومشهور فلا يقبل قول شاعر في شاعر وإما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه فكان إذا سئل عن شيء منها بأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه ولا مانع أن يكون جميع من تذكرونه على هذا القياس.\r(صاحب البحتري) لا عيب على ابن الأعرابي في طعنه على شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ والإحالة والعيب في ذلك يلحق أبا تمام إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله من المضطلعين بالسليقة العربية.\r(صاحب أبي تمام) إن العلم في شعر أبي تمام أظهر منه في شعر البحتري والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم.\r(صاحب البحتري) كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً وكان الأصمعي شاعراً عالماً وكان الكسائي كذلك وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء والتجويد في الشعر ليست علته العلم: والشائع المشهور أن شعر العلماء دون شعر الشعراء وقد كان أبو تمام يعمل على أن يدل في شعره على علمه باللغة وكلام العرب.\rأم البحتري فلم يقصد هذا ولا اعتمده ولا كان يعده فضيلة ولا يراه علماً بل كان يرى أنه شاعر لا بد له أن يقرب شعره من فهم سامعه فلا يأتي بالغريب إلا أن يتفق له في اللفظة بعد اللفظة في موضعه من غير طلب له ولا حرص عليه. على أن هذا العلم الذي تؤثرون به أبا تمام لم ينفعه فقد كان يلحن في شعره لحناً يضيق العذر فيه ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالحيلة والتحمل الشديد.\r(صاحب أبي تمام) لسنا ننكر أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه: وغير غريب على فكر نتج من المحاسن ما نتج وولد من البدائع ما ولد أن","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"يلحقه الكلال في الأوقات والزلل في الأحيان بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه ويتجاوز له عن خطائه وما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين من الغلط والخطأ واللحن أشهر من أن يحتاج إلى أن نبرهنه أو ندل عليه وما كان أحد من أولئك ولا هؤلاء مجهول الحق ولا مجحود الفضل بل عفا إحسانهم على إسائتهم وتجويدهم على تقصيرهم.\r(صاحب البحتري) أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليهم من المتقدمين والمتأخرين ففي البيت الواحد والبيتين والثلاثة أما أبو تمام فلا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من عدة أبيات يكون فيها مفسداً أو محيلاً أو عادلاً عن السنن أو مستعيراً استعارة قبيحة أو مخطئاً للمعنى بطلب الطباق والتجنيس أو مبهماً يسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم ولا يوجد له مخرج.\r(صاحب أبي تمام) إنكم تنكرون على أبي تمام من الفضل ما يعترف به البحتري نفسه فقد رثاه بعد موته رثاء اعترف فيه له بالسبق وفضله على شعراء عصره.\r(صاحب البحتري) لم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام صديقين متحابين وأخوين متاصفيين يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب فليس بمنكر ولا غريب أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل ويصفه بأحسن ما فيه وينحله ما ليس فيه على أن الميت خاصة يعطى في تأيينه من التقريظ والوصف وجميل الذكر أضعاف ما كان يستحقه.\r(صاحب أبي تمام) كيفما كان الأمر لا تستطيعون أن تدفعوا ما أجمع عليه الرواة والعلماء أن جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله وإذا كان جيده بهذه المكانة وكان من الممكن إغفال رديئته واطراحه كأنه لم يقل فلا يبقى ريب في أنه أشعر شعراء عصره والبحتري واحد منهم.\r(صاحب البحتري) إنما صار جيد أبي تمام موصوفاً ومذكوراً لندرته ووقوعه في تضاعيف الرديء فيكون له رونق وماء عند المقابلة بينه وبين ما يليه: وجيد البحتري كجيد أبي تمام إلا","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"أنه يقع في جيد مثله أو متوسط فلا يفاجئ النفس منه ما يفاجئها من جيد صاحبه.\r\"مناظرة السفينة والوابور للمرحوم السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314ه\"\rشمرت \"السفينة\" عن الذراع وسحبت طرفها ونشرت الشراع واعتدلت ومالت وابتدأت وقالت: حمداً لمن أسبغ على عباده جزيل الإنعام وسخر لهم من فضله السفن والأنعام وجعلهما مطيتين لحمل الأرزاق والأثقال وحافظين للذخائر عند السفر والانتقال وامتن بهما على عباده وهو عليم بما يصنعون فقال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) [المؤمنون: 22] وصلاةً وسلاماً على من أسفرت أسفاره عن عظيم أخلاقه فانفتح بتوجهاته الشريفة باب السياحة بعد إغلاقه وآله وأصحابه الذين تحملوا في الغزوات مشاق البرد والحر واقتحموا في نضر دينه عقبات البحر والبر \"وبعد\" فإن المخترعات في الدنيا كثيرة وقد صارت سهلة بعد أن كانت خطيرة ولكن من المعلوم لكل عاقل عارف بأحوال الأوائل ناقل أن شكلي أول غريب ابتدع وأحسن عظيم اختراع ما تقدمني سوى الحيوان والكواكب وضروريات الزرع وبعض آلات المعاطب وكان البحر قبلي ظلمة ما طلع له فجر وانشرح لها صدر بل غرضاً ما أصابه سهم ومعنى ما ترقى لهم وهم حتى أمر الله نبيه نوحاً بصنعي وعلمه تركيب ضلوعي عند جمعي فبذل في جهده وباشر عملي وحده وكلما مر عليه ملأٌ من قومه سخروا منه قال: (إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود: 38] فقال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنّهُمْ مّغْرَقُونَ) [هود: 37] فاستمر حتى أتم عمله وحقق رجاءه وأمله وأنزلني البحر عروساً وأطاب بي نفوساً فتلقاني البحر على رأسه وجريت بين روحه وأنفاسه وصار كل غريب حاضر لدي وكلما تلاطم البحر ضربته بيدي لا ترهبني منه الأمواج ولا تردني عنه الأبراج أحمل الذخائر والأرزاق وأجمع الأحباب والعشاق ومع ذلك","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"فإن أصلي معدن الثمر ونزهة الأرقاء عند السمر فمن له أب كأبي ومن قبلي صنعه نبي فمجدي شامخ ومجد غيري متهدم والفضل كل الفضل للمتقدم.\rفالتهبت أحشاء (الوابور) بفحم الحجر وصعدت أنفاسه مشوبة بشرر وزمجر وكفر وصاح وصفر وجرى حتى خرج عن \"الشريط\" وقال السكوت على هذا من التفريط ثم كر بعجله وجال وابتدأ رداً عليه فقال: الحمد لله خالق كل شيء موجود الذي يشرفني بالذكر قبل الوجود حيث امتن على عباده بخلق عليها يحملون ثم قال: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: 8] ويستأنس لي بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) [يس: 42] ولا يغفل عن ذكري إلا الجاهلون والصلاة والسلام على من تكلم بالمغيبات من غير شك ولا التباس المنزل عليه (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ) [الحديد: 25] وأصحابه الذين اتخذوا من معدني دروعاً وتيجاناً وقاتلوا بها حتى أظهروا ديناً وأرضوا ديّاناً \"وبعد\" فالوقوف عند حد النفس إنصاف والخروج عنه قبيح الأوصاف: الفخر لا يكون إلا عن كبر أو غباوة وهو أول داع للحرب والعداوة فكم أثار حرباً وأضرم ناراً وكم هدم قصراً وأباد داراً ولكن شر أهر ذا ناب وكوة فتحت بها أبواب فإني ما كنت أظن أن السفينة الحقيرة المسكينة تخرج من الأجراف وهي ترفع في وجهي المجداف ولكن قد يلقى الإنسان ضد أمله والمرء مجزي بعمله ومن سل سيف البغي قتل به وأهم أمريك الذي أنت به فانتبه فقابل أعداءك بأرداء الحجارة وإياك أعني فاسمعي بإجارة فإنك وإن كنت أول عمل للخلق وصناعة نبي بوحي الحق إلا أنك حمالة الحطب قريبة العطب إن هبت عليك نسمات هلك من فيك ومات وإن كتبت لك سلامة فلا حباً ولا كرامة وإن كسر ضلعك فار علا فيك الماء وفار: بم تفتخرين وأنت مكتفة بالحبال وخدمتك ينادون بالوبال إن سلكت طرق الأمن ارتجفت القلوب وإن ساعدتك الصبا أهلكتك الجنوب تغرقين إن زاد عليك \"طرد\" وتهلكين إن نزل","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"عليك \"شرد\" فإن أبيت السير سحبوك على وجهك وإن كلوا تركوك وباتوا على قلبك ما أقبح أصوات الأوباش حين يصعدون لسحب القماش وما أفظع تلك الضجة إذا \"شحطت\" وسط اللجة كم عقت محباً عن حبيبه وأحرمت تاجراً من نصيبه وكم جعلوك مطية للفساد وآلة لهلاك العباد فإن كنت ذكرت في الكتاب صراحة فقد ذكرت ضمناً وإن ظهرت قبلي لفظاً فقد كنت معنى ما تأخر لتاجر عندي سبب ولا حرم من صاحبني بلوغ أرب طريقك معوج وطريقي مستقيم لا يملني صحيح ولا يسأمني سقيم فسحبت السفينة \"المداري\" وقالت له \"باري باري\" كم تعرض وتصرح \"وأصفح وأصلح\" ولكن مهلاً يا أبا لهب فقد خرجت عن الأدب ولابد ما \"أرسي\" على برّك وأحرقك بلهيب جمرك حصرت بين \"عجل وقضيب\" ووقفت في جحيم ولهيب وتغذّيت \"بالخشب والفحم\" وتفكهت \"بالزيت والشحم\" وتولعت \"بالمشاقة والكهنه\" وتحليت \"بالهباب والدهنة\" وتمكن الغيظ فيك وانحبس حتى صار فيك \"نفس\" وجئت تقول إني حمالة الحطب وأنت حمال النار واللهب وإني قريبة العطب وأنت أبو البلايا والكرب إن جريت فضحت عرضك وإن وقفت تأكل بعضك وإن صدمك شيء هلكت ووقفت وما سلكت وإن كسر \"ذراعك\" وقعت وقليل إن طلعت وإن دخن أنفك تعمى صورتك وإن ظمئت يوماً طقت \"ما سورتك\" تجري في الخلاء والقفار وتقول النار ولا العار ما أوسخ رجالك وأضيق مجالك يا مفرق الأحباب ومفزع الركاب غريقي أرجى من غريقك وبحري أنجا من طريقك كم هرست من إنسان وطحنت من حيوان وخلفت راكباً وتركته حيران وكم جعل رجالك الناس مسخرة إذا لم يجدوا معهم \"تذكرة\" وكم أضعت على تاجر فلوسه إذا فقدت منه \"بوليسة\" أعلى غير \"الشريط\" تجري فضلاً عن لجي وبحري أدخل نفسك في \"مخزن الوفر\" (وفضك من النفخ والصفر) تفتخر على أغصان الطعوم \"وأنت حديد يا مشوم\" ولئن سرت على \"عجل\" فقلوب أهلك في وجل أما علمت أن العجلة من الشيطان وأن الباغي جزاؤه النيران شغلت بالأكل والتمشي ففاتك الرفق والتأني.\rوبالجملة فإني سابقة هذا","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"الميدان ولا ينتطح في ذلك عنزان.\rفتحرك الوابور تحرك ناقد وتنهّد تنهد حاقد وقطع (قطره) وأبا (شحناً) وقال أسمع جعجعة ولا أرى طحناً أبعوض تطن في أذن فيل وصورة تعد في التماثيل ولكني أبيت مخاطبتك وعفت وكرهت وجهك المدهون \"بالزفت\" فإن حالك حال الحيران وصباحك صباح \"القطران\" وكيف أفاخر امرأة عقلها في \"مؤخرتها\" وهلاكها في تمزيق مئزرها تقاد بحبل طويل وتنقاد لأدنى \"عويل\" يديرها (شاغول) وفكرها مشغول تتبع هواها في السير ولها جناح كالطير أمية فيها (قارية) ويد عاجزة لها (باريه) ثالثة العيزين في ذل (الوتد) (وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ{4} فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مّسَدٍ) [المسد: 4 5].\r\"مناظرة بين الليل والنهار لمحمد أفندي المبارك الجزائري\"","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"لما أسفر النهار عن بياض الغرة قابله الليل بسواد الطرة ثم صار الهزل جداً واشتد النزاع بينهما جداً فاستنجد كل منهما أميره وأفشى له سره وضميره وإذا بالليل حمل على النهار فصبغ حمرة وردته بصفرة البهار وخطر يجر ذيول تيهه وعجبه مرصعاً تيجان مفاخره بدرر شهبه. ثم قال: (وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ) [الليل: 1] (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىَ) [النازعات: 26] ففتح باب المناقشة في هذا الفصل وعقد أسباب المنافسة بقول الفصل (فإن الحرب أولها كلام) ثم تنجلي عن قتيل أو أسير بكلام ولما بلغ الليل غايته بزغ الفجر ورفع رايته وقال إذ جال في معترك المنايا (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا) فتقدم في ذلك الميدان وجلي تالياً قوله تعالى: (وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ) [الليل: 2] ثم استوى على عرش السنا والسناء وأطلع شموس طلعته في الأرض والسماء فأعرب عن غوامض الرقائق والحقائق وأغرب في نشر ما انطوى من الأسرار والدقائق وما انحدر من منبره حتى أيد دعوى خبره بشاهد مخبره فانتدب إليه \"الليل\" ومال عليه كل الميل وقال أحمد من جعلني خلوة للأحباب وجلوة لعرائس العرفان ونفائس الأدباء وخلقني مثوى لراحة العباد ومأوى لخاصة النساك والعباد: ولله در من قال فأجاد:\rأيها الليل طل بغير جناح\r\rليس للعين راحة في الصباح\r\rكيف لا أبغض الصباح وفيه\r\rبان عني نور الوجوه الصباح\rأتردد على أرباب المجاهدة بفنون الغرائب وأتودد إلى أصحاب المشاهدة بعيون الرغائب تدور في ساحتهم بدور الحسن والبهاء وتدار من راحتهم كؤوس الأنس والهناء فتحييهم نغمات السمر وتحييهم نسمات السحر فأحيان وصلي بالتهاني مقمرة وأفنان فضلي بالأماني مثمرة وحسبي كرامة أني للناس خير لباس أقيهم بلطف الإيناس من كل باس ومن واصل الإدلاج وهجر طيب الكرى قيل له \"عند الصباح يحمد القوم السرى\".\rوما الليل إلا للمجد مطيته\r\rوميدان سبق فاستبق تبلغ المنى","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"ففتن بمعاني بيانه البديع وتفنن في أفانين التصريع والترصيع ثم أتم خطبته بالتماس المغفرة والعفو واستعاذ بالله من دواهي الغفلة ودواعي اللهو فوثب إليه (النهار) وصال عليه صولة ملك قهار وصعد على منبره ثانياً وقد أضحى التيه لعطفه ثانياً فأثنى على من جلى ظلمة الحجاب وتحلى له باسمه النور وتوجه بسورة من الكتاب وزانه بأبهى سراج وهاج فأوضح بسناه السبيل والمنهاج ثم صاح أيها الليل هلا قصرت من إعجابك الذيل ولئن دارت رحى الحرب واستعرت نار الطعن والضرب فلا سبين مخدراتك وهي عن الوجوه حاسرة وأنت تتلو يومئذ (تِلْكَ إِذاً كَرّةٌ خَاسِرَةٌ) [النازعات: 12] فما دعاك إلى حلبة المفاضلة وما دهاك حتى عرضت بنفسك للمناضلة وهل دأبك إلا الخداع والمكر وترقب الفرصة وأنت داخل الوكر أما حض القرآن على التعوذ (بِرَبّ الْفَلَقِ) [الفلق:1] وندب (مِن شَرّ مَا خَلَقَ {2} وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) [الفلق: 2 3] فبربي يستعاذ من شرك ويستعان على صنوف صروف غدرك وهب أنك تجمع المحب بالحبيب إذا جار عليه الهوى وحار الطبيب فكم يقاسي منك في هاجرة الهجر ويئن أنين الثكلى حتى مطلع الفجر.\rيبيت كما بات السليم مسهداً\r\rوفي قلبه نار يشب وقد\r\rفيساهر النجوم ويساور الوجوم وقد هاجت لواعج غرامه وتحركت سواكن وجده وهيامه: فأنشد وزفيره يتصعد:\rأقضي نهاري بالحديث وبالمنى\r\rويجمعني والهم بالليل جامع\r\rنهاري نهار الناس حتى إذا بدا\r\rلي الليل هزتني إليك المضاجع\rعلى أن العاشق الواله يشكو منك في جميع أحواله فكم قطع آناءك بمواصلة أنينه متململاً من فرط شوقه وحنينه فلما أن حظي بالوصال تمثل بقول من قال:\rالليل إن واصلت كالليل إن هجرت\r\rأشكو من الطول ما أشكو من القصر","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"ولئن افتخرت ببدرك الباهي فإما تباري ببعض أنواري وتباهي وهل للبدر عند إشراق الشمس من نور أو لطلعة حسنه من خدور البطون ظهور ومن أدعى أنك تساويني في الفضل والقدر أو زعم أن الشمس تقتبس من مشكاة البدر ومتى استمدت الأصول من الفروع \"وما أغنى الشموس عن الشموع\" فبي تنجلي محاسن المظاهر الكونية وتتحلى بجواهر الأعراض اللونية وأنى يخفى حسني وجمالي على مشاهد أو يفتقر فضلي وكمالي إلى شاهد وعرضي عارٍ عن العار وجميع الحسن من ضيائي مستعار.\rوليس يصح في الأذهان شيء\r\rإذا احتاج النهار إلى دليل","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"أما كفاك بينةً وزادك ذكرى وتبصرة قوله تعالى: (فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: 12] و (هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَىَ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظّلُمَاتُ وَالنّورُ) [الرعد: 16] وأين منزل أهل الغفلة من منزل أهل اليقظة والحضور وإن كنت مغنى الأنس والأفراح تفعل بعقول الناس فعل الراح فهل حسبت أن السكون خير من الحركة وقد أجمع العالم على أن \"الحركة بركة\" فإن لي بكل خطوة حظوة وليس لجوادي كبوة ولا لصارمي نبوة وإن صرحت بالذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً معرضاً بكل غافل لاه في كل مجال (رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ) [النور: 37] وأين من احتجب بظلمات بعضها فوق بعض ممن أضحى ينظر بعين الاعتبار في ملكوت السموات والأرض وقد أتحفني الله بالصلاة الوسطى فأوتر بها صلواتي وشرع فيها الإسرار لأسرار اختصت بها أهل جلوتي وكفاني شرفاً (شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: 185] فمآثري مأثورة في القديم والحديث ومفاخري منثورة في الكتاب والحديث ومحاسني واضحة لأولي الأبصار وهل تخفى الشمس في رائعة النهار فاكفف عن الجدال وأمسك ولا تجعل يومك مثل أمسك وسالم من ليس لك عليه قدرة فقد قيل: (ما هلك امرؤ عرف قدره) أقول قولي هذا واستغفر الله من آفة العجب والكبرياء ولما انهار ركن النهار ابهارّ (الليل) وتبرقع بالاكفهرار فسد ما بين الخافقين بسواده وطفق يرمي بسهام جداله في جلاده وقدم بين نجواه سورة القدر آية على ما حازه من كمال الرفعة والقدر وثني بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً) [الإسراء: 1] فأشار إلى الحبيب حين تجلت له قرة عينه ليلاً ثم قال سحقاً لك أيها النهار فقد أسست بنيانك على شفا جرف هارٍ تناضلني ومني كان انسلاخك وظهورك وتفاضلني وبي أرحت أعوامك وشهورك ألم يأن لك أن تخشع للذكر فتعترف","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"لي برتبة التقديم في الذكر وكيف تعيرني بلون السواد وهل يقبح السواد إلا في الفؤاد أم كيف تعيبني بالخداع \"والحرب خدعة\" وليس الشيء في موطنه بغريب ولا بدعة أما تشهد العوالم من هيبتي حيارى (وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ) [الحج: 2] فكم أرقت ملوكاً أكاسرة وأرقت دماء أسودٍ كاسرة وكم أرويت نار الوغى تحت العجاج وقد ازورت اللحاظ واغبرت الفجاج فأنا البطل الذي لا يصطلى بناره ولا يأخذ منه الموتور بثأره وافتخارك علي بالصلاة الوسطى ليس إنصافاً منك ولا قسطاً وهب أنك انفردت بتلك الصلاة الجليلة فأين أنت مما أوتيته من الصلات الجزيلة أما كان افتراض الصلاة في ليلة العروج فما بالك تدعي الارتقاء إلى هذه البروج.\rوما أعجبتني قط دعوى عريضة\r\rولو قام في تصديقها ألف شاهد","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"وأما افتخارك علي بشهر رمضان وما نزل فيه من السبع المثاني والقرآن فهل صح لك صيامه إلا بي بدأ وختاماً وقد تميزت عليك بفضيلة إحيائه تهجداً وقياماً على أني محل النية \"ونية المرء خير من عمله\" لأنها بمثابة الروح له وبها يحظى الراجي ببلوغ أمله هذا وإني أتكفل للصائم بمد يد الراحة ووافر الأجر حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وكيف تفتخر بالكتاب المنزه في مزاياه عن المشاركة والله تعالى يقول فيه: (إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ) [الدخان: 3] وهل في مطالع سعودك أشرقت بدور العيدين أم على جناح جنحك أسرى بنور طلعة الكونين ثم عرج به عليه الصلاة والسلام إلى منزلة قاب قوسين وهل في تجليات أسحارك يقول الرب هل من سائل فيناجيه العبد متضرعاً إليه بقلب خاشع ودمع سائل ومما اختصصت به من الفضائل أنه في دولتي سيد الأوائل والأواخر وناهيك بليالي شهر الله رجب وكيف لا وفي طالعها السعيد حملت آمنة سيد العجم والعرب \"فطلع النهار\" طلوع الأسد من غابه وكسر جيوش الدجى حين كشر عن نابع وشمر للحرب العوان غيرنا كل ولا وان ناشراً في الأفق رايته البيضاء وأسنته لامعة بين الخضراء والغبراء وقال والذي كساني حلل الملاحة وأطلق لساني بالبلاغة والفصاحة لأمحون سطور الدجى من طروس الوجود ولأثبتن حسن أحوالي في مقامات أهل الشهود فإني معروف بالوفاء وصدق الخبر موصوف بالصفاء الذي لا يشوب صفوه كدر كيف يباهيني الليل بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وأنا أتحدث بنعم الله وهو موسوم بكفران النعم ألست مظهر الهداية والدلالة وهو مظهر الغواية والضلالة فكم أرشدت من أضله وأعززت من أهانه وأذله وكم أظهرت منه عيباً كان غبياً فابيضت عينه حزناً (وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً) [مريم: 4].\rومن جهلت نفسه قدره\r\rرأى غيره منه ما لا يرى","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وكيف يزعم هذا العبد الأبق أنه لسيده في حلبة الشرف سابق وقد قال الواحد القهار (وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ) [يس: 40] إن هو وايم الله إلا كافر وبشموس أنوار الشهادة غير ظافر لو كان من السعداء لفاز بدار النعيم ولولا شقاؤه لما شابه سواد طبقات الجحيم وماذا يؤمله من الجزاء ويرجوه (يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ) [آل عمران: 106] أما دري أن صحيفته سوداء مظلمة وصحيفتي تفصح عن نفس مؤمنة بالله مسلمة وأنى يرقى كتابه إلى عليين وهي من ظلمات الحجاب في سجين ثم أقبل عيه وأنشد مشيراً إليه:\rيا مشبا في فعله لونه\r\rلم تعد ما أوجبت القسمة\r\rخلقك من خلقك مستخرج\r\rوالظلم مشتق من الظلمة\rوقال كيف تدعي فوق حالك وأي فضل لمن منظره أسود حالك أما علمت أن الظاهر للباطن عنوان كما أن اللسان عن الجنان ترجمان: قال أفضل الخلق \"ابتغوا الخير عند حسان الوجوه\" وقال الشاعر:\rلا تسأل المرء عن خلائقه\r\rفي وجهه شاهد من الخبر\rفأنا مفتاح خزائن الأرزاق وبي يستفتح باب الكريم الرزاق وكفاني دليلاً على الفضل والكمال \"إن الله تعالى جميل يحب الجمال\" لقد سمعت أقاويلك التي قدمها بين يديك وزعمت أنها حجة عليك ولا جرم أن \"لسان الجاهل مفتاح حتفه وكم من باغ قتل بصارم بغيه وحيفه أما انسلاخي منك فمن أملح الملح لي والغرر وهل تحق لأصناف الأصداف أن تنافس الدرر أليست (تلد الأمة ربتها حرة نجيبة) وقد قالوا (إن الليالي حبالى يلدن كل عجيبة) وما تقدمك علي فمن العادة تقدم الخدم بين يدي السادة:\rأو ما ترى أن النبيّ محمداً\r\rفاقَ البريّةَ وهو آخرُ مرسل\rعلى أنه (أو ما خلق الله النور) كما ورد عن جابر في خبره المأثور.","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"وأما تحلي صفوتك بتجلي الحق تعالى في السحر فليس إلا لمن أحيا أحيانك بالمجاهدة والسهر وأما زهوك بقصة ظهور سيد ولد آدم الذي هو نتيجة مقدمات الكون وزبدة العالم فهل وقع اتفاق الرواة على ذلك وأنى لك هذا وصبح طلعته يمحو سوادك الحالك وأما خبر الإسراء فعني روته الأمة ثم بلغه الشاهد للغائب بعد أمة فما لاحت أسراره إلا بمطالعي ولا زاحت أستاره إلا بطوالعي وما أشرت إليه من بقية معانيك التي أضاءت بها في الخافقين نجوم معاليك فأنت أين من يوم عرفه الذي عرفه بأبهى الخصائص من عرفه وأين أنت من يوم عاشوراء الذي يعظم فيه الشكر والصبر على السراء والضراء وناهيك بسمو شأن العيدين فما أجلها من موسمين سعيدين وكيف تفاخرني بساعة تبدو منك مرة في كل عام ولي في كل أسبوع أمد تمتد فيه موائد الجود والإنعام فأخبار أخياري سارت بها الركبان وماست بنسيم رقتها معاطف البان وقدري فوق ما تصفه الألسن وعندي (مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذّ الأعْيُنُ) [الزخرف: 71] فدع عنك قول الزور والمين (فقد بين الصبح لذي عينين) ولما أفاض النهار في حديث يفضح الأزهار أبدع في كنايته وتلويحه وأعرب في تعريضه وتصريحه (ابتدر له الليل) وأجلب عليه بالرجل والخيل وامتطى جواده الأدهم واعتم بعمامة سوداء وتلثم فأنسى بفتكاته عنترة بني عبس حين أمسى يتعود عمارة بالقتل والرمس ثم نشر في الأفق ذوائبه السود وعبس وبسر فأسر بسطوته الأسود وقال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشّفَقِ {16} وَاللّيْلِ وَمَا وَسَقَ {17} وَالْقَمَرِ إِذَا اتّسَقَ) [الانشقاق: 16 18] لأسبينّ رومي النهار ولأجعلنّه عبرة لذوي الاعتبار لقد تزيا المملوك بزي الملوك وادعى مقام الوصول إلى صاحب السير والسلوك أما كفاه ازدرائي وتحقيري حتى حكم بتضليلي وتكفيري كم أسبلت على عوراته ذيل ستري وهو لا يبالي بهتك أستاري وكم أودعت مكنون سره في خزانة سري وهو يبوح بمصون أسراري أفّ له من فاضح أما يكفيه ما فيه من","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"المفاضح.\rأنمُّ بما استودعتهُ من زجاجةٍ\r\rيرى الشيءُ فيها ظاهراً وهو باطنُ\rكيف احتجَّ لتقدمه بحديث جابر مع أن ما رواه لكسرى أعظم جابر فإنه برهن على تقدمي عليه لو أدرك سر ما أومأ إليه وعلام جعل السواد على النقص علامة وهو مشتق من السؤدد لدى كل علامة أما درى أني حزت من الكمال الحظ الأوفر حتى تحلى ببديع وصفي العنبر والمسك الأذفر.\rإن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً\r\rأو أسود الخلق إني أبيض الخلق\rوهل يزري بالخال سواده البارع أو يغري بالبرص بياضه الناصع وفي بياض المشيب عبرة وأي عبرة فكم أجرى من الآماق أعظم عبرة.\rله منظرٌ في العين أبيض ناصع\r\rولكنه في القلب أسود أسفعُ\r\rومن عاب نعت الشباب وفضل وصف الشيب فقد غاب عن شهود العيب وعالم الغيب (فما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) ولما أنهى مقاله ومل مقامه شمر للرحلة أذياله وقوض خيامه فتهلل وجه الصباح وهلل بذكره (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) [الأنعام: 96] وازدهاه السرور والابتهاج كأنه رب السرير والتاج.\rفكأنّ الصبح لمّا\r\rلاحَ من تحت الثريا\rملكٌ أقبل في التا\r\rج يفدّى ويحيّا","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"وبرز إلى المبارزة من بابها إذ كان من فرسانها وأربابها فسلب الليل لباسه وأذاقه شدته وبأسه وقال له أيها المعجب بنفسه المغرب في نقشه صحيفة زوره بنقسه (ما كل سوداء تمرة ولا كل صهباء خمرة) ألم تعلم أينا أبهى محيا وشتان ما بين الثرى والثريا أين سوادك من بياضي وما زهر نجمك إن تلألأ زهر رياضي وكم أطلعت بدوراً في مواكب السيارة فأضحت تزهو بجمالها على الكواكب السيارة وهل لك مثل الغزالة التي انفردت في الملاحة لا محالة فأنا الذي ضاء صباح الصباحة من محياه وضاع عبير العنبر من نشر أنفاسه وطيب رياه ولولاي ما عرف الحسن والجمال على وجه الأرض بدر الكمال: فوجم (الليل) لبراعة تلك العبارة وبلاغة ما لاح له من الرمز والإشارة ثم وثب للمقال كأنما أنشط من عقال وقال (رب ملوم لا ذنب له) ومظلوم خبيث الدهر أمله فإلى متى يسوءني النهار وحتى ما يسومني عذاب النار طالما أعرته أذناً صماء وعيناً عمياء وهو لا ينثني عن المقابلة ولا يرعوي عن المحاربة والمقاتلة أما تعلم أيها المغتر ببياضك أن السواد حلية أهل الزهد والصلاح وهل يسترق الأسود إلا سود أحداق الملاح بيد أن الحر لا يبالي بالجمال الظاهر وإنما يباهي بالفعل الجميل القلب الطاهر فإن تفاؤت المراتب بحسن تفاؤت المناقب.\rوما الحسن في وجه الفتى شرفٌ له\r\rإذا لم يكن في فعله والخلائق\r\rوكم أعددت للأنس مقاعد وفي الأمثال (ربّ ساعٍ لقاعد) فإن ظلي ظليل ونسيمي عليلٌ بليل تهدأ بي الأنفاس وتسكن الأعضاء والحواس.\r(فقام النهار) يعثر في ذيله وقد كفكف واكف سيله فما لبث أن تنفس الصباح وأظهر من سناه ما أخفى ضوء المصباح ورفرف بجناحه الأبيض على الدجى فاقتنصه من وكره بعدما سكن وسجا.\rفكأنّ الصباح في الأفق بازٌ\r\rوالدجى بين مخلبيه غرابُ\rوقال تبا لك أيها (الليل) فلقد أوتيت من المين أوفر نيل أي حديث لك صحيح وضعته وأي حق لك صريح أضعته.\rعليك بالصدق ولو أنه","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"أحرقك الصدقُ بنار الوعيد\r\rوأبغ رضا الله فأبغى الورى\r\rمن أسخط المولى وأرضى العبد\rنعم لك في السمر خبرٌ مرفوع بيد أنه مكروه في السنة موضوع قد اشتهرت لكن بأقبح الأوصاف وعدلت لكن عن سبيل العدل والإنصاف تكتم عن المرء ما يرديه (وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ) [الأحزاب: 37] وفي المثل (الليل أخفى للويل) فما أصعب مراسك قبل افترار سهيل وهل يترنم بذكرك إلا غافل وأنى يغتر بك عاقل ونجمك آفل وكيف تفتخر علي وأنت تفتقر إلي ولما سلب النهار بأساليب بيانه العقول \"سكت الليل\" ملياً ثم أنشأ يقول:\rفعين الرضا عن كلّ عيب كليلةً\r\rكما أن عين السخط تبدي المساويا","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"كيف أتصدى للكذب وأتردى باللهو واللعب وأنا المنعوت باللطف والظرف والموسوم بالصمت وغض الطرف كيف أورث الغرور وأوثر الغفلة على الحضور وأنا الداعي إلى ذكر الله وحده والساعي في رد الكثرة الوهمية إلى عين الوحدة وأنا الموصوف بالستر الجميل والمعروف بشكر المعروف والجميل وهل أحجب البصر عن شهود عالم الكثافة إلا لأكشف لعين البصيرة عن عالم اللطافة وبذلك يتحقق العبد بفنائه عن وجوده فيمده الرب تعالى بسر بقائه من خزائن جوده ثم قال: (النهار لليل) وقد هجم عليه هجوم السيل أيها المدعي مقام الدعوة إلى الله وهو في خال الغفلة عن مولاه لاه كيف تسنمت ذروة هذا المنبر كأنك تكتب بالمسك وتختم بالعنبر لقد أطلت فيما (لا طائل تحته) ولا معنى فكم ذا (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً) فلو كنت ممن انتخب غرر الشيم وانتقى لاتعظت بقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: 32] فتنبه من غفلتك أيها \"الليل\" قبل أن تدعو بالثبور والويل وإلا فرقت طلائع سوادك أي تفريق ومزقت سوابغ ظلمك أي تمزيق (فما كل مرة تسلم الجرة) فاسود وجه الليل وانقلب (بحشف وسوء كيل) وندم على مناضلة النهار ندامة الفرزدق حين فارق النوار (ولما سقط في يده) ورزئ في عدة وعدده ترى بالسواد ولبس ثياب الحداد ثم لاح هلاله للعين كمنجل صنع من لجين.\rانظرْ إلى حسنِ هلالٍ بدا\r\rيجلو سنا طلعتهِ الحندسا\r\rكمنجل قد صيغ من فضةٍ\r\rيحصد من زهر الدجى نرجسا\rوقال من ينصفني من هذا الجائر وينصت لي فأبثه شكوى الواله الحائر فحتام أعاني حد الظبا (وقد بلغ السيل الزبى).\rوكنتُ كالمتمني أن يرى فلقاً\r\rمن الصّباح فلمّا أن رآه عمي\rفانتبه طرف (النهار) وازدهر سراجه أي ازدهار وشرع يتلو سورة النور بكامل الابتهاج والشمس ترقم آية جماله بالذهب الوهاج.\rوقابل الصبحُ جنح الليل أن يرى فلقاً\r\rسطورهُ البيضُ في ألواحه السود","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"ثم قال أيها \"الليل\" البهيم (تَاللّهِ إِنّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) [يوسف: 95] كيف تدعي أنك مظلوم وتشتكي من جوري وأنت الظلوم وهب أني قاتلتك ظلماً فأنت البادي وهل قابلتك إلا بما عدول فاستقل من دعوى المجد والفخر فقد (حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51] ووضح الفجر وإن أبيت سلوك محجتي ولم تتضح لك أدلة حجتي فهلم إلى حضرة الأمير (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14] فأنكر الليل زعمه التفرد بالفضل وادعاءه وأجاب في عرض أمرهما على الأمير دعاءه وقال \"على الخبير سقطت وعند ابن بجدتها حططت\".\r\"وكتب أيضاً مناظرة بين الأرض والسماء\"\rجالت السماء في ذلك المضمار وصالت ونوهت برفيع قدرها وقالت: (تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً) [الفرقان: 61] ومنح أشرف الخلق إلي مروجاً وقدمني في الذكر في محكم الذكر وشرفني بحسن القسم وأتحفني بأوفر القسم وقدسني من النقائض والعيوب وأطلعني على الغوامض والغيوب وقد ورد أن الرب ينزل إلي كل ليلة فيولي من تعرض لنفحاته بره ونيله فيا له من تحفة جليلة ومنحة جزيلة يحق لي أن أجر بها ذيول العزة والافتخار وكيف لا والوجود بأسره باسط إلي أيدي الذلة والافتقار فلي العزة الباذخ والمجد الأثيل الشامخ لتفردي بالرفعة والسمو وعلو المنزلة دون غلو فقالت لها (الأرض) ويك لقد أكثرت نزراً وارتكبت بما فهمت به وزراً أما أنه لا يعجب بنفسه عاقل ولا يأمن مكر ربه إلا غافل ومن ادعى ما ليس له بقوله أو فعله فهلاكه أقرب إليه من شراك نعله وقد قيل من سعادة جدك وقوفك عند حدك ومن فعل ما شاء لقي ما ساء وما كفاك أن خطرت في ميادين التيه والإعجاب حتى عرضت لشتمي إن هذا لشيء عجاب وهل اختصك الله بالذكر أو أقسم بك دوني في الذكر أو آثرك بالتقديم في جميع كلامه القديم حتى ترديت بالكبرياء وتعديت طور الحياء.\rإذا لم تخش عاقبة الليالي\r\rولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ\r\rفلا وأبيك ما في العيش خيرٌ","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ\r\rوكيف تزدرين أهلي بالذنوب والمعاصي وأنت تعلمين أن الله هو الآخذ بالنواصي فقابلتها (السماء) بوجهٍ قد قطبته ومجنّ قد قلبته وقالت لها في الحال أيتها القانعة بالمحال ما كنت أحسب أنك تجترئين على مبارزة مثلي وتنكرين علي ما ترنمت به من شواهد مجدي وفضلي وهل خلت أن التحدث بالنعم مما يلام عليه مع أنه أمر مندوب إليه ومن أمثال ذوي الفطنة والعقل ليس من العدل سرعة العذل ولم جحدت ظهور شمس كمالي وهل لك من الفضائل والفواضل كما لي ولكن لك عندي عذراً جلياً وإن كنت (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) [مريم: 27].\rقد تنكرُ العينُ ضوء الشمس من رمدٍ\r\rوينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سقم\r\rولو رأيت ما فيك من المساوي عياناً لما ثنيت إلى حلبة المفاخرة عناناً فأنّى تفوزين بأشرف الأقدار وأنت موضع الفضلات والأقذار وما هذا التطاول والإقدام ووجهك موطئ النعال والأقدام إن هذا إلا فعل مكابر دعوى عريضة وعجزٌ ظاهر وهل يحق للكثيف أن يتغالى على اللطيف أم ينبغي للوضيع أن يتعالى على الرفيع فقالت لها (الأرض) أيتها المعتزة بطوالع أقمارها والمغترة بلوامع أنوارها (ما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) فبم تزعمين أنك أتقى مني وأنقى (وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [الشورى: 36] وأنت واقفة لي على أقدام الخدمة جارية في قضاء مأربي بحسب الحكمة قد كفلك الحق بحمل مؤونتي وكلفك بمساعدتي ومعونتي ووكلك بإيقاد سراجي ومصباحي ووكلك إلى القيام بشؤوني في ليلي وصباحي وليس علوك شاهداً لك بالرتبة العلية فضلاً عن أن يوجب لك مقام الأفضلية (فما كل مرتفع نجد ولا كل متعاظم ذو شرف ومجد).\rوإن علانيَ من دوني فلا عجبٌ\r\rلي أسوةٌ بانحطاط الشمس عن زحلِ","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"فمن أعظم ما فقت به حسناً وجمالاً وكدت بأخمصيّ أطأ الثريا فضلاً وكمالاً تكوين الله مني وجود سيد الوجود فأفرغ علي به خلع المكارم والجود فهو بدر الكمال وشمس الجمال.\rوأجمل منك لم ترَ قطُّ عينٌ\r\rوأكملُ منك لم تلدِ النساء\r\rخلقتَ مبرءاً من كلّ عيبِ\r\rكأنّك قد خلقت كما تشاء\r\rفأكرم به من نبي أسرني به وأرضى كيف لا ولولاه ما خلق سماء ولا أرضاً وجعلني له مسجداً وطهوراً وأقر به عيني بطوناً وظهوراً فأبرقت (السماء) وأرعدت وأرغت وأزبدت وقالت إن لم تتخط خطة المكابرة وتتخلى عن هذه المثابرة لأغرقنك في بحار طوفاني أو أحرقنك بصواعق نيراني وهل امتطيت السماكين أو انتعلت الفرقدين حتى تفتخري علي وتشيري بالذم إلي وتلك شهادة لي بالكمال وقد صدق من قال:\rوإذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ\r\rفهي الشّهادة لي بأني كاملُ\rأم حسبت أن لك في ذلك حجة فخاطرت بنفسك في ركوب هذه اللجة وكنت كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه.\rلكلّ داءِ دواءُ يستطبّ به\r\rإلا الحماقة أعيت من يداويها","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"أما دعواك أني واقفة لك على أقدام الخدمة فهي مما يوجب لي عليك شكر الفضل والنعمة فلو تكفرت أن خادم القوم هو السيد والمولى وعرفت الفاضل من المفضول أو تدبرت أن اليد العليا خير من اليد السفلى لاستقلت من هذا الفضول فإن في قيامي بشؤونك أوضح أمارة وأما قولك مني سيد الوجود ومن اصطفاهم لحضرته الملك الودود فإن كنت تفتخرين بأشباحهم الظاهرة فأنا أفتخر بأرواحهم الطاهرة أما علمت أنها في ملكوتي تغد وتروح وبواردي بسطي وقبضي تشدو وتنوح فأنا أولى بهم وأحرى بالافتخار بحزبهم فلما سمعت (الأرض من السماء) مقالة تقطر من خلالها الدماء أطرقت لحمة بارق خاطف أو نغبة طائر خائف ثم قنّعت رأسها وصعدت أنفاسها وقال لقد أكثرت يا هذه من اللغط وما آثرت الصواب على الغلط فعلام تهزئين بي وتستخفين بحسبي ونسبي وإلام تنقضين عرى أدلتي ولا تعامليني بالتي وحتام تقابلينني بأنواع التأنيب ولم لا تقفي على حقيقتي بالتنقير والتنقيب أحسبت أن الجسم ما خلق إلا عبثاً ولا كان للنفس النفيسة إلا جدثا وفي ميدانه تتسابق الفهوم وتدرك عوارف المعارف والعلوم وبه تترقى الأرواح في مراقي الفلاح وكيف لا يكون مقدساً من كل غي ومين وهو لا يفتر عن تسبيح بارئه طرفة عين وإلى متى أنت علي متحاملة وعن آية العدل والإحسان متماحلة وأنا لك أسمع من خادم وأطوع من خاتم على أن لي من الفضائل ما ثبت بأصح البراهين والدلائل أم في بقعة من أشراف البقاع على الإطلاق لضمها أعضاء من تمم الله به مكارم الأخلاق وفي روضة من رياض الجنة كما أفصحت عن ذلك ألسنة السنة ومني الكعبة والمشعر الحرام والحجر وزمزم والركن والمقام وعلي بيوت الله تشد إليها الرحال (يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ {36} رِجَالٌ) [النور: 36] وأخرج مني طيبات الرزق فأكرم بها عبادة وأتم نعمته عليهم فجعل الشكر عليها عبادة وناهيك بما اشتملت عليه من الرياض والغياض ذات الأنهار والحياض التي تشفي","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"بنسيمها العليل وتنفي ببرد زلالها حر الغليل.\rلمَ لا أهيم على الرياض وطيبها\r\rوأظلُّ منها تحت ظلٍّ صافي\r\rوالزّهرُ يضحكُ لي بثغرِ باسم\r\rوالنهر يلقاني بقلب صافي\r\rفأسفرت عن بدر طلعتها (السماء) وهي تزهو في برد السنا والسناء وقالت تناجي نفسها عندما رق السمر حتام أريها السهر وتريني القمر ثم عطفت عليها تقول وهي تسطو وتصول أيتها المعتدية لمفاضلتي والمتصدية لمناضلتي متى قيس التراب بالعسجد أو شبه الحصى بالزبرجد إن افتخرت بشرف هاتيك البقاع التي زها بها منك اليفاع والقاع فأين أنت من عرش الرحمن الذي تعكف عليه أرواح أهل الإيمان وأين أنت من البيت المعمور والكرسي الكلل بالنور وكيف تفتخرين علي بروضة من رياض الجنة وهي علي بأسرها فضلاً من الله ومنّة أم كيف تزعمين أنه كتب لك بأوفر الحظوظ وعندي القلم الأعلى واللوح المحفوظ، وأم ازدهاؤك بالحياض والأنهار والرياض المبتهجة بورود الورد والأزهار فليت شعري هل حويت تلك المعاني إلا بنفحات غيوثي وأمطاري أم أشرقت منك هاتيك المغاني إلا بلمحات شموسي وأقماري فكيف تباهيني بما منحتك إياه وعطرت أرجاءك بأريج نشره ورياه ويا عجباً منك كلما لاح علي شعار الحزن خطرت في أبهى حلة من حلل الملاحة والحسن وإن افترت ثغور بدور أنسي وقرّت ببديع جمالي عين شمسي زفرت زفرة القيظ وكدت أن تتميزي من الغيظ ما هذا الجفاء يا قليلة الوفاء وهل صفت أوقاتك إلا بوجودي أو طابت أوقاتك إلا بوابل كرمي وجودي ولو قطعت عنك لطائف الأمداد لخلعت ملابس الأنس ولبست ثياب الحداد أو حجبت عنك الشموس والأقمار لما ميزت بين الليل والنهار فهلا كنت بفضلي معترفة حيث إنك من بحر فيضي مغترفة فنزعت (الأرض) عن مقاتلتها وعلمت أنها لا قبل لها بمقاتلتها وحين عجزت عن العوم في بحرها واستسلمت تمائمها لسحرها بسطت لها بساط العتاب متمثلة بقول ذي اللطف والآداب.\rإذا ذهبَ العتابُ فليس ودّ\r\rويبقى الودّ ما بقي العتابُ","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"ثم قالت اعلمي أيتها الموسومة بسلامة الصدر الموصوفة بسمو المنزلة وعلو القدر أن الله ما قارن اسمي باسمك ولا قابل صورة جسمي بجسمك إلا لمناسبة عظيمة وألفة بيننا قديمة فلا تشتمي بنا الأعداء وتسيئي الأحباء والأودّأء فإن لك من أعظم الرزايا وأشد المحن والبلايا.\rكل المصائبِ قد تمر على الفتى\r\rفتهون غير شماتة الأعداءِ\r\rألا وإن العبد محل النّقص والخلل وهل يسوغ لأحدٍ أن يبرئ نفسه من الزلل ومن يسلم من القدح ولو كان أقوم من القدح.\rومن ا الذي ترضى سجاياه كلّها\r\rكفى المرء فضلاً أن تعد معايبه\rهذا وإن لي مفاخر لا تنكر ومآثر تجل عن أن تحصر كما أنك في الفضل أشهر من نار على علم وأجل من أن يحصى ثناء عليك لسان القلم فإلى متى ونحن في جدال وجلاد نتطاعن بأسئلة ألسنة حداد وهل ينبغي أن يجر بعضنا على بعض ذيل الكبر والصلف ولكن عفا الله عما سلف وهذه لعمري حقيقة أمري فانظري إلي بعين الرضا واصفحي بحقك عما مضى ولما سمعت (السماء) هذه المقالة التي تجنح إلى طلب السلم والإقالة قالت لها مآرب لا حفاوة ومشرب قد وجدت له حلاوة وما ندبت إليه من المودة والإلفة فلأمر ما جدع قصير أنفه ولو لم تلقي إلي القياد لعاينت مني ما دونه خرط القتاد ولكن لا حرج عليك ولا ضير فإنك اخترت الصلح والصلح خير وكيف جعلت العتاب شرطاً بين الأحباب أو ما سمعت قول بعض أولي الألباب.\rإذا كنت في كل الأمور معاتباً\r\rصديقك لم تلق الذي لا تعاتبهُ\r\rوإن أنت لم تشرب مراراً على القذى\r\rظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربهُ\r\rوهأنا رادة إليك عوائد إحساني وموائد جودي وامتناني فقري عيني وطيبي نفساً وتيهي ابتهاجاً وأنساً وأبشري ببلوغ الوطر وزوال البؤس والخطر فسجدت الأرض شكراً وهامت نشوة وسكراً وتهلل وجهها سروراً وامتلأت طرباً وحبوراً.\r\"مناظرة بين فصول العام لابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 401 ه\"","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"(قال الربيع) أنا شاب الزمان وروح الحيوان وإنسان عين الإنسان أن حياة النفوس وزينة عروس الغروس ونزهة الأبصار ومنطق الأطيار عرف أوقاتي ناسم وأيامي أعياد ومواسم فيها يظهر النبات وتنشر الأموات وترد الودائع وتتحرك الطبائع ويمرح جنيب الجنوب ونزح وجيب القلوب وتفيض عيون الأنهار ويعتدل الليل والنهار كم لي عقد منظوم وطراز وشي مرقوم وحلة فاخرة وحلية ظاهرة ونجم سعد يدنى راعيه من الأمل وشمس حسن تنشدنا يا بعد ما بين برج الجدي والحمل عساكري منصورة وأسلحتي مشهورة فمن سيف غصن مجوهر ودرع بنفسج مشهر ومفغر شقيق أحمر وترس بهار يبهر وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق تحرسها آيات وتكتنفها ألوية ورايات بي تحمر من الورد خدوده وتهتز من البان قدوده ويخضر عذار الريحان وينتبه من النرجس طرفه الوسنان وتخرج لخبايا من الزوايا ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.\rإن هذا الربيع شيءٌ عجيب\r\rيضحك الأرض من بكاء السماء\rذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ\r\rحيث درنا وفضّة في الفضاء","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"(وقال الصيف) أنا الخلّ الموافق والصديق الصادق والطبيب الحاذق أجتهد في مصلحة الأحباب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب وأخفف أثقالهم وأوفر أموالهم وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة وأغنيهم عن شراء الفرا وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا نصرت بالصبا وأتيت الحكمة في زمن الصبابي تتضح الجادة وتنضج من الفواكه المادة ويزهو البسر والرطب وينصلح مزاج العنب ويقوى قلب اللوز ويلين عطف التين والموز وينعقد حب الرمان فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان وتخصب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح وتسود عيون الزيتون وتخلق تيجان النارنج والليمون مواعدي منقودة وموائدي ممدودة الخير موجود في مقامي والرزق مقسوم في أيامي.\rالفقير ينصاع بملء مده وصاعه والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه والوحش تأتي زرافات ووحداناً والطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.\rمصيف له ظل ظليلٌ على الورى\r\rومنْ حلا طعماً وحللَ أخلاطاً\r\rيعالج أنواع الفواكه مبدياً\r\rلصحتها حفظاً يعجز بقراطا","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"(وقال الخريف) أنا سائق الغيوم وكاسر جيش الغموم وهازم أحزاب السموم وحادي نجائب السحائب وحاسر نقاب المناقب أن أصد الصدى وأجود بالندي وأظهر كل معنى جلي وأسمو (بالوسمي والولي) في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار ويترقرق دمع العيون ويتلون ورق الغصون طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم وحيناً يبدو في حلته الذهبية فيجذب إلى خلته القلوب الأبية وفيها يكفي الناس هم الهوام ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها رافلة في الملابس المجددة من ريشها وتعصر بنت العنقود وتوثق في سجن الدن بالقيود على أنها ل تجترح إثماً ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات وترق النسمات وترمى حصى الجمرات وتسكن حرارة القلوب وتكثر أنواع المطعوم والمشروب كم لي من شجرة أكلها دائم وحملها النفع المعتدي لازم وورقها على الدوام غير زائل وقدود أغصانها تخجل كل رمح زابل.\rإن فصل الخريف وافى إلينا\r\rيتهادى في حلةٍ كالعروس\r\rغيره كان للعيون ربيعاً\r\rوهو ما بيننا ربيعُ النفوسِ","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"(وقال الشتاء) أنا شيخ الجماعة وربُّ البضاعة والمقابل بالسمع والطاعة أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب وأتحفهم بالطعام والشراب ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب أميل إلى المطيع القادر المستطيع المعتضد بالبرود والفرا المتمسك من الدينار بأوثق العرى ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري أرجفته بصوت الرعد وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد وسرت إليه بعساكر السحاب ولم أقنع من الغنيمة بالإياب معروفي معروف ونيل نيلي موصوف وثمار إحساني دانية القطوف كم لي من (وابل) طويل المدى (وجود) وافر الجدى (وقطر) حلا مذاقه (وغيث) قيد العفاة إطلاقه (وديمة) تطرب السمع بصوتها (وحياً) (وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الروم: 50] أيامي وجيزة وأقاتي عزيزة ومجالسي معمورة بذوي السيادة مغمورة بالخير والمير والسعادة نقلها يأتي من أنواعه بالعجب ومناقلها تسمح بذهب اللهب وراحها تنعش الأرواح وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح إن ردتها وجدت مالاً ممدوداً وإن زرتها شاهدت لها بنين شهوداً.\r\"وكتب بعضهم مناظرة بين البر والبحر\"","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"قال (البر) يا صاحب الدَّر ومعدن الدُر أطرقت رياضي ومزقت جسوري وأحواضي وأغرقت جثتي ودخلت جنتي وتلاطمت أمواجك على جنتي وأكلت حزائري وجروفي وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي وأهزلت ثوري وحملي وفرسي وجملي وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها ولم تمل طرف غرابها إليها وغرست أوتادها على أوتاد الأرض وعرست في مواطن النفل والفرض وجعلت مجرى مراكبك في مجرى مراكبي ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي وغاص ملاحك في ديار فرحي وهاجرت من القرى إلى أم القرى وحملت فلاحي أثقاله على القِرى وقد تلقيتك من الجنادل بصدري وحملتك إلى برزخك على ظهري وقبلت أمواجك بثغري وخلقت مقياسي فرحاً بقدومك إلى مصري وقد حرت وعدلت وفعلت فلعلك تغيض ولا يكون ذهابك عن ذهاب بغيض أو تفارق هذه الفجاج وتختلط بالبحر العجاج وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء وأنعم بك علينا من خزائن الماء؟\rإذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تغث\r\rعباداً فمولاهم يغيث ويرحمُ\r\rوإن صدرتْ منهم ذوبٌ عظيمةٌ\r\rفعفو الذي أجراك يا بحر أعظمُ\rنمدُّ إليه أيدياً لم نمدّها\r\rإلى غيره والله بالحال أعلم\r\rقال (البحر) يا بر يا ذا البرّ هكذا تخاطب ضيفك وهو يخصب شتاءك وصيفك وقد ساقني الله إلى أرضك الجزر ومعدن الدر والخزر لأبهج زرعها وخيلها وأخرج أبها ونخيلها وأكرم ساكنك وأنزل البركة في أماكنك وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة وأحييك حياة طيبة يبتهج بها عمرك الجديد ويتلو (كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَىَ) [البقرة: 73] ألسنة العبيد وأطهرك من الأوساخ وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ وأنا هدية الله إلى مصرك وملك عصرك القائم بنصرك ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت وادياً غير ذي زرع وصادياً غير ذي ضرع.\rسريتُ أنا ماءُ الحياة فلا أذى\r\rإذا ما حفظتُ الصحب فالمالُ هينُ","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"فكن خضراً يا بر واعلم بأنني\r\rإلى طينك الظمآن بالري أحسن\r\rوأسعى إليه من بلادٍ بعيدةٍ=وأحسن أجري بالتي هي أحسنُ\rإذا طاف طوفاني بمقياسك الذي\r\rيسرُّ بإتيان الوفاء ويعلنُ\r\rفقم وتلقّاه ببسطتك التي\r\rلروضها فضلٌ على الروض بينُ\rولعمري لقد تلطف (البر) في عتابه وأحسن ودفع (البحر) في جوابه بالتي هي أحسن وقد اصطلحا وهما بحمد الله أخوان متضافران على عمارة بلاده ونشر الثروة ونمو الخيرات بين عباده فالله تعالى يخصب مرعاهما ويحرسهما ويرعاهما.\r\"وكتب بعض الأدباء مناظرة بين الهواء والماء\"\rالحمد لله الذي رفع فلك الهواء على عنصر التراب والماء \"أما بعد\" فأنا (الهواء) الذي أؤلف بين السحاب وأثقل نسيم الأحباب وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب وأنا الذي سير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح وطار بي في الجو كل ذي جناح وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القنا إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهواً وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو لا أتلون مثل الماء المتلون بلون الإناء: لولاي ما عاش كل ذي نفس ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان ولا غرد طائر على غصن بان ولولاي ما سمع كتاب ولا حديث ولا عرف طيب المسموع المشموم من الخبيث، فكيف يفاخرني الماء الذي إذا طال مكثه ظهر خبثه وعت فوقه الجيف وانحطت عنده اللآلئ في الصدف فقال ( الماء) الحمد لله الذي خلق كل حي (أما بعد): فأنا أول مخلوق ولا فخر وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر وأنا الجوهر الشفاف المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله في جميع الجواهر حتى اللآلئ والأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها وأخرج منها للعالم جميع أقواتها وأكسو عرائس الرياض أنواع الحلل وأنثر عليها لآلئ الوبل والطلل حتى يضرب بها في الحسن المثل كما قيل:\rإن السماءَ إذا لم تبك مقلتها","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر\rفكيف ينكر فضلي من دب أو درج وأنا البحر الذي قيل عنه في الأمثال (حدث عن البحر ولا حرج) وأما أنت أيها الهواء فطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك ولا تقوم جنتك بسعيرك.\rوأما قولك لولاي ما عاش إنسان ولا بقي على الأرض حيوان فجوابه \"لو شاء الله تعالى لعاش العالم بلا هواء كما عاش عالم الماء في الماء\" وأنشدك الله أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة حيث جعلني نهراً من أنهار الجنة أنا أرفع الأحداث وأطهر الأخباث وأجلو النظر وأزيل الوضر أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء واعلم أنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي إلا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي.\rوكثر بينهما النزاع والجدال حتى حكم بينهما أمير وقال: إن كلاً منكما محق فيما أشبهكما في السماء بالفرقدين وفي الأرض بالعينين إلا أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء أخاك الهواء وحققت لي بأنكما لستما في الفضل سواء وهي (أن الله تعالى خلق آدم من الماء) فاعترف لأخيك بالفضل والذكاء.\r\"وكتب المقدسي المتوفى سنة 875ه مناظرة بين الجمل والحصان\"","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"قال \"الجمل\" أن أحمل الأثقال وأقطع بها المراحل الطوال وأكابد الكلال وأصبر على مر النكال ولا يعتريني من ذلك ملال وأصول صولة الإدلال بل أنقاد للطفل الصغير ولو شئت استصعبت على الأمير الكبير فأنا الذلول وللأثقال حمول لست بالخائن ولا الغلول ولا الصائل عند الوصول أقطع في الوحول ما يعجز عنه الفحول وأصابر الظلماء في الهواجر ولا أحول فإذا قضيت حق صاحبي وبلغت مآربي القيت حبلي على غاربي وذهبت في البوادي اكتسب من الحلال زادي فإن سمعت صوت حادي سلمت إليه قيادي وواصلت فيه سهادي وطلقت طيب رقادي ومددت إليه عنقي لبلوغ مرادي فأنا إن ضللت فالدليل هادي وإن زللت أخذ بيدي من إليه انقيادي وإن ظمئت فذكر الحبيب زادي وأنا المسخر لكم بإشارة (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) [النحل: 7] فلم أزل بين رحلة ومقام حتى أصل إلى ذلك المقام.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"فقال (الحصان) أنا أحمل على كاهلي فأجتهد به في السير وأنطلق به كالطير أهجم هجوم الليل وأقتحم اقتحام السيل فإن كان طالباً أدرك في طلبه وإن كان مطلوباً قطعت عنه سببه وجعلت أسباب الردى عنه محتجبة فلا يدرك مني إلا الغبار ولا يسمع عني إلا الأخبار وإن كان الجمل هو الضابر المجرب فأنا السابق المقرب وإن كان هو المقتصد اللاحق فأنا المقرب السابق فإذا كان يوم اللقاء قدمت أقدام الواله وسبقت سبق نباله وذلك متخلف لثقل أحماله وإن أوثق سائسي قيدي وأمن قائدي كيدي أوثقت بشكالي لكيلا أحول على أشكالي وألجمت بلجامي كيلا أغفل عن قيامي وأنعلت الحديد أقدامي كيلا أكلّ عن إقدامي فأنا الموعود بالنجاة المعدود لنيل الجاه المشدود للسلامة المقصود للكرامة قد أجزل النعم عن إنعامه وأمضي بالعناية الأزلية أحكامه فإن الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة خلقت من الريح وألهمت التسبيح وما برح ظهري عزا وبطني كنزاً وصهوتي حرزاً فكم ركضت في ميدان السباق وما أبديت عجزاً وكم حززت رؤوس أهل النفاق حزاً وكم أخليت منهم الآفاق (هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) [مريم: 98].\r\"الفن الثالث في الأمثال\"","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"المثل عبارة عن تأليف لا حقيقة له في الظاهر وقد ضمن باطنه الحكم السافية وهي ثلاثة أقسام مفترضة ممكنة ومخترعة مستحيلة ومختلطة.\rفالأمثال المفترضة الممكنة هي ما نسب فيها النطق والعمل إلى عاقل والمخترعة المستحيلة ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات فيعزى لها النطق والعمل لإرشاد الإنسان.\rوالمختلطة ما دار فيها الكلام أو العمل بين الناطق وغير الناطق.\rوشروط المثل أربعة \"الأول\" أن تكون روايته خالية من كل تعقيد ليفضي المقصود منه إلى ذهن السامع \"الثاني\" أن لا يكون مسهباً مملاً \"الثالث\" أن يبهج السامع بطلاوته ويفكه فكرته بهزل كلامه وابتكار معانيه ويضبط عقله في فهم الرواية المختلفة وفض مشكلها \"الرابع\" أن يورد بصورة محتملة وفوائد المثل جمة منها نزهة البال وترويح الخاطر ومنها استقصاء الحكم. وهي قديمة العهد جداً ولا يعرف اسم أول من تكلم بها وكما تكون نثراً تكون نظماً. ولنذكر لك من الأمثال ما طاب وراق فنقول:\r\"أمثال القرآن الكريم\"\rأمثال القرآن الشريف قسمان ظاهر مصرح به وكامن لا ذكر للمثل فيه.","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"أما أمثاله الظاهرة فكقوله تعالى في شأن المنافقين: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ {17} صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ {18} أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ {19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {20} [البقرة: 17 20] وقوله تعالى في شأن الذي ينفق أمواله ابتغاء مرضاة الله والذي يُنفقها رياءً (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاّ يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {264} وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {265} أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ) وقوله تعالى في تمثيل الحق والباطل: (أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ) [الرعد: 17] وقوله تعالى في تمثيل لحكمة وضدها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ {24} تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم: 24 26] وقوله جل شأنه في حال الكفار وما يعبدون من دون الله.\r(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الح: 73] وقوله تعالى: (مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41] وقوله تعالى في أن عمل الكافر يذهب هباء تذروه الرياح.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"(مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ) [إبراهيم: 18] وقوله تعالى: (وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39} أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ) [النور: 39 40].\rوقوله تعالى في أن الدنيا ظل زائل وخيال باطل.\r(وَاضْرِبْ لَهُم مّثَلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ) [الكهف: 45] وقوله تعالى: (اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً) [الحديد: 20] وأما أمثاله الكامنة فهي الآداب البارعة والحكم الباهرة فمن ذلك قوله تعالى: (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ كَاشِفَةٌ) [النجم: 58].\r(لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: 92].\r(الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51].\r(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) [يس: 78].\r(ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: 10].\r(قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 41].\r(أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81].\r(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ:","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"54].\r(وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ) [سبأ: 13].\r(وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].\r(قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ) [الإسراء: 84].\r(عَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ) [البقرة: 216].\r(كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38].\r(لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: 67].\r(هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ) [الرحمن: 60].\r(كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً) [البقرة: 249].\r(آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [يونس: 91].\r(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ) [الحشر: 14].\r(وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14].\r(كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] [الروم: 32].\r(وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].\r(مَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ) [المائدة: 99].\r(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) [التوبة: 91].\r(لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286].\r(لاّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطّيّبُ) [المائدة: 100].\r(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ) [الروم: 41].\r(لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: 61].\r(فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ) [الحشر: 2].\rجملة من أمثال العرب والمولدين ما يماثلها من القرآن الكريم القتل أنفى للقتل (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: 179].\rإن عادت العقرب عدنا لها (وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا) [الإسراء: 8] (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) [الأنفال: 19].\rإن غداً لناظره قريب (أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81].\rقد وضح الأمر لذي عينين (الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51].\rأعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"الرّحْمََنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً) [الزخرف: 36].\rسبق السيف العذل (قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 41].\rقد حيل بي العير والنزوان (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبإ: 54].\rعادت غيث على ما أفسد (ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ) الأعراف: 95].\rلكل مقام مقال (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: 67].\rمصائب قوم عند قوم فوائد (تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) [آل عمران: 120].\rمن حفر لأخيه بئراً وقع فيها (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].\rكل البقل لا تسأل عن المبقلة (لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101].\rالمأمول خير من المأكول (وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لّكَ مِنَ الاُولَىَ) [الضحى: 4].\rلو كان في اليوم خير ما سلم على الصياد (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].\rالكلب لا يصيد كارهاً (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ) [البقرة: 256].\rكل شاة ستناط برجليها (كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38].\rعند الخنازير تنفق العذرة (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: 26].\r\"الفن الرابع في الأوصاف\"","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"الوصف عبارة عن بيان الأمر باستيعاب أحواله وضروب نعوته الممثلة له وأصوله ثلاثة: الأول: أن يكون الوصف حقيقياً بالموصوف مفرزاً له عما سواه. الثاني: أن يكون ذا طلاوة ورونق. الثالث: أن لا يخرج فيه إلى حدود المبالغة والإسهاب ويكتفي بما كان مناسباً للحال وأنواعه كثيرة لكنها ترجع إلى قسمينوهما وصف الأشياء ووصف الأشخاص أما الأشياء الحرية بالوصف فهي كالأمكنة والحوادث ومناظر الطبيعة.\rوأما وصف الأشخاص فيكون بوصف الصورة أو الطبع أو بوصفها معاً.\rولنذكر لك فقراً جارية على ألسنة البلغاء في صفات شتى ثم نتبعها بمقالات في الوصف نثراً ونظماً.\r\"وصف البلدان\"\rبلدة كأنها صورة الخلد منقوشة في عرض الأرض، بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في بواحيها، بلدة ترابها عنبر وحصباؤها عقيق، وهواؤها نسيم وماؤها رحيق، بلدة معشوقة السكنى ورحبة المثوى كوكبها يقظان وجوها عريان، يومها غداة وليلها سحر، بلدة واسعة الرقعة طيبة البقعة، واسعة البلاد وسرتها ووجهها وغرتها.\r\"وصف القلاع\"\rقلعة حلقت بالجو تناجي لسماء بأسرارها، قالعة تتوشح بالغيوم،وتجتلي بالنجوم، قلعة متناهية في الحصانة ممتنعة عن الطلب والطالب منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبؤ أعطاف واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الملوك حصارها ففارقوها عن طماح منها وشماس وسئمت الجيوش ظلها فغادرتها بعد قنوط ويأس، فهي حمى لا يراع ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع.\r\"وصف الدور\"","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"دار قرار توسع العين قرة والنفس مسرة، كأن بانيها استسلف الجنة فجعلت له، دار تخجل منها الدور وتتقاصر عنها القصور، دار قد اقترن اليمن بينماها واليسر بيسراها الجسوم منها في حضر والعون على سفر، دار دار بالسعد نجمها وفاز بالحسن سهمها يخدمها الدهر ويأويها البدر ويكنفها النصر، هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، أخذت أدوات الجنان وضحكت من العبقري الحسان.\r\"وصف الديار الخالية\"\rدار لبست البلى وتعطلت من الحلى، صارت من أهلها خالية بعدما كانت بهم حالية، قد أنفد البين سكانها وأقعد حيطانها، دار شاهد اليأس منها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر أركانها قيام وقعود وحيطانها ركع وسجود.\rبكتْ دارهم من بهدهم فتهلَّلت\r\rدموعي فأيَّ الجازعين ألومُ\r\rأمستعبراً يبكي على اللهو البلى\r\rأم آخر يبكي شجوه فيهيم\r\r2\"وصف أيام الربيع\" يوم جلابيب غيومه رواق وأردية نسيمه رقاق، يوم سماؤه فاختية وأر ضه طاووسية، يوم ممسك السماء معصفر الهواء معنبر الروض مصندل الماء، يوم تبسم عنه الربيع وتبرج عنه الروض المريع، يوم كأن سماءهمحد وأرضه عروس تتجلى، يوم دجنه عاكف وقطره واكف.\r\"وصف الرياض\"","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"روضة رقت حواشيها وتأنق واشيها، روضة كالعقود المنظمة على البرود المنمنمة، روضة قد راضتها كف المطر ودبجتها أيدي الندى، رياض كالعرائس في حيلها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها ناشرة برودها ورياطها زاهية بحمرائها وصفرائها تائهة بعيدانها وغدرانها وكأنما احتفلت لوفد أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها وتنافحت بنوافح المسك أنوارها وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، بستان أنهاره محفوفة بالأزهار وأشجاره موقرة بالثمار، أشار كأن الحور أعارتها قدودها وكستها برودها وحلتها عقودها، شقائق كتيجان العقيق على رؤوس الزنوج كأنما أصداغ المسك على الوجنات الموردة كأن الشقيق جام من عقيق أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر، الأرض زمردة والأشجار وشي والماء سيوف والطيور قيان، قد غردت خطباء الأطيار على منابر الأنوار والأزهار.\r\"وصف طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والكفر\".\rليلة قص جناحها وظل صاحبها، ليال ليست لها أسحار وظلمات لا يتخللها أنوار، ليل ثابت الأطناب بطيء الغوراب طامح الأمواج وافي الذوائب بات بليلة ساورته فيها الهموم وسامرته النجوم واكتحل السهاد وافترش القتاد اكتحل بماء السهر وتململ على فراش الكفر قد أقض مهاده وقلق وساده هموم تفرق بين الجنب والمهاد وتجمع بين العين والسهاد.\r\"وصف انتصاف الليل وتناهيه وانتشار النور وأفول النجوم\".","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"قد اكتهل الظلام قد نصفنا عمر الليل واستغرقنا شبابه قد شاب رأس الليل كاد ينم النسيم بالسحر قد انكشف غطاء الليل وستر الدجى: هرم الليل وشمطت ذوائبه، قوضت خيام الليل وخلع الأفق ثوب الدجى تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه ونصب أعلامه على منازل أفقه، اقتنص بازي الضوء غراب الظلام وفض كافور النور مكن الغسق مسك الختام طرز قميص الليل بغرة الصبح، باح الصبح بسره، خلع الليل ثيابه وحدر الصبح نقابة بث الصبح طلائعه تبرقع الليل بغرة الصبح أطار منادي الصبح غراب الليل عزلت نوافج الليل بجامات الكافور وانهزم جيش الظلام عن عسكر النور مالت الجوزاء وانطفأ قنديل الثريا.\r\"وصف طلوع الشمس وغروبها\"\rبدا حاجب الشمس ألقت الغزالة لعابها وضربت الضحى أطنابها وانتشر جناح الضو في أفق لجو استوى شباب النهار على رونق الضحى بلغت الشمس كبد السماء قام قائم الهاجرة ورمت الشمس بجمرات الشمس اصفرت غلالة الشمس وصارت كأنها الدينار يلمع في قرار الماء نفضت تبراً على الأصيل وشدت رحلها للرحيل جنحت الشمس إلى مغاربها دلكت دلوح واغبر لوح اللوح تصوبت الشمس للمغيب تضيفت للغروب فآذن جنبها بالوجوب شاب النهار وأقبل شاب الليل استتر وجه الشمس وتوارت بالحجاب كأن الأمر من مطلع الفلق إلى مجمع الغسق.\r\"وصف الرعد والبرق\"\rقام خطيب الرعد نبض عرق البرق، سحابة ارتجزت رعودها وذهبت ببروقها برودها، نطق لسان الرعد وخفق قلب البرق، فالعرد ذو صخب والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسود الرعد ولمعت سيوف البرق رعدت الغمائم وبرقت، وانحلت عرى السماء فطبقت هدرت رواعدها وقربت أبعادها وصدقت مواعدها.\r\"وصف مقدمات المطر\"","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"لبست المساء سربالها وسحبت السحائب أذيالها قد احتجت السماء في سرادق الغيم، لبس الجو مطرفه الأدكن باحت الريح بأسرار الندى ضريت خيمة الغمام، ابتل جناح الهواء واغرورقت مقلة السماء هبت شمائل الجنائب لتأليف شمل السحائب، تألفت أشتات الغيوم وأسبلت الستور على النجوم.\r\"وصف البرد والثلج وأيام الشتاء\"\rمد الثلج شتائه وألقى أرواقه وحل نطاقه أناخ بنوازله وأرسى بكلاكله وكلح بوجهه وكشر عن أنيابه قد عادت الجبال شيبا ولبست من الثلوج ملاء قشيباً شابت مفارق البروج بتراكم الثلوج ألم الشيب بها وابيضت لممها وبرد يقضقض الأعضاء وينقض الأحشاء برد يجمد الريق في الأشداق والدمع في الآماق يوم كأن الأرض شابت لهوله يوم فضي الجلباب مسكي النقاب عبوس قمطرير كشر عن ناب الزمهرير وفرش الأرض بالقوارير يوم أرضه كالقوارير اللامعة وهواؤه كالزنابير اللاسعة.\r\"وصف المطر والماء والسحاب والغدران\"\rماء إذا مسته أيدي النسيم حكى سلاسل الفضة غدير ترقرقت فيه دموع السحائب وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب انحل عقد السماء وانهل دمع الأنواء انحل سلك القطر در البحر سحابة تحدو من الغيوم جمالاً وتمد من الأمطار حبالاً سحابة ترسل الأمطار أمواجاً والأمواج أفواجاً سحابة يضحك من بكائها الروض وتخضر من سواتها الأرض سحابة لا تجف جفونها ولا يجف أنينها ديمة روت أديم الثرى ونبهت عيون النور من الكرى سحابة ركبت أعناق الريح وسحت كأفواه الجراح مطر كأفواه القرب.\r\"وصف القيظ وشدة الحر\"","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"حر يشبه قلب الصب ويذيب دماغ الضب قوي سلطان الحر وبسط بساط الجمر أوقدت الشمس نارها وأذكت أوارها حر يلفح حر الوجه، هاجرة كأنها من قلوب العشاق إذا اشتعلت فيها نار الفراق هاجرة تحكي نار المهجر وتذيب قلب الصخر حلا يهرب له الحرباء من الشمس قد صهرت الهاجرة الأبدان وركبت الجنادب العيدان حر ينضج الجلود ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتداداً وحر كحر الوجد اشتداداً هاجرة كالسعير الهاجم يجر أذيال السمائم.\r\"وصف الشيب\"\rذوى غصن شبابه بدت في رأسه طلائع المشيب أقمر ليل ظهرت غرة القمر وأومض البرقفي ليل الشعر رمي فاحم القود بضده واشتعل المبيض في مسودة لمع ضوء فرعه وتفرق شمل جمعه علاه غبار وقائع الدهر، بينما هو راقد في ليل الشباب أيقظه صبح المشيب طوى مراحل الشباب وأنفق عمره بغير حساب جاوز من الشباب مراحل وورد من الشيب مناهل، فل الدهر شبا شبابه ومحا محاسن روائه طار غراب شبابه وشاب أترابه استبدل بالأدهم الأبلق وبالغراب العقعق استعاض من الغراب بقادمة النسر أسفر صبح المشيب علته أهبة الكبر نفض جبة الصبا وتولى داعية الحجا الشيب زبدة مخضتها الأيام وفضة محصتها التجارب سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب، الشيب خطام المنية الشيب نذير الآخرة.\r\"وصف آلات الكتابة\"\rالدواة من أنفع الأدوات وهي للكتابة عتاد وللخاطر زناد غدير لا يرد غير الأفهام ولا يمتح بغير أرشية الأقلام غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره وتنشأ سحب البلاغة من قراره مداد كسواد العين وسويداء القلب وجناح الغراب ولعاب الليل وألوان دهم الخيل، مداد ناسب خافية الغراب واستعار لونه من شرخ الشباب أقلام جمة المحاسن بعيدة من المطاعن أنابيب ناسبت رماح الخط في أجناسها وشاكلت الذهب في ألوانها وضاهت الحديد في لمعانها أقلام كأنها الأميال استواء والآجال مضاء بطيئة الخفى قوية القوى، قلم لا ينبو إذا نبت الصفاح ولا يحجم إذا أحجمت الرماح قلم يسكت واقفاً وينطق ساكتاً.","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"\"وصف لخطباء\"\rجلوا بكلامهم الأبصار العليلة وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة ونبهوا القلوب من رقدتها ونقلوها عن سوء عادتها فشفوا من داء القسوة وغباوة الغفلة وداووا من العي الفاضح ونهجوا لنا الطريق الواضح خطيب لا تناله حبسة ولا ترتهنه لكنة ولا تتمشى في خطابه رتة ولا تتحيف بيانه عجمة ولا تعترض لسانه عقدة خطيب جواهر نفثاته صحاح وعرائس أفكاره صباح خطيب تزينت بدرر ألفاظه عقود الملح، لا عيب فيه إلا أن لفظه عطل الياقوت والدر خطيب مصقع ينثر لسانه اللؤلؤ المكنون هو الخطيب المصقع الذي أشخص بآيات خطبه الزاجرة عيون القوم وأبكاها هو الخطيب المصقع الذي تتلاعب بالعقول معانيه ويصاغ الدر من لفظ فيه هو الخطيب الذي تهتز له المنابر وتنقاد إليه كلمات السحر متسابقة آخذاً بعضها برقاب بعض.\r\"وصف العلماء\"\rيدر العلوم اللائح وقطرها الغادي والرائح وثبيرها الذي لا يزحم ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم أما فنون الأدب فهو ابن بجدتها وأخو جملتها و أبو عذرتها ومالك أزمتها تستخرج الجواهر من بحوره وتحلى لمعات الطروس بقلائد سطوره تآلبفه غرر منيرات أضاءت في وجوه دعم المشكلات عالم أقلامه نفثات السحر تآليفه عقائد أصبح الدهر من خطابها له بدائع مائسات الأعطاف، بحر البيان الزاخر شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه زمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد اللغة والإعراب مالك أعنة العلوم وناهج طريقها والعارف بترصيعها وتنميقها الناظم لعقودها الراقم لبرودها المجيد لإرهافها العالم بجلائها وزفافها ملك رق الكتابة والإنشاء وتصرف في فنون الإبداع كيف شاء عالم يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه صاحب المصنفات التي دلت على وفرة اطلاعه وغزارة مادته وحسن بيانه لم يترك معنى مغلفاً إلا فتح صياصيه ولا مشكلاً إلا أوضح مبانيه.\r\"وصف البلغاء\"","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"فلان يحوك الكلام على حسب الأمان ويخيط الألفاظ على قدود المعاني يجتني من الألفاظ أنوارها ومن المعاني ثمارها يعبث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره والمعاني تتغير في الانتثال على أنامله، بليغ نسق من جواهر كلامه أكاليل در ما لمنظمها سلك، بليغ تفك سهام أفكاره الزرد ناظم سلك البلاغة وقائد زمام البراعة إذا أوجز أعجز وإذا شاء أطال وأطلق من البلاغة العقال إذا أذكى سراج الفكر أضاء ظلام الأمر يستنبط حقائق القلوب ويستخرج ودائع الغيوب.\r\"وصف الشعراء والمنشئين ومحاسن النظم والنثر\"\rمقذف حصى القريض وجماره ومطلع شموسه وأقماره ونثره سحر البيان ونظمه قطع الجمان طلعت شمس الأدب من أفق أشعاره وتفجرت ينابيعها من خلال آثاره، شاعر توقدت جمرات أفكاره، وشاعر عرائس أفكاره صباح إن نثر بالنجوم في أفلاكها أو نظم فالجواهر في أسلاكها أخذت بمجامع القلوب كلمة إذا كتب انتسب ونسق المعجزات نسق حساب وأرى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب إن نثر رأيت بحراً يزخر وإذا نظم أزرى بنظم العقود وأتى بأحسن من رقم البرود إذا كتب ملأ المهارق بياناً وأرى السحر عياناً هو الكاتب الذي تحسد أرقام الطراز سطور قلمه ويود التبر لو كان مداد كلمة هو الكاتب لذي تنقاد إلى يراعه دقائق المعاني صاغرة بزمام، نثر كمثر الورد ونظم كنظم العقد نثر كالسحر أو أدق ونظم كالماء أو أرق نثر كما تفتح الزهر ونظم كما تنفس السحر، رسالة تضحك عن غرر وزهر وقصيدة تنطوي على حبر ودرر كلام كما هب نسيم السحر على صفحات الزهر، كتاب مطلعه مطلع أهله الأعياد وموقعه موقع نيل المراد، كتاب حسبته يطير من يدي لخفته ويلطف عن حسي لقلته صحائف تنوب عن الصفائح وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح صحائف ألبسها الحبر أثواباً من الحبر ودبجها صوب الفكر لا صوب المطر.\r\"وصف الأمراء والأشراف\"","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"فلان من شرف العنصر لكريم ومعدن الشرف الصميم أصل راسخ وفرع شامخ ومجد باذخ قد ركب الله دوحته في قرارة المجد وغرس نبعته في منبت الفضل، والمج السان أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل عمودها وفيأت ظلالها وتهدلت ثمارها ولفرعت أغصانها وبرد مقيلها أمير جيشيه الهمم دوحة مجده وريفه الظل وريقة أمير لا عيب في نداه إلا أنه يستعبد كل حر هو غرة الجمال وصورة الكمال عقد المناصب به نضيد، أمير عبقت من شمائله نسمات الند وقطرت من سلسبيل أوصافه مياه المجد جامع ما تفرق من شمل الفضائل ناظم ما انتثر من عقد المآثر، أنارت به نجوم المعالي وشموسها، له شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، ألقت إليه الرسالة مقاليدها وملكته طريفها وتليدها أمير تفرع من دوحة سناء وتحدر من سلالة أكابر ورقاه أسرة ومنابر مرتضع ثدي المجد ومفترش حجر الفضل له صدر تضيق به الدهناء وتفزع إليه الدهماء لهفي كل مكرمة غرة إلا صباح وفي كل فضيلة قادمة الجناح له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح ويترقرق فيها ماء الكرم وتقرأ فيها صفيحة البشر ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماك يضحك من فواضله له أخلاق خلقن من الفضل وشيم تشام منها بوارق المجد أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله ما له للعفاة مباح وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، مناقب تشدخ في جبينها غرة الصباح وتتهادى أنباءها وفود الرياح سألت عن أخباره فكأني حركت المسك فتيقاً أو صبحت الروض أنيقاً هو رائش نبلهم ونبعة فضلهم وواسطة عقدهم، لههمة علا جناحها إلى عنان النجم وامتد صباحها من شرق إلى غرب همته أبعد من مناط الفرقد وأعلى من منكب الجوزاء موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة من العقد وليلية التم من الشهر بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر هطلت علي سحائب عنايته ورفرفت حولي أجنحة رعايته قد استظهرت على","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"جور الأيام بعدله واستترت من دهري بظله قد غرقتني نعمه حتى استنفدت شكر لساني ويدي، تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر وترادفت مننه ترادف اليسر إلى ذي الفقر له أياد قد عمت الآفاق وطوقت الأعناق أياد قد حسبت عليه الشكر واستعبدت له الحر منن توالت توالي القطر واتسعت سعة البر والبحر وأثقلت كاهل الحر.\r\"وصف القلم\"\rالقلم أحد اللسانين وهو المخاطب للغيوب بسرائر القلوب على لغات مختلفة من معان معقولة بحروف معلولة متباينات الصور مختلفات الجهات لقاحها التفكر ونتاجها التدبير تخرس منفردات وتنطق مزدوجات بلا أصوات مسموعة ولا ألسن محدودة ولا حركات ظاهرة خلا فلم حرف باريه قطته ليتعلق المداد به وأرهف جانبيه ليرد ما انتشر عنه إليه وشق رأسه ليحتبس المداد عليه فهنالك استمد القلم بشقه ونثر في القرطاس بخطه حروفاً أحكمها التفكر وأولى الإسماع بها الكلام الذي سداه العقل وألمحه اللسان ونهسته اللهوات وقطعته الأسنان ولفظته الشفاه ووعته الأسماع عن أنحاء شتى من صفات وأسماء. قال البحتري:\rطعانٌ بأطراف القوافي كأنه\r\rطعان بأطراف القنا المتكسر\r\"وصف الخط لأبي الحسن القيرواني المتوفي سنة 488 ه?\"\rسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة قال: إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه واستقامت سطوره وضاهى صعوده وحدوره وتفتحت عيونه ولم تشتيه راؤه ونونه وأشرق قرطاسه وأظلمت أنفاسه ولم تختلف أجناسه وأسرع إلى العيون تصوره وإلى العقول تثمره وقدرت فصوله واندمجت أصوله وتناسب دقيقه وجليله وخرج من نمط الوراقين وبعد عن تصنع المحبرين وأقام لصاحبه مقام النسبة والحلية.\r\"وصف الكتاب\"","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم المعرفة في دار الغربة ونعم القرين والدخيل ونعم الزائر والنزيل وعاء مليء علماً وظرفاً وإناء ملئ مزحاً وجداً وحبذا بستان يحمل في خرج وروض يقلب في حجر هل سمعت بشجرة: (تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ) [إبراهيم: 25] يألوان مختلفة وطعوم متباينة هل سمعت بشجرة لا تؤذى وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى ومنة لك بجليس يفيد الشيء وخلافه والجنس وضده ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء إن غضبت لم يغضب وإن عربدت لم يصخب أكتم من الأرض وأنم من الريح وأهوى من الهوى وأخدع من المنى وأمتع من الضحى وأنطق من سحبان وائل وأعيا من باقل هل سمعت بمعلم تحلا بخلال كثيرة وجمع أوصافاً عديدة عربي وفارسي يوناني هندي سندي رومي إن وعظ أسمع وإن ألهى امنع وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع يفيدك ولا يستفيد منك ويزيدك ولا يستزيد منك إن جد فعبرة وإن مزح فنزهة قبر الأسرار ومخزن الودائع قيد العلوم وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أخبار المتأخرين هل سمعت في الأولين أو بلغك أن أحداً من السالفين جمع هذه الأوصاف مع قلة ومؤونته وخفة محمله لا يرزؤك شيئاً من دنياك نعم المدخر والعدة والمشتغل والحرفة جليس لا يطريك ورفيق لا يملك يطيعك في الليل طاعته في النهار ويطيعك في السفر طاعته في الحضر إن أطلت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك إن الفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك وإن نعته نوه عندهم باسمك يقعد العبيد في مقاعد السادات ويجلس السوقة في مجالس الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من موافق.\r\"وصف عاصفة لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 ه?\"","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"أتى عارض في ليل الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة كانت فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة ورياح عاصفة فقويت أهويتها واشتد هبوبها فتافعت لها أعنة مطلقات وارتفعت لها صواعق مصفعات فرجفت لها الجدران واصطفق وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل لعل هذه على هذه أطبقت وتحسب أن جهنم قد سال منها واد وعدا منها عاد وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت مصابيح النجوم ومزق أديم السماء ومحا ما فوقه من الرقوم لا عاصم من الخطف للأبصار ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار وفر الناس نساء ورجالاً ونفروا دورهم خفافاً وثقالا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فاعتصموا بالمساجد الجامعة وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ووجوه عانية ونفوس عن الأهل والمال سالية ينظرون من طرف خفي ويتوقون أي خطب جلي قد انقطعت من الحياة علقهم وعميت عن النجاة طرقهم ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون وقاموا إلى صلاتهم وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون إلى أن أذن الله في الركود وأسعف الهاجدين بالهجود وأصبح كل يسلم على رفيقه ويهنئه بسلامة طريقه ويرى أنه قد بعث بعد النفخة وأفاق بعد الصيحة والصرخة وأن الله قد رد له الكرة وأدبه بعد أن كاد يأخذه على غرة ووردت الأخبار بأن كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار وأتلف خلق كثير من السفار ومنهم من وفر فلم ينفعه الفرار.\r\"وصف العلم لبديه الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398 ه?\"\rالعلم شيء بعيد المرام لا يصاد بالسهام ولا يقسم بالأزلام ولا يرى في المنام ولا يضبط باللجام ولا يكتب للثام ولا يورث عن الآباء والأعمام.\rوزرع لا يزكو إلا متى صادف الحزم ثرى طيباً ومن التوفيق مطراً صبياً ومن الطبع جوا صافيا ومن الجهد روحا دائما ومن الصبر سقيا نافعاً.\rوغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر واستناد الحجر ورد الضجر وركوب الخطر وإدمان السهر واصطحاب السفر وكثرة النظر وإعمال الفكر.\r\"وصف الإمام العادل\"","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد له أطيب المرعى يذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً ويعلمهم كباراً يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشاكيته والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده، والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد إئتمنه الله سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص منهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه فتزود له ولما بعده من الفرع الأكبر واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريداً وحيداً فتزود له ما يصحبك (يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ {34} وَأُمّهِ","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"وَأَبِيهِ {35} وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ) [عبس: 34 36] واذكر يا أمير المؤمنين (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ {9} وَحُصّلَ مَا فِي الصّدُورِ) [العاديات: 9 10] فالأسرار ظاهرة، و(الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا) [الكهف: 49]، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين عباد الله بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فتبوء بأوزارك وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك، لا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولوا النهي من قبلي فلم آلك شفقة ونصحا فانزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجوا له في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.\r\"وصف عمر بن العاص مصر لسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب\"","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"مصر تربة غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر يخط وسطها نهر ميمون الغدوات مبارك الروحات يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا اصطلح عجاجه وتعظمت أمواجه لم يكن وصول أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب فإذا تكاملت زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في شدته وطما في حدته فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه فيبذرون الحب ويرجون الثمار من الرب حتى إذا أشرق وأشرف سقاه من فوقه الندى وغذاه من تحته الثرى فعند ذلك يدور حلابه ويغنى ذبابه فبينما هي يا أمير المؤمنين درة بيضاء إذ هي عنبرة سوداء فإذا هي زبرجدة خضراء فتبارك الله الفعال لما يشاء.\r\r\"وصف حرب لأبي منصور الثعالبي النيسابوري المتوفي سنة 429 ه?\"\rعندما دارت رحى الحرب صمتت الألسنة ونطقت الأسنة وخطبت السيوف على منابر الرقاب وأقدمت الرماح على الخطط الصعاب وتلاصقت القنا والقنابل وتعانقت الصوارم والمناصل وبلغت القلوب الحناجر وأدركت السيوف المناحر وضاق المجال وتحكمت الآجال فلا ترى إلا رؤوساً تندر ودماء تهدر وأعضاء تتطاير وتتناثر وأجساماً تتزايل وتتمايل حتى ثملت الرماح من الدماء فتعثرت في النحور وتكسرت في الصدور فرجموا الأعداء من جوانبهم وتمكنوا من فض مواكبهم.\r\"وصف أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة 436 ه? المطر شعراً\"","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"مع مقدمة لعمر بن علي المتطوعي في وصف ذلك المطر نثراً.\rحكى عمر بن على المتطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد أدام الله عزه أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قربى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزه والتفرج فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه واتفق أن وصلنا والسماء مصيحة والجو صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع متسعة الأوراق والغصون قد سترت ما حواليها من الأرض طولاً وعرضاً فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها مستترين من وهج الشمس بستارة أغضانها وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة فما شعرنا بالسماء إلا وقد أرعدت وأبرقت وأظلمت بعدما أشرقت ثم جادت لمطر كأفواه القرب فأجادت وحكت أنامل الأجواد بل أوفت عليها وزادت حتى كاد غيثها يعود عيثاً وهم وبلها أن يستحيل ويلاً فصبرنا على أذاها وقلنا: \"سحابة صيف عن قليل تقشع\" فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور لكنها من ثغور العذاب لا من ثغور العذاب فأيقنا بالبلاء وسلمنا لأسباب القضاء فما فرت ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار ورأينا السيل قد بلغ الزبى والماء قد غمر القيعان والربا فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها وعائذين من القطر بأبنيتها وأثوابنا قد صندل كافورها ماء الوبل وغلف طرازها طين الوحل ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح فبتنا تلك الليلة تحت سماء تكف ولا تكف وتبكي علينا إلى الصباح بأمع خوام وأربع سجام فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام وصرف بوالي الصحو عامل الغمام رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة بها رفضاً ونتخذ الارتحال عنها فرضاً فما زلنا نطوي الصحارى أرضاً فأرضاً إلى أن وافينا المستقر","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"ركضاً فلما نفضا غبار ذلك المسير الذي جعلنا في ربقة الأسير وأفضينا إلى ساحة التيسير بعدما أصبنا بالأمر العسير وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة في قطع ذلك الطريق وطي لك المشقة أخذ الأمير السيد طال الله بقاءه القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالاً:\rدهنتا السَّماء غداة السَّحاب\r\rبغيثٍ على أفقهِ مسبِل\r\rفجاءَ برعد له رنةٌ\r\rكرنةِ ثكلى ولم تثكلِ\r\rوثنّى بوبل عدا طورهُ\r\rفعادَ وبالاً على الممحلِ\r\rوأشرفَ أصحابنا من أذاهُ\r\rعلى خطرٍ هائلٍ معضلِ\r\rفمن لائذٍ بفناءِ الجدارِ\r\rوآو إلى نفق مهملِ\r\rومنْ مستجيرٍ ينادي الغريقَ\r\rهناكَ ومنْ صارخ معولِ\r\rوجادتْ علينا سماءُ السقوفِ\r\rبدمعٍ من الوجدِ لم يهملِ\r\rكأنَّ حراماً لها أن يرى\r\rيبيساً من الأرضِ لمْ يبللِ\r\rوأقبلَ سيلٌ لهُ روعةٌ\r\rفأدبرَ كل عنِ المقبلِ\r\rيقلعُ ما شاءَ من دوحةٍ\r\rوما يلقَ من صخرةٍ يحملِ\rفمنْ عامرٍ ردهُ غامراً\r\rومن معلمٍ عادَ كالمجهلِ\r\rكفانا بليتهُ ربُّنا\r\rفقد وجبَ الشكر للمفضلِ\r\rفقلْ للسماء ارعدي وابرقي\r\rفإنا رجعنا إلى المنزلِ\r\r\"ووصف ابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 779 ه? حديقة\"\rلما صدأت مرآة الجنان قصدت لجلائها بعض الجنان فدخلت إليها وما كدت أن أقدم عليها فإذا هي جنة عالية قطوفها دانية وطلحها منضود وظلها ممدود وأعلام أشجارها مرفوعة وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة لا مقطوعة ولا ممنوعة تجوس المياه خلال ديارها وتشرق بآفاقها أنوار نوارها نزهة النواظر وشرك الخواطر بها أشجار لا يحصى وثمار لا تعد ولا تستقصى.\r\"وصف أمير المؤمنين ابن المعتز المتوفى سنة 296 ه? البيان\"","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"البيان ترجمان القلوب وصقيل العقول ومجلي الشبهة وموجب الحجة والحاكم عند اختصام الظنون والمفرق بين الشك واليقين وخير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقيه أو موجزاً ليخف على اللفظ تعاطيه.\r\"ووصف أيضاً المكارم\"\rلن تكسب لأعزك الله المحامد وتستوجب الشرف إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال وبذل الجاه والمال ولو كانت المكارم تنال بغير مؤونة لاشترك فيها السفل والأحرار وتساهمها الوضعاء من ذوي الأخطار ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم أهلها فخفف عليهم حملها وسوغهم فضلها وحظرها على السفلة لصفر أقدارهم عنها وبعد طباعهم منها ونفورها عنهم واقشعرارها منهم.\r\r\"ووصف أيضاً القرآن الكريم\"\rفضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول وظاهر غير خفي يشهد بذلك عجز المتعاطين ووهن المتكلفين وهو المبلغ الذي لا يمل والجديد الذي لا يخلق والحق الصادع والنور الساطع والماحي لظلم الضلال ولسان الصدق النافي للكذب ومفتاح الخير ودليل الجنة: إن أوجز كان كافياً وإن أكثر كان مذكراً وإن أمر فناصحاً وإن حكم فعادلاً وإن أخبر سراج تستضيء به القلوب وبحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم.\r\"ووصف ابن الرومي المتوفى سنة 282 ه? جيوشاً\"\rوسار فلان في جيوش، عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد وكأن رماحهم قرون الوعول وكان أدراعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها وتمد بالنفع سرادقها قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين وقرطت عذرا كأنها الشنوف تتلقف الأعداء أوائلها ولم تنهض أواخرها قد صب عليهم وقار الصبر وهبت معهم ريح النصر.\r\"ووصف الحسد الجاحظ المتوفى سنة 255 ه?\"","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد علاجه عسير وصاحبه ضجر وهو باب غامض وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه بمداويه في عناء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء\".\rالحسد عقيد الكفر وحليف الباطل وضد الحق، منه تتولد العداوة وهو سبب كل قطيعة ومفرق كل جماعة وقاطع كل رحم من الأقرباء ومحدث التفرق بين القرناء وملقح الشر بين الحلفاء.\rووصف أيضاً أفضل الكلام، وقال: أفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه ظاهراً في لفظه وكان الله قد ألبسه من ثياب الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبة وتقوى قائله فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه منزهاً عن الاختلال مصوناً عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة كساها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.\r\"وصف الشعراء المحدثين\"","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"قال ابن دريد سألت أبا حاتم عن أبي نواس إن جد أحسن وغن هزل ظرف وإن وصف بالغ يلقي الكلام على عواهنه لا يبالي من أين أخذه قلت فبشار بن برد قال نظار غواص مطيل مجيد يصف ما لم ير كأنه رآه على أن في شعره خللاً كثيراً، قلت فمروان بن أبي حفصة قال شاعر راض عن نفسه يستحسن كلما جاء منه معجب لا يرى أن أحداً يتقدمه كثير الصواب كثير الخطأ ليس لشعره صنعة، قلت فمسلم بن الوليد قال خليج صاف ينزع من بحر كدر كالزند يوري تارة ويصلد أخرى، قلت فأبو العتاهية، قال غثاء جم واقتدار سهل وشعر كخرز الزجاج وربما أشبه الياقوت والزبرجد، قلت فعباس بن الأحنف قال يلقي دلوه في الدلاء فيغترف الصفو أحياناً والحماة أحياناً على أن كدره أكثر من صفوه، قلت فمسلم الخاسر، قال مقل مداح شعره ديباج وعهن يموه الرديء حتى يشبه الجيد، قلت فأبو الشيص قال جده كله فيه حلاوة وبشاعة كالسدرة التي نفضت ففيها المستعذب والمستبشع قلت فعلي بن جبلة قال بحاث عن الكلام الفخم والمعنى الرائع لا ينال مرتبة القدماء ويجل عن منزلة النظراء، قلت فأبو تمام قال سيل كثير الغثاء غزير الغمار جم النطاف فإذا صفا فهو السلاف بالماء الزلال، قلت فعبد الصمد بن المعذل قال خراج ولاج يعتسف تارة ويهتدي أخرى، قلت فعلي بن الجهم، قال كلام رصين ومسلك وعر عقله أغلب على شعره من طبعه قلت فبكر بن النطاح قال تشبه بالأعراب فأفرط وتجاوز حد المولدين فأسهب فهو الساقط بين القريتين.\r\"ووصف ابن الأثير المتوفى سنة 759 ه? أبا تمام والبحتري والمتنبي\"","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"قال لقد وقفت من الشعر في كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً من العمر في المحفوظ منه والمسموع فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله وكيف يحصى قول لم تحص أسماء قائليه فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده وتتشعب مقاصده ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل اللطيف فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل وقد اكتفيت من هذا بشعر أبي تمام والبحتري والمتنبي وهؤلاء الثلاثة هم (لات الشعر وعزاه ومناته) الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين وفصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء: أما أبو تمام فإنه رب معان وصيقل أذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر فهو مدافع عن مقام الأغراب الذي برز فيه على الإضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقوله إلا بعد التنقير فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنه الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت فخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76] وأما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق فبينا يكون في شظف نجد إذ يتشبث بريف العرق: وسئل المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري ولعمري أنه أنصف في حكمه وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه فإن البحتري أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بالنوادر الغالية ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية وأما المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه ولكنه حظى في شعره بالحكم والأمثال واختص","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"بالإبداع في وصف مواقف القتال وأنا أقول قلاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك انه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من أقول قولاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا فطريقه في ذلك تضل بسالكه وتقوم بعذر تاركه ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة فيصف لسانه ما أداه إليه عيانه ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين عن سنن التوسط فإما مفرط في وصفه وإما مفرط على أنه كان إذا انفرد بطريق صار عذره، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:\rلا تطلبنّ كريماً بعد رؤيته\r\rإن الكرام بأسخاهم يداً ختموا\r\rولا تبال بشعر بعد شاعره\r\rقد أفسد القول حتى احمد الصمّم\r\"ووصف المفضل الضبي المتوفى سنة 430 ه? مروره ببعض أحياء العرب\"","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"روى المفضل الضبي قال نزل علينا بنو ثعلبة في بعض السنين وكنت مشغوفاً بسماع أخبار العرب وجمعها فأخذت أجول بين خيامهم وأتحسس من أحوالهم وإذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب يسترق السمع ويترشفه القلب فكان أكثر ما أسمعه منها (بني وأي بني) وهو يبتسم في وجهها وقد غلب عليه الحياء والخجل كأنه من ربات الحجال فلا يحير جواباً ولا يبدي خطاباً فاستحسنت ما رأيت واستحليت ما سمعت فدنوت فسلمت فرد علي السلام ووقفت أنظر إلى المرأة والغلام فقلت لي يا حضري ما حاجتك قلت الاستكثار ما أسمع والاستمتاع بما أرى فابتسمت وقالت يا هذا إن شئت سقت إليك ما هو أحسن مما رأيت فقلت هاتي حفظك الله قالت ولد هذا الغلام فكان ثالث أبويه فربي بيننا كأنه شبل وكنت أقيه برد الشتاء وحر الهجير حتى إذا ما تمت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب مآثر آبائه وأجداده فلما أن اشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشي الخيلاء بين بيوتات الحي وأصغي إلى أصوات ذوي الحاجات فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام وأنا عليه وجله أحرسه من العيون أن تصيبه ومن الألسن أن تعيبه إلى أن نزلنا في بعض الأيام منهلاً من المناهل بين أحياء العرب فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم وشاء الله تعالى أن أصابت الغلام وعكة شغلته عن الخروج حتى إذا أمعن القوم ولم يبق في الحي غيره ونحن آمنون وادعون فوربك ما هو إلا أن أدبر الليل وأقبل الصبح حتى طلعت علينا طلائع العدو وغرر الجياد ثواراً لا زواراً فما كان إلا هنيهة حتى أحرزوا الأموال وهو يسألني ما الخبر وأنا أستره عنه إشفاقاً عليه وضناً به حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"وثار كما يثور الضرغام إذا أغضب فأمر بإسراج فرسه ولبس درع حربه وأخذ رمحه بيده وركب حتى لحق حماة القوم وأنا أنظر إليه فطعن أدناهم منه فرمى به ولحق أبعدهم فقلته فانصرفت إليه وجوه الفرسان فرآه غلاماً صغيراً لا مدد وراءه فحملوا عليه فأسرع يؤم البيوت حتى إذا خلفهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم ففرق شملهم وشتت جمعهم وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق ومرق كما يمرق السهم من الرمية وناداهم خلوا عن المال فوالله لا رجعت إلا به أو لهلكن دونه فتداعت إليه الأقران وتمايلت نحوه الفرسان وتميزت له الفتيان وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة ومالوا عليه بالأعنة فوثب عليهم وهو يزأر كالأسد وجعل لا يحمل على ناحية غلا حطمها ولا كتيبة إلا هزمها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه ففاز بالأموال وأقبل بها فكبر القوم عند رؤيته وفرحوا فرحاً عظيماً بسلامته فوالله ما رأينا قط يوماً كان أسمح صباحاً وأحسن رواحاً من ذلك اليوم ولقد سمعته ينشد في وجوه فتيات الحي هذه الأبيات:\rتأمّلنَ فعلي هل رأيتنّ مثله\r\rإذا حشرجت نفس الكميّ عن الكربِ\r\rوضاقتْ عليه الأرض حتى كأنه\r\rمن الخوف مسلوب العزيمة والقلبِ\r\rألم أعطِ كلاَّ حقّه ونصيبه\r\rمن السّمهري اللّدن والصارم العضب\r\rأنا ابن أبي هند بن قيس بن خالد\r\rسليل المعالي والمكارم والسّيب\r\rأبي لي أن أعطي الظلامةُ مرهفٌ\r\rوطرفٌ قوي الظهر والجوف والجنب\r\rوعزمٌ صحيح لو ضربت بحده\r\rشماريخ رضوى لا نحططن إلى التّرب\rوعوضٌ نقيّ أتقى أن أعيبه\r\rوبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب\r\rفإن لم أقاتل دونكن واحتمي\r\rلكنَّ وأحميكنّ بالطّعن والضّرب\r\rوأبذل نفساً دونكنَّ عزيزةً\r\rعليَّ لأطراف القنا وظبي القضب\r\rفلم تصدق اللاتي مشين إلى أبي\r\rيهنّئنه بالفارس البطل النّدب","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"\"وصف نهج البلاغة للإمام المرحوم الشيخ محمد عبده المتوفى ستة 1322 ه?\"\rأوفى لي حكم القدر بالإطلاع على كتاب (نهج البلاغة) صدفة بلا تعمل أصبته على تغير حال وتبلبل بال وتزاحم أشغال وعطلة من أعمال فحسبته تسلية وحيلة للتخلية فتصفحت بعض صفحاته وتأملت جملاً من عباراته من مواضع مختلفات ومواضيع متفرقات، وكان يخيل لي في كل مقام أن حروباً شبت، وغارات شنت وإن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وإن للأوهام عرامة وللريب دعارة، وإن جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج وتمتلج المهج بروائع الحجج، وتفل دعارة الوساوس، وتصيب مقاتل الخوانس فما أنا إلا والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود، وغن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحول المعاهد، فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية.\rتوحى إليها رشادها وتقوم منها منآدها، وتنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل والكمال، وطوراً كانت تتكشف لي الجمل عن وجوده باسرة، وأنياب كاشرة وأرواح في أشباح النمور،، ومخالب النسور، وقد تحفزت للوثاب ثم انقضت للاختلاب، فجبلت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها، واغتالت فاسد الأهواء، وباطل الآراء، وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ونما به إلى مشهد النور الأجلي،وسكن به إلى عمار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس، وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"مواضع ارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقائق السياسة ويهديهم طريق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير.\r\"وصف حفلة لمحمد بك المويلحي\"\rلو كان لليالي لسان ينطق بالفخار وجنان يجري بنظم الأشعار لأنشدت ليلة الحفلة (الخديوية) قصيدة تسجل لها في ديوان العصور والدهور ما لم تبلغه ليلة قبلها في تكامل الفرح والسرور ولو كان الدهر يفصح لنا يوماً عن انشراحه وابتهاجه لأنبأنا بأنه ادخرها غرة لجبينه ودرة لتاجه لا زالت أيام الجناب العالي ولياليه مشرقة بالسعد والهناء متألقة تألق البدور في أفق السماء.\r\"وصف أيضاً متحفاً من مقامة له\"\rقال عيسى بن هشام زايلنا الأهرام وخليناها تندب من شادها وتنعي من بناها وملنا إلى دار التحف ومستودع الآثار لمشاهدة ما حفظته لنا من صنوف الطرف وعيون الأخبار وما أخرجته الأيام من عالم الخفاء إلى عالم الظهور بعد أم كان سراً مكتوباً في خواطر العصور والدهور وما صانته بطون القبور من الفناء والدثور وحمته أحشاء الرموس من العفاء والدروس وما أخبته أرحام المعابد والهياكل من بقايا الماضين وخبايا الأوائل وما انكشفت عنه سجوف الأحقاب وديعة الأسلاف للأعقاب من مكنون الدفائن ومكنوز الخزائن وعجائب الفن الدقيق وبدائع البدع الأنيق وغرائب الصنع العتيق بليت في أصطحابها بطون الأيام والليالي وانحنت في احتضانها ظهور العصور الخوالي وانقلبت البحار وهادا وأصبحت الوهاد أطواداً وغدت الأغوار أنجاداً وأضحى العمار خراباً والخراب عماراً والغمار سراباً والسراب غماراً وتمدينت بواد وتبدت مدائن وبادت مواطن وقامت مواطن ومضت دول بعد دول وذهبت أول أثر أول وبدت أحوال وحالت وظهرت أعمال وزالت وهي كما تركها مصون وضعها محفوظ شكلها خبر صادق ولسان ناطق تخبر بالعبر وتحدث عمن غبر.\rمضتْ غبراتُ العيش وهي غوابر\r\rعلى الدّهر مكتوبٌ عليها حبائسُ","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"\"وصف الفوتغراف للمرحوم مصطفى بك نجيب المتوفى سنة 1320 ه?\"\rمثال القوة الناطقة من غير إرادة سابقة يقتطف الألفاظ اقتطافاً ويختطف الصوت اختطافاً مطبعة الأصوات ومرآة الكلمات ينقل الكلام من ناحية إلى ناحية نقل كلام عمر رضي الله عنه إلى سارية أشد من الصدى في فعله في إعادة الصوت على أصله كأنه الحروف عن يد الطابع والوتر عن يد الضارب والقصب عن فم القاصب يحفظ الكلام ولا يبيده ومتى استعدته منه يعيده من غير أن يبقى لفظاً في صدره أو يكتم شيئاً من أمره كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة ولا في الدعاوى إلى بينة بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد وصوت عاذر من اللحد وكانت الدعاوى إلى بينة بل حكمتهم وانشدوه كلمتهم فرأينا به غرائب اليونان وبدائع الرومان وربما سمعنا خطب سحبان وشعر سيدنا حسان بذلك اللسان وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمن من الزمان: لله دره من تلميذ يستوعب ما عند المعلم ويستخلصه في لحظة معيداً لقوله ناقلاً لصوته ولفظه:\rلقد وجدتُ مكان القول إذ سعةٍ\r\rفإن وجدتَ لساناً قائلاً فقلِ\r\rنديم ليس فيه هفوة النديم وسمير لا ينسب إليه تقصير تسكته وتستعيده وتذمه وتستجيده وتنقصه وتستزيده وهو في كل هذه الأحوال راض بما يقال لا يكل من تحديث ولا يمل من حديث نمام عليك وينقل لغيرك كما ينقل إليك فهو المصور لكل فن المتكلم بكل لغة المحدث عن كل إنسان المؤرخ لكل زمان الشاعر الناثر المغني العازف لا تعجزه العبارة ولا يجهده الأداء ولا يضره اختلاف شكل ولا تباين أصل بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات إلى حفظ أصوات العجماوات إلى حركة اصطحاك الجمادات.\r\"ووصف أيضاً نظارة ويشكر من أهداها\"","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"ورد الكتاب المطرز بحلى الكرم المحلى بجميل النعم واستملت الهدية فسلمت يد أهدتها وحفظت السجايا التي لمحاسن الأعمال هدتها ودامت رحاب لمثل هذه الحسنات فيها مجال وللمحسنات بهاء وجمال وللآمال محط رحال وللمقاصد كعبة إقبال وطابت نفس تعالى الله أن تماثلها نفس عصام فإنها نسخت آية الكر والإقدام بآية الجود والإكرام وفعلت في القلوب بالعطاء والنوال ما قصرت عنه الرماح وتأملتها فأرتني ما لا عين رأت وأظهرت من محاسن المناظر ما أعمرت وقربت كل منظور بعيد وتلت (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: 22] وصفا وقتي بصفاتها فلم أشته شيئاً إلا جمعت بينه وبيني وصح علينا قول القائل (رأيت بعينها ورأت بعيني) ثم سرحت نظري في الأطلال والرسوم حتى نظرت نظرة في النجوم فلم تخف عني شجراً ولا مدراً ولا نجماً ولا قمراً.\rيزيدك وجهها حسناً\r\rإذا ما زدته نظرا\rببهاء يخيل لي أنها صيغت من ضياء فلا عيب غير أني نظرت بها في سماء فضلك الباهر وأفق شرفك الطاهر فلم ينكشف لي بها لجودك آخر: لا زال كرمك بعيداً حده على كل ناظر وباصر وفضل مناهلك غاية تقصدها الأوائل والأواخر.\r\"وصف سان استفانو باسكندرية\"","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"كتابي والقلم في البنان يسطر ما يمليه الجنان عن محاسن ذلك المكان المشهور (بسان استفان) هناك ترى البحر كالمرآة تمثلت فيها السماء فكأنما الماء سماء والسماء ماء وتخال الشاطئ مرتعاً للظبيات الآنسات أو سوق جمال تباع فيه القلوب على الغانيات.\rهناك الشبيبة واللعب والزهو والطرب وقد اعتل الصبا وصح الصبا: حور وولدان يمرحون بنشاط الشباب ويتهادون بنشوة الدلال والإعجاب فمن \"غادات\" روائح غاديات قدودهن الرماح الطاعنات ولحاظهن القاتلات المحييات ومن \"ولدان\" يلعبون بالكرة والصولجان فالكرة قلب المحب المتيم والصولجان الذي يدفعها شوق العاشق المغرم هناك نغمات الأوتار تدعو إلى اغتنام الأوطار تهدي ارتياح إلى الأرواح وتبدل الأفراح من الأتراح.\rهناك الكؤوس على قطب الخلاعة تدور فهي برشفاتها الثغور وبنورها البدور تشرق من الحنان وتغرب في أفواه الندمان فيعلو الوجوه الشفق فتبارك المبدع فيما خلق.","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"هناك فريق من أهل الهوى حلفاء الأسى والجوى يختلسون النظرات وتحتها سهام صائبات تقصد قلوبهم ولا راحم ينادون من يحبون فلا يجابون ويتذللون لعز الجمال على أنهم لا يحابون يتمنون الرضا بعد الهجر وحلو اللقا بعد الصبر وفريق آخر قد وافاهم السعد فنالوا الأماني تعلو وجوههم نضرة النعيم بما نالوه من إشارة أو تسليم يتبادلون التحيات بالحواجب ويشفقون على القلوب فيضعون الأيدي فوق الترائب حتى إذا الليل سجا وسترهم رداء من الدجى يتلاقون إلى جانب أليم ويتهامسون والفم قريب من الفم تراهم على الأرائك جنباً بجنب وعنقاً على كتف مبتعدين عن العيون هنا وهنا وقد بلغوا الآراب والمنى يجتنون الثمر من السمر ويلثمون الراح بالراح ولا يزالون في مسرة وهناء وأنس وصفاء حتى ينادي منادي الموائد بحي على شهي الطعام وهلموا إلى رائق المدام فيجلسون مثنى وثلاث ورباع محفوفين بيانع الأزهار مستضيئين بأزهى الأنوار والغلمان عن يمينهم وشمالهم قائمون بحوائجهم وهم في لباسهم كأقمار وفي خفتهم كملح الأبصار فيأكلون ويشربون ويضحكون ويلعبون بين نغمة بالحديث الرخيم ونشوة المدام القديم حتى إذا أخذت كل حاسة حظها وتلجلجت الألسنة فلا تفهم لفظها هنالك كسرب الظباء رابح وغاد هذه مائلة وهذا متهاد إلى أن يتمشى النوم في الجفون فتذبل العيون فينصرفون إلى المنام ويحلمون بلذيذ الأحلام بعد أن يتعاهدوا على الأوبة ويحسنوا الختام بالتوبة.\r\"وصف الشمس\"","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"الشمس كوكب مضيء بذاته، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا منظراً وأسطعها ضوءاً، وأغزرها حرارة، وأجزلها نفعاً للأرض التي نسنها ولكثير من أخواتها سيارات الشمس وبناتها.\rوالشمس كرة متأججة ناراً، حرارتها أشد من حرارة أي ساعور أرضي، ويبلغ ثقلها ثلثمائة وزن من ثقل الأرض، وهي أكبر منها جرماً بثلثمائة ألف وألف ألف مرة.\rوتدور الشمس على محورها من الغرب إلى الشرق مرة واحدة في نحو خمسة وعشرين يوماً، وتبعد عنا بنحو اثنين وتسعين ألف ألف ميل وخمسمائة ألف ميل، وهي مع كل هذا العظم الهائل لا تعد في النجوم الكبرى، بل إن أكثر ما نشاهد من النجوم الثابتة شموس أكبر من الشمس بألوف الألوف، والشمس بسيارتها تابع من توابع أحدها.\rوسطع الشمس مهب عواصف وزوابع نيرانية شديدة تثير في جوها أشوظة هائلة تندلع ألسنتها المتأججة عن محيط كرتها أميالاً، وقد وصف بعض العلماء لهباً ارتفع من سطحها لأول وهلة نحو أربعين ألف ميل في الفضاء، ثم ازداد بريقاً وتألقاً، ثم ارتفع بعد نصف ساعة إلى خمسين وثلثمائة ألف ميل، ثم جعل يضؤل ويضعف، فلم تمض ساعتان حتى أضمحل اضمحلالاً غير أن ما وصفه هذا العالم ليس إلا من قبيل النوادر، ولكن ارتفاع اللهب نحو مائة ألف ميل ليس بغير العادي، وكثيراً ما تبلغ سرعة اللهب مائة ميل في الثانية، واكثر مادة الشمس من عنصر المحذي (الإيدرجين) المتقد وبرصد الشمس مراراً بالمرقب المغشى بالسواد شوهد في صفحة قرصها نكت سود وكلف يشوه محياها، كأنما هي كرة سوداء الباطن غلفت بسطح ساطع من الصعادات يتخلله نقب يظهر تحتها السواد، ولا تزال حقيقة هذه البقع موضوع البحث والتعليل عند الفلكيين، ومن تنقل هذه النكت عرفت دورتها على محورها وللشمس سيارات أو أبناء انفصلت منها منذ أزمان سحيقة، علم منها إلى الآن نحو ثمانية، هي على ترتيب الأقرب منها فالأقرب: عطارد فالزهرة فالأرض فالمريخ فالمشتري فزحل فأرانوس فنبتون، ولم تعلم كل شؤون هذه","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"السيارات حق العلم وإنما ألم العلماء بمعرفة موادها وكثافتها وأبعادها، ولكن أمر الحياة فيها لم يزل مبهماً مستغلقاً اللهم إلا في الأرض وقمرها.\rأما مقدار النعم التي سخرها الله لنا بوجود الشمس فمما لا يحصيه العد، فهي مبعث حياتنا وحياة الحيوان الذي يعيش معنا، ومصدر نورنا ونارنا وحرنا وبردنا، وهي التي تحيل مياه البحار بخاراً، وتقلها في الجو غيوماً، وتنزلها على الأرض أمطاراً، حيث تجري جداول وأنهاراً، فتروي زرعنا، وتنمي غراسنا، وتثير الرياح، وتطلع الأنواء، وتزجي السفن والبواخر في عباب الماء، وتدفع القطرات الحديدية، وتدير الآلات البخاري، وتنير المصابيح الدخانية والزيتية، إذ ليس الفحم الحجري والزيت الأرضي إلا حرارة نارها المدخرة منذ قديم الدهور لينتفع بها أحياء هذه العصور، وما النهار المبصر، والليل المظلم، إلا آتيان من آيات الله المسخرة لنا بتسخير هذا المخلوق العجيب: ففي النهار نسعى في مناكب الأرض لابتغاء رزقنا، وتدبير معاشنا، وتنظيم شؤون حياتنا، ونسبح بحمد ربنا، ونعتبر بآثار من سبقنا، وفي الليل نسمن لإراحة أبداننا، وأستجمام قوانا واستيفاء حظنا من النوم الذي به نستديم صحتنا، ونستعيض ما فقدناه بأعمالنا وننظر في ملكوت السموات وما خلق الله من شيء في حركات الكواكب وانتقالها، وبديع صورها وألوانها، فتعنو وجوهنا، وتتضاءل كبرياؤنا، أمام قدرة خالقنا العظيم، فسبحانه من إله حكيم.\rوما الأولان التي نراها في نور الأزهار وريش الأطيار ونفائس المصنوعات إلا أثر وقوع أضوائها على هذه المرئيات وانعكاسها على أبصارنا، فإن نور الشمس الأبيض مؤلف من سبعة ألوان أصلية تنشأ منها كل الأولان الفرعية، وهي الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأزرق، والأخضر، والنيلجي، والبنفسجي، فمن الأجسام ما لا يمتص شيئاً من هذه الأولان، بل يعكسها كلها على العين، فيبدو أبيض ناصعاً كزهرة الياسمين، ومنها ما يمتص بعضها ويعكس باقيها، فيتلون","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"بلون ما يعكس منها، فإذا أبصرت ورقة الشجر خضراء عرفت أنها اختزنت من ضوء الشمس ستة ألوان، وردت إلى عينيك سابعها، وهو الأخضر لن فيما أدخرته نفعاً لها، وليس بها إلى ما لفظته افتقاراً، ومنها ما يرد لونين أو أكثر، فيبدو لونه مزيجاً بين هذه الأولان السبعة، وهذه الأولان من عجائب صنع الله في الأرض لتمييز بعضها من بعض فقد يتماثل الشيئان شكلاً، وحجماً، وصلابة، وليناً، وشمأ ثم لا يتباينان إلا من حيث اللون، فيكون اللون آية تباينهما، وأكثر ما يكون ذلك في الأزهار.\rوتنوع الأولان هو السر في جمال المرئيات من مشاهد الطبيعة وبدائع الصناعة، وإن اعظم المصورين وأمهر النقاشين لم يبرز على غيرهم، وبدلوا على ذكائهم ونبوغهم إلا ببراعتهم في محاكاة ألوان الطبيعة المؤتلفة وأشكالها المتجانسة، وإنما يتم ذلك إذا عرفوا كيف يمزجون من الأصباغ ما يستخدمونه به ألوان النور خير استخدام، وينتفعون به أحسن انتفاع، وقد سخر علماء الطب تباين الألوان في كشف النقاب عن حقائق الجراثيم فإن منها ما لا يتضح للعين في المجهر إلا إذا ألقي عليه صبغ خاص يؤثر فيه لوناً فيصبغ به.\rولأمواج الشمس الضوئية سرعة معلومة تسير بها، فإذا انخفضت هذه السرعة عما هي عليه لم تعد العين قادرة على رؤيتها، لأنها تستحيل إلى مظهر آخر غير مظهر الضوء والحرارة، وليس ينكر ما للضوء والحرارة معاً من الأثر الحسن في تنقية المساكن مما يقطنها من الجراثيم القتالة والعفن المضني، ولذلك قيل: إن الدار التي تدخلها أشعة الشمس لا يدخلها الطبيب.\r\"وصف القمر\"","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"القمر أجمل الكواكب صورة وأبينها منظراً وأسلها رصداً، وأكبرها في رأي العين بعد الشمس جرماً.\rوهو سيار كري أصغر من الأرض بنحو تسع وأربعين مرة، انفصل منها زمن التكوين، وصار تابعاً لها، طائفاً حولها، مستمداً نوره من الشمس مثلها، دائراً حول الشمس معها، غير أن طواف الأرض بقمرها حولها يتم في سنة شمسية وطواف القمر حول الأرض يتم في شهر قمري: أي مدة تسع وعشرين ونصف يوم تقريباً، ومع أنه خاضع لنظام الأرض لا يقل بعده عنها عن واحد وعشرين ألفاً ومائتي ألف ميل.","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"والذي يسترعي أنظارنا كما استرعى أنظار من قبلنا اختلاف إشكاله وتعدد مطالعه، مما جعله مبعث تخيل القدماء ومثار تفكر الحكماء ومقصداً لعبادة الجهلاء! فتراه يلوح ليلة أول الشهر أثر غروب الشمس ضئيلاً مقوساً لا يلبث أن يغرب ويغيب في شفق الشمس، ثم يهل في الليلة الثالثة أبين صورة وأبقى زمناً لازدياد تأخره في الغروب عن الشمس، ولا يزال نوره في تزايد ومطالعه في تقدم نحو المشرق، حتى يطلع من المشرق في الليلة الرابعة عشرة عند غروب الشمس بدراً كاملاً بهي الطلعة باهر الأنوار، (فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].\rولكن الكمال لله وحده، فإن منتهى الزيادة مبتدأ النقص، ففي الليلة الخامسة عشرة يتأخر طلوعه من المشرق، وينقص من حافة نوره التي كانت موضع هلاله الأول زيق لا يشعر به إلا في الليالي التالية، ولا تزال مطالعه في تقهقر ونوره في تناقص حتى قرب آخر الشهر، فيشرق قبيل الفجر هلالاً ضئيلاً يكاد يكون مقلوب الهلال الأول، وفي الليلة الأخيرة يكون عند الصباح في الأفق الشرقي مظلماً لا يرى منه شيء، وهي ليلة المحاق أو السرار، ويظل بعض النهار كذلك، ثم يتولد هلاله الجديد، ولكنه لا يظهر إلا بعد أن يغيب قرص الشمس، فيلوح هلاله ثم يختفي كما قدمنا.\rوعلة ذلك أن نور القمر كنور الأرض مستفاد من الشمس، وهو لا يقابل الأرض إلا بوجه واحد لا يتغير، وهذا الوجه بالنسبة إلى حركته مع الأرض حول الشمس لا يقابل الشمس مقابلة تامة إلا في وضع واحد ومرة واحدة هي الليلة الرابعة عشرة، فيغشاه نورها، ويصير بدراً، أما بقية الليالي التي قبلها والتي بعدها فينحرف قليلاً أو كثيراً عنها، حتى يصير كله ظلاماً ليلة المحاق، فيطوى خبره، ويكون الوجه الآخر الذي لا يرى لنا بدراً كاملاً، ثم يتولد هلاله خلقاً جديداً.\rوكذلك شأن الأرض في استمداد نورها أو ما نسميه نهاراً، فلو كان في القمر سكان لكانت في رأي أعينهم أكبر كوكب في","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"السماء، ولشاهدوها أكبر من الجرم الذي نشاهد القمر عليه أضعافاً مضاعفة، لكانت عندهم أروع جمالاً وأبدع من قمرهم في نظرنا تشكلاً، فبدورانها على نفسها يرونها كلها جزءاً فجزءاً، وتظهر قارتها ومحيطاتها واضحة عليها في وقت الصحو ومظللاً بعضها بالغمام في وقت الدجن، وتبدو أهلتها وبدورها ضخمة باهرة ولكن لا يراها إلا سكان النصف المقابل لنا أو الذين يريدون التفرج برؤيتها من أهل النصف الثاني.\rولقرب القمر منا وخلو جوه من الهواء سهل رصده علينا، فنرى في صفحته عند الشروق ليلة التمام كثيراً من المحو، يجعل صورته أشبه بوجه إنسان ذي أنف وفم وحاجبين وعينين إحداهما مغضية، ولا يزال كذلك، حتى يتعدى خط زوال مكان الناظر، فإذا مال إلى المغرب انحرفت هذه الصورة حتى يصير عاليها سافلها، وليس هذا المحو إلا ظلام بطون الأودية والسهول البعيدة الغور وظلال الجبال والهضاب الشاهقة الطول شهوقاً يكاد يمنع استدارته أما قمم الجبال وسطوحها المقابلة للشمس فترى لامعة ساطعة فتبين سلاسل الجبال طرائق مضيئة وقممها نقطاً لامعة وفوهات جبال ناره الشديدة السعة البعيدة الغور التي تعد بعشرات الألوف كأنها حلقات وسطها نقط سود.\rوقد ظن القدماء في علة المحو ظنوناً بعضها صادف الحقيقة وبعضها جانبها حتى ظهر غاليليو واخترع سنة 1606 م مرقباً يقرب الأشباح ثلاثين مسافة فأثبت وجود الجبال والأودية فيه، وزاد عليه غيره في تحسين المراقب المكبرة حتى أصبح القمر يرى كأنه على بعد أربعين ميلاً منا، على أن هذا القرب لا يجعلنا نرى الأشباح الصغيرة التي من نوع الحيوان لنتحقق أللقمر سكان كما للأرض أو لا، ولكن قد اصبح من المرجح إن لم يكن من المحقق أنه خال من الماء ومن السحاب والضباب الناشئين منه ومن البنات، إذ لو كان به شيء منها لتغير شكله من حال إلى حال، ويشك أن له هواء، وإن كان له فلعله لا يزيد على قمم جباله، ولا شك أن الماء والهواء هما ينبوعا الحياة","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"وتجرده منهما وخمود جبال ناره ويبس جرمه يجعل برده شديداً جداً في الليل وحره عظيماً جداً في النهار، على فرط طولهما البالغ فيه خمسة عشر يوماً: مما يجعل الحياة فيه متعسرة بل مستحيلة، اللهم إلا أن تكون حياة غير حياتنا.\rويرجحون أن القمر كان أزمان سحيقة على طبيعة تقرب من طبيعة أمه الأرض، فكان آهلاً بالحيوان والبنات، إلا أن صغر جسمه جعله يسبق الأرض في اليبس والبرودة، فتقبض وبرد وانتهت دنياه، وأصبح كإسفنجة مشعثة ذات شعب ونخاريب تكوينها من جنس تكوين الأرض.\rولقد خلق الله القمر مسخراً لأهل الأرض خاصة، فهو بعكسه نور الشمس عليهم هداية لهم في ظلمات البر والبحر، ولقد قضى الإنسان عصوراً ودهوراً وليس له مصباح في جنح الظلام غيره، ولا يزال كذلك لهل البدو وقبائل الهمج، وهو باختلاف أشكاله تقويم فطري لهم، فبإهلاله يعرف أول الشهر، وبالتربيع الأول يعرف ربعه، وببذره يعرف نصفه، وبالتربيع الأخير يعرف ثلاثة أرباعه، وبمحاقه تعرف نهايته.\rوإذا مرن الإنسان على النظر في تقدير ضوئه وأوقات مطالعه عرف الشهر يوماً يوماً والليل ساعة ساعة، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ) [البقرة: 189].\rوباتحاد جذبه مع جذب الشمس للأرض ينشأ المد والجزر، وفائدتهما في تسهيل الملاحة لا تنكر، فكم من موانئ ومرافئ لولاهما لسدت برواسب الأنهار والسيول.\rولضوء القمر في إنضاج الثمار والبقول أثر أيما أثر، حتى إن بعضها لا ينمو ويزهو لونه إلا في لياليه البيض.\r\"الفن الخامس في المقامات\"","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"المقامة عبارة عن كتابة حسنة التأليف أنيقة التصنيف تتضمن نكتة أدبية ومدارها على رواية لطيفة مختلفة تسند إلى بعض الرواة ووقائع شتى تعزى إلى أحد الأدباء والمقصود منها غالباً جمع درر الألفاظ وغرر البيان وشوارد اللغة ونوادر الكلام من منظوم ومنثور فضلاً عن ذكر الفرائد البديعة والرقائق الأدبية كالرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية ولنذكر لك منتخبات من مقامات مختلفة فنقول.\r\"قال الحريري المتوفى سنة 516 ه? المقامة التاسعة الاسكندرنية\"","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"أخبر الحارث بن همام قال طحابي مرح الشباب وهوى الاكتساب إلى أن جبت ما بين فرغانة وغانه أخوض الغمار اجني الثمار وأقتحم الأخطار لكي أدرك الأوطار وكنت لقفت من أفواه العلماء وثقفت من وصايا الحكماء أنه يلزم الأديب الأريب إذ دخل البلد الغريب أن يستميل قاضية ويستخلص مراضيه ليشد ظهره عند الخصام ويأمن في الغربة جور الحكام فاتخذت هذا الأدب إماماً وجعلته لمصالحي زماماً تقوي الأجساد بالأرواح فبينما أنا عند حاكم الإسكندرية في عشية عرية وقد احضر مال الصدقات ليفضه على ذوي الفاقات إذ دخل شيخ عفرية تعتله امرأة مصبية فقالت أيد الله القاضي وأدام به التراضي أني امرأة من أكرم جرثومة وأطهر أرومة وأشرف خؤولة وعمومة ميسمي الصون وشيمتي الهون وخلقي نعم العون وبيني وبين جارتي بون وكان أبي إذا خطبني بناة المجد وأرباب الجد سكتهم وبكتهم وعاف وصلتهم وصلتهم واحتج بأنه عاهد الله تعالى بحلفة أن لا يصاهر غير ذي حرفة فقيض القدر لنصبي ووصبي أن حضر هذا الخدعه نادي أبي فأقسم بين رهطه إنه وفق شرطه وادعى أنه طالما نظم فباعها ببدرة فاغتر أبي بزخرفة محاله وزوجنيه قبل اختبار حاله فلما استخرجني من كناسي ورحلني عن أناسي ونقلني إلى كسره وحصلني تحت أسره وجدته قعدة جثمة وألفيته ضجعة نومة وكنت صحبته برياش وزي وأثاث وري فما برح يبيعه في سوق الهضم ويتلف ثمنه في الخصم والقضم إلى أن مزق مالي بأسره وأنفق مالي في عسره فلما أنساني طعم الراحة وغادر بيتي أنقى من الراحة قلت له يا هذا أنه لا مخبأ بعد بوس ولا عطر بعد عروس فانهض للاكتساب بصناعتك واجتني ثمرة براعتك فزعم أن صناعته قد رميت بالكساد لما ظهر في الأرض من الفاسد زلي منه سلالة كأنه خلالة وكلانا ما ينال معه شبعة ولا ترقا له من الطوى دمعة وقد قدته إليك وأحضرته لديك لتعجم عود دعواه وتحكم بيننا بما أراك الله فأقبل القاضي عليه وقال له وعيت قصص عرسك فبرهن الآن عن نفسك وإلا كشفت عن","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"لبسك وأمرت بحسبك فأطرق إطراق الأفعوان ثم شمر للحرب العوان وقال:\rاسمعْ حديثي فإنه عجبُ\r\rيضحك من شرحه وينتحبُ\r\rأنا امرؤٌ ليس في خصائصه\r\rعيبٌ ولا في فخاره ويبُ\r\rسروجُ داري التي ولدتُ بها\r\rوالأصل غسانْ حين أنتسبُ\r\rوشغلي الدرسُ والتبحّرُ في العل\r\rم طلابي وحبذا الطلبُ\r\rورأسُ ماليّ الكلام الذي\r\rمنهُ يصاغُ القريضُ والخطبُ\r\rأغوصُ في لجَّة البيان فأخ\r\rتارُ اللآلئ منها وانتخبُ\r\rوأجتني اليانعِ الجني من ال\r\rقول وغيري للعود يحتطبُ\r\rوآخذُ اللّفظَ فضَّةً فإذا\r\rما صغته قيل إنهُ ذهبُ\r\rوكنت من قبلُ امتري نشباً\r\rفالأدب المقتني وأحتلبُ\r\rويمتطي أخمصي لحرمته\r\rمراتباً ليس فوقها رتبُ\r\rوطالما زفت الصلات إلى\r\rربعي فلم أرضَ كل من يهب\r\rفاليومْ من يعلقُ الرجاءُ بهِ\r\rأكسدُ شيءٍ في سوقه الأدب\r\rلا عرضُ أبنائهِ يصان ولا\r\rيرقب فيهم إل ولا نسبُ\r\rكأنهم في عراصهم جيفٌ\r\rيبعد من نتنها ويجتنبُ\r\rفحار لبّي لما منيت به\r\rمن اللّيالي وصرفها عجبُ\r\rوضاق ذرعي لضيق ذات يدي\r\rوساروتني الهمومُ والكربُ\r\rوقدني دهري المليمُ إلى\r\rسلوك ما يستشينهُ الحسبُ\r\rفبعت حتى لم يبق لي لبدُ\r\rولا بتاتٌ إليهِ أنقلبُ\r\rوادنت حتى أثقلتُ سالفتي\r\rبحمل دينِ من دونهِ العطبُ\r\rثم طويت الحشا على سغيٍ\r\rخمساً فلمّا أمضني السغب\r\rلم أرَ جهازها عرضاً\r\rأجولُ في بيعهِ وأضطرب\r\rفجلتُ فيهِ والنفسُ كارهةٌ\r\rوالعينُ عبرى والقلب مكتئب\r\rوما تجاوزت إذ عبثتُ به\r\rحدَّ التَّراضي فيحدثُ الغضب\r\rفإن يكن غاظها توهما\r\rأن بناني بالنّظم تكتسب\r\rأو أنني إذ عزمت خطبتها\r\rزخرفت قولي لينجح الأرب","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"فوالذي سارت الرفاقُ إلى\r\rكعبته تستحثها النجب\r\rما المكرُ بالمحصنات من خلقي\r\rولا شعاري التمويه والكذب\r\rولا يدي مذ نشأتُ نيط بها\r\rإلاّ مواضي اليراع والكتب\r\rبل فكرتي تنظم القلائد لا\r\rكفي وشعري المنظوم لا السخب\rفهذه الحرفة المشارُ إلى\r\rما كنت أحوى بها وأجتلب\r\rفأذنْ لشرحي كما أذنتَ لها\r\rولا تراقبْ واحكم بما يجب\r\rقال: فلما احكم ما شاده وأكمل إنشاده عطف القاضي إلى الفتاة بعد أن شغف بالأبيات وقال أما أنه قد ثبت عند جميع الحكام وولاة الأحكام انقراض جيل الكرام وميل الأيام إلى اللئام وإني لإخال بعلك صدوقاً في الكلام برياً من الملام وها هو قد اعترف ذلك بالقرض وصرح عن المحض وبين مصداق النظم وتبين انه معروق العظم وإعنات المعذر ملأمة وحبس المعسر مألمة وكتمان الفقر زهادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة فارجعي إلى خدرك واعذري أبا عذرك ونهنهي من غربك وسلمي بقضاء ربك ثم إنه فرض لهما في الصدقات حصة وناولهما من دراهمها قبصة وقال لهما تعللا بهذه العلالة وتنديا بهذه البلالة وصبرا على كيد الزمان وكده فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فنهضا وللشيخ فرحة المطلق من الإسار وهزة الموسر بعد الأعسار قال الراوي: وكنت عرفت أنه أبو زيد ساعة بزغت شمسه ونزعت عرسه وكدت أفصح عن افتتانه وأثمار أفنانه ثم أشفقت من عثور القاضي على بهتانة وتزويق لسانه فلا يرى عند عرفانه أن يرشحه لإحسانه فأحجمت عن القول إحجام المرتاب وطويت ذكره كطي السجل للكتاب إلا أني قلت ما فصل ووصل إلى ما وصل لو أن من ينطلق في أثره لأتانا بفص خبره وما ينشر من حبره فأتبعه القاضي أحد أمنائه وأمره بالتجسس عن أنبائه فما لبث أن رجع متدهدها وقهقر مقهقهاً فقال له القاضي مهيم يا أبا مريم فقال له لقد عاينت عجباً وسمعت ما أنشأ لي طرباً فقال له ماذا رأيت وما الذي وعيت قال لم يزل الشيخ مذ خرج","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"يصفق بيديه ويخالف بين رجليه ويغرد بملء شدقيه ويقول:\rكدتُ أصلى ببليّه\r\rمن وقاح شمَّريَّه\rوأزورُ السّجن لولا\r\rحاكم الإسكندريّة\r\rفضحك القاضي حتى هوت دنيته وذوت سكينته فلما فاء إلى الوقار وعقب الاستغراب بالاستغفار قال اللهم بحرمة عبادك المقربين حرم حبسي على المتأد بين ثم قال لذلك الأمين علي به فانطلق مجدا في مطلبه ثم عاد بعد لأيه مخبراً بنأيه فقال له القاضي أما إنه لو حضر لكفي الحذر ثم لأوليته ما هو به أولى ولأريته أن الآخرة خيرٌ له من الأولى قال الحارث بن همام فلما رأيت صغو القاضي إليه وفوت ثمرة التنبيه عليه غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النوار والكسعي لما استبان النهار.\r\"المقامة البشرية لبديع الزمان الهمذامي المتوفى سنة 398 ه?\"\rحدثنا عيسى بن هشام قال كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكاً فأغار على ركب فيهم امرأة جميلة فتزوج بها وقال: ما رأيت كاليوم فقالت:\rأعجب بشراً حورٌ في عيني\r\rوساعدٌ أبيضُ كاللجين\r\rودونه مسرح طرف العين\r\rخمصانةٌ ترفلُ في حجلين\r\rأحسنُ من يمشي على رجلين\r\rلو ضمّ بشرٌ بينهما وبيني\r\rأدام هجري وأطال بيني\r\rولو يقيس زينها بزيني\r\r\"لأسفر الصبح لذي عينين\"\rقال بشرٌ ويحك من عنيت فقالت: بنت عمك فاطمة فقال: أهي من الحسن بحيث وصفت قالت: وأزيد وأكثر فأنشأ يقول:\rويحكِ يا ذاتَ الثنايا البيضِ\r\rما خلتني منك بمستعيض\r\rفالآن إذ لوّحت بالتعريض\r\rخلوتِ جوَّا فاصفري وبيضي\r\rلأضم جفناي على تغميض\r\rمالم أشل عرضي من الحضيض\rفقالت:\rكم خاطبٍ في أمرها ألحَّا\r\rوهي إليك ابنة عمّ لحّا","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته ومنعه العم أمنيته فآلى ألا يرعي على أحد منهم إن لم يزوجه ابنته ثم كثرت مضراته فيهم واتصلت معراته إليهم فاجتمع رجال الحي إلى عمه وقالوا كف عنا مجنونك فقال: لا تملبسوني عاراً وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل فقالوا: أنت وذاك ثم قال له عمه إني آليت أن لا أزوج بنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهراً ولا أرضانها إلا من نوق خزاعة وكان غرض العم أن يسلك بشر الطريق بينه ووبين خزاعة فيفترسه الأسد لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق وكان فيه أسد يسمى \"داذا\" وحية تدعى \"شجاعاً\" يقول فيهما قائلهم:\rأفتكُ من داذ ومن شجاع\r\rإن يكُ داذٌ سيّد السّباع\r\rفإنها سيّدةُ الأفاعي\r\rثم إن بشراً سلك ذلك الطريق غما نصفه حتى لقي الأسد وقمص مهره فنزل وعقره ثم اخترط سيفه إلى الأسد واعترضه وقطعه ثم كتب بدم السد على قميصه إلى ابنة عمه:\rأفاطمُ لو شهدتِ ببطنِ خبت\r\rوقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا\r\rإذاً لرأيتِ ليثاً زارَ ليثاً\r\rهزبر اً أغلبا لاقى هزبرا\r\rتبهنسَ حين أحجم عنهُ مهري\r\rمحاذرةً، فقلتُ عقرتَ مهراً\r\rأنلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني\r\rرأيتُ الأرضَ أثبتَ منك ظهرا\rوقلتُ له وقد أبدى نصالاً\r\rمحدّدة ووجهاً مكفهرا\r\rيكفكفُ غيلةً إحدى يديه\r\rويبسطُ للوثوب عليّ أخرى\r\rيدلُّ بمخلب وبحدّ ناب\r\rوباللَّحظاتِ تحسبهنَّ جمرا\r\rوفي يمنايَ ماضي الحدّ أبقى\r\rبمضربه قراعُ الموت أثرا\r\rألم يبلغك ما فعلتْ ظباة\r\rبكاظمةٍ غداةَ لقيتُ عمرا\r\rوقلبي مثلُ قلبك ليس يخشى\r\rمصاولةً فكيفَ يخاف ذعرا\r\rوأنتَ تروم للأشبال قوتاً\r\rوأطلبُ لابنةِ الأعمام مهرا\r\rففيمَ تسوم مثلي أن يولّي\r\rويجعلَ في ديك النفس قسرا\r\rنصحتك فالتمسْ يا ليثُ غيري\r\rطعاماً إن لحمي كان مرَّا\r\rفلما ظنَّ أن الغشَّ نصحي","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"وخالفني كأنّي قلتُ هجرا\r\rمشى ومشيت من أسدين راما\r\rمراماً كان إذ طلباهُ وعرا\r\rهززتُ له الحسامَ فخلتُ أني\r\rسللتُ به لدى الظّلماء فجرا\r\rوجدتُ له بجائشةٍ أرتهُ\r\rبأنَّ كذبتهُ ما منّتهُ غدرا\r\rوأطلقتُ المهنَّدَ من يميني\r\rفقدَّ له من الأضلاع عشرا\r\rفخرَّ مجدَّلاً بدمٍ كأني\r\rهدمتُ به بناءً مشمخرَّا\r\rوقلتُ له يعز عليّ أني\r\rقتلتُ مناسبي جلداً وفخرا\r\rولكنْ رمتَ شيئاً لم يرمهُ\r\rسواكَ فلم أطقْ يا ليثُ صبرا\r\rتحاولُ أن تعلّمني فراراً\r\rلعمرُ أبيك قد حاولتَ نكرا\r\rفلا تجزعْ فقد لاتقيتَ حرَّا=يحاذر أن يعابَ فمتَّ حرَّا فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها وخشي أن تغتاله الحية فقام في أثره وبلغه وقد ملكته سورة الحية فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها فقال:\rبشرٌ إلى المجد بعيدٌ همّه\r\rلما رآه بالعراءِ عمّهُ\r\rقد ثكلتهُ نفسهُ وأمُّه\r\rجاشتْ به جائشةٌ تهمهُ\r\rقام إلى ابنِ للفلاَ يؤمُّه\r\rفغاب فيه يدهُ وكمّهُ\r\rونفسهُ نفسي وسمّي سمُّهُ","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"فلما قتل الحية قال عمه إني عرضتك طمعاً في أمر قد ثنى الله عناني فارجع لأزوجك لابنتي فلا رجع جعل بشر فمه فخراً حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه مدججاً في سلاحه فقال بشر يا عم إني اسمع حس صيد وخرج فإذا بغلام على قيد فقال ثكلتك أمك يا بشر أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ما ضغنك فخراً أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا أم لك قال اليوم الأسود والموت الأحمر فقال بشر: ثكلتك من سلحتك فقال يا بشر ومن سلحتك وكر كل واحد منهما على صاحبه فلم يتمكن بشر منه وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه. ثم قال يا بشر كيف ترى أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشراً عشرين ضربة بعرض السيف ولم يتمكن بشر من واحدة ثم قال يا بشر سلم عمك واذهب في أمان قال نعم ولكن على شريطة أن تقول لي من أنت فقال أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة عمك: فقال بشر:\rتلك العصا من هذه العصيّه\r\rهل تلدُ الحيَّةُ إلا الحيّة\r\rوحلف لا ركب حصاناً ولا تزوج حصاناً ثم زوج ابنة عمه لابنه.\r\"الفن السادس في الروايات\"","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"الرواية عبارة عن ذكر قول أو فعل حدثاً أو أمكن حدوثهما وخواصها أربعة الإيضاح والإيجاز والإمكان والتلطف \"فالإيضاح\" يكون بتقديم فرش للحديث وتوطئة للخبر يقرب مأخذ الرواية وبمراعاة الترتيب الطبيعي في إيراد ظروف الخبر ما لم يكن للراوي غرض لتجاوز هذا النظام وبالعدول عن كثرة الاستطرادات في إنشاء الحديث لأن ذلك يصرف العقل عن سياق الرواية ويذهب برونقها \"والإيجاز\" حذف فضول وحشو الكلام مع انتقاء أخص الظروف وأنسبها للغاية ولا بأس بالأطناب إذا ما دعا إليه مقتضى الحال \"والإمكان\" ترشيح الرواية للقبول في ذهن السامع \"والتلطيف\" في الرواية أن يبلغ الكاتب كنه القلوب ويأخذ بمجامع اللب بأن ينتقل فيها من حال إلى حال لأن النفس قد جلبت على محبة التحول وطبعت على إيثار التنقل وللرواية ثلاثة أجزاء صدرها وعقدتها وختامها \"فالصدر\" التوطئة للواقع بحيث يقف السامع على أسماء الأشخاص وطباعهم وعلى مكان الواقع وسوابق العمل \"والعقدة\" هي الجزء الذي على محوره تدور الرواية وهو المجال الأوسع الذي تتقابل الأشخاص وتشتبك الأحوال وتضطرم في النفس لواعج الشوق للوقوف على عاقبة الأمر متنقل من الرجاء إلى الخوف ومن الفرح إلى الحزن.\r\"والختام\" الجزء الأخير من الرواية الذي به تفك الإربة وتحل رباق الحديث فتنال النفوس بذلك مرامها وتفوز بوطرها وسمته أن يكون فجائياً مرتبطاً مع ما قبله ارتباطاً محكماً وافياً بالمراد بحيث ترضى به النفوس وترتاح إليه القلوب وشواهد الرواية كثيرة لا نطيل بذكرها أفرادها الأدباء بالتآليف العديدة ولنذكر هنا بعض ملح لايستغني عنها المقام.\r\"رواية ليلى الأخيلية مع الحجاج\"","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"قال بعضهم بينما كان الحجاج في مجلس ومعه عنبسة بن سعد العاصي غذ دخل الحاجب فقال امرأة بالباب فقال له الحجاج أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت لأن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت المرأة قد لأسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ليلى ما أتى بك فقالت أخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج: فقالت الفجاج مغبرة. والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت في الأمير قولاً: قال هاتي فأنشأت تقول:\rأحجَّاجُ لا يفللْ سلاحك إنّما ال?\r\r?منَايا بكفّ الله حيث يراها\r\rأحجاج لا تعط العصاة مناهم\r\rولا الله يعطي للعصاة مناها\r\rإذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً\r\rتتبَّع أقصى دائها فشفاها\r\rشفاها من الدّاء العضال الذي بها\r\rغلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها\r\rسقاها فروّاها يشرب سجالهِ\r\rدماء رجالٍ حيث مال حشاها\r\rإذا سمع الحجاج رزّ كتيبةٍ\r\rأعدّ لها قبل النُّزول قراها\r\rأعدّ لها مصقولةً فارسيّة\r\rبأيدي رجال يحلبون صراها\r\rفما ولد الأبكارُ والعونُ مثله\r\rببحرٍ ولا أرض يجفّ تراها","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لايكون أبداً ثم التفت إليها فقال حسبك قالت غني قد قلت أكثر من هذا قال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له يقول لك الأمير اقطع لسانها قال فأمر بإحضار الحجام فالتفتت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال أنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضباً وهم بقطع لسانه وقال أرددها فلما دخلت عليه قالت: كاد \"وأمانة الله\" يقطع مقولي ثم أنشأت تقول:\rحجّاج أنت الذي ما فوقه أحدٌ\r\rإلا الخليفةُ والمستغفرُ الصّمد\r\rحجاج أنتَ شهابُ الحربِ إن لقحتْ\r\rوأنتَ للناس نورٌ في الدُّجى يقدُ\r\rثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه قالوا لا والله أيها الأمير إنا لم نر قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت نعم أيها الأمير الذي يقول:\rوهل تبكينَ ليلى إذا متّ قبلها\r\rوقام على قبري النّساء النّوائحُ\r\rكما لو اصاب الموتُ ليلى بكيتها\r\rوجاد لها دمعٌ من العين سافح\r\rوأغبطُ من ليلى بما لا أناله\r\rبلى كلّ ما قّرت به العين طائح\r\rولو أن ليلى الأخيلية سلّمت\r\rعليّ ودونيَ جندل وصفائح\r\rلسلّمت تسليمَ البشاشة أوزقا\r\rإليها صدّى من جانب القبر صائح","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك مئة واعلمي إنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جوداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة من الإبل برعاتها فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها حاجة بعدها قالت يدفع إلي النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة بقومس ويقال بحلوان.\r\"رواية بنات الشاعر المقتول\"\rكان لشاعر عدو فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو يبعدوه فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لا محاله فقال له يا هذا أنا أعلم أن المنية قد حضرت ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أن امض إلى داري وقف بالباب وقل \"ألا أيها البنتان أن أباكما\" فقال سمعاً وطاعة ثم إنه قتله فلما فرغ من قتله أتى إلى داره ووقف بالباب وقال: \"ألا أيتها البنتان أن أباكما\" وكان للشاعر ابنتان فلما سمعا قول الرجل \"ألا أيتها البنتان أنا أباكما\" أجابتاه بفم واحد \"قتيل خذا بالثار ممن أتاكما\" ثم تعلقتا بالرجل ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله.\r\"رواية المتكلمة بالقرآن الكريم\"","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"قال عبد الله بن المبارك خرجت حاجاً إلى ببت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسواد فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت: (سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رّبّ رّحِيمٍ) [يس: 58] قال فقلت لها يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان قالت: (وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الأعراف: 186] فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها أين تريدين قالت: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى) [الإسراء: 1] فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها أنت منذ كم في هذا الموضع قالت: (ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) [مريم: 10] فقلت ما أرى معك طعاماً تأكلين قال: (هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء: 79] فقلت فبأي شيء تتوضئين قالت: (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً) [النساء: 43] فقلت لها أن معي طعاماً فهل لك في الأكل قال: (ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ) [البقرة: 187] فقلت ليس هذا شهر رمضان قالت: (وَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَإِنّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 158] فقلت قد أبيح لنا الإفطار في السفر قالت: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 184] فقلت لم لا تكلميني كما أكلمك قالت: (مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18] فقلت قمن أي الناس أنت قالت: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36] فقلت قد أخطأت فاجعليني في حل قالت: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ )[يوسف: 92] فقلت فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة قالت: (وَمَا","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ ) [البقرة: 197] قال فأنخت ناقتي قالت: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) [النور: 30] فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مّن مّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: 30] فقلت لها أبصري حتى أعلقها قالت: (فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) [الأنبياء: 79] فعلقت الناقة وقلت لها اركبي فلما ركبت قالت: (سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هََذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ {13} وَإِنّآ إِلَىَ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف: 13، 14] قال فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح فقالت: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) [لقمان: 19] فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر فقالت: (فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل: 20] فقلت لها لقد أوتيت خيراً كثيراً قالت: (وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) [البقرة: 269] فلما مشيت بها قليلاً قلت ألك زوج قالت: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101] فسكت ولم أكملها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها فقالت: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا) [الكهف: 46] فعلمت أن لها أولاداً فقلت وما شأنهم في الحج قالت: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [النحل: 16] فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات فقلت هذه القباب فمن لك فيها قالت: (وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: 125] (وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً) [النساء: 164] (يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ) [مريم: 12] فناديت با ابراهيم يبا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت:","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"(فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ) [الكهف: 19] فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدي وقالت: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة: 24] فقلت الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت: (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21].\rتم بعون الله سبحانه وتعالى طبع \"الجزء الأول\" من كتاب \"جواهر الأدب\" ويليه بمشيئته جل شأنه \"الجزء الثاني\" وأوله الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية.\rبسم الله الرحمن الرحيم\r\"الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية\"","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم، ولغتهم.\rوالأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل). وهذه الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة التي تضمنتها لغة أي أمة.\rواللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان.\rوتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة، وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها.\rواللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا.\rوهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود وعمليق. وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار.\rومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.\r\"عصور اللغة العربية وآدابها\"","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ أدب اللغة خمسة أعصر: الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو خمسين ومائة سنة.\rالثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (132ه?).\rالثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد في أيدي التتار سنة (656ه?).\rالرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ النهضة الأخيرة سنة (1220ه?).\rالخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا.\r\r\"العصر الأول عصر الجاهلية\"\r\"حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر\"","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال، وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: 1 هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم. 2 هجرة اسماعيل عليه السلام إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز.\rوأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء.\r\rكلام العرب","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"الغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة.\rولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة. بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب ورجالها.\rوكلام العرب بمراتبه: العليا والدنيا وما بينهما تعتوره كغيره أحوال تتغير بتغير حياة أهله العقلية والمعاشية والدينية، وتلك الأحوال تتمثل في \"أغراض اللغة، ومعانيها، وعباراتها\".\rأغراض اللغة في الجاهلية\r1 كانت اللغة تستعمل في أغراض المعيشة البدوية، ووصف مرافقها من حل وترحال، وانتجاع كلأ. واستدرار غيث. واستنتاج حيوان.\r2 وفي غثارة المنازعات والمشاحنات، وما يتبعها من الحض على إدراك الثأر. والتفاخر بالانتصار، والتباهي بكرم الأصل والنجار.\r3 شرح حال المشاهدات والكيفيات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير ذلك.\r\rمعاني اللغة في الجاهلية\rتجمل معاني اللغة (1) في قصر معاني المفردات على ما تقتضيه البداوة والفطرة الغضة الخالية من تكلف أهل الحضر وتأنقهم (2) وفي انحصار أحكامهم في (الخبر) ومطالبهم عن (الإنشاء) إما في التعقل المستنبط من الحس والمشاهدة أو الطبيعة أو التجربة أو الوجدان. من غير مبالغة ولا إغراق. وإما في التخيل المنتزعة صوره من المحسوسات بحيث لا تخرج عن الإمكان العقلي والعادي.\rعبارة اللغة في الجاهلية","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"تلخص أحوال العبارة في الجاهلية فيما يأتي: 1 استعمال الألفاظ في معانيها الوضعية. أو معان مناسبة للمعنى الأصلي بطريق المجاز الذي قد يصبح بعد قليل وضعاً جديداً.\r2 كثرة استعمال المترادف، وقلة الأعجمي المعبر عنه بالمعرب، وخلو الكلام العربي من اللحن، وغلبة الإيجاز عليه كما تراه واضحاً في شعرهم.\r3 إرسال الأساليب الكلامية على حسب ما تقتضيه البلاغة بدون تكلف.\rتقسيم كلام العرب\rينقسم كلام العرب قسمين: نثراً ونظماً. فالنظم هو الموزون المقفى. والنثر ما ليس مرتبطاً بوزن ولا قافية.\rالنثر المحادثة الخطابة الكتابة\rالأصل في الكلام أن يكون منثوراً: لإبانته مقاصد النفس بوجه أوضح وكلفة أقل وهو غما حديث يدور بين بعض الناس وبعض في إصلاح شؤون المعيشة. واجتلاب ضروب المصالح والمنافع وذلك ما يسمى (المحادثة) أو \"لغة التخاطب\". وإما خطاب من فصيح نابه الشأن يلقيه على جماعة في أمر ذي بال. وهذا ما يسمى \"الخطابة\". وإما كلام نفسي مدلول عليه بحروف ونقوش لإرادة عدم التلفظ به. أو لحفظه للخلف. أو لبعد الشقة بين المتخاطبين. وذلك ما يسمى (الكتابة). إذن فأقسام النثر ثلاثة. محادثة. خطابة. وكتابة وكلها إما أن تكون كلاماً خالياً من التزام التقفيه في أواخر عباراته: وذلك ما يسمى \"النثر المرسل\" وإما أن تكون قطعاً ملتزماً في آخر كل فقرتين منها أو أكثر قافية واحدة. وهذا ما يسمى \"السجع\" وهو نوع من الحلية اللفظية إذا جاء عفواً ولم يتعمد التزامه. ولحسن وقعه في الأسماع. وحوكه وتأثيره في الطباع كان اكثر ما يستعمل في الخطابة. والأمثال. والحكم. والمفاخرات. والمنافرات.\rالمحادثة أو لغة التخاطب","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"لغة التخاطب عند عرب الجاهلية بعد أن توحدت لغاتها هي اللغة المعربة المستعملة في شعرها وخطبها وكتابتها. ولا فرق بينها في البلاغة إلا بقدر ما تستدعيه حال الخطابة والشعر والكتابة: من نبالة الموضوع والتأنق في العبارة.\rوأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ.\rالخطابة\rلما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام. ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة حفظ النثر.\rوما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر.\rوأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك.\rوكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده.\rوخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.\r(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء. وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار وقس بن ساعدة الإيادي خطيب","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى: وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري).\rقس بن ساعدة الإيادي\rهو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في خطبه \"أما بعد\" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس يتحاكمون إليه وهو القائل \"البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر\"، وسمعه النبي ( قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول:\rفي الذَّاهبين الأوّل?\r\r?ين من القرون لنا بصائر\rلمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر\rورأيت قوميَ نحوها\r\rتمضي الأكابرَ والأصاغر\r\rلايرجع الماضي إليّ\r\rم ولا من الباقين غابر\r\rأيقنت أني لا مح?\r\r?الة حيث صار القومُ صائر\r?أكثم بن صيفي","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر طويلاً حتى أدرك مبعث النبي ( وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني مولعاً بالأمثال \"راجع خطبته في فن المناظرات\".\rالكتابة","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل الحيرة والأنبار.\rأما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في بلادها.\rولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا \"بعدي بن ويد العبادي\" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى.\rأما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة.\rولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك.\r\rعلوم العرب وفنونها","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر.\rعلم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني).\rالطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي).\rالأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون.\rالأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار.\rوصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"يهتدي إليها.\rومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم.\rالفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى.\rالقيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب).\rالكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان (شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة).\rالزجر: وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الأسدي.\rومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل:\rلعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصى\r\rولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ\r\rوكضابئ بن الحارث القائل:\rوما عاجلاتُ الطير تدني من الفتى\r\rنجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ\r\rورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرة\r\rوللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ\r\rولا خير فيمن لايوطّن نفسه\r\rعلى نائبات الدهر حين تنوبُ","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"النظم والشعر والشعراء\rالنظم عرفه العروضيون بأنه الكلام الموزون المقفى قصداً ويرادفه الشعر عندهم: أما المحققون من الأدباء فيخصون الشعر بأنه الكلام الفصيح الموزون المقفى المعبر غالباً عن صور الخيال البديع. وإذا كان الخيال أغلب مادته أطلق بعض العرب تجوزاً لفظ الشعر على كل كلام تضمن خيالاً ولو لم يكن موزوناً مقفى، ولجريه وفق النظام الممثل في صورة الوزن والتقفية كان تأثيره في النفس من قبيل إثارة الوجدان والشعور لبسطاً وقبضاً وترغيباً وترهيباً لا من قبيل إقناع الفكر بالحجة الدامغة والبرهان العقلي، ولذلك يجمل أثره في إثارة العواطف وتصوير أحوال النفس لا في الحقائق النظرية، ولا ريب أن النفس ترتاع بصور المحسوس الباهر وما انتزع منه من الخيال الجلي لخفة مؤونته عليها وإراحته لها من المعاناة والكد، فكيف إذا انضم إلى ذلك نغم الوزن والقافية الشديد الشبه بتأثير الإيقاع والتلحين الذي يطرب له الحيوان فضلاً عن الإنسان، والعرب بفطرتهم مطبوعين على الشعر لبداوتهم. وملأمة بيئتهم لتربية الخيال، فالبدوي لحريته واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب، ضاحية الشمس، جلت لحسه مناظر الوجود، وعوالم الشهود فكان لخياله من ذلك مادة لايغور ماؤها، ولا ينضب معينها، فهام بها في كل واد وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته وفصاحة لسانه أقوى ساعد، وأكبر معاضد. ويشعر الإنسان بطبعه أن الشعر متأخر في الوجود عن النثر وإن كانت واسطة بين النثر والشعر، فليست إلا السجع لما فيه من معادلة الفقر، والتزام القافية والميل إى التغني به فكان من ذلك المقطعات والأراجيز الصغيرة، يحدون بها الإبل، ويعدون بها المكارم ثم لما تمت ملكة الشعر فيهم، واتسعت أغراضه أمامهم، نوعوا الأوزان وأطالوا القوافي، وقصدوا القصيد.\rوقد خفي علينا","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"\"كأكثر الأمم\" مبدأ قول الشعر، وأول من قاله. أما ما نسب من الشعر إلى آدم وإبليس والملائكة والجن والعرب البائدة فهو حديث خرافة.\rوالشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة تنتهي أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة وأقدم مقطعاته إلى نفر لعلهم لم يبعدوا عنه طويلاً مثل العنبر بن عمرو بن تميم ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان وزهير بن جناب الكلبي والأفوه الأودي وأبو داود الإيادي وقد رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته وأن أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب فهو أول من رويت له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً وتبعه الشعراء مثل امرئ القيس وعلقمة وعبيد ممن أخرجوا لنا الشعر العربي في صورته الحاضرة.\rهذا مجمل ما يتعلق بحقيقة الشعر ونشأته في الجاهلية أما ما يتعلق بمادته وجوهره فإنه يرجع إلى أغراضه وفنون ومعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه وقوافيه.\r?(1) أغراضه وفنونه","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"نظم العرب الشعر في كل ما أدركته حواسهم وخطر على فقلوبهم من فنونه وأغراضه الكثيرة كالنسيب ويسمى التشبيب والتغزل ى وطريقته عند الجاهلية يكون بذكر النساء ومحاسنهن وشرح أحوالهن وكان له عندهم المقام الأول من بين أغراض الشعر حتى لو انضم إليه غرض آخر قدم النسيب عليه وافتتح به القصيد: لما فيه من لهم النفس وارتياح الخاطر ولأن باعثه الفذ هو الحب وهو السر في كل اجتماع إنساني والبدو أكثر الناس حباً لفراغهم.\rوالفخر: هو تمدح المرء بخصال نفسه وقومه والتحدث بحسن بلائهم ومكارمهم وكرم عنصرهم ووفرة قبيلهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم.\rوالمدح: وهو الثناء على ذي شان بما يستحسن من الأخلاق النفسية كرجاجة العقل والعفة والعجل والشجاعة وإن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه وبتعداد محاسنه الخلقية. وشاع المدح عندما ابتذل الشعر واتخذه الشعراء مهنة ومن أوائل مداحيبهم زهير والنابغة والأعشى.\rوالرثاء: وهو تعداد مناقب الميت وإظهار التفجع والتلهف عليه واستعظام المصيبة فيه.\rوالهجاء: هو تعداد مثالب المرء وقبيله ونفي المكارم والمحاسن عنه.\rوالاعتذار: هو درء الشاعر التهمة عنه والترفق في الاحتجاج على براءته منها واستمالة قلب المعتذر إليه واستعطافه عليه: والنابغة في الجاهلية فارس هذه الحلبة.\rوالوصف: هو شرح حال الشيء وهيئته على ما هو عليه في الواقع لإحضاره في ذهن السامع كأنه يراه أو يشعر به.\rوالحكمة والمثل: فالحكمة قول رائع يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً. والمثل مرآة تريك أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقها وقد انقضت فالأمثال ميزان يوزن به رقي الأمم وانحطاطها وسعادتها وشقاؤها وأجبها ولغتها. وأكثر ما تكون أمثال العرب وحكمها موجزة متضمنة حكماً مقبولاً أو تجربة صحيحة تمليها عليها طباعها بلا تكلف راجع فن الأمثال السابق.\r(2) معانيه وأخيلته","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"قصد الشاعر من شعره الإبانة عما يخالج نفسه من المعاني في أي غرض من الأغراض السابقة ونحوها. ومن هذه المعاني ما هو عادي في البدوي والحضري والعربي والعجمي كالأخبار الصادقة وأوصاف المشاهدات وشرح الوجدانات كما يمليها الخاطر بلا مبالغة ولا إغراق. ومنها ما هو غريب نادر انتزعه الخيال من المرئيات البديعة والأشكال المنتظمة وذلك ما يسمى بالمعنى المخترع الذي تتفاضل الشعراء بالإجادة فيه والإكثار منه وإذا قسنا الشعر الجاهلي بهذا المعيار وجدنا معانيه وأخيلته تمتاز بالأمور التالية: (1) جلاء المعاني وظهورها ومطابقتها للحقيقة والواقع.\r(2) قلة البالغة والغلو فيها بما يخرجها عن حد العقل ومألوف الطبع.\r(3) قلة المعاني الغريبة المنزع الدقيقة المأخذ المتجلية في صور الخيال البديع والتشبيه الطريف والاستعارة الجميلة والكناية الدقيقة وحسن التعليل وغير ذلك.\r(4) قلة تأنقهم في ترتيب المعاني والأفكار على النظام الذي يقتضيه الذوق فيدخلون معنى في معنى وينتقلون من غرض إلى آخر اقتضاباً بدون تخيل ولا تلطف.\r?(3) ألفاظه وأساليبه\rولما كانت العرب أمما بدوية تنظم الشعر بطبعها من غير معاناة صناعة ولا دراسة علم. غلب على شعرها صراحة القول وقلة المواربة فيه والبعد عن التكلف وصحة النظم والوفاء بحق المعنى أضف إلى ذلك الأمور الآتية: (1) جودة استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها: لإحاطة علمهم بلغتهم ومعرفتهم بوجوه دلالتها.\r(2) غلبة استعمال الألفاظ الجزلة واستعمال الألفاظ الغريبة التي هجرت عند المحدثين.\r(3) القصد في استعمال ألفاظ المجاز ومقت استعمال العجمي إلا ما وقع نادراً.\r(4) عدم تعمد المحسنات البديعية اللفظية، ومتانة الأسلوب بحسن إيراد المعنى إلى النفس من أقرب الطرق إليها وأطرافها لديها وإيثار المجاز أو قلة الإسهاب إلا إذا دعت الحال.\r\r(4) أوزانه وقوافيه","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"العرب لم تعرف موازين الشعر بتعلم قوانين صناعية وتعرف أصول وضعية وإنما كانت تنظم بطبعها على حسب ما يهيئه لها إنشادها وقد هدتهم هذه الفطرة إلى أوزان أرجعها الخليل إلى خمسة عشر وزناً سماها بحوراً وزاد عليها الأخفش بحراً وقد اكثروا النظم من بعضها دون بعض.\r(راجع كتابنا \"ميزان الذهب في بحور شعر العرب\") وشعر العرب رجزه وقصيده يبني على قافية واحدة كيفما طال القول.\rالشعراء\rشعراء الجاهلية اكثر من أن يحاط بهم. ومن جهل منهم اكثر ممن عرف. وإنما اشتهر بعضهم دون بعض: لنبوغه، أو كثرة المروي من شعره أو قرب عهده من الإسلام زمن الرواية.\rوكان للشعراء عند العرب منزلة رفيعة، وحكم نافذ وسلطان غالب، إذ كانوا ألسنتهم الناطقة بمكارمهم ومفاخرهم، وأسلحتهم التي يذودون بها عن حياض شرفهم (وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة وأتت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن حياظهم وتخليد لمفاخرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ. أو فرس تنتج).","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"وكانت طريقة نظم الشعر ارتجاله فتأتيهم ألفاظه عفوا، ومعانيه رهواً كما وقع للحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم. أما من اتخذه منهم صناعة يستدرها ويلتمس به الجوائز، وينشده في المحافل والمواقف العظام فإنه يتعهده بالتهذيب والتنقيح ليجعله رقيق الحاشية حسن الديباجة يصح أن يقال فيه أنه المثل الأعلى للشعر الجاهلي، كما ترى ذلك واضحاً في حوليات زهير واعتذاريات النابغة.\rوقد غبر الناس دهراً طويلاً لايقولون الشعر إلا في الأغراض الشريفة لا يمدحون عظيماً طعماً في نواله، ولايهجون شريفاً تشفياً منه وانتقاماً حتى نشأت فهم فئة امتهنت الشعر وتكسبت به، ومدحت الملوك والأمراء كالنابغة الذبياني وحسان مع النعمان بن المنذر وملوك غسان، وزهير بن أبى سلمى مع هرم بن سنان وأمية بن أبي الصلت مع عبد الله بن جدعان: أحد أجواد قريش والأعشى مع الملوك والسوقة، حتى قصد به الأعاجم، وجعله متجراً به فتحامى الشعر الأشراف، وآثروا عليه الخطابة.\rطبقات الشعراء\rطبقات الشعراء باعتبار عصورهم أربع: 1 طبقة الجاهلين.\r2 طبقة المخضرمين (وهم الذين اشتهروا بقول الشعر في الجاهلية والإسلام).\r3 طبقة الإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في الإسلام ولم تفسد سليقتهم العربية، وهم شعراء بني أمية.\r4 طبقة المولدين، أو المحدثين، وهم الذين نشؤوا زمن فساد العربية وامتزاج العرب بالعجم، وذلك من عصر الدولة العباسية إلى يومنا هذا.\rوالشعراء الجاهليون يقسمون باعتبار شهرتهم في الشعر للإجادة أو للكثرة إلى طبقات كثيرة نذكر منها ثلاثا: 1 الطبقة الأولى: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة.\r2 الطبقة الثانية: الأعشى، ولبيد، وطرفة.\r3 الطبقة الثالثة: عنترة، وعروة بن الورد والنمر بن تولب، ودريد بن الصمة، والمرقش، الأكبر.\rومن الأدباء من يقدم بعض هؤلاء على بعض ويزيدون غيرهم عليهم.\r(1) امرؤ القيس","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"هو الملك أبو الحارث حندج بن حجر الكندي شاعر اليمانية.\rوآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وكانت بنو أسد من المضرية خاضعة لملوك كندة وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس وأمه اخت مهلهل وكليب.\rنشأ امرؤ القيس بأرض نجد بين رعية أبيه من بني أسد، وسلك مسلك المترفين من أولاد الملوك يلهو ويلعب ويعاقر الخمر ويغازل الحسان فمقته أبوه ولما لم ينجح فيه القول طرده عنه وأقصاه، حتى جاء نبأ ثوران بني أسد على أبيه وقتلهم له. لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة قروح فمات منها ودفن بأنقرة وكان ذلك قبل الهجرة بقريب من قرن.\rشعره: يعتبر امرؤ القيس راس فحول شعراء الجاهلية والمقدم في الطبقة الأولى فهو أول من أجاد القول في استيقاف الصحب، وبكاء الديار، وتشبيه النساء بالظباء والمها والبيض، وفي وصف الخيل بقيد الأوابد وترقيق النسيب، وتقريب مآخذ الكلام، وتجويد الاستعارة، وتنويع التشبيه.\rوقد يفحش في تشبيه بالنساء وتحدثه عنهن، ويشم من شعره رائحة النبل وتلمح فيه شارات السيادة والملك: من ذلك قوله:\rفظل العذارى يرتمين بلحمها\r\rوشحم كهداب الدمقس المفتل\rوقوله:\rوظل طهارة اللحم مابين منضج\r\rصفيف شواء أو قدير معجل\r\rولو أن ماأسعى لأدتنى معيشة\r\rكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال\rولكنما اسعاى لمجد مؤثل\r\rوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"وشعره وإن اشتمل بشملة البداوة في جفاء العبارة، وخشونة الألفاظ وتجهم المعاني، تراه أحياناً يخطر في حلل من حسن الديباجة، وبديع المعنى، ودقة النسيب ومقاربة الوصف وسهولة المأخذ: مما كان منه لخلفه أجمل مثال في محاكاته.\rفمن النوع الأول قوله في معلقته:\rوفرع يغش المتن أسود فاحم\r\rأثيث كقنو النخلة المتعثكل\r\rغدائرة مستشزرات إلى العلا\r\rتضل المدارى في مثنى ومرسل\rوكشح لطيف كالجديل مخصر\r\rوساق كأنبوب السقي المذلل\r\rوتعطو برخص غير شئن كأنه\r\rأساريع ظبي أو مسويك إسحل\r\rومن الثاني قوله:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا\r\rوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\r\rكأن قلوب ااتلطير رطباً ويابساً\r\rلدى وكرها العناب والحشف البالي\rأغرك مني أن حبك قاتلي\r\rوأنك مهما تأمري القلب يفعل\r\rولا مرئ القيس المطولات والمقطعات، وأشهر مطولاته معلقته المضروب بها المثل في الاشتها، وأولها:\rقفانبك من ذكرى حبيب ومنزل\r\rبسقط اللوى بين الدخول فحومل\rفتوضح فالمقراة لم يعف رسمها\r\rلما نسجتها من جنوب وشمأل\r\rومنها يصف الليل:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله\r\rعلي بأنواع الهموم وليبتلى\r\rفقلت له لما تمطى بصلبه\r\rوأردف أعجازاً وناء بكلكل\r\rألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي\r\rبصبح وما الإص2باح منك بأمثل\rفيالك من ليل كأون نجومه\r\rبكل مغار الفتل شدت بيذبل\r\rومنها يصف فرسه:\rوقد أغتدي والطير في وكناتها\r\rبمنجرد قيد الأوابد هيكل\r\rمكر مفر مقبل مدبر معاً\r\rكجلمود صخر حطه السيل من عل\r(2) النابغة الزبياني","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"هو النابغة الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية: أحد فحول شعراء الجاهلية، وزعيمهم بعكاظ وأحسنهم ديباجة لفظ، وجلاء معنى، ولطف اعتذار ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، بعد أن امتنع عليه وهو صغير وهو من أشراف ذبيان إلا أن تكسبه بالشعر غض من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه ااتصل بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر ، فأدناه منه إلى وشى به عند النعمان أحد بطانته فغضب عليه وهو بقتله. فأسر إليه بذلك حاجبه عصام، فهرب النابيغة إلى ملوك غسان المنافين للمناذرة في ملك العرب، فمدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان، غير أن قديم صحبته للنعمان جعله يحن إلى معاودة العيش في ظلاله، فتنصل مما رمي به. واعتذر إليه بقصائد عطفت عليه قلبه، وزعمر النابغة طويلاً ومات قبيل البعثة. شعره يمتاز برشاقة اللفظ ووضوح المعنى، وحسن النظم، وقلة التكلف، حتى عد عند المرفقين من الشعراء جرير أنه أشعر شعرا ء الجاهلية، وأغراه تكسبه بالشعر أن يفتن في ضروب المدح ومن أبلغ شعره معلقته التي أولها:\rعوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار\r\rماذا تحيون من نؤى وأحجار\r\rأقوى وأقفر من نعم وغيره\r\rهوج الرياح بها بي الترب موار\rوقفت فيها سراة اليوم أسألها\r\rعن آل نعم أموناً معبر أسفار\r\rفاستعجمت دار نعم ماتكلمنا\r\rوالفدار لو كلمتنا ذات أخبار\r\rومن جيد قوله في الاعتذار\rآثاني (أبيت اللعن) أنك لمتني\r\rوتلك التي أهتم منها وأنصب\r\rفبت كأن العائدات فرشتني\r\rهراساً به يعلى فراشي وقشب\r\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة\r\rوليس وراء الله للمرء مطلب\r\rلئن كنت قد بلغت عني جناية\r\rلمبلغك االواشي أغش وأكذب\r\rولكنني كنت امرأ لي جرانب\r\rمن الأرض فيه مستراد ومهرب\rكفعلك في قوم أراك اصطنعتهم\r\rفلم ترهم في شكرهم ذلك أذنبوا","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"فلا تتركني بالوعيد كأنني\r\rإلى الناس مطلي به القار أجرب\rألم تر أن الله أعطاك سروة\r\rترى كل ملك دونها يتذبذب\r\rوإنك شمسٌ والملوك كواكب\r\rإذا طلعت لم يبد منهن كوكب\r\rولست بمستبق أخا لا تلمه\r\rعلى شعث أي الرجال المهذب\r\rفإن أك مظلوما فبعد ظلمته\r\rوإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب\r\r??(3) زهير بن أبي سلمى\rهو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، ثالث فحول الطبقة الأولى من الجاهلية، وأعفهم قولاً، وأوجزهم لفظاً، وأغزرهم حكمة، وأكثرهم تهذيباً لشعره نشأ في غطفان وإن كان نسبة في مزينة، كمن بيت جل أهله شعراء: رجالاً ونساءً ت واختص زهير بمدح هرم بن سنان الذبياني المري وأول ما أعجبه من أمره وجب إليه مدحه حسن سعيه هو والحارث بن عوف في الصلح بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء بتحملهما دامت القتلى التي بلغت ثلاثة آلاف بعير، وقال في ذلك قصيدته إحدى المعلقات السبع التي أولها:\rأمن أم أوفى دمنة لم تكلم\r\rبحومانة الدراج فالمتلثم\rثم تابع مدحه كما تابع هرم عطاءه حتى حلف ألا يمدحه زهير إلاى أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت وكان زهير سيداً كثير المال حليماً معروفاً بالورع متدنياً مؤمناً بالبعث والحساب كما يظهر من قوله:\rفلا تكتمن الله مافي نفوسكم\r\rليخفى ومهما يكتم الله يعلم\r\rيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر\r\rليوم الحساب أو يعجل فينقم\r\rوعمر زهير ومات قبل البعثة بسنة ومن حكمه في معلقته:\rوأعلم ما في اليوم والأمس قبله\r\rولكنني عن عام مافي غد عم\r\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب\r\rنمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\r\rومن يجعل المعروف من دون عرضه\r\rيفره ومن لا يتق الشتم يشتم\r\rومن يك ذا فضل فيبخل بفضله","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"على قومه يستغن عنه ويذمم\r\rومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه\r\rإلى مطمئن البر لا يتجمجم\r\rومن هاب أسباب المناياينلنه\r\rوأن يرق أسباب السماء بسلم\r\rومن يجعل المعروف في غير أهله\r\rيكن حمده ذما عليه ويندم\r\rومن لم يذد عن حوضه بسلاحه\r\rيهدم ومن لا يظلم الناس يظلم\r\rومهما تكن عند امرئ من خليقة\r\rوإن خالها تخفى على الناس تعلم\r\rشعره: اتفق أكثر الشعراء على أن زهيراً يفضل صاحبيه امرأ القيس والنابغة.\rوكان زهير صاحب روية وتعمل تهذيب لما يقول ولا سيما مطولاته، حتى قيل إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها في أربعة أشهر، ويعرضها على خواصه في أربعة أشهر فلا يظهرها إلا بعد حول، ولذلك يسمون بعض مطولاته الحوليات، ومكا سبق فيه غيره قوله يمدح هرماً: قد جعل المبتغون الخير في هرم=والسائلون إلى أبوابه طرقاً\rمن يلق يوماً على علاته هرماً\r\rيلق السماحة منه والندى خلقاً\rلو نال حي من الدنيا بمكرمة\r\rأفق السماء لنالت كفه الأفقا\r\r(4) عنترة العبسي","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"هو عنتر: بن عمرو بن شداد العبسي أحد فرسان العرب وأغربتها وأجوادها وشعرائها المشهورين بالفخر والحماسة وكانت أمه أمة حبشية تسمى زبيبة، وأبوه من سادات بني عبس.\rوكان من عادات العرب ألا تلحق ابن الأمة بنسبها، بل تجعله في عداد العبيد ولذلك كاطن عنترة عند أ[يه منوذاً بين عبدانه، يرعى له إبله وخيله فربأ بنفسه عن خصال العبيد، ومارس الفروسية ومهر فيها، فشب فارساً شجاعاً هماماً وكان يكره من أبيه استعباده له عدم إلحاقه به، حتى أغار بعض العرب على عبس واسةتاقوا إبلهم، ولحقتهم بنو عبس وفيهم عنترة لاستنقاذ الإبل، فقال له أبوه: كر ياعنترة فقال: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر، فقال كر وأنت حر، فقاتل قتالاً شديدياً حتى هزم القوم واستنقذ الإبل، فاستحلقه أبوه. ومن ذلك الوقت ظهر اسمه بين فرسان العرب وساداتها وطال عمر عنترة حتى ضعف جسمه وعجز عن شن الغارات ومات قبيل البعثة.\rشعره: لم يشتهر عنترة أول أمره بشعر غير البيتين والثلاثة، وإنما غلبت عليه الفروسية مكتفياً بها حتى عيره يوماً بعض قومه بسواده وأنه لا يقول الشعر فاحتج لسواده بخلقه وشجاعته، واحتج لفصاحته بنظم معلقته المشهورة التي كانت تسمى المذهبة أيضاً وأولها\rهل غادر الشعراء من متردم\r\rأم هل عرفت الدار بعد توهم\rوقد ضمنها خصاله ومكارم قومه. وحسن دفاعه عنهم ووفرة جوده، معرجاً فيها على أوصاف أمور شتى. ومن قوله في معلقته:\rلما رأيت القوم أقبل جمعهم\r\rيتذامرون كررت غير مذمم\rيدعون عنتر والرماح كأنها\r\rأشطان بئر في لبان الأدهم\r\rمازلت أرميهم بثغرة نحره\r\rولبانه حتى تسربل بالدم\r\rفازور من وقع القنا بلبانه\r\rوشكا إلي بعبرة وتحمحم\r\rلو كان يدري ما المحاورة اشتكى\r\rولكان لو علم الكلام مكلمي\r\rولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها\r\rقيل الفوارس ويك عنتر أقدم\r\rوالخيل تقتحم الخبار عوابساً","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"من بين شيظمة وأجرد شيظم\r\rأثني علي بما علمت فإنني\r\rسمح مخالطتي إذا لم أظلم\r\rفإذا ظلمت فإن ظلمي باسل\r\rمر مذاقته كطعم العلقم\r\rومن جيد قوله:\rبكرت تخوفني الحتوف كأنني\r\rأصبحت عن غرض الحتوف بمعزل\rفأجبتها إن المنية منهل\r\rلابد أن أسقى بكأس المنهل\r\rفاقني حياءك لا أبالك واعلمي\r\rأني امرؤ سأموت إن لم أقتل\r\rإن المنية لو تمثل مثلت\r\rمثلي إذا نزلوا بضنك المنزل\r\rإني امرؤ ن خر عب منصبا\r\rشطري وأحمي سائري بالمنصل\r\rوإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظ\r\rت ألفيتُ خيراً من معمّ مخولِ\r\rوالخيلُ تعلم والفوارس أنّني\r\rفرت جمعهم بضربة فيصل\r\rوالخيل ساهمة الوجوه كأنما\r\rتسقى فوارسها نقعَ الحنظلِ\r\rولقد أبيتُ على الطوى وأظله\r\rحتى أنالَ به كريمَ المأكل\r\r(5) عمر بن كلثوم\rه أبو الأسود عمرو بن كلثوم بن مالك التغلبي، وأمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، نشأ عمرو في قبيلة تغلب بالجزيرة الفراتية وساد قومه وهو ابن خمس عشرة ستة، وقاد الجيوش مظفراً وأكثر ما كانت فتن تغلب مع أختها بكر بن وائل بسبب حرب البسوس، وكان آخر صلح لهم على يد عمر ن هند أحد ملوك الحيرة من آل المنذر، ولم تمضِ مدة حتى حدث بين وجوه القبيلتين مشاحة في مجلس عمرو بن هند قام أثناءها شاعر بكر (الحارث بن حلزة اليشكري) وأنشد قصيدته المشهورة، وما فرغ منها حتى ظهر لعمرو بن كلثوم أن هوى الملك مع بكر، فانصرف ابن كلثوم وفي نفسه ما فيها ثم خطر على نفس ابن هند أن يكسر من أنفة تغلب بإذلال سيدها وهو عمرو بن كلثوم فدعاه وأمه ليلى بنت مهلهل وأغرى هند أم أن تستخدمها في قضاء أمر، فصاحت ليلى، فثار به الغضب وقتل ابن هند لفي مجلسه، ثم رحل توا إلى بلاده بالجزيرة وأنشد معلقته التي أولها:\rألا هبيّ بصحنكِ فأصبحينا\r\rولا تبقى خمورَ الأندرينا","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"ومات قبل الإسلام بنحو نصف قرن.\rشعر ه: لم يشتهر إلا بمعلقة الواحدة التي قامت له مقام الشعر الوفير: لحسن لفظها، وانسجام عبارتها، وعلو فخرها ولعلّ شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر: ومن سامي فخره في معلقته:\rوقد علم القبائلُ من معدّ\r\rإذا قببب بأبطحها بنينا\r\rبأنّا العاصمون إذا قدرنا\r\rوإنا المهلكون إذا ابتلينا\r\rوأنّا المانعون لما أردنا\r\rوأن النازلون بحيث شينا\r\rوأنّا التاركون إذا سخطنا\r\rوأنّا الآخذون إذا رضينا\r\rونشرب إن وردنا الماء صفواً\r\rويشرب غيرنا كدراً وطينا\r\rإذا ما الملك سام الناس خسفاً\r\rأبنيا أن نقر الذلّ فينا\r\rلنا الدنيا ومن أمسى عليها\r\rونبطش حين نبطش قادرينا\r\rبغاةُ ظالمين وما ظلمنا\r\rولكنا سنبدأ ظالمينا\r\rملأنا البر حتى ضاق عنا\r\rوكذاك البحر نملاؤه سفينا\r\rإذا بلغ الرضيع لنا فطاما\r\rتخرُّ له الجبابرُ ساجدينا\r\r(6) طرفة بن العبد\rه8و عمرو بن العبد البكري أقصر فحول الجاهلية عمراً ومال إلى قول الشعر الوقوع ه في أعراض الناس، حتى هجا عمرو بن هند ملك العرب على الحيرة مع أنه كان يتطلب معروفه وجوده، فبلغ عمرو بن هند هجاء طرفة فأصطغنها عليه، حتى إذا ما جاءه هو وخاله المتلمس بتعرضان لفضله أظهر لهما البشاشة وأمر لكل منهما بجائزة وكتب لهما كتابين أحالهما على عامله بالبحرين ليستوفيا منه وبينما هما في الطريق ارتاب المتلمس في صحيفته فعرج على غلام يقرؤها له (مضى طرفة) فإذا الصحيفة الأمر بقتله، فألقى الصحيفة وأراد أن يلحق طرفة فلم يدركه وفر إلى ملوك غسان وذهب طرفة إلى عام البحرين وقتل هناك وعمره نحو ست وعشرين سنة.\rشعره: يجيد طرفة الوصف في شعره مقتصراً فيه على بيان الحقيقة بعيداً عن الغلو والإغراق وكذلك كان هجاؤه على شدة وقه ومطلع معلقته:\rلخولة أطلالٌ ببرقةٍ ثمهدِ\r\rتلوح كباقي الوشم على ظاهر اليد","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"ومنها:\rرأيتُ بني غبراءَ لا ينكرونني\r\rولا أهلُ هاذاك الطراف الممدد\r\rألا أيها ذا اللائمي أخضر الوغى\r\rوأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي\rفإن كنت لا تستطيع دفعَ منيّتي\r\rفدعني أبادرها بما ملكت يدي\r\rإلى أن قال:\rأرى الموت يعتام الكرامَ ويصطفي\r\rعقيلةَ مال الفاحش المتشدد\r\rأرى العيش كنزاً ناقضاً كل ليلة\r\rوما تنقصُ الأيام الدهرُ ينفدِ\r\rلعمرك إن الموت \"ما أخطأ الفتى\"\r\rلكا لطول المرخى وثنياه باليد\r\rمتى ما يشأ يوماً يقده لحتفه\r\rومن يك في حبل المنية ينقد\r\rومن أبياته السائرة:\rوظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة\r\rعلى المرء من وقعِ الحسام المهنَّد\rأرى الموتَ أعداد النُّفوس ولا أرى\r\rبعيداً غداً ما أقرب اليومَ من غد\r\rستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً\r\rويأتيك بالأخبار من لم تزودّ\r\r(7)أعشى قيس","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"هو أبو نصير ميمون الأعشى بن قيس بن جندل القيسي نشأ في بدء أمره رواية لخاله المسيب بن علس وقد عمي وطال عمره، حتى كان الإسلام وعظم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بين العرب، فأعدّ له قصيدة يمدحه بها، وقصده بالحجاز، فلقيه كفار قريش وصدّوه عن وجهه على أ، يأخذ منهم مائة ناقة حمراء ويرجع إلى بلده: لتخوفهم أثر شعره ففعل، ولما قرب من اليمامة سقط عن ناقته فدقت عنقه ومات، ودفن ببلدته منفوحة باليمامة.\rشعره: يعد الأعشى رابعاً لثلاثة الفحول: امرئ القيس، والنابغة وزهير وإن كان يمتاز عنهم بغزارة شعره، وكثر ما روي له من الول لجياد وتفننه في كل فن من أغراض الشعر واشتهر من بينهم بالمبالغة في وصف الخمر، حتى قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب، ولشعره طلاوة وروعة، وليست لكثير من شعره غيره من القدماء ولقوة طعمه وجلبة شعره وسمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخره ينشد معك.\rولجلالة شعره كان يرفع الوضيع خاملاً، ويخفض الشريف النابه، ومنم الذين رفعن شعر الأعشى المحلق، وقد كان أبا ثمان بنات عوانس: رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن فاستضافه على فقره، فمدحه الأعشى ووه بذكره في عكاظ، فلم يمض عام حتى لم تبق جارية منهن إلا هي زوج لسيد كريم وكان الأعشى يتطرف في شعره وده بعضهم من أصحاب المعلقات، وذكر قصيدته التي يمدح بها الأسود الكندي ومطلعها:\rما بكاء الكبير بالأطلال\r\rوسؤالي وما ترد سؤالي\rومن جيد شعره قصيدته التي أعدها لينشدها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدحه فيها فلم يفز بذلك، وأولها:\rألم تغمض عيناك ليلةَ أرمدا\r\rوبتَّ كما بات السّليم مسهّدا\r\rوما ذاك من عشق النسّاء وإنّما\r\rتناسيت قبل اليوم خلّة مهددا\r\rولكن أرى الدهر الذي هو خائن\r\rإذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا\r\rشبابٌ وشيبٌ وافتقار وثروة\r\rفلّله هذا الدهر كيف ترددا","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"وقصيدته في مدح المحلّق أولها:\rأرقتُ وما هذا السُّهاد المؤرقُ\r\rوما بي من سقمٍ وما بي تعشقُ\rومنها:\rلعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة\r\rإلى ضوء نار في اليفاع تحرّق\r\rتشبُّ لمقرورين يصطليانهما\r\rوبات على النار الندي والمحلّق\r\rرضيعي لبان ذدي أمّ تقاسما\r\rبأسحم داج عوض لا نتفرّق\r\rترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه\r\rكما زان متنَ الهندواني رونق\r\rيداهُ يدا صدق فكفُّ مبيدةٌ\r\rوأخرى إذا ما ضنَّ بالمال تنفقُ\r\r(8) الحارث بن حلّزة\rوهو الحارث بن حلّزة اليشكري البكريّ يتصل نسه إلى بكر بن وائل ولم يؤثر عنه غي قطع يسيرة وقصيدته المعلقة التي مطلعها:\rآذنتنا ببينها أسماء\r\rربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواء\rوكان أمر هذه المعلقة أن عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة أصلح بين بكر وتغلب بعد حرب البسوس وخذ من كلا الفريقين رهائن من أبناهم ليكف بعضهم عن بعض، وليقيد منها للمعتدي عليه من المعتدي فحدث أن سرح الملك ركباً من تغلب في بعض حاجته، فزعمت تغلب أن الركب نزلوا على ماء لبكر فأجلوهم، وحملوهم على المفازة فماتوا عطشاً، وتزعم بكر أنهم سقوهم وأرشدوهم الطريق فتاهوا وهلكوا وذهب الفريقان تدافعان عند عمرو بن هند وكانت ضلعه مع تغلب فهاج ذلك الحارث بن حلزة وكان في المجلس مستوراً عن الملك بستارة لما فيه من البرص فارتجل قصيدته ارتجالاً يفتخر فيها بقومه وفعالهم وحسن بلائهم عند الملك وعظم أيامهم معه فما أتم قصيدته حتى انقلب الملك إلى جانب البكريين وقرب الحارث من مجلسه.\rوعمر بن الحارث طويلاً حتى قيل: إنه أنشد هذه القصيدة وعمره خمس وثلاثون ومائة سنة.\rشعره: أكثر الرواة معجبون بارتجال الحارث قصيدته على طولها وإحكامها ومن قوله فيها وهو أوجز وصف للتأهب للارتحال وأوضحه تصويراً للحقيقة.\rأجمعوا أمرهم عشاءً فلمّا\r\rأصبحوا أصبحت لهم ضوضاء","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"من منادٍ ومن مجيب ومن تصه_هال خيل خلالَ ذاك رغاءُ\r(9) لبيد بن ربيعة\rهو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري أحد أشراف الشعراء المجيدين وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن ومضر وأمه عبسية، نشأ لبيد جواداً شجاعاً فاتكاً، أما الجود فورثه عن أبيه الملقب بربيعة المعترين، وأمى الشجاعة والفتك فهما خصلتا قبليته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية وكان من قبليته وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر وعلى العبسيين الربيع بن زياد وعلى العامريين وملاعب الأسنة وكان الربيع مقرباً عند النعمان يؤاكله وينادمه فأوغر صدره على العامريين فلما دخل وفدهم على النعمان أعرض عند فشق ذك عليهم، ولبيد يومئذٍ صغير يسرح إبلهم ويرعاها فسألهم عن خطبهم فاحتقروه لصغره فألح حتى أشركوه معهم فوعدهم أنه سينتقم لهم منه غداً عند النعمان أسوأ انتقام: بهجاء يجالسه بعده ولا يؤاكله فكان ذلك ومقت النعمان الربيع ولم يقبل له عذراً وأكره العامريين وقضى حوائجهم، فكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين سمع معلقته التي أولها:\rعفتِ الديارُ محلُّها فمقامها\r\rبمنّى تأبّد غولها فرجامها\rولما ظهر الإسلام وأقبلت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم جاء لبيد في وفد بني عامر وأسلم وعاد إلى بلاد وحسن إسلامه، وتنسك وحفظ القرآن كله وهجر شعر حتى لم يرو له في الإسلام غير بيت واحد هو:\rما عاتب الحرَّ الكريم كنفسه\r\rوالمرء يصلحه الجليسُ الصالح","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"وبعد أن فتحت الأمصار ذهب إلى الكوفة زمن عمر بن الخطاب، واختارها دار إقامة، وما زال بالكوفة حتى مات في أوائل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقد قيل إنه عاش ثلاثين ومائة سنة.\rشعره: نبغ فيه وهو غلام وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان.\rومن جيد شعره وقوه في معلقته مفتخراً بفعاله وقوله وقومه:\rإنا إذا التقيت المجامع لم يزل\r\rمنا لزازٌ عظيمة جشامها\r\rومقسم يعطي العشيرة حقها\r\rومغذمرٌ لحقوقها هضامها\r\rفضلاً وذو كرم يعين على الندى\r\rسمحٌ كسوبٌ رغائب غنّامها\r\rمن معشر سنّت لهم آباؤهم\r\rولكل قوم سنّة وإمامها\r\rلا يطبعون ولا يبور فعالهم\r\rإذ لا يميل مع الهوى أحلامها\r\rفاقنع بما قسم المليكُ فإنما\r\rقسم الخلائق بيننا علاّمها\r\rوإذا الأمانة قسّمت في معشر\r\rأوفى بأعظم حظنا قسّامها\r\rفبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكه\r\rفسما إليه كهلها وغلامها\r\rفهم السعادة إذا العشيرة أفظعت\r\rوهم فوارسها وهم حكامها\r\rوهم ربيع للمجاور فيهمُ\r\rوالمرملات إذا تطاول عامها\r\rوهم العشيرة إن يبطئ حاسد\r\rأو أن يميل مع العدو لئامها\r\rوقال يرثي أخاه أربد:\rبلينا وما تبلى النجوم الطوامع\r\rوتبقى الديار بعدنا والمصانع\r\rوقد كنت في أكناف جار مضنه\r\rففارقني جارٌ بأربد نافع\r\rفلا جزعٌ إن فرق الدهر بينا\r\rفكل امرئ يوماً به الدهر فاجع\rوما الناس إلاّ كالديار وأهلها\r\rبها يوم خلّوها وراحوا بلاقع\r\rوما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه\r\rيحور رماداً بعد إذ هو ساطع\r\rوما المال والأهلون إلاّ ودائع\r\rولابدّ يوماً أن تردّ الودائع\r\rوما الناس إلا عاملان: فعامل\r\rيتبر ما يبني وآخر رافع\r\rفمنهم سعيدُ آخذ بنصيبه=ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع ومنه قوله في النعمان يرثيه:\rألا تسألان ماذا يحاول\r\rأنحب فيقضي أم ضال وباطل","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم\r\rبلى كل ذي لب إلى الله واسلُ\r\rألا كل شيء ما خلا الله باطل\r\rوكل نعيم لا محالة زائل\r\rوكل أناس سوف تدخل بينهم\r\rدويهية تصفرّ منها الأنامل\r\rوكل امرئٍ يوماً سيعلم غيبة\r\rإذا كشفت عند الإله الحصائل\r\rالرّواية _ الرّواة\rقد علمنا مما تقدم أن عامة المروي من كلام العرب شعرها ونثرها وأخبارها معزو إلى أهل البدو الأميين، ولذلك لم يصل غلينا كتاب يجمع بين دفتيه الكثير منها، وما روي لنا من كلام فصحاء العرب ليس إلا النزر اليسير بوجوه مختلفة وبالطبع لا يحفظ هذه الوديعة إلاّ أهل الحفاظ عليها والاعتداد بها وهم الشعراء والمتأدبون، فقد كان امرؤ القيس رواية ربي دواد الإيادي، وزهير رواية أوس ن حجر والأعشى رواية المسيب بن علس.\rواشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة للأشعار وعلماؤهم بالأنساب وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب.\rالعصر الثاني عصر صدر الإسلام ويشمل بني أميّة\r\"حالة اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر\"","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"كانت العرب أمماً بدوية ليس لها وسائل العمران وأسباب الرخاء ما يحملها على تبحر في علم أو تبصر في دين، أو تفنن في تجارة، أو زراعة أو صنعة أو سياسة، وعلى وفق ذلك كانت اللغة العربية لا تعدوا أغراض المعيشة البدوية إا أن روحاً من الله تنسم بين أرجائها فأيقظها من ردتها، ونبهها لضرورة التعاون على الخير في معاشها ولغتها وجماعتها، فظهر ذلك بيناً في الأسواق التجارية اللغوية الاجتماعية، وفي الإذعان فيها إلى حكومة الأشراف من قريش وتميم وغيرهما،ة مما هيأهم لأن يجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط الجديد إلا ود جاء النبي الكريم لاما لشعثهم موحداً لكلمتهم، مهذباً لطباعهم مبيناً طريق الحق، وجادة الصواب، بشريعة عظيمة.","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"فكان من نتيجة ذلك أن أسست لهم جمعة قومية ملية وملك كبير، وبالتفاف العرب حول صاحب هذه الدعوة وأنصاره، وتفهمهم شرعته وكلامه ثم خضوعهم بعد لزعامة قومه وخلفائه وولاتهم وفتوحهم تحت ألويتهم ممالك الأكاسرة والقياصرة وغيرها ومخالطتهم أهلها بالجوار والمصاهرة.\rالأول: شيوع اللغة القرشية ثم توحد لغات العرب، وتمثلها جميعها في لغة قريش واندماج سائر اللهجات العربي فيها، وبعض أسباب هذا يرجع إلى ما قبل بتأثير الأسواق والحج وحكومة قريش وأكثرها يرجع إلى نزول القرآن بلغتهم، وظهور ذلك الداعي العظيم منهم، وانتشار دينه وسلطانه على أيديهم.\rوبحكم الضرورة تكون لغتهم هي اللغة الرسمية بين القبائل.\rالثاني: انتشار اللغة العربية في ممالك الفرس والروم وغيرهما بالفتوح والمغازي وهجرة قبائل البدو إليها، واستيطانهم، واختلاطهم بأهلها.\rالثالث: اتساع أغراض اللغة منهجاً دينياً، واتباعها خطة نظامية تقتضيها حال الملك وسكنى الحضر.\rالرابع: ارتقاء المعاني والتصورات وتغير الألفاظ والأساليب.\rالخامس: ظهور اللحن في الكلام بين المستعربين: من الموالي وأبناء العرب من الفتيات وبعض العرب المكثرين من معاشرة الأعاجم.\rولما كان معظم هذه التغيرات يرجع إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ناسب وصفهما بقليل من مثير مما ينبغي أن يقال فيهما.\rالقرآن الكريم وأثره في اللغة","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"القرآن (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود:1]، فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائقة، وشرائع راقية، وآدا عالية، بعبارات تأخذ الألباب.\rوأساليب ليس لأحدج من البشر بالغاً مما بلغ من الفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها، أو يفكر في محاكاتها فهو آية الله الدائمة، وحجته الخالدة، (لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، أنزل الله على رسوله ليبلغه قومنه وهم فحول البلاغة، وأمراء الكلام.\rوأباه الضيم، وأربا الأنفة والحمية فيبهرهم بيانه، وأذهلهم افتتانه فاهتدى به من صح نظره واستحصف عقله، ولطف ذوقه، وصد عنه أهل العناد والمكارة واللجاج فتحداهم أن يأتوا بمثله فنكصوا ثم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم بسورة من مثله فانقطعوا فحق عليهم إعجازه قال تعالى: (قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء: 88].\rوللقرآن فضل على اللغة فقد أثر فيها ما لم يؤثره أي كتاب سماوياً كان أو غير سماوي في اللغة التي كان بها، إذا ضمن لها حياة طيبة وعمراً طويلاً، وصانها من كل ما يشوه خلقها ويذوي غضارتها فأصبحت وهي اللغة الحية الخالدة ومن بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها، وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية وأنه قد أحدث فيها علوماً جمة وفنوناً شتى لولاه لم تخطر على قلب، ولم يخطها قلم منها، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبديع، والبيان والأدب والرسم، والقراءات، والتفسير، والأصول، والتوحيد والفقه.\rجمع القرآن وكتابته","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"قد نزل القرآن الكريم على رسول الله صل الله عليه وسلم منجماً تعلى حسب الوقائع ومقتضيات الأحوال في بضع وعشرين سنة، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر كتابة وحيه بكتابة ما ينزل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن كله مكتوب، وفي صدور الصحابة محفوظ، وفي مدة الإمام عثمان كثرت الفتوحات وانتشر القراء في الأمصار فأمر عثمان زيد بن ثابت وعد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ونعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم.\rالحديث النبوي\rكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح الناس وأبينهم وأحكمهم، وكانت حياته كلها هداية ونوراً وأفعاله وأقواله جميعها مدداً يستمد منه الخلق سدادهم وإرشادهم في معاشهم ومعادهم ولهذا حرص المسلمون على حفظ ذلك الأثر العظيم حرصاً لم توفق مثله أمة في حفظ آثار رسولها فجمعوا من كلامه ووف أفعاله وأحواله الأسفار الضخام ووعوا منها في صدورهم ما لا يدخل تحت حصر وكلامه صلى الله عليه وسلم منزه عن اللغو والباطل وإنما كان في توضيح قرآن أو تقرير حكم أو إرشاد إلى خيرا أو تنفير من شر أو في حكمة ينتفع الناس بها في دينهم ودنياهم عبارة هي في الفصاحة والبلاغة والإيجاز والبين بالدرجة الثانية بعد القرآن الكريم ولذلك كان تأثيرها في اللغة والأدب بالمنزلة التالية لكلام الله تعالى.\rالنثر لغة التخاطب الخطابة الكتابة","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"كانت لغة التخاطب في مبدأ الإسلام بين العرب الخلص والموالي النابتين فيهم هي العربية الفصيحة المعرة وكانت لغة الموالي الطارئين عليهم تقرب من الفصيحة أو تبتعد عنها على حسب طول لبثهم فيهم أو قصر مقامهم عندهم ولما فتح المسلمون الأمصار وكثر عندهم سبي الأعاجم وأسرى الحروب ودخل في الإسلام منهم ألوف الألوف وأصبحوا لهم إخواناً وشركاء في الدين وتم بينهم التزاوج والتناسل، نشأ للعرب ذرية اختلطت عليهم ملكة العربية وكذلك كان الشأن في المتعربين من الأعاجم أما العرب أنفسهم عد الفتوح فكانت لغتهم في جزيرتهم مثلما كانت عليه في جاهليتهم، أما سكان الأمصار منهم وأولادهم من الحرائر، فالعامة منهم المخالطون للأعاجم لم تخل لغتهم من لحن أو هجنة، والخاصة منهم تشددوا فالمحافظة على سلائقهم وتحاموا التزوج بالأعجميات وبالغوا في تربية أبنائهم فكانوا يرسلونهم إلى البادية ليرتاضوا على الفاصحة، أو يحضون لهم المؤدبين والمعلمين كذلك كان يفعل خلفاء بني أمية وأمراؤهم اقتداءً بكبيرهم معاوية بن أبي سفيان في تربية ابنه يزيد، ومن لحن منهم تعدوا ذلك عليه عاراً لا يمحى وسبة لا تزول، ومن هؤلاء اللحانين عبيد الله بن زياد والوليد بن عبد الملك وخالد القشري مع أن بعضهم كان من أبلغ الناس وأبينهم.\rومن هنا يعلم السر في تسرع القوم إلى وضع النحو وتدوينه والشكل والأعجام.\rالخطابة في هذا العصر والخطباء","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"لا كان مبدأ كلا انقلاب عظيم في أي أمة: إما دعوة دينية وإما دعوة سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها وألسنة من أعدائها وخصومها لإدحاضها والصد عنها، و ذلك لا يكون إلا بمخاطية الجماعات: وكان ظهور الإسلام من أهم الحوادث التي أنشطت الألسن من عقلها وأثارت الخطابة من مكمنها فوق ما كانت عليه في جاهليتها فكان العمل الأكبر لصاحب الدعوة العظمى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بادئ أمره غير تبليغ القرآن وارداً من طريق الخطابة. ولأمر ما جعلها الشارع سعار كل الأمور ذوات البال، كان دعاة النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه ثم خلفاءه من بعده عمالهم كلهم خطباء مصاقع ولسنا مقاول وأن الشعر صرفهم عن اللهو والشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولاسيما الدينية لشرحها الحقائق وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والوجدانية وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب بعبارات تفهمها الخاصة والعامة وكان لهم من القرآن أدلته وحجته والاقتباس منه مدد أيما مدد.\rولما حدثت الفتنة بن المسمين بعد مقتل عثمان، وافترقوا إلى عراقيين بزعامة علي وشاميين بزعامة معاوية ولكل منهم دعوة يؤيدها ورغبة يناضل عنها في تلك الحرب الشعواء التي لم ينكب الإسلام بمثلها، ظهر من كلتا الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم ولا يشق غبارهم ، وعلى رأس العراقيين شيخ الخطباء علي بن أبي طالب وعلى رأس الشاميين معاوية بن أبي سفيان ولم يعدم كل طائفة خطباء يؤيدون دعوتها بما أتوا من البلاغة في الخطابة والفصاحة والبيان.\rوالخطابة وصلت في هذا العصر إلى أرقى ما وصلت إليه في اللسان العربي حتى ممن يعد عليهم اللحن ولم تسعد العربية بكثرة خطباء ووفرة خطب ومثل ما سعدت به في هذا الصدر الأول.\rإذا كان القوم ورؤساؤهم عرباً خلصاً يسمعون القول فيتبعون أحسنه.\rولم يخرج الخطباء عن مألوفهم من اعتجار العمامة والاشتمال بالرداء","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"واختصار المخصرة والخبطة من قيام.\rوليس في عصور أدب اللغة من عصر أحفل بالخطباء من هذا العصر: إذا كانت الخطابة فيه سلسة القياد على خلفائه وزعمائه: لفطرتهم العربية ومحلهم من الفصاحة والبيان وانطباعهم على أساليب القرآن واتساع مداركهم.\rأبو بكر الصديق رضي الله عنه\rهو أبو بكر عبد الله عتيق بن أبي قحافة عثمان صاحب رسول الله وأول الخلفاء الراشدين.\rويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ولد بعد مولد رسول الله لسنتين وبضعة أشهر ونشأ من أكرم قريش خلقاً وأرجحهم حلماً وأشدهم عفة وكان أعلمهم بالأنساب وأيام العرب ومفاخرها، صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وكان أول من آمن به من الرجال وصدقه في كل ما جاء به: ولذلك سمي بالصديق وهاجر معه إلى المدينة وشهد معه أكثر الغزوات وما زال ينفق ماله وقوته في معاضدته حتى انتقل صلى الله عيه وسلم إلى الرفيق الأعلى واختلفت العرب وارتدت عن الإسلام فجرد عليهم الجيوش حتى قمعهم وما مات إا وجيوشه تهزم جيوش الفرس والروم وتسولي على مدائنهم وحصونهم وكانت وفاته سنة 13ه? ومدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.\rوكان فصيحاً بليغاً خطيباً مفوهاً قوي الحجة شديد التأثير يشهد بذلك خطبته يوم السقيفة (وذلك أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الصحابة فيمن يبايعونه خليفة عليهم: فابت الأنصار إلا أن يكون الخليفة منهم وأبى المهاجرون من ريش إلا أن يكون منهم واشتد النزاع حتى كادت تقع الفتنة فخطبهم خطبة لم يلبث الجمع بعدها أن بايعوه خليفة) وهي: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن قال تبارك وتعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة: 100] فنح المهاجرون وأنتم الأنصار: إخواننا في الدين.\rوشركاؤنا في الفيء وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم جزاكم الله خيراً نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.\rوخطب أيضاً حين بايع الناس البيعة العامة.\rحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا أتن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.\rوخطب أيضاً الناس فقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم) أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدي الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنه من يطع لله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح، وأدى الذي عليه من الحق، وإياكم واتباع الهوى، افقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر! وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليوم حي وغداً ميت؟ فاعلموا يوماً بيوم، وساعة ساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا، فإن العمل كله بالصبر، واحذروا، والحذر ينفع واعملوا، والعمل يقبل، واحذروا ما حذركم اله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا، واتقوا، وتوقوا فإن الله قد بيتن لكم ما أهلك به من كلن قبلكم، وما نجي به من نجى قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يجب من الأعمال، وما يكره، فإني لا ألومكم ونفسي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من قبل أعمالكم فربكم","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"أطعتم وحظكم وحفظتم واعتبطتم، وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا سلفكم وتعطوا جرايتكم حيث فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد ردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء أو السعادة فيما بعد الموت، أن الله له شريك وليس بينه وبين أحد من خله نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته اتباع أمره فلأنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة.\rعمر بن الخطاب رضي الله عنه","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"هو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي ثاني خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من تسمى من الخلفاء بأمير المؤمنين وأول من أرخ بالتاريخ الهجري ومصر الأمصار ودون الدواوين.\rولد رضي الله عنه بعد مولد النبي صلى اله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة وحضر مع رسول الله الغزوات كلها، ثم لما قبض أعان أبا بكر على تولية الخلافة، ولما أحسن أبو بكر بالموت، عهد بها غليه، فقام بأعبائها خير قيام وأتم جميع ما شرع فيه أبو بكر: من فتح ممالك كسرى وقيصر.\rوقتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة: لأنه لم ينصفه على زعمه في تخفيض ما يدفعه لسيده من أجره عمله، وكان قتله سنة 23ه? ومدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وكان رحمه الله من أبين الناس منطقاً، وأبلغهم عبارة وأكثرهم صواباً وحكمة وأرواهم للشعر، وأنقدهم له.\rومن خطبه خطبته إذ ولي الخلافة.\rصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا آيها الناس، إني داع فأمنوا اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك الدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني ولا اعتداء عليهم، واتللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف قصداً من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، واللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وكذر الموت في كل حين، اللهم إني ضعيف عن العمل طاعتك فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك، والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، واللهم ارزقني التفكير والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له والمعرفة وبمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت، إنك على","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"كل شيء قدير.\rومن خطبه في ذم الدنيا: إنما الدنيا أمل مخترم وأجل منتقض وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه، بئس الجار الغني يأخذك بما لا يعطيك من نفسه فإن أبيت لم يعذرك، إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم في قوتكم فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.\rعثمان بن عفان رضي الله عنه\rهو أمير المؤمنين عثمان بن عفان القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين وموجد نسخ القرآن المبين، ولد في السنة السادسة من مولد النبي صلى الله عليه وسلام وآمن في السابقين الأولين، وبذل ماله الكثير في تأييد الإسلام ومعونة المجاهدين وهد مغازي رسولا الله كلها إلا بدراً وقد كان عمر قبل وفاته عهد إلى ستة هو منهم تنتخب الأمة أحدهم خليفة، فانتبخوا عثمان فأكمل مغازي عمر ثم ثار عليه بعض الأعراب بحجة أنه يؤثر أقرباءه بولاية الأقاليم، فحاصروه في داره بالمدينة وقتلوه وهو يتلو القرآن الكريم سنة 33ه? ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً.\rوكان رحمه الله من بلغاء الخلفاء وأوجزهم لفظاً وأجزلهم معنى وأسلسلهم عبارة ومن خطبه خطبته بعد أن بويع وهي بعد الحمد والثناء: أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت، ألا ,اني متبع ولست بمتدع، ألا وأن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف إا فيما استوجبتم، ألا وأن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس ومال إليها منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها.\rومن خطبه أيضاً وهي آخر خطبة خطبها:","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"أما بعد: فإن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها لآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها، الدنيا تفنى والآخر ة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وأن المصير إلى الله، اتقوا الله عز وجل فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران: 103].\rعليّ بن بي طالب رضي الله عنه","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي ن أبي طالب، وابن عم رسول وزوج ابنته ورابع الخلفاء الراشدين ولد رحمه الله بعد مولد النبي باثنتين وثلاثين سنة، وهو أول من آمن من الصبيان، وكان شجاعاً لا يشق له غبار، وشهد الغزوات كلها مع النبي إلا غزوة تبوك، وأبلى في نضرة رسول الله ما لم يبله أحد، ولما قتل عثمان بايعه الناس بالحجاز وامتنع من بيعته عاوية وأهل الشام شيعة بني أمية غضباً منهم لمقتل عثمان وقلة عناية علي بالبحث عن معرفة القتلة على حسب اعتقادهم، فحدث من جراء ذلك الفتنة العظمى بين المسلمين وافتراقهم إلى طائفتين فتحاربوا مجدة من غير أن يستتب الأمر لعلي أو معاوية حتى قتل أحد الخوارج علياً غيلة بمسجد الكوفة سنة 40ه?.\rوكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.\rوكان رحمه الله أفصح الناس بعد رسول الله، وأكثرهم علماً وزهداً وشدة في الحق، وهو إمام الخطباء من العرب على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبه كثيرة: منها خطبته كرم الله وجهه بعد التحكيم وهي: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجلل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه غله غيره، وإن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم (أما بعد) فإن معصية الناصح الشفيق العالم لمجرب تورث الحيرة وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، ولو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوزان:\rأمرتهم أمري بمنعرج اللّوى\r\rفلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"ومن خطبه له حين خاطبه العباس وأبو سفيان وفي أن يبايعا له بالخلافة.\rأيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وتعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا عن تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإن أقل يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجن على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة.\r?سحبان أوائل\rهو سحبان بن زفر بن إياد الوائلي، الخطيب المصقع، المضروب به المثل في البلاغة والبيان في الجاهلية ولما ظهر الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى التحق بمعاوية فكان يعده لملمات، ويتوكأ عليه المفاخرة.\rقدم على معاوية وفد فطل سحبان ليتكلم فقال: أحضروا لي عصاً قالوا وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه فضحك معاوية وأمره بإحضارها ثم خطب من صلاة الظهر وإلى أن حانت صلاة العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف لا تلكأ وابتدأ في معنى وخرج منه وقد قي منه شيء حتى دهش منه الحاضرون فقال معاوية: أنت أخطب العرب: قال سحبان: والعجم والجن والأنس.\rوكان سحبان إذا خطب يسيل عرقاً، ومات في خلافة معاوية سنة 54ه? ومما يؤثر من خطبه قوله: إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، أيها الناس فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها ما خلتهم إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك؟ وقال الملائكة ما قدم؟ قدموا بعضاً يكون لكم ولا تخلفوا كلاً يكون عليكم.\r?زياد بن أبيه","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"هو أحد دهاة العرب وساستها وخطاها وقادتها أمه سمية أمة الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب وقد قرنها بعبد له رومي يدعى عبيداً فولدت سمية زياداً علت فراش عبيد هذا (في السنة الأولى من الهجرة) فنشأ غلاماً فصيحاً شجاعاً فما افتتحت العرب الممالك والأمصار حتى عرف منه ذلك فاستكتبه أبو موسى اشعري والي البصرة من قبل عمر.\rولما ولي أمير المؤمنين علي الخلافة اضطرب عليه فارس فسار إليها زياد بجمع وتمكن بخداعه من إيقاع الشقاق بين رؤساء المشاغبين، ومازال يضرب بعضهم ببعض حتى سكنت ثورتهم، وبقي يتولى لعلي الأعمال حتى قتل علي فخافه معاوية فأرسل إليه المغير بن شعبة يستقدمه فقدم عليه فادعاه أخاً له واستلحقه بنبس أبيه أبي سفيان وصار يسمى زياد بن أبي سفيان بدل زياد بن عبيد أو(ابن سمية أو ابن أبيه).\rوولاه معاوية العراقين وهو أول من جمع له بينهما فسار في الناس سيرة لم بها الشعث وأقام بها المعوج وكبح الفتنة واشتط في العقوبة وأخذ بالظنة وعاقب على الشهة حتى شمل خوفه جميع الناس فأمن بعهم بعضاً وكان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأبى صاحبه فيأخذه بل كان لا يغلق أحد بابه وكان زياد يقول: (لو ضاع حبل بيني وبين خراسان لعرفت آخذه) وكان مكتوباً في مجلس عنوان سياسته وهي (الشدة في غير عنف واللين في غير ضعف المحسن سيجازى بإحسانه والمسيء يعاقب بإساءته) وتوفي بالكوفة في رمضان سنة 53ه?.\rومن خطه البليغة خطبته حين قدم إلى البصرة وهي: أم بعد فإن الجهلاء والضلالة العمياء والغي والموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم: من الأمور التي بنيت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول إنه ليس منكم إلا من طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر والضعيفة المسلوبة في النهار تنصر، والعدد غير قليل، والجميع غير مفترق، ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة! وباعدتم الدين، تعتذرون بغير لعذر، وتغضون على النكر، كل امرئ منكم يرد عن سفيهه، صنع من لا يخاف عقاباً ولا يرجو معتاداً، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكن دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخير بالأرض هداماً وإحراقاً إني رأيت اجر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لينفي غير ضعيف، وشدة في غير عنف، وأني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطبع بالمعاصي، وتى يلقى الرجل أخاه فيقول: \"انج سعد فقد هلك سعيد\" ا, تستقيم لي بيني وبين قوم إجن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، غني لو علمت ن أحدكم قد قتلاه السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولن أهتك له سراً، حتى يبدي لي صفيحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبئس، أيها الناس أنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي حولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا.\rالحجاج\rهو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي أحد جبابرة العرب وساستها وموطد ملك بني أمية وأحد البلغاء والخطاء ولد سنة 41ه?.\rوخدم الحجاج بولايته عبد الملك بن مروان، وابنيه الوليد وسليمان حتى كان ملكه ما بين الشام والصين ومات سنة 95ه? في عهد سليمان في مدينة واسط بالعراق.","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"وكان الحجاج آية في البلاغة وفصاحة اللسان وقوة الحجة، قال الأصمعي أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل، الشعبي وعبد الملك بن موان والحجاج بن يوسف وابن القرية: والحجاج أفصحهم ومن مآثره اهتمامه بوضع النقط والشكل للمصحف وغيره ونسخه عدة مصاحف من مصاحف عثمان وإرسالها إلى بقية الأمصار ومن خطبه المشهورة خطبته لما قدم أميراً على العراق فإنه دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفه متنكباً قوساً يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض ثم قال:\rأنا ابن جلا وطلاّع الثنايا\r\rمتى أضع العمامة تعرفوني\rثم قال: يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني ناظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال:\rهذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم\r\rقد لفها الليل بسواقٍ حطم\r\rليس براعي إبل ولا غنم\r\rولا بجزار علي ظهر وضم\rقد لفّها الليل بعصلبيّ\r\rأروع خرّاج من الدوي\r\rمهاجر ليس بأعرابي\r\rقد شمرت عن ساقها فشدّوا\r\rوجدّت الحربُ بكم فجدّوا\r\rوالقوس فيها وترٌ عرد\r\rمثل ذراع البكر أو أشد\r\rلابدّ مما ليس منه بدّ","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً فرماكم ربي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: 112] وإني والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت.\rوإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أب صفرة، وأني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه.\rطارق بن زياد\rهو أحد قواد جيوش الوليد بن عبد الملك، كان خطيباً مصقعاً مقداماً، بعيد الهمة يعشق وتصبو نفسه إلى الفتوحات، خرج من المغرب سنة 92ه? باثني عشر ألف جندي من مواطنيه يقلهم أسول قوي قد جهز لذلك وعبر البحر إلى إسبانيا لفتحها، وفلما علم رودريك ملكها بقدوم المسلمين إلى بلاده قابلهم بجيش عظيم هالت طارقاً كثرة عدده وكمال عُدده، فبادر وأحرق أسطوله ليقطع أمل أصحابه في الروع وقال لهم (أيها الناس الخ) فاندفعوا على الإسبان اندفاع اليائس وهزموهم شر هزيمة، ثم والى طارق فتوحاته في إسبانيا حتى قبض على رودريك آخر ملوك الفيزيغوط بها وقتله سنة 94ه? وبعد ذلك بسنة استقدمه الوليد إلى دمشق إلى أن مات سنة 101 وها هي خطبته.","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"أيها الناس أين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتكم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفة الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين وعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم (لذريق) فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فأخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا لهم من فتح هذه الجزيرة بقتله.\rالكتابة خطية وإنشائية الكتابة الخطة كان الخط في مبدأ ظهور الإسلام هو الخط الأنباري الحيري، المسمى بعد انتقاله إلى الحجاز بالحجازي، وزهو أصل النسخ، وكان يكتب به النزر اليسير من العرب عامة وبضعة عشر من قريش خاصة، وفلما","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"انتصر النبي صلى الله عليه وسلم على قريش في يوم بدر وأسر منهم جماعة كان فيهم بعض الكتابة، فقبل الفداء من أمييهم وفادى الكاتب منهم بتعليمهم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين وحض النبي عل تعلمها ومن أشهر كتاب الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولما فتح المسلمون المملك ونزلت جمهرة الكتاب منهم الكوفة عنوا بتجويد لخط العربي وهندسة أشكاله حتى صار خط أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخط الحجازي واستحق أن يسمى باسم خاص وهو (الكوفي).\rوكان الصحابة وتابعوهم من بني أمية يكتبون بلا إعجام ولا شكل إلا قليلاً اعتماداً منهم على معرفة المكتوب إليهم باللغة واكتفائهم بالرمز القليل في قراءة اللفظ فلما فسد اللسان باختلاط العرب بالعجم وظهر اللحم والتحريف في الألسنة أشفق المسلمون عل تحريف كلم الكتاب الكريم فوضع أبو الأسود الدؤلي علامات في المصاحف (بصبغ مخالف) فجعل علامة الفتحة نقطة فق الحرف والكسرة أسفله والضمة نقطة من الجهة اليسرى وجعل التوين نقطتين، وكان ذلك في خلافة معاوية.\rووضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر الحجاج نقط الإحجام بنفس المداد الذي يكتب به الكلام وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ثم شاع في الناس بعد.\r?الكتابة الإنشائية قسمان كتابة رسائل ودواوين وكتابة وتدوين وتصنيف\r(1) \"كتابة الرسائل والدواوين\"","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"كان زعمكاء العرب وفصحاؤهم كلهم كتاباً ينشئون بملكتهم ولو لم خطوا بيمينهم فكان النبي وأصحبه وخلفاؤه يملون كتبهم على كتابهم بعبارتهم وبعضهم يكتبها بيده، ولما اتسعت موارد الخلافة أصبحت في حاجة إلى إنشاء الدواوين لضبط ذلك، فكان عمر أول من دون الدواوين.\rوكان كتاب الرسائل لخلفاء وعمالهم إما عرباً أو موالي يجيدون العربية، أما كتاب الخراج ونحوه فكانوا من كل إقليم من أهله يكتبون بلغتم، ولما نبغ من العرب من يحسن عملهم حولت هذه الدواوين إلى العربية زمن عبد الملك بن مروان والوليد ابنه وجرى الخلفاء بني أمية في كتابة الرسائل على ما كان عليه الأمر زمن الخلاء الراشدين.\rثم اتسعت رقعة المملكة وقرت أمور الدولة ازدادت الأعمال وشغل الخلفاء عن أن يولوا الكتابة بأنفسهم أو بخاصة عشيرتهم، عهدوا بها إلى كبار كتابهم، وكان كثير منهم يعرف اللغة الرومية أو الفارسية أو اليونانية أو السريانية وهي لغات أمم ذات حضارة وعلوم ونظام ورسوم.\rومن هؤلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك أحد الواضعين لنظام الرسائل، وأستاذ عبد الحميد الكاتب الذي آلت إليه زعامة الكتابة الآخر الدولة الأموية.\r(2) مميزات الكتابة الإنشائية\rوتمتاز الكتابة في هذا العصر بالميزات الآتية: (1) الاقتصار في أغراضها على القدر الضروري، والاقتصار في معناها على الإلمام بالحقائق وتوضيحها بلا مبالغة ولا تهويل، واستعمال الألفاظ الفحلة والعبارات الجزلة، والأساليب البليغة إذا كان الكاتب والمكتوب إليه عرباً فصحاء.\r(2) مراعاة الإيجاز غالباً إلا حيث يستدعي الحال الإسهاب، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء عبد الحميد الكاتب آخر الدولة الأموية، فأسهب الرسائل وأطال التحميدات في أولها، وسلك طريقه من أتى بعده.\rالكتاب\rكتاب هذا العصر كثيرون، وقد كانت الخلفاء والأمراء والقواد كلهم كتاباً بلغاء، ولما صارت الكتابة صناعة، تداولها كثير من الأعاجم وغيرهم: واشتهر من بين هؤلاء.","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"عبد الحميد بن يحيى الكاتب\rهو عبد الحميد بن يحيى بن سعيد العامري الشامي شيخ الكتاب الأوائل.\rكان عبد الحميد في أول أمره معلم صبيان حتى فطن له مروان بن محمد أيام توليته أرمينية فكتب له مدة ولايته حتى إذا بلغه مبايعة أهل الشام له بالخلافة سجد مروان له شكراً وسجد أصحابه إلا عبد الحميد، فقال مروان لم لا تسجد؟ فقال ولم أسجد؟ أعلى أن كنت معنا فطرت عنا، قال إذا تطير معي قال الآن طاب لي السجود وسجد، فاتخذه مروان كاتب دولته.\rلما دهمت مروان جيوش خراسان أنصار الدعوة العباسية وتوالت عليه الهزائم كان عبد الحميد يلازمه في كل هذه الشدة، فقال له مروان قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له: إن الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك وأنشد:\rأسرُّ وفاء ثم أظهر غدرة\r\rفمن لي بعذرٍ يوسع الناس ظاهره\rوبقي معه حتى قتل مروان سنة 132 ه?، وأخذ عبد الحميد إلى السفاح فقتله سنة 132ه?.\rمنزلته في الكتابة\rهو الأستاذ الأول لأهل صناعة كتابة الرسائل وذلك أنه أول من مهد سلبها، وميز فصولها، وأطالها في بعض الشؤون، وقصرها في بعضها الآخر وأطال التحميدات في صدرها وجعل لها صوراً خاصة ببدئها وختمها على حسب الأغراض التي تكتب فيها، ويقال إنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان كتاباً يستجلبه وضمنه ما لو قرئ لأدى إلى وقوع الخلاف والفشل، وقال لمروان: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره فإن يك ذلك وإلا فالهلاك، وكان الكتاب لكبر حجمه يحمل على جمل، فلما وصلا الكتاب إلى داهية خراسان أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه وكتب على جذاذة منه إلى مروان:\rمحا السيف أسطارَ البلاغة وانتحى","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"عليك ليوثُ الغاب من كلّ جانب\r\r3 التدوين والتصنيف\rانقضى زمن الخلفاء الراشدين ولم يدون فيه كتاب إلا ما كان من أمر المصحف، وكان مرجع الناس في أمر دينهم دنياهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإذا اشتبه عليهم أمر من أمور الدين رجعوا إلى الخلفاء وفقهاء الصحابة.\rثم لما انتشر الإسلام زمن بني أمية واختلطت العرب ففسدت فيهم ملكة اللسان العربي وفشا اللحن وأشفقوا على القرآن من التحريف وعلى اللغة من الفساد دونوا النحو وكان أول من كتب فيه أبو الأسود الدؤلي وقد تلقى مبادئه عن الإمام علي، وأخذ عنه فتيان البصرة وخصوصاً الموالي إذ كانوا أحوج الناس إلى النحو واشتغل أهل الكوفة به ب أن فشا بالبصرة ولم ينقض هذا العصر حتى استغل به طبقتان من البصريين وطبقة من الكوفيين، ثم لما حدثت الفتن وتعددن المذاهب والنحل وكثرت الفتاوى والرجوع فيها إلى رؤساء ومات أكثر الصحابة، خافوا أن يعتمد الناس على رؤسائهم ويتركوا سنة رسول الله فأذن أمي المؤمنين عمر بن عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في تدوين الحديث، انقضى هذا العصر ولم يدون فيه من علوم اللغة والدين غير النحو وبعض الحديث وبعض التفسير، وأما العوم الأخرى فيروى أن خالد بن يزيد بن معاوية حبب إليه مطالعة كتبا لأوائل من اليونان فترجمت له ونبغ فيها ووضع كتباً في الطب والكيمياء، وأن معاوية استقدم عبيد بن شربة من صنعاء فكتب له كتاب \"الملوك وأخبار الماضين\" وإن وهب بن منبه الزهري وموسى بن عقبة كتباً في ذلك أيضاً كتباً، وأن زياد بن أبيه وضع لابنه كتاباً في مثال قبائل العرب، وأن ماسرجويه متطبب البصرة تولي في الدولة المروانية ترجمة كتاب أهرون بن أعين من السريانية إلى العربية وأن يونس الكاتب بن سليمان ألف كتاباً في الأغاني ونسبتها إلى من غنى فيها ولم يلغ التصنيف شأواً يذكر.\rالشعر والشعراء في هذا العصر","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"جاء النبي الكريم، والشعر ديون العرب، فأتاهم بالأمر العظيم والحادث الخطير، حاملاً بإحدى يديه القرآن يدعو الناس إلى توحيد الله والتمسك بالفضيلة وشاهراً بالأخرى سيف الحق لحماية هذه الدعوة وما كان أشد ذهولهم لخطبهما وانزعاجهم من وقعها، فهبوا يتحسسون الأول ويتمرسون أساليبه ومعانيه ويتفرسون ألفاظه ومغازيه، وما بين معاند تلمس مطعناً فيه، ومؤمن يستبينه ويهديه، وتأهبوا للثاني: ما بين ضال يناوئه، ومهند يعاضده، فصار لك صارفاً لهم عن التشاغل بالشعر محولاً مجرى أفكار المؤمنين منهم عن أكثر فنونه المتحرفة عن سنن الشرف والحق، وبغض إليهم تلك الفنون المرذولة إزراء القرآن على الشعر بقوله: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ {224} أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ {225} وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ {226} إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 224 227] ولهذا لم يكف شعراء المسلمين عن قوله فيما يطابق روح القرآن.\rولبث الحال على ذلك مدة حياة النبي الكريم، حتى إذا ما ثاروا لإسكان فتن أهل الردة وفتح الممالك والأمصار، وأضافوا إلى ما ألفوه من أغراض الشعر الإكثار من التباهي بالنصر، ووصف المعارك، وأحوال الحصار وآلات القتال ولما آل الأمر إلى بني أمية وشغب عليهم كثير من فرق المسلمين أصبح الشعر لساناً يعبر عن مقاصد كل حزب، حتى أصبح حرفة عتيدة، وصناعة جديدة ومورد ثروة وأصبحت دراسته ونقده وروايته ودأب العلماء والأدباء حتى الخلفاء وأولياء عهودهم ويمكن وصف ما كان عليه الشعر في هذا العصر من حيث أغراضه ومعانيه وتصوراته وعبارته بما يأتي:\rأغراض الشعر وفنونه","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"1 نشر عقائد الدين وحكمه ووصاياه والحث على اتباعه.\rوخاص زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.\r2 التحريض على القتال ووصفه والترغيب في نيل الشهادة رفعاً لكلمة الله، وذلك في أزمان غزوات النبي وحصار المدن وفتحها.\r3 الهجاء: وكان أولاً في سبيل الدفاع عن الإسلام بهجو مشركي العرب بما لا يخرج عن حد المروءة، وبما رضيه النبي حسان شاعره في هجاء قريش وعشيرة النبي من بني عبد مناف.\rوكان يتحرج عنه المسلمون ولو التعريض زمن النبي وخلفائه: ولذل عاقب عمر أمير المؤمنين الحطيئة وهدده بقطه لسانه لنيله من بعض المسلمين: ثم صار يتساهل في خطبه حتى كان الهجاء غاية براعة الشاعر وإن لم يصل في الإقذاع والفحش إلى الحد الذي وصل إلي في العصر الآتي.\r4 المدح: وقلما كان مبدأ الإسلام فير غير النبي من حيث الاهتداء بهديه ونشر الحق على يديه، وكان خلفاؤه يأنفون مدحهم بما تزهي به نفوسهم تواضعاً.\rثم استرسل الشعراء فيه وقبل ذلك منهم الخلفاء إلى أن كان المدح من أهم الدعائم التوطيد أركان الدولة وتفخيم مقام الخلفاء والولاة والإرشاد بعظمتهم.\rمعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه\rلم يخرج شعراء هذا العصر في جملة تصورهم وتخيلهم عما ألفوه زمن الجاهلية وإن فاقوهم كثيراً في ترتبي الفكر وتقريب المعنى إلى الأذهان والوجدان بما هذب نفوسهم ورقق طباعهم من دراسة كتاب الله وحديث رسول الله، وكذلك لم يخرجوا جملة في هيئة تأليف اللفظ ونسجه ومتانة أسلوبه عن نظائرهم في الجاهلية، وإنما آثروا جزالة اللفظ وفخامته ومؤالفته لسابقته ولاحقه دون غرابته كما آثروا جودة الأسلوب ومتانته وروعة تأثيره ولاسيما أهل النسيب: ولم يطرأ على أوزان الشعر العربي حدث غير ما عرف عنه في الجاهلية وإنما شاع في هذا العصر نظم الأراجيز والتطويل فيها، واستعمالا في جميع أغراض القصيد، حتى في افتتاحها بالنسيب والتخلص منه إلى المدح والذم ونحو ذلك.\r\rالشعراء","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"شعراء ةهذا العصر ممن خلصت عربيتهم واستقامت ألسنتهم ولم يمتد إليهم اللحن، ولد زادتهم مدرسة القرآن الكريم فصاحة وبلاغة وإحكاماً وإتقاناً حتى فضلهم بعض الرواة على سابقيهم من الجاهلين، ومن أشهر شعراء هذا العصر كعب بن زهير، والخنساء، والحطيئة، وحسان ن ثابت، والنابغة الجعدي، وعمر بن أبي ربيعة، والأخطل، والفرزدق، وجرير، والكميت، وجميل، وكثير، ونصيب والراعي، وذو الرمة.\r(1) كعب بن زهير\rهو كعب بن زهير بن أبي سلمى أحد فحول المخضرمين ومادح النبي ولما ظهر الإسلام ذهب أخوه بجير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب كعب لإسلامه وهجاه وهجا رسول الله وأصحابه، فتوعده النبي صلى الله عليه وسلم وأهدر دمه فحذره أخوه العاقبة إلا أن يجيء إلى النبي مسلماً تائباً، فهام كعب يترامى على القبائل أن تجيره فلم يجره أحد، فلما ضاقت الأرض في وجهه جاء أبا بكر رضي الله عنه بالمدينة وتوسل به إلى الرسول فأقبل هو عليه وآمن وأنشده قصيدته المشهورة:\rبانت سعادُ فقلبي اليوم متبول\r\rمتيم إثرها لم يفد مكبول\r\rفخلع عليه النبي بردته فبقيت في أهل بيته حتى باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفاً، ومات سنة 24ه?.\rشعره: كان كعب من الشعراء المجيدين المشهورين بالسبق وعلو الكعب في الشعر، وكان خلف الأحمر أحد علماء الشعر يقول: لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب، وكفاه فضلاً أن الحطيئة مع ذائع شهرته رجاه أن ينوه به في شعره فقال:\rفمن للقوافي شأنها من يحوكها\r\rإذا ما مضى كعب وفوز جرول\rومن شعره قوله في قصيدته بانت سعاد:\rوقاتل كل خليل كنت آمله\r\rلا ألهينّك إني عنك مشغول\r\rفقلت خلّوا سبيلي \"لا أبالكم\"\r\rفكل ما قدر الرحمن مفعول\r\rكل ابن أنثى وإن طالت سلامته\r\rيوماً على آلة حدباء محمول\r\rنبئت أن رسول الله أوعدني\r\rوالعفو عند رسول الله مأمول\r\rمهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل\r\rلا تأخذني بأقوال الوشاة ولم\r\rأذنبْ وقد كثرت فيَّ الأقاويل\r\rومن قوله:\rلو كنت أعجب من شيء لأعجبني\r\rسعيّ الفتى وهو مخبوء له القدر\rيسعى الفتى لأمور ليس يدركها\r\rوالنفس واحدة والهمُّ منتشر\r\rفالمرءُ ما عاش ممدود له أملٌ\r\rلا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر\r\rومن قوله أيضاً:\rإن كنت لا ترهب دمي لما\r\rتعرف من صفحي عن الجاهل\rفاخش إذ أنا منصت\r\rفيك لمسوع خنا القائل\r\rفالسّامع الدم شريك له\r\rومطعم المأكول كالآكل\r\rمقاله السُّوء إلى أهلها\r\rأسرع من منحدر سائل\r\rومن دعا الناس إلى ذمّه\r\rذموه بالحقّ وبالباطل\r\r(2) الخنساء","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب. كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً،وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام وفدت مع قومها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده.\rوما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة 24ه?.\rشعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها:\rقذى بعينيك أم بالعين عوّار\r\rأمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ\rلولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها:\rإن الزمان (وما يفنى له عجبُ)\r\rأبقى لنا ذنباً واستوصل الراس\rإن الجديدين في طول اختلافهما\r\rلا يفسدان ولكن يفسد الناس\r\rومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً:\rأعيني جودا ولا تجمدا\r\rألا تبكيان لصخر النَّدى\r\rألا تبكيان الجريء الجميل","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"ألا تبكيان الفتى السّيدا\r\rرفيع العماد طويل النّجا\r\rد ساد عشيرته أمردا\r\rإذا القوم مدوا بأيديهم\r\rإلى المجد مدّ إليه يدا\r\rفنال الذي فوق أيديهم\r\rمن المجد ثم انتمى مصعدا\rيحملّه القوم ما عالهم\r\rوإن كان أصغرهم مولدا\r\rوإذن ذكر المجد ألفيته\r\rتأزّر بالمجد ثم ارتدى\r\rومن قولها ترثيه أيضاً:\rألا يا صخر إن أبكيت عيني\r\rفقد أضحكتني زمناً طويلاً\r\rدفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ\r\rفمن ذا يدفع الخط الجليلا\r\rإذا قبح البكاء على قتيل\r\rرأيتُ بكاءك الحسن الجميلا\rومن بديع قولها:\rيذكرني طلوع الشمس صخراً\r\rوأذكره لكل غروب شمس\r\rفلولا كثرةُ الباكين حولي\r\rعلى إخوانهم لقتلت نفسي\r\rولكن لا أزال أرى عجولاً\r\rونائحة تنوح ليوم نحس\r\rهما كلتاهما تبكي أخاها\r\rعشية رزئه أو غبّ أمس\r\rوما يبكين مثل أخي ولكن\r\rأسلي النفس عنه بالتأسيّ\r\rفقد ودّعت يوم فراق صخر\r\rأبي حسان لذاتي وأنسي\r\rفيا لهفي عليه ولهف أمي\r\rأيصبح في الضّريح وفيه يمسي\r?(3) الخطيئة\rهو أبو بكر جرول الحطيئة العبسي، نشأ كما قال الأصمعي جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين، وعاش الحطيئة مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ولم يكن له صحية برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاش متنقلاً في القبائل يمدح تارة ويذم تلك أخرى، وينتسب إلى عس طوراً وطوراً إلى ذهل ويهجو اليوم من يمدحه بالأمس، وكل قبيلة تخطب وده وتنقي شر لسانه حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حبس الحطيئة فما زال يستشفع إليه الناس وقول الشعر حتى أطلقه وهدده بقطع لسانه إن هجا أحداً، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت عمر، وبقي كذلك حتى مات أوائل خلاف معاوية.","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"شعره: لولا ما وصم به الحطيئة من خسة النفس ودناءة الخلق وجهالة النسب لكان بإجادته في كل ضرب من ضروب الشعر شاعر المخضرمين على الإطلاق إلا أنه لم يقف ببراعته وفصاحته موقفاً لله ولا للشرف، وقلما يوجد في كلام الحطيئة مظنة ضعف أو مغمز لغامز من ركاكة لفظ أو غضاضة معنى أو اضطراب قافية ومن مدحه الذي لا يلحق فيه غبار قوله:\rيسوسون أحلاماً بعيداً أناتها\r\rوإن غضبوا جاء الحفيظة والجد\r\rأقلوا عليهم (لا أبا لأبيكم)\r\rمن اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا\rأولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا\r\rوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\r\rوإن كانت النعماء فيهم جزوا بها\r\rوإن أنعموا لا كدروها ولا كدروا\r\rمطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى\r\rبنى لهم آباؤهم وبنى الجد\r\rويعذلني أبناء سعد عليهم\r\rوما قلت إلا بالذي علمت سعد\r\rومن أبياته التي استعطف بها أمير المؤمنين عمر وهو في سجينه قوله: ط\rماذا تقول لأفراخ بذي مرخ\r\rزغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر\rألقيت كاسبهم في قعر مظلمة\r\rفاغفر عليك سلام الله يا عمر\r\rأنت الأمين الذي من بعد صاحبه\r\rألقي إليك مقاليد النهى البشر\r\rلم يؤثروك بها إذا قدموك لها\r\rلكن لأنفسهم كانت بك الخير\r\r(4) حسان بن ثابت","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول اله صلى الله عليه وسلم وأشعر شعراء المخضرمين.\rوهو من بني النجار من أهل المدينة، نشأ في الجاهلية ونبه شأنه فيها، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأسلم الأنصار، واسلم معهم ودافع عنه بلسانه كما دافع عنه قومه الأنصار بسيوفهم.\rوعاش حسان بعد رسول الله محبباً إلى خلفائه مرضياً عنه وعمره قريباً من 120 سنة، وبقي أكثر حياته متمتعاً بحواسه وعقله، وحتى وهن جسمه في أواخر عمره وكف بصره، ومات في خلافة معاوية سنة 54ه?.\rشعره: كان حسان شاعر أهل المدر في الجاهلية وشاعر اليمانية في الإسلام ولم يكن في أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أعجائه عند عودته إلى الله أشعر منه، ولذلك رم مشركي قريش من لسانه بالداهية لم يكن قبل بها فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش لا هجر، ولما أذن له النبي في هجائهم قال له كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: اسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب له منبراً بالمسجد ويسمع هجاءه في أعدائه ويقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس) وكان في شعر حسان زمن الجاهلية شدة وغرابة لفظ فلما أسلم وسمع القرآن ووعاه وكثر ارتجاله الشعر لأن شعره سهل وأسلوبه، ومن شعره في الجاهلية:\rولقد تقلدنا العشيرة أمرها\r\rونسود يوم النائبات ونعتلي\r\rويسود سيدنا حجاجح سادة\r\rويصيب قائلنا سواء المفصل\r\rونحاول الأمر المهمَّ خطاية\r\rفيهم ونفصل كلَّ أمر معضل\rوتزو أبواب الملوك ركابنا\r\rومتى نحكَّم في البرية نعدل\r\rومن شعره في الإسلام يفاخر وفد تميم بقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rإن الذوائب من فهر وإخوتهم\r\rقد بينوا سننا للناس تتّبع\r\rيرضى بها كل من كانت سريرته\r\rتقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا\r\rقومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدّوهم\r\rأو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"سجية تلك فيهم غير محدثة\r\rإن الخلائق (فاعلم) شرُّها البدعُ\r\rلا يرفع الناس ما أوهت أكفهم\r\rعند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا\r\rإن كان في الناس سباقون بعدهم\r\rفكل سبق لأدنى سبقهم تبعُ\r\rوعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم\r\rلا يطمعون ولا يزري بهم طمعُ\r\rلا يفخرون إذا نالوا عدّوهم\r\rوإن أصيبوا فلا خورٌ ولا جزعُ\r\r(5) النابغة الجعدي\rهو أبو ليلى حسان بن تعبد الله الجعدي العامري أحد القدماء المعمرين ولشعراء المخضرمين، ووصاف الخيل المشهورين.\rقال الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً، ثم نبغ في الشعر عند ظهور الإسلام وبعده: ولذلك سمي النابغة، وهو ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر وما تفعل العقل، وهجر الأزلام والأوثان، وذكر دين إبراهيم، وصام واستغفر، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوعاش طويلاً في الإسلام، فأقام زمناً مهاجراً حتى أيام عثمان رضي الله عنه فأحس بضعف في نفسه، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى البادية فأذن له، ثم كانت خلافة علي شهد معه وقائعه صفين، وظاهره بيده ولسانه، ونال من معاوية وبني أمية، ومكان بأصبهان سنة 58ه? عد أن عمّر مائة وثمانين سنة.\rشعره: كان النابغة الجعدي شاعراً مطبوعاً في الجاهلية والإسلام، وهو أول من سبق إلى الكناية في الشعر عن اسم من يغني إلى غيرها وتبعه الناس بعد، قال:\rأكنى بغير اسمها وقد علم لل\r\rه خفيات كلّ مكتتم\r\rوكان ممن يصون الخيل فلا يلحق له في ذلك غبار، حتى ضرب به المثل قال الأصمعي: ثلاثة يصفون الخيل فلا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي وأبو داود الإيادي، والنابغة الجعدي، وله في الفخر والهجا والمديح والرثاء شعر كثير ومن أشرفه قصيدته التي مدح بها الرسول الكريم وهي:\rخليلي عوجا ساعةً وتهجّرا\r\rونوحا على ما أحدث الدهر أو ذرا\rولا تجزعا إن الحياة ذميمة\r\rفخفَّات لروغعات الحوادث أوقرا\r\rوإن جاء أمر لا تطيقان معه","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا\r\rألم تريا أن الملامة نفعها\r\rقليل إذا ما الشيء ولّى وأدبر\r\rتهيج البكاء والندامة ثم لا\r\rتغير شيئاً غير ما كان قدرا\r\rأتيت رسول الله إذا جاء بالهدى\r\rويتلو كتاباً كالمجرة نيرا\r\rأقيم على التقوى وأرضي بفعلها\r\rوكنت من النار المخوفة.. أحذرا\r\rومنها في الفخر:\rوإنا لقوم ما تعوّد خيلنا\r\rإذا ما التقيا أن تحيد وتنفرا\r\rوتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا\r\rمن الطعن حتى نحسب الجون أشقرا\rبلغنا السماء مجدنا وجدودنا\r\rوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا\r\rولا خير في حلم مجدنا إذا لم تكن له\r\rبوادر تحمي صفوة أن يكدرا\r\rولا خير في جهل إذا لم يكن له\r\rحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\r\rولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغنا السماء البيت) قال فأين المظهر يا أبا ليلى ثقال الجنة، وقال إن شاء الله، ولما أتم قصيدته قال له الرسول أجدت لا يفضض اله فاك فأتت عليه مائة سنة أو نحواها وما انفضت من فيه سن.\r?(6) عمر بن أبي ربيعة","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي اشعر قريش وأرثق أصحاب الغزل، وأوصف الشعراء لأحوال النساء.\rولد بالمدينة ليلة مات عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكانت أمه نصرانية، وكان أبوه تاجراً موسراً وعاملاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفا الثلاثة من بعده فشب في نعيم وترف، وقال الشعر صغيراًُ وسلك فيه طريق الغزل ووصف أحوال النساء وتزاورهن ومداعبة بعضهن لبعض وتعرض للمحصنات المتعففات من نساء قومه من غيرهن، فوقعن منه في بلاء عظيم وصرن يخفن الخروج إلى الحج لأنه كان يتلقاهن مكن ويترقب خروجهن للطوف والسعي ويصفهن وهن محرمات، وحلمت عليه رجالات قريش لمكانه نسبه منهم ولترقب توبته وإقلاعه، فلما تمادى في أمره وشبب ببنات السادات ولخلفاء غضب عمرو بن عبد العزيز ونفاه إلى جزيرة أمام المدينة مصوع، ثم رأى أن الكفر عن سيئاته بالتوبة والجهاد فغزا في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضا سنة 93ه?.\rشعره: رقيق بلفظ رشيق ومعنى أنيق حتى قال فيه جرير هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وقد سلك الغزل طريقاً لم يسلكوه: ومن قوله المشهور:\rليت هنداً أنجزتنا ما تعد\r\rوشفت أنفسنا مما تجد\r\rواستبدت مرة واحدة\r\rإنما العاجز من لا يستبد\r(7) الأخطل\rهو أبو مالك غياث الأخطل بن غوث التغلبي النصراني، شاعر الأمويين وأمدح ثلاثة شعرائهم المتقدمين والمتفرد بوصف الخمر دون الإسلاميين قال الشعر وهو صبي وما لبث أن زاحم شاعر تغلب وقتئذٍ (كعب بن جعيل) وهجاه وظهر عليه ولما طلب يزيد ن معاوية قبل أن يلي الخلافة من كعب هجاء الأنصار لتعرض حسان بن ثابت الأنصاري لأخته في شعره أبى عليه ذلك كعب، وقال أأهجو قوماً نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه: ولكني أدللك على الأخطل فبعث إليه وأمره بهجائهم فهجاهم بقصيدة منها:\rذهبت قريش بالسَّماحة والنّدى\r\rواللؤم تخت عمائم الأنصار","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"فدعو المكارم لستم من أهلها\r\rوخذوا مساحيكم بني النَّجار\rوبلغ الشعر كبار الأنصار فغضبوا وشكوه إلى معاوية فوعدهم بقطع لسانه فاستجار بيزيد، فمازال بأبيه حتى عفا عنه ولما ول يزيد الخلافة قربه غليه وتابعه في ذلك خلفاء بني أمية، وبخاصة عبد الملك إذا كان يستعين ه على أعدائه فقربه إليه وأدناه وسمح له بالدخول عليه بلا إذن وأجزل له العطايا وسماه شاعر الخليفة.\rولما حدثت المهاجاة بين جرير والفرزدق وحكم فيهما أيهما اشعر عرض بتفضيل الفرزدق، فهجا جرير، فرد عليه الأخطل وكانت الشيخوخة قد بلغت منه فلم يلحق جريراً، وكان الأخطل يقيم أزماناً بدمشق وأحياناً ببلاده منم أرض الجزيرة ومات سنة 95ه? وقد نيف على السبعين.\rشعره: كان الأخطل أحد الشعراء الثلاثة السابقين سواهم من فحول الإسلاميين وكان مطبوعاً على الشعر بعيداً عن التكلف والعمق فيه وامتاز بإجادته المديح والإبداع في معانيه، قال يمدح بني أمية ويخص بشر بن مروان:\rإن يحلموا عناك فالأحلام شيمتهم\r\rوالموت ساعة يحمى منهم الغضب\rكأنهم عند ذاكم ليس بينهم\r\rوبين من حاربوا قربة ولا نسب\r\rكانوا موالي حق يطلبون به\r\rفأدركوه وما ملوا ولا لغبوا\r\rإن يك للحق أسباب يمد بها\r\rففي أكفهم الأرسان والسبب\r\rهم سعوا بابن عفان الإمام وهم\r\rبعد الشماس مروها ثمت احتلبوا\r\rومنها:\rإذا أتيتَ أبا مروان تسأله\r\rوجدته حاضراه الجودُ والحسب\r\rترى إليه رفاقَ الناس سائلة\r\rمن كل أوبٍ على أبوابه عصبُ\rيحتضرون سجالا من فواضله\r\rوالخيرُ محتضر أبوابه عصبُ\r\rوالمطعم الكوم لا ينفك يعقرها\r\rإذا تلاقى رواق البيت واللهبُ\r\rكأن حيرانها في كل منزلةٍ\r\rقتلى مجردة الأوصال تستلبُ\r\rومن أفضل شعره قوله:\rوالناس همهم الحياة ولا أرى\r\rطول الحياة يزيد غير خبال\r\rوإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد\r\rذخراً يكون كصالح الأعمال","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"(8) الفرزدق\rهوب أبو فراس همام بن غالب التميمي الدارمي أفخر ثلاثة الشعراء الأمويين وأجزل المقدمين في الفخر والمدح والهجاء.\rولد سنة 15 ه ونشأ بالبصرة. وأتى بها أبوه يوماً إلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فسأله عنه. فقال ابني يوشك أن يكون شاعراً مجيداً. فقال له أقرئه القرآن فأقرأه وحفظه ثم رحل إلى خلفاء بني أمي بالشام ومدحهم ونال جوائزهم، وأخص من كان يمدحه منهم عبد الملك بن مروان ثم أولاده من بعده. وكان الفرزدق فوق إقذاعه في الهجو وفحشه في السباب وقذف المحصنات يرمى بالفجور وقلة التمسك بشعائر الدين ثم تاب في أواخر شيخوخته على يد حسن البصري. وكان فيه تشيّع يستره أيام اختلافه إلى بني أمية ثم كاشف به آخر حياته حتى أمام الخليفة هشام عندما رأى الناس تفسح طريق الطواف بالكعبة مهابة وإجلالاً لعلي بن الحسين فسأله عنه كالمتجاهل لأمره، فشق ذلك على الفرزدق وأنشد قصيدته الميمية الآتية يعرّف بعلي وينكر على هشام تجاهله، فحبسه هشام ثم أطلقه. وعاش الفرزدق قريباً من مائة سنة ومات بالبصرة سنة 110 ه.\rشعره: يمتاز شعر الفرزدق بفخامة عبارته، وجزالة لفظه، وكثرة غريبه ومداخلة بعض ألفاظه في بعض، ولذلك يعجب به أهل اللغة والنحو وكان يقال (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة) ويعتبر الفرزدق من أفخر شعراء العرب وأشدهم ولوعاً بتعداد مآثر آبائه وأجداده.\rومن جيد شعره قوله يمدح علي بن الحسين:\rهذا الذي تعرفُ البطحاء وطأته\r\rوالبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ\r\rهذا ابن خير عباد الله كلّهم\r\rهذا التقي النقيُّ الطاهر العلمُ\r\rوليس قولك من هذا بضائره\r\rالعربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ\r\rإذا رأته قريشٌ قال قائلها\r\rإلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ\r\rيغضي حياءً ويغضى من مهابته\r\rفلا يكلّم إلا حين يبتسمُ\r\rبكفه خيزرانٌ ريحها عبقٌ\r\rمن كف أروع في عرنينه شممُ","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"يكاد يمسكه عرفان راحته\r\rركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ\r\rينشقُّ ثوب الدّجى عن نور غرته\r\rكالشمس تنجاب عن إشراقها الظلمُ\rمن معشر حبّهم دينٌ وبغضهم\r\rكفرٌ وقربهم منجّى ومعتصمُ\r\rإن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم\r\rأو قيل من خير أهل الأرض قيل هم\r(9) جرير\rهو أبو حزرة بن عطية بن الخطفى التميمي اليربوعي: أحد فحول الشعراء الإسلاميين، وبلغاء المداحين الهجائين، وأنسب ثلاثتهم المفلقين، وهو من بني يربوع أحد أحياء تميم، ولد باليمامة سنة 42 ه ونشأ بالبادية وفيها قال الشعر ونبغ. وكان يختلف إلى البصرة في طلب الميرة ومدح الكبراء، فرأى الفرزدق وما كسبه الشعر من منزلة عند الأمراء والولاة وهو تميمي مثله وود لو يسبقه إلى ما ناله، وأغراه قومه به للتنويه بشأنهم فوقعت بينهما المهاجاة عشر سنين كان أكثر إقامة جرير أثناءها في البادية، وكان الفرزدق مقيماً بالبصرة يملأ عليه الدنيا هجاء وسبا. فما زال به بنو يربوع حتى أقدموه البصرة واتصل بالحجاج ومدحه فأكرمه ورفع منزلته عنده، فعظم أمره وشرق شعره وغرب حتى بلغ الخليفة عبد الملك فسد الحجاج عليه، فأوفده الحجاج مع ابنه محمد إلى الخليفة بدمشق ومات باليمامة سنة 110ه.\rوكان في جرير على هجائه للناس عفة ودين وحسن خلق ورقة طبع.\rشعره: اتفق علماء الأدب وأئمة نقد الشعر على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك الإسلام أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل وإنما اختلفوا في أيّهم أشعر ولكل هوى وميل في تقديم صاحبه: فمن كان هواه في رقة النسيب وجودة الغزل والتشبيه، وجمال اللفظ ولين الأسلوب والتصرف في أغراض شتى، فضل الفرزدق، ومن نظر بعد بلاغة اللفظ، وحسن الصوغ إلى أجادة المدح والإمعان في الهجاء واستهواه وصف الخمر واجتماع الندمان عليها، حكم للأخطل. وإن له في كل باب من الشعر أبياتاً سائرة هي الغاية التي يضرب بها المثل فيقال أن أغزل شعر قالته","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"العرب هو قوله:\rإن العيون التي في طرفها حور\r\rقتلننا ثم لم يحيين قتلانا\r\rيصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به\r\rوهنّ أضعف خلق الله إنسانا\r\rوإن أمدح بيت قوله:\rألستم خير من ركب المطايا\r\rوأندى العالمين بطون راح\rوإن أفخر بيت قوله:\rإن غضبت عليك بنو تميم\r\rحسبت الناس كلّهم غضابا\rوإن أهجى بيت مع التصون عن الفحش قوله:\rفغضّ الطرف إنك من نمير\r\rفلا كعباً بلغت ولا كلابا\r\rوإن أصدق بيت قوله:\rإني لأرجو منك خيراً عاجلاً\r\rوالنفس مولعة بحبّ العاجل\rوإن أشد بيت تهكماً قوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً=أبشر بطول سلامة يا مربعُ ومن جيد شعره قوله من قصيدة يرثي بها امرأته والتي هي ندبت بها نوار امرأة الفرزدق:\rلولا الحياءُ لهاجني استعبار\r\rولزرت قبرك والحبيب يزار\rولهت قلبي إذا علتني كبرة\r\rوذوو التمائم من بنيك صغار\r\rلا يلبث القرناء أن يتفرقوا\r\rليل ويكرّ عليهم ونهار\r\rصلّى الملائكة الذين تخيروا\r\rوالطيبون عليك والأبرار\r\rفلقد أراك كسيت أحسن منظرٍ\r\rومع الجمال سكينة ووقارُ\r\r(10) الكميت","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"هو الشاعر الخطيب الراوية النسابة أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي الكوفي أشعر شعراء الشيعة الهاشمية، ومثير عصبية العدنانية على القحطانية ولد سنة 60ه ونشأ بالكوفة بين قومه بني أسد إحدى قبائل العرب الفصحاء من مضر فلقن العربية، وعرف الأدب والرواية، وعلم أنساب العرب وأيامها ومثالبها بمدارسة العلم والأخذ عن الأعراب، وكان له جدتان أدركتا الجاهلية تقصان عليه أخبارها وأشعار أهلها، فخرج أعلم أهل زمانه في ذلك وأقر له حماد الراوية بالسبق عليه وقال الكميت الشعر وهو صغير وكان لا يذيعه ولا يتكسب به، ويكتفي بحرفته تعليم صبيان الكوفة بالمسجد، ولما حصف شعره وقوي أثره، ولا سيما قصائده التي أعلن فيها تشيعه لبني هاشم وآل علي، أنشده الفرزدق مستنصحاً له في أمر إذاعته إذا أعجبه، فأمره بإذاعته فقال قصائده البليغة المطولة المسماة \"بالهاشميات\" التي يقول فيها:\rطربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ\r\rولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ\r\rولم يلهني دارٌ ولا رسم منزل\r\rولم يتطربني بنانٌ مخضّبُ\r\rولا السانحات البارحات عشية\r\rأمرَّ سليم القرن أم مر أعضب\r\rولكن إلى أهل الفضائل والنُّهى\r\rوخير بني حواء والخير يطلب\r\rبني هاشم رهط النبي فإنني\r\rبهم ولهم أرضى مراراً وأغضب\rخفضت لهم مني الجناح مودة\r\rإلى كنف عطفاه أهل ومرحب\r\rوما لي إلا آل أحمد شيعةٌ\r\rوما لي إلا مذهب الحقّ مذهب\r\rبأي كتاب أم بأيّة سنة\r\rيرى حبّهم عاراً علي ويحسب\r\rشعره: لشعره من التأثير السياسي والمذهبي أثر سيئ شتت شملة الوحدة العربية.\rالرواية والرواة","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"ظهر العرب وعمدة العرب في ضبط علومهم وآدابهم على الحفظ والرواية: فجاءهم من كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الخطير، والعلم الكثير فكانت عنايتهم بحفظها في الصدور أكثر من كتابتها في السطور. ولما اتسع علم المسلمين بما أضيف إليهما من تفسير الصحابة والتابعين ومن أقوالهم في الدين تعدد طوائف الرواة للقرآن والحديث وفنون الأدب.\rوإذا كان الإنسان عرضة للنسيان، وأحوال الناس تختلف في الصدق والكذب تشدد الصحابة والتابعون وتابعوهم في تصحيح الرواية وشدة التوثق من صدق الرواة تحرجاً منهم أن يدخل في الدين ما ليس منه.\rولما خاف سيدنا عمر بن عبد العزيز أن تموت السنة الصحيحة بموت رواتها وبما وضعه الزنادقة والشيعة والخوارج ودسوه فيها، أمر العلماء بتدوين الحديث وبقي الأمر في الشعر والأدب كما كان في الجاهلية: لكل شاعر راو أو عدة رواة. ومن أشهر هؤلاء هدبة بن خشرم رواية الحطيئة، وجميل رواية هدبة، وكثير رواية جميل، وأبو شفقل وعبيد أخو ربيعة بن حنظلة رواية الفرزدق، ومربع رواية جرير والفرزدق معاً، ومحمد بن سهل راوية الكميت، وصالح بن سليمان راوية ذي الرومة وذو الرمة راوية الراعي.\rوبقي الأمر كذلك حتى أواخر هذا العصر فاشتعل العلماء بالرواية وصار الراوي منهم يروي لمئات من الشعراء والشواعر وإن لم يكن هو شاعراً وأكثر هؤلاء العلماء من الرواة أدرك عصر بني العباس فيذكر فيه. ومع تشدد الناس في تصحيح الرواية سنة وأدباً حدث في الشعر والخطب كثير من التصحيف والتحريف والنقص والزيادة ونحو ذلك.\rالعصر الثالث عصر الدولة العباسية من 132 656 ه \"أحوال اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر\"","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"كان بنو أمية شديدي التعصب للعرب والعربية، فكان كل شيء في دولتهم عربي الصبغة، وكانت جمهرة العرب منتشرة في كل مكان امتد إليه سلطانها فلما قامت الدولة العباسية بدعوتها، لم تجد لها من العرب أنصاراً وأعواناً مثل من وجدت من الفرس وأمم الأعاجم، فاكتسحت بهم دولة بني أمية وأسست دولة قوية كان أكثر النفوذ فيها للموالي. فاستخدمهم الخلفاء والأمراء في كل شيء من سقاية الماء إلى قيادة الجيوش والوزارة، وابتدأ شأن العرب السياسي يتضاءل من ذلك الحين شيئاً فشيئاً واختلطوا بالأعاجم وكان من المجموع شعب ممتزج لغة وعادة وخلقاً فأثر ذلك في اللغة لفظاً ومعنى، وشعراً ونثراً كتابةً وتأليف ولم يظهر ذلك بالطبع في جميع الممالك بنسبة واحدة بل كان في أواسط آسيا أظهر منه في مصر الشام. أما حال ممالك الغرب والأندلس صدر في هذا العصر فلم يبعد كثيراً عما كان عليه في العصر الماضي ثم سرت إليها عدوى تقليدها للمشارقة في أكثر الأمور.\rويمكن إرجاع جميع هذه التغيرات إلى ثلاثة أمور \"الأول\" ما يتعلق بالأغراض التي تؤديها اللغة \"الثاني\" ما يتعلق بالمعاني والأفكار \"الثالث\" ما يتعلق بالألفاظ والأساليب.\rأغراض اللغة\rلما قامت الدولة العباسية وتشبّه الخلفاء بملوك الفرس في أكثر أمور السياسة والمعيشة، وحاكتهم العامة في ذلك بتقليد أمثالهم من طبقات الأعاجم، تناولت اللغة في المشرق أغراضاً لم تعهد فيها من قبل بنقل علوم تلك الأمم وآدابها وعاداتها وطرق معيشتها. ثم تناولت هذه الأغراض في الغرب بعدئذٍ بفرق يسير فكان من تلك الأغراض ما يأتي:\r(1) تدوين العلوم الشرعية واللسانية والعقلية ولم يدون في صدر الإسلام من ذلك إلا نذر يسير، وكذا الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.\r(2) تأدية مقاصد الصناعات المختلفة، وخاصة بعد دخول العرب في غمار الصناع وبعد تغرب الأعاجم.","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"(3) تأدية المقاصد التي استدعاها الانغماس في الترف بلذائد الحضارة التي جرت فيها الأمم عصر الدولة العباسية إلى أمد بعيد، أو اقتضاها نظام الملك والدفاع عنه. كالإمعان في وصف الأشياء النفسية مما لم يعرف للعرب في صدر الإسلام أو عرف وكان قليلاً ممقوتاً صاحبه، وكوصف البحر والأساطيل الحربية والمعارك البحرية. وامتاز بأكثر من ذلك المغرب والأندلس كما امتازت الأندلس بالإجادة في وصف مناظر الطبيعة ومحاسن الوجود لملائمة بيئتها لذلك، وكادت تلحق بها في الوصف صقلية وأفريقية إبان ازدهائهما.\r(4) تأدية مقاصد أنواع الخلاعة والسخرية مما قل نظيره في صدر الإسلام.\r(5) المحاضرة والمناظرة والبحث والجدل وتدريس العلوم.\rالمعاني والأفكار\rإن ما حدث في مشارق الممالك الإسلامية ومغاربها أثناء العصر العباسي من الانقلابات السياسية والاجتماعية كان له نتيجة ظاهرة في الحركة الفكرية للمتكلمين بالعربية ظهر ذلك في عباراتهم وأشعارهم بصور مختلفة. فمنها:\r(1) ازدياد شيوع المعاني الدقيقة، والتصورات الجميلة، والأخيلة البديعة.\r(2) التعويل على القياس والتعليل في الأحكام الفردية: بالإكثار من الحجج والبراهين العقلية وانتحاء مذاهب الفلسفة في الشعر والكتابة والتدريس ولا سيما بعد عصر الترجمة وأكثر ما كان ذلك بالمشرق وقلما عني به أهل المغرب.\r(3) التهويل والغلو في التفخيم المقتبس في المشرق من اللغة الفارسية والساري بعضه بالعدوى إلى أهل المغرب والأندلس.\rالألفاظ والأساليب\rغلب على عبارة اللغة العربية في هذه المدة أمران عظيمان: السهولة والمحسنات البديعية. ويشمل ذلك على ما يأتي:","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"(1) انتقاء الألفاظ الرشيقة السهلة وقلة الحاجة إلى الارتجال.\r(2) ازدياد الميل إلى استعمال ألفاظ القرآن والاقتباس منه والاستشهاد به.\r(3) الإكثار من ألفاظ المجاز والتشبيه والتمثيل والكناية والمحسنات اللفظية.\r(4) التوسع في إدخال ألقاب التعظيم على أسماء الخلفاء والأمراء والعظماء.\r(5) تفاقم الخطب في استعمال الكلمات الأعجمية في كثير من الأشياء.\r(6) وضع اصطلاحات العلوم والفنون والصناعات ودار الحكومة وغيرها.\r(7) التأنق في صوغ العبارات وتوثيق الربط بينهما والميل إلى استعمال السجع.\r(8) التطرف إلى غاية حدي الأطناب والإيجاز ولكل منهما مقام.\r(9) حدوث لغة تأليفية لتعليم العلوم تقاس بمعيار المنطق لا بمعيار البلاغة. وإذا كانت اللغة إما نثراً وإما شعراً والنثر محادثة، وخطابة، وكتابة، فاحفظ ما يتلى عليك.\rالنثر المحادثة أو (لغة التخاطب)","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"إن لغة التخاطب بين الخاصة من العرب في أواخر العصر الماضي كانت العربية الفصيحة الخالية من اللحن إلا من آحاد عيروا به، وأن لغة العامة والسوقة من العرب المختلطين بالعجم هي العربية المشوبة بشيء من اللحن، ولغة المتعربين من العجم تقل عن هذه في الفصاحة، وتزيد عليها في اللحن بمراتب مختلفة.\rفلما تم امتزاج العرب بالعجم عصر الدولة العباسية، تكونت بين العامة في البلاد التي تكثر فيها جمهرة العرب لغات تخاطب علمية، إلا بين أهل جزيرة العرب، فلم يزل تخاطبهم باللسان العربي الفصيح إلى أواسط القرن الرابع. وبقيت لغات التخاطب في البلاد التي تقل فيها جاليتهم هي اللغات الوطنية الأعجمية ممزوجة ببعض الألفاظ العربية التي أدخلها عليها الإسلام.\rوخاف الخلفاء والخاصة من هول تغلب العامية على الفصيحة فيستغلق على المسلمين فهم الكتاب والسنة وهما كل الدين، فحرضوا العلماء على تدوين اللغة والإكثار من العناية بضبط النحو وفنون البلاغة، ولكن ذلك كله لم يوقف تيار العامية الزاخر، واستمر في طغيانه إلى أن غلب في النصف الأخير من عصر هذه الدولة على جميع لغات التخاطب، حتى لغة الخلفاء وعلماء العربية أنفسهم وأصبح لكل بلاد عربية لغة تخاطب عامية خاصة بها، ولكن لم تصبح العامية لغة علم وأدب، كما وأن ذلك لم يكن طويل الأمد.\rالخطابة والخطباء","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"لما كان قيام الدولة العباسية في المشرق والإدريسية في المغرب الأقصى والأموية الثانية في الأندلس، من الأمور التي ينشأ عنها كثير من الانقلابات السياسية والمذهبية والاجتماعية. وكان ذلك يستدعي تأليف العصابات ودعوة الناس إلى التشيع لأصحاب الأحزاب كانت دواعي الخطابة متوافرة لتوافر أسبابها. فكان بين قواد هذه الدول ودعاتها وخلفائها ورؤساء وفودها خطباء مصاقع، ثم لما فترت هذه الدواعي باستقرار الدول. واشتد اختلاط العرب بالأعاجم. وتولى كثير من الموالي قيادة الجيوش وعمالة الولايات والمواسم، ضعف شأن الخطابة لضعف قدرتهم عليها، فلم يمض قرن ونصف من قيام تلك الدول حتى بطل شأن الخطابة إلا قليلاً في المغرب أيام الحفل وقدوم الوفود وبقيت الخطابة قاصرة على خطب الجمعة والعيدين والمواسم وخطب الزواج ونحو ذلك. وقل فيها الارتجال أو عدم جملةً، وحل محل الخطابة في الأمور السياسية نشر المنشورات، وفي الأمور الدينية مجالس الوعظ والتدريس في المساجد والمدارس، واشتهر في صدر الدولة العباسية خطباء أشهرهم داود بن علي، وشيب بن شيبة.\rداود بن علي","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"هو داود بن علي بن عبد الله بن عباس خطيب بني العباس، وأحد مؤسسي دولتهم، نشأ هو وأخوته (وكانوا اثنين وعشرين رجلاً) في قرية الحميمة من أعمال عمّان، وكان الوليد بن عبد الملك أجلى علي بن عبد الله بن عباس وأهل بيته إليها سنة 95 ه غضباً عليه.\rوكان داود أحد النابغين من إخوانه، وكان بليغهم ولسانهم وأخطبهم في وقته. وعاجلته منيته قبل أن يستطير سلطانه في الدولة. ولاه أبو العباس عقب بيعته بالكوفة ولاية الكوفة وسوادها، ثم ولاه إمارة الحج في هذه السنة وولاه معها ولاية الحجاز واليمن واليمامة، فقتل من ظفر به من بني أمية في مكة والمدينة سنة 132ه وهو أول موسم ملكه بنو العباس وخطبهم الخطبة الآتية وهي (شكراً شكراً، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهراً ولا لنبني فيكم قصراً أظن عدو الله أن لن نقدر عليه إن روخى له من خطامه، حتى عثر في فضل زمامه، فالآن حيث أخذ القوس باريها وعاد القوس إلى النزعة، ورجع الملك في نصابه، في أهل بيت النبوة والرحمة، (والله قد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا) أمن الأسود والأحمر لكم ذمة الله، لكم ذمة رسول الله ( ، لكم ذمة العباس، لا ورب هذه البنية وأومأ بيده إلى الكعبة لا نهيج منكم أحداً).\rشبيب بن شيبة\rهو شبيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي خطيب البصرة ونشأ بها وامتاز بنبالة نفس وسخاء كف. وحسن تواضع ونزاهة لسان كما امتاز بخطبه القصيرة البليغة القريبة من حد الإعجاز. قال الجاحظ: يقال أنهم لم يروا خطيباً كشبيب بن شيبة. فما ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة. فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره وقد يطول حتى يقول فيه الراجز:\rإن غدت سعد على شبيبها\r\rعلى فتاها وعلى خطيبها\r\rمن مطلع الشمس إلى مغيبها\r\rعجبت من كثرتها وطيبها","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"وعرف شبيب أبا جعفر المنصور قبل خلافته ثم اتصل به بعدها. فجعله في حاشية ولي عهده المهدي. وبقي كذلك حتى ولي المهدي الخلافة فصار من خيرة سماره وجلسائه إلى أن مات في خلافته سنة 165ه.\rومن خطبه القصار ما عزى به المهدي يوم ماتت ابنته البانوقة وجزع عليها جزعاً شديداً: \"أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً. وأعقبك صبراً ولا أجهد الله بلاءك بنقمه ولا نزع منك نعمه، ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده\".\r\rالكتابة خطية وإنشائية","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"الخط: تنوع في هذا العصر الخط الكوفي إلى أنواع أربت على خمسين نوعاً ومن أشهرها المحرر والمشجر والمربع والمدور والمتداخل. وبقي مستعملاً في المباني والسكة إلى حدود الألف. ثم نسي جملة وقد جددت منه أنواع في عصرنا أما تاريخ خطنا المستعمل الآن فحدث في آخر الدولة الأموية أن استنبط \"قطبة المحرر\" من الخط الكوفي والحجازي خطاً هو أساس الخط الذي يكتب به الآن واخترع القلم الجليل الذي يكتب به على المباني ونحوها. وقلم الطومار (الورقة الكبيرة) وهو أصغر أنواع الجليل وحسن عمله غيره من كتاب صدر الدولة العباسية حتى ظهر إبراهيم الشخري وأخوه يوسف من كتاب أواخر القرن الثاني: فولد إبراهيم من الجليل قلم الثلثين وولد يوسف من الجليل القلم الرياسي وهو قلم التوقيع.\rوعن إبراهيم أخذ الأحوال المحرر من (صنائع البرامكة) واخترع قلم النصف. هذه هي أشهر الخطوط وقد تولد منها نحو من 20 خطاً يختص كل منها بغرض خاص. واتفقوا على أن طول الألف يعتبر معياراً لارتفاع بقية الحروف. وأن يكون طول الألف مربع مقدار قطعة القلم.\rوعن الأحول: أخذ منهدس الخط الأعظم الوزير \"أبو علي محمد بن مقلة\" وأخوه أبو عبد الله الحسن المتوفى سنة 338ه وهما اللذان تم على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن وأتما العمل الذي بدأ به \"قطبة\" فهندسا الحروف وقدرا مقاييسهما وأبعادهما وضبطاها ضبطاً محكماً واخترعا له القواعد وعن الوزير ابن مقلة أخذ أبو عبد الله محمد بن أسد القارئ المتوفى سنة 410ه. وعنه أخذ أبو الحسن علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب المتوفى سنة 413ه وهو الذي أكمل قواعد الخط واخترع عدة أقلام وإليه انتهت الغاية. وكل من جاء بعده فهو تابع لطريقته: كأمين الدين ياقوت الملكي المتوفى سنة 618ه كاتب السلطان ملكشاه السلجوقي. أم الأندلسيون والمغاربة فلم يعبئوا بهذا الإصلاح وبقوا يكتبون على طريقة الخط الحجازي إلى","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"الآن بنوع من التعديل. واخترع الخليل الشكل المستعمل الآن بان كتب الضمة واواً صغيرة تكتب فوق الحرف والفتحة ألفاً والكسرة ياءً والشدة رأس شين والسكون رأس خاء وهمزة القطع رأس عين ثم اختزل شكلها وزيد عليها حتى آلت إلى الشكل المعروف الآن.\rوهاك ترجمة الخطاط المتفنن المشهور.\rابن مقلة\rهو الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة إمام الخطاطين وأحد كبار الكتاب البارعين، أخذ الخط عن الأحوال المحرر صنيعه البرامكة وتم على يديه ويدي أخيه الحسن نقل الخط من الكوفي إلى الشكل المعروف في زماننا. وكان ابن مقلة يتولى في أول أمره بعض أعمال فارس ويجبي خراجها وتنقلت به الأحوال إلى استوزره الإمام المقتدر بالله سنة 316 ثم كاد له أعداؤه عنده، فقبض عليه سنة 318ه ونفاه إلى فارس. ثم وزر للراضي فوشى به أعداؤه عنده فقبض عليه وعزل ثم أطمعه نحسه أن يكيد لابن رائق أمير الأمراء ببغداد سنة 328ه ومن قوله في تلك الحوادث:\rإذا مات بعضك فابك بعضاً\r\rفإن البعض من بعض قريب\rوقوله:\rما سئمت الحياة لكن توثّق\r\rت بأيمانهم فبانت يميني\r\rبعت ديني لهم بدنياي حتى\r\rحرموني دنياهمو بعد ديني\r\rولقد حطت ما استطعت بجهدي\r\rحفظ أرواحهم فما حفظوني\r\rليس بعد اليمين لذة عيش\r\rيا حياتي بانت يميني فبيني\r\rالكتابة الإنشائية في الرسائل الديوانية والإخوانية","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"كانت كتابة الرسائل في أوائل حكم بني العباس جارية على نظام كتابتها في أواخر عهد بني أمية، سالكة الطريق التي سلكها عبد الحميد وابن المقفع والقاسم بن صبيح وعمارة بن حمزة ونظراؤهم: من العناية بجمل عبارتها جزلة بليغة متناسقة الوضوع والأسلوب، وبقيت كذلك بل زادت حسناً وجمالاً ومراعاة لمقتضى الحال إلى أوائل القرن الرابع. ثم أخذت الصناعات اللفظية تغلب عليها تدريجياً بتضاؤل ملكة البلاغة في الكتاب وتقاصر هممهم عن استيفاء أداتها: لتغلب الأعاجم من الديلم البويهيين والترك السلجوقيين على سلطان الخلفاء في الشرق، وتغلب البربر على شمالي أفريقية والأندلس في الغرب، فلم يعد في الملوك والأمراء من يعينهم أمر العربية وبلاغتها. ومازالت كذلك حتى سقطت الدولة العباسية على أيدي الأعاجم من التتار فكان ذلك ابتداء اضمحلال الكتابة واللغة.\rالكتّاب كان أكثر كتاب المشرق في هذا العصر من سلائل فارسية أو سوادية وقد بلغوا بحذقهم سياسة الملك ونبوغهم في البلاغة أن ارتقوا عند خلفاء العباسيين إلى مرتبة الوزارة. وأول كاتب منهم ارتقى إليها هو أبو سلمة الخلال. وأشهر من بلغ نفوذه وسلطانه مبلغاً زاحم فيه الخليفة يحيى بن خالد بن برمك وابناه جعفر والفضل، ثم محمد بن الزيات في زمن المعتصم والواثق. وكان كتاب الأندلس والمغرب أكثرهم من سلائل عربية. ومن أشهر كتاب هذا العصر في الشرق ابن المقفع، ويحيى بن خالد بن برمك. وابناه: جعفر والفضل، وإسماعيل بن صبيح، وعمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف، وابن الزيات. والحسن بن وهب وعلي بن الفرات، وابن مقلة، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع، والصابي، والعماد الكاتب، والقاضي الفاضل.\rومن أشهر كتابه في الأندلس ابن شهيد، وأبو المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب.\rابن المقفع","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد فحول البلاغة وثاني اثنين مهدا للناس طريق الترسل. ورفعا لهم معالم صناعة الإنشاء أولهما \"عبد الحميد\".\rنشأ ابن المقفع بين أحياء العرب. فكان أبوه داذويه المقفع الفارسي يعمل في جباية الخراج لولاة العراق من قبل بني أمية، وهو على دين المجوسية وولد له ابنه هذا حوالي سنة 106ه وسماه (روزبة) فنشأ بالبصرة. وهي يومئذ حلبة العرب ومنتدى البلغاء والخطباء والشعراء. فكان لكل ذلك (فوق ذكائه المفرط تأديب أبيه له) أعظم أثر في تربيته وتهيئته لأن يصير من أكبر كتاب العربية وعلمائها وأدبائها والمترجمين إليها. وقد أسلم بمحضر من الناس وتسمّى (عبد الله) وتكنى بأبي محمد، وكان نادرة في الذكاء غاية في جمع علوم اللغة والحكمة وتاريخ الفرس متأدباً متعففاً قليل الاختلاط إلا بمن على شاكلته كثير الوفاء لأصحابه.\rوكان أمة في البلاغة ورصانة القول وشرف المعاني إلى بيان غرض وسهولة لفظ ورشاقة أسلوب. ولا توصف بلاغته بأحسن مما وصف هو البلاغة حيث يقول: (البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها).\rومن رسائله أنه عزى بعضهم فقال: أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما ويقضي فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن الله خلق الخلق بقدرته. ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله تعالى خير المنقلب وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا.\rفعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين.\rوقد ترجم كتباً عديدة من أشهرها كتاب كليلة ودمنة وقيل إن هذا الكتاب من وضع ابن المقفع وهو قول مقبول لا","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"بأس به: وله كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير والدرة اليتيمة. وقتله والي البصرة سفيان بن معاوية سنة 142ه لاتهامه بالزندقة والكيد للإسلام بترجمة كتب الزندقة.\rإبراهيم الصولي\rهو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول كاتب العراق وأشعر أصحاب المقطعات. نشأ ببغداد فتلقى العلم والأدب عن أئمة زمانه، واشتغل بالشعر في حدثاته، فبرع فيه، وتكسب به. ورحل إلى العمال والأمراء يمدحهم ويستميح جدواهم. ثم قصد الفضل بن سهل وزير المأمون أيام مقامه معه بخراسان ومدحه فوهب له ولي العهد عشرة آلاف درهم. وجعله الفضل كاتباً لأحد قواده وبقي يتنقل في أعمال النواحي والدواوين حتى كان زمن الواثق عاملاً على الأهواز فتحامل عليه وزيره ابن الزيات فعزله وسجنه بها. فكتب إليه يستعطفه، فلم يزدد بذلك إلا جفاء وغلظة، ثم اطلع الواثق على ذلك فأطلقه. وتولى ديوان الضياع والنفقات في خلافة المتوكل ومات سنة 242ه ومن رسائل تعزية عن لسان المنتصر بالله إلى طاهر بن عبد الله مولى أمير المؤمنين \"أما بعد\" تولى الله توفيقك وحياطتك. وما يرتضيه منك ويرضاه عنك إن أفضل النعم نعمة تلقيت بحق الله فيها من الشكر وأوفر حادثة ثواباً حادثة أدي حق الله فيها من الرضا والتسليم والصبر ومثلك من قدم ما يجب الله عليه في نعمة فشكرها وفي مصيبة فأطاعه فيها وقد قضى الله سبحانه وتعالى في محمد ابن إسحاق مولى أمير المؤمنين \"عفا الله عنه\" قضاءه السابق والموقع. وفي ثواب الله ورضا أمير المؤمنين \"أدام الله عزه\" وتقديم ما يعدم مثله أهل الحجا والفهم ما اعتاضه معتاض وقدمه موفق فليكن الله \"عز وجل\" وما أطعته به وقدمت حقة فيه أولى بك في الأمور كلها فإنك تتقرب إليه في المكروه بطاعته يحسن ولايتك في توفيقك لشكر نعمه عندك.\rابن العميد","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين العميد كاتب المشرق وعماد ملك آل بويه وصدر وزراهم: نشأ شغوفاً بمعرفة العلوم العقلية واللسانية فبرع في علوم الحكمة والنجوم ونبغ في الأدب والكتابة حتى قيل فيه. (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) ثم رحل عن أبيه إلى آل بويه وتقلد شريف الأعمال في دولتهم إلى أن تولى وزارة ركن الدولة سنة 328 فساس دولته ووطد أركانها وتشبه بالبرامكة ففتح بابه للعلماء والفلاسفة والشعراء والأدباء وكان يشاركهم في كل ما يعملون إلا الفقه وما زال في وزارته محط الرحال وكعبة الآمال حتى توفي سنة 360ه.\rومن رسائله: كتابي إليك وأنا بحال لو لم ينغصها الشوق إليك ولم يرنق صفوها النزوع نحوك لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة. فقد جمعت فيها بين سلامة عامة. ونعمة تامة. وحظيت منها في جسمي بصلاح وفي سعيي بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك وكيف أطمع في ذلك وأنت جزء من نفسي وناظم لشمل أنسي وقد حرمت رؤيتك وعدمت مشاهدتك وهل تسكن نفس متشعبة ذات انقسام وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلني الله فداك فامتلأت سروراً بملاحظة خطك وتأمل تصرفك في لفظك وما أقرظهما فكل خصالك مقرظ عندي. وما أمدحهما فكل أمر ممدوح في ضميري وعقلي.\rوأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديري فيك فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي على بصري.\rالصاحب بن عباد","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"هو كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير آل بويه.\rولد سنة 326ه بطالقان قزوين. وتعلم العلم والأدب من أبيه، ثم اتصل بابن العميد، فلزم صحبته وأخذ عنه الأدب، وتولى له كتابة خاصته ثم تنقلت به الأحوال في خدمة ملوك بني بويه، فكان وزيراً لمؤيد الدولة ثم لأخيه فخر الدولة، وله في ملكهما اليد المطلقة والأمر النافذ حتى مات سنة 385ه. ويعد ابن عباد في الكتابة ثاني ابن العميد في حلبته وأبلغ من سلك طريقته، غير أنه أولع بالسجع والجناس، ولا يعرف بعدهما من بلغ بشرف العلم والأدب مبلغهما، ولا حل من شرف الملك والسلطان بمهنة الكتابة منزلتهما، ومن رسائله ما كتب به إلى بعض السادة وقد أهدى إلى ابن عباد مصحفاً.\rالبر \"أدام الله السيد\" أنواع، تطول به أبواع، وتقصر عنه أبواع فإن لم يكن فيما هو أكرم منصباً وأشرف منسباً فتحفة السيد إذا أهدى ما لا تشاكله النعم ولا تعادله القيم: كتاب الله وبيانه وكلامه وفرقانه ووحيه وتنزيله وهداه وسبيله ومعجز رسول الله ( ودليله طبع دون معارضة على الشفاه وختم على الخواطر والأفواه فقصر عنه الثقلان وبقي ما بقي الملوان. لائح سراجه. واضح منهاجه. منير دليله. عميق تأويله يقصم كل شيطان مريد ويذل كل جبار عنيد، وفضائل القرآن لا تحصى في مطولات الأسفار فأصف الخط الذي بهر الطرف وفاق الوصف وجمع صحة الأقسام وزاد في نخوة الأقلام بل أصفه بترك الوصف فأخباره آثاره وعينه فراره وحقاً أقول إني لا أحسب أحداً ما خلا الملوك جمع من المصاحف ما جمعت وابتدع في استكتابها ما ابتدعت، وإن هذا المصحف لزائد عن جميعها زيادة الفرع على الغرة بل زيادة الحج على العمرة.\rأبو بكر الخوارزمي","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الكاتب الشاعر اللغوي الأديب الرحالة ولد بخوارزم سنة 323ه ونشأ بها وكان ضليعاً في كل فن من فنون العربية وخاصة الكتابة والشعر.\rجاب الأقطار ودخل الأمصار من الشام إلى أقصى خراسان في استفادة العلم والأدب وإفادتهما: وكان كثير الحفظ للشعر غزير المادة من اللغة.\rوتقلب الخوارزمي في خدمة كثير من الملوك والأمراء والوزراء حتى ألقى عصا التسيار بمدينة نيسابور وطاب عيشه بها إلى أن مني في آخر أيامه بمساجلة بديع الزمان الهمذاني ومناظرته ومناضلته وأعانه عليه قوم من أعيان البلدة ووجوهها فانخذل الخوارزمي انخذالاً شديداً وكسف باله ولم يحل عليه الحول حتى مات سنة 383ه.\rوكان الخوارزمي ممن يجري على طريقة ابن العميد في الكتابة متوخياً جزالة الألفاظ محتفلاً بصحة المعاني مع ميل فيه إلى الغريب، وتقدم له كثير من الرسائل.\rبديع الزمان الهمذاني\rهو أبو الفضل أحمد بن الحسين الكاتب المترسل والشاعر المبدع: حافظ عصره. نشأ بهمذان ودرس العربية والأدب ونبغ فيهما وضرب في الأرض يتكسب بأدبه ثم أقام بنيسابور مدة أملى بها أربعمائة مقامة بلفظ رشيق وسجع رقيق، وعلى منوالها نسج الحريري. ثم شجر بينه وبين الخوارزمي ما كان سبباً في هبوب ريحه وبعد صيته إذ لم يكن في الحسبان أن أحداً يجترئ على الخوارزمي.\rوبموت الخوارزمي خلا له الجو عند الملوك والأمراء، فتجول في حواضرهم، ثم استوطن هراة وصاهر أحد أعيانها العلماء، فحسنت حاله، ونعم باله، وبكن المنية عاجلته وهو في سن الأربعين سنة 398ه وتقدم له كثير من الرسائل والمقدمات.\rابن زيدون","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"هو الكاتب الشاعر ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله المشهور بابن زيدون المخزومي الأندلسي. نشأ في مدينة قرطبة وتأدب على كبار أئمتها وقال الشعر وأجاده، ولما نبه شأنه بين شعراء قرطبة اتصل بأبي وليد بن جهور أحد ملوك الطوائف، فحظي عنده ومدحه حتى أصبح لسان دولته الناطق، وحسامها المسلول. فأفسد أعداؤه ما بينه وبين ابن جهور، فاعتقله ومكث في محسبه مدة استشفع فيها بقصائد أبدعها، ورسائل استنفذ فيها جهده، فما ألانت له قلباً فأعمل الحيلة في فراره من سجنه، وخلص إلى المعتضد بن عباد ملك إشبيلية إذ كان أشد ملوك الطوائف رغبة فيه وأكثرهم تمسكاً بالأدباء، فألقى إليه مقاليد وزارته، وأصبح صاحب أمره ونهيه، ولما مات المعتضد وخلفه ابنه المعتمد كان له كما كان أبوه. وأغدق عليه بره ونعمته.\rومكث ابن زيدون على هذه الحال حتى مات بإشبيلية سنة 463ه (راجع رسالة الجدية في فن المكاتبات إذا شئت).\rالقاضي الفاضل\rهو أبو علي عبد الرحيم البيساني اللخمي ولد بمدينة عسقلان سنة 529 وتعلم على أبيه وغيره. قدم مصر وهو شاب أواخر الدولة الفاطمية وتعلم في ديوان ابن حديد قاضي الإسكندرية. وظهر فضله فيما كان يرسله إلى القاهرة من الرسائل فاستقدم أيام الظافر إليها، وكان من كتاب ديوانه، ولازم خدمة أكابر القضاة والكتاب في الديوان، وأخذ عنهم، وحاكاهم بل فاقهم فصاحة وبلاغة لسعة اطلاعه وغزارة مادته وسرعة بديهته وصفاء خاطره.","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"ولما سقطت الدولة الفاطمية تولى وزارة صلاح الدين بن أيوب، وكان يتردد بين مصر والشام في الحروب الصليبية، ودبر المملكة أحسن تدبير وبقي في الوزارة حتى مات صلاح الدين فوزره لابنه العزيز على مصر. ثم وزر من بعده لأخيه ومات سنة 569 ه .\rومن رسائله القصيرة رسالة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليه خطابة الكرك وهي: أدام الله السلطان الملك الناصر وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأثبته وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته.\rخدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب. ولما نبا بن المنزل عنها وقل عليه المرفق منها. وسمع هذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها. ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها. سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها قد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا المتلمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام وعن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف والسلام.\rالتدوين والتصنيف\rكانت الحاجة إلى التدوين قد اشتدت في مبدأ الدولة العباسية لاتساع ممالك الإسلام فهب العلماء إلى تهذيب ما كتب في الصحف المتفرقة وما حفظوه في الصدور ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتباً، وكان من أقوى الأسباب لإقبال العلماء على التصنيف حث الخليفة أبي جعفر المنصور عليه وحمله الأئمة والفقهاء على جمع الحديث والفقه ولم يقتصر على معاضدة العلوم الإسلامية بل أوعز إلى العلماء والمترجمين أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية واليونانية فنون الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب، وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى زخرت بحور العلم واخترعت الفنون وتفرعت المسائل ودونت الكتب في كل فن.\r\rكتابة التصنيف والتدوين","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"وكانت كتابة التصنيف والتدوين في القرن الأول وبعض الثاني من النهضة عبارة عن سلسلة من الروايات المسندة إلى رواتها، وبعضها يروى بلفظ أصحابها غالباً: كما في الشعر والخطب والرسائل، وبعضها بلفظ الراوي كما في أخبار الفتوح والتاريخ والقصص، ثم ظهرت بعد ذلك في العلوم الشرعية واللسانية طبقات الاستنباط والتعليل والتفريع والشرح والاختصار وجمع الفروع تحت كليات عامة فلم يكن للمؤلفين بد من حذف أسانيد الروايات وترك المحافظة على نقلها بلفظها إلا في الحديث ونحوه.\rأما كتب العلوم المترجمة فكانت عبارتها هي تفسير ألفاظها الأعجمية بالعربية، ولم تكن ترجمتها جيدة في عصر المنصور، ثم صححت ترجمتها في زمن الرشيد والمأمون. ثم لما أتقن كثير من فلاسفة المسلمين هذه العلوم كتبوا فيها بعبارتهم، وكانت أول أمرها بليغة مفهومة ثم عموها على بعض الفقهاء المفكرين لهم والمغرين الأمراء والسلاطين بقتلهم، حتى أصبحت عبارة كتب الفلسفة والتوحيد أصعب ما يقرأ باللسان العربي.\rالعلوم اللسانية ونشأتها","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"العلوم اللسانية هي الأدب، والتاريخ، والعروض، والنحو، واللغة، والبلاغة.\rعلم الأدب: كانت كتبه في أول هذا العصر رسائل يبحث كل منها في ضرب خاص من ضروبه، كرسائل ابن المقفع ورسائل سهل بن هارون في الأخلاق وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب الشعر للأصمعي، وكتاب الشعر والشعراء لأبي عبيدة، وإذا تابعنا من يقول إن ابن المقفع هو الذي ابتدع كتاب كليلة ودمنة ونحلة الهند والفرس كان هذا الكتاب أول كتاب ظهر في الأدب العربي الخاص بموضوع واحد: وأول كتاب ظهر فيه جامع لفنون كثيرة منه كتاب البيان والتبيين. وكتاب الحيوان للجاحظ، واقتفى أثره أحمد بن طيفور في كتابه العظيم المنظوم والمنثور في أربعة عشر جزءاً.\rثم أبو العباس محمد المبرد، في الكامل والروضة، ثم أبو حنيفة الدينوري. وأبو بكر محمد الصولي. وابن قتيبة صاحب أدب الكاتب. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وأبو علي القالي صاحب الأمالي، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني وغيرهم، ومن أشهر المؤلفين في الأدب الجاحظ، وأحمد بن عبد ربه، والحريري: وهاهي ترجمتهم.\rالجاحظ","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"هو إمام الأدب أبو عثمان عمرو بن الجاحظ بن بحر بن محبوب الكناني البصري. ولد حوالي سنة 160 بمدينة البصرة. ونشأ بها فتناول كل فن ومارس كل علم عرف في زمانه مما وضع في الإسلام أو نقل عن الأمم الأوائل فاصبح له مشاركة في علم كل ما يقع عليه الحس أو يخطر بالبال فهو راوية متكلم فيلسوف كاتب مصنف مترسل شاعر مؤرخ عالم بالحيوان والنبات والموات، واصف لأحوال الناس ووجوه معايشهم واضطرابهم وأخلاقهم وحيلهم إلا أنه غلب عليه أمران: الكلام على طريقة المعتزلة: والأدب الممزوج بالفلسفة والفكاهة: وكان غاية في الذكاء ودقة الحس وحسن الفراسة: وكان سمحاً جواداً كثير المواساة لأخوانه: وكان على دمامة خلقه وتناقض خلقه خفيف الروح فكه المجلس غاية في الظرف وطيب الفكاهة وحلاوة الكلام، وهو على الجملة أحد أفذاذ العالم وإحدى حجج اللسان العربي، وأقام الجاحظ أكثر عمره بالبصرة يعيش معيشة الأدباء والعلماء محسوباً لولاتها وأعيانها محبواً منهم بالعطايا والمنح بما يصنفه لهم من الكتب المتفقه مع أهوائهم المختلفة، وكان كثير الانتجاع للخلفاء ببغداد وسر من رأى حتى فلج بالبصرة وبقي مفلوجاً بها مدة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران (أم الرشيد) سنة 255 ه، وله أكثر من مائتي كتاب.\r\rأحمد بن عبد ربه","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"هو أديب الأندلس وشاعرها أبو عمر أحمد بن محمد به عبد ربه القرطبي ولد سنة 246 ه ونشأ بمدينة قرطبة ودرس علوم العربية فنبغ في جميعها. وحفظ منها ما لم يحفظه أحد من علماء زمانه وقرأ رسائل المحدثين من المشارقة وما ترجم من كتب الأوائل في أكثر العلوم، وأودع زبدة ذلك في كتابه \"العقد الفريد\" وكان يشتغل في حداثته بالشعر ويجري في مضمار اللهو والطرب ونظم في ذلك من القصائد والمقطعات الرقيقة الجميلة ما جعل المتنبي على صلفه وكبره حين سمع شعره يسميه (مليح الأندلس) ثم أقلع في كبرته عن صبوته وأخلص لله في توبته: فاعتد أشعاره التي قالها في الغزل واللهو عملاً باطلاً: وعمل على أعاريضها وقوافيها قصائد في الزهد يعارضها بها، وسماها الممحصات، ونال من خلفاء بني أمية بالأندلس قبولاً وحل عندهم في المكان الأسمى، وبقي بقرطبة رئيساً مسوداً حتى فلج وعاش كذلك عدة سنين ثم مات بها سنة 328 ه.\rالحريري\rهو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الكاتب الشاعر اللغوي النحوي صاحب البدائع المأثورة في مقاماته المشهورة التي نسجها على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني وأنشأ خمسين مقامة أتى فيها على كثير من مواد اللغة وفنون الأدب وأمثال العرب وحكمها بعبارة مسجعة مزينة بأنواع البديع، ولا سيما الجناس ترغيباً للطلاب في حفظ اللغة وأدبها وتفكيهاً لهم بمطالعتها وتحل وقائعها أبا زيد السروجي وهو أعربي فصيح من سروج كان قد قدم البصرة وأعجب به علماؤها، وسمى راويها عنها لحارث بن همام (يريد نفسه) وأهداها إلى الوزير جمال الدين بن صدفة وزير المسترشد العباسي، وله غير المقامات شعر كثير ورسائل بديعة وكتب في النحو واللغة منها كتابه: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وتوفي بالبصرة سنة 515 ه.\rفن التاريخ","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"أول ما وضع في التاريخ باللغة العربية الكتاب الذي وضعه عبيد بن شرية لمعاوية وفي صدر الدولة العباسية وضع كثير من العلماء كتباً في التاريخ بأقسامه التي من أشهرها: (1) فن السيرة والمغازي: وأشهر من ألف فيه من الأوائل محمد بن إسحاق.\r(2) فن الفتوح: وأشهر من ألف فيه منهم الواقدي والمدائني وأوب مخنف.\r(3) فن طبقات الرجال: وأشهر علمائه ابن سعد كاتب الواقدي والبخاري.\r(4) فن النسب: وأشهر قدماء علمائه الكلي وابنه.\r(5) فن أخبار العرب وأيامها: وأشهر علمائه أبو عبيدة والأصمعي.\r(6) قصص الأنبياء: وكتب فيه كثيرون.\r(7) تاريخ الملوك: ومن أقدم من كتب فيه ابن قتيبة والهيثم ابن عدي وابن واضح اليعقوبي، ثم شيخ المؤرخين وعمدتهم محمد بن جرير الطبري الجامع كتابه هذه الفنون السابقة مرتباً على حسب السنين الهجرية.\rوحاكاه بعده ابن الأثير في تاريخه الكامل.\rالعروض والقافية\rأول من اخترع علم العروض الخليل بن أحمد من غير سابقة تعلم على أستاذ أو تدرج في وضع بل ابتدعه وحصر فيه أوزان العرب في خمسة عشر بحراً وزاد عليها تلميذ تلميذه الأخفش بحراً آخر ثم لم يزد عليها أحد شيئاً يعتد به.\rأم القافية فقد كان العلماء قبل الخليل يتكلمون فيها، ولكن الخليل هو أول من فصل الكلام فيها وجعلها علماً مدوناً.\rالنحو\rجاءت الدولة العباسية والنحو علم يدرس في المعاهد ولكن البصريين سبقوا الكوفيين في الاشتغال به كما سبقهم الكوفيون في الاشتغال بالشعر وعلم الصرف.\rومن أكثر الأئمة الذين اشتغلوا بالنحو وهذبوه من البصريين أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الخليل وتلميذ الخليل سيبويه الواضع لأول كتاب جامع في النحو ثم بعده الأخفش شارح كتابه.\rومن الكوفيين معاذ الهراء والرواسي وتلميذهما الكسائي وتلميذه الفراء.\rعلم اللغة","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"ويسمى متن اللغة، ونعني به معرفة معاني ألفاظهم المفردة. وأول ما وضع الأئمة في رسائل وكتب صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم مقدماً حروف الحلق ومبتدئاً منها بالعين ولذلك سمى معجمه \"كتاب العين\" ثم ألف أبو بكر بن دريد معجمه العظيم الذي سماه (الجمهرة) مرتباً له على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن. وأدرك عصره الأزهري فألف كتاب (التهذيب) على ترتيب الخليل ثم وضع الجوهري في كتابه المسمى ب(الصحاح) على ترتيب الجمهرة وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم) على ترتيب الخليل وابن فارس كتابه (المجمل) والصاحب بن عباد كتابه (المحيط) وهذه هي أصول كتب اللغة وما بعدها من (\"العباب\" و\"مجمع البحرين\") للصاغاني، و\"النهاية\" لابن الأثير و\"لسان العرب\" لابن مكرم، و\"المصباح\" للفيومي و \"القاموس\" للفيروزابادي، فهو جمع لها أو اختصار منها.\r\rعلوم البلاغة المعاني والبيان والبديع\rأول كتاب دون في علم البيان كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة تلميذ الخليل ثم تبعه العلماء: ولا يعلم أول من ألف في المعاني بالضبط، وإنما أثر فيها كلام عن البلغاء وأشهرهم الجاحظ في إعجاز القرآن وغيره. وأول من دون كتبا في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر. وقبل ذلك كان البديع يستعمل في الشعر عملاً، وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه دلائل الإعجاز وفي البيان كتابه أسرار البلاغة وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم مفتاح العلوم.\rالخليل بن أحمد","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي البصري مخترع العروض، ومبتكر المعجمات، وواضع الشكل العربي المستعمل الآن.\rولد سنة 100 بالبصرة ونشأ بها وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه وأكثر الخروج إلى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله ولقن ذلك تلميذه سيبويه.\rومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر اختراعه العروض علماً كاملاً لم يحتج إلى تهذيب بعد، وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب \"العين\" وتدوينه كتاباً دقيقاً في الموسيقى على غير معرفة بلغة أجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة سماها جملاً لعب بها الناس زمناً، وبقي الخليل مقيماً بالبصرة طول حياته زاهداً متعففاً مكباً على العلم والتعليم حتى مات في أوائل خلافه الرشيد سنة 174 ه? بصدمة في دعامة مسجد ارتج منها دماغه.\r\r????سيبويه\rهو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: إمام البصريين وحجة النحويين.\rولد بالبيضاء من سلالة فارسية ونشأ بالبصرة وكان يطلب أول أمره الحديث والفقه فعيبت عليه لحنة لحنها في مجلس شيخه فخجل، وطلب النحو ولازم الخليل وأخذ عن غيره أيضاً وكان الخليل يؤثره على أصحابه، فدون جميع ما أخذه عنه ونقله عن غيره في كتابه الذي لم يجمع قبله مثله ولولا هذا (الكتاب) الذي رواه عنه وشرحه تلميذه الأخفش ما كان لسيبويه خبر يشهر لوفاته كهلاً ولقلة من أخذ عنه هذا الكتاب ولأنه لا يعرف له كتاب غيره وبحسبك هو، ومات ببلدته البيضاء بفارس سنة 177 ه?\rالكسائي","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"هو أبو الحسن علي بن حمزة: أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة: نشأ بالكوفة وتعلم على الكبر بعد لحنة لحنها أمام جمع من طلبة العلم فلازم أئمة الكوفة حتى أنفذ ما عندهم، ثم خرج إلى الخليل بالبصرة وجلس في حلقته، وأعجبه علمه. فقال له: من أين علمك هذا قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة فخرج إليها، وأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ عنهم. ولما رجع من البادية وجه إليه المهدي فخرج إلى بغداد فحظي عنده وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، ثم جعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فكان يجلسه هو والقاضي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة على كرسيين متميزين بحضرته، وما زالا على هذه الكرامة حتى خرج الرشيد إلى الري وهما في صحبته فماتا في يوم واحد فبكاهما وقال دفنت الفقه والعربية بالري وذلك سنة 189 ه? وقد انتهت إليه إمامة القراءة والعربية بالكوفة وبغداد، وكان يروي الشعر وليس له فيه جيد نظر.\r\rالعلوم الشرعية\rالتفسير: لم يدون في كتب جامعة تجمع سور القرآن الكريم كلها إلا في عصر الدولة العباسية. وكان التفسير عبارة عن نقل روايات عن النبي ( وأصحابه تبين المراد من آياته، وأول طبقة من المفسرين أدركت الدولة العباسية أو نشأت في صدرها طبقة سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وإسحاق بن راهويه ومقاتل بن وسليمان والفراء.\rالحديث","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"أول كتاب جمع في الحديث الكتاب الذي أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بتدوينه ولم يعرف له خبر بعد: ثم أخذ العلماء يدونون فيه بحض الخليفة أبي جعفر وأولاده، فدون الإمام مالك موطأه. ولما اشتدت رغبة الناس في طلب الحديث وضع كثير من الزنادقة واليهود المتظاهرين بالإسلام كثيراً من الأحاديث فتجرد لها الأئمة الأعلام وبينوا صحيحها من فاسدها كإسحاق بن راهويه وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري الذي دون كتابه في الأحاديث الصحاح فقط، وتبعه تلميذه مسلم بن الحجاج، والإمام أحمد بن حنبل وأصحاب كتب السنة الصحاح وهم: الترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. هذه هي أصول الكتب في الحديث\rالإمام البخاري\rهو أبو عبد الله محمد بنم إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، إمام المحدثين وصاحب الجامع الصحيح أجل كتب الإسلام بعد كتاب الله العزيز.\rولد ببخارى من سلالة فارسية سنة 194 ه? ونشأ بها يتيماً فحفظ القرآن وألم بالعربية وهو صبي وحبب إليه سماع الحديث فكان أول سماعه من علماء بخارى وهو لم يناهز البلوغ حتى حفظ عشرات الألوف من الأحاديث ودخل من أجله أكثر ممالك المشرق وأخذ عنه علماؤها وأئمتها ومنهم أحمد بن حنبل. وتفقه على مذهب الشافعي واستخرج كتابه \"الجامع الصحيح\" من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة جمع فيه تسعة آلاف حديث مكرر بعضها بتكرر وجوهها وقال إني جعلته بيني وبين الله فأجمع علماء السنة على أنه لم يكن فيها أصح منه ومات سنة 256 ه?.\rعلم الفقه","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"لما كان المروي عن رسول الله وظاهر نص القرآن لا يستوعبان كل أحكام الوقائع المختلفة المتجددة بتجدد الزمان والمكان كان الاجتهاد ضرورياً في الدين وجاءت الدولة العباسية وأهل الحجاز يرجحون جانب الأخذ بالحديث لكثرة رواته بينهم، وإمامهم في مذهبهم مالك بن أنس، وأهل العراق يرجحون جانب الأخذ بالقياس، وإمامهم في مذهبهم أبو حنيفة لكثرة ما وضعه متزندقة العراق في الحديث ثم لما دخل أهل الحجاز العراق وتساوى الفريقان في معرفة الأحاديث عملوا بهما، ونشأ من ذلك عدة مذاهب أشهرها مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة هي التي ارتضاها معظم الأمة في أمر دينها ودنياها ثم كان لكل مذهب أئمة مجتهدون فيه:\rالإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان\rهو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت فقيه العراق. ولد سنة 80 ه? من سلالة فارسية ونشأ بالكوفة بعض الصاحبة وأخذ كل علمه عمن شافه الصحابة ونقل عنهم، وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجداً وقراءة للقرآن الكريم وأكثرهم ورعاً وتوخياً للكسب من وجه حل، رضي أن يعيش تاجر خز ورغب عن وظائف الملوك والخلفاء، وعرض عليه القضاء من قبل أمراء بني أمية ثم المنصور فأبى فسجنه وآذاه حتى قيل أنه مات في سجنه وكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه أن تزل وقرأ عليه الكوفة وبغداد وتخرج عليه منها الأئمة من أصحاب كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر، ومات ببغداد سنة 150 ه? واستنباط فقهه من القرآن والحديث مع استعمال الرأي والقياس.\rالإمام مالك","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"هو أبو عبد الله مالك بن أنس أمام دار الهجرة وسيد فقهاء الحجاز من سلالة عربية ولد سنة 95 ه? بالمدينة المنورة ونشأ بها وأدرك خيار التابعين ومن الفقهاء والعباد ورحل إليهم وأخذ عنهم وما زال يدأب في التحصيل وجمع السنة حتى صار حجة من حجج الله في أرضه وضرب به المثل فقيل: (لا يفتى ومالك بالمدينة) وعرف الخلفاء قدره فأجلوه، حتى أن الرشيد رحل هو وأولاده إليه بالحجاز ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه. وكان مالك أول أمره فقيراً فلما كثرت منح الخلفاء له حسن حالة فالظهر نعمة الله عليه ووصل أهل العلم وأشركهم في ماله ومنهم الشافعي. وأخلاقه: من الكرم والطلاقة والوقار والنبل والتواضع والحب لرسول الله عليه الصلاة والسلام تجل عن الوصف حتى أنه كان لا يركب دابة في المدينة إجلالاً لأرض ضمت جسد رسول الله وتوفي سنة 179 بالمدينة ودفن بالبقيع.\rالإمام الشافعي\rهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. عالم قريش وفجرها وإمام الشريعة وحبرها، وهو من ولد المطلب بن عبد مناف ولد بمدينة غزة سنة 150 ه? وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها فقيراً تربيه أمه ويواسيه ذوو قرابته من قريش، حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين وأولع بالنحو والشعر واللغة ورحل إلى البادية في تطلبها ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً، ثم تفقه وحفظ موطأ مالك وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. ثم رحل في هذه السن إلى مالك وقرا عليه الموطأ من حفظه فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام. وأضافه وخدمه بنفسه. ثم رجع إلى مكة، وعلم بها العربية والفقه، وصحح عليه الأصمعي شعر الهذليين ثم دخل بغداد سنة 195 فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه. وفي سنة 199 أو سنة 200 ه? خرج إلى مصر وسكن الفسطاط فكانت دار هجرته، وبها أملى مذهبه بجامع عمرو، وتوفي سنة 204ه?.\r??الإمام أحمد بن حنبل","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"هو الإمام الصابر المحتسب أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ولد ببغداد من سلالة عربية سنة 164 فتعلم العلم وطلب الحديث وسمع من أئمة وقته حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث وأختار منها نيفاً وأربعين ألف حديث ضمنها كتابه المسند، واستنبط مذهبه من السنة مشوباً بشيء من القياس والرأي وظهرت في مدته فتنة خلق القرآن، فامتحن بها في مجلس المعتصم ليجيبهم إلى القول بخلق القرآن فلم يفعل، فضرب حتى أغمي عليه، ثم عوفي واشتغل بالعلم والتعليم ببغداد حتى مات سنة 241 ه?.\rعلم الكلام\rكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة. وما وقع فيهما من المتشابه أو أوهم التشبيه المنافي لتنزيه المعبود توقفوا فيه خوف أن يحيد بهم فهمهم في التأويل عن القصد. غير أن ذلك لم يقنع من دخل في الإسلام فكثر جدلهم واضطر العلماء أن يعارضوهم وساعدهم الخلفاء وأولهم المهدي الذي حرضهم على تدوين علم الكلام \"التوحيد\" فافترق المرضي عن مذهبهم من علماء الكلام فرقتين، فرقة اعتقدت ما يقرب من مذهب السلف وسموا الجماعية أو أصحاب الحديث، وفرقة اعتزلها وخالفتها في بعض المسائل وسموا المعتزلة أو أصحاب العدل، وجرى رجال الحكومة العباسية على هذا المذهب ونصروه، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فألف مذهبه الكلامي الذي سمي بعد بمذهب الأشاعرة وغلب على كل مذهب شواء إلا بعض مذاهب قليلة كمذهب الشيعة \"وبقي كثير منها إلى الآن\" ومذاهب الخوارج وبقي منهم إلى عصرنا بقية في الجبل الأخضر من برقة، وفي جزيرة جربة على ساحل تونس وببلاد البحرين.\rأبو الحسن الأشعري","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"هو أبو الحسن علي بن إسماعيل شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين ولد بالبصرة سنة 260 ه?، ونشأ علم الكلام عن أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة وتبعه في الاعتزال، واحتج له حتى صار لسان المعتزلة أكثر من ثلاثين عاماً، ثم هداه البحث. فرأى أن كلا الفريقين من هؤلاء ومن المعتزلة غال في نظره، فتوسط وتغيب عن الناس مدة ألف فيها كتبه في نصرة أهل السنة والرد على أكثر عقائد المعتزلة؛ وكان شافعي المذهب، توفي سنة 324 ه? وممن نصر مذهبه الفجر الرازي والغزالي وقاربه في مذهبه القاضي أبو منصور الماتريدي.\rالإمام الغزالي\rهو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي حجة الإسلام ولذ سنة 450 ه?? ونشأ بطوس وتعلم بها مبادئ العلوم ثم رحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين الجويني وهو يومئذ عالم الشافعية في الشرق فما زال يتلقى عنه العلم حتى صار من أكابر متكلمي الأشاعرة وفقهاء الشافعية. ولما مات الجويني ذهب إلى بغداد ولقي الوزير نظام الملك صاحب المدرسة النظامية الشهيرة وناظر بحضرته العلماء فظهر عليهم وأقر له فحول العراق بالفضل فتولى التدريس بالمدرسة النظامية أربع سنوات، ثم حج وذهب إلى الشام يدرس ويسيح لزيارة بعض مشاهد أنبيائها ثم دخل مصر وأقام بالإسكندرية مدة ثم عاد إلى موطنه طوس واشتغل بتأليف الكتب الجليلة التي في مقدمتها كتاب \"إحياء علوم الدين\" ثم لزم التدريس بنيسابور ثم عاد إلى موطنه حيث مضى بقية عمره بين التدريس ووعظ الصوفية وعمل البر حتى مات بطوس سنة 505 ه?.\r\rنشأة العلوم الكونية المنقولة وترجمتها وأشهر المترجمين والمشتغلين بها","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"وكانت تسمى علوم الفلسفة والحكمة وتشمل أربعة علوم: المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإليهات، وتشمل الطبيعيات علم الطبيعة والكيمياء وفن المواليد الثلاثة والطب والصيدلة والفلاحة.\rوتشمل الرياضيات علم الحساب وعلم الجبر وعلم الهندسة وعلم الآلات والحيل (الميكانيكا) وعلم الفلك الشامل للهيئة والتنجيم، ومن متعلقاته علم الجغرافيا الرياضية. ويلحق بهذه العلوم علم السياسة وتدبير المنزل والمال وعلم الأخلاق والموسيقى: وتشمل الإلهيات علم ما وراء الطبيعة من الروحانيات والمدركات العقلية كالبحث عن صفات الخالق والقوى النفسية والجن والملائكة ونحو ذلك.\rوهذه العلوم فطرية في الإنسان من حيث أنه متفكر متمدين لا تختص بها أمة دون أخرى فكان الاشتغال بها ضرورياً لكل أمة أصبحت ذات حضارة ولذلك ترجم المسلمون يعضها في عصر بني أمية، واستقدم المنصور العباسي كثيراً من الأطباء والمترجمين، فترجموا له كتب اليونان والفرس والهنود في الطب والفلك والسياسة، ولما مات المنصور فتر أمر الترجمة إلى زمن الرشيد والبرامكة فحثوا العلماء على ترجمة الكتب اليونانية وصححوا بعض ما ترجم زمن المنصور، ثم جاء عصر المأمون فزخرت بحور الترجمة الترجمة، وبعث إلى بلاد الروم جماعة من المترجمين كابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة والحجاج بن مطر وحنين بن إسحاق فاختاروا كتباً حملوها إلى بغداد وترجمت وتعلمها الناس وصححوا أغلاطها واستدركوا عليها ولم يمض قرن من تأسيس الدولة العباسية حتى برع المسلمون في هذا العلوم كلها، وظهر منهم من الحكماء والفلاسفة من كاد يلحق فلاسفة اليونان. ومن هؤلاء فيلسوف الإسلام والعرب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي وبنو موسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن أشهر رياضي هذا العصر، وأول المخترعين من المسلمين في الحيل والهندسة، ومحمد بن موسى الخوارزمي مخترع علم الجبر والمقابلة. ومذيع الحساب","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"الهندي بين العرب.\rثم ذهب طور الترجمة والتصحيح. وتلاه طور التأليف والتكميل والاختراع فأتى فيه بالعجب العجاب أبو نصر محمد بن محمد طرخان الفارابي الحكيم الكبير مخترع آلة الطرب المسماة بالقانون، والتي استنبط الإفرنج بمحاكاتها آلة المعزف (البيانو) المتوفى سنة 339 ه? وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب الكيميائي الشهير المتوفى سنة 313 ه? والشيخ الرئيس حكيم المشرق أبو علي الحسين بن سينا المتوفى سنة 428 ه? وأبو الريحان احمد بن محمد البيروني الفلكي الرياضي المقوم المتوفى سنة 430 ه?.\rوكان لدولة الفواطم في مصر اشتغال بهذه العلوم فاشتهر في دولتهم في الفلك والرياضيات ابن يونس، وفي الطب ابن رضوان وغيرهما، ولم يعن أهل الأندلس بهذه العلوم عناية أهل المشرق، وأشهر من نبع منهم فيها أبو الوليد القاضي أحمد بن رشد وأبو القاسم الزهراوي، ومن كتب هؤلاء الأئمة وأمثالهم اقتبس أهل (أوربا) كثيراً من أصول مدينتهم الحاضرة.\rالشعر والشعراء\rقد كان للشعر عند الخلفاء والوزراء والقواد سوق نافقة حتى عند رؤساء الأعاجم من الديلم والترك، ودام كذلك إلى انتهاء الدولة العباسية. وبهذه العناية العظيمة بل وكثرة قائليه ومنتحليه تفنن الناس وأدخلوا عليه فنوناً لم تعهد فيه واستعملوه في كل غرض حتى التعبد به، وتشكل أسلوبه وتنوعت معانيه بما يطابق أغراض استعماله.\rولم يقصر الشعر على الموالي في صدر الدولة العباسية كالكتابة، بل اشتركوا فيه هم وغيرهم من أعراب البادية أحياناً ومن سلائل العرب بالأمصار أخرى، غير أن بضعة من فحول صدر الدولة كانوا موالي مثل بشار، وأبي نواس، ومسلم، وأبي العتاهية، وابن الرومي.\rومن أشهر شعراء الأمصار من العرب أبو تمام، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي، وأبو فراس، وأبو العلاء المعري، وابن هانئ الأندلسي، والشريف الرضي.\r\r(1) بشار بن برد","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"هو أبو معاذ بشار المرعث بن برد: اشعر مخضومي الدولتين ورأس الشعراء المحدثين، وممهد طريق الاختراع والبديع للمتفننين، وأحد البلغاء المكفوفين. وأصله من فرس طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة فنشأ بشار فيهم وأختلف إلى الأعراب الضاربين بالبصرة حتى خرج نابغة زمانه في الفصاحة والشعر، وكان أكمه مجدور الوجه قبيح المنظر، مفرط الطول، ضخم الجثة، متوقد الذكاء، لا يسلم من لسانه خليفة ولا سوقة، لا يألف ولا يؤلف.\rشعره: قد أجمع رواة الشعر ونقدته على أن بشاراً هو رأس المحدثين وأسبقهم إلى معاطاة البديع وطرق أبواب المجون والخلاعة والغزل والهجاء وأنه أول من جمع في شعره بين جزالة العرب ورقة وفتق عن المعاني الدقيقة والأخيلة اللطيفة حتى عد شعره برزخاً بين الشعر القديم والحديث ومجازاً يعبر عليه الشعر من مرابع البدواة إلى مقاصير الحضارة، ومات سنة 167 ه?.\rومن شعره في المشورة والحكم والنصائح:\rإذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعن\r\rبرأي نصيحٍ أو نصيحةِ حازم\r\rولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً\r\rفإن الخوافي قوةٌ للقوادم\r\rوما خيرُ كفّ أمسك الغلُّ أختها\r\rوما خيرُ سيفٍ لم يؤيّد بقائم\r\rوخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن\r\rنؤوماً فإنّ الحرِّ ليس بنائم\r\rوقوله:\rإذا كنتَ في كلّ الأمور معاتباً\r\rصديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ\r\rفعش واحداً أو صلْ أخاك فإنه\r\rمقارفُ ذنب مرَّةً ومجانبهْ\r\rإذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى\r\rظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه\r\rوقوله:\rخليليَّ إن المالَ ليس بنافع\r\rإذا لم ينلْ منه أخٌ وصديقُ\r\rوكنتُ إذا ضاقت عليَّ محلة\r\rتيمّمت أخرى ما عليَّ مضيقُ\r\rوما خاب بين الله والناس عاملٌ\r\rله في التقى أو في المحامد سوق\rوما ضاق فضلُ الله عن متعفِّف\r\rولكنَّ أخلاقَ الرجال تضيق\r\r(2) أبو نواس","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"هو أبو علي الحسن بن هانئ، الشاعر المتفنن الجاد الماجن، صاحب الصيت الطائر، والشعر السائر، ورأس المحدثين بعد بشار، وهو فارسي الأصل.\rولد بقرية من كورة خوذستان سنة 146 ه? ونشأ يتيماً فقدمت به أمه البصرة بعد سنتين من مولده فتعلم العربية ورغب في الأدب فلم تعبأ أمه بحاله وأسلمته إلى عطار بالبصرة، فمكث عنده لا يفتر عن معاناة الشعر إلى أن صادفه عند العطار \"والبة بن الحباب\" الشاعر الماجن الكوفي في إحدى قدماته إلى البصرة فأعجب كل منهما بالآخر، فأخرجه والبة معه إلى الكوفة فبقي معه ومع ندمائه من خلعاء الكوفة، وتخرج عليهم في الشعر وفاقهم جميعاً، وبلغ خبره الرشيد فأذن له في مدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع إلى مدح محمد الأمين وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيره فسجنه ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن مات ببغداد سنة 198 ه?.\rوكان أبو نواس جميل الصورة فكه المحضر، كثير الدعابة، حاضر البديهة، متيناً في اللغة والشعر والأدب.\rشعره: أكثر علماء الشعر ونقدته وفحول الشعراء على أن أبا نواس أشعر المحدثين بعد بشار وأكثرهم تفنناً وأبدعهم خيالاً مع دقة لفظ وبديع معنى وأنه شاعر مطبوع برزفي كل فن من فنون الشعر، وامتاز من كل الشعراء بقصائد الخمريات ومقطعاته المجونيات. وكان شعره لقاح الفساد والقدوة السيئة لنقله الغزل من أوصاف المؤنث إلى المذكر.\rومن قوله لما حضرته الوفاة:\rيا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً\r\rفلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ\r\rإن كان لا يرجوك إلاَّ محسنٌ\r\rفبمن يلوذُ ويستجير المجرمُ\r\rأدعوك ربّ كما أمرت تضرُّعا\r\rفإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ؟\rمالي إليك وسيلة إلاّ الرّجا\r\rوجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ\r\r(3) مسلم بن الوليد","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"هو صريع الغواني أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري، أحد الشعراء المفلقين. قال الشعر في صباه ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء مكتفياً بما يناله من قليل العطاء، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد ومدحه ومدح البرامكة وحسن رأيهم فيه ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين: الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قربه وأدناه وولاه أعمالاً بجرجان، ثم الضياع بأصبهان. ولما قتل الفضل لزم منزلة ونسك ولم يمدح أحداً حتى مات بجرجان سنة 208 ه?.\rشعره: قد تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، ومزج كلام البدويين بكلام الحضريين فضمنه المعاني اللطيفة وكساه الألفاظ الظريفة. فله جزالة البدويتين ورقة الحضريين.\rومن جيد قوله:\rتجودُ بالنَّفس إن ضنَّ الجوادُ بها\r\rوالجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجود\r(4) أبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد، أطبع أهل زمانه شعراً وأكثرهم قولاً وأسهلهم لفظاً وأسرعهم بديهة وارتجالاً وأول من فتح للشعراء باب الوعظ والتزهيد في الدنيا والنهي عن الاغترار بها وأكثر من الحكمة.\rولد بالكوفة سنة 130 ه? ونسا في عمل أهله وكانوا باعة جرار إلا أنه ربا بنفسه عن عملهم. وقال الشعر في صباه وامتزج بلحمه ودمه فذاع صيته وسلك طريق خلعاء الكوفة ثم قدم بغداد ومدح المهدي. ثم عرضت له حال امتنع فيها عن قول الشعر حتى حبسه الرشيد لعدم تلبيته ما اقترحه علي من القول فيه ثم أطلقه بعد أن أجاب طلبته وعاد إلى قول الشعر على عادته فيه، وترك الغزل والهجاء وبقي على ذلك مدة الرشيد والأمين وأكثر أيام المأمون حتى مات سنة 211 ه? ببغداد ومن شعره يمدح المهدي:\rأتته الخلافةُ منقادةً\r\rإليه تجررُ أذيالها\r\rفلم تك تصلح إلاَّ له\r\rولم يكُ يصلح إلاَّ لها\r\rولو رامها أحدٌ غيره\r\rلزلزلتِ الأرضُ زلزالها\rولو لم تطعهُ بناتُ القلو","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"ب لما قبلَ الله أعمالها\r\rوأن الخليفة من بغضِ لا\r\rإليه ليبغضُ من قالها\r\rوكتب على البديهة في ظهر كتاب:\rألا إنّنا كلّنا بائدُ\r\rوأيُّ بني آدمِ خالدُ\r\rوبدؤهم كان من ربهمْ\r\rوكلٌّ إلى ربّه عائدُ\r\rفيا عجباً كيف يعصي الإل\rه أم كيف يجحده الجاحدُ\r\rولله في كلّ تحريكة\r\rوفي كلّ تسكينةٍ شاهدُ\r\rوفي كلّ شيءٍ له آيةٌ\r\rتدلُّ على أنهُ واحدُ\r\r(5) أبو تمام\rهو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي أسبق ثلاثة الشعراء الذين سارت بذكرهم الركبان. وخلد شعرهم الزمان. ثانيهم البحتري، وثالثهم المتنبيء ولد سنة 190 ه? بقرية جاسم من أعمال دمشق ونقل صغيراً إلى مصر فنشأ بها فقيراً وكان يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو. وتعلم العربية وحفظ ما لا يحصى من شعر العرب ونبغ في قوله، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم وحظي عنده ومدح وزيره محمد بن الزيات والحسن بن وهب الذي ولاه بريد المصل فأقام بها إلى أن مات سنة 231 ه?.\rشعره: يعد أبو تمام رأس الطبقة الثالثة من المحدثين، انتهت إليه معاني المتقدمين والمتأخرين وظهر والدنيا قد ملئت بترجمة علوم والأوائل وحكمتها فحصف عقله ولطف خياله بالاطلاع عليها. وهو الذي مهد طريق الحكم والأمثال للمتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ولذلك كان يقال إن أبا تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري.\rوأجاد أبو تمام في كل فن من فنون الشعر، أما مراثيه فلم يعلق بها أحد جاش صدره بشعر، وأشهرها القصيدة التي رثي بها محمد بن الطائي ومنها:\rكذا فخليلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ\r\rفليسَ لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ\r\rتوفيتِ الآمالُ بعد محمد\r\rوأصبح في شغلٍ عن السَّفر السفرُ\r\rوما كان إلاَّ مالَ من قلّ ماله\r\rوذخراً لمن أمس وليس له ذخر\r\rوما كان يدري مجتدى جودٍ كفه\r\rإذا ما استهلّتْ أنهُ خلق العسرُ\r\rألا في سبيل الله من عطّلت له","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"فجاجُ سبيل الله وانثغرَ الثغرُ\r\rفتى كلّما فاضت عيون قبيلة\r\rدماً ضحكت عنهُ الأحاديث والذكر\r\rفتى دهره شطران فيما ينوبه\r\rففي بأسه شطر وفي جوده شطر\r\rفتى مات بين الطَّعن والضرب ميتة\r\rتقوم مقامَ النصر إنْ فاته النصرُ\r\rوما مات حتى مات مضربُ سيفه\r\rمن الضرب واعتلّت عليه القنا السُّمر\rوقد كان فوتُ الموت سهلاً فرّده\r\rإليه الحفاظ المرُّ والخلقُ الوعرُ\r\rونفسٌ تعاف العارَ حتى كأنما\r\rهو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر\r\rفأثبتَ في مستنقع الموت رجله\r\rوقال لها من تحت أخمصك الحشر\r\rغدا غدوة والحمد نسج ردائه\r\rفلم ينصرف إلا وأكفانهُ الأجر\r\r(6) البحتري","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي أشعر الشعراء بعد أبي نواس ولد سنة 206 ه? بناحية منبج في قبائل طي وغيرها من البدو الضاربين في شواطئ الفرات ونشأ بينهم فغلبت عليه فصاحة العرب وخرج إلى العراف وأقام في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان محترماً عندهما إلى قتلا في مجلس كان هو حاضرة فرجع إلى منبج، وبقي يختلف أحياناً إلى رؤساء بغداد وسر من رأى حتى مات سنة 284 ه?: وكان على فضله وفصاحته من أبخل خلق الله وأوسخهم ثوباً وأكثرهم فخراً بشعره حتى كان يقول إذا أعجبه شعره أحسنت والله، ويقول للمستمعين: ما لكم لا تقولون أحسنت. والكثير على أنه لم يأت بعد أبي نواس من هو أشعر من البحتري، ولا بعد البحتري من هو أطبع منه على الشعر ولا أبدع منه في الخيال الشعري.\rشعره: كله بديع المعنى حسن الديباجة صقيل اللفظ، سلس الأسلوب كأنه سيل ينحدر إلى الأسماع مجوداً في كل غرض سوى الهجاء ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي والمعري حكماء، ولسهولة شعره ورقته كان أكثر الأصوات التي يتغنى بها في زمنه من شعره المطبوع في ديوان حافل. ومن قوله يمدح الخليفة المتوكل ويصف موكب خروجه لصلاة عيد الفطر وخطبته في الناس:\rبالبرِّ صمتَ وأنتَ أفضل صائم\r\rوبسنَّة الله الرَّضيَّة تفطر\r\rفانعمْ بيوم الفطر عيدا إنهُ\r\rيوم أغرُّ من الزمان مشهَّرُ\r\rأظهرتَ عز الملك فيه بجحفل\r\rلجبِ يحاطُ الدّينُ فيه وينصرُ\r\rخلنا الجبالَ تسير فيه وقد غدتْ\r\rعدداً يسير بها العديدُ الأكثرُ\r\rفالخيلُ تصهلُ والفوارسُ تدّعي\r\rوالبيض تلمع والأسنّةُ تزهرُ\r\rوالأرضُ خاشعةٌ تميد بثقلها\r\rوالجوُّ معتكرُ الجوانب أغبرُ\r\rوالشمس طالعة توقّدُ في الضحى\r\rطوراً ويطفئها العجاجُ الأكدرُ\r\rحتى طلعتَ بضوء وجهك فانجلى\r\rذاك الدُّجى وإنجاب ذاك العثيرُ\r\rفافتنّ فيك الناظرون فإصبعٌ","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"يوماً إليك بها وعينٌ تنظرُ\r\rيجدون رؤيتك التي فازوا بها\r\rمن أنعمِ الله الَّتي لا تكفرُ\r\rذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا\r\rلما طلعتَ من الصفوف وكبّروا\rحتى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً\r\rنورَ الهدى يبدو عليكَ ويظهرُ\r\rومشيتَ مشية خاشع متواضعِ\r\rلله لا يزهى ولا يتكبَّرُ\r\rفلوَ أن مشتاقاً تكلّف فوق ما\r\rفي وسعه لسعى إليك المنبرُ\r\rأبديتَ من فصل الخطاب بحكمة\r\rتنبي عن الحق المبين وتخبرُ\r\rووقفتَ في براد النبيّ مذكّراً\r\rبالله تنذر تارة وتبشِّرُ\r\r(7) ابن الرومي\rهو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي مولى بني العباس الشاعر المكثر المطبوع، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، والمعاني المخترعة والأهاجي المقذعة.\rولد ببغداد سنة 221 ه? ونشأ بها، وأقام كل حياته، وكان كثير التطير جداً وكان القاسم بن عبيد الله وزير المعتز يخاف هجوه وفلتات لسانه فسلط عليه من دس له السم في الدسم إلى أن مات سنة 283 ه? ببغداد ه? وآثاره في أبواب هذا الكتاب.\rشعره: قاله في كل غرض ولا سيما الوصف والهجاء، ونبغ في الشعر نبوغاً لم يقصر به كثيراً عن درجة البحتري، وربما فاقه في اختراع المعاني النادرة أو توليدها من معاني من سبقه بشكل جديد، ووضعها في أحسن قالب، وله ديوان كبير.\r\r(8) ابن المعتز","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"هو أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله بن أمير المؤمنين محمد المعتز بالله أشعر بني هاشم، وأبرع الناس في الأوصاف والتشبيهات.\rولد سنة 249 ه? في بيت الخلافة، وتربى تربية الملوك وأخذ عن المبرد وثعلب ومهر في كل علم يعرفه أئمة عصره وفلاسفة دهره حتى هابه وزراء الدولة وشيخ كتابها وعملوا على أن لا يقلدوه الخلافة خشية أن يكف أيديهم عن الاستبداد بالملك، وولوا المقتدر صبياً، ثم حدثت فتن عظيمة فتسرع محمد بن داود بن الجراح وجمع العلماء وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز بالخلافة على غير طلب منه. فلما رأى غلمان المقتدر أن الأمر سيخرج من أيديهم تآمروا على قتله وخنق من ليلته سنة 296 ه?، وآثاره متفرقة في هذا الكتاب.\r(9) أبو الطيب المتنبي","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنبي الشاعر الحكيم، وخاتم ثلاثة الشعراء، وآخر من بلغ شعره غاية الارتقاء.\rوهو من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعد العشيرة إحدى قبائل اليمانية. ولد بالكوفة سنة 303 ه? في محلة كندة ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه وكان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام ورأى أبو الطيب أن استتمام علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره وبأخذ عنهم اللغة فعظم شأنه بينهم. وكانت الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغف على ولاتها فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير ويخشى على ملك الشام منه. فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً ثم استتابه وأطلقه.\rفخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له. ثم تكسب بالشعر مدة انتهت بلحاقه بسيف الدولة بن حمدان فمدحه بما خلد اسمه أبد الدهر. وتعلم منه الفروسية وحضر معه وقائعه العظيمة مع الروم حتى عد من أبطال القتال رجاء أن يكون صاحب دولة.\rثم قصد كافوراً الأخشيدي أمير مصر ومدحه ووعده كافور أن يقلده أمارة أو ولاية، ولكنه لما رأى تغاليه في شعره وفخر بنفسه عدل أن يوليه. وعاتبه بعضهم في ذلك فقال: يل قوم، من ادعى النبوة بعد محمد ( أما يدعي المملكة بعد كافور، فحسبكم فعاتبه أبو الطيب واستأذن في الخروج من مصر فأبى. فتغفله في ليلة عيد النحر وخرج منها يريد الكوفة ومنها قصد عضد الدولة بن بويه بفارس ماراً ببغداد فمدحه ومدح وزيره ابن العميد فأجزل صلته وعاد إلى بغداد. وخرج إلى الكوفة فخرج عليه إعراب بني ضبة وفيهم فاتك بن أبي جهل، وكان المتنبي قد هجاه هجاء مقذعاً فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل المتنبي وابنه وغلامه سنة 354 ه???.\rشعره: لا خلاف عند أهل الأدب في أنه لم ينبغ بعد","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"المتنبي في الشعر من بلغ شأوه أو داناه. والمعري على بعد غوره وفرط ذكائه وتوقد خاطره وشدة تعمقه في المعاني والتصورات الفلسفية يعترف بأبي الطيب ويقدمه على نفسه وغيره. ومن قوله:\rإذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً\r\rفلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ\r\rأعيذها نظراتٍ منك صادقةَ\r\rأن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورم\rوما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرةٍ\r\rإذا استوت عنده الأنوار والظلم\r\rيا من يعز علينا أن نفارقهم\r\rوجداننا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ\r\rإن كانَ سرَّكم ما قال حاسدنا\r\rفما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ\r\rوبيننا لو رعيتمْ ذاك معرفة\r\rأن المعارفَ في أهل النّهى ذممُ\rكم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم\r\rويكره الله ما تأتون والكرمُ\r\rإذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا\r\rألا تفارقهمْ فالراحلون همُ\r\rومن قوله:\rذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقله\r\rوأخو الجهالةِ في الشقّاوة ينعمُ\r\rلا يخدعنكَ من عدوًّ دمعهُ\r\rوارحمْ شبابك من عدوًّ ترحمُ\r\rلا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى\r\rحتى يراقَ على جوانبه الدّمُ\r\rوالظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجدْ\r\rذا عفَّة فلعلَّة لا يظلم\r\rومن البليّة عذلُ من لا يرعوي\r\rعن غيّة وخطابُ من لا يفهم\r\rومن العداوة ما ينالك نفعة\r\rومن الصّداقة ما يضرُّ ويؤلم\r\rومن قوله:\rما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثَّرى\r\rأن الكواكبَ في التراب تموزُ\r\rما كنت آملُ قبل نعيك أن أرى\r\rرضوى على أيدي الرجال يسير\r\rخرجوا به ولكلّ باكٍ حوله\r\rصعقاتُ موسى يومَ دكَّ الطُّور\r\rحتى أتوا جدثاً كأن ضريحه\r\rفي كل قلب موجدٍ محفور\r\rكفلَ الثناءُ له بردّ حياتهِ\r\rلمَّا انطوى فكأنه منشور\r\r(10) ابن هانئ الأندلسي","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي شاعر الغرب ومتنبيه والمؤثر فخامة ألفاظه على رقة معانيه، وأحد المفرطين في غلو المدح واستعمال الاستعارة والتشبيه.\rولد بأشبيلية 326 ه? ولما نبه شأنه اتصل بعامل أشبيلية زمن المستنصر الأموي، ومدحه بغرر القصائد فأحله منه منزلة سنية وأغدق عليه العطايا فأكب على اللهو والطرب والاستهتار، واتهم بالزندقة والكفر لاشتغاله بالفلسفة.\rولما شاع ذلك عنه نقمة أهل أشبيلية وأشركوا عاملها في التهمة وكادوا يهمون به فأشار عليه بالهجرة متن أشبيلية فاختار البحر إلى عدوة المغرب ومدح ولاته من قبل المعز الفاطمي، ثم نمي خبره إلى المعز فوجه في طلبه فوفد عليه بأفريقية ومدحه فاصطفاه واتخذ شاعر دولته.\rولما فتح جوهر مصر وبنى القاهرة ورحل إليها المعز ليتخذها دار ملكه شيعه ابن هانئ، ورجع لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة مات بها سنة 362 ه?، وعمره 36 سنة.\rشعره: لم ينبغ في شعراء جزيرة الأندلس ولا بر المغرب جميعهما من يفوق ابن هانئ في صناعة الشعر أو يساويه فقد كان عندهم في الشهرة والإجادة وشرف الشعر بمنزلة المتنبي عند المشارقة ويسميه كثير من الأدباء بمتنبي المغرب.\rومن قوله في وصف الخيل:\rوصواهلٍ لا الهضبُ يوم مغارها\r\rهضبٌ ولا البيدُ الحزون حزون\r\rعرفتْ بساعة سبقها لا أنها\r\rعلقتْ بها يومَ الرّهان عيون\r\rوأجلُّ علم البرق فيها أنها\r\rمرّت بجانحتيهِ وهي ظنون\r\rومن قوله الموهم الكفر في مطلع قصيدة يمدح بها المعز:\rما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ\r\rفاحكم فأنت الواحدُ القهّار\r\r(11) أبو العلاء المعري","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف المتفنن: وهو عربي النسب منى قبيلة تنوخ من بطون قضاعة من بيت علم وقضاء.\rولد بمعرة النعمان سنة 363 ه? وجدر في الثالثة من عمره فكف بصره وتعلم على أبيه وغيره من أئمة زمانه، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرة: وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة، ودخل بغداد، وأقبل عليه السيد المرتضى إقبالاً عظيماً ثم جفاه. ولما رجع إلى المعرة أقام ولم يبرح منزلة، ونسك وسمى نفسه رهن المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشعر مقتنعاً بعشرات من الدنانير في العام يستغلها من عقار له، مجتنباً أكل الحيوان وما يخرج منه مدة 45 سنة، مكتفياً بالنبات متعللاً بأنه فقير وأنه يرحم الحيوان. وعاش عزبا إلى أن مات سنة 449 ه? بالمعرة. وأوصى أن يكتب على قبره:\rهذا جناه أبي عل\r\rيّ وما جنيتُ على أحد\rشعره: وله كثير من الشعر يناقض بعضه في حقيقة العالم والشرائع والمعبود وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة والظاهر أنه كان شاكاً متحيراً وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي ويفضل عليه في الطبيعيات والاجتماعيات والأخلاق والقوانين والفلسفة والشرائع والأديان. ومن مراثيه قوله:\rغير مجدٍ في ملتي واعتقادي\r\rنوحُ باك ولا ترنُّم شادِ\r\rوشبيهٌ صوتُ النَّعي إذا قي?\r\r??س بصوت البشير في كل ناد\rأبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنّ\r\r?تْ على فرع غصنها المياد\r\rصاح هذي قبرونا تملأ الرُّح\r\rبَ فأين القبورُ من عهد عاد\r\rخفِّف الوطء ما أظنّ أديم أل\r\rأرض إلاّ من هذه الأجساد\r\rوقبيحٌ بنا وإن قدم العه\r\rد هوانُ الآباءِ والأجداد\r\rسر إن استطعتَ في الهواء رويداً\r\rلا اختيالاً على رفاتِ العباد\r\rربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً\r\rضاحك من تزاحمُ الأضداد\r\rودفينِ على بقايا وفين","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"في طويل الأزمان والآباد\r\rفاسأل الفرقدين عمن أحسّا\r\rمن قبيل وآنساً من بلاد\r\rكمْ أقاما على زوال نهار\r\rوأنارا لمدلجِ في سواد\r\rتعبٌ كلها الحياةُ فما أع\r\rجبُ إلاّ من راغبٍ في ازياد\r\rإنّ حزناً في ساعة الموت إضعا\r\rفُ سرورٍ في ساعة الميلاد\r\rخلق الناس للبقاءِ فضلّت\r\rأمةٌ يحسبونهم للنفادِ\r\rإنما ينقلون من دار أعما\r\rلٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد\r\rومنها:\rبانَ أمرُ الإله واختلف النا\r\rس فداعٍ إلى ضلالَ وهاد\r\rوالذي حارت البريةُ فيه\r\rحيوان مستحدثٌ من جماد\r\rفاللبيبُ اللبيبُ من ليس يغت\r\rرُ بكونٍ مصيره للفساد\r\rومن قوله:\rضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةً\r\rوحقّ لسكَّان البسيطة أن يبكوا\r\rتحطّمنا الأيام حتى كأننا\r\rزجاجٍ ولكن لا يعاد لنا سبك\r\r?(12) ابن خفاجة الأندلسي\rهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله خفاجة شاعر شرقي الأندلس واشهر وصاف الطبيعة: ولد بجزيرة شقر من أعمال بلنسية سنة 450 فتعلم ونظم الشعر وكتب الرسائل الإخوانية البليغة، الحوداث الجوية ومناظر الطبيعة: وله غزل رقيق ومدح بارع ورثاء بليغ.\rشعره: يمتاز بالجزالة وكثرة المعاني وازدحامها في اللفظ حتى يحتاج في فهمها إلى التأمل على خلاف مذهب الأندلسيين في ذلك: توفي سنة 533 ه?: ومن قوله يصف زهرة:\rومائسة تزهى وقد خلع الحيا\r\rعليها حلّي حمراً وأودية خضراً\rيذوب لها ريقُ الغمائمُ فضّةً\r\rويجمدُ في أعطافها ذهباً نضراً\r\rوقوله:\rيأهل أندلسٍ لله دركمُ\r\rماءٌ وظلٌّ وأنهارٌ وأشجارٌ\r\rما جنةُ الخلد إلاّ في دياركم\r\rولو تخيّرتُ هذي كنتُ أختارُ\r\rلا تخشوا بعدَ ذا أنْ تدخلوا سقراً\r\rفليس تدخلُ بعد الجنة النّارُ\r\rالرواية والرواة","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"جاءت الدولة العباسية وقد اتسع نطاق الرواية واختص كل فريق من الناس برواية شيء: فلما دونت الكتب في عصر الدولة العباسية أفرغ الرواة ما حفظوه فيها وأخذ أمر الرواية يضمحل شيئاً فشيئاً في أكثر العلوم ولا شيما الأدب ثم اقتصر في الرواية على تصحيح النطق والأداء: ولكل علم رواة مشهورون وقد سبق الكلام على رواة العلوم والفنون في تاريخ وضعها.\rوأما رواة الأدب والشعر خاصة فأشهرهم حماد الرواية الكوفي، وخلف الأحمر البصري، وأبو عمرو الشيباني الكوفي، والسكري البغدادي.\rومن رواة الأدب بجميع فنونه لغة وشعراً وأخباراً أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سلام الجمجمي، وغيرهم. وهاك ترجمة أشهرهم في الرواية.\rالأصمعي\rهو شيخ رواة الأدب الإمام الثبت الحجة الثقة التقي أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي أصمع الباهلي البصري. ولد سنة 123 ه? ونشأ بالبصرة فأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة البصرة وأخذ عن فصحاء الأعراب وأكثر الخروج إلى البادية وشافه الأعراب وساكنهم وتعلم من خلف الأحمر نقد الشعر ومعانيه وكان أحفظ أهل زمانه حتى قال مرة إني أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة فقال له رجل: منها البيت والبيتان. فقال: ومنها المائة والمائتان. وعمر حتى أدرك زمن المأمون. وأراد المأمون أن يقدمه إليه فاعتذر بكبر السن. ومات سنة 216 ه? وله مؤلفات كثيرة.\r?العصر الرابع عصر المماليك التركية 656 1330 ه?\rحالة اللغة العربية وادابها في ذلك العصر","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"لما اكتسح التتار ممالك الدولة العباسية افترقوا إلى ممالك متعددة بآسيا وشرقي أوروبا، ولم يلبثوا أكثر من نصف قرن حتى أسلموا وشرعوا يخدمون الإسلام: بتقريب العلماء إليهم وترغيبهم في التأليف، ففاد ذلك في إدامة الحركة العلمية في الجملة، وإن لم يفد اللغة العربية فائدة تذكر لمكان العجمة منهم، أما علوم العرب وأدبها فلم يكن لها مباءة ترجع إليها إلا البلاد العربية كالشام ومصر غير أنه أصبحت اللغة التركية العثمانية هي اللغة الرسمية للأعمال الديوانية والسياسية في جميع الممالك العثمانية، فزاحمت اللغة العربية مزاحمة ظهر أثرها بيناً في تحرير الرسائل الديوانية والمعاهدات السياسية، ودخل في اللغة أثناء دولتي المماليك والعثمانيين كثير من الألفاظ التركية والفارسية:\rالنثر لغة التخاطب\rكادت تحل محل اللغة العامية العربية (في أعالي الجزيرة وشرقي العراق) اللغة الفارسية والتركية والكردية ممزوجة بشيء من الألفاظ العربية.\rأما في بقية الجزيرة والعراق ومصر والشام فقد بقيت العامية العربية لسان الجميع فيها حتى الملوك والسلاطين لغلبة العناصر العربية فيها. بل دون بها بعض العلماء ونظم بها الشعراء ثم أخذت العناية بها في الانحطاط.\rالخطابة\rلم تتغير الخطابة هما كانت عليه أواخر الدولة العباسية من حيث قصورها على خطب الجمع والأعياد وتلاوة بعض المرسومات والمنشورات وبقيت لغة الخطابة العربية وحدها أو مع الترجمة إلى الأعجمية.\rالكتابة الكتابة الخطية\rدرج الخط في هذا العصر في الطريق التي مهدها ابن مقلة وابن البواب وياقوت الملكي وياقوت المستعصمي، واستعملت فيه أكثر أنواعه وما زال الخط يجري في مضماره حتى قبض على عنانه مكتبو الترك العثمانيين فأبدعوا في تحسينه بما جعل جميع العالم يعترف لهم بالسبق: ومن أشهرهم الشيخ حمد الله الأماسي إمام الخطاطين العثمانيين، وجلال الدين، والحافظ عثمان.\rالكتابة الإنشائية كتابة الرسائل","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"اتبعت في كتابة الرسائل أثناء هذا العصر طريقة القاضي الفاضل التي أساسها المعاني الخيالية والتزام السجع والمحسنات البديعة وعضد هذه الطريقة من كتاب هذا العصر شهاب الدين محمود الحلبي المتوفى سنة 755 ه?. ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وابن فضل الله العمري وأولاده، وبقيت هذه الطريقة مرعية في مصر والشام حتى نهاية دولة المماليك وصدر حكومة العثمانيين. ولما غلبت اللغة التركية العثمانية على كتابة الدواوين وأصبحت رسمية في الحواضر والأمصار، أخذ شأن الكتابة العربية في الاضمحلال.\r\rالكتاب\r(1) القاضي محيي الدين عبد الظاهر","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"هو الكاتب الشاعر عبد الله بن عبد الظاهر الجذامي المصري ولد سنة 620 ه? ورباه والده، وبرع في كتابة الرسائل سالكاً طريقة القاضي الفاضل وخدم في ديوان الإنشاء مدة الملك الظاهر بيبرس وولديه، وبعض أيام المنصور قلاوون ويعتبر محيي الدين وابنه محمد فتح الدين من واضعي اصطلاح الإنشاء ونظام ديوانه الذي ظل مرعياً في مصر والشام حتى نسخة النظام التركي العثماني، وتوفي سنة 692 ه? وله تأليف ومكاتبات سلطانية كثيرة، وله من رسالة كتبها على لسان الملك المنصور قلاوون يرد على صاحب اليمن في تعزيته على موت ابنه: \"ولنا (والشكر لله) صبر جميل، لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذ علم الله (سبحانه) حسن الإستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوض كل يوم ما يقول المبشر به: هذا مولى مولود، وليست الإبل بأغلظ أكباداً ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت، ولا بالتباريح حقرت أو جلت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدموع والهجوع وتخلت ويخاف من الدهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح (رضي الله عنه) وان كان منكياً والنافح بشجوه وإن كان مبكياً. والنائح بذلك الأسف وإن لنار الأسف مذكياً. فإن وراء ذلك من تثبيت الله عز وجل ما ينسفه نسفاً، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحق ما به ترفى. وبكتاب الله (تعالى) وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) عندنا حسن اقتداء يضرب عن كل رثاء صفحاً\".\r(2) شهاب الدين بن فضل الله العمري","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"هو الشاعر الكاتب المصنف القاضي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري سليل عمر بن الخطاب، وصاحب كتاب مسالك الأبصار ولد بمدينة دمشق سنة 700 وتفقه وتأدب على أبيه وغيره، وكان أعلم أهل القطرين بتاريخ الملوك، وطبقات العلماء، والأدباء، وعلم وصف الأرض، فوق الفقه الذي نال فيه مرتبة الإفتاء وتوفي سنة 749 ه?، ومن إنشائه في وصف قط زباد من رسالة طويلة (وقط الزباد الذي لا تحكيه الأسود في صورها: ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه الطيب في سررها كم تنقل في بيوت طابت موطناً، ومشى من دار أصحابه فقالوا: (رَبّنَا عَجّل لّنَا قِطّنَا) [ص: 16]).\rومن فصول رسائله فصل كتبه من رسالة عن لسان سلطانه إلى الشام مع طيور صيد جوارح أرسلها إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام جميل الافتتاح، وثناء يطير إليه وكيف لا تطير قادمة بجناح، ونعلمه أن مكاتبته المتقدمة الورود تضمنت التذكار من الجوارح بما بقي من رسمه وجرت عادة صدقاتنا الشريفة أن تحسب في قسمه وقد جهزنا له الآن منها ثلاثة طيور لا يبعد عليها مطار، ولا يوقد للقرى في غير حماليقها جذوة نار: ولا تؤم طيراً إلا وترش الأرض بدمه فلا يلحق لها وهي طائركم لها من فتك أخذ الطير من مأمنه، وسلب ما تحلى به من رياش الريش ثم تزيا بأحسنه.\r(3) لسان الدين بن الخطيب","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"هو ذو الوزارتين الكاتب الشاعر. أبو عبد الله لسان الدين محمد بن عبد الله المعروف بابن الخطيب تأدب وتفقه واجتمع له من الحكمة والأدب ملكة يلذ بها أدباء الأندلس كتابة وشعراً وتصنيفاً وسياسة ومات سنة 776 ه?.\rومن قصار رسائله رسالة في الشوق كتبها إلى ابن خلدون وهي بعد الديباجة (أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر. بل الضرب الهبر. ومطاولة اليوم والشهر حتى حكم القهر، وهل للعين أن تسلو سلو المقصر. عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد. عن سرها الرائي والمشاهد. وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول. فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق.\rتركتموني بعد تشييعكم\r\rأوسعُ أمرَ الصبر عصيانا\rأقرعُ سنّي ندماً تارةً\r\rوأستميحُ الدمعَ أحياناً\r\rالتدوين\rألف علماء هذا العصر تأليف جمة أخلفت على العربية بعض ما أباده التتار والصليبيون: من الكتب النفسية. ويرجع أكثر الفضل في ذلك إلى علماء مصر والشام وجالية الأندلس. أما أعاجم المشرق وإن ألفوا في العلوم الإسلامية والفلسفية فإن تأثير بيئتهم الأعجمية جعل كتبهم صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي مما ستعرفه من أحوال العلوم ومؤلفيها.\rالأدب\rقد كان لأدباء القاهرة من الكتاب السبق في وضع الكتب الجامعة التي تبحث في عدة علوم أدبية أو ملحقة بها. ومن هؤلاء:","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"شهاب الدين النويري صاحب \"نهاية الأرب\"، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار، وشهاب الدين القلقشندي صاحب صبح الأعشى. وممن ألف في الأدب بمناح مختلفة: جمال الدين الوطواط صاحب الغرر والعرر، وشهاب الدين الحلبي صاحب منازل الأحباب، وحسن التوسل إلى صناعة الترسل، وشهاب الدين أحمد الأبشيهي صاحب المستطرف، والنواجي صاحب حلبة الكميت.\r\rبقية العلوم الإسلامية\rلما أباد التتار بقية العلماء والنحاة في الشرق، كاد أفق المشرق والشام ومصر يصفر من النحاة وأهل اللغة، لولا أن تداركها الله بدخول التتار في السلام ومعاضدتهم هم والدول التي خلفتهم للعلم والعلماء، وبجلاء بعض كبار النحاة واللغويين من الأندلس والغرب قبيل حادث التتار وبعده. كابن مالك، والشاطبي، وأبي حيان، وابن منظور الأفريقي، فجددوا والنحو واللغة بمصر والشام، وتخرج عليهم تلاميذ أفاضل كانوا كواكب العصور المتأخرة، فدونوا العلم وحفظوه لمن أتى بعدهم ممن نشؤوا في العصور المظلمة.\rكتابة التدوين والتصنيف\rأما كتابة التدوين فكانت في المتون ونحوها موجز جداً. وكانت في الشروح والمطولات مبسوطة: ومن أشهر المؤلفين في هذا العصر ابن خلكان: وابن خلدون والسيوطي: وابن مكرم:والفيروز أبادي: وعز اليدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه?، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه?، وابن هشاالجرجاني، المتوفى سنة 816، والشهاب الخفاجي. م النحوي المتوفى سنة 761 ه?، ولسان الدين بن الخطيب المتوفى 776 ه?، وسعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791، والسيد\r????ابن خلكان","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"هو قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الإربلي ولد سنة 608 ه? بمدينة أربل وأقام بها إلى سنة 621 ه? فرحل إلى حلب ومكث بها سنين ثم إلى دمشق وأقام مدة، ثم أقام بمصر وتولى القضاء بها وفيها ألف أكثر تاريخه العظيم \"وفيات الأعيان\" ثم تقلبت ب الأحوال بين مصر والشام إلى أن مات بدمشق سنة 681: وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، حسن المحاضرة، لطيف المعاشرة، وساع الاطلاع، شديد التحري والضبط (\"وتاريخه\" \"وفيات الأعيان\" \"وأنباء أبناء الزمان\") أفضل بأيدي الناس ممن كتب التاريخ لشدة عنايته بضبط الأعلام وأسماء البقاع والبلدان وتحقيق الحوادث بحسب الإمكان.\rابن خلدون\rهو حكيم المؤرخين، وعلم المحققين، الفقيه القاضي الكاتب الشاعر المصنف عبد الرحمن ابن محمد المعروف بابن خلدون ولد بتونس سنة 732 ه?، وتلقى العلم والأدب من أبيه ومن كبار العلماء، وقرأ العلوم العقلية والفلسفية على بعض حكماء المغرب، واحترف بصناعة الكتابة وهو شاب لم يطر شاربه، ثم وصل بعد ذلك إلى ملوك بني الأحمر فحظي عندهم حتى حسده على ذلك صديقه لسان الدين بن الخطيب فأقلع عنها،وذهب إلى صاخب بجاية بالمغرب الأوسط فوزر له، وبقي يتردد بين المغرب الأوسط والأقصى وأفريقية والأندلس حتى حسن في عينه التخلي عن السياسة والانقطاع إلى العلم، فنزل إلى بعض قبائل العرب على حدود الصحراء أربعة أعوام ألف فيها تاريخه ومقدمته التي لم ينسج أحد من المتقدمين ولا المتأخرين على منوالها، ثم عزم على الحج فدخل مص زمن سلطانها برقوق. ثم استقدم أهله وولده من المغرب فغرقت بهم السفينة فأقام بمصر حزيناً، وجلس للتدريس بالجامع الأزهر، وتولى قضاء المالكية سنة 786 ه? إلى أن مات سنة 808 ه?.\r??جلال الدين السيوطي","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"هو عبد الرحمن جلال الدين بن الإمام كمال الدين الخضيري السيوطي العالم المحدث المفسر صاحب التصانيف المشهورة: واد سنة 849 ه? ونشأ يتيماً وحفظ القرآن وعمره دون الثمان، ثم حفظ متون الفقه والنحو، وأخذ العلم عن مشايخ وقته وابتدأ في التصنيف وسنه 17 سنة، ثم لازم الأشياخ وطلب العلم في بقاع الأرض فدخل الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ونبغ في كثير من العلوم، ورزق التبحر في التفسير والحديث والفقه والنحو والمعان والبيان والبديع وتولى التدريس والإفتاء ولم يكن أشهر منه في زمنه. ويعد السيوطي من الأئمة الذين حفظوا العلم للخلف وسهلوا سبيله للمتأخرين، وقد ترك للناس أكثر من ثلاثمائة مصنف، وتوفي ستة 911 ه? بالقاهرة.\r?الشعر\rلما كان أكثر الملوك والأمراء في هذا العصر أعاجم بالفطرة، كان نيلهم إلى الشعر العربي غير طبيعي، ولذلك انقرض الشعر العربي من أواسط آسيا وبقيت صبابة منه بالعراق والجزيرة: وبقي على كل شيء من الرونق في الشام ومصر والأندلس والمغرب، غير أنه قل التكسب به فيها، فمال أكثر الشعراء إلى انتحال الكتابة والدواوين صناعة واستعملوا الشعر في تملق الملوك والرؤساء وفي إظهار التفصح والتسلية فهجر قوله في الأغراض الهامة وعدل به إلى أغراض أخرى.\rالشعراء\rظهر في هذا العصر شعراء كثيرون، من أشهرهم، شرف الدين الأنصاري المتوفى سنة 662 ه?، وجمال الدين بن نباتة المصري المتوفى سنة 768 ه?، وشهاب الدين التلغفري المتوفى سنة 675 ه?، وأبو بكر بن حجة المتوفى سنة 837 ه?، وصفي الدين الحلي المتوفى سنة 1111 ه?، وهاك ترجمة بعضهم: 1 البوصيري هو شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، صاحب البردة والهمزية، ولد بدلاص ونشأ ببوصير ثم انتقل إلى القاهرة، وتعلم علوم العربية والأدب فقال الشعر البليغ في جده وهزله ومن أشهر شعره قصيدة البردة الشهير التي أولها:\rأمن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم\r\rأم هبّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ\r\rوأومضَ البرقُ في الظّلماء من إضم\rفما لعينيك إن قلتَ اكففاهمتا\r\rوما لقلبك إن قلتَ استفق يهمِ\r\rأيحسب الصبُّ أن الحبّ منكتم\r\rما بيَن منسجم منه ومضطرمِ\r\rومن حكمها البديعة المشوبة بمحاسن البديع قوله:\rوالنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على\r\rحب الرّضاع وإن تفطمه ينفطم\r\rفاصرفْ هواها وحاذرْ أن تولّيه\r\rإن الهوى ما تولَّى يصمِ أو يصمِ\r\rوراعها وهي في الأعمال سائمةٌ\r\rوإن هي استحلت المرعى فلا تسمِ\rكم حسنتْ لذةً للمرء قاتلةً\r\rمن حيث لم يدر أن السُّم في الدَّسم\r\rواخشَ الدسائس من جوع ومن شبع\r\rفربّ مخمصةٍ شرٌّ من التُّخمِ\r\rواستفرغ الدمعَ من عين قد امتلأتْ\r\rمن المحارمِ والزمْ حميةَ النَّدمِ\r\rوقصيدته الهمزية في مدحه محمد صلى الله عليه وسلم لا تقل عن البردة في فصاحتها، وأولها:\rكيف ترقى رقيك الأنبياء\r\rيا سماء ما طاولتها سماء\r\rلم يساووك في علاك وقد حا\r\rل سنا منك دونهم وسناء\r\rوتوفي البوصيري سنة 696 ه? بالإسكندرية وقبره بها مشهور يزار.\r??2 صفي الدين الحلي\rهو عبد العزيز الملك المنصور بن علي الشهير بابن سرايا الطائي الحلي شاعر الجزيرة ولد سنة 677 ه?، ونشأ بمدينة الحلة من مدن الفرات فتأدب ونظم الشعر وأجاده وأصبح فيه أشهر شعراء عصره، وخدم به نجم الدين غازي بن قره أرسلان: أحد ملوك الدولة الأرتقية (ديار بكر).\rواتصل بعده بابنه الملك الصالح شمس الدين، ثم ذهب إلى الحج وعرج منصرفه منه إلى مصر فمدح الملك الناصر بن قلاوون وتوفي سنة 750 ه?.\rويعتبر صفي الدين من أئمة البديع المبتدعين في أنواعه المغالين في استعماله في شعرهم بلا كثير تكلف، وهو أول من نظم القصائد النبوية الجامعة لأنواع البديع المسماة بالبديعيات على مثال بردة البوصيري. ومن وقوله في الأدب:","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"اسمعْ مخاطبةَ الجليس ولا تكنْ\r\rعجلاً بنطقك قبلما تتفهَّمُ\r\rلم تعطَ مع أذنيك نطقاً واحداً\r\rإلا لتسمع ضعفَ ما تتكلمُ\r\r?3 ابن نباتة المصري\rهو جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن بناتة، أشعر شعراء المصريين زمن المماليك. ولد سنة 686 ه? ونشأ بالقاهرة، وتلقى العلم والأدب وانكب على قراءة شعر القاضي الفاضل ورسائله، فرسخت في طريقته من الولوع بالتورية والتلميح والطباق، لم يأت بعده من شعراء مصر والشام من بلغ غايته في لطف التصور ورقة اللفظ وانسجام العبارة ومات سنة 768 ه? ومن شعره قوله:\rيا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجاً\r\rودار وقتك من حين إلى حين\r\rولا تعاند إذا أصبحت في كدر\r\rفإنما أنت من ماء ومن طين\r\r?4 ابن معتوق الموسوي\rهو شهاب الدين بن معتوق الموسوي شاعر العراق في عصره وسابق حلبته في رقة شعره. ولد سنة 1025 ونشأ بالبصرة وبها تعلم وتأدب وقال الشعر وأجاده، وكان في نشأته فقيراً فاتصل بالسيد على خان أحد أمراء البصرة من قبل لدولة الصفوية الإيرانية وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين، ومدحه مدحاً رقيقة، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه. وابن معتوق من كبار شعراء الشيعة فمدح علياً والشهيدين بما يرج عن حد الشرع والعقل، ومات سنة 1111 ه?، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات.\r??\"العصر الخامس عصر النهضة الأخيرة من 1330 إلى الوقت الحاضر\"","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"حالة اللغة العربية وآدابها في هذا العصر كانت حالة البلاد العربية في أوائل القرن الثالث عشر غاية ما وصلت إليه من الفساد والاضمحلال، فلما استولى ساكن الجنان محمد علي باشا على مصر رأى بحكمته أن يربي من يكون خير واسطة لنقل معارف الأوروبيين إليها. فبعث إلى أوروبا ثلاثة بعوث علمية في أزمنة مختلفة كونت بعد ثلاث طبقات من العلماء، والأطباء، والمهندسين، والضباط. فنقلوا إلى اللغة العربية عشرات الكتب الجليلة في العلوم المختلفة فأحدث ذلك في اللغة العربية انقلاباً عظيماً، واكتسبت من سعة الأغراض والمعاني والألفاظ العلمية والأساليب الأجنبية وطرق البرهنة والاستنباط وترتيب الفكر ثروة طائلة، ورأى العلماء والأدباء أنه صارت لهم دولة منظمة متحضرة تقبل منهم بقبول حسن كل كما يحسنونه من نتيجة كدهم وثمرة أفكارهم فالتفوا حولها وصارت للدولة كتاب وشعراء ومنشؤون في جريدتها \"الوقائع\" أول جريدة عربية، واقتدى بمصر أهل الشام، بل ركدت ريها زمن عباس باشا الأول وزمن سعيد باشا، ثم تنسمت في عصر اسماعيل، وما لبثت أن صارت رخاء طيبة فأعاد سيرة في نشر العلم، وظهرت ثمرة أعماله في حياته وكادت مصر توشك أن تكون قطعة من أوروبا.\rالنثر المحادثة أو لغة التخاطب\rكانت العامية في أوائل هذه العصور غاية في الانحطاط، ثم لما انتشر التعليم بين طبقات المصريين دخل عباراتهم كثير من الفصيح، وانتقل ذلك لمعاشريهم من الأميين وبعض النساء، ومما ساعد على ذلك أيضاً جعل التقاضي باللغة الفصيحة وكثرة الصحف والمجلات والروايات.\r\rالخطابة","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"كان المصريون والسوريون أوائل هذا العصر لا يستعملون الخطابة في غير الأغراض الدينية، ثم اتسعت ائرة الأفكار في عصر إسماعيل باشا، وصادف ذلك مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، والتف خوله لفيف من أدباء المصريين والسوريين، فأدخلهم في عداد جمعيته وألف منهم أندية كانوا ينتابون الخطابة فيها في الأمور الدينية السياسية والاجتماعية، وانتشرت الخطابة بين شبان مصر وفشت بعد عصر إسماعيل في زمن توفيق باشا وصاحب السمو الخديوي عباس باشا الثاني: ومن أشهر خطبائهم السيد عبد الله النديم، والشيخ محمد عبده، ومصفى باشا كامل، ومحمد بك فريد، وسعد باشا غلول، والشيخ عبد العزيز جاويش وغيرهم، حتى بلغت الخطابة في عصرنا هذا مبلغاً عظيماً.\rالكتابة الخطية\rوقف الخط في سبيل تقدمه عند الحد الذي رسمته له الطبقة الناشئة والحادي والثاني عشر من خطاطي الترك، وكل ما نشأ بعدهم فإنما هو متبع طريقهم. وأشهرهم عبد الله الزهدي، وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي وجدران سبيل والدة عباس باشا بالصليبية بالقاهرة، ومحمد مؤنس أفندي، وتخرج عليه وعلى تلميذه محمد جعفر بك جميع خطاطي قطرنا المصري.\rالكتابة الإنشائية","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"مضى العصر المتقدم وليس لكتابة الدواوين في أواخره شيء يذكر لجعل التركية هي اللغة الرسمية، وأقبل العصر الحاضر والحال لم تتغير في المماليك العثمانية إلا قليلاً وشرعت تتغير في مصر، ثم لما أنشئت المدارس النظامية نشأت طبقة من كتاب الدواوين رقوا كتابتها. وقد هجر السجع الذي أكثر منه الأقدمون إلا أن عبد الله باشا الفكري أشهر المصلحين للكتابة الديوانية الفصيحة ألم به في كثير من مكاتبته الرسمية، كما سبق ذلك في المكاتبات.\rأما كتابة التأليف والصحف فأخذت تنحو منحى كتابة ابن خلدون في \"مقدمته\". ولما ولت الحكومة الشيخ محمد عبده تحرير الوقائع الرسمية والإشراف على تحرير الجرائد، ترقت كتابتها كثيراً ودرجت في سبيل التقدم إلى الآن:\rكتابة التدوين","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"كان أكثر الكتب التي ألفت أو ترجمت في مصر علمية، لشدة احتياجها إليها. أما سورية فكانت حالة الأدب فيها في لنصف الأول من العصر الحاضر خيراً منها في مصر، ولكن مصر نهضت في النصف الثاني واسترجعت حياتها الأدبية وأدخلت دراسة أدب اللغة في مدارسها وألف فيها عدة كتب. وانح شأن سورية في العربية فلم ينبغ في اللغة من السوريين في السنوات الأخيرة من يضارع سابقيهم. ومن أشهر العلماء الأزهريين في هذا العصر الشيخ الجبرتي، الشيخ حسن العطار، والشيخ العروسي، والشيخ التميمي، والشيخ الباجوري، والشيخ عليش، والشيخ الأبياري، والشيخ السقا، والشيخ الأنبابي، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ الشربيني، والشيخ سليم البشري، والشيخ محمد البحيري، ووالد مؤلف هذا الكتاب وغيرهم: ومن غير الأزهريين من غير النهضة الحديثة رفاعه بك شيخ المترجمين والمؤلفين المصريين، والنطاسي الشهير محمد علي باشا، والسيد صالح مجدي بك ومحمود باشا الفلكي، وأحمد ندا بك، وعبد الله باشا فكري، وقدري باشا، ودري باشا، والشيخ ناصيف اليازجي، والشيخ إبراهيم اليازجي، وأحمد فارس، والشيخ علي يوسف، وأديب أسحاق وغيرهم. وهاك ترجمة النهضة الخديثة.\r1 رفاعة بك رافع الطهطاوي","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"هو الكاتب الشاعر السيد رفاعة بك الحسيني الطهطاوي شيخ الترجمة إمام النهضة الحديثة، ول بطهطا من أسرة شريفة، وتأدب وتعلم في الجامع الأزهر ثم انتخب إماماً لبعض فرق الجيش، ولم يلبث أن اختاره المرحوم محمد علي باشا إماماً ومعلماً لأول بعث علمي أرسل إلى فرنسا سنة 1241 ه? فراقته علوم أوروبا وعظمتها أكب بنفسه على تعلم اللغة الفرنسية، فلما عاد إلى مصر سنة 1247 اختار محمد علي باشا رئيساً للترجمة بمدرسة أبي زعبل، واشترك هو وأستاذه الشيخ حسن العطار في إنشاء جريدة \"الوقائع المصرية\" وتحريرها ثم نقل إلى مدرسة المدفعية (الطبجية) ثم صار مديراً لمدرسة الألسن والترجمة، ثم انتخب عضوا بلجنة المدارس وتولى \"إدارة مجلة روضة المدارس المصرية\" وعكف على الترجمة والتأليف حتى توفي سنة 1290 ه? تاركاً لمصر كتباً ورجالاً هم أركان النهضة الحديثة، وآخر ما ألفه \"نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز\".\r2 عبد الله فكري باشا","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"هو عبد الله فكري بن محمد بليغ الضابط بن الشيخ عبد الله: هو أحد أركان النهضة الأدبية في الديار المصرية. ولد سنة 1250 ه? وأكب على تعلم علومه بالأزهر مشتغلاً أيضاً باللغة التركية واستخدم من أجلها مترجماً للعربية والتركية في عدة مناصب آلت إلى نقله إلى حاشية سعيد باشا ثم إسماعيل باشا، فعهد إلي بتأديب بنية لكرام وغيرهم من أمراء بيت الملكز ثم تقلب في جملة مناصب آخرها نظارة المعارف سنة 1299 ه?، وبقي بها حتى زمن الثورة العرابية فسقط مع الوزارة، واتهم في الثورة فقبض عليه ثم اتضحت برا ءته فأطلق ورد إليه معاشه بعد أن استعطف الخديوي توفيقاً بقصيدة طويلة وتوفي سنة 1307 ه?، وكان فكري باشا كاتباً بليغاً سلك في كتابته طريقة كتاب القرن الرابع كالبديع الهمذاني والخوارزمي من التزام السجع القصير القليل التكلف، ولذل يقول فيه المرحوم الشيخ حسين المرصفي مدرس دار العلوم (لو تقدم به الزمان، لكان فيه بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان).\r\r??3 علي مبارك باشا\rهو أبو المعارف المصرية، العالم المؤرخ، المؤلف المترجم، المربي العظيم علي بن مبارك بن سليمان بن ابراهيم، مصلخ العلم والإدارة بالديار المصرية ومؤسس دار العلوم، ودار الكتب العربية: ولد سنة 1239 ه? وكان والده يرسله إلى معلم قاس يتعلم عليه القرآن الكريم فحفظه، وهرب من المعلم لقسوته وضربه، وأخذ يتعلم الكتابة على بعض الكتاب حتى عثر في بعض خرجاته بتلاميذ ذاهبين إلى مدرسة أبي زعبل فصحبهم ودخل المدرسة.","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"ثم اختير في جملة من تلاميذها إلى مدرسة قصر العيني وسنه 12 سنة ودرس الرياضة فبرع فيها فاختير طالباً بمدرسة الهندسة فأكمل في خمس سنوات درس فن الهندسة وأرسل إلى أوروبا سنة 1260 ليتمم دراسته بها، فمكث نحو أربع سنوات درس فيها فن الهندسة والحرب، ثم عاد إلى مصر ضابطاً بالجيش، ثم قدم لعباس باشا الأول مشروعاً بنظام المدارس المصرية فأعجبه وعهد إليه رياسة ديوانها فقام به خير قيام، وألف بعض الكتب الدراسية فكان أول من نظم المدارس المصرية، وتزاحمت عليه المناصب فكان مديراً للسكك الحديدية، وناظراً للمعارف وللأشغال وللأوقاف والقناطر الخيرية، فقام بذلك جميعاً خير قيام. ومن أعماله العظيمة إنشاء دار للكتب وإنشاء مدرس دار العلوم ليوفق بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث ويحسن تعليم العربية، فجاءت هذه المدرسة بأحسن ما يطلب منها وتجديد مدينة القاهرة وأمهات مدن القطر إلى أن وافته المنية سنة 1311 ه??.\r\r??4 الشيخ محمد عبده","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"هو المصلح الكبير، والمجتهد الخطير، والكاتب البليغ، والخطيب المصقع، الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده،أحد أركان النهضة العربية ومؤسسي الحركة الفكرية، ولد سنة 1266 بإحدى قرى مدرية الغربية ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مدرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة، ثم رغب بالتعلم فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1286 وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام لزمه الشيخ محمد عبده وكان أنبغ تلاميذه،و أحرصهم إلى الإستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة 1294، واختير سنة 1295 مدرساً للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقباً على كتابة الجرائد وتحريرها: وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سورية وتولى التدريس بمدارسها، ثم انتقل إلى أوروبا فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضياً بالمحاكم الأهلية، ثم مفتياً للديار المصرية وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة 1323 ه?.\r????5 مصطفى باشا كامل","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"هو الوطني الكبير. مصطفى بن علي أفندي محمد المهندس المولود بالقاهرة في 14 أغسطس سنة 1874. ولما بلغ السادسة من عمره أدخله والده المكاتب الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة والدة عباس باش الأول، وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة توفي والده فانتقل إلى مدرسة القربية فأتم فيها الدراسة الابتدائية سنة 1887، ثم تحول إلى المدارس الثانوية ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بتفوق باهر وذكاء نادر ألفت إليه نظر المرحوم علي باشا مبارك وزير المعارف فاختصه بمرتب شهري يصرف إليه مساعدة له، وكان منظوراً إليه بعين الإجلال والاحترام من إخوانه ومعلميه ورؤسائه لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول واستقلال الفكر ومناقشته في المسائل العلمية والاجتماعية والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلاً مجيداً. ثم دخل مدرسة الحقوق الخديوية نهاراً ومدرسة الحقوق الفرنسية ليلاً فكان يتلقى دروسهما حتى نال الكفاية منها فذهب إلى طولون بفرنسا وأدى فيها الامتحان ونال الشهادة النهائية. وفي أثناء دراسته للحقوق تنبه خاطره للمسائل السياسية وأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب فيها آيات الوطنية. وأنشأ المجلة المدرسية، وألف كتاب المسألة الشرقية ورواية فتح الأندلس وكتاباً في حياة الأمم والرق عند الرومان. كلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال وإحياء الشعور الوطني في أفكار المصريين. واجتمع مصطفى بالمرحوم عبد الله النديم الخطيب المفوه والكاتب البليغ ومشعل نار الوطنية من قبل فاقتبس مصطفى منه الأساليب والتعليمات العظيمة وأضاف إلى معلوماته الماضية. ونهض نهضة الأسد إلى فريسته وأذكى أوار الوطنية في عقول الشباب الناهض وتطورت مصر الفتاة إلى يومنا هذا في مراقي التقدم والنجاح. وقد صار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفاً للشمس في رائعة النهار. وحدث عن شجاعته وفصاحته وقوة معارضته مما لا يمكن لقلم وصفه. وقد أنشأ","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"جرائد اللواء العرب والفرنسي والإنكليزي لهذا الغرض. وتوفي يوم الأربعاء 10 فبراير سنة 1908، وشيعت جنازته باحتفال كبير لم يسبق له مثيل، واشترك فيه عشرات الألوف من جميع طبقات القطر المصري، وعم الخزن الشديد على جميع المصريين. ورثاه الكتاب والشعراء وجميع جرائد العالم. وطيرت نعيه الشركات البرقية الأجنبية في الممالك الأوروبية. وخطبه الظنانة كثيرة لا نطيل بذكرها.\r6 محمد بك فريد\rهو المخلص الأمين. محمد بن أحمد باشا فريد ووالدته أميرة من فضليات سيدات الخلفاء العباسيين. وكان ميلاده في 27 رمضان سنة 1284 ه? وعاش 52 سنة، ولما كان عمره 7 سنوات أدخله المرحوم والده مدرسة خليل آغا فدرس الدروس الابتدائية، ثم دخل المدرسة الثانوية فجد واجتهد حتى فاق أقرانه وأحرز شهادة البكالوريا، ثم انتقل إلى مدرسة الإدارة والألسن، ومنها دخل مدرسة الحقوق الخديوية حتى نال الشهادة النهائية في شهر مايو سنة 1887 م، وعقب ذلك عينته الحكومة المصرية بقلم قضايا الدائرة السنية الذي لم يلبث فيه إلا قليلاً حتى أصبح رئيسه. وقد أنعم عليه سمو الخديوي بالرتبة الثانية، ثم تدرج في وظائف القضاء إلى أن صار أحد رؤساء النيابة العمومية. وفي خلال ذلك كان يكاتب أمهات الصحف العربية والإفرنجية حتى استقال من خدمة الحكومة في 21 نوفمبر سنة 1896 م، واشتغل بالمحاماة وانضم بكل قواه إلى الحزب الوطني لتحرير مصر والسودان. ولازم صاحبه الزعيم الأكبر المرحوم مصطفى باشا كامل. وقد ألف كتاب البهجة التوفيقية في تاريخ العائلة الخديوية وتاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الرومان، وأشنأ مجلة الموسوعات وكتب آلاف المقالات في المؤيد واللواء والصحف الأوروبية، والق مئات من الخطب في الشرق والغرب. وتعرق بكثير من كبار ساسة جميع العالم.","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"ولما شعر المرحوم مصطفى باشا كامل بدنو الأجل جمع الحزب الوطني وأوصاهم بانتخاب فريد بعده رئيساً فقام برياسته خير قيام وقد ضحى نفسه وأولاده وأهله وماله ومناصبه حباً في الوطن حتى مات غريباً في برلين يوم الإثنين 15 يونيه سنة 1920م. وشيعت احتفال مهيب في اسكندرية ومصر لم تر العيون مثله اشتركت فيه العلماء والأمراء والوزراء وجميع الأعيان والوجهاء. ورثته الكتاب والشعراء وجرائد ومجلات الشرق والغرب فممن رثاه حافظ بك ابراهيم قال من قصيدة طويلة:\rمن ليومٍ نحنُ فيه من لغدْ\r\rمات ذو العزمةِ والرأيِ الأسدّ\r\rأيُّها النيل لقد جلّ الأسى\r\rكن مدداً لي إذا الدّمع نفدْ\r\rفلقد ولّى فريدٌ وانطوى\r\rركنُ مصر وفتاها والسَّند\r\rخالدَ الآثار لا تخشى البلى\r\rليس يبلى من به ذكرٌ خلدْ\r\rقل لصب النيل إن لاقيته\r\rفي جوارِ الدائم الفرد الصمدْ\r\rإن مصراً لا تني عن قصدها\r\rرغمَ ما تلقى وإن طال الأمدْ\r\rفاسترحْ واهناً ونمْ في غبطةٍ\r\rقد بذرتَ الحبَّ والشعبُ حصدْ\r?معالي الرئيس المحبوب سعد باشا زغلول","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"هو روح مصر الزعيم الأكبر. سعد ين الشيخ إبراهيم زغلول المولود ببلدة إبيانا التابعة لمديرية الغريبة سنة 1277 ه?، قرأ القرآن الكريم ودرس العلوم الابتدائية في بلده. ثم رحل إلى مصر ودرس الأزهر الشريف وحضر علوم اللغة والأدب والنحو والمنطق والتوحيد وعلوم التشريع وغيرها على فطاحل العلماء كالشيخ المهدي العباسي. والشيخ أبو النجا الشرقاوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد عبده وخلافهم من كبار الأئمة. ثم تعين محرراً لجريدة الوقائع المصرية الرسمية بالداخلية. ثم انتقل معاوناً بنظارة الداخلية في مدة وزارة محمود سامي باشا البارودي. ثم تعين مديراً لقلم قضايا مديرية الجيزة وذلك في مدة اشتداد الثورة العرابية. ثم استقال واشتغل بالمحاماة وقد انتخبته الجمعية عضواً في لجنة تنقيح قانون الجنايات بالاستئناف.ثم اختاره اللورد كرومر أن يكون وزيراً لوزارة المعارف، ثم وكيلاً للجمعية التشريعية إلى أن تطورت الحالة الوطنية في القطر المصري فانتخبته الأمة وكيلاً عنها في مطالبة انكلترا بالجلاء عن مصر والسودان إلى يومنا هذا.\rومن كلماته المأثورة في الوطنية: (1) لا استعباد.؟ لا استعمار. لا حماية. لا رقابة. لا تداخل لأحد في شأن من شؤوننا. هذا ما نريد وهذا ما لا بد أن نحصل عليه.\r(2) أقسم بالوطنية وعزتها لو كنت أعرف أني أقود أمة بلهاء تنقاد لكل زعيم بدون تصور ولا إدراك كما يصفها أعداؤها ما رضيت أن أكون قائداً لها.\r(3) إن قوتنا ليست مستمدة من الخارج بل هي في نفوسنا فلتكن نفوسنا قوية نصل إلى غايتنا.\r(4) الإدارة متى تمكنت من النفوس وأصبحت ميراثاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ذللت كل صعب ومحت كل عقبة وقهرت كل مانع مهما كان قوياً ووصلت عاجلاً أو آجلاً إلى الغاية المطلوبة.\r(5) لا يمكن أن نعتبر للحكوميين مذهباً لأن المذهب يقتضي مبادئ وقواعد أما هم فقاعدتهم القوة. وما يعتمد على القوة لا يصح أن يسمى مذهباً.","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"ومن كلماته المأثورة في الحرية وحدودها\rكل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كانة مصدره عالياً ومهما كان الآمر به.\r(2) كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.\r(3) الصحافة الحرة تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد فليبس من الرأي أن نسألها لم تنتقدها بل من الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.\r(4) نحن نحب الحرية ولكنا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.\r(5) جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.\rومن آرائه في التشريع: (1) كل شريعة تؤسس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة.\r(2) لا تصدقوا أن هناك قاعدة يرجع إليها القاضي في تقدير العقوبة، أو أن هناك ميزاناً توزن الجزاءات، وإنما هي أمور اجتهادية يلهم بها القاضي إلهاماً.","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"(3) الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.\r(4) إننا إذا احترمنا أمراً للحكومة نحترمه لأنه نافع للأمة لا لأنه صادر من تلك القوة المسيطرة.\r(5) يجب أن ننقاد للقانون وألا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزاً وشرفاً.\r(6) إن كانت الحكومة تريد أن نكون في صفها مدافعين عنها فما عليها إلا أن تتبع الحق والعدل وتحترم القانون.\r(7) يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون.\r(8) الذي يلزمنا أن تفاخر به هو أعمالنا في الحياة لا الشهادات التي في أيدينا.\r(9) أعاهدكم عهداً لا أحيد عنه. على أن أموت في السعي إلى استقلالكم فإن فزت فذاك، وإلا تركت لكم تتميم ما بدأت به.\rهذا قليل من كثير لا نحيط به جمعاً خصوصاً خطبه المطولة الممتعة التي تكاد أن تكون في درجة الإعجاز ولا غرابة في ذلك، فمعالي الرئيس معروف بالشجاعة والصراحة، ويمتلك في يده أعنة الألفاظ يتصرف فيها كيف يشار، حتى إنه ليعبر عن أقسى المعاني وأخشنها بأرق الألفاظ وأعذبها وأخفها وقعاً على النفوس والأسماع خصوصاً وأنه لقدير على التأثير على نفس السامع وامتلاكه أزمة الأهواء وتلاعبه بالعواطف والقلوب واقتداره على إسناد كل جزئية من جزئيات المسائل الاجتماعية أو القانونية أو الأخلاقية أو السياسية إلى قاعدتها العامة التي توضح طريقها وتكشف الغامض منها.\rوبالجملة فمعالي الرئيس متشرع يبحث النظامات ويدققها. وسياسي يبارز خصمه مبارزة الرجل الذي يحسن تقليب الحسام بين يديه، فلا كلماته تخرق حجب الآداب ولا تتجاوز حد اللياقة، ولقد كان كلامه ينزل على السامعين نزول الندى على أكام الزهر فلا يرتفع صوت ولا تبدو حركة مع طول خطابته نحو ساعتين، نسأله سبحانه وتعالى أن يمن على مصر والسودان بالاستقلال التام وأن يمنحها الحرية على يد بطلها العظيم وزعيمها الجليل ورئيسها المحبوب \"سعد باشا زغلول\" حفظه الله آمين.\r8 الغازي مصطفى باشا كمال","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"أشهر حماة الشرق وداهية أقطاب الساسة البطل الغازي مصطفى كمال باشا المولود في سلانيك سنة 1298 ه? 1880 م، ولما بلغ السنة السادسة من عمره أدخله والده مدرسة تدرس فيها العلوم الابتدائية على الطراز الحديث. وما لبث أن ترك المدرسة على أثر وفاة المرحوم والده. ثم انتقل إلى قرية مع والدته إلى خاله الذي كفله وعهد إليه القيام بحراسة الحقول والاشتغال بالزراعة مدة ليست بالقصيرة فأوجست والدته خفية من ضياع أيامه الدراسية بدون جدوى، وصحت عزيمته على إرساله إلى دار جدته في (سلانيك) فسافر أليها ودخل في المدرسة الملكية الإعدادية. غير أنه لم يوفق للتعلم بها وذلك لشغفه بحب المدرسة الرشدية العسكرية الابتدائية رغم إرادة والدته التي كانت لا توافقه على الالتحاق بها. وما زال بها حتى استطاع التأثير عليها وتمكن من التغلب على فكرها وأدى الامتحان المؤهل لدخول المدرسة العسكرية بتفوق باهر وكان أحد التلاميذ وأشدهم حباً في الرياضيات. وقد حصل في زمن يسير بجده واجتهاده على معلومات جمة في هذا العلم بدرجة تساوي درجة أستاذه المدعو مصطفى بك القائل له أن بين اسمي واسمك اشتباه فيجدر أن أضيف إلى اسمك يا ولدي لفظة \"كمال\" للتمييز بيننا.","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"وقد أتم الدراسة في المدرسة العسكرية الابتدائية وفاق زملائه في العلوم الرياضية بحيث لم يصادف أية صعوبة في المدرسة الإعدادية العسكرية الثانوية في (مناستر) غير أنه كان ضعيفاً في اللغة الفرنسية، فتحين فرصة العطلة المدرسية ودخل مدرسة الفرير وتزود بقسط وافر من اللغة الفرنساوية. وفي خلال ذلك كان يجتمع بالمرحوم الشاعر التركي المشهور (عمر ناجي بك) فارتشف من منهله العذب وتأدب بأدبه ودرس عليه آداب اللغة وضرب بسهم فيها حتى صار الشعر هو المادة التي تنجذب نفسه إليه وترتاح به رغم النصائح التي كانت لقيها عليه بعض معلميه العسكريين بقولهم \"إذا أردت أن تكون جندياً حقيقياً فاترك الأدب وخيال الشعراء\" وبعد إتمامه الدراسة في تلك المدرسة سافر إلى الأستانة سنة 1319 ه? والتحق بالمدرسة الحربية وكان شغفه العظيم بالرياضيات ولا يزال حياً ونامياً نمو اشتغاله بعلوم الأدب ومزاولة الخطابة وأساليبها فتولد من ذلك توقه واسترعاء نظره حب الاشتغال السياسة وخصوصاً وقد وقعت في يده كتب الوطني العظيم \"نامق بك كمال\" فطالعها مراراً ووقف على ما فيها وأدرك مراميها فرسخت في عقيدته الوطنية وكان ذلك في عهد المرحوم السلطان عبد الحميد الداهية العظيم، ومع ذلك تخرج من هذه المدرسة برتبة \"ملازم ثان\". ولما انتقل إلى مدرسة أركان الحرب بدأ يتعرف مع بعض إخوانه من الطلبة ما يكشف إدارة البلاد وسياستها من السوء والفساد. فكان أول ما فكر فيه أن يفهم زملاءه البالغ عددهم 5000 طالب موقف البلاد الإداري والسياسي. وقد فكروا جميعاً في تأسيس جريدة تكون لسان حالهم. وقد أخذ على عاتقه تحرير الكثير من مقالاتها وأبحاثها غي أن \"اسماعيل باشا\" مفتش المدارس وقف على حركتهم وسلط الجواسيس عليهم، ثم وشى بهم إلى المرحوم السلطان الغازي عبد الحميد الثاني وقال لجلالته إن ناظر المدرسة رضا باشا وهو المسؤول عن حركة الطلبة وواجب إدانته فاستدعاه جلالة السلطان فأقنعه","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"بعدم وجود حركة سياسية، واستمر مع ورفاقه على إصدار جريدتهم حتى آخر سنتي مدرسة أركان الحرب. وبعدها خرج من المدرسة برتبة \"يوزباشي\" في أركان الحرب العامة، واستأجر لنفسه مكاناً خاصاً في \"بك أوغلي\" رغبة في استئناف العمل وعقد الاجتماعات وإصدار القرارات لصالح الوطن، ولكن لم تمض مدة وجيزة حتى عرف الجواسيس عمله وألقوا القبض عليه واعتقلوه بضعة اشهر ثم أطلق سراحه بواسطة سعي رضا باشا ناظره السابق في المدرسة وأصر على اشتغاله بالسياسة حتى نفته الحكومة إلى ولاية الشام للخدمة في الجيش، وقد أسس هناك \"جمعية الحرية\" واتخذ بعض التدابير لتوسيع نطاق هذه الجمعية.\rفأسس لها فروعاً في بيروت ويافا والقدس وفي كل مدينة حل فيها ونزل بها. ولما كان انتشار مبادئ الجمعية غير ممكن في تلك المدن عزم على السفر إلى \"مقدونيا\" حيث هناك الأرض صالحة لبذر تلك المبادئ والعمل على إنمائها وإنباتها حسناً وأطلع جمعيته على رأيه وعلى ذلك سعى أفرادها وتمكن من إصدار إذن يستطيع به السفر في بادئ الأمر إلى \"أزمير\" وعلى أثر ذلك أرسل رسالة خاصة إلى (شكري باشا) المعروف هناك بوطنيته الحارة وطلب منه مساعدته.\rولما شد الرحال إلى مقدونيا وركب البحر غير وجهته إلى مصر ومنها إلى بلاد اليونان ثم إلى سلانيك رغبة في إخفاء أغراضه عن أعين الجواسيس. وقد أسس في مدينة سلانيك فرعاً عاماً للجمعية، وما كادت حكومة الآستانة تتلقى تقرير الجواسيس عن أعماله وأخذت في البحث عنه حتى سافر على وجه السرعة إلى (يافا) وعلى أثر ذلك ظهرت مسألة العقبة. فاستصدرت جمعية الحرية أمراً بتعينه على الحدود المصرية. وما كاد يصل أمر البحث عنه إلى ولاية الشام حتى كان متولياً شؤون وظيفته الجديدة على حدود مصر.\rوقد مكث في سوريا ثلاثة أعوام ثم طلب من الحكومة نقله إلى مقدونيا فقوبل طلبه بالقبول وعلم بعد وصوله إلى سلانيك إن جمعية الحرية غيرت اسمها باسم جمعية الاتحاد والترقي وما وافى","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"إعلان الدستور حتى برز إلى ميادين السياسة بفضل إعلانه جميع الأحرار وقد اقترح على الجمعية انسحاب الجيش في ميادينه فقوبل بالارتياح غير أن الجمعية لم تتمكن من تنفيذه في ذلك الحين.\rولما نشبت الثورة الرجعية في الأستانة سنة 1909: أخمدها واستتب الأمن ثم تعين بمهمة الإصلاح على ولاية طرابلس. ثم شرعت الحكومة التركية في الأنظمة الجديدة لضباط الجيش وهي تقضي بتنزيل درجاتهم ورتبهم، وألحق حسب النظام الجديد برتبة ضابط صغير \"قول أغاصي\" بهيئة أركان حرب في فرقة \"سلانيك\" فأخذ يبذل جهده في تعليم الجيش وتدريبه على الأصول الحربية الحديثة والأنظمة الجديدة.\rوكان كثيراً ما يكتب من الاقتراحات النافعة والانتقادات المفيدة لإصلاح شأن الجيش فكان ذلك من الأسباب الجوهرية التي بعثت بعض القواد القدماء على حقدهم عليه وكان جزاؤه تعيينه قائداً للآلاي الثلاثين فجاء هذا التعيين على عكس غرضهم الأساسي إذا أفسح له مجالاً واسعاً لإلقاء بعض المحاضرات الفنية وشرح أساليب الخطط الحربية وتوضيح المواقف الهامة وغير ذلك مما يحتاج إليه الضباط والقواد. ثم بعد ذلك دعته حكومة الأستانة وعينته ضمن أركان الحرب العامة فيها وقام بصحبة المرحوم شوكت باشا بالحركات الحربية لإخماد الثورة في بلاد ألبانيا.\rوقد ذهب مع جماعة من إخوانه متنكراً إلى مصر على أثر إعلان الحرب الإيطالية سنة 1911 وسافر منها إلى بنغاري. ثم عاد إلى الأستامة بعد نشوب الحرب بين الترك والبلغار وتع ين رئيساً لأركان الحرب، ثم عاد إلى الأستانة وتعين ملحقاً عسكرياً في سفارة \"صوفيا\" عاصمة بلغاريا ومكث هناك مدة سنة كاملة.\rولما نشبت الحرب العامة سنة 1914 تعين قائداً للفرقة السادسة عشر في (تكفورطاغ)، ثم تعين لفيلق ديار بكر وبعدها تولى قيادة الجيوش. وعين بعد ذلك قائداً للقوات الحجازية فتوجه إلى الشام وتفاوض مع جمال باشا وأركان حربه وأنور باشا وأركان حربه وبعد أخذ ورد أقنع الجميع","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"بضرورة الجلاء عن الحجاز ثم عاد إلى ديار بكر ومنها عاد إلى الأستانة وأخذ القيادة على عاتقه وحصل بينه وبين كبار القواد الألمانيين مناقشات أدت إلى استقالته وسافر من الأستانة مع ولي العهد (جلالة الخليفة الأعظم الحالي) إلى ألمانيا، وفيها تقابل مع القائدين العظيمين (هندنبورج ولوندرف) وبعد ذلك عاد فرأى ما حل بالبلاد من المصائب فاقترح على الحكومة إسقاط الوزارة وتشكيل وزارة أخرى حسب برنامج قرره لها.\rوكان نظره متجهاً نحو نقطتين هامتين: (1) التوسل بالأسباب الناجحة في الحصول على ما تمس الحاجة إليه.\r(2) إنشاء قوة قوية للدفاع عن مصالح الوطن.\rوقد صحت عزيمته على ترك الأستانة والتوغل في داخلية البلاد وبسط موقف البلاد المحفوف بالمخاطر. ولأجل هذا بذل جهده في العمل على إنقاذ الوطن خاصة والشرق عامة. وبينما كان مشتغلاً بتهيئة الأسباب لذلك إذ تلقى أمراً بتعيينه قائداً ومفتشاً لجيش الصاعقة مع ضرورة ذهابه به الأناضول فتقبل ذلك بالسرور العظيم. وقام إلى الأناضول وهو حاصل على رتبة القائد والمفتش معاً لذلك الجيش، وكان ذلك من أهم العوامل الفعالة للوصول إلى تحقيق إنقاذ الوطن (حاجة في نفس يعقوب قضاها) ولما شعرت الحكومة بخطئها استدعته في الحال إلى الأستانة فرفض واستقال وسعى في جمع نواب الأمة وتأليف المجلس الوطني الكبير في الأناضول وقد افتتح المجلس الوطني يوم 23 فبراير سنة 1920، وأخذ في مباشرة الأعمال والقيام بواجب البلاد وكان شغله الشاغل. (كيف تمثل إرادة الأمة أحسن تمثيل) فاهتدى بعد أبحاث طويلة أنه لا يتم ذلك إلا باجتماع نوابها العظام. وهذا ما دعاه إلى وضع مستقبل الأمة من حريتها واستقلالها في يد وزارة كبيرة تمثل البلاد، وقد تم له ما أراد ففاز بالنصر والسداد وفقه الله إلى ما فيه صلاح العباد.\rوالغازي على جانب عظيم من الفضيلة ومكارم الأخلاق بعيداً عن الزهو وحب النفس متواضعاً محبوباً محترماً صريحاً في قوله","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"وعمله. فصيحاً بليغاً. من كبار الكتاب ومن فحول الشعراء ينادي المعالي ويناجي الحرية والإخاء والمساواة وقد اجتمع بين يديه إمارة السيف والقلم: وخطبه أشهر من أن تذكر من أقواله: في الوطن: إن وطننا العزيز لايموت ولن يموت. وإذا فرضنا المحال وسلمنا بموته (لا قدر الله) فكاهل الكرة الأرضية لن يستطيع حمل تابوته الجسيم. نعم يسقط مهمشاً مقطع الأوصال مادام فرد منا يتنسم نسيم الحياة.\rومن آرائه في تعليم المرأة:\rتعليم المرأة \"أم الوطن\" وتثقيف عقلها بالعلوم الدينية والمعارف الأهلية من أهم ما ترمي إليها نهضتنا العلمية الوطنية.\rومن وصفه للفلاح: سيد تركيا بل سيد العالم الحقيقي (الفلاح) لأنه هو العنصر الأول في تكوين عناصر الأمة وكيانها. والوطن بدونه لاشيء بل الوطن هو فيتعين أن نعتني به عناية خاصة، وأن نضع قبل كل شيء سعادته نصب أعيننا.\rالشعر","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"كانت حالة الشعر في النصف الأول من هذا العصر لاتزيد شيئاً مذكوراً على ما كنت عليه في العصر الماضي، إذ كانت حكومة محمد علي باشا في أول أمرها تركية الصبغة، وكان هو أمياً، ولكن الشعر أخذ بعد ذلك في الترقي خصوصاً في عصر اسماعيل باشا، فتقدم خطوات تمثلت في شعر السيد علي أبي النصر المتوفي سنة 1298، والشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1309، وعظيم الشعراء البارودي.\rولم يزل العلم والعلماء مع ذلك لهم المقام الأول في مصر حتى كان العصر الحاضر، ونالت مصر بعض حاجاتها من العلم وكتبه فهب أهله يتفكهون بالأدب وكتابته والتأليف فيه ويستمعون الشعر ويحرضون المجامع العظيمة لإنشاده فأقبل الشعراء على نظمه في كل أغراضه القديمة والحديثة ونحوا به نحو الشعر الإفرنجي من وصف المناظر الطبيعية، وأحوال الوجدان والعواطف النفسية ومن وصف القطار والكهرباء والمسرة والبرق وغير ذلك.\rومما يمتاز به شعر هذا الوقت خلوه من تكلف البديع والجناس. والرجوع له إلى حالته القديمة الطبيعية حتى صار شعر فحوله يشبه شعر أهل القرن الرابع والخامس.\rالشعراء\rشعراء هذا العصر كثيرون وأشهرهم محمود باشا سامي البارودي، وأحمد بك شوقي، ومحمد حافظ بك ابراهيم، واسماعيل باشات صبري،ة وخليل بك مطران وغيرهم.\rالبارودي","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"هو رب السيف والقلم أمير الشعراء وشاعر الأمراء، محمود سامي باشا بن حسن حسني بك البارودي، أحد زعماء الثورة العرابية وأشعر الشعراء المتأخرين بالديار المصرية: ولد سنة 1255ه? وتأدب وأدخل المدرسة الحربية ومازال يترقى حتى ولاه المرحوم الخديوي توفيق باشا نظارتي الحربية والأوقاف. ثم ولي رياسة النظار قبيل الثورة العرابية. فلما اضطرمت نيران الثورة أرغمه زعماؤها على اصطلاء نارها فخب فيها ووضع. وحكم عليه بعد انقضائها بالنفي إلى جزيرة (سيلان) حتى عمي، وشفع فيه فأذن له بالقدوم إلى مصر بعد مضي 17 سنة من منفاه، وبقي في منزله كفيفاً يشتغل بالأدب إلى أن مات سنة 1322ه?. ومن قوله:\rوالدهر كالبحر لاينفكّ ذا كدر\r\rوإنما صفوه بين الورى لمعُ\r\rلو كان للمرء فكر في عواقبه\r\rما شأن أخلاقه حرص ولا طمع\r\rوكيف يدرك ما ف الغيب من حدث\r\rمن لم يزل بغرور العيش ينخدع\r\rدهرٌ يغرّ وآمال تسرّ وأع\r\rمار تمرّ وأيام لها خدع\r\rيسعى الفتى لأمور قد تضرُّ به\r\rوليس يعلم ما يأتي وما يدع\r\rيأيها السادر المزورُّ من صلف\r\rمهلاً فإنك بالأيام منخدع\r\rدع ما يريب وخذ فيما خلقت لهُ\r\rلعلّ قلبك بالإيمان ينتفع\r\rإن الحياة لثوب سوف تخلعهُ\r\rوكل ثوب إذا مارثَّ ينخلع\r\rومن قوله في الحماسة والفخر:\rأنا مصدرُ الكلمِ البوادي\r\rبين المحاضر والنّوادي\r\rأنا فارسٌ أنا شاعر\r\rفي كلّ ملحمة ونادي\r\rفإذا ركبت فإنني\r\rزيدُ الفةوارس في الجلاد\rوإذا نطقتُ فغنني\r\rقسُّ بنُ ساعدة الإيادي\r\rوقال يصف هرمي الجيزة وأبا الهول:\rسل الجيزةَ الفيحاء عن هرميْ مصر\r\rلعلّكَ تدري غيب ما لم تكنْ تدري\r\rبناءان ردّا صولةَ الدَّهرِ عنهما،\r\rومنْ عجبٍ أن يغلبا صولةَ الدَّهرَ\r\rأقاما على رغمِ الخطوبِ ليشهدا\r\rلبانيهما بين البريّة بالفخرِ","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"فكمْ أمم في الدهر بادتْ وأعصرِ\r\rخلّتْ وهما أعجوبةُ العينِ والفكرِ\r\rتلوحُ لآثارِ العقولِ عليهما\r\rأساطيرُ لاتنفك تتلى إلى الحشرِ\r\rرموزٌ لو استطلعتَ مكنونَ سرّها\r\rلأبصرتَ مجموعَ الخلائق في سطر\rفما منْ بناءٍ كانَ أو هو كائنٌ،\r\rيدانيهما عندَ التأمُّلِ والخبرِ\r\rيقصِّرُ حسناً عنهما صرحُ بابلِ،\r\rويعترفُ الإيوان بالعجزِ والبهرِ\r\rكأنهما ثديانِ فاضا بدرَّةٍ\r\rمن النيلِ تروي غلَّةَ الأرض إذ تجري\rوبينهما بلهيبُ في زيّ رابضٍ\r\rأكبَّ على الكفَّينِ منه إلى الصدر\r\rيقلّبُ نحوَ الشرقِ نظرة وامقٍ،\r\rكأنَّ له شوقاً إلى مطلعِ الفجرِ\r\rمصانعُ فيها للعلومِ غوامضٌ\r\rتدلُّ على أنَّ ابن آدم ذو قدرِ\r\rرسا أصلها، وامتدَّ في الجوّ فرعها،\r\rفأصبحَ وكراً للسِّماكين والنَّسرِ\r\r?أحمد شوقي بك\rهو رب القلم محيي دولة الشعر بعد العدم شاعر النيل أحمد بن علي شوقي بك المولود سنة 1285ه??.\rشعره، ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم، وينظم حين يشاء، وحيث يشاء، لا يجهد فكره ولايكده في معنى أو في مبنى، فأما المعنى فيجيئه على مرامه أو على أبعد من مرامه ولاينضب عنده لأنه يستخلصه من عقل فوار الذكاء ومعارف جامعة إلى أفانين الآداب في لغات الإفرنج والأعراب، فلسفة الحقوق وحقائق وحقائق التاريخ، وغرائب السير التي يحفظ منها غير يسير إلى مشاركات علمية وتنبيهات فنية استفادها من مطالعته في صنوف الكتب، واتخذها عن ملحوظاته ومسموعاته في جولاته بين بلاد الشرق والغرب. وأما المبني فله فيه اذواق متعددة مقامات القول: ترى فيه من نسج البحتري ومن صياغة أبي تمام ومن ثبات المتنبي، ومن مفاجآت الشريف، ومن مسلسلات مهيار.\rومن قوله: يصف هيكل أنس الوجود:\rأيُّها المنتحي \"بأسوانَ\" داراً\r\rكالثريَّا تريدُ أن تنقضا","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"اخلع النَّعلَ واخفض الطرف واخشعْ\r\rلا تحاولْ من آيةِ الدَّهرِ غمضا\r\rقفْ بتلكَ القصور في اليمّ غرقى\r\rممسكاً بعضها في الذُّعرِ بعضا\r\rكعذارى أخفينَ في الماءِ بضّاً\r\rسابحاتِ به، وأبدين بضّاً\r\rمشرفاتٍ على الزوال. وكانتْ\r\rمشرقاتٍ على الكواكب نهضا\r\rشابَ من حولها الزمانُ. وشابت\r\rوشباب الفنونِ ما زالَ غضّاً\r\rربّ نقشٍ كأنما نفضَ الصّا\r\rنعُ منهُ اليدينِ بالأمس نفضاً\r\rودهانٍ كلامعِ الزّيت مرّت\r\rأعصر بالسّراج والزّيتُ وضّا\r\rوخطوط كأنها هدبُ ريمٍ\r\rحسنتْ صنعة وطولا وعرضا\r\rوضحايا تكادُ تمشي وترعى\r\rلو أصابت من قدرة الله نبضا\r\rومحاريبَ كالبروجِ بنتها\r\rعزماتٌ من عزمةِ الجنّ أمضى\r\rشيَّدت بعضها الفراعينُ زلفى\r\rولني البعضَ أجنب يترضّى\r\rومقاصيرَ أبدلتْ بفتاتِ ال?\r\r?مسك ترباً. وباليواقيتِ قضاً\r\rحظُّها اليومَ هدّةٌ، وقديماً\r\rصرفت في الحظوظ رفعاً وخفضاً\rسقتِ العالمينَ بالسعدِ والنَّح?\r\r?سِ إلى أن تعاطتِ النحسَ محضاً\r\rصنعةٌ تدهشُ العقولَ وفنٌّ\r\rكان إتقانهُ على القومِ فرضا\r\r***\rياقصوراً نظرتها وهي تقضى\r\rفسكبتُ الدموعَ، والحقُّ يقضى\r\rأنت طغرا، ومجدُ مصرَ كتابٌ\r\rكيفَ سامَ البلى كتابكِ فضّاً؟\r\rوأنا المحتفي بتاريخِ مصر\r\rمن يصنْ مجدّ قومهِ صانَ عرضا\r\rلم تمت أمَّةٌ، ولا بادَ شعبٌ\r\rأقرضوا الذِّكرَ والأحاديث قرضا\r\rربّ سرِّ بجانبيكِ مزالٍ\r\rكان حتى على الفراعينِ غمضا\r\rقلْ لها في الدُّعاء لو كان يجدي\r\rيا سماءَ الجلالِ لا صرتِ أرضا\r\rحار فيك المهندسون عقولاً\r\rوتولَّتْ عزائمُ العلمَ مرضى\r\rأينَ ملْكٌ حيالها وفريدٌ\r\rمن نظامِ النعيمِ أصبحَ فضاً؟\r\rأين فرعونُ في المواكبِ تترى","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"يركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا?\r\rساقَ للفتح في الممالكِ عرضاً\r\rوجلا للفخارِ في السلمِ عرضا\r\rأين \"إبزيسُ\" تحتها النيلُ يجري\r\rحكمتْ فيهِ شاطئينِ وعرضا!\r\rأسدلَ الطّرف كاهنٌ ومليكٌ\r\rفي ثراها وأرسلَ الرأسَ خفضا\r\rيعرضُ المالكون أسرى عليها\r\rفي قيود الهوان عانينَ جرضى\r\rما لها أصبحتْ بغير مجير\r\rتشتكي من نوائب الدّهر عضّا\r\rهي في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ\r\rملكة في السّجون فوقَ حضوضى\rأين (هوروسُ) بين سيفٍ ونطع\r\rأبهذا في شرعهم كان يقضى!\r\rليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ\r\rأم رماهُ الوشاة حقداً وبغضا\r\rربُّ ضرب من سوطِ فرعون مضِّ\r\rدون فعل الفراقِ بالنفسِ مضّا\r\rوهلاكٍ بسيفهِ وهو قانٍ\r\rدونَ سيفٍ من الّلواحظِ ينضى\r\rقتلوهُ فهل لذاك حديثٌ\r\rأين راوي الحديثِ نثراً وقرضا\r\rشيمةُ النيل أن يفي، وعجيب\r\rأحرجوهُ فضيَّعَ العهدَ نقضاً\r\rحاشهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ\r\rليتَ بالنيلِ يومَ يسقط غيضا\r\rشيّدوا المالَ، والعلومُ قليلٌ\r\rأنقذوهُ بالمالِ والعلمِ نقضا\r\rمحمد حافظ بك ابراهيم","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"هو الشاعر الكبير محمد حافظ بن ابراهيم أفندي فهمي المولود سنة 1288ه?. يقول الشعر، في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه، ويتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره.\rيؤثر الجزالة على الرقة، وله فيها آيات، يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شان الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب ما بين يديه آمناً أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابد لأن يأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين.\rحاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلاها. له غرام باللفظ لايقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في التصوير، أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء، فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر، ولكل من تلك النجوم منزلة وإضاءته وأثره الخالد.\rأما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً. ومن شعره الاجتماعي، قوله:\rكم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي\r\rفي حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاق\r\rإني لأحملُ في هواكِ صبابة\r\rيامصرُ، قد خرجت عن الأطواقِ\rلهفي عليكِ? متى أراك طليقةً\r\rيحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقٍ\r\rكلفٌ بمحمود الخلالِ، متيمٌ\r\rبالبذلِ بين يديكِ والإنفاقِ\r\rإني لتطربني الخلالُ كريمةٌ\r\rطربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ\r\rويهزُّني ذكرُ المروءةِ والنَّدى\r\rبين الشّمائلِ هزّةَ المشتاقِ\r\rما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجها\r\rوالشربُ بين تنافس وسباقِ\r\rوالشمس تبدو في الكؤوسِ وتختفي\r\rوالبدرُ يشرق من جبين السّاقي\r\rبألذ من خلقٍ كريم طاهرٍ\r\rقد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ\r\rفإذا رزقتَ خليقة محمودة\r\rفقدِ اصطفاكَ مقسّمُ الأرزاقِ\r\rفالناسُ هذا حظهُ مالٌ، وذا","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"علمٌ وذاك مكارمُ الأخلاقِ\r\rوالمالُ إن لم تدَّخرهُ محصناً\r\rبالعلم كان نهاية الإملاقِ\r\rوالعلمُ إن لم تكتنفهُ شمائلٌ\r\rتعليهِ كان مطية الإخفاق\r\rلا تحسبنَّ العلم ينفعُ وحدهُ\r\rمالم يتوَّج ربُّهُ بخلاقِ\r\rمنْ لي بتربية النساءِ فإنَّها\r\rفي الشرق علَّةُ ذلك الإخفاق\r\rالأم مدرسةٌ إذا أعددتها\r\rأعددت شعباً طيّب الأعراقِ\r\rالأم روضٌ تعهّدهُ الحيا\r\rبالريّ، أورقَ إيّما إبراق\r\rالأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الألى\r\rشغلت مآثرهم مدى الآفاق\r\rأنا لا أقولُ: دعوا النساءَ سوافراً\r\rبين الرجال يجلنَ في الأسواق\r\rيدرجنَ حيث أردنَ، لا من وازعٍ\r\rيحذرن رقبتهُ، ولا من واق\r\rيفعلن أفعال الرجال لواهيا\r\rعن واجبات نواعس الأحداق\r\rفي دورهنّ شؤونهنّ كثيرة\r\rكشؤون ربّ السيفِ والمزراق\r\rكلاّ، ولا أدعوكم أن تسرفوا\r\rفي الحجبِ والتضييق والإرهاق\r\rليست نساؤكمُ حلىّ وجواهراً\r\rخوفَ الضياع تصانُ في الأحقاقِ\rليست نساؤكمُ أثاثاً يقتنى\r\rفي الدُّور بين مخادع وطباق\r\rتتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارها\r\rدولاً، وهنَّ على الجمود بواق\r\rفتوسَّطوا في الحالتين، وأنصفوا\r\rفالشرُّ في التقييد والإطلاقِ\r\rربُّوا البنات على الفضيلةِ، أنّها\r\rفي الموقفين لهنَّ خير وثاق\r\rوعليكمُ أن تستبينَ بناتكم\r\rنورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي\r\rإسماعيل صبري باشا\rأكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه، ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة، شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، ومن قوله يصف الأهرام:","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"لا القومُ قومي ولا الأعوان أعواني\r\rإذا ونى يوم تحصيل العلى وانِ\r\rولستُ أنْ لم يؤيدني فراعنة\r\rمنكم بفرعونَ عالي العرش والشانِ\rولستُ جبّار ذا الوادي إذا سلمتِ\r\rجبالهُ تلك من غاراتِ أعواني\r\rلا تقربوا النَّيلَ إن لم تعلموا عملاً\r\rفماؤهُ العذبُ لم يخلقْ لكسلانِ\r\rردوا المجرّة كذّاً دون موردهِ\r\rأو فاطلبوا غيرهُ رياً لظمآنِ\r\rوابنوا كما بنت الأجيالُ قبلكمُ\r\rلا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان\r\rأمرتكم، فأطيعوا أمرَ ربّكم\r\rلا يئنِ مستمعاً عن طاعةٍ ثانِ\r\rفالملك أمرٌ وطاعاتٌ تسابقهُ\r\rجنباً لجنب إلى غايات إحسانٍ\r\rلا تتركوا مستحيلاً في استحالته\r\rحتى يميطَ لكم عن وجه إمكانِ\r\rمقالةً قد هوت من عرش قائلها\r\rعلى مناكب أبطال وشجعان\r\rمادتْ لها الأرضُ من ذعرٍ ودان لها\r\rما في المقطَّم من صخر وصوَّانِ\r\rلو غير فرعونَ ألقاها على ملأِ\r\rفي غير مصرِ لعدَّت حلم يقظان\r\rلكنّ فرعونَ إن نادى جبلاً\r\rلبَّت حجارتهُ في قبضةِ الباني\r\rوآزرتهُ جماهير تسيلُ بها\r\rبطاحُ واد بماضي القوم ملآنِ\r\rيبنون ما تقف الأجيالُ حائرة\r\rأمامهُ بين إعجاب وإذعانٍ\r\rمن كل ما لم يد فكر ولا فتحت\r\rعلى نظائره في الكون عينانِ\r\rويشبهونَ إذا طاروا إلى عمل\r\rجنّاً تطير أمرٍ من سليمانِ\r\rبرّاً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاً\r\rلكنّهم خلقوا طلابَ إتقانِ\r\rأهرامهم تلك، حيّ الفنَّ متخذاً\r\rمن الصُّخورِ بروجاً فوق كيوانِ\r\rقد مرَّ دهر عليها، وهي ساخرة\r\rبما يضعضعُ من صرحٍ وإيوانِ\r\rلم يأخذِ الّليلُ منها والنهارُ سوى\r\rما يأخذُ النملُ من أركان تهلانِ\r\rكأنها والعواد، في جوانبها\r\rصرعى بناءُ شياطين لشيطانٍ\r\rجاءت إليها وفود الأرض قاطبة","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"تسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ الفاني\r\rفصغَّرت كل موجود ضخامتها\r\rوغضَّ بنيانها من كلّ بنيانِ\r\rوعادَ منكرُ فضل القوم معترفاً\r\rيثني على القوم في سرَّ وإعلانِ\r\rتلك الهياكل في الأمصار شاهدةٌ\r\rبأنهم أهلُ سبقٍ، أهلُ إمعانٍ\r\rوأن فرعونَ في حول ومقدرة\r\rوقومَ فرعونَ في أقدام كفؤانٍ\r\rإذا أقام عليهم شاهداً حجرٌ\r\rفي هيكل قامتْ الأخرى ببرهانٍ\r\rكأنما هي والأقوام خاشعةٌ\r\rأمامها صحفُ من عالمٍ ثانِ\r\rتستقبلُ العينَ في أثنائها صورٌ\r\rفصحة الرمز دارت حولَ جدرانِ\r\rلو أنها أعطيتْ صوتاً لكانَ لهُ\r\rصدّى يروّع الإنس والجان\r\rأين الألى سجَّلوا في الصّخر سيرتهم\r\rوصغّروا كلَّ ذي ملك وسلطانِ\r\rبادوا، وبادت على آثارهم دولٌ\r\rوأدرجوا طيَّ أخبار وأكفانِ\r\rخليل بك مطران\rهو شاعر الشعور والخيال، وشاعر بعلبك والأهرام، ولد سنة 1871 ببعلبك وتعلم بها قدم مصر سنة 1893 م واشتغل بمكاتبة الصحف وانشأ باسمه \"المجلة المصرية\" سنة 1899 م وأنشأ أيضاً (جريدة الجوانب المصرية) وله ديوانه المسمى (ديوان الخليل).\rشعره: مجمع الصور وملعب الخيال، ونفسه كالصحيفة الحساسة ينطبع عليها كل ما يمر بها، بل الغصن الرطب يميل به كل نسيم بل وجه البحيرة الصافي يحركه كل ريح، من قصيدة له يصف ضرب الأسطول الإيطالي سواحل الشام ويستنهض الهمم:\rبلادي لا يزالُ هواكِ منّي\r\rكما كان الهوى قبل الفطام\r\rأقبّل منك حيثُ رمى الأعادي\r\rرغاماً طاهراً دون الرّغام\r\rوافدي كل جلمود فتيت\r\rوهي بقنابل القوم اللّئام\r\rلحى الله المطامعَ حيث حلّت\r\rفتلك أشدّ آفات السلام\r\rتشوبُ الماَء وهو أغرّ صاف\r\rوتمشي في المشارب بالسّقام\r\rأقول وقد أفاق الشّرق ذعراً\r\rمن الحال الشّبيهة بالمنام\r\rعلى صخب المدافع في حماه\r\rورقص الموت بينَ طلّيً وهامِ","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"أقول بصوته لحماة دار\r\rرماها من بغاة الغرب رام\r\rأباةَ الضيَّم من عرب وترك\r\rنسورَ الشّمّ آسادَ الموامي\r\rقرومَ العصر فرساناً ورجلاً\r\rنجوم الكرّ من خلف اللثام\r\rبنا مرض النَّعيم فنسمونا\r\rوغّى يشفي من الصفّو العقام\r\rبنا برد المكوث فأدفئونا\r\rبحمَّى الوثب حيث الخطب حام\rبنا عطلُ السّماع فشنَّفونا\r\rبقعقعة الحديد لدى الصّدام\r\rعلى هذا الرّجاء ونحن في\r\rنسيرُ موفقين إلى الأمام\r\rوقال في نابليون وهو يراقب السماء في آخر أيامه\rقالوا لنابليون ذات عشيّة\r\rإذ كان يرقب في السّماء الأنجما\rهل بعد فتح الأرض من أمنيَّة\r\rفأجاب انظر كيف أفتتح السّما\r\rأبواب الشعر العربي\rالباب الأول في المديح\r\"قال أمية بن أبي الصلت المتوفى سنة 9 ه? في العزة الإلهية\".\rلكَ الحمدُ والنّعماء والملك ربُّنا\r\rفلا شيء أعلى منك مجداً وامجداُ\rمليك على عرض السّماءِ مهيمنٌ\r\rلعزّته تعنوا الوجوه وتسجدُ\r\rفسبحان من لا يعرفُ الخلقُ قدره\r\rومنْ هو فوقَ العرش فردٌ موحّدُ\r\rهو الله باري الخلقِ والخلقُ كلّهم\r\rإماءٌ له طوعاً جميعاً وأعبدُ\r\rمليكُ السَّموات الشّداد وأرضها\r\rيدومُ ويبقى والخليقةُ تنفدُ\r\rوقال أيضاً\rإلهُ العالمينَ وكلَّ أرض\r\rورب الرَّاسيات من الجبال\r\rبناها وابتنى سبعا شداداً\r\rبلا عمدٍ يربنَ ولا رجالِ\r\rوسوَّاها وزينها بنور\r\rمن الشمس المضيئةِ والهلالِ\r\rومن شهب تلألأ في دجاها\r\rمراميها أشدُّ من النَّصالِ\r\rوشقّ الأرض فانبجستْ عيونا\r\rوأنهاراً من العذب الزُّلالِ\r\rوبارك في نواحيها وزكّى\r\rبها ما كان من حرثٍ ومعالٍ\r\rفكلُّ معمّر لا بدّ يوماً\r\rوذي دنيا يصيرُ إلى زوالٍ\r\rويفني بعد جدته ويبلى\r\rسوى الباقي المقدّس ذي الجلالِ","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"وسيقَ المجرمون وهم عراة\r\rإلى ذات المقامع والنَّكالِ\r\rفنادوا ويلنا ويلاً طويلاً\r\rوعجُّوا في سلاسلها الطّوالِ\r\rفليسوا ميتين فيستريحوا\r\rوكلهمُ بحرّ النّار صالي\r\rوحلّ المتّقون بدار صدق\r\rوعيش ناعمٍ تحت الظّلال\r\rلهم ما يشتهون وما تممنا\r\rمن الأفراح فيها والكمالِ\r\rوقال محمود سامي البارودي باشا مادحاً سيد الأمة من كشف الغمة\r\"محمدٌ\" خاتم الرُّسل الّذي خضعت\r\rله البرية من عرب ومن عجم\r\rسميرُ وحي ومجنى حكمةٍ وندى\r\rسماحة وقرى عافٍ وريُّ ظم\r\rقد ابلغ الوحيُ عنه قبل بعثته\r\rمسامعَ الرُّسل قولاً غير منكتم\r\rفذاك دعوةُ إبراهيم خالقه\r\rوسرَّ ما قاله عيسى من القدمِ\r\rأكرم به وبآباء محجّلة\r\rجاءت به غرّة في الأعصر الدُّهم\rقد كان في ملكوت الله مدّخراً\r\rلدعوة كان فيها صاحبَ العلم\r\rنورٌ تنقل في الأكوان ساطعة\r\rتنقلَ البدرِ من صلب إلى رحم\r\rوقال أحمد بك شوقي مادحاً أفضل الخلق على الإطلاق من نهج البردة\rمحمدُ\" صفوة الباري وحمته\r\rوبغيةُ الله من خلقٍ ومن نسيم\r\rوصاحبُ الحوضِ يوم الرُّسلُ سائلةٌ\r\rمتى الورود وجبريلُ الأمينُ ظمي\rسناؤه وسناه الشمس طالعةٌ\r\rفالجرمُ في فلكٍ والضّوءُ في علم\r\rقد أخطأ النجمُ ما نالت أبوته\r\rمن سؤددٍ باذخٍ في مظهرٍ سنم\r\rنموا إليه فزادوا في الورى شرفاً\r\rوربّ أصلٍ لفرعِ في الفخار نمي\rحواه في سبحات الطُّهر قبلهمُ\r\rنورانِ قاما مقامَ الصُّلب والرَّحم\r\rلما رآه بحيراً قال نعرفهُ\r\rبما حفظنا من الأسماء والسَّيمِ\r\rوقال أبو تمام مادحاً المعتضد بالله\rإلى قطب الدُّنيا الذي لو بفضله\r\rمدحت بني الدُّنيا كفتهم فضائله\rمن البأس والمعروف والجود والتُّقى\r\rعيالٌ عليه رزقهنَّ شمائله\r\rهو البحرُ من أيّ النواحي أتيته","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"فلجتهُ المعروفُ والجودُ ساحله\r\rتعود بسط الكف حتّى لو أنَّه\r\rثغاها لقبضٍ لم تعطهُ أنامله\r\rولو لم يكن في كفه غيرُ روحه\r\rلجاد بها فليتَّقِ الله سائله\r\rوقال فيه أيضاً\rالسيف اصدقُ إنباءٌ من الكتبِ\r\rفي حده الحدّ بين الجدّ والّلعبِ\r\rبيضُ الصفائح لا سود الصحائف في\r\rمتونهنّ جلاء، الشّكَّ والرّيبِ\r\rفتحٌ تفتحُ أبواب السّماء له\r\rوتبرزُ الأرضُ في أثوابها القشبِ\r\rغادرت فيهم بهيمَ الليل وهو ضحى\r\rيقلهُ وسطها صبحٌ من الّلهبِ\r\rحتى كأن جلابيبَ الدُّجى رغبت\r\rعن لونها وكأنَّ الشمس لم تغبِ\r\rأجبتهُ معلناً بالسّيف متصلتا\r\rولو أجبت بغير السّيف لم تجب\r\rخليفةَ الله جازى سعيك عن\r\rجرثومة الدّين والإسلام والحسب\r\rفبين أيامك اللاتي نصرت بها\r\rوبين أيام بدر أقربُ النّسب\r\rوقال أبو العلاء المعري\rإليك تناهي كلُّ فخرٍ وسؤدد\r\rفأبلِ الّليالي والأنام وجدد\r\rلجدَّك كلن المجدُ ثم حويته\r\rولابنك يبنى منه أشرف مقعدِ\r\rثلاثة أيامٍ هيَ الدّهرُ كله\r\rوما هنّ غير الأمسِ واليومِ والغدِ\rوما البدرُ إلا واحدٌ غير أنه\r\rيغيبُ ويأتي بالضيّاءِ المجدّدِ\r\rفلا تحسب الأقمار خلقاً كثيرة\r\rفجعلتها من نيَّر مترددٍ\r\rوللحسنِ لحسنى وإن جاد غيره\r\rفذلك جودٌ ليس بالمعتمّد\r\rوقال أبو الطيب المتنبي مادحاً سيف الدولة\rضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن ملك\r\rملء الزمان وملء السّهل والجبل\r\rفنحن في جذل والرُّوم في وجل\r\rوالبرُّ في شغل والبحرُ في خجل\r\rليتَ المدائح تستوفي مناقبه\r\rفما كليبٌ وأهل الأعصر الأول\r\rخذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به\r\rفي طلعة البدرِ ما يغنيك عن زحل\r\rوقد وجدت مكانَ القول ذا سعةٍ\r\rفإن وجدتَ لساناً قائلاً فقل\r\rإن الإمام الذي فخرُ الأنام به","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"خيرُ السُّيوف بكفي خيرةِ الدُّول\r\rتمسي الأماني صرعى دون مبلغهِ\r\rفما يقول لشيءٍ ليتَ ذلك لي\r\rوقال أيضاً يمدح أبا شجاع\rلا خيل عندك تهديها ولا مالُ\r\rفليسعد النُّطق إن لم تسعد الحال\r\rواجز الأميرَ الذي نغماه فاجئةٌ\r\rبغير قولٍ ونعمى النَّاس أقوالُ\r\rفربما جرت الإحسانَ موليه\r\rجريدةٌ من عذارى الحيّ مكسالُ\rوإن تكن محكمات الشّكل تمنعني\r\rظهور جري فلي فيهن تصهالُ\r\rوما شكرتُ لأن المالَ فرحني\r\rسيّان عنديَ إكثارٌ وإقلالُ\r\rلكن رأيت قبيحاً أن يجاد لما\r\rوإننا بقضاء الحقَّ بخالُ\r\rفكنتُ منبتَ روضِ الحزن باكره\r\rغيثٌ بغيرِ سباخ الأرض هطالُ\rغيثٌ يبيّن للنُّظار موقعه\r\rأن الغيوث بما تأتيه جهّالُ\r\rلا يدرك المجدَ إلا سيّدق فطنٌ\r\rلما يشقٌ على السادات فعّال\r\rلا وارثٌ جهلتْ يمناهُ ما وهبتْ\r\rولا كسوبٌ بغير السّيف سئّال\r\rقال الزمانُ له قولاً فأفهم\r\rأن الزّمان على الإمساك عذال\r\rتدري القناةُ إذا اهتزت براحته\r\rأن الشّقيّ بها خيلٌ وأبطالُ\r\rكفاتكِ ودخول الكاف منقصةٌ\r\rكالشمس قلتُ وما للشمس أمثال\rالقائدُ الأسدَ غدتها براثنهُ\r\rبمثلها عداهُ وهي أشبالُ\r\rوقال أيضاً يمدح سيف الدولة\rويذكر بناءه قلعة الحدث سنة 343 ه?\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم\r\rوتأتي على قدر الكرام المكارم\r\rوتعظم في عين الصغير صغارها\r\rوتصغر في عين العظيم العظائم\r\rيكلف سيف الدّولة الجيش همّهُ\r\rوقد عجزت منه الجيوش الخضارم\rويطلب عند الناس ما عند نفسه\r\rوذلك ما لا تدّعيه الضراغم\r\rيفدَّي أتمُّ الطَّير عمراً سلاحهُ\r\rنسورُ الفلا أحداثها والقشاعم\r\rوما ضرّها خلقٌ بغير مخالب\r\rوقد خلقتْ أسيافه والقوائم\r\rهل الحدث الحمراء تعرف لونها\r\rوتعلم أيُّ الساقيين الغمائم","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"سقتها الغمام الغرُّ قبل نزوله\r\rفلما دنا منها سقتها الجماجم\r\rبناها فأعلى والقنا تقرع القنا\r\rوموج المنايا حولها متلاطم\r\rوكان بها مثل الجنون فأصبحت\r\rومن جثث القتلى عليها تمائم\r\rطريدة الّليالي كلّ شيءٍ أخذته\r\rوهنَّ لما يأخذن منك غوارم\r\rوكيف ترجّى الرُّوم والرُّوس هدمها\r\rوذا الطعن آساس لها ودعائم\r\r?وقال جرير المتوفى سنة 110 ه? يمدح عبد الملك بن مروان:\rتعزّت أمُّ حزرة ثمَّ قالتْ\r\rرأيتُ الموردين ذوي لقاحِ\r\rثقي بالله ليسَ له شريك\r\rومنْ عندِ الخليفة بالنّجاحِ\r\rسأشكر غنْ رددت إليّ ريشي\r\rوأنبتَّ القوادمَ في جناحي\r\rألستمْ خيرَ منْ ركبَ المطايا\r\rوأندى العالمينَ بطون راحِ\r\r?وقال أيضاً يمدح عمر بن عبد العزيز ويستعطفه\rإكمْ باليمامةِ منْ شعثاءَ أرملةَ\r\rومنْ يتيم ضعيف الصّوت والنّظرِ\r\rممّن يعدُّكَ تكفي فقد والدهِ\r\rكالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطرِ\rيدعوك دعوة ملهوف كانّ بهِ\r\rخبلاً من الجنّ أو مسّاً من النُّسرِ\r\rإنّا لنرجو إذا ما الغيثُ اخلفنا\r\rمنَ الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ\r\rأنى الخلافةَ أو كانتْ لهُ قدراً\r\rكما أتى ربهُ موسى على قدر\r\rهذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتها\r\rفمنْ لحاجةِ هذا الأرمل الذّكرِ\r\r?وقال أيضاً يمدحه\rيعودُ الفضلُ منكَ على قريشٍ\r\rوتفرجُ عنهمُ الكربَ الشدادا\r\rوقد أمنتَ وحشهم برفق\r\rويعيي النَّاسَ وحشك أن يصادا\rوتدعو الله مجتهداً ليرضى\r\rوتذكر في رعيتكَ المعادا\r\rوما كعبُ بنُ مامة وابنُ سعدى\r\rبأجود منك يا عمرُ الجوادا\r\r?وقال الثعالبي المتوفى سنة 429 ه? مادحاً الأمير أبا الفضل الميكالي\rلك في المفاخر معجزاتٌ جمّة\r\rأبداً لغيرك في الورى لم تجمع\r\rبحران بحرٌ في البلاغة شابهُ\r\rشعر الوليدِ وحسن لفظ الأصعمي","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"وترسُّلُ الصّابي بزين علوهُ\r\rخط ابن مقلةَ ذو المحل الأرفع\r\rكالنّور أو كالسّحر أو كالبدر أو\r\rكالوشي في بردٍ عليه موشّع\r\rشكراً فكم من فقرةٍ لك كالغني\r\rوافي الكريم بعيدَ فقر مدقع\r\rوإذا تفتّق نورُ شعرك ناضراً\r\rفالحسن بين مرصَّع ومصرَّع\r\rأرجلتَ فرسان الكلام ورضتَ أف\r\rراس البديع وأنت أمجد مبدعِ\r\rونقشتَ في فضّ الزمان بدائعاً\r\rترزى بآثار الربيع الممرع\r\r?وقال أبو محمد اليمني المتوفى سنة 569 ه?\rيمدح الملك الفائز ووزيره الصالح\rأقسمت بالفائز المعصومِ معتقداً\r\rفوز النّجاةِ واجرَ البرّ في القسمِ\r\rلقد حمى الدَّينَ والدنيا وأهلها\r\rوزيرهُ الصّالح الفرَّاجُ للغمم\r\rالّلابسُ المجد لم تنسج غلائلهُ\r\rإلا يدُ الصانعين السّيفِ والقلم\r\rقد ملكتهُ العوالي رق مملكةٍ\r\rتعيرُ أنفَ الثُّريا عزّة الشّمم\r\rأرى مقاما عظيمَ الشان أوهمني\r\rفي يقظتي انّه من جملةِ الحلم\r\rليتَ الكواكب تدنو لي فأنظمها\r\rعقودَ مدحِ فما أرضى لكمْ كلمي\rخليفة ووزيرٌ فرَّ عدلهما\r\rظلاَّ على مفرق الإسلام والأمم\r\rزيادة النّيل نقصٌ عندَ قيضهما\r\rفما عسى يتعاطى هاطل الدَّيم\r\r?وقال حافظ إبراهيم يمدح أستاذنا\rالشيخ محمد عبده ويهنئه\rرأيتك والأبصار حولك خشَّعٌ\r\rفقلت أبو حفص ببرديك أم علي\r\rوخفضتَ من حزني على مجد أمة\r\rتداركتها والخطبُ للخطب يعتلي\r\rطلعت بها باليمن من خير مطلع\r\rوكنت لها في الفوز قدحُ ابنُ مقبل\rوجرّدت للفتيا حسام عزيمة\r\rبحدَّيه آياتُ الكتاب المنزل\r\rمحوتَ به في الدّين كلّ ضلالة\r\rوأثبتَ ما أثبتَّ غيرَ مضلَّل\r\rلئن ظفر الأفتاءُ منك بفاضل\r\rلقد ظفر الإسلامُ منك بأفضل\r\r??الباب الثاني في الفخر والحماسة\r?قال السموءل بن عادياء المتوفى سنة 62 قبل الهجرة","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"إذ المرءُ لمْ يدنسْ من الُّلؤمِ عرضهُ\r\rفكلُّ رداء يرتديهِ جميلٌ\r\rوإن هوَ لمْ يحمل على النَّفسِ ضيمها\r\rفليسَ إلى حسنِ الثناءِ سبيلُ\r\rيعيرنا أنا قليلٌ عديدنا\r\rفقلت لها إنّ الكرامَ قليلُ\r\rوما قلَّ من كانتْ بقاياهُ مثلنا\r\rشابٌ نتسامى للعلا وكهولُ\r\rوما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا\r\rعزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ\r\rلنا جبلٌ يحتلهُ منْ نجيره\r\rمنيعٌ يردُّ الطَّرفَ وهو كليلُ\r\rرسا أصلهُ تحتَ الثرى وسما بهِ\r\rإلى النجمِ فرعٌ لا ينالُ طويلُ\r\rهوَ الأبلقُ الفردُ الذي شاعَ ذكره\r\rيعزُّ على منْ رامهُ ويطولُ\r\rوإنا لقومٌ لا نرى القتلَ سبّةٌ\r\rإذا ما رأتهُ عامرٌ وسلولُ\r\rيقربُ حبُّ الموتِ آجالنا لن\r\rوتكرمهُ آجالهمْ فتطولُ\r\rوما ماتَ منّا سيّدُ حتفَ انفهِ\r\rولا ظلّ منا حيثُ كان قتيلُ\r\rتسيلُ على حدّ الظُّبات نفوسنا\r\rوليستْ على غيرِ الظَّباتِ تسيلُ\r\rصفونا فلم نكدرْ وأخلصَ سّرنا\r\rإناثٌ أطابتْ حملنا وفحولُ\r\rعلونا إلى خيرِ الظُّهور وحظنا\r\rلوقت إلى خيرِ البطونِ نزول\r\rفنحن كماءِ المزنِ ما في نصابنا\r\rكهامٌ ولا فينا يعدُّ بخيلُ\r\rوننكر إن شئنا على الناس قولهم\r\rولا ينكرون القولَ حين نقول\r\rإذا سيدٌ منّا خلا قام سيدٌ\r\rقوولٌ لما قال الكرامُ فعول\r\rوما أخمدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ\r\rولا ذمّنا في النازلينَ نزيلُ\r\rوأيامنا مشهورةٌ في عدّنا\r\rلها غررٌ معلومةٌ وحجول\r\rوأسيافنا في كلَ شرقٍ ومغرب\r\rبها من قراعِ الدَّارعينَ فلول\r\rمعوَّدةٌ ألا تسلَّ نصالها\r\rفتغمد حتى يستباحَ قبيلُ\r\rسلي إن جهلتِ النّاس عنّا وعنهم\r\rفليسَ سواءٌ عالمٌ وجهولُ\r\rفإن بنى الدَّيَّانِ قطبٌ لقومهمُ","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"تدورُ رحاهم حولهمْ وتجولُ\r\rوقال عنترة العبسي\rلعمرك إن المجد والفخر والعلاَ\r\rونيلَ الأماني وارتفاعَ المراتب\r\rلمنْ يلتقي أبطالها وسراتها\r\rبقلبٍ صبور عند وقع المضارب\r\rويبني بحدّ السَّيف مجداً مشيداً\r\rعلى فلك العلياء فوق الكواكب\r\rومنْ لم يرو رمحه من دم العدا\r\rإذا اشتبكتْ سمرُ القنا بالقواضب\r\rويعطي القنا الخطيّ في الحرب حقَّه\r\rويبري بحدّ السّيف عرض المناكب\r\rيعيشُ كما عاش الذليل بغصة\r\rوإن مات لا يجري دموع النوادب\r\rفضائلُ عزمٍ لا تباع لضارع\r\rوأسرارُ حزمٍ لا تذاع لعائب\r\rبرزت بها دهراً على كل حادث\r\rولا كحل إلا من غبار الكتائب\r\rإذا كذب البرق اللموعُ لشائمِ\r\rفبرقُ حسامي صادقٌ غيرُ كاذب\r\rوقال أيضاً في الحماسة والفخر\rسكت فغرَّ أعدائي السكوتُ\r\rوظنوني لأهلي قد نسيتُ\r\rوكيف أنامُ عن ساداتِ قوم\r\rأنا في فضلِ نعمتهم ربيتُ\r\rوإن دارت بهم خيلُ الأعادي\r\rونادوني أجبتُ متى دعيت\r\rبسيف حدُّهُ موجُ المنايا\r\rورمحِ صدرهُ الحتفُ المميتُ\r\rخلقتُ من الحديد أشدُّ قلباً\r\rوقد بلى الحديدُ وما بليتْ\r\rوإني قد شربتُ دم الأعادي\r\rبأقحاف الرُّؤوس وما رويتُ\r\rوفي الحرب العوان ولدت طفلاً\r\rومن لبن المعامع قد سقيتُ\r\rفما للرَّمح في جسمي نصيبٌ\r\rولا للسّيف في أعضاي قوتُ\r\rولي بيت علا فلك الثُّريَّا\r\rتخر لعظم هيبته البيوت\r\rوقال أيضاً في الحماسة والفخر يوم المصانع\rإذا كشف الزّمانُ لك القناعا\r\rومدّ إليك صرفُ الدّهر باعا\r\rفلا تخش المنية والتقيها\r\rودافع ما استطعت لها دفاعا\r\rولا تختر فراشاً من حريرس\r\rولا تبكِ المنازلَ والبقاعا\r\rوحولك نسوة يندبن حزناً\r\rويهتكن البراقعَ واللفاعا\r\rيقول لك الطّبيبُ دواك عندي\r\rإذا ما جسَّ كفّك والذّراعا","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"ولو عرف الطّبيبُ دواء داءٍ\r\rيردَّ الموتَ ما قاسى النّزاعا\r\rوفي يوم المصانع قد تركنا\r\rلنا بفعالنا خبراً مشاعا\r\rأقمنا بالذّوابل سوقَ حرب\r\rوصيرنا النفوس لها متاعا\r\rحصاني كان دلاّل المنايا\r\rفخاضَ غبارها وشرى وباعا\rوسيفي كان في الهيجا طبيباً\r\rيداوي رأس من يشكو الصُّداعا\rأنا العبدُ الذي خبّرت عنه\r\rوقد عاينتني فدع السماعا\r\rولو أرسلتُ رمحي مع جبان\r\rلكان بهيبتي يلقى السّباعا\r\rملأتُ الأرضَ خوفاً من حسامي\r\rوخصمي لم يجدْ فيها اتّساعا\r\rإذا الأبطال فرَّتْ خوفَ بأسي\r\rترى الأقطار باعاً أو ذراعا\r\rوقال أيضاً في الفخر والحماسة\rأعادي صرفَ دهر لا يعادى\r\rوأحتملُ القطيعةَ والبعادا\r\rوأظهرُ نصح قوم ضيعوني\r\rوإن خانت قلوبهم الودادا\r\rأعلّلُ بالمنى قلباً عليلاً\r\rوبالصبر الجميل وإن تمادى\r\rتعيّرني العدا بسواد جلدي\r\rوبيضُ خصائلي تمحو السّوادا\r\rوردت الحربَ والأبطالُ حولي\r\rتهزّ اكفُّها السُّمرَ الصّعادا\r\rوخضتُ بمهجتي بحر المنايا\r\rونار الحرب تتَّقدُ الصعادا\r\rوعدت مخضّبا بدم الأعادي\r\rوكربُ الرّكض قد خضب الجوادا\rوسيفي مرهفُ الحدّين ماض\r\rتقدُّ شفارهُ الصَّحرَ الجمادا\r\rورمحي ما طعنت به طعيناً\r\rفعاد بعينه نظرَ الرّشادا\r\rولولا صارمي وسنان رمحي\r\rلما رفعت بنو عبس عمادا\r\rوقال يتوعد النعمان بن المنذر ملك العرب ويفتخر بقومه\rلا يحملُ الحقدَ من تعلوبه الرُّتبُ\r\rولا ينال العلى من طبعه الغضبُ\r\rلله درُّ بني عبس لقد نسلوا\r\rمن الأكارم ما قد تنسلُ العرب\r\rقد كنت فيما مضى أرعى جمالهمُ\r\rواليومَ احمي حماهم كلّما نكبوا\r\rلئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ\r\rيومَ النّزال إذا ما فاتني النّسب","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"إن كنت تعلم يا نعمان أنّ يدي\r\rقصيرةٌ عنك فالأيام تنقلب\r\rإنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها\r\rعند التقلّب في أنيابها العطب\r\rاليومَ تعلم يا نعمان أيُّ فتى\r\rيلقى أخاك الذي قد غرّهُ العصب\r\rفتى يخوض غبار الحرب مبتسماً\r\rوينثني وسنان الرَّمح مختضب\r\rإن سلّ صارمهُ سالت مضاربهُ\r\rوأشرق الجوُّ وانشقت له الحجب\r\rوالخيل تشهد لي أني أكفكفها\r\rوالطّعنُ مثل شرار النَّار يلتهب\r\rإذا التقيتُ الأعادي يومض معركةٍ\r\rتركت جمعهم المغرور ينتهب\r\rليّ النُّفوس وللطّير اللّحومُ ولل\r\rوحشِ العظامُ وللخيّالة السلب\r\rلا أبعد الله عن عيني غطارفة\r\rإنساً إذا نزلوا جنَّا إذا ركبوا\r\rأسودُ غابٍ ولمن لا نيوبَ لهم\r\rإلاّ الأسنّة والهنديّة القضب\r\rتعدو بهم أعوجيّاتٌ مضمَّرة\r\rمثل السّراحين في أعناقها القببُ\r\rما زلت ألقى صدور الخيل مندفقاً\r\rبالطّعن حتى يضجَّ السّرجُ واللّبب\r\rفالعمي لو كان في أجفانهم نظروا\r\rوالخرس لو كان في أفواههم خطبوا\rوالنقع يوم طراد الخيل يشهدُ لي\r\rوالضّرب والطّعن والأقلام والكتب\r\rوقال أيضاً في إغارته على بني حريقة\rحكّم سيوفك في رقاب العذّلِ\r\rوإذا نزلتَ بدار ذلّ فارحلِ\r\rوإذا الجبانُ نهاك يومض كريهةٍ\r\rخوفاً عليك من ازدحام الجحفل\r\rفاعص مقالته ولا تجفل بها\r\rواقدم إذا حق اللذقا في الأوّل\r\rواختر لنفسك منزلاً تعلو به\r\rأو مت كريماً تحت ظلّ القسطل\r\rإن كنتُ في عدد العبيد فهمَّتي\r\rفوق الثُّريَّا والسّماك الأعزل\r\rأو أنكرت فرسانُ عبس نسبتي\r\rفسنانُ رمحي والحسام يقرُّ لي\r\rوبذا بلى ومهنَّدي نلتُ العلى\r\rلا بالقرابة والعديد الأجزل\r\rورميت رمحي في العجاج فخاضه\r\rوالنار تقدحُ من شفار النصل\r\rخاض العجاجَ محجَّلاً حتى إذا","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"شهد الوقيعةَ عاد غير محجّل\r\rولقد نكبت بني حريقة نكبة\r\rلما طعنت صميم قلبِ الأخيل\r\rوقتلت فارسهم ربيعة عنوةً\r\rوالهيذبان وجابر بنَ مهلهل\r\rلا تستقني ماءَ الحياة بذلّة\r\rبل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل\r\rماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ\r\rوجهنّمٌٌ بالعزّ أطيب منزلِ\r\rوقال هبة الله بن سناء الملك المتوفى سنة 235 ه?\rسوايَ يهابُ الموت أو يرهب الرّدى\r\rوغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا\r\rولكنَّني لا أرهب الدَّهر إن سطا\r\rولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا\r\rولو مدَّ نحوي حادثُ الدَّهر كفّي\r\rلحدّثت نفسي أن أمدّ له يدا\r\rتوقدُّ عزمي يترك الماءَ جمرةً\r\rوحلية حلمي تتركُ السَّيف مبردا\r\rوفرط احتقاري للأنام لأنني\r\rأرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى\rويأبى إبائي أنْ يراني قاعداً\r\rوإني أرى كلّ البريّة مقعداً\r\rوأظمأ إن أبدى ليَ الماءُ منَّة\r\rولو كان لي نهرُ المجرة موردا\r\rولو كان إدراك الهدى بتذلُّل\r\rرأيت الهدى إلا أميلَ إلى الهدى\r\rوقدماً بغيري اصبح الدهر أشيبا\r\rوبي وبفضلي اصبح الدَّهر امردا\r\rوإنك عبدي يا زمان وإنني\r\rعلى الرَّغم منّي أن أرى لك سيّدا\r\rوما أنا راض أنني واطئ الثّرى\r\rولي همةٌ لا ترتضي الأفقَ مقعداً\r\rولو علمت زهو النجُّوم مكانتي\r\rلخرَّت جميعاً نحو وجهيَ سجّدا\r\rأرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم\r\rذكاءً وعلماً واعتلاءً وسؤددا\r\rوبذل نوالي زاد حتى لقد غدا\r\rمن الغيظ منهُ ساكنُ البحر مزبدا\r\rولي يقلم في أنملي إنْ هززته\r\rفما ضرّني إلاّ أهزّ المهنَّدا\r\rإذا صال فوق الطّرسِ وقع صريره\r\rفإنّ صليلَ المشرفيّ له صدى\r\r\"وقال حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة 54 ه?\"\rلعمرك أبيك الخير يا سعثُ ما نبا\r\rعليَّ لساني في الخطوب ولا يدي","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"لساني وسيفي صارمان كلاهما\r\rويبلغُ ما لا يبلغ السّيف مذودي\r\rوإنْ أذاك ذا مال كثير أحدْ بهِ\r\rوإن يعتصر عودي على الجهد يحمد\rفلا المال ينسيني حياتي وعفَّتي\r\rولا واقعات الدّهر يفللن مبردي\r\rأكثّر أهلي من عيالٍ سواهم\r\rوأطوي على الماءِ القراح المبرّد\r\rوإني لمعط ما وجدت وقائلٌ\r\rلموقد ناري ليلة الرّيح أوقد\r\rوإني لقَّوالٌ لدى البثّ مرحباً\r\rوأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد\r\rوإني ليدعوني النّدى فأحيبه\r\rوأضرب بيض العارضِ المتوقّد\r\rوإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ\r\rوإني لترّاكُ لما لم أعوّد\r\rوإني لمزجٍ للمطيّ على الوجى\r\rوإني لترّاك الفراشِ الممهّد\r\rوقال الفرزدق\rلنا العزّة القعساء والعدد الذي\r\rعليه إذا عدَّ الحصى يتخلفُ\r\rومنّا الذي لا ينطق النّاس عندهُ\r\rولكن هو المستأذنُ المتصرف\r\rتراهمْ قعودا حوله وعيونهم\r\rمكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ\r\rترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا\r\rوإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا\rولا عزّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ\r\rويسألنا النّصف الذَّليلُ فننصف\r\rوما قام منّا قائمٌ في نديّنا\r\rفينطق إلاَّ بالّتي هي أعرفُ\r\rوقال وقد نزل في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشده\rوأطلس عسّال وما كان صاحباً\r\rدعوت بناري موهناً فأتاني\r\rفلمَّا أتى قلتُ بيني وبينه\r\rعلى ضوءِ نارٍ مرَّةً ودخان\r\rوقلت لهث لمَّا تكشّر ضاحكاً\r\rوقائمُ سيفي في يدي بمكان\r\rتعشَ فإن عاهدتني لا تخونني\r\rنكن مثل منْ يا ذئبُ يصطحبان\rوأنت امرؤٌ يا ذئب والغدرُ كنتما\r\rأخيينِ كانا أرضعا بلبان\r\rولوْ غيرنا نبهتَ تلتمسُ القرى\r\rرماك بسهم أو شباةِ سنان\r\rوقال الشريف الرضي \"وقيل لعنترة العبسي\"\rلغير العلى منّي القلى والتَّجنَّب","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"ولولا العلى ما كنت في الحبّ أرغب\rإذا الله لم يعذرك فيما ترومه\r\rفما النّاس إلاّ عاذل أو مؤنب\r\rملكت بسيفي فرصة ما استرقّها\r\rمن الدّهر مفتول الذّراعين أغلب\r\rلئن تك كفّى ما تطاول باعها\r\rفلي من وراء الكفّ قلبٌ مدرَّب\r\rفحسبي أني في الأعادي مبغّض\r\rوأني إلى عزّ المعالي محبّب\r\rوللحلم أوقات وللجهل مثلها\r\rولكنَّ أوقاتي إلى الحلم أقربُ\r\rيصولُ عليَّ الجاهلون وأعتلي\r\rويعجمُ فيَّ القائلون وأعرب\r\rيرونَ احتمالي غصّة ويزيدهم\r\rلواعج ضغن أنني لستُ اغضب\r\rواعرض عن كاس النّديم كأنها\r\rوميض غمام غائر المزن خلّب\r\rوقور فلا الألحان تأسر عزمتي\r\rولا تمكر الصّهباء بي حين أشرب\r\rولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها\r\rولا انطق العواء والقلب مغضب\r\rتحلم عن كرّ القوارض شيمتي\r\rكان معيد المدح بالذمّ مطنب\r\rلساني حصاة يقرع الجهل بالحجا\r\rإذا نال منّي العاضه المتوثب\r\rولست براض أن تمسّ عزائمي\r\rفضالاتُ ما يعطي الزّمان ويسلب\r\rغرائبُ آدابٍ حباني بحفظها\r\rزماني وصرفُ الدّهر نعم المؤدب\r\rتريّشنا الأيام ثم تهيضنا\r\rألا نعم ذا البادي وبئس المعقّب\r\rنهيتك عن طبع اللّئام فإنّني\r\rأرى البخلَ يأتي والمكارم تطلب\r\rتعلّم فإن الجود في النّاس فطنة\r\rتقومُ بها الأحرار والطبع أغلب\r\r\"وقال العميد مؤيد الدين الطغرائي المتوفى سنة 513 ه?\"\rأبى الله أن أسمو بغير فضائلي\r\rإذا ما سما بالمال كلّ مسوّد","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي\r\rفإنّي بحمد الله مبدأ سؤددي\r\rوما منصبٌ إلا وقدري فوقه\r\rولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد\r\rإذا شرفت نفسُ الفتى زاد قدره\r\rعلى كل أسنى منه ذكراً وأمجدَ\r\rكذاك حديد السّيف إن يصفُ جوهراً\r\rفقيمتهُ أضعافهُ وزن عسجد\r\rوما المال إلا عارةٌ مستردةٌ\r\rفهلاّ بفضلي كاثروني ومحتدي\r\rإذا لم يكن لي في الولاية بسطةٌ\r\rيطول بها باعي وتسطو بها يدي\r\rولا كان لي حكمٌ مطاعٌ أجيزه\r\rفأرغمُ أعدائي وأكبت حسّدي\r\rفاعذر إن قصَّرتُ في حقّ مجند\r\rوآمنُ أن يعتدني كيدُ معتد\r\rولولا تكاليف العلى ومغارمٌ\r\rثقال وأعقاب الأحاديث في غد\r\rلأعطيتُ نفسي في التخلّي مرادها\r\rفذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي\r\rوقال الفضل بن العباس عتبة بن أبي لهب\rمهلا بني عمنا مهلاً موالينا\r\rلا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا\r\rلا تطعموا أن تهينونا ونكرمكم\r\rوأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا\r\rمهلاً بني عمّنا من نحتِ أثلتنا\r\rسيروا رويداً كما كنتم تسيرونا\rالله يعلم أنا لا نحبكم\r\rولا نلومكم إن لم تحبَّونا\r\rكلَّ له نيةٌ في بغض صاحبه\r\rبنعمة الله نقليكم وتقلونا\r\rوقال محمد بن عبد الله الأزدي\rلا أدفع ابن العم يمشي على شفا\r\rوإن بلغتني من أذاه الجنادعُ\r\rولن أواسيه وأنسى ذنوبه\r\rلترجعه يوماً إليّ الرَّواجعُ\r\rوحسبُ من ذلّ وسوءِ صنيعةٍ\r\rمناواة ذي القربى وإن قيل قاطع\rوقال حطان بن المعلى\rأنزلني الدّهر على حكمه\r\rمن شامخ عالٍ إلى خفض\r\rوغالني الدهر بوفر الغنى","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"فليس لي مالٌ سوى عرضي\r\rأبكانيَ الدّهر ويا ربّما\r\rأضحكني الدّهر بما يرضي\r\rلولا بنياتٌ كزغب القطا\r\rرددنَ من بعض إلى بعض\r\rلكان لي مضطربٌ واسعٌ\r\rفي الأرض ذات الطُّول والعرض\rوإنما أولادنا بيننا\r\rأكبادنا تمشي على الأرض\r\rلو هبّت الريحُ على بعضهم\r\rلامتنعت عيني من الغمض\r\rوقال أوس بن حبناء\rإذا المرءُ أولاكَ الهوان فأوله\r\rهواناً وإن كانت قريباً أواصراه\rفإن أنت لم تقدر على أن تهينه\r\rفذرهُ إلى اليوم الذي أنت قادره\r\rوقاربْ إذا لم تكن لك حيلة\r\rوصمّم إذا أيقنتَ انك عاقره\r\rوقال سعد بن ناشب\rتفنّدني فيما ترى من شراستي\r\rوشدّةِ نفسي أم سعدٍ وما تدري\r\rفقلت لها إن الكريم وإن خلا\r\rليلفى على حال أمرّ من الصبر\r\rوفي اللّين ضعف والشراسة هيبةٌ\r\rومن لم يهبْ يحمل على مركب وعر\rوما بي على من لان لي من فظاظة\r\rولكنّني فظَّ أبيَّ على القسر\r\rوقال إبراهيم بن كنيف النبهاني\rتعز فإنَّ الصّبر بالحرّ أجمل\r\rوليس على ريب الزّمان معوَّل\r\rفلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً\r\rلحادثة أو كان يغني التذلل\r\rلكانَ التّعزّي عندَ كل مصيبة\r\rونائبة بالحرّ أولى وأجمل\r\rفكيف وكلَّ ليس يعدوا حمامه\r\rوما لامرئٍ عما قضى الله مرحلُ\r\rفإن تكن الأيام فينا تبدّلت\r\rببؤسى ونعمى والحوادث تفعلُ\r\rفما ليَّنت منَّا قناة صليبةً\r\rولا ذللتنا للتي ليس تجملُ\r\rولكن رحلناها نفوسناً كريمةً\r\rتحمَّلُ ما لا يستطاع فتحمل\r\rوقينا بحسن الصّبر منّا نفوسنا\r\rفصحت لنا الأعراضُ والناسُ هزَّلُ\rوقال آخر\rإن يحسدوني فإنّي غيرُ لائمهم\r\rقبلي من الناس أهلُ الفضل قد حسدوا\rفدام لي ولهم ما بي وما بهمُ\r\rومات أكثرنا غيظاً بما يجدُ","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"أنا الذي يجدوني في صدورهم\r\rولا أرتقي صدراً منها ولا أرد\r\rوقال سالم بن وابصة\rعليك بالقصدِ فيما أنتَ فاعله\r\rإن التَّخلُّقَ يأتي دونه الخلقُ\r\rوموقف مثل حدّ السيف قمتُ به\r\rأحمي الذّمار وترميني به الحدقُ\rفما زلقت ولا أبديت فاحشةً\r\rإذ الرجال على أمثالها زلقوا\r\rوقال تابط شرا\rإذا المرُ لم يحتلْ وقد جدَّ جدُّهُ\r\rأضاعَ وقاسى أمرهُ وهو مدبرُ\r\rولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً\r\rبه الخطبُ ألا وهو للقصد مبصرُ\rوقال حبيب بن أوس أبو تمام الطائي\rأنا ابن الذي استرضعَ الجودُ فيهمُ\r\rوقد ساد فيهم وهو كهلٌ ويافعُ\r\rنجومٌ طواليعٌ جبالٌ فوارعٌ\r\rغيوثٌ هواميعٌ سيولٌ دوافعُ\r\rمضوا وأنّ المكرمات لديهمُ\r\rلكثرة ما أوصوا بهنّ شرائعُ\r\rفأيُّ يد في المحل مدَّت فلم يكن\r\rلها راحةٌ من جودهم وأصابع\r\rهم استودعوا المعروف محفوظ ما لنا\r\rفضاع وما ضاعتْ لدينا الودائع\r\rبها ليلُ لو عاينت فيض أكفهم\r\rلأيقنتَ أن الرّزق في الأرض واسع\rإذا خفقت بالبذل أرواحُ جودهم\r\rحداها النَّدى واستنشقتها المدامع\r\rرياحٌ كريح العنبر الغضّ في الندى\r\rولكنها يوم اللّقاء زعازع\r\rهي السَّمُّ ما تنفك في كلّ بلدةٍ\r\rتسيلُ به أرماحهم وهو ناقعُ\r\rأصارت لهم أرض العدوّ قطائعاً\r\rنفوسٌ لحدّ المرهفات قطائع\r\rبكلّ فتّى ما شاب من روع وقعةٍ\r\rولكنه قد شبنَ منه الوقائع\r\rإذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر\r\rأغارت عليهم فاحتوتهُ الصّنائع\r\rفتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا\r\rأكف الإرث المكرمات موانع\r\rوقال أبو فراس الحمداني\rووالله ما قصرّت في طلب العلى\r\rولكن كأن الدّهر عني غافل\r\rمواعيد آمال متى ما انتجعتها\r\rحلبتُ بكيّاتٍ وهنّ حوافل\r\rتدافعني الأيامُ عمّا أريدهُ","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"كما دفع الذيّن الغريم المماطل\r\rفمثلي من نال الأعادي بسيفه\r\rويا ربما غالته عنها الغوائل\r\rوما لي لا تمسي وتصبح في يدي\r\rكرام أموالِ الرّجال العقائل\r\rأحكّمُ في الأعداء عنها صوارماً\r\rأحكمها فيها إذا ضاق نازل\r\rوما زال محميُّ الحمائل عنوةً\r\rسوى ما أقلت في الجفون الحمائل\rينالُ اختيارُ الصفح عن كل مذنب\r\rله عندنا ما لا تنال الوسائل\r\rلنا عتب الأمر الذي في صدوره\r\rتطاولُ أعناق العدىَ والكواهل\r\rأصاغرنا في المكرمات أكابرٌ\r\rوآخرنا في المأثرات أوائل\r\rإذا صلتُ صولاً لم أجد لي مصاولاً\r\rوإن قلت قولاً لم أجد من يقاول\r\rوقال أيضاً\rأنا إذا اشتد الزّما\r\rن ونابَ خطبٌ وادلهمْ\r\rألفيت حولَ بيوتنا\r\rعددَ الشجاعة والكرمْ\r\rللقا العدا بيضٌ السُّيو\r\rفِ وللنّدى وحمر النّعم\rهذا وهذا دأينا\r\rيودى دمٌ ويراقُ دمْ\r\rوقال أيضاً\rوغني لنزَّالٌ بكلّ مخوفةٍ\r\rكثيرٌ إلى نزّالها النَّظر الشّزرُ\r\rوإني لجرّارٌ لالكل كتيبة\r\rمعوَّدةٍ ألا يحل بها النّصر\r\rولا راحَ يطغيني بأثوابه الغنى\r\rولا بات يثنيني عن الكرم الفقرُ\r\rما حاجتي في المال أبغي وفوره\r\rإذا لم أفرْ عرضي فلا وفر الوفرُ\r\rأسرتُ وما صحبي بعزلٍ لدى الوغى\r\rولا فرسي مهرٌ ولا ربُّه عمرُ\r\rولكن إذا حمّ القضاءُ على امرئٍ\r\rفليس له برٌّ يقيه ولا بحر\r\rوقال أصيحابي الفرار أو الرّدى\r\rفقلتُ هما أمران أحلاهما مرُّ\r\rولكنّني أمضي لما لا يعيبني\r\rوحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ\rومنها\rيمنَّون أن خلوا ثيابي وإنّما\r\rعلي ثيابٌ من دمائهم حمرُ\r\rوقائم سيفٍ فيهم دقَّ نضله\r\rوأعقاب رمحِ فيهم حطم الصدر\r\rسيذكرني قومي إذ جدّ جدهم\r\rوفي الليلة الظلماء يفتقدُ البدرُ","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"ولو سدَّ غيري ما سددتُ اكتفوا به\r\rوما كان يغني التّبر ولو نفق الصُّفر\rونحن أناسٌ لا توسط بيننا\r\rلنا الصدرُ دون العالمين أو القبر\r\rأعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا\r\rوأكرم من فوق التُّراب ولا فخر\r\rوقال أيضاً\rعيري يغيّره الفعالُ الجافي\r\rويحولُ عن شيم الكريم الوافي\r\rلا أرتضي ودّا إذا هو لم يدمْ\r\rعند الجفاء وقلّة الإنصاف\r\rإنّ الغني هو الغني بنفسه\r\rولو أنه عاري المناكب حافٍ\r\rما كلُّ ما فوق البسيطة كافياً\r\rوإذا قنعت فبعض شيء كافِ\r\rوتعافُ لي طمع الحريص فتوتي\r\rومروءتي وقناعتي وعفافي\r\rومكارمي عددُ النجومِ ومنزلي\r\rمأوى الكرامِ ومنزلِ الأضياف\r\rوقال أيضاً\rأتدعو كريماً ومن يجود بمالهُ\r\rومن جادَ بالنّفس النّفيسة أكرمُ\r\rإذا لم يكن ينجي الفرار من الرّدى\r\rعلى حالةٍ فالصّبر أرجي وأحزمُ\rلعمري لقد أعذرت لو أن مسعداً\r\rوأقدمت لو أن الكتائب تقدمُ\r\rوما عابك ابن السَّابقين إلى العلا\r\rتأخر أقوامٍ وأنت مقدِّم\r\rوما لك لا تلقى بمهجتك الفنا\r\rوأنتَ ن القومِ الذين همُ هم\r\rوقال أبو الطيب المتنبي\rأطاعنُ من فوارسها الدّهر\r\rوحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر\r\rوأشجعُ مني كلّ يومٍ سلامتي\r\rوما ثبتت إلا وفي فسها أمر\r\rتمرّست بالآفات وحتى تركتها\r\rتقول أمات الموتُ أم ذعرَ الذعرُ\r\rوأقدمت إقدامَ الأبي كأن لي\r\rسوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ\rذر النّفس تأخذ وسعها قبل بينها\r\rفمفترق جاران دارهما العمر\r\rولا تحسبنّ المجدَ زقّا وقينة\r\rفما المجد إلا السّيف والفتكة البكر\r\rوتضربت أعناق الملوك وأن ترى\r\rلك الهبوات السُّودُ والعسكر المجرْ\r\rوترككُ في الدُّنيا دوياً كأنما\r\rتداول سمعَ المرءِ أنملة العشر\r\rإذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"على هبة فالفضل فيمن له الشكر\r\rومن ينفق السَّاعات في جمع مالهِ\r\rمخافة فقرِ فالذي فعل الفقر\r\rوقال صفيّ الدّين الحليّ\rسلِ الرماح العوالي عن معالينا\r\rواستشهد البيض هل خاب الرّجال فينا\rوسائل العرب والأتراك ما فعلتْ\r\rفي أ{ضِ فير عبيد الله أيدينا\r\rلقد سعينا فلم تضعف عزائمنا\r\rعما تروم ولا خابت مساعينا\r\rيا يوْم وقعة زوراء العراقِ وقد\r\rدنّا الأعادي كما كانوا يدينونا\r\rبضمرِ ما ريطناها مسوَّمة\r\rإلا لتغزو بها من بات يغزونا\r\rوفتية إن نقل أصغوا مسامعهم\r\rلقولنا أو دعوناهم أجابونا\r\rقومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنة\r\rيوماً وإن حكموا كانوا موازينا\r\rتدَّرعوا العقل جلاباً فإن حميت\r\rنار الوغى خلتهم فيها مجانينا\r\rإذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة\r\rوإن دعوا قالت الأيام آمينا\r\rإن الزّرازير لما قام قائهما\r\rتوهمت أنها صارت شواهينا\r\rظنت تأتي البُزاةِ الشُّهب عن جزع\r\rوما درت أنه قد كان تهوينا\r\rذلّوا بأسيافنا طول الزمان فمذ\r\rتحكموا وأظهروا أحقادهم فينا\r\rلم يغنم مالنا عن نهب أنفسنا\r\rكأنهم في أمانٍ من تقاصينا\r\rأخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا\r\rحتى حملنا فأخلينا الدواوينا\r\rثم أثنينا وقد ظلت صوارمنا\r\rتميس عجباً وتهنز القنا لينا\r\rوالدّماء على أثوابنا علقٌ\r\rينشره عن عبير المسك يغنينا\r\rإنا لقومٌ أبت أخلاقنا شرفاً\r\rأن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا\r\rبيضٌ صنائعنا سودُ وقائعنا\r\rخضٌ مرابعنا حمرُ مواضينا\r\rلا يظهر العجزُ منا دون نيل منى\r\rولو رأينا المنايا في أمانينا\r\rوقال أبو العلاء المعري\rألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعل\r\rعفافٌ وإقدامُ وحزمٌ ونائلٌ","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"أعندي وقد مارست كلَّ خفيةِ\r\rيصدق واشٍ أو يخيّب سائل\r\rتعدٌّ ذنوبي عند قومٍ كثيرةٌ\r\rولا ذنب لي إلا العلا والفضائل\r\rكأن إذا كلت الزّمان أهله\r\rرجعت وعندي للأنام طوائلُ\r\rوقد سار ذكري في البلاد فمن لهم\r\rبإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل\r\rيهمُّ الليالي بع ما أنا مضمر\r\rويثقل رضوى دون ما أنا حامل\r\rوإني إن كنتُ الأخيرَ زمانهُ\r\rلآتٍ بما لم تستطعه الأوائل\r\rوأغدو ولو أ، الصباح صوارمٌ\r\rوأسري ولو أن الظلامَ حجافل\r\rوإني جوادٌ لم يحلَّ لجامه\r\rونصل يمانٍ أغفلته الصيَّافل\r\rفإن كان في لبس الفتى شرفٌ له\r\rفما السَّيف إلا غمده والحمائل\r\rولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي\r\rعلى أنّني بين السماكين نازلٌ\r\rلدي مواطن يشتاقه كل سيّدٍ\r\rويقصر عن إدراكه المتناول\r\rولما رأيت الجهلَ في الناس فاشياً\r\rتجاهلتُ حتى ظنَّ أني جاهلٌ\r\rفوا عجباً كم يدَّعي الفضل ناقصٌ\r\rووا أسفاكم يظهر النقص فاضل\r\rوكيف تنامُ الطّير في وكناتها\r\rوقد نصبت للفرقدين الحبائل\r\rينافسُ يومي في أمس تشرّفاً\r\rوتحسد أساري عليّ الأصائل\r\rوطال اعترافي بالزمان وصرفهِ\r\rفلستُ أبالي من تغولُ الغوائلِ\r\rفلو بان عنقي ما تأسف منكبي\r\rولو مات زندي ما بكته الأنامل\r\rإذا وصف الطّائي بالبخل مادرٌ\r\rوعيّر قساً بالفهاهة باقلُ\r\rوقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ\r\rوقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل\r\rوطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً\r\rوفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل\rفياموت زُر أن الحياة ذميمةٌ\r\rويا نفس جدّي أن دهرك هازل\r\rوقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي\rولي شيمةٌ تأبى الدَّنايا وعزمةٌ\r\rتردّ لهامَ الجيش وهو سمورُ\r\rإذا سرتُ فالأرض التي نحن فوقها\r\rمرادٌ لمهري والمعاقل دور","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"فلا عجب إن لم يصرني منزل\r\rفليس لعقبان الهواء وكور\r\rهمامة نفس ليس ينفي ركابها\r\rرواحٌ على طول المدى وبكور\r\rمعوَّدةٌ ألا تكف عنانها\r\rعن الحدِّ إلا أن تتم أمور\r\rلها من راء الغيب أذنٌ سميعة\r\rوعينٌ ترى ما لا يراه بصير\r\rوفيت بما ظنَّ الكرام ُفراسةً\r\rبأمري ومثلي بالوفاء جدير\r\rوأصبحت محسود الخلال كأنّني\r\rعلى كل نفسٍ في الزَّمان أمير\r\rإذا صلت كفَّ الدَّهر من غلوائه\r\rوإن قلت غصّت بالقلوب صدور\r\rملكت مقاليد الكلام وحكمةً\r\rلها كوكبٌ لفخم الضياء منير\r\rوإني امرؤٌ صعبُ الشَّكيمة بالغ\r\rبنفسي شأواً ليس فيه نكير\r\rوقال أيضاً\rسواي بتحنان الأغاريد يطربُ\r\rوغيري باللّذات يلهو ويلعب\r\rوما أنا ممن تأسر الخمر لبّه\r\rويملك سمعيه اليراعُ المثقلَّب\r\rولكن أخو همّ إذا ما ترجحتْ\r\rبه سورةٌ نحو العلا راح يدأب\rنفى النومَ عن عينيه نفسٌ أبيَّةٌ\r\rلها بين أطرافِ الأسنةِ مطلب\r\rلبانةُ نفس أصغرت زكلَّ مأرب\r\rفلا عزني خالٌ ولا ضمني أب\r\rومن تكن العلياءُ همةِ نفسهِ\r\rفكلُّ الذي يلقاه فيها محببّ\r\rوقالت السيدة عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1320ه?\rبيدِ العفافِ أصونُ عزَّ حجابي\r\rوبعصمتي أسمو على أترابي\r\rوبفكرةِ وقادةٍ وقريحةٍ\r\rنقادة قد كلمت زهرة الألباب\r\rما عاقني خجلي عن العليا ولا\r\rسدّل الخمار بلمتي ونقابي\r\rعن طيّ مضمار الرّهان إذا اشتكت\r\rصعبَ السّباق مطامحٌ الرُّكابِ\r\rبل صولتي في راحتي وتفرُّسي\r\rف حسن ما أسعى لخير مآب\r\rالباب الثالث في شكوى الزمان والحال\rقال الشنفرى المتوقة سنة 510م\r?أقيموا بني أمي صدود مطيّكم=فإني إلى قوم سواكم لأميل\rفقد حمّت الحاداتُ والليل مقمرٌ\r\rوشدت الطيات مطايا وأرحل\r\rوفي الأرض منأى للكريم عن الأذى","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"وفيها لمن خاف القلى متعزَّل\r\rلعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئٍ\r\rسرى راغباً أو راهباً وهو يعقل\r\rولي دونكم أهلون سيدُ علَّمسٌ\r\rوأرقط زهلولٌ وعرفاءُ جيأل\r\rهم الأهل لا مستودع السرَّ ذائعٌ\r\rليهم ولا الجاني بما جرّ يخذل\r\rوكلَّ أبي باسلٌ غير أنني\r\rإذا عرضت أولى الطرائد أبسل\r\rوإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن\r\rبأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل\r\rوما ذاك إلا بسطة عن تفضل\r\rعليهم وكان الأفضل المتفضل\r\rوإني كفاني فقد من ليس جازياً\r\rبحسني ولا في قربه متعلل\r\rثلاثةُ أصحابٍ فؤاد مشيِّعٌ\r\rوأبيض إصليت وصفراء عطّلِ\r\rهتوفٌ من الملس المتون يزينها\r\rرصائع قد نيطت إليها ومحمل\r\rإذا زلَ عنها السّهم حنت كأنها\r\rمرزأة ثكلى ترن وتعول\r\rولست بمهياف يعشّى سوامه\r\rمجذّعة سقبانها وهي بهَّل\r\rولا جبَّا أكهى مرّ بعرسه\r\rيطالعها في شأنه كيف يفعل\r\rولا خرقٍ هيق كان فؤاده\r\rيظلّ به المكاء يعلو ويسفل\r\rولا خالف دارية متعزّل\r\rيروح ويغدو داهناً يتكحل\r\rولست بعلّ شرُّه دون خيره\r\rألفُّ إذا ما رعته أهتاج أعزل\r\rولست بمحيار الظلام إذا انتحت\r\rهدى الهواجل العسف يهماء هوجل\r\rإذا الأمعز الصّوان لاقى مناسمي\r\rتطاير منه قادحٌ ومفلل\r\rأديم مطال الجوع حتى أميته\r\rوأضرب عنه الذكر صفحتً فأذهل\r\rوأستفُّ رب الأرض كي لا يرى له\r\rعلى من الطول امرؤٌ متطول\r\rولولا اجتناب الذّام لم يلف مشربٌ\r\rيعاش به إلا لدي ومأكل\r\rولكنّ نفساً حرّةٌ لا تقيم بي\r\rعلى الضيم إلا ريثما أتحوّل\r\rوأطوي على الخمص كما انطوت\r\rخيوطة ماري تغار وتفتل","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"وأغدو على القوتِ الزّهيد كما غدا\r\rأزلُّ تهاداه التنائف أطحل\r\rغدا طاوياً يعرض الرّيح هافياً\r\rيخوت بأذناب الشّعاب ويعسل\r\rفلمّا لواه القوت من حيث أمّه\r\rدعا فأجابته نظائر تحّل\r\rمهللّة شيب الوجوه كأنها\r\rقداحٌ بكفّني باسرٍ تتقلقل\r\rأو الخشرم المبعوث حثحث دبره\r\rمحابيض أرساهن سام معسل\r\rمهرّتةٌ فوهٌ كان شدوتها\r\rشقوق العصي كالحاث وبسّل\r\rفضجّ وضجّت بالبراج كأنها\r\rوإيّاه نوحٌ فوق علياء ثكّل\r\rوأغضي وأغضت وأتسي واتست به\r\rمراميل عزّاها وعزّته مرمل\r\rشكل وشكت ثم ارعوي بعد وارعوت\r\rوللصّبر إن يم ينفع الشكو أجمل\r\rوفاءَ وفاءت بادراتٍ وكلّها\r\rعلىنكظٍ ممّا يكاتم مجمل\r\rوتشرب أسآر القطا الكدر بعد ما\r\rسرتْ رباً أحشاؤها تتصلصل\r\rهممت وهمّت وابتدرنا وأسدلت\r\rوشمّر مني فارطٌ متمهل\r\rفوليت عنها وهي تكبو لعقره\r\rيباشره منها ذقونٌ وحوصل\r\rكأنّ وغاها حجرتيه وحوله\r\rأضاميم من سفر القبائل تزَّل\r\rتوافين من شتى إليه فضمّها\r\rكما ضمَّ ركبٌ من أحاظةُ مجفل\r\rوآلف وجهَ الأرض ند افتراشها\r\rبأهدأ تنبيه سناسن قحّل\r\rوأعدل منحوضاً كأنّ فصوصه\r\rكعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثّل\r\rفإن تبتئسْ بالشَّنفرى أم قسطل\r\rلما اغتبطت بالشنفرى قبلُ أطول\r\rطريد جناياتِ تياسرن لحمه\r\rعقيرته لأيّها حمّ أوّل\r\rتنام إذا ما نام يقظي عيونها\r\rحثاثاً إلى مكروهه تتغلغل\r\rوإلفُ همومٍ ما تزال تعوده\r\rعياداً حمى الربّع أو عي أثقل\r\rإذا وردت أصدرتها ثم إنها\r\rتؤوب فتأتي من تحيث ومن علُ\r\rفأمّا تراني كابنة الرّمل ضاحياً","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"على رقة أحفى ولا أتنعل\r\rفإنّى لمولى الصَّبر أجتاب بزّه\r\rعلى مثل قلب السّمع والحزم أفعل\r\rوأعدم أحياناً وأغنى وإنما\r\rينال الغنى ذو البعدة المتبذّل\r\rفلا جزعٌ من خلَّة متكشف\r\rولا مرحٌ تخت الغنى أتخيّل\r\rولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى\r\rسؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل\r\rوليلة نحسٍ يصطلي القوس ربُّها\r\rوأقطعه اللاتي بها يتنبل\r\rدعست على غطش وبغش وصحبتي\r\rسعارٌ وإيزيزٌ وواجرٌ وأفكل\r\rفأيَّت نسواناً وأيتمت ولدةً\r\rوعدت كما أبدأت والليل أليل\r\rوأصبح عني لابالغميضاء جالساً\r\rفريقان مسؤول وآخر يسأل\r\rفقالوا القد هرت بليلٍ كلابنا\r\rفقلنا الذئبٌ عسَ أم عسَّ فرعل\r\rفلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومت\r\rفقلنا قطاة ريع أو ريعَ أجدل\r\rفإن يك من جنّ لأبرح طارقاً\r\rوإن يك إنساً ماكها الإنس يفعل\r\rويومٍ من الشِّعري يذوب لعابه\r\rأفاعيه في رمضائه تتململ\r\rنصبت له وجهي ولكن دونه\r\rولا ستر إلا الأتحمي المرعبل\r\rوضاف إذا هبّت له الريح طيّرت\r\rلبائد عن أعطافه ما ترجل\r\rبعيدٌ بمسّ الدُّهن والفلي عهده\r\rله عبسٌ عافٍ من الغسل محول\r\rوخرق كظهر الترس قفرٍ قطعته\r\rبغاملتين ظهره ليس يعمل\r\rفألحقت أولاه بأخراه موفياً\r\rعلى قنة أقعى مراراً وأمثل\r\rترود الأرواي الضخم حولي كأنها\r\rعذارى عليهن الملاءِ المذّيل\r\rويركدن بالآصال حولي كأنني\r\rمن العصم أدفى ينتحي الكبح أعقل\rوقال الطغرائي يواسي معين الملك في نكبته المتوفى سنة 10ه?\rفصبراً معين الملك إن عنَّ حادثٌ\r\rفعاقبة الصبر الجميل جميلٌ\r\rألم تر أن الليل بعد ظلامه\r\rعليه لإسفار الصباح دليلٌ\r\rألم ترَ أنّ الشمس بعد كسوفها\r\rلها صفحة تغشى العيون صقيل","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"وأن الهلال النَّضو يقمر بعدما\r\rبدا وهو شخت الجانين ضئيل\r\rفقد يعطف الدّهر قياده\r\rفيشفى عليلٌ أو يبلّ غليل\r\rويرتاش مقصوصُ الجناحين بعد ما\r\rتساقط ريشٌ واستطار نسيل\r\rأسأت إلى الأيام حتى وترتها\r\rفعندك أضعان لها وتبول\r\rوصارمتها فيما أرادت صورفها\r\rولولاك كانت تنتحي وتصول\r\rوما أنت إلا السيف يسكن غمده\r\rليشقى به يوم النزال قتيل\r\rأمالك بالصّديق يوسفَ أسوة\r\rفتحمل وطء الدهر وهو ثقيل\r\rوما غضَّ منك الحبسُ والذكر سائر\r\rطليقٌ له في الخافقين ذميل\r\r?وقال محمود باشا سامي البارودي وهو في منفاه\rمحا البين ما أبقت عيون المها مني\r\rفشبت ويم أقض اللبانة من سنيّ\r\rعناءٌ ويأس واشتياق وغربة\r\rألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن\r\rفإن أك فارقت الدّيار فلي بها\r\rفؤادٌ أضلّته عيون المها عنيّ\r\rبعثت به يوم النوى إثر لحظة\r\rفأوقعه المقدار في شرك الحسن\r\rفهل من فتى في الدهر يجمع بيننا\r\rفليس كلانا عن أخيه بمستغني\r\rولما وقفهنا للوداع وأسبلت\r\rمدامعنا فوق الترائب كالمزن\r\rأهبتُ بصبري أن يعود فبزني\r\rوناديتُ حلمي ن يثوب فلم يغن\r\rوما هي إلا خطرةٌ ثم أقلعت\r\rبنا عن شطوط الحيّ أجنحة السُّفن\r\rفكم من مهجة من زفرة الوجد في لظى\r\rوكم مقلة عن غزرة الدمع في دجن\r\rوما كنت جربت النوى قبل هذه\r\rفلما دهتني كدت أقضي من الحزن\r\rولكنّني راجعت حلمي وردني\r\rإلى الحزم رأيٌّ لا يحوم على أفن\r\rولولا بنيّات وشيبٌ عواطلٌ\r\rلما قرعت نفسي على فائت سنّي\r\rفيا قلب صبراً إن جزعت فربما\r\rجرت سنحا طيرُ الحوادث باليمن\r\rفقد تورق الأغصان بعد ذنوبها\r\rويبدو ضياءُ البدر في ظلمة الوهن\r\rوأيُّ حسام لم تصبه كهامة","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"ولهذم رمح لا يفل من الطعن\r\rومن شاغب الأيام لان مريره\r\rوأسلمه طولُ المراس إلى الوهن\r\rوما المرء في دنياه إلاكسالك\r\rمناهج لا تخلو من السهل والحزن\r\rفإن تكن الدنيا تولَّت بخيرها\r\rفأهون بدنيا لا تدوم على فن\r\rإذا عرف المرء القلوب وما انطوت\r\rعليه من البغضاء عاش على ضعن\r\rيرى بصري من لا أود لقاءه\r\rوتسمع أني ما تعاف من المن\r\rتحملت خوف المن كل زريئة\r\rوحمل زرايا الدهر أحلى من اللحن\r\rوعاشرت أخداناً فلما بلوتهم\r\rتمنَّيت أن أبقى وحيداً بلا خدن\r\rوقال محمد حافظ بك إبراهيم\rلم يبقَ شيءٌ من الدُّنيا بأيدينا\r\rإلا بقية دمع في مآقينا\r\rكنا قلادة جيد الدهر وانفرطت\r\rوفي يمن العلا كنّا رياحينا\r\rكانت منازلنا في العزّ شامخة\r\rلا تشرق الشمس إلا في مغانينا\rوكان أقصى منى نهر المجرة لو\r\rمن مائه مزجت أقداح ساقينا\r\rوالشهب لو أنها كانت مسخرة\r\rلرجم من كان يبدو من أغادينا\r\rفلم نزل وصروف الدهر ترمقنا\r\rشزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا\r\rحتى غدونا ولا جاه ولا نشبٌ\r\rولا صديقٌ ولا خلٌ يواسنا\r\rوقال أيضاً في شكوى الزمان\rسميتُ إلى أن كدت أنتعل الدما\r\rوعدت وما أعقبت إلا التندُّما\r\rسلامٌ على الدُّنيا مودّع\r\rرأى في ظلام القبر أنساً ومغنماً\r\rتبلغ بالصَّبر الجميل وبالأسى\r\rزماناً وجادته المنى فتأدما\r\rأضرَّت به الأول فهام بأختها\r\rوإن ساءت الأخرى فويلاه منهما\r\rفهبى رياحَ الموت نكباء واطفئي\r\rسراج حياتي قبل أن يتحطما\r\rفما عصمتني من زماني فضائلي","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"ولكن رأيت الموت للحر أعصما\r\rفيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى\r\rفإنك بعد اليوم لن تتألما\r\rويا عين قد آن الجمود لمدمعي\r\rفلا سيل دمع تسكبين ولا دما\r\rويا يدُّ ما كلفتك المبسط مرة\r\rلذي منة أولى الجميل وأنعما\r\rفللّه ما أحلاك في أنمل البلى وإن كنت حلى في الطروس وأكرما\rويا قدمي ما سرت بي لمذلة\r\rولم ترتق إلا إلى العزّ سلّما\r\rفلا تبطئي سيراً إلى الموت واعلمي\r\rبأنّ كريم القوم من مات مكرما\r\rوقال فقيد الأدب حنفي بك ناصف\rأتقضى معي إن جان حيني تجاربي\r\rوما نلتها إلاّ بطول عناء\r\rوأبذلُ جهدي في اكتساب معارف\r\rويفنى الذي حصلته بفنائي\r\rويحزنني ألا أرى لي حيلة\r\rلإعطائها من يستحق عطائي\r\rإذا ورَّث الجهال أبناءهم غنّى\r\rوجاهاً فما أشقى بني الحكماء\r\rالباب الرابع في الوصف\rقال علي بن محمد القاضي التنوخي المتوفى سنة 343ه? واصفاً مكتوباً\rوصحيفة ألفاها\r\rفي النظم كالدرُّ النّثير\r\rجاءت إليّ كأنها الت\r\rوفيق في كل الأمور\r\rبأرقّ من شكوى وأحس\r\rن من حياةِ في سرور\r\rلو قابلت أعمى لأصب\r\rح وهو ذو زطرف بصير\rوكأنها أملٌ تحق\r\rق بعد يأس في الصُّدور\r\rأو كالفقيد إذ أتت\r\rبقدومه بشرى البشير\r\rأو كالمنام لساهر\r\rأو كالغني عند الفقير\r\rأو كالشفاء لمدنف\r\rأو كالأمان لمستجير\r\rوكأنما هي من وصا\r\rل أو شباب أو نشور\r\rلفظٌ كأسر معاند\r\rأو مثل إطلاق الأسير\r\rوكأنه إذ لاح من\r\rفوق المهارق والسطور\r\rوردً الخدود إذا انتقل\r\rت به على راح الثغور\r\rغررٌ غدت وكأنها\r\rمن طلعة الظَّبي الغرير","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"من كل معنى كالسلا\r\rمة أو كتيسير العسير\r\rكتبت بحبر كالنّوى\r\rأو كفر عمي من كفور\r\rفي مثل أيام التوا\r\rصل أو كأعتاب الدُّهور\r\rأهدتها يا خير من\r\rيختار من كرم وخير\r\rوقال أيضاً واصفاً الخط والكتابة والبلاغة\rخطٌّ وقرطاس كأن\r\rهما السَّوالف والشُّعور\r\rوبدائع تدعُ القلو\r\rب تكاد من طرب تطيرُ\r\rفي كلّ معنى كالغنى\r\rيحويه محتاجٌ فقير\r\rأو كالفكاك يناله\r\rمن بعد ما يأس أسير\r\rوكأنها الإقبال جا\r\rء أو الشقاء أو النُّشور\r\rوكأنها شرخ الشبا\r\rب وعيشة الخضل النضير\rوقال البحتري في الموضوع نفسه\rوإذا دجتْ أقلامه ثم انتحت\r\rبرقت مصابيح الدُّجى في كتبه\rفاللفظ يقربً فهمه في بعده\r\rمنّا ويبعدُ نيله في قربه\r\rفكأنهما والسمع معقودٌ بها\r\rشخص الحبيب بدا لعين محبه\r\rوقال الوزير المهلبي المتوفى سنة 352ه? في الموضوع نفسه\rوردَ الكتاب مبشراً\r\rنفسي بأنواع السُّرورِ\r\rوفضضته فوجدته\r\rليلاً على صفحات نور\r\rمثل السَّوالف والخدو\r\rد البيض زينت بالشعور\rأنزلته منّي بمنز\r\rلة القلوب من الصدور\rالموز، وقال النجم بن إسرائيل يصفه\rأنعتهُ موزاً شهيّ المنظر،\r\rمستحكم النُّضج، لذيذَ المخبرَ\rكأنَّ تحت جلده المزعفر\r\rلفاتِ زبد، عجنت بسكر\r\rوقال البهاء زهير\rفي ريحه، ولونه وطعمه\r\rكالمسك، أو كالتبرأ وكالضَّرب\rوافت به أطباقه منضدَّاً\r\rكأنه مكاحهل من ذهب\r\rوقال آخر\rتحكي إذا قشرّته\r\rأنياب أفيال صغار\r\rذو باطن مثل الإقا\r\rح، وظاهر مثل البهار\rالكمثرى\rوكمثراء بستان\r\rشهيّ الطعم والمنظر\r\rله طعم إذا ذيق\r\rكماء الورد والسكرْ\r\rكأنه في شكله، ولونه،\r\rوطعمه: قوالب من سكر\rالتفاح قال ابن المعتز\rكأنما التفاح لما بدا","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"يرفل في أثوابه الحمر\r\rشهدٌ بماء الورد، مستودعَ\r\rفي أكر من جامد الخمر\rكأننا حين نحيّا به\r\rنستنشق النّدمن الجمر\r\rالخوخ\rكأنما الخوخ على دوحه\r\rوقد بدا أحمره العنْدمي\r\rبنادٌ من ذهب على دوحه\r\rقد خضبت أنصافها بالدم\r\rوخوخة بستان ذكي نسيمها\r\rمن المسك والكافور وقد كسبت نشرا\rملبَّسة ثوباً، من التبر نصفه\r\rمصوغٌ، وباقيه كياقوتة حمرا\r\rالمشمش\rومشمشٍ جاءنا من أعجب العجب\r\rأشهى إليّ من اللّذات ولطربِ\r\rكأنَّه وهبوبُ الريح ينثره\r\rبنادقٌ خرطت من خالص الذهب\rوكأنما الأفلاك من طرب به\r\rنثرت كواكبها على الأغصان\r\rوقال محيي الدين بن عبد الظاهر\rحبذا مشمش على الدَّوح أضحى\r\rذا شعاع يستوقف الأبصارا\r\rشجرٌ أخضر لنا جعل اللّ\r\rه \"تعالى\" منه كما قال نارا\r\rالرمان\rرمانة صبغ الزمان أديمها\r\rفتبسَّمت في ناضر الأغصان\r\rفكأنما هي حقة من عجسد\r\rقد أودعت خرزاً من المرجان\r\rكأنها حقة، فإن فتحت\r\rفصرّة من فصوص ياقوت\r\rحقاق كأمثال العقيق تضمَّنت\r\rفصوص بلخش، في غشاء حرير\r\rإذا فضَّ عنه قشره فكأنه\r\rفصوص عقيق، في حقاق من الدرُّ\rفدرٌّ، ولكن لم يدنسه عارض\r\rوماء، ولكن في مخازن من جمر\r\rالنخيل والبلح\rكأن النخيل الباسقات وقد بدت\r\rلناظرها حسناً قبابُ زبرجد\r\rوقد علقت من حولها زينةً لها\r\rقناديلُ ياقوتٍ بأمراس عسجد\rوقال السّري الرفاء\rفالنخل من باسق فيه وباسقة\r\rيضاحك الطلعُ في قنواته الرُّطبا\r\rأضحت شماريخه في النحر مطلعة\r\rإما ثرّيا، وإما معصما خضبا\r\rتريك في الظل عقياناً، إن نظرت\r\rشمسُ النهار إليها خلتها لهبا\r\rوقال آخر في البلح الأخضر\rأما ترى النخل قد نثرت بلحاً\r\rجاء بشيراً بدولة الرطب\r\rمكاحلا من زمرد خرطت،","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"مقمَّعات الرؤوس بالذَّهب\r\rوفي البلح الأحمر\rأنظر إلى البسر إذ تبدّى\r\rولونه قد حكى الشَّقيقا\rكأنما خوصه عليه\r\rزبرجد مثمرٌ عقيقا\r\rالبطيخ\rرأيتها في كف جلاّبها\r\rوقد بدت في غاية الحُسن\r\rكسلّة خضراء مختومة\r\rعل الفصوص الحمر في القطن\rوقال أبو طالب المأموني\rومبيضة فيها طرائق خضرة\r\rكما اخضرّ مجرى السيل من صيب المزن\rكحقة عاج ضببّت بزبرجد\r\rحوتْ قطعه الياقوت في عصب القطن\r\rوقال في بطيخة صفراء\rوبطيخة مسكيّة عسلية\r\rلها ثوب ديباج وعرف مدام\r\rوإذا فصّلت للأكل كانت أهلّة،\r\rوإن لم تفصل فهي بدر تمام\r\rوقال ابن التعاويذي\rربّ صفراء أتتنا\r\rوهي في أحسن حلّة\rتعتريها صفرةً في\r\rلونها، من غير علة\r\rحلوةُ الريق، حلال\r\rدمها في كل مله\r\rنصفها بدر، وإن\r\rقسمهتها فهي أهلَّه\r\rوقال آخر\rألا فانظروا البطيخ وهو مشققٌّ\r\rوفد حاز في التشقيق كل أنيق\rتروه كبلّور في زمرد\r\rمركبة فيه فصوص عقيق\r\rالعنب قال ابن المعتزر\rكأن عناقيد الكروم وظلَّها\r\rكواكب در، في سماء زبرجد\rوقال السري الرفاء\rوالكرم مستبك الأفنان، توسعنا\r\rأجناسه في تساوي شربها عجباً\r\rفكرمة قطرت أغصانها سبجاً،\r\rوكرمة قطرت أغصانها ذهباً\r\rكأنما الورق المخضر دونهما\r\rغيران، يكسوهما من سندس حجباً\rوقال آخر\rكأنما عنقودها\r\rزنجٌ، جنوا سرقهْ\r\rفأصبحت رؤوسهم\r\rعلى الذرى معلَّقة\rقصب السكر\rتحكيه سمر القنا ولكن\r\rتراه في جسمه طلاوه\rوكلمّا زدته عذاباً\r\rزادك من ريقه حلاوه\r\rالنبق\rوسدرة كل يوم\r\rمن حسنها في فنون\r\rكأنما النبقْ فيها\r\rوقد بدا للعيون\r\rجلاجلٌ من نضار\r\rقد علقت في الغصون\rالجزر قال ابن المعتز\rأنظر إلى الجزر الذي\r\rيحكي لنا لهب الحريق\rكمذبة من سندس","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"ولها نصابٌ من عقيق\r\rوقال ابن رافع القيرواني\rانظر إلى الجور البديع كأنه\r\rفي حسنه قضبُ من المرجان\rأوراقه كزبرجد في لونها،\r\rوقلوبه صيغت من العيقان\r\rاللوز الأخضر قال ظافر الحداد\rكأنما قلوبه\r\rمن توأم ومفرد\r\rجواهر لكنما ال\r\rأصداف من زبرجد\rالتين قال ابن المعتز\rأنعم بتين طاب طعما، واكتسى\r\rحسناً، وقارب منظراتً من مخبر\rفي برد ثلج، في نقابير، وفي\r\rريح العبير، وطيب طعم السكر\r\rيحكي إذا ما صغّ أطباقه\r\rخيما، ضربن من الحرير الأحمر\r\rالفستق\rوالقلب ما بين قشريه يلوح لنا\r\rكألسن الطير من بين المناقير\r\rزبرجدة خضراء وسط حريرة\r\rبحقة عاج في غلاف أديم\r\rزبرجدة ملفوفة في حريرة،\r\rمضمَّنة درا مغشى بياقوت\r\rالنارنج قال ابن المعتز\rوكأنما النارنج في أغصانه\r\rمن خالص الذهب الذي لم يخلط\rكر رماها الصولجان إلى الهوا\r\rفتعلّقت في جوه لم تسقط\r\rوأشجار نارنج كأن ثمارها\r\rحقاق عقيق قد ملئن من الدر\r\rوقال آخر\rانظر إلى منظر تلهيك بهجته\r\rبمثله في البرايا يضرب المثلُ\r\rنار تلوح على الأغصان في شجر\r\rلا النار تطفا، ولا الأغصان تشتعل\rوقال أبو الحسن الصقلي\rإذا ميَّلتها الريح مالت كأكرة\r\rبجت ذهباً في صولجان زبرجد\rالليمون قال ابن المعتز\rيا حبذا ليمونةً\r\rتحدثُ للنفس الطرب\rكأنها كافورة\r\rلها غشاء من ذهب\r\rالقلم: قال \"ابن المعتز\": القلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل استزادة، يسكت واقفاً، وينطلق سائراً، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء، وكأنه يقبل بساط سلطان، أو يفتح نوَّار بستان.","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"وقال \"علي بن عبيد\" أصم سمع النحوي، أعيا من باقل، وأبلغ من سحبان وائل، يجهل الشاهد، ويخبر الغائب، ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة، وأعيناً لاحظة، وربما ضمنها ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة.\rومن كلام \"أبي حفص بن برد الأندلسي\": ما أعجب شأن القلم يشرب ظلمة، ويلفظ نوراً! قد يكون قلم الكاتب أمضى من شباة المحارب القلم سهم ينقذ المقاتل، وشفرة تطيح بها المفاصل.\rوقال \"محمود بن أحمد الأصبهاني\"\rأخرسُ ينبيك بإطرقه\r\rعن كل ما شئت من الأمر\r\rيذري على قرطاسه دمعة\r\rيبدي بها السرُّ وما يدري\r\rكعاشق أخفى هواه وقد\r\rنمَّت عليه عبرةٌ تجري\r\rتبصره في كل أحواله\r\rعريان يكسو الناس أو يعري\rيرى أسيراً، في دواة وقد\r\rأطلق أقواماً من الأسر\r\rأخرقُ، لو لم تبرهِ لم يكن\r\rيرشق أقواماً وما يبري\r\rكالبحر إذ يجري، وكالليل إذ\r\rيغشى، وكالصارم إذ يفري\r\rوقال \"أحمد بن عبد ربه\"\rيخاطب الغائب البعيد مما\r\rيخاطب الشاهد الذي حضرا\rشختُ ضئيلٌ، لفعله خطر\r\rأعظم به من ملمة خطرا\r\rتمجّ فكَّاه ريقةً صغُرت\r\rوخطبها في القلوب قد كبرا\rيواقع النفسَ منه ما حذرت\r\rوربما جنبت به الحذرا\r\rمهفهفٌ تزدهي به صحفٌ\r\rكأنما خليت به دررا\r\rو\"لابن المعتز\" في قلم الوزير \"القاسم بن عبيد الله\"\rقلمٌ ما أراه، أم فلك يجر\r\rي بما شاء \"قاسم\" ويسير؟\r\rخاشع في يديه يلئم قرطا\r\rسا كما قبَّل البساط شكور\r\rولطيف المعنى، جليل، نحيف،\r\rوكبير الأفعال وهو صغير!\r\rكم منايا، وكم عطايا، وكم حت\r\rف وعيش تضم تلك السطور\rنقشت بالدُّجا نهاراً، فما أدر\r\rي أخط فيهن أم تصوير\r\rوقال \"أبو تمام\" في قلم \"محمد بن عبد الملك الزيات\"\rلك القلم الأعلى الذي بشباتِهِ\r\rتصابُ من الأمر الكلى والمفاصل\r\rلعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"وأري الجنى اشتارته أيد عوامل\r\rله ريقة طلٌّ، ولكن وقعها\r\rباثاره في الشرق والغرب وابل\r\rفصيح إذا استنطقه وهو راكب،\r\rوأعجم إن خاطبته وهو راجل\r\rإذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت\r\rعليه شعابٌ الفكر وهي حوافل\r\rأطاعته أطراف القنا، وتقوضت\r\rلنجواه تقويض الخيام الجحافل\r\rإذا استغزر الذهن الجليَّ وأقبلت\r\rأعاليه في القرطاس وهي أسافل\r\rرأيتَ جليلاً شأنهُ \"وهو مرهف\r\rضنا\" وسميناً خطبهُ \"وهو ناحل\"\r\rوقال \"ابن الرومي\"\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت\r\rله الرقاب، دانت خوفه الأممُ\r\rفالموت والموت لا شيء يغالبه\r\rمازال يتبعُ ما يجري به القلم\r\rكذا قضى الله للأقلام مذ بريت\r\rأن السيوف لها مذ أرهفت خدم\r\rوقال \"المتنبي\"\rنحيف الشوى يعدو على أمّ رأسه\r\rويحفى فيقوى عدوه حين يقطع\rيمجّ ظلاماً في نهار لسانه\r\rويفهم عمن قال ما ليس يسمع\r\rوقال \"ابن نباته السعدي\":\rيرنو إلى الأفكار غير ملاحظ\r\rويخاطب القرطاس غير محابي\rويعلم الآداب أفهام الورى\r\rوفؤاده صفر من الآداب\r\rوقال \"مهيار الديلمي\" في وصف الدواة والأقلام:\rوأمَ بنين استنبطتهم، فصدرها\r\rغصيصٌ بهم عند الحضانَ كظيم\r\rيعقونها بالضغط، وهي عليهم\r\rعطوفٌ بدرات الرضاع رؤوم\r\rيخال الأفاعي الرقش ما ضم منهم\r\rحشاها، وهم فيها أخ وحميم\r\rفمن ذي لسان مفصح وهو أخرس،\r\rومن بائح بالسرّ وهو كتوم\r\rوقال \"أبو الفتح البستي\"\rإذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم\r\rوعدوه مما يكسب المجد ولكرمْ\rكفى قلم الكتاب عزاً ورفعة\r\rمدى الجهر أن الله أقسم بالقلم\r\rوقال أعرابي من بني الحرث بن كعب يصف الشمس\rمخبأةٌ: أما إذا الليل جنّها\r\rفتخفى، وأما بالنهار فتظهر\r\rإذا انشق عنها ساطع الفجر، وانجلى\r\rدجا الليل، وانجاب الحجاب المستتر","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"وألبس عرض الأرض لوناً كأنه\r\rعلى الأفق الشرقي ثوبٌ معصفر\r\rتحلّت، وفيها حين يبدو شعاعها\r\rولم يجل للعين البصيرة منظر\r\rبلونٍ، كدرع الزعفران يشوبه\r\rشعاع تلألأ، فهو أبيض أصفر\r\rإلى أن علت وابيضّ منها اصفرارها\r\rوجالت كما جال المهيج المسَّهر\r\rوجللت الآفاق ضوءاً ينيرها\r\rفخرَّ لها صدر الضحا يتسعر\r\rترى الظل يطوى حين يعلو، وتارة\r\rتراه إا مالت إلى الأرض ينشر\r\rوتدنف حتى ما يكاد شعاعها\r\rيبين إذا غابت لمن يتبصر\r\rكما بدأت إذا أشرقت في مغيبها\r\rتعود، كما عاد الكبير المعمَّر\r\rفأفنت قروناً، وهي في ذاك لم تزل\r\rتموت وتحيا كل يوم وتنشر\r\rوقال الطغرائي يصف طلوع الشمس\rوغروب البدر:\rوكأنما الشمس المنرة إذ بدت\r\rوالبدر يجنح للغروب وما غرّب\rمتحاربان: لذ مجنٌّ صاغه\r\rمن فضة، ولذا مجنٌّ من ذهب\r\rوقال ابن خفاجه الأندلسي يصف غروبها في نهر\rقد ولَّت الشمس محتثة\r\rإلى الغرب ترنو بطرف كخيل\rكأن سناها على نهره\r\rبقايا نجيع بسيف صقيل\r\rوقال ابن طاهر الكرخي:\rأما تر الأفق كيف قد ضرب ال\r\rغيم عليه من مزنة قببا\r\rوحاجبُ الشمس من رفافها\r\rيضرم فيها بوره لهبا\r\rكأنه فضة مطرَّقة\r\rأطرافها قد تطوَّست ذهبا\rوقال ابن مكي\rكأن الشمس إذ غربت غريق\r\rهوى في البحر، أو وافى مغاصا\rفأتبعها الهلال على غروب\r\rبزورقه، يريد لها خلاصا\r\rوقال عبد العزيز القرطبي:\rإني أرى شمس الأصيل عليلةً\r\rترتاد من نحو المغارب مغربا\rمالت لتحجب شخصها فكأنها\r\rمدَّت على الدنيا بساطاً مذهبا\r\rوقال ابن الرومي\rوقد طفلت شمس الأصيل ونفضت\r\rعلى الجانب الغربي ورساً مذعذعاً\r\rولاحظت النّوار وهي ميضة\r\rوقد وضعت خداً على الأرض أضرعا\rكما لحظت عوداه عين مدنف","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"توجع من أوصابه ما توجعا\r\rوقال ابن أفلح من قصيدة\rوالشمس خافضة الجناح مسفةٌ\r\rفي الغرب تنساب انسياب الأرقط\rأو كالعروس بدت فأسدل دونها\r\rجنبات ستر كالجساد مخطط\r\rوأتى الظلام على الضياء ما أتى\r\rأجلٌ على أمل، فلم يتأبط\r\rوقال معروف الرصافي\rنزلت ةتجر إلى الغروب ذيولاً\r\rصفراء تشبه عاشقاً متبولاً\r\rتهتز بين يد المغيب، كأنها\r\rصبٌ تململ في الفراش عليلا\r\rضحكت مشارقها بوجهك بكرة\r\rوبكت مغاربها الدماء أصيلا\r\rوغدت بأقصى الأفق مثل عرارة\r\rعطشت فأبدت صفرة وذبولا\r\rغربت فأبقت كالشواظ عقيبها\r\rشفقاً بحاشية السماء طويلاً\r\rشفق يروع القلب شاحبُ لونه\r\rكالسيف ضمَّخ بالدما مسلولا\r\rرقت أعليه وأسفله الذي\r\rفي الأفق أشبع عصفراً محلولاً\rقال ابن المعتز يصف الهلال\rانظر إليه كزو رق من فضة\r\rقد أثقلته حمولة من عنبر\r\rوكأن الهلال نصف سوار\r\rوالثريا كف تشير إليه\r\rفخ بوسط السماء ملقى\r\rينتظر الصيَّد للنجوم\r\rانظر إلى حسن هلال بدا\r\rيهتك من أنواره الحندسا\r\rكمنجل قد صيغ من فضة\r\rيحصد من زهر الدجا نرجسا\rيتلو الثريا كفاغر شره\r\rيفتح فاه لأكل عنقود\r\rفي ليلة أكل المحاق هلالها\r\rحتى تبدي مثل وقف العاج\r\rوقال شاعر\rقلت لما هوت لمغربها الشم\r\rس ولاح الهلال للنُّظَّار\r\rأقرض الشرق ضده الغرب ودينا\r\rراً فأعطاه الرهن نصف سوار\r\rوقال ابن طباطبا\rوكأن الهلال لما تبدي\r\rشطر طوق المرآة ذي التذهيب\rأو كقوس قد أحنيت أو كنؤي\r\rأو كنون في مهرق مكتوب\r\rوقال أبو عاصم البصري في الهلال والثريا والزهرة\rرأيت الهلال وقد حلَّقت\r\rنجومُ الثريا لبكي تلحقه\r\rفشيهته وهو في إثرها\r\rوبينهما الزهرة المشرقة\rبقوسٍ لرامٍ: رمى طائراً\r\rفأرسل في إثره بندقه\r\rوقال في اقتران الثريا بالهلال","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"فإذا ما تقارنا قلن طوق\r\rمن لجين قد علقت فيه درَّه\rوقال إبراهيم بن خفاجة في ذلك أيضاً\rوابن الغزالة فوق النجم منعطف\r\rكما تأود عرجون بعنقود\r\rوقال الطغرائي\rفكأنه وكأنها في جنبه\r\rعنقودة في زرق في عسجد\rوقال أبو الفضل الميكالي\rكأكرة من فضة مجلوة\r\rأوفى عليها صولجان من ذهب\rوقال شاعر\rوكأنّ الهلال تحت الثريا\r\rملك فوق رأسه إكليل\r\rكأنما النجم صيغ من ورق\r\rمعلَّقٌ من هلال الأفق في أذن\rوقال في شرف الدين الحسين\rكأنّ الهلال نزيل السماء\r\rوقد قارن الزهرة النيرة\r\rسوارٌ لحسناء من عسجد\r\rعلى قفله وضعت جوهره\rوقال لبدر البشتكي في الهلال والنجوم حوله\rذيالة سمع عوج الريح ضوءها\r\rفطار لها بالقرب بعضُ شرار\rوقال علي بن محمد الكاتب\rبدا مستدَّق كأنه\r\rعلى الأفق الغربي مخلبُ طائر\r\rولاح لمسرّى ليلتين كأنما\r\rتفرق منه الغيم عن إثر حافر\r\rوشمَّر عنه الغيم ذيلاً كأنما\r\rتكشَّف منه عن جناح محلّق\r\rقال: والبدر كالملك الأعلى وأنجمه\r\rجنوده، ومباني قصره الفلك\r\rوقال ابن المعتز\rوكأن البدر لما\r\rلاح من تحت الثريا\rملك أقبل في التّا\r\rج يفدي ويحيا\r\rوقال في البدر مع الشمس\rحتى رأي الشمس تتل\r\rو البدر في أفق السماء\r\rفكأنها وكأنه\r\rقد حان من خمر وماء\r\rوالبدر في أفق السماء كدرهم\r\rملقى على ديباجة زرقا\r\rوقال السلامي\rوالبدر في أفق السما\r\rء كروضة فيها غدير\rوقال الشريف العقيلي\rوالبدر في كبد السماء كوردة\r\rبيضاء تضحك في رياض بنفسج\rوقد برز البدر المنير ووجهه\r\rكجام لجين فيع آثار عنبر\r\rسوادك من حيث تمسي هلا\r\rلاً إلى حيث تكملُ بدراً منيراً\r\rنقاب لنركية أسودُ\r\rتنزل منه يسيراً يسيراً\r\rوقال سهل بن المرزيان\rشبهت بدر سمائها لما دنت","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"منه الثريا في قميص سندسي\r\rملكاً فكأنما هو خوذة من فضة\r\rقد ركبت في هامة من عنبر\rوقال أحمد شوقي بك يصف أبا الهول ويناجيه\rأبا الهول طال عليك العصر\r\rوبلغت في الأرض أقصى العمر\rفيالدة الدَّهر لا الدهر شب\r\rب ولا أنت جاوزت حد الصغر\r\rإلام ركوبك متن الرّما\r\rل لطيّ الأصيل وجوب السَّحر\r\rتسافر منتقلاً في القرو\r\rن فأيان تلقى غبار السَّفر\r\rأبينك عهدٌ وبين الجبا\r\rل تولان في الموعد المنتظر\r\rابا الهول ماذا وراء البقا\r\rء إذا ما تطاول غير الضَّجر\r\rعجبت للقمانَ في حرصه\r\rعلى لبد والنُّسور الأخر\r\rوشكوى لبيد لطول الحيّا\r\rة ولو لم تطل لتشكى القصر\r\rولو وجدت فيك يا ابن الصَّفا\r\rة لحقت بصانعكَ المُقتدر\r\rفإن الحياة تفل الحدي\r\rد إذا لبسته وتبلى الجر\r\rأبا الهول ما أنت في المعضلا\r\rت لقد صلت السبل فيك الفكر\r\rتحيزت البدو ماذا تكو\r\rن وضلّت بوادي الظنون الحضر\r\rفمكنت لهم صورة العنفوا\r\rن وكنت مثال الحجي والبصر\r\rوسرُّك في حجبه كلما\r\rأطلّت عليه الظنون استتر\r\rوما راعهم غير رأس الرجا\r\rل على هيكل من ذوات الظفر\r\rولو صوروا من نواحي الطّبا\r\rع توالوا عليك سباع الصُّور\r\rفيا ربَّ وجهٍ كصافي النّمي\r\rر تشابه حامله والنّمر\r\rأبا الهول ويحك لا يستقل\r\rل مع الدهر شيءٌ ولا يحتقر\r\rتهزأت دهراً بديك الصّبا\r\rح فنقر عينيك فيما نقر\r\rاسأل البياض وسلّ السوا\r\rد وأوغل منقاره في الحفر\r\rفعدت كأنك ذو المحبسي\r\rن قطيعَ القيام سليبَ البصر\r\rكأن الرمال على جانبي\r\rك وبين يديك ذنوب البشر\r\rكأنك فيها لواء القضا\r\rء على الأرض أو ديدبان القدر\r\rكأنك صاحب رمل يرى","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"خبايا الغيوب خلال السطر\r\rأيا الهول أنت نديمُ الزّما\r\rن نحي الأوان سميرٌ العصر\r\rبسطت ذراعيك من آدم\r\rووليت وجهك شطر الزّمر\r\rتطل على عالم يستهل_لُ وتوفى على عالم يحتضر\rفعينٌ إلى من بدار للوجو\r\rد وأخرى مشيعة من عبر\r\rفحدث فقد يهتدى بالحدي\r\rث وخبر فد يؤتى بالخبر\r\rألم تبل فرعون في عزه\r\rإلى الشمس وخبر فقد يؤتى بالخبر\rألم تبل فرعون في عوة\r\rإلى الشّمس معتزياً والقمر\r\rطليل الحضارة في الأوّلي\r\rن رفيع البناء جليل الأثر\r\rيؤسس في الأرض للغابري\r\rن ويغرس للآخرين الثمر\r\rوراعك ما راع من خيل قمب\r\rيز ترمي سنابكها بالشرَّر\r\rجوارف بالنار تغزو في البلا\r\rد وآونةً بالقنا المشتجر\r\rوأبصرت اسكندراً في الملا\r\rقشيب العلا في الشباب النضر\r\rتبلج في مصر إكليله\r\rفلم يعد في الملك عمر الزهر\r\rوشاهدت قيصر كيف استبد\r\rد وكيف أذلَّ بمصرَ القصر\r\rوكيفغ تجبر أعوانه\r\rوساقوا الخلائقَ سوقِ الحُمر\r\rوكيف ابتلوا بقليل العدي\r\rد من الفاتحين كريم النّفر\r\rرمى تاج قيصر رميَّ الزّجا\r\rج وفلّ الجموع وثلَّ السرر\r\rفدع كل طاغية للزما\r\rن فإن الزمان يقيم الصّعر\r\rرأيت الدّيانات في نظمها\r\rوحين وهي لكها وانتثر\r\rتشاد البيوت لها كالبرو\r\rج إذا أخذ الطّرف فيها انحسر\r\rتلاقى أساساً وشمّ الجبا\r\rل كما تتلاقى أصولُ الشَّجر\r\r(وإيزيس) خلف مقاصيرها\r\rتخطى الملوك إليها الستر\r\rتضيء عل صفحات السّما\r\rء وتشرق في الأرض منها الحجر\rوآبيس في نيره العالمو\r\rن وبعض العقائد نير عسر\r\rتساس به معضلات الأمو\r\rر ويرجى النعيم وتخشى سقر\r\rولا يشعر القوم إلا به","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"ولو أخذته المدى ما شعر\r\rيقلّ أبو المسك عبداً له\r\rوإن صاغ أحمدُ فيه الدُّرر\r\rوآنست (موسى) وتابوته\r\rونورُ العصا والوصايا الغرر\r\rوعيسى يلّم رداء الحيا\r\rء ومريم تجمع ذيلَ الخفر\r\rوعمرو يسوق بمصر الصحا\r\rب ويزجي الكتاب ويحددوا السور\r\rفكيف رأيت الهدى والضلا\r\rل ودنيا الملوك وأخرى عمر\r\rونبذ المقوقس عهد الفجو\r\rر وأخذ المقوقس عهد الفجر\r\rوتبديله ظلمات الضّلا\r\rل يصبح الهداية لما سفر\r\rوتأليفه القبط والمسلمي\r\rن كما ألفت بالولاء الأسر\r\rأبا الهول لو لم تكن آية\r\rلكان وفاؤك إحدى العبر\r\rأطلت على الهرمين الوقو\r\rف كثاكلة لا تريم الحفر\r\rترجى لبانيهما عودةٌ\r\rوكيف يعودُ الرَّميم النَّخر\r\rتجوس بعين خلال الدّيا\r\rر وترمي بأخرى فضاء النهر\r\rتروم (بمنفيس) بيض الظُّبى\r\rوسمر القنا والخميس الدثر\r\rومهد العلوم الخطير الجلا\r\rل وعهد الفنون الجليل الخطر\r\rفلا تستبين سوى قرية\r\rأجد محاسنها ما اندثر\r\rتكاد لإغراقها في الجمو\r\rد إذا الأرض دار بها لم تدر\r\rفهل من يبلغ عنا الأصو\r\rل بأن الفروع اقتدت بالسير\r\rوأنّا خطبنا حسان العلى\r\rوسقنا لها الغالي المدَّخر\r\rوأنا ركينا غمار الأمو\r\rر وأنا نزلنا إلى المؤتمر\r\rبكل مبين شديد اللّدا\r\rد وكل أريب بعيد وانتشر\r\rنطالب بالحق في أمة\r\rجرى دمها دونه وانتشر\r\rولم تفتخر بأساطيلها\r\rولكت بدستورها تفتخر\r\rفلم يبق غيرك من لم يخفْ\r\rولم يبق غيرك من لم يطر\r\rتحرك أبا الهول هذا الزمان\r\rن تحرّك ما فيه حتى الحجر\r\rوقال أيضاً يصف مصر قديمها وحديثها","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"قفي يا أخت (يوشع) خبرينا\r\rأحاديث القرون الغابرينا\r\rوقصي من مصارعهم علينا\r\rومن دولاتهم ما تعلمين\r\rفمثلك من روى الأخبار طراً\r\rومن نسب القبائل أجمعينا\r\rنرى لك في السماء خضيب قرن\r\rولا نحصي على الأرض الطَّعينا\r\rمشيت على الشباب شواظ نار\r\rودرت على المشيب رحى طحونا\rتعينين المواد والمنايا\r\rوتبنن الحياة وتهدمينا\r\rفيا لك هرة أكلت بنيها\r\rوما ولدوا وتنتظر الجنينا\r\rأأمَّ المالكين بنى (أمون)\r\rليهنك أنهم نزعوا (أمونا)\r\rولدت له (المآمين) الدواهي\r\rولم تلدي له قط (الأمينا)\r\rفكانوا الشهب حين الأرض ليلٌ\r\rوحين الناس جد مضللينا\r\rمشت بمنارهم الدهر بالوادي أقاموا\r\rعلى (وادي الملوك) محجبينا\r\rفربّ مصفد منهم وكانت\r\rتساق له الملوك مصفدينا\r\rتقيد في التراب بغير قيد\r\rوحلّ على جوانبه رهينا\r\rتعالى الله كان السَّحر فيهم\r\rأليسوا للحجارة منطقينا\r\rغدوا يبنون ما يبقى وراحوا\r\rوراء الآبدات مخلدينا\r\rإذا عمدوا لمآثرة أعدوا\r\rلها الإتقان والخلق المتينا\r\rوليس الخلد مرتبة تلقى\r\rوتؤخذ من شفاه الجاهلينا\r\rولكن منتهى همم كبار\r\rإذا ذهبت مصادرها بقينا\r\rوسرُّ العبقرية حين يسري\r\rفينتظم الصَّنائع والفنونا\r\rوآثار الرّجال إذا تناهت\r\rإلى التاريخ خير الحاكمينا\r\rوأخذك من فم الدُّنيا ثناءً\r\rوتركك في مسامعها طنينا\r\r***\rفغالي في بنيك الصيّد غالي\r\rفقد حبّ الغلوّ إلى بنيا\r\rفشيبٌ قنعٌ لا خير فيهم\r\rوبورك في الشباب الطامحينا\rفناجيهم بعرش كان صنواً\r\rلعرشك في شبيبته سنينا\r\rوكان العزُّ حليته وكانت\r\rقوائمه الكتائب والسفينا\r\rتاج من فرائده (ابن سيتي)","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"ومن خرزاته (خوفو) (ومينا)\r\rعلى خداً به صعرٌ وجاروا\r\rعلى الأجراء أو جلدوا القطينا\rفإنا لم نوق النقص حتى\r\rنطالب بالكمال الأولينا\r\rوما (البستيل) إلا بنت أمسٍ\r\rوكم أكل الحديد بها سجينا\r\rوربة بيعةٍ عزت وطالت\r\rبناها الناس أمس مسخرينا\r\rمشيّدة لشافي العمي (عيسى)\r\rوكم سمل القسوس بها عيونا\r\r***\rأخا (اللُّوردات) مثلك من تحلّى\r\rبحلية آله المتطولينا\r\rلك الأصل الذي نبتت عليه\r\rفروع المجد من (كرنارافونا)\rومالك لا يعد وكل مالٍ\r\rسيفني أو سيفني المالكينا\r\rوجدت مذاق كل تليد مجد\r\rفكيف وجدت مجدَ الكاسبينا\r\rنشرت صفائحاً فجزتك (مصرٌ)\r\rصحائف سؤودد لا نطوينا\r\rفإن تك قد فتحت لها كنوزاً\r\rلقد فتحت لك الفتح المبينا\r\rفلا (قارون) فوق الأرض إلا\r\rتمنى لو رضيت به قرينا\r\rسبيل الخلد كان عليك سهلاً\r\rوعادته يكد السالكينا\r\rرأيت تنكراً وسمعت عتباً\r\rفعذراً للغضاب المحنقنا\r\rأبوتنا وأعظمهم تراثٌ\r\rنحاذر أن يؤول لآخرينا\r\rونأبى أن يحل عليه ضيم\r\rويذهب نهبة للناهبنا\r\rسكت فحام حولك كل ظن\r\rولو سرحت لم تثر الظنونا\r\rيقول الناس في سرِّ وجهر\r\rوما لك حيلة في المرجفينا\r\rأمن سرق الخليفة وهو حيٌّ\r\rيعفّ عن الملوك مكفنينا\r\r***\rخليلي اهبطا الوادي ميلا\r\rإلى غرف الشموس الغار بينا\r\rوسيراً في محاجرهم رويدا\r\rوطوفا بالمضاجع خاشعينا\r\rوخصا بالعمار وبالتحايا\r\rرفات المجد من توتنخمينا\r\rوقبراً كاد من حسن وطيب\r\rيضيء حجارة العلى من (طور سينا)\rوكان نزيله بالملك يدعى\r\rفصار يلقب الكنز الثمينا\r\rفثم جلالةوٌ قرت ودامت\r\rعلى مر القرون الأربعين\r\rجلال الملك أيام وتمضي","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"ولا يمضي جلال الخالدين\r\rيجوب البرق باسمك كل سهل\r\rويخترق البخار به الحزونا\r\rوأقسم كنت في (لوزان) شغلاً\r\rوكنت عجيبة المتفاوضينا\r\rأتعلم أنهم صلفوا وتاهوا\r\rوصدوا الباب عنا موصدينا\r\rولو كنا نجرُّ هناك سيفاً\r\rوجدنا عندهم عطفاً وليناً\r\rسيقضي (كرزنٌ) بالأمر عنا\r\rوحاجات (الكنانة) ما قضينا\r\rتعالى اليوم خبرنا أكانت\r\rنواك سنات نوم أو سنينا\r\rوماذا جبت من ظلمات ليل\r\rبعيد الصبح ينضي المدلجينا\r\rوهل تبقى النفوس إذا أقامت\r\rهياكلها وتبلى إن بلينا\r\rوما تلك القباب وأين كانت\r\rوكيف أضل حافزها القرونا\r\rممردة البناء نخال برجاً\r\rببطن الأرض محطوطاً دفيناً\r\rتغطى بالأثاث فكان قصراً\r\rوبالصور العتاق فكان زوناً\r\rحملت العرش في فهل ترجى\r\rوتأمل دولة في الغابرينا\r\rهل تلقى المهيمن فوق عرش\r\rويلقاه الملا مترجلينا\r\rوما بال الطعام يكاد يقدى\r\rكما تركته أيدي الصانعينا\r\rولم تك أمس تصبر عنه يوماً\r\rفكيف صبرت أحقاباً مئيناً\r\rلقد كان الذي حذر الأوالي\r\rوخاف بنو زمانك أن يكونا\r\rيحبُّ المرء نبشَ أخيه حياً\r\rوينبشه ولو في الهالكينا\r\rسللت من الحفائر قبل يوم\r\rيسلَّ من التراب الهامدينا\r\rفإن تك عند بعث فيه شك\r\rفإن وراءه البعث اليقينا\r\rولو لم يعصموك لكان خيراً\r\rكفى بالموت معتصماً حصيناً\r\rيضر أخو الحياة وليس شيءٍ\r\rبضائره إذا صحب المنونا\r\r***\rزمان الفرد يا (فرعون) ولّى\r\rودالت دولة المتجبِّرينا\r\rوأصبحت الرعاة بكل أرض\r\rعلى حكم الرَّعية نازلينا\r\rوقال أيضاً يصف ملكة النحل من قصيدة","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"مملكة مدبرّه\r\rبامرأة مؤمرَّه\r\rتحمل في العمال والصُ\r\rنَّاع عبء السَّيطرة\r\rفاعجب لعمال يولو\r\rن عليهم قيصره\r\rتحكمهم راهبةٌ\r\rذكارة مغبّرة\r\rعاقدةٌ زنارها\r\rعن ساقها مشمرة\r\rتلثمت بالأرجوا\r\rن وارتده مئزر\r\rوارتفعت كأنها\r\rشرارة مطيرَّة\r\rووقعت لم تختلجْ\r\rكأنها مسمَّرة\r\rمخلوقةٌ ضعيفةٌ\r\rمن خلق مصوَّره\r\rقف سائل النحل به\r\rبأي عقل دبره\r\rحبك قوى الأخلاق ما\r\rتغني القوى المفكرة\r\rويرفع الله بها\r\rمن شاء حتى الحشرة\r\rأليس في ملكة الن\r\rحل لقوم تبصره\r\rملك بغاه أهله\r\rبهمة ومجدر\r\rتقتل أو تنفي الكسا\r\rلى فيه غير منذره\r\rتحكم فيه قيصره\r\rفي قومها موقره\r\rمن الرجال وقيو\r\rد حكمهم محررّه\r\rالملك للإناث في الدّ\r\rستور لا للذكره\r\rأنثى ولكن في جنا\r\rحيها لباةٌ مخدره\r\rذائدة عن حوضها\r\rطاردة من كدره\r\rما الملك إلا في ذرا\r\rالألوية المنشرة\r\rإن الأمور همة\r\rليس الأمور ثرثرة\r\rمالكة عاملة\r\rمصلحة معمرة\r\rوتذهب النحل خفا\r\rفاً وتجيء موقرة\r\rحوالب الشمع من ال\r\rخمائل المنورة\r\rجوالب المآذي من\r\rزهر الرياض النيرة\r\rمشدودة جيوبها\r\rعل الجني مزررة\r\rوكل خرطوم أدا\r\rة العسل المقطرة\r\rوكل أنف قانئ\r\rفيه من الشهد بره\r\rحتى إذا جاءت به\r\rجاست خلال الأدوره\r\rوغيبته كالسّلا\r\rف في الديان المحضرة\rفهل رأيت النحل عن\r\rأمانة مقصره\r\rما اقترضت من بقلةٍ\r\rأو استعارت زهرة\r\rأدت إلى الناس به\r\rسكرة بسكرة\r\rوللشريف الرضي في وصف السماء والأرض والليل والبرق","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"سمائي مذهبة بالبروق=وأرضي مفضَّضة بالحباب وروضي مطارفه غضَّةٌ=تطرَّز أطرافها بالذهاب وليلٌ ترى الفجر في عطفه=كما شاب بعض جناح الغرابُ يغار الظّلام على شمسه=إلى أن يواريها بالحجاب وتصقلُ أنجمه العاصفاتُ=إذا صدئت من عمود السَّحاب\rوقال البحتري يصف الغيث\rذات ارتجاز بحنين الرَّعد\r\rمجرورة الَّيل صدوق الوعد\r\rمسفوحة الدَّمع لغير وجدٍ\r\rلها نسيمٌ كنسيم الوردِ\r\rورنة مثل زئير الأسد\r\rولمع برق كسيوف الهند\r\rجاءت بها ريح الصَّبا من نجد\r\rفانتثرت مثل انتثار العقدِ\r\rفراحت الأرض بعيش رغد\r\rمن وشي أنوار الرّبى في بردٍ\rكأنما غدرانها في الوهد\r\rيلعبن من حبابها بالنردِ\r\rومن قصيدة لصفي الدين الحلي يصف فيها الربيع\rخلع الرّبيع علي غصون البان\r\rحللاً فواضلها على الكثبانِ\r\rونمت فروع الدوح حتى صافحت\r\rكفل الكثيب ذوائب الأغصانِ\r\rوتتوّجّت هام الغصون وضرّجت\r\rخدّ الرياض شقائق النعمانِ\r\rوتنوعت بسط الرياض فزهرها\r\rمتباين الأشكال والألوانِ\r\rمن أبيض يققٍ وأصفر فاقعٍ\r\rأو أزرق صاف وأحمر قانٍ\r\rوالظلُّ يسرع في الخمائل خطوهُ\r\rوالغصنُ يخطر خطرة النشوانِ\r\rوكأنما الأغصان سوق رواقصٍ\r\rقد قيدت بسلاسل الريحانِ\r\rوالشمس تنظر من خلال فروعها\r\rنحو الحدائق نظرة الغيرانِ\r\rوالأرض تعجب كيف تضحكُ والحيا\r\rيبكي بدمعٍ دائم الهملان\r\rحتى إذا افترّت مباسم زهرها\r\rوبكى السحاب بمدمع هتان\r\rطفح السرور عليَّ حتّى إنّه\r\rمن عظم ما قد سرَّني أبكاني\r\rفاصرف همومك بالرّبيع وفصله\r\rإن الربيع هو الشباب الثاني\r\rوله من قصيدة في وصف واد\rتعانقت الأغصان فيه فأسلبت\r\rعلى الرَّوض أستاراً من الورق الخضرِ\rإذا ما حبال الشمسِ منها تخلصتْ\r\rإلى روضه ألقت شراكاً من التبر","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"ومن قول أبي الفتح كشاجم في وصف الجمر يعلوه الرماد\rكأنما الجمر والرماد وقد\r\rكاد يواري من ناره النّورا\rورد جنيُّ القطاف أحمر قد\r\rذرّت عليه الأكف كافورا\r\rومن قصيدة لأبي الفرج عبد الواحد الببغا في وصف جيش\rقاد الجياد إلى الجياد عوابساً\r\rشعثاً ولولا بأسه لم تنقد\r\rفي جحفل كالسّيل أو كالليل أو\r\rكالقطر صافح موج بحر مزبد\rرد الظلام على الضّحى فاسترجع\r\rالإظلام من ليل العجاج الأربد\r\rوكأنما نقشت حوافر خيله\r\rللناظرين أهلةً في جلمدٍ\r\rوكأن طرف الشمس مطروف وقد\r\rجعل الغبار له مكان الإثمدِ\r\rولأبي الفرج الغساني في وصف البدر\rوالبدر أوّل ما بدا متلثماً\r\rيبدي الضياء لنا بخد مسفر\r\rفكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ\r\rقد ركبت في هامة من عنبر\rوله من قصيدة في وصف روضة\rمداهن يحملن طلّ الندى\r\rفهاتيك تبرٌ وهذي عقيق\r\rتنظم أوراقها درّهما\r\rوتنثر منها التي لا تطيق\r\rيميل النسيم بأغصانها\r\rفبعض نشاوى وبعضٌ مفيق\rويوم ستارته غيمه\r\rوقد طرّزت رفيفها البروق\r\rجعلتا البخور دخاناً له\r\rومن شرر الراح فيه حريق\rتظلّ به الشمس محجوبةً\r\rكأن اصطباحك فيه غبوق\r\rعلى شجراتٍ رافعات الذيول\r\rلماء الجداول منها شهيق\r\rومن قصيدة للحسن بن علي بن وكيع في وصف روض\rأسفر عن بهجته الروض الأغر\r\rوابتسم الدّوح لنا عن الزهر\r\rأبدى لنا فصل الربيع منظراً\r\rبمثله تفتن الألباب البشر\r\rوشياً ولكن حاكه صانعه\r\rلا لابتذال اللبس لكن للنّظر\r\rعاينه طرف السماء فانثنى\r\rعشقاً له يبكي بأجفان المطر\r\rفالأرض في زي عروسٍ فوقها\r\rمن أدمع القطر نئارٌ من درر\r\rوشيٌ طواه في الثرى صوانه\r\rحتى إذا ملّ من الطي انتشر\r\rومن قصيدة له في وصف الربيع\rانظر إلى زهر الربيع وما جلت\r\rفيه عليك طرائف الأنوار","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"أبدت لنا الأمطار يه بدائعاً\r\rشهدت بحكمة منزل الأمطار\r\rما شئت للأزهار فيه صحرائه\r\rمن درهم بهج ومن دينار\r\rوجواهر لولا تغيّر حسنها\r\rجلّت عن الأثمان والأخطار\r\rوله أيضاً في وصفه\rألست ترى وشيء الربيع المنمنما\r\rوما رصّع الربعي فيه ونظما\r\rفقد حكت الأرض السماء بنورها\r\rفلم أدر في التشبيه أيهما السما\r\rفخضرتها كالجو في حسن لونه\r\rوأنوارها تحكي لعينيك أنجما\r\rفمن نرجس لما رأى حسن نقشه\r\rتداخله عجبٌ به فتبسّما\r\rوأبدى على الورد الجنّي تطاولا\r\rفأظهر غيظ الورد في خده دما\r\rوزهر شقيق نازع الورد فضله\r\rفزاد عليه الورد فضلاً وقدماً\r\rوظلّ لفرط الحزن يلطم خدّه\r\rفأظهر فيه اللطم جمراً مضرماً\rومن سوسن لما رأى الصبغ كله\r\rعلى كل أنوار الريّاض تقسّما\r\rتجلبب من زرق اليواقيت حلّة\r\rفأغرب في الملبوس منه وأحكما\rوأنوار منثور تخالف شكلها\r\rفصار بها شكل الربيع متمما\r\rجواهر لو قد طال فينا بقاؤه\r\rرأيت بها كل الملوك مختّما\r\rوللقاضي محمد بن النعمان في وصف الهلال\rانظر إلى حسن ذا الهلال وقد\r\rبدا لست مضين من عمره\r\rوقد أطافت به كواكبه\r\rحسناً فبينته لمعتبره\r\rمثل زنادٍ قد صيغ من ذهب\r\rيقدح ناراً وهنّ من شرره\r\rثم تولى يريد مغربه\r\rفي شفق الشمس وهي في أثره\rفخلته غائصاً ببحر دمٍ\r\rيقذف بالرائعات من درره\r\rفلم أزل ليلتي أراجعه\r\rلحظي وأبكي للوقت من قصره\rحتى تبدّى الصبّاح منتبهاً\r\rقبل انتباه المخمور من سكره\r\rومن قصيدة لسليمان بن حسان الصيبي في وصف شمعة\rومجدولةٍ مثل صدر القنا\r\rة تعرّت وباطنها مكتسي\r\rلها مقلة هي روحٌ لها\r\rوتاج على الرأس كالبرنس\r\rإذا رنقت لنعاس عرا\r\rوقطت من الرأس لمن تنعس\r\rوإن غازلتها الصبا حرّكت","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"لسانها من الذهب الأملس\r\rوتنتج في وقت تلقيحها\r\rضياءٌ يجلّي دجي الحندس\r\rفنحن من النور في أسعد\r\rوتلك في النار في أنحس\r\rتوقّدها نزهة للعيو\r\rن ورؤيتها منية الأنفسي\r\rتكيد الظَّلام كما كادها\r\rفتفنى وتفنيه في مجلس\r\rفيا حامل العود حث الغنا\r\rويا حامل الكأس لا تحبس\r\rويا صالح أنعم وعش سالماً\r\rعلي الدهر في عزك الأقعس\rولأبي حسن العقيلي في وصف الصبح والبرق\rالصبح ينشر فوق مسك الليل كافور الضياء\rوالبرق يذهب ما تفضضه الغيوم من السماء\rفاشرب على ديباج نبتٍ قد أحاط بشرب ماء\rفالعيش في زمن الربيع رقيق حاشية الرداء\rوله أيضاً في وصف نارنجة\rونارنجة بين الرّياض نظرتها\r\rعلى غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد\rإذا ميلتها الريح مالت كأكرة\r\rبدت ذهباً في صولجان زمرد\r\rولابن أبي عمرو الطرازي في وصف نار\rنار جرت في غابةٍ\r\rترمي العلى بالشهب\rكأنها جيش وغى\r\rفرسانه من ذهب\r\r??ولعلي بن لؤلؤ الكاتب في وصف الصبح والليل\rربّ صبح كطلعة الوصل جلى\r\rجنحَ ليلٍ كطلعة الهجران\r\rزار في حُلّة البزاة فولّى اللي\r\rل عنه في حلة الغربان\r\r????ولأبي العباس الكندي في وصف الندى على البحر\rكأن الندى في البحر بحران مائع\r\rعلى مائعٍ هذا على ذاك مطبق\rفهذا لجينٌ سابح مترقرق\r\rوذلك لجبن في السماء معلّق\r\rإذا أبصرته الشمس بعد احتجابها\r\rبه ساعةٌ أبصرته يتمزّق\r\rوللسري بن أحمد الكندي في وصف الفجر من قصيدة\rوركائب يخرجن من غلس الدجى\r\rمثل السهام مرقن منه مروقا\r\rوالفجر مصقول الرداء كأنه\r\rجلباب خودٍ أشربته خلوقا\r\rوله من أخرى في وصف سحابة\rوبكر إذا جنبتها الجنوب\r\rحسبت العشار تؤم العشارا\r\rترى البرق يبسم سراً بها\r\rإذا انتحب الرعد فيها جهارا\r\rيعارضها في الهواء النّس","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"يم فينثر في الأرض درّاً صغاراً\rفطوراً يشقّ جيوب الحيا\r\rوطوراً يسخّ الدموع الغزارا\r\rوله من أخرى\rغيوم تمسّك أفق السما\r\rء وبرقٌ يكتبه بالذهب\r\rوخضراء ينثر فيها الندى\r\rفريد ندى ماله من ثقب\r\rفأوراقها مثل نظم الحلى\r\rوأنهارها مثل بيض القضب\rحللت بها مع ندامى سلوا\r\rعن الجد واشتهروا باللعب\r\rوأغنتهم عن بديع السما\r\rع بدائع ما ضمنته الكتب\r\rوأحسن شيءٍ ربيع الحيا\r\rأضيف إليه ربيع الأدب\r\rولأبي بكر الخالدي في وصف الجو وإدبار الليل وإقبال الفجر\rوالجوّ يسحب من عليل هوائه\r\rثوباً يجود بطله المترقرق\r\rحتى رأينا الليل قوسّ ظهره\r\rهرماً وأثر فيه شيب المفرق\r\rوكأن ضوء الفجر في باقي الدجى\r\rسيفٌ حلاه من اللجين المحرق\r\rولسعيد بن هاشم الخالدي في وصف المطر والصبح والليل والبرق\rأما ترى الطلّ كيف يلمع في\r\rعيون نورٍ تدعو إلى الطربِ\rفي كل عينٍ للطل لؤلؤة\r\rكدمعة في جفون منتحبٍ\r\rوالصبح قد جردت صوارمه\r\rوالليل قد همّ منه بالهرب\r\rوالجو في حلة ممسّكة\r\rقد كتبته البروق بالذّهب\r\rوللمهلبي الوزير في وصف الربيع\rالورد بين مضمّخ ومضرجٍ\r\rوالزهر بين مكللٍ ومتوج\r\rوالثلج تهبط كالنثار فقم بنا\r\rنلتذ بابنة كرمة لم تمزج\r\rطلع البّهار ولاح نور شقائقٍ\r\rوبدت سطور الورد تلو بنفسجٍ\r\rفكأن يومك في غلالة فضةٍ\r\rوالنبت من ذهب على فيروزج\rوللقاضي التنوخي أبي القاسم علي في وصف طول الليل والفجر\rوليلة مشتاق كأن نجومها\r\rقد اغتصبت عين الكرى وهي نوّم\rكأن عيون الساهرين لطولها\r\rإذا شخصت للأنجم الزهر أنجم\r\rكان سواد الليل والفجر ضاحكٌ\r\rيلوح ويخفى أسودٌ يبتسم\r\rوله أيضاً في وصف وحشة الليل والنجوم والسماء\rربّ ليلٍ قطعته كصدودٍ\r\rوفراق ما كان فيه وداع\r\rموحشٌ كالثقيل تقذى به العي","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"ن وتأبى حديثه الأسماع\r\rوكانّ النجوم بين دجاه\r\rسننٌ لاح بينهن ابتداع\r\rوكأن السماء خيمة وشي\r\rوكأن الجوزاء فيها شراع\r\rوله أيضاً في وصف رياض\rورياضٍ حاكت لهنّ الثريا\r\rحللاً كان غزلها للرعود\r\rنثر الغيث درّ دمع عليها\r\rفتحلّت بمثل درّ العقود\r\rأقحوان معانقٌ لشقيق\r\rكثغور تعض ورد الخدود\rوعيونٌ من نرجس تتراءى\r\rكعيون موصولة التسهيد\r\rوكأن الشقيق حين تبدّى\r\rظلمة الصدع في خدود الغيد\rوكأن الندى عليها دموعٌ\r\rفي جفون مفجوعةٍ بفقيد\r\rوكتب محمد بن عبد الله السلامي إلى صديق له يصف التاريخ\rأتنشط للصبوح أبا علي\r\rعلى حكم المنى ورضى الصديق\rبنهر للرياح عليه درعٌ\r\rتذهب بالغروب وبالشروق\r\rإذا اصفرّت عليه الشمس صبّت\r\rعلى أمواجه ماء الخلوق\r\rوجمرٌ شبّ في الأغصان حتى\r\rأضاع الماء في وهج الحريق\r\rفدهم الخيل في ميدان تبرٍ\r\rيصاغ لها كراتٌ من عقيقِ\r\rوكتب إليه في وصف نهر حوله أشجار الجلّنار\rونهر تمرح الأمواج فيه\r\rمراح الخيل في رهج الغبار\r\rإذا اصفرت عليه الشمس خلنا\r\rنمير الماء يمزج بالعُقارِ\r\rكأن الماء ارضٌ من لجين\r\rمغشاةٌ صفائح من نضار\r\rوأشجار محملّة كؤوساً\r\rتضاحك في احمرارٍ واخضرارِ\rوله من قصيدة في وصف الرياض والبرق\rنسب الرياض إلى الغمام شريف\r\rومحلها عند النسيم لطيف\r\rفاشرب وثقّل وزن جامك إنه\r\rيومٌ على قلب الزمان خفيف\r\rأو ما ترى طور البروق توسّطت\r\rأفقاً كان المزنّ فيه شفوف\r\rواليوم من خجل الشقيق مضرجٌ\r\rخجلٌ ومن مرض النسيم ضعيف\r\rوالأرض طرسٌ والرياض سطوره\r\rوالزّهر شكلٌ بينها وحروف\r\rولأحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال يصف بها روضة صنعاء\rروضةٌ قد صبا لها السعد شوقاً\r\rوصفا ليلها وطاب المقيل\r\rجوها سجسجٌ وفيها نسيم","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"كل غصن إلى لقاه يميل\r\rصح سكانها جميعاً من الدّا\r\rء وجسم النسيم فيها عليل\r\rإيه يا ماء نهرها العذاب صلصل\r\rحبّذا يا زلال منك الصليل\r\rإيه يا ورقها المرنّة غنى\r\rفحياة النفوس منك الهديل\r\rروض صنعاء فقت طبعاً ووصفاً\r\rفكثير الثناء فيك قليل\r\rنهر دافقٌ وجو فتيق\r\rزهر فائقٌ وظلٌ ظليل\r\rلست أنسى انتعاش شحرور غصن\r\rطرباً والقضيب منه يميل\r\rوعلى رأس دوحةٍ خاطب الور\r\rق ودمع الغصون طلاً يسيل\r\rولسان الرعود يهتف بالسح\r\rب فكان الخفيف منها الثقيل\r\rوفم السحب باسمٌ عن بروق\r\rمستطير شعاعها مستطيل\r\rولابن سكرة الهاشمي في وصف روضة\rأما ترى الروضة قد نوّرت\r\rوظاهر الروضة قد أعشبا\rكأنما الأرض سماءٌ لنا\r\rنقطف منها كوكبا كوكبا\r\rومن زهرية لابن راجح الحلي\rنثرت عقوداً سمائها إلا نداء\r\rبيد النسيم فللثرى إثراء\r\rوبدت تباشير الربيع كأنما\r\rنشرت مطارف وشيه صنعاءُ\r\rوالأرض قد زهيت بحلي نباتها\r\rوالجو حلة سحبه دكناء\r\rوالروض في نشوات سكرته وقد\r\rطافت عليه الديمة الوطفاء\r\rوثنى الحيا عطف الغدير فصفّقت\r\rأطرافه وتغنّت الورقاء\r\rفكأن أعطاف الغصون منابرٌ\r\rوالورق في أوراقها خطباء\r\rومن زهرية لبدر الدين الذهبي\rترنّح عطف البان في الحلل الخضر\r\rوغنّى بألحان على عوده القمري\r\rوراقت أزاهير الحدائق بالضحى\r\rنواظر أحداق بنوارها النضر\r\rوأشرق خد الورد يبدي نضاره\r\rوأشرق جيد الغصن في لؤلؤ القطر\rوبات سقيط الطل في كل روضةٍ\r\rينبه في أرجائها ناعس الزهر\r\rوما ذهبت شمس لأصيل عشيةً\r\rإلى الغرب حتى أذهبت فضة النهر\rوغنّت قيان الطير في كل أيكة\r\rوقد راق كحل الطل في مقل الغدر\rأقامت لها دوح الأراك أرائكا\r\rوأرخت لها أوراق أستارها الخضر","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"وأمسى أصيل اليوم ملقى من الضنى\r\rعلى فرش الأزهار في آخر العمر\r\rبكته حماما الأراك وشقّقت\r\rعليه الصبا أثواب روضتها النضر\r\rفكم من نحيب للحمائم بالضّحى\r\rعليه وللأنواء من دمعة تجري\r\rولعلي بن أحمد الجوهري من قصيدة في وصف الغيث\rزرّ الصباح علينا شملة السحب\r\rومدّت الريح منها واهي الطنب\r\rصكّ النسيم فراخ الغيث فانزعجت\r\rينفضن أجنحة من عنبر الزغب\r\rولأبي معمر بن أبي سعيد الإسماعيلي من قصيدة في وصف الثلج\rفرحنا وقد بات السماء مع الثرى\r\rوغاب أديم الأرض عنا فما يرى\r\rكأن غيوم الجو صوّاغ فضة\r\rتواصو برد الحلي عمداً إلى الورى\rولأبي العلاء السروي في وصف روض\rمررنا على الروض الذي قد تبسّمت\r\rذراه وأوداج السحائب تسفك\r\rفلم نر شيئاً كان أحسن منظراً\r\rمن الروض يجري دمعه وهو يضحك\rوله أيضاً في وصفه من قصيدة\rأما ترى قضب الأشجار قد لبست\r\rأنوارها تتثنى بين جلاّس\r\rمنظومة كسموط الدرّ لابسةً\r\rحسناً يبيح دم العنقود للحاسي\r\rوغرّدت خطباء الطير ساجعة\r\rعلى منابر من ورد ومن آسٍ\r\rولأبي الفياض سعد بن أحمد الطبري من قصيدة في وصف رياض\rأصبيحة النيروز خير صبيحة\r\rحيّت بها الأنواء والأنوار\r\rفبكل شعب روضة معطار\r\rتفتر عنها ديمة مدرار\r\rماست بها الأفنان في أسحارها\r\rنشوى فماست تحتها الأشجار\rوتبرّجت أزهارها وتبلّجت\r\rفكأنما أزهارها أبصار\r\rولأبي قاسم الدينوري في وصف جواد\rومطهّم طرف العنان معوّدٍ\r\rخوض المهالك كلّ يوم براز\r\rوإذا توغّل في ذرى متمنّع\r\rصعب بعيد العهد بالمجتاز\r\rتركت سنابكه بصمّ صخوره\r\rأثراً يلوح كنقش صدر البازي\rوله في وصف سفرجل وتفاح ورمان وأذربون\rبعثت إليك ضحى المهرجا\r\rن بمعشوقة العرف والمنظرِ\r\rمعطرةٍ صانها في الحجا\r\rل مطارف من سندس أخضر\rوبيضاء رائقة غضّة","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"منقطة الوجه بالعصفر\r\rوحق عقيق ملاه الهجي\r\rر من الجوهر الرائق الأحمر\rوأقداح تبرٍ حشت قعرها\r\rيد الشمس بالمسك والعنبر\r\rفكن ذا قبول لها إنها\r\rهدايا مقلٍّ إلى مكثر\r\rوعش ما تشاء كما تشتهي\r\rبعزٍّ يدوم إلى المحشر\r\rوله في النارنج\rأما ترى شجر النارنج طالعة\r\rنجومها في غصون لدنة ميل\r\rكأنها بين أوراق تحفُّ بها\r\rزهر المصابيح في خضر القناديل\rولأبي الفضل الميكالي في وصف الشقائق\rتصوغ لنا كف الربيع حدائقاً\r\rكعقد عقيق بين سمط لآلي\r\rوفيهن أنوار الشقائق قد حكت\r\rخدود عذارى نقطت بغوالي\rوله في اقتران الزهرة والهلال\rأما ترى الزهرة قد لاحت لنا\r\rتحت هلالٍ لونه يحكي اللهب\r\rككرة من فضّة مجلوةٍ\r\rأوفى عليها صولجان من ذهب\rوله في الفجر\rأهلاً بفجر قد نضا ثوب الدجى\r\rكالسيف جرد من سواد قراب\rوقال في وصف الثلج الساقط على غصون الشجر\rنثر السحاب على الغصون ذرارة\r\rأهدت لها نوراً يروق ونوراً\r\rشابت ذوائبها فعدن كأنها\r\rأجفان عين تحمل الكافورا\r\rوقال في الجليد\rرب جنين من جنى نمير\r\rمهتّك الأستار والضمير\r\rسللته من رحم الغدير\r\rكأنه صحائف البلّورِ\r\rأو أكرٌ تجسّمت من نور\r\rأو قطع من خالص الكافور\rلو بقيت سلكاً على الدّهور\r\rلعطلت قلائد النّحور\r\rوأخجلت جواهر البخور\r\rوسميت ضرائر الثغور\r\rيا حسنه في زمن الحدور\r\rإذ فيضه مثل حشا المهجور\rيهدي إلى الأكباد والصدور\r\rروحاً تحاكي نفثة المصدور\rولأبي طاهر بن الهاشمي في وصف روضة\rوروضة زارها الندى فغدت\r\rلها من الزهر أنجمٌ زهر\r\rتنشر فيها أيدي الربيع لنا\r\rثوباً من الوشي حاكه القطر\rكأنما شقّ من شقائقها\r\rعلى رباها مطارف خضر\r\rثم تبدّت كأنها حدقٌ\r\rأجفانها من دمائها حمر","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"ولأبي نصر سهل بن المرزبان في وصف البدر\rكم ليلة أحييتها ومؤانسي\r\rطرف الحديث وطيب حث الأكؤس\rشبهت بدر سمائها لما دنت\r\rمنه الثريا في قميص سندسي\r\rملكاً مهيباً قاعداً في روضةٍ\r\rحيّاه بعض الزائرين بنرجس\r\rوللحسن بن أحمد اليروجردي في حوض لبعض الرؤساء\rحوض يجود بجوهر متسلسل\r\rساد الجواهر كلها بنفاستهِ\r\rلا زال عذباً جارياً ببقاء من\r\rهو مثله في طبعه وسلآسته\rووصف ابن أنيس سيف عمرو بن معدي كرب فقال\rأخضر المتين بين حدّيه نورٌ\r\rمن فرند تحار فيه العيون\r\rأوقدت فيه للصّواعق نارٌ\r\rثم ساطت به الزعاف المنون\rفإذا ما سللته بهر الشم\r\rس ضياءً فلم تكد تسبين\r\rفكأن الفرند والرونق الجا\r\rري في صفحتيه ماءٌ معين\r\rوكأن المنون نيطت إليه\r\rفهو من كل جانبيه منون\r\rما يبالي من انتضاه لحربٍ\r\rأشمالٌ سطت به أم يمين\r\rوقال ابن عبد ربه في وصف الرمح والسيف\rبكل ردينيّ كأنّ سنانه\r\rشهابٌ بدا في ظلمة الليل ساطعُ\r\rتقاصرت الآجال في طول متنه\r\rوعادت به الآمالُ وهي فجائعُ\r\rوساءت ظنون الحرب في حسن ظنه\r\rفهنَّ لحبّات القلوب قوارعُ\r\rوذي شطبٍ تقضي المنايا لحكمهِ\r\rوليس لما تقضي المنيّةُ دافعٌ\r\rوقال أيضاً في وصف الحرب\rومعتركِ تهزّ به المنايا\r\rذكور الهند في أيدي ذكورٍ\r\rلوامعُ يبصر الأعمى سناها\r\rويعمى دونها طرفُ البصير\r\rيحوّم حولها عقبانٌ موت\r\rتخطفّت القلوب من الصدور\rومن قوله في وصف الحرب وأبطالها\rسيوفٌ يقيلُ الموتُ تحت ظباتها\r\rلها في الكلى طعم وبين الطلى شربٌ\rإذا اصطفّت الراياتُ حمراً متونها\r\rذوائبها تهفو فيهفو لها القلبُ\r\rولم تنظق الأبطالُ إلا بفعلها\r\rفألسنها عجمٌ وأفعالها عربُ\r\rإذا ما التقوا في مازقٍ وتعانقوا\r\rفلقياهم طعنٌ وتعنيفهم ضربُ","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"ولابن قلاقس في وصف السحاب والبرق والغيث\rسرى وجبين بالطّلّ يرشح\r\rوثوب الغوادي بالبروق موشّحُ\r\rوفي طيّ أبراد النسيم خميلةٌ\r\rبأعطافها نورُ المنى يتفتح\r\rيضاحك في مثنى المعاطف عارضٌ\r\rمدامعةُ في وجنة الرّوض تسفحُ\r\rوتورى به كفُّ الصَّبا زندبارقٍ\r\rشرارته في فحمة الليل تقدحُ\r\rومن قصيدة لأبي القاسم عبد الصمد بن بابك في الصاحب يصف له فيها إضرام النار في بعض غياض طريقه\rوليلةٍ بت أشكو الهمّ أوّلها\r\rوعدت آخرها أستنجد الطّربا\r\rفي غيضةٍ من غياض الحزن دانيةٍ\r\rمد الظلام على أوراقها طنبا\r\rحتى إذا النار طاشت في ذوائبها\r\rعاد الزمرّد من عيدانها ذهبا\r\rمرقت منها وثغر الصبّح مبتسمٌ\r\rإلى أغرّ يرى المذخور ما وهبا\r\rيا أعزر الناس أنواء ومحتلبا\r\rوأشرف الناس أعراقاً ومنتسبا\r\rأصبحتُ ذا ثقة بالوفر منك وإنْ\r\rقال العواذل ظنٌّ ربّما كذبا\r\rفحسن ظنّي بك استوفى مدى أملي\r\rوحسن رأيكَ لي لم يبقِ لي أربا\r\rومن قصيدة لأبي سعيد الرستمي يصف بها داراً بناها الصاحب بن عباد\rوسامية الأعلامِ تلحظُ دونها\r\rسنا النجم في آفاقها متضائلاً\r\rنسخت بها إيوان كسرى بن هرمُز\r\rفأصبحَ في أرض المدائن عاطلاً\r\rفلو لحظت جنات تدمُر حسنها\r\rدرتْ كيف تبنى بعدهنّ المجادلا\r\rتناطح قرن الشّمس من شرفاتها\r\rصفوف ظباءٍ فوقهنّ مواثلا\r\rولو أصبحت داراً لك الأرض كلّها\r\rلضاقت بمن ينتاب دارك آملاً\r\rوأغنى الورى عن منزل من بنت له\r\rمعاليه فوق الشعريين منازلا\r\rولا غرو أن يستحدث الليثَ بالثرى\r\rعريناً وأن يستطرقَ البحر ساحلا\r\rولم تعتمدْ داراً سوى حومةِ الوغى\r\rولا خدماً إلا القنا والقنابلا\r\rوالله ما أرضى لك الدهرَ خادماً\r\rولا البدرَ منتاباً ولا البحر نائلاً\r\rولا الفلك الدوار داراً ولا الورى","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"عبيداً ولا زهر النجومِ قبائلاً\r\rفإنَّ الذي يبينهِ مثلكَ خالدٌ\r\rوسائرُ مابيني الأنامُ إلى بلى\r\rولخليل مطران بك في وصف روض\rأيها الروضُ كنْ لقلبي سلاماً\r\rوملاذاً من الشقاءِ الملازمْ\r\rزهرٌ ذابلٌ كأني أراهُ\r\rثملاً من أنفاسهِ في الكمائمْ\r\rوغديرٌ صافٍ أقام سياجاً\r\rحولهُ باسقٌ من الدَّوح قائم\r\rتتناغى بيضٌ من الطير فيهِ\r\rسابحاتٌ وتحتها النجم عائم\r\rكيفما سرن فالطريق عقودٌ\r\rنظمت من محاجرِ ومباسم\r\rحبذا البدرُ مؤنساً يتجلى\r\rكحبيبٍ بعدَ التغيبِ قادمُ\r\rحبذا رسمهُ البرايا كأبهى\r\rماترى العينُ في صحيفةِ راسمٍ\rحبذا الماءُ والمصابيحُ فيهِ\r\rكبنانٍ يزينها بخواتمْ\r\rجنةٌ بانتِ المكارهُ عنها\r\rوهي بكرٌ من الأذى والمحارمْ\r\rإنما أهلهل طيورٌ حسانٌ\r\rإن دعاها الصباحُ قامت تنادمْ\r\rوضياءٌ يموجُ في الماءِ حتى\r\rلنراهُ كأنهُ متلاطم\r\rومروجٌ مدبحاتٌ كوشي\r\rأتقنتْ صنعه حسان المعاصمْ\r\rوغصون تهزها نسمات\r\rكمهود تزهن روائم\r\rوقال البحتري واصفاً صناعة الكتابة والإنشاء\rتفننتَ في الكتابة حتى\r\rعطل الناس فن عبد الحميد\r\rفي نظام من البلاغة ماش\r\rك امرؤ أنه نظام فريد\r\rوبديع كأنه الزهر الضا\r\rحك في رونق الربيع الجديد\r\rمشرق في جوانب السمع مايخ\r\rلقه عوده على المستفيد\r\rماأعيرت منه بطون القراطي\r\rس وما حملت ظهور البريد\r\rحجج تخرس الألد بأل\r\rفاظ فرادى كالجوهر المعدود\r\rومعان لو فصلتها القوافي\r\rهجنت شعر جرول ولبيد\r\rحزن مستعمل الكلام اختياراً\r\rوتجنبن ظلمة التعقيد\r\rوركبن اللفظ القريب فأدرك\r\rن به غاية المراد البعيد\r\rكالعذارى غدون في الحلل البي\r\rض إذا رحن في الخطوط السود","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"وقال ابن حمد يس الصقلي يصف داراً بناها المنصور\rأعمرْ بقصر الملك ناديك الذي\r\rأضحى بمجدك بيته معموراً\r\rقصرٌ لو أنك قد كحلت بنوره\r\rأعمى لعاد إلى المقام بصيراً\r\rواشتق من معنى الجنان نسيمة\r\rفيكاد يحدث بالعظام نشوراً\r\rنسي الصبيح مع الفصيح بذكره\r\rوسما ففاق خورنقاً وسديراً\r\rأبصرته فرأيت أبدع منظر\r\rثم اثنيت بناظري محسوراً\r\rفظننت أني حالم في جنة\r\rلما رأيت الملاك فيه كبيراً\r\rلو أنه بالإيوان قوبل حسنة\r\rماكان شيئاً عنده مذكوراً\r\rأعيت مصانعة على الفرس الألى\r\rلرفعوا البناء وأحكموا التدبير\r\rومضت على الروم الدهور ومابنوا\r\rلملوكهم شبهاً له ونظير\r\rأذكرتنا الفردوس حين رأيتنا\r\rغرفاً رفعت بناءها وقصوراً\r\rومحصب بالدر تحسب أريتنا\r\rغرفاً رفعت بناءها وقصورا\r\rومحصب بالدر تحسب تربة\r\rمسكاً تضوع نشره وعبيراً\r\rووصف أعرابي تزوج امرأتين ماوقع له منهما فقال\rتزوجتُ اثنتين لفرط جهلي\r\rبما يشقى به زوج اثنتين\r\rفقلت أصير بينهما خروفاً\r\rأنعم بين أكرم نعجتين\r\rفصرت كنعجة تضحي وتمسي\r\rتداول بين أخبث ذئبتين\r\rرضا هذي يهيج سخط هذي\r\rفما أعري من إحدى السخطتين\rوألقى في المعيشة كل ضر\r\rكذاك الضر بين الضرتين\r\rلهذي ليلة ولتلك أخرى\r\rعتاب دائم في الليلتين\r\rفإن أحببت أن تبقى كريماً\r\rمن الخيرات مملوء اليدين\r\rفعش عزباً فإن لم تستطعه\r\rفضرباً في عراض الجحفلين\r\rوقال أبو تمام حبيب بون أوس الطائي في وصف الربيع\rبا صاحبي تقصيا نظريكما\r\rتريا وجوزه الأرض كيف تصور\rتريا نهاراً مشمساً قد زانه\r\rزهر الربا فكأنما هو مقصر\r\rدنيا معاشٌ للورى حتى إذا\r\rحل اتلربيع فإنما تهي منظر\r\rأضحت تصوغ بطونها لظهورها","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"نوراً تكاد له القلوب تنور\r\rمن كل زاهرة ترقرق بالندى\r\rفكأنها عين لديك تحذر\r\rوقال أبو عبادة البحتري يصف قصر المعتز بالله\rلما كملتَ رويةً وعزيمةً\r\rأعملتَ رأيك في ابتناء الكامل\r\rوغدوت من بين الملوك موفقاً\r\rمنه لابمن حلة ومنازل\r\rذعر الحمام وقد ترنم فوقه\r\rمن منظر خطر المزلة هائل\r\rرفعت لمخترق الرياح سموكه\r\rوزهت عجائب حسنه المتحايل\r\rوكأن حيطانَ الزجاج بجوه\r\rلجج يمجن على جنوب سواحل\r\rوكأن تفويتَ الرخام إذا التقى\r\rتأليفه بالمنظر المتقابل\r\rحبك المغمام رصفن بين منمر\r\rومسير ومقارب ومشاكلٍ\r\rلبست من الذهب الصقيل سقوفه\r\rنوراً يضيء على الظلام الحافل\rفترى العيون يجلن في ذي رونق\r\rمتلهب العالي أنيق السافل\r\rوكأنما نشرت على بستانه\r\rسيراء وشي اليمنة المتواصل\r\rأغنته دجلة إذ تلاحق فيضها\r\rعن صوب منسحب الرباب الهاطل\rوتنفست فيه الصبا فتعطفت\r\rأشجاره من حول وحواملي\r\rوقال المتنبي في وصف جواد\rويومٍ كلونِ المدنفين كمتنه\r\rأراقب فيه الشمس أيان تغرب\r\rوعيني إلى أذني أغر كأنه\r\rمن الليل باق بين عينيه كوكب\r\rله فضلة من جسمه في إهابه\r\rتجيء على صدر رحيب وتذهب\r\rشققت به الظلماء أدنى عنانه\r\rفيطغى وأرخيه مراراً فيلعب\r\rوأصرع أي الوحش قفيته به\r\rوأنزل عنه مثله حين أركب\r\rوما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ\r\rوإن كثرت في عين من لا يجرب\rإذا لم تشاهد غير حسن شياتها\r\rوأعضائها فالحسن عنك مغيب\r\rوقال صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750ه? في وصف الربيع\rورد الربيعُ فمرحبا بورودهِ\r\rوبنور بهجته ونور وروده\r\rوبحسن منظره وطيب نسيمه\r\rوأنيق مبسمه ووشى بروده\r\rفصل إذا افتخر الزمان فإنه\r\rإنسان مقلته وبيت قصيده","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"يغني المزاج عن العلاج نسيمة\r\rباللطف عند هبوبه وركوده\r\rياحبذا أزهاره وثماره\r\rونبات ناجمة وحب حصيده\r\rوالغصن قد كسي الغلائل بعدما\r\rأخذت يدا كانون في تجريده\r\rنال الصبا بعد المشيب وقد جرى\r\rماء الشبيبة في منابت عوده\r\rوالو رد في أعلى الغصون كأنه\r\rملك تحف يبه سراة جنوده\r\rونظر لنرجسه الجني كأنه\r\rطرف تنبه بعد طول هجوده\r\rوانظر إلى المنثور في منظومة\r\rمتنوعاً بفضوله وعقوده\r\rوقال أيضاً في وصف حديقة\rوأطلق الطير فيها سجع منطقه\r\rمابين مختلف منه ومتفق\r\rوالظل يسرق الدوح خطوته\r\rوللمياه دبيب غير مسترق\r\rوقد بدا الورد مفتراً مباسمه\r\rوالنرجس الفض فيها شاخص الحدق\rوالسحب تبكي وثغر البرق مبتسم\r\rوالطير تسجع من تيه ومن أنق\r\rفالطير في طرب والسحب في حرب\r\rوالماء في هرب والغصن في قلق\r\rوقال أحمد شوقي بك في وصف الطبيعة\rتلك الطبيعة قف بنا ياساري\r\rحتى أريك بديع صنع الباري\r\rالأرض حولك والسماء اهتزتا\r\rلروائع الآيات والآثار\r\rولقد تمر على الغدير تخاله\r\rوالنبت مرآة زهت بإطار\r\rحلو التسلسل موجه وخريره\r\rكأنامل مرت على أوتار\r\rينساب في مخضلة مبتلة\r\rمنسوجة من سندس ونضار\r\rوترى السماء ضحى وفي جنح الدجى\r\rمنشقة عن أنهر وبحار\r\rفي كل ناحية سلكت ومذهب\r\rجبلان من صخر وماء جار\r\rوقال محمد حافظ بك إبراهيم يصف المنيل\rنظرت للنيل فاهتزت جوانبه\r\rوفاض بالخير في صهل ووديان\r\rيجري على قدر في كل منحدر\r\rلم يجف أرضاً ولم يعمد لطغيان\r\rكأنه ورجال الري تحرسه\r\rمملك سار في جند وأعوان\r\rقد كان يشكو ضياعاً مذ جرى طلقاً\r\rحتى أقمت له خزان أسوان\r\rوقال أيضاً عن لسان حال اللغة العربية واصفاً لها\rرجعت لنفسي فاتهمت حصاتي","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"وناديت قومي فاحتسبت حياتي\r\rرموني بعقم في الشباب وليتني\r\rعقمت فلم أجزع لقول عداتي\r\rولدت ولما لم أجد لعرائسي\r\rرجالاً وأكفاء وأدت بناتي\r\rوسعت كتاب الله لفظاً وغاية\r\rوما ضقت عن آي به وعظات\r\rفكيف أضيق اليوم عن وصف آلة\r\rوتنسيق أسماء لمخترعات\r\rأنا البحر في أحشائه الدركامن\r\rفهل سألوا الغوص عن صدفاتي\rفيا ويحكم أبلي وتبلى محاسني\r\rومنكم وإن عز الدواء أساتي\r\rفلا تكلوني للزمان فإنني\r\rأخاف عليكم أن تحين وفاتي\r\rأرى لرجال الغرب عزاً ومنعة\r\rوكمك عز أقوام بعز لغات\r\rأتوا أهلهم بالمعجزات تفننا\r\rفيا ليتكم تأتون بالكلمات\r\rأيطربكم من جانب الغرب ناعب\r\rينادي بوأدي في ربيع حياني\r\rولو تزجون الطير يوماً علمتمُ\r\rبما تحته من عثرة وشتات\r\rسقى الله في بطن الجزيرة أعظماً\r\rيعز عليها أن تلين قناتي\r\rحفظن ودادي غي البلى وحفظته\r\rلهن بقلب دائم الحسرات\r\rوفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق\r\rحياءً بتلك الأعظم النخرات\r\rأرى كل يوم بالجرائد مزلقاً\r\rمن القبر يدنيني بغير أناة\r\rوأسمع للكتاب في مصر ضجة\r\rفأعلم أن الصائحين نعاتي\r\rأيهجرني قومي عفا الله عنهم\r\rإلى لغة لم تتصل برواتي\r\rسرت لوثة الأعجام فيها كما سرى\r\rلعاب الأفاعي في مسيل فرات\r\rفجاءت كثوب ضم سبعين رقعة\r\rمشكلة الألوان مختلفات\r\rإلى معشر الكتاب والجمع حافل\r\rبسطت رجائي بعد بسط شكاتي\r\rفإما حياة تبعث الميت في البلى\r\rوتنبت في تلك الرموس رفاتي\r\rوإما ممات لاقيامة بعده\r\rممات لنعمري لم يقس بممات\r\rوقال شاعر العراق معرف الرصافي واصفاً قطار البخار\rوقاطرة ترمي الفضا بدخانها\r\rوتملا صدر الأرض في سيرهم رعبا\r\rتمشت بنا ليلاً تجر وراءها","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"قطاراً كصف الدوح تسحبه سحباً\r\rفطوراً كعصف الريح شديدة\r\rوطوراً رخاءً كالنسيم إذا هبا\r\rتساوى لديها السهل والصعب في السرى\r\rفما استسهلت سهلاً ولا استصعبت صعباً\rتدك متون الحزن دكا وإنها\r\rلتنهب سهل الأرض في سيرها نهبا\r\rيمر بها العالي فتعلو تسلياً\r\rويعترض الوادي فتجتازه وثبا\r\rطوت بالمسير الأرض حتى كأنها\r\rتسابق قرص الشمس أن تدرك الغربا\r\rهو العلم يعلو بالحياة سعادة\r\rويجعلها كالعلم محمودة العقبى\r\rوقال ابن حمد يس الأندلسي في وصف بركة عليها أشجار من ذهب وفضة وعلى حافلتها أسود قاذفة بالمياه\rوضراغم سكنت عرين رآسة\r\rتركت خرير الماء فيه زئيرا\r\rفكأنما غشى النضار جسومها\r\rوأذاب في أفواهها البلورا\r\rأسدٌ كأن سكونها متحرك\r\rفي النفس لو وجدث هناك مثير\rوتذكرت فتكاتها فكأنما\r\rأقعت على أدبارها لتثورا\r\rوتخالها والشمس تجلو لونها\r\rناراً وألسنها اللواحس نوراً\r\rفكأنما سلت سيوف جداول\r\rذابت بلا نار فعدن غديراً\r\rوكأنما نسج النسيم لمائه\r\rدرعا فقدر سردها تقديراً\r\r* * *\rوبديعة الثمرات تعبر نحوها\r\rعيناي بحر عجائب مسحوراً\r\rشجرية ذهبية نزعت إلى\r\rسحر يؤثر في النهى تأثيراً\r\rقد سرجت أغصانها فكأنما\r\rقبضت بهن من الفضاء طيوراً\r\rوكأنما تأبى لوقع طيرها\r\rأن تستقل بنهضها وتطيرا\r\rمن كل واقعة ترى منقارها\r\rماء كسلسال اللجين نميرا\r\rخرس تعد من الفصاح فإن شدت\r\rجعلت تفرد بالمياه صغيراً\r\rوكأنما في كل غصن فضة\r\rلانت فأرسل خيطها مجروراً\r\rوتريد في الصهريج موقع قطرها\r\rفوق الزبرجد لؤلؤاً منثوراً\r\r* * *\rضحكت محاسنه إليك كأنما\r\rجعلت لها زهر النجوم ثغوراً\r\rومصفح الأبواب تبراً نظروا","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"بالنقش فوق شكوله تنظيراً\r\rوإذا نظرت إلى غرائب شقفه\r\rأبصرت روضاً في السماء نضيراً\rوضعت به صناعها أقلامها\r\rفأرتك كل طريدة تصويراً\r\rوكأنما الشمس فيه ليقةٌ\r\rمشقوا بها التزويق والتشجيرا\r\rوكأنما اللازورد فيه نخزم\r\rبالخط في ورق السماء سطوراً\r\rوقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي يصف حرب سكان جزيرة اقريطش \"كريد\" حين خرجوا عن الطاعة سنة 1282ه? ويتشوق إلى مصر\rأخذ الكرى بمعاقد الأجفان\r\rوهفا السرى بأعنة الفرسان\r\rوالليل منشور الذوائب ضارب\r\rفوق المتالع والربى بجران\r\rلاتستبين العين في ظلمائه\r\rإلا اشتغال أسنة المران\r\rتسري به مابين لجة فتنةٍ\r\rتسمو غواربها على الطوفان\r\rفي كل مربأة وكل ثنية\r\rتهدار سامرة وعزف قيان\r\rنستن عادية ويصهل أجرد\r\rوتصيح أجراس ويهتف عان\r\rقومٌ أبى الشيطان إلا خسرهم\r\rفتسللوا من طاعة السلطان\r\rملؤا الفضاء فما يبين لناظر\r\rغير التماع البيض والخرصان\rفالبدر أكدر والسماء مريضة\r\rوالبحر أشكل والرماح دوان\r\rوالخيل واقفة على أرسانها\r\rلطراد يوم كريهة ورهان\r\rوضعوا السلاح إلى الصباح وأقبلوا\r\rيتكلمون بألسن النيران\r\rحتى إذا ماالصبح أسفر وارتمت\r\rعيناي بين ربى وبين مجان\r\rفإذا الجبال أسنة وإذا الوها\r\rداعنة والماء أحمر قان\r\rفتوجست فرط الركاب ولم تكن\r\rلتهاب فامتنعت على الأرسان\r\rفزعت فرجعت الحنين وإنما\r\rتحنانها شجن من الأشجان\r\rذكرت م وىاردها بمصر وأين من ماء بمصر منازل الرمان\r\rوالنفس لاهية وإن هي صادفت","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"خلفاً بأول صاحب ومكان\r\rفسقي السماك محلة ومقامة\r\rفي مصر كل مرنة مرنان\r\rحتى تعود الأرض بعد ذبولها\r\rشتى النماء كثيرة الألوان\r\rبلدٌ خلعت بها عذار شبيبي\r\rوطرحت في يمنى الغرام عناني\r\rفصعيدها أحوى النبات وسرحها\r\rألمى الظلال وزهرها متداني\r\rفارقتها لما هو كائن\r\rوالمرء طوع تقلب الأزمان\r\rحمل الزمان على مالم أجنه\r\rإن الأماثل عرضة الحدثان\r\rنقموا علي وقد فتكت شجاعتي\r\rإن الشجاعة حلية الفتيان\r\rفليهنأ الدهر النغيور برحلتي\r\rعن مصر ولتهدأ صروف زماني\r\rفلئن رجعت وسوف أرجع واثقاً\r\rبالله أعلمت الزمان مكاني\r\rصادقت بعض القوم حتى خانني\r\rوحفظت منه مغيبه فرماني\r\rزعم النصيحة بعد أن بلغت به\r\rغشا وجازى الحق بالبهتان\r\rفليجر بعد كما أراد بنفسه\r\rإن الشقي مطية الشيطان\r\rوكذا اللئيم إذا أصاب كرامة\r\rعادى الصديق ومال بالأخوان\r\rكل امرئ يجري على أعرافه\r\rوالطبع ليس يحول في الغنسان\r\rفعلام يلتمس العدو مساءتي\r\rمن بعد ماعرف الخلائق شأني\r\rأنا لاأدل وإنما يزع الفتى\r\rفقد الرجاء وقلة النإخوان\r\rفليعلمن أخو الجهالة قصره\r\rعني وإن سبقت به قدمان\r\rفلربما رجح الخسيس من الحصى","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"بالدر عند تراجح الميزان\r\rشرف خصصت به وأخطأ حاسدي\r\rمسعاته فهذي به وقلاني\r\rوقال السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314ه? يصف قطاراً بخارياً\rنظر الحكيم صفاته فتحيرا\r\rشكلاً كطود بالبخار مسيرا\r\rدوما يحن إلى ديار أصوله\r\rبحديد قلب باللهيب تسعرا\r\rويظل يبكي والدموع تزيده\r\rوجداً فيجري في الفضاء تستراً\r\rتلقاكه حال السير أفعى تلتوي\r\rأو فارس الهيجا أثار العثيرا\r\rأو أكرة أرسلتها ترمي بها\r\rغرضاً فجلت أن ترى حال السرى\r\rأو سبع غاب قد أحس بصائد\r\rفي غابة فعدا عليه وزمجراً\r\rفكأنه المديرون جاء غريمه\r\rفانسل منه وغاب عن تلك القرى\r\rأو أكنه شهب هوت من أفقها\r\rأو قبة المنطاد تنبذ بالعرا\r\rلاعجب للنيران إذ يمشي بها\r\rفمن اللظى تجري الورى كي تحشرا\rوقال أحمد بك شوقي يصف الجسر الواصل بين ضفتي البسفور\rأمير المؤمنين رأيت جسراً\r\rأمر على الصراط ولا عليه\r\rله خشب يجوع السوس فيه\r\rوتمضي الفار لاتأوي إليه\r\rولا يتكلف المنشار فيه\r\rسوى مر الفطيم بساعديه\r\rويبلى فعل من يمشي عليه\r\rوقبل النعل يدمي أخمصيه\r\rوكم قد جاهد الحيوان فيه\r\rوخلف في الهزيمة حافريه\r\rوأسمج منه في عيني جباة\r\rتراهم وسطه وبجانبيه\r\rإذا لاقيت واحدهم تصدى\r\rكعفريت يشير براحتيه\r\rويمشي (الصدر) فيه كل يوم\r\rبموكبه السني وحارسيه\r\rولكن لا يمر عليه إلا\r\rكما مرت يداه بعارضيه\r\rومن عجب هو الجسر المعلى\r\rعلى (البسفور)يجمع شاطئيه\rيفيد حكومة السلطان مالا\r\rويعطيها الغنى من معدنيه\r\rيجود العالمون عليه هذا\r\rبعشرته وذاك بعشرتيه\r\rوغاية أمره أنا سمعنا\r\rلسان الحال ينشدنا لديه\r\r(أليس من العجائب أن مثلي","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"يرى ماقل ممتنعاً عليه)\r\r(وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً\r\rوما من ذاك شيء في يديه)\r\rوقال حفني بك ناصيف المتوفى سنة 1919م يصف حريق عابدين\rوافى يقبل راحتيك العام\r\rوحنت إليك رؤوسها الأيام\r\rوالدهر أقسم لايجيء بغير ما\r\rترضى وكم يرت له أقسام\r\rفاقبل معاذير الزمان فطالما\r\rقبلت معاذير المنيب كرام\r\rواغفر جنايته على القصر الذي\r\rلم تحو مصر نظيره والشام\r\rشبت به النيران فارتاعت لها\r\rمهج الأنام وهالها استعظام\r\rلولا الدخان أحاط حول لهيبها\r\rماشك فرد أنهما أعلام\r\rأمرٌ به نفذ القضاء وليس في\r\rأحكامه نقضٌ ولا إبرام\r\rبل حكمة شاء الإله بيانها\r\rلعبادة ليذيع الاستسلام\r\rحتى يروا أن الملوك وإن علوا\r\rقدراً تسير عليهم الأحكام\r\rفإذا اقتدى بهم الرعية أحسنوا\r\rصبراً وخفت عنهم الآلام\r\rعين السماء لعابدين تطلعت\r\rحسداً عليك وللعيون سهام\r\rوتشوق القصر الكريم لأهله\r\rوالشوق في قلب المحب ضرام\r\rلم يستطع صبراً على طول النوى\r\rوالصبر في شرع الغرام حرام\r\rفتصعدات زفراته وتأججت\r\rجمراته والصب كيف يلام\r\rلولا الدموع من المطافئ ماانقضى\r\rمنه الهيام ولم يبل أوام\r\rخرقت طباق الجو إلا أنها\r\rبرد قصارى آمرها وسلام\r\rهذا: وكم نعمة في نقمة\r\rطويت فلم تفطن لها الأفهام\r\rوقال يصف ابتهاج الأمة بالأمير\rطاروا سروراً من شهود أميرهم\r\rفكأنهم حول القطار حمام\r\rيتسابقون إلى اجتلاء سموه\r\rوبهم زفير نحوه وهيام\r\rلو لم تكن نار القطار لجره\r\rوجد يجيش بصدرهم وغرام\r\rفي كل رستاق وكل مدينة\r\rشوقاً إليك تجمع وزحام\r\rمن كل فج ينسلون فأترعت\r\rبهم الوهاد وماجت الآكام\r\rوالنور أمسى أبحراً غرق الدجى\r\rفيها ومات بلجها الأظلام\r\rفكأن وجه الأرض وجه أبلج","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"بين الكواكب والغمام لثام\r\rوالناس من كل الجوانب هتف\r\rعش ياعزيز يحوطك الإعظام\r\rوقال حافظ بك إبراهيم يصف خزان أسوان ويمدح الحضرة الخديوية\rأخزان مصر أنت أم مصر\r\rأجل وأسمى في المكانة والقدر\r\rأعدت لنا مجد القرون التي مضت\r\rوجددت من عهد الفراعنة الغر\r\rوهيهات ماأهرام مصر وإن سمت\r\rبأرفع رأساً من حضيضك لو تدري\r\rوليس سنان بن المشلل خالداً\r\rبانبه من \"عباس\"عصرك في الذكر\r\rوماقطرت السحب كالدر تنهمي\r\rبألطف وقعاً من عقيقك إذ يجري\r\rوماأنت خزان المياه وطميها\r\rوإبليزها بل خازن الدر والتبر\r\rتدفقت بالخيرات من كل جانب\r\rوجمعت أقطار المنافع في قطر\r\rفقل للغوادي وال روائح تنجلي\r\rوفي مصر فلتسمح على قفر\r\rإذا ماجرت أمواهها دون حاجة\r\rوفاضت جرت منك المياه على قدر\rضربت على آثار مصر ولم يكن\r\rليطمسها لولا جلالك من إثر\r\rألا فلتسد مصر على كل بقعة\r\rبه وليطاول قطرها مسقط القطر\r\rبناءٌ من الدهر استعار بقاءه\r\rوأقسم ألا يسترد من الدهر\r\rالباب الخامس\rفي الاستعطاف والمعاتبات والاعتذارات قال النابغة الذبياني\rيادار مية بالعلياء فالسند\r\rأفوت وطال عليها سالف الأبد\r\rوقفت فيها أصيلالا أسائلها\r\rعيت جواباً وما بالربع من أحد\r\rألا أواري لأيا ماأبينها\r\rوالنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد\r\rردت عليه أقاصيه ولبده\r\rضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد\r\rخلت سبيل أتي كان يحبسه\r\rورفعته إلى السجفين فالنضد\r\rأضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا\r\rأخني عليها الذي أخنى علي لبد\r\r??وقال الغيرة بن حبناء\rخذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه\r\rولاتك في كل الامور تعاتبه\r\rفإنك لن تلقى أخاك مهذباً\r\rوأي امرئ ينجو من العيب صاحبه\rأخوك الذي لا ينقض الناي عهده","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"ولا عند صرف الدهر يزور جانبه\r\rوليس الذي يلقاك في البشر والرضا\r\rوإن غبت عنه لسعتك عقاربه\r\rوقال سعيد بن حميد المتوفى سنة 888ه?\rأقلل عتابك فالبقاء قليل\r\rوالدهر يعدل مرة ويميل\r\rلم أبك من زمن ذممت صروفه\r\rإلا بكيت عليه حين يزول\r\rولكل نائبة ألمت فرجة\r\rولكل حال أقبلت تحويل\r\rوالمنتمون إلى الصفاء جماعة\r\rإن حصلوا أفناهم التحصيل\r\rوأجل أسباب المنية والردى\r\rيوم سيقطع بيننا ويحول\r\rفلئن سبقت لتفجعن بصاحب\r\rحبل الصفاء بحلبه موصول\r\rلعل أيام البقاء قليلة\r\rفعلام يكثر عتبنا ويطولا\r\r?وقال شاعر الحجاز المخضرمي معن بن أوس المزني المتوفى سنة 29ه?\rلعمرك ماأدري وإني لأوجل\r\rعلى أينا تعدو المنية أول\r\rوإني أخوك الدائم العهد لم أخن\r\rإن أبزاك خصم أو نبابك منزل\r\rأحارب من حاربت من ذي عداوة\r\rوأحبس مالي إن غرمت فأعقل\r\rوإني على أشياء منك تريبني\r\rقديماً لذو صفح على ذاك مجمل\r\rستقطع في الدنيا إذا ماقطعتني\r\rيمينك فانظر أي كف تبدل\r\rإذا أنت لم تنصف أخاك وجدته\r\rعلى طرف الهجران إن كان يعقل\r\rويركب حد السيف من أن تضيمه\r\rإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل\rوكنت إذا ماصاحب رام ظنتي\r\rوبدل سواء بالذي كنت أفعل\r\rقلبت له ظهر المجن فلم أدم\r\rعلى ذاك إلا ريثما أتحول\r\rإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد\r\rإليه بوجه آخر الدهر تقبل\r\r??وقال بهاء الدين زهير معتذراً لتأخيره عن لقاء بعض أصحابه\rعلى الطائر الميمون ياخير قادم\r\rوأهلاً وسهلاً بالعلا والمكارم\r\rقدمت بحمد الله أكرم مقدم\r\rمدى الدهر يبقى ذكره في المواسم\rقدوماً به الدنيا أضاءت وأشرقت\r\rببشر وجوه أو بضوء مباسم\r\rفيا حسن ركب جئت فيه مسلماً\r\rويا طيب ماأهدته أيدي الرواسم\r\rأمولاي سامحني فإنك أهله","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"وإن لم تسامحني فما أنت ظالمي\r\rووالله ماحالت عهود مودتي\r\rوتلك يمين لست فيما بآثم\r\rمقيم وقلبي في رحالك سائر\r\rلعلك ترضاه لبعض المواسم\r\rولو كنت عنه سائلاً لوجدته\r\rعلى بابك الميمون أول قادم\r\rوإلا فسل عنه ركابك في الدجى\r\rلقد برئت من لثمه للمياسم\r\rوقال محمد بن زريق البغدادي نادماً على الإفراط في طلب الدنيا وكان قصد الأندلس في طلب الغنى فلم يرجع لبغداد رحمة الله عليه\rلتغذليه فإن العذل يولعه\r\rقد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه\r\rجاوزت في لومه حداً أضر به\r\rمن حيث قدرت أن اللوم ينفعه\r\rفاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً\r\rمن عنفه فهو مضني القلب موجعه\r\rقد كان مضطلعاً بالخطب يحمله\r\rفضيقت بخطوب البين أضلعه\r\rيكفيه من لوعة التفنيد أن له\r\rمن النوى كل يوم مايروعه\r\rماآب من سفر إلا وأزعجه\r\rرأي إلى سفر بالعزم يجمعه\r\rكأنما هو من حل ومرتحل\r\rموكل بفضاء الأرض يذرعه\r\rإذ الزمان أراه في الرحيل غنى\r\rولو إلى السند أضحى وهو يزمعه\r\rتأبى المطامع إلا أن تجثمه\r\rللرزق كداً وكم من يودعه\r\rوما مجاهدة الإنسان توصله\r\rرزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه\r\rوالله قسم بين الخلق رزقهم\r\rلم يخلق اتلله مخلوقاً يضيعه\r\rلكنهم ملئوا حرصاً فلست ترى\r\rمستربزقاً وسوى الغايات يقنعه\r\rوالسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت\r\rبغي ألا إن بغي المرء يصرعه\r\rوالدهر يعطي الفتى ماليس يطلبه\r\rيوماً ويمنعه من حيث يطمعهُ\r\rاستودع الله في بغداد لي قمرا\r\rبالكرخ فلكِ الأزرار مطلعهُ\r\rودعتهُ وبودي لو يودعُني\r\rصفو الحياة وإني لا أودعه\r\rوكم تشفع أني لا أفارقه\r\rوللضرورات حالٌ لا تشفعه","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"وكم تشبث بي يومَ الرحيل ضحى\r\rوأدمعي مستهلات وأدمعه\r\rلا أكذبُ الله ثوبُ العذرُ منخرق\r\rعني بفرقته لكن أرقعهُ\r\rأني أوسع عذري في جنايتَه\r\rبالبين عنه وقلبي لايوسعهُ\r\rأعطيت ملكا فلم أحسن سياسته\r\rكذاك من لايسوس الملك يخلعهُ\r\rومن إذا لابساً ثوب النعيم بلا\r\rشكر الإله فعنه الله ينزعهُ\r\rاعتضتُ عن وجهِ خلي بعد فرقته\r\rكأساً أجرعُ مكنها ما أجرعهُ\r\rكم قائل ليَ ذنبُ البين قلتُ له\r\rالذنب والله ذنبي لستُ أدفعه\r\rهلاّ أقمتُفكان الرشد أجمعه\r\rلو أنني يومَ بانَ الرشدُ أتبعهُ\r\rإني لأقطع أيامي وأنفذها\r\rبحسرةٍ منه في قلبي تقطعه\r\rبمن إذا جع النوام بتُّ لهُ\r\rبلوعةٍ منهُ ليلي لستُ أهجعهُ\r\rلا يطمئنُّ لجنبي مضجعٌ وكذا\r\rلا يطمئنُ له مذْ بنتُ مضجعهُ\r\rماكنتُ أحسبُ أنّ الدهر يفجعني\r\rبه ولا أن أبي الأيامُ تفجعه\r\rحتى جرى الدهر فيما بيننا بيدِ\r\rعسراءَ تمنعني حظي وتمنعهُ\r\r* * *\rبالله يامنزل القصف الذي درست\r\rآثارهُ وعفتُ مذ غبتُ أربعهُ\r\rهل الزمان معيدٌ فيك لذيتنا؟\r\rأم الليالي التي أمضته ترجعهُ\r\rفي ذمة الله من اصبحت منزله\r\rوجادَ غيثٌ عل مغداكَ يمرعهُ\r\rمنْ عنده ليَ عهدٌ لا يضيعهُ\r\rكما له عهدُ صدقٍ لا أضيعه\r\rومن يصدع قلبي ذكرُه وإذا\r\rجرى على قلبه ذكري يصدعه\r\rلأصبرن لدهرٍ لا يمتّعني\r\rبهِ ولا بيَ في حالٍ يمنّعه\r\rعلماً بأنّ اصطباري معقب فرجا\r\rوأضيقُ الأمر إن فكرتَ أوسعه\rعلّ اللّيالي التي أضنت بفرقتنا\r\rجسمي ستجمعني يوماً وتجمعه\r\rوإن تنل أحداً منّا منيّته\r\rفما الذي بقضاء الله يصنعه\r\rوقال حافظ إبراهيم \"بين اليقظة والمنام في استعطاف الزمان\"\rأشرقْ فدتكَ مشارقُ الإصباحِ\r\rوأمطْ لثامك عن نهار ضاحِ","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"بوركتَ يا يومَ الخلاصَ ولا ونتْ\r\rعنكَ السّعودُ بغدوة ورواحِ\r\rبالله كنْ يمنا وكنْ بشرى لنا\r\rفي ردّ مغتربٍ وفك سراحِ\r\rأقبلتَ والأيامُ حولك مثَّلٌ\r\rصفّين تخطرُ خطرةً الميَّاح\r\rوخرجتَ من حجبِ الغيوبِ محجّلا\r\rفي كلّ لحظ منك ألفُ صباحِ\r\rلو صحّ في هذا الوجود تناسخٌ\r\rلرأيتُ فيكَ تناسخَ الأرواحِ\r\rولكنتَ يومَ \"الَّلابرنت\" بعينهِ\r\rفي عزةٍ وجلالة وسماح\r\rيومٌ يريك جلالهُ ورواؤهُ\r\rفي الحسن قدرةَ فالقِ الإصباحِ\r\rخلعت عليهِ الشمسُ حلّة عسجدٍ\r\rوحباه آذار أرقً وشاحِ\r\rالله أثبته لنا في لوحهِ\r\rأبد إلا بيدِ فما له من ماحِ\r\rحبّيه عنّا يا أزهرُ واملئي\r\rأرجاءهُ بأريجك الفياّحِ\r\rوانفحهُ عنا يا ربيعُ بكلّ ما\r\rأطلعتَ من رند ونور أقاحِ\r\rللنيلِ مجدً في الزمانِ مؤثلٌ\r\rمن عهد \"آمونٍ\" وعهد \"فتاحِ\"\r\rفسل العصور به وسل آثارهُ\r\rفي مصر كم شهدت من السيّاحِ\r\rقد قال عمروٌ في ثراها آيةٌ\r\rمأثورةٌ نقشتْ على الألواحِ\r\rبينا تراهُ لآلئاً وكأنما\r\rنثرت بتربتهِ عقودُ ملاحِ\r\rوإذا بهِ للناظرين زمرد\r\rيشفيك أخضرهُ من الأتراحِ\r\rوإذا بهِ مسكٌ تشقُ سواده\r\rشقً الأديمِ محارثُ الفلاّح\r\rقم يا ابن مصرَ فأنت حرَّ واستعدّ\r\rمجدَ الجدود ولا تعدْ لمراح\r\rشمّرْ وكافحْ في الحياة فهذهِ\r\rدنياك دارُ تناحرٍ وكفاحِ\r\rوانهل مع النهّال من عذب الحيا\r\rفإذا رقا فامتحْ مع المتاحِ\r\rوإذا ألح عليك خطبٌ لا تهن\r\rواضرب على الإلحاح بالألحاحِ\r\rوخض الحياةَ وإن تلاطم موجها\r\rخوض البحارِ رياضةُ السباحِ\r\rواجعل عيانك قبلَ خطوكَ رائداً\r\rلا تحسبنَّ الغمر كالضحضاحِ\r\rوإذا احتوتك محلةٌ وتنكّرت\r\rلك فاعدها وانزحْ مع النزاحِ","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"في البحر لا تثنيك نار بوارج\r\rفي البرّ لا يلويك غابُ رماحِ\r\rوانظر إلى الغربي كيف سمت به\r\rبين الشّعوب طبيعة الكداح\r\rوالله ما بلغت بنو الغربِ المنى\r\rإلاّ بنيّاتٍ هناك صحاحِ\r\rركبوا البحارَ وقد تجمَّدَ ماؤها\r\rوالجو بين تناوحِ الأرواحِ\r\rوالبرّ مصهورَ الحصى متأججاً\r\rيرمي بنزاعِ الشّوى لواحِ\r\rيلقى فتبهم الزمان بهمةٍ\r\rعجبٍ ووجهٍ في الخطوبِ وقاحِ\r\rويشقُ أجواز القفار مغامراً\r\rوعرُ الطريق لديهِ كالصحصاحِ\r\rوأين الكنانةِ راكد\r\rيرنو بعين غير ذات طماحِ\r\rلا يستغل، كما علمت، ذكاءهُ\r\rوذكاؤهُ كالخاطفِ اللّماحِ\r\rأمسى كماءِ النّهرِ ضاعَ فراتهُ\r\rفي البحرِ بين أجاجهِ المنداحِ\r\rفانهضْ ودعْ شكوى الزمانِ ولا تنخ\r\rفي فادح البؤسى مع الأنواحِ\r\rواربح لمصرَ برأس مالك عزّةً\r\rإن الذكاء حبالةُ الأرباحِ\r\rوإذا رزقت رياسةً فانسج لها\r\rبردين من حزم ومن إسجاجِ\r\rواشرب من الماءِ القراحٍ منعماً\r\rفلكم وردت الماءَ غيرَ قراحِ\r\rالباب السادس\rفي التهاني والتهادي والإغراء قال أبو الطيب المتنبي\rالمجد عوفيَ إذ عوفيتَ والكرمُ\r\rوزال عنك إلى أعدائك الألمُ\r\rصحّتْ بصحّتك الغارات وابتهجت\r\rبها المكارم وانهلّت بها الدّيمَ\r\rوراجع الشمسَ نورٌ كان فارقها\r\rكأنّما فقدهُ في جسمها سقم\r\rولاح برقك لي من عارضيْ ملك\r\rما يسقطُ الغيث إلا حين يبتسمُ\r\rيسمى الحُسام وليست مشابهة\r\rوكيفَ يشتبه المخدوم والخدم\r\rتفرّد العربُ في الدّنيا بمحتدهِ\r\rوشارك العربَ في إحسانه العجمُ\rوأخلصَ الله للإسلام نصرته\r\rوأن تقلّبَ في آلائه الأمم\r\rوما أخصّك في برءٍ بتهنئةِ\r\rإذا سلمتَ فكلّ الناس قد سلموا\r\rوقال الصاحب بن عباد\rهذي المكارم والعلياء تفتخرُ","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"بيومِ مأثرة ساعاتهُ غررُ\r\rيومٌ تبسّم عنه الدّهر واجتمعت\r\rله السّعود وأغضت دونه الغير\r\rحتى كأنا نرى في كل ملتفتِ\r\rروضاً تفتّحَ في أثنائه الزهر\r\rلما تجلّى عن الآمال مشرقةً\r\rقال العلي بك استعلى وأقتدر\r\rوافى على غير ميعاد يبشرنا\r\rبأن ستتبعه أمثاله الأخر\r\rأهنا المسرّاتِ ما جاءت مفاجأةً\r\rوما تناجى بها الألفاظ والفكرُ\r\rلو أن بشرى تلقتها بموردها\r\rلأقبلت نحوها الأرواح تبتدر\r\rوما تعنّف من يسخو بمهجته\r\rفإنَّ يومك هذا وحده عمرُ\r\rفما غدوت وما للعين منقلبٌ\r\rإلا إلى منظر يبهي ويحتبر\r\rثنت مهابتك الأبصار حاسرة\r\rحتى تبين في ألحاظها خزر\r\rإذا تأملتهم غضّوا وإن نظروا\r\rخلال ذاك فأدنى لفته نظروا\r\rفي ملبس ما رأته عين معترض\r\rفشكَّ في أنّه أخلاقك الزّهر\r\rألبسته منك نوراً يستضاء به\r\rكما أضاء ضواحي مزنه القمر\r\rوقد تقلّدت عضباً أنت مضربه\r\rوعنك يأخذ ما يأتي وما يذر\r\rما زال يزداد من إشراق غرّته\r\rزهراً ويشرق فيهِ التيه والأشر\r\rوالشّمس تحسد طرفاً أنت راكبه\r\rحتى تكاد من الأفلاك تنحدر\r\rحتى لقد خلت أن الشمس أزعجها\r\rشوقاً وظلّت على عطفيه تنتشر\r\rوقال أبو أذينة يغري الأسود بن المنذر بقتل آل غسان وكانوا قتلوا أخاً له\rما كلُّ يوم ينالُ المرءُ ما طلبا\r\rولا يسوغهُ المقدارُ ما وهبا\r\rوأحزمُ الناس منْ غن فرصة عرضت\r\rلم يجعل السبب الموصول منقضبا\r\rوأنصفُ الناس في كلّ المواطن منْ\r\rسقّى المعادين بالكاس الذي شربا\r\rوليس يظلمهم من راح يضربهم\r\rبحدّ سيفٍ بهِ منْ قبلهم ضربا\r\rوالعفو إلا عن الأكفاءِ مكرمةٌ\r\rمن قال غير الذي قد قلته كذبا\r\rقتلت عمراً وتستبقي يزيدَ لقد\r\rرأيتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحربا\r\rلا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"إن كنت سهماً فأتبع رأسها الذّنبا\r\rهم جرّدوا السّيف فاجعلهم له جزراً\r\rوأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا\r\rإن تعفُ عنهم يقول الناس كلهم\r\rلم يعفُ حلماً ولمن عفوه رهباً\r\rهم أهلّه غسّان ومجدهم\r\rعالٍ فإن حاولوا ملكا فلا عجبا\r\rوعرّضوا بفداء واصفين لنا\r\rخيلاً وابلاّ تروقُ العجم والعربا\r\rأيحلبون دماً منّا ونحلبهم\r\rرسلاً، لقد شرفونا في الورى حلبا\r\rوقال صفي الدين الحلي يحرض السلطان الملك الصالح\rعلى الاحتراز من المفعول ومنافرتهم عند إقبالهم ويهنيه بعيد النحر\rلا يمتطي المجدَ منْ يركبِ الخطرا\r\rولا ينال العلاَ من قدّم الحذرا\r\rومن أراد العلاَ عفواً بلاَ تعبٍ\r\rقضى ولم يقض من إدراكها وطرا\r\rلا بدّ للشَّهد من نحل يمنّعهُ\r\rلا يجتني النّفع من لم يحملِ الضّررا\rلا يبلغ السؤال إلا بعد مؤلمةٍ\r\rولا يتمُّ المنى إلاّ لمن صبرا\r\rوأحزم الناس منْ لو مات من ظماءٍ\r\rلا يقربُ الوردَ حتى يعرف الصدرا\r\rوأغزرُ الناس عقلاً من إذا نظرت\r\rعيناه أمراً غداً بالغير معتبراً\r\rفقد يقال عثارُ الرّجل إن عثرت\r\rولا يقال عثار الرّأي إن عثرا\r\rمن دبّر العيش بالآراء دام له\r\rصفواً وجاء إليه الخطبُ معتذراً\r\rيهونُ بالرّأي ما يجري القضاء به\r\rمن أخطأ الرّأي لا يستذنبُ القدرا\r\rمن فاته العزّ بالأقلام أدركه\r\rبالبيض يقدح من أطرافها الشّررا\r\rبكلّ أبيضَ قد أجرى الفرندَ به\r\rماء الردى فلو استقطرتهُ قطرا\r\rخاض العجاجة عرياناً فما انقشعت\r\rحتى أتى بدم الأبطال مؤتزرا\r\rلا يحسنُ الحلمُ إلا في مواطنه\r\rولا يليق الوفا إلاّ لمن شكرا\r\rولا ينال العلى إلاّ فتى شرفتْ\r\rخلالهُ فأطاع الدّهرُ ما أمرا\r\rكالصّالح الملكِ المرهوب سطوتهُ","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"فلو توعّد قلب الدهر لا نفطرا\r\rلما رأى الشرّ قد أبدى نواجذه\r\rوالغدرَ عن نابه للحرب قد كشرا\r\rرأى القسيّ إناثاً عن حقيقتها\r\rفعافها واستشارَ الصّارم الذّكرا\r\rفجرّد العزمَ من قبل الصفاح لها\r\rملك عن البيض يستغني بما شهرا\r\rيكاد يقرأُ من عنوان همّتهِ\r\rما في صحائف ظهر الغيبِ قد سطرا\rكالبحر والدهر في يومي ندّى وردّى\r\rواللّيثِ والغيث في يومي وغى وقرى\r\rما جاد للنّاس إلاّ قبل ما سألوه\r\rولا عفا قطُ إلاّ بعد ما قدرا\r\rلاموه في بذله الموال قلت لهم\r\rهل يقدر السّحبُ ألاّ ترسلَ المطرا\r\rإذا غدا الغصنُ غضّا من منابته\r\rمن شاء فليجن من أفنانهِ الثمرا\r\rمن آل أرتق المشهور ذكرهم\r\rإذا كان كالمسك إن أخفيتهُ ظهرا\r\rالحاملين من الخطيّ أطوله\r\rوالناقلين من الأسياف ما قصرا\r\rلم يرحلوا عن حمى ارض إذا نزلوا\r\rإلاّ وأبقوا بها من جودهم أثرا\r\rتبقى صنائعهم في الأرض بعدهم\r\rوالغيثُ إن سار أبقى بعده الزّهرا\r\rلله درُّ سما الشّهباء من فلك\r\rوكلّما غاب نجمٌ أطلعت قمرا\r\rيا أيها الملك الباني لدولته\r\rذكراً طوى ذكر أهل الأرض وانتشر\r\rكانت عداك لها دستٌ فقد صدعت\r\rحصاةُ جدّك ذاك الدّست فانكسرا\r\rفأوقعْ إذا غدروا سوطَ العذاب بهم\r\rيظلّ يخشاك صرفُ الدّهر إن غدرا\r\rظنّوا تأنّيك من عجز وما علموا\r\rأن التأنيَ فيهم يعقب الظّفرا\r\rأحسنتهم فبغوا جهلاً وما اعترفوا\r\rبصنعكم ومن جحد النعمى فقد كفرا\r\rواسعد بعيدك ذا الأضحى وضحّ به\r\rوصلْ وصلّ لربّ العرش مؤتمرا\r\rوانحر عداك فبالإنعام ما انصلحوا\r\rإن كان غيرك للأنعام قد نحرا\r\rوقال المرحوم عبد الله باشا فكري يهنئ الخديوي توفيق بتوليه مصر\rاليومَ يستقبل الآمالَ راجيها","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"ويجلي عن سماء العزّ داجيها\r\rوتزدهي مصرُ والنّيل السّعيد بها\r\rوالملك والدّين والدّنيا وما فيها\r\rقد أطلع الله في سعد السّعود سني\r\rبدرٌ بلألائه ابيضّتْ لياليها\r\rذو همّة أدنى شأوها قصرت\r\rغايات من رام في أمر يدانيها\r\rوراحة لو تحاكيها السّحائبُ في\r\rفيض الندّى هطلت تبراً غواديها\r\rورأفة بعباد الله كافلة\r\rبخير ما حدثتْ نفساً أمانيها\r\rتربو على وصف مطريه محاسنهُ\r\rوهل يعدّ نجومَ الأفق راعيها\r\rتوفيق مصر ومولاها وموثلها\r\rوركنها ومفدّاها وفاديها\r\rوغصنها النّصر أنمته منابتها\r\rمن دوحة أينعت فيها مجانيها\r\rخديوها ابن خديويها ابن فارسها\r\rأميرها البطل الشّهم ابن واليها\r\rلله يومٌ جلا عن نور غرّته\r\rكالشّمس مزّق برد الغيم ضاحيها\r\rيسير في مصر والبشرى تسابقه\r\rمن حيث سار وتسري في نواحيها\rفلتفتخر مصر إعجاباً بحاضرها\r\rعلى محاسن ماضيها وآتيها\r\rهذا الذي كانت الآمال ترقبه\r\rدهراً وتعتدّه أقصى مراميها\r\rما زال في قلب مصر من محبّه\r\rسرٌّ تبوح بهِ نجوى أهاليها\r\rتصبو له وأمانيها تطاوعها\r\rفي حبّه ولياليها تعاصيها\r\rوترتجيه من الرّحمن سائلة\r\rحتى استجيب بما ترجوه داعيها\rفالحمد لله شكرناً لأنعمه\r\rفالشكر حافظ نعماه وواقيها\r\rوقال مؤلف هذا الكتاب مهنئاً صديقه المرحوم الشيخ علي يوسف بك\rصاحب جريدة المؤيد سنة 1320 ه? بأويته من أوربا\r(عليُ) القدرِ ذو الشرف المؤيدْ\r\rشديدُ العزمِ (يوسفُ) قد تفرّدْ\r\rوحيد الفضل والعلياءِ تشهد\r\rرفيع المجدِ في عزّ وسؤدد\r\rشريف النفس محمودُ السّجايا\r\rعريقُ الأصل في المعروف أوحد\rهمامٌ ما له أبداً مثيلٌ\r\rبليغُ النطقِ في الكتابِ مفردْ\r\rمحبُ العدل مشكور المساعي\r\rعليمٌ بالسياسةِ بل (مؤيدُ)","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"قويّ البأس بسّام الثنايا\r\rسعيد الجدّ ذو قدر ممجدُ\r\rفمن يكُ راقياً شرف المعالي\r\rكمثلك في الورى لا شكّ يحمد\r\rوكيف وأنت اعظم من تصدّى\r\rلتأييد الصّحافةِ (بالمؤيّد)\r\rوكيف وأنت أفوق كل رامٍ\r\rبسهم للكتابةِ قد تجرّدْ\r\rوليس الشمس تخفى عن عيون\r\rسوى أن كان صاحبهنّ أرمد\r\rوإن البدرَ بالأنوار زاهٍ\r\rويأبى الله إلا أن تؤيّد\r\rفسبحان الذي أسرى (عليّ)\r\rإلى التّاميز والسّين المنضد\r\rتهنّيكَ المناصبَ كلّ وقت\r\rوتخدمك السعادة ما تجدّد\r\rفدم يا سيّدي بدراً منيراً\r\rوحصناً للمعالي قد تشيّد\r\rوهاكَ من المحبّ قصيد شعر\r\rتشيرُ إلى وفائي بل وتشهدْ\r\rتفاخرُ مصرُ أهل الشرق فيها\r\rتقول الهاشميُ شدا وأنشد\r\r?وقال محمد حافظ بك إبراهيم مهنئاً أبناء وطنه بالعام الهجري\rأهلاً بنابتةِ البلادِ ومرحباً\r\rجدتم العهد الذي قد أخلقا\r\rلا تيأسوا أن تستردّوا مجدكم\r\rفلربَّ مغلوب هوى ثمّ ارتقى\r\rمدّت لهُ الآمال في أفلاكها\r\rخيط الرّجاء إلى العلا فتسلّقا\r\rفتجشموا للمجد كلّ عظيمةٍ\r\rإني رأيت المجدَ صعبَ المرتقى\r\rمن رام وصلَ الشمس حاك خيوطها\r\rسبباً إلى آماله وتعلقا\r\rعار على ابن النيل سباق الورى\r\rمهما تغلبَ دهرهُ أن يسبقا\r\rأوَ كلّما قالوا تجمّع شمله\r\rلعبَ الخلاف بجمعنا فتفرقا\r\rفتدفقوا حججاً وخوضوا نيلكم\r\rفلكم أفاض عليكّم وتدفقا\r\rحملوا علينا بالزمان وصرفهِ\r\rفتأنّقوا في سلبنا وتأنق\r\rفتعلّموا فالعلم مفتاح العلاَ\r\rلم يبق باباً للسعادة مغلقا\r\rثم استمدّوا منهُ كل قواكم\r\rأن القوىَّ بكلّ أرضٍ متّقى\r\rوابنوا حوالي حوضكم من يقظة\r\rسوراً وخطوا من حذارٍ خندقا","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"وزنوا الكلام وسدّدوه فإنهم\r\rخبأوا لكم في الهلاك وحلّقا\r\rوامشوا على حذرٍ فغن طريقكم\r\rوعرٌ أطاف به الهلاكَ وحلّقا\r\rنصبوا لكم فيه الفخاخَ وأرصدوا\r\rللسالكين بكل فجّ موبقا\r\rالموتُ في غشيانه وطروقه\r\rوالموتُ كل الموت ألاّ يطرقا\r\rفتحيّنو، فرصُ الحياة ثمينةٌ\r\rوتعجّلوها بالعزائم والرّقى\r\rأو فاخلقوها قادرين فإنما\r\rفرصُ الحياة خليقة أن تخلقا\r\r?الباب السابع في المراثي\r?قال المهلهل التغلبي يرثي أخاه كليباً وهو جاهلي توفي سنة 531 م\rأهاجَ قذاء عينيّ الادّكارُ؟\r\rهدوءاً فالدموع لها انهمارُ\r\rوصار الليل مشتملاً علينا\r\rكأنّ الليلّ ليسَ لهُ نهار\r\rوبتُّ أراقب الجوزاءَ حتى\r\rتقاربَ من أوائلها انحدار\r\rأصرّف مقلتي في إثرْ قوم\r\rتباينت البلادُ بهم فغاروا\r\rوأبكي والنّجومُ مطلّعات\r\rكأن لم تحوها عنّي البحارِ\r\rعلى من نعيت وكان حيّا\r\rلقاد الخيلَ يحجبها الغبار\r\rدعوتك يا كليب فلم تجبني\r\rوكيف يجيبني البلد القفار؟\rأجبني يا كليب خلاك ذمّ\r\rضنينات النفوس لها مزار\r\rأجبني يا كليب خلاك ذمُّ\r\rلقد فجعت بفارسها نزّار\r\rسقاك الغيث إنك كنت غيثاً\r\rويسراً حين يلتمس اليسار\r\rوإنك كنتَ تحلمُ عن رجال\r\rوتعفو عنهم ولك اقتدار\r\rوتمنعُ أن يمسهمُ لسانٌ\r\rمخافة من يحير ولا يجار\r\rوكنت أعدّ قربي منك ربحاً\r\rإذا ما عدّت الرّبحَ التّجار\r\rفلا تبعد فكلَّ سوف يلقى\r\rشعوباً يستدير بها المدار\r\rيعيش المرء عند بني أبيه\r\rويوشك أن يصير بحيث صاروا\rأرى طول الحياة وقد تولّى\r\rكما قد يسلب الشيء المعار\r\rكأنّي إذ نعى النّاعي كليباً\r\rتطاير بين جنبيّ الشّرار\r\rفدرت وقد غشى بصري عليه\r\rكما دارت بشاربها العقار\r\rسألتُ الحيّ أين دفنتموه","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"فقالوا لي بأقصى الحيّ دار\r\rفسرت إليه من بلدي حثيثاً\r\rوطار النّوم وامتنع القرار\r\rوحادثْ ناقتي عن ظلّ قبرٍ\r\rثوى فيهِ المكارم والفخار\r\rلدى أوطان أروع لم يشنهُ\r\rولم يحدثْ له في الناس عار\r\rأتغدو يا كليب معي إذا ما\r\rجبان القوم أنجاه الفرار\r\rأتغدو يا كليب معي إذا ما\r\rحلوق القوم يشحذها الشَّفار\r\rأقول لتغلب والعز فيها\r\rأثيرها لذلكم انتصار\r\rتتابعَ أخوتي ومضّوا لأمر\r\rعليه تتابع القوم الحسار\r\rخذِ العهد الأكيد عليّ عمري\r\rبتركي كلّ ما حوت الدّيار\r\rولستُ بخالعٍ درعي وسيفي\r\rإلى أن يخلع الليلَ النهارُ\r\rوقال صفي الدين الحلي يرثي غريقاً\rأصفحُ ماء أم أديمُ سماءُ\r\rفيهِ تغور كواكب الجوزاءِ\r\rما كنت أعلم قبل موتك موقناً\r\rأن البدورَ غروبها في الماءِ\r\rولقد عجبت وقد هويتَ بلجّة\r\rفجرى على رسلٍ بغير حياءِ\r\rلو لم يشقَّ لك العباب وطالما\r\rأشبهتَ موسى باليد البيضاء\r\rأنفَ العلاء عليك من لمس الثّرى\r\rوحلول باطن حفرة ظلماءِ\r\rوأجلّ جسمك أن بغيّر لطفه\r\rعفن الثّرى وتكاثف الأرجاءِ\r\rفأحلّه جدثاً طهوراً مشبهاً\r\rأخلاقه في رقّة وصفاء\r\rما ذاك أن يضمّ صفاؤه\r\rنوراً يضنُّ به على الغبراء\r\rفالبحر أولى في القياس من الثّري\r\rبجوار تلك الدرّة الغرّاءِ\r\rوقال أيضاً يرثي الملك ناصر الدين عمر\rبكى عليك الحُسام والقلمُ\r\rوانفجع العلمُ فيك والعلمُ\r\rوضجَّتِ الأرضُ فالعبادُ بها\r\rلاطمة والبلادُ تلتطمُ\r\rتظهر أحزانها على ملك\r\rجلُّ ملوك الورى له خدمُ\r\rأبلجَ غضَ الشبابُ مقتبل ال\r\rعمر ولكنْ مجدهُ هرمُ\r\rمحكّم في الورى وآمله\r\rيحكمُ في ماله ويحتكم\r\rيجتمع المجدُ والثناءُ له\r\rوماله في الوفود يقتسم\r\rقد سئمتْ جوده الأنام ولا","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"يلقاه من بذله النّدى سأمُ\r\rما عرفت منه لا ولا نعم\r\rبل دونهنّ الآلاءُ والنّعمُ\r\rألواهبُ الألف وهو مبتسمٌ=والقاتل الألفَ وهو مقتحم\rمبتسم والكماةُ عابسة\r\rوعابسٌ والسيوف تبتسم\r\rلم يعلم العالمون ما فقدوا\r\rمنه ولا الأقربون ما عدموا\r\rما فقد فرد من الأنام كمن\r\rإن مات ماتت لفقده أمم\r\rيا طالب الجود قد قضي عمرُ\r\rفكلّ جود وجوده عدمُ\r\rفالناسُ كالعين إن نقدتهم\r\rتفاوتتْ عند نقدك القيمُ\r\rمضى الذي كان للأنام أباً\r\rفاليومَ كلُّ الأنام قد يتموا\r\rوحلَّ ضاقت بساكنها\r\rودون أدنى دياره إرم\r\rوقال أبو الحسن التهامي يرثي صغيراً له\rويفتخر بفضله ويشكو زمانه وحاسديه\rحكمُ المنية في البرية جار\r\rما هذه الدّنيا بدار قرار\r\rبينما يرى الإنسان فيها مخبرا\r\rحتى يري خبراً من الأخبار\r\rطبعت على كدر وأنت تريدها\r\rصفواً من الأقذار والأكذار\r\rومكلّف الأيامِ ضد طباعها\r\rمتطلّب في الماء جذوة نار\r\rوإذا رجوت المستحيلَ فإنما\r\rتبني الرّجاءَ على شفير هار\r\rفالعيش نومٌ والمنية يقظةٌ\r\rوالمرء بينهما خيالٌ سار\r\rفاقضوا مآربكم عجالا إنما\r\rأعماركم سفرٌ من الأسفار\r\rوتركضوا حيل الشَّباب وبادروا\r\rأم نسترد فإنهنّ عوار\r\rفالدَّهر يخدع بالمنى ويغصّ إن\r\rهنّا ويهدمُ ما بنى ببوّار\r\rليس الزمان وغن حرصت مسالماً\r\rخلقُ الزّمان عداوة الأحرار\r\rإني وترتُ بصارمٍ ذي رونقٍ\r\rأعددتهُ لطلابةِ الأوتار\r\rوالنّفس إن رضيت بذلك أو أوبتْ\r\rمنقادةٌ بأزمّةِ المقدار\r\rأثنى عليه بأثرهِ ولو أنهُ\r\rلم يغتبطْ اثنيتُ بالآثار\r\rيا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهُ\r\rوكذّاك عمرُ كواكب الأسحار\r\rوهلال أيام مضى لم يستدر\r\rبدراً ولم يمهل لوقتِ سرار\r\rعجلَ الخسوفُ عليه قبل أوانه","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"فحماهُ قبل مظنّةِ الإبدار\r\rواستلّ من أترابهِ ولدتهِ=كالمقلةِ استلت من الأشفار\rفكأنّ قلبي قبره وكأنهُ\r\rفي طيّهِ سرٌّ من الأسرار\r\rأن يعتبط صغراً فربَّ مقمّم\r\rيبدو ضئيل الشخص للنظّار\r\rإن الكواكب في علوّ محلّها\r\rلترى صغاراً وهي غير صغار\r\rولدُ المعزى بعضهُ فإذا مضى\r\rبعضُ الفتى فالكلّ في الآثار\r\rأبكيه ثم أقولُ معتذراً لهُ\r\rوفّقت حين تركت ألام دار\r\rجاوزتُ أعدائي وجاور ربّهُ\r\rشتّان بين جواره وجواري\r\rأشكو بعادكَ لي وأنت بموضع\r\rلولا الرَّدى لسمعت فيه مزاري\r\rوالشّرق نحو الغرب أقرب شقّةً\r\rمن بعد تلك الخمسة الأشبار\r\rهيهات قد علقتك أسباب الرَّدى واغتالَ عمرك قاطعُ الأعمار\rولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍ\r\rفبلغتها وأبوك في المضمار\r\rفإذا نطقتُ فأنت أوَّلُ منطقي\r\rوإذا سكت فأنت في أضماري\r\rأخفي من البرحاءِ ناراً مثل ما\r\rيخفى من النار الزّناد الواري\r\rواخفض الزَّفرات وهي صواعد\r\rوأكفكفُ العبرات وهي جوار\r\rوشهابُ نارِ الحزنِ إنْ طاوعتهُ\r\rأورى وإن عاصيتهُ متواري\r\rوأكفُّ نيرانَ الأسى ولربما\r\rغلب التصبُّرُ فارتمتْ بشرار\r\rثوبُ الرّياءِ يشفُ عمّا تحته\r\rوإذا التحفتَ به فإنك عار\r\rقصرت جفوني أن تباعدَ بينها\r\rأم صوّرتْ عيني بلا أشفار","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"جفّت الكرى حتى كانّ غراره\r\rعند اغتماص العين وخزُ غرار\r\rولو استزارت رقدةٌ لطحا بها\r\rما بين أجفاني من التَّيار\r\rأحيي اللّيالي التّيم وهي تميتني\r\rويميتهنَّ تبلُّج الأسحار\r\rحتى رأيت الصُّبح تهتك كفُّه\r\rبالضَّوءِ رفرف خيمة كالقار\r\rوالصُّبح قد غمرَ النُّجوم كأنه\r\rسيلٌ طغى فطفا على النُّوَّار\r\rلو كنتَ تمنعُ خاض دونك فتيةٌ\r\rمنّا بحارَ عوامل وشفار\r\rودحوا قويق الأرض أرضاً من دم\r\rثم انثنوا فبنوا سماء غبار\r\rقومٌ إذا لبسوا الدُّروع حسبتها=خلجاً تمدُّ بها أكفّ بحار لو شرَّعوا إيمانهم في طولها=طعنوا بها عوض القنا الخطَّار\rجنبوا الجياد إلى المطيّ وراوحوا\r\rبين السُّروج هناك وأكوار\r\rوكأنما ملؤوا عيابَ دروعهم\r\rوغمود أنصلهم سرابَ قفار\r\rوكأنما صنعُ السوابغِ عزَّه\r\rماءُ الحديد فصاغ ماءَ قرار\r\rزرداً فأحكم كل موصل حلقةٍ\r\rبحبابةٍ في موضع المسمار\r\rفتسربلوا بمتون ماءٍ جامدٍ\r\rوتقنَّعوا بحبابِ ماء جار\r\rأسدٌ ولكن يؤثرون بزادهم\r\rوالأسدُ ليس تدينُ بالإيثار\r\rيتزيَّن النَّادي بحسن وجوههم\r\rكتزيُّن الهالات بالأقمار\r\rيتعطّفون على المجاور فيهم\r\rبالمنفسات تعطُّفَ الآظار\r\rمن كلّ منْ جعل الظُّبى أنصاره\r\rوكومنَ واستغنى عن الأنصار\r\rوإذا هو اعتقل الفتاة حسبتها\r\rصلاَّ تأبطهُ هزبزٌ ضار\r\rوالليث إن ثاورتهُ لم يعتمد\r\rإلا على الأنياب والأظفار\r\rزردُ الدّلاص من الطّعان يريحه\r\rفي الجحفل المتضايق الجرَّار\r\rما بين ثوب بالدّماء مضمّخٍ\r\rزلقٍ ونقعٍ بالطّرد مثار","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"والهونُ في ظلّ الهواينا كامنٌ\r\rوجلالة الأخطار في الإخطار\r\rتندى أسرّة وجهه ويمينه\r\rفي حالة الإعسار والإيسار\r\rويمدُّ نحو المكرمات أناملاً\r\rللرّزق في أثنائهنَّ مجار\r\rيحوي المعاليَ كاسباً أو غالباً\r\rأبداً يدارى دونها ويداري\r\rقد لاح في ليل الشّباب كواكب\r\rإن أمهلت آلت إلى الإسفار\r\rوتلهُّبُ الأحشاءِ شيّب مفرقي\r\rهذا الضياءُ شواظ تلك النار\r\rشاب القذال وكلُّ غصن صائرٌ\r\rفبنانه الأحوى إلى الإزهار\r\rوالشّبه منجذبٌ فلم بيضُ الدُّمى\r\rعن بيض مفرقه ذوات نفار\r\rوتودّ لو جعلت سوادَ قلوبها\r\rوسوادَ أعيتها خضابَ عذّار\r\rلا تنفرُ الظبيات عنه فقد رأت\r\rكيف اختلاف النّبتِ في الأطوار\r\rشيئان ينقشعان أوَّلَ وهلة\r\rظلُ الشباب وخلّة الأشرار\r\rلا حبذا الشيبُ الوفيُ وحبذا\r\rظلُّ الشّباب الخائنِ الغذَّار\r\rوطري من الدَّنيا الشّباب وروقهُ\r\rفإذا انقضى فقد انقضت أوطاري\r\rقصرت مسافته وما حسناته\r\rعندي ولا آلاؤه بقصار\r\rنزداد همَّا كلّما ازددنا غنى\r\rوالفقر كلُّ الفقر في الإكثار\r\rما زاد فوقَ خلّفَ ضائعاً\r\rفي حادث أو وارث أو عار\r\rإني لأرحم حاسديّ لحرّما\r\rضمنتْ صدورهم من الأوغار\r\rنظروا صنيع الله بي فعيونهم\r\rفي جنَّة وقلوبهم في نار\r\rلا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي\r\rفكأنما بزقعتُ وجهَ نهار\r\rوسترتها بتواضعي فتطلّعت\r\rأعناقها تعلو على الأستار\r\rومن الرجال معالمٌ ومجاهل\r\rومن النجُّوم غوامضٌ ودراري\r\rوالناس مشتبهون في إيرادهم\r\rوتفاضل الأقوام في الإصدار\r\rعمري لقد أوطأتهم طّرق العلا\r\rفعموا فلم يقفوا على آثاري\r\rلو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا\r\rوعمى البصائر من عمى الأبصار\rهلاّ سعوا سعي الكرام فأدركوا","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"أو سلّموا لمواقع الأقدار\r\rوفشت خيانات الثّقات وغيرهم\r\rحتى اتّهمنا رؤية الأبصار\r\rولربما اعتضدَ الحليم بجاهل\r\rلا خير في يمنى بغير يسار\r\rولأبي البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 798 ه? يرثي الأندلس\rلكلّ شيءٍ إذا ما تمّ نقصانُ\r\rفلا يغرَّ بطيب العيش إنسان\r\rهي الأمور كما شاهدتها دول\r\rمنْ سرّه زمنٌ ساءتهُ أزمان\r\rوهذه الدّار لا تبقى على أحد\r\rولا يدوم على حالٍ لها شان\r\rيمزّق الدّهر حتماً كل سابغةً\r\rإذ انبتْ مشرفيات وخرصانُ\r\rوينتضي كلَّ سيفٍ للفناءِ ولو\r\rكان ابن ذي يزنٍ والغمدَ غمدان\r\rأين الملوك ذووا التُّيجان من يمن\r\rوأين منهم أكاليلٌ وتيجان\r\rوأين ما شاده شدّاد في إرمٍ\r\rوأين ما ساسه في الفرس ساسان\r\rوأين ما حازه قارونُ من ذهب\r\rوأين عادٌ وشدَّاد وقحطان\r\rأتى على الكلّ أمرٌ لا مردَّ له\r\rحتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا\r\rوصار ما كان من ملكٍ ومن ملكٍ\r\rكما حكى عن خيال الطيف وسنانُ\rدارَ الزمانُ على دارا وقاتله\r\rوأمّ كسرى فما آواه إيوان\r\rكإنما الصَّعب لم يسهل له سببٌ\r\rيوماً ولا ملك لدُّنيا سليمان\r\rفجائعُ الدَّهر أنواعٌ منوَّعة\r\rوللزّمان مسرَّات وأحزان\r\rوللحوادث سلونٌ يسلهلها\r\rوما لما حلَّ بالإسلام سلون\r\rدهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له\r\rهوى له أحدٌ وانهدّ ثهلان\r\rأصابها العين في الإسلام فارتزأت\r\rحتى خلت منه أقطار وبلدان\r\rفاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍ\r\rوأين شاطبةٌ أم أين جيّان\r\rوأين قرطبةٌ دارُ العلوم فكم\r\rمن عالمٍ قد سما فيها له شان\r\rوأين حمصٌ وما تحويه من نزه\r\rونهرها العذب فياض وملآن\r\rقواعد كنّ أركان البلاد فما\r\rعسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركان","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"تبكي الحنيفيّة البيضاء من أسف\r\rكما بكى لفراق الإلف هيمان\r\rعلى ديار من الإسلام خالية\r\rقد أقفرتْ ولها بالكفر عمران\r\rحيث المساجد قد صارت كنائس ما\r\rفيهنَّ إلاَّ نواقيسٌ وصلبان\r\rحتى المحاريب تبكي وهي جامدة\r\rحتى المنابر ترثي وهي عيدان\r\rيا غافلاً وله في الدّهر موعظة\r\rإن كنت في سنّة فالدّهرُ يقظان\r\rوماشياً مرحاً يلهيه موطنهُ\r\rأبعدَ حمصٍ تغزُّ المرء أوطان\r\rتلك المصيبة أنستْ ما تقدّمها\r\rوما لها من طوال الدَّهر نسيان\r\rيا راكبينَ عتاقَ الخيل ضامرة\r\rكأنّما في مجال السّبق عقبان\r\rوحاملين سيوفَ الهند مرهفةٌ\r\rكأنها في ظلام النقع نيران\r\rوراتعين وراءَ البحر في دعةٍ\r\rلهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان\r\rأعندكم نبأٌ من أهل أندلس\r\rفقد سرى بحديث القوم ركبان\r\rكم يستغيث بنا المستضعفون وهم\r\rقتلى وأسرى فما يهتزّ إنسان\r\rماذا التّقاطع في الإسلام بينكم\r\rوأنتم يا عباد الله إخوان\r\rألا نفوسٌ أبيَّات لها هممٌ\r\rأما على الخير أنصار وأعوان\r\rيا من لذلّة قومٍ بعد عزوّهم\r\rأحال حالهم جورٌ وطغيان\r\rبالأمس كانوا ملوكاً في منزلهم\r\rواليومَ هم في بلاد الكفر عبدانُ\r\rفلو تراهم حيارى لا دليل لهم\r\rعليهم ف ثياب الذُّلّ ألوان\r\rولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ\r\rلهالكَ الأمرُ واستهوتك أحزان\r\rيا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهما\r\rكما تفرقُ أرواح وأبدان\r\rوطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت\r\rكأنما هي ياقوت ومرجان\r\rيقودها العلج للمكروه مكرهة\r\rوالعين باكية والقلب حيران\r\rلمثل هذا يذوب القلب من كمد\r\rإن كان في القلب إسلام وإيمان\r\rوقال أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكاً\rالحزن يقلقُ والتجمُّل يردع\r\rوالدَّمعُ بينهما عصىَّ طيع\r\rيتنازعان دموع عين مسهَّد","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"هذا يجيء بها وهذا يرجع\r\rالنَّوم بعد أبي شجاع نافر\r\rوالليلُ معي والكواكب طلّع\r\rإني لأجبن من فراق أحبَّني\r\rوتحسُّ نفسي بالحمام فأشجعُ\r\rويزيدني غضبُ الأعادي قسوةً\r\rويلمّ بي عتب الصديق فأجزع\r\rتصفو الحياةُ لجاهل أو غافل\r\rعمّا مضى منها وما يتوقع\r\rولمن يغالطُ في الحقائق نفسه\r\rويسومها طلب المحال فتطمع\rأين الذي الهرمان من بنيانه\r\rما قومهُ ما يومهُ ما المصرع\r\rتتخلفُ الآثار عن أصحابها\r\rحيناً ويدركها الفناءُ فتتبع\r\rوقال عبد المجيد بن عبدون الفهري المتوفى سنة 520 ه? راثياً ملوك\rبني الأفطس من قصيدة ممتعة في التاريخ والأدب\rالدَّهر يفجعُ بعد العين بالأثر\r\rفما البكاءُ على الأشباح والصُّور\r\rأنهاكَ أنهاكَ لا أنهاكَ واحدةً\r\rعن نومة بين ناب الَّليث والظفر\r\rفالدَّهر حربٌ وإن أبدى مسالمةً\r\rفالبيضُ والسمر مثلُ البيض والسُّمر\rولا هوادةً بين الرأس تأخذه\r\rيدُ الضّراب وبين الصّارم الذكر\r\rفلا يغرَّنك من دنياك نومتها\r\rفما صناعة عينيها سوى السَّهر\r\rفبالليالي أقال الله عثرتنا\r\rمن الليالي وغالتها يد العير\r\rفي كل حين لها في كل جارحة\r\rمنا جراح وإن زاغت عن الصبر\r\rتسر بالشيء لكن كي تغرَّ به\r\rكالأيم ثار إلى الجاني من الزهر\r\rكم دولة وليت بالنصر خدمتها\r\rلم تبق منها وسل دنياك عن خير\r\r?وقال أبو ذؤيب يرثي أولاده\rأمنَ المنون وريبها تتوجّعُ\r\rوالدّهر ليس بمعتبٍ منْ يجزع\r\rقالت أمامة ما لجسمك شاحباً\r\rمنذ ابتذلت ومثل مالك ينفعُ\r\rولقد حرصتُ بأن أدافع عنهمُ\r\rوإذا المنية أقبلتْ لا تدفعُ\r\rوإذا المنية أنشبت أظفارها\r\rألفيتَ كلّ تميمة لا تنفعُ\r\rفالعين بعدهمُ كأن جفونها\r\rكحلتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ\r\rوتجلدي لشامتين اربهمُ","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"أني لرّيب الدَّهر لا أتضعضعُ\r\rحتى كأني للحوادث مروةٌ\r\rنصفَ المشقر كلّ يوم تقرع\r\rلا بدَّ من بلف مقيم فانتظر\r\rأبأرض قومك أن بأخرى المضجع\rولقد أرى أن البكاءَ سفاهةٌ\r\rولسوف يولع بالبكا من يفجع\r\rوليأتينّ عليك يوماً مرّة\r\rيبكي عليك معنَّفاً لا تسمع\r\rفلئنْ بهم فجع الزَّمان وريبهُ\r\rأني بأهل مودّتي لمفجع\r\rوالنّفس راغية إذا رغّبتها\r\rوإذا تردُّ إلى قليل تقنعْ\r\r????وقال أبو الأنباري المتوفى سنة 328 ه? يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب وهي من أعظم المراثي ولم يسمع بمثلها في مصلوب حتى أن عضد الدولة الذي صلبه تمنى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه.\rعلوَّ في الحياةِ وفي الممات\r\rلحقٌ أنتَ إحدى المعجزات\rكأنّ النَّاس حولك حين قاموا\r\rوفودُ نداك أيام الصلاتِ\r\rكأنكَ قائم فيهم خطيباً\r\rوكَّلهمُ قيامٌ للصّلاةِ\r\rمددت يديك نحوهم احتفاءً\r\rكمدّهما إليهمْ بالهباتِ\r\rولمّا ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن\r\rيضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ\r\rأصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا\r\rعن الأكفان ثوب السّافيات\r\rلعظمك في النّفوس تبيت ترعى\r\rبحراَّس وحفّاظ ثقاب\r\rوتوقدُ حولك النّيرانُ ليلاً\r\rكذلك كنتَ أيَّامَ الحياة\r\rركبت مطيَّة منْ قبلُ زيدٌ\r\rعلاها في السّنينَ الماضياتِ\r\rوتلكَ قضيّةٌ فيها تاسّ\r\rتباعدُ عنك تعييرَ العداةِ\r\rولم أر قبل جذعك قطُّ جذعاً\r\rتمكّن منْ عتاق المكرمات\r\rأسأتَ إلى النوائبِ فاستثارت\r\rفأنت قتيل ثأر النائباتِ\r\rوكنت تجيرنا من صرف دهر\r\rفعاد مطالبا لك بالثّرات\r\rوصيَّرَ دهرك الإحسانَ فيهش\r\rإلينا منْ عظيمِ السيئاتِ\r\rوكنتَ لمعشرِ سعداً فلمّا\r\rمضيتَ تفرقوا بالمنحساتِ\r\rغليلٌ باطنٌ لك في فؤادي","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"يخفّفُ بالدُّموعِ الجارياتِ\r\rولو أني قدرتُ على قيام\r\rبفرضك والحقوق الواجبات\r\rملأت الأرض من نظم القوافي\r\rونحتُ بها خلاف النائحاتِ\r\rولكنّي أصبّرُ عنك نفسي\r\rمخافةَ أنْ أعدَّ من الجناةِ\r\rومالك تربةٌ فأقولُ تسقى\r\rلأنك نصبَ هطل الهاطلات\r\rعليك تحيةُ الرّحمن تترى\r\rبرحماتٍ غوادٍ رائحات\r\rوقال بهاء الدين زهير المتوفى سنة 656 ه?\rأراكَ هجرتني هجراً طويلاً\r\rوما عوّدتني من قبلُ ذا كا\r\rعهدتك لا تطيق الصَّبر عنّي\r\rوتعصى في ودادي من نهاكا\r\rفكيفَ تغيَّرتْ تلك السَّحايا\r\rومن هذا الذي عنّي ثناكا\r\rفلا والله ما حاولتَ غدراً\r\rفكلُّ النّاس يغدر ما خلاكا\r\rوما فارقتني طوعاً ولكن\r\rدهاك في المنية ما دهاكا\r\rفيا من غابَ عنّي وهو روحي\r\rوكيفَ أطبق من روحي انفكاكا\rبعزُّ عليَّ أدير عيني\r\rأفتشُ في مكانك لا أراكا\r\rختمتُ على ودادك في ضميري\r\rوليس يزال مختوماً هناك\r\rفيا أسفي لجسمك كيف يبلى\r\rويذهبُ بعدَ بهجته سناك\r\rيا قبرَ الحبيب وددتُ أنّي\r\rحملت ولو على عيني ثراكا\r\rولا زال السّلام عليك منّي\r\rيزفّ على النّسيم إلى ذراكا\r\r?وقال السيدة تماضر الخنساء المتوفاة سنة 24 ه?\rقذّى بعينك أم بالعين عوّارُ\r\rأم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار\rكأنَّ عيني لذاكرة إذا خطرت\r\rفيضٌ يسيلُ على الخدّين مدرارُ\r\rتبكي خناسٌ على صخر وحقّ لها\r\rإذ رابها الدّهر إنّ الدّهر ضرارُ\r\rلا بدّ من ميتةِ في صرفها عبرٌ\r\rوالدَّهر في صرفه حولٌ وأطوارُ\r\rيا يخرُ ورَّاد ماءٍ قد توارده\r\rأهل الموارد في ورده عارُ\r\rوإنّ صخراً لحامينا وسينا\r\rوغنَّ صخراً إذا نشتوا لنحّارُ\r\rوإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة بهِ\r\rكأنهُ علمٌ في رأسه نارُ\r\rلم ترهُ جارةٌ يمشي بساحتها","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"لريبة حين يخلى بيتهُ الجارُ\r\rمثل الرُّدينيّ لم تنفد شبيبتهُ\r\rكأنّه تحت طيّ البردِ أسوارُ\r\rطلقُ اليدينِ بفعل الخير معتمدٌ\r\rضخمُ الدَّسعية بالخيرات أمارُ\r\rحمالُ ألوية هبّاط أوديةَ\r\rشهّاد أندية للجيش جرارُ\r\rوقالت أعرابية ترثي ابنها\rأيا ولدي قد زاد قلبي تلهُّبها\r\rوقد حرقت منّي الشُّؤون المدامعُ\r\rوقد أضرمت نارُ المصيبةِ شعلةُ\r\rوقد حميت منّي الحشا والأضالعُ\rوأسأل عنك الرّكب هل تخبرونني\r\rبحالك كيما تستكنُّ المضاجع\r\rفلم يكُ فيهم مخبرٌ عنك صادق\r\rولا فيهمُ من قال إنّك راجع\r\rفيا ولدي غبت كدَّرت عيشتي\r\rفقلبي مصدوع وطرفي دامع\r\rوفكري مسقومٌ وعقلي ذاهب\r\rودمعي مسفوحٌ وداري بلا قع\r\rوقالت ليلى الأخيلية المتوفاة سنة 80 ه?\r?لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى=إذا لم تصبه في الحياة المعابرُ\rوما أحدٌ حيٌّ وإن عاشَ سالماً\r\rبأخلد ممّن غيبتهُ المقابر\r\rومن كان مما يحدث الدَّهر جازعاً\r\rفلا بد يوماً يرى وهو صابر\r\rوليس لذي عيش عن الموت مقصر\r\rوليس على الأيام والدهر غابر\r\rولا الحيّ مما يحدث الدَّهر معتب\r\rولا الميت أن لم يصبر الحيّ ناشرُ\rوكل شباب أو جديد إلى بلّى\r\rوكل امرئ يوماً إلى الله صائر\r\rوقالت عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1300 ه?\rإن سألَ من غرب العيون بحور\r\rفالدَّهر باغ والزمانُ غدورُ\r\rفلكلّ عين حقّ مدرار الدّما\r\rولكل قلبٍ لوعةٌ وثبورُ\r\rستر السنا وتحجَّبت شمس الضّحى\r\rوتغيّبت بعد الشّروق بدور\r\rومضى الذي أهوى وجرّعني الأسا\r\rوغدت بقلبي جذوة وسعير\r\rيا ليته لمَّا نوى عهد النّوى\r\rوافى العيون من الظّلام نذير\r\rناهيك ما فعلت بماء حشاشتي\r\rنارٌ لها بين الضلوع زفير\r\rلو بثّ حزني في الورى لم يلتفت\r\rلمصاب قيسٍ والمصاب كبير","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"طافت بشهر الصوم كاسات الرَّدى\r\rسحراً وأكوابُ الدّموع تدّور\r\rفتناولت منها ابنتي فتغيَّرت\r\rوجنات خدّ شانها التَّغيير\r\rفذوت أزاهير الحياة بروضها\r\rوانقدَّ منها مائسٌ ونضير\r\rلبستْ ثيابَ السُّقم في صغرٍ وقد\r\rذاقتْ شراب الموت وهو مرير\r\rجاء الطبيب ضحّى وبشّر بالشفا\r\rإن الطبيب بطبّه مغرور\r\rوصفَ التجرُّع وهو يزعم أنهُ\r\rبالبرءِ من كل السّقامِ بشير\r\rوارحم شبابي إن والدتي غدت\r\rثكلى يشير لها الجوى وتشير\r\rوارأف بعين حرّمت طيب الكرى\r\rتشكو السُّهاد وفي الجفون فتور\r\rلمّا رأت يأس الطبيب وعجزه\r\rقالت ودمعُ المقلتين غزير\r\rأماه قد كلّ الطّبيبُ وفاتني\r\rممّا أؤمّلُ في الحياة نصير\r\rلو جاءَ عرَّاف اليمامة يبتغي\r\rيرئي لردّ الطّرف وهو حسير\r\rيا روع روحي حلّها نزعُ الضنّا\r\rعمّا قليل ورقها ستطيرُ\r\rأمّاه قد عزّ اللقاءُ وفي غدٍ\r\rسترين نعشي كالعروس يسيرُ\r\rوسينتهي المسعى إلى الّلحد الذي\r\rهو منزلي وله الجموع تصيرُ\r\rقولي لرب اللحد رفقاً بابنتي\r\rجاءت عروساً ساقها التّقدير\r\rوتجلّدي بإزاء لحدي برهة\r\rفتراك روحٌ راعها المقدور\r\rأماه قد سلفت لنا أمنيةً\r\rيا حسنها لو ساقها التيسير\r\rكانت كأحلامٍ مضتْ وتخلفتْ\r\rمذْ بان يوم البين وهو عسير\r\rعودي إلى ربعٍ خلا ومآثر\r\rقد خلّفتْ عنّي لها تأثير\r\rصوني جهاز العرس تذكاراً فلي\r\rقد كان منه إلى الزّفاف سرور\r\rجرت مصائب فرقتي لك بعدَ ذا\r\rلبس السّواد ونفّذَ المسطور\r\rوالقبرُ صار لغصن قدَّي روضةٌ\r\rريحانها عند المزار زهور\r\rأماه لا تنسي بحقّ بنوتي\r\rقبري لئلا يحزن المقبور\r\rورجاء عفو أو تلاوة منزل\r\rفسواك من لي بالحنين يزور\r\rفلعلما أحظى برحمة خالق\r\rهو راحمٌ برٌّ بنا وغفور","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"فأجبتها والدّمع يحبسُ منطقي\r\rوالدّهر من بعد الجوار يجور\r\rبنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي\r\rقد زال صفوٌ شانه التكدير\r\rلا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها\r\rحزنٌ عليك وحسرةٌ وزفير\r\rقسماً بغضّ نواظري وتلهفي\r\rمذ غاب إنسانٌ وفارقَ نور\r\rوبقلتي ثغراً تقضّي نحبه\r\rفحرمتُ طيب شذاه وهو عطير\r\rوالله لا أسلو التلاوة والدُّعا\r\rما غرَّدت فوقَ الغصون طيور\r\rكلا ولا أنسى زفير توجعي\r\rوالقدّ منك لدى الثرى مدثور\r\rإني ألفت الحزن حتى أنّني\r\rلو غاب عنّي ساءني التأخير\r\rقد كنتُ لا أرضى التّباعد برهة\r\rكيف التّصبّر والبعاد دهور\r\rأبكيك حتى نلتقي في جنّة\r\rبرياض خلد زينتها الحور\r\rإن قيل على \"توحيدة\" الحسن التي\r\rقد غاب بدرُ جمالها المستور\r\rقلبي وجفني واللسان وخالقي\r\rراض وباك شاكرٌ وغفور\r\rمتعتِ بالرّضوان في خلد الرّضا\r\rما ازّنيت لك غرفة وقصور\r\rوسمعت قول الحقّ للقوم داخلوا\r\rدار السّلام فسعيكم مشكور\r\rهذا النّعيم به الأحبة تلتقي\r\rلا عيشَ إلا عيشهُ المبرور\r\rوقالت المرحومة ملك حفني ناصف ترثي عائشة هانم تيمور\rألا يا موت ويحك لم تراع\r\rحقوقاً للطروس ولا اليراع\r\rتركتَ الكتب بالكيةٌ بكاءً\r\rيشيبُ الطفل في عهد الرضاع\r\rولم تهب الفضائلَ والمعالي\r\rوطول السّعي في خير المساعي\rولم يمنعك ممّا رمتَ نثرٌ\r\rولا شعرٌ ولا حسنُ ابتداع\r\rنراك تجودُ بالأرزاء حتى\r\rعددنا البخلَ من كرم الطّباع\r\rفذبْ يا قلبُ لا تكُ في جمّود=وزد دمع لا تكُ في امتناع\rولا تبخل عليّ وكن جموماً\r\rفكنز العلم أمسى في ضياع\r\rسنبقى بعد عائشةٍ حيارى\r\rكسربٍ في الفلاةَ بغير راع\r\rلقد فقدت ولم تفقد علاها\r\rوهل شمسٌ تغيب بلا شعاع\r\rهي الدُّرّ المصون ببطن أرض","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"وقد كانت كذلك في قناع\r\rهي البحرُ الخضمّ ومات سمعنا\r\rبأن البحرَ يدفن في التّلاع\r\rلها القدحُ المعلّى في العوالي\r\rوفي نشر المعارف طول باع\rفيا شمس المحامد غبت عنّا\r\rوخلفت البكاءَ لكل ناع\r\rويا خيرَ النساءِ بلا خوف\r\rوقدوتنا بلا أدنى نزاع\r\rلقد أحييت ذكر نساء مصر\r\rوجدّدت العلا بعد انقطّاع\r\rوشدت صروح طهر باذخات\r\rمحصّنةٍ كتحصين القلاع\r\rوقال المرحوم حفني بك ناصف راثياً عبد الله باشا فكري\rليدعِ المدّعون العلم والأدبا\r\rفقد تغيّبَ عبدُ الله واحتجا\r\rولينتسب أدعياء الفضل كيف قضت\r\rآراؤهم إذا قضى من يحفظ النّسبا\r\rوليفخر اليوم قومٌ باليرّاع ولا\r\rخوفٌ عليهم فمن يخشونه ذهبا\r\rوليرق من شاء أعواد المنّابر إذا\r\rمات الذي يتقّيهِ كلّ من خطبا\r\rلو عاش لم يطرق الأسماع ذكرهم\r\rفي طلعة الشمس من ذا يبصرُ الشُّهبا\rفليسمُ من شاء بالإنشاءِ لا عجبٌ\r\rمضى الذي كان من آياته عجبا\r\rطودٌ من الفضل من بعد الرُّسوخ هوى\r\rوكوكب بعد أن أبدي الهدى غربا\r\rأجلْ فقد مات عبدُ الله وا أسفا\r\rوأوحشتْ مصرُ من فكري فواحربا\r\rفكلّ نفس لمعناه شكتْ وبكت\r\rوكلُّ فكرٍ بفكري ماجَ واضطربا\r\rقضى الحياة ونصرُ الحقّ ديدنهُ\r\rلا ينثني رهناً عنه ولا رغبا\r\rلا كان عيدٌ رأينا صفوه كدراً\r\rبفقدهِ وانثنت راحاته تعبا\r\rسارت جنازتهُ والعلم في جزع\r\rوالفضلُ يندبهُ في ضمن من ندبا\r\rوقال أحمد بك شوقي يرثي مصطفى باشا كامل المتوفى 1326 ه?\rألمشرقان عليك ينتحبان\r\rقاصيهما في مأنم والدَّاني\r\rيا خادمَ الإسلام أجرَ مجاهد\r\rفي الله من خلد ومن رضوان\r\rالله يشهد أن موتك بالحجا\r\rوالجدّ والإقدام والعرفان\r\rإن كان للأخلاق ركن قائم\r\rفي هذه الدنيا فأنت الباني","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"بالله فتَّش عن فؤادك في الثرى\r\rهل فيه آمالٌ وفيه أماني\r\rوجدانك الحي المقيم على المدى\r\rولربّ حيّ ميّت الوجدان\r\rالناسُ جار في الحياة لغاية\r\rومضللٌ يجري بغير عنان\r\rوالخلد في الدّنيا وليس بهيّن\r\rعليا المراتب لم تتح لجبان\r\rفلو أن رسل الله قد جبنوا لما\r\rماتوا على دين ولا إيمان\r\rالمجد والشرف الرّفيع صحيفةٌ\r\rجعلت لها الأخلاق كالعنوان\r\rوأحبُّ من طول الحياة بذلّه\r\rقصرٌ يريك تقاصر الأقران\r\rدقات قلب المرء قائلة له\r\rإن الحياة دقائقٌ وثواني\r\rفارفع لنفسك بعد موتك ذكرها\r\rفالذّكر للإنسان عمرٌ ثاني\r\rللمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها\r\rما شاء من ربح ومن خسران\r\rفهي الفضاء لراغبٍ متطلّع\r\rوهي المضيق لمؤثر السُّلوان\r\rالنّاس غادٍ في الشفاء ورائح\r\rيشقى له الرّحماء وهو الأشجان\rومنعّم لم يلقَ إلاّ لذّة\r\rفي طيّها شجنٌ من الأشجان\r\rفاصبر على نعم الحياة وبؤسها\r\rنعمُ الحياة وبؤسها سيّان\r\rيا طاهر الغدوات والرّوحات وال\r\rخطرات والأسرار والإعلان\r\rهل قامَ قبلك في المدائن فاتحاً\r\rغازٍ بغير مهنّد وسنان\r\rيدعو إلى العلم الشريف وعنده\r\rأنّ العلوم دعائم العمران\r\rلفّوك في علم البلاد منكساً\r\rجزع الهلالُ على فتى الفتيان\r\rما احمر من خجل ولا من رتبة\r\rلكنّما يبكي بدمع قاني\r\rيزجون نعشك في السّناء وفي السّنا\r\rفكأنما في نعشك القمران\r\rوكأنه نعش (الحسين بكربلا)\r\rيختال بين بكّي وبين حنّان\r\rفي ذمّة الله الكريم وبرّه\r\rما ضمّ من عرف ومن إحسان\r\r(ومشى جلال الموت وهو حقيقةٌ\r\rوجلالك المصدوق يلتقيان)\r\rشقتْ لمنظرك الجيوب عقائلٌ\r\rوبكتك بالدّمع الهتون غواني\r\rوالخلق حولك خاشعون كعهدهم\r\rإذ ينصتون لخطبة وبيان","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"يتساءلون بأيّ قلب ترتقي\r\rبعد المنابر أم بأيّ لسان\r\rفلو أن أوطاناً تصوّر هيكلا\r\rدفنوكَ بين جوانح الأوطان\r\rأو كان يحملُ في الجوارح ميّت\r\rحملوكَ في الأسماع والأجفان\r\rأو صيغ من غرر الفضائل والعلى\r\rكفنَ لبست أحاسن الأكفان\r\rأو كان للذّكر الحكيم بقيّة\r\rلم تأت بعدُ رثيتَ في القرآن\r\rيا صبَّ مصر ويا شهيد غرامها\r\rهذا ثرى مصرِ فنم بأمان\r\rاخلع على مصرٍ شبابك عالياً\r\rوالبس شباب الحور والولدان\r\rفلعلَّ مصراً من شبابك ترتدي\r\rمجداً تتيه به على البلدان\r\rفلو أن بالهرمين من عزماته\r\rبعض المضاء تحرّك الهرمان\r\rعلّمتَ شبّان المدائن والقرى\r\rكيف الحياة تكون في الشبّان\r\rمصر الأسيفةُ ريفها وصعيدها\r\rقبرٌ أبرُّ على عظامك حاني\r\rأقسمت أنّك في التّراب طهارة\r\rملك يهابُ سؤاله الملكان\r\r?وقال ابن هانئ الأندلس يرثي إبراهيم بن جعفر بن علي\rوهبَ الدّهر نفيساً فاستردْ\r\rربّما جادَ بخيلٌ فحسد\r\rخاب من يرجو زماناً دائماً\r\rتعرف الباساءُ منه والنَّكد\r\rفلقد أذكر منْ كان سها\r\rولقد نبّه منْ كان رقد\r\rقلْ لمنْ شاءَ يقل ما شاءه\r\rإنّ خصمي في حياتي لألد\rمنتضٍ نصلاً إذا شاء مضى\r\rرائشٌ سهماً إذا شاء قصدْ\r\rماتَ منْ لو عاش سرباله\r\rغلبَ النّور عليه فاتقد\r\rإنما كان شهاباً ثاقباً\r\rصعق الّليل له ثم خمد\r\rلا رجاءٌ في خلود كلّنا\r\rواردُ الماءِ الذي كان ورد\r\rوقال شاعر النيل أحمد بك شوقي راثياً\rخلقنا للحياة وللممات\r\rومن هذين كلّ الحادثات\r\rومن يولك يعش ويمت كان لم\r\rيمرَّ خياله بالكائنات\r\rومهدُ المرء في أيدي الرواقي\r\rكنعش المرء بين النائحات\r\rوما سلم الوليد من اشتكاء\r\rفهل يخلو المعمّر من أداة\r\rهي الدنيا قتالٌ نحن فيه\r\rمقاصد للحسام وللقنّاة","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"وكل الناس مدفوع إليه\r\rكما دفع الجبان إلى الثّبات\r\rنروع ما نروّع ثم نرمى\r\rبسهم من يد المقدورِ آتٍ\r\rوقال محمد بك حافظ إبراهيم راثياً الإمام الشيخ محمد عبده\rسلامٌ على الإسلام بعد محمدٍ\r\rسلامٌ على أيامه النّضراتِ\r\rلقد كنت أخشى عادي الموت قبله\r\rفأصبحتُ أخشى أن تطول حياتي\r\rفوالهفي والقبرُ بيني وبينه\r\rعلى نظرةٍ من تلكمُ النظراتِ\r\rوفقت عليه حاسرَ الرأس خاشعاً\r\rكأنّي حيال القبر في عرفاتِ\r\rأبنتَ لنا التنزيلَ حكماً وحكمة\r\rوفرَّقت بين النور والظلّمات\r\rووفقت بين الدّين والعلم والدّجى\r\rفأطلعت نوراً من ثلاث جهات\r\rوقفتَ (لها نوتر ورينان) وقفة\r\rأمدّك فيها الروح بالنفحاتِ\r\rوخفتَ مقام الله في كل موقفٍ\r\rفخافك أهل الشكْ والنَّزعاتِ\r\rوأرصدت للباغي على دين أحمد\r\rشباة يراعٍ ساحر النفثاتِ\r\rمشى نعشه يختال عجباً بربه\r\rويخطر بين الّلمس والقبلات\r\rبكى الشرق فارتجت له الأرض رجّة\r\rوضاقت عيون الكون بالعبراتِ\r\rبكى عالمُ الإسلام عالمَ عصره\r\rسراج الدَّياجي هادم الشبهات\r\rفيا ويح للشُّورى إذا جدّ جدذها\r\rوطاشت بها الآراء مشتجرّاتِ\r\rويا ويح للفتيا إذا قيل منْ لها\r\rويا ويح للخيرات والصّدقات\r\rبكينا على فرد وإن بكاءنا\r\rعلى أنفس لله منقطعات\r\rتعهدها فضل الإمام وحاطها\r\rبأحسانه والدّهر غير مؤآني\rالباب الثامن\rفي الحكم والنصائح قال عبيد بن الأبرص\rكفى زاجراً للمرء أيّام دهرهِ\r\rتروح له بالواعظاتِ وتغتدي\r\rإذا أنت طالبت الرجال نوالهم\r\rفعفّ ولا تطلب بجهد فتنكد\r\rعسى سائل ذو حاجة غن منعته\r\rمن اليوم سؤلاً أن يسرّك في غد\r\rولا تقعدن عن سعي ما قد ورثته\r\rوما استطعت من خير لنفسك فازدد","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله\r\rوقام جناة الشرّ بالشرّ فاقعد\r\rوبالعدل فانطلق إن نطقت ولا تج\r\rوذا الذمّ فاذممه وذا الحمد فاحمد\r\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه\r\rفكل قرين بالمقارن يقتدي\r\rولا ابتغي ودّ امرئ قلّ خيره\r\rوما أنا عن وصل الصديق بأحيد\r\rإذا أنت حملت الخؤون أمانة\r\rفإنك قد أسندتها شرّ مسند\r\rولا تظهرن ودّ امرئ قبل خبره\r\rوبعد بلاء المرء فاذمم أو أحمد\r\rوقال أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي المتوفى سنة 321 ه?\rيا ظبيةً أشبهَ شيءٍ بالمها\r\rترعى الخزامى بين أشجارِ النَّقا\r\rإما ترى رأسي حاكى لونه\r\rطرَّة صبحٍ تحت أذيال الدُّجى\r\rواشتعل المبيضُّ في مسوده\r\rمثل اشتعال النَّار في جزل الغضى\r\rفكان كالليل البهيم حلّ في\r\rأرجائه ضوء صباحٍ فانجلى\r\rوغاض ماءَ شرَّتي دهرٌ رمى\r\rخواطر القلب بتبريح الجوى\r\rوآض روضُ الّلهو يبساً ذاويا\r\rمن بعد ما قد كان مجاجَ الثرى\r\rوضرّمَ النّأيُ المشتُّ جذوةٌ\r\rما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشى\r\rواتخذ التّمهيد عيني مألفاً\r\rلمّا جفا أجفانها طيفُ الكرى\r\rفكلُّ ما لاقيتهُ مفتفرٌ\r\rفي جنبٍ ما أسأره شحط النَّوى\r\rلوْ لابسَ الصّخرَ الأصمَّ بعضُ ما\r\rيلقاه قلبي فضَّ أصلادَ الصّفا\r\rإذا ذوي الغصنُ الرطيبُ فاعلمن\r\rأنّ قصاراه نفاد وتوى\r\rشجيتُ لا بلْ أجرضتني غصَّه\r\rعنودها اقتلُ لي من الشجى\r\rإنْ يحمِ عن عيني البكا تجلُّدي\r\rفالقلب موقوف على سبل البكا\r\rلو كانت الأحلام ناجتني بما\r\rألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى\r\rمنزلة ما خلتها يرضى بها\r\rلنفسه ذو أدب ولا حجا\r\rشيمُ سحابٍ خلَّب بارقه\r\rوموقفٌ بين أرتجاء ومنّى","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"في كل يوم منزلٌ مستوبلٌ\r\rيشتفُ ماءَ مهجتي أو مجتوي\r\rما خلت أن الدّهر يثنني على\r\rضرَّاء لا يرضى بها ضبُّ الكدى\r\rأرمق العيش على برض فإن\r\rرمت ارتشافاً فارمت صعبَ المنتسى\rأراجعٌ لي الدَّهر حولاً كاملاً\r\rإلى الذي عوّد أم لا يزتجي\r\rيا دهر إن لم تك عتبى فائتد\r\rفإنّ إروادك والعتبى سوى\r\rرفه عليّ طالما أنصبتني\r\rواستبقِ بعض ماءِ غصنِ ملتحى\r\rلا تحسبنْ يا دهر أني ضارعٌ\r\rلنكبةٍ تعرقني عرقَ المدى\r\rمارستَ من لو هوت الأفلاك من\r\rجوانب الجوّ عليه ما شكا\r\rلكنها نفثةُ مصدورٍ إذا\r\rجاش لغامٌ من نواحيها غما\r\rرضيت قسراً وعلى القسر رضى\r\rمن كان ذا سخط على صرف القضا\r\rإن الجديدين إذا ما استوليا\r\rعلى جديدٍ أذنياه للبلى\r\rما كنتُ أدري والزّمان مولعٌ\r\rبشتَّ ملمومٍ وتنكيث قوي\r\rإنّ القضاء قاذفي في هوَّةٍ\r\rلا تستبلُّ نفس من فيها هوى\r\rفإن عثرتُ بعدها غن وألتْ\r\rنفسي من هاتا فقولا لا لعا\r\rوإن تكن مدتها موصولةً\r\rبالحتف سلّطتُ الأسى على الأسا\r\rإنَّ امرأ القيس جرى إلى مدى\r\rفاعتاقه حمامهُ دون المدى\r\rوخامرت نفسُ أبي الجبرِ الجوى\r\rحتى حواه الحتف فيمن قد حوى\r\rوابن الأشجّ القيلُ ساق نفسه\r\rإلى الرَّدى حذار إشمات العدى\r\rواحترم الوضّاح من دون التي\r\rأملّها سيفُ الحمامِ المنتضى\r\rفقد سما قبلي يزيدُ طالباً\r\rشأو العلا فما وهيَ ولا ونى\r\rفاعترضت دون الذي رام وقد\r\rجدّ به الجدُّ الهيمُ الأربى\r\rهل أنا بدعٌ من عرانين علاَ\r\rجار عليهم صرف دهر واعتدى\r\rفإن أنالتني المقاديرُ الذي\r\rأكيده لم آل في رأب الثأى\r\rوقد سما عمرو إلى أوتاره","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى\r\rفاستنزل الرَّبَّا قسراً وهي من\r\rعقاب لوح الجوَ أعلى منتمى\r\rوسيفٌ استعلتْ به همتهُ\r\rحتى رمى أبعد شاو المرتمى\r\rفجرّع الأحبوش سمّاً ناقعاً\r\rواحتلّ من غمدان محراب الدُّمى\r\rثم ابن هند باشرتْ نيرانه\r\rيوم أوراتٍ تميماً بالصلا\r\rما اعتنّ لي بأس يناجي همتي\r\rإلا تحداهُ رجاءٌ فاكتمى\r\rأليّة باليعملاتِ يرتمى\r\rبها النَّجاء بين أجوزِ الفلا\r\rخوص كأشباح الحنايا ضمرّ\r\rيرعفن بالأمشاج منْ جذب البري\r\rيرسبن في بحر الدُّجى وبالضُّحى\r\rيطفون في الآل إذا الآل طفا\r\rأخفافهنّ من حفّا ومن وجّى\r\rمرثومةٌ تخضبُ مبيض الحصا\r\rيحملن كلّ شاحبٍ محقوقف\r\rمن طول تدآب الغدوّ والسُّرى\r\rبارٌّ برى طولُ الطوى جثمانه\r\rفهو كقدحِ النّبع محني القرا\r\rينوي التي فضلها ربّ العلى\r\rلما دحا تربتها على البنى\r\rحتى إذا قابلها استعبر لا\r\rيملك دمع العين من حيث يرى\r\rثمّت طاف وانثنى مستلماً\r\rتمَّت جاءَ المروتين فسعى\r\rوأوجب الحجَّ وثنى عمرةً\r\rمن بعد ما عجَّ ولبَّى ودعا\r\rثمَّت راح في الملبين إلى\r\rحيث تحجّى المأزمان ومنى\r\rثم أتى التعريف يقرو مختباً\r\rمواقفاً بين الآل فالتَّقا\r\rواستأنف السّبع وسبعاً بعدها\r\rوالسَّعى ما بين العقابِ والصُّوى\r\rوراح للتَّوديع فيمن راح قد\r\rأحرز أجراً وقلى هجر اَّلغا\r\rبذاك أم بالخيل تعد المرطى\r\rناشزةً أكتادها قبَّ الكلى\r\rشعثاً تعادى كسراحين الغضا\r\rميل الحماليق يبارين الش?با\r\rيحملن كلّ شمَّري ياسل\r\rشهم الجنانِ خائضٍ غمر الوغى\r\rيغشى صلا الحربِ بحدَّيه إذا\r\rكان لظى الحرب كريه المصطلى\r\rلو مثّل الحتفُ لهث قرناً لما","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"صدتهُ عنهُ هيبة ولا انثنى\r\rولوْ حمى المقدار عنهُ مهجه\r\rلرامها يستبيح ما حمى\r\rتغدو المنايا طائعاتٍ أمرهُ\r\rترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى\r\rبل قسماً بالشمّ منْ يعربَ هل\r\rلمقسمٍ من بعد هذا منتهى\r\rهمُ الأولى إن فخروا قال العلا\r\rبفي امرئ فاخركم عفرا البرا\r\rهمُ الأولى اجروا ينابيع النّدى\r\rهاميةً لمنْ عرا او اعتفى\r\rهمُ الَّذين دوخوا من انتحى\r\rوقوموا منْ صعر ومن صغا\r\rهمُ الَّذين جرعوا فما حلّوا\r\rأفارق الضَّيم ممراة الحسا\r\rأزال حشو نثرةِ موضونة\r\rحتى أورى بين أثناءِ الحثى\r\rوصاحبيَّ صارمٌ في متنه\r\rمثلُ مدبّ النّمل يعلو في الرُّبى\r\rأبيض كالملح إذا انتصيته\r\rلم يلق شيئاً حدُّهُ إلاّ فرى\r\rكأنّ بين عيره وغرّ به\r\rمفتأداً تأكلتْ فيه الجذى\r\rيري المنونَ حين تقفو إثرهُ\r\rفي ظلمِ الأكبادِ سبلاً لا ترى\r\rإذا هوى في جثةٍ غادرها\r\rمن بعدما كانت خساً وهي زكا\r\rومشرفُ الأقطار خاطٍ نحضهُ\r\rحابى القصيرى جرشعٍ عردُ النسى\rقريبُ ما بين القطاة والمطا\r\rبعيد ما بين القذال والصُّلا\r\rسامي التَّليل في دسيع مقعمٍ\r\rرحب اّلليان في أمينات العجى\r\rركينَ في حواشبٍ مكتنةٍ\r\rإلى نسور مثل نلفوظ النوى\r\rيرضخ بالبيدِ الحصى فإن رقى\r\rإلى الرُّبى أورى بها نارَ الحبا\r\rيديرُ إغليطين في ملمومةٍ\r\rإلى لموحين بألحاظ اللأى\r\rمداخلُ الحلقَ رحيبٌ شجرهُ\r\rمخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى\r\rلا صككٌ يشينه ولا فجا\r\rولا دخيسٌ واهنٌ ولا شطا\r\rيجري فتكبوا الرّيح في غاياته\r\rحسرى تلوذ بجراثيم السَّحا\r\rلو اعتسفتَ الأرض فوق متنه\r\rيجوبها ما خفتَ أن يشكو الوجى","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"تظنهُ وهو يرى محتجباً\r\rعن العيون إن دأى أو إن ردى\r\rإذا اجتهدت نظراً في إثره\r\rقلت سناً أو مض أو برقٌ خفا\r\rكأنمّا الجوزاءٌ في أرساغه\r\rوالنجم في جبهته إذا بدا\r\rهما عتادي الكافيان فقد من\r\rأعددتهُ فلينأ عنَّي من نأى\r\rفإن سمعت برحّى منصوبة\r\rللحزب فاعلم أنّني قطب الرَّحى\r\rوإن رأيت نار حرب تلتظى\r\rفاعلم بأني مسعرٌ ذاك اللظى\r\rخيرُ النفوس الَّسائلاتُ جهرةً\r\rعلى ظباتِ المرهفات والقنا\r\rإنّ العراق لم أفارقْ أهله\r\rعنْ شنآنٍ صدّني ولا قلى\r\rولا أطّبي عيني مذ فارقتهم\r\rشيءٌ يروق العين من هذا الورى\r\rهم الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذرا\r\rوالناس أدحالٌ سواهم وهوى\r\rهمُ البحور زاخرٌ ادبُّها\r\rوالناس ضخضاح ثعابٌ وأضى\r\rإن كنتُ أبصرتُ لهم من بعدهم\r\rمثلاً فأغضيتُ على وخز السّفا\r\rحاشا الأميرينِ الذين أوفدا\r\rعليَّ ظلاَّ منْ نعيمٍ قد ضفا\r\rهما الّلذان أثبتا لي أملاً\r\rقد وقف اليأسُ به على شفا\r\rتلافيا العيش الذي رنَّقه\r\rصرفُ الزّمان فاستساغَ وصفا\r\rوأجريا ماءَ الحيا لي رغداً\r\rفاهتزَّ غصني بعدما كان ذوى\r\rهما الّلذان سموا بناظري\r\rمن بعد إغضائي على لذعِ القذى\r\rهما الّلذان عمَّرا لي جانيا\r\rمن الرّجاءِ كان قدماً قدْ عفا\r\rوقلّداني منَّهُ لوْ قرنتْ\r\rبشكر أهل الأرض عنّي ما وفى\r\rبالعشر من معشارها وكان كال\r\rحشوة في آديّ بحرِ قد طمى\r\rإنّ ابنَ ميكال الأميرَ انتاشني\r\rمن بعدما قد كنتُ كالشيء الّلقا\r\rومدَّ ضبعيَّ أبو العبّاس من\r\rبعد انقباض الدَّرعِ والباعِ الوزى\r\rذاك الذي ما زال يسمو للعلا\r\rبفعله حتى علا فوق العلا","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"لو كان يرقّى أحدٌ بجوده\r\rومجده إلى السَّماء لارتقى\r\rما إن أتى بحرَ نداه معتفٍ\r\rعلى أوارى علم إلا ارتوى\r\rنفسي الفداءُ لأميري ومنْ\r\rتحت السماءِ لأميريّ الفدا\r\rلا زال شكري لهما موصلا\r\rلفظيَ أو يعتاقني صرفُ المنى\r\rإن الأولى فارقتُ من غير قلى\r\rما زاغ قلبي عنهم وما هفا\r\rلكنَّ لي عزماً إذا امتطيتهُ\r\rلمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى\r\rولو أشاءُ ضمَّ قطريه الصَّبا\r\rعليّ في ظلّ نعيم وغنى\r\rولا عبتني غاذةٌ وهنانة\r\rتضني وفي ترشافها برءُ الضنى\r\rتفري بسيفِ لحظها غن نظرتْ\r\rنظرةَ غضبى منك اثناء الحشا\r\rفي خدّها روضٌ من الورد على النَّس\r\rرين بالألحاظِ منها يجتنى\r\rلو ناجتِ الأعصمَ لانحطّ لها\r\rطوعَ القياد في شماريخ الذُّرا\r\rأوْ صابت القانتَ في مخلولقِ\r\rمستصعبٍ المسلكَ وعر المرتقى\r\rألهاه عنْ تسبيحه ودينه\r\rتأنيسها حتى تراه قد صبا\r\rكأنّما الصّهباء مقطوبٌ بها\r\rماءُ جنى وردٍ إذا الّليلُ عسا\r\rيمتاحهُ راشفُ بردٍ ريقها\r\rبين بياض الظَّلم منها والَّلمى\r\rسقى العقيق فالحزيز فالملا\r\rإلى النَّحيت فالقريّات الدُّنا\r\rفالمريد الأعلى الذي يلقى به\r\rمصارع الأسد بألحاظ المها\r\rمحلَّ كلّ مقرم سمتْ به\r\rمآثر الأباءِ في فرع العلا\r\rمن الأولى جوهرهمْ إذا اعتزوا\r\rمنْ جوهر منهُ النبيّ المصطفى\r\rصلَّى عليه ما جنَّ الدُّجى\r\rوما جرت في فلك شمس الضحى\r\rجونٌ أعارته الجنوبُ جانباً\r\rمنها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا\r\rنأى يمانياً فلمَّا انتشرتُ\r\rأحضانهُ وامتدّ كسراه غطا\r\rفجلّل الأفق فكلُّ جانبٍ\r\rمنها كأن من قطره المرن حبا","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"وطبّق الأرض فكل بقعةٍ\r\rمنها تقولُ الغيثُ في هاتا ثوى\r\rإذا خبت بروقهُ عنّتْ لها\r\rريحُ الصَّبا تشبُّ منها ما خبا\r\rوإنْ ونتْ رعودهُ حدا بها\r\rراعي الجنوبِ فحدثْ كما حدا\r\rكأنّ في أحضانهِ وبركهِ\r\rبركاً تداعى بينَ سجر ووحى\r\rلم تر كالمرنِ سواماً بهلاَ\r\rتحتسبهامرعيَّة وهي سدا\rتقولُ للأجراز لمّا استوسقتْ\r\rبسوقهِ ثقي بريّ وحيا\r\rفأوسعَ الأحداب سيباً محسباً\r\rوطبّق البطنان بالماءِ الرّوى\r\rكأنما البيداءُ غيبَّ صوبه\r\rبحرٌ طما تيارهُ ثمّ سجا\r\rذاك الجدا لا زال مخصوصاً به\r\rقوم هم للأرض غيثٌ وجدا\r\rلستُ إذا ما بهظتني غمرةٌ\r\rممن يقول بلغ السّيلُ الزُّبى\r\rنهنهتها مكظومةً حتى يرى\r\rمخضوضعاً منها الذي كان طغا\r\rولا أقول إن عرتني نكبةٌ\r\rقول القنوطِ انقدّ في البطن السّلا\rقد مارستْ منّي الخطوبُ مارساً\r\rيساورُ الهول إذا الهولُ علا\r\rطمعي شريُّ للعدوّ تارة\r\rوالرَّاح والأريُ لمن ودّي ابتغي\r\rلدنٌ إذا لوينتُ سهلٌ معطفي\r\rألوى إذا خوشنتُ مرهوب الشدّا\r\rيعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوتي=إذا رياحُ الطّيشِ طارتْ بالحبا\rلا يطبيني طمعُ مدنّسٌ\r\rإذا استعمالَ طمعٌ أواطبى\r\rوقد علتْ بي رتباً تجاربي\r\rأشفين بي منها على سباِ النُّهى\r\rإن امرؤٌ خيف لإفراط الأذى\r\rلم يخش مني نزقٌ ولا أذى\r\rمن غير ما وهن ولكنّي امرؤٌ\r\rأصونُ عرضاً لم يدنسهُ الطُّخا\r\rوصونُ عرض المرءِ أن يبذلَ ما\r\rضنّ به ممّا حواهُ وانتضى\r\rوالحمد قرن ناجم في زمن\r\rفهو شبيهُ زمن فيه بدا\r\rوالناس كالنّبت فمنهمْ رائقٌ\r\rغضَّ نضيرٌ عوده مرُّ الجنى\r\rومنهُ ما تقتحم العين فإن\r\rذقت جناه انساغ عذاباً في اللها","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"يقومُ الشارخُ منْ زيغانهَ\r\rفيستوي ما انعاجَ منهُ وانحنى\r\rوالشّيخ إن قومتهُ منْ زيغه\r\rلمْ يقم التثقيفُ منه ما التوى\r\rكذلك الغصن يسيرٌ عطفه\r\rلدناً شديدٌ غمزهُ إذا عسا\r\rمن ظلمَ الناس تحاموا ظلمهُ\r\rوعزَّ عنهم جانباه واحتمى\r\rوهم لمنْ لان لهم جانبه\r\rأظلمُ من حيّاتٍ أنباثِ السّفا\r\rعبيدُ ذي المال وإن لم يطمعوا\r\rمنْ غمره في جرعه تشفي الصدى\rوهم لمنْ أملقَ أعداءٌ وإن\r\rشاركهم فيما أفاد وحوى\r\rعاجمتُ أيامي وما الغرّ كمن\r\rتأزرَ الدَّهرُ عليهِ واعتدى\r\rلا يرفعُ الّلبُّ بلا جدَّ ولا\r\rيحطُّكَ الجهل إذا الجدُّ علا\r\rمنْ لم يعظهُ الدَّهر لم ينفعه ما\r\rراحَ به الواعظ يوماً أو غدّاً\r\rمن لم تفدهُ عبراً أيامهُ\r\rكان العمى أولى به من الهدى\r\rمنْ قاس ما لم يره بما يرى\r\rأراهُ ما يدنو إليه ما نأى\r\rمنْ ملكَ الحرصَ القيادَ لم يزل\r\rيكرعُ منْ ماءِ من الذُّلّ صرى\r\rمنْ عارض الطماع باليأسِ رنتْ\r\rإليه عينُ العزّ من حيث رنا\r\rمنْ عطف النَّفس على مكروها\r\rكان الغنى قرينه حيثُ انتوى\r\rمن لم يقف عند انتهاء قدره\r\rتقاصرت عنه فسيحات الخطا\r\rمنْ ضيع الحزم جنى لنفسه\r\rندامةً ألذع من سفع الذَّكا\r\rمن ناط بالعجبِ عرى أخلاقه\r\rنيطت عرى المقتِ إلى تلك العرى\r\rمنْ طالَ فوقَ منتهى بسطته\r\rأعجزه نيل الدُّنى بله القصا\r\r?من رام ما يعجزُ عنه طوقهُ=ملعبء يوماً آض مجزول المطا\rوالناس ألفٌ منهمُ كواحد\r\rوواحدٌ كالألف أن أمرق عنى\r\rوللفتى ماله ما قدمتْ\r\rيداه قبل موتهِ لا ما اقتنى\r\rوإنما المرءُ حديثٌ بعده\r\rفكن حديثاً حسناً لمن وعى\r\rإنّي حلبتُ الدّهر شطريه فق","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"أمرَّ لي حيناً وأحياناً حلا\r\rوفرَّ عن تجربة نابي فقلْ\r\rفي بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى\rوالناس للموتِ خلاً يلسُّهمْ\r\rوقلّ ما يبقى على الَّلسّ الخلا\r\rعجبت منْ مستيقن أنّ الرّدى\r\rإذا أتاه لا يداوي بالرُّقى\r\rوهو من الغفلةِ في أهويةٍ\r\rكخابط بين ظلام وعشا\r\rنحن ولا كفران لله كما\r\rقد قيل للسّارب أخلى فارتعى\r\rإذا أحسَّ نبأةً ريعَ وإنْ\r\rتطامنتْ عنه تمادى ولها\r\rكثلةٍ ريعت لليثِ فانزوت\r\rحتى إذا غاب اطمأنَّت إنْ مضى\r\rنهالُ للسّير الذي يروعنا\r\rونرتعي في غفلة إذا انقضى\r\rإن الشقاءَ بالشقيّ مولعٌ\r\rلا يملكُ الرَّدَّ له إذا أتى\r\rوالّلوم لحرّ مقيمٌ رادعٌ\r\rوالعبدُ لا يردعهُ إلاّ العصا\r\rوآفة العقل الهوى فمن علا\r\rعلى هواهُ عقله فقد نجا\r\rكم من أخٍ مسخوطة أخلاقه\r\rأضفيتهُ الودَّ لخلق مرتضى\r\rإذا بلوتَ السيَّف محموداً فلا\r\rتذممه يوماً أن تراه قد نبا\r\rوالطّرف يجتاز المدى وربّما\r\rعنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبا\r\rمنْ لك بالمهذَّب النّدبِ الذي\r\rلا يجدُ العيبُ إليهِ مختطى\r\rإذا تصفَّحت أمور الناس لم\r\rتلف امرأَ حاز الكمال فاكتفى\r\rعوّلْ على الصبّر الجميل أنّه\r\rأمنعُ ما لاذ به أولوا الحجا\r\rوعطّفِ النّفس على سبلِ الأسى\r\rإذا استفزّ القلب تبريح الجوى\r\rوالدّهر يكبو بالفتى وتارة\r\rينهضهُ منْ عثرةٍ إذا كبا\r\rلا تعجبنْ من هالكٍ كيف هوى\r\rبلى فاعجبن من سالمٍ كيف نجا\r\rإنّ نجوم المجدِ أمستْ أفّلا\r\rوظلّهُ القالصُ أضحى قد أزى\r\rإلا بقايا منْ أناسٍ بهم\r\rإلى سبيلِ المكرمات يقتدى\r\rإذا الأحاديث انتضتْ أنباءهم\r\rكانت كنشر الرَّوض غاداهُ السَّدى","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"لا يسمع السّامع في مجلسهم\r\rهجراً إذا جالسهم ولا خنا\r\rما أنعم العيشة لو أن الفتى\r\rيقبل منه الموتُ أسنّاء الرُّشا\r\rأو لو تحلَّى بالشبّاب عمرهُ\r\rلم يستبله الشَّيبُ هاتيك الحلى\r\rهيهات مهما يستعرّ مسترجعٌ\r\rوفي خطوب الدّهر للناس أسى\r\rوفتية سامرهم طيفٌ السكرى\r\rفسامروا النَّوم وهم غيد الطّلى\r\rوالليل ملقٍ بالموامي بركهُ\r\rوالعيس ينبئن أفاحيص القطا\r\rبحيث لا تهدي لسمع نبأة\r\rإلاّ نئيمُ البوم أو صوت الصَّدى\r\rشايعتهم على السُّرى حتى إذا\r\rمالت أداةُ الرّحلِ بالحبس الدّرى\r\rقلت لهم إنّ الهوينا غبُّها\r\rوهنٌ فجدُّوا نحمدوا غب السرى\r\rوموحش الأقطار طام ماؤهُ\r\rمدعثر الأعضادِ مزومِ الجبا\r\rكأنما الرّيشُ على أرجائه\r\rزرقُ نصالِ أرهفت لتمتهي\r\rوردتهُ والذئبُ يعوي حولهُ\r\rمسنكُّ سمُّ السمع من طول الطّوى\r\rومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ\r\rلم يتخوَّنْ جسمهُ مسّ الضّوى\r\rأفرشتهُ بنتَ أخيه فانثنت\r\rعن ولد يورى به ويشتوى\r\rومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ\r\rمستصعب المسلكِ وعرِ المرتقى\r\rوالشّخص في الآل يرى لناظر\r\rترمقه حيناً وحيناً لا يرى\r\rأوفيت والشّمس تمجُّ ريقها\r\rوالضّلُّ من تحت الحذاءِ محتذى\r\rوطارقٍ يؤنسهُ الذّئب إذا\r\rتضورّ عشاءً وانضوى\r\rآوى إلى ناريَ وهيَ مألفٌ\r\rيدعو العفاةَ ضوؤها إلى القرى\r\rلله ما طيفُ خيال زائرٍ\r\rتزفُّهُ للقلب أحلام الرُّؤى\r\rيجوبُ أجواز الفلا محتقراً\r\rهول دجى الّليل إذا الّليل انبرى\r\rسائلهُ إن أفصح عن أنبائه\r\rأنّى تسدَّى الليل أن أنّى اهتدى\r\rأو كان يدري قبلها ما فارسٌ\r\rوما مواميها القفار والقرّى\r\rوسائلي بمزعجي في وطني\r\rما ضاق بيَ جنابهُ ولا نبا","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى\r\rمن حيث لا يدري ومن حيث درى\rلا تسألني واسأل المقدارَ هل\r\rيعصمُ منه وزرُ ومزدرى\r\rلا بدّ أن يلقى امرؤٌ ما خطه\r\rذو العرش مما هو لاقٍ ووحي\r\rلا غرو إن لح زمان جائرٌ\r\rفاعترق العظم الممخّ وانتقى\r\rفقد ترى القاحلَ مخصرّاً وقد\r\rتلقى أخا الأقتارِ يوماً قد نما\r\rيا هؤليّا هلْ نشدتنَّ لنا\r\rناقية البرقع عن عيني طلا\r\rما أنصفتْ أم الصَّبيَّين التي\r\rأصبتَ أخا الحلم ولما يصطبى\r\rاستحي بيضاً بين أفوادك أن\r\rيقتادك البيضُ اقتياد المهتدى\r\rهيهات ما أسفعَ هاتا زلّةً\r\rأطرباً بعدَ المشيب والجّلا\r\rياربَ ليل جمعتْ قطريهِ لي\r\rبنتُ ثمانين عروساً تجتلى\r\rلم يملك الماُء عليها أمرها\r\rولم يدنسها الضَّرام المحتضى\r\rحيناً هي الدَّاء وأحياناً بها\r\rمن دائها إذا يهيج يشتفى\r\rقد صانها الخمارُ لمّا اختارها\r\rضنّا بها على سواها واختبى\r\rفهي ترى من طول عهدٍ أن بدت\r\rفي كاسها الأعين الناس كلا\r\rكأنّ قرن الشّمس في ذرورها\r\rبفعلها في الصَّحن والكاس اقتدى\r\rنازعتها أروع لا تسطو على\r\rنديمهِ شرَّتهُ إذا انتشى\r\rكأن نور الرّوض نظمُ لفظه\r\rمرتجلاً أو منشداً أو إن شدا\r\rمن كلّ ما نال الفتى قد نلته\r\rوالمرءُ يبقى بعده حسن الثّنا\r\rفإن أمت فقد تناهت لذّتي\r\rوكلُّ شيء بلغ الحدّ انتهى\r\rوغن اعش صاحبت دهري عالماً\r\rبما انطوى من صرفهِ وما انتشى\rحاشا لما أساره فيّ الحجا\r\rوالحلم أن أتبع رواد الخنا\r\rأو أن أرى لنكبة مختضعاً\r\rأو لابتهاج فرحاً ومزدهى\r\rوقال المثقب العبدي الجاهلي المتوفى سنة 587 م من قصيدة\rلا تقولنّ إذا ما ترد\r\rأن تتمّ الوعد في شيء (نعم)","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"حسن قول (نعم( من بعد (لا)\r\rوقبيح قول (لا) بعد (نعم)\r\rإن (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ\r\rفبلا فابدأ إذا خفت الندم\r\rوإذا قلت نعم فاصبر لها\r\rبنجاز الوعد إن الخلفَ ذم\r\rاكرم الجار وراعٍ حقّه\r\rإن عرفان الفتى الحقَّ كرم\r\rلا تراني راتعاً من مجلسِ\r\rفي لحوم الناس كالسّبع الضّرم\rإن شرّ الناس من يمدحني\r\rحين يلقاني وإن غبت شتم\r\rوكلام سيءِ قد وقرت\r\rعنه أذناي بي من صمم\r\rولبعضُ الصفح والأعراض عن\r\rذي الخنا أبقى وإن كان ظلم\r\rوقال الأفوه الأودي الجاهي المتوفى سنة 570 م\rالبيت لا يبتنى إلا على عمد\r\rولا عماد إذا لم ترسُ أوتاد\r\rفإن تجمَّع أوتاد وأعمدة\r\rيوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا\r\rلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم\r\rولا سراة إذا جهّالهم سادوا\r\rتهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت\r\rفإن تولّت فبالأشرار تنقاد\r\rإذا تولى سراة الناس أمرهم\r\rنما على ذاك أمر القوم فازدادوا\r\rكيف الرشاد إذا ما كنت في بقر\r\rلهم عن الرّشد أغلال وأقياد\r\rأعطوا غواتهمُ جهلاً مقادتهم\r\rفكلهم في حبال الفيّ منقاد\r\rوقال الإمام علي كرم الله وجهه\rأما والله الظَّلم شؤمق\r\rولا زال المسيءُ هو الظّلومُ\rإلى الدّيان يوم الدين نمضي\r\rوعند الله تجتمع الخصوم\r\rستعلم في الحساب إذا التقينا\r\rغداً عند المليك من الملوم\r\rستنقطع الّلذاذةُ عن أناسٍ\r\rمن الدُّنيا وتنقطع الهموم\r\rلأمر تصرّمت الليالي\r\rلأمرٍ ما تحرّمت النّجوم\r\rسل الأيّام عن أمم تقضّتْ\r\rستنبيك المعالم والرُّسوم\r\rتروم الخلد في دار الدّنايا\r\rفكم قد رام غيرك ما تروم\r\rتنام ولم تنم عنك المنايا\r\rتنبّه للمنيّة يا نؤوم\r\rلهوت عن الفناء وأنتَ تفنى\r\rفما شيءٌ من الدُّنيا يدوم\r\rتموت غداً وأنت قرير عين","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"من الشّهوات في لجج تعوم\r\rوقال أيضاً\rعليك ببّر الوالدين كليهما\r\rوبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد\r\rولا تصحبن إلاّ تقيّا مهذباً\r\rعفيفاً ذكياً منجزاً للمواعد\r\rوقارن إذا قارنتَ حرّاً مؤدباً\r\rفتى من بني الأحرار زين المشاهد\rوكفّ الأذى واحفظ لسانك واتّق\r\rفديتك في ودّ الخليل المساعد\r\rونافس ببذل المال في طلب العلى\r\rبهمّة محمود الخلائق ماجد\r\rوكن واثقاً بالله في كل حادثٍ\r\rيصنكَ مدى الأيام من شرّ حاسد\r\rوبالله فاستعصم ولا ترجُ غيره\r\rولا تكُ في النّعماءِ عنه بجاحد\r\rوغضّ عن المكروه طرفك واجتنبْ\r\rأذى الجارِ واستسمك بحبل المحامد\r\rولا تبينِ في الدُّنيا بناءَ مؤمل\r\rخلوداً فما حيَّ عليها بخالد\r\rوقال أيضاً\rقدَّم لنفسك في الحياة تزوَّداً\r\rفلقد تفارقها وأنت مودّع\r\rواهتم للسّفر القريب فإنه\r\rأنأى منَ السَّفر البعيد وأشنعُ\r\rواجعل تزودُّدك المخافة والتُّقى\r\rفلعلّ حتفك في مسائك أسرعُ\r\rواقنع بقوتك فالقناع هو الغنى\r\rوالفقر مقرون بمن لا يقنع\r\rوأحذر مصاحبة اللئام فإنهم\r\rمنعوك صفو ودادهم وتصنّعوا\r\rأهلُ المودّة ما أنلتهمُ الرَّضا\r\rوإذا منّعت فسمُّهم لك منقّع\r\rلا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ\r\rيفشى إليك سرائراً يستودع\r\rفكما تراه بسّرٍ غيرك صانعاً\r\rفكذا بسرّك لا محالة يصنع\r\rلا تبدأن بمنطق في مجلس\r\rقبل السُّؤال فإن ذلك يشنع\r\rفالصمت يحسنُ كل ظنّ بالفتى\r\rولعلهُ خرقٌ سفيهٌ أرقع\r\rودع المزاحَ قربَّ لفظةِ مازحٍ\r\rجلبت إليك بلابلاً لا تدفع\r\rوحفاظَ جارٍ لا تضعهُ فإنه\r\rلا يبلغُ الشرفَ الجسيمَ مضيّع\r\rوإذا استقالك ذو الإساءةِ عثرةً\r\rفأقلهُ إن ثواب ذلك أوسع\r\rوإذا ائتمنت على السّرائر فاخفها","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"واستر عيوب أخيك حين تطلَّع\r\rلا يجزَعنَّ الحوادث إنما\r\rخرقُ الرّجال عن الحوادث يجزع\rوأطعْ أباك بكل ما أوصى به\r\rإن المطيع أباه لا يتضعضعُ\r\rوقال أيضاً\rصن النّفس واحملها على ما يزينها\r\rتعشْ سالماً والقول فيك جميلُ\r\rولا تريَّن الناسَ إلا تجملاً\r\rنبا بك دهرٌ أو جفاك خليل\r\rوإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ\r\rعسى نكبات الدّهر عنك تزول\r\rيعزُّ غنيُّ النّفس إن قلّ مالهُ\r\rويفنى غنيُّ المال وهو ذليل\r\rولا خير في وُدّ امرئٍ متلونٍ\r\rإذا الرّيح مالت مال حيث تميل\r\rجوادٌ إذا استغنيت عن أخذِ مالهِ\r\rوعند احتمال الفقر عنك بخيل\r\rفما أكثر الأخوان تعدُّهم\r\rولكنّهم في النائباتِ قليل\r\rوقال عبد الله بن جعفر الطالبي المتوفى سنة 80 ه?\rإذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً\r\rفأرسلْ حكيماً ولا توصهِ\r\rوإن بابُ أمرٍ عليك التوى\r\rفشاورْ لبيباً ولا تعصهِ\r\rوإن ناصحٌ منكَ يوماً دنا\r\rفلا تنأ عنهُ ولا تقصهِ\r\rولا تذكر الدهرَ في مجلسٍ\r\rحديثاً إذا أنت لم تحصهِ\r\rونص الحديث إلى أهلهِ\r\rفإن الأمانةَ في نصّه\r\rوكم من فتى عازبٍ لبهُ\r\rوقد تعجبُ العينُ من شخصهِ\rوآخرَ تحسبهُ أنوكاً\r\rويأتيكَ بالأمرِ من فصهِ\r\rوقال أبو الأسود الدؤلي\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه\r\rفالقوم أعداءٌ له وخصومُ\r\rوترى اللبيبَ محسداً لم يجترم\r\rشتمَ الرّجال وعرضهُ مشتوم\r\rوكذاكَ من عظمتْ عليه نعمةٌ\r\rحساده سيفٌ عليه صروم\r\rفاترك مجاراة السّفيه فإنها\r\rندمٌ وغبٌّ بعد ذاك وخيم\r\rفإذا جريتَ مع السّفيه كما جرى\r\rفكلاَ كما في جرْيه مذموم\r\rوإذا عتبتَ على السّفيه ولمتهُ\r\rفي مثل ما تأتي فأنت ظلوم\r\rأيها الرجلُ المعلّم غيره","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"هلا لنفسك كان ذا التعليم\r\rتصفُ الدّواءَ وذي السّقام وذي الضّنى\r\rكيما يصحُّ به وأنت سقيم\r\rوأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا\r\rأبداً و أنت من الرّشاد عقيم\r\rلا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله\r\rعارٌ عليك إذا فعلت عظيم\r\rابدأ بنفسك فانهها عن غيّها\r\rفإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم\r\rفهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى\r\rبالعلم منك وينفع التّعليم\r\rلا تكلمنْ عرض بن عمّك ظالماً\r\rفإذا فعلتَ فعرضك المكلوم\r\rوحريمه أيضاً حريمك فاحمهِ\r\rكيلا يباع لديك منه حريم\r\rوإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةً\r\rفكلومهُ لك إن علقتَ كلوم\r\rوإذا طلبت إلى كريم حاجةً\r\rفلقاؤه يكفيك والتّسليم\r\rفإذا رآك مسلّماً ذكر الذي\r\rكلّمتهُ فكأنه ملزوم\r\rورأى عواقب حمدِ ذاك وذمّه\r\rللمرء تبقى والعظام رميم\r\rفارجُ الكريم وإن رأيتَ جفاءه\r\rفالعتب منه والكريم كريم\r\rإن كنتَ مضطرّاً وإلا فاتخذْ\r\rنفقاً كأنك خائفٌ مهزوم\r\rواتركه واحذر أن تمرّ ببابه\r\rدهراً وعرضك إن فعلتَ سليم\r\rفالناس قد صاروا بهائم كلُّهم\r\rومن البهائم قائلٌ وزعيم\r\rعميٌ وبكمٌ ليس يرجى نفعهم\r\rوزعيمهم في النّائبات مليم\r\rوإذا طلبتَ إلى لئيم حاجة\r\rفألحّ في رفقٍ وأنت مديم\r\rوالزم قبالةَ بيته وفنائه\r\rبأشدّ ما لزمَ الغريَم غريمُ\r\rوعجبت للدّنيا ورغبة أهلها\r\rوالرّزق فيما بينهم مقسوم\r\rوالأحمق المرزوقُ أعجبُ من أرى\r\rمن أهلها والعاقلُ المحروم\r\rثم انقضى عجبي لعلمي أنّه\r\rرزقُ موافٍ وقتهُ معلوم\r\rوقال العباس بن مرداس المتوفى سنة 16ه?\rترى الرجلَ النّحيف فتزدريه\r\rوفي أثوابه أسدٌ مزيرُ\r\rويعجبك الطّرير فتبتليه\r\rفيخلف ظنّك الرّجل الطرير","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"فما عظمُ الرّجال لهم بفخر\r\rولكن فخرهم كرمٌ وخير\r\rبغاثُ الطّير أكثرها فراخاً\r\rوأم الصَّقر مقلاتٌ نزور\r\rضعافُ الطّير أطولها جسوماً\r\rولم تطل البزاة ولا الصُّقور\r\rلقد عظم البعير بغير لبّ\r\rفلم يستغن بالعظم البعير\r\rيصرّفه الصبيّ بكل وجهٍ\r\rويحسبه على الخسف الجرير\rفإن أك في شراركم قليلاً\r\rفإني في خياركم كثير\r\rوقال الإمام الشافعي رضي الله عنه\rدع الأيّام تفعل ما تشاءُ\r\rوطب نفساً إذا حكم القضاءُ\r\rولا تجزع لحادثة الليالي\r\rفما لحوادث الدنيا بقاء\r\rوكن رجلاً على الأهوال جلداً\r\rوشيمتك السماح والسّخاء\r\rيغطّى بالسّماحة كلّ عيب\r\rوكم عيب يغطّيه السّخاء\r\rولا حزنٌ يدوم ولا سرور\r\rولا بأسٌ عليك ولا رخاء\r\rولا تريَ الأعادي قط ذلاًّ\r\rفإن شماتة الأعدا بلاء\r\rولا ترجُ السّماحة من بخيل\r\rفما في النار للظّمآن ماء\r\rورزقك ليس ينقصه التأنّي\r\rوليس يزيد في الرّزق العناء\rإذا ما كنت ذا قلب قنوع\r\rفأنتَ ومالكُ الدنيا سواء\r\rومن نزلت بساحته المنايا\r\rفلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء\r\rوأرض الله واسعة ولكن\r\rإذا نزل القضا ضاق الفضاء\rدع الأيام تغدر كلّ حين\r\rولا يغني عن الموت الدواء\r\rوقال عبدة بن الطيب المتوفى سنة 39 ه?\rأبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني\r\rبصري وفّي لمنظرٌ مستمتعُ\r\rأوصيكم بتقى الإله فإنّه\r\rيعطي الرغائب من يشاءُ ويمنع\r\rوببّر والدكم وطاعة أمره\r\rإن الأبرّ من البنين الأطوعُ\r\rإنّ الكبير إذا عصاهُ أهله\r\rضاقت يداهُ بأمره ما يصنع\r\rودعوا الضّغائن لا تكن من شأنكم\r\rإن الغضائن للقرابة توضع\r\rيزجي عقاربه ليبعث بينكم\r\rحرباً كما بعث العروقَ الأخدع\r\rإن الذين ترونكم إخوانكم\r\rيشفي غليل صدورهم أن تصرعوا","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"وإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا\r\rرجلاً له قلب حديد أصمع\r\rإنّ الحوادث تخترِمنَ وإنما\r\rعمر الفتى في أهله مستودع\r\rيسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً\r\rجدَّا وليس بآكل ما يجمع\r\rوقال قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612 م من قصيدة\rوما بعض الإقامة في ديار\r\rيهان بها الفتى إلا بلاءُ\r\rوبعضُ خلائق الأقوام داءُ\r\rكداء البطن ليس له دواءُ\r\rيريدُ المرءُ أن يعطي مناهُ\r\rويأبى الله إلا ما يشاءُ\r\rوكل شديدة نزلت بقوم\r\rسيأتي بعد شدّتها رخاءُ\r\rولا يعطى الحريص غنى لحرص\r\rوقد يمنى على الجود الثَّراء\r\rغنيُّ النفس ما عمرتْ غنيٌّ\r\rوفقرُ النّفس ما عمرتْ شقاءُ\r\rوليس بنافع ذا البخل مالٌ\r\rولا مزر بصاحبه السّخاء\r\rوبعض الدواء ملتمسٌ شفاءً\r\rوداءُ النوك ليس له إناء\r\rوبعض القول ليس له غناجٌ\r\rكمحضِ الماءِ ليس له إناء\r\rولم أرى كامرئٍ يدنو لخسفٍ\r\rله في الأرض سيرٌ واستواء\r\rيصوغ لك اللسان على هواهُ\r\rويفضحُ أكثر القيل البلاء\r\rألا من مبلغ الشعراءِ عني\r\rفلا ظلم لديّ ولا ابتداء\r\rولستُ بغائظِِ الأكفاء ظلماً\r\rوعندي للملمّاتِ اجتراء\r\rوقال صالح بن عيد القدوس المتوفى سنة 855 ه??\rالمرء يجمعُ والزّمان يفرقُ\r\rويظل يرقع والخطوب تمزّقُ\r\rلأن يعادي عاقلاً خيٌر له\r\rمن أن يكون له صديقٌ أحمق\r\rفاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً\r\rإن الصّديق على الصّديق مصدق\rوزن الكلام إذا نطقت فإنما\r\rيبدي عقول ذي العقول المنطق\r\rومن الرّجال إذا استوت أخلاقهم\r\rمن يستشار إذا استشيَر فيطرق\r\rحتى يحلَّ بكل وادٍ قلبه\r\rفيرى ويعرف ما يقول فينطق\r\rلا ألفينّك ثاوياً في غربةٍ\r\rإن الغريب بكل سهم يرشق\r\rما النّاس إلا عاملان فعامل\r\rقد مات من عطش وآخر يغرق","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"والناس في طلب المعاش وإنما\r\rبالجدّ يرزق منهم من يرزق\r\rلو يرزقون الناسُ حسب عقولهم\r\rألفيت أكثر من ترى يتصدَّق\r\rلكنه فضل المليك عليهم\r\rهذا عليه موسعُ ومضيّق\r\rوإذا الجنازة والعروس تلاقيا\r\rورأيت دمع نوائحٍ يترقرق\r\rسكت الذي تبع العروس مبهتاً\r\rورأيت من تبع الجنازة ينطق\r\rوإذا امرؤٌ لسعته أفعى مرة\r\rتركتهُ حين يجر حبل يفرق\r\rبقيَ الذين إذا يقولوا يكذبوا\r\rومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا\rوقال أيضاً\rصرمتْ حبالكَ بعد وصلك زينبُ\r\rوالد?ّهر فيه تصرمٌّ وتقلبُ\r\rوكذاك وصلُ الغانيات فإنهُ\r\rآلٌ ببلقعةٍ وبرقٌ خلبُ\r\rفدع الصّبا فلقد عداك زمانه\r\rواجهدْ فعمر مرّ منه الأطيبُ\r\rذهب الشّباب فما له من عودةٍ\r\rوأتى المشيب فأين منهُ المهرب\r\rدع عنك ما قد فات في زمن الصّبا\r\rواذكرْ ذنوبكَ وابكها يا مذنب\r\rواخش مناقشة الحسابِ فإنّه\r\rلا بدّ يحصى ما جنيتَ ويكتب\r\rوالليل فاعلم والنهار كلاهما\r\rأنفاسنا فيه تعدُّ وتحسب\r\rلم ينسهُ الملكان حينَ نسيتهُ\r\rبل أثبتاه وأنت لاهٍٍ تلعب\r\rوالرُّوح فيك وديعة أودعتها\r\rستردُّها بالرغَّم منك وتسلبُ\r\rوغرور دنياك التي تسعى لها\r\rدار حقيقتها متاع يذهب\r\rوجميع ما حصلته وجمعته\r\rحقّاً يقيناً بعد موتك ينهب\r\rتبَّاً لدار لا يدوم نعيمها\r\rومشيدها عمّا قليل يخرب\r\rفاسمع هديتَ نصائحاً أولاكها\r\rبرٌّ نصوح للأنام مجرّب\r\rأهدى النصيحة فاتعظ بمقاله\r\rفهو التقيُّ اللّوذعيُّ الأدرب\r\rلا تأمن الدّهرَ الخؤون لأنه\r\rما زالت قدماً للرجال يهذّب\r\rوكذلك الأيام في غصاتها\r\rمضضٌ يذلُّ له الأعزّ الأنجب\r\rويفوز بالمال الحقيرُ مكانةً\r\rفتراه يرجى ما لديه ويرغب\r\rويسرُّ بالتّرحيب عند قدومه","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"ويقامُ عند سلامه ويقرَّب\r\rفاقنعْ ففي بعض القناعة راحة\r\rولقد كسي ثوبَ المذلَّة أشعب\r\r?لا تحرصنّ فالحرص ليس بزائدٍ=في الرّزق بل يشقي الحريص ويتعب\rكم عاجزٍ في الناس يأتي رزقهُ\r\rرغداً ويحرمُ كيس ويخيّب\r\rفعليك تقوى الله فالزمها تفزْ\r\rإن التقيَّ هو البهيُّ الأهيب\r\rواعملْ بطاعته وتنلْ منه الرضا\r\rإن المطيع لربّه لمقرَّب\r\rأدّ الأمانة والخيانة فاجتنب\r\rواعدل ولا تظلم يطيبُ المكسبُ\r\rواحذر من المظلوم سهماً صائباً\r\rواعلم بأن دعاءهُ لا يحجب\r\rواخفض جناحك للأقارب كلّهم\r\rيتذللٍ واسمح لهم إن أذنبوا\r\rوإذا بليتَ بنكبة فاصبر لها\r\rمن ذا رأيتَ مسلماً لا ينكب\r\rوإذا أصابك في زمانك شدَّةٌ\r\rوأصابك الخطبُ الكريهُ الأصعب\r\rفادعُ لربّك إنه أدنى لمن\r\rيدعوه لحبل الوريد وأقرب\r\rواحذر مؤاخاة الدَّني لأنه\r\rيعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب\r\rواختر صديقك واصطفيه تفاخراً\r\rإن القرينَ إلى المقارن ينسبُ\r\rودع الكذوب ولا يكن لك صاحباً\r\rإن الكذوب لبئس خلاًّ يصحبُ\r\rوذرِ الحقودُ وإن تقادم عهدهُ\r\rفالحقدُ باقٍ في الصُّدور مغيَّب\r\rواحفظ لسانك واحترز لفظه\r\rفالمرءُ يسلم باللسان ويعطب\r\rوزن الكلام إذا نطقت ولا تكن\r\rثرثارةً في كل ناد تخطب\r\rوالسرّ فاكتمه ولا تنطق به\r\rفهو الأسيُر لديك إذ لا ينشبُ\r\rواحرص على حفظ القلوب من الأذى\r\rفرجوعها بعد التنافر يصعب\r\rإن القلوب إذا تنافر ودها\r\rشبهُ الزجاجة كسرها لا يشعب\r\rواحذر عدوّك إذ تراه باسماً\r\rفالليثُ يبدو نابهُ إذ يغضب\r\rوإذا الصّديق رأيته متملقاً\r\rفهو العدوُّ وحقُّه يتجنب\r\rلا خير في ودّ امرئ متملّق\r\rحلو اللّسان وقلبه يتلّهب","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"يعطيك من طرف اللّسان حلاوة\r\rويروغِ منك كما يروغ الثعلب\r\rيلقاك يحلف أنه بك واثقٌ\r\rوإذا توارى عنك فهو العقرب\r\rإذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة\r\rوخشيت فيها أن يضيق المكسب\r\rفارحل فأرض الله واسعة الفضا\r\rطولاً وعرضاً شرقها والمغرب\r???????????????وقال أبو الفتح البستني المتوفي سنة 1122 ه?\rزيادة المرء في دنياه نقصانُ\r\rوربحه غير محض الخير خسران\r\rوكلُّ وجدان حظّ لا ثبات له\r\rفإن معناه في التحقيق فقدان\r\rيا عامراً لخراب الدهر مجتهداً\r\rبالله هل لخرابِ العمر عمران\r\rويا حريصاً على الأموال تجمعها\r\rأنسيتَ أن سرور المال أحزان\r\rدع الفؤاد عن الدّنيا وزينتها\r\rفصفوها كدر والوصل هجران\r\rوأرعِ سمعك أمثالاً افصلها\r\rكما يفضّل ياقوت ومرجان\r\rأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم\r\rفطالما استعبدَ الإنسانَ إحسان\r\rيا خادم الجسم كم تسهى لخدمته\r\rأتطلب الرّبح ممّا فيه خسران\r\rأقبل على النفس واستكمل فضائلها\r\rفأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان\r\rوكن على الدّهر معواناً لذي أملٍ\r\rيرجو نداك فإن الحرّ عنوان\r\rواشدد يدك بحبل الله معتصماً\r\rفإنه الركنُ إن خانتك أركان\r\rمن يتق الله يحمد من عواقبه\r\rويكفه شرّ من عزُّوا ومن هانوا\r\rمن استعان بغير الله في طلب\r\rفإنَّ ناصره عجزٌ وخذلان\r\rمن كان للخير منَّاعاً فليس له\r\rعلى الحقيقة إخوانٌ وأخدان\r\rمن جاد بالمال مال الناس قاطبة\r\rإليه والمال للإنسان فتَّان\r\rمن سالم النَّاس يسلم من غوائلهم\r\rوعاش وهو قرير العين جذلان\r\rمن كان للعقل سلطان عليه غدا\r\rوما على نفسه للحرص سلطان\r\rومن مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى\r\rأغضى على الحقّ يوماً وهو خزيان\r\rمن استشار صروف الدهر قام له","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"على حقيقة طبع الدهر برهان\r\rمن يزرع الشر يحصد في عواقبه\r\rندامة ولحصد الزَّرع إبَّان\r\rومن استنام على الأشرار نام وفي\r\rقميصه منهم صلٌّ وثعبان\r\rكن ريّق البشر إن الحرّ همته\r\rصفيحة وعليها البشرُ عنوان\r\rورافق الرّفق في كل الأمور فلم\r\rيندم رفيقٌ ولم يذممهُ إنسان\r\rولا يغرنك حظٌّ جرّه خرقٌ\r\rفالخرقُ هدم ورفق المرءِ بنيان\r\rأحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة\r\rفلن يدوم على الإحسان إمكان\r\rفالروض يزدان بالأنوار فاغمه\r\rوالحرُّ بالعدل والإحسان يزدان\r\rصنْ حرّ وجهك لا تهتك غلالته\r\rفكلُّ حرّ لحرّ الوجه صوّان\r\rدع التكاسل في الخيرات تطلبها\r\rفليس يسعد بالخيراتِ كسلان\r\rلا ظلّ للمرءِ يعرى من نهى وتقى\r\rوإن أظلّتهُ أوراق وأفنان\r\rوالناس أعوانُ من والته دولته\r\rوهم عليه إذا عادتهُ أعوان\r\rسبحان من غير مال باقلٌ حصرٌ\r\rوباقلٌ في ثراء المال سبحان\r\rلا تودع السرّ وشاء بهِ مذلاً\r\rفما رعى غنماً في الدَّوّ سرحان\r\rلا تحسبِ الناس طبعاً واحداً فلهم\r\rغرائز لستَ تحصيهنّ ألوان\r\rما كلّ ماءٍ كصداءٍ لوارده\r\rنعم ولا كلُّ نبت فهو سعدان\r\rلا تخدشنّ بمطل وجهَ عارفة\r\rفالبُّر يخدشه مطلٌ وليّان\r\rلا تستشر غيرَ ندب حازمٍ يقظ\r\rقد استوى فيه أسرارٌ وإعلان\r\rفللتّدابير فرسان إذا ركضوا\r\rفيها أبرُّوا كما للحرب فرسان\r\rوللأمور مواقيتٌ مقدّرة\r\rوكل أمرٍ له حدٌّ وميزان\r\rفلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه\r\rفليس يحمدُ قبل النُّضج بحران\r\rكفى للعيش ما قد سدّ من عوزٍ\r\rففيه للحرّ قنيانٌ وغنيان\r\rوذو القناعةِ راضٍ من معيشته\r\rوصاحبُ الحرص إن أثرى فغضبان\rحسب الفتى عقله خلاًّ يعاشرهُ","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"إذا تحاماه إخوانٌ وخلاَّن\r\rهما رضيعا لبان حكمةٌ وتقى\r\rوساكنا وطن مالٌ وطغيان\r\rإذا نبا بكريم موطنٌ فله\r\rوراءه في بسيط الأرض أوطان\r\rيا ظالماً فرحاً بالعز ساعده\r\rإن كنت في سنةٍ فالدَّهر يقظان\r\rما استمرأ الظلم لو أنصفت آكلهُ\r\rوهل يلذُّ مذاق المرء خطبان\r\rيا أيها العالم المرضيُّ سيرتهُ\r\rأبشر فأنت بغير الماء ريان\r\rويا أخ الجهل لو أصبحت في لججٍ\r\rفأنت ما بينها لاشكَّ ظمآن\r\rلا تحسبنَّ سروراً دائماًُ أبداً\r\rمن سرّهُ زمن ساءته أزمان\r\rيا رافلاً في الشَّباب الوحف منتشياً\r\rمن كأسه هل أصاب الرُّشد نشوان\rلا تغترر بشباب رائقٍ خضل\r\rفكم تقدم قبل الشَّيب شبّان\r\rويا أخا الشَّيب لو ناصحت نفسك لم\r\rيكن لمثلك في الإسراف إمعان\r\rهب الشَّبيبة تُبلى صاحبها\r\rما غذرُ أشيب يستهويه شيطان\r\rوكلُّ كسرٍ فإنَّ الدّين يجبرهُ\r\rوما لكسر قناةِ الدّين جبران\r\r?وقال ابن أبي بكر المقري المتوفى سنة 1001 ه?\rزيادة القول تحكي النّقص في العمل\r\rومنطق المرءِ قد يهديه للزّللِ\r\rإن اللّسان صغيرٌ جرمهُ وله\r\rجرمٌ كبيرٌ كما قد قيل في المثل\r\rعقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ\r\rكحدَّة السَّيف لا تغني عن البطل\r\rإن المشاور إما صائبٌ غرضاً\r\rأو مخطئٌ غير منسوب إلى الخطل\rلا تحقر الرّأي يأتيك الحقير به\r\rفالنحلُ وهو ذبابٌ طائر العسل\r\rولا يغرنك ودٌّ من أخي أمل\r\rحتى تجربه في غيبة الأمل\r\rلا تجزعنّ لخطب ما به حيلٌ\r\rتغنى وإلا فلا تعجز عن الحيل\r\rوقدرُ شكر الفتى لله نعمتهُ\r\rكقدرِ صبِر الفتى للحادث الجلل\r\rوإن أخوف نهج ما خشيت به\r\rذهاب حريةٍ أو مرتضى عمل\r\rلا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا\r\rتهزأ بغيرك واحذر صولة الدُّول","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"أحقّ شيءٍ بردّ ما تخالفه\r\rشهادةُ الدّين فافهم صنعة الجدل\r\rوقيمة المرءِ ما قد كان يحسنهُ\r\rفاطلب لنفسك ما تعلو به وصل\r\rوكلُ علم جناه ممكنٌ أبداً\r\rإلاّ إذا اعتصم الإنسانُ بالكسل\r\rوالمال صنهُ وورثهُ العدوّ ولا\r\rتحتج حياتك للإخوان في الأكل\r\rفخير مالِ الفتى مال يصون به\r\rعرضاً وينفقهُ في أشرف السُّبل\r\rوأفضل البّر مالاً منَّ يتبعهُ\r\rولا تقدّمه شيءٌ من المطل\r\rفإنما الجود بذلٌ لم تكلف به\r\rصنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل\r\rإن الصنائع أطواق إذا شكرت\r\rوإن كفرت فأغلال لمنتحل\r\rوإن عندي الخطا أفضل من\r\rإصابةٍ حصلت بالمنع والبخل\r\rخير من الخير مسديهِ إليك كما\r\rشرٌ من الشرّ أهل المطل والدَّخل\r\rظواهرُ العتب للإخوان أيسر من\r\rبواطن الحقدِ في التّسديد للخلل\r\r***\rدعِ الجموحَ وسامحهُ تغظهُ ولا\r\rتصحب سوى السّمح واحذر سقطة العجل\rوالقَ الأحبّة والإخوان قطعوا\r\rحبلَ الوداد بحبل منك متصل\r\rفأعجزُ الناس حرٌ ضاع من يده\r\rصديق ودّ فلم يردده بالحيل\r\rمن يقظةٍ بالفتى إظهارُ غفلته\r\rمع التحفُّظ من غدرٍ ومن ختل\r\rوكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم\r\rواحذر معاشرة الأوغاد والسّفل\r\rواخش الأذى عند إكرام اللّئيم\r\rتخشى الأذى إن أهنت الحرّ ذا النّبل\r\rواصبر لواحدة تأمن توابعها\r\rفربما كانت الصُّغرى من الأول\r\rولا يغرَّنك من مرقّى سهولتهُ\r\rفربما ضقتَ ذرعاً منه في النُّزُل\r\r*** ??من المروءة تركُ المرء شهوتهُ=فانظر لأيهما آثرت فاحتمل شرُّ الورى من بعيب الناس مشتغل=مثلُ الدُّباب يراعي موضعَ العلل\rلو كنت كالرّمح في الأعمال معتدلاً\r\rلقالت الناسُ هذا غيرُ معتدل\r\rيا ظالماً جار فيمن لا نصير له","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"إلا المهيمنُ لا تغترّ بالمهل\r\rغداً تموت ويقضي الله بينكما\r\rبحكمه الحقّ لا بالزّيغ والميل\r\rوإن أولى الملا بالعفو أقدرهم\r\rعلى العقوبة إن يظفر بذي زلل\r\rوقال تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة 837 ه?\r\"أرجوزة استخلصها من كتاب الصادح والباغم\"\rالعيشُ بالرزق والتّقدير\r\rوليس بالرأي ولا والتدبير\r\rفي الناس من تسعدهُ الأقدار\r\rوفعلهُ جميعهُ إدبار\r\rمن عرف الله أزال التُّهمة\r\rوقال كلُّ فعلهِ للحكمة\r\rمن أنكر القضاءَ فهو مشرك\r\rإن القضاء بالعباد أملكُ\r\rونحن لا نشرك بالله ولا\r\rنقنط من رحمته إذ نبتلى\r\rعارٌ علينا وقبيحُ ذكرِ\r\rأن نجعل الكفرَ مكان الشكر\rوليس في العالِم ظلمٌ جاري\r\rإذ كان ما يجري بأمرِ الباري\r\rوأسعدُ العالِم عند الله\r\rمن ساعد الناسَ بفضل الجاه\r\rومن أغاث البائس الملهوفا\r\rأغاثهُ الله إذا أخفيا\r\rإنّ العظيمَ يدفع العظيما\r\rكما الجسيم يحمل الجسيما\r\rفإنّ من خلائق الكرام\r\rرحمةَ ذي البلاء والأسقام\r\rوإنّ من شرائط العلو\r\rالعطفَ في البؤس على العدو\r\rقد قضت العقول أنّ الشفقة\r\rعلى الصديق والعدوّ صدقه\r\rوقد علمتَ واللبيب يعلم\r\rبالطبع لا يرحم من لا يرحم\r\rفالمرءُ لا يدري متى يمتحن\r\rفإنه في دهره مرتهن\r\rوإن نجا اليومَ فما ينجو غداً\r\rلا يأمن الآفات إلا ذو الرَّدى\r\rلا تغْترِر بالخفض والسلامة\r\rفإنما الحياة كالمدامه\r\rوالعمرُ مثل الكأسِ والدَّهر القدر\r\rوالصفو لا بدَّ له من الكدر\r\rوكلُّ إنسان فلا بدَّ له\r\rمن صاحب يحمل ما أثقلهُ\r\rجهد البلاء صحبة الأضداد\r\rفإنها كيٌّ على الفؤاد\r\rأعظم ما يلقى الفتى من جهد\r\rأن يبتلى في جنسهِ بالضَّدّ\r\rفإنما الرّجال بالإخوان","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"واليد بالساعد والبنان\r\rلا يحقر الصُّحبة إلا جاهل\r\rأو مارقٌ عن الرّشاد غافل\r\rصحبةُ يوم نسبٌ قريب\r\rوذمَّة يحفظها اللّبيب\r\rوموجب الصّداقة المساعدة\r\rومقتضى المودَّة المعاضدة\r\rلا سيّما في النوب الشدائد\r\rوالمحن العظيمة والأوابد\r\rفالمرءُ يحيي أبداً أخاه\r\rوهو إذا ما عدّ من أعداه\r\rإن من عاشر قوماً يوماً\r\rينصرهم ولا يخاف لوما\r\rوإن من حارب من لا يقوى\r\rلحربه جر إليه البلوى\r\rفحارب الأكفاءَ والأقرانا\r\rفالمرء لا يحارب السلطانا\r\rواقنع إذا حاربت بالسلامة\r\rواحذر فعالاً لا توجب النَّدامة\r\rفالتاجر الكيّس في التجارة\r\rمن خاف من متجره الخسارة\r\rيجهد في تحصيل رأس ماله\r\rثم يروم الّربح باحتياله\r\rوإن رأيت النّصر قد لاح لكا\r\rفلا تقصر واحترْز أن تهلكا\r\rواسبق إلى لأجود سبق الناقدِ\r\rفسبقك الخصم من المكايد\r\rوانتهز الفرصة إن الفرصة\r\rتصير إن لم تنتهزها غصّة\r\rكم بطر الغالب يوماً فترك\r\rعنه التوقّي واستهان فهلك\r\rومن أضاع جنده في السّلم\r\rلم يحفظوه في لقاء الخصم\r\rوإن من لا يحفظَ القلوبا\r\rيخذل حين يشهد الحروبا\r\rوالجند لا يرعون من أضاعهم\r\rكلاّ ولا يحمون من أجاعهم\r\rوأضعفُ الملوك طرَّا عقدا\r\rمن غرَّه السلم فأقصى الجندا\r\rوالحزم والتّدبير روح العزم\r\rلاخيرَ في عزم بغير حزم\r\rوالحزم كلذ الحزم في المطاولة\r\rوالصّبر ف يسرعة المزاولة\r\rوفي الخطوب تظهر الجواهرُ\r\rما غلبَ الأيام إلاّ الصابر\r\rلا تيأسنْ من فرج ولطف\r\rوقوَّة تظهرُ بعدَ ضعف\r\rفربَّما جاءك بعد اليأس\r\rروحٌ بلا كدّ ولا التماس\r\rفي لمحة الطرف بكاءٌ وضحكْ\r\rوناجد بادٍ ودمع ينسفك\r\rينال بالرّفق وبالتأنّي\r\rمالم تنلْ بالحرص والتّعنّي","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"ماأحسنَ الثَّباتَ والتجلُّدا\r\rوأقبح الحيرة والتَّبلُّدا\r\rليس الفتى إلا الذي إن طرقه\r\rخطبٌ تلقّاه بصبر وثقة\r\rإذا الرَّزايا أقبلت ولم تقف\r\rفثمَّ أحوالُ الرّجال تختلف\r\rوكم لقيتُ لذَّة في زمني\r\rفأصبرُ الآن لهذي المحن\r\rفالموتُ لايكون إلا مرّة\r\rوالموتُ أحلى من حياة مرّة\r\rإني من الموت على يقين\r\rفأجهدُ الآن لما يقيني\r\rصبراً على أهوالها ولا ضجرْ\r\rوربّما فاز الفتى إذا صبر\r\rلا يجزع الحرّ من المصائب\r\rكلاّ ولا يخضع للنَّوائب\r\rفالحرُّ للعبءِ الثّقيل يحملُ\r\rوالصبرُ عند النّائبات يحمل\r\rلكل شيءٍ مدَّةٌ وتنقضي\r\rما غلب الأيامَ إلا منْ رضي\r\rقد صدق القائلُ في الكلام\r\rليس النُّهى بعظم العظام\r\rلا خيَر في جسامة الأجسام\r\rبل هو في العقول والأفهام\r\rفالخيل للحرب وللجمال=والإبل للحمل وللتَّرحال\rلاتحتقر شيئاً صغيراً يحتقر\r\rفربمّا أسالت الدّم الإبرْ\r\rلاتحرج الخصم ففي إحراجه\r\rجميعُ ما تكره من لجاجهِ\r\rلاتطلب الفائتَ باللّجاج\r\rوكنْ إذا كويت ذا إنضاج\r\rفعاجز من ترك الموجودا\r\rطماعةً وطلبَ المفقودا\r\rوفتّش الأمور عن أسرارها\r\rكم نكتةٍ جاءتك معْ إظهارها\r\rلزمتَ للجهل قبيح الظاهرِ\r\rوما نظرتَ حسن السَّرائر\r\rليس يضرُّ البدر في سناه\r\rأنّ الضّرير قطُّ لا يراه\r\rكم حكمةٍ أضحت بها المحافل\r\rنافقةً وأنت عنها غافل\r\rويغفلون عن خفي الحكمة\r\rولو رأوها لأزالوا التُّهمة\r\rكم حسن ظاهرهُ قبيحُ\r\rوسمجٍ عنوانهُ مليح\r\rوالحق قد تعلمه ثقيلُ\r\rأبوهُ إلا نفرٌ قليلُ\r\rفالعاقل الكامل في الرّجال\r\rلا ينثني لزخرف المقال\r\rإن العدوّ قولهُ مردودُ\r\rوقلّما يصدق الحسود\r\rلا تقبلُ الدعوى بغير شاهد","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"لاسيما إن كان من معاند\r\rأيؤخذ البريءُ بالسَّقيم\r\rوالرَّجل المحسن باللّئيم\r\rكذاك من يستنصح الأعادي\r\rيردونه بالغشّ والفساد\r\rإن أكلَّ من ترى أذهانا\r\rمنْ حسب الإساءة الإحسانا\r\rفادفع إساءة العدى بالحسنى\r\rولا تخلْ يسراك مثل اليمنى\r\rوللرجال فاعلمنْ مكايدُ\r\rوخدعٌ منكرةٌ شدائدُ\r\rفالنَّدب لا يخضع للشّدائد\r\rقطّ ولا يغتاظ بالمكائد\r\rفرقّع الخرق بلطفٍ واجتهد\r\rوامك إذا لم ينفع الصّدق وكد\r\rفهكذا الحازم إذ يكيدُ\r\rيبلغ في الأعداء ما يريد\r\rوهو بريءٌ منهم في الظاهر\r\rوغيرهُ مختضب الأظافر\r\rوالشهمُ من يصلح أمر نفسه\r\rولو بقتل ولده وعرسه\r\rفإن من يقصد قلعُ ضرسه\r\rلم يعتمدْ إلاّ صلاح نفسه\r\rوإن من خصّ اللئيم بالندى\r\rوجدته كمن يربّي أسدا\r\rوليس في طبعِ اللئيم شكر\r\rوليس في أصل الدّنيء نصر\r\rوإن من ألزَمهُ وكلّفه\r\rضدُّ الذي في طبعه ما أنصفه\rكذاك من يصطنع الجهّالا\r\rويؤثرِ الأرذال والأنذال\r\rلو أنكم أفاضلُ أحرارُ\r\rما ظهرتْ بينكم الأسرار\r\rإن الأصول تجذب الفروعا\r\rوالعرق دساسٌ إذا أضيعا\r\rما طاب فرعٌ أصله خبيثُ\r\rولازكا من مجدهُ حديث\r\rقد يدركون رتباً في الدُّنيا\r\rويبلغون وطراً من بقيا\r\rلكنك لا يبلغون في الكرم\r\rمبلغ من كان له فيها قدم\r\rوكلّ من تماثلتْ أطرافهُ\r\rفي طيبها وكرمتْ أسلافه\r\rكان خليقا بالعلى وبالكرم\r\rوبرعتْ في أصله حسن الشّيم\rلولا بنو آدم بين العالمِ\r\rما بان للعقول فضل العالم\r\rفواحدٌ يعطيك فضلاً وكرم\r\rفذاك من يكفرهُ فقد ظلم\r\rوواحدٌ يعطيك للمصانعة\r\rأو حاجةٍ له إليك واقعة\r\rلا تشرهنْ إلى حطامٍ عاجلِ\r\rكم أكلةٍ أودت بنفس الآكل\r\rواحذر أخيَّ يا فتى من الشّره","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"وقس بما رأيته مالم تره\r\rفليس من عقل الفتى أو كرمه\r\rإفسادُ شخص كامل لقرمه\r\rفالبغيُ داءٌ ماله دواء\r\rليس لملكِ معه بقاء\r\rلاتعطيْن شيئاً بغير فائدة\r\rفإنها من السّجايا الفاسدة\r\r?????????\"وللإمام علي الرضا المتوفي سنة 77ه?\"\rواعجباً للمرء في ذاته\r\rيجرُّ ذيل التّيه في خطرته\r\rيزجره الوعظ فلا ينتهي\r\rكأنه الميت في سكرته\r\rيبارز الله بعصيانه\r\rجهراً ولا يخشاه في خلوته\r\rوإن يقع في شدّة يبتهل\r\rفإن نجا عاد إلى عادته\r\rأرغب لمولاك وكن راشداً\r\rوأعلم بأن العز في خدمته\r\rواتل كتاب الله تهدى به\r\rواتبع الشرع على سنته\r\rلاتحرصن فالحرص يزري بالفتى\r\rويذهب الرونق من بهجته\r\rوالحظ لا تجلبه حيلة\r\rته\r\rمافاتك اليوم سيأتي غدا\r\rمافي الذي قدر من حيلته\r\rقضاؤه المحتوم في خلقه\r\rوحكمه النافذ مع قدرته\r\rوالرزق مضمون على واحد\r\rمفاتح الأشياء في قبضته\r\rقد يرزق العاجز مع عجزه\r\rويحرم الكيس مع فطنته\r\rلاتنهر المسكين يوماً أتى\r\rفقد نهاك الله عن نهرته\r\rإن عضك الدهر فكن صابرا\r\rعلى الذي نالك من عضته\r\rأو مسك الضر فلا تشتكي\r\rإلا لمن تطمع في رحمته\r\rلسانك احفظه وصن نطقه\r\rواحذر على نفسك من عثرته\rفالصمت زين ووقار وقد\r\rيؤتى على الإنسان من لفظته\r\rمن أطلق مالقول بلا مهلة\r\rلاشك أن يعثر في عجلته\r\rمن لزم الصمتى نجا سالماً\r\rلايندم المرء على سكتته\r\rمن أظهر الناس على سره\r\rيستوجب الكي على مقلته\r\rمن مازح الناس استحفوا به\r\rوكان مذموماً على مزحته\r\rكن عن جميع الناس في معزل\r\rقد يسلم المعزول في عزلته\r\rمن جعل الخمر شفاء له\r\rفلا شفاه الله من علته\r\rمن نازع الأقيال في أمرهم\r\rبات بعيد الرأس عن جثته","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"من لاعب الثعبان في كفه\r\rهيهات أن يسلم من لسعته\r\rمن عاشر الأحمق في حاله\r\rكان هو الأحمق في عشرته\r\rلاتصحب النذل فتردى به\r\rلاخير في النذل ولاصحبته\r\rمنة اعتراك الشك في جنسه\r\rوحاله فانظر إلى شيمته\r\rمن غرس الحنظل لا ترتجي\r\rأن يجتني السكر من غرسته\r\rمن جعل الحق له ناصراً\r\rأيده الله على نصرته\r\rواقنع بما أعطاك من فضله\r\rواشكر لموليك على نعمته\r\rوقال أبو العتاهية المتوفي سنة 211ه?\rأنلهو وأيامنا تذهب\r\rونلعب والموت لايلعب\r\rعجبت لذي لعب قد لها\r\rعجبت ومالي لا أعجب\rأيلهو ويلعب من نفسه\r\rتموت ومنزله يخرب\r\rنرى كل ما ساءنا دائماً\r\rعلى كل سرنا يغلب\r\r+نرى الليل يطلبنا والنها_ر ولم ندر أيهما أطلب\rأحاط الجديدان جمعا بنا\r\rفليس لنا عنهما مهرب\rوكل له مدة تنقضي\r\rوكل له أثر يكتب\r\r\"وقال صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة 764ه?\rالجد في الجد والحرمان في الكسل\r\rفانصب تصب عن قريب غاية الأمل\rوأصبر على كل مايأتي الزمان به\r\rصبر الحسام بكف الدارع البطل\r\rوجانب الحرص والأطماع تحظ بما\r\rترجو من العز والتأييد في عجل\r\rولا تكونن على مافات ذا حزن\r\rولاتظل بما أوتيت ذا جذل\r\rواستشعر الحلم في كل الأمور ولا\r\rتسرع ببادرة يوما إلى رجل\r\rوإن بليت بشخص لاخلاق له\r\rفكن كأنك لم تسمع ولم يقل\r\rولا تمار سقيها في محاورة\r\rولا حليما لكي تقصى عن الزلل\r\rولايغرك من يبدي بشاشته\r\rإليك خدعا فإن السم في العسل\r\rوإن أردت نجاحاً في كل آونة\r\rفاكتم أمورك عن حاف ومنتعل\r\rإن الفتى من بماضي الحزم متصف\r\rوماتعود نقص القول والعمل\r\rولا يقيم بأرض طاب مسكنها\r\rحتى يقد أديم السهل والجبل\r\rولايضيع ساعات الزمان فلن\r\rيعود مافات من أيامه الأول","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"ولايراقب إلا من يراقبه\r\rولايصاحب إلا كل ذي نبل\r\rولايعد عيوبا للورى أبداً\r\rبل يعتني بالذي فيه من الخلل\r\rولا يظن بعهم سواءاً ولا حسنا\r\rبل التجارب تهديه على مهل\r\rولايؤمل آمالا بصبح غد\r\rإلا على وجل من وثبة الأجل\r\rولا يصد عن التقوى بصيرته\r\rلأنها للمعالي أوضح السبل\r\rفمن تكن حلة التقوى ملابسه\r\rلم يخش في دهره يوماً من العطل\r\rمن لم تفده صروف الدهر تجربة\r\rلافيما يحاول فليسكن مع الهمل\r\rمن سالمته الليالي فليثق عجلاً\r\rمنها بحرب عدو جاء بالحيل\r\rمن ضيع الحزم لم يظفر بحاجته\r\rومن رمى بسهام العجب لم ينل\r\rمن جاد ساد وأحيا العالمون له\r\rبديع حمد بمدح الفعل متصل من\r\rرام نيل العلى بالمال يجمعه\r\rمن غير حل بلي من جهله وبلي\r\rمن لم يصن نفسه ساءت خليقته\r\rبكل طبع رديء غير منتقل\r\rمن جالس الوغد والحمقى جنى ندماً\r\rلنفسه ورمي بالحادث الجلل\r\rفخذ مقال خبير قد حوى حكماً\r\rإذ صغته بعد طول الخبر في عملي\r\r\"وقال حسام الدين الواعظي المتوفى سنة 990ه?\"\rمن ضيع الحزم في أفعاله ندما\r\rوظل مكتئباً والقلب وقد سقما\rمالمرء إلا الذي طابت فضائله\r\rوالدين زين يزين العاقل الفهما\r\rوالعلم أنفس شيء أنت ذاخره\r\rفلا تكن جاهلاً تستورث الندما\r\rتعلم العلم واجلس في مجالسه\r\rماخاب قط لبيب جالس العلماء\r\rوالوالدين فأكرم تنج من ضرر\r\rولا تكن نكداً تستوجب النقما\r\rولازم الصمت لات نطق بفاحشة\r\rوأكرم الجار لاتهتك له حرما\r\rواحذر من المزح كم في المزح من خطر\r\rكم من صديقين بعد المزح فاختصما\r\rوصبر النفس وارشدها إذا جهلت\r\rوإن حضرت طعاما لا تكن نهماً\r\rآس اللهيف إذا ماكنت مقتدراً","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"على الزمان وكن للخير مقتسما\r\rوصد نفسك عن لهو وعن مرح\r\rوإن حضرت مقاماً كنت فيه سما\r\r\"وقال عمر بن الوردي المتوفي سنة 749ه? مخاطباً ولده\"\rاعتزل ذكر الأغاني والغزل\r\rوقل الفصل وجانب من هزل\r\rودع الذكر لأيام الصبا\r\rفلأيام الصبا نجم أفل\r\rواترك الغادةلاتحفل بها\r\rتمس في عز رفيع وتجل\r\rوافتكر في منتهى حسن الذي\r\rأنت تهواه تجدأمراً جلل\r\rواهجر الخمرة إن كنت فتى\r\rكيف يسعى في جنون من عقل\r\rولاتق الله فتقوى الله ما\r\rجاورت قلب امرئ إلا وصل\r\rليس من يقطع طرقاً بطلاً\r\rإنما من يتقي الله البطل\r\rكتب الموت على الخلق فكم\r\rفل من جيش وأنفى من دول\r\rأين نمرود وكنعان ومن\r\rملك الأرض وولى وعزل\r\rأي من سادوا وشادوا وبنوا\r\rهلك الكل ولم تغن القلل\r\rأين أرباب الحجى أهل النهى\r\rأين أهل العلم والقوم الأول\r\rسيعيد الله كلا منهم\r\rوسيجزي فاعلاً ماقد فعل\r\rيابني اسمع وصايا جمعت\r\rلاحكماً خصت بها خير الملل\r\rاطلب العلم ولاتكسل فما\r\rأبعد الخير على أهل الكسل\r\rواحتفل للفقه في الدين ولا\r\rتشتغل عنه بمال وخول\r\rواهجر النوم وحصله فمن\r\rيعرف المطلوب ويحقر مابذل\r\rلاتقل قد ذهبت أربابه\r\rكل من سار على الدرب وصل\rفي أزدياد العلم إرغام العدا\r\rوجمال العلم إصلاح العمل\r\rجمل المنطق بالنحو فمن\r\rيحرم الإعراب بالنطق اختبل\r\rانظم الشعر ولازم مذهبي\r\rفي اطراح الرفد لاتبغ النحل\r\rفهو عنوان ع لى الفضل وما\r\rأحسن الشعر إذا لم يبتذل\r\rأنا لاأختار تقبيل يد\r\rقطعها أجمل من تلك القبل\r\rملك كسرى عنه تغني كسرة\r\rوعن البحر اجتزاء بالوشل\r\rاطرح الدنيا فمن عاداتها\r\rتخفض العالي وتعلي من سفل\r\rعيشة الراغب في تحصيلها","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"عيشة الجاهل فيها أو أقل\r\rكم جهول بات فيها مكثراً\r\rوعليه بات منها في علل\r\rكم شجاع لم ينل فيها المنى\r\rوجبان نال غايات الأمل\r\rفاترك الحيلة فيها واتكل\r\rإنما الحيلة في ترك الحيل\r\rلاتقل أصلي وفصلي أبداً\r\rإنما أصل الفتى ماقد حصل\r\rقد يسود المرء من دون أب\r\rوبحسن السبك قد ينفى الدغل\r\rإنما الورد من الشوك وما\r\rينبت النرجس إلا من بصل\r\rقيمة الإنسان مايحسنه\r\rأكثر الإنسان منه أم أقل\r\rبين تبذير وبخل رتبة\r\rوكلا هذين إن زاد قتل\r\rليس يخلو المرء من ضد ولو\r\rحاول العزلة في رأس الجبل\r\rدار جار السوء بالصير وإن\r\rلم تجد صبراً فما أحلى النقل\r\rجانب السلطان واحذر بطشه\r\rلاتعاند من إذا قال فعل\r\rلا تل الأحكام إن هم سألوا\r\rرغبة فيك وخالف من عذل\r\rإن نصف الناس أعداءه لمن\r\rولي الأحكام هذا إن عدل\r\rقصر الآمال في الدنيا تفز\r\rفدليل العقل تقصير الأمل\r\rغب وزر غبا تزد حبا فمن\r\rأكثر الترداد أقصاه الملل\r\rلا يضر الفضل إقلال كما\r\rلايضر الشمس إطباق الطفل\r\rخذ بنصل السيف واترك غمده\r\rواعتبر فضل الفتى دون الحلل\r\rحبك الأوطان عجز ظاهر\r\rفاغترب تلق عن الأهل بدل\r\rفمكث الماء يبقى آسنا\r\rوسرى البدر به البدر اكتمل\r\rوقال العميد أبو إسماعيل الطغرائي المتوفى سنة 513ه?\rأصالة الرأي صانتي عن الخطل\r\rودحلية الفضل زانتني لدى العطل\r\rمجدي أخير ومجدي أولا شرعٌ\r\rوالشمس راد الضحى كالشمس في الطفل\rفيم الإقامة بالزوراء لاسكني\r\rبها ولاناقتي فيها ولاجملي\r\rناء عن الأهل صفر الكف منفرد\r\rكالسيف عري متناه عن الخلل\r\rفلا صديق إليه مشتكى حزني\r\rولاأنيس إليه منتهى جذلي\r\rطال اغترابي حتى حن راحلتي","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"ورحلها وقر العسالة الذبل\r\rوضج من لغب نضوي وعج لما\r\rألقى ركابي ولج الركب في عذلي\r\rأريد بسطة كف أستعين بها\r\rعلى قضاء حقوق للعلى قبلي\r\rوالدهر يعكس آمالي ويقنعني\r\rمن الغنيمة بعد الكد بالقفل\r\rوذي شطاط كصدر الرمح معتقل\r\rبمثله غير هياب ولاوكل\r\rحلو الفكاهة مر الجد قد مزجت\r\rبشدة البأس منه رقة الغول\r\rطردت سرح الكرى عن ورد مقلته\r\rوالليل أغرى سوام النوم بالمقل\r\rوالركب ميل على الأكوار من طرب\r\rصاح وآخر من خمر الكرى ثمل\r\rفقلت أدعوك للجلي لتنصرني\r\rوأنت تخذلني في الحادث الجلل\r\rتنام عني وعين النجم ساهرة\r\rوتستحيل وصبغ الليل لم يحل\r\rفهل تعين علي غي هممت به\r\rوالغي يثزجر أحياناً عن الفشل\r\rإني أريد طروق الحي من إضم\r\rوقد حماه رماةٌ من بني ثعل\r\rفسر بنا في ذمام الليل معتسفاً\r\rفنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل\r\rفالحب حيث العدا والأسد رابضة\r\rحول الكناس لها غاب من الأسل\r\rنؤم ناشئة بالزع قد سقيت\r\rنصالها بمياه الغنج والكحل\r\rقد زاد طيب أحاديث الكرام بها\r\rما بالكرائم من جبن ومن بخل\r\rتبيت نار الهوى منهن في الكبد\r\rحرى ونار القرى منهم على القلل\r\rيقتلن أنضاء حب لاحراك بهم\r\rوينحرون كرام الخيل والإبل\r\rيشفى لديغ العوالي في بيوتهم\r\rبنهلة منم غدير الخمر والعسل\r\rلعل إلمامه بالجزع ثانية\r\rيدب منها نسيم البرء في عللي\r\rلاأكره الطعنة النجلاء قد شفعت\r\rبرشقة منم نبال الأعين النجل\r\rولاأهاب الصفاح البيض تسعدني\r\rباللمح من خلل الأستار والكلل\r\rولاأخل يغزلان تغازلني","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"ولو دهتني أسود الغيل بالغيل\r\rحب السلامة يثني عزم صاحبه\r\rعن المعالي ويغري المرء بالكسل\r\rفإن جنحت إليه فاتخذ نفقا\r\rفي الأرض أو سلما في الجو فاعتزل\r\rودع غمار العلى للمقدمين على\r\rركوبها واقتنع منهن بالبلل\r\rيرضى الذليل يخفض العيش مسكنة\r\rوالعز عند رسيم الأينق الذلل\r\rفأدرأ بها في نحور البيد جافلة\r\rمعارضات مثاني اللجم بالجدل\r\rعن العلى حدثتني وهي صادقة\r\rفيما تحدث أن العز في النقل\r\rلو أن في شرف المأوى بلوغ منى\r\rلم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل\r\rأهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً\r\rوالحظ عني بالجهال في شغل\r\rلعله إن بدا فضلى ونقصهم\r\rلعينه نام عنهم أو تنبه لي\r\rأعلل النفس بالآمال أرقبها\r\rماأضيق العيش لولا فسحة الأمل\r\rلم أرتض العيش والأيام مقبلة\r\rفكيف أرضى وقد ولت على عجل\r\rغالى بنفسي عرفاني بقيمتها\r\rفصنتها عن رخيص القدر مبتذل\r\rوعادة السيف أن يزهى بجوهره\r\rوليس يعمل إلا في يدي بطل\r\rماكنت أوثر أن يمتد بي زمني\r\rحتى أرى دولة الأوغاد والسفل\r\rتقدمتني أناس كان شوطهم\r\rوراء خطوي لو أمشي على مهل\r\rهذا جزءاً امرئ أقرانه درجوا\r\rمن قبله فتمنى فسحة الأجل\r\rفإن علاني من دوني فلا عجب\r\rلي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل\r\rفاصبر لها غير محتال ولاضجر\r\rفي حادث الدهر مايغنيعن الحيل\r\rأعدى عدوك أدنى من وثقت به\r\rفحاذر الناس واصحبهم على دخل\r\rفإنما رجل الدنيا وواحدها\r\rمن لايعول في الدنيا على رجل\r\rوحسن ظنك بالأيام معجزة\r\rفظن شراً وكن منها على وجل\r\rغاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"مسافة الخلف بين القول والعمل\r\rوشان صدقك عند الناس كذبهم\r\rوهل يطابق معوج بمعتدل\r\rوهضم النفس أقبح كل شيء\r\rعلى حرله فيها كمال\r\rومن لزم القناعة نال عزاً\r\rوهل بالذل منقبة تنال\r\rوقال مؤلف هذا الكتاب معارضاً لامية الطغرائي\rعليك بالصبر والإخلاص في العمل\r\rولازم الخير في حل ومرتحال\r\rوجانب الشر وأعلم أن صاحبه\r\rلابد يجزاه في سهل وفي جبل\r\rواثبت ثبات الرواسي الشامخات ولا\r\rتركن إلى فشل في ساعة الوهل\r\rوكن كرضوى لما يعروك من نوب\r\rولا تكن جازماً في الحادث الجلل\r\rواصبر على مضض الأيام محتملاً\r\rففيه قرع لباب النجح والأمل\r\rتأن متئداً فيما تروم ولا\r\rتعجل وإن خلق الإنسان من عجل\r\rلاتطلب العز في دار ولدت بها\r\rفالعز عند رسيم الأينق الذلل\r\rشمر وجد لأمر أنت طالبه\r\rإذ لاتنال المعالي قط بالكسل\r\rواحذر مساوئ أخلاق تشان بها\r\rوأسوء السوء سوء الخلق والبخل\r\rواخفض جناحك للمولى وجد ونل\r\rماأسمج الكبر والإمساك بالرجل\r\rلاتسأل النذل واقصد ماجداً حدبا\r\rفي طلعة الشمس مايغنيك عن زجل\r\rنور بلقياك من تلقى نواظره\r\rولا تكن كالقذي في الأعين النجل\r\rولاتجادل جهولاً ليس يفهم ما\r\rتقول فالشر كل الشر في الجدل\r\rولاتكن لنزول الخطب مضطرباً\r\rفي حادث الدهر مايغني عن الحيل\r\rالجود أحسن ماأوليت من خلق\r\rوالعفو أنفى لداء الضغن والدخل\r\rوالحلم ملح فساد الأمر يصلحه\r\rوالبذل خير فعال الماجد البطل\r\rلاتقتحم غمرات البحر مرتكباً\r\rوأنت يكفيك منه مصة الوشل\r\rولاتعاشر سوى حزم أخا ثقة\r\rوأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل\r\rلا تنخدع لصديق يدعي ملقا\r\rفحاذر الناس واصحبهم على دخل","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"لاتأمنن أحداً واحذر مكائدهم\r\rوظن سراً وكن منهم على وجل\r\rلا تغرَّنك الدنيا بزهرتها\r\rفهل سمعت بظل غير منتقل\r\rإن الغني غني النفس في كرم\r\rبالطبع لاباقتناء الشاء والإبل\r\rإن الصنيعة للأنذال تفسدهم\r\rكما تضر رياح الورد بالجعل\r\rمرارة النصح تحل لي مضاضتها\r\rوربما صحت الأجسام بالعلل\r\rدع التكلف لايجديك منفعة\r\rليس التكحل في العينين كالكحل\r\rأرى الرعاء رعاء الشاء في ترف\r\rفي أخفض العيش بين الخيل والخول\r\rوسادة العصر قد ألقوا مقالدهم\r\rإلى الطغاة شرار النماس والسفل\r\rتحكموا في قضايا الناس واحتكموا\r\rوحكموا كل ذي جهل أخي خبل\r\rمن كل غر جهول لايرى رشداً\r\rكباقل مثلاً في العي والخطل\r\rتعسا لشر زمان ظل طوع يد الل\r\rئاميسقيهم علا على نهل\r\rالقبض والبسط في أيدي ذوي شطط\r\rمن كل سكران من خمر الهوى ثمل\r\rتسطو الكلاب على أسد الشرى سفها\r\rوالباز الأشهب يخشى صوله الحجل\r\rوالقرد يضحك من نمر على هزؤ\r\rوالكلب يوعد ليث الغيل بالغيل\r\rنال المرام علوج لاخلاق لهم\r\rفوق المؤمل من شب ومكتهل\r\rأملى لهم دهرهم فاستمهلوا أمداً\r\rمرخى لهم في مروج العيش والطول\rشر العصر زمان يستمد به\r\rخب لئيم غدا في الشر كالثمل\r\rلايعلم الرشد من غي وليس له\r\rسوى الشرارة في قول وفي جدل\r\rناهيك من غمة غماء ماسمعت\r\rبمثلها أذن في الأعصر الأول\r\rأشدد بها أزمة،الله يفرجها\r\rمااضيق العيش لولا فسحة الأمل\r\rمالي وللبلدة الحمقاء اسكنها\r\rمساكنها لذوي خرق أولي حيل\r\rوليس لي ناقة فيها ولاجمل\r\rوليس لي ثم من ثور ولاحمل\r\rولا يستقيم وفاق لي بمثلهم\r\rوهل يطابق معوج بمعتدل","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"قد ذقتهم وبلوت الحال عندهم\r\rفما حصلت على صاب ولاعسل\r\rليسوا كراماً ولكن من مكارمهم\r\rمابالكرائم من جبن ومن بخل\r\rإني ابتليت باخلاق فوصلعهم\r\rوعد ومطل وارجاء على مذل\r\rلايفعلون إذا قالوا فقد بعدت\r\rمسافة الخلف بين القول والعمل\r\rأضحت مواعيد عرقوب لهم مثلاً\r\rومامواعيدهم غلا على دخل\r\rأخلاقهم صح إنجازاً لموعدهم\r\rإذ كان وعدهم كذباً من الخجل\r\rأشكو الزمان وأهليه وأمقتهم\r\rإذ سوء أفعالهم أوفى على القلل\r\rساءت سريرتهم حالت طريقتهم\r\rزاغت بصيرتهم عن أقوم السبل\r\rعلمٌ بلا عمل حكم بلا حكم\r\rظلم على عجل وعدٌ على مهل\r\rالإفك والزور والبهتان عندهم\r\rوالسعي في الأرض بالإفساد والخلل\r\rالكذب مستحسن والصدق عندهم\r\rمستهجن من صفات العاجز الوكل\r\rأهنى الطعام لحوم الناس عندهم\r\rألنم فيما لديهم شربة العسل\r\rنكث العهود سجاياهم ودأبهم\r\rخلف الوعود وذا من أسوإ الثقل\r\rإن السعاية في التضريب أحسن من\r\rضرب من الحذق والعرفان في الزجل\rيادهر مالك والأ؛رار تقهرهم\r\rتذل كل كريم الأصل مقتبل\r\rحتى متى يازمان السوء تفعل ما\r\rتشيب فيه النواصي غير محتمل\r\rتؤخر الفاعل المرفوع تحفظه\r\rمقدما لمفاعيل على البدل\r\rوساقه الجيش قد أضحت مقدمة\r\rمثل التليل إذا في مؤخر الكفل\r\rفلست أحفظ في ذي الدهر من أسف\r\rأطال أيام عمري أو دنا أجلي\r\rواهاً لقلبي يوم البين إذا ظعنوا\r\rفالعين في لجج والقلب في شعل\r\rكيف التصبر من ناري نوى وجوى\r\rوفي الحشا أنكاء جرح غير مندمل\r\rفقد فقدت الألى كانت ببهجتهم\r\rنور النواظر في الأحداق والمقل\r\rلم أكتحل بقرار بعد ما ارتحلوا\r\rولاابتغيت لهم في الناس من بدل","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"لم يبق لي الدهر بعد البين من جلد\r\rما استطيع به توديع مرتحل\r\rولا من الغمض ماأقري الخيال به\r\rولا من الدمع ماأبكي على طلل\r\rفلبي على لهب والجسم في نصب\r\rوالروح في وصب واللب في ذهل\r\rحسبي الغرام حليف والجوى أبداً\r\rمنادما وسميرٌ غير منفصل\r\rخذها محبرة غيداء غانية\r\rأتت على عجل كالقابس العجل\r\rجاءت من (الهاشمي) لا تبتغي مهرا\r\rمن خاطب لبنات النظم في عطل\r\rوقال محمد اليمني المقلب بنجم الدين المتوفى سنة 569ه?\rولا تحتقر كيد الضعيف فربما\r\rتموت الأفاعي من سموم العقارب\rوقد هد قدما عرش بلقيس هدهد\r\rوخرب حفر الفأر سد مآرب\r\rإذا كان رأس المال عمرك فاحترز\r\rعليه من الإنفاق في غير واجب\r\rفبين اختلاف الليل والصبح معرك\r\rيكر علينا جيشه بالعجائب\r\rوماراعني غدر الشباب لأنني\r\rأنست بهذا الخلق من كل صاحب\r\rوغدر الفتى في عهده ووفائه\r\rوغدر المواضي نبو المضارب\r\r?وقال مهذب الدين المتوفى سنة 48ه?\rوإذا الكريم رأى الخمول نزيله\r\rفي منزل قالحزم أن يترحلا\r\rكالبدر لما أن تضاءل جد في\r\rطلب الكمال فحازه متنقلا\r\rسفها لحلمك إن رضيت بمشرب\r\rرنق ورزق الله قد ملأ الملا\r\rساهمت عيسك مر عيشك قاعداً\r\rأفلا فليت بهن ناصية الفلا\r\rفارق ترق كالسيف سل فبان في\r\rمتنيه ماأخفى القراب وأخملا\r\rلا تحسبن ذهاب نفسك ميتة\r\rماالموت غلا أن تعيش مذللا\r\rللقفر لا للفقر هبها إنما\r\rمغناك ماأعناك أمن تتوسلا\r\rلا ترض من دنياك مأدناك من\r\rدنس وكن طيفاً جلاثم انجلى\r\rوصل الهجير بهجر قوم كلما\r\rأمطرتهم شهدا جنوا لك حظلا\r\rأنا من إذا ما الدهر هم بخفضه\r\rسامته همته السماك الأعزلا\r\rوقال الحريري المتوفي سنة 516ه?\rسامح أخاك إذا خلط\r\rمنه الإصابة بالغلط\r\rوتجاف عن تعنيفه","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"إن زاغ يوماً أو قسط\r\rواحفظ صنيعك عنده\r\rشكر الصنيعة أو غمط\r\rوأطعه إن عاصى وهن\r\rإن عز وأدن إذا شحط\r\rواقن الوفاء ولو أخ\r\rل بما استرطت وما اشترط\rواعلم بأنك إن طلب\r\rت مهذبا رمت الشطط\r\rمن ذا الذي ماساء قط\r\rومن له الحسنى فقط\r\rوقال أيضاً\rاسمع أخي وصيةً من ناصح\r\rماشاب محض النصح منه بغشه\rلا تعجلن بقضية مبتوتة\r\rفي مدح من لم تبله أو خدشه\r\rوقف القضية فيه حتى نجتلي\r\rوصيفه في حالي رضاه وبطشه\rفهناك إن تر ما يشين فواره\r\rكرماً وإن مايزين فأفشه\r\rوأعلم بأن التبر في عق الثرى\r\rخاف إلى أن يستثار بنبشه\r\rوفضيلة الدينار يظهر سرها\r\rمن حكه لا من ملاحة نقشه\rومن الغباوة أن تعظم جاهلا\r\rلصقال ملبسه ورونق رقشه\rأو أن تهين مهذباً في نفسه\r\rلدروس بزته ورثه فرشه\r\r?الباب التاسع\r?قال مؤيد الدين الأصبهاني المعروف بالطفرائي المتوفي سنة 513ه?\rمن قاس بالعلم الثراء فإنه\r\rفي حكمه أعمى البصيرة كاذب\rالعلم تخدمه بنفسك دائماً\r\rوالمال يخدم عنك فيه نائب\r\rوالمال يسلب أو يبيد لحادث\r\rوالعلم لايخشى عليه سالب\r\rوالعلم نقش في فؤادك رسخ\r\rوالمال ظل عن فنائك ذاهب\r\rهذا على الإنفاق يغزو فيضه\r\rأبداً وذلك حين تنفق ناضب\r\rالعلم أشرف شيء قاله رجل\r\rمن لم يكن فيه علمك لم يكن رجلا\rتعلم العلم واعمل ياأخي به\r\rفالعلم زين لمن بالعلم قد عملا\r\rالعلم مبلغ قوم ذروة الشرف\r\rوصاحب العلم محفوظ من التلف\rياصاحب العلم مهلاً لا تدنسه\r\rبالموبقات فما للعلم من خلف\r\rالعلم يرفع بيتاً لاعماد له\r\rوالجهل يهدم بيت العز والشرف\r\rلو كان نور العلم يدرك بالمنى\r\rماكان يبقى في البرية جاهل\rأجهد ولاتكسل ولا تك غافلاً\r\rفندامة العقبى لمن يتكاسل","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله\r\rوأجسادهم دون القبور قبور\r\rوإن أمرأ لم يحي بالعلم قلبه\r\rفليس له حتى النشور نشور\r\rلكل مجد في الروى نفع فاضل\r\rوليس يفيد العلم منم دون عامل\r\rيسابق بعض الناس بعضاً بجدهم\r\rوماكل كر بالهوى كر باسل\r\rإذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا\r\rفما هو بين الناس إلا كجاهل\r\rكذاك إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا\r\rفما هو بين الناس إلا كجاهل\r\rكذاك إذا لم ينفع المرء غيره\r\rيعد كشوك بين زهر الخمائل\r\rياساعياً وطلاب المال همته\r\rغني أراك ضعيف العقل والدين\r\rعليك بالعلم لاتطلب له بدلاً\r\rواعلم بأنك فيه غير مغبون\r\rالعلم يجدي ويبقى للفتى أبداً\r\rوالمال يفنى وإن أجدى إلى ىحين\rهذاك عز وذا ذل لصاحبه\r\rمازال بىلبعد بين العز والهون\r\rالعلم زين وتشريف لصاحبه\r\rفاطلب هديت فنونه العلم والأدبا\r\rكم سيد بطل آباؤه نجب\r\rكانوا الرؤوس فأمسى بعدهم ذنباً\r\rومقرف خامل الآباء ذي أدب\r\rنال المعالي بالآداب والرتبا\r\rالعلم كنز وذخر لا فناء له\r\rنعم القرين إذا ما صاحب صحبا\r\rقد يجمع المال شخص ثم يحرمه\r\rعما قليل فيلقى الذل والحربا\r\rوجامع العلم مغبوط به أبداً\r\rولا يحاذر منه الفوت والسلبا\r\rياجامع العلم نعم الذخر تجمعه\r\rلا تعدلن به دراً ولا ذهباً\r\rبالعلم والعقل لا بالمال والذهب=يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب\rفالعلم طوق النهى يزهو به شرفاً\r\rوالجهل قيد له يبليه باللعب\r\rكم يرفع العلم أشخاصاً إلى رتب\r\rويخفض الجهل أشرافاً بلا أدب\r\rالعلم كنز فلا تفنى ذخائره\r\rوالمرء مازاد علماً زاد بالرتب\r\rفالعلم فاطلب يجديك جوهره\r\rكالقوت للجسم لا تطلب غنى الذهب\rالعلم زين فكن للعلم مكتسباً\r\rوكن له طالباً ماعشت مقتبساً","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"اركن إليه وثق بالله واغن به\r\rوكن حليماً رزين العقل محترساً\r\rوكن فتى سالكاً محض التقى ورعاً\r\rالدين مغتنما في العلم منغمساً\r\rفمن تخلق بالآداب ظل بها\r\rرئيس قوم إذا مافارق الرؤسا\r\rالناس من جهة التمثال أكفاء\r\rأبوهم آدم والأم حواء\r\rفإن يكن لهم في أصلهم شرف\r\rيفاخرون به فالطين والماء\r\rمالفخر إلا لأهل العلم انهموا\r\rعلى الهدى لمن استهدى أدلاء\rوقدر كل امرئ ماكان يحسنه\r\rوالجاهلون لأهل العلم أعداء\r\rوإن أتيت بجود في ذوي نسب\r\rفإن نسبتنا جودٌ وعلياء\r\rففز بعلم تعش حياً به أبداً\r\rالناس موتى وأهل العلم أحياء\r\rالعلم يغرس كل فضل فاجتهد\r\rألا يفوتك فضل ذاك المغرس\r\rواعلم بأن العلم ليس يناله\r\rمن همه في مطعم أو ملبس\r\rألا أخو العلم الذي يزهو به\r\rفي حالتيه عارياً أو مكتسي\r\rفاجعل لنفسك منه حظاً وافراً\r\rواهجر له طيب الرقاد وعبس\r\rفلعل يوماً إن حضرت بمجلس\r\rكنت الرئيس وفخر ذاك المجلس\rالباب العاشر\rفي العقل\rلولا العقول لكان أدنى ضيغم\r\rأدنى إلى شرف من الإنسان\rولربما طعن الفتى أقرانه\r\rبالرأي قبل تطاعن الأقران\r\rألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب\rيقول لك العقل الذي زين الفتى\r\rإذا لم تكن تقدر عدوك داره\r\rولا قه بالترحيب والبشر والقرى\r\rوبادراك له مادمت تحت اقتادره\r\rوقبل يد الجاني التي لست قادراً\r\rعلى قطعها وراقب سقوط جداره\r\rالعقل حلة فخر من تسربلها\r\rكانت له نسباً تغني عن النسب\r\rوالعقل أفضل مافي الناس كلهم\r\rبالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب\rوأفضل قسم الله للمرء عقله\r\rفليس من الخيرات شيء يقاربه\r\rيعيش الفتى بالعقل في الناس أنه\r\rعلى العقل يجري علمه وتجاربه","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"يشين الفتى في الناس قلة عقله\r\rوإن كرمت أعراقه ومناسبه\r\rوإذا أكمل الرحمن للمرء عقله\r\rفقد كملت أخلاقه ومآربه\r\rماوهب الله لا مرئ هبة\r\rأشرف من عقله ومن أدبه\rهما حياة الفتى فإن عدما\r\rفإن فقد الحياة أجمل به\r\rيعد رفيع القوم من كان عاقلاً\r\rوإن لم يكن في قومه بحسيب\r\rوإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله\r\rوما عاقل في بلدة بغريب\r\rومن كان ذا مال لم يك عاقلاً\r\rفذاك حمار حملوه من التبر\r\rأرى العقل مرآة الطبيعة إذا به\r\rنرى صور الأشياء في عالم الفكر\rذو العقل في معترك الأقدار مقتدر\r\rلكن ذا الجهل مغلوب ومغلول\r\rوعقل ذي الحزم مرآة الأمور بها\r\rيرى الحقائق، والمجهول مهول\r\rوعقول الأنام لو تستوي لم\r\rيك فرق بين الغبي والنبيه\r\rمحور الأرض لو عدا مستقيماً\r\rلتساوى النهار والليل فيه\r\rالباب الحادي عشر في الأدب\rقال أبو تمام\rإذا جاريت في خلق دنيئاً\r\rفأنت ومن تجاريه سواءُ\r\rرأيت الحر يجتنب المخازي\r\rويحميه عن الغدر لالوفاء\r\rوما من شدة إلا سيأتي\r\rلها من بعد شدتها رخاء\r\rلقد جربت هذا الدهر حتى\r\rأفادتني التجارب والعناء\r\rيعيش المرء مااستحيا بخير\r\rويبقى العود ما بقي اللحاء\rفلا الله مافي العيش خير\r\rولا الدنيا إذا ذهب الحياء\r\rإذا لم تخش عاقبة الليالي\r\rولم تستح فاصنع ماتشاء\r\rوقال أيضاً\rسأصرف وجهي عن بلاد إذا بها\r\rلساني معقولاً وقلبي مقفلاً\r\rوإن صريح الحزم والرأي لامرئ\r\rإذا بلغته الشمس أن يتحولا\r\rوقال أبو فراس الحمداني\rلا أشتري بعد التجارب صاحباً\r\rإلا وددت بأنني لم أشره\r\rوتركت حلو العيش لم أحفل به\r\rلما رأيت اعزه في مره\r\rوالمرء ليس بغانم في أرضه\r\rكالصقر ليس بصائد في كره\rوقال أبو العلا المعري\rلئن قدرت فلا تفعل سوى حسن\r\rبين الأنام وجانب كل ماقبحا","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"فكم شيوخ غدوا بيضاً مفارقهم\r\rيسبحون وباتوا في الخنا سبحاً\r\rوليس عندهم دينٌ ولا نسك\r\rفلا تغرك أيد تحمل السبحا\r\rلو اعقل الأرض ودت أنها صفرت\r\rمكنهم فلم ير فيها ناظر شبحا\r\rوقال الطغرائي\rجامل عدوك مااستطعت فإنه\r\rبالرفق يطمع في صلاح الفاسد\rواحذر حسودك مااستطعت فإنه\r\rإن نمت عنه فليس عنك براقد\r\rإن الحسود وإن أراد توددا\r\rمنه أضر من العدو الحاقد\r\rولربما رضي العدو إذا رأى\r\rمنك الجميل فصار غير معاند\r\rورضا الحسود زوال نعمتك التي\r\rأوتيتها من طارف أو تالد\r\rفاصبر على غيظ الحسود فناره\r\rترمي حشاه بالعذاب الخالد\r\rأو ما رأيت النار تأكل نفسها\r\rحتى تعود إلى الرماد الهامد\r\rتضغو على المحسود نعمة ربه\r\rويذوب من كمد فؤاد الحاسد\r\rوقال ابن الرومي\rعدوك من صديقك مستفاد\r\rفلا تستكثرون من الصحاب\r\rفإن الداء أكثر ما تراه\r\rيحول من الطعام أو الشراب\rإذا انقلب الصديق غدا عدوا\r\rمبيناً والأمور إلى انقلاب\r\rولو كان الكثير يطيب كانت\r\rمصاحبة الكثير من الصواب\rوقال في الانفراد والوحدة\rذقت الطعوم فما التذذت براحة\r\rمن صحبة الأخيار والأشرار\r\rأما الصديق فلا أحب لقاءه\r\rحذر القلى وكراهة الأعوار\r\rوأرى العدو قذى فأكره قربه\r\rفهجرت هذا الخلق عن أعذار\r\rمن جود إخوان الزمان سرورهم\r\rبتفاضيل الأحوال والأخطار\r\rلو أن إخوان الصفاء تناصفوا\r\rلم يفرحوا بتفاصيل الأعمار\r\rأأحب قوماً لم يحبوا ربهم\r\rإلا لفردوس لديه ونار\r\rوقال المتنبي\rإذا غامرت في شرف مروم\r\rفلا تقنع بما دون النجوم\r\rفطعم الموت في أمر حقير\r\rكطعم الموت في أمر عظيم\rيرى الجبناء أن العجز عقل\r\rوتلك خديعة الطبع اللئيم\r\rوكل شجاعة في المرء تغني\r\rولا مثل الشجاعة في الحكيم\rوكم من عائب قولاً صحيحاً","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"وآفته من الفهم السقيم\r\rوقال بشار بن برد\rخبر إخوانك المشارك في المر\r\rروأين الشريك في المرأينا\r\rالذي إن شهدت سرك في الحي\r\rى وإن غبت كان أذنا وعينا\r\rمثل سر الياقوت إن مسه النا\r\rر جلاه البلاء فازداد زينا\r\rأنت في معشر إذا غبت عنهم\r\rبدلوا كل مايزينك شينا\r\rوإذا مالارأوك قالوا جميعاً\r\rأنت من أكرم البرايا علينا\r\rماأرى للأنام ودا صحيحاً\r\rعاد كل الوراء زورا ومينا\r\rوقال أبو العتاهية\rخيراٌ أيام الفتى يوم نفع\r\rواصطناع الخير أبقى ماصنع\rماينال الخير بالشر ولا\r\rيحصد الزارع إلا مازرع\r\rخذ من الدنيا الذي درت به\r\rواسل عما بان منها وانقطع\r\rإنما الدنيا متاع زائل\r\rفاقتصد فيه وخذ منه ودع\r\rوارض للناس بما ترضى به\r\rواتبع الحق فنعم المتبع\r\rكن ابن من شئت واكتسب أدباً\r\rيغنيك محموده عن النسب\r\rإن الفتى من يقول هأنذا\r\rليس الفتى من بقول كان أبي\rلكل شيء زينة في الورى\r\rوزينة المرء تمام الأدب\r\rقد يشرف المرء بآدابه\r\rفينا وإن كان وضيع النسب\rوأنشد أبو عبد الله نفطويه لنفسه\rأراني أنسى ماتعلمت في الكبر\r\rولست بناس ماتعلمت في الصغر\r\rوما العلم إلا بالتعلم في الصبا\r\rوماالحلم إلا بالتحلم في الكبر\r\rولو فلق القلب المعلم في الصبا\r\rلألفى فيه العلم كالنقش في الحجر\r\rوماالعلم بعد الشيب غلا تعسف\r\rإذا كل قلب المرء والسمع والبصر\rوما المرء غلا اثنان: عقل ومنطق\r\rفمن فاته هذا وهذا فقد دمر\r\rوما ينشد لخلف الأحمر\rخير ماورث الرجال بينهم\rأدب صالح وحسن ثناء\r\rهو خير من الدنانير والأو\r\rراق في يوم شدة ورخاء\rتلك تفنى والدين والأدب الصا_لح لا يفينان حتى اللقاء\rإن تأدبت يابني صغيراً\r\rكنت يوماً تعد في الكبراء\r\rوإذا ماأضعت نفسك الفي","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"ت كبيراً في زمرة الغوغاء\r\rليس عطفي للعود إن كان رطباً\r\rوإذا كان يابساً بسواء\r\rومن شعر المنصور الفقيه\rأيها الطالب الحريص تعلم\r\rإن للحق مذهباً قد ضللته\r\rليس يجدي عليك علمك إن لم\r\rتك مستعملاً لما قد علمته\r\rقد لعمري اغتربت في طلب العل\r\rم وحاولت جمعه فجمعته\r\rولقيت الرجال فيه وازحم\r\rت عليه الجميع حتى سمعته\r\rثم ضيعت أو نسيت، وماين\r\rفع علم نسيته أو أضعته\r\rوسواءٌ عليك علمك إن لم\r\rيجد نفعاً عليك أم ما جهلته\r\rكم إلى كم تخادع النفس جهلاً\r\rثم تجري خلاف ماقد عرفته\rتصف الحق والطريق إليه\r\rفإذا ماعلمت خالفت سمته\r\r??وقال محمود سامي باشا البارودي\rبادر الفرصة واحذر فوتها\r\rفبلوغ العز في نيل الفرص\r\rواغتنم عمرك إبان الصبا\r\rفهو إن زاد مع الشيب نقص\r\rوابتدر مسعاك واعلم أن من\r\rبادر الصيد مع الفجر قنص\r\rواجتنب كل غبي مائق\r\rفهو كالغير، إذا جد قمص\r\rإنما الجاهل في العين قذى\r\rحيثما كان،وفي الصدر غصص\rواجتز من شئت تعرفه فما\r\rيعرف الأخلاق إلا من فحص\r\rإن ذا الحاجة إن لم يغترب\r\rعن حماه مثل طير في قفص\r\rوقال أبو اسحاق إبراهيم الغزي\rبمسيره نقص الهلال، وزاد\r\rفاجعل كراك إذا اعتزمت سهادا\r\rلولا أنصلات البيض من أغمادها\r\rمشحوذة لم تفضل الأغماد\r\rوفضيلة الحيوان في حركاته\r\rلولا منافعة لكان جمادا\r\rمالعمر إلا راحل، وأظنه أت\r\rخذ الشبيبة للمسافة زادا\r\rلا تخلعن عن اللسان لجامه\r\rوتوق فرط جماحه المعتادا\r\rفالله خص الاستماع بآلةٍ+مثنى وجارحة الكلام فرادى\rوقال أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي\rحاول جسيمات الأمور، ولا تقل","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"إن المحامد والعلا أرزاق\r\rوأرغب بنفسك أن تكون مقصراً\r\rعن غلاية فيها الطلاب سباق\r\rلا تشفقن فإن يومك إن أتى ميقاته لم ينفع الإشفاق\rوإذا عجزت عن العدو فداره\r\rوأمزج له إن المزاج وفاق\r\rفالنار بالماء الذي هو ضدها\r\rتعطي النضاج، وطيعها الإحراق\r\rعود بينك على الآداب في الصغر\r\rكيما تقربهم عيناك في الكبر\r\rفإنما مثل الآداب تجمعها\r\rفي عنفوان الصبا كالنقش في الحجر\r\rهي الكنوز التي تنمو ذخائرها\r\rولا يخاف عليها حادث العبر\r\rإن الأديب إذا زلت به قدم\r\rيهوى على فرش الديباج والسرر\r\rالناس صنفان ذو علم ومستمع\r\rواع وسائرهم كاللغو والعكر\r\rمن لم يكن عقله مؤدبة\r\rلم يغنه واعظ من النسب\r\rكم من وضيع الأصول في أمم\r\rقد سودوه بالعقل والأدب\r\rلا تيأسن إذا ماكنت ذا أدب\r\rعلى خمولك أن ترقى إلى الفلك\r\rفبينما الذهب الإبريز مختلط\r\rبالترب إذ صار إكليلاً على الملك\rالسبع سبع ولو كلت مخالبه\r\rوالكلب كلب ولو بين السباع ربي\r\rوهكذا الذهب الإبريز خالطه\r\rصفر النحاس وكان الفضل للذهب\r\rلا يعجبنك أثواب على رجل\r\rدع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب\r\rفالعود لو لم تفح منه روائحه\r\rلم يفرق الناس بين العود والحطب\r\rوليس يسود المرء إلا بنفسه\r\rوإن عد آباء كراماً ذوي حسب\r\rإذا العود لم يثمر ولو كان شعبه\r\rمن المثمرات اعتده الناس من حطب\rقد ينفع الأدب الأحداث من صغر\r\rوليس ينفع بعد الشيبة الأدب\r\rإن الغصون إذا قومتها اعتدلت\r\rولن تلين إذا قومتها الخشب\r\rالباب الثاني عشر في الصبر والتأني\rتصبر ففي اللأواء قد الصبر","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر\rوإن الذي أبلى هو العون فانتدب\r\rجميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر\r\rوثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً\r\rفليس بحزم أن يروعك الضر\r\rفلا نعم تبقى ولا نقم ولا\r\rيدوم كلا الحالين عسر ولا يسر\r\rتقلب هذا الأمر ليس بدائم\r\rلديه مع الأيام حلو ولا مر\r\rاصبر على مضض الأدلاج في السحر\r\rوفي الرواح إلى الطاعات في البكر\r\rإني رأيت وفي الأيام تجربة\r\rللصبر عاقبه محمودة الأثر\r\rوقل من جد في أمر يؤمله\r\rواستصحب الصبر إلا فاز بالظفر\r\rإن الأمور إذا اشتدت مسالكها\r\rفالصبر يفتح كل ما ارتجا\r\rلا تيأسن وإن طالت مطالبه\r\rإذا استعنت بصبر أن ترى فرجا\rعليك بإظهار التجلد للعدى\r\rولا تظهرن منك الذبول فتحقرا\rأما تنظر الريحان بشمم ناضراً\r\rويطرح في البيدا إذا ماتغيرا\r\rصبراً على نوب الزما\r\rن وإن أبى القلب الجريح\rفلكل شيء آخر\r\rإما جميل أو قبيح\r\rالدهر أدبني والصبر رباني\r\rوالقوت أنعني واليأس أغناني\r\rوحنكتني من الأيام تجربة\r\rحتى نهيت الذي قد كان ينهاني\rإني رأيت الصبر خير معول\r\rرفي النائبات لمن أراد معولاً\r\rورأيت أسباب القناعة أكدت\r\rبعرى الغنى فجعلتها لي معقلا\rفإذا نبابي منزل جاوزته\r\rوجعلت منه غيره لي منزلاً\r\rوإذا غلا شيء علي تركته\r\rفيكون أرخض مايكون إذا غلا\rإذا ماأتاك الدهر يوماً بنكبة=فافرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً\rفإن تصاريف الزمان عجيبة\r\rفيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً\rعلى قدر فضل المرء تأتي خطوبه\r\rويحمد منه الصبر مما يصيبه\r\rفمن فيما يتقيه اصطباره\r\rلقد قل فيما يرتجيه نصيبه\r\rأصبر قليلاً فبعد العسر تيسير\r\rوكل وقت له أمر وتدبير\r\rوللمهيمن في حالتنا نظر\r\rوفوق تدبيرنا لله تدبير","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"اصبر ففي الصبر خيرٌ لو علمت به\r\rلكنت باركت شكراً صاحب النعم\r\rوأعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً\r\rصبرت قهراً على خط بالقلم\r\rكن حليماً إذا بليت بغيظ\r\rوصبوراً إذا أتتك مصيبة\rفالليالي من الزمان حبالى\r\rمثقلات يلدان كل عجيبة\r\rتصبر أيها العبد اللبيب\r\rلعلك بعد صبرك ماتخيب\r\rوكل الحادثات إذا تناهت\r\rيكون وراءها فرج قريب\rأيا صاحبي إن رمت أن لاتكسب العلا\r\rوترقى إلى العلياء غير مزاحم\r\rعليك بحسن الصبر في كل حالة\r\rفما صابر فيما يروم بنادم\r\rبنى الله للأخيار بيتاً سماؤه\r\rهموم وأحزان وحيطانه الضر\rوأدخلهم فيه وأغلق بابه\r\rوقال لهم مفتاح بابكم الصبر\r\rاصبر قليلاً وكن بالله معتصما\r\rلاتعجلن فإن العجز بالعجل\r\rالصبر مثل اسمه في كل نائبة\r\rلكن عواقبه أحلى من العسل\rإذا جرحت مساويهم فؤادي\r\rصبرت على الإساءة وانطويت\rوجئت إليهم طلق المحيا\r\rكأني لا سمعت ولا رأيت\r\rتأن ولا تضيق للأمر ذرعاً\r\rفكم بالنجح يظفر من تأنى\rتأن فالمرء إن تأنى\r\rأدرك لاشك ما تمنى\r\rالباب الثالث عشر في الصدق\rالصدق عز فلا تعدل عن الصد\r\rواحذر من الكذب المذموم في الخلق\rعليك بالصدق ولو أنه\r\rأحرقك الصدق بنار الوعيد\rماأحسن الصدق في الدنيا لقائله\r\rوأقبح الكذب عند الله والناس\r\rالباب الرابع عشر في الكذب\rلي حيلة فيمن ين\r\rم وليس في الكذب حيلة\rمن كان يخلق مايقو\r\rل فحيلتي فيه قليلة\r\rنعم إنما النمام ذو ضرر\r\rلكنما الكاذب الجاني أشد ضرر\r\rنعم نعم إنما النام ذو ضرر\r\rلكنما الكاذب الجاني أشد ضرر\r\rأخو النميمة إن يسمع ينم ومن\r\rيكذب يقل ما يشا قولاً بغير أثر\r\rلذاك لي حيلة في من ينم وما\r\rلي حيلة في كذوب ملء فيه شرر\rلي حيلة في من ينم فإنني\r\rأطوي حديثي دونه وخطابي","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"لكنما الكذاب يخلق قوله\r\rماحيلتي في المفتري الكذاب\rلا يكذب المرء إلا من مهانته\r\rأو فعله السوء أو من قلة الأدب\r\rلبعض جيفة كلب خير رائحة\r\rمن كذبة المرء في جد وفي لعب\rإياك من كذب الكذوب وإفكه\r\rفلربما مزوج اليقين بشكه\r\rولربما كذب امرؤ بكلامه\r\rوبصمته وبكائه وبضحكه\r\rإذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل\r\rلدى الناس كذاباً ولو كان صادقاً\rفإن قال لم تصغ له جلساؤه\r\rولم يسمعوا منه ولو كلن ناطقاً\r\rالباب الخامس عشر في التواضع\rإن شئت أن تبني بناءً شامخاً\r\rيلزم لذا البنيان أسّ راسخ\r\rإن البناء هو الكمال وأسه ال\r\rالصخريّ فهو الإتضاع الباذخ\rتواضع لربّ العرش علك ترفع\r\rفما خاب عبد للمهيمن يخضع\r\rتواضع تكن كالنجم لا لناظر\r\rعلى صفحات الماء وهو رفيع\rولا تك كالدخان يعلو بنفسه\r\rإلى طبقات الجو وهو وضيع\r\rإذا شئت أن تزداد قدراً ورفعة\r\rفلن وتواضع واترك الكبر والعجبا\rتواضع إذا ما نلت في الناس رفعة\r\rفإن رفيع القوم من يتواضع\r\rتواضع إذا ما كان قدرك عالياً\r\rفإن اتضاع المرء من شيم العقل\rالباب السادس عشر في الكرم والكرماء\rونكرم ضيفنا ما دام فينا\r\rونتبعه الكرامة حيث مالا\rفتى كملت خيراته غير أنه\r\rجواد فما يبقى من المال باقيا\rإن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا\r\rمن كان يألفهم في المنزل الخشن\rأبى الجود في الدنيا سواك لأنه\r\rتفرع من جود وأنت أبو الجود\r\rوأضدادك الوادي لهم سال واستوت\r\rسفينة بحر العلم منك على الجودي\rإن الكريم الذي لا مال في يده\r\rمثل الشجاع الذي في كفه شلل\r\rوالمال مثل الحصى مادام في يدنا\r\rفليس ينفع إلا حين ينتقل\r\rلا تراني مصافحاً كفّ يحيى\r\rإن فعلت ضيعت مالي\r\rلو يمس البخيل راحة يحيى\r\rلسخت نفسه ببذل النوال\r\rلو أشبهتك بحار الأرض في كرم","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"لأصبح الدر مطروحاً على الطرق\r\rأو أشبه الغيث جوداً منك منهملاً\r\rلم ينج في الأرض مخلوق من الغرق\rمن قاس جدواك بالغمام فما\r\rأنصف في الحكم بين شكلين\rأنت إذا جدت ضاحكاً أبداً\r\rوهو إذا جاد دامع العين\r\rما نوال الغمام وقت ربيع\r\rكنوال الأمير وقت سخاء\r\rفنوال الأمير بدرة مال\r\rونوال الغمام قطرة ماء\r\rالباب السابع عشر في البخل والبخلاء\rيفنى البخيل بجمع المال مدته\r\rوللحوادث والأيام ما يدع\r\rكدودة القز ما تبنيه يهدمها\r\rوغيرها بالذي تبنيه ينتفع\r\rإن هذا الفتى يصون رغيفاً\r\rما إليه من ناظر من سبيل\r\rفي جراب في جوف تابوت موسى\r\rوالمفاتيح عند ميكائيل\r\rشرابك مختوم وخبزك لا يرى\r\rولحمك بين الفرقدين معلّق\r\rنديمك عطشان وضيفك جائع\r\rوكلبك نباح وبابك مغلق\r\rنوالك دونه شوك القتاد\r\rوخبزك كالثريا في البعاد\r\rولو أبصرت ضيفاً في منامٍ\r\rلحرّمت الرقاد على العباد\rقد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب\r\rإن الحريص على الدنيا لفي تعب\r\rوذي حرص تراه يلم وفراً\r\rلوارثه ويدفع عن حِماه\r\rككلب الصيد يمسك وهو طاو\r\rفريسته ليأكلها سواه\r\rحسبي بعلمي إن نفع\r\rما الذل إلا في الطمع\r\rمن راقب الله نزع\r\rعن سوء ما كان صنع\rما طار طير وارتفع\r\rإلا كما طار وقع\r\rأصبحت أجوع خلق الله كلهم\r\rوأفزع الناس من خبز إذا وضعا\rخبز البخيل لمكتوب عليه ألا\r\rلا بارك الله في ضيف إذا شبعا\r\rإني أحذّركم من خبز صاحبنا\r\rفقد ترون اليوم بحلقي ما صنعا\r\rإياك والحرص إن الحرص متعبةٌ\r\rفإن فعلت فراع القصد في الطلب\r\rقد يرزق المرء لم تتعب رواحله\r\rويحرم المرء ذو الأسفار والتعب\r\rفاجزر فؤادك عن حرص وعن نصب\r\rفما وقّحك يأتي الرزق بالنصب\r\rإذا كسر الرغيف بكى عليه\r\rبُكا الخنساء إذ فجعت بصخر","part":2,"page":62},{"id":563,"text":"ودون رغيفه قلع الثنايا\r\rوضرب مثل وقعة يوم بدر\r\rتغير إذا دخلت عليه حتى\r\rفطنت فقلت في المقال\r\rعلي اليوم نذر من صيام\r\rفأشرق وجهه مثل الهلال\rرغيف في الحجاب عليه قفل\r\rوحراس وأبواب منيعة\r\rرأى في بيته ضيفٌ رغيفاً\r\rفقال لضيفه هذا وديعة\r\rويظهر عيب المرء في الناس بخله\r\rويستره عنهم جميعاً سخاؤه\r\rرأى الصيف مكتوباً على باب داره\r\rفصحفه ضيفاً فقام إلى السيف\r\rفقلنا له خيراً فظن بأننا\r\rنقول له خبزاً فمات من الخوف\r\"وقال أبو محمد إسحاق الموصلي المتوفى سنة 235 ه في ذم البخل\"\rوآمرة بالبخل قلت لها أقصري\r\rفليس إلى ما تأمرين سبيل\r\rأرى الناس خلان الجود ولا أرى\r\rبخيلاً له في العالمين خليل\r\rوإني رأيت البخل يزري بأهله\r\rفأكرمت نفسي أن يقال بخيل\r\rومن خير حالات الفتى لو علمته\r\rإذا نال شيئاً أن يكون ينيل\r\rعطائي عطاء المكثرين تجملاً\r\rومالي كما قد تعلمين قليل\r\rوكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى\r\rورأي أمير المؤمنين جميل\r\rالباب الثامن عشر في وصف الدنيا\rأيا من عاش في الدنيا طويلاً\r\rوأفنى العمر في قيل وقال\rوأتعب نفسه في ما سيفنى\r\rوجمع من حرام أو حلال\r\rهب الدنيا تقاد إليك عفواً\r\rأليس مصير ذاك الانتقال\r\rإن لله عباداً فطنا\r\rطلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا\rفكروا فيها فلما علموا\r\rأنها ليست لحيّ وطنا\r\rجعلوها لجّة واتخذوا\r\rصالح الأعمال فيها سفنا\rعجبت للمرء في دنياه تطعمه\r\rفي العيش والأجل المحتوم يقطعه\rيمسي ويصبح في عشواء يخطبها\r\rأعمى البصيرة والآمال تخدعه\r\rيغتر بالدهر مسروراً بصحبته\r\rوقد درى أنه للغير يجمعه\r\rتراه يشفق من تضييع درهمه\r\rوليس يشفق من دين يضيعه\r\rوأسوأ الناس تدبيراً لعاقبة\r\rمن أنفق العمر في ما ليس ينفعه","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"ألا إنما الدنيا كأحلام نائم\r\rوما خير عيش لا يكون بدائم\r\rتأمل إذا ما نلت بالأمر لذّة\r\rفأفنيتها هل أنت إلا كحالم\r\rفمن غافل عنه وليس بغافل\r\rومن نائم عنه وليس بنائم\r\rومن يذق الدنيا فإني طعمتها\r\rوسبق إلينا عذبها وعذابها\r\rفلم أرها إلا غروراً وباطلاً\r\rكما لاح في ظهر الفلاة سرابها\r\rوما هي إلا جيفة مستحيلة\r\rعليها كلاب همهن اجتذابها\r\rفإن تجتنبها كنت سلماً لأهله\r\rوإن تجتذبها نازعتك كلابها\r\rفدع عنك فضلات الأمور فإنها\r\rحرام على نفس التقي ارتكابها\r\rومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه\r\rفسوف لعمري عن قليل يلومها\r\rإذا أدبرت كانت على المرء حسرة\r\rوإن أقبلت كانت كثيراً همومها\r\rهي الدنيا تقول بملء فيها\r\rحذارِ حذار من بطشي وفتكي\rفلا يغرركمو مني ابتسام\r\rفقولي مضحك والفعل مبكي\r\rسألت عن الدنيا الدنية قيل لي\r\rهي الدار فيها الدائرات تدور\r\rإذا أضحكت أبكت وإن أحسنت أست\r\rوإن أعدلت يوماً فسوق تجور\r\rيا خاطب الدنيا الدّنية إنها\r\rشرك الردى وقرارة الأكدار\rدار متى أضحكت في يومها\r\rأبكت غداً تباً لها من دار\r\rالباب التاسع عشر في السر\rولست بمبدٍ للرجال سريرتي\r\rولا أنا عن أسرارهم بسؤول\r\rلا يكتم السر إلا كل ذي ثقة\r\rوالسر عند خيار الناس مكتوم\r\rفالسر عندي في بيت له غلقٌ\r\rضاعت مفاتيحه والباب مختوم\rصن السر عن كل مستخبر\r\rوحاذر فما الرأي إلا الحذر\r\rأسيرك سرّك إن صنته\r\rوأنت أسيرٌ له أن ظهر\r\rكل علم ليس في القرطاس ضاع\r\rكل سر جاوز الإثنين شاع\r\rإذا لم يكن في الورى صاحب\r\rوفيه ثلاث خصال حميدة\r\rوفاءٌ وسرٌ وحفظ الولا=فصحبته قط ليست مفيدة\rعليك بكتم السر في كل حالة\r\rفقد جاء في الأخبار من ألف حجّة\rإذا دخل اثنان الحديث فسرّه","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"يشيع وصمت المرء أعظم حكمة\r\rالباب العشرون في اللسان\rلا يعجبنك من خطيب خطيبة\r\rحتى يكون مع الكلام أصيلا\r\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما\r\rجعل اللسان على الفؤاد دليلا\rيصاب الفتى من عثرة بلسانه\r\rوليس يصاب المرء من عثرة الرّجل\rفعثرته في القول تذهب رأسه\r\rوعثرته بالرّجل تبرأ على مهل\r\rاحفظ لسانك أيها الإنسان\r\rلا يلدغنك أنه ثعبان\r\rكم في المقابر من قتيل لسانه\r\rكانت تهاب لقاءه الشجعان\r\rالصمت زين والسكوت سلامة\r\rفإذا نطقت فلا تكن مكثاراً\r\rفإذا ندمت على سكوتك مرة\r\rفلتندمن على الكلام مرارا\r\rإن القليل من الكلام بأهله\r\rحسنٌ وإن كثيره ممقوت\r\rما زل ذو صمت وما من مكثر\r\rألا يزلّ ما يعاب صموت\r\rإن كان ينطق ناطق من فضة\r\rفالصمت درّ زانه الياقوت\r\rاحفظ لسانك واستعذ من شره\r\rإن اللسان هو العدو الكاشح\r\rوزن الكلام إذا نطقت بمجلسٍ\r\rفإذا استوى هناك حلمك راجح\r\rوالصمت من سعد السعود بمطلع\r\rتحيا به والنطق سعدٌ رابح\r\rعود لسانك قول الخير تنج به\r\rفي زلّة اللفظ أو من زلة القدم\rواحذر لسانك من خل تنادمه\r\rإن النديم لمشتق من الندم\r\rالباب الحادي عشر في المعاشرة\rقال الإمام الشافعي رضي الله عنه\rإذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا\r\rفدعه ولا تكثر عليه التأسفا\r\rففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحة\r\rوفي القلب صبر للحبيب ولو جفا\r\rفما كل من تهواه يهواك قلبه\r\rولا كل من صافيته لك قد صفا\r\rإذا لم يكن صفو الوداد طبيعة\r\rفلا خير في ود يجيء تكلفا\r\rولا خير في خل يخون خليله\r\rويلقاه من بعد المودة بالجفا\r\rوينكر عيشاً قد تقادم عهده\r\rويظهر سراً كان بالأمس قد خفا\r\rسلام على الدنيا إذا لم يكن بها\r\rصديق صدوق صادق الوعد منصفا\rصاف الكرام فخير من صافيته","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"من كان ذا أدب وكان ظريفا\r\rواحذر مؤاخاة اللئيم فإنه\r\rيبدي القبيح وينكر المعروفا\r\rإن الكريم وإن تضعضع حاله\r\rفالخلق منه لا يزال شريفا\r\rوالناس مثل دراهم قلبتها\r\rفأصبحت منها فضّة وزيوفا\r\rوما المرء إلا حيث يجعل نفسه\r\rفأبصر بعين منك أمراً فيعتمد\r\rولن يصبح الإنسان إلا نظيره\r\rوإن لم يكونا من قبيل ولا بلد\r\rوما الغيّ إلا أن تصاحب غاوياً\r\rوما الرشد إلا أن تصاحب مرتشد\rأخو الفسق لا يغررك منه تودّد\r\rفكل حبال الفاسقين مهين\r\rوصاحب إذا ما كنت يوماً مصاحباً\r\rأخا ثقة بالغيب منك أمين\r\rاجعل قرينك من رضيت فاعله\r\rواحذر مقارنة اللئيم الشائن\r\rكم من قرين شائن لقرينه\r\rومهجن منه لكل محاسن\r\rوعينك إن أبدت إليك مساوياً\r\rمن الناس قل يا عين للناس أعين\rوعاشر بمعروف وكن متودّداً\r\rولا تلق إلا بالتي هي أحسن\r\rالباب الثاني والعشرون في القناعة\rوأكل كسيرة في جنب بيتي\r\rأحب إلي من أكل الرغيف\r\rولبس عباءة وتقر عيني\r\rأحب إلي من لبس الشفوف\rهي القناعة فالزمها تعش ملكا\r\rلو لم يكن منك إلا راحة البدن\r\rوانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها\r\rهل راح منها بغير القطن والكفن\rقنعت بالقوت من زماني\r\rوصنت نفسي عن الهوان\rخوفاً من الناس أن يقولوا\r\rفضل فلان على فلان\r\rمن كنت عن ماله غنياً\r\rفلا أبالي إذا جفاني\r\rومن رآني بعين نقص\r\rرأيته بالتي رآني\r\rومن رآني بعين ثم\r\rرأيته كامل المعاني\r\rإذا المرء عوفي في جسمه\r\rوملكه الله قلباً قنوعا\r\rوألقى المطامع عن نفسه\r\rفذاك الغني ولو مات جوعا\rالنفس تجزع أن تكون فقيرة\r\rوالفقر خير من غنىً يطغيها\r\rوغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت\r\rفجميع ما في الأرض لا يكفيها\r\rإن القنوع نفيس النفس راشدها\r\rوهو الغني الذي يحيا بلا نصب","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"وذو المطامع مغرور ومفتقر\r\rولو حوى ملك سلطان وعلم نبي\rأفادتني القناعة كل عزّ\r\rوهل عز أعز من القناعة\rولقد طلبت رضا البرية جاهداً\r\rفإذا رضاهم غاية لا تدرك\r\rوأرى القناعة للفتى كنزاً له\r\rوالبر أفضل ما به يتمسك\r\rالباب الثالث والعشرون في الحسد\rتخلق الناس بالأدناس واعتمدوا\r\rمن الصفات ألدها والمكر والحسدا\rكرهت منظرهم من سوء مخبرهم\r\rفقد تعاميت حتى لا أرى أحدا\r\rاصبر على كيد الحسو\r\rد فإن صبرك قاتله\r\rكالنار تأكل نفسها\r\rإن لم تجد ما تأكله\r\rدع الحسود وما يلقاه من كمد\r\rيكفيك منه لهيب النار في كبده\rإن لمت ذا حسد نفثت كربته\r\rوإن سكت فقد عذبته بيده\r\rأيا حاسداً لي على نعمتي\r\rأتدري على من أسأت الأدب\rأسأت على الله في حكمه\r\rلأنك لم ترض لي ما وهب\r\rفأخزاك ربي بأن زادني\r\rوسد عليك وجوه الطلب\r\rإن شئت قتل الحاسدين تعمداً\r\rمن غير مادية عليك ولا قود\r\rوبغير سم قاتل وصوارم\r\rوعقاب رب ليس يغفل عن أحد\r\rعظيم تجاه عيونهم محسودهم\r\rفتراهموا موتى النفوس مع الجسد\rذوب المعادن باللظى لكنما\r\rذوب الحسود بحر نيران الحسد\r\rالباب الرابع والعشرون في الحلم\rإلا أن حلم المرء أكرم نسبة\r\rتسامى بها عند الفخار حليم\r\rفيا رب خب لي منك حلماً فإن\r\rني أرى الحلم لم يندم عليه كريم\rأحب مكارم الأخلاق جهدي\r\rوأكره أن أعيب وأن أعابا\r\rوأصفح عن سباب الناس حلماً\r\rوشر الناس من يهوى السبايا\r\rومن هاب الرجال تهيبوه\r\rومن حقر الرجال فلن يهابا\r\rولا خير في حلم إذا لم يكن له\r\rبوادر تحمي صفوه أن يكدرا\r\rولا خير في جهل إذا لم يكن له\r\rحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\rإذا كنت محتاجاً إلى الحلم أنني\r\rإلى الجهل في بعض الأحيان أحوج\rولي فرس للحلم بالحلم ملجمٌ","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"ولي فرس للجهل بالجهل مسرج\r\rفمن شاء تقويمي فإني مقوم\r\rومن شاء تعويجي فإني معوج\r\rوما كنت أرضى الجهل خذناً وصاحباً\r\rولكنني أرضى به حين أحرج\r\rإذا كنت بين الحلم والجهل ناشئاً\r\rوخيرت أنى شئت فالحلم أفضل\r\rولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً\r\rولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل\rوقال الإمام الشافعي رضي الله عنه\rوعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ\r\rكما أن عين السخط تبدي المساويا\rولست بهياب لمن لا يهابني\r\rولست أرى للمرء ما لا يرى ليا\r\rفإن تدن منك مودتي\r\rوإن تنأ عني تلقني عنك نائيا\r\rكلنا غني عن أخيه حياته\r\rونحن إذا متنا أشد تغانيا\r\rالباب الخامس والعشرون في الحماقة\rلكل داءٍ دواءٌ يستطب به\r\rإلا الحماقة أعيت من يداويها\r\rلا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا\r\rواقطع حبالك من حبال الأحمق\rفعداوة من عاقل متجمّل\r\rأولى وأسلم من صداقة أخرق\r\rالباب السادس والعشرون في الوطن\rقال ابن الرومي\rولي وطن آليت ألا أبيعه\r\rوألا أرى غيري له الدهر مالكا\r\rعمرت به شرح الشباب منعماً\r\rبصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا\rوحبب أوطان الرّجال إليهم\r\rمآرب قضاها الشباب هنالكا\r\rإذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم\r\rعهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا\r\rقد ألفته النفس حتى كأنه\r\rلها جسدٌ إن بان غودر هالكا\r\rالباب السابع والعشرون في المال\rإن الدراهم كالمرا\r\rهم تجبر العظم الكسيرا\r\rلو نالهنّ تعليبٌ\r\rفي صبحه أضحى أميرا\rإن قلّ مالي فلا خلٌّ يصاحبني\r\rإن زاد مالي فكلّ الناس خلاني\rفكم عدوٍّ لأجل المال صاحبني\r\rوكم صديق لفقد المال عاداني\r\rلعمرك إن المال قد يجعل الفتى\r\rسرياً وإن الفقر بالمرء قد يزري\rوما رفع النفس الدنية كالغنى\r\rولا وضع النفس النفيسة كالفقر\r\rوإذا ما رأيت صعوبة في مطلب","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"فاحمل صعوبته على الدّينار\r\rوابعثه فيما تشتهيه فإنه\r\rحجرٌ يليّن قسوة الأحجار\r\rالناس أتباع من دامع له نعم\r\rوالويل للمرء إن زلت به القدم\rالمال زينٌ ومن قلت دراهمه\r\rحي كمن مات إلا أنه صنم\r\rلما رأيت أخلائي وخالصتي\r\rوالكل مستتر عني ومحتشم\r\rأبدو جفاءً وإعراضاً فقلت لهم\r\rأذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم\r\rفصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ\r\rوحكمة لقمان وزهد ابن أدهم\r\rإذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس\r\rونودي عليه لا يباع بدرهم\r\rإذا كنت في حاجة مرسلا\r\rوأنت بها كلفٌ مغرم\r\rفأرسل حكيماً ولا توصه\r\rوذاك الحكيم هو الدّرهم\rأظهروا للناس زهداً\r\rوعلى الدينار داروا\rوله صاموا وصلّوا\r\rوله حجوّا وزاروا\r\rلو يرى فوق الثريا\r\rولهم ريش لطاروا\r\rالمال يفرقُ بين الأم والولد\r\rفذاك أدنى نسيبٍ عند كل يد\r\rعهدي به خادماً كالعبد نملكه\r\rفما لعيني تراه سيد البلد\r\rمالٌ يميل إلى المرء من صغر\r\rوكلما شب شبّ الحبّ في الكبد\r\rلو يجمع الله ما في الأرض قاطبة\r\rعند امرئ لم يقلّ حسبي فلا تزد\rكلٌ يروح من الدنيا الغرور كما\r\rأتى بلا عدد منها ولا عُدّد\r\rلو كان يأخذ شيئاً قبلنا أحد\r\rلم يبق شيء لنا من سالف الأمد\r\rإذا المرء لم يعتق من المال نفسه\r\rتملّكه المال الذي هو مالكه\r\rإلا إنما مالي الذي أنا منفقٌ\r\rوليس لي المال الذي أنا تاركه\r\rمن كان يملك درهمين تعلّمت\r\rشفتاه أنواع الكلام فقالا\r\rوتقدّم الإخوان فاستعموا له\r\rورأيته بين الورى مختالا\r\rلولا دراهمه التي يزهو بها\r\rلوجدته في الناس أسوأ حالا\r\rإن الغنيّ إذا تكلّم بالخطا\r\rقالوا صدقت وما نطقت محالا\rأما الفقير إذا تكلم صادقاً\r\rقالوا كذبت وأبطلوا ما قالا\r\rإن الدراهم في المواطن كلّها\r\rتكسو الرجال مهابة وجمالا","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"فهي اللسان لمن أراد فصاحةً\r\rوهي السلاح لمن أراد قتالا\r\rالباب الثامن والعشرون في السياحة والغربة\rوإذا البلاد تغيّرت عن حالها\r\rفدع المقام وبادر التحويلا\r\rليس المقام عليك فرضاً واجباً\r\rفي بلدة تدع العزيز ذليلا\r\rتنقّل فلذّات الهوى في التنقل\r\rورد كل صافٍ ولا تقف عند منهل\rففي الأرض أحبابٌ وفيها مناهل\r\rفلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل\r\rتغرّب عن الأوطان في طلب العلا\r\rوسافر ففي الأسفار خمس فوائد\r\rتفرّج همٍّ واكتساب معيشةٍ\r\rوعلم وآداب وصحبة ماجد\r\rوإن قيل في الأسفار ذلٌ ومحنة\r\rوقطع الفيافي واكتساب الشدائد\r\rفموت الفتى خير له من حياته\r\rبدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد\r\rارحل بنفسك من أرض تضام بها\r\rولا تكن لفراق الأهل في حرق\r\rمن ذل بين أهاليه ببلدته\r\rفالاغتراب له من أحسن الخلق\r\rالكحل نوع من الأحجار منطرحاً\r\rفي أرضه كالثرى ير أي على الطرق\rلما تغرّب نال العزّ أجمعه\r\rوصار يحتمل بين الجفن والحدق\r\rوقال الإمام الشافعي\rما في المقام الذي عقل وذي أدب\r\rمن راحة فدع الأوطان واغترب\r\rسافر تجد عوضاً عمّن تصاحبه\r\rوانصب فإن لذيذ العيش في النّصب\rإني رأيت وقوف المال يفسده\r\rإن سال طاب وإن لم يجر لم يطب\r\rالأسدُ لولا فراق الغاب ما قنصت\r\rوالسهم لولا فراق القوس لم يصب\r\rوالشمس لو وقفت في الفلك دائمةً\r\rلملّها الناس من عجم ومن عرب\r\rوالبدر لولا أفول منه ما نظرت\r\rإليه في كل حين عينٌ مرتقب\r\rوالتبر كالتُّرب ملقى في أماكنه\r\rوالعود في أرضه نوعٌ من الحطب\r\rفإن تغرّب هذا عز مطلبه\r\rوإن أقام فلا يعلو على رتب\r\rإذا ما ضاق صدرك من بلاد\r\rترحّل طالباً أرضاً سواها\r\rعجبت لمن يقيم بدار ذلّ\r\rوأرض الله واسعة فضاها\r\rفذاك من الرّجال قليل عقل","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"بليد ليس يعلم ما طحاها\r\rفنفسك فز بها إن خفت ضيمها\r\rوخلّ الدار تنعي من بناها\r\rفإنك واجد أرضاً بأرضٍ\r\rونفسك لم تجد نفساً سواها\r\rومن كانت منيته بأرضٍ\r\rفليس يموت في أرض سواها\rإن قل نفعك في أرضٍ حللت بها\r\rسافر لتدرك قصداً أم ترى أملا\r\rفالبيض لو لازمت أغمادها تلفت\r\rوالشمس لو لم تسر ما حلت الحملا\rوقال الحريري في الحث على السفر من مقامة له\rلا تقعدن عن ضرّ ومسغبة\r\rلكي يقال عزيز النفس مصطبر\r\rوانظر بعينيك هل أرضٌ معطلة\r\rمن النبات كأرض حفّها الشجر\r\rفعد عما تشير الأغبياء به\r\rفأيُّ فضلٍ لعود ما له ثمر\r\rوارحل ركابك عن ربع ظمئت به\r\rإلى الجناب الذي يهمي به المطر\rوستنزل الريَّ من در السحاب فإن\r\rبلت يداك به فليهنك الظفر\r\rبلاد الله واسعة فضاءً\r\rورزق الله في الدنيا فسيح\r\rفقل للقاعدين على هوان\r\rإذا ضاقت بكم أرضٌ فسيحوا\r\rوإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة\r\rوخشيت فيها أن يضيق المكسب\rفارحل فأرض الله وسعة الفضا\r\rطولاً وعرضاً شرقها والمغرب\rإذا ما كنت في قوم غريباً\r\rفعاملهم بفعل يستطاب\r\rولا تحزن إذا فاهوا بفحش\r\rغريب الدار تنبحه الكلاب\rوما طلب المعيشة بالتمني\r\rولكن ألق دلوك في الدّلاء\r\rتجيء بمثلها طوراً وطوراً\r\rتجيء بحمأة وقليل ماء\r\rولا تقعد على كسل التمني\r\rتحيل على المقعد والقضاء\r\rفإن مقادر الرحمن تجري\r\rبأرزاق الرّجال من السماء\rمقدرة بقبض أو ببسط\r\rوعجز المرء أسباب البلاء\r\rالباب التاسع والعشرون في الغدر\rلا أشتكي زمني هذا فأظلمه\r\rوإنما أشتكي من أهل ذا الزمن\rهم الذئاب التي تحت الثياب فلا\r\rتكن إلى أحدٍ منهم بمؤتمن\r\rوزهّدني في الناس معرفتي بهم\r\rوطول اختباري صاحباً بعد صاحب\rفلم ترني الأيام خِلاً تسرني","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"مباديه إلا ساءني في العواقب\r\rولا قلت أرجوه لدفع ملمة\r\rمن الدّهر إلا كان إحدى المصائب\r\rأني بلوت الناس أطلب منهمو\r\rأخا ثقة عند اعتراض الشدائد\r\rفلم أر فيما ساءني غير شامت\r\rولم أر فيما سرني غير حاسد\rوقال علي بن الجهم وهو مسجون\rقالوا حبست فقلت ليس بضائري\r\rحبسي وأي مهند لا يغمد\r\rأو ما رأيت الليث بألف غيله\r\rكبراً وأوباش السباع تردّد\r\rوالشمس لولا أنّها محجوبةٌ\r\rعن ناظريك لما أضاء الفرقد\r\rوالبدر يدركه السّرار فتنجلي\r\rأيامه وكأنه متجدّد\r\rوالغيث يحسره الغمام فما يرى\r\rإلا وريقه يراع ويرعد\r\rوالزاعبية لا يقيم كعوبها\r\rإلا الثقاف وجذوةٌ تتوقد\r\rوالحبس ما لم تغشه لدنيةٌ\r\rشنعاء نعم المنزل المتودد\r\rبيت يجدد للكريم كرامةً\r\rويزار فيه ولا يزور ويحمد\r\rكم من عليل قد تخطاه الردى\r\rفنجا ومات طبيبه والعوّد\r\rالباب الثلاثون في الختام بالدعاء\rقال البحتري\rحاطه الله حيث أمسى وأضحى\r\rوتولاه حيث سار وحلا\r\rوقال ابن الرومي\rلازلت نجماً يهدى\r\rبك في الضّلال ويستدل\rينبوع عزم يستقى\r\rمنه الصوّاب وستمل\r\rوقال الوزير المهلبي\rأراني الله وجهك كل يوم\r\rصباحاً للتيمّن والسرور\r\rوأمتع مقلتيّ بصفحتيه\r\rلأقرأ الحسن من تلك السطور\rوقال آخر\rبقيت مدى الدنيا وملكك راسخٌ\r\rوطودك ممدودٌ وبابك عامر\r\rيودّ سناك البدر والبدرُ زاهرٌ\r\rويقفو نداك البحر والبحر غامر\r\rوهنّئت أياماً توالت سعودها\r\rكما تتوالى في العقود (الجواهرُ)","part":2,"page":72}],"titles":[{"id":1,"title":"جواهر الأدب","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"مقدمة في علم الإنشاء","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"الباب الأول في أصول الإنشاء","lvl":1,"sub":2},{"id":5,"title":"أركان الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"كيفية نظم الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"الطريق إلى تعلم الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"كيفية تهذيب الكلام وأوقات تأليفه","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"محاسن الإنشاء ومعايبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"فصاحة الألفاظ ومطابقتها للمعاني","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"حقيقة الفصاحة","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"الانسجام","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"حل الشعر","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"الباب الثاني في فنون الإنشاء","lvl":1,"sub":0},{"id":440,"title":"الباب الثالث في شكوى الزمان والحال","lvl":1,"sub":0},{"id":446,"title":"لباب الرابع في الوصف","lvl":1,"sub":0},{"id":484,"title":"الباب الخامس","lvl":1,"sub":0},{"id":489,"title":"الباب السادس","lvl":1,"sub":0},{"id":495,"title":"الباب السابع في المراثي","lvl":1,"sub":0},{"id":512,"title":"الباب الثامن\rفي الحكم والنصائح","lvl":1,"sub":0},{"id":551,"title":"الباب التاسع","lvl":1,"sub":0},{"id":553,"title":"الباب العاشر","lvl":1,"sub":0},{"id":554,"title":"الباب الحادي عشر في الأدب","lvl":1,"sub":0},{"id":558,"title":"الباب الثاني عشر في الصبر والتأني","lvl":1,"sub":0},{"id":560,"title":"الباب الثالث عشر في الصدق","lvl":1,"sub":0},{"id":560,"title":"الباب الرابع عشر في الكذب","lvl":1,"sub":1},{"id":561,"title":"الباب الخامس عشر في التواضع","lvl":1,"sub":0},{"id":562,"title":"الباب السابع عشر في البخل والبخلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":563,"title":"الباب الثامن عشر في وصف الدنيا","lvl":1,"sub":0},{"id":564,"title":"الباب التاسع عشر في السر","lvl":1,"sub":0},{"id":565,"title":"الباب العشرون في اللسان","lvl":1,"sub":0},{"id":566,"title":"الباب الثاني والعشرون في القناعة","lvl":1,"sub":0},{"id":567,"title":"الباب الثالث والعشرون في الحسد","lvl":1,"sub":0},{"id":568,"title":"الباب الخامس والعشرون في الحماقة","lvl":1,"sub":0},{"id":568,"title":"الباب السادس والعشرون في الوطن","lvl":1,"sub":1},{"id":568,"title":"الباب السابع والعشرون في المال","lvl":1,"sub":2},{"id":570,"title":"الباب الثامن والعشرون في السياحة والغربة","lvl":1,"sub":0},{"id":571,"title":"الباب التاسع والعشرون في الغدر","lvl":1,"sub":0},{"id":572,"title":"الباب الثلاثون في الختام بالدعاء","lvl":1,"sub":0}]}