{"pages":[{"id":1,"text":"شرح العقيدة الطحاوية\rللأستاذ العلامة\rأبي الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"الحمد لله رب العالمين، قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي-بمصر- رحمه الله:\rهذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء أهل الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين،\rويدينون به ربَّ العالمين معتقدين بتوفيق الله:\rإن الله0 واحد لا شريك له.\rولا شيء يعجزه\rولا إله غيره\rقديم بلا ابتداء.\rدائم بلا انتهاء.\rلا يفنى ولا يبيدولا يكون إلا ما يريد.\rلا تبلغه الأوهام\rولا تدركه الأفهام0\rولا يشبه الأنام\rحي لا يموت، قيوم لا ينام\rخالق بلا حاجة،\rرازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة\rما زال بصفاته قديما قبل خلقهلم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته.\rوكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا\rليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري\rله معنى الربوبية ولا مربوب0،\rومعنى الخالق ولا مخلوق\rوكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم\rذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"لا يحتاج إلى شيء\r(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)\rخلق الخلق بعلمه،\rوقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم.\rأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\rيهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا، وكلهم متقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله.\rوهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله وأيقنَّا أن كلا من عنده.\rوأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى\rوأنه خاتم الأنبياء0، وإمام الأتقياء.\rوسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين.\rوكل دعوى النبوة بعده فغي وهوىوهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء.\rوإن القرآن كلام الله،\rمنه بدابلا كيفية قولا،\rوأنزله على رسوله وحيا","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية\rفمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى (سأصليه سقر فلما أوعد الله بسقر لمن قال (إن هذا إلا قول البشر علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر\rومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر0\rفمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.\rوالرؤية حق لأهل الجنة\rبغير إحاطة ولا كيفيةكما نطق به كتاب ربنا(وجوه يومئذ ناضرة[] إلى ربها ناظرة[] وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها، شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا.\rولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زلّ ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية\rوتعالى0 الله عن الحدود والغايات\rوالأركان والأعضاء والأدواتلا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى(ما كذب الفؤاد ما رأى فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى0\rوالحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق\rوالشفاعة التي ادخرها لهم\rحق، كما روي في الأخبار.\rوالميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق.\rوقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه.\rوكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له،\rوالأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان، وسلم للحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلون } . فمن سأل لم فعل فقد ردَّ حكم الكتاب ومن ردَّ حكم الكتاب كان من الكافرين.\rفهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان، علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود.فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.\rونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم0، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.\rوعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير. ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته، كما قال تعالى في كتابه(وخلق كل شيء فقدره تقديرا[الفرقان:]، وقال تعالى(وكان أمر الله قدرا مقدورا[الأحزاب:].\rفويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما.\rوالعرش","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.\rونقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما.\rونؤمن بالنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.\rونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين غير مكذبين.\rولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله تعالى، ولا نجادل في القرآن ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وكلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين.\rولا نقول بخلق القرآن ولا نخالف جماعة المسلمين.\rولا نقول لا يضر مع الإسلام ذنب لمن عمله.\rونرجو للمحسنين من المؤمنين، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم وسبيل الحق عليهم ولا نقنطهم والأمن والإياس ينقلان عن الملة، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة.\rولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.\rوالإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وأن جميع ما أنزل الله في القرآن وجميع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق.\rوالإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالتقوى ومخالفة الهوى.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم وأطوعهم وأتبعهم للقرآن.\rوالإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى.\rونحن مؤمنون بذلك كله، ولا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.\rوأهل الكبائر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين0، وهم في مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما قال الله تعالى في كتابه العزيز { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وإن شاء عذبهم بقدر جنايتهم بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثه إلى جنته، وذلك بأن الله مولى أهل المعرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هديته ولم ينالوا من ولايته.\rاللهم يا وليَّ الإسلام وأهله مَسِّكنا بالإسلام حتى نلقاك به.\rونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، ونصلي على من مات منهم، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا نفاق ما لم يظهر منهم من ذلك شيء، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.\rولا نرى السيف على أحد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا من وجب عليه السيف.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو على أحد منهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة - عز وجل - الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والنجاح والمعافاة.\rونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة.\rونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه.\rونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر.\rوالحج والجهاد فرضان ماضيان مع أولي الأمر من أئمة المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.\rونؤمن بالكرام الكاتبين وأن الله قد جعلهم حافظين00.\rونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين0.\rوبعذاب القبر لمن كان له أهلا وبسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين0.\rوالقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار0.\rونؤمن بالبعث وبجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط0.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"والميزان يوزن به أعمال المؤمنين من الخير والشرِّ والطاعة والمعصية0.\rوالجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان ولا يبيدان.\rوإن الله خلق الجنة والنار وخلق لهما أهلا، فمن شاء إلى الجنة أدخله فضلا منه ومن شاء منهم إلى النار أدخله عدلا منه. وكل يعمل لما قد فرغ منه وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد.\rوالاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال الله تعالى(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.\rوأفعال العباد خلق لله وكسب من العباد0.\rولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم0، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله نقول لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.\rوكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا(تقدس عن كل سوء وحَيْنٍ0، وتنزه عن كل عيب وشين(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون0.\rوفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات0.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحَيْنِ.\rوالله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى.\rونحب أصحاب رسول الله صلى الله علي وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.\rونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.\rوأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد، وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، رضي الله عنهم أجمعين.\rومَنْ أَحْسَنَ القولَ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسي من كل رجس، فقد برئ من النفاق.\rوعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.\rولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول نبي واحد أفضل من جميع الأولياء.\rونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها.\rولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\rونرى الجماعة حقا وصوابا والفُرقة زيغا وعذابا، ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تاعلى(إن الدين عند الله الإسلام وقال تعالى(ورضيت لكم الإسلام دينا وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس، فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه.\rونسأل الله تعالى أن يثيبنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم برءاء وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"( يشير رحمه الله تعالى بقوله هذا إلى ما وقر في قلبه من اعتقاد راسخ، فكل ما سيذكره على القرطاس فهو حاضر في قلبه وعقله، فالإشارة إنما تكون إلى ذلك. ولذلك قال بعض العلماء المحققين إن الإشارة قد تكون إلى موجود في الخارج، أو موجود في الذهن. فالذي أشار إليه الإمام الطحاوي موجود في عقله ونفسه. هذا ويجوز أن يكون الإمام الطحاوي قد كتب هذه المقدمة بعد كتابته وتقريره جملة العقائد المسطورة، فلذلك أشار إليها بقوله هذا، وهذا الاحتمال وإن كان جائزا عقلا إلا إنه ليس موافقا لما كان عليه الإمام الطحاوي من عظيم المكانة، وكبير العلم، ومن كان كذلك فإنما يناسبه القول بأن العقائد حاضرة في نفسه كما قلناه قبلا.\r( الذكر قد يكون لسانيا وقد يكون قلبيا ونفسيا. والإشارة قد تكون إلى ما هو موجود خارجا وقد تكون إلى ما هو موجود في النفس. والذكر إذا قصد به اللساني فالأرجح أن تكون الإشارة خارجية، ويجوز أن تكون قلبية بتنزيل ما هو في القلب في الخارج، وعلى هذا فالإشارة الخارجية إلى ما هو في النفس تكون مجازا باعتبار وجوده في الخارج. وإن كانت الإشارة إلى ما هو في النفس فالمراد بالذكر النفسي.\rوعلى كل الأحوال فالمستفاد من ذلك كله وجوب أن يكون المذكور مشارا إليه، والإشارة كما هو معلوم لا تتعلق إلا بما هو معلوم موكّد ويقيني، فالواجب أن تكون هذه العقائد معلومة ويقينية إذن.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"( قوله \"بيان\" يعني تفصيل، لأن البيان لا يكون مجملا، والمجمل هنا بمعنى الكلام الذي لا يعرف مدلوله، أو الكلام الذي لا يكفي لبناء العمل من نفي وإثبات عليه، فهو يحتاج إلى غيره لبيانه. فما يذكره الإمام الطحاوي هنا هو بيان بمعنى أنه يكفي المرء إذا اعتقده، فما نفاه فهو منفي، وما أثبته فهو مثبت. ولا يجوز أن يقول قائل إن ما أطلق الإمام الطحاوي نفيه فربما يكون ثابتا من وجه، أي إن ما ينفيه الطحاوي بإطلاق لا يجوز نفيه بإطلاق، بل يجب فيه التفصيل وبيان المعاني المحتملة فيه، فما كان منه مقبولا فقبل وما كان منها منفيا فينفى. هذا القول وهذه الطريقة لا يجوز أن تقال هنا، لأن هذا ينافي البيان أي التفصيل الذي يصف الطحاوي فيه عقيدته. وهذا الكلام يشكل اعتراضا عليه من القائ به، لا شرحا لكتابه. فافهم.\r( العقيدة هي ما يعتقد لذاته، والعقد هو الربط، فالنفس تكون مربوطة بهذه العقائد ربطا أكيدا لا انفكاك له ولا انحلال. وهذا الربط يكون منظورا إلى حصوله لذاته لا من حيث كونه شرطا للعمل فقط. بل ولو لم يكن العمل واجبا، فإن العقيدة مطلوبة. فالعقيدة هي الأساس.\rقال العلامة العضد في المواقف مع الشرح للشريف الجرجاني(/:\"(والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العملفإن الأحكام المأخوذة من الشرع قسمان، أحدهما: ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، وهذه تسمى اعتقادية وأصلية وعقائد، وقد دوِّن علم الكلام لحفظها. والثاني ما يقصد به العمل كقولنا الوتر واجب والزكاة فريضة وهذه تسمى عملية وفرعية وأحكاما ظاهرية، وقد دون علم الفقه لها.\"اهـ\rففي هذه الفقرة يوضح السيد الشريف غاية علم الكلام ومفهوم العقائد. وقد نص على ذلك غيره من المحققين.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وقد يفهم بعض الناس من ذلك أن العقائد لا ينبني عليها العمل، وهذا الفهم باطل، بل إن العمل لا يصح إلا عليها، ولكن المفهوم مما قلناه هو أن العقائد مقصودة لذاتها وإن لم يرِد المعتقد أن يعمل الواجبات الشرعية، فعدم فعله لذلك لا يعفيه من لزوم اعتقاد للعقائد الإيمانية. فهذا هو المقصود من قولهم أن العقائد مقصودة لذاتها.\r( أهل معناها أصحاب. والسنة هي ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وتقريرات ويتضمن ذلك ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من عقائد، أصلية وفرعية. والجماعة هم أصحاب الرسول عليه السلام الذين ماتوا ولم يخالفوا ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم.\rفالمقصود بأهل السنة والجماعة هم الذين نصروا السنة واتبعوا الجماعة، فيما مرَّ. ولهذا سموا بأهل السنة والجماعة.\rوالذي عليه العلماء أن أهل السنة ليسوا مجسمة ولا مشبهة، ولا يدخل مجسم ولا مشبه في أهل السنة. ولذلك فإن كثيرا من الحنابلة لا يدخلون في أهل السنة، وكذلك الكرامية فهم قطعا ليسوا من أهل السنة، بل إن بعض فرق الحنابلة أولى بالخروج من أهل السنة من فرق الكرامية. واعلم أن الحنابلة أيضا افترقوا إلى فرق عديدة في ذات الله تعالى، فمنهم المنزهون مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن عقيل والإمام ابن الجوزي وكثير من المتأخرين، ومنهم مجسمة كأمثال القاضي أبي يعلى وابن قدامة المقدسي وابن الزاغوني وابن تيمية وابن قيم الجوزية، ويمكن أن يُدرَج معهم ابن كثير والذهبي مع أنهما ليسا من الحنابلة في الفقه، وتجد كلامهم غير صريح في التجسيم ولكن الخبير يعرف مرادهم، وإنما لم يصرحوا بذلك لعدم تمكنهم في هذا الباب، وأيضا لاختلاطهم بكبار علماء السادة الأشاعرة أهل السنة.\rوأما المالكية فقليل منهم مجسم، وكذلك الأحناف ولكن يوجد في هؤلاء معتزلة، وأما الشافعية فيوجد فيهم معتزلة ومجسمة، ولكن نسبتهم قليلة محصورة، وغالبهم من أهل السنة الأشاعرة، ولله الحمد.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وقد يسألى بعض الناس فيقولون: ومتى بدأت طائفة أهل السنة في الظهور، والتحقيق في الجواب أن أهل السنة موجودون منذ كان الرسول عليه السلام موجودا، بل إنهم موجودون منذ ظهور الإسلام، لأنهم هم القائلون بالعقائد الصحيحة، والفهم التام للدين. هذا من حيث الحقيقة وأما التسمية فككل التسميات فإنها ظهرت بهذا الوضح متأخرة، في زمان التابعين. والله تعالى أعلم.\r( المذهب اسم مكان في الأصل من ذهَبَ يذهَبُ ذهابا ومذهبا، ثم استعير للطريقة الطريقة التي تحتوي على الأدلة والأساليب في تقرير المفاهيم. فالإمام أبو حنيفة له طريقة خاصة في تقرير وتدعيم العقائد والفقه وفي بيانها لعامة الناس. فالإمام الطحاوي ينص هنا على أنه يسير في توضيح العقائد على الطريقة التي اتبعها الإمام أبو حنيفة وصاحباه اللذان سماهما.\rواعلم أن الإمام أبا حنيفة له طريقة خاصة، لا يستلزم أن له عقائد مختلفة كليا عن غيره من أئمة أهل السنة، بل يعني أنه ربما يخالفهم في بعض الأساليب وربما بعض الأحكام، كما سوف نوضحه في موضعه أثناء تعليقنا على هذا المتن الجليل.\rأما المسائل الأصول فلا يوجد خلاف فيها بين أبي حنيفة وبين غيره من أئمة السنة، ولله تعالى الحمد. فتوجد طرق أخرى لتوضيح العقائد عند أهل السنة غير طريقة الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وذلك مثل طريقة الإمام أبي الحسن الأشعري، والحارث المحاسبي، وعبدالله بن أبي كلاب، وغيرهم كثير، وهؤلاء بحمد الله لم يختلفوا في أصول، بل كان جل اختلافاتهم في بعض فروع العقائد.\r( الملة هنا بمعنى الدين. فهولاء الفقهاء الذين سماهم الإمام الطحاوي من أعظم فقهاء الدين. ولا يعني ذلك أنه لا يوجد غيرهم فقيه، بل هؤلاء هم الذين اتبع الطحاوي طريقتهم في ذلك.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"( الأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره. وأصول الدين اعتاد العلماء أن يطلقوا هذا الاسم على العقائد، سواءا ما كان منها ثابتا على سبيل القطع أم على سبيل الظن، أقصد ما لم يحتمل الخلاف فيه وما احتمله. وعلى هذا الاصطلاح مشى الإمام أبو جعفر الطحاوي، فإنه يقصد بمسائل الأصول المسائل العقائدية، كما تراها أيها القارئ في هذا المتن. وأنت تعلم أن من هذه المسائل ما جرى فيه الخلاف بين أهل السنة، كما سنعلمك في محله.\rفالطحاوي يقصد بالأصول الدينية ما كان منها مطلوبا الاعتقاد به لذاته، كما سردناه لك، وهو مصطلح العقائد، ولم يفرق بين ما كان منه يحتمل الخلاف وما لم يحتمله. ولم يفرق كذلك بين ما كفر مخالفه وما لم يكفر، فلم يجعل التكفير قيدا لمسائل الأصول، وعدم التكفير قيدا لمسائل الفروع، بل اعتبر الفروع هي المسائل العملية مطلقا، والأصول هي المسائل العقائدية.\rفأصول الدين إذن عند الإمام الطحاوي ترادف العقائد والفروع ترادف العمليات.\rولكن يشكل على إدراجه مسألة المسح على الخفين وغيرها في هذا المتن ولا خلاف في أن هذه المسائل من مسائل الفروع. فالجواب:إنه لاحظ في إدراجه هذه المسائل في هذا المتن جانب وجوب الاعتقاد بجواز المسح، لا جواز العمل بالمسح. ومعلوم أن الأول يكفر من يخالفه، باعتبار أن الدليل القطعي قائم عليه، وأما الجانب الثاني فلا يكفر من لا يعمل به، لكونه من الفروع مطلقا. وبذلك يجاب على غيرها من المسائل.والله تعالى أعلم.\rويمكن أن يقال إن مصطلح الأصول يدخل فيه كل ما كان مقطوعا به، لا يحتمل الخلاف، أو أن الخلاف فيه لا يلتفت إليه لابتنائه على مجرد شبهة، وأما الفروع فبخلافه. وعلى هذا فإدخال الطحاوي مسألة الخف جائز ومطرد مع هذا الاصطلاح. فتأمل.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"ويمكن أن تقول إن مصطلح الأصول إذا أطلق يدخل فيه أصول العقائد، وأصول الفقه، أي المسائل الأصول من الفقه. وعلى هذا فإذا قيل \"أصول الدين\" فباعتبار أن الدين شامل للعقائد والفقه، فإنه يدخل فيه الأصليات من العلمين.وبالتالي فيجوز إدراجهما في فن واحد.\r( الرب: معناه في اللغة كما نقله الإمام الطبري في تفسيره (/:\"وأما تأويل قوله رب فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان، فالسيد المطاع فيهم يدعى ربا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة\rوأهلكن يوما ربَّ كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر\rيعني رب كندة سيد كندة، ومنه قول نابغة بني ذبيان\rتخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب تليدي وطارفي\rوالرجل المصلح للشيء يدعى ربا، ومنه قول الفرزدق بن غالب\rكانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت سلاءها في أديم غير مربوب\rيعني بذلك في أديم غير مصلح. ومن ذلك قيل: إن فلانا يرب صنيعته عند فلان إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها.\rثم قال: والمالك للشيء يدعى ربه.\rوقد يتصرف أيضا في وجوه غير ذلك غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.\"اهـ\rإذن، يتحصل من ذلك أن المعاني الثلاثة لكلمة الرب في اللغة هي السيد المطاع، والمصلح للشيء،والمالك للشيء. وهي الثلاثة التي ذكرها الإمام الطبري في تفسيره.\rوبناء على نفس المعاني قال الإمام العلامة البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشيخ زادة(/أيضا:\" الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا ثم وُصِفَ به للمبالغة، كالصوم والعدل. وقيل هو نعت من رَبَّه يَرَبُّه فهو ربٌّ، كقول نمَّ ينُمُّ فهو نَمٌّ. ثم سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه.\"اهـ","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وقال الشيخ زاده في حاشيته(/: \"قال الجوهري رب فلان ولده يربُّه ربا ورببه تربيبا بمعنى رباه تربية المربوب والمربي. والمصدر وإن كان معنى حقه أن لا يطلق على الذات إلا أنه أطلق ههنا على الذات بقصد المبالغة في اتصافه به، مثل رجل صوم ورجل عدل أي صائم وعادل.\"اهـ\rولو تأملنا في هذه المعاني الثلاثة المذكورة أعلاه لرأينا أنها ترجع إلى أصل واحد، وهو نسبة التصرف المطلق الذي لا يقيده قيد إلى الله تعالى وحده في تدبير شؤون العالمين.وأنت تعلم أن هذا المعنى لا يجوز نسبته إلى غير الله تعالى.\rوالمشركون لم يكونوا ينسبون إلى الله تعالى وحده هذا المعنى، بل كانوا يشركون معه غيره. والدليل على ذلك ما قاله تعالى في سورة الزمر [ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (]، ففي هذه الآية يبين الله تعالى أن المشركين قد عبدوا غيره، ونسبوا إلى غير الله فعلا من الأفعال، وهو التقريب إلى الله. فهذان أمران اثنان لا يجوز نسبتهما إلا إلى الله تعالى. والمشركون قد نسبوهما إلى غير الله تعالى.فكانوا بذلك من المشركين. فإن حاصل معنى الآية:إن المشركين يقرون أنهم عبدوا غير الله تعالى، ولكنهم يدعون أنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقربهم هؤلاء إليه تعالى. فانظر تعقيب الله تعالى على قولهم:فإنه سبحانه وتعالى قد كذبهم في دعواهم، وحكم عليهم بالكفر لفعلهم.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وقال العلامة الحلبي في سيرته(/0 أثناء كلامه عن عمرو بن لحيّ أنه:\"أول من أدخل الشرك في التلبية فإنه كان يلبى بتلبية إبراهيم الخليل عليه الصلاة السلام وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك قال له ذلك الشيخ إلا شريكا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، فقال له ذلك الشيخ تملكه وما ملك، وهذا لا بأس به. فقال ذلك عمرو، فتبعته العرب على ذلك. أي فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده . قال تعالى توبيخا لهم (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون.\"اهـ\rفي سورة آل عمران، قال الله تعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (]\rقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره المسمى ببحر العلوم(/:\"[ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله] لأنهم عبدوا عيسى ربا من دون الله، ويقال لا يطيع بعضنا بعضا في المعصية كما قال:\"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله\" أي أطاعوهم في المعصية، ويقال لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا كما قالت النصارى إن الله ثالث ثلاثة.\"اهـ\rوفي سورة آل عمران [ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون(ولا يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (0]\rقال السمرقندي(/0 ربانيين أي متعبدين،وأربابا يعني عيسى وعزيرا والملائكة صلوات الله عليهم، ولو أمركم بذلك لكفر، وتنزع النبوة منه.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وفي سورة التوبة [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (0اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (]\rوروى الإمام الترمذي حدثنا الحسين بن يزيد الكوفي حدثنا عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\rوروى الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"ورواه الإمام البيهقي في سننه الكبرى فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم.\rوروى الإمام البيهقي أيضا في سننه الكبرى قال: حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم.\rفتوحيد الربوبية إذن أعم من أن يكون مجرد الدعاء، أو مجرد أن يعتقد الواحد بأن الله خالق لهذا العالم، ولو من دون الاعتقاد بأنه مدبره حقيقة على الدوام، أي إن من اعتقد أن الله هو الذي خلق العالم، ثم اعتقد مع ذلك أن غير الله تعالى له تصرف في تدبير شؤون الكون، فإن هذا ليس محققا لتوحيد الربوبية على الإطلاق. وإلا لكان كثير من المشركين موحدين للربوبية. وهذا باطل مطلقا، لما مضى من الأدلة الدالة على أن الربوبية أعم من مجرد ذلك التصور.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"ويتحصل من هذا أيضا غلط ابن باز الهائل في تعليقاته على العقيدة الطحاوية عندما قال في أقسام التوحيد:\"القسم الأول: توحيد الربوبية وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه، وهو الإيمان بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه المتصرف في شئونهم في الدنيا والآخرة لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى(الله خالق كل شيء،وقال سبحانه(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمرالآية. وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان وإن جحد أكثرهم البعث الونشور، ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادةوعبادتهم الأصنام والأوثان معهه سبحانه، وعدم إيمانهم بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.\"اهـ\rفقوله بأن المشركين قد حققوا هذا النوع من التوحيد، باطل لا شك فيه كما رأينا بالأدلة السابقة، فهم كانوا مشركين في توحيد الربوبية، ولذلك كانوا مشركين في توحيد الإلهية أي العبادة على حد تعبيره، لأن هذين النوعين راجعين إلى أمر واحد على ما هو التحقيق، وكما سترى. فيستحيل أن يكون واحد موحدا توحيد ربوبية ومشركا في العبادة. وما هذا إلا وهما توهمه هؤلاء الوهابيون ثم صدقوا به.\rفائدة في معنى كلمة الإله، وأنه لا فرق بين الألوهية والربوبية:\rقال الله تعالى في سورة الأعراف:[وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (]","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وقال تعالى في سورة الأنعام:[ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ( فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (0 وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (]\rوقال تعالى في سورة الأنبياء يحكي قصة سيدنا إبراهيم مع قومه:[ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ( قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ( قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ( قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (]","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وقال تعالى في سورة الشعراء:[ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ( أن أرسل معنا بني إسرائيل ( قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ( وفعلت فَعلَتك التي فعلت وأنت من الكافرين ( قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (0 ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبَّدتَّ بني إسرائيل ( قال فرعون وما رب العالمين ( قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ( قال لمن حوله ألا تستمعون ( قال ربكم ورب آبائكم الأولين ( قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ( قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (]\rثم قال تعالى في آخر القصة:[ فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ( فألقي السحرة ساجدين ( قالوا آمنا برب العالمين ( رب موسى وهارون ( قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (]\rوقال تعالى في سورة القصص:[ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (]\rوقال تعالى في سورة النازعات:[ هل أتاك حديث موسى ( إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ( فقل هل لك إلى أن تزكى ( وأهديك إلى ربك فتخشى ( فأراه الآية الكبرى (0 فكذب وعصى ( ثم أدبر يسعى ( فحشر فنادى ( فقال أنا ربكم الأعلى ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (]","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وقال تعالى في سورة الأنعام:[ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (]\rوقال تعالى في سورة الأعراف:[ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (].\rقال العلامة القضاعي ص:\"فأول ما خاطب الله الأرواح قال:ألست بربكم، واكتغى منهم بالإقرار بوحدانيته في الربوبية، وأول ما تسأل الموتى في قبورها من ربك، واكتفى منهم بالإقرار بأنه ربهم.\"اهـ\rوأيضا فإن حديث سؤال الملكين في القبر مشهور فإنهما يقولان للميت:من ربك؟ ولا يقولان من إلهك؟ فإذا أجابهما :الله ربي. اكتفيا منه في التوحيد بهذا الجواب ولم يقولا له هذا توحيد الربوبية وهو لا ينجيك.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"واعلم أن نفس اللوازم التي تترتب على صفة الربوبية تترتب على صفة الألوهية أيضا، وذلك لأنهما متلازمتان، قال الله تعالى في سورة المؤمنون:[ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (] فرتب على تعدد الآلهة العلو والاختلاف، والاستقلال في التدبير والسلطان. وكذلك قال الله تعالى في سورة الأنبياء:[ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (]، فرتب الله تعالى وقوع الاختلاف وفساد الكون على مجرد وجود أكثر من إله، وهذا يعني أن الإله هو المدبر، وقد بينا فيما سبق أن الرب هو المدبر أيضا، فإذن يتحصل أن من اعتقد بوجود آلهة غير الله، فإنه يعتقد بوجود أرباب غير الله تعالى فيستحيل أن يكون موحدا توحيد ربوبية كما يزعم بعض الجهلة.\rهذه بعض الأدلة التي تدل على عدم الانفكاك بين الربوبية والألوهية، واستحالة أن يؤمن واحد بأن الله هو الرب وحده ومع ذلك يعبد غيره، كما زعمت طائفة الوهابية في هذا الزمان، وكما مر قسم من كلام أحد زعمائهم وهو ابن باز مفتي المملكة العربية السعودية، وقال أيضا في تعليقاته على متن الطحاوية:\"القسم الثاني توحيد العبادة، ويسمى توحيد الألوهية وهي العبادة، وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكره الله عنهم سبحانه بقوله (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب.أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشسء عجاب وأمثالها كثير. وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بأنه المستحق لها، وأن عبادة ما سواه باطلة، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله كما قال الله عز وجل:(ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.اهـ","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"كذا قال، والحقيقة أن ما ذكره من آيات هي تدل على خلاف ما يريد إثباته، فإن الله تعالى نسب إلى الكفار أنهم يعتقدون بمجموعة من الآلهة، لا بإله واحد، فهم يجمعون الآلهة، ولا يوحدونها، ولا يتأتى منهم الجمع إلا بعد إيمانهم بالتماثل، وكذلك فإنهم أطلقوا على كل واحد من هذه المعبودات أنه إله، وهذا يعني أن له نفس خصائص الإله الآخر، وهذا هو عين الكفر والئرك في الربوبية. وأما الآية الأخرى التي استشهد بها فهي أيضا عليه لا له، فإن الله تعالى يحكم على ما يدعوه هؤلاء المشركون بالبطلان، والبطلان هنا يعني أنه غير موجود، أو أن الحكم الذي ينسبونه إليه باطل، أي القول بأنه إله، وهذا النفي يستلزم أنهم كانوا يثبتون أنه إله، وقد مرَّ بيان معنى الإله. وليس المراد بطلان عبادتهم فقط، بل إن بطلانها سببه بطلان إلهية ما يدعونه.\rوبهذا يتبين لك أيها القارئ أن جميع ما يستدل به هؤلاء معكوس عليهم وهو حجة عليهم لا لهم، وأن الأدلة القاطعة قد قامت على بطلان تفريقهم بين الأمرين، وأن قولهم بأن المشركين كانوا موحدين توحيد ربوبية إنما هو قول باطل، لا أساس له في الدين.\rفائدة أخرى في توحيد الأسماء والصفات:","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"أما النوع الثالث من أنواع التوحيد الذي يقول به طائفة الوهابية فهو ما يسمى عندهم بتوحيد الأسماء والصفات، وهو عندهم كما وضحه ابن باز أيضا:\"الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز وفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل..الخ\".اهـ. وحاصل هذا النوع من التوحيد عندهم، هو إثبات بعض الصفات والأسماء الواردة إضافتها إلى الله تعالى بنفس معانيها اللغوية الحقيقية إلى الله تعالى، وهذا هو عين التشبيه والتمثيل وإن كانوا يفرون منه في اللفظ. فهم قائلون به معنى، وسوف نبرهن على صحة قولنا هذا في أثناء شرحنا وتعليقنا على كلام الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى.\r( كلمة الله تدل على الواجب الوجود، المنفرد بالكمال، المحتاج إليه كل ما عداه، المستغني عن كل ما سواه. وهي لا تطلق إلا على الله الواحد. وقولنا الله لا شريك له تدل حقيقتها على نفي كل ما سوى الله تعالى من الآلهة المدعاة، والأرباب المفتراة. ولا نحتاج بناء على المعنى المذكور لكلمة الله إلى أي تقدير لكي يتم المعنى المراد.\r( الواحد إنما يكون شريكا لمن يكون له مضارعا، وأما من لا شبيه له، فيلزم أن لا يكون له شريك قطعا، لأن الشراكة تستلزم انقسام الملك وعدم التمكن من التصرف فيه إلا بإذن الآخر، وهذا باطل لا يجوز في حق الله تعالى، لما ثبت من كونه هو الملك لا ملك سواه. ولما ثبت من عدم إمكان وجود مالك غيره، لأن المالك يجب أن يكون مستقلا في ملكه، والمستقل في ملكه يجب كونه مستقلا في وجوده، ولا مستقل في الوجود إلا الله عز شأنه، فكيف يكون له شريك؟","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"( العجز في اللغة كما ذكره الدكتور فضل عباس في كتابه المفيد إعجاز القرآن الكريم ص تدل على مؤخر الشيء، وعلى التقصير عن بلوغ المراد.اهـ فيصير معنى كلام المصنف أن الله لا يمنعه عن تحقيق مراده شيء مطلقا. وتنبه إلى أن المانع للواحد عن تحقيق مراده لا بد أن يكون ممانعا له، أي لا بد أن يكون له إرادة مستقلة عن إرادة الممنوع، وكذلك لا بد أن يكون للمانع قدرة مستقلة عن قدرة الممنوع، فبغير ذلك، يستحيل أن يحصل الإعجاز. ولا يتحقق هذا الوصف أي قولنا\"ولا شيء يعجزه إلا في الله تعالى.\r( من التوضيحات السابقة لمعنى كلمة الإله يصبح معنى هذه العبارة مفهوما وبينا. فالله تعالى لا إله غيره بالفعل.\r( القديم مشتق من القِدَمِ، والمراد بالقدم في اصطلاح علماء هذا الفن، هو عدم الأولية. وليس المراد به هو الوجود منذ أزمان لا بداية لها. وقد ورد هذا الوصف في حق الله تعالى وصفاته فقد قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال أقط قلت نعم قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم. وهذا الحديث جميع رواته ثقات. فهو لا ينزل عن مرتبة الحسن مطلقا. وتأمل كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلم السلطان الذي هو صفة لله تعالى بكونه قديما. فيجوز إذن أن يوصف الله تعالى بكونه قديما، لأن وصف وصفه وصف له جل شأنه.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وقد روى الحاكم حديثا فيه اسم القديم أيضا فقال في مستدركه: حدثناه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان ثنا الأمير أبو الهيثم خالد بن أحمد الذهلي بهمدان ثنا أبو أسد عبد الله بن محمد البلخي ثنا خالد بن مخلد القطواني حدثناه محمد بن صالح بن هانئ وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الحسن بن سفيان ثنا أحمد بن سفيان النسائي ثنا خالد بن مخلد ثنا عبد العزيز بن حصين بن الترجمان ثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة الله الرحمن الرحيم الآله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق الباريء المصور الحليم العليم السميع البصير الحي القيوم الواسع اللطيف الخبير الحنان المنان البديع الودود الغفور الشكور المجيد المبديء المعيد النور الأول الآخر الظاهر الباطن الغفار الوهاب القادر الأحد الصمد الكافي الباقي الوكيل المجيد المغيث الدائم المتعال ذو الجلال والاكرام المولى النصير الحق المبين الباعث المجيب المحيي المميت الجميل الصادق الحفيظ الكبير القريب الرقيب الفتاح التواب القديم الوتر الفاطر الرزاق العلام العلي العظيم الغني المليك المقتدر الأكرم الرؤوف المدبر المالك القدير الهادي الشاكر الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجليل الكريم هذا حديث محفوظ من حديث أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مختصرا دون ذكر الأسامي الزائدة فيها كلها في القرآن وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه وإنما جعلته شاهدا للحديث الأول.اهـ","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وروى ابن ماجه أيضا قال: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني ثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي ثنا موسى بن عقبة حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا إنه وتر يحب الوتر من حفظها دخل الجنة وهي الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارئ المصور الملك الحق السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العليم العظيم البار المتعال الجليل الجميل الحي القيوم القادر القاهر العلي الحكيم القريب المجيب الغني الوهاب الودود الشكور الماجد الواجد الوالي الراشد العفو الغفور الحليم الكريم التواب الرب المجيد الولي الشهيد المبين البرهان الرءوف الرحيم المبدي المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الباقي الواقي الخافض الرافع القابض الباسط المعز المذل المقسط الرزاق ذو القوة المتين القائم الدائم الحافظ الوكيل الفاطر السامع المعطي المحيي المميت المانع الجامع الهادي الكافي الأبد العالم الصادق النور المنير التام القديم الوتر الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد قال زهير فبلغنا من غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى.اهـ","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"ومن هذا تعرف فساد ما قاله ابن باز في تعليقاته على عبارة الطحاوي هذه:\"هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه عليه الشارح رحمه الله وغيره، وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء، وأسماء الله توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة، ولا يجوز إثبات شيء منها بالرأي كما نص على ذلك أئمة السلف الصالح. ولفظ القديم لا يدل على المعنى الذي أراده أصحاب الكلام لأنه يقصد به في اللغة العربية المتقدم على غيره وإن كان مسبوقا بالعدم كما في قوله سبحانه(حتى عاد كالعرجون القديم وإنما يدل على المعنى الحق بالزيادة التي ذكرها المؤلف وهي قوله قديم بلا ابتداء، ولكن لا ينبغي عده في أسماء الله الحسنى لعد ثبوته من جهة النقل، ويغني عنه اسمه سبحانه الأول كما قال عز وجل (هو الأول والآخرالآية. والله ولي التوفيق.اهـ","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وهذا الكلام كما ترى فيه مغالطات: الأولى:جزمه بعدم ورود القديم في النقل، وهو وارد كما ذكرناه.الثانية:ادعاؤه أن علماء الكلام هم فقط من استعمل هذا اللفظ، وهو باطل لأن كثيرا من المحدثين استعمله أيضا، بل استعمله أيضا شيخ المجسمة على الإطلاق ابن تيمية الذي يعتقدون فيه العصمة أو يكاد.الثالثة: أنه قال إن اسم القديم يطلق على ما سبق غيره وإن كان مسبوقا بالعدم، إلا إنه ادعى أن هذا اللفظ لا يدل على المعنى الصحيح في حق الله تعالى إلا بالزيادة التي أشار إليها، مع أن أصل المعنى الذي ذكره كاف في الدلالة على المراد. على أنا لا نسلم أنه لا يدل على إلا بالزيادة، لأنه صار مشهورا عند أصحاب الفن أي علم التوحيد في الدلالة على عدم الأولية، لا مجرد السبق، كما ذكر.الرابعة: ادعاؤه أن من استعمله فإنه جعله اسما من أسماء الله تعالى الحسنى، وهذا زعم باطل، فقد نصوا على أنهم لا يريدون بذلك أكثر من الوصف وذلك كما بينه الإمام العلامة الغزالي في شرح أسماء الله الحسنى.\rوهو لم يُرِد من هذا كله إلا معارضة المتكلمين ولو بالباطل، وإلا فلم لم يعترض على الطحاوي في استعماله اسم الدائم، مع أنه يرد عليه على مذهبه عين ما يرد على اسم القديم؟! ولكن ليس هو إلا التعصب!\rفيتبين لنا أن نفيه لهذا الاستعمال فيه مغالطات وأخطاء عديدة، وقد قلد ابن باز في ذلك ابنَ أبي العز الحنفي في شرحه وهذا تلقى هذه الأغاليط عن شيخهم الأكبر ابن تيمية. فتنبه.\rولم يذكر السقاف في شرحه في هذا الموضع ما يشفي الغليل، بل اكتفى بإيراد كلام للإمام البيهقي يذكر في أن الأمة أجمعت على جواز إطلاق لفظ القديم على الله تعالى. ولم يبين الأصل الذي قام عليه هذا الإجماع عندهم.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"( اسم الدائم ورد في بعض الروايات وسبق ذكرها، وإن كان فيها كلام، ولكن قد ثبت عند المحققين أن استعمال لفظ في حق الله تعالى ليس أمرا عقائديا خالصا، بل هو أمر عملي، يكفي فيه دليل يعتمد في مجال الظن، خصوصا إذا عضده معناه، أي إذا لم يكن في معناه إشارة إلى نقص، بل كان دالا على الكمال، فإنه يجوز استعماله في حق الله تعالى. واستعماله إن لم يكن على سبيل التسمية فإنه يكون على سبيل الوصف، وعلى هذا ينبغي أن يكون جائزا، وهو ما اختاره حجة الإسلام الغزالي، وإن لم يرد هذا التفصيل عن الإمام الأشعري، فهذا لا يضر.\rوالمقصود بالدوام هنا ليس الدوام بزمان، بل بلا زمان، لأن الزمان هو التغير، والتغير مستحيل على الله تعالى، وكذلك القِدَمُ فليس المراد به القدم الزماني بل المراد به هو نفي الأولية، فهو معنى سلبي أي يسلب وينفي عن الله تعالى ما لا يليق به، وأما القول بأن معنى القدم هو أن الله تعالى كان موجودا منذ زمان أزلي فلا يقول به عاقل، وقد قال بهذا تصريحا ابن تيمية المجسم، واتبعته طائفته من المجسمة الذين لا عون ما يقولون. وأهل السنة على خلاف ذلك الضلال، بل على خلافه أيضا سائر فرق الإسلام إلا المجسمة.\rولهذا المعنى ترى الإمام أبا جعفر الطحاوي قد وضح الدوام بقوله بلا انتهاء، لأن الدوام الذي يكون بالزمان لا بد أن تنتهي فيه آنات زمانية متوالية، وأما دوام الله تعالى فلا انتهاء فيه. وكذلك قال في القدم أنه بلا ابتداء، لأن القدم الزماني لا بد أن تبتدئ فيه آنات زمانية متوالية، وأما قدم الله تعالى فلا ابتداء فيه مطلقا.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وهذا المعنى لم ينبه إليه أحد من شراح الطحاوية، بل اكتفوا بسياق المعاني المشهورة على ألسنة العلماء. حتى من ادعى أنه سوف يجدد في هذا العلم أقصد السقاف فإنه لم يتبادر هذا المعنى إلى ذهنه قط. لا في الدوام ولا في القِدَم؟! علما أنه عاب على المتأخرين أنهم لا يعملون عقولهم في تأليفاتهم العقائدية بل يكتفون بإيراد كلام مما قاله الشراح قبلهم مقلدين لهم، والذي رأيته أن السقاف وقع في شر مما اعترضه على هؤلاء.\r( إذا ثبت أن الله تعالى قديم بالمعنى الذي وضحناه، وأنه دائم كذلك، فإنه يلزم من ذلك أنه لا يفنى ولا يبيد، فهذا الحكم لازم لزوما ضروريا على ما سبق. وذلك لأن القدم الزماني-على التسليم بوجوده وهو غير موجود- علامة الإمكان، وكذلك الدوام الزماني، والممكن لا بد أن يكون فيه إمكانية الفناء، فالممكن لا يقال فيه مطلقا أنه لا يبيد، بل إنه يفنى ويبيد، ولكنه إذا بقي فإنما يبقى بإبقاء غيره له.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"( يكون هنا بمعنى يوجد، لأنها \"كان\" التامة التي معناها الوجود والحصول، فإذا قلنا \"كان زيد\"، فمعناه \"وُجِدَ زيدٌ\"، فقوله لا يكون إلا ما يريد، معناه \"لا يوجد إلا ما يريد\"، وهذا نص صريح في أن الإرادة يجب أن تتعلق تعلقا تنجيزيا بكل ما هو موجود، ولا يكفي إمكان التعلق، كما يزعمه المعتزلة، وكما يُفْهَم من كلام بعض المجسمة. وهذا المعنى الذي يقرره الإمام الطحاوي هو عين ما يقرره الأشاعرة أهل السنة من أنه لا يمكن أن يوجد موجود إلا بإرادة الله تعالى، فإرادة الله تعالى متعلقة بالأمور تعلقا صلوحيا قديما وتنجيزيا حادثا. ولا يجوز أن يقال إن معنى أن الله مريد لكل شيء أنه يسمح به، أي أنه لو أراد عدم وجوده لما وجد، لأنه يؤول إلى أن إرادته تعالى سلبية، بمعنى أن بعض ما لم يرده الله قد يوجد بإرادة غيره، وهو قول المعتزلة، وهو قول باطل، ومخالف لقول الطحاوي كما تراه، لأن الطحاوي حصر الكون في الإرادة. ومعنى هذا أن كل موجود مراد لله، فلا يوجد شيء بغير إرادة الله تعالى، كما يقوله المعتزلة بوجود أمور بإرادة العبد لا بإرادة الله تعالى.\rوهذه النكتة لم يتنبه إليها أحد من شراح الطحاوي، لا المجسمة ولا أهل السنة من الأشاعرة ولا من ادعى التجديد منهم؟!\rوهذا المعنى الذي وضحناه هنا هو مراد السلف في قولهم ما شاء الله كان وما شاء لم يكن، أو ما لم يشأ لم يكن. فإنه تعالى إذا لم يشأ كونه فإنه يكون قد شاء عدمه.\rفتحصَّل من هذا التحقيق وجود الموافقة التامة بين كلام الأشاعرة وكلام السلف وكلام الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى. والله الموفق.\rتتميم: الإرادة الشرعية والإرادة الكونية","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"الإرادة في نفس الأمر هي صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، فما جاز وجوده على أكثر من صورة، فإن الله ربما يشاء إيجاده على صورة معينة من هذه الصور، وحينئذ فالإرادة هي التي تخص الممكن بهذه الصورة دون تلك، ثم القدرة بعد ذلك توجده على الصورة التي عينتها الإرادة.\rهذا هو الأصل في الإرادة، أن تكون تكوينية، وإذا كانت الإرادة تكوينية، فما تتعلق به لا يمكن إلا أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف بمعنى أن لا يقع.\rفإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يقال بعد ذلك أن بعض ما تتعلق به الإرادة قد لا يقع؟ إذا سلمنا بما مضى، فلا يصح أن يقول ذلك قائل، ومن يقوله، فإنه في الحاصل يقسم الإرادة إلى نوعين، ومعنى ذلك أنه يجعل الصفة صفتين، وهذا باطل. ويلزم أن يجعلالصفة صفتين لأنه إذا كانت الصفة واحدة فإن تعلقها لا يكون إلا على صورة واحدة، ولكن قوله إن بعض التعلقات تقع وبعضها لا يقع، يعني أن تعلقاتها ليست على صورة واحدة، واختلاف التعلقات لا يكون إلاباختلاف المتعلِّقِ، أي اختلاف الصفة نفسها، أي تعددها في ذاتها، ومعلوم أن الصفات عند أهل السنة واحدة لا تتعدد في الذات، فكما أن الذات لا تتعدد فكذلك الصفات لا تتعدد. إذن يكون قول هذا القائل باطلا ولا يستقيم مع قول أهل السنة.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ولكن إذا قال القائل إنني لا أعدد الصفة في ذاتها، بل أقول أن لفظ الإرادة يطلق على معنيين، فيكون في الحقيقة صفتان لا صفة واحدة. أقول: هذا الكلام لا يرد عليه شيء، ولكنه يستلزم إثبات صفة زائدة على الإرادة، ومعلوم أن إثبات الصفات لا يجوز أن يقوم على أمور محتملة، بل لا يقوم إلا على أصول ثابتة. وبالتالي فإننا نسأل هذا القائل: هل ثبت لديك على القطع أن لفظ الإرادة يصدق على صفتين اثنتين لا على صفة واحدة فقط. فإن قال نعم فإننا نطالبه بالإتيان بإيراد دليل نقلي ثابت في نفسه وثابت في دلالته على ما يريد. ولا نسلم له بما يريد إلا بعد إثبات أن لفظ الإرادة في مورده الذي يحضره لا يمكن أن يدل على نفس معنى الإرادة الأصلي وهو معنى التخصيص والتكوين الذي لا يحتمل التخلف. أي إنه إذا ثبت من النص أن المعنى المراد بلفظ الإرادة يدل قطعا على صفة تتعلق بشيء ويمكن تخلفه ما تتعلق هي به، فإننا نسلم له بما يقول، وهذا في نفس الوقت لا يضيرنا لأننا لا نمنع تعدد الصفات، بل نقول بها، ولكن لا نثبت صفة على الاستقلال إلا بدليل ثابت لا يتزعزع.\rفالحاصل أنه مطالب بأمور، الأول: أن ينص على أن الإرادة في ذاتها لا تتكثر متعلقاتها، بمعنى أن ما يريده الله لا يمكن أن يتخلف. الثاني: أن يكون هذا النص المدعى لا يمكن أن يراد به نفس المعنى الأصلي من الإرادة، أي لا يحتمل حمله إلا على معنى ثان. الثالث: أن لا يترتب على إثباته لهذه الصفة الثانية المدعاة أمور باطلة.\rفإذا صح ذلك فيمكن أن يسلم بما يقول، وإلا فإنه يرد.\rهذه كانت مقدمة كلية، وتمهيدا لمناقشة بعض من ادعى أن الإرادة تنقسم إلى قسمين وتتنوع إلى نوعين، أحدهما سماه بالإرادة الكونية، والثاني سماه بالإرادة الشرعية. وسوف ننقل لكم نص كلامهم ونباشر بتحليله بعد ذلك، وبيان ما فيه من مفاسد.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"قال ابن أبي العز التابع المطيع لابن تيمية وابن قيم الجوزية في شرحه على الطحاوية ص:\" والمحققون من أهل السنة يقولون الإرادة في كتاب الله نوعان،إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات.\"اهـ\rهذا هو ما ادعاه، ولو نظرنا في كلامه لرأينا أنه ينص فيه على ما يلي، أولا: الإرادة من حيث ما هي صفة لله لها نوعان ويدعي أن ذلك مذكور في القرآن. ثانيا:النوع الأول إرادة قدرية كونية خلقية، أي إرادة هي عينها القدري والكون والخلق، أو بها يتم ذلك. والثاني إرادة هي عينها الأمر والشرع والدين، أو بها يتم ذلك. ثالثا:الإرادة الشرعية تتضمن المحبة والرضى.\rوهذا الكلام فيه مفاسد عديدة.\rأولا:قوله إن الإرادة نوعان، يلزم على ذلك أن الإرادة مركبة من أمرين، أو إن هذين النوعين اللذان هما صفتان لله تعالى مركبان، وذلك لأنهما أنواع تحت جنس وما كان كذلك فهو مركب قطعا.ومعلوم أن التركيب لا يجوز على الله تعالى ولا على صفاته، كما عليه إجماع أهل السنة، إذن هذا الكلام الذي تفوهم به ابن أبي العز مخالف لكلام أهل السنة.\rثانيا:إذا كان قصده بالثانية أن الدين يتم بها، فلا وجه للتفريق بينها وبين الأولى، فإن حاصل ذلك أن الدين الذي هو الكلام المنزل على الأنبياء والمشتمل على الأوامر والنواهي والتشريعات، مكون بالإرادة. فإذن المعنى راجع إلى الذي سماه بالنوع الأول من الإرادة وهي التكوينية، فلا وجه للتفرقة بينهما. وإذا كان قصده أن النوع الثاني من الإرادة هو عين الدين فهذا باطل بداهة. فالدين ليس هو صفة قائمة بالله بل هو من لوازم بعض صفاته. ولا يوجد احتمال آخر. إذن فكلامه باطل على كل التقادير.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ثالثا:الذي يدل على أنه أراد التركيب، أي أنه يريد بأن الإرادة عبارة عن معنى مركب، أو على الأقل النوع الثاني منها عبارة عن معنى مركب، هو قوله بأن الإرادة الشرعية تتضمن المحبة والرضة، ومعلوم أن التضمن معناه هو اشتمال الشيء على غيره اشتمال الكل على الجزء، وهذا هو عين التركيب. وإذا أراد بالتضمن معنى اللزوم، فهو زيادة على كونه استعمالا غلطا للكلمات خصوصا بعد استقرار المصطلحات، فإنه يستلزم أيضا التركيب للإرادة، أو كون أحد نوعيها مركبا، لأنه قال بأن المحبة لازمة عن المعنى النوع الثاني لها وليست لازمة على المعنى الأول لها، وهذا يستلزم كون النوع الأول غير المعنى الثاني، وبما أنهما نوعان عنده، فبينهما أمر مشترك، ولاختلاف اللوازم بينهما، فيجب وجود أمر زائد في أحدهما-على الأقل- على الثاني، وهذا يستلزم كونه مركبا.\rهذه هي بعض المفاسد التي تلزم قوله.\rولكن لا بد أن نوضح هنا، أن هذا الشارح تابع وفي لابن تيمية وسائر على مذهبه، ومعلوم أن ابن تيمية مجسم قائل بتركيب ذات الله تعالى وبتركب صفاته. ولهذا فإن كلام هذا الرجل موافق لمذهبه. ولكنه مخالف لمذهب أهل السنة، وباطل في نفس الأمر.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"إذا كان كلام هذا الرجل وأصحابه مخالف لأهل السنة ومخالف للحق، فما هو الأمر الذي دفعه للقول به؟! لكي نعرف ذلك لا بد أن نكمل قراءتنا لكلامه في شرحه!؟ على الطحاوية، فقد قال ص:\"وأما الإرادة الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسرالبقرة، وقوله تعالى(يريد ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيمالنساء ، (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما.يريد الله أن يخفف عنكم وخُلقَ الإنسان ضعيفاالنساء ،، وقوله تعالى(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكمالمائدة ،وقوله تعالى(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراالأحزاب .\"اهـ كلامه الذي ذكر فيه الآيات التي فهم منها ! ما قال سابقا.\rونحن سوف نناقش استدلاله بالآيات السابقة لنرى هل فعلا تدل على ما يريد هو من إثبات إرادتين أو نوعين من الإرادة؟!\rوقبل أن نبين بعض وجوه الرد على مزاعمه ومن تبعه، لا بد أن نقول بأن كلمة الإرادة قد وردت في القرآن الكريم أكثر من مئة وأربعين مرة، والمواضع الوحيدة التي استنبط منها من قال بهذا الرأي الفرق بين هذين النوعين المزعومين من الإرادة هي هذه الآيات السابقة، ومعنى هذا أن أكثر آيات القرآن لا تدل على ما يريدون، بل لا تدل إلا على الإرادة التي من شأنها التخصيص وهي ما يمكن أن تدعى بالإرادة التكوينية على معنى أنها شرط التكوين، لا أنها هي التي يتم بها التكوين، كما وضحناه سابقا. ومجرد هذا يكفي لمن يدعي التفريق ليعيد النظر في مزاعمه بوجود نوعين من الإرادة!\rونحن بالتالي لكي نبين فساد قوله، فإننا سوف نشير إلى المعنى الصحيح للآيات وأنها لا ينبغي أن تحمل على ما ذكروه من الإرادة التي تحمل معنى الرضى والتي في نفس الوقت صفة من صفات الله تعالى، وغير الإرادة المتفق على إثباتها.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"إذا كان كذلك، فاعلم أن الآيات التي أوردوها في معرض التفريق بين النوعين لا يفهم منها ما ادعوه\rأولا:قوله تعالى(يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر المقصود من اليسر والعسر، أي التكاليف التي هي يسيرة، فالتكاليف-أي الأوامر والنواهي- التي كلفنا بها الله تعالى في الشريعة هي يسر، وليست بعسيرة. فإنشاء هذه الأوامر اليسيرة هو ما أرادة الله تعالى. ومعلوم أن هذا الإنشان من نوع التكوين، أي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، ولا يدل على وجود صفة أخرى اسمها الرضى والمحبة، خصوصا أنه لا يوجد في الآية إلا التصريح بالإرادة، والمعلوم من الإرادة هو النوع الأول لا الثاني، وما دام قد جاز أن تحمل الآية على المعنى الأول، فلا موجب على افتراض وجود معنى آخر للإرادة.\rولكن الذي بعث هؤلاء على ادعاء وجود معنى آخر للإرادة هو عدم فهمهم لمدلول الآية، فإن الله تعالى قال يريد بكم اليسر، فالمراد هو اليسر، بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما يدل عليه سياق الآيات، وهذا اليسر أراده الله ملابسا لنا فالباء لأدنى ملابسة، وهذا حاصل بجعله تشريعا لنا لا لغيرنا. ومعلوم أن كل هذه المعاني داخلة تحت التكوين والتخصيص. فلا داعي لافتراض وجود صفة إرادة ونوع إرادة آخر غيره.\rثانيا: قوله تعالى(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، هذه الآية تفسر نفسها، ولاحظ الأسلوب الذي أورد الله تعالى الآية به، فقد قال تعالى(يريد ليبين لكم فالمفعول محذوف، وتقديره يريد إنشاء التشريع أو التشريع عينه ليبين لكم، فالتشريع للبيان، وهذا حاصل بالفعل بالإرادة التكوينية. ولا يوجد مبرر لافتراض نوع إرادة آخر، اسمه إرادة تشريعية. فاللام في قوله ليبين للعاقبة.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"ثالثا:قوله تعالى(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، الأصل في كلمة تاب في اللغة: رجع، قال الفروزآبادي في القاموس:\"تاب إلى الله توبا ومتابا وتابةً وتَتْوِبَةً:رجع عن المعصية. وهو تائب وتواب.وتاب الله عليه:وفقه للتوبة، أو رجع به من التشديد إلى التخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله، وهو تواب عل عباده.\"اهـ فأنت ترى أن المعنى اللغوي لتاب هو رجع، وتاب على أي رجع على، فالله يتوب على العباد بمعنى يرجع عليهم بالفضل والتخفيف. والله في الآية الكريمة يريد أن يتوب بمعنى يريد أن يرجع بالفضل والتخفيف على عباده، وهذا الأمر حاصل بالفعل لا يتخلف عن إرادته تعالى، فلا يجوز أن يقال إن هذا الأمر قد لا يحصل، لأن فضل الله تعالى قد حصل بالفعل بإنزاله الشريعة والأحكام، فهذه هي أصل الفضل.\rإذن فهذه الآية أيضا يفهم معناها بناءا على المعنى الأصلي للإرادة. فلا داعي إذن لافتراض نوع آخر من الإرادة.\rوقد يقول قائل:إن المراد بتوبة الله عليهم هو قبوله توبتهم وإنعامه عليهم، ومعلوم أن هذا لا يكون لجميع الناس بل لبعضهم. فالجواب: أن التوبة الصحيحة موجبة للقبول. فمهما حصلت التوبة من واحد وجب قبول هذه التوبة. فلا تخلف إذن. وأيضا فإن المخاطبين هم ليس الناس مطلقا بل هم المتبعين للشريعة بدلل وقابلتهم بالذيت يتبعون الشهوات، فالمخاطبون في الآية هم غير متبعين للشهوات، وهؤلاء لا بد أن يتوب الله عليهم بمعنى يتفضل عليهم، وهذا لا يتخلف.\rفالحاصل إذن أن هذه الآية أيضا يمكن فهمها بدون الحاجة إلى افتراض نوع جديد للإرادة. وأيضا فإن هذا الفهم موافق لسياق الآيات، وموافق لمعنى الإرادة الوارد في بقية آيات القرآن.فادعاء نوع جديد لها فيه مخالفة للقرآن من وجوه عديدة كما ترى.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"وكذلك قوله تعالى في آخر الآية (يريد الله أن يخفف عنكم فالتخفيف واقع بالفعل بإنزاله تعالى الشريعة، فلم يتخلف ولا يجوز تخلفه عن إرادة الله.\rرابعا: قوله تعالى(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم، معناها أن الله ما يريد إنزال هذه التشاريع ليشق عليكم ويجعل الحرج واقعا عليكم، بل إن إرادته لهذه التشريعات إنما هو ليعقبها تطهيركم إن اتبعتموها.\rفالمراد بالفعل هو إنزال التشريع، لا التطهير، بل التطهير هو غاية التشريع، وحصول الغاية مترتب على التزام الناس بالأحكام.\rإذن لا يوجد تخلف للمراد هنا أيضا ولا يجوز حمل هذه الإرادة على نوع إرادة يصح تخلفه مهما كان معناها.\rخامسا: قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا هذه الآية من جنس الآية السابقة، وما قيل في تلك يقال هنا. ولاحظ أن مفعول الإرادة ليس هو إذهاب الرجس، بل هو بدليل الآيات السابقة،إنزال الأحكام الخاصة بأهل البيت. فهذه الأحكام تعلقت بها إرادة الله تعالى ليعقب تمسك آل البيت لها تطهير الله تعالى لهم من الرجس. ولم تتعلق الإرادة مباشرة بتحصيل التطهير، فلا يصح ما يثوله الشيعة هنا من عصمة آل البيت إذن، ولا يصح أيضا ما ادعاه أتباع ابن تيمية من كون الإرادة تكون نوعين، وأن الإرادة المقصودة هنا هي إرادة شرعية تتضمن الرضا، وأن ما تعلقت به الإرادة قد يتخلف ولا يحصل. فهذا كله باطل لا أساس له كما ترى.\rفأنت ترى إذن أن ما تعلق به هذا المدعي لا يقوم على أساس قوي، فلا يجوز القول بما يقول به، من أن بعض متعلقات الإرادة قد لا تحصل. أو أن الإرادة نوعان. فهذا كله كلام لا دليل عليه.\rفلا يبقى بعد هذا العرض السريع لأدلتهم إلا رد قولهم.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"ويبقى قول أهل السنة خالصا بينا واضحا، وهو أن ما تعلقت به الإرادة فلا بد أن يحصل، ويستحيل أن يقع أمر لا تتعلق به الإرادة، وأنه لا يوجد أنواع من الإرادة. بل الإرادة عبارة عن صفة غير مركبة، كما وضحناه سابقا. ولو أردنا بيان فساد أقوالهم بتفصيل لفعلنا، ولكن المقام لا يتسع هنا ولعلنا نخصص لذلك مبحثا خاصا، نبين فيه اللوازم الباطلة التي تلزم عن مثل هذا القول غير ما ذكرناه.\rوانظر إلى ما قال عبد المنعم مصطفى حليمة(ابو بصير في ما سماه بالإرادة الشرعية لتعرف بشاعة قولهم، وذلك في تلخيصه لكلام ابن أبي العز الحنفي ولكهم يستقون من مشرب واحد، فقد قال في حاشية ص تعليقا على قوله \"وإرادة دينية أمرية شرعية\" :\"هذا النوع من الإرادة قضت حكمة الله تعالى أن تتخلف أحيانا ولكن بإذنه وعلمه وإرادته\"اهـ. فهذا القول بشع فكيف يقول بأن إرادة الله تعالى تتخلف أي لا تحدث أحيانا، وذلك بإرادته نفسه. وكيف يتوافق ذلك مع قول أهل السنة قاطبة كما أشرنا لك سابقا\"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\" أي وما شاء عدم كونه لم يكن. فقولهم هذا ينص على إرادة الله لا يمكن أن تتخلف، وهذا القائل هنا يدعي أن إرادته يمكن أن تتخلف؟! وهذا يثبت لك أن كلامهم مخالف لكلام أهل السنة، ومخالف لكلام الطحاوي وإن تستروا خلف وضع شروح على عقيدته، ولكنهم في الحقيقة مخالفون له في أصول وفي فروع، كما رأيت وكما سترى.\rوهذه التحقيقات التي سردناها لك هنا، لا تجدها في كتاب، وما ذلك إلا بفضل الله تعالى وتوفيقه،فاحرص عليها.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"( البلوغ كما قال العلامة الأصفهاني في مفردات القرآن:\"الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانا كان أو زمانا أو أمرا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه\"اهـ ، فقول العلامة الإمام الطحاوي بأن الأوهام لا تبلغ اللهَ تعالى، معناه إذن إنها لا تنتهي إليه، ولا تشارف ذلك. والوهم هو الخيال، وهو كما عرفه العلامة الشريف الجرجاني: \"هو قوة جسمانية للإنسان محلها آخر التجويف الأوسط من الدماغ، من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته، وهذه القوة هي التي تحكم بها الشاة أن الذئب مهروب عنه وأن الولد معطوف عليه، وهذه القوة حاكمة على القوى الجسمانية كلها مستخدمة إياها استخدام العقل للقوى العقلية بأسرها.\"اهـ\rوقال أيضا:\"الوهم هو إدراك المعنى الجزئي المتعلق بالمعنى المحسوس. والوهمي المتخيل هي الصورة التي تخترعها المتخيلة باستعمال الوهم إياها، كصورة الناب، أو المخلب في المنية المشبهة بالسبع. والوهميات هي قضايا كاذبة يحكم بها الوهم في أمور غير محسوسة كالحكم بأن ما وراء العالم فضاء لا يتناهى، والقياس المركب منها يسمة سفسطة.\"اهـ\rوقال العلامة الشريف الجرجاني أيضا في تعريف الخيال:\"الخيال هو قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها، فهو خزانة للحس المشترك، ومحله مؤخر البطن الأول من الدماغ.\"اهـ","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"فالخيال إذن هو مساعد للوهم، والوهم هو الحاكم بالاستعانة بالحس، وكل منهما لا يمكن أن يتصرف إلا في الأمور المحسوسة. وهذا هو عين المعنى الذي أراده الإمام الطحاوي من نفيه لبلوغ الوهم لله تعالى، أي إن الوهم لا يمكنه أن يحكم على الله تعالى، بنسبته صورة معينة إليه ولا غير معينة، فإن نفي إدراك الوهم له تعالى مطلق. وهذا كله مبني على أن الحواس لا تدرك الله تعالى، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة التي يتميزون بها عن أهل البدعة من المجسمة، ومن وافقهم. فالله تعالى غير محسوس بشيء من الحواس الظاهرة ولا الباطنة، وأما الرؤية فسوف نوضح لك المراد منها في محله، ولكن هنا نكتفي بأن نقول إن الرؤية المتعلقة بالله تعالى ليس من قبيل الإحساس بالله تعالى عند أهل السنة، فهذا ما يجب أن تؤمن به، ولا يتردد قلبك في الجزم به. فنفينا لكون الحواس متعلقة بالله تعالى لا يستلزم إذن نفي رؤيتنا لله تعالى، لأن الرؤية المتعلقة بالله تعالى عند أهل الحق ليست من قبيل الحواس. فافهم.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"واعلم أن الإمام الطحاوي لم ينف تعلق الوهم بالله تعالى على سبيل الخِطابة أو مجرد الوعظ، كما يحلو لبعض الجهلة أن يعتقد. بل إنه أشار بنفي تعلق الوهم بالله تعالى، إلى قاعدة عظيمة لم أر من وضح أهميتها الكبيرة كما سنفعله هنا، هذا مع أن علماء أهل السنة أجمعين قد نصوا على أن الوهم لا يتعلق بالله تعالى. ولكن شراح العقيدة الطحاوية مع معرفتهم وإدراكهم لمدى الخلاف الذي حصل حول هذا المتن في أنه هل هو ماش على قواعد أهل السنة أو على قواعد المجسمة، لم يهتم أحد منهم بإبراز هذا الأمر كما ذكرناه، بل اكتفوا بتقرير هذه القاعدة على ما هو المشهور عند أهل السنة وشرحوا كلام الإمام الطحاوي هنا شرحا إجماليا، والإجمال لا يكفي كما تعلم في محل الإشكال. والحق أن عدم إشارتهم إلى هذه القاعدة لا يعود إلا إلى عدم معرفتهم الحقيقية بقواعد المجسمة، فأغلبهم اكتفى بالتشنيع على المجسمة بذكر بعض المسائل المشهورة التي خالف فيها هؤلاء أهل السنة، وذلك من دون أن يحاولوا تأصيل وبيان قواعد هؤلاء، وتمييزها عن قواعد أهل السنة، ومعلوم أن الواحد إذا بين أن الاختلاف حاصل بين أهل السنة وبين أتباع ابن تيمية المتسترين باتباع السلف كذبا منهم، هو اختلاف واقع في الأصول دون الفروع، ثم بين أن الإمام الطحاوي قد وافق أهل السنة من الأشاعرة وغيرهم في هذه الأصول، فإن هذا يكون هو الأسلوب القوي والناجح في دحر خططهم وإفساد أقوالهم وفضح عقائدهم. وهذا ما سنبينه لك في هذه التعليقات.\rذكر طائفة من أقوال أهل السنة في نفي تعلق الوهم بالله تعالى\rأولا: قال الشيخ عَدِيُّ بن مسافر المتوفى في سنة هـ، في أوائل عقيدته المسماة \"اعتقاد أهل السنة والجماعة\"","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"حرام على العقول أن تمثله وعلى الظنون أن تحده، وعلى الضمائر أن تعمّق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الفكر أن يحيط، وعلى العقول أن تصور إلا ما وصف به ذاته في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مقدره قطعا وخالقه.\"اهـ\rفكلامه صريح في أن الوهم لا يتعلق بالله تعالى فلا يمكن للإنسان أن يتوهم ويتصور خالقه.\rوقال أيضا في نفس عقيدته المشار إليهاص:\"ولا يتناهى في وجوده على معنى نفي الأوليه، لا جسم مصور ولا جوهر مقدر، معلوم الوجود بالعقول والأفهام، لكن لا تتصوره الأفكار، ولا تمثله الأوهام.\"اهـ\rففي هذا الكلام أيضا تأكيد صريح آخر لنفي تعلق الوهم بالله تعالى، مكا مضى بيانه. والشيخ عدي بن مسافر من أكابر المشايخ الذين شهد لهم القاصي والداني بالورع والتقوى والعلم الكبير، وكان من أكابر المربين.\rثانيا:وقال تاج الإسلام أبو بكر محمد الكلاباذي المتوفى في سنة 0هـ في كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، وهو من العلماء المعتمدين لدى جماهير المسلمين لم يقدح أحد في إمامته ورعايته لأمور دينه، وتحققه في العقائد، قال في ص:\r\"لا تنازعه الهمم ولا تخالطه الأفكار. ليس لذاته ولا لفعله تكليف، وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته، ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك ولا يزال كذلك.\"اهـ\rيقصد بالرؤية بالعيون أي أن يرى في جهة، فهذا ممنوع مستحيل لاستحالة كونه تعالى في جهة. وعبر عن ذلك بعض العلماء باستحالة أن تماقله الأجفان أو العيون، ويريدون بها نفس المعنى من نفي حصول رؤيته في جهة، ولا يريدون بذلك نفي أصل الرؤية. وقد ادعى ابن تيمية فوق ذلك أن الإجماع وقع على رؤية الله تعالى في جهة، فانظر مدى بعد رأيه وفساد قريحته.\rوتأمل كيف يصرح الكلاباذي هنا بأن الظنون لا تهجم عليه، ولا تخالطه الأفكار. فهو نفس ما نريد إثباته.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"ثالثا: وقال الإمام أبو القاسم القشيري في مقدمة رسالته-ممزوج بشرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري- ص(/:-\r\"(ولا مكان يمسكه ولا زمان يدركه فهو مستغن عن عرشه ومتنزه عن المكان والزمان (ولا فهم يقدره ولا وهم يصوره فهو متنزه عن الجوهر والعرض،(تعالى عن أن يقال كيف هو أو أين هو منزه عن الجسمية والمكان.\"اهـ\rوعلق العلامة العروسي في حاشيته فقال:\"قوله ولا فهم يقدره أي لقصور العقول الكاملة فضلا عن غيرها عن الإحاطة به تعالى، ومثل ذلك(قوله ولا وهم يصوره وإيضاحه أن التصوير إنما يمكن في حق من له صورة وكيفيه، والله تعالى منزه عن ذلك.\"اهـ\rرابعا:قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته مع شرح شيخ الإسلام زكرياء(/:\"(أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله قال:سمعت محمد بن محمد بن غالب قال:سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الاسفَنجاني بفتح الفاء وبالنون(يقول قال الحسين بن منصور الحلاج مخاطبا خطاب العام(ألزم الكل الحدثأي احكم بلزوم حدوث جميع الخلق(لأن القدمثابت (له تعالى خاصة لما مر(فالذي بالجسم ظهوره أي إدراكه(فالعرض يلزمه لاستحالة خلو الجسم والجوهر عن العرض (والذي بالأداةأي الأسباب(اجتماعه فقواها يمسكهأي لو فقدت تفرق، والباء في الموضعين صلة لما بعدها(والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت أي والذي يتألف وقتا يجوز أن يفترق وقتا(والذي يقيمه غيره فالضرورة أي افتقاره إلى غيرهتمسه (والذي الوهمأي الذهن(يظفر بهأي يتخيله(فالتصوير يرتقي إليه…الخ\"اهـ.\rفتأمل رحمك الله في العبارة الأخيرة كيف ينفي الحلاج بلوغ الوهم والخيال لله تعالى عن ذلك نفيه صريحا لا تردد فيه.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"خامسا:قال الشيخ الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته ممزوجة بشرح شيخ الإسلام زكرياء(/:\"وأخبرنا الشيخ أبو عبدالرحمن السلمي رحمه الله قال سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت هلال بن أحمد يقول سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد فقال:التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه. والتوحيدُبالرفع وفي نسخة فالتوحيد(في كلمة وهي (كل ما صوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه لقوله تعالى[ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\"اهـ\rوهذه الكلمة التي ذكرها الشيخ هنا مشهورة على ألسنة العوام، لا يستطيع إنكارها إلا جاهل أو مجسم، وقد أنكرها ابن تيمية في بعض كتبه كما سيجيء.\rسادسا:قال أبو القاسم القشيري في رسالته (/ممزوجا بشرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:سمعت محمد بن الحسين السلمي يقول سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت الجنيد يقول:متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظيرحتى يقال فلان وصل إلى الله، ويراد به الوصول بالحس والقرب المعهودين(هيهات أي بعد ذلك(هذا ظن عجيب إلاأي لكن الاتصال به إنما هو (بما لطف اللطيف أي بلطفه (من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان، أي بالإشارة إلى ذلك يعني بكمال اليقين ومعرفة الله تعالى ودوام الذكر وقلة الغفلة.\"اهـ\rفتأمل رحمك الله تعالى لطف هذا الكلام الصادر من رئيس هذه الطائفة الجنيد الذي لا يمن أن يقدح قادح في عظم مقامه في التوحيد والإيمان. وأهل السنة تبع له في هذا الطريق.\rسابعا: قال أبو القاسم القشيري في رسالته (/ ممزوجا بشرح العلامة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:\"وأخبرنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول :كل ما توهمه متوهمأي تخيله (بالجهل أنه تعالى (كذلك فالعقل يدل على أنه بخلافه إذ المتوهم الجاهل إنما يتوهم الأجسام.\"اهـ","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"وهذا يعني أن الوهم هو الخيال كما وضحناه في أول هذه التعليقة، وأن ذلك كله لا يتعلق بالله تعالى. وهذه عبارة حقيقة بأن تتخذ قاعدة.\rثامنا: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته أيضا في عقيدته التي جمعها من أقوال القوم والتي قال في بدايتها (/:\"هذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهما في التوحيد: إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم واحد حكيم قادر… حتى قال… ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول لأن ذلك من خواص الأجسام يحصل لها بواسطة الكميات والكيفيات وإحاطة الحدود والنهايات.\"اهـ\rوهذا الكلام واضح لا يحتاج إلى شرح خاصة بعد كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمة الله عليه.\rتاسعا: قال الإمام البيهقي في شعب الإيمان (/:\" وقد ذكر الحليمي رحمه الله تعالى في إثبات حدث العالم وما يدل على أن له صانعا ومدبرا، لا شبه له من خلقه، فصولا حسانا، لا يمكن حذف شيء منها، فتركتها على حالها، ونقلت ها هنا من كلام غيره ما لا بد منه في هذا الباب.\" ثم قال رحمه الله تعالى\r\"حقيقة المعرفة أن تعرفه موجودا قديما. لم يزل ولا يفنى أحدا صمدا شيئا واحدا لا يُتَصَوَّرُ في الوهم، ولا يتبعض، ولا يتجزأ…الخ\".اهـ\rثم قال في (/:\r\"فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصور في الوهم؟\rقيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص وأمارات الحدث، والحاجة إلى محدث غيره. وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب والبناء لا يشبه الباني، فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاي عنا. وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه.\"اهـ","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وروى الحافظ البيهقي في كتابه شعب الإيمان أيضا (/ قال:\"أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أنبا علي بن محمد المروزي، ثنا محمد بم إبراهيم الرازي، ثنا يحيى بن معاذ قال:\"جملة التوحيد في كلمة واحدة، وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا إلى واعتقدت أن الله عز وجل هو مالكه من جميع الجهات.\"اهـ\rولو أردنا أن نتتبع كلماتهم في هذا المعنى لاحتجنا إلى مجلدات لإيراد ما قالوه في ذلك، ولكن ما أوردناه فيه الكفاية للعاقل بتوفيق الله تعالى.\rوالحاصل من ذلك كله أن القاعدة التي اعتمدها أهل السنة هي أن الوهم لا يبلغ الله تعالى، بمعنى أننا لا نستطيع أن نتصور الله تعالى بخيالنا، بأن نفترض له صورة أو شكلا معينا أو ليس معينا، وذلك لأن الله تعالى ليس له شكل أصلا ولا صورة، فالشكل والصورة لا يثبتان إلا للأجسام والمركبات والله تعالى ليس كذلك.\r( قال الأصفهاني في المفردات:\"وأدرك بلغ أقصى الشيء، وأدرك الصبيُّ:بلغ غاية الصِّبا، وذلك حين البلوغ.\"اهـ\rوقال الفيروزآبادي في القاموس:\"الدَّرَكُ محركة اللحاق… واستدرك الشيء بالشيء حاول إدراكه به. وأدرك الشيء: بلغ وقته وانتهى، وفني.\"اهـ\rفإدراك الشيء لغة معناه اللحوق به والوصول إليه والانتهاء إليه.\r( الأفهام جمع فهم. قال الفيروزآبادي في القاموس:\"فهمه كفرح فهْما ويحرك وهي أفصح، وفَهامة ويكسر وفَهامية: علمه، وعرفه بالقلب.\"اهـ\rفالفهم هو العلم بالقلب إذن في أصل اللغة.\rوحاصل قول الطحاوي رحمه الله تعالى \"لا تدركه الأفهام\" أي لا تعلمه القلوب، والعلم لا يحيط بحقيقة الله تعالى لا ذاته ولا صفاته، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك المعنى عند كلامنا على الوهم. فالعقول لا تستطيع أن تلحق به سبحانه. وهذه العبارة هي في الحقيقة قاعدة أخرى من قواعد أهل السنة، وعلى ذلك مشى المحققون منهم، أي إن ذاته لا يمكن تعقلها والعلم بحقيقتها.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وفي ذلك المعنى روى الإمام البيهقي في الأسماء والصفات فقال ص:\"أخبرنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم نا محمد بن إسحاق أنا عاصم بن علي نا أبي عن عطاء السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله.\"اهـ\rوقال في شعب الإيمان(/:\"أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبأ أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمّي المؤدب، أنبأ علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، عن سالم عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:تفكروا في آلاء الله-يعني عظَمَتَه- ولا تفكروا في الله\".اهـ ثم قال البيهقي :هذا إسناد فيه نظر.\rوالروايات الدالة على هذا المعنى كثيرة، والآثار الواردة عن السلف أجل من أن تحصر، وقد سبق الإتيان ببعضها. ولا يخالف في هذا المعنى مخالف.\r( قال صاحب القاموس:\"الشِّبة بالكسر والتحريك وكأمير:المِثل\"اهـ، فالمعنى أن أحدا من الأنام لا يشبهه، قال البابرتي في شرحه على الهقيدة الطحاوية ص:\"ولا يشبهه الأنام، وهو كل ذي روح. وقيل جميع الخلائق، وقيل المراد بالأنام البشر وهو الأشبه، لأنه أراد به نفي قول المشبهة والمجسمة حيث وصفوا البارئ بأنه جسم على صورة البشر، وأيضا أراد نفي قول النصارى حيث جعلوا له ولدا وصاحبة تعالى الله عن ذلك. ولا شك أن الولد يشابه الأب، فعلى هذا أفاد قوله \"ولا يشبهه الأنام\" غير ما أفاد قوله فيما سبق \"لا شيء مثله\" لأن الأول عام وهذا خاص، فيكون مبالغة في تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به.\"اهـ\rوهذا كلام مفيد.\rوقد تواترت كلامات السلف والأحاديث والآيات على نفي الشبيه عن الله تعالى\r- ففي الجامع الصحيح سنن الترمذي قال","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو سعد هو الصنعاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد } فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث { ولم يكن له كفوا أحد } قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء\r- وفي مستدرك الحاكم\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن علي قالا حدثنا الحسين بن الفضل حدثنا محمد بن سابق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوا أحد قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\r-وروى هذا الحديث أيضا الإمام البيهقي في الأسماء والصفات ص في جِماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى.\r- ورواه أيضا في شعب الإيمان(/- فقال حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو جعفر محمد بن صالح، قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب \"أن المشركين قالوا يا محمد انسُب لنا ربك، فأنزل الله عز وجل(قل هو الله أحد الله الصمد، قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد\" لأنه شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تبارك وتعالى لا يموت ولا يورث. ولم يكن له كفوا أحد لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء.\"اهـ","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"- وروى البيهقي أيضا في شعب الإيمان (/ قال:\"أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنبأ أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله (تعلم له سميامريم، هل تعلم له عز وجل مثلا أو شبها.\"اهـ\r-فهذه نصوص صريحة في نفي التشبيه عن الله تعالى، فتعجب بعد ذلك لمن قال بأن ذم المشبهة لم يرد في كتاب ولا سنة.\r( قال البابرتي في شرحه ص:\"القيوم هو القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل هو الحافظ، وقيل القائم بتدبير أمر الخلق، وقيل القائم بذاته المقيم لغيره. وقوله \"لا ينام\" نفي للنوم والسنة والسهو والغفلة عنه\"اهـ\r( الخلق هو الإيجاد بعد العدم. والحاجة هي توقف كمال الواحد على غيره. فالله تعالى هو الغني الحميد، وتعالى الله عن أن يحتاج إلى غيره. وخلقه تعالى المخلوقات ليس حاجته لهم، بل ليعقب خلقه لهم أمره ونهيه على ما سبق في علمه تعالى(وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم بالعبادة. والعبادة كمال للعابد لا للمعبود.\r( قال في القاموس:\"ومان القوم احتمل مَؤُونتهم أي قُوتَهم، وقد لا يهمز، فالفعل مانه. وما مأَنْتُ مأْنَهُ لم أكترث له أو لم أشعر به أو ما تهيأت له، ولا أخذت عُدَّته وأُهبته، وما طلبته ولا أطلتُ التعب فيه\".اهـ","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"( قوله باعث بلا مشقة فيه إشارة إلى البعث، والحياة الأخرى. ونفي المشقة عن الله تعالى في البعث كما هو في الخلق الأول، لأن المشقة توجد في من تنقص قدرته وطاقته إذا أوجد غيره، فيكون غيره لا يوجد إلا بجزء يستنفذه الموجد، فأنت مثلا عندما تحمل حملا، فإنك لم تكن لتحمله إلا عندما تستنفذ قدرا من الجهد الذي كان مخبوءا فيك، ولذلك فإن المشقة والتعب يحل فيك عند العمل. فيكون صدور الفعل منك مشروطا بفناء جزء منك في المفعول، وهذا كما ترى يستلزم إثبات النقص فيك ولك. والله تعالى يفعل لا كفعلك، ولذلك فلا تأخذه المشقة ولا يلاقي التعب في خلقه بالمرة.فافهم هذا المعنى فإنه نفيس.\rوكلام الإمام الطحاوي فيه إشارة إلى ذلك كله، فهو يقول رحمه الله، إن الله فاعل بلا مشقة، أي مع أن كل فاعل من المخلوقات فهو فاعل بالمشقة والتعب، إلا أن الله تعالى لا يشبه شيئا من ذلك، ولا يشبهه شيء، فهو فاعل بلا مشقة.\r( أي إن الله تعالى قديم بذاته وصفاته، فلم يتصف جل وعز بشيء حادث، ولا بصفة حادثة، ومعنى الحادث هو الموجود بعد العدم. فالله قديم وصفاته قديمة، واعلم أن لفظ القديم لا يطلق إلا على الأمر الوجودي، فكأن الإمام الطحاوي أشار بكلامه هذا إلى أن صفاته تعالى وجودية خلافا للمعتزلة ومن وافقهم في قولهم بأن صفاته تعالى ليست وجودية، وبالأولى أن يكون إشارة إلى الرد على قول الفلاسفة الذين يبالغون في هذا الأمر فينفون جميع الصفات الوجودية على الإطلاق، ويخالفون حتى المعتزلة.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وانتبه إلى قوله \"ما زال بصفاته قديما بصفاته قبل خلقه\"، فقوله قبل خلقه، دليل على أنه يعتقد أن الله تعالى كان ولم يكن شيء معه، وإشارة إلى الرد على من خالف في ذلك كابن تيمية الذي ادعى أن الله لم يزم ومعه بعض مخلوقاته. فلم تتحقق قط الحالة التي يقال فيها إن الله قبل خلقه، فعبارة الإمام الطحاوي هذه إذن لا تصح إلا على قول أهل السنة والجماعة الأشاعرة ومن وافقهم. أما ابن تيمية فإنه ينفيها بلا توقف، ويعتبر القول بها بدعة في الدين ومخالفة لما تقتضيه دلائل العقول؟! وكلامه هذا مبني على قوله بقدم العالم النوعي.\r( كونهم أي كون المخلوقات، والمقصود بذلك وجودهم، ووجود المخلوقات هو صفة من صفاتهم هم لا من صفات الخالق جل شأنه. فإذا خلقهم جل وعز فإنه لا يستفيد من خلقه لهم أي صفة له، بل إن صفاته تبقى كما كانت قبل أن يخلقهم، وذلك لأن الله لو استفاد بخلقه للمخلوقات أي صفة، لكانت هذه الصفة إما نقصا أو كمالا، ويستحيل أن تكون نقصا، فيبقى أن تكون كمالا، ولكن إذا كان ما استفاده الله بسبب خلقه لهم كمالا له، للزم عن ذلك أن كماله مستفاد من المخلوقات، وهذا باطل، لأنه قد سبق بيان أن الله تعالى لا يحتاج إلى المخلوقات، بل هو جل شأنه غني عن غيره، والمخلوقات غير الله تعالى، فالله إذن غني عنهم، ومعنى أنه تعالى غني عن المخلوقات أي إنه لا يحتاج إليهم، ومعنى ذلك أن كماله لا يتوقف على وجودهم، بل هو حاصل على جميع كمالاته الواجبة له تعالى بذاته لا بذوات غيره.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"هذه هي عقيدة أهل السنة في الله عز وجل. وهي ثابتة لله تعالى من حيث هو غني عن العالمين، فلا يصح مطلقا القول بأن الله تعالى لما كان موجودا قبل خلقه لم يكن متصفا بصفة معينة، ثم لما أوجد خلقه اتصف بصفة جديدة. فإن كل من يقول بمثل ذلك، فإنه يلزمه القول بافتقار الله تعالى إلى مخلوقاته، ومعلوم أن هذا لا يقول به عاقل. وأما وجه لزوم الافتقار عند القول بذلك، فإن وجود المخلوقات إذا لزم عنه اتصاف الله تعالى بأمر لم يكن قبل وجودهم من صفته، فإن وجود المخلوقات يصبح شرطا في اتصاف الله تعالى بهذا الأمر، وهذا الأمر لا بد أن يكون كمالا كما سبق بيانه، فالحاصل أن يكون المخلوقات شرطا في كمال الله تعالى إذن. والقول بشرطية المخلوقات للكمال الذي يتصف به الله تعالى معناه احتياج الله إلى مخلوقاته، والقول بذلك محال، وهو كفر.\rوقد يتعجب بعض الناس فيقولون: وهل يوجد بالفعل من اشترط وجود المخلوق لاتصاف الله تعالى بكمال له؟ أي هل يوجد عاقل يقول بذلك؟!\rونقول له: نعم. إن بعض الفرق التي تنتمي إلى الإسلام، قد قالت بذلك. بل وجادل بعض أفرادها والمنظرون لتعاليمها وحاولوا الاستدلال على ذلك وأتوا بكل ما هو معيب لمحاولة تقريب ذلك إلى الذهن البشري، ولكن أنى لهم أن يفلحوا في قلب الباطل حقل، وفي إثبات أن الله تعالى محتاج إلى خلقه، وأن هذا النقص كمال له، فهل يمكن أن ينقلب النقص في حق الواحد كمالا في حقه؟!\rوقد يقول قائل:فمن هم هؤلاء الذين قالوا بمثل هذا القول الشنيع.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"نقول: بعض الناس ممن ينتمون إلى الدين الإسلامي يعتقدون أن الله تعالى له حجم معين ويطلقون على ذلك اسم القدر المعين، ويريدون بالقدر نفس معنى الحجم. وهؤلاء الذين يقولون بذلك أثبتوا الحدود لله تعالى، وإثبات الحدود لذاته جل شأنه عن هذا الهراء، لازم وضح لقولهم السابق. ثم قالوا، بما أن الله تعالى له حجم معين وقدر معين، فهو لا يستحيل عليه أن يتحرك من محل إلى آخر، ولا يستحيل عليه أن يتصرف في ذاته بالحركة والانتقال كما يتصرف الواحد من البشر بذاته كذلك. فجواز التصرف بهذا المعنى لازم واضح من لوازم مذهبهم القبيح ذلك. وما دام الله عند هؤلاء متحركا بإرادته، فإنه يجوز أن ينتقل من محل إلى آخر.\rهذه كانت المقدمات التي اعتمد عليها هؤلاء لقولهم بجعل المخلوقات شرطا لكمالات الخالق. فقد قالوا: لما أراد الله أن يخلق العالم، وكان الله محدودا، والمحدود له جهات في نفسه، فله يمين وشمال وأعلى وأسفل، وهكذا، اختار أن يخلق العالم تحته، فخلقه تحته، فصار هو فوق العالم، وجهة الفوق أكمل من جهة التحت، ولذلك فإن الله تعالى اختار جهة التحت للعالم، واختار جهة الفوق لذاته، فصار الله تعالى في جهة الفوق التي هي كمال له، وذلك بعد أن خلق العالم. فكون الله تعالى في جهة الفوق الذي هو كمال له، أمر لم يجز حصوله له إلا بعد خلقه المخلوقات. فوجود المخلوقات إذن شرط في حصول هذا الكمال. فهذا هو قولهم بأن الله تعالى يحتاج إلى المخلوقات في الاتصاف بكمالاته. والبعض منهم صرح بهذا اللفظ، وهو ابن تيمية، وادعى أن ذلك لا نقص فيه ؟! وللعاقل أن يتعجب من كلامه ما شاء.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وأنت ترى أن ذلك كله يخالف ما نص عليه الإمام الطحاوي في المتن أعلاه، لما قال:\"لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته\". ألا ترى أن هذا يعارض قول المجسمة بأن الله تعالى على العرش جالس، وأن كونه على العرش أكمل من كونه لا على العرش، والعرش مخلوق، إذن فالحاصل على قولهم أن كون الله تعالى على العرش كمال مشروط بوجود العرش الذي هو مخلوق. وهذا غاية القبح.\rوكذلك نفس قولهم في نزول الله تعالى بذاته إلى السماء الدنيا، فإنهم لا شك أنهم يقولون إن هذا كمال له، وهذا الكمال لم يكن ليحصل لولا أن المخلوقات موجودة، إذ بلا سماء يمكن النزول إليها، كيف يمكن النزول؟!\rوكذلك يقولون في كونه خالقا، فإنهم يقولون لا يكون الله خالقا بالفعل إلا بعد إيجاده المخلوقات. وقبل ذلك فليس بخالق، ولكن كونه خالقا كمال له، فيلزم من ذلك على مذهبهم، وجوب أن يخلق الله تعالى المخلوقات. فاشترطوا بذلك لحصول الكمال لله تعالى وجود المخلوقات، ووقعوا في محظور آخر هنا وهو إيجاب ذلك على الله تعالى. وسوف يأتي مزيد توضيح لهذه النقطة قريبا.\rومذهب هؤلاء لم يجرؤ الفلاسفة على القول به، لقبحه وسخافته. ولكنك ترى هؤلاء ينسبون ذلك أيضا إلى الصحابة والتابعين بل إلى أهل السنة. وليس ذلك إلا الكذب الصريح.\r( هذا القول تفريع على ما سبق، فالله تعالى كما كان موصوفا بصفاته منذ الأزل، فإنه يبقى موصوفا بهذه الصفات إلى الأبد. ولا يطرأ عليه تغير ولا حدوث صفة. فلا يتصف الله تعالى بغير ما كان منذ الأزل موصوفا به.\rوهذا كما ترى نفي صريح من الإمام الطحاوي لحدوث صفة حادثة في الله تعالى. وهو خلاف لما تفوه به ابن تيمية ومن اتبعه من المجسمة، في قولهم باتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"ولو كان الله يجوز اتصافه بالحادث لكان محتاجا إلى الحادث، ولكان ناقصا منذ الأزل حتى حين اتصافه بذلك الحادث، ولكان ذاته تقبل التغيرات والتحولات. ولكان مؤثرا في ذاته. وقد صرح ابن تيمية بكل هذه القبائح في كتبه. بل وصرح بأكثر منها.\rفاللازم على الإنسان العاقل أن يعرف ممن يأخذ عقيدته، ولا يغتر بالأسماء اللامعة، فكثير من المشهورين لا قيمة لما يكتبون في موازين العقول. كما أن الشهرة بحد ذاتها ليست دليلا يحتج بها على الحق والباطل. فتأمل.\r( إن الله تعالى خالق، أي متصف بكونه خالقا. وكونه خالقا هو حاصل منذ الأزل، وفي الأزل لم يكن ثم مخلوق، إذن فالله تعالى خالق وقبل وجود المخلوقات. والمخلوقات لم تكن لتوجد إلا بخلقه لها. إذن هو تعالى خالق وقبل أن يخلق الخلق. وكونه خالقا، صفة كمال له تعالى، ولا يجوز أن يقال إنه لا يكون خالقا إلا بعد وجود المخلوقات، إلا على معنى أنه لا يكون خالقا بالفعل إلا بعد وجود المخلوقات، فإن من يقول بذلك يشترط لاسم الفاعل حصول الفعل، لا مجرد القدرة على تحصيله. فمن أراد هذا المعنى فهو صحيح. وهذا راجع إلى اللغة. ومن قال بذلك فإنه يقول بأن الخلق بالفعل ليس كمالا له تعالى، لأنه تعالى لم يزل كاملا، تاما، وفي الأزل لم يكن الخلق موجودين. بل خلق المخلوقات كمال لهم لا للخالق.فافهم.\rوأما من قال إن كونه خالقا لا يكون إلا بإيجاد المخلوقات بالفعل، وكونه خالقا كمال له تعالى، فهذا القائل يريد أن يقول إن إيجاد المخلوقات واجب على الله تعالى، لأن كل ما كان كمالا فهو واجب، وما دام كونه خالقا واجب لأن كمال، وكونه خالقا لا يحصل إلا بإيجاد المخلوقات، فإيجاد المخلوقات واجب. فهذا هو من يجعل المخلوق شرطا لكمال الخالق. وهذا حمق وإلحاد. وهذا هو قول ابن تيمية الحراني، يصرح به ولا يلوح، بل ويدعي أن هذا هو ما كانت عليه عقيدة السلف؟! فقبحا له من مغالط مكابر، وتعسا لمن يتخذ مثله قدوة.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وهذا القول من ابن تيمية هو أصل قوله بالتسلسل للحوادث في القدم، والقليل فقط من عرف حقيقة مراده من هذا القول، وادعى بكل جرأة أن هذا ما كان عليه السلف. وصريح كلام الإمام الطحاوي أن الحوادث في الأزل منقطعة، فإن الله تعالى كان ولم يكن شيء معه، وكان ولا مخلوق، وهذه العقيدة هي التي اتفق عليها أهل السنة. ولم يخالف فيها من هو معتد بأقواله، وبعد ذلك كله ترى ابن تيمية يصرح بأن هذا القول لا يليق بالله تعالى وتنزه عما يقول. ويدعي أن كون الحوادث مع الله تعالى هو اللائق بجلاله وكماله، وهذا كلام ساقط، لا يميل إليه إلا من في قلبه زيغ. وهذه هي إحدى المسائل التي خالف فيها ابن تيمية متن الإمام أبي جعفر الطحاوي، فاحفظها.\rتنبيه: حاول ابن تيمية أن يقرب قوله بأن الحوادث متسلسلة في القدم، أي لا أول لها في القدم، بأن قال: ما دام قد جاز بقاء الحوادث في المستقبل إلى الأبد، وهو بقاء الجنة والنار، عند القائل ببقاء النار، وهم أهل السنة، وأما ابن تيمية فإنه يقول بفنائها، يقول ما دام جاز البقاء إلى الأبد، فيجوز التسلسل في القدم، لأنه لا فرق بين الأبد والأزل، فما جاز عليه أحدهما يجوز في الآخر.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"واعلم أن هذا الكلام عبارة عن مغالطة واضحة، ففرق كبير بين القدم، والبقاء، فما فالقدم لا يصدق إلا على معنيين، الأول عدم الأولية، والثاني الدوام أزمنة لا نهاية لها في الماضي، فمعناه أنه مهما وجد زمان فإنه يوجد قبله زمان آخر لا إلى نهاية، وهذا يستلزم وجود سلسلة لا نهاية لها من الحوادث الزمانية في القدم، وأما المعنى الأول فهو الثابت في حق الله تعالى كما أشرنا إليك في محله، وأما المعنى الثاني فهو غير جائز مطلقا، لأنه غير متصور، ويستلزم أزلية الزمان، وهو باطل للزوم كونه مخلوقا، وما كان مخلوقا يمتنع أن يكون أزليا. وكذلك البقاء في الأبد، فإنه صادق على معنيين الأول هو عدم الآخرية، والثاني البقاء أزمنة لا نهاية لها في المستقبل، فأما المعنى الأول فهو الثابت لله تعالى، فبقاؤه في المستقبل، ليس معناه دوامه أزمنة لا نهاية لها، بل معناه إنما هو عدم وجود آخر له تعالى، وأما المعنى الثاني، فمعناه أنه مهما وجد زمان حاضر، فيتصور وجود زمان لاحق له، ولاحظ أن هذا المعنى لا يلزم عنه وجود أزمنة لا نهاية لها بالفعل، بل يستلزم جواز وقوع زمان تالٍ لزمان حاضر، وهكذا، وهذا لا يستلزم وقوع زمان لا نهاية له بالفعل كما ترى.\rفأنت ترى من مجرد تحليل هاتين الحالتين، أنه يوجد فرق كبير بين التسلسل في الماضي، والتسلسل في المستقبل، فحيث يستلزم الأول وقوع ما لا نهاية له بالفعل، فإن الثاني لا يستلزمه مطلقا. وبذلك يتبين لك مدى حمق من أجاز القياس بينهما، وقال إنه ما دام جاز التسلسل في المستقبل فيجوز إذن في الماضي. فلا توجد علة مشتركة بين الأمرين كما ترى حتى يجوز القياس بينهما. ولا يشتركان في معنى واحد مؤثر حتى يقال إنه إذا جاز أحدهما جاز الآخر.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"وأدى قول ابن تيمية بهذا القول-أي وقوع التسلسل في الماضي- إلى قبائح عديدة، وضحناها في كتاب \"الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية\". ولو كان المجال مناسبا هنا لأوسعنا لك في بيان مدى غلطه ومد خطورة هذا القول على عقائد الدين. ولكن ما ذكرناه يكفي القارئ النبيه بتوفيق الله تعالى.\r( عبارة الطحاوي هذه أصل عظيم قال به أهل السنة، والطريقة التي يورده بها هي طريقة الأحناف رضي الله تعالى عنهم. فالربوبية لها معنى، ومعناها هو القدرة على الخلق، والتدبير، وسائر خصائص الربوبية كما وضحنا بعضها في أول تعليقاتنا هذه. وهذه المعاني ثابتة لله تعالى قبل وجود أي مربوب مطلقا، وتنبه إلى عمق ودقة عبارته هذه، فهو يصرح فيها بأن الله تعالى كان موجودا في حال لم يكن معه فيها أي مخلوق، ولا أي مربوب، وهو معنى قوله \"ولا مربوب\"، فالله تعالى موجود قبل المخلوقات كلها، ومعنى الربوبية لم يكتسبه الله تعالى من وجود المخلوقات، ولم يطرأ عليه بعد خلقه للمربوبين. فإن هذا ينافي كماله وغناه المطلق، كما وضحناه لك فيما سبق.\r( وقوله هذا أيضا، له معنى قريب من معنى العبارة السابقة، بل هو أخص منها، فالخالق هو الله تعالى، ولم يتصف بكون خالقا، بعد أن أوجد المخلوقات، بل هو تعالى خالق وقبل الخلق، وذلك لأن صفة الخلق صفة ثابتة له جل شأنه، قبل وجود المخلوقات، فبهذه الصفة أوجد المخلوقات، ويستحيل أن يكون قد اكتسبها منهم، بل هم اكتسبوا وجودهم منه جل شأنه.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وتأمل أيضا في قوله، وله معنى الخالق ولا مخلوق، فإن هذا تصريح قوي بوجود الله تعالى قبل وجود المخلوقات كلها، وهو تصريح بأن سلسلة المخلوقات منقطعة في الأزل، خلافا لابن تيمية الذي يقول بأن الله تعالى لم يزل ومعه بعض مخلوقاته، فلم يكن موجودا أبدا وحده، بل لم يزل ومعه بعض خلقه. وهذا ينافي تماما ما يصرح به الطحاوي من عقيدة أهل السنة بأن الله تعالى سابق لجميع المخلوقات، فهو موجود قبلها جميعها، فلجميع المخلوقات وسلسلة الخلق بداية ولا شك، وهذه عقيدة أهل السنة، وابن تيمية يخالفها ويدعي بكل جرأة أن كون الله تعالى خالقا لا يمكن أن يصح إلا بأن يوجد بالفعل المخلوقات، ويدعي أن وجود المخلوقات كمال لله تعالى، وهو في هذا يخالف كون الله تعالى غني بالذات، لا بالغير، وكامل بالذات لا بالغير، ويخرج في هذا أيضا عن عقيدة أهل السنة أهل الحق، ويخرج أيضا عن ما يدل عليه العقل.\rومعنى الخالق هو غير نفس الخلق، لأن الخلق فعل من أفعال الله تعالى، وأما معنى الخلق، فهو الصفة التي يتصف بها الله تعالى وبها يخلق المخلوقات جميعا، وهي كون الله تعالى قادرا عالما مريدا. فهذه الصفات ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوقات، فهو تعالى خالق وقبل الخلق، كما إنه تعالى رب وقبل وجود المربوبين.\rوهذا المعنى استفاده الإمام الطحاوي من عدة نصوص في الكتاب والسنة، كما استفاده أهل السنة جميعا بل سائر الفرق الإسلامية المعتد بها، إلا المجسمة.\r-قال الله تعالى في سورة آل عمران:[ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (0]\r-وقال تعالى في سورة الأنعام:[ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (0]\r-وقال تعالى في سورة يونس:[ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (]\r-وقال تعالى في سورة النحل:[ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (]","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"- وقال تعالى في سورة العنكبوت:[ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (]\r- وقال تعالى في سورة الجاثية:[ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (]\rوقد أبدع الإمام البيهقي في بيان هذا المعنى في كتابه الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ص، فقال:\"وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه أنا بشر بن موسى ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال:\rأتيت رسول الله صلة الله عليه وسلم فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟\rقال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض\".\rقال الأستاذ رحمه الله:قوله كان الله ولم يكن شيء غيره، يدل على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، وكل ذلك أغيار. وقوله وكان عرشه على الماء يعني به ثم خلق الماء، وخلق العرش على الماء.\rوبيان ذلك في حديث أبي رزين العقلي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال \"ثم خلق العرض على الماء\". أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو زكريا العنبي، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق عن عمر بن حبيب المكي، عن حبيب بن قيس الأعرج، عن طاوس: قال:\rجاء رجل إلى عبد الله بن عباس فسأله، فقال: مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور الظلمة والريح والتراب. فقال الرجل فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"قال: فأخبرنا ابن عباس أن الماء والنور والظلمة والريح والتراب مما في السموات وما في الأرض، وقد أخبر الله عز وجل أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه وإبداعه واختراعه فهو خالق كل شيء، خلق الماء أولا، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعده، فهو المبدع وهو الباري لا إله غيره ولا خالق سواه.\"اهـ\r( هذا إكمال من الطحاوي لتوضيح القاعدة السابقة، وهي كون صفات الله ليست مستمدة من أفعاله جل شأنه، فإن أفعاله حادثة وصفاته قديمة. ولذلك فإنه يتصف بأنه محيي الموتى وقبل إيجاد المخلوقات بل وقبل إماتتهم، وكذلك يسمى خالقا وقبل أن يخلقهم. والسبب في تسميته بهذه الأسماء هو قيام الصفات التي بها يكون منشأ الخلق وهي القدرة والإرادة والعلم، وقيام هذه الصفات بذاته جل شأنه أزلي، ولا يعتمد على إيجاد الله تعالى لهذه المخلوقات، لأن نفس إيجاده مشروط بوجود هذه الصفات له.\rومن هذا نستفيد معنى في غاية الإفادة وهو أن الله تعالى لا يستفيد اتصافه بالصفات ولا تسميته بالأسماء من الأفعال التي يقوم بها، بل من الصفات التي يتصف بها. ولهذا فإن أسماءه وصفاته تعالى أزلية، مع كون أفعاله حادثة. فأفعاله ناشئة عن الصفات، وليست صفاته ناشئة عن أفعاله.\rوهذا الأصل قد خالف فيه ابن تيمية أيضا، فادعى أن كونه تعالى خالقا إنما يصح بأن يوجد الله تعالى المخلوقات، وإيجاده تعالى للمخلوقات هو كمال له. وادعى أيضا أنه تعالى يفعل الكلام في ذاته، فيصبح بهذا الكلام الذي هو فعل له متكلما، فجعل الفعل قائما بالله، والفعل حادث. فجعل الله تعالى موصوفا بصفات حادث، وهذا معنى قوله أن الله يتصرف في نفسه. كما يتصرف المخلوق بنفسه تماما.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وابن تيمية خرج في هذا الكلام عن ما يقول به أهل السنة، وأهل الحق، وهو خلاف لما ينص عليه الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى. وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة ينبغي على القارئ الاعتناء بتحصيله. والله الموفق.\r( قوله ذلك تعليل للحكم الذي وضحه سابقا، وهو كون الله تعالى خالقا وقبل المخلوقات، وربا وقبل المربوبات. فكلمة ذلك تدل على العلة التي من أجلها حكم الطحاوي بذلك الحكم، والعلة كما تراها هي كون الله تعالى متصفا بأنه على كل شيء قدير، فالقدرة منشأ كل تلك الصفات، وهي صفة قديمة قائمة بالله تعالى. ولأجل اتصافه تعالى بالقدرة فهو الرب والخالق والرازق المحيي والمميت..الخ، فكل هذه الصفات راجعة إلى القدرة كما ترى، فلو لم يكن تعالى قديرا لما صح اتصافه بأي من هذه الصفات.\rوهذا الكلام يوافق ما عليه أهل السنة من إرجاع جميع هذه الصفات إلى القدرة تماما كما نص عليه الإمام الطحاوي، ولا يجعلون كل فعل من هذه الأفعال ناشئا عن صفة خاصة قائمة بالله تعالى كما يدعيه الجهلة من المجسمة، بل كل هذه الأفعال ناشئة عن صفة واحدة وهي القدرة.\rوالآيات التي تنص على أن الله على كل شيء قدير كثيرة منها\r-قوله تعالى في سورة البقرة:\r[يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (0]\r-وقوله تعالى في سورة البقرة:\r[ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (0]\r-وقوله تعالى في سورة النحل:\r[ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (]\r-وقوله تعالى في سورة العنكبوت:\r[قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (0]","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"( لاحظ أيها القارئ النبيه كيف عقب الإمام الطحاوي القواعد السابقة بهذه العبارة، التي تنص على أن الله تعالى لا يحتاج إلى شيء، وهذا يعني بوضوح أن الإمام الطحاوي يريد أن يقول إن من يخالف العقائد السابقة على ما تقدم شرحها، فإنه يلزمه أن الله تعالى محتاج إلى غيره من المخلوقات. وهذا كفر بالله لا شك ولا ريب.\rوأدلة كون الله تعالى غنيا كثيرة منها\rقوله تعالى في سورة آل عمران\r-[ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (]\rوقوله تعالى في سورة النساء:\r-[ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (]\rوقوله تعالى في سورة الأنعام\r-[وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (]\rوقوله تعالى في سورة يونس\r-[قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (]\rوالآيات الدالة على هذا المعنى في القرآن كثيرة.\rإذن فالإمام الطحاوي متنبه لانبناء هذه القواعد المذكورة على قاعدة عظيمة هي استغناء الله تعالى عن كافة خلقه، ولكنك ترى أن ابن تيمية يصرح بكل جرأة بل بكل شناعة بأن الله تعالى إذا احتاج إلى مخلوقاته فهذا لا ينافي كماله، لأن مخلوقاته، محتاجة إليه، فهو إن احتاج إليها فإنه يحتاج إلى من هو محتاج إليه، فكأنه لا يحتاج إلا إلى نفسه. وهذا كلام باطل بلا ريب بينا بطلانه في كتاب \"الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية\". فإن الله إذا احتاج إلى مخلوقاته فإنه يكون فقيرا إليهم بلا ريب. وافتقاره إلى غيره وهم المخلوقات ينافي كماله بالذات.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"( بعد أن أشار الإمام الطحاوي إلى بعض القواعد في العقائد، كما سبق بيانه، ونبه إلى أدلتها العقلية، الإجمالية، ذكر هنا دليلا نقليا محكما لا شك في دلالته على ما سبق بيانه وتفصيله، وهو قوله تعالى في سورة الشورى [فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (]، فهذه الآية من أقوى الآيات في تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات من كل الوجوه. وهي آية محكمة كما ترى، فلو كان الله تعالى مثل شيء من مخلوقاته لكان محتاجا إلى من يوجده، ولكنه تعالى ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يكون محتاجا إلى غيره. وهذا الأسلوب من الاستدلال هو عين ما تجده في كبار كتب الأشاعرة من الدلالة على وجوب تنزه الله تعالى عن ما مضى ذكره من النقائص بوجوب الكمال له، ويستدلون على ذلك بالعقل والنقل. فلو كان مثل غيره من وجه من الوجوه لكان محتاجا مثل غيره، لأن الأمثال تتساوى في الأحكام، وقد ثبت بالعقل حكم الاحتياج لكل ما سواه تعالى، فلو قيل إن الله تعالى يشبه غيره ولو من وجه من الوجوه، للزم على ذلك قولنا أنه تعالى مفتقر إلى غيره كافتقار ما يساويه إلى غيره. ولكن هذا باطل، إذن فالله تعالى لا يمكن أن يكون مماثلا لغيره ولا بوجه من الوجوه، وهذا سبق بيانه في تفسير قوله \"ولا يشبهه شيء\".\rقال الإمام البيضاوي في تفسير هذه الآية:\"ليس كمثله شيء أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه، والمراد من مثله ذاته،كما في قولهم مثلك لا يفعل كذا، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى…ثم قال…ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطي معنى ليس مثله، غير أنه آكد لما ذكرناه. وقيل مثله صفته أي ليس كصفته صفة.\"اهـ","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وقال الراغب في المفردات في معنى المثل:\"عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيَّ معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال:[ليس كمثله شيء].\"اهـ\rوهذه الآية كما نص عليه العلماء تنفي مطلق المشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فكل ما يتصف به المخلوقات لا يمكن أن يتصف به الخالق، وكل ما هو من صفاته عز وجل فلا يمكن أن يتف به المخلوقات. وهي تنفي المشابهة من جميع الجهات، لا من حيث الذات فقط. وهذا ما أراده البيضاوي والأصفهاني من قولهم أن الكاف تفيد المبالغة في النفي.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"( الباء في قوله \"بعلمه\" للإلصاق، والمعية، ومعنى ذلك أن الله تعالى خلق الخلق، وهو عالم بما خلق، وذلك لأنه لا يمكن أن يوجد فعل الخلق من واحد بلا كونه عالما بمخلوقاته. فكونه خالقا يستلزم كونه عالما ضمنا. ولذلك قال الله تعالى في سورة الملك:[ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (]، ففي هذه الآية المباركة، ينص الله تعالى على أنه يعلم المخلوقات، ولا تظن أنه يفهم من الآية أنه تعالى لا يعلم إلا ما يخلق، بل إنها تدل على أنه بعدما ثبت أن الله تعالى هو الخالق، فإنه يجب أن يثبت أيضا أنه عالم بما خلق. ونقول لو فرضنا أيضا أن الله تعالى ليس خالقا لبعض الموجودات، فهو عالم بها بلا شك، فالخلق ليس علة على العلم، بل إنه دليل عليه، ويتضمنه، فثبوت الخلق دليل على ثبوت العلم، وليس علة لوجوده. ، ففي هذه الآية المباركة، ينص الله تعالى على أنه يعلم المخلوقات، ولا تظن أنه لا يعلم إلا ما يخلق، بل إنها تدل على أنه بعدما ثبت أن الله تعالى هو الخالق، فإنه يجب أن يثبت أيضا أنه عالم بما خلق. ونقول لو فرضنا أيضا أن الله تعالى ليس خالقا لبعض الموجودات، فهو عالم بها بلا شك، فالخلق ليس علة على العلم، بل إنه دليل عليه، ويتضمنه، فثبوت الخلق دليل على ثبوت العلم، وليس علة لوجوده.\rوقد يفهم البعض من قول الطحاوي \"خلق الخق بعلمه\" أنه تعالى يخلق بعلمه، وهذا محض توهم، مبني على أن الباء سببية، بل المراد كما نبهناك أن علم الله تعالى مصاحب لخلقه، وإنما يخلق الله تعالى المخلوقات بقدرته، ومن شرط كون القادر قادرا أن يكون عالما، لأن كل قادر مريد، وكل مريد عالم بما يريد.\rقال تعالى في سورة البقرة:[قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (]","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وقال تعالى في سورة البقرة:[ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (]\rهذه الآية تدل على أن الله تعالى يعلم الشر والخير قبل وقوعه، ويعلم الخير من الشر، ومعلوم أن العلم بالشيء قبل وقوعه يستلزم أن يكون العلم سابقا على المعلوم، لا تاليا له ولا مصاحبا له كما ادعى بعض الحمقى.\rوقال تعالى في سورة النساء:[ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (]\rقوله تعالى وكان الله عليما حكيما، يدل على أزلية علمه المتعلق بكل الأمور الجزئية والكلية، فهو تعالى يعلم التائب من غير التائب بعلمه الأزلي.\rوقال تعالى في سورة النساء:[ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما (]\rوهذه الآية أيضا تدل على أسبقية علم الله تعالى للمعلوم. وهذا معنى كون علم الله تعالى أزليا. ولاحظ أنه لا يجوز أن يقول قائل أنه ربما أراد الطحاوي بذلك كون علم الله قديما ولكن ليس أزليا، أي أنه أراد مجرد كون علمه تعالى سابقا للمعلوم، وهذا لا يستلزم الأزلية. فالجواب: أن الإمام الطحاوي لا يمكن أن يكون قد أراد هذا المعنى لأنه نفى سابقا أن يكون الله تعالى قد اتصف بصفة غير قديمة أو حادثة، وهذا التفسير لقوله لا يصح إلا على القول بأنه تعالى يجوز اتصافه بالحوادث، وهو منفي عند أهل السنة كما صرح به الطحاوي. فلزم أن يكون أراد أزلية علم الله تعالى.\rوقال تعالى في سورة التوبة:[لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (]\rهذه الآية دليل على تعلق علم الله الأزلي بالجزئيات فضلا عن الكليات. لأنه ينص هنا أنه يعلم أن هؤلاء كاذبون، أي إنهم لن يخرجوا معك. وهذا أمر جزئي.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وقال تعالى في سورة هود:[ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (]\rوهذه الآية دليل صريح على تعلق علم الله تعالى الأزلي بكل الأمور الكلية والجزية، فهو يعلم جل شأنه كل ما يتعلق بالدواب بالتفصيلات منذ الأزل.\rوقال تعالى في سورة إبراهيم:[ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (]\rتأمل كيف ينص الله تعالى على أنه يعلم من يجيء من بعد تلك الأقوام المذكورة، وهذا يدل على تعلق علمه تعالى الأزلي بالمستقبلات من الأمور والحوادث. وتنبه إلى أن قولنا بالمستقبلات فإنما تكون الحوادث من الأمور المستقبلة بالنسبة للمخلوقات وأما بالنسبة لله فعلمه بها علم أزلي حضوري، أي حاضر دفعة لا على التعاقب كعلم البشر.\rوقال تعالى في سورة الحجر:[ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (]\rوقال تعالى في سورة الحجر:[ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (]\rهذا يدل على أن الله تعالى عالم بكل ما يخلقه وقبل أن يخلقه.\rوقال تعالى في سورة طه:[ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (]\rوقال تعالى في سورة لقمان:[ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (]\rوهذه الآية المشهورة تدل دلالة قاطعة على أن الله تعالى يعلم المستقبلات من الأمور علما تفصيليا لا يتغير ولا يتبدل. وإن إحاطة علمه تعالى بالتفصيلات خاصية من خواصه.\rوقال تعالى في سورة فاطر:[ والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (]","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وفي هذا دلالة على أن كل ما يتعلق بآجال الناس مكتوب في كتاب من قبل وجودهم.\r( قال في القاموس:\" الضِّدُّ، بالكسر، والضَّديدُ: المِثْلُ، والمُخالِفُ، ضِدٌّ، ويكونُ جَمْعاً، ومنه: {ويكونونَ عليهم ضِدًّا}. وضَدَّه في الخُصومَةِ: غَلَبَه، وـ عنه: صَرَفَه، ومَنَعَه بِرِفْقٍ، وـ القِرْبةَ: مَلأَها. وأضَدَّ: غَضِبَ. وبنو ضِدٍّ، بالكسر: قبيلةٌ من عادٍ. وضادَّه: خالَفَه. وهما مُتضادَّانِ.\"أهـ\r( الأنداد جمع نِدٍّ وهو المثل، كما قال في القاموس، ودقق الأصفهاني في هذا المعنى في المفردات فقال:\"نديد الشيء مشاركة في جوهره وذلك ضرب من المماثلة، فإن المثل يقال له في أيِّ مشاركة كانت، فكل ند مثل وليس كل مثل ندا، ويقال نِدُّه ونديده ونديدته، قال تعالى(فلا تجعلوا لله أنداداوقال تعالى(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا وقال تعالى(وتجعلون له أندادا.\"اهـ\r( قال الإمام العز بن عبد السلام في بداية السول في تفضيل الرسول:\"قال الله تعالى لنبينا محمد صلوات الله عليه وسلامه، متمننا عليه معرفا لقدره لديه(وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما[النساء:]، وقد فضل الله تعالى بعض الرسل على بعض فقال: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض[البقرة:]، والتفضيل الأول صريح في أصل المفاضلة، والثاني في تضعيف المفاضلة بدرجات، ونكرها تنكير التعظيم بمعنى درجات أي درجات.\"اهـ ثم شرع الإمام العز في ذكر وجوه التفضيل لسيدنا محمد على باقي الرسل والأنبياء.\r( قال الله تعالى في سورة الأحزاب (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين[0].\rوروى البخاري في صحيحه عن مطعم عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وزاد الترمذي والطبراني في معجمه الكبير في روايتها عنه: وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي وفي الباب عن قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية ابن حبان عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمه وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي. وقد سماه الله رؤوفا رحيما.\rوفي المستدرك على الصحيحين عن عوف بن مالك الأشجعي قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود فقال يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم قال فأسكتوا ما أجابه منهم أحد ثم رد عليهم فلم يجبه منهم أحد فقال أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول كما أنت يا محمد فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود قالوا والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك قال فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة فقالوا كذبت ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم لن يقبل قولكم أما آنفا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم وأما إذا آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم قال فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به الآية. صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إنما اتفقا على حديث حميد عن أنس أي رجل عبد الله بن سلام فيكم مختصرا.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"( رواه ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر.\rورواه ابن حبان عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم فأنا سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع.\rورواه أيضا عن عبد الله.\rورواه مسلم عن أبي هريرة بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع.\rورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن أبي خالد قال نظرت عائشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا سيد العرب فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأبوك سيد كهول العرب وعلي سيد شباب العرب.\rورواه غيرهم.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"( رواه أحمد بن عمرو بن الضحاك في الآحاد والمثاني عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي عز وجل لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي عز وجل قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وإن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وبعضهم يسبي بعضا وإن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين وحتى تعبد الأوثان وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابا كلهم يزعم أنه نبي وأنه لا نبي بعدي وأنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهي كذلك.\r( يطلق القرآن على ما في الصدور وعلى ما في اللوح المحفوظ وعلى المسموع بالصوت والحرف، قال تعالى في سورة العنكبوت(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وقال في سورة البروج(بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ،، وقال في سورة الأحقاف(وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن.\rمقدمة في الكلام النفسي واللفظي:\rيدعي كثير من الجهلة أنه لا يوجد شيء اسمه كلام نفسي ولا حديث نفسي ولا قول نفسي، بل كل القول لديهم لفظي بصوت وحرف، وما كان بلا صوت ولا حرف فليس بكلام أصلا. وهذا الكلام باطل لا دليل عليه إلا اتباع الهوى والتعنت. وسو ف نبين لك فيما يلي وجود أصل للكلام النفسي وغيره في كلام العرب والسلف باختصار كما يليق بهذا الكتاب:","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"قال الله تعالى في سورة المجادلة(ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (.\rوقال تعالى في سورة يوسف(قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (\rوقال تعالى في سورة الأعراف:(اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (0","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وروى الطبراني في الأحاديث الطوال عن سلامة العجلي في قصة سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه حديثا طويلا وفيه: فأخذني غم وحدثت نفسي بالفرار فقلت أصبر أحدين أو ثلاثة فلما كان يوم الأحد رجعنا إليهم فأفطروا واجتمعوا فقال لهم اني أريد بيت المقدس…وفيه… فنظرت بين كتفيه فرأيت خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة فأسلمت ثم قلت له ذات يوم يا رسول الله أي قوم النصاري قال لا خير فيهم وكنت أحبهم حبا شديدا لما رأيت من اجتهادهم ثم اني سألته أيضا بعد أيام يا رسول الله أي قوم النصارى قال لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم قلت في نفسي فأنا والله أحبهم قال وذاك والله حين بعث السرايا وجرد السيف فسرية تدخل وسرية تخرج والسيف يقطر قلت يحدث بي الآن أني أحبهم فيبعث إلي فيضرب عنقي فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال يا سلمان أجب قلت من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت هذا والله الذي كنت أحذر قلت نعم ان اذهب حتى ألحقك قال لا والله حتى تجيء وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب أن أفر فانطلق بي فانتهيت إليه فلما رآني تبسم وقال لي يا سلمان أبشر فقد فرج الله عنك ثم تلا علي هؤلاء الآيات الذي آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا آمنا به انه الحق من ربنا أنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين قلت والذي بعثك بالحق لقد سمعته يقول لو أدركته وأمرني أن أوقع في النار لوقعتها انه نبي لا يقول الا حقا ولا يأمر الا بالحق.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وروى البيهقي في سننه الكبرى عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال أتينا جابر بن عبد الله في مسجده فذكر قصته قال فقال جابر فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يتستر به فإذا شجرتان بشاطيء الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحداهما فأخذ غصنا من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله تعالى فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي على بإذن الله تعالى فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف فيما بينهما لأم بينهما يعني جمع بينهما فقال التئما على بإذن الله تعالى فالتأمتا قال جابر فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق وذكر باقي الحديث رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن معروف.\rوروى البيهقي أيضا في سننه الكبرى عن سليمان بن يسار أن بن عمر رضي الله تعالى عنهما زوج ابنا له ابنة أخيه عبيد الله بن عمر وابنه صغير يومئذ ولم يفرض لها صداقا فمكث الغلام ما مكث ثم مات فخاصم خال الجارية بن عمر إلى زيد بن ثابت فقال بن عمر لزيد إني زوجت ابني وأنا أحدث نفسي أن أصنع به خيرا فمات قبل ذلك ولم يفرض للجارية صداقا فقال زيد فلها الميراث إن كان للغلام مال وعليها العدة ولا صداق لها.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وفي مسند أبي يعلى عن إبراهيم بن محمد بن سعد قال حدثني والدي محمد عن أبيه سعد قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد السلام علي فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء قال وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام قال فأرسل عمر الى عثمان فدعاه فقال ما يمنعك أن تكون رددت على أخيك السلام قال عثمان ما فعلت قال سعد قلت بلى قال حتى حلف وحلفت قال ثم إن عثمان ذكر فقال بلى فأستغفر الله وأتوب اليه إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة فقال سعد فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقني الى منزله فضربت بقدمي الأرض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحاق قال قلت نعم يا رسول الله قال فمه قال قلت ولا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي فقال نعم دعوة ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له.\rوفي مسند الإمام أحمد عن بن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انى أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من ان أتكلم به قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"وروى الإمام البخاري عن ابن عباس في الحديث الطويل في قصة السقيفة، وفيها قول عمر : فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها.\rوروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة.\r( قال العلامة الأصفهاني في المفردات:\"بدا الشيء بَدْواً وبَداءا أي ظهر ظهورا بينا، قال الله تعالى(وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون – وبدا لهم سيئات ما كسبوا – فبدت لهما سوآتهما.اهـ\rواعلم أن معنى بدا غير معنى بدأ، فبدأ كما قال الأصفهاني بدأت بكذا وأبدأت وابتدأت أي قدمت، والبدء والإبداء تقديم الشيء على غيره ضربا من التقديم، قال تعالى(وبدأ خلق الإنسان من طين، وقال تعالى(الله يبدأ الخلق – كما بدأكم تعودون، ومبدأ الشيء هو الذي منه يتركب أو منه يكون، فالحروف مبدأ الكلام والخشب مبدأ الباب والسرير..الخ.\"اهـ\rوكثيرا ما يلتبس قولهم منه بدا بقولهم منه بدأ. والفرق بينهما كبير، فبدا بلا همز تعني مطلق الظهور لأمر، وظهور أمر يستلزم أنه كان موجودا، ولكنه ظهر للغير بعد أن كان خافيا عليه. وأما بدأ الشيء، فمعناه بلا توقف وجوده بعد كونه غير موجود. وهذا الكلام يدل دلالة قاطعة على أن كلام الله تعالى قديم لا بداية له، ولكن ظهوره هو المحدث. وظهور الشيء غير نفس الشيء. فافهم، فإن هذه الإشارة تحل كثيرا من إشكالات المجسمة.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"( قال العلامة الأصفهاني: كيف لفظ يسأل به عما يصح أن يقال فيه شبيه وغير شبيه، كالأبيض والأسود والصحيح والسقيم، ولهذا لا يصح أن يقال في الله عز وجل كيف.\"اهـ\rوالحاصل كما نص عليه الشريف الجرجاني وغيره من العلماء فالكيف هو الهيئة القارة للشيء، والمقصود بالهيئة هي الصورة، والشكل المعين. وهي هنا الصوت والحرف، وأن يحتاج الله تعالى للفم واللسان واللهوات وغير ذلك من صفات الحوادث. فكل ذلك منفي في حقه تعالى وهو من قبيل تشبيهه تعالى بالمخلوقات.\rقال البابرتي في شرحه على الطحاوية:\"وأراد بنفي الكيفية عنه إثبات أزليته ردا على المعتزلة والكرامية، ونفي كونه من جنس الحروف والأصوات ردا على الحنابلة، وذلك لأن كلام الله صفته القائمة بذاته، فيكون قديما كسائر صفاته، إذ لو كان حادثا فإما أن يحدث في ذاته كما زعمت الكرامية، فيصير ذاته محلا للحوادث، وهو لا يجوز، أو لا في محل وهو محال أيضا، لأن الكلام عرض فلا بد له من محل، أو حدث في محل آخر فيكون المتكلم ذلك المحل لا خالقه.\rوقول الحنابلة وهو أنه حروف غير مخلوقة قائمة بذاته أيضا باطل لأن الحروف تتوالى ويقع بعضها مسبوقا ببعض وكل مسبوق حادث، ولأن الحروف لا تصدر إلا من الآلات وهي الحلق والشفة وغيرهما، فيلزم من التجسيم تعالى الله عن ذلك.\"اهـ\r( كلمة \"قولا\" متعلقة بقوله بدا، بمعنى أن الكلام لما بدا من الله تعالى بدا منه قولا، لا معنى فقط، وذلك خلافا لمن قال إن القرآن أوحى الله تعالى به إلى جبريل عليه السلام بالمعنى وهو عبر عنه بالألفاظ المنزلة على سيدنا محمد. وهذا القول لا دليل عليه. فالحق إذن أن القرآن بدا من الله تعالى كما أنزل على سيدنا محمد لم يتصرف فيه أحد من الخلق.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"( قال الله تعالى في سورة الشورى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحيَ بإذنه ما يشاء، إنه على ما يشاء قدير( } ، وقد وردت أدلة تدل على أن الوحي بالقرآن كان من اللوح المحفوظ كما في المعجم الصغير للطبراني عن ابن عباس عندما قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - \"فقالوا هذا-أي ما وعدوه به من مال ونساء وغير ذلك- لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بشر فإن بغضت فإنا نفرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح قال وما هي قال تعبد إلهنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله عز وجل من اللوح المحفوظ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السورة وأنزل الله تعالى{قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} بل الله فأعبد وكن من الشاكرين.\rوقال تعالى في سورة القدر(إنا أنزلناه في ليلة القدر والظاهر من هذا التعبير أنه أنزله جميعه في تلك الليلة، خلافا لمن قال إنه بدأ تنزيله فيها. وقد أشار أبو السعود إلى القولين في تفسيره فقال في(/:\"والمراد بإنزاله فيها إما إنزال كله إلى السماء الدنيا كما روي أنه أنزل جملة واحدة، في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ثم كان ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء إنزاله فيها كما نقل عن الشعبي.\"اهـ.\rوقد رجح الإمام الطبري في تفسيره القول بأن إنزاله تم كاملا في ليلة القدر، فقال: يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْر، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السنة وهو مصدر من قولهم: قَدَر الله عليّ هذا الأمْرَ، فهو يَقْدُر قَدْرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.اهـ، ويرجح هذا القول الروايات التالية:","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"روى الحاكم في المستدرك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بموقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثر بعض قال وقالوا {لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.\rورواه البيهقي أيضا في السنن الكبرى.\rوروى عن المعتمر قال قال أبي حدثنا الحريث بن مخشي أن عليا قتل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان قال فسمعت الحسن بن علي يقول وهو يخطب وذكر مناقب علي فقال قتل ليلة أنزل القرآن وليلة أسري بعيسى وليلة قبض موسى قال وصلى عليه الحسن بن علي عليهما السلام هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rوروى الطبراني في المعجم الكبير عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله { إنا أنزلناه في ليلة القدر} قال أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام في السماء الدنيا ونزله جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم.\rوهذا يوافق ما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاالإسراء0، وقوله(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاالفرقان. وأيضا قوله تعالىفي سورة الدخان(إنا أنزلناه في ليلة مباركة، كل هذه الأدلة تدل على أن إنزاله كان دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وأما ما رواه الإمام الطبري عن الشعبيّ، أنه قال في قول الله: إنَّا أنْزلْناهُ في لَيْلَة الْقَدْرِ قال: نزل أوّلُ القرآن في ليلة القدر.اهـ أي ابتدأ إنزاله في ليلة القدر. فهو ضعيف، وقد روى عنه الطبري أيضا القول الآخر بسند آخر عن الشعبيّ، في قوله: إنَّا أنْزلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.اهـ فهذا نص من الشعبي في ما بلغه عن المتقدمين في القرآن، وأما الرواية الأولى فهي من رأيه وقوله، وقد تبين ضعفه بما تقدم.\rوما ذكرناه يقويه الفرق الواضح بين \"أنزلناه\" وبين \"نزلناه\"، فالأولى تدل على وقوع الفعل مرة واحدة ودفعة واحدة، وأما الثانية فإنها تدل على وقوعه على دفعات.والله تعالى أعلم.\r( هذا الكلام يؤكد أن المراد بكلام الإمام الطحاوي هو نفي أن يكون اللفظ القرآن قد فعله واحد من المخلوقات، ولذا فهو ينص على نفي ذلك. وليس المراد من كلامه هو أن الله تعالى قد تكلم بصوت وحرف كما تتكلم المخلوقات، فإن ذلك منفي بقوله \"بلا كيف\"، وهو نفي صريح للحرف والصوت وسائر الكيفيات.\r( هذه الفقرة كلها تؤكد لك ما بيناه من معاني كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي فيما سبق، فمراده رحمه الله هو نفي أن يكون القرآن قد ركب حروفه وأوجد كلماته أحد من المخلوقات، وليس مراده هو القول بأن الله تعالى قد تكلم به بحرف وصوت كما ادعى المجسمة.\r( هذا نص صريح في تكفير المجسمة والمشبهة، والذين يشبهون الله تعالى بأحد من خلقه.وفيه رد مباشر على من قال من المجسمة بأن الله تعالى يتكلم بالصوت والحرف، وبأن كلامه عبارة عن حوادث متتالية يوجدها في ذاته، وهي عبارة عن أصوات وحروف، يوجدها الله تعالى بقدرته في نفسه، وكل منها حادث، لاحق لما قبله وسابق لما بعده، فهذا معنى من المعاني الثابتة للبشر، فمن أثبتها لله تعالى فإن الإمام الطحاوي ينص على كفره، هذا هو المفهوم من عبارته.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"( فما بالك بعد ذلك بمن لم ينزجر بهذا، بل وصف الله تعالى بالمعاني الثابتة للخلق، ونسب إليه تعالى ما لا يجوز نسبته إلا إلى المخلوقات، وذلك كالمشبهة والمجسمة الذين نسبوا إليه تعالى الحرف والصوت الحادثين في ذاته بقدرته وإرادته.\r( قال العلامة الأصفهاني في المفردات: الرؤية إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس. والأول:بالحاسة وما يجري مجراها، نحو لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين وقوله تعالى(ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وقوله(فسيرى الله عملكم فإنه مما أُجرِيَ مجرى الرؤية الحاسة، فإن الحاسة لا تصح على الله تعالى عن ذلك، وقوله(إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم. والثاني:بالوهم والتخييل نحو أرى أن زيدا منطلق، ونحو قوله(ولو ترى إذ يَتوفى الذين كفروا. والثالث: بالتفكر نحو(إني أرى ما لا ترون والرابع: بالعقل وعلى ذلك قوله (ما كذب الفؤاد ما رأى وعلى ذلك حمل قوله( ولقد رآه نزلة أخرى.اهـ\r( أي رؤية الله تعالى فهي حق بمعنى أنها واقعة لأهل الجنة، لا لغيرهم من أهل الدنيا. فلا يرى الله تعالى أحد في الحياة الدنيا كما هو ظاهر كلام الإمام الطحاوي وكما هو المعتمد عند كثير من أهل السنة.\rأما وقوعها لأهل الجنة فقد دل على ذلك النصوص التالية:\rمنها ما رواه الإمام النسائي في سننه الكبرى عن جرير قال خرج علينا رسول لله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فنظر إلى القمر فقال إنكم ترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته.\rوقد رواه الإمام البخاري في صحيحه عن جرير قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"ورواه عنه أيضا النسائي في سننه الكبرى. وفيه عن أبي هريرة بلفظ قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا قال هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه وترون القمر في ليلة لا غيم فيها قلنا نعم قال فإنكم سترون ربكم. وهو في المعجم الكبير للطبراني عن جرير، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، والسنن الكبرى للبيهقي، وابن حبان، وفي صحيح مسلم.\rورواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم سترون ربكم عز وجل قالوا يا رسول الله نرى ربنا قال فقال هل تضارون في رؤية الشمس نصف النهار قالوا لا قال فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في ذلك قال الأعمش لا تضارون يقول لا تمارون.\rورواه البخاري في صحيحه عن جرير بن عبد الله بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم عيانا.\rوهو في الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتضامون في رؤية القمر ليلة البدر وتضامون في رؤية الشمس قالوا لا قال فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.\rومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تعقلوا أن مسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجزاء فإن ألبس عليكم قال يزيد ربكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن ترون ربكم تبارك وتعالى حتى تموتوا قال يزيد تروا ربكم حتى تموتوا.\rفهذه الروايات كلها تدل على أن الرؤية واقعة للمؤمنين في يوم القيامة، لا في الحياة الدنيا.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"( الباء في قوله بغير، متعلقة بقوله والرؤية، أي إن الرؤية تكون بغير إحاطة ولا كيفية، فيجب نفي الكيف عن الرؤية، وقد سبق بيان معنى الكيف، ومضى ذكر أنه يجب نفي الكيف عن الله تعالى وصفاته. وأما الإحاطة، فلا يحيط بجلال قدر الله تعالى إلا هو جل شأنه، فلا يجوز أن يتوهم واحد أن الرؤية المشار إليها تكشف عن جميع صفات الله تعالى، وجليل ذاته. ثم إن الإحاطة الفعلية لا تكون إلا لمن له حدود، وأما الله تعالى فلا حد له ولا طرف ولا غاية، وقد سبق بيان ذلك كله، فلا يجوز أصلا نسبة الحدود والإحاطة إليه جل شأنه، لانتفاء ذلك عنه.\rقال العلامة الغنيمي في شرحه على العقيدة الطحاوية:\"ونقول (الرؤية إلى الذات المقدسة المنزهة عن الإحاطة والجوانب(حق أي ثابتة (لأهل الجنة لكن (بغير إحاطة بجوانب المرئي وحدوده، لتعاليه تعالى عن التناهي بالجوانب والاتصاف بالجوانب والحدود (ولا كيفية من مقابلة وجهة وارتسام، واتصال شعاع وثبوت مسافة بين الرائي والمرئي لأن هذا كله في رؤية الأجسام والله تعالى ليس بجسم فليست رؤيته كرؤية الأجسام، فإن الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، ويُرَى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم، فرؤيته كذلك ليس في مكان ولا جهة ولا بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، وإلا لم تكن رؤية له، بل لغيره.\"اهـ","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"وهذا الكلام جيد ومفيد، إلا قوله \"، فمن كان في مكان …. ويُرَى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة\"اهـ، فأول هذا الكلام صحيح بلا شك، وهو أن ما كان في مكان فإنه يرى في مكان، وأما القسم الثاني، وهو أن ما كان في مكان فظاهر كلامه أنه لا يرى إلا باتصال شعاع وثبوت مسافة ومقابلة، وهذا غير صحيح، إن كان هو ما أراده، فإن ما كان في مكان فإنه يمكن أن يُرى بلا اتصال شعاع ولا مقابلة ولا جهة، ويمكن أن يكون معناه أنه كذلك عادة، وبناءا على ذلك فلا إشكال. فالرؤية في الحقيقة صفة كاشفة، وهي قائمة في الرائي، وتكشف عن المرئي، وعليه فإن الرائي يمكن أن يكون لا في مكان، ويرى ما هو في مكان، ولا يشترط في الرؤية عنه أهل السنة اتصال شعاع، وغير ذلك من الشروط العادية، كما أشار، وإلى ذلك نبه العلامة الطحاوي في قوله \"بلا كيفة\".\rهذا واعلم أن ابن تيمية قد فسر قول السلف ومنهم الطحاوي\"أن الله تعالى يُرى بلا إحاطة\" بالمعنى التالي:\"أي إن الله تعالى وإن كان له حدود، إلا أن الرائي لا يحيط بحدوده، كما إذا نظرت إلى السماء فهي وإن كانت محدودة إلا أنك لا تحيط بحدودها، فكذلك الله\". هذا هو حاصل ما يقوله هذا الرجل، وهو يبني ذلك كله على مذهبه في التجسيم والقول بأن الله تعالى محدود من جميع الجهات، وهو مذهب باطل مرذول، لا يقول به واحد من أهل السنة، ولا ينفع ابن تيمية أن ينسبه إلى السلف والعلماء المتقدمين، فإن مجرد نسبته إليهم، لا يعني أنهم قد قالوا به فعلا ؟! بل هم قد صرحوا بنفي الحدود والكيفية كما ترى كلام الإمام الطحاوي.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"( هذه الآيات من سورة القيامة، فقد اختلف فيها أهل التأويل كما قال الإمام الطبري، روى عن عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد: أي تنظر إلى ربها نظرا. وروى بسنده عن الحسن قال:حسنة إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. وروى عن عطية العوفي، في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ.\rوروى الإمام الطبري بسنده عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية». وروى عن أبي الصهباء الموصلي، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة، فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».\rوذكر الإمام الطبري أن آخرين قد خالقوا في ذلك فقال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها. وروى ذلك بسنده عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أناس يقولون في حديث، «فيرون ربهم» فقلت لمجاهد: إن ناسا يقولون إنه يُرَى، قال: يَرى ولا يراه شيء.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"ثم قال الإمام الطبري: \"وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرِمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\"اهـ ثم شرع في ذكر الروايات الدالة على ذلك، من ذلك ما رواه بسنده ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ?: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَيْ سَنَةٍ قال: وإنَّ أفضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وَجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْم مَرَّتَينِ قال: ثم تلا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: بالبياض والصفاء، قال: إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ».\rوروى عنه أيضا عن ابن عمر، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية». وروى هذا الحديث أيضا الترمذي عن ابن عر ثم قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن بن عمر مرفوع ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن بن عمر موقوف وروى عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر قوله ولم يرفعه حدثنا بذلك أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر نحوه ولم يرفعه.اهـ والحديث ضعيف من جهة ثوير ابن أبي فاختة.\rوروى الطبري عن أبي الصهباء الموصلي، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة، فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"قال العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في \"إشارات المرام من عبارات الإمام\" ص0: \"(قال في شرح الوصية والفقه الأكبر:ولقاء الله تعالى أي كونه مرئيا (لأهل الجنة زيادة في إكرامهم فيها (حق أي ثابت بالدلائل القطعيات من بينات الآيات، ومشهورات الروايات واقع (بلا كيفية أي ملابسا لعدم الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض لما سيأتي من البيان(ولا تشبيه له تعالى بشيء من المخلوقات (ولا جهة له ولا تحيز في شيء من الجهات، وفيه إشارات:\rالأولى: أنه تعالى يرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدراك في الباصرة من غير تحيز ومقابلة ولا مواجهة ولا مسامتة.\rالثانية: إمكان ذلك وثبوته بالآيات والأحاديث المشهورة، وإليه أشار بالحق في مقام الاستدلال، وهي كثيرة. منها قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام:\"ربِّ أرني أنظُرْ إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني\" الأعراف ، وقوله تعالى\"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة\" القيامة -، وقوله تعالى\"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة\"سورة يونس. روى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى.\rومنها ما رواه عبدالله بم عمر رضي الله تعالى عنهما، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:\"إن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غُدوَةً وعَشِيَّة، ثم قرأ: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة\" وغير ذلك كما سيأتي.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"الثالثة: الرد على فرق المبتدعة كالمشبهة والكرامية النافية للرؤية بلا مكان ولا جهة زالمعتزلة والنجارية والخوارج النافية لمطلق الرؤية. ولا نزاع لهم في إمكان الانكشاف التام العلمي، ولا لنا في امتناع ارتسام الصورة أو اتصال الشعاع، أو حالة مستلزمة لذلك. بل النزاع في أنا إذا نظرنا إلى البدر، فلنا حالة إدراكية نسميها الرؤية مغايرة لما إذا أغمضنا العين وإن كان ذلك انكشافا جليا، فهل يحصل للعباد بالنسبة إلى الله تعالى تلك الحالة وإن لم يكن هناك مقابلة. كما في شرح المقاصد وغيره. وإليه أشار بقوله (يراه المؤمنون وهم في الجنة دون المرئي تعالى(بأعين رؤوسهم لا ببصائرهم فقط لعدم النزاع فيه.\rالرابعة: أن المراد بنفي الكيفية والجهة خلو تلك الرؤية عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض مع سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يمكن رؤيته من المقابلة والعدم القرب القريب والبعد البعيد، واللطافة والحجاب، لا بمعنى خلو المقابلة أو الرائي والمرئي عن جميع الحالات والصفات على ما يفهم أرباب الجهالات، فيعبرضون بأن الرؤية فعل من أفعال العباد أو كسب من أكسابه، فبالضرورة يكون واقعا بصفة من الصفات، وكذا المرئي بحاسة العين لا بد أن يكون له حال أو كيفية من الكيفيات كما في شرح المقاصد، وإليه أشار بالاكتفاء بقوله فيه( ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة ولا قرب ولا بعد ول احجاب ولا مقابلة، فإن تلك الشروط مبنية على الاستقراء، ولا يقاس أمر الآخرة بأمر الدنيا كما في التعديل.\rفأشار بإضافة اللقاء إليه تعالى والبيان بما بعده إلى أن المراد من الرؤية أن يحصل انكشاف للعباد بالنسبة إلى ذاته المخصوصة سبحانه، ويجري مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار الألوان والأضواء.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"والانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف، فإن كان المكشوف مخصوصا بالجهة والحيز، وجب أن يكون الانكشاف كذلك، وإن كان المكشوف منزها عن الجهة والحيز وجب أن يكون انكشافه منزه عن الحيز والجهة كما في الأربعين للرازي.\rهذا والآية الأولى تدل على إمكان رؤيته. وذلك أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام طلب الرؤية ولم يكن عابثا ولا جاهلا والله علقها على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه. وما يقال على الأول أنه إنما طلب العلم الضروري أو رؤية آية، ولو سلم فلقومه ولزيادة الطمأنينة بتعاضد العقل والسمع، ولم سلم فالجهل بمسألة الرؤية لا يخل بالمعرفة، فقد ردّ بأن \"لن تراني\" نفي للرؤية لا للعلم، أو رؤية الآية، كيف والعلم حاصل؟ والآيات كثيرة، والحاصل منها حينئذ إنما هو على تقدير الاندكاك دون الاستقرار.\rوالرؤية المقرونة بالنظر الموصول بإلى نص في معناها.\rوالقوم إما مصدقون لموسى عليه الصلاة والسلام فيكفيهم إخباره بامتناع الرؤية أو لا فلا يفيد حكايته عن الله تعالى، ولا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم تأخير رد الباطل كما في طلب جعل الإله، ولا طلب الدليل بهذا الطريق، ولا الجهل في الإلهيات بما يعرفه آحاد المعتزلة.\rوعلى الثاني أن المعلق عليه استقرار الجبل عقيب النظر وهو حالة اندكاك يستحيل معها الاستقرار. وردَّ بأنه ممكن ضرورة وإن لم يقع ليلزم وقوع الرؤية، وإنما المستحيل اجتماعهما.\rوالآيات الأخر تدل على وقوع الرؤية، إذ النظر الموصول بإلى إما بمعنى الرؤية أو ملزوم لها، أو مجاز متعين فيها، وكذا اللقاء بشهادة العقل والنقل والاستعمال والعرف.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وما يقال: إن \"النظر\" قد يكون بمعنى الانتظار و\"إلى\" قد تكون اسما بمعنى النعمة. والنظر قد يتصف بما لا يتصف به الرؤية كالشدة والازورار، ونحوهما، وقد يوجد بدونهما مثل نظرت إلى الهلال فلم أره، وتقدير \"إلى ثواب ربها\" احتمال ظاهر منقول، فقد رُدَّ بأن الانتظار لا يلائم سوق الآية ولا يليق بدار الثواب، وكون إلى ههنا حرفا ظاهر لم يعدل عنه السلف.\rوجعل النظر الموصول بإلى للانتظار تعسف. وكذا العدول عن الحقيقة أو المجاز المشهور إلى الحذف بلا قرينة معيِّنةٍ، كما في المقاصد.\rوأما الأحاديث المشهورة الدالة على وقوع الرؤية، فكثيرة أشهرها ما ذكره حيث (قال في رواية القاضي ابن عبد الباقي (الأنصاري و ابن عبد الله بن خسرو ( البلخي والقاضي أبي زكريا موسى ( الحصكفي: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي زكريا البجلي التابعي الجليل، روى عن العشرة المبشرة ( عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تَضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ\" بفتح أوله وتشديد الميم وحذف إحدى التاءين: أي لا ينضمن بعضكم إلى بعض في وقت النظر لما ينوبه من المشقة بسبب الإشكال والاختفاء.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وفي رواية بضم أوله وتخفيف الميم من الضيم –تُضامُونَ- أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم ومشقة، ويعضدها رواية \"لا تضارون\" من المضارة بمعنى المضايقة: أي لا تضايقون في الرؤية غيركم بحيث تلحقون الضرر بهم، بل يرى كل أحد كما ينبغي، ففيه كشف عن وجه تشبيه الرؤية، وأنها تقع على الانكشاف التام، ودفع لإيهام تشبيه المرئي بالمرئي في المقام، وهو حديث مشهور روى القدر المشترك منه شبعة وعشرون صحابيا رواه أمير المؤمنين أبو بكر الصديق، وعلي وعبدالله بن عمر، وابن مسعود، وابن عباس وأُبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وجرير بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وأبو رزين لقيط العقيلي، وجنادة بن أبي أُميَّة، وأنس بن مالك، وصهيب بن سنان، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وأبو أمامة الباهلي، وأبو بريدة وثوبان وعبد الله بن حارث الزبيدي، وعبادة بن الصامت، وفضالة بن عبيد، وبريدة، وعمارة بن رويبة الثقفي، وعدي بن حاتم الطائي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كما في شروح البخاري وروى منهم ثمانية وعشرون شيخا بأكثر من ستين طريقا.\rولما كان الأصوب في هذه المسألة أن يتمسك بالدلائل السمعية لكونها أسرع في إلزام المبتدعة، ثم معارضة شبههم بالأدلة العقلية كما ذكره أبو منصور الماتريدي، واختاره محققو الأشاعرة، أشار الإمام في المقام إلى ما يثبت به المرام، من الدلائل السمعية، وأشار إلى دفع شبه المبتدعة، معارضة بما ثبت مما حاله حال الرؤية في القرب والإقبال والمجاورة، أو ردَّاً للمختلف إلى المختلف، فإنه الطريقة المسلوكة للسلف دفعا لما تمسك به المخالفون. اهـ ، وشرع بعد ذلك في إيراد به الردود على المخالفين.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وقال الإمام السمرقندي في الصحائف: اتفق أهل السنة على جواز رؤية الله تعالى منزها عن المسامتة والمحاذاة والمكان خلافا لجميع الفرق. والمشبهة والكرامية وإن جوزوا رؤية الله تعالى لكنهم إنما جوزوا لاعتقاد كونه تعالى في المكان والجهة وأما بتقدير أن يكون تعالى منزها عن المكان والجهة فيحيلون رؤيته.\rوهذا البحث مما ليس للعقل استقلال في إثباته وغاية سعينا ليست إلا بيان الجواز وهذا القدر كاف ههنا، إذ هو مع قول الصادق يفيد الغرض، ويبطل قول المنكرين، لأنهم يحيلونها.\rوبيانه: أنَّا قد بينا في بحث الإدراكات أن إدراك الجزئي قد يكون بأن يدرك مثاله ويستدل بذلك المثال عليه وهو التخيل، والتوهم ، ويجوز فيها غيبوبة المدرك وقد يكون بأن يدرك نفسه بدون توسط المثال، ويجب أن يكون المدرك حاضرا ولذلك يسمى مشاهدة فالمشاهدة هي إدراك نفس الموجود فمن حصل له هذا النوع من الإدراك سواء كان بالحاسة أو لا يتحقق له المشاهدة ضرورة.\rوإذا عرفت ذلك فنقول:\rقد بيَّنَّا في الصحيفة الخامسة أن الله تعالى كامل العلم، تام الإدراك لا يعزب عن عنه شيء فيكون مدركا للأشياء بأعيانها لامتناع التخيل، والتوهم عليه، وهويته الموجودة ليست غائبة عنه فيكون مدركا لنفس هويته الموجوده بدون توسط المثال، وإذا أدركها بدون التوسط تكون هويته الموجودة مشاهدة له فجاز على هويته المجردة من الأين والكيف أن تكون مشاهدة، فعلم أن هويته الموجودة قابلة للرؤية، فلم يبعد أن يخلق الله تعالى قوة هذا الإدراك في الباصرة بعد البعث، فجاز أن يرى إذا تجلى من غير تشبيه، ولا تكييف ولا محاذاة ولا مسامتة.اهـ\rوهذا الكلام على اختصاره كبير الفائدة ويكفي في هذا المقام.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"( لما أثبت الإمام الطحاوي أصل الرؤية، بلا كيف ولا تشبيه، صرح بأنه لا يجوز لواحد أن يتوهم أنه يرى ربه كما يرى بقية الأشياء، فلا يجوز توهم الرؤية على نم معين بأن يقال إنها تكون مع كون الله تعالى مقابلا لنا ونحن مقابلين له، فإن هذا هو قول المشبهة، والمجسمة، وقد قال به ابن تيمية وادعى الإجماع على ذلك، بل ادعى أن هذا هو قول السلف والخلف من العلماء. وما هو إلا قول المبتدعة من المجسمة وغيرهم.\rفالحاصل إذن أنه يجب علينا الإيمان بالرؤية ولكن لا يجوز لنا الخوض فيها وتشبيهها برؤية الأمور المخلوقة. فلا يجوز الركون إلى أوهامنا وأهوائنا في مثل ذلك الأمر. والواجب في ذلك كله أنه يجب التسليم لله تعالى. ورد علم حقيقة ذلك إليه عز وجل.\rوالاستسلام لله تعالى لم تطبقه إلا أهل السنة والجماعة. فإن المشبهة لما قالوا إننا لا نرى أحدا إلا إذا كان في جهة وحيز، واعتقدوا أننا نرى الله تعالى، قالوا بعد ذلك إنه تعالى يجب أن يكون في جهة وحيز. فهم لم يسلموا لله تعالى في هذا الأمر. وكذلك المعتزلة فإنهم قالوا: إذا كانت رؤية كل واحد من الأمور الموجودة لا تتم إلا بكونه في جهة وحيز، فلا يمكن أن رى الله تعالى إذن لأنه لا يمكن وجوده في جهة وحيز. فهؤلاء قاسوا الخالق على المخلوق فنفوا الرؤية، وأولئك قاسوا الخالق على المخلوق فأثبتوا الجهة والحيز والمقابلة !","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"وأما أهل السنة فإنهم قالوا: لما كان الله تعالى لا يمكن كونه في جهة ولا حيز. وثبت بالأدلة النقلية وقوع الرؤية، فإننا نقول بأنها رؤية لا في جهة ولا في حيز، فكما يرى المتحيز متحيزا، فكذلك يرى اللامتحيز لا متحيزا. فكل رؤية فهي مناسبة لما تكشف عنه. وأما حقيقتها فقد قالوا: إننا يكفينا أن نعرف ثبوتها، وأما حقيقتها فإننا نترك ذلك إلى عالمه عز وجل، ولما لم نكن نملك الآلات التي تؤهلنا للخوض في مثل هذه المباحث، فإننا نفوض العلم بحقيقة ذلك كله إلى الله تعالى، ونسلم له فيما أخبرنا.\r( أي إن الذي يدعي أن الرؤية لله تعالى تكون عن طريق حصول صورته فينا بهيئة وكيفية معينة، فإن هذه الرؤية ليست الرؤية التي يصح إثباتها لله تعالى، وهذا هو قول المشبهة، فإنهم يتوهمون أن رؤية الله تعالى إنما تكون بتوهم صورة وحصول هيئة في نفس الإنسان. وكيف يكون الأمر كذلك، والله تعالى منزه عن الكيف والصورة ؟!\r( وكما كان مذهب المشبهة باطلا، فإن مذهب من يحاول أن يعين حقيقة الرؤية باطل أيضا، لأن ذلك مما حجب عن عقل الإنسان، فلا توجد آلات ولا مقدمات العلم بذلك عندنا. وما كان كذلك فالأصل أن نتوقف فيه ولا نبادره بأفهامنا لأن ذلك يكون مرده إلى الخطأ والضلال.\r( هذه الفقرة تمثل منهجا يتفرد به أهل السنة والجماعة في التفويض لله والاعتراف أنه ليس كمثله شيء.\r( قال في القاموس: التعالي الارتفاع.اهـ. فقول الإمام الطحاوي تعالى الله أي ارتفع عن أن يكون له حد وركن وعضو وجهة، فهذا علو في الرتبة والمعنى، فحقيقة الله تعالى أجل من أن يكون لها ما ذكر. لأن هذه الأمور كلها صفات نقص وتستلزم الحاجة. والله تعالى ليس بحاجة لأحد غيره، بل كل ما سواه فهم بحاجة له.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"( الحدود جمع حدٍّ، وحد الشيء هو طرفه ونهايته. قال في القاموس: الحَدُّ: الحاجِزُ بينَ شَيْئَيْنِ، ومُنْتَهى الشيءِ، وـ من كُلِّ شيءٍ: حِدَّتُهُ، وـ مِنْكَ: بأسُكَ، وـ من الشَّرابِ: سَوْرَتُهُ، والدَّفْعُ، والمَنْعُ، كالحَدَدِ، وتأديبُ المُذْنِبِ بما يَمْنَعُهُ وغيرَهُ عن الذَّنْبِ، وما يَعْتَرِي الإنْسانَ من الغضبِ والنَّزَقِ، كالحِدَّةِ، وقد حَدَدْتُ عليه أحِدُّ، وتمييزُ الشيءِ عنِ الشيءِ، ودارِي حَديدَةُ دارِهِ، ومُحادَّتُها: حَدُّها كحَدِّها.اهـ\rوقال الفيومي في المصباح المنير: وحددت الدار حدّا من باب قتل :ميزتها عن مجاوراتها بذكر نهاياتها، وحددته حدّا جلدته والحد في اللغة الفصل والمنع.اهـ\rوأما قوله الغايات فهو جمع غاية، وغاية الشيء هي منتهاه قال في القاموس: والغاية المَدَى.اهـ\rوقال الفيومي في المصباح المنير: والغاية المدى، والجمع غايٌ وغايات، والغاية الراية والجمع غايات، وغيَّيْتُ غاية بيَّنتُها وغايتك أن تفعل كذا أي نهاية طاقتك أو فعلك.اهـ\rوالحاصل كما رأيتَ مما هو مذكور في كتب اللغة أن حدَّ الشيء هو طرفة وغايته ونهايته التي تميزه عن غيره. وهذا كما هو معلوم لا يستلزم أن كل ما هو متميز عن غيره فيجب أن يكون له طرف ونهاية وغاية، وحدٌّ، بل كل ما هو محدود فهو متميز عن غيره، ولا يقال أن كل ما هو متميز عن غيره فهو محدود. فافهم هذا فإن المجسمة عندما لم يتنبهوا له وقعوا في التشبيه.\rوكذلك الغاية هي النهاية وقد أتى الإمام الطحاوي بهذه الكلمة تفسيرا وتوضيحا لكلمة الحد، وقد رأينا أن معناهما قريب ويؤولان إلى بعضهما البعض.\rولهذا فقد نبه إليه الإمام الطحاوي فنفى الحدود عن الله تعالى، ولكنه لم ينف التمايز، فإن تميز الله تعالى عن خلقه لا يكون بالحد ولا بالنهاية، ولا بالغاية.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"ذلك كان المعنى المفهوم باللغة من الحد والغاية. والله تعالى منزه عن ذلك كله، لما يترتب عليه من احتياج. ولعدم وروده في الشريعة، بل لورود ما ينفيه وينافيه فيها، ولورود أقوال كثير من السلف في نفي الحد والغاية عنه جل شأنه. والذين أثبتوا له تعالى الحد والغاية هم المجسمة والمشبهة. وأما أهل السنة فقد نفوا عنه ذلك نفيا قاطعا.\rلقد مرَّ سابقا أن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، ومعلوم أن كل موجود سوى الله تعالى فهو محدود، فالسماء والأرض محدودة ولها نهايات ومقادير. فإذا كان الله تعالى له حدٌّ فإنه يكون مثل المخلوقات وكيف يكون ذلك صحيحا وهو ليس كمثله شيء.\rوأيضا فإن الحدَّ صفة نقص، فإنه من المعلوم أن غير المحدود أقوى من المحدود، وتفصيل ذلك أن الحدَّ إما أن يكون من قبيل المكان أو الزمان. ومعنى الحد المكاني هو إحاطة المكان بالذات، ومعلوم أن الذات إذا كانت محاطة بالحد المكاني فإن قدرتها تكون محدودة بالحد المكاني الثابت لها، فالحد المكاني صفة نقص إذن.\rوأما الزمان فإن الذات إذا كانت محدودة بالزمان، فإنها تنعدم خارج هذا الحد الزماني. فالحد الزماني مقيد لها ومحدد لوجودها، وواضح أن هذا نقص.\rفالزمان والمكان إذن صفات نقص، والله تعالى لا يمكن أن يتصف بصفات نقص. إذن فهو جل شأنه لا يمكن أن يتصف بالحدود.\rومعلوم أن الحد الذي قصده الإمام الطحاوي هو من قبيل الحد المكاني، وقد تبين لك أن المكان أصلا نقص للذات المتمكنة. فهو بنفيه للحد المكاني يكون قد قصد نفي أصل المكان عن الله تعالى.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وتأمل قوله \"وتعالى الله عن الحدود\" فهو ينفي مطلق الحدود عن الله تعالى، ولا ينفي حدا معينا، بل كل ما كان من قبيل الحدود فإنه منفي عنه جل شأنه. وهذا يعم الحد المكاني والزماني. ويعم الحد المعنوي أيضا، بمعنى أن قدرته تعالى ليست محدودة، بل هي متعلقة بجميع الممكنات، وعلمه تعالى متعلق بجميع الواجبات والمستحيلات والممكنات. وكذلك فيما يتعلق بباقي الصفات العلية.\rوقد يقال إن كلامه يشمل أيضا الحد بمعنى أن يذكر لله تعالى حدٌّ بمعنى التعريف، وهو ممتنع على الله تعالى، لأن الحد المنطقي يستلزم ثبوت الجنس أو النوع وعلى كل حال يستلزم الاشتراك بينه تعالى وبين غيره، وهذا ممنوع. فلا يعلم حقيقة ذاته أحد غيره، ولا يوجد حد يمكن للبشر أن يقولوه فيعرفون به حقيقته تعالى.\rكل هذه المعاني يمكن أن تفهم من كلامه رضي الله تعالى عنه. وقد يكون في الأخير فقط تكلف. فتأمل.\rوقد يقول قائل: فما دام الأمر واضحا إلى هذا القدر، أي ما دام نفي الحدود عنه تعالى واضحا، فمن الذي خالف فيه وأثبت الحد لله تعالى.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"قلنا: ذكر الإمام البغدادي في كتاب التبصرة البغدادية المسمى بأصول الدين الفرق التي أثبتت الحد لله تعالى فقال في ص:\"المسألة الخامسة من الأصل الثالث في نفي الحد والنهاية عن الصانع، وهذه المسألة مع فرق،منها الهشامية من غلاة الروافض الذين زعموا أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه، ومنهم من قال إنَّ الجبل أعظم منه كما حكي عن هشام بن الحكم، والخلاف الثاني مع الكراميَّة الذين زعموا أن له حدا واحدا من جهة السفل، ومنها يلاقي العرش، والخلاف الثالث مع من زعم من مشبهة الرافضة أنه على مقدار مساحة العرش لا يفضل من أحدهما عن الآخر شيء.اهـ فهذه الفرق هي التي قالت إن الله تعالى محدود، واعلم أن القاضي أبا يعلى الحنبلي قال بأن الله تعالى محدود من جهة العرش، فهو محدود عنده بحد واحد فقط، وأن ابن تيمية لم يرتض ذلك، بل قال إن الله تعالى محدود من سائر الجهات الست، وادعى هذا كعادته أن هذا هو قول أهل السنة. وقد قال ابن تيمية بأن الله تعالى له قدر معين ويريد بالقدر معنى الحجم، فله حيز بمعنى الحجم المعين وقد صرح بهذا في أكثر من موضع في كتبه.\rوقد رأينا أن الإمام الطحاوي قد نفى الحدود مطلقا عن الله تعالى، فشمل ذلك الحد الواحد والحدود وإن تعددت، كما مضى بيانه.\rوممن نفى الحد برواية مشهورة عنه الإمام الحافظ أبن حبان، فقام عليه مجسمة بلدته، وأخرجوه منها. وممن روى ذلك موافقا لهؤلاء المجسمة أبو ذر الهروي صاحب كتاب ذم الكلام، فقد قال في كتابه ص:\"وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان البستي قلت له، أرأيته، قال: كيف لم أره، ونحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كبير ولم يكن له كثير دين، قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان. \"","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"وروى أبو ذر الهروي أيضا قال: \"سمعت عبد الصمد بن صالح يقول، سمعت أبي يقول: أنكروا على ابن حبان قوله النبوة العلم والعمل، فحكموا عليه بالزندقة، وهُجِرَ فكتب فيه إلى الخليفة، فكتب بقتله. وسمعت غيره يقول: لذلك خرج إلى سمرقند\".اهـ\rهذه هي منزلة ابن حبان عند هذا المجسم الكبير، وابن حبان إمام كبير لا يخفض من منزلته أن يروي عنه مجسم كالهروي أخبارا كهذه، وليت شعري، فإذا كان ابن حبان باعتراف هؤلاء ينفي الحد، وهم كانوا يثبتونه، فمن الأولى بالتشنيع والهجر، آلذي ينزه ربه أم الذي يشبهه بخلقه؟!\rوقد أشار الإمام العلامة تاج الدين ابن السبكي إلى هذه الحادثة في كتابه المفيد طبقات الشافعية الكبرى(/ فقال:\"ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم ابن حِبَّان:لم يكن له كبير دين، نحن أخرجناه من سجستان، لأنه أنكر الحد لله. فياليت شعري من أحق بالإخراج؟ من يجعل ربَّه محدودا أو من ينزهه عن الجسمية.؟\"\rوممن أثبت الحدَّ أبو سعيد الدارمي المجسم المشهور، فقد قال في كتابه في الرد على بشر المريسي ص:\"وادعى المعارض أيضا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية\"، ثم قال:\"قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله. ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سمواته، فهذان حدان اثنان\". ثم قال في صفحة :\"فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد ردَّ القرآن\".اهـ\rفتأمل في قول هذا الجاهل كيف يغالي في إثبات الحد هتى يجعله ثابتا في القرآن، ويكفر من ينفيه؟! وقارن بينه وبين قول الإمام أبي جعفر الطحاوي بنفي الحدود والنهايات والغايات.\r( قال في القاموس: والرُّكْنُ. بالضم: الجانِبُ الاقْوَى.اهـ\rوقال الفيومي في المصباح المنير: وركن الشيء جانبه، والجمع أركان مثل قفل وأقفال، فأركان الشيء أجزاء ماهيته، والشروط ما توقف صحة الأركان عليها. اهـ","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وأما معنى العضو فقد قال في القاموس: العُضْو، و بالضم والكسر: كلُّ لَحْمٍ وافِرٍ بِعَظْمِهِ. والتَّعْضِيَةُ: التَّجْزِئَةُ، والتَّفْرِيقُ، كالعَضْوِ.اهـ\rوقال الفيومي في المصباح المنير: والعضة القطعة من الشيء، والجزء منه، ولامها واو محذوفة والأصل عضوة، والجمع عضون على غير قياس، مثل سنين، والعضو كل عظم وافر من الجسد، قاله في مختصر العين. وضم العين أشهر من كسرها، والجمع أعضاء. وعضَّيت الذبيحة بالتشديد: جعلتها أعضاء.اهـ\rوقال الفيروزآبادي في باب الإداوة: والأَداةُ: الآلةُ ج: أَدَواتٌ.اهـ وكذا قال الفيومي في مصباحه.\rفهذا ما يتعلق بالمعاني لالغوية لهذه الألفاظ الثلاثثة، وأنت ترى أن جميعها يدور على معنى واحد هو الجزء للذات والتبعيض عليها. والإمام الطحاوي قد نفى جميع هذه الألفاظ من حيث ما تدل عليه من المعاني المذكورة، إذن تعرف من هذا أن أهل السنة ينفون أن يكون الله تعالى مركبا من أعضاء وأجزاء، وآلات، كما يتوهم المجسمة.\rوالمجسمة علامتهم أنهم يثبتون اليد مثلا لله تعالى، ولا ينفون كونها جارحة أو عضوا، ويتعللون بأن نفي الأعضاء والأدوات لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، يتسترون بذلك القول على فضائحهم في اعتقاد التجسيم. ونحن نرى ههنا أن الإمام الطحاوي قد نفى مطلقا الأعضاء والأركان والأدوات، ولم يتوقف في ذلك، ولم يقل إن لله تعالى يدا هي عضو له أو هي ركن له أو جزء منه، ولم يقل مطلقا أن لله تعالى أركانا تليق بذاته، كما يقول هؤلاء الحشوية المجسمة.\r( الجهات جمع جهة. قال ابن فارس في معجم المقاييس :الواو والجيم والهاء أصل واحد يدل على مقابلة لشيء، والوجه مستقبل كل شيء، يقال وجه الرجل وغيره، وربما عبر عن الذات بالوجه..وواجهت فلانا جعلت وجهي تلقاء وجهه….والوِجهة كل موضع استقبلته.اهـ","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وقال الفيروزآبادي في القاموس: والوُِجْهُ، بالضم والكسر: الجانِبُ، والناحِيَةُ.اهـ وقال: والجِهَةُ، بالكسر والضم: الناحِيةُ، كالوَجْهِ والوِجْهَةِ، بالكسر، ج: جِهاتٌ.اهـ\rوقال الفيومي في المصباح: والوجه مستقبل كل شيء، وربما عبر بالوجه عن الذات، ويقال واجهته إذا استقبلت وجهه بوجهك، ووجَّهت الشيء جعلته على جهة واحدة ووجَّهته إلى القبلة فتوجه إليها، والوِجهة بكسر الواو قيل مثل الوجه وقيل كل مكان استقبلته، وتحذف الواو فيقال جهة، مثل عِدَة، وهو أحسن القوم وجها.اهـ\r( الستُّ، صفة للجهات، وذلك لأن الجهات والنواحي التي يتوجه إليها الإنسان في حركته هي ست، تابعة لحركته، وهذه الجهات هي الأمام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال. فالحاصل من كلام الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أن الله لا يقال إنه في أي جهة من الجهات الست.\r( يعني أن كل شيء من المبتدعات أي المخلوقات فهو في جهة وله جهة، وأما الله تعالى فلما كان ليس كمثله شيء، فهو جل شأنه موجود بلا جهة ولا ناحية.\rوهذا الكلام يفهم منه أن الله تعالى لا يجوز أن يكون في جهة ولا في جهات، فالإمام الطحاوي يرد على كل من القائلين بوحدة الوجود والقائلين بالتجسيم وكون الله تعالى على العرش قاعدا. فإن الله تعالى لو كان في جهة فإنه يكون على العرش مستقرا جالسا قاعدا كما شاء وبالكيفية التي أراد، على حد قول المجسمة، وبهذا فهو يكون في جهة من الجهات، وهو بهذا يكون قد شابه بعض مخلوقاته. وأما لو كان في جميع الجهات، فإنه يكون حالَّا في العالم ويؤدي إلى القول بوحدة الوجود، وهو قول باطل. والإمام الطحاوي كما ترى قد ردَّ بكلامه السابق على كلا هاتين الطائفتين، وذلك لأنه قد نفى الكون في الجهات الست، وهذا شامل للكون في جهة من الجهات الست، وللكون في سائر الجهات الست.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"ونحن إذ وصلنا إلى هذا الحد نحب أن نذكرك بقول الإمام الطحاوي المار آنفا:\" ومن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر\"، فهذه العبارة كانت عامة أو مطلقة، وإنه الآن قد وضح ما هي المعاني الثابتة للبشر والتي لا يجوز لأحد أن يثبتها لله تعالى، والتي من أثبتها لله تعالى فإنه كافر كما نص عليه الإمام الطحاوي. وهذه المعاني هي الجهة والحد أو الحدود، والأعضاء. وتنبه إلى قوله أن من أثبت لله تعالى هذه المعاني، فإنه كافر، فقد رتب الحكم بالتكفير على مجرد إثبات هذه المعاني، ولم يرتب الحكم على إطلاق هذا الاسم، ويفهم من ذلك أن من أطلق الاسم وأراد هذه المعاني فهو كافر. ومن أطلقه ولم يرد هذه المعاني فلا يجزم بكفره، وأما من لم يطلقه ولكنه أراد هذه المعاني فإنه كافر بالله تعالى العظيم. هذا هو المفهوم من كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى.\rفالحالة الوحيدة التي تحتمل التفصيل عنده، هي من أطلق اللفظ ولم يكن هناك دليل على إرادته لهذه المعاني، فهذا ما الحكم فيه، هل يكفر أو لا. الظاهر والله تعالى أعلم أنه إذا كان المتبادر من اللفظ هذه المعاني ولم توجد قرينة من المتكلم لتصرف اللفظ عن هذا الظاهر، فإنه كافر، وأما إذا لم يكن كذلك، فإنه لا يكفر، بل يبتدع ويفسق، لأنه أطلق على الله تعالى لفظا موهما للنقص وغير وارد في الشريعة المطهرة ولم يدل على إرادته نفي هذا النقص عن الله تعالى.\r( قال صاحب الجوهري في الصحاح:عَرَجَ في الدرجة والسلم يعرُجُ عُروجا، إذا ارتقى. وقال: والمعراج السلم ومنه ليلة المعراج والجمع معارج ومعاريج، والمعارج المصاعد.اهـ\r( قال الفيومي في المصباح: سريت الليل وسريت به سَريا والاسم السِّراية إذا قطعته بالسير وأسريت بالألف لغة حجازية، ويستعملان متعديين بالباء إلى مفعول فيقال سريت بزيد وأسريت به.اهـ","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"وقال الجوهري في الصحاح: وسَرَيت سُرىً ومَسْرىً وأسْرَيْتُ بمعنىً، إذا سرت ليلا، وبالألف لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بهما جميعا. ثم قال: وإنما قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاوإن كان السُّرى لا يكون إلا بالليل، للتأكيد، كقولهم سِرْتُ أمسِ نهارا، والبارحة ليلا. اهـ\r( قال الفيومي في المصباح: والشخص سواد الإنسان تراه من بعد،ثم استعمل في ذاته، قال الخطابي ولا يسمى شخصا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع.اهـ\r( قال الفيومي في المصباح:سما يسمو سموا علا ومنه يقال سمت همته إلى المعالي إذا طلب العز والشرف. والسماء المظلة للأرض، وقال السماء السقف وكل عال مظل سماء حتى يقال لظهر الفرس سماء.اهـ\rوقال الجوهري:والسمو الارتفاع والعلو، تقول سموت وسميت مثل علوت وعليتُ، وسلوت وسليتُ-عن ثعلب. وفلان لا يسامى، وقد علا من ساماه.اهـ\r( والإسراء كما مضى تفسيره، هو المسير في الليل، وقد أسرى الله تعالى بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به وصعد به من هناك إلى السموات العلا وإلى حيث شاء. هذا الأمر لا ينبغي أن ينكره واحد ممن ينتسب إلى الدين الإسلامي بحجة أو بدون حجة، فلا يجوز القول بأن هذا الانتقال يستحيل في ليلة واحدة! بل إن هذا مما يجوز عقلا ولا يستحيل إلا في العادة البشرية، ففي ذلك الزمان كان قطع المسافة من مكة إلى بيت المقدس في ليلة مستحيلا عادة، وأما في أيامنا هذه فإننا نقطع أكثر منها في ساعة، فلا وجه لاستحالة ذلك من هذا الجانب إذن.\rوقد ثبت الإسراء في القرآن الكريم، قال - عز وجل - الله { بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } (","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وقال العلامة أكمل الدين البابرتي في شرحه على الطحاوية ص0: \"قال بعضهم المعراج ثابت بالكتاب أيضا وهو قوله تعالى { ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى } (النجم  والصحيح أن هذا القرب كان مع جبريل، ويدل عليه قوله تعالى { وهو بالأفق الأعلى } (النجم ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل أن يريه نفسه على صورته التي خلقه الله عليها، فواعده ذذلك بغار حراء فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، ثم دنا فتدلى. هذا من باب القلب أي ثم تدنى جبريل فدنا من محمد عليه السلام، وكان منه قاب قوسين أي قدر مسافة قوسين أو أدنى، والمعنى أنه بعدما رآه النبي عليه السلام على صورته هاله من عظمته فرده الله إلى صورة آدمي حتى قرب منه للوحي وذلك قوله { فأوحى إلى عبده ما أوحى } (النجم 0 أي عبد الله وهو محمد عليه السلام ما أوحى الله عز وجل بلسان جبريل.\"اهـ ، وقال البيهقي في الأسماء والصفات ص:\"قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في تقدير قوله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } على ما تأوله ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما من رؤيته - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام في صورته التي خلق عليها، والدنو منه عند المقام الذي رفع إليه وأقيم فيه قوله { دنا فتدلى } المعنى به جبريل عليه السلام تدلى من مقامه الذي جعل له في الأفق الأعلى فاستوى أي وقف وقفة ثم دنا فتدلى أي نزل حتى كان بينه وبين المصعد الذي رفع إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - قاب قوسين أو أدنى، فيما يراه الرائي ويقدره المقدر.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وروى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب الأسماء والصفات ص في باب ما جاء في قول - عز وجل - الله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } عن عبدالله رضي الله عنه في هذه الآية { فكان قاب قوسين أو أدنى } ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - \"رأيت جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح\" رواه البخاري في الصحيح عن أبي النعمان عن عبد الواحد بن زياد. وروى بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأيى جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح\".وذكر أنه رواه الإمام مسلم أيضا في صحيحه عن أبي الربيع.\rقال الإمام العلامة التفتازاني في شرح العقائد النسفية ص:\"فالإسراء من المسجد الحرام إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب، والمعراج من الأرض إلى السماء مشهور ومن السماء إلى الجنة أو العرش أو غير ذلك آحاد. ثم الصحيح أنه عليه السلام إنما رأى ربه بفؤاده لا بعينه.\"اهـ. وخالفه الملا أحمد الجندي في حاشيته وقال:\" قد سبق أن مذهب الشيخ الأشعري أنه رآه بعينه وهو الصحيح لجزم ابن عباس وغيره به، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولأنه ممكن دلت عليه الظواهر.\"اهـ قلت: والأصح ما قاله السعد، لحصول الاختلاف بين الصحابة في ذلك، ولو حصلت الرؤية بالعين لاشتهرت بينهم حتى لم يحدث خلاف، كعدمه في الرؤية بالعين.والله أعلم.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وخبر الإسراء مشهور في كتب الحديث، وسوف نكتفي بإيراد قسم من رواياته، فمنها ما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.\rوله في رواية عن سليمان عن شريك بن عبد الله أنه قال سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو فقال أوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشي به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا فقال جبريل قالوا ومن معك قال معي محمد قال وقد بعث قال نعم قالوا فمرحبا به وأهلا فيستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك فسلم عليه فسلم عليه ورد عليه آدم وقال مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدَان (أي يجريان- من النهاية في غريب الحديث لابن الأثير فقال ما هذان النهران يا جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أَذْفَر (أي طيب الريح قال ما هذا يا","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"جبريل قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قالوا وقد بعث إليه قال نعم قالوا مرحبا به وأهلا ثم عرج به إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى رب لم أظن أن ترفع علي أحدا ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا فقال الجبار يا محمد قال","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"لبيك وسعديك قال إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب قال فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال كيف فعلت فقال خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها قال موسى قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه قال فاهبط باسم الله قال واستيقظ وهو في مسجد الحرام.\rولنا ملاحظات ومناقشات تدور حول أحاديث الإسراء، نوجز بعضها فيما يلي:\rأولا: اعترض البعض على قولهم \"وقد أرسل إليه\" بأنه يدل على أنهم لم يكونوا يعلمون بأنه صار نبيا، وهذا لا يجوز في حق الملائكة، يريد أن يقول أن الحديث يضعف بذلك!؟\rوالجواب: قال ابن حجر في الفتح(/0:\"قوله (فاستفتح، تقدم القول فيه في أول الصلاة وأن قولهم \"أرسل إليه\" أي للعروج، وليس المراد أصل البعث لأن ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى. وقيل سألوه تعجبا من نعمة الله عليه بذلك أو استبشارا به، وقد علموا أن بشرا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. وقيل الحكمة في سؤال الملائكة\"وقد بعث إليه\" أن الله أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا أوَبُعِثَ إليه فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون ومن محمد، مثلا.\"اهـ\rثانيا: قول سيدنا موسى عليه السلام:\" غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي\" ، كيف يصدر مثل هذا القول من نبي وهو يدل على الحسد. وكيف يطلق على سيدنا محمد عليه السلام اسم الغلام وهو أفضل الخلق أجمعين؟!","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"الجواب: قال ابن حجر في الفتح(/:\"وفي رواية شريك عن أنس لم أظنَّ أحدا يُرْفَعُ عليَّ، وفي حديث أبي سعيد \"قال موسى:يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله وهذا أكرم على الله مني\" زاد الأموي في روايته\"ولو كان هذا وحده هان عليَّ، ولكن معه أمته وهم أفضل الأمم عند الله\" وفي رواية أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أنه \"مرَّ بموسى عليه السلام وهو يرفع صوته فيقول:أكرمته وفضلته، فقال جبريل:هذا موسى. قلت: ومن يعاتب. قال يعاتب ربه فيك. قلت: ويرفع صوته على ربه. قال:إن الله قد عرف له حدته\". وفي حديث ابن مسعود عند الحارث وأبي يعلى والبزار\"وسمعت صوتا وتذمرا، فسألت جبريل فقال هذا موسى، قلت على من تذمره. قال: على ربه. قلت على ربه؟! قال إنه يعرف ذلك منه\".\rقال العلماء لم يكن بكاء موسى حسدا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك لعالم منزوع عن آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل مناتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.\rوأما قوله \"غلام\" فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم بعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه. ونقل عن العارف بالله تعالى ابن أبي جمرة قوله: وأما قوله \"هذا الغلام\" فأشار إلى صغر سنه بالنسبة إليه.\rثالثا: قيل: تخصيص موسى عليه السلام بالاستدراك ومراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على أن هذا الحديث من الإسرائيليات.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"الجواب: هذا باطل، فإن الحكمة في ذلك كما نقله ابن حجر عن القرطبي (/ لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم فأشفق موسى على أمة محمد من مثل ذلك. ويشير إلى ذلك قوله \"إني قد جربت الناس قبلك\"انتهى. وقال غيره لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة مضاهيا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم عليه من غير زواله عنه. وناسب أن يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به. \"اهـ\rوأما بكاؤه فلما أن الله تعالى جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر ما جعل في قلوب غيرهم.\rرابعا: قال بعضهم إننا لا نفهم معنى للأنهار الأربعة ووصف اثنين منها بالباطنين واثنين بالظاهرين. فذلك يدل على أن الحديث ليس بصحيح أو فيه شك.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"الجواب: وأما الأنهار الأربعة فلو افترضنا أننا لا نعرف معناهما فلا يستلزم ذلك بطلان الحديث. ولعل المعنى أنهما باطنان أي يمران من تحت سطح الأرض، والظاهران خلافهما. أو يكون الباطنان دلالة على أن الجنة فيها أفضل مما في الحياة الدنيا لعزة الباطن، وكشف الظاهر. وقد يجاب أيضا بأن هذين النهرين أي الفرات والنيل من أنهار الجنة، وحكمهما ليس نفس حكم أنهار الدنيا، فإن الفرات والنيل وإن كانا ينبعان من منطقة معينة من الأرض في الدنيا، فإن الواردين في الحديث ليسا هما عين ما نجدهما في الدنيا، بل سميا بأسمائهما. فإن قيل فكيف يطلق على نهر من أنهار الآخرة اسما لنهر في الدنيا؟ والجواب: إن ذلك غير مستنكر فإن الفاكهة في الآخرة لها أسماء هي عين الأسماء التي في الدنيا كالعنب والتين وحتى الحنظل وإن كان مرا في الدنيا، فالتشابه إنما هو في الأسماء فقط. وقد ورد في حديث البخاري عن أبي هريرة :\" فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة قال محمد بن فليح عن أبيه وفوقه عرش الرحمن\".فهذا دليل على أن منبع الأنهار في الآخرة هو العرش.\rخامسا: اعترض على ما ورد في بعض الروايات من ألفاظ التدلي والدنو والمكان.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"والجواب: قال الإمام البيهقي في الأسماء والصفات ص0 بعدما أورد حديث الإسراء والمعراج:\"رواه البخاري في الصحيح عن عبد العزيز بن عبد الله عن سليمان بن بلال، ورواه مسلم عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، ولم يسق متنه وأحال به على رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه، وليس في رواية ثابت عن أنس لفظ الدنو والتدلي ولا لفظ المكان. وروى حديث المعراج ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك. وقد ذكر شريك بن عبد الله بن أبي نمر في روايته هذه ما يستدل على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي له من نسيانه ما حفظه غيره، ومن مخالفته في مقامات الأنبياء الذين رآهم في السماء من هو أحفظ منه.\"اهـ\rوقد علم أن التدلي لا يجوز نسبته إلى الله تعالى، لأنه من صفات المخلوقين كجبريل عليه السلام كما مضى. وأما ما قد يرد نحو دار الله فهو بمعنى الدار التي دورها لأوليائه وهي الجنة. وكما يقال بيت الله وحرم الله.\rوأما ما ورد من المكان فقال الخطابي كما نقله عنه البيهقي في الأسماء والصفات :\"وفي الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك أيضا لم يذكرها غيره، وهي قوله وهو مكانه. والمكان لا يضاف إلى الله سبحانه، إنما هو مكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقامه الأول الذي أقيم فيه.\r- _ref( روى الإمام البخاري: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي.\rوروى أيضا عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فَرَطُكُمْ وأنا شهيد عليكم إني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا ولكن أخاف أن تنافسوا فيها.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"قال في الصحاح: والفَرَطُ بالتحريك الذي يتقدم الواردةَ فيهيء لهم الأرسان والدِّلاءَ ويَدُرُ لهم الحياضَ ويستقي لهم. وهو فَعَلٌ بمعنى فاعل، مثل تَبَعٍ بمعنى تابع.يقال رجل فَرَطٌ وقوم فَرَطٌ.\"أهـ\rوروى البيهقي في سننه الكبرى عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيكون أمراء فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد على حوضي ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ويرد على حوضي.\rقال الإمام السعد في شرح النسفية:\"والحوض حق لقوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر\"اهـ ، وعارضه المحشي العلامة الخيالي فقال: يشير إلى أن الكوثر هو الحوض والأصح أنه غيره فإنه نهر في الجنة والحوض في الموقف.اهـ وربما يؤيد ما قاله الخيالي حديث الرسول عليه السلام الذي أخرجه الترمذي عن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن لكل نبي حوضا، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر وارد، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة.\"اهـ وربما يكون الأقرب أن الحوض في الموقف وهو مصب النهر الذي في الجنة. والله أعلم.\rقال السيوطي في البدور السافرة في أمور الآخرة ص: \"قال الدارقطني قال علماؤنا كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله تعالى ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجود والظلم وطمس الحق وإذلال أهله والمعلنون للكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والبدع، ثم الطرد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وقد يقال: إن أهل الكبائر يردون ويشربون، وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"وهذا على ما اختاره من قال إن الحوض قبل الصراط والذي رجحه القاضي عياض إن الحوض بجانب الجنة ينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها ، فلو كان قبل الصراط لخالف النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر، قال : وأما ما أورد عليه من حديث أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يردوه، ويذهب بهم إلى النار فجوابه أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون فيدفعون في النار، قبل أن يخلصوا من بقية الصراط.اهـ.\r( أصل الشفاعة في اللغة كما قال الجوهري من الشفع وهو خلاف الوَتْرِ، وهو الزوج، وقال واستشفعته إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفعت إليه في فلان فشفَّعني فيه تشفيعا.اهـ. وأما الفيومي فقد زاد تدقيقا في معناها فقال في مصباحه:\"شفعت الشيء من باب نفع ضممته إلى الفرد. وشفعت في الأمر شفعا وشفعاعة طالبت بوسيلة أو ذمام، واسم الفاعل شفيع والجمع شفعاءمثل كريم وكرماء وشافع أيضا.\"اهـ\rومن هنا فإننا يمكن أن نرجع المعنى الشرعي للشفاعة إلى الأصل اللغوي، ولا يكون من باب النقل عن المعنى، بل هو استعمال في أصل المورد، فإن الشفاعة في العرف كما قال البيجوري ص:\"سؤال الخير من الغير للغير، وشفاعة المولى عبارة عن عفوه.\"اهـ . وأصل الشفاعة ثابتة في الشرع وقد نص الإمام التفتازاني في شرح العقائد النسفية ص أن أصل العفو والشفاعة ثابت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع. وقال الإمام السيوطي في البدور السافرة في أمور الآخرة ص:\"أخرج الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب فقال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يكذبون بالرجم وبالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون عذاب القبر، ويكذبون الشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا\"اهـ.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وهي على أقسام كما قال الشيخ أحمد الدردير في شرحه على خريدته ص0 على أنواع: الأول: شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في فصل القضاء لإراحة الخلق من طول الوقوف مشقته وهي مختصة به - صلى الله عليه وسلم - . الثاني شفاعته في إدخال قوم الجنة بغير حساب قال النووي وهي مختصة به. الثالث: الشفاعة فيمن يستحق دخول النار أن لا يدخلها، قال عياض وليست مختصة به، وتردد النووي أي لأنه لم يرد تصريح بذلك. الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من النار ويشاركه فيها الأنبياء والملائكة وصالحو المؤمنين. الخامس: الشفاعة في زيادة الدرجات. وجوز النووي اختصاصها به عليه الصلاة والسلام. السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن استحق الخلود في النار كما في حق أبي طالب، ففي الصحيح أنا أول شافع وأول مشفع وإنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في ضحضاح من نار. اهـ قلت:وحديث شفاعته في أبي طالب رواه الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"قلت ودليل النوع الأول من الشفاعة ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد القوم يوم القيامة هل تدرون بم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيقول بعض الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فيقول ربي غضب غضبا لم يغضب قبلة مثله ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا أما ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبلة مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي ائتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأسجد تحت العرش فيقال يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعطه قال محمد بن عبيد لا أحفظ سائره. قلت: وتكملة الحديث كما في رواية أخرى للبخاري عن أبي هريرة: \"فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى\".\rقال السيوطي في البدور السافرة ص:\"وأخرج الشيخان عن جابر بن عبدالله سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إن الله تبارك وتعالى يخرج قوما من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة.\"","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وقال أيضا في ص:\"وأخرج أحمد والطبراني بسند لا بأس به عن عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\"إن الله تبارك وتعالى قال يا محمد إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه، فسل يا محمد تعط. قلت مسألتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله وما الشفاعة. قال:أقول يا رب شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب تعالى: نعم، فيخرج ربي بقية أمتي من النار فيدخلهم الجنة.\"اهـ\r( هذا إشارة إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومنه ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل نبي سأل سؤلا أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة.\rوفي سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله من مات منهم لا يشرك بالله شيئا قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. ولفظه عند الحاكم في المستدرك عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال طلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فوجدته قائما يصلي فأطال الصلاة ثم قال أوتيت الليلة خمسا لم يؤتها نبي قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود قال مجاهد الإنس والجن ونصرت بالرعب فيرعب العدو وهو على مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي فهي نائلة من لم يشرك بالله شيئا هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظا من الحديث متفرقة.\rوهذا الحديث عند الكثير من الحفاظ كالبيهقي والطبراني وابن ماجه وغيرهم.","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"( أخبار الشفاعة كثيرة جدا، منها ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه حمزة بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث رواه البيهقي أيضا عن جابر.\rوروى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فقال صلى الله عليه وسلم إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rوروى البيهقي في سننه الكبرى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا كما يقول وصلوا على فإنه ليس أحد يصلى على صلاة إلا صلى الله عليه وسلم عشرا وسلوا الله لي الوسيلة فإن الوسيلة منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكونه ومن سألها لي حلت له شفاعتي يوم القيامة وأخبرنا أبو الحسن بن إسحاق البزار أنا أبو محمد ثنا أبو يحيى ثنا المقري ثنا حيوة أنا كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول أنه سمع عبد الله بن عمر ويقول أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن ثم حدثنا المقري نحو حديثه عن سعيد بن أبي أيوب وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن سلمة المرادي ثنا عبد الله بن وهب عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما عن كعب بن علقمة فذكره بإسناده ومعناه وقال وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي رواه مسلم عن محمد بن سلمة المرادي.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"وروى ابن حبان في صحيحه عن عوف بن مالك قال عرس بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافترش كل رجل منا ذراع راحلته قال فانتبهت في بعض الليل فإذا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس قدامها أحد فانطلقت أطلب رسول لله صلى الله عليه وسلم فإذا معاذ بن جبل وعبد الله بن قيس قائمان فقلت أين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا لا ندري غير أنا سمعنا صوتا بأعلى الوادي فإذا مثل هدير الرحى قال فلبثنا يسيرا ثم أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه أتاني من ربي آت فيخبرني بأن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة وإني اخترت الشفاعة فقالوا يا رسول الله ننشدك بالله والصحبة لما جعلتنا من أهل شفاعتك قال فأنتم من أهل شفاعتي قال فلما ركبوا قال فإني أشهد من حضر أن شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا من أمتي.\rوروى ابن حبان عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله ماذا رد إليك ربك في الشفاعة قال والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم والذي نفس محمد بيده لما يهمني من انقصافهم على أبواب الجنة أهم عندي من تمام شفاعتي لهم وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا وأن محمدا رسول الله يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه.\rوالأحاديث في الشفاعة كثيرة جدا. وسيأتي مزيد على ذلك في الكلام على الصراط بتوفيق الله تعالى.","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"( روى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه في قوله عز وجل {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم إلى} قوله تعالى {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} قال جمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم آباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم أو تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي فقالوا نشهد إنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك ورفع لهم أبوهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك فقال رب لو سويت بين عبادك فقال أني أحب أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة فذلك قوله عز وجل {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية وهو قوله تعالى{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}وذلك قوله {هذا نذير من النذر الأولى} وقوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} وهو قوله { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } كان في علمه بما أقروا به من يكذب به ومن يصدق به فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق في زمن آدم فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} إلى قوله {مقضيا} فحملته قال حملت الذي خاطبها وهو روح عيسى عليه السلام قال أبو جعفر فحدثني الربيع","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال دخل من فيها هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rورواه أحمد في مسنده عن أبي بن كعب في قول الله عز وجل{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم } الآية قال جمعهم فجعلهم أرواحا ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم عليه السلام أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئا انى سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي قالوا شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك فأقروا بذلك ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغنى والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب لولا سويت بين عبادك قال انى أحببت ان شكر ورأى الأنبياء فيهم مشعل السرج عليهم النور خصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو قوله تعالى { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } إلى قوله { عيسى بن مريم } كان في تلك الأرواح فأرسله إلى مريم فحدث عن أبي انه دخل من فيها.\rوروى الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خلق الله آدم ثم خلق الخلق من ظهره ثم قال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي قال فقيل يا رسول الله فعلى ماذا نعمل قال على موافقة القدر هذا حديث صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته عن آخرهم إلى الصحابة وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصحابة وقد احتجا جميعا بزهير بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس له راو غير أبي عثمان النهدي وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى وليس له راو غير حفص بن عاصم.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"وفي صحيح ابن حبان عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خلق الله آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قائل يا رسول الله فعلى ماذا نعمل قال على مواقع القدر. ورواه أيضا الإمام أحمد في مسنده.\rوروى الحاكم في مسنده أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل أهل النار فيدخل النار هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه قال أبو حاتم قوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة أراد به على الفطرة التي فطره الله عليها جل وعلا يوم أخرجهم من صلب آدم لقوله جل وعلا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله يقول لا تبديل لتلك الخلقة التي خلقهم لها إما لجنة وإما لنار حيث أخرجهم من صلب آدم فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ألا ترى أن غلام الخضر قال صلى الله عليه وسلم طبعه الله يوم طبعه كافرا وهو بين أبوين مؤمنين فأعلم الله ذلك عبده الخضر ولم يعلم ذلك كليمه موسى صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا.قلت: وهذا الحديث رواه أيضا الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، ونصه كما في موطأ الإمام مالك عن مسلم بن يسار الجهني ان عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار.\r( هذا إشارة إلى الحديث الذي رواه البخاري عن عمران قال قلت يا رسول الله فيما يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية { فمنهم شقي وسعيد } سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله فعلى ما نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر.\rوفي السنن الكبرى للبيهقي عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من النار قال نعم قال ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.\rوفي المعجم الكبير للطبراني طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال سمعت أبي قال سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول قلت يا رسول الله أنعمل على أمر قد فرغ منه أم على أمر مؤتنف قال بل على أمر قد فرغ منه قلت ففيم العمل يا رسول الله قال كل ميسر لما خلق له.\rولفظ الإمام مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال نعم قال قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"قال الإمام ابن حجر في (/:\" وفي كتاب الاعتصام قوله قال رجل هو عمران بن حصين راوي الخبر بينه عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرشك عن عمران بن حصين قال قلت يا رسول الله فذكره وسيأتي موصولا في اواخر كتاب التوحيد وسأل عن ذلك اخرون وسيأتي مزيد بسط فيه في شر حديث علي قريبا قوله أيعرف أهل الجنة من أهل النار في رواية حماد بن زيد عن يزيد عند مسلم بلفظ اعلم بضم العين والمراد بالسؤال معرفة الملائكة أو من اطلعه الله على ذلك واما معرفة العامل أو من شاهده فإنما يعرف بالعمل قوله فلم يعمل العاملون في رواية حماد ففيم وهو استفهام والمعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل الى العمل لأنه سيصير الى ما قدر له قوله قال كل يعمل لما خلق له أو لما ييسر له وفي رواي الكشميهني يسر بضم أوله وكسر المهملة الثقيلة وفي رواية حماد المشار إليها قال كل ميسر لما خلق له وقد جاء هذا الكلام الأخير عن جماعة من الصحابة بهذا اللفظ يزيدون على العشرة سأشير إليها في آخر الباب الذي بلى الذي يليه منها حديث أبي الدرداء عند أحمد بسند حسن بلفظ كل امرئ مهيأ لما خلق له وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به فإن علمه أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا وان كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك كما ثبت في حديث بن مسعود وغيره لكن لا اطلاع له على ذلك فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطاعة لا يترك وكولا إلى ما يؤول إليه أمره فيلام على ترك المأمور ويستحق العقوبة وقد ترجم بن حبان بحديث الباب ما يجب على المرء من التشمير في الطاعات وان جرى قبلها ما يكره الله من المحظورات ولمسلم من طريق أبي الأسود عن عمران انه قال له أرأيت ما يعمل الناس اليوم أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وفيه قصة لأبي الأسود الدؤلي مع عمران وفيه قوله له أيكون ذلك ظلما فقال لا كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل قال عياض أورد عمران على أبي الأسود شبهة القدرية من تحكمهم على الله ودخولهم بآرائهم في حكمه فلما أجابه بما دل على ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حد لأهل السنة وقوله كل شيء خلق الله وملكه يشير إلى أن المالك الأعلى الخالق الآمر لا يعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء وانما يعترض على المخلوق المأمور\".اهـ","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وقال أيضا في الفتح (/: \"قوله باب قول الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قيل المراد بالذكر الأذكار والاتعاظ وقيل الحفظ وهو مقتضى قول مجاهد قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له فذكره موصولا في الباب من حديث علي قوله وقال مجاهد يسرنا القرآن بلسانك هوناه عليك في رواية غير أبي ذر هونا قراءته عليك وهو بفتح الهاء والواو وتشديد النون من التهوين وقد وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيع عن مجاهد في قوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر قال هوناه قال بن بطال تيسير القرآن تسهيله على لسان القارىء حتى يسارع الى قراءته فربما سبق لسانه في القراءة فيجاوز الحرف الى ما بعده ويحذف الكلمة حرصا على ما بعدها انتهى وفي دخول هذا في المراد نظر كبير قوله وقال مطر الورق ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قال هل من طالب علم فيعان عليه وقع هذا التعليق عند أبي ذر عن الكشميهني وحده وثبت أيضا للجرجاني عن الفربري ووصله الفرياني عن ضمرة بن زمعة عن عبد الله بن شوذب عن مطر وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق ضمرة ثم ذكر حديث عمران بن حصين قلت يا رسول الله فيما يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له وهو مختصر من حديث سبق في كتاب القدر فيه عن عمران قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمد العاملون وقد تقدم شرحه هناك ويزيد شيخ عبد الوارث فيه هو المعروف بالرشك وتقدم هناك من رواية شعبة قال حدثنا يزيد الرشك فذكره وحديث علي رضي الله عنه وفيه وما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار أومن الجنة وتقدم شرحه هناك أيضا وفيه وفي حديث عمران الذي قبله كل ميسر قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في شرح حديث أبي سعيد المذكور في باب كلام الله مع أهل الجنة فيه نداء الله تعالى لأهل الجنة لقرينة جوابهم بلبيك وسعديك والمراجعة بقوله هل رضيتم وقولهم وما لنا لا","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"نرضى وقوله ألا أعطيكم أفضل وقولهم يا ربنا وأي شيء أفضل وقوله أحل عليكم رضواني فان ذلك كله يدل على انه سبحانه وتعالى هو الذي كلمهم وكلامه قديم أزلي ميسر بلغة العرب والنظر في كيفيته ممنوع ولا نقول بالحلول في المحدث وهي الحروف ولا انه دل عليه وليس بموجود بل الإيمان بأنه منزل حق ميسر باللغة العربية صدق وبالله التوفيق قال الكرماني حاصل الكلام انهم قالوا إذا كان الأمر مقدرا فلنترك المشقة في العمل الذي من أجلها سمي بالتكليف وحاصل الجواب ان كل من خلق لشيء يسر لعمله فلا مشقة مع التيسير وقال الخطابي أرادوا أن يتخذوا ما سبق حجة في ترك العمل فأخبره إن هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن وهو ما اقتضاه حكم الربوبية وظاهر وهو السمة اللازمة بحق العبودية وهو امارة للعاقبة فبين لهم أن العمل في العاجل يظهر أثره في الآجل وان الظاهر لا يترك للباطن قلت وكأن مناسبة هذا الباب لما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التيسير والله أعلم\".اهـ\r( رواه الإمام البخاري في صحيحه عن سهل أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فقال من أحب أن ينظر إلى الرجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فأتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعا فقال أشهد أنك رسول الله فقال وما ذاك قال قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار الأعمال بالخواتيم.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"وهو عن سهل بن سعد أيضا في المعجم الكبير للطبراني. ورواه الطبراني عنه أيضا بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم.\rوفي صحيح ابن حبان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالخواتيم.\r( روى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق والأجل فيكتب في بطن أمه. وله في رواية أخرى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله وكل في الرحم ملكا فيقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد أن يخلقها قال يا رب أذكر يا رب أنثى يا رب شقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه.\rوفي المعجم الصغير للطبراني عن عبد الله بن مسعود حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يأتي الملك فيكتب شقي أو سعيد ذكر أو أنثى لم يروه عن بن عون إلا عبيد الله بن سفيان. وزاد في رواية أخرى عنه ويكتب الملك ثم يقول أي رب شقي أو سعيد فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك ثم يقول أي رب أجله ورزقه وأثره فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك.\rوفي مسند الإمام أحمد ن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما أو أربعين ليلة بعث إليها ملكا فيقول يا رب ما رزقه فيقال له فيقول يا رب ما أجله فيقال له فيقول يا رب ذكر أو أنثى فيعلم فيقول يا رب شقي أم سعيد فيعلم. وفيه قريب من هذا اللفظ عن أنس أيضا.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"وفي سنن أبي داود عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.\r( روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني عن قيس بن عباد قال صلى بنا عمار رضي الله تعالى عنه صلاة كأنهم أنكروها فقالوا له في ذلك فقال ألم أتم الركوع والسجود قالوا بلى قال أما أني قد دعوت بدعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشيتك في الغيب والشهادة وأسألك الرضا بالقدر وأسألك نعيما لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع ولذة العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.\rوروى الترمذي في جامعه الصحيح عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر حدثنا محمود بن غيلان حدثنا النضر بن شميل عن شعبة نحوه إلا أنه قال ربعي عن رجل عن علي قال أبو عيسى حديث أبي داود عن شعبة عندي أصح من حديث النضر روى غير واحد عن منصور عن ربعي عن علي حدثنا الجارودي قال سمعت وكيعا يقول بلغنا أن ربعيا لم يكذب في الإسلام كذبة.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"وحدث الترمذي عن عبد الواحد بن سليم قال قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت له يا أبا محمد إن أهل البصرة يقولون في القدر قال يا بني أتقرأ القرآن قلت نعم قال فاقرأ الزخرف قال فقرأت { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }فقال أتدري ما أم الكتاب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق الأرض فيه إن فرعون من أهل النار وفيه { تبت يدا أبي لهب وتب}قال عطاء فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت قال دعاني أبي فقال لي يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره فإن مت على غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد قال أبو عيسى وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\rوروى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس فقال ألا أخبركم بخيركم من شركم قال فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات فقال رجل بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا قال خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"وروى الترمذي أيضا عن يحيى بن يعمر قال أول من تكلم في القدر معبد الجهني قال فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتى أتينا المدينة فقلنا لو لقينا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم قال فلقيناه يعني عبد الله بن عمر وهو خارج من المسجد قال فاكتنفته أنا وصاحبي قال فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن قوما يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم برئ وأنهم مني برءاء والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره قال ثم أنشأ يحدث فقال قال عمر بن الخطاب كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فألزق ركبته بركبته ثم قال يا محمد ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال فما الإسلام قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان قال فما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال في كل ذلك يقول له صدقت قال فتعجبنا منه يسأله ويصدقه قال فمتى الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فما أمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان قال عمر فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث فقال يا عمر هل تدري من السائل ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا بن المبارك أخبرنا كهمس بن الحسن بهذا الإسناد نحوه حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن معاذ عن كهمس بهذا الإسناد نحوه بمعناه وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة قال","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه نحو هذا عن عمر وقد روي هذا الحديث عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح هو بن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: روى هذا الحديث النسائي في الكبرى وفي المجتبى من السنن. والطبراني في المعجم الكبير.\rقلت: وهذا الحديث عند أبي داود أيضا، وابن ماجه\rوروى الحاكم في المستدرك عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقد قصر بروايته بعض أصحاب الثوري وهذا عندنا مما لا يعبأ.\rوروى الحاكم أيضا عن نافع قال كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه فكتب إليه عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بأبي صخر حميد بن زياد ولم يخرجاه.\rوروى الطبراني في المعجم الأوسط عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أخوف ما أخاف على أمتي الاستسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيب بالقدر لم يرو هذا الحديث عن فطر إلا محمد ولا يروى عن جابر بن سمرة إلا بهذا الإسناد.\rوله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ويعلم أن ما أصابه لن يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه لم يرو هذا الحديث عن منصور بن زيد إلا عبد الله بن جعفر.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وله في المعجم الكبير عن خباب بن الأرت قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعثا فقلت يا رسول الله إنك تبعثني بعيدا وأنا أشفق عليك قال وما بلغ من شفقتك علي قلت أصبح فلا أظنك تمسي وأمسي فلا أظنك تصبح قال يا خباب خمس إن فعلت بهن رأيتني وإن لم تفعل بهن لم ترني فقلت يا رسول الله وما هن قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وإن قطعت وحرقت وتؤمن بالقدر قلت يا رسول الله وما الإيمان بالقدر قال تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تشرب الخمر فإن خطيئتها تقرع الخطايا كما أن شجرتها تعلق الشجر وبر والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا وتعتصم بحبل الجماعة فإن يد الله على الجماعة يا خباب إنك إن رأيتني يوم القيامة لم تفارقني.","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"وله في المعجم الكبير عن عطاء بن أبي رباح عن عمرو بن شعيب قال كنت عند سعيد بن المسيب جالسا فذكروا أن أقواما يقولون قدر الله كل شيء ما خلا الأعمال قال فوالله ما رأيت سعيد بن المسيب غضب غضبا أشد منه حتى هم بالقيام ثم سكن فقال تكلموا به أما والله لقد سمعت فيهم حديثا كفاهم به شرا ويحهم أو يعلمون فقلت يرحمك الله يا أبا محمد وما هو قال فنظر إلي وقد سكن بعض غضبه فقال حدثني رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون قوم من أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى قال قلت جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذاك قال يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعضه قال قلت ثم ما يقولون قال يقولون الخير من الله والشر من إبليس فيقرون على ذلك كتاب الله ويكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة فما يلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة في زمانهم يكون ظلم السلطان فينالهم من ظلم وحيف وأثرة ثم يبعث الله عز وجل طاعونا فيفني عامتهم ثم يكون الخسف فما أقل ما ينجو منهم المؤمن يومئذ قليل فرحه شديد غمه ثم يكون المسخ فيمسخ الله عز وجل عامة أولئك قردة وخنازير ثم يخرج الدجال على أثر ذلك قريبا ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا لبكائه قلنا ما يبكيك قال رحمة لهم الأشقياء لأن فيهم المتعبد ومنهم المجتهد مع أنهم ليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعا إن عامة من هلك من بني إسرائيل بالتكذيب بالقدر قلت جعلت فداك يا رسول الله فقل لي كيف الإيمان بالقدر قال تؤمن بالله وحده وإنه لا يملك معه أحد ضرا ولا نفعا وتؤمن بالجنة والنار وتعلم أن الله عز وجل خالقهما قبل خلق الخلق ثم خلق خلقه فجعلهم من شاء منهم للجنة ومن شاء منهم للنار عدلا ذلك منه وكل يعمل لما فرغ له وهو صائر إلى ما فرغ منه قلت صدق الله ورسوله.","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"وله في المعجم الكبير عن أبي الأسود الدؤلي قال خاصمت القدرية فأحرجوني فأتيت عمران بن الحصين الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا أبا نجيد خاصمت القدرية فأحرجوني فهل من حديث تحدثني لعل الله ينفعني به قال لعلي لو حدثتك حديثا لبست عليه أذنيك كأنك لم تسمعه فقلت إنما جئت لذلك فقال لو أن الله عذب أهل السماء وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع لهم من ذنوبهم فإذا هو كما قال الله عز وجل يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء فمن عذب فهو الحق ومن رحم فهو الحق ولو كانت الجبال لأحدكم ذهبا أو ورقا فأنفقها في سبيل الله ثم لم يؤمن بالقدر خيره وشره لم ينتفع بذلك فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته فقال عبد الله لأبي بن كعب يا أبا المنذر حدثه فقال أبي يا أبا عبد الرحمن حدثه فحدث بن مسعود بمثل حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وفي سنن ابن ماجه عن بن الديلمي قال وقع في نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد علي ديني وأمري فأتيت أبي بن كعب فقلت أبا المنذر إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أبي وقال لي ولا عليك أن تأتي حذيفة فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قالا وقال ائت زيد بن ثابت فاسأله فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار.\rوالأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وما ذكرناه يكفي بتوفيق الله تعالى.\r( روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر. قلت: وهذا الحديث في سنن البيهقي الكبرى وقال عنه حديث صحيح. وفي المجتبى من السنن للنسائي وصححه.","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"وروى الترمذي في الجامع الصحيح عن عبد الواحد بن سليم قال قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت له يا أبا محمد إن أهل البصرة يقولون في القدر قال يا بني أتقرأ القرآن قلت نعم قال فاقرأ الزخرف قال فقرأت { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }فقال أتدري ما أم الكتاب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق الأرض فيه إن فرعون من أهل النار وفيه {تبت يدا أبي لهب وتب }قال عطاء فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت قال دعاني أبي فقال لي يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره فإن مت على غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد قال أبو عيسى وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي لفظ آخر : فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له يا أبا محمد إن أناسا عندنا يقولون في القدر فقال عطاء لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت قال حدثني أبي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد وفي الحديث قصة قال هذا حديث حسن.\rوروى الترمذي عن عبد الله بن الديلمي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله قال أبو عيسى هذا حديث حسن. وهذا الحديث عند الحاكم في المستدرك ولكن طويل وقال إن جميع رواته احتجوا بهم ولا يعلم له علة.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"قال السيوطي في الديباج على مسلم(/: جفت به الأقلام أي التي كتبته في اللوح المحفوظ أي تمت كتابته وامتنعت في الزيادة والنقصان قال العلماء وكتاب الله ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث كل ذلك مما يجب الإيمان به وأما كيفية ذلك وصفتها فعلمها إلى الله تعالى وجرت به المقادير قال أبو المظفر السمعاني سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولم يصل إلى ما يطمئن إليه القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار اختص الله تعالى به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وأوجب لنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه وقد طوى الله علم القدر عن العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب وقيل إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها.اهـ\rوروى الحاكم في مستدركه (/0 قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقربناه نجيا قال سمع صريف القلم حين كتب في اللوح هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rوفيه عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أول ما خلق الله القلم خلقه من هجا قبل الألف واللام فتصور قلما من نور فقليل له أجر في اللوح المحفوظ قال يا رب بماذا قال بما يكون إلى يوم القيامة فلما خلق الله الخلق وكل بالخلق حفظة يحفظون عليهم أعمالهم فلما قامت القيامة عرضت عليهم أعمالهم وقيل هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون عرض بالكتابين فكانا سواء قال بن عباس ألستم عربا هل تكون النسخة إلا من كتاب هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"وفيه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال إن أول شيء خلقه الله القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب فقال القدر فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء ففتقت منه السماوات ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال تفخر على الأرض هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rوفيه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت فقال يا غلام قلت لبيك يا رسول الله قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا واعلم أن مع الصبر النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن الشيخين رضي الله تعالى عنهما لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن بن عباس غير هذا.\rوفي المعجم الكبير للطبراني عن سراقة بن مالك قال قلت يا رسول الله أنعمل على ما قد جف به القلم وجرت به المقادير أو لأمر مستقبل قال يا سراقة اعمل لما جف به القلم وجرت به المقادير فإن كلا ميسر.\r( ورد ذكر العرش في القرآن في عدة مواضع، نوردها لك هنا","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"في سورة الأعراف(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين[]\rوفي التوبة(فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم[]\rوفي سورة يونس(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون[]\rوفي سورة الرعد(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون[]\rوفي سورة الإسراء(قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا[]\rوفي سورة طه(بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم طه [] ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى[] إلا تذكرة لمن يخشى[] تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى[] الرحمن على العرش استوى[] له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى[] وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى[]\rوفي سورة الأنبياء(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون[]\rوفي سورة المؤمنون(قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون[] سيقولون لله قل أفلا تذكرون[] قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم[] سيقولون لله قل أفلا تتقون[] قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون[] سيقولون لله قل فأنى تسحرون[]\rوفي سورة المؤمنون أيضا(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون[] فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم[]","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"وفي سورة الفرقان(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا[] الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا[]\rوفي سورة النمل(إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم[] وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون[] ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون[] الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم[]\rوفي سورة السجدة(الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون[]\rوفي سورة غافر(وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار[] الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم[]\rوفي سورة غافر(رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق[]\rوفي سورة الزخرف(قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين[] سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون[]\rوفي سورة الحديد(بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم[] له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير[] هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم[] هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير[] له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور[]\rوفي سورة التكوير(إنه لقول رسول كريم[] ذي قوة عند ذي العرش مكين[0]","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"وفي سورة البروج(إن بطش ربك لشديد[] إنه هو يبدئ ويعيد[] وهو الغفور الودود[] ذو العرش المجيد[] فعال لما يريد[]\r( والكرسي قد ورد ذكره في القرآن في مواضع\rقوله تعالى في سورة البقرة(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم[]\r( ورد إثبات أن إبراهيم عليه السلام خليل الله في القرآن، فقد قال الله تعالى في سورة النساء(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا []. وورد أن الله كلم موسى تكليما في النساء أيضا فقال جل من قائل(ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما[]، وفي سورة الأعراف(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين[].","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"ورد إثبات أن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو خليل الله تعالى في عدة أحاديث منها ما رواه الإمام البخاري عن أنس في حديث الشفاعة أن النبي عليه السلام قال فيه:\" ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم\"، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه عن معبد بن هلال العنزي قال انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره فقال له يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة قال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى عليه السلام فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأوتى فأقول أنا لها\".\rوفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له\".","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"( روى الإمام البخاري عن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله تعالى عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله تعالى عنه فعرفت أنه الحق.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"( روى إسحاق بن راهويه في مسنده عن عائشة قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبوح به أن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل أخبرنا العلاء بن عبد الجبار عن نافع بن عمر الجمحي وكان ثقة عن بن أبي مليكة قال يقولون إيمان فلان كإيمان فلان أترون إيمان فهدان مثل إيمان جبريل وكان رجلا متهما بالشراب أخبرنا محمد بن أعين قال قال بن المبارك وذكر له الإيمان فقال قوم يقولون إيماننا مثل جبريل وميكائيل إما فيه زيادة إما فيه نقصان هو مثله سواء وجبريل ريما صار مثل الوضع من خوف الله تعالى وذكر أشباه ذلك قال فقيل له إن قوما يقولون إن سفيان الثوري حين كان يقول إن شاء الله كان ذاك منه شك فقال بن المبارك أترى سفيان كان يسبقني في وحدانية الرب أو في محمد صلى الله عليه وسلم إنما كان استثناء في قبول إيمانه وما هو عند الله قال بن أعين قال بن المبارك والاستثناء ليس بشك ألا ترى إلى قول الله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وعلم أنهم داخلون قال لو أن رجلا قال هذا نهار إن شاء الله ما كان شكا قال وقال شيبان لابن المبارك يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر ونحو هذا أمؤمن هو قال بن المبارك لا أخرجه من الإيمان فقال على كبر السن صرت مرجئا فقال له بن المبارك يا أبا عبد الله إن المرجئة لا تقبلني أنا أقول الإيمان يزيد المرجئة لا تقول ذلك والمرجئة تقول حسناتنا متقبلة وأنا لا أعلم تقبلت مني حسنة وقال غير بن أعين قال له بن المبارك وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورجة فتجالس العلماء قال إسحاق وأخبرني عدة أحمد بن زهير وعدة ممن شهد بن المبارك بالري فقال له المستملي يا أبا عبد الرحمن أن ها هنا قوما يقولون الإيمان لا يزيد فسكت عبد الله حتى سأله ثلاثا فأجابه فقال لا تعجبني هذه الكلمة منكم أن ها هنا قوما ينبغي أن يكون أمركم جمعا قال وقال نا عبد الله بن شوذب عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن هزيل بن شرحبيل قال","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"قال عمر بن الخطاب لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم بلى أن الإيمان يزيد بلى أن الإيمان يزيد ثلاثا قال بن المبارك لم أجد بدرا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله قال إسحاق والمرجئة طائفة من الجهمية قال إسحاق وقد مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الجنة يرون ربهم وهو من أعظم نعم أهل الجنة وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة يقول يومئذ مشرقة إلى الله ناظرة إلى الجنة وإنما معنى قول من قال تنتظر الثواب ولا يرون ربهم يوم القيامة قبل دخول الجنة ألا ترى إلى مجاهد حين فسر الآية فسره على معنى ما وصفنا قال إلى ربها ناظرة قال ينظرون الثواب تفسير الآية يجيء على أوجه وهي نواظر يوم القيامة فتجيء الآية مصدقة لمعنى الآية الأخرى وهي في الظاهر عند من يجهل تأويلها فحالف للآخر كما جهل من سأل بن عباس عن قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وعن قوله فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وكان في الظاهر إحداهما مخالفة للأخرى فأجابه بن عباس بأنهما مؤتلفتان فسر قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون قال هذه النفخة الأولى إذا لم يبق على وجه الأرض لم يكن بينهم يومئذ نسب وقال إذا أدخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون فتبين أن معنى الايتين معنى واحد وكان في الظاهر خلافا حتى أن بن عباس قال للسائل ما أشبه عليك من نحو ذلك من القرآن فهو كما وصفنا فلذلك قلنا أن قول الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار في الدنيا وتصديق ذلك ما قالت عائشة من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب لأن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقد تحقق عند من عقل عن الله عز وجل أن عائشة فسرت هذه الآية على الدنيا وتفسرها المبتدعة على أنها في الدنيا والآخرة فأسقطوا معنى هذه الآية وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وبين ما وصفنا في قول الله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فأزال ذلك عن الكفار وثبتت الآية لأهل","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"الجنة ولقد قيل لابن المبارك أن فلانا فسر الآيتين لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة على أنها مخالفة للأخرى فلذلك أرى الوقف في الرؤية فقال بن المبارك جهل الشيخ معنى الآية التي قال الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ليست بمخالفة وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لأن هذه في الدنيا وتلك في الآخرة حتى إنه قال لا تفشوا هذا عن الشيخ تدعيه الجهمية ورآه منه غلطا ولو لم يكن فيما وصفنا إلا ما سأل موسى ربه الرؤية في الدنيا لما كان قد علم أن أهل الجنة يرون ربهم فيسأل ربه أن يريه في الدنيا فبين الله له قال انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ساخ الجبل ولم يقو على نظر الرب قال موسى سبحانك تبت إليك وأنا أول من آمن بك أن لا يراك أحد في الدنيا قبل يوم القيامة.\r( قال الله تعالى في سورة يوسف(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون[].\r( روى الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد وهذا حديث بن أبي شيبة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ قال فقال سعد وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة قال قال رجل ألم يقل الله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فقال سعد قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"وفي المستدرك للحاكم عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية في أناس من أصحابه فاستبقنا أنا ورجل من الأنصار إلى العدو فحملت على رجل فلما دنوت منه كبر فطعنته فقتلته ورأيت أنه إنما فعل ذلك ليحرز دمه فلما رجعنا سبقني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لا فارس خير من فارسكم إنا استلحقنا رجلا فسبقني إليه فكبر فلم يمنعه ذلك أن قتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أسامة ما صنعت اليوم فقلت حملت على رجل فكبر فرأيت أنه إنما فعل ليحرز دمه فقتلته فقال كيف بعد الله أكبر فهلا شققت عن قلبه فقلت ما قال فلم يزل يقول لي يومئذ فلا أقاتل رجلا يقول الله أكبر مما نهاني عنه حتى ألقاه صلى الله عليه وسلم.\r( قال الله تعالى في سورة النحل(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم[0].\rوروى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث قال ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال متى الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله عنده علم الساعة} الآية ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئا فقال هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم قال أبو عبد الله جعل ذلك كله من الإيمان.\rوأخرج البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"( قال تعالى في سورة الأنفال(وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون[].وقال تعالى في سورة الأعراف(إن وليِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ الكتابَ وهو يتولى الصالحين[]\r( روى ابن حبان في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. ورواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فقال صلى الله عليه وسلم إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rوهو في سنن أبي داود وفي الترمذي عن أنس بن مالك. ورواه غيرهم.\rوفي مسند أبي يعلى عن يزيد الرقاشي عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي قال فقال تصديق هذا في القرآن قال فقرأ علينا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما فهؤلاء الذين يجتنبون الكبائر وهؤلاء الذين واقعوا الكبائر بقيت لهم شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قال فقال يزيد لأنس صدقت.\r( روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ هذه الآية كلها فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"وفي سنن أبي داود عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. ورواه أيضا الإمام البيهقي في سننه الكبرى، وفي مسند الإمام أحمد\r( روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية قال وهيب حدثنا عمرو الحياة وقال خردل من خير.\rوروى البخاري في الصحيح عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه انها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه وكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"وفي حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري عن أنس بن مالك، بعد أن يحمد النبي عليه الصلاة والسلام ربه بمحامد ويخرج أناسا من النار، يقول صلى الله عليه وسلم:\" فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة\".\r( ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (/0:\" عن بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف من قال لا اله الا الله وصلوا على من قال لا اله الا الله\".","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"قال الزيلعي في نصب الراية(/:\" قال عليه السلام صلوا خلف كل بر وفاجر قلت أخرجه الدارقطني في سننه عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر وجاهدوا مع كل بر وفاجر انتهى قال الدارقطني مكحول لم يسمع من أبي هريرة ومن دونه ثقات انتهى ومن طريق الدارقطني رواه بن الجوزي في العلل المتناهية وأعله بمعاوية بن صالح مع ما فيه من الانقطاع وتعقبه بن عبد الهادي وقال إنه من رجال الصحيح انتهى والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب الجهاد وضعفه بأن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة ولفظه قال الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة على كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر انتهى ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في المعرفة وقال إسناده صحيح إلا أن فيه انقطاعا بين مكحول وأبي هريرة وله طريق آخر عند الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة مرفوعا سيليكم من بعدي ولا البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا له وأطيعوا فيما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن اساءوا فلكم وعليهم انتهى ومن طريق الدارقطني رواه بن الجوزي في العلل وأعله بعبد الله هذا قال أبو حاتم متروك الحديث وقال بن حبان لا يحل كتب حديثه قال بن الجوزي وسئل أحمد عن حديث صلوا خلف كل بر وفاجر فقال ما سمعنا به انتهى\"","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وقال ابن حجر في تلخيص الحبير(/ عن حديث \"صلوا خلف كل بر وفاجر\":\" قال العقيلي ليس في هذا المتن إسناد يثبت ونقل بن الجوزي عن أحمد أنه سئل عنه فقال ما سمعنا بهذا وقال الدارقطني ليس فيها شيء يثبت وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله وقال أبو أحمد الحاكم هذا حديث منكر\"\r( السيف هنا كناية عن القتل، وقد ورد النهي عن قتل المسلم إلا بحق الإسلام. وهذا المعنى مشهور. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\".\r( روى الإمام مسلم في صحيحه عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.وهو في الترمذي، وسنن البيهقي الكبرى،وفي المعجم الكبير\rوفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كيف بك يا عبد الله إذا كان عليكم أمراء يضيعون السنة ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها قال كيف تأمرني يا رسول الله قال تسألني بن أم عبد كيف تفعل لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وفي مسند الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد يعنى بن هارون أنا هشام عن محمد قال جاء رجل إلى عمران بن حصين ونحن عنده فقال استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان فتمناه عمران حتى قال له رجل من القوم ألا ندعوه لك فقال له لا ثم قام عمران فلقيه بين الناس فقال عمران إنك قد وليت أمرا من أمر المسلمين عظيما ثم أمره ونهاه ووعظه ثم قال هل تذكر يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى قال الحكم نعم قال عمران الله أكبر.\r( قال الله تعالى(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم\r( قال العلامة البرتي:\"إنما ذكر هذا لئلا يقع في الشك فيما ذكرنا من العقائد عندما يشتبه عليه شيء، أو يعتريه سؤال ولا يمكن دفعه، فحينئذ يجب عليه أن يفوض أمر ذلك وعلمه إلى الله فإنه هو العالم بحقائق الأشياء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا يمكن للبشر معرفة كنه دقائق الأشياء وحقائقها إلا بتعليم وإلهام من الله، فإن الملائكة مع صفاء جواهرهم اعترفوا بالعجز عن العلم من ذواتهم، حيث قالوا(لا علم لنا إلا ما علمتنا فكيف البشر مع شواغلهم عن التوجه إلى جناب القدس، وقد قال تعالى(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.\"اهـ\r( قال البابرتي في شرحه:\"إنما ذكر هذا ردا على أهل الرفض فإنهم أنكروا جواز المسح على الخفين، وهذا وإن كان من أحكام الفقه لكنه لما اشتهرت فيه الآثار ألحقه بالعقائد دفعا لإنكار المنكرين، قال أبو الحسن الكرخي:إني لأخشى الكفر على من لا يرى المسح على الخفين.\"اهـ","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"وبعد هذا التوضيح فإن العجب يزداد من جرأة السقاف ومسارعته إلى القول عند تعليقه على هذه الفقرة ص:\"لا معنى لإيراد هذه المسألة في كتب العقائد، وإنما مكانها في باب المسح على الخفين في كتاب الطهاة من كتب الفقه، وفي مسائل الفقه المجمع عليها ما هو أولى أن يورده هنا لو قَبِلْنا طرح أمثال هذه المسألة هنا، مثل قولنا ونرى أن صلاة الصبح ركعتين وأن في كل ركعة ركوع واحد وسجود واحد وسجدتين …إلخ، فتنبه\".اهـ\rأقول: قد تنبهنا، ورأينا أنك لم تتنبه، والعجب من إطلاق مثل هذا الاعتراض هنا بهذه الجرأة، مع أن كل من تكلم على عقيدة الطحاوي فإنه ذكر وجه إيراد هذه المسألة هنا، بل إن صاحب العقائد النسفية قد ذكر هذه المسألة هنا، بل وذكر غيرها من المسائل الفقهية لنفس السبب الذي وضحناه نحن ولم تتنبه إليه أنت. فهل كان النسفي والتفتازاني شارح النسفية لا يعرفون أن موقع هذه المسائل إنما هو في الفقه؟؟!\rوما أحسن ما ذكره الإمام السعد التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية في مسألة التكوين ص من الطبعة العثمانية:\"ولكنه ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث لا ينسب إلى الراسخين من علماء الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة على من له أدنى تمييز، بل يطلب لكلامهم محملا صحيحا يصلح محلا لنزاع العلماء واختلاف العقلاء.\"اهـ فهذا الكلام على اختصاره قاعدة في هذا الباب، لم يتنبه إليه الشيخ السقاف في أكثر الكتاب.والله تعالى هو الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"( قال البابرتي في شرحه:\"إنما قال مع أولي الأمر، لأن الحج والجهاد متعلقان بالسفر واجتماع العساكر والقوافل، ولا بد فيه من ضابط يضبط أمور الناس عند اختلافهم ويقاوم العدو ويحسم مادة السراق، فلو لم يكن فيهم أمير يقع الخلل في أكثر الأمور، فيحتاجون إلى من يرجعون إليه في الأمور ويطيعونه ويكون نافذ الأمر فيهم، وهو السلطان أو نوابه من الأمراء، سواءا كان برا أو فاجرا، لأن العصمة ليست بشرط في الأمير، فإذا كان فيه نفع عام وانتظام مصلحة الرعية يصلح للإمامة وإن كان فاجرا، فإن فجوره لا يضر إلا نفسه.\"اهـ\rولا يفهم من كلام المصنف أن الإمام شرط في الحج والجهاد، بل غاية ما يريده هنا أن الإمام إن كان فاجرا فإن ذلك لا يقدح في جواز الحج معه أو مع من ينيبه. وكذلك الجهاد.\rوفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة. وهو في السنن الكبرى للبيهقي.\rوفي سنن البيهقي الكبرى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار وحديث مكحول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا قد مضى في باب الإمامة وكتاب الجنائز.\rواعلم أنه لم يشترط أحد من الفقهاء المعتبرين لجواز الحج أن يكون الأمير موجودا.","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"وبعد ذلك فإن لك أن تتعجب مما قاله السقاف في تعليقه على هذه الفقرة ص:\"اعلم أنه ليس من شرط مضي الحج والجهاد أن يكونا مع أولي الأمر من المسلمين سواء برهم وفاجرهم.\"اهـ ثم قال إصرارا منه على الغلط في حق هؤلاء:\" ومسلمو الدول الغير الإسلامية كمسلمي فرنسا والنرويج وأمريكا وأشباهها تحت راية أي أمير سيحجون، برا كان أو فاجرا، وبأي دليل يتم التعيين؟؟!!\rلذا نرى أن هذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى غير صواب فضلا عن أن ما ذكره ليس مناسبا في أبواب العقائد. والظاهر أن الزمن الذي كانوا يعيشون فيه اضطرهم لقول ذلك تقليدا لمن كان قبلهم ممن أثر فيهم الفكر الأموي ثم فكر الجبابرة العباسيين الذين نهجوا نفسه النهج في هذه القضية، والمُكْرَهُ له أحكام ولله في خلقه شئون!!\"اهـ\rانتهى كلامه ويا ليته ما قاله، وما أعظم الشأن في شأنه، وما في كلامه من مفاسد وتهجمات وتحاملات، وانسياق وراء عاطفته لا يخفى على عاقل.والله المستعان.\r( قال تعالى(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد\r( قال تعالى في سورة السجدة(وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون[0] قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون[].\r( روى الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف وعن الزهري قال أخبرني عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وفي صحيح البخاري أيضا عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعذب الناس في قبورهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة مركبا فخسفت الشمس فرجع ضحى فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الحجر ثم قام يصلي وقام الناس وراءه ..وفي آخره … ثم رفع فسجد وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.\rوقال البخاري في صحيحه(/:\" باب ما جاء في عذاب القبر وقوله تعالى ( إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون  هو الهوان والهون الرفق وقوله جل ذكره (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم  وقوله تعالى (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب\"اهـ\rوفي صحيح البخاري عن عائشة قالت دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا لي إن أهل القبور يعذبون في قبورهم فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما فخرجتا ودخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله إن عجوزين وذكرت له فقال صدقتا إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها فما رأيته بعد في صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.\rوفي صحيح مسلم عن طاوس قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عوذوا بالله من عذاب الله عوذوا بالله من عذاب القبر عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات.\rوفي رواية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة الدجال.رواه مسلم في صحيحه.","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"واعلم أن الأدلة على ثبوت عذاب القبر كثيرة، والمراد بعذاب القبر أعم من أن يكون عذابا فقط في القبر بل الحياة البرزخية وهي الحياة المتوسطة بين الدنيا والآخرة، وكما أنه يوجد عذاب في القبر فإنه كذلك يوجد نعيم فيه. كما سيأتي بيانه لاحقا. قال البقاعي في كتاب سر الروح ص:\"واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل ميت أراد تعذيبه ناله ما أراده منه، قُبِرَ أو لم يُقْبَرْ، لو صلب أو غرق في البحر ولو أكلته الدواب، أو حرق حتى صار رمادا، وذري في الريح فسبحان ذي القدرة الشاملة والعظمة الباهرة الكاملة.اهـ\rقال الإمام أبو المعين النسفي في التبصرة(/:\"أثبت جمهور الأمة عذاب القبر للكافرين ولبعض العصاة من المؤمنين، والإنعامَ في القبر وسؤال منكر ونكير لورود الدلائل السمعية في ذلك\"، ثم قال بعد أن ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة\"وأنكرت الجهمية وبعض المعتزلة ذلك\".اهـ\rفالذي أنكر عذاب القبر ونعيمه هم الجهمية وبعض المعتزلة، ولم ينكر جميع المعتزلة عذاب القبر، ويؤيد هذا النقل ما قاله القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ص0:\"فصل في عذاب القبر، وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة، إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا ويقول إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به\"اهـ، فالذي ينكر عذاب القبر من المعتزلة إذن هو ضرار، وتأمل حكاية عدم وجود خلاف في عذاب القبر من القاضي عبد الجبار، فلا تغتر بعد ذلك بمن زعم أن المعتزلة أي جميعهم ينكرون ذلك، بل لا يجوز نسبة ذلك إليهم أصلا، إلا مع الإشارة إلى أن جمهورهم أثبته.ونقل ابن المرتضى في كتاب القلائد ص إنكار عذاب القبر عن بشر المريسي وضرار وابن كامل. وأثبت للأكثر إثباته. وهذا موافق لقول أبي المعين النسفي.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"( وردت هذه اللفظة ضمن حديث طويل في كتاب الترمذي ولكن قد قال عنه:\" قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\". وعلى كل الأحوال فإنه لم يرد العذاب إلا على أصحاب الكفر، أو الكبائر، فيفهم من هذا أن غيرهم في نعيم.\r( سوف نفصل الكلام على مسألة الصراط خلافا لغيرها من المسائل لما حدث من تشكيك فيها في هذا الزمان مما سنشير إليه فيما يلي بتوفيق الله تعالى.\rوأول ما نبدأ به هو بيان موقف الفرق الإسلامية من الصراط وذلك أخذا من كتبهم\rمذهب أهل السنة في الصراط:","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"فأما أهل السنة فقد أثبتوا أصل الصراط واختلفوا في كيفيته، فإثبات أصله كما هو مذكور في كلام المصنف أعلاه، ومشهور في كتب أهل السنة.قال العلامة البيجوري في حاشيته على الجوهرة ص0 بعد أن ذكر أن الصراط لغة الطريق الواضح: \"وشرعا جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار، خلافا للحليمي حيث ذهب إلى أنهم لا يمرون عليه، ولعله أراد الطائفة التي ترمى في جهنم من الموقف بلا صراط، وشمل ما ذكر النبيين والصديقين، ومن يدخل الجنة بغير حساب وكلهم ساكتون إلا الأنبياء فيقولون اللهم سلم سلم، كما في الصحيح. وفي بعض الروايات أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، هو المشهور، ونازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي وغيرهما كالبدر والزركشي، قالوا:وعلى فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره بأن يؤول بأنه كناية عن شدة المشقة، وحينئذ فلا ينافي ما ورد من الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبيه وكون الكلاليب فيه، زاد القرافي والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة منها تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وقال بعضهم إنه يدق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره، فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره، فإن نور كل إنسان لا يتعداه إلى غيره، فلا يمشي أحد في نور أحد، ومن هنا كان دقيقا في حق قوم وعريضا في حق آخرين\" ثم قال:\"واتفقت عليه الكلمة في الجملة، أي بقطع النظر عن إبقائه على ظاهره كما هو مذهب أهل السنة، وصرفه عنه كما هو مذهب كثير من المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن المراد به طرق الجنة وطريق النار. وقيل المراد به الأدلة الواضحة.\"اهـ\rوهذا الكلام على طوله يبين حاصل الأقوال في مسألة الصراط.\rمذهب المعتزلة:","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"وأما بيان حاصل مذهب المعتزلة فلا يقوم به حق القيام إلا أحد أئمتهم المشهود لهم، ولا أحد أولى بذلك من القاضي عبد الجبار، فقد قال في شرح الأصول الخمسة ص:\" ومن جملة ما يجب الإقرار به واعتقاده، الصراط، وهو طريق بين الجنة والنار يتسع على أهل الجنة ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه، وقد دل عليه القرآن، قال الله تعالى(إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، فلسنا نقول فيه ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به، فمن اجتازه فهو من أهل الجنة، ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار، فإن تلك الدار ليست بدار تكليف، حتى يصح إيلام المؤمن وتكليفه المرور على ما هذا سبيله في الدقة والحدة، وأيضا فقد ذكرنا أن الصراط هو الطريق، وما وصفوه ليس من الطريق بسبيل، ففسد كلامهم فيه.\rوقد حكى في الكتاب عن كثير من مشايخنا أن الصراط إنما هو الأدلة الدالة على هذه الطاعات التي من تمسك بها نجا وأفضى بها إلى الجنة ، والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هلك، واستحق من الله تعالى النار. وذلك مما لا وجه له، لأن فيه حملا لكلام الله تعالى على ما ليس يقتضيه ظاهره، وقد كررنا القول في أن كلام الله تعالى مهما أمكن حمله على حقيقته فذلك هو الواجب دون أن يصرف عنه إلى المجاز.\rوعلى أنا لا نعرف من الأصحاب من ذكر ذلك إلا شيئا يحكى عن عباد، أن الصراط إنما هو الأدلة الدالة على وجوب هذه الواجبات والتمسك بها، وقبح هذه المقبحات والاجتناب منها، والفائدة في أن جعل الله تعالى إلى دار الجنة طريقا حال ما ذكرنا، هو لكي يتعجل به للمؤمن مسرة وللكافر غما، وليضمنه اللطف على ما سبق في نظائره.\rوأحوال القيامة وكيفية الإعادة، أكبر من أن يحتمله هذا الموضع فنقتصر منها على هذا المقدار، ونسأل الله السلامة عن عذابه والفوز بثوابه إن سائله لا يخيب، وهو قريب مجيب. اهـ","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"فهذا هو قول المعتزلة من الصراط كما يوضحه أحد أكبر علمائهم، وتراه يستنكر على من أول الصراط بأنه الأدلة. فتحصل من هذا أن جمهور المعتزلة على إثبات الصراط، لا على نفيه كما يظنه بعض القاصرين.\rمذهب الإباضية:\rوقد حكى مذهب الإباضية السالمي كما في مشارق أنوار العقول(/ فقال بعد أن ذكر قول الأشاعرة في إثبات الصراط وأنه جسر:\"وهذا كله ممكن، وليست المسألة من باب الدين، فقد ذهب إلى مثل ما ذهبوا إليه بعض أصحابنا، منهم الشيخ هود بن محكم القاسم البرادي والشيخ إسماعيل في القناطر وقطب الأئمة في الهيميان وجامع الشمل ومعول استدلال القائلين بالجسرية قوله تعالى(فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون، وقوله تعالى(فاهدوهم إلى صراط الحجيم، وقفوهم إنهم مسئولون…ثم قال… والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض أمره إلى الله، فمن صدقها من غير قطع بكفر من خالفه فيها فقد أحسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه إن شاء الله.\"اهـ، والحاصل والله أعلم أن الجمهور من الإباضية على نفي الصراط بالاعتماد على كلام السالمي، وأن بعض أئمتهم قالوا به، والمسألة عند الجميع ليست من الأصول القطعية، على كل الأحوال.\rمذهب الشيعة في الصراط:\rقال الشيخ الطوسي المتوفى في سنة 0هـ في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد ص:\"وأما الصراط فقال قوم إنه طريق أهل الجنة والنار، وأنه يتسع لأهل الجنة ويتسهل لهم سلوكه ويضيق على أهل النار ويشق عليهم سلوكه، وقال آخرون المراد به الحجج والأدلة المفرقة بين أهل الجنة والنار المميزة بينهم\"اهـ ولم يوضح بالتحديد قول الشيعة المختار ولكن ظاهر كلامه هو وجود خلاف بينهم.","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"ولكن قد نص العلامة جعفر السبحاني على مذهبهم فيه في كتابه المسمى بالإلهيات (/، وذلك بعدما ذكرا بعض الكلام عن مفهوم الصراط مطلقا:\"وفي ضوء هذا يتبين أن لله سبحانه في هذه النشأة الدنيوية صراطين، أحدهما تكويني في سلوكه كمال الموجود وبقاؤه، والآخر تشريعي يختص بالإنسان فيه فوزه وسعادته. نعم ويستظهر من الذكر الحكيم ويدل عليه صريح الروايات وجود صراط آخر في النشأة الأخروية يسلكه كل مؤمن وكافر\"الخ. وهذا تصريح منه بأن الحق وجود الصراط.\rوقال العلامة الطوسي في تجريد الاعتقاد ص مع شرح الحلي:\"وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب مكنة دل السمع على ثبوتها فيجب التصديق بها\"اهـ وأيده جلال الدين الحلي على ذلك في شرحه مع زيادة بيان الخلاف في صورته كما سبق.\rوبعد فقد ذكرنا لك طائفة من أقوال الفرق الإسلامية في الصراط، وبان لك أن المذهب الحق عند غالب الطوائف والقول المعتبر هو إثبات الصراط، ولو أخذنا نسبة من خالف في ذلك إلى من أثبته، لم يتجاوز ذلك نسبة ضئيلة بالمائة، لا يلتفت إليها.\rولكن المتفق عليه عند جميع الفرق هو جواز وجود الصراط ومن خالف ولم يقل أحد باستحالة ذلك، ومن خالف فيه الصراط فإنما محل خلافه كان في وقوع ذلك الجائز. وحتى من خالف فإنه لم يجزم بالمخالفة بل صرح بأن كلامه عبارة عن ترجيح منه.\rفالحاصل أن المعتمد عند جماهير الفرق الإسلامية إنما هو إثبات الصراط مع الاختلاف في صورته، والله تعالى أعلم.\rالشروع في ذكر الأدلة الدالة على الصراط:\rأما الآيات القرآنية:\rأولا: قوله تعالى في سورة الفاتحة(اهدنا الصراط المستقيم ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (، قد استدل بها على الصراط القاضي عبد الجبار كما سبق ذكره.\rثانيا:وفي سورة المؤمنون(وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"ثالثا:وفي سورة يس(ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستَبَقُوا الصراط فأنى يُبْصِرون (رابعا:وفي سورة الصافات(من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (\rخامسا:وفي سورة مريم(وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (\rقال العلامة أبو السعود في تفسيره /:\"أي واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم، وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة، وأما قوله تعالى أؤلئك عنها مبعدون، فالمراد به الإبعاد عن عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط الممدود عليها\"اهـ\rقال الواحدي في الوسيط (/:\"قال ابن زيد : ورود المسلمين النار:العبور على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها\".اهـ\rوأما الأحاديث النبوية:","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"أولا: ما رواه الإمام البخاري عن عن أبي هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها شك إبراهيم فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم المؤمن يبقى بعمله أو الموبق بعمله أو الموثق بعمله ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه ثم يتجلى حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا الجنة فيقول أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعو الله بما شاء أن يدعوه ثم يقول الله هل عسيت إن","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"أعطيت ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله ان يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فيقول الله له ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا ويلك يا بن آدم ما أغدرك فيقول أي رب ويدعو الله حتى يقول هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب أدخلني الجنة فيقول الله ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت فيقول ويلك يا بن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكونن أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمنه فسأل ربه وتمنى حتى إن الله ليذكره يقول كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني قال الله ذلك لك ومثله معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله تبارك وتعالى قال ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة.\rورواه الحاكم بلفظ فيه بعض الاختلاف، لا من جهة الصراط. ورواه النسائي في السنن الكبرى. وفي الترمذي عن أبي هريرة.والإمام أحمد في مسنده.","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"ثانيا: وفي صحيح مسلم عن أبي عاصم يعني محمد بن أبي أيوب قال حدثني يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس قال فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإذا هو قد ذكر الجهنميين قال فقلت له يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون والله يقول { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } و { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } فما هذا الذي تقولون قال فقال أتقرأ القرآن قلت نعم قال فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام يعني الذي يبعثه الله فيه قلت نعم قال فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج قال ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك قال غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها قال يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم قال فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس فرجعنا قلنا ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال أبو نعيم.","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"ثالثا:وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا.\rوهو في المستدرك عن حذيفة وأبي هريرة بسند قال فيه الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rرابعا: وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات }فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله فقال على الصراط.\rورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وروي من غير هذا الوجه عن عائشة. وابن ماجه عنها أيضا.\rورواه الترمذي بلفظ آخر عن عائشة أنها قالت يا رسول الله { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } فأين المؤمنون يومئذ قال على الصراط يا عائشة هذا حديث حسن صحيح.","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"وهو في صحيح ابن حبان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سألته عن قوله { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } فأين يكون الناس يومئذ فقال على الصراط قالت قلت يا رسول الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه قال لا ينفعه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.\rورواه أيضا الحاكم في المستدرك.والدارمي في سننه.ورواه الإمام احمد في مسنده.\rوفي مسند الإمام أحمد رواية عن عائشة بلفظ آخر عن القاسم بن الفضل قال قال الحسن قالت عائشة يا رسول الله { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } أين الناس قال ان هذا لشيء ما سألني عنه أحد من أمتي قبلك الناس على الصراط.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"خامسا: وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس يمينا وشمالا وبجنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم سلم فمن الناس من يمر مثل الريح ومنهم من يمر مثل الفرس المجرى ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا فأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون واما أناس فيؤخذون بذنوب وخطايا فيحرقون فيكونون فحما ثم يؤذن في الشفاعة فيؤخذون ضبارات ضبارات فيقذفون على نهر من انهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اما رأيتم الصبغاء شجرة تنبت في الفضاء فيكون من آخر من اخرج من النار رجل على شفتها فيقول يا رب صرف وجهي عنها فيقول عهدك وذمتك لا تسألني غيرها قال وعلى الصراط ثلاث شجرات فيقول يا رب حولنى الى هذه الشجرة آكل من ثمرها وأكون في ظلها فيقول عهدك وذمتك لا تسألني شيئا غيرها قال ثم يرى أخرى أحسن منها فيقول يا رب حولنى إلى هذه آكل من ثمرها وأكون في ظلها قال فيقول عهدك وذمتك لا تسألني غيرها ثم يرى أخرى أحسن منها فيقول يا رب حولنى الى هذه آكل من ثمارها وأكون في ظلها قال ثم يرى سواد الناس ويسمع كلامهم فيقول يا رب أدخلنى الجنة قال أبو نضرة اختلف أبو سعيد ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما فيدخله الجنة فيعطى الدنيا ومثلها وقال الآخر فيدخل الجنة فيعطى الدنيا وعشرة امثالها قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه هكذا حدثنا أبو يعلى وعلى الصراط ثلاث شجرات وانما هو على جانب الصراط ثلاث شجرات.\rورواه الحاكم في المستدرك.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"سادسا:وفي صحيح ابن حبان عن أنس بن مالك عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن آخر من يدخل الجنة رجل يمشى على الصراط فهو يكبو مرة وتسفعه النار أخرى حتى إذا جاوزها التفت إليها فيقول تبارك الذي نجانى منها فوالله لقد أعطاني شيئا ما أعطاه أحدا من العالمين قال ثم ترفع له شجرة فيقول يا رب ادننى منها لعلي استظل بظلها وأشرب من مائها قال فيقول الله يا بن آدم لعلي ان أعطيتكه سألتنى غيرها فيقول لا يا رب ويعاهده ان لا يفعل وهو يعلم انه فاعله لما يرى مما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة أخرى هي أحسن من الأولى فيقول يا رب ادننى منها لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول ألم تعاهدنى ان لا تسألني غيرها فيقول بلى يا رب ولكن ادننى منها لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيعاهده ان لا يسأله غيرها فيدنيه منها ويعلم انه سيسأله غيرها لما يرى ما لا صبر له عليه قال فترفع له شجرة أخرى عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول يا رب ادننى منها لأستظل بظلها واشرب من مائها فيقول ألم تعاهدنى ان لا تسألني غيرها فيقول بلى يا رب ولكن ادننى منها فإذا انا منها سمع اصوات أهل الجنة فيقول يا رب ادخلنى الجنة فيقول الله جل وعلا أيرضيك يا بن آدم ان أعطيك الدنيا ومثلها معها فيقول أتستهزىء بي وأنت رب العالمين فيقول ما استهزىء بك ولكننى على ما أشاء قادر قال فكان بن مسعود إذا ذكر قوله أتستهزىء بي ضحك ثم قال ألا تسألونى مما اضحك فقيل مما تضحك فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ذلك ضحك.\rورواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود.","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"سابعا: وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط المستقيم فيقال يا أهل الجنة فينطلقون خائفين وجلين ان يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال يا أهل النار فينطلقون فرحين مستبشرين ان يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم ربنا هذا الموت فيأمر به فيذبح على الصراط ثم يقال للفريقين كلاهما خلود ولا موت فيه ابدا. وهذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وابن ماجه في سننه. ورواه الإمام أحمد في مسنده.\rثامنا: روى الحاكم في المستدرك عليه وسلم شعار المسلمين على الصراط يوم القيامة اللهم سلم سلم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\rتاسعا: وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله تعالى عنه وإن منكم إلا واردها قال الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطائفة الأولى كالبرق والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل والرابعة كأجود الإبل والبهائم ثم يمرون والملائكة تقول رب سلم سلم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rعاشرا: روى الحاكم في المستدرك عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله رضي الله تعالى عنه والفجر قال قسم إن ربك لبالمرصاد مرور الصراط ثلاثة جسور جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عز وجل هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rالحادي عشر: في الحاكم أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليحبس أهل الجنة بعدما يجاوزون الصراط على قنطرة فيؤخذ لبعضهم من بعض مظالمهم التي تظالموها في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن في دخول الجنة فلأحدهم أعرف بمنزله في الآخرة منه بمنزله كان في الدنيا قال قتادة قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ما يشبه إلا أهل جمعة انصرفوا من جمعتهم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"الثاني عشر: عن الحسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا عائشة قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الكتب حتى يقال هاؤم أقرءوا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة رضي الله تعالى عنها وأم سلمة.\rالثالث عشر: رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول الله تعالى لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة من تجيز على هذا فيقول من شئت من خلقي فيقول سبحانك ما عبدناك حق عبادتك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\rالرابع عشر: رواه الإمام الترمذي في الجامع الصحيح عن النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قال قلت يا رسول الله فأين أطلبك قال اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط قال قلت فإن لم ألقاك على الصراط قال فاطلبنى عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطىء هذه الثلاث المواطن قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.ورواه الإمام أحمد في مسنده.","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"الخامس عشر: ما رواه الإمام أحمد عن أنس قال حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم إني لقائم أنتظر أمتي تعبر عن الصراط إذ جاءني عيسى فقال هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يشتكون أو قال يجتمعون إليك ويدعون الله عز وجل أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء الله لغم ما هم فيه والخلق ملجمون في العرق وأما المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيتغشاه الموت قال قال عيسى انتظر حتى أرجع إليك قال فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قام تحت العرش فلقى ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل فأوحي الله عز وجل إلى جبريل اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع قال فشفعت في أمتي أن اخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا قال فما زلت أتردد على ربي عز وجل فلا أقوم مقاما الا شفعت حتى أعطاني الله عز وجل من ذلك ان قال يا محمد أدخل من أمتك من خلق الله عز وجل من شهد انه لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.\rالسادس عشر: وفي مشند الإمام أحمد عن عقبة بن صهبان قال سمعت أبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الصراط تقادع الفراش في النار قال فينجى الله تبارك وتعالى برحمته من يشاء قال ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون وزاد عفان مرة فقال أيضا ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان.","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"الثامن عشر: روى الإمام مسلم عن أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمى محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس{يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به.\rوهذا الحديث في صحيح ابن خزيمة أيضا، وابن حبان،والسنن الكبرى للنسائي،وفي سنن البيهقي الكبرى وع زيادات، وفي المعجم الكبير للطبراني،وكذلك المعجم الأوسط،","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"وقال ابن حجر في فتح الباري(/:\" وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية يوم تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الناس حينئذ قال على الصراط وفي رواية الترمذي على جسر جهنم ولأحمد من طريق بن عباس عن عائشة على متن جهنم واخرج مسلم أيضا من حديث ثوبان مرفوعا يكونون في الظلمة دون الجسر فقد جمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط كما سيأتي بيانه في ترجمة مستقلة وأن في قوله على الصراط مجازا لكونهم يجاوزونه لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها\"اهـ\rالتاسع عشر: روى ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس يمينا وشمالا وبجنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم سلم فمن الناس من يمر مثل الريح ومنهم من يمر مثل الفرس المجرى ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا…الخ.\rورواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنده.\rوفي المستدرك للحاكم عن مجاهد قال قال لي بن عباس أتدري ما سعة جهنم قلت لا قال أجل والله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا أودية القيح والدم قلت له أنهار قال لا بل أودية ثم قال أتدري ما سعة جهنم قلت لا قال أجل والله ما تدري حدثتني عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله قال على جسر جهنم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.\rوهو في السنن الكبرى للنسائي،والترمذي. وأحمد.","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"وفي سنن أبي داود عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حمى مؤمنا من منافق أراه قال بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال.\rورواه الإمام أحمد في مسنده،وفي المعجم الكبير للطبراني\rوفي المعجم الكبير عن أبي وائل شقيق بن سلمة ان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك أما لنا عليك سمع وطاعة قال بلى ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا تجاوز وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا قال فخرج عمر رضي الله تعالى عنه كئيبا حزينا فلقيه أبو ذر فقال مالي أراك كئيبا حزينا قال ما يمنعني أن أكون كئيبا حزينا وقد سمعت بشر بن عاصم يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا تجاوز وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا قال أبو ذر وما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قال أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولي أحدا من الناس أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا تجاوز وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا وهي سوداء مظلمة فأي الحديثين أوجع لقلبك قال كلاهما قد أوجع قلبي فمن يأخذها بما فيها وقال أبو ذر من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض أما إنا لا نعلم إلا خيرا وعسى إن وليتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من إثمها.\rورواه أيضا عن قيس بن عاصم عن أبيه. وهو في الآحاد والمثاني للضحاك.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"العشرون: قال الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص:\" أحاديث الصراط والميزان وإنطاق الجوارح وتطاير الصحف وأهوال الموقف، وأحوال الجنة والنار، نقل البرزلي عن شرح الإرشاد أنها متواترة، ونقله عنه أبو علي بن رحال في شرحه لمختصر خليل، وفي الشهاب على الشفا في الكلام على حديث الشفاعة الكبرى على قوله فيه، وتأتي الأمانة والرحم، فتقومان على جنبي الصراط ما نصه: وفي هذا ونحوه مما بلغ حد التواتر المعنوي رد على المعتزلة المنكرين للصراط، كما بين في الكتب الكلامية .اهـ وانظر الدر المنثور لدى قوله (والوزن يومئذ الحق فقد ذكر فيه هناك كثيرا من أحاديث الميزان.\"اهـ\rفهذا نقل للتواتر المعنوي لأحاديث الصراط. وحق لها أن تكون كذلك، والمنصف يقر بذلك خاصة بعدما قررنا له ما مضى من الأحاديث والروايات الواردة في الصراط، وأقوال فرق الإسلام المعتبرة. والله الموفق.\rأقول : والأحاديث في الصراط أكثر من ذلك، فكان الأصل أن تبقى على ظاهرها، لما كان ممكنا غير مستحيل عقلا. وإن كان بعض الأحاديث ضعيفا، فإنها إذا كانت بتلك الكثرة فإن المعنى المشترك بينها، وهو وجود لجسر يسمى الصراط، وذلك بغض النظر عن حقيقة شكله وصورته، يتقوى بلا ريب، والله تعالى أعلم.\rونحن ما كنا لنطيل في هذه المسألة الفرعية في الاعتقاد، لولا أن تجرأ البعض على نفي ذلك معتمدا على أدلة وشبه واهية لا تصلح للاعتماد عليها في هذا المجال، فقدمنا ما مضى، توضيحا لأصل المسألة، وتمهيدا لبيان ضعف كلامه.\rالشروع في نقد كلام السقاف:\rلقد تكلم الشيخ السقاف على مسألة الصراط في شرح العقيدة الطحاوية، ونحن سنبين خلاصة ما ذكره هنا ونشير إلى مواضع الضعف في كلامه.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"أولا: قال السقاف في ص:\"قضية الصراط بمعنى أنه جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف يمر عليه الناس واحدا واحدا فمنهم من يقع عنه فيسقط في النار، ومنهم من ينجو وعليه كلاليب مثل شوك السعدان تخطف الناس فيقعون في النار، قضية مرجوحة\"اهـ\rالجواب: أطلق السقاف على هذه القضايا بمجموعها، أنها مرجوحة، أي ضعيفة، أي أن غيرها نفيها أقوى منها، فإن قصد بالرجحان الرجحان عنده، فذلك لا يستلزم الرجحان في نفس الأمر، وإن قصد الرجحان عند أئمة الإسلام من مختلف الفرق، فقد بينا أن هذا غلط بل إن جماهير المسلمين يثبتون الصراط، وإن قصد بالرجحان أن الأحاديث الواردة فيها ضعيفة، فقد بينا أن كثيرا منه صحيح، نعم منها ضعيف، ولكن هكذا شأن غالب المنقولات، منها ضعيق ومنها صحيح، ولو أجزنا لأنفسنا أن نرد الصحيح لأجل الضعيف، لم يثبت شيء من الأحاديث. وإن قصد أن بعض هذه القضايا ضعيف، فقد يسلم له، ولكن كلامه لا يفيد مجرد ذلك، بل يفيد القول بضعف جميع هذه القضايا، وهذا باطل.\rثانيا: قوله في ص\"كون الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، لم يأت في القرآن الكريم أن الصراط أدق من الشعرة…\"الخ.\rالجواب:الصحيح أن هذه الفكرة، قد اختلف حولها العلماء، وصرح الكثير منهم أنها ربما لا تثبت، وبعضهم صرح بنفيها، وبعضهم قال لا مانع منها. فالخلاف حاصل حولها. وهذا أمر ثابت قبل وجود السقاف وبعد وجوده. أما قوله أنها لم ترد في القرآن، فقد بناه على وجوب ذكر كل عقيدة نصا بالقرآن، وهذا لا يسلم له، كما سنشير إليه لاحقا، وقد خالف هو هذا الأصل الذي قرره كما سنبينه أيضا.\rولكن الذي يمكن أن يقال هنا، أنه حتى لو فرض أن هذا الأمر منازع فيها، فهل يجوز لنا أن ننفي فكرة الصراط من الأصل، إنه من البين بنفسه أن هذه الطريقة من التفكير باطلة، فالاختلاف في وصف الشيء، لا يستلزم انتفاء أصله. ولو سلك الناس هذا المسلك، لاستلزم نفي كثير من الأصول الدينية.","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"ثالثا: قوله في ص0 \"إن الصراط في لغة العرب هو الطريق الواسع السهل…الخ\".\rأقول: إن العلماء كما بينا قد اختلفوا في أن الصراط هل هو واسع أو ضيق، أو إنه يتسع ويضيق بحسب أعمال الإنسان الصالحة، ومجرد كون معنى الصراط لغة كما ذكر، لا يستلزم نفي أصل الصراط شرعا.\rرابعا:قوله في ص:\"أن الصراط بمعنى أنه جسر منصوب على متن جهنم أو فوقها أو بين حافتيها لم يرد في القرآن الكريم، الذي هو الأصل في معرفة العقائد\"اهـ\rأقول: قد بينا أن الصراط ليس من أصول العقائد، بل هو أمر جزئي، وكونه لم يرد صراحة في القرآن، قد يسلم لمن ينازع في دلالة الآيات التي ذكرناها فيه، ولكن القول بعدم وروده على الإطلاق، أي إطلاق القول بعدم وروده أمر آخر، فإن هذا معارض بدلالة القرآن عليه ولو بالإشارة، خصوصا إذا ورد من الأحاديث ما يفسر تلك الآيات بالصراط وبأنه جسر على جهنم، كما أوردنا سابقا، فالآية المحتملة إذا ورد حديث صحيح في تفسيرها تصبح دليلا على ذلك ولا ريب. فإطلاق قوله بعد ورود ذلك باطل.\rثم إن السقاف نفسه لم يستطع أن يثبت الحوض بآية صريحة من القرآن بل اعتمد على الأحاديث الواردة فيه، وادعاؤه أن الكوثر هو عين الحوض باطل، كما أشرنا إليه في محله، بل الكوثر هو نهر في الجنة يصب في الحوض، فثبوت الحوض بالحديث، وثبوت الكوثر بالقرآن، فلم يعارض هنا إثبات الصراط بالحديث مع إشارة القرآن عليه بالآيات السابقة؟؟\rفإن ادعى أن الأحاديث الواردة في الحوض متواترة، فقد نقلنا سابقا أن الأحاديث الواردة في الصراط متواترة بالمعنى، والتواتر المعنوي حجة كما لا يخفى، كتواتر عذاب القبر بالمعنى، وهل ورد ذكر عذاب القبر في القرآن صراحة أم إن ما ورد فيه هو دلالات وإشارات إليه، وإن كانت أقوى من دلالاتها على الصراط، فالحاصل أنه لا يوجد نص عليه، كما يريده السقاف. بل عذاب القبر وارد بالحديث أصالة، وهو يثبت معاني القرآن.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"ومحاولة السقاف إرجاع فكرة الصراط إلى أصل يهودي محاولة فاشلة، لورودها عن النبي عليه السلام بأحاديث صحيحة، وبطرق مختلفة، كما مضى بيانه. وكون هذه الفكرة قد وردت عند اليهود لا يستلزم أنها باطلة، فافهم.\rخامسا: قوله في ص :\"إن الأحاديث التي وردت في الصراط هي أحاديث آحاد، لا تفيد إلا الظن، وهي معارضة بقطعي الدلالات كما سترى إن شاء الله تعالى\"اهـ\rأقول: لو تنزلنا عن القول بأن الأحاديث الواردة فيه متواترة بالمعنى، وسلمنا أنها آحاد، فإننا لا نسلم أنها غريبة أو قليلة أو ليست مشهورة، ومعلوم أن الأحاديث إن كانت آحادا مشهورة، فإنها تفيد العلم النظري كما نص عليه أهل السنة. ومعلوم أيضا أنها ليس كل حديث آحاد فإنه لا يفيد إلا الظن، بل بعض أحاديث الآحاد تفيد القطع بالقرائن الواردة. ولا ريب أن الأحاديث الواردة في الصراط أكثر من أن تطبق عليها هذه القاعدة(أي إنها آحاد وبالتالي فلا تفيد إلا الظن بمثل هذا الأسلوب الظاهري الجلف.\rوأما قوله إنها معارضة بقطعي الدلالات، فهو غير صحيح كما سترى لاحقا.\rوأما ادعاؤه بعد ذلك في ص\" وعمدة استدلالهم على الجسر ذي الكلاليب هو حديث أبي هريرة وأبي سعيد..الخ\"اهـ ، كلام باطل لا قيمة له، وذلك بعدما رأينا الأحاديث الكثيرة التي زردت في الصراط. أقول: وحتى لو كان عمدة استدلالهم على هذا الحديث، وفيه بعض الأمور المردودة، كما قال، فإن هذا لا يستلزم ردَّ الحديث بالمرة، كما أشرنا إليه في كلامنا على الإسراء والمعراج.\rسادسا: قوله في ص:\"تنص فكرة الجسر الذي فوق جهنم على أن الناس يمرون عليه ويكونون قريبين من النار بل يمرون ما بين حافتيها فيجوزون عليها من فوقها، وهذه الفكرة تعارض ما هو مقرر في القرآن الكريم من أن المؤمنين لا يقربون من نار جهنم ولا يسمعون صوتها\"اهـ","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"أقول: هذا الكلام ضعيف، فإن كون المؤمنين يمرون ن فوق جهنم على الجسر، بسرعات ختلفة حتى إن منهم كالبرق، وتتفاوت مراتب سرعاتهم، يفيد أنهم ليس كلهم يتأذون من النار عند مرورهم، فإنه لا يخفى على عاقل، أنه كلما ازدادت سرعة الواحد فإنه ربما لا يحس بأي أثر من آثار النار عليه. ولا يعتبر هذا تعذيبا له، بل إنعاما من الله تعالى أن مرَّ عليها بهذه السرعة.\rوأما إن أراد أنه يفهم من القرآن أن سائر المؤمنين لا يقتربون من النار ولا يسمعون حسيسها، فإن هذا باطل مخالف لما ورد أن من المؤمنين من يعذب بالنار، وأن عذابهم متفاوت، قد يطول وقد يقصر.\rوالحاصل أن قوله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها مخصوص ببعض المؤمنين، ولا يسلم أن المراد منه عدم سماع حسيسها بالمرة، لما ورد في بعض الأحاديث أن المؤمنين يرون النار، ويعرفون ما فيها من العذاب، ولو كان مجرد سماع حسيسها عذابا حتى يكون معارضا للآية، لما سمع الأنبياء حسيسها بالمرة، لما أنهم لا يعذبون، ولكن الذي يدرك معاني الكلام وطريقة القرآن في التعبير، يفهم أن المراد أنهم لا يسمعون حسيسها سماع تعذيب.\rسابعا:قوله في ص :\"فكرة الصراط بمعنى الجسر الممدود على متن جهنم بين حافتيها فيها من الهلع والخوف والفزع ما لا يستطيع أحد أن ينفيه حتى عن الأنبياء الذين يقولون كما جاء في ذلك الحديث:اللهم سلم سلم\"اهـ\rأقول:أما أن فكرة الصراط فيها هلع وخوف، فمسلم، ولكن الثابت أيضا أن الخوف منه يتفاوت بقدر الأعمال، وأن المرور عليه إنما يكون بحسب الأعمال التي يقدمها الإنسان في الحياة الدنيا، لا بحسب المهارة في الركض كما يتوهم السقاف، ومن يوجه هذا الاعتراض، فإن هذا الاعتراض إنما يدل على سذاجة قائله، وعدم معرفته بأحوال أمور الآخرة.وأنها لا تقاس بأمور الدنيا.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"وأما أن الأنبياء يقولون سلم سلم، فمسلم، ولكن ما أدراك أنهم يقولون ذلك لأنفسهم أي لأنهم يخافون على أنفسهم السقوط في النار؟! هذا لا يخطر على بال عاقل، بل يقولون ذلك خوفا على أمتهم، فإنهم يطلبون السلامة لأمتهم، وأتباعهم.\rثم إن وقوع الحوف في حالة ووقت وعين لا يخالف عدم وقوعه في أكثر وغالب الأوقات. فافهم.\rسابعا: وأما قوله بأن فكرة الصراط تفيد التساوي في الخوف بين المؤمنين والكافرين كما نصل عليه في ص، فهذا قريب من التحريف للأحاديث الواردة في ذلك، وهي تفيد التفريق بين مرور الناس عليه، فمجرد تفاوتهم في ذلك يفيد تفاوتهم في الخوف، ومجرد علم المؤمن بأنه مؤمن خاصة أن ذلك يكون بعد الحساب وعرض الأعمال، يفيد عدم تساويهم مع الكافرين في الخوف. وبعد فإن خوف كل واحد من الصراط إنما يكون بقدر أعماله الباطلة والمخالفة لأوامر الله تعالى في الحياة الدنيا، كما هو المقرر في أحوال الآخرة، وحياة البرزخ.\rثامنا:قوله ص:\"تنص فكرة الصراط على أن الناس يمرون على الصراط الذي هو جسر جهنم واحدا واحدا وليسوا جماعات، وهذا أيضا مخالف لما جاء في القرآن الكريم من أنه يُذْهَبُ بالناس من أرض الحساب والمحشر إلى الجنة والنار أفواجا أفواجا وزمرا زمرا، قال الله تعالى(ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا\"اهـ\rأقول: ليست كل الأحاديث تفيد ذلك، بل في بعضها ما يفيد أنهم يمرون على الصراط جماعات. ثم إن ما أفاد منها ذلك، لا يعارض الآيات التي أشار إليها، فإن المعنى ربما يكون أنهم بعد أن يسقطوا عن الصراط يساقون بالصورة التي ذكرت.","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"ثم إن الآيات لا تدل على أنهم يساقون مباشرة إلى جهنم من أرض المحشر والحساب، بل إنما تفيد أنهم يساقون إليها بعد ذلك، ومطلق البعدية يقبل توسط الصراط خاصة أنه لا يقال عنه أنه موقف وأرض بل هو حالة انتقالية عارضة لا دائمة، فالسوق من أرض الحساب والمحشر إلى جهنم إذا كان عن طريق الصراط فلا تعارض بل هو مطرد مع الآيات.\rتاسعا: قوله في ص:\"تنص فكرة الصراط الذي هو جسر على متن جهنم أن كيفية دخول النار تتم بالسقوط من هذا الجسر المنصوب على حافتيها والهوي في النار، وهذا مخالف لما هو مقرر في القرآن الكريم من أن دخول النار يتم بمجيء الكفار والعصاة إلى أبوابها مثل مجيء المؤمنين إلى أبواب الجنة والدخول فيها بعدئذ، قال الله تعالى(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها\"اهـ\rأقول: هذا غير معارض للأحاديث، والمعارضة لو تحققت غير قطعية. إذ ربما يكون السوق إلى جهنم الوارد في الآيان بعد سقوطهم عن الصراط.\rوأيضا فإنه لا يوجد دليل على أن مجيء الكفار والعصاة إلى أبواب جهنم هو مثل مجيء المؤمنين إلى أبواب الجنة، بل الوارد هو مطلق المجيء، وهذا لا يستلزم المماثلة، بل الأصل هنا هو عدم التماثل، لاختلاف أحوال الفريقين، كما لا يخفى، فإن كان كون المؤمنين مكرمين، وهذا يستلزم أن يأتوا الجنة مشيا مثلا أو في حالة معينة، فإن هذا يستلزم أن الكافرين يأتون النار في حالة تخالف حالة المؤمنين، وكل من هذا يسمى مجيئا، كما لا يخفى على عاقل.\rعاشرا:قوله في ص\"تفيد فكرة الصراط الذي هو جسر بأن المارَّ عليه لا يعرف مصيره….إلى قوله… وهذا أيضا مضاد ومخالف لما تقرر في القرآن الكريم وفي الأحاديث الصحيحة الأخرى من أن المؤمن وغيره من ساعة موته يعرف مصيره\".اهـ","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"أقول: كلامه هذا مرَّ بيان بعض ما فيه سابقا، فهو فيه تكرار، ولكن نزيد هنا فنقول: المؤمن العاصي، ولا يخلو مؤمن من معصية ولو من الصغائر لعدم عصمة جميعهم، هل يجزم أيضا بأن الله تعالى سوف يغفر له ذلك؟؟ من الجلي أنه لا يقول بهذا قائل، ولا أظن أن السقاف يقوا بذلك أيضا، فإذا تقرر هذا، فلم لا يكون الخوف عند المرور على الصراط إنما هو نتيجة لعدم معرفة حصول المغفرة، بل إن هذا هو ظاهر الأحاديث الكثيرة الواردة في الصراط، وإذا كان كذلك فما قال السقاف باطل جملة وتفصلا.\rهذا هو حاصل ما قال السقاف، قد بينا بطلانه وأنه لا يقوى على نفي الصراط من الأصل، وأن ما فهمه من القرآن وتوهم أن فهمه قطعي، قد بينا أنه لا قوى أما نقد سريع من نحو ما قمنا به هنا، فكيف لو كان المجال كافيا للتفصيل!؟\rهذا وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخطاء والمغالطات التي وقع فيها السقاف أثناء مناقشته لفكرة الصراط كما يقول. وهذه المغالطات أنواع منها تجاهل أحاديث كثيرة واردة، ومنها قطعه لأقوال بعض العلماء في الصراط، ومعاني الآيات، ومنها عدم ذكره لحقيقة أقوال الفرق الإسلامية في هذه المسألة، ومنها أسلوبه الذي لا يليق اتباعه في مثل هذه المباحث، وغير ذلك. ورجونا أن يكون في هذه المناقشة السريعة المختصرة لما قاله في الصراط، كفاية عن الرد عليه تفصيلا في ما ألمحنا إليه.والله الموفق.\r( ورد القرآن بالميزان فقد قال الله تعالى(فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية. وقال تعالى في سورة الأنبياء(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين[].\rروى الإمام البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده.","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها.\rوفي صحيح ابن حبان عن أبي سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقيته بالكوفة في مسجدها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بخ بخ وأشار بيده بخمس ما أثقلهن في الميزان سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه.\rورواه أيضا الحاكم في المستدرك.\rوفي مستدرك الحاكم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول الله تعالىلمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة من تجيز على هذا فيقول من شئت من خلقي فيقول سبحانك ما عبدناك حق عبادتك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا ويحمده عشرا ويكبره عشرا فتلك خمسون ومئة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان وإذا أوى إلى فراشه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر أربعا وثلاثين فتلك مائة باللسان وألف في الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمس مائة سيئة قال عبد الله بن عمرو ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده قال فقيل يا رسول الله وكيف لا يحصيها قال يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول اذكر كذا اذكر كذا ويأتيه عند منامه فينومه قال حماد بن زيد كان أيوب حدثنا عن عطاء بن السائب بهذا الحديث فلما قدم عطاء البصرة قال لنا أيوب قد قدم صاحب حديث التسبيح فاذهبوا فاسمعوه منه.\rوفيه أيضا عن أم الدرداء عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان اثقل ما وضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن وان الله يبغض الفاحش البذئ.\rورواه أبو داود في سننه.\rوروى الترمذي في سننه النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قال قلت يا رسول الله فأين أطلبك قال اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط قال قلت فإن لم ألقاك على الصراط قال فاطلبنى عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطىء هذه الثلاث المواطن قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.\rفالحاصل أن أصل الميزان ثابت، وأما صفته وصورته فلا تثبت بطريق قطعي، فلا ينبغي الجزم بصورة معينة له.","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"( والأدلة النقلية على كون الله تعالى خالقا لكل شيء كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الرعد(قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار[]، وقوله تعالى في سورة الزمر(الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل[] وفي سورة فاطر(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون[]،وفي سورة غافر(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون[]وفي سورة النحل(أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون[]،وفي النحل أيضا(والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون[0]، فأنت ترى أيها القارئ كيف أثبت الله تعالى لنفسه الخلق في آيات، ونفاه عن غيره في آيات أخرى، فثبت من هذا حصر الخلق في الله تعالى. وبعد ذلك لا يجوز أن يدعي واحد لنفسه القدرة على الخلق مطلقا.\rوهل حصر الخلق في الله تعالى يلزم منه أن العباد كلهم مجبورون على أفعالهم؟ قلنا: هذا سؤال ناتج عن سوء فهم، وضيق فكر، فالخلط بين مفهوم الجبر والخلق، واشتراط الاختيار بالخلق، هو السبب في ذلك. وتحرير هذا المحل، أن نقول، إن الخلق هو الإيجاد بعد العدم، والمخلوق هو الموجود بعد العدم. والاختيار هو حصول إرادة الفعل فيك، ولا يشترط في الاختيار أن تخلق أنت الفعل، بل لو اوجده لك غيرك وأنت اخترته فقط، لصح أن يقال إنك الذي اخترت هذا الفعل، وصح نسبة الفعل إليك على طريق الكسب، مع أنك لم توجده. فكونك مختارا لا يشترط له أن تكون خالقا، بل العكس هو الصحيح، أي إذا سلمنا أنك خالق، فيجب أن تكون مختارا، لأن شرط الخلق هو الاختيار، ولا يقال إن شرط الاختيار هو الخلق.فافهم هذا.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"فالإنسان مختار وليس خالقا، فهو مختار لأفعاله وليس خالقا لها. ولا يترتب على ذلك كونه مجبورا، لأن الجبر هو حصول الفعل على خلاف الإرادة، وهنا لم يحصل الفعل إلا على وفاق الإرادة، فكيف يقال إن الناس مجبورون. ولكن غاية ما وقع هو أن الإنسان ليس هو الذي خلق الفعل، بل الله هو الذي خلقه، وأما الإنسان فهو الذي اكتسبه. فالفعل منسوب إلى الإنسان كسبا، وإلى الله تعالى خلقا.قالالله تعالى في سورة القرة(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون[]، وفي البقرة أيضا(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد[]، لاحظ كيف نسب الله تعالى الكسب إلى الإنسان في الآية الأولى، وقد رأيتَ كيف نسب الخلق إلى ذاته الجليلة في الآيات السابقة، وتأمل كيف قال (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض فالله تعالى نسب الإخراج من الأرض إلى ذاته، ونسب للإنسان الكسب. فدل ذلك على أن الإنسان لا يخلق.وقال تعالى في سورة البقرة(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم[]،وأيضا(واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون[]،وأيضا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين[]، فقد نسب الله تعالى إلى الخلق أنهم لا يطيقون إلا الكسب، وقد نفى عنهم الخلق في الآيات السابقة، فدل ذلك على أنهم لا يطيقون الخلق، وقال في آخرها(ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وقد عرفت أن الخلق لا يطيقون الخلق، وما نسب إلى طاقتهم","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"إنما هو الكسب. وقد أعلمنا الله تعالى في سورة إبراهيم أن الجزاء لا يكون إلا على الكسب فقال(ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب[]، فدل ذلك على أن الخلق ليس شرطا في التكليف، بل الكسب هو الشرط فيه. وما ذكرناه هنا فيه كفاية لمن يريد الهداية.\rوقد لجأ العلماء من أهل السنة إلى مفهوم الكسب الذي هو غير مفهوم الخلق، لما رأوه من آيات عديدة في القرآن الكريم، تنسب إلى الله تعالى الخلق، وتنفي الخلق عن غير الله تعالى، وآيات تنسب الكسب إلى العبد، فعلموا أن العبد فاعل على سبيل الكسب، وأن الله تعالى فاعل لا على سبيل الكسب بل على سبيل الخلق. وعلموا أن الكسب ليس خلقا، وعلموا أن الكسب كاف في ترتب الثواب والعقاب، بل كاف في ترتب التكاليف على الإنسان.\rوحاصل معنى الكسب هو أن الله تعالى لما علم منذ الأزل ما سوف يفعله الإنسان من أفعال، وذلك كله على حسب إرادته، وفي الأوقات المعينة بعد وجوده، فإنه جلَّ شأنه يخلق للعبد الفعل الذي علم أنه سوف يريده، فالفعل يكون بإيجاد الله تعالى، وكسب من العبد، فيكون فيه شبه الوصف للعبد، وأما الله تعالى فلا يتصف مطلقا بفعل من أفعاله. بل أفعاله تأتي نتيجة صفاته. ولهذا فإن الله إذا علم أن العبد سوف يختار الكفر فإنه يخلقه له، ويودعه فيه في الوقت الذي علم أنه يختاره، فيصبح الكفر صفة من صفات العبد لا صفة من صفات الله تعالى، فالله تعالى هو موجد الكفر، ولكن على وفاق ما أراده العبد. وكذلك إذا علم الله تعالى أن العبد يختار الإيمان، فإنه يخلقه له، فيصير العبد مؤمنا، والله تعالى خالق الإيمان، فالذي ينسب إليه الإيمان والكفر على سبيل الكسب إنما هو العبد، وأما الله تعالى فينسب إليه ذلك على سبيل الخلق والإيجاد. وكذلك إذا أراد الإنسان الشرَّ، أو الخير.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"ولا يلزم من ذلك أن يكون الله تعالى شريرا لأن الشرير هو من يتصف بالشر، لا من يوجده، والإنسان هو الذي يتصف بالشر، لاكتسابه له، وأما الله تعالى فهو خالقه، فلا يكتسب شيئا من أفعاله، لاستحالة اتصافه تعالى بصفة حادثة. هذا كله على القول بأن الشر حقيقة موجود، وأما على القول بأن الشر لا يوجد في نفس الأمر بل إنما هو صفة اعتبارية منسوبة للعبد، فلا إشكال هنا مطلقا.\rويعبر أهل السنة عن الكسب بأن الله تعالى يخلق الفعل في العبد عند إرادة العبد الإتيان بالفعل، ويخلق له كذلك القدرة المصاحبة لفعله، فقدرة العبد وفعله متلازمان وليس الفعل موجودا بإيجاد قدرته، بل قدرته وفعله موجودان بإيجاد قدرة الله تعالى، وذلك كله على حسب تعلق علم الله الأزلي.\r( هذه العبارة من كلام الإمام الطحاوي لها موقع خطير ومعنى جليل، لم أرَ من تصدى للكشف عنه إلا أقل القليل. وقد تقدم بعض المجسمة إلى الاعتراض عليها من أصلها، وأبطلوا معناها الذي فهموه ، ولم يكلفوا أنفسهم بالنظر لعل المصنف قد قصد أمرا آخر. وها نحن نقصد إلى ذكر مواقفهم المختلفة من هذه العبارة، ثم نأتيك بالكلام المحقق فيها والله الموفق.\rأما الشيخ حسن السقاف، فلم يتعرض لهذه العبارة، شأنه دائما في الأمور التي تحتاج إلى فهم ودقة نظر، بل مرَّ عليها كأنها لم تكن. ووجه العجب من تصرف السقاف أنه هو المتصدي والمدعي للاجتهاد في هذا الباب.\rوأما ابن باز، فقد قال بكل جرأة في التعليق على هذه العبارة: هذا غير صحيح بل المكلفون يطيقون أكثر مما كلفهم به سبحانه ولكنه عز وجل لطف بعباده ويسر عليهم ولم يجعل عليهم في دينهم حرجا فضلا منه وإحسانا، والله ولي التوفيق.\"اهـ\rفهذه عبارته وسوف يأتي كلامنا عليها، ونقد ما فيها.","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"وأما الشيخ عبدالله الهرري في كتابه إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية، فقد قال في ص0:\"الجملة الأولى معناها ظاهر(يقصد قوله ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يُطِيْقُون، أي ليس للعباد أن يلزموهم إلا ما كلفهم الله به، فيطيقون في الجملة الأولى بضم الياء وكسر الطاء، وأما الثانية فيتعين قراءتها بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الياء التي بعدها(أي ولا يُطَيَّقون، ولا يصح معنى هذه الجملة الثانية إلا على هذا الوجه لظهور فساده، لأن المعنى على ذلك ينحل إلى أن العباد لا يستطيعون أن يفعلوا سوى ما كلفهم الله به، والواقع أن العباد قادرون على أن يخالفوا ما كلفهم به وذلك حال أكثر البشر، وهذا التحقيق مما فتح الله به، ولم نرَ شارحا عرج عليه ولله الحمد.\"اهـ\rفكلام الهرري فيه نوع حُسْنٍ، ومحاولة طيبة لتفسير هذه العبارة. وأما نحن فإن لنا كلاما قد ذكرناه في ما كتبناه على اعتراضات ابن باز على العقيدة الطحاوية، في سنة للميلاد. وها نحن نذكره هنا لفائدته، مع رجاء أن نكون فيه من المصيبين.\rوالحق أن المعنى الذي اقترحه الشيخ الهرري جيد، ولكنه متكلف، وعلى كل الأحوال، فإنه قد بذل جهدا بعدما لاحظ الإشكال الذي يمكن أن ينشأ عن عبارة الطحاوي هذه، فاقترح هذا الحل.","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"ولكن قد ظهر لي بعد الفكر أن عبارة الطحاوي هذه إذا كانت مبنية على أن معنى التكليف هو المشقة، فإن ظاهر الفكر قد ينتج عنه أن الإنسان يطيق أكثر مما كلفه به الله تعالى، وذلك لأنه لا شك أن الإنسان يمكن أن يصلي زيادة عن الصلوات الخمسة، ويزكي زيادة عن ما فرضه الشرع، وهكذا، فيكون الله بناءا على هذا المعنى قد لطف بالعباد ولم يكلفهم جميع ما يطيقون. ولكن هذا المعنى ظاهري عندي. ولا يناسب تتمة كلام الطحاوي، فإنه قد جعل هذه العبارة تفسيرا لقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا كانت هي كذلك فلا يجوز أن يراد بالتكليف المشقة فقط، بل ما هو شامل لها ولغيرها، فيدخل تحت التكليف جميع الأحكام الشرعية الخمسة، فالتوفيق يكون في الواجب والمندوب والمباح وليس فقط في الواجبات.\rواعتمادا على هذه المقدمة نقول:\rالتكليف إذا أطلق عمَّ أنواع الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة، وهذه تشتمل على كل ما يمكن أن يُتَصَوَّرَ من مراتب الطلب في الشرائع. ومن المعلوم أن الشرائع أنزلت لحكمة وعاقبة حميدة، لمصلحة الخلق أجمعين، وذلك لتوصل الإنسان وغيره إلى كمال وجوده،فإذا وقف المكلف عند حدود الشرع، ووقف في كل نوع من أنواع الأحكام حسب مرتبته فأذ بالواجب على أنه واجب وبالمندوب على أنه مندوب وبالمباح على أنه مباح إلى آخره، فإنه يصل إلى كمال وجوده على حسب طاقته ووسعه، وبالتدريج.\rفأوامر الله تعالى ومطلوباته من عبيده تعلقت بكل شيء مما يتصور أن يتلبس الإنسان به، أو يكون له مدخل في حياته في الدنيا والآخرة.\rوبما أن أوامر الله تعالى عامة التعلق، والله تعالى لا يأمر إلا بما يرضى، وإذا أمر أمر به على الوجه الذي يرضاه، ولا ينهى إلا عما لا يحب، وإذا نهى نهى على الوجه الذي أحب. ولا نتصور أمرا خارجا عن أوامر الله ونواهيه له مدخل في الرسالة والشرائع.","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"فيتحصل مما مضى أن الشره الذي أنزله الله تعالى لا يتصور فيه نقص ولا قصور، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.\rوالله لا يأمر العباد إلا بما يطيقون، وما يأمرهم به لا يكون شرا، فيتحصل لنا من هاتين الكلمتين أن الشرَّ لا يطيقه العباد، وما يظهر لنا من الإنسان حين يشرب الخمر أنه يطيقه، فهذه إاطقة ظاهرية ومؤقتة غير معتبرة، وذو العقل السليم لا يلتفت إليها، لأن حاصل شرب الخمر هو هلاك الجسد، والإنسان لا يطيق هلاك نفسه، والشرور إنما هي نقصان في وجود الموجود، والموجود لا يطيق عدم بعضه، لأن الإطاقة فعل يتعلق بموجود، والمعدوم ليس بشيء فلا تتعلق به إطاقة، لهذا قرر المحققون من علماء الأصول أنه لا تكليف إلا بفعل، فالفعل وجودي مطلقا.\rومما مضى يتبين ذو التحقيق أن كلام من اعترض على الطحاوي في هذه العبارة باطل، جملة وتفصيلا.\rومن الوجوه التي يمكن أن يتبين بها بطلان كلام المعترضين: أنهم يقولون بأن الخلق يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه لم يكلفهم به، إذن يوجد شيء يمكن أن يتعلق به حكم شرعي ولكن الشرع لا يطاله ولا يتعلق به، وهذا تصريح بنقصان الشريعة.\rوأيضا هذا الذي لم يكلفهم به الشرع، إما أن يكون خيرا أو شرا، فإن كان شرا، فيلزم أن يرضى الله بالشر على قولهم، وهو باطل، وإن كان خيرا، وهم يطيقونه، فعدم تكليفهم به بل عدم دلالته لهم عليه مناف للحكمة ولكون الشريعة كاملة، وهذا قدح في الحضرة العلية، وهو كفر.\rوأما قولهم ولكنه عزَّ وجل لطف…الخ، فأقول: لطف الله إنما يمكن في عدم تكليف العباد ما لا يطيقون، لا في عدم تكليفهم بما يوصلهم إلى كمالهم، فالتكليف تشريف، وعدم التكليف بما يدخل تحت الطاقة يضاد التشريف، فأين يذهب اللطف؟!\r( الحَيْنُ هو الهلاك والمحنة. وفي بعض النسخ (تقدس عن كل سوء وشَيْنٍ والشين هو النقص والعيب. وفي بعضها (تقدس عن كل سوء.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"( لما كان الظلم هو إعطاء الشيء غير ما يستحق، وكان كل ما سوى الله تعالى لا حق له ثابت إلا بتثبيت الله تعالى له، فإن الظلم منفي عن الله تعالى مطلقا.\rوأما ما يعده الله تعالى لعباده، فإنه لا يخلفه، ولكن هذا لا يكون حقا لهم ثابتا إلا بتثبيت الله تعالى له.والله تعالى لا يخلف وعده.\r( قال الشيخ الغنيمي في شرحه على العقيدة الطحاوية بعد أن ذكر أن دعاء الأحياء فيه منفعة للأموات:\"وقد توارث السلف له، فلو لم يكن للأموات نفع فيه، لما كان له معنى، وقال عليه الصلاة والسلام:\"ما من ميث يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\"، وعن سعد بن عبادة أنه قال يا رسول الله إن أم سعد ماتت، فأي صدقة أفضل، قال الماء. فحفر بئرا وقال هذه لأم سعد. والأحاديث والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصر.\"اهـ\rوهذا الكلام قد نقله الغنيمي عن السعد في شرح العقائد النسفية كما نبه، وتكملة كلامه هناك:\"وقال عليه الصلاة والسلام الدعاء يرد البلاء، والصدقة تطفئ غضب الرب، وقال عليه السلام إن العالم والمتعلم إذا مرا على قرية فإن الله تعالى يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين يوما.\"اهـ\r( ذكر العلامة الطحاوي هذا هنا، لئلا يتوهم متوهم أن الدعاء يؤثر بنفسه، بل الله تعالى هو الذي يستجيب للدعاء، فالأثر إنما هو صادر من الله تعالى، وهو الذي يقضي الحاجات. وهذا المعنى واضح.\r( معنى الحَيْنِ هو الهلاك. كما مضى.\rلما ثبت أن الله تعالى هو الموجود الواجب الوجود، وثبت أن كل ما سواه فإنما هو ممكن الوجود، فقد لزم أن كل ما سوى الله تعالى فهو محتاج إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يستغني كل ما سواه عنه طرفة عين، وإلا لأصبح من أهل الهلاك، وهذا مطابق لما قرره أئمة الكلام من أن الممكن محتاج إلى الله تعالى حال الإيجاد، وبعد ذلك، أي إنه محتاج إلى الله تعالى لاستمرار وجوده أيضا.","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"( روى الإمام البخاري في صحيحه عن فاطمة عن أسماء قالت أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت إلى السماء فإذا الناس قيام فقالت سبحان الله قلت آية فأشارت برأسها أي نعم فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب على رأسي الماء فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ثم قال ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب لا أدري أي ذلك قالت أسماء من فتنة المسيح الدجال يقال ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري بأيهما قالت أسماء فيقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا هو محمد ثلاثا فيقال نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا به وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.\rوفي البخاري أيضا عن مجاهد قال كنا عند بن عباس رضي الله تعالى عنهما فذكروا الدجال أنه قال مكتوب بين عينيه كافر فقال بن عباس لم أسمعه ولكنه قال أما موسى كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي.\rوفيه عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان.\rوفيه أيضا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق.","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وفي البخاري عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا به أن قال يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة ينزل بعض السباخ التي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه فيقول الدجال أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم فيقول الدجال أقتله فلا أسلط عليه.\rوقد روي في الدجال أحاديث غير هذه.\r( روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا.\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة.\rوروى الحاكم في المستدرك عن قيس بن سعد عن أبي الطفيل قال كنا جلوسا عند حذيفة فذكرت الدابة فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه إنها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي ثم تكمن ثم تخرج في بعض القرى حتى يذعروا وحتى تهريق فيها الأمراء الدماء ثم تكمن قال فبينما الناس عند أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها حتى قلنا المسجد الحرام وما سماه إذ ارتفعت الأرض ويهرب الناس ويبقى عامة من المسلمين يقولون إنه لن ينجينا من أمر الله شيء فتخرج فتجلو وجوههم حتى تجعلها كالكواكب الدرية وتتبع الناس جيران في الرباع شركاء في الأموال وأصحاب في الإسلام هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"وفي المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان يجتمعون فيقولون لهذا يا مؤمن ويقولون لهذا يا كافر.\rوفي المستدرك عن أبي الزعراء قال كنا عند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فذكر عنده الدجال فقال عبد الله بن مسعود تفترقون أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح وفرقة تأخذ شط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام فيبعثون إليهم طليعة فيهم فارس على فرس أشقر وأبلق قال فيقتتلون فلا يرجع منهم بشر قال سلمة فحدثني أبو صادق عن ربيعة بن ناجذ أن عبد الله بن مسعود قال فرس أشقر قال عبد الله ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ينزل إليه قال سمعته يذكر عن أهل الكتاب حديثا غير هذا ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيمرحون في الأرض فيفسدون فيها ثم قرأ عبد الله وهم من كل حدب ينسلون قال ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذا النغف فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها فتنتن الأرض منهم فيجأر إلى الله فيرسل ماء يطهر الأرض منهم قال ثم يبعث الله ريحا فيها زمهرير باردة فلم تدع على وجه الأرض مؤمنا إلا كفته تلك الريح قال ثم تقوم الساعة على شرار الناس ثم يقوم الملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه والصور قرن فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون فليس من بني آدم خلق إلا منه شيء قال فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى ثم قرأ عبد الله والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور قال ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فينطلق كل نفس إلى جسدها حتى يدخل فيه ثم","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"يقومون فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين قال ثم يتمثل الله تعالى إلى الخلق فيلقاهم فليس أحد يعبد من دون الله شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه قال فيلقى اليهود فيقول من تعبدون قال فيقولون نعبد عزيرا قال هل يسركم الماء فيقولون نعم إذ يريهم جهنم كهيئة السراب قال ثم قرأ عبد الله وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا قال ثم يلقى النصارى فيقول من تعبدون فيقولون المسيح قال فيقول هل يسركم الماء قال فيقولون نعم قال فيريهم جهنم كهيئة السراب ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئا قال ثم قرأ عبد الله وقفوهم إنهم مسؤولون قال ثم يتمثل الله تعالى للخلق حتى يمر على المسلمين قال فيقول من تعبدون فيقولون نعبد الله ولا نشرك به شيئا فينتهرهم مرتين أو ثلاثا فيقول من تعبدون فيقولون نعبد الله ولا نشرك به شيئا قال فيقولون هل تعرفون ربكم قال فيقولون سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه قالف فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجدا ويبقى المنافقون ظهورهم طبقا واحدا كأنما فيها السفافيد قال فيقولون ربنا فيقول قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون قال ثم يأمر بالصراط فيضرب على جهنم فيمر الناس كقدر أعمالهم زمرا كلمح البرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم كأسرع البهائم ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا ثم مشيا ثم يكون آخرهم رجلا يتلبط على بطنه قال فيقول أي رب لماذا أبطأت بي فيقول لم أبطأ بك إنما أبطأ بك عملك قال ثم يأذن الله تعالى في الشفاعة فيكون أول شافع روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم خليل الله ثم موسى ثم عيسى عليهما الصلاة والسلام قال ثم يقوم نبيكم رابعا لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود الذي ذكره الله تبارك وتعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال فليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة أو بيت في النار قال وهو يوم الحسرة قال فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة ثم يقال لو عملتم قال","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"فتأخذهم الحسرة قال ويرى أهل الجنة البيت في النار فيقال لولا أن من الله عليكم قال ثم يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون فيشفعهم الله قال ثم يقول الله أنا أرحم الراحمين فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته قال ثم يقول أنا أرحم الراحمين قال ثم قرأ عبد الله ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين قال فعقد عبد الله بيده أربعا ثم قال هل ترون في هؤلاء من خير ما ينزل فيها أحد فيه خير فإذا أراد الله عز وجل أن لا يخرج منها أحد غير وجوههم وألوانهم قال فيجئ الرجل فينظر ولا يعرف أحدا فيناديه الرجل فيقول يا فلان أنا فلان فيقول ما أعرفك فعند ذلك يقول ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيقول عند ذلك اخسئوا فيها ولا تكلمون فإذا قال ذلك أطبقت عليهم فلا يخرج منهم بشر هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\rوفي المستدرك أيضا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال جلس إلى مروان ثلاثة نفر بالمدينة فسمعوه يحدث عن الآيات أولها خروج الدجال فقام النفر من عند مروان فجلسوا إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بما قال مروان فقال عبد الله لم يقل مروان شيئا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها أو الدابة أيهما كانت أولا فالأخرى على أثرها قريبا ثم نشأ يحدث قال وذلك أن الشمس إذا غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء قال ثم تعود تستأذن في الرجوع فلم يرد عليها شيء قال يا رب ما أبعد المشرق من لي بالناس حتى إذا كان الليل أتت فاستأذنت فقال لها اطلعي من مكانك قال وكان عبد الله يقرأ الكتب فقرأ وذلك يوم لا ينفع إيمانها نفسا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"( روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث بن سيرين ولم يخرجاه وحدث البخاري عن إسحاق عن روح عن عوف عن خلاس ومحمد عن أبي هريرة قصة موسى أنه آدر.\rوهو في سنن البيهقي الكبرى بلفظ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.\rورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ عنه وعن الحسن، وإسحاق بن راهويه.\rوفي مسند أبي يعلى عبد الله أنه قال من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.\rوهذا عن عبد الله بن مسعود في الأوسط للطبراني وغيره.\rوهذا المعنى كثير في السنة.","part":1,"page":215}],"titles":[{"id":1,"title":"شرح العقيدة الطحاوية","lvl":1,"sub":0}]}