{"pages":[{"id":0,"text":"{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْضَحَ لَنَا مَعَالِمَ الدِّينِ ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ ، وَشَرَعَ لَنَا مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَفَصَّلَ لَنَا مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَا جَعَلَهُ عَلَى الدُّنْيَا حُكْمًا تَقَرَّرَتْ بِهِ مَصَالِحُ الْخَلْقِ ، وَثَبَتَتْ بِهِ قَوَاعِدُ الْحَقِّ ، وَوَكَّلَ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مَا أَحْسَنَ فِيهِ التَّقْدِيرَ ، وَأَحْكَمَ بِهِ التَّدْبِيرَ ، فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَدَّرَ وَدَبَّرَ ، وَصَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى رَسُولِهِ الَّذِي صَدَعَ بِأَمْرِهِ ، وَقَامَ بِحَقِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ .\rوَلَمَّا كَانَتْ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ بِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَحَقَّ ، وَكَانَ امْتِزَاجُهَا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَصَفُّحِهَا مَعَ تَشَاغُلِهِمْ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، أَفْرَدْتُ لَهَا كِتَابًا امْتَثَلْتُ فِيهِ أَمْرَ مَنْ لَزِمَتْ طَاعَتُهُ ، لِيَعْلَمَ مَذَاهِبَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا لَهُ مِنْهَا فَيَسْتَوْفِيهِ ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْهَا فَيُوَفِّيهِ ؛ تَوَخِّيًا لِلْعَدْلِ فِي تَنْفِيذِهِ وَقَضَائِهِ ، وَتَحَرِّيًا لِلنَّصَفَةِ فِي أَخْذِهِ وَعَطَائِهِ ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حُسْنَ مَعُونَتِهِ ، وَأَرْغَبُ إلَيْهِ فِي تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ ، وَهُوَ حَسْبِي وَكَفَى .\r( أَمَّا بَعْدُ ) فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ نَدَبَ لِلْأُمَّةِ زَعِيمًا خَلَفَ بِهِ النُّبُوَّةَ ، وَحَاطَ بِهِ الْمِلَّةَ ، وَفَوَّضَ إلَيْهِ السِّيَاسَةَ ، لِيَصْدُرَ التَّدْبِيرُ عَنْ دِينٍ مَشْرُوعٍ ، وَتَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَى رَأْيٍ مَتْبُوعٍ فَكَانَتْ الْإِمَامَةُ أَصْلًا عَلَيْهِ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الْمِلَّةِ ، وَانْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُ الْأُمَّةِ حَتَّى اسْتَثْبَتَتْ بِهَا الْأُمُورُ الْعَامَّةُ ، وَصَدَرَتْ عَنْهَا الْوِلَايَاتُ الْخَاصَّةُ ، فَلَزِمَ تَقْدِيمُ حُكْمِهَا عَلَى كُلِّ حُكْمٍ سُلْطَانِيٍّ ،","part":1,"page":1},{"id":1,"text":"وَوَجَبَ ذِكْرُ مَا اخْتَصَّ بِنَظَرِهَا عَلَى كُلِّ نَظَرٍ دِينِيٍّ ، لِتَرْتِيبِ أَحْكَامِ الْوِلَايَاتِ عَلَى نَسَقٍ مُتَنَاسِبِ الْأَقْسَامِ ، مُتَشَاكِلِ الْأَحْكَامِ .\rوَاَلَّذِي تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكِتَابُ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ عِشْرُونَ بَابًا ، فَالْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ .\rوَالْبَابُ الثَّانِي : فِي تَقْلِيدِ الْوَزَارَةِ .\rوَالْبَابُ الثَّالِثُ : فِي تَقْلِيدِ الْإِمَارَةِ عَلَى الْبِلَادِ .\rوَالْبَابُ الرَّابِعُ : فِي تَقْلِيدِ الْإِمَارَةِ عَلَى الْجِهَادِ .\rوَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ .\rوَالْبَابُ السَّادِسُ : فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ .\rوَالْبَابُ السَّابِعُ : فِي وِلَايَةِ الْمَظَالِمِ .\rوَالْبَابُ الثَّامِنُ : فِي وِلَايَةِ النِّقَابَةِ عَلَى ذَوِي الْأَنْسَابِ .\rوَالْبَابُ التَّاسِعُ : فِي الْوِلَايَةِ عَلَى إمَامَةِ الصَّلَوَاتِ .\rوَالْبَابُ الْعَاشِرُ : فِي الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِّ .\rوَالْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ : فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَاتِ .\rوَالْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ : فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ .\rوَالْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ : فِي وَضْعِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ .\rوَالْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ : فِيمَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ مِنْ الْبِلَادِ .\rوَالْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ : فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمِيَاهِ .\rوَالْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ : فِي الْحِمَى وَالْأَرْفَاقِ .\rوَالْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ : فِي أَحْكَامِ الْإِقْطَاعِ .\rوَالْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ : فِي وَضْعِ الدِّيوَانِ وَذِكْرِ أَحْكَامِهِ .\rوَالْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ : فِي أَحْكَامِ الْجَرَائِمِ .\rوَالْبَابُ الْعِشْرُونَ : فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ .","part":1,"page":2},{"id":2,"text":"الْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا ، وَعَقْدُهَا لِمَنْ يَقُومُ بِهَا فِي الْأُمَّةِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ شَذَّ عَنْهُمْ الْأَصَمُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا هَلْ وَجَبَتْ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ وَجَبَتْ بِالْعَقْلِ لِمَا فِي طِبَاعِ الْعُقَلَاءِ مِنْ التَّسْلِيمِ لِزَعِيمٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّظَالُمِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ فِي التَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ ، وَلَوْلَا الْوُلَاةُ لَكَانُوا فَوْضَى مُهْمَلِينَ ، وَهَمَجًا مُضَاعِينَ ، وَقَدْ قَالَ الْأَفْوَهُ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : بَلْ وَجَبَتْ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُومُ بِأُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ قَدْ كَانَ مُجَوَّزًا فِي الْعَقْلِ أَنْ لَا يَرِدَ التَّعَبُّدُ بِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ الْعَقْلُ مُوجِبًا لَهَا ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْعَقْلُ أَنْ يَمْنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ مِنْ الْعُقَلَاءِ عَنْ التَّظَالُمِ وَالتَّقَاطُعِ ، وَيَأْخُذَ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ فِي التَّنَاصُفِ وَالتَّوَاصُلِ ، فَيَتَدَبَّرُ بِعَقْلِهِ لَا بِعَقْلِ غَيْرِهِ ، وَلَكِنْ جَاءَ الشَّرْعُ بِتَفْوِيضِ الْأُمُورِ إلَى وَلِيِّهِ فِي الدِّينِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } .\rفَفَرَضَ عَلَيْنَا طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ فِينَا وَهُمْ الْأَئِمَّةُ الْمُتَأَمِّرُونَ عَلَيْنَا .\rوَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلَاةٌ فَيَلِيكُمْ الْبَرُّ بِبِرِّهِ ، وَيَلِيكُمْ الْفَاجِرُ بِفُجُورِهِ ، فَاسْمَعُوا لَهُمْ وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الْحَقَّ ، فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ } .","part":1,"page":3},{"id":3,"text":"( فَصْلٌ ) فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْإِمَامَةِ فَفَرْضُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا سَقَطَ فَرْضُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ النَّاسِ فَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ حَتَّى يَخْتَارُوا إمَامًا لِلْأُمَّةِ .\rوَالثَّانِي أَهْلُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ أَحَدُهُمْ لِلْإِمَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي تَأْخِيرِ الْإِمَامَةِ حَرَجٌ وَلَا مَأْثَمٌ ، وَإِذَا تَمَيَّزَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي فَرْضِ الْإِمَامَةِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ .\rفَأَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا الْعَدَالَةُ الْجَامِعَةُ لِشُرُوطِهَا .\rوَالثَّانِي : الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا .\rوَالثَّالِثُ : الرَّأْيُ وَالْحِكْمَةُ الْمُؤَدِّيَانِ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ وَبِتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ أَقْوَمُ وَأَعْرَفُ ، وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ فَضْلُ مَزِيَّةٍ تَقَدَّمَ بِهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ يَحْضُرُ بِبَلَدِ الْإِمَامِ مُتَوَلِّيًا لِعَقْدِ الْإِمَامَةِ عُرْفًا لَا شَرْعًا ؛ لِسُبُوقِ عِلْمِهِمْ بِمَوْتِهِ وَلِأَنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ فِي الْأَغْلَبِ مَوْجُودُونَ فِي بَلَدِهِ .","part":1,"page":4},{"id":4,"text":"وَأَمَّا أَهْلُ الْإِمَامَةِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ سَبْعَةٌ : أَحَدُهَا : الْعَدَالَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ .\rوَالثَّانِي : الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ .\rوَالثَّالِثُ سَلَامَةُ الْحَوَاسِّ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ لِيَصِحَّ مَعَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يُدْرَكُ بِهَا .\rوَالرَّابِعُ : سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ .\rوَالْخَامِسُ : الرَّأْيُ الْمُفْضِي إلَى سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ .\rوَالسَّادِسُ : الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ .\rوَالسَّابِعُ : النَّسَبُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِضِرَارٍ حِينَ شَذَّ فَجَوَّزَهَا فِي جَمِيعِ النَّاسِ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ احْتَجَّ يَوْمَ السَّقِيفَةِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي دَفْعِهِمْ عَنْ الْخِلَافَةِ لَمَّا بَايَعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ عَلَيْهَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } فَأَقْلَعُوا عَنْ التَّفَرُّدِ بِهَا وَرَجَعُوا عَنْ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا حِينَ قَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ تَسْلِيمًا لِرِوَايَتِهِ وَتَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ وَرَضُوا بِقَوْلِهِ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا } .\rوَلَيْسَ مَعَ هَذَا النَّصِّ الْمُسَلَّمِ شُبْهَةٌ لِمُنَازِعٍ فِيهِ وَلَا قَوْلٌ لِمُخَالِفٍ لَهُ .","part":1,"page":5},{"id":5,"text":"وَالْإِمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ .\rوَالثَّانِي بِعَهْدِ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ : فَأَمَّا انْعِقَادُهَا بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عَدَدِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِمَامَةُ مِنْهُمْ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِجُمْهُورِ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ لِيَكُونَ الرِّضَاءُ بِهِ عَامًّا وَالتَّسْلِيمُ لِإِمَامَتِهِ إجْمَاعًا ، وَهَذَا مَذْهَبٌ مَدْفُوعٌ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْخِلَافَةِ بِاخْتِيَارِ مَنْ حَضَرَهَا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِبَيْعَتِهِ قُدُومَ غَائِبٍ عَنْهَا .\rوَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : أَقَلُّ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ مِنْهُمْ الْإِمَامَةُ خَمْسَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَى عَقْدِهَا أَوْ يَعْقِدُهَا أَحَدُهُمْ بِرِضَا الْأَرْبَعَةِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْعَقَدَتْ بِخَمْسَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا ثُمَّ تَابَعَهُمْ النَّاسُ فِيهَا ، وَهُمْ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَبِشْرُ بْنُ سَعْدٍ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالثَّانِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ الشُّورَى فِي سِتَّةٍ لِيُعْقَدَ لِأَحَدِهِمْ بِرِضَا الْخَمْسَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rوَقَالَ آخَرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ : تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ يَتَوَلَّاهَا أَحَدُهُمْ بِرِضَا الِاثْنَيْنِ لِيَكُونُوا حَاكِمًا وَشَاهِدَيْنِ كَمَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ .\rوَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : تَنْعَقِدُ بِوَاحِدٍ ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا اُمْدُدْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَيَقُولُ النَّاسُ : عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ ابْنَ عَمِّهِ فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثْنَانِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ وَحُكْمُ وَاحِدٍ نَافِذٌ .","part":1,"page":6},{"id":6,"text":"فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ لِلِاخْتِيَارِ تَصَفَّحُوا أَحْوَالَ أَهْلِ الْإِمَامَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِمْ شُرُوطُهَا فَقَدَّمُوا لِلْبَيْعَةِ مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ فَضْلًا وَأَكْمَلَهُمْ شُرُوطًا وَمَنْ يُسْرِعُ النَّاسُ إلَى طَاعَتِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عَنْ بَيْعَتِهِ ، فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ مَنْ أَدَّاهُمْ الِاجْتِهَادُ إلَى اخْتِيَارِهِ عَرَضُوهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَجَابَ إلَيْهَا بَايَعُوهُ عَلَيْهَا وَانْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَلَزِمَ كَافَّةَ الْأُمَّةِ الدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَيْهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عَقْدُ مُرَاضَاةٍ وَاخْتِيَارٍ لَا يَدْخُلُهُ إكْرَاهٌ وَلَا إجْبَارٌ ، وَعُدِلَ عَنْهُ إلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا .\rفَلَوْ تَكَافَأَ فِي شُرُوطِ الْإِمَامَةِ اثْنَانِ قُدِّمَ لَهَا اخْتِيَارًا أَسَنُّهُمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ السِّنِّ مَعَ كَمَالِ الْبُلُوغِ شَرْطًا ، فَإِنْ بُويِعَ أَصْغَرُهُمَا سِنًّا جَازَ ؛ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالْآخَرُ أَشْجَعَ رُوعِيَ فِي الِاخْتِيَارِ مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْوَقْتِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى فَضْلِ الشَّجَاعَةِ أَدْعَى لِانْتِشَارِ الثُّغُورِ وَظُهُورِ الْبُغَاةِ كَانَ الْأَشْجَعُ أَحَقَّ ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى فَضْلِ الْعِلْمِ أَدْعَى لِسُكُونِ الدَّهْمَاءِ وَظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَانَ الْأَعْلَمُ أَحَقَّ ، فَإِنْ وَقَفَ الِاخْتِيَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ فَتَنَازَعَاهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّ التَّنَازُعَ فِيهَا لَا يَكُونُ قَدْحًا مَانِعًا .\rوَلَيْسَ طَلَبُ الْإِمَامَةِ مَكْرُوهًا ، فَقَدْ تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الشُّورَى فَمَا رُدَّ عَنْهَا طَالِبٌ وَلَا مُنِعَ مِنْهَا رَاغِبٌ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُقْطَعُ بِهِ تَنَازُعُهُمَا مَعَ تَكَافُؤِ أَحْوَالِهِمَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُقَدَّمُ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَكُونُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعَةِ أَيِّهِمَا شَاءُوا مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ،","part":1,"page":7},{"id":7,"text":"فَلَوْ تَعَيَّنَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِمَامَةِ وَحَدَثَ بَعْدَهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ انْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ إمَامَةُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ ؛ وَلَوْ ابْتَدَءُوا بَيْعَةَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ دَعَا إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ الْأَفْضَلِ غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ كَوْنِ الْمَفْضُولِ أَطْوَعَ فِي النَّاسِ وَأَقْرَبَ فِي الْقُلُوبِ انْعَقَدَتْ بَيْعَةُ الْمَفْضُولِ وَصَحَّتْ إمَامَتُهُ .\rوَإِنْ بُويِعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ بَيْعَتِهِ وَصَحَّتْ إمَامَتُهُ ؛ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْجَاحِظُ إلَى أَنَّ بَيْعَتَهُ لَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ إذَا دَعَا إلَى أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِأَوْلَى كَالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ .\rوَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ تَجُوزُ إمَامَتُهُ وَصَحَّتْ بَيْعَتُهُ ، وَلَا يَكُونُ وُجُودُ الْأَفْضَلِ مَانِعًا مِنْ إمَامَةِ الْمَفْضُولِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا عَنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ ، كَمَا يَجُوزُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْفَضْلِ مُبَالَغَةٌ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً فِي شُرُوطِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَلَوْ تَفَرَّدَ فِي الْوَقْتِ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَاحِدٌ لَمْ يُشْرِكَ فِيهَا غَيْرُهُ تَعَيَّنَتْ فِيهِ الْإِمَامَةُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِهَا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ .","part":1,"page":8},{"id":8,"text":"وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ إمَامَتِهِ وَانْعِقَادِ وِلَايَتِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا اخْتِيَارٍ ؛ فَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إلَى ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَانْعِقَادِ إمَامَتِهِ وَحَمْلِ الْأُمَّةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْهَا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاخْتِيَارِ تَمْيِيزُ الْمُوَلَّى وَقَدْ تَمَيَّزَ هَذَا بِصِفَتِهِ .\rوَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ إمَامَتَهُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ لَكِنْ يَلْزَمُ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ ، فَإِنْ اتَّفَقُوا أَتَمُّوا لِأَنَّ الْإِمَامَةَ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِعَاقِدٍ ، وَكَالْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِرْ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلَّاهُ ؛ فَرَكَّبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ هَذَا الْبَابَ وَقَالَ يَصِيرُ قَاضِيًا إذَا تَفَرَّدَ بِصِفَتِهِ كَمَا يَصِيرُ الْمُنْفَرِدُ بِصِفَتِهِ إمَامًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَصِيرُ الْمُنْفَرِدُ قَاضِيًا وَإِنْ صَارَ الْمُنْفَرِدُ إمَامًا ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَضَاءَ نِيَابَةٌ خَاصَّةٌ يَجُوزُ صَرْفُهُ عَنْهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى صِفَتِهِ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ إلَّا بِتَقْلِيدِ مُسْتَنِيبٍ لَهُ ، وَالْإِمَامَةُ مِنْ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لَا يَجُوزُ صَرْفُ مَنْ اسْتَقَرَّتْ فِيهِ إذَا كَانَ عَلَى صِفَةٍ فَلَمْ يَفْتَقِرْ تَقْلِيدُ مُسْتَحِقِّهَا مَعَ تَمَيُّزِهِ إلَى عَقْدٍ مُسْتَثْبَتٍ لَهُ .","part":1,"page":9},{"id":9,"text":"وَإِذَا عُقِدَتْ الْإِمَامَةُ لِإِمَامَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ إمَامَتُهُمَا ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمَّةِ إمَامَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ شَذَّ قَوْمٌ فَجَوَّزُوهُ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِمَامِ مِنْهُمَا ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ الَّذِي عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَهُ لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِهَا أَخَصُّ وَبِالْقِيَامِ بِهَا أَحَقُّ وَعَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ فِي الْأَمْصَارِ كُلِّهَا أَنْ يُفَوِّضُوا عَقْدَهَا إلَيْهِمْ وَيُسَلِّمُوهَا لِمَنْ بَايَعُوهُ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ بِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَتَبَايُنِ الْأَهْوَاءِ .\rوَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَدْفَعَ الْإِمَامَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَيُسَلِّمَهَا إلَى صَاحِبِهِ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَحَسْمًا لِلْفِتْنَةِ لِيَخْتَارَ أَهْلُ الْعَقْدِ أَحَدَهُمَا أَوْ غَيْرَهُمَا ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلتَّنَازُعِ وَقَطْعًا لِلتَّخَاصُمِ فَأَيُّهُمَا قَرَعَ كَانَ بِالْإِمَامَةِ أَحَقَّ .\rوَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ وَمَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْإِمَامَةَ لِأَسْبَقِهِمَا بَيْعَةً وَعَقْدًا كَالْوَلِيَّيْنِ فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ إذَا زَوَّجَاهَا بِاثْنَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ لِأَسْبَقِهِمَا عَقْدًا .\rفَإِذَا تَعَيَّنَ السَّابِقُ مِنْهُمَا اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْإِمَامَةُ وَعَلَى الْمَسْبُوقِ تَسْلِيمُ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ ، وَإِنْ عُقِدَتْ الْإِمَامَةُ لَهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدٍ لَمْ يَسْبِقْ بِهَا أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْعَقْدَانِ وَاسْتُؤْنِفَ الْعَقْدُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بَيْعَةُ أَحَدِهِمَا وَأَشْكَلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا وَقَفَ أَمْرُهُمَا عَلَى الْكَشْفِ ، فَإِنْ نَازَعَاهَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْأَسْبَقُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَقِّ فِيهَا وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فَلَا حُكْمَ لِيَمِينِهِ فِيهِ وَلَا لِنُكُولِهِ عَنْهُ وَهَكَذَا لَوْ قَطَعَ التَّنَازُعَ فِيهَا وَسَلَّمَهَا أَحَدُهُمَا","part":1,"page":10},{"id":10,"text":"إلَى الْآخَرِ لَمْ تَسْتَقِرَّ إمَامَتُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِتَقَدُّمِهِ ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالتَّقَدُّمِ خَرَجَ مِنْهَا الْمُقِرُّ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ لِلْآخَرِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الْمُقِرُّ بِتَقَدُّمِهِ فِيهَا مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ سُمِعَتْ شَهَادَتُهُ إنْ ذَكَرَ اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ الِاشْتِبَاهَ لِمَا فِي الْقَوْلَيْنِ مِنْ التَّكَاذُبِ .\r( فَصْلٌ ) وَإِذَا دَامَ الِاشْتِبَاهُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْكَشْفِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمَا بِالتَّقَدُّمِ لَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِمَامَةَ عَقْدٌ وَالْقُرْعَةُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْعُقُودِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا وَالْقُرْعَةُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيمَا لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ كَالْمُنَاكِحِ ، وَتَدْخُلُ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ كَالْأَمْوَالِ وَيَكُونُ دَوَامُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ مُبْطِلًا لِعَقْدَيْ الْإِمَامَةِ فِيهِمَا وَيَسْتَأْنِفُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ عَقْدَهَا لِأَحَدِهِمَا ، فَلَوْ أَرَادُوا الْعُدُولَ بِهَا عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا ، فَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ لِخُرُوجِهِمَا عَنْهَا ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ لَهُمَا قَدْ صَرَفَتْ الْإِمَامَةَ عَمَّنْ عَدَاهُمَا وَلِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهَا فِي أَحَدِهِمَا .","part":1,"page":11},{"id":11,"text":"وَأَمَّا انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ بِعَهْدِ مَنْ قَبْلَهُ فَهُوَ مِمَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَمْرَيْنِ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمَا وَلَمْ يَتَنَاكَرُوهُمَا أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَهِدَ بِهَا إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَثْبَتَ الْمُسْلِمُونَ إمَامَتَهُ بِعَهْدِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَهِدَ بِهَا إلَى أَهْلِ الشُّورَى فَقَبِلَتْ الْجَمَاعَةُ دُخُولَهُمْ فِيهَا وَهُمْ أَعْيَانُ الْعَصْرِ اعْتِقَادًا لِصِحَّةِ الْعَهْدِ بِهَا وَخَرَجَ بَاقِي الصَّحَابَةِ مِنْهَا ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِلْعَبَّاسِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا حِينَ عَاتَبَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الشُّورَى كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ لَمْ أَرَ لِنَفْسِي الْخُرُوجَ مِنْهُ فَصَارَ الْعَهْدُ بِهَا إجْمَاعًا فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُجْهِدَ رَأْيَهُ فِي الْأَحَقِّ بِهَا وَالْأَقْوَمِ بِشُرُوطِهَا ، فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي وَاحِدٍ نَظَرَ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ وَبِتَفْوِيضِ الْعَهْدِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْ فِيهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ ظُهُورُ الرِّضَا مِنْهُمْ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ بَيْعَتِهِ أَوْ لَا ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إلَى أَنَّ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لِبَيْعَتِهِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا لِلْأُمَّةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فَلَمْ تَلْزَمْهُمْ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ بَيْعَتَهُ مُنْعَقِدَةٌ وَأَنَّ الرِّضَا بِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ؛ لِأَنَّ بَيْعَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى رِضَا الصَّحَابَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ أَحَقُّ بِهَا فَكَانَ اخْتِيَارُهُ فِيهَا أَمْضَى ، وَقَوْلُهُ فِيهَا أَنْفَذَ ؛ وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْعَهْدِ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ انْفِرَادِهِ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ","part":1,"page":12},{"id":12,"text":"مَذَاهِبَ .\rأَحَدُهَا : لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ حَتَّى يُشَاوِرَ فِيهِ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ فَيَرَوْنَهُ أَهْلًا لَهَا فَيَصِحُّ مِنْهُ حِينَئِذٍ عَقْدُ الْبَيْعَةِ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَزْكِيَةٌ لَهُ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ ؛ وَتَقْلِيدُهُ عَلَى الْأُمَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِوَالِدٍ وَلَا لِوَلَدٍ وَلَا يَحْكُمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتُّهْمَةِ الْعَائِدَةِ إلَيْهِ بِمَا جُبِلَ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِ .\rوَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِهَا لِوَلَدٍ وَوَالِدٍ لِأَنَّهُ أَمِيرُ الْأُمَّةِ نَافِذُ الْأَمْرِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فَغَلَبَ حُكْمُ الْمَنْصِبِ عَلَى حُكْمِ النَّسَبِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلتُّهْمَةِ طَرِيقًا عَلَى أَمَانَتِهِ وَلَا سَبِيلًا إلَى مُعَارَضَتِهِ وَصَارَ فِيهَا كَعَهْدِهِ بِهَا إلَى غَيْرِ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ ، وَهَلْ يَكُونُ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَهْدِ مُعْتَبَرًا فِي لُزُومِهِ لِلْأُمَّةِ أَوْ لَا ؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَالِدِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا لِوَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَالِدِ وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَا يَقْتَنِيهِ فِي الْأَغْلَبِ مَذْخُورًا لِوَلَدِهِ دُونَ وَالِدِهِ ؛ فَأَمَّا عَقْدُهَا لِأَخِيهِ وَمَنْ قَارَبَهُ مِنْ عَصَبَتِهِ وَمُنَاسِبِيهِ فَكَعَقْدِهَا لِلْبُعَدَاءِ الْأَجَانِبِ فِي جَوَازِ تَفَرُّدِهِ بِهَا .","part":1,"page":13},{"id":13,"text":"وَإِذَا عَهِدَ الْإِمَامُ بِالْخِلَافَةِ إلَى مَنْ يَصِحُّ الْعَهْدُ إلَيْهِ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ كَانَ الْعَهْدُ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُولِ الْمُوَلَّى .\rوَاخْتُلِفَ فِي زَمَانِ قَبُولِهِ فَقِيلَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ نَظَرُ الْمُوَلَّى ؛ وَقِيلَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - : إنَّهُ مَا بَيْنَ عَهْدِ الْمُوَلِّي وَمَوْتِهِ لِتَنْتَقِلَ عَنْهُ الْإِمَامَةُ إلَى الْمُوَلَّى مُسْتَقِرَّةً بِالْقَبُولِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْمُوَلَّى عَزْلُ مَنْ عَهِدَ إلَيْهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ وَإِنْ جَازَ لَهُ عَزْلُ مَنْ اسْتَنَابَهُ مِنْ سَائِرِ خُلَفَائِهِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَخْلِفٌ لَهُمْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ عَزْلُهُمْ وَمُسْتَخْلِفٌ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ عَزْلُ مَنْ بَايَعُوهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ، فَلَوْ عَهِدَ الْإِمَامُ بَعْدَ عَزْلِ الْأَوَّلِ إلَى ثَانٍ كَانَ عَهْدُ الثَّانِي بَاطِلًا وَالْأَوَّلُ عَلَى بَيْعَتِهِ ، فَإِنْ خَلَعَ الْأَوَّلُ نَفْسَهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعَةُ الثَّانِي حَتَّى يَبْتَدِئَ .\rوَإِذَا اسْتَعْفَى وَلِيُّ الْعَهْدِ لَمْ يَبْطُلْ عَهْدُهُ بِالِاسْتِعْفَاءِ حَتَّى يُعْفَى لِلُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَلَّى ثُمَّ نُظِرَ ، فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ جَازَ اسْتِعْفَاؤُهُ وَخَرَجَ مِنْ الْعَهْدِ بِإِجْمَاعِهِمَا عَلَى الِاسْتِعْفَاءِ وَالْإِعْفَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْفَاؤُهُ وَلَا إعْفَاؤُهُ وَكَانَ الْعَهْدُ عَلَى لُزُومِهِ مِنْ جِهَتَيْ الْمُوَلَّى وَالْمُوَلِّي ؛ وَيُعْتَبَرُ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فِي الْمُوَلَّى مِنْ وَقْتِ الْعَهْدِ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَاسِقًا وَقْتَ الْعَهْدِ وَبَالِغًا عَدْلًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي لَمْ تَصِحَّ خِلَافَتُهُ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بَيْعَتَهُ .","part":1,"page":14},{"id":14,"text":"وَإِذَا عَهِدَ الْإِمَامُ إلَى غَائِبٍ هُوَ مَجْهُولُ الْحَيَاةِ لَمْ يَصِحَّ عَهْدُهُ ؛ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْحَيَاةِ وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِهِ ؛ فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ وَوَلِيُّ الْعَهْدِ عَلَى غَيْبَتِهِ اسْتَقْدَمَهُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ ، فَإِنْ بَعُدَتْ وَاسْتَضَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِتَأْخِيرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ اسْتَنَابَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ نَائِبًا عَنْهُ يُبَايِعُونَهُ بِالنِّيَابَةِ دُونَ الْخِلَافَةِ فَإِذَا قَدِمَ الْخَلِيفَةُ الْغَائِبُ انْعَزَلَ الْمُسْتَخْلَفُ النَّائِبُ وَكَانَ نَظَرُهُ قَبْلَ قُدُومِ الْخَلِيفَةِ مَاضِيًا وَبَعْدَ قُدُومِهِ مَرْدُودًا ، وَلَوْ أَرَادَ وَلِيُّ الْعَهْدِ قَبْلَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَرُدَّ مَا إلَيْهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ إلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَسْتَقِرُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُسْتَخْلِفِ ؛ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ جَعَلْتُهُ وَلِيَّ عَهْدِي إذَا أَفْضَتْ الْخِلَافَةُ إلَيَّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ لَيْسَ خَلِيفَةً فَلَمْ يَصِحَّ عَهْدُهُ بِالْخِلَافَةِ .","part":1,"page":15},{"id":15,"text":"وَإِذَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ نَفْسَهُ انْتَقَلَتْ إلَى وَلِيِّ عَهْدِهِ وَقَامَ خَلْعُهُ مَقَامَ مَوْتِهِ ، وَلَوْ عَهِدَ الْخَلِيفَةُ إلَى اثْنَيْنِ لَمْ يُقَدِّمْ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ جَازَ وَاخْتَارَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ أَحَدَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَهْلِ الشُّورَى فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ .\rحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَجَدْتُ عُمَرَ ذَاتَ يَوْمٍ مَكْرُوبًا فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ أَقُومُ فِيهِ وَأَقْعُدُ ؟ فَقُلْتُ هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ ؟ فَقَالَ إنَّهُ لَهَا لَأَهْلٌ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ فِيهِ دُعَابَةٌ وَإِنِّي لَأُرَاهُ لَوْ تَوَلَّى أَمْرَكُمْ لَحَمَلَكُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ مِنْ الْحَقِّ تَعْرِفُونَهَا ، قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ لَوْ فَعَلْتُ لَحَمَلَ ابْنُ أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ثُمَّ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ الْعَرَبُ حَتَّى تَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَفَعَلَ وَلَوْ فَعَلَ لَفَعَلُوا ؛ قَالَ فَقُلْتُ فَطَلْحَةُ ؟ قَالَ إنَّهُ لَزَهْوٌ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُوَلِّيَهُ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا يَعْلَمُ مِنْ زَهْوِهِ ، قَالَ قُلْتُ فَالزُّبَيْرُ ؟ قَالَ إنَّهُ لَبَطَلٌ وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الصَّاعِ وَالْمُدِّ بِالْبَقِيعِ بِالسُّوقِ أَفَذَاكَ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ فَقُلْتُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ؟ قَالَ لَيْسَ هُنَاكَ إنَّهُ لَصَاحِبُ مَقْتَبٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ؛ فَأَمَّا وَلِيُّ أَمْرٍ فَلَا ، قَالَ فَقُلْتُ فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؟ قَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ ذَكَرْتَ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، إنَّهُ وَاَللَّهِ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إلَّا الْقَوِيُّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ اللَّيِّنُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ ، وَالْمُمْسِكُ مِنْ غَيْرِ بُخْلٍ ، وَالْجَوَادُ فِي غَيْرِ إسْرَافٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمَّا جَرَحَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَآيِسَ الطَّبِيبَ مِنْ نَفْسِهِ وَقَالُوا لَهُ اعْهَدْ جَعَلَهَا شُورَى فِي سِتَّةٍ وَقَالَ : هَذَا الْأَمْرُ إلَى عَلِيٍّ وَبِإِزَائِهِ الزُّبَيْرُ ، وَإِلَى عُثْمَانَ","part":1,"page":16},{"id":16,"text":"وَبِإِزَائِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَإِلَى طَلْحَةَ وَبِإِزَائِهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَلِمَا جَازَ الشُّورَى بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ جَعَلْتُ أَمْرِي إلَى عَلِيٍّ ، وَقَالَ طَلْحَةُ جَعَلْتُ أَمْرِي إلَى عُثْمَانَ ، وَقَالَ سَعْدٌ جَعَلْتُ أَمْرِي إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَصَارَتْ الشُّورَى بَعْدَ السِّتَّةِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَخَرَجَ مِنْهَا أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيُّكُمْ يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَنَجْعَلُهُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ عَلَيْهِ شَهِيدٌ لِيَحْرِصَ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَّةِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَتَجْعَلُونَهُ إلَيَّ وَأُخْرِجُ نَفْسِي مِنْهُ وَاَللَّهُ عَلَيَّ شَهِيدٌ عَلَى أَنِّي لَا آلُوكُمْ نُصْحًا فَقَالَا نَعَمْ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَصَارَتْ الشُّورَى بَعْدَ السِّتَّةِ فِي ثَلَاثَةٍ ثُمَّ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فِي اثْنَيْنِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ثُمَّ مَضَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَسْتَعْلِمَ مِنْ النَّاسِ مَا عِنْدَهُمْ فَلَمَّا أَجَنَّهُمْ اللَّيْلُ اسْتَدْعَى الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَأَشْرَكَهُ مَعَهُ ثُمَّ حَضَرَ فَأَخَذَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعُهُودَ أَيُّهُمَا بُويِعَ لَيَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَلَئِنْ بَايَعَ لِغَيْرِهِ لَيَسْمَعَنَّ وَلَيُطِيعَنَّ ثُمَّ بَايَعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ .\rفَكَانَتْ الشُّورَى الَّتِي دَخَلَ أَهْلُ الْإِمَامَةِ فِيهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا أَصْلًا فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ بِالْعَهْدِ وَفِي انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ بِعَدَدٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِمَامَةُ لِأَحَدِهِمْ بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُجْعَلَ شُورَى فِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إذَا كَانُوا عَدَدًا مَحْصُورًا .\rوَيُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنْ لَا تُجْعَلَ الْإِمَامَةُ بَعْدَهُ فِي غَيْرِهِمْ ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ بِالِاخْتِيَارِ فِي أَحَدِهِمْ جَازَ لِمَنْ أَفْضَتْ إلَيْهِ الْإِمَامَةُ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ إذَا","part":1,"page":17},{"id":17,"text":"جَعَلَهَا الْإِمَامُ شُورَى فِي عَدَدٍ أَنْ يَخْتَارُوا أَحَدَهُمْ فِي حَيَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ الْعَاهِدِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الِاخْتِيَارِ فِي حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ أَحَقُّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَارِكَ فِيهَا ، فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الْأَمْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتَأْذَنُوهُ وَاخْتَارُوا إنْ أَذِنَ لَهُمْ ، فَإِنْ صَارَ إلَى حَالِ إيَاسٍ نُظِرَ ، فَإِنْ زَالَ عَنْهُ أَمْرُهُ وَغَرَبَ عَنْهُ رَأْيُهُ فَهِيَ كَحَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي جَوَازِ الِاخْتِيَارِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى تَمْيِيزِهِ وَصِحَّةِ رَأْيِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِاخْتِيَارُ إلَّا عَنْ إذْنِهِ .\rحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَهُ مَجْرُوحًا سَمِعَ هَدَّةً فَقَالَ مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ قَالُوا يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَقَالُوا : اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَخْلِفْ عَلَيْنَا عُثْمَانَ : فَقَالَ كَيْفَ يُحِبُّ الْمَالَ وَالْجَنَّةَ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ ، ثُمَّ سَمِعَ لَهُمْ هَدَّةً فَقَالَ مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ قَالُوا يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُمْ فَقَالُوا اسْتَخْلِفْ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ إذَنْ يَحْمِلُكُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ هِيَ الْحَقُّ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ وَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ يَا بُنَيَّ أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ؟ ،","part":1,"page":18},{"id":18,"text":"وَيَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَهْلِ الْعَهْدِ ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا اخْتِيَارُ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَصِحُّ إلَّا تَقْلِيدُ مَنْ عَهِدَ إلَيْهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ خِلَافَتِهِ .","part":1,"page":19},{"id":19,"text":"وَلَوْ عَهِدَ الْخَلِيفَةُ إلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَرَتَّبَ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ بَعْدِي فُلَانٌ فَإِنْ مَاتَ فَالْخَلِيفَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ فَإِنْ مَاتَ فَالْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ فُلَانٌ جَازَ وَكَانَتْ الْخِلَافَةُ مُتَنَقِّلَةً إلَى الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا رَتَّبَهَا ، فَقَدْ { اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ فَإِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا فَتَقَدَّمَ زَيْدٌ فَقُتِلَ فَأَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ وَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ فَأَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ فَاخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ } ، وَإِذْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي الْإِمَارَةِ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْخِلَافَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ هِيَ عَقْدُ وِلَايَةٍ عَلَى صِفَةٍ وَشَرْطٍ وَالْوِلَايَاتُ لَا يَقِفُ عَقْدُهَا عَلَى الشُّرُوطِ وَالصِّفَاتِ .\rقِيلَ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَلَى أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ ، فَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ فِي الدَّوْلَتَيْنِ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ ، هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَهِدَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ بَعْدَهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ .\rوَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ سُلَيْمَانُ حُجَّةً فَإِقْرَارُ مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَمَنْ لَا يَخَافُونَ فِي الْحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ هُوَ الْحُجَّةُ ؛ وَقَدْ رَتَّبَهَا الرَّشِيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ بَنِيهِ فِي الْأَمِينِ ثُمَّ الْمَأْمُونِ ثُمَّ الْمُؤْتَمَنِ عَنْ مَشُورَةِ مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ فُضَلَاءِ الْعُلَمَاءِ ؛ فَإِذَا عَهِدَ الْخَلِيفَةُ إلَى ثَلَاثَةٍ رَتَّبَ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ وَمَاتَ وَالثَّلَاثَةُ أَحْيَاءُ كَانَتْ الْخِلَافَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلْأَوَّلِ ؛ وَلَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ كَانَتْ الْخِلَافَةُ بَعْدَهُ لِلثَّانِي ؛ وَلَوْ مَاتَ","part":1,"page":20},{"id":20,"text":"الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ فَالْخِلَافَةُ بَعْدَهُ لِلثَّالِثِ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِالْعَهْدِ إلَيْهِ حُكْمُ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ .\rوَلَوْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ أَوْلِيَاءِ عَهْدِهِ أَحْيَاءُ وَأَفْضَتْ الْخِلَافَةُ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمْ فَأَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى غَيْرِ الِاثْنَيْنِ مِمَّا يَخْتَارُهُ لَهَا ، فَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ حَمْلًا عَلَى مُقْتَضَى التَّرْتِيبِ إلَّا أَنْ يَسْتَنْزِلَ عَنْهَا مُسْتَحِقَّهَا طَوْعًا .\rفَقَدْ عَهِدَ السَّفَّاحُ إلَى الْمَنْصُورِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَعَلَ الْعَهْدَ بَعْدَهُ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى فَأَرَادَ الْمَنْصُورُ تَقْدِيمَ الْمَهْدِيِّ عَلَى عِيسَى فَاسْتَنْزَلَهُ عَنْ الْعَهْدِ عَفْوًا لِحَقِّهِ فِيهِ وَفُقَهَاءُ الْوَقْتِ عَلَى تَوَافُرٍ وَتَكَاثُرٍ لَمْ يَرَوْا لَهُ فُسْحَةً فِي صَرْفِهِ عَنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ قَسْرًا حَتَّى اسْتَنْزَلَ وَاسْتَطْيَبَ .\rوَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ أَفْضَتْ إلَيْهِ الْخِلَافَةُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْعَهْدِ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى مَنْ شَاءَ وَيَصْرِفُهَا عَمَّنْ كَانَ مُرَتَّبًا مَعَهُ وَيَكُونُ هَذَا التَّرْتِيبُ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُسْتَخْلِفِ ، فَإِذَا أَفْضَتْ الْخِلَافَةُ مِنْهُمْ إلَى أَحَدِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى التَّرْتِيبِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا بَعْدَهُ فِي الْعَهْدِ بِهَا إلَى مَنْ شَاءَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِإِفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ عَامَّ الْوِلَايَةِ نَافِذَ الْأَمْرِ فَكَانَ حَقُّهُ فِيهَا أَقْوَى وَعَهْدُهُ بِهَا أَمْضَى وَخَالَفَ هَذَا مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَرْتِيبِ أُمَرَائِهِ عَلَى جَيْشِ مُؤْتَةَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَيَاةِ حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِلْ أُمُورُهُمْ إلَى غَيْرِهِ وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ انْتِقَالِ الْأَمْرِ بِمَوْتِهِ إلَى غَيْرِهِ فَافْتَرَقَ حُكْمُ الْعَهْدَيْنِ .\rوَأَمَّا اسْتِطَابَةُ","part":1,"page":21},{"id":21,"text":"الْمَنْصُورِ نَفْسَ عِيسَى بْنِ مُوسَى فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَأَلُّفَ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَدْرِ الدَّوْلَةِ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالتَّكَافُؤُ بَيْنَهُمْ مُنْتَشِرٌ وَفِي أَحْشَائِهِمْ نُفُورٌ مُوهِنٌ فَفَعَلَهُ سِيَاسَةً وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ سَائِغًا ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْعَهْدِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْهَدْ إلَى غَيْرِهِمَا كَانَ الثَّانِي هُوَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ بِالْعَهْدِ الْأَوَّلِ وَقُدِّمَ عَلَى الثَّالِثِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ التَّرْتِيبِ فِيهِ ، وَلَوْ مَاتَ هَذَا الثَّانِي قَبْلَ عَهْدٍ صَارَ الثَّالِثُ هُوَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ، لِأَنَّ صِحَّةَ عَهْدِ الْعَاهِدِ تَقْتَضِي ثُبُوتَ حُكْمِهِ فِي الثَّلَاثَةِ مَا لَمْ يُجَدِّدْ بَعْدَهُ عَهْدًا يُخَالِفُهُ فَيَصِيرُ الْعَهْدُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ حَتْمًا وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَوْقُوفًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الْأَوَّلِ فَانْحَتَمَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَوَقَفَ .\rوَلَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْهَدَ إلَى أَحَدٍ فَأَرَادَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَخْتَارُوا لِلْخِلَافَةِ غَيْرَ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الثَّانِي بَعْدَ إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارُوا لَهَا غَيْرَ الثَّالِثِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا الثَّانِي إلَى غَيْرِ الثَّالِثِ ، لِأَنَّ الْعَهْدَ نَصٌّ لَا يُسْتَعْمَلُ الِاخْتِيَارُ إلَّا مَعَ عَدَمِهِ ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الْخَلِيفَةُ الْعَاهِدُ قَدْ عَهِدْتُ إلَى فُلَانٍ ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ فَالْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ فُلَانٌ لَمْ تَصِحَّ خِلَافَةُ الثَّانِي وَلَمْ يَنْعَقِدْ عَهْدُهُ بِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ بَعْدَ إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَى الْأَوَّلِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إفْضَائِهَا إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ عَهْدُ الثَّانِي بِهَا مُنَفَّذًا فَلِذَلِكَ بَطَلَ وَجَازَ لِلْأَوَّلِ بَعْدَ","part":1,"page":22},{"id":22,"text":"إفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إلَيْهِ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ جَازَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ اخْتِيَارُ غَيْرِهِ .","part":1,"page":23},{"id":23,"text":"فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ الْخِلَافَةُ لِمَنْ تَقَلَّدَهَا إمَّا بِعَهْدٍ أَوْ اخْتِيَارٍ لَزِمَ كَافَّةَ الْأُمَّةِ أَنْ يَعْرِفُوا إفْضَاءَ الْخِلَافَةِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا بِصِفَاتِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ إلَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ الَّذِينَ تَقُومُ بِهِمْ الْحُجَّةُ وَبِبَيْعَتِهِمْ تَنْعَقِدُ الْخِلَافَةُ .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَرِيرٍ : وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ مَعْرِفَةُ الْإِمَامِ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ كَمَا عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ رَسُولِهِ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ تَلْزَمُ الْكَافَّةَ عَلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ ، وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ إلَّا عِنْدَ النَّوَازِلِ الَّتِي تُحْوِجُ إلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ الْقُضَاةِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْأَحْكَامُ وَالْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يُفْتُونَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ تَلْزَمُ الْعَامَّةَ عَلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ إلَّا عِنْدَ النَّوَازِلِ الْمُحْوِجَةِ إلَيْهِمْ ، وَلَوْ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ أَنْ يَعْرِفَ الْإِمَامَ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ لَلَزِمَتْ الْهِجْرَةُ إلَيْهِ وَلَمَا جَازَ تَخَلُّفُ الْأَبَاعِدِ وَلَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى خُلُوِّ الْأَوْطَانِ وَلَصَارَ مِنْ الْعُرْفِ خَارِجًا وَبِالْفَسَادِ عَائِدًا ، وَإِذَا لَزِمَتْ مَعْرِفَتُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَعَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ تَفْوِيضُ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ افْتِيَاتٍ عَلَيْهِ وَلَا مُعَارَضَةٍ لَهُ لِيَقُومَ بِمَا وُكِّلَ إلَيْهِ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَتَدْبِيرِ الْأَعْمَالِ ، وَيُسَمَّى خَلِيفَةً لِأَنَّهُ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَعَلَى الْإِطْلَاقِ فَيُقَالُ الْخَلِيفَةُ .\rوَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ ؟ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ لِقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } .","part":1,"page":24},{"id":24,"text":"وَامْتَنَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ وَنَسَبُوا قَائِلَهُ إلَى الْفُجُورِ وَقَالُوا : يُسْتَخْلَفُ مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ وَاَللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ ، وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ ، فَقَالَ : لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":1,"page":25},{"id":25,"text":"وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ ، فَإِنْ نَجَمَ مُبْتَدِعٌ أَوْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ خَلَلٍ وَالْأُمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنْ زَلَلٍ .\rالثَّانِي : تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ الْخِصَامِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ حَتَّى تَعُمَّ النَّصَفَةُ ، فَلَا يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلَا يَضْعُفُ مَظْلُومٌ .\rالثَّالِثُ : حِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَرِيمِ لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ وَيَنْتَشِرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمِنِينَ مِنْ تَغْرِيرٍ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ .\rوَالرَّابِعُ : إقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الِانْتِهَاكِ وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إتْلَافٍ وَاسْتِهْلَاكٍ .\rوَالْخَامِسُ : تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا .\rوَالسَّادِسُ : جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ لِيُقَامَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي إظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ .\rوَالسَّابِعُ : جِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ نَصًّا وَاجْتِهَادًا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا عَسْفٍ .\rوَالثَّامِنُ : تَقْدِيرُ الْعَطَايَا وَمَا يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتٍ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ .\rالتَّاسِعُ : اسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ وَيَكِلُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ ، لِتَكُونَ الْأَعْمَالُ بِالْكَفَاءَةِ مَضْبُوطَةً وَالْأَمْوَالُ بِالْأُمَنَاءِ مَحْفُوظَةً .\rالْعَاشِرُ : أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَتَصَفُّحَ الْأَحْوَالِ ؛ لِيَنْهَضَ","part":1,"page":26},{"id":26,"text":"بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ ، فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتْبَعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } .\rفَلَمْ يَقْتَصِرْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى التَّفْوِيضِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا عَذَرَهُ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى وَصَفَهُ بِالضَّلَالِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِ الدِّينِ وَمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ السِّيَاسَةِ لِكُلِّ مُسْتَرْعٍ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } .\rوَلَقَدْ أَصَابَ الشَّاعِرُ فِيمَا وَصَفَ بِهِ الزَّعِيمَ الْمُدَبِّرَ حَيْثُ يَقُولُ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمْ رَحْبَ الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا لَا مُتْرَفًا إنْ رَخَاءُ الْعَيْشِ سَاعَدَهُ وَلَا إذَا عَضَّ مَكْرُوهٌ بِهِ خَشَعَا مَا زَالَ يَحْلُبُ دَرَّ الدَّهْرِ أَشْطُرَهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا يَوْمًا وَمُتَّبَعَا حَتَّى اسْتَمَرَّ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ مُسْتَحْكَمِ الرَّأْيِ لَا فَخْمًا وَلَا ضَرَعَا .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ لِلْمَأْمُونِ - وَكَانَ وَزِيرَهُ - مِنْ الْبَسِيط : مَنْ كَانَ حَارِسَ دُنْيَا إنَّهُ قَمِنٌ أَنْ لَا يَنَامَ وَكُلُّ النَّاسِ نُوَامُ وَكَيْفَ تَرْقُدُ عَيْنَا مَنْ تَضَيَّفَهُ هَمَّانِ مِنْ أَمْرِهِ حَلٌّ وَإِبْرَامُ .\r( فَصْلٌ ) وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ ، وَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ .","part":1,"page":27},{"id":27,"text":"وَاَلَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ حَالُهُ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِمَامَةِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا جَرْحٌ فِي عَدَالَتِهِ وَالثَّانِي نَقْصٌ فِي بَدَنِهِ .\rفَأَمَّا الْجَرْحُ فِي عَدَالَتِهِ وَهُوَ الْفِسْقُ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا تَابَعَ فِيهِ الشَّهْوَةَ .\rوَالثَّانِي مَا تَعَلَّقَ فِيهِ بِشُبْهَةٍ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَمُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَهُوَ ارْتِكَابُهُ لِلْمَحْظُورَاتِ وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ تَحْكِيمًا لِلشَّهْوَةِ وَانْقِيَادًا لِلْهَوَى ، فَهَذَا فِسْقٌ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَمِنْ اسْتِدَامَتِهَا ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مَنْ انْعَقَدَتْ إمَامَتُهُ خَرَجَ مِنْهَا ، فَلَوْ عَادَ إلَى الْعَدَالَةِ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ : يَعُودُ إلَى الْإِمَامَةِ بِعَوْدِهِ إلَى الْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهُ عَقْدٌ وَلَا بَيْعَةٌ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي اسْتِئْنَافِ بَيْعَتِهِ وَأَمَّا الثَّانِي مِنْهُمَا فَمُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادِ الْمُتَأَوِّلِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَرِضُ فَيَتَأَوَّلُ لَهَا خِلَافَ الْحَقِّ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا .\rفَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَمِنْ اسْتِدَامَتِهَا وَيَخْرُجُ بِحُدُوثِهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ الْكُفْرِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُ الْفِسْقِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ .\rوَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ : إنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَلَا يُخْرَجُ بِهِ مِنْهَا كَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَجَوَازِ الشَّهَادَةِ .\rوَأَمَّا مَا طَرَأَ عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا نَقْصُ الْحَوَاسِّ ، وَالثَّانِي نَقْصُ الْأَعْضَاءِ ، وَالثَّالِثُ نَقْصُ التَّصَرُّفِ .\rفَأَمَّا نَقْصُ الْحَوَاسِّ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يَمْنَعُ مِنْ الْإِمَامَةِ ، وَقِسْمٌ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .\rفَأَمَّا الْقِسْمُ الْمَانِعُ مِنْهَا فَشَيْئَانِ :","part":1,"page":28},{"id":28,"text":"أَحَدُهُمَا زَوَالُ الْعَقْلِ ، وَالثَّانِي ذَهَابُ الْبَصَرِ ، فَأَمَّا زَوَالُ الْعَقْلِ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا كَانَ عَارِضًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْإِغْمَاءِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَلَا يُخْرِجُ مِنْهَا ، لِأَنَّهُ مَرَضٌ قَلِيلُ اللُّبْسِ سَرِيعُ الزَّوَالِ ، وَقَدْ { أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ } .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا كَانَ لَازِمًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْجُنُونِ وَالْخَبَلِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُطْبِقًا دَائِمًا لَا يَتَخَلَّلُهُ إفَاقَةٌ فَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَاسْتِدَامَتِهَا ، فَإِذَا طَرَأَ هَذَا بَطَلَتْ بِهِ الْإِمَامَةُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَالْقَطْعِ بِهِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَتَخَلَّلَهُ إفَاقَةٌ يَعُودُ بِهَا إلَى حَالِ السَّلَامَةِ فَيُنْظَرُ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَ زَمَانُ الْخَبَلِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانِ الْإِفَاقَةِ فَهُوَ كَالْمُسْتَدِيمِ يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَاسْتِدَامَتِهَا وَيُخْرِجُ بِحُدُوثِهِ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ زَمَانُ الْإِفَاقَةِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانِ الْخَبَلِ مَنَعَ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي مَنْعِهِ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا ، فَقِيلَ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا كَمَا يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهَا فَإِذَا طَرَأَ بَطَلَتْ بِهِ الْإِمَامَةُ ، لِأَنَّ فِي اسْتِدَامَتِهِ إخْلَالًا بِالنَّظَرِ الْمُسْتَحَقِّ فِيهِ ، وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْإِمَامَةِ وَإِنْ مَنَعَ مِنْ عَقْدِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ يُرَاعِي فِي ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا سَلَامَةً كَامِلَةً وَفِي الْخُرُوجِ مِنْهَا نَقْصٌ كَامِلٌ .\rوَأَمَّا ذَهَابُ الْبَصَرِ فَيَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَاسْتِدَامَتِهَا فَإِذَا طَرَأَ بَطَلَتْ بِهِ الْإِمَامَةُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ وَمَنَعَ مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِمَامَةِ ، وَأَمَّا عَشَاءُ الْعَيْنِ وَهُوَ أَنْ لَا يُبْصِرَ عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِمَامَةِ فِي عَقْدٍ وَلَا اسْتِدَامَةٍ لِأَنَّهُ مَرَضٌ فِي زَمَانِ الدَّعَةِ يُرْجَى","part":1,"page":29},{"id":29,"text":"زَوَالُهُ .\rوَأَمَّا ضَعْفُ الْبَصَرِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ بِهِ الْأَشْخَاصَ إذَا رَآهَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْإِمَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ وَلَا يَعْرِفُهَا مُنِعَ مِنْ الْإِمَامَةِ عَقْدًا وَاسْتِدَامَةً .\rوَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْحَوَاسِّ الَّتِي لَا يُؤَثِّرُ فَقْدُهَا فِي الْإِمَامَةِ فَشَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا الْخَشْمُ فِي الْأَنْفِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ بِهِ شَمَّ الرَّوَائِحِ .\rوَالثَّانِي فَقْدُ الذَّوْقِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الطُّعُومِ فَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى هَذَا فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِأَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي اللَّذَّةِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ فِي الرَّأْيِ وَالْعَمَلِ .\rوَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْحَوَاسِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَشَيْئَانِ الصَّمَمُ وَالْخَرَسُ فَيَمْنَعَانِ مِنْ ابْتِدَاءِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ ، لِأَنَّ كَمَالَ الْأَوْصَافِ بِوُجُودِهِمَا مَفْقُودٌ .\rوَاخْتُلِفَ فِي الْخُرُوجِ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَخْرُجُ بِهِمَا مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ بِذَهَابِ الْبَصَرِ لِتَأْثِيرِهِمَا فِي التَّدْبِيرِ وَالْعَمَلِ .\rوَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَخْرُجُ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ لِقِيَامِ الْإِشَارَةِ مَقَامَهُمَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إلَّا بِنَقْصٍ كَامِلٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ لَمْ يَخْرُجْ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهَا خَرَجَ مِنْ الْإِمَامَةِ بِهِمَا لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَفْهُومَةٌ وَالْإِشَارَةُ مَوْهُومَةٌ ، وَالْأَوَّلُ مِنْ الْمَذَاهِبِ أَصَحُّ ، وَأَمَّا تَمْتَمَةُ اللِّسَانِ وَثِقَلُ السَّمْعِ مِنْ إدْرَاكِ الصَّوْتِ إذَا كَانَ عَالِيًا فَلَا يَخْرُجُ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ إذَا حَدَثَا .\rوَاخْتُلِفَ فِي ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا مَعَهُمَا ، فَقِيلَ بِمَنْعِ ذَلِكَ مِنْ ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا لِأَنَّهُمَا نَقْصٌ يَخْرُجُ بِهِمَا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ ، وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ تَمْنَعْهُ عُقْدَةُ لِسَانِهِ عَنْ النُّبُوَّةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ .\r( فَصْلٌ ) وَأَمَّا فَقْدُ الْأَعْضَاءِ فَيَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا","part":1,"page":30},{"id":30,"text":"مَا لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِمَامَةِ فِي عَقْدٍ وَلَا اسْتِدَامَةٍ ، وَهُوَ مَا لَا يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِي رَأْيٍ وَلَا عَمَلٍ وَلَا نُهُوضٍ وَلَا يَشِينُ فِي الْمَنْظَرِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَلَا مِنْ اسْتِدَامَتِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّ فَقْدَ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ يُؤَثِّرُ فِي التَّنَاسُلِ دُونَ الرَّأْيِ وَالْحِنْكَةِ فَيَجْرِي مَجْرَى الْعُنَّةِ .\rوَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِذَلِكَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ : { وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ } .\rوَفِي الْحَصُورِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ النِّسَاءِ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَكَرٌ يَغْشَى بِهِ النِّسَاءَ أَوْ كَانَ كَالنَّوَاةِ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَثِّرَانِ فِي رَأْيٍ وَلَا عَمَلٍ وَلَهُمَا شَيْنٌ خَفِيٌّ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتِرَ فَلَا يَظْهَرَ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَمِنْ اسْتِدَامَتِهَا ، وَهُوَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ كَذَهَابِ الْيَدَيْنِ أَوْ مِنْ النُّهُوضِ كَذَهَابِ الرِّجْلَيْنِ ، فَلَا تَصِحُّ مَعَهُ الْإِمَامَةُ فِي عَقْدٍ وَلَا اسْتِدَامَةٍ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ فِي عِلْمٍ أَوْ نَهْضَةٍ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَنْعِهِ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا وَهُوَ مَا ذَهَبَ بِهِ بَعْضُ الْعَمَلِ أَوْ فَقَدَ بِهِ بَعْضَ النُّهُوضِ كَذَهَابِ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ كَمَالِ التَّصَرُّفِ ، فَإِنْ طَرَأَ بَعْدَ عَقْدِ الْإِمَامَةِ فَفِي خُرُوجِهِ مِنْهَا مَذْهَبَانِ لِلْفُقَهَاءِ : أَحَدُهُمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ لِأَنَّهُ عَجْزٌ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهَا فَمَنَعَ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا .","part":1,"page":31},{"id":31,"text":"وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ وَإِنْ مَنَعَ مِنْ عَقْدِهَا ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي عَقْدِهَا كَمَالُ السَّلَامَةِ وَفِي الْخُرُوجِ مِنْهَا كَمَالُ النَّقْصِ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْإِمَامَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَنْعِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا وَهُوَ مَا شَانَ وَقَبَّحَ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي عَمَلٍ وَلَا فِي نَهْضَةٍ كَجَدْعِ الْأَنْفِ وَسَمْلِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ بَعْدَ عَقْدِهَا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا .\rوَفِي مَنْعِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا مَذْهَبَانِ لِلْفُقَهَاءِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي حُقُوقِهَا ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَتَكُونُ السَّلَامَةُ مِنْهُ شَرْطًا مُعْتَبَرًا فِي عَقْدِهَا لِيَسْلَمَ وُلَاةُ الْمِلَّةِ مِنْ شَيْنٍ يُعَابُ وَنَقْصٌ يُزْدَرَى فَتَقِلُّ بِهِ الْهَيْبَةُ ، وَفِي قِلَّتِهَا نُفُورٌ عَنْ الطَّاعَةِ ، وَمَا أَدَّى إلَى هَذَا فَهُوَ نَقْصٌ فِي حُقُوقِ الْأُمَّةِ .\r( فَصْلٌ ) وَأَمَّا نَقْصُ التَّصَرُّفِ فَضَرْبَانِ : حَجْرٌ وَقَهْرٌ .\rفَأَمَّا الْحَجْرُ فَهُوَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْوَانِهِ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِتَنْفِيذِ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَظَاهُرٍ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا مُجَاهَرَةٍ بِمُشَاقَّةٍ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إمَامَتِهِ وَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي أَفْعَالِ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى أُمُورِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً لِأَحْكَامِهَا لِئَلَّا يَقِفَ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَا يَعُودُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْصِرَ مَنْ يَقْبِضَ يَدَهُ وَيُزِيلَ تَغَلُّبَهُ .\rوَأَمَّا الْقَهْرُ فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ مَأْسُورًا فِي يَدِ عَدُوٍّ قَاهِرٍ لَا يَقْدِرُ","part":1,"page":32},{"id":32,"text":"عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ عَنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ مُشْرِكًا أَوْ مُسْلِمًا بَاغِيًا ، وَلِلْأُمَّةِ اخْتِيَارُ مَنْ عَدَاهُ مِنْ ذَوِي الْقُدْرَةِ ، وَإِنْ أُسِرَ بَعْدَ أَنْ عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَعَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ اسْتِنْقَاذُهُ لِمَا أَوْجَبَتْهُ الْإِمَامَةُ مِنْ نُصْرَتِهِ وَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ مَا كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ مَأْمُولَ الْفِكَاكِ إمَّا بِقِتَالٍ أَوْ فِدَاءٍ ، فَإِنْ وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنْ أَسَرَهُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ أَوْ بُغَاةَ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ خَرَجَ مِنْ الْإِمَامَةِ لِلْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِهِ وَاسْتَأْنَفَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بَيْعَةَ غَيْرِهِ عَلَى الْإِمَامَةِ .\rفَإِنْ عَهِدَ بِالْإِمَامَةِ فِي حَالِ أَسْرِهِ نُظِرَ فِي عَهْدِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ كَانَ عَهْدُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ عَهِدَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عَهْدٌ ، وَإِنْ عَهِدَ قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ وَقْتَ هُوَ فِيهِ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ صَحَّ عَهْدُهُ لِبَقَاءِ إمَامَتِهِ وَاسْتَقَرَّتْ إمَامَةُ وَلِيِّ عَهْدِهِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ لِزَوَالِ إمَامَتِهِ ، فَلَوْ خَلَصَ مِنْ أَسْرِهِ بَعْدَ عَهْدِهِ نُظِرَ فِي خَلَاصِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَى إمَامَتِهِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِالْإِيَاسِ وَاسْتَقَرَّتْ فِي وَلِيِّ عَهْدِهِ ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الْإِيَاسِ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ وَيَكُونُ الْعَهْدُ فِي وَلِيِّ الْعَهْدِ ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يَصِرْ إمَامًا .\rوَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ خَلَاصُهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْبُغَاةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونُوا نَصَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا أَوْ لَمْ يُنَصِّبُوا ، فَإِنْ كَانُوا فَوْضَى لَا إمَامَ لَهُمْ فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى إمَامَتِهِ لِأَنَّ بَيْعَتَهُ لَهُمْ لَازِمَةٌ وَطَاعَتَهُ","part":1,"page":33},{"id":33,"text":"عَلَيْهِمْ وَاجِبَةٌ فَصَارَ مَعَهُمْ كَمَصِيرِهِ مَعَ أَهْلِ الْعَدْلِ إذَا صَارَتْ تَحْتَ الْحَجْرِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ نَاظِرًا يَخْلُفُهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ مِنْهُمْ ، فَإِنْ خَلَعَ الْمَأْسُورُ نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَنَابُ إمَامًا لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ فَزَالَتْ بِفَقْدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَدْ نَصَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا دَخَلُوا فِي بَيْعَتِهِ وَانْقَادُوا لِطَاعَتِهِ فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ خَارِجٌ مِنْ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ انْحَازُوا بِدَارٍ تَفَرَّدَ حُكْمُهَا عَنْ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجُوا بِهَا عَنْ الطَّاعَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِهِمْ نُصْرَةٌ وَلِلْمَأْسُورِ مَعَهُمْ قُدْرَةٌ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ أَنْ يَعْقِدُوا الْإِمَامَةَ لِمَنْ ارْتَضَوْا لَهَا ، فَإِنْ خَلَصَ الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا .","part":1,"page":34},{"id":34,"text":"( فَصْلٌ ) وَإِذَا تَمَهَّدَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ وَعُمُومِ نَظَرِهَا فِي مَصَالِحِ الْمِلَّةِ وَتَدْبِيرِ الْأُمَّةِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَقْدُهَا لِلْإِمَامِ انْقَسَمَ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ وِلَايَاتِ خُلَفَائِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَامَّةً فِي الْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ وَهُمْ الْوُزَرَاءُ لِأَنَّهُمْ يُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَامَّةً فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ وَهُمْ أُمَرَاءُ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً فِي الْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ وَهُمْ كَقَاضِي الْقُضَاةِ وَنَقِيبِ الْجُيُوشِ وَحَامِي الثُّغُورِ وَمُسْتَوْفِي الْخَرَاجِ وَجَابِي الصَّدَقَاتِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً فِي الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ وَهُمْ كَقَاضِي بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ أَوْ مُسْتَوْفِي خَرَاجِهِ أَوْ جَابِي صَدَقَاتِهِ أَوْ حَامِي ثَغْرِهِ أَوْ نَقِيبِ جُنْدٍ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاصُّ النَّظَرِ مَخْصُوصُ الْعَمَلِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوُلَاةِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلَايَتُهُ وَيَصِحُّ مَعَهَا نَظَرُهُ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا فِي أَبْوَابِهَا وَمَوَاضِعِهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ .","part":1,"page":35},{"id":35,"text":"وَالْوَزَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : وَزَارَةُ تَفْوِيضٍ وَوَزَارَةُ تَنْفِيذٍ .\rفَأَمَّا وَزَارَةُ التَّفْوِيضِ فَهُوَ أَنْ يَسْتَوْزِرَ الْإِمَامُ مَنْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ بِرَأْيِهِ وَإِمْضَاءَهَا عَلَى اجْتِهَادِهِ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ جَوَازُ هَذِهِ الْوَزَارَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } .\rفَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي النُّبُوَّةِ كَانَ فِي الْإِمَامَةِ أَجْوَزُ ، وَلِأَنَّ مَا وُكِّلَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ الْأُمَّةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَةِ جَمِيعِهِ إلَّا بِاسْتِنَابَةٍ ، وَنِيَابَةُ الْوَزِيرِ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي التَّدْبِيرِ أَصَحُّ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ مِنْ تَفَرُّدِهِ بِهَا لِيَسْتَظْهِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَبِهَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الزَّلَلِ وَأَمْنَعَ مِنْ الْخَلَلِ .\rوَيُعْتَبَرُ فِي تَقْلِيدِ هَذِهِ الْوَزَارَةِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ إلَّا النَّسَبَ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ مُمْضِي الْآرَاءِ وَمُنَفِّذُ الِاجْتِهَادِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ .\rوَيَحْتَاجُ فِيهَا إلَى شَرْطٍ زَائِدٍ عَلَى شُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِفَايَةِ فِيمَا وُكِّلَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ خِبْرَةً بِهِمَا وَمَعْرِفَةً بِتَفْصِيلِهِمَا فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ لَهُمَا تَارَةً وَمُسْتَنِيبٌ فِيهِمَا أُخْرَى ، فَلَا يَصِلُ إلَى اسْتِنَابَةِ الْكُفَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ إذَا قَصَّرَ عَنْهُمْ ، وَعَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَدَارُ الْوَزَارَةِ وَبِهِ تَنْتَظِمُ السِّيَاسَةُ .\rحُكِيَ أَنَّ الْمَأْمُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَتَبَ فِي اخْتِيَارِ وَزِيرٍ : إنِّي الْتَمَسْتُ لِأُمُورِي رَجُلًا جَامِعًا لِخِصَالِ الْخَيْرِ ذَا عِفَّةٍ فِي خَلَائِقِهِ وَاسْتِقَامَةٍ فِي طَرَائِقِهِ ، قَدْ هَذَّبَتْهُ الْآدَابُ وَأَحْكَمَتْهُ التَّجَارِبُ ، إنْ الْحِجَا عَلَى الْأَسْرَارِ قَامَ بِهَا وَإِنْ قُلِّدَ مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ نَهَضَ فِيهَا ، يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَيُنْطِقُهُ","part":1,"page":36},{"id":36,"text":"الْعِلْمُ وَتَكْفِيهِ اللَّحْظَةُ وَتُغْنِيهِ اللَّمْحَةُ ، لَهُ صَوْلَةُ الْأُمَرَاءِ وَأَنَاةُ الْحُكَمَاءِ وَتَوَاضُعُ الْعُلَمَاءِ وَفَهْمُ الْفُقَهَاءِ ، إنْ أُحْسِنَ إلَيْهِ شَكَرَ ، وَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْإِسَاءَةِ صَبَرَ ، لَا يَبِيعُ نَصِيبَ يَوْمِهِ بِحِرْمَانِ غَدِهِ ، يَسْتَرِقُّ قُلُوبَ الرِّجَالِ بِخِلَابَةِ لِسَانِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضَ الشُّعَرَاءِ هَذِهِ الْأَوْصَافَ فَأَوْجَزَهَا وَوَصَفَ بَعْضَ وُزَرَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِهَا فَقَالَ : بَدِيهَتُهُ وَفِكْرَتُهُ سَوَاءٌ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى النَّاسِ الْأُمُورُ وَأَحْزَمُ مَا يَكُونُ الدَّهْرَ يَوْمًا إذَا أَعْيَا الْمُشَاوِرُ وَالْمُشِيرُ وَصَدْرٌ فِيهِ لِلْهَمِّ اتِّسَاعٌ إذَا ضَاقَتْ مِنْ الْهَمِّ الصُّدُورُ فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ إذَا كَمُلَتْ فِي الزَّعِيمِ الْمُدَبِّرِ - وَقَلَّ مَا تَكْمُلُ - فَالصَّلَاحُ بِنَظَرِهِ عَامٌّ وَمَا يُنَاطُ بِرَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ تَامٌّ ؛ وَإِنْ اخْتَلَّتْ فَالصَّلَاحُ بِحَسَبِهَا يَخْتَلُّ وَالتَّدْبِيرُ عَلَى قَدْرِهَا يَعْتَلُّ وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ الدِّينِيَّةِ الْمَحْضَةِ فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ السِّيَاسَةِ الْمُمَازِجَةِ لِشُرُوطِ الدِّينِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَاسْتِقَامَةِ الْمِلَّةِ .\rفَإِذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ هَذِهِ الْوَزَارَةِ فِيمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا فَصِحَّةُ التَّقْلِيدِ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ بِلَفْظِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَوْزِرِ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى عَقْدٍ وَالْعُقُودُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ ، فَإِنْ وَقَعَ لَهُ بِالنَّظَرِ وَأَذِنَ لَهُ لَمْ يَتِمَّ التَّقْلِيدُ ، حُكْمًا ، وَإِنْ أَمْضَاهُ الْوُلَاةُ عُرْفًا حَتَّى يَعْقِدَ لَهُ الْوَزَارَةَ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى شَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا عُمُومُ النَّظَرِ ، وَالثَّانِي النِّيَابَةُ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى عُمُومِ النَّظَرِ دُونَ النِّيَابَةِ فَكَانَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ أَخَصَّ ؛ فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوَزَارَةُ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى النِّيَابَةِ فَقَدْ أَبْهَمَ مَا اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ أَوْ تَنْفِيذٍ وَتَفْوِيضٍ فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ","part":1,"page":37},{"id":37,"text":"الْوَزَارَةُ ، وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا انْعَقَدَتْ وَتَمَّتْ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ بِأَحْكَامِ الْعُقُودِ أَخَصُّ أَنْ يَقُولَ قَدْ قَلَّدْتُكَ مَا إلَيَّ نِيَابَةً عَنِّي فَتَنْعَقِدُ بِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ عُمُومِ النَّظَرِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِي النَّظَرِ ، فَإِنْ قَالَ لَهُ نُبْ عَنِّي فِيمَا إلَيَّ احْتَمَلَ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ : عُمُومِ النَّظَرِ وَالِاسْتِنَابَةِ وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ إذْنٌ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَقَدَّمَهُ عَقْدٌ وَالْإِذْنُ فِي أَحْكَامِ الْعُقُودِ لَا تَصِحُّ بِهِ الْعُقُودُ ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ قَدْ اسْتَنَبْتُكَ فِيمَا إلَيَّ انْعَقَدَتْ بِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِذْنِ إلَى أَلْفَاظِ الْعُقُودِ .\rوَلَوْ قَالَ : اُنْظُرْ فِيمَا إلَيَّ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوَزَارَةُ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَصَفُّحِهِ أَوْ فِي تَنْفِيذِهِ أَوْ فِي الْقِيَامِ بِهِ ، وَالْعَقْدُ لَا يَنْبَرِمُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ حَتَّى يَصِلَهُ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ الِاحْتِمَالَ وَلَيْسَ يُرَاعَى فِيمَا يُبَاشِرُهُ الْخُلَفَاءُ وَمُلُوكُ الْأُمَمِ مِنْ الْعُقُودِ الْعَامَّةِ مَا يُرَاعَى فِي الْخَاصَّةِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُؤَكِّدَةِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ عَادَتِهِمْ الِاكْتِفَاءُ بِيَسِيرِ الْقَوْلِ عَنْ كَثِيرِهِ فَصَارَ ذَلِكَ فِيهِمْ عُرْفًا مَخْصُوصًا ، وَرُبَّمَا اسْتَثْقَلُوا الْكَلَامَ فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْإِشَارَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ لِنَاطِقٍ سَلِيمٍ فَكَذَلِكَ خَرَجَتْ بِالشَّرْعِ مِنْ عُرْفِهِمْ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُمْ لِقِلَّةِ مَا يُبَاشِرُونَهُ مِنْ الْعُقُودِ تُجْعَلُ شَوَاهِدُ الْحَالِ فِي تَأَهُّبِهِمْ لَهَا مُوجِبًا لِحَمْلِ لَفْظِهِمْ الْمُجْمَلِ عَلَى الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ دُونَ الِاحْتِمَالِ الْمُجَرَّدِ ، فَهَذَا وَجْهٌ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ بِعُرْفِ الْمَنْصِبِ أَشْبَهُ أَنْ يَقُولَ : قَدْ اسْتَوْزَرْتُكَ تَعْوِيلًا عَلَى نِيَابَتِكَ","part":1,"page":38},{"id":38,"text":"فَتَنْعَقِدُ بِهِ هَذِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ عُمُومِ النَّظَرِ فِيمَا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ اسْتَوْزَرْتُكَ ، لِأَنَّ نَظَرَ الْوَزَارَةِ عَامٌّ وَبَيْنَ النِّيَابَةِ بِقَوْلِهِ تَعْوِيلًا عَلَى نِيَابَتِكَ فَخَرَجَتْ عَنْ وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ إلَى وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ .\rوَلَوْ قَالَ قَدْ فَوَّضْتُ إلَيْكَ وَزَارَتِي احْتَمَلَ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِ هَذِهِ الْوَزَارَةُ ، لِأَنَّ ذِكْرَ التَّفْوِيضِ فِيهَا يُخْرِجُهَا عَنْ وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ إلَى وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْوَزَارَةِ فَافْتَقَرَ إلَى عَقْدٍ يَتَقَدَّمُهُ ، وَالْأَوَّلُ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ قَدْ فَوَّضْنَا إلَيْكَ الْوَزَارَةَ صَحَّ لِأَنَّ وُلَاةَ الْأُمُورِ يُكَنُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَيُعَظِّمُونَ عَنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَيْهِمْ فَيُرْسِلُونَهُ فَيَقُومُ قَوْلُهُ قَدْ فَوَّضْنَا إلَيْكَ مَقَامَ قَوْلِهِ فَوَّضْتُ إلَيْكَ ، وَقَوْلُهُ الْوَزَارَةُ مَقَامَ قَوْلِهِ وَزَارَتِي وَهَذَا أَفْخَمُ قَوْلٍ عُقِدَتْ بِهِ وَزَارَةُ التَّفْوِيضِ وَأَوْجَزُهُ ، وَلَوْ كَنَّى غَيْرُ الْمُلُوكِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْجَمْعِ وَتَرَكَ الْإِضَافَةَ لَمَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ التَّفَرُّدِ وَالْإِضَافَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ ، فَأَمَّا إذَا قَالَ قَدْ قَلَّدْتُكَ وَزَارَتِي أَوْ قَدْ قَلَّدْنَاكَ الْوَزَارَةَ لَمْ يَصِرْ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُزَرَاءِ التَّفْوِيضِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّفْوِيضَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } .\rفَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوَزَارَةِ حَتَّى قَرَنَهَا بِشَدِّ أَزْرِهِ وَإِشْرَاكِهِ فِي أَمْرِهِ لِأَنَّ اسْمَ الْوَزَارَةِ مُخْتَلَفٌ فِي اشْتِقَاقِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِزْرِ وَهُوَ الثِّقَلُ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنْ الْمَلِكِ أَثْقَالَهُ .\rالثَّانِي :","part":1,"page":39},{"id":39,"text":"أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَزَرِ وَهُوَ الْمَلْجَأُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { كَلًّا لَا وَزَرَ } أَيْ لَا مَلْجَأَ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَلِكَ يُلْجَأُ إلَى رَأْيِهِ وَمَعُونَتِهِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَزْرِ وَهُوَ الظَّهْرُ ، لِأَنَّ الْمَلِكَ يَقْوَى بِوَزِيرِهِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ بِالظَّهْرِ وَلِأَيِّ هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ مُشْتَقًّا فَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الِاسْتِبْدَادَ بِالْأُمُورِ .","part":1,"page":40},{"id":40,"text":"( فَصْلٌ ) وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَزَارَةُ التَّفْوِيضِ فَالنَّظَرُ فِيهَا - وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُمُومِ - مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ يَقَعُ الْفَرْقُ بِهِمَا بَيْنَ الْإِمَامَةِ وَالْوَزَارَةِ : أَحَدُهُمَا يَخْتَصُّ بِالْوَزِيرِ وَهُوَ مُطَالَعَةُ الْإِمَامِ لِمَا أَمْضَاهُ مِنْ تَدْبِيرٍ وَأَنْفَذَهُ مِنْ وِلَايَةٍ وَتَقْلِيدٍ لِئَلَّا يَصِيرَ بِالِاسْتِبْدَادِ كَالْإِمَامِ .\rوَالثَّانِي : مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ وَهُوَ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَفْعَالَ الْوَزِيرِ وَتَدْبِيرَهُ الْأُمُورَ لِيُقِرَّ مِنْهَا مَا وَافَقَ الصَّوَابَ وَيَسْتَدْرِكَ مَا خَالَفَهُ لِأَنَّ تَدْبِيرَ الْأُمَّةِ إلَيْهِ مَوْكُولٌ وَعَلَى اجْتِهَادِهِ مَحْمُولٌ .\rوَيَجُوزُ لِهَذَا الْوَزِيرِ أَنْ يَحْكُمَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُقَلِّدَ الْحُكَّامَ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ لِأَنَّ شُرُوطَ الْحُكْمِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَظَالِمِ وَيَسْتَنِيبَ فِيهَا لِأَنَّ شُرُوطَ الْمَظَالِمِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْجِهَادَ بِنَفْسِهِ ، وَأَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ لِأَنَّ شُرُوطَ الْحَرْبِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَ تَنْفِيذَ الْأُمُورِ الَّتِي دَبَّرَهَا ، وَأَنْ يَسْتَنِيبَ فِي تَنْفِيذِهَا لِأَنَّ شُرُوطَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ .\rوَكُلُّ مَا صَحَّ مِنْ الْإِمَامِ صَحَّ مِنْ الْوَزِيرِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ .\rأَحَدُهَا : وِلَايَةُ الْعَهْدِ ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْهَدَ إلَى مَنْ يَرَى وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ .\rالثَّانِي : أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ الْأُمَّةَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْوَزِيرُ وَلَيْسَ لِلْوَزِيرِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ ، وَمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَحُكْمُ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ يَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِهِ وَصِحَّةِ نُفُوذِهِ مِنْهُ ، فَإِنْ عَارَضَهُ الْإِمَامُ فِي رَدِّ مَا أَمْضَاهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي حُكْمٍ نَفَذَ عَلَى وَجْهٍ أَوْ فِي مَالٍ وُضِعَ فِي حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ مَا نَفَذَ بِاجْتِهَادِهِ مِنْ حُكْمٍ وَلَا اسْتِرْجَاعُ مَا","part":1,"page":41},{"id":41,"text":"فَرَّقَ بِرَأْيِهِ مِنْ مَالٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي تَقْلِيدِ وَالٍ أَوْ تَجْهِيزِ جَيْشٍ وَتَدْبِيرِ حَرْبٍ جَازَ لِلْإِمَامِ مُعَارَضَتُهُ بِعَزْلِ الْمُوَلَّى وَالْعُدُولِ بِالْجَيْشِ إلَى حَيْثُ يَرَى ، وَتَدْبِيرُ الْحَرْبِ بِمَا هُوَ أَوْلَى لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ نَفْسِهِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَهُ مِنْ أَفْعَالِ وَزِيرِهِ .\rفَلَوْ قَلَّدَ الْإِمَامُ وَالِيًا عَلَى عَمَلٍ وَقَلَّدَ الْوَزِيرُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ نُظِرَ فِي أَسْبَقِهِمَا بِالتَّقْلِيدِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَسْبَقَ تَقْلِيدًا فَتَقْلِيدُهُ أَثْبَتُ وَلَا وِلَايَةَ لِمَنْ قَلَّدَهُ الْوَزِيرُ ، وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُ الْوَزِيرِ أَسْبَقَ فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيدِ الْوَزِيرِ كَانَ فِي تَقْلِيدِهِ الْإِمَامَ لِغَيْرِهِ عَزْلُ الْأَوَّلِ وَاسْتِئْنَافُ تَقْلِيدِ الثَّانِي فَصَحَّ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيدِ الْوَزِيرِ فَتَقْلِيدُ الْوَزِيرِ أَثْبَتُ وَتَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، لِأَنَّ تَقْلِيدَ الثَّانِي مَعَ الْجَهْلِ بِتَقْلِيدِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ عَزْلًا لَوْ عَلِمَ بِتَقْلِيدِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ مَعَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِحَالِهِ إذَا قَلَّدَ غَيْرَهُ حَتَّى يَعْزِلَهُ قَوْلًا فَيَصِيرُ بِالْقَوْلِ مَعْزُولًا لَا بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ النَّظَرُ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ صَحَّ تَقْلِيدُهُمَا فَكَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي النَّظَرِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ كَانَ تَقْلِيدُهُمَا مَوْقُوفًا عَلَى عَزْلِ أَحَدِهِمَا وَإِقْرَارِ الْآخَرِ ؛ فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ الْإِمَامُ جَازَ أَنْ يَعْزِلَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَيُقِرَّ الْآخَرَ ، وَإِنْ تَوَلَّاهُ الْوَزِيرُ جَازَ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ اخْتَصَّ بِتَقْلِيدِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ .","part":1,"page":42},{"id":42,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ وَيَنْفُذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُمْضِي مَا حَكَمَ وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا ، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ ، وَلَيْسَ تَفْتَقِرُ هَذِهِ الْوَزَارَةُ إلَى تَقْلِيدٍ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا مُجَرَّدُ الْإِذْنِ وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُؤَهَّلِ لَهَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْعِلْمُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوِلَايَةٍ وَلَا تَقْلِيدٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُورُ النَّظَرِ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْخَلِيفَةِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَيُرَاعِي فِيهِ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ : أَحَدُهَا الْأَمَانَةُ حَتَّى لَا يَخُونَ فِيمَا قَدْ اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وَلَا يَغُشَّ فِيمَا قَدْ اُسْتُنْصِحَ فِيهِ .\rوَالثَّانِي : صِدْقُ اللَّهْجَةِ حَتَّى يُوثَقَ بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ وَيُعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يُنْهِيهِ .\rوَالثَّالِثُ : قِلَّةُ الطَّمَعِ حَتَّى لَا يَرْتَشِيَ فِيمَا يَلِي وَلَا يَنْخَدِعَ فَيَتَسَاهَلَ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ عَدَاوَةٍ وَشَحْنَاءَ ، فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ تَصُدُّ عَنْ التَّنَاصُفِ وَتَمْنَعُ مِنْ التَّعَاطُفِ .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ ذُكُورًا لِمَا يُؤَدِّيهِ إلَى الْخَلِيفَةِ وَعَنْهُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ وَعَلَيْهِ .\rوَالسَّادِسُ : الذَّكَاءُ وَالْفِطْنَةُ حَتَّى لَا تُدَلَّسَ عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَتَشْتَبِهَ ، وَلَا تُمَوَّهَ عَلَيْهِ فَتَلْتَبِسَ","part":1,"page":43},{"id":43,"text":"، فَلَا يَصِحُّ مَعَ اشْتِبَاهِهَا عَزْمٌ وَلَا يَصْلُحُ مَعَ الْتِبَاسِهَا حَزْمٌ ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَزِيرُ الْمَأْمُونِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ حَيْثُ يَقُولُ مِنْ الطَّوِيلِ : إصَابَةُ مَعْنَى الْمَرْءِ رُوحُ كَلَامِهِ فَإِنْ أَخْطَأَ الْمَعْنَى فَذَاكَ مَوَاتُ إذَا غَابَ قَلْبُ الْمَرْءِ عَنْ حِفْظِ لَفْظِهِ فَيَقْظَتُهُ لِلْعَالَمِينَ سُبَاتُ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَيُخْرِجُهُ الْهَوَى مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَيَتَدَلَّسُ عَلَيْهِ الْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، فَإِنَّ الْهَوَى خَادِعُ الْأَلْبَابِ وَصَارِفٌ لَهُ عَنْ الصَّوَابِ .\rوَلِذَلِكَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ } .\rقَالَ الشَّاعِرُ مِنْ السَّرِيعِ : إنَّا إذَا قَلَّتْ دَوَاعِي الْهَوَى وَأَنْصَتَ السَّامِعُ لِلْقَائِلِ وَاصْطَرَعَ الْقَوْمُ بِأَلْبَابِهِمْ نَقْضِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ فَاصِلِ لَا نَجْعَلُ الْبَاطِلَ حَقًّا وَلَا نَلْفِظُ دُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ نَخَافُ أَنْ تُسَفَّهَ أَحْلَامُنَا فَنَحْمِلُ الدَّهْرَ مَعَ الْحَامِلِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَزِيرُ مُشَارِكًا فِي الرَّأْيِ احْتَاجَ إلَى وَصْفٍ ثَامِنٍ وَهُوَ الْحِنْكَةُ وَالتَّجْرِبَةُ الَّتِي تُؤَدِّيهِ إلَى صِحَّةِ الرَّأْيِ وَصَوَابِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ فِي التَّجَارِبِ خِبْرَةً بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِي الرَّأْيِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الْوَصْفِ وَإِنْ كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْمُمَارَسَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَ خَبَرُهَا مَقْبُولًا لِمَا تَضَمَّنَهُ مَعْنَى الْوِلَايَاتِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ النِّسَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ } .\rوَلِأَنَّ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الرَّأْيِ وَثَبَاتِ الْعَزْمِ مَا تَضْعُفُ عَنْهُ النِّسَاءُ ، وَمِنْ الظُّهُورِ فِي مُبَاشَرَةِ الْأُمُورِ مَا هُوَ عَلَيْهِنَّ مَحْظُورٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَزِيرُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّفْوِيضِ مِنْهُمْ .","part":1,"page":44},{"id":44,"text":"وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْوَزَارَتَيْنِ بِحَسَبِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرَيْنِ ، وَذَاكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ مُبَاشَرَةُ الْحُكْمِ وَالنَّظَرُ فِي الْمَظَالِمِ ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِقَبْضِ مَا يَسْتَحِقُّ لَهُ وَبِدَفْعِ مَا يَجِبُ فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ ، وَلَيْسَ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَا يَمْنَعُ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَسْتَطِيلُوا فَيَكُونُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ الِاسْتِطَالَةِ ؛ وَلِهَذِهِ الْفُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ بَيْنَ النَّظِيرَيْنِ افْتَرَقَ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ شُرُوطِ الْوَزَارَتَيْنِ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُعْتَبَرٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِأَمْرَيْ الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ ، فَافْتَرَقَا فِي شُرُوطِ التَّقْلِيدِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ كَمَا افْتَرَقَا فِي حُقُوقِ النَّظَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَاسْتَوَيَا فِيمَا عَدَاهَا مِنْ حُقُوقٍ وَشُرُوطٍ .","part":1,"page":45},{"id":45,"text":"وَيَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْ تَنْفِيذٍ عَلَى اجْتِمَاعٍ وَانْفِرَادٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ عَلَى الِاجْتِمَاعِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِمَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ إمَامَيْنِ لِأَنَّهُمَا رُبَّمَا تَعَارَضَا فِي الْعَقْدِ وَالْحَلِّ وَالتَّقْلِيدِ وَالْعَزْلِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } .\rفَإِنْ قَلَّدَ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ تَقْلِيدِهِ لَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يُفَوِّضَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُمُومَ النَّظَرِ ، فَلَا يَصِحُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ وَتَعْلِيلٍ وَيَنْظُرُ فِي تَقْلِيدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَلَ تَقْلِيدُهُمَا مَعًا ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ صَحَّ تَقْلِيدُ السَّابِقِ وَبَطَلَ تَقْلِيدُ الْمَسْبُوقِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَالْعَزْلِ أَنَّ فَسَادَ التَّقْلِيدِ يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِ ، وَالْعَزْلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ وَلَا يَجْعَلَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ فَهَذَا يَصِحُّ وَتَكُونُ الْوَزَارَةُ بَيْنَهُمَا لَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اتَّفَقَ رَأْيُهُمَا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ الْخَلِيفَةِ وَخَارِجًا عَنْ نَظَرِ هَذَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْوَزَارَةُ قَاصِرَةً عَنْ وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَنْفِيذِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي زَوَالُ نَظَرِهِمَا عَمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا بَعْدَ الِاخْتِلَافِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ رَأْيٍ اجْتَمَعَا عَلَى صَوَابِهِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ دَخَلَ فِي نَظَرِهِمَا وَصَحَّ تَنْفِيذُهُ مِنْهُمَا ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُتَابَعَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ","part":1,"page":46},{"id":46,"text":"مَعَ بَقَائِهِمَا عَلَى الرَّأْيِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَهُوَ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ نَظَرِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْوَزِيرِ تَنْفِيذُ مَا لَا يَرَاهُ صَوَابًا .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ وَيُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِلْآخَرِ نَظَرٌ ، وَهَذَا يَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ النَّظَرِ خَاصَّ الْعَمَلِ مِثْلَ أَنْ يَرُدَّ إلَى أَحَدِهِمَا وَزَارَةَ بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَإِلَى الْآخَرِ وَزَارَةَ بِلَادِ الْمَغْرِبِ ، وَإِمَّا أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَظَرٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ الْعَمَلِ خَاصَّ النَّظَرِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَوْزِرَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْحَرْبِ وَالْآخَرَ عَلَى الْخَرَاجِ فَيَصِحُّ التَّقْلِيدُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ وَيَكُونَانِ وَالِيَيْنِ عَلَى عَمَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، لِأَنَّ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ مَا عَمَّتْ وَنَفَذَ أَمْرُ الْوَزِيرَيْنِ بِهَا فِي كُلِّ عَمَلٍ وَكُلِّ نَظَرٍ ؛ وَيَكُونُ تَقْلِيدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورًا عَلَى مَا خُصَّ بِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُعَارَضَةُ الْآخَرِ فِي نَظَرِهِ وَعَمَلِهِ وَيَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْنِ : وَزِيرَ تَفْوِيضٍ وَوَزِيرَ تَنْفِيذٍ فَيَكُونُ وَزِيرُ التَّفْوِيضِ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ وَوَزِيرُ التَّنْفِيذِ مَقْصُورًا عَلَى تَنْفِيذِ مَا وَرَدَتْ بِهِ أَوَامِرُ الْخَلِيفَةِ .\rوَلَا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يُوَلِّيَ مَعْزُولًا وَلَا أَنْ يَعْزِلَ مُوَلًّى ، وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يُوَلِّيَ الْمَعْزُولَ وَيَعْزِلَ مَنْ وَلَّاهُ وَلَا يَعْزِلُ مَنْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ ، وَلَيْسَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ الْخَلِيفَةِ إلَّا بِأَمْرِهِ وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ نَفْسِهِ إلَى عُمَّالِهِ وَعُمَّالِ الْخَلِيفَةِ وَيَلْزَمُهُمْ قَبُولُ تَوْقِيعَاتِهِ ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ الْخَلِيفَةِ إلَّا بِأَمْرِهِ فِي عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ ، وَإِذَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَ","part":1,"page":47},{"id":47,"text":"التَّنْفِيذِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْوُلَاةِ .\rوَإِذَا عَزَلَ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ انْعَزَلَ بِهِ عُمَّالُ التَّنْفِيذِ وَلَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ عُمَّالُ التَّفْوِيضِ لِأَنَّ عُمَّالَ التَّنْفِيذِ نُيَّابٌ وَعُمَّالَ التَّفْوِيضِ وُلَاةٌ ، وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ نَائِبًا عَنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ تَقْلِيدٌ فَصَحَّ مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ وَزِيرِ التَّنْفِيذِ ، وَإِذَا نَهَى الْخَلِيفَةُ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، وَإِذَا أَذِنَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ فِي الِاسْتِخْلَافِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَزِيرَيْنِ يَتَصَرَّفُ عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ وَنَهْيِهِ وَإِنْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمَا مَعَ إطْلَاقِ التَّقْلِيدِ .\rوَإِذَا فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ تَدْبِيرَ الْأَقَالِيمِ إلَى وُلَاتِهَا وَوَكَّلَ النَّظَرَ فِيهَا إلَى الْمُسْتَوْلِينَ عَلَيْهَا كَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ زَمَانِنَا جَازَ لِمَالِكِ كُلِّ إقْلِيمٍ أَنْ يَسْتَوْزِرَ ، وَكَانَ حُكْمُ وَزِيرِهِ مَعَهُ كَحُكْمِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ مَعَ الْخَلِيفَةِ فِي اعْتِبَارِ الْوَزَارَتَيْنِ وَأَحْكَامِ النَّظَرَيْنِ","part":1,"page":48},{"id":48,"text":"وَإِذَا قَلَّدَ الْخَلِيفَةُ أَمِيرًا عَلَى إقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ كَانَتْ إمَارَتُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ : فَأَمَّا الْعَامَّةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : إمَارَةُ اسْتِكْفَاءٍ بِعَقْدٍ عَنْ اخْتِيَارٍ وَإِمَارَةُ اسْتِيلَاءٍ بِعَقْدٍ عَنْ اضْطِرَارٍ .\rفَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ الَّتِي تَنْعَقِدُ عَنْ اخْتِيَارِهِ فَتَشْتَمِلُ عَلَى عَمَلٍ مَحْدُودٍ وَنَظَرٍ مَعْهُودٍ ، وَالتَّقْلِيدُ فِيهَا أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ إمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ وِلَايَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ فَيَصِيرُ عَامَّ النَّظَرِ فِيمَا كَانَ مَحْدُودًا مِنْ عَمَلٍ وَمَعْهُودًا مِنْ نَظَرٍ فَيَشْتَمِلُ نَظَرُهُ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أُمُورٍ : أَحَدُهَا النَّظَرُ فِي تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَتَرْتِيبِهِمْ فِي النَّوَاحِي وَتَقْدِيرِ أَرْزَاقِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ قَدَّرَهَا فَيَذَرُهَا عَلَيْهِمْ .\rوَالثَّانِي النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ وَتَقْلِيدِ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ .\rوَالثَّالِثُ : جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَقَبْضُ الصَّدَقَاتِ وَتَقْلِيدُ الْعُمَّالِ فِيهِمَا وَتَفْرِيقُ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا .\rوَالرَّابِعُ : حِمَايَةُ الدِّينِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَرِيمِ وَمُرَاعَاةُ الدِّينِ مِنْ تَغْيِيرٍ أَوْ تَبْدِيلٍ .\rوَالْخَامِسُ : إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَالسَّادِسُ : الْإِمَامَةُ فِي الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ حَتَّى يَؤُمَّ بِهَا أَوْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهَا .\rوَالسَّابِعُ : تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ مَنْ عَمِلَهُ وَمَنْ سَلَكَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ حَتَّى يَتَوَجَّهُوا مُعَانِينَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِقْلِيمُ ثَغْرًا مُتَاخِمًا لِلْعَدُوِّ وَاقْتَرَنَ بِهَا .\rالثَّامِنُ : وَهُوَ جِهَادُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَقَسْمُ غَنَائِمِهِمْ فِي الْمُقَاتِلَةِ وَأَخْذُ خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَتُعْتَبَرُ فِي هَذِهِ الْإِمَارَةِ وَعُمُومِهَا فِي الْوَزَارَةِ وَلَيْسَ بَيْنَ عُمُومِ الْوِلَايَةِ وَخُصُوصِهَا فَرْقٌ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا ثُمَّ يَنْظُرُ فِي عَقْدِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ تَوَلَّاهُ كَانَ","part":1,"page":49},{"id":49,"text":"لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ عَلَيْهِ حَقُّ الْمُرَاعَاةِ وَالتَّصَفُّحِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ وَلَا نَقْلُهُ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَزِيرُ قَدْ تَفَرَّدَ بِتَقْلِيدِهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَلِّدَهُ عَنْ إذْنِ الْخَلِيفَةِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ عَزْلُهُ وَلَا نَقْلُهُ عَنْ عَمَلِهِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عَنْ إذْنِ الْخَلِيفَةِ وَأَمْرِهِ ، وَلَوْ عُزِلَ الْوَزِيرُ لَمْ يَنْعَزِلْ هَذَا الْأَمِيرُ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُقَلِّدَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَزْلِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِ بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّيهِ الِاجْتِهَادُ إلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَوْلَى وَالْأَصَحِّ .\rوَلَوْ أَطْلَقَ الْوَزِيرُ تَقْلِيدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِأَنَّهُ عَنْ الْخَلِيفَةِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ كَانَ التَّقْلِيدُ عَنْ نَفْسِهِ ؛ وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَزْلِهِ ، وَمَتَى انْعَزَلَ الْوَزِيرُ انْعَزَلَ هَذَا الْأَمِيرُ إلَّا أَنْ يُقَرَّ الْخَلِيفَةُ عَلَى إمَارَتِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ تَجْدِيدَ وِلَايَةٍ وَاسْتِئْنَافَ تَقْلِيدٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي لَفْظِ الْعَقْدِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ أَنْ يَقُولَ قَدْ قَلَّدْتُكَ نَاحِيَةَ كَذَا إمَارَةً عَلَى أَهْلِهَا وَنَظَرًا عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى تَفْصِيلٍ لَا يَدْخُلُهُ إجْمَالٌ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ احْتِمَالٌ ، فَإِذَا قَلَّدَ الْخَلِيفَةُ هَذِهِ الْإِمَارَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَزْلٌ لِلْوَزِيرِ عَنْ تَصَفُّحِهَا وَمُرَاعَاتِهَا ، وَإِذَا قَلَّدَ الْوَزَارَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَزْلٌ لِهَذَا الْأَمِيرِ عَنْ إمَارَتِهِ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عُمُومُ التَّقْلِيدِ وَخُصُوصُهُ فِي الْوِلَايَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ كَانَ عُمُومُ التَّقْلِيدِ مَحْمُولًا فِي الْعُرْفِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَخَصِّ وَتَصَفُّحِهِ وَكَانَ خُصُوصُ التَّقْلِيدِ مَحْمُولًا عَلَى مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَتَنْفِيذِهِ .\rوَيَجُوزُ لِهَذَا الْأَمِيرِ أَنْ يَسْتَوْزِرَ لِنَفْسِهِ وَزِيرَ تَنْفِيذٍ بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْزِرَ وَزِيرَ تَفْوِيضٍ إلَّا","part":1,"page":50},{"id":50,"text":"عَنْ إذْنِ الْخَلِيفَةِ وَأَمْرِهِ لِأَنَّ وَزِيرَ التَّنْفِيذِ مُعَيَّنٌ وَوَزِيرَ التَّفْوِيضِ مُسْتَبِدٌّ .\rوَإِذَا أَرَادَ هَذَا الْأَمِيرُ أَنْ يَزِيدَ فِي أَرْزَاقِ جَيْشِهِ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ فِي غَيْرِ حَقٍّ ، وَإِنْ زَادَهُمْ لِحُدُوثِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ نُظِرَ فِي السَّبَبِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ لَا تَسْتَقِرُّ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالزِّيَادَةِ لِغَلَاءِ سِعْرٍ أَوْ حُدُوثِ حَدَثٍ أَوْ نَفَقَةٍ فِي حَرْبٍ جَازَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِثْمَارُ الْخَلِيفَةَ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقٍ السِّيَاسَةِ الْمَوْكُولَةِ إلَى اجْتِهَادِهِ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِقْرَارَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ كَالزِّيَادَةِ لِحَرْبٍ أَبْلَوْا فِيهَا وَقَامُوا بِالنَّصْرِ حَتَّى انْجَلَتْ أَوْقَفَهَا عَلَى اسْتِثْمَارِ الْخَلِيفَةِ فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفَرُّدُ بِإِمْضَائِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَ مَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ الْجَيْشِ وَيَفْرِضَ لَهُمْ الْعَطَاءَ بِغَيْرِ أَمْرٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِجَيْشٍ مُبْتَدَإٍ إلَّا بِأَمْرٍ .\rوَإِذَا فَضَلَ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ فَاضِلٌ عَنْ أَرْزَاقِ جَيْشِهِ حَمَلَهُ إلَى الْخَلِيفَةِ لِيَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الْعَامِّ الْمُعَدِّ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، وَإِذَا فَضَلَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ فَاضِلٌ عَنْ أَهْلِ عَمَلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ إلَى الْخَلِيفَةِ وَصَرْفُهُ فِي أَقْرَبِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مِنْ عَمَلِهِ ، وَإِذَا نَقَصَ مَالُ الْخَرَاجِ عَنْ أَرْزَاقِ جَيْشِهِ طَالَبَ الْخَلِيفَةَ بِتَمَامِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَوْ نَقَصَ مَالُ الصَّدَقَاتِ عَنْ أَهْلِ عَمَلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَلِيفَةِ بِتَمَامِهِ لِأَنَّ أَرْزَاقَ الْجَيْشِ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ وَحُقُوقُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوُجُودِ .\rإذَا كَانَ تَقْلِيدُ الْأَمِيرِ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْوَزِيرِ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْوَزِيرِ لِأَنَّ تَقْلِيدَ","part":1,"page":51},{"id":51,"text":"الْخَلِيفَةِ نِيَابَةٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَقْلِيدَ الْوَزِيرِ نِيَابَةٌ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَنْعَزِلُ الْوَزِيرُ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ الْأَمِيرُ لِأَنَّ الْوَزَارَةَ نِيَابَةٌ عَنْ الْخَلِيفَةِ وَالْإِمَارَةَ نِيَابَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا حُكْمُ أَحَدِ قِسْمَيْ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ إمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ الْمَعْقُودَةِ عَنْ اخْتِيَارٍ .","part":1,"page":52},{"id":52,"text":"وَنَحْنُ نُقَدِّمُ أَمَامَ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ مِنْهَا حُكْمَ الْإِمَارَةِ الْخَاصَّةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَقْدِ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ نَذْكُرُ الْقِسْمَ الثَّانِي فِي إمَارَةِ الِاسْتِيلَاءِ الْمَعْقُودَةِ عَنْ اضْطِرَارٍ لِنَبْنِيَ حُكْمَ الِاضْطِرَارِ عَلَى حُكْمِ الِاخْتِيَارِ فَيُعْلَمُ فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ شُرُوطٍ وَحُقُوقٍ .\rفَأَمَّا الْإِمَارَةُ الْخَاصَّةُ ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مَقْصُورَ الْإِمَارَةِ عَلَى تَدْبِيرِ الْجَيْشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَلِجِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ .\rفَأَمَّا إقَامَةُ الْحُدُودِ فَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إلَى اخْتِيَارٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَافْتَقَرَ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لِتَنَاكُرِ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لِإِقَامَتِهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَارِجَةِ عَنْ خُصُوصِ إمَارَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى اخْتِيَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ أَوْ افْتَقَرَ إلَيْهِمَا فَنَفَذَ فِيهِ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ أَوْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rفَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا بِحَالِ الطَّالِبِ ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَى الْحَاكِمِ كَانَ الْحَاكِمُ أَحَقَّ بِاسْتِيفَائِهِ لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ الْحُقُوقِ الَّتِي نَدَبَ الْحَاكِمُ إلَى اسْتِيفَائِهَا ، وَإِنْ عَدَلَ الطَّالِبُ بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ إلَى هَذَا الْأَمِيرِ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَقَّ بِاسْتِيفَائِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الْمَعُونَةِ هُوَ الْأَمِيرُ دُونَ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدُّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةُ كَحَدِّ الزِّنَا جَلْدًا أَوْ رَجْمًا فَالْأَمِيرُ أَحَقُّ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْحَاكِمِ لِدُخُولِهِ فِي قَوَانِينِ السِّيَاسَةِ وَمُوجِبَاتِ الْحِمَايَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْمِلَّةِ ،","part":1,"page":53},{"id":53,"text":"وَلِأَنَّ تَتَبُّعَ الْمَصَالِحِ مَوْكُولٌ إلَى الْأُمَرَاءِ الْمَنْدُوبِينَ إلَى الْبَحْثِ عَنْهَا دُونَ الْحُكَّامِ الْمُرْصَدِينَ لِفَصْلِ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْخُصُومِ فَدَخَلَ فِي حُقُوقِ الْإِمَارَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إلَّا بِنَصٍّ وَخَرَجَ مِنْ حُقُوقِ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا بِنَصٍّ .\rوَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الْمَظَالِمِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا نَفَذَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ وَأَمْضَاهُ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ ؛ جَازَ لَهُ النَّظَرُ فِي اسْتِيفَائِهِ مَعُونَةً لِلْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ وَانْتِزَاعًا لِلْمُحِقِّ مِنْ الْمُعْتَرِفِ الْمُمَاطِلِ ، لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّظَالُمِ وَالتَّغَالُبِ وَمَنْدُوبٌ إلَى الْأَخْذِ بِالتَّعَاطُفِ وَالتَّنَاصُفِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَظَالِمُ مِمَّا تُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْأَحْكَامُ وَيُبْتَدَأُ فِيهَا الْقَضَاءُ مُنِعَ مِنْهُ هَذَا الْأَمِيرُ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَتَضَمَّنْهَا عَقْدُ إمَارَتِهِ وَرَدَّهُمْ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ ؛ فَإِنْ نَفَذَ حُكْمُهُ لِأَحَدِهِمْ بِحَقٍّ قَامَ بِاسْتِيفَائِهِ إنْ ضَعُفَ عَنْهُ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ حَاكِمٌ عَدَلَ بِهَا إلَى أَقْرَبِ الْحُكَّامِ مِنْ بَلَدِهِ إنْ لَمْ يَلْحَقْهُمَا فِي الْمَصِيرِ إلَيْهِ مَشَقَّةٌ ، فَإِنْ لَحِقَتْ لَمْ يَكْفُلْهُمَا ذَلِكَ وَاسْتَأْمَرَ الْخَلِيفَةُ فِيمَا تَنَازَعَا ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ فِيهِ .\rوَأَمَّا تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ مِنْ عَمَلِهِ فَدَاخِلٌ فِي أَحْكَامِ إمَارَتِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعُونَاتِ الَّتِي نَدَبَ لَهَا .\rفَأَمَّا إمَامَةُ الصَّلَوَاتِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ الْقُضَاةَ بِهَا أَخَصُّ وَهُوَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَشْبَهُ ، وَقِيلَ إنَّ الْأُمَرَاءَ بِهَا أَحَقُّ وَهُوَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَشْبَهُ ، فَإِنْ تَاخَمَتْ وِلَايَةُ هَذَا الْأَمِيرِ ثَغْرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ جِهَادَ أَهْلِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ حَرْبُهُمْ وَدَفْعُهُمْ إنْ هَجَمُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّ دَفْعَهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْحِمَايَةِ وَمُقْتَضَى الذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ .\rوَيُعْتَبَرُ فِي","part":1,"page":54},{"id":54,"text":"وِلَايَةِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ وَزِيَادَةُ شَرْطَيْنِ عَلَيْهَا هُمَا : الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ ، لِمَا تَضَمَّنَتْهَا مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى أُمُورٍ دِينِيَّةٍ لَا تَصِحُّ مَعَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ ، وَإِنْ كَانَ فَزِيَادَةُ فَضْلٍ ، فَصَارَتْ شُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ مُعْتَبَرَةً بِشُرُوطِ وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عُمُومِ النَّظَرِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ .\rوَشُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْخَاصَّةِ تَقْصُرُ عَنْ شُرُوطِ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْعِلْمُ لِأَنَّ لِمَنْ عَمَّتْ إمَارَتُهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَنْ خَصَّتْ إمَارَتُهُ : وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمِيرِينَ مُطَالَعَةُ الْخَلِيفَةِ بِمَا أَمْضَاهُ فِي عَمَلِهِ عَلَى مُقْتَضَى إمَارَتِهِ إذَا كَانَ مَعْهُودًا إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ تَظَاهُرًا بِالطَّاعَةِ ، فَإِنْ حَدَثَ حَادِثٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ أَوْقَفَاهُ عَلَى مُطَالَعَةِ الْإِمَامِ وَعَمِلَا فِيهِ بِأَمْرِهِ ، فَإِنْ خَافَا مِنْ اتِّسَاعِ الْخَرْقِ إنْ أَوْقَفَاهُ قَامَا بِمَا يَدْفَعُ هُجُومَهُ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِمَا إذْنُ الْخَلِيفَةِ فِيمَا يَعْمَلَانِ بِهِ لِأَنَّ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ لِإِشْرَافِهِ عَلَى عُمُومِ الْأُمُورِ أَمْضَى فِي الْحَوَادِثِ النَّازِلَةِ .","part":1,"page":55},{"id":55,"text":"وَأَمَّا إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ الَّتِي تُعْقَدُ عَنْ اضْطِرَارٍ فَهِيَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْأَمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بِلَادٍ يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إمَارَتَهَا وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا ، فَيَكُونُ الْأَمِيرُ بِاسْتِيلَائِهِ مُسْتَبِدًّا بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَالْخَلِيفَةُ بِإِذْنِهِ مُنَفِّذًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْفَسَادِ إلَى الصِّحَّةِ وَمِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ ، وَهَذَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِ التَّقْلِيدِ الْمُطْلَقِ فِي شُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ فَفِيهِ مِنْ حِفْظِ الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مُخْتَلًّا مَخْذُولًا وَلَا فَاسِدًا مَعْلُولًا ، فَجَازَ فِيهِ مَعَ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاضْطِرَارِ مَا امْتَنَعَ فِي تَقْلِيدِ الِاسْتِكْفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ وَالْعَجْزِ .","part":1,"page":56},{"id":56,"text":"وَاَلَّذِي يَتَحَفَّظُ بِتَقْلِيدِ الْمُسْتَوْلِي مِنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ ، فَيَشْتَرِكُ فِي الْتِزَامِهَا الْخَلِيفَةُ الْوَلِيُّ وَالْأَمِيرُ الْمُسْتَوْلِي وَوُجُوبُهَا فِي جِهَةِ الْمُتَوَلِّي أَغْلَظُ : أَحَدُهَا : حِفْظُ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِ الْمِلَّةِ ، لِيَكُونَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ إقَامَتِهَا مَحْفُوظًا وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهَا مِنْ الْحُقُوقِ مَحْرُوسًا .\rوَالثَّانِي : ظُهُورُ الطَّاعَةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي يَزُولُ مَعَهَا حُكْمُ الْعِنَادِ فِيهِ وَيَنْتَفِي بِهَا إثْمُ الْمُبَايَنَةِ لَهُ .\rوَالثَّالِثُ : اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالتَّنَاصُرِ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ تَكُونَ عُقُودُ الْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ جَائِزَةً وَالْأَحْكَامُ وَالْأَقْضِيَةُ فِيهَا نَافِذَةً لَا تَبْطُلُ بِفَسَادِ عُقُودِهَا ، وَلَا تَسْقُطُ بِخَلَلِ عُهُودِهَا .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ اسْتِيفَاءُ الْأَمْوَالِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَقٍّ تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ مُؤَدِّيهَا وَيَسْتَبِيحُهُ آخِذُهَا .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ تَكُونَ الْحُدُودُ مُسْتَوْفَاةً بِحَقٍّ وَقَائِمَةً عَلَى مُسْتَحَقٍّ ؛ فَإِنَّ جَنْبَ الْمُؤْمِنِ حَمِيٌّ إلَّا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَرِعًا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ يَأْمُرُ بِحَقِّهِ إنْ أُطِيعَ وَيَدْعُو إلَى طَاعَتِهِ إنْ عُصِيَ ، فَهَذِهِ سَبْعُ قَوَاعِدَ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ يُحْفَظُ بِهَا حُقُوقُ الْإِمَامَةِ وَأَحْكَامُ الْأُمَّةِ فَلِأَجْلِهَا وَجَبَ تَقْلِيدُ الْمُسْتَوْلِي ؛ فَإِنْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاخْتِيَارِ كَانَ تَقْلِيدُهُ حَيًّا اسْتِدْعَاءً لِطَاعَتِهِ وَدَفْعًا لِمُشَاقَّتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ ، وَصَارَ بِالْإِذْنِ لَهُ نَافِذَ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِ الْمِلَّةِ وَأَحْكَامِ الْأُمَّةِ وَجَرَى عَلَى مَنْ اسْتَوْزَرَهُ وَاسْتَنَابَهُ لِأَحْكَامِ مَنْ اسْتَوْزَرَهُ الْخَلِيفَةُ وَاسْتَنَابَهُ وَجَازَ أَنْ يَسْتَوْزِرَ وَزِيرَ تَفْوِيضٍ وَوَزِيرَ تَنْفِيذٍ فَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ فِي الْمُتَوَلِّي شُرُوطُ الِاخْتِيَارِ جَازَ","part":1,"page":57},{"id":57,"text":"لِلْخَلِيفَةِ إظْهَارُ تَقْلِيدِهِ اسْتِدْعَاءً لِطَاعَتِهِ وَحَسْمًا لِمُخَالَفَتِهِ وَمُعَانَدَتِهِ ، أَوْ كَانَ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَسْتَنِيبَ لَهُ الْخَلِيفَةُ فِيهَا لِمَنْ قَدْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا لِيَكُونَ كَمَالُ الشُّرُوطِ فِيمَنْ أُضِيفَ إلَى نِيَابَتِهِ جَبْرًا لِمَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِهَا فِي نَفْسِهِ فَيَصِيرُ التَّقْلِيدُ لِلْمُسْتَوْلِي وَالتَّنْفِيذُ مِنْ الْمُسْتَنَابِ .\rوَجَازَ مِثْلُ هَذَا وَإِنْ شَذَّ عَنْ الْأُصُولِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الضَّرُورَةَ تُسْقِطُ مَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ .\rالثَّانِي : أَنَّ مَا خِيفَ انْتِشَارُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ تُخَفَّفُ شُرُوطُهُ عَنْ شُرُوطِ الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ ، فَإِذَا صَحَّتْ إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إمَارَةِ الِاسْتِكْفَاءِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ مُتَعَيِّنَةٌ فِي الْمُتَوَلِّي وَإِمَارَةَ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُسْتَكْفِي .\rوَالثَّانِي : أَنَّ إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي غَلَبَ عَلَيْهَا الْمُتَوَلِّي ، وَإِمَارَةَ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَهْدُ الْمُتَكَفِّي .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ وَنَادِرِهِ ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ دُونَ نَادِرِهِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ تَصِحُّ فِي إمَارَةِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَا تَصِحُّ فِي إمَارَةِ الِاسْتِكْفَاءِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَوْلِي وَوَزِيرِهِ فِي النَّظَرِ ، لِأَنَّ نَظَرَ الْوَزِيرِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعْهُودِ ، وَلِلْمُسْتَوْلِي أَنْ يَنْظُرَ فِي النَّادِرِ وَالْمَعْهُودِ ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى النَّظَرِ الْمَعْهُودِ فَلَمْ تَصِحَّ مَعَهَا وَزَارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مِثْلِهَا مِنْ النَّظَرِ الْمَعْهُودِ لِاشْتِبَاهِ حَالِ الْوَزِيرِ بِالْمُسْتَوْزِرِ","part":1,"page":58},{"id":58,"text":"وَالْإِمَارَةُ عَلَى الْجِهَادِ مُخْتَصَرَةٌ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ .\rوَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى سِيَاسَةِ الْجَيْشِ وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ ؛ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْخَاصَّةِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يُفَوَّضَ إلَى الْأَمِيرِ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا مِنْ قَسْمِ الْغَنَائِمِ وَعَقْدِ الصُّلْحِ ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ ، وَهِيَ أَكْبَرُ الْوِلَايَاتِ الْخَاصَّةِ أَحْكَامًا وَأَوْفَرُهَا فُصُولًا وَأَقْسَامًا ، وَحُكْمُهَا إذَا خُصَّتْ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا إذَا عَمَّتْ ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ إيجَازًا .\rوَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا عَمَّتْ سِتَّةُ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي تَسْيِيرِ الْجَيْشِ ، وَعَلَيْهِ فِي السَّيْرِ بِهِمْ سَبْعَةُ حُقُوقٍ : أَحَدُهَا الرِّفْقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَضْعَفُهُمْ وَتُحْفَظُ بِهِ قُوَّةُ أَقْوَاهُمْ ، وَلَا يَجِدَّ السَّيْرَ فَيَهْلَكْ الضَّعِيفُ وَيَسْتَفْرِغْ جَلَدَ الْقَوِيِّ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَذَا الدِّينُ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُضْعَفُ أَمِيرُ الرُّفْقَةِ } يُرِيدُ أَنَّ مَنْ ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي أَنْ يَتَفَقَّدَ خَيْلَهُمْ الَّتِي يُجَاهِدُونَ عَلَيْهَا وَظُهُورَهُمْ الَّتِي يَمْتَطُونَهَا ، فَلَا يُدْخِلُ فِي خَيْلِ الْجِهَادِ ضَخْمًا كَبِيرًا وَلَا ضَرْعًا صَغِيرًا وَلَا حَطَمًا كَسِيرًا وَلَا أَعْجَفَ زَارِحًا هَزِيلًا ، لِأَنَّهَا لَا تَقِي وَرُبَّمَا كَانَ ضَعْفُهَا وَهْنًا ، وَيَتَفَقَّدُ ظُهُورَ الِامْتِطَاءِ وَالرُّكُوبِ ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ وَيَمْنَعُ مَنْ حَمَلَ زِيَادَةً عَلَى طَاقَتِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } .\rوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":1,"page":59},{"id":59,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ ، فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُمْ عِزٌّ ، وَبُطُونَهَا لَكُمْ كَنْزٌ } .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يُرَاعِيَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ صِنْفَانِ : مُسْتَرْزِقَةٌ وَمُتَطَوِّعَةٌ ، فَأَمَّا الْمُسْتَرْزِقَةُ فَهُمْ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَالْجِهَادِ ، يُفْرَضُ لَهُمْ الْعَطَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْفَيْءِ بِحَسَبِ الْغِنَى وَالْحَاجَةِ .\rوَأَمَّا الْمُتَطَوِّعَةُ فَهُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الدِّيوَانِ مِنْ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ وَسُكَّانِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي النَّفِيرِ الَّذِي نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَفِي قَوْله تَعَالَى : { خِفَافًا وَثِقَالًا } .\rأَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا شُبَّانًا وَشُيُوخًا قَالَهُ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ .\rوَالثَّانِي أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ .\rوَالثَّالِثُ : رُكْبَانًا وَمُشَاةً قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .\rوَالرَّابِعُ : ذَا عِيَالٍ وَغَيْرِ ذِي عِيَالٍ قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَاتِ دُونَ الْفَيْءِ مِنْ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورِ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَوْا مِنْ الْفَيْءِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الصَّدَقَاتِ وَلَا يُعْطَى أَهْلُ الْفَيْءِ الْمُسْتَرْزِقَةُ مِنْ الدِّيوَانِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَ غَيْرُهُ فِيهِ ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ صَرْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ ، وَقَدْ مَيَّزَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ .\rوَالرَّابِعُ أَنْ يُعَرِّفَ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ الْعُرَفَاءَ ، وَيَنْقُلَ عَلَيْهِمَا النُّقَبَاءَ لِيَعْرِفَ مِنْ عُرَفَائِهِمْ وَنُقَبَائِهِمْ أَحْوَالَهُمْ وَيَقْرَبُونَ عَلَيْهِ إذَا دَعَاهُمْ ، { فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":1,"page":60},{"id":60,"text":"وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } .\rوَفِيهَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ لِلشُّعُوبِ النَّسَبَ الْأَقْرَبَ .\rوَالْقَبَائِلِ النَّسَبَ الْأَبْعَدَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ قَحْطَانَ ، وَالْقَبَائِلَ عَرَبُ عَدْنَانَ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ الشُّعُوبَ بُطُونُ الْعَجَمِ ، وَالْقَبَائِلَ بُطُونُ الْعَرَبِ .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ لِيَصِيرُوا مُتَمَيِّزِينَ وَبِالِاجْتِمَاعِ مُتَظَافِرِينَ .\rرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَشِعَارَ الْأَوْسِ يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَسَمَّى خَيْلَهُ خَيْلَ اللَّهِ } .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ يَتَصَفَّحَ الْجَيْشَ وَمَنْ فِيهِ لِيُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِيهِ تَخْذِيلٌ لِلْمُجَاهِدِينَ وَإِرْجَافٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ عَيْنًا عَلَيْهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ .\r{ فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لِتَخْذِيلِهِ الْمُسْلِمِينَ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } .\rأَيْ لَا يَفْتِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ لَا يُمَالِئَ مَنْ نَاسَبَهُ أَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَمَذْهَبَهُ عَلَى مَنْ بَايَنَهُ فِي نَسَبٍ أَوْ خَالَفَهُ فِي رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ ، فَيُظْهِرُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُبَايَنَةِ مَا تُفَرَّقُ بِهِ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ تَشَاغُلًا بِالتَّقَاطُعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَقَدْ أَغْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ وَهُمْ أَضْدَادٌ فِي الدِّينِ ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمَ الظَّاهِرِ حَتَّى قَوِيَتْ بِهِمْ الشَّوْكَةُ وَكَثُرَ بِهِمْ الْعَدَدُ وَتَكَامَلَتْ بِهِمْ الْقُوَّةُ ، وَوَكِلَهُمْ فِيمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبُهُمْ مِنْ النِّفَاقِ إلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ الْمُؤَاخِذِ","part":1,"page":61},{"id":61,"text":"بِضَمَائِر الْقُلُوبِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقُوَّةُ فَضَرَبَ الرِّيحَ بِهَا مَثَلًا لِقُوَّتِهَا .","part":1,"page":62},{"id":62,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ فِي تَدْبِيرِ الْحَرْبِ ، وَالْمُشْرِكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ صِنْفَانِ : صِنْفٌ مِنْهُمْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فَامْتَنَعُوا مِنْهَا وَتَابُوا عَلَيْهَا ، فَأَمِيرُ الْجَيْشِ مُخَيَّرٌ فِي قِتَالِهِمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ يَفْعَلُ مِنْهُمَا مَا عَلِمَ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَنْكَأُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ بَيَاتِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالْقِتَالِ وَالتَّحْرِيقِ ، وَأَنْ يُنْذِرَهُمْ بِالْحَرْبِ وَيُصَافَّهُمْ بِالْقِتَالِ .\rوَالصِّنْفُ الثَّانِي : لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ ، وَقَلَّ أَنْ يَكُونُوا الْيَوْمَ لِمَا قَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنْ وَرَاءِ مَنْ يُقَابِلُنَا مِنْ التُّرْكِ وَالرُّومِ فِي مَبَادِئِ الْمَشْرِقِ وَأَقَاصِي الْمَغْرِبِ لَا نَعْرِفُهُمْ فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا الْإِقْدَامُ عَلَى قِتَالِهِمْ غِرَّةً وَبَيَاتًا بِالْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ ، وَأَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالْقَتْلِ قَبْلَ إظْهَارِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ وَإِعْلَامِهِمْ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَإِظْهَارِ الْحُجَّةِ بِمَا يَقُودُهُمْ إلَى الْإِجَابَةِ ، فَإِنْ قَامُوا عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ ظُهُورِهَا لَهُمْ حَارَبَهُمْ وَصَارُوا فِيهِ كَمَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .\rيَعْنِي اُدْعُ إلَى دَيْنِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ، وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالنُّبُوَّةِ .\rوَالثَّانِي : بِالْقُرْآنِ .\rقَالَ الْكَلْبِيُّ : وَفِي الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا الْقُرْآنُ فِي لِينٍ مِنْ الْقَوْلِ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ ، وَالثَّانِي مَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ .\r{ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ الْحَقَّ وَيُوَضِّحُ لَهُمْ الْحُجَّةَ ، فَإِنْ بَدَأَ بِقِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِنْذَارِهِمْ بِالْحُجَّةِ وَقَتْلِهِمْ غُرَّةً وَبَيَاتًا ضَمِنَ دِيَاتِ نُفُوسِهِمْ وَكَانَتْ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ","part":1,"page":63},{"id":63,"text":"الشَّافِعِيِّ كَدِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ بَلْ كَدِيَاتِ الْكُفَّارِ عَلَى اخْتِلَافِهَا اخْتِلَافِ مُعْتَقِدِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا دِيَةَ عَلَى قَتْلِهِمْ وَنُفُوسُهُمْ هَدَرٌ ، وَإِذَا تَقَاتَلَتْ الصُّفُوفُ فِي الْحَرْبِ جَازَ لِمَنْ قَاتَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ بِمَا يَشْتَهِرُ بِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجَيْشِ بِأَنْ يَرْكَبَ الْأَبْلَقَ وَإِنْ كَانَتْ خُيُولُ النَّاسِ دُهْمًا وَشُقْرًا ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْإِعْلَامِ رُكُوبَ الْأَبْلَقِ وَلَيْسَ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ ، رَوَى عَبْدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : { تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ } .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ إلَى الْبِرَازِ إذَا دُعِيَ إلَيْهِ .\rفَقَدْ { دَعَا أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْبِرَازِ يَوْمَ أُحُدٍ فَبَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ } ، وَأَوَّلُ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، بَرَزَ فِيهَا مِنْ شُرَفَاءِ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ وَأَخُوهُ شَيْبَةُ وَدَعَوْا إلَى الْبِرَازِ ، فَبَرَزَ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ عَوْفٌ وَمَسْعُودٌ ابْنَا عَفْرَاءَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالُوا لِيَبْرُزَ أَكْفَاؤُنَا إلَيْنَا فَمَا نَعْرِفُكُمْ ، فَبَرَزَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، بَرَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلَهُ ، وَبَرَزَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ وَبَرَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ إلَى شَيْبَةَ فَاخْتَلَفَا بِضَرْبَتَيْنِ أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَمَاتَ شَيْبَةُ لِوَقْتِهِ وَاحْتُمِلَ عُبَيْدَةُ حَيًّا قَدْ قُدَّتْ رِجْلُهُ فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ فَقَالَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ الْمُتَقَارِبِ : أَيَا عَيْنُ جُودِي وَلَا تَبْخَلِي بِدَمْعِكَ وَكْفًا وَلَا تَنْزُرِي عَلَى سَيِّدٍ هَدَّنَا هُلْكُهُ كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالْعُنْصُرِيّ عُبَيْدَةُ أَمْسَى","part":1,"page":64},{"id":64,"text":"وَلَا نَرْتَجِيهِ لِعُرْفٍ غَدَا وَلَا مُنْكَرِ وَقَدْ كَانَ يَحْمِي عُدَاةَ الْقِتَالِ حَامِيَةُ الْجَيْشِ بِالْمُبْتِرِ ثُمَّ نَذَرَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ لِوَحْشِيٍّ نَذْرًا إنْ قَتَلَ حَمْزَةَ بِأَبِيهَا يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمَّا قَتَلَهُ بَقَرَتْ بَطْنَهُ وَلَاكَتْ كَبِدَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ مِنْ السَّرِيعِ : نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرِ وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتُ سُعْرِ مَا كَانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرِ وَلَا أَخِي وَعَمِّهِ وَبَكْرِ شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَضَيْتُ نَذْرِي شَفَيْتَ وَحْشِيُّ غَلِيلَ صَدْرِي فَشُكْرُ وَحْشِيٍّ عَلَيَّ عُمْرِي حَتَّى تُضَمَّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي { وَهَذَا أَقَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَبَ أَهْلِهِ إلَيْهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ مُبَارَزَةِ يَوْمِ بَدْرٍ مَعَ ضَنِّهِ بِهِمْ وَإِشْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ ، وَبَارَزَ أُبَيًّا بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَذِنَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَرْبِ الْخَنْدَقِ وَالْخَطْبُ أَصْعُبُ ، وَإِشْفَاقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَكْثَرُ ، بَارَزَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا دَعَا إلَى الْبِرَازِ أَوَّلَ يَوْمٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ دَعَا إلَى الْبِرَازِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ دَعَا إلَى الْبِرَازِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَقَالَ حِينَ رَأَى الْإِحْجَامَ عَنْهُ وَالْحَذَرَ مِنْهُ : يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَقَتْلَانَا فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ ؟ فَمَا يُبَالِي أَحَدُكُمْ لِيَقْدَمَ عَلَى كَرَامَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوْ يُقَدِّمَ عَدُوًّا إلَى النَّارِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ مِنْ الْكَامِلِ : وَلَقَدْ دَنَوْتُ إلَى النِّدَاءِ لِجَمْعِهِمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ وَوَقَفْتُ إذْ جَبُنَ الْمُشَجَّعُ مَوْقِفَ الْقِرْنِ الْمُنَاجِزْ إنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ مُتَسَرِّعًا نَحْوَ الْهَزَاهِزْ إنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ فَقَامَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":1,"page":65},{"id":65,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُبَارَزَةِ فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ اُخْرُجْ يَا عَلِيٌّ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَعِيَاذِهِ } ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ الْكَامِلِ : أَبْشِرْ أَتَاكَ يُجِيبُ صَوْتَكَ فِي الْهَزَاهِزِ غَيْرُ عَاجِزْ ذُو نِيَّةٍ وَبَصِيرَةٍ يَرْجُو الْغَدَاةَ نَجَاةَ فَائِزْ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِيمَ عَلَيْكَ نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ مِنْ طَعْنَةٍ نَجْلَاءَ يَبْهَرُ ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَائِزْ وَتَجَاوَلَا وَثَارَتْ عَجَاجَةٌ أَخْفَتْهُمَا عَنْ الْأَبْصَارِ ، ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهُمَا وَعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَمْسَحُ سَيْفَهُ بِثَوْبِ عَمْرٍو وَهُوَ قَتِيلٌ ؛ حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيهِ ، فَدَلَّ هَذَانِ الْخَبَرَانِ عَلَى جَوَازِ الْبِرَازِ مَعَ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ .\rفَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْمُقَاتِلُ أَنْ يَدْعُوَ إلَى الْبِرَازِ مُبْتَدِئًا فَقَدْ مَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْبِرَازِ وَالِابْتِدَاءَ بِالتَّطَاوُلِ بَغْيٌ ، وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ إظْهَارُ قُوَّةٍ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ ، فَقَدْ نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مِثْلِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَتَخَيَّرَ لَهُ مَعَ اسْتِظْهَارِهِ بِنَفْسِهِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَبَدَأَ بِهِ .\rحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَأَخَذَ سَيْفًا فَهَزَّهُ وَقَالَ : مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ؟ فَقَامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ هَزَّهُ الثَّانِيَةَ وَقَالَ مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَقَالَ أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَوَجَدَا فِي أَنْفُسِهِمَا ، ثُمَّ عَرَضَهُ الثَّالِثَةَ وَقَالَ مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ؟ فَقَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فَقَالَ وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَنْ تَضْرِبَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ كَانَ","part":1,"page":66},{"id":66,"text":"إذَا أَعْلَمَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ وَيُبْلِي ، وَمَشَى إلَى الْحَرْبِ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ السَّرِيعِ : أَنَا الَّذِي أَخَذْتُهُ فِي رَقِّهِ إذْ قَالَ مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ قَبِلْتُهُ بِعَدْلِهِ وَصِدْقِهِ لِلْقَادِرِ الرَّحْمَنِ بَيْنَ خَلْقِهِ الْمُدْرَكِ الْفَائِضِ فَضْلُ رِزْقِهِ مَنْ كَانَ فِي مَغْرِبِهِ وَشَرْقِهِ ثُمَّ جَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا لَمِشْيَةٍ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ .\rوَدَخَلَ فِي الْحَرْبِ مُبْتَدِئًا بِالْقِتَالِ فَأَبْلَى وَأَنْكَى وَهُوَ يَقُولُ مِنْ السَّرِيعِ : أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ مِنْ النَّخِيلِ أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكُبُولِ أَخَذْتُ سَيْفَ اللَّهِ وَالرَّسُولِ } .\rوَإِذَا جَازَتْ الْمُبَارَزَةُ بِمَا اسْتَشْهَدْنَا مِنْ حَالِ الْمُبْتَدِئِ بِهَا وَأُجِيبَ إلَيْهَا كَانَ لِتَمْكِينِ الْمُبَارَزَةِ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَا نَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَنْ يَعْجَزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِ ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ مُنِعَ .\rوَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ زَعِيمًا لِلْجَيْشِ يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِيهِمْ ، فَإِنَّ فَقْدَ الزَّعِيمِ الْمُدَبِّرِ مُفْضٍ إلَى الْهَزِيمَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْدَمَ عَلَى الْبِرَازِ ثِقَةً بِنَصْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِنْجَازِ وَعْدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ؛ وَيَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إذَا حُضَّ عَلَى الْجِهَادِ أَنْ يُحَرِّضَ لِلشَّهَادَةِ مِنْ الرَّاغِبِينَ فِيهَا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ يُؤْثِرُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ حَمِيَّةً لَهُ ، وَإِمَّا تَخْذِيلُ الْمُشْرِكِينَ بِجَرَاءَةٍ عَلَيْهِمْ فِي نُصْرَةِ اللَّهِ .\rحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْعَرِيشِ يَوْمَ بَدْرٍ فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ وَقَالَ : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا أَصَابَ ؟ وَقَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رَجُلٌ ، فَيُقْتَلُ","part":1,"page":67},{"id":67,"text":"صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ } فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ حُمَامٍ مِنْ بَنِي مَسْلَمَةَ وَفِي يَدِهِ تَمَرَاتٌ يَأْكُلُهُنَّ : بَخٍ بَخٍ ، مَا بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ثُمَّ قَذَفَ بِالتَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ .\rرَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ يَقُولُ مِنْ السَّرِيعِ : رَكْضًا إلَى اللَّهِ بِغَيْرِ زَادِ إلَّا التُّقَى وَعَمَلِ الْمَعَادِ وَالصَّبْرِ فِي اللَّهِ عَلَى الْجِهَادِ وَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ غَيْرَ التُّقَى وَالْبِرِّ وَالرَّشَادِ .","part":1,"page":68},{"id":68,"text":"وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْ مُقَاتِلَةِ الْمُشْرِكِينَ مُحَارِبًا وَغَيْرَ مُحَارِبٍ وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِ شُيُوخِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ مِنْ سُكَّانِ الصَّوَامِعِ وَالْأَدْيِرَةِ ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ حَتَّى يُقَاتِلُوا لِأَنَّهُمْ مُوَادِعُونَ كَالذَّرَارِيِّ .\rوَالثَّانِي يُقْتَلُونَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا أَشَارُوا بِرَأْيٍ هُوَ أَنْكَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِتَالِ ، وَقَدْ قُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي حَرْبِ هَوَازِنَ وَهُوَ يَوْمُ حُنَيْنٍ وَقَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَاهُ فَلَمْ يُنْكِرْ قَتْلَهُ ، وَكَانَ يَقُولُ حَيْثُ قُتِلَ مِنْ الطَّوِيلِ : أَمَرْتُهُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى فَلَمْ يَسْتَبْيِنُوا الرُّشْدَ إلَّا ضُحَى الْغَدِ فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْتُ مِنْهُمْ وَقَدْ أَرَى غَوَايَتَهُمْ وَأَنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدِ .","part":1,"page":69},{"id":69,"text":"وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِي حَرْبٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يُقَاتِلُوا لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهِمْ .\rوَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْعُسَفَاءِ وَالْوُصَفَاءِ .\rوَالْعُسَفَاءُ : الْمُسْتَخْدَمُونَ .\rوَالْوُصَفَاءُ : الْمَمَالِيكُ ، فَإِنْ قَاتَلَ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ قُوتِلُوا وَقُتِلُوا مُقْبِلِينَ وَلَا يُقْتَلُوا مُدْبِرِينَ .\rوَإِذَا تَتَرَّسُوا فِي الْحَرْبِ بِنِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَتَوَقَّى قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ ، فَإِنْ لَمْ يُوصَلْ إلَى قَتْلِهِمْ إلَّا بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ جَازَ .","part":1,"page":70},{"id":70,"text":"وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوصَلْ إلَى قَتْلِهِمْ إلَّا بِقَتْلِ الْأُسَارَى لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ ، فَإِنْ أَفْضَى الْكَفُّ عَنْهُمْ إلَى الْإِحَاطَةِ بِالْمُسْلِمِينَ تَوَصَّلُوا إلَى الْخَلَاصِ مِنْهُمْ كَيْفَ أَمْكَنَهُمْ وَتَحَرَّزُوا أَنْ يَعْمِدُوا إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ فِي أَيْدِيهِمْ ، فَإِنْ قُتِلَ ضَمِنَهُ قَاتِلُهُ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ إنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَضَمِنَ الْكَفَّارَةَ وَحْدَهَا إنْ لَمْ يَعْرِفْهُ .\rوَيَجُوزُ عَقْرُ خَيْلِهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ إذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا وَمَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَقْرِهَا ، وَقَدْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فَرَآهُ ابْنُ شَعُوبٍ فَبَرَزَ إلَى حَنْظَلَةَ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ السَّرِيعِ : لَأَحْمِيَنَّ صَاحِبِي وَنَفْسِي بِطَعْنَةٍ مِثْلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ ثُمَّ طَعَنَ حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ مِنْهُ فَخَلَصَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ الطَّوِيلِ : وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ أُقَاتِلُهُمْ طُرًّا وَأَدْعُو لِغَالِبٍ وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي بِرُكْنٍ صَلِيبِ وَلَوْ شِئْتُ نَجَّانِي حِصَانٌ طِمِرَّةٌ وَلَمْ أَحْمِلْ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ شَعُوبٍ فَقَالَ مُجِيبًا لَهُ حِينَ لَمْ يَشْكُرْهُ مِنْ الطَّوِيلِ : لَوْلَا دِفَاعِي يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَشْهَدِي لَأُلْفِيتَ يَوْمَ النَّعْفِ غَيْرَ مُجِيبِ وَلَوْلَا مَكَرُّ الْمُهْرِ بِالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ ضِبَاعٌ عَلَى أَوْصَالِهِ وَكَلِيبِ فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَعْقِرَ فَرَسَ نَفْسِهِ .\rفَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اقْتَحَمَ يَوْمَ مُؤْتَةَ بِفَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ حَتَّى الْتَحَمَ الْقِتَالُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهَا وَعَقَرَهَا وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فَرَسَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْقِرَ فَرَسَهُ لِأَنَّهُ قُوَّةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِعْدَادِهَا فِي","part":1,"page":71},{"id":71,"text":"جِهَادِ عَدُوِّهِ حَيْثُ يَقُولُ : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } .\rوَجَعْفَرٌ إنَّمَا عَقَرَ فَرَسَهُ بَعْدَ أَنْ أُحِيطَ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَقْرُهُ لَهَا لِئَلَّا يَتَقَوَّى بِهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَصَارَ عَقْرُهَا مُبَاحًا كَعُقْرِ خَيْلِهِمْ وَإِلَّا فَجَعْفَرٌ أَحْفَظُ لِدِينِهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ ، وَلَمَّا عَادَ جَيْشُهُ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التُّرَابَ وَيَقُولُونَ يَا فُرَّارُ لِمَ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ بِفِرَارٍ ، وَلَكِنَّهُ الْكِرَارُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":1,"page":72},{"id":72,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مَا يَلْزَمُ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ فِي سِيَاسَتِهِمْ وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِمْ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا حِرَاسَتُهُمْ مِنْ غِرَّةٍ يَظْفَرُ بِهَا الْعَدُوُّ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَتَبَّعَ الْمَكَامِنَ وَيُحَوِّطَ سَوَادَهُمْ بِحَرَسٍ يَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَرِجَالِهِمْ ، لِيَسْكُنُوا فِي وَقْتِ الدَّعَةِ وَيَأْمَنُوا مَا وَرَاءَهُمْ فِي وَقْتِ ، الْمُحَارَبَةِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَتَخَيَّرَ لَهُمْ مَوْضِعَ نُزُولِهِمْ لِمُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَوْطَأَ الْأَرْضِ مَكَانًا وَأَكْثَرَ مَرْعًى وَمَاءً وَأَحْرَسَهَا أَكْنَافًا وَأَطْرَافًا لِيَكُونَ أَعْوَنَ لَهُمْ عَلَى الْمُنَازَلَةِ وَأَقْوَى لَهُمْ عَلَى الْمُرَابَطَةِ .\rوَالثَّالِثُ : إعْدَادُ مَا يَحْتَاجُ الْجَيْشُ إلَيْهِ مِنْ زَادٍ وَعُلُوفَةٍ تُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ حَتَّى تَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ إلَى مَادَّةٍ يَسْتَغْنُونَ عَنْ طَلَبِهَا ، لِيَكُونُوا عَلَى الْحَرْبِ أَوْفَرَ وَعَلَى مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ أَقْدَرَ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَعْرِفَ أَخْبَارَ عَدُوِّهِ حَتَّى يَقِفَ عَلَيْهَا وَيَتَصَفَّحَ أَحْوَالَهُ حَتَّى يُخْبِرَهَا فَيَسْلَمَ مِنْ مَكْرِهِ وَيَلْتَمِسَ الْغِرَّةَ فِي الْهُجُومِ عَلَيْهِ .\rوَالْخَامِسُ : تَرْتِيبُ الْجَيْشِ فِي مَصَافِّ الْحَرْبِ وَالتَّعْوِيلُ فِي كُلِّ جِهَةٍ عَلَى مَنْ يَرَاهُ كُفُؤًا لَهَا ، وَيَتَفَقَّدُ الصُّفُوفَ مِنْ الْخَلَلِ فِيهَا ، وَيُرَاعِي كُلَّ جِهَةٍ يَمِيلُ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا بِمَدَدٍ يَكُونُ عَوْنًا لَهَا .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ يُقَوِّيَ نُفُوسَهُمْ بِمَا يُشْعِرُهُمْ مِنْ الظَّفَرِ وَيُخَيِّلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ لِيَقِلَّ الْعَدُوُّ فِي أَعْيُنِهِمْ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَجْرَأَ وَبِالْجُرْأَةِ يَتَسَهَّلُ الظَّفَرُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ } .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ يَعِدَ أَهْلَ الصَّبْرِ وَالْبَلَاءِ مِنْهُمْ بِثَوَابِ اللَّهِ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَبِالْجَزَاءِ","part":1,"page":73},{"id":73,"text":"وَالنَّفَلِ مِنْ الْغَنِيمَةِ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } .\rوَثَوَابُ الدُّنْيَا الْغَنِيمَةُ وَثَوَابُ الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ ، فَجَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَرْغِيبِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لِيَكُونَ أَرْغَبَ الْفَرِيقَيْنِ .\rوَالثَّامِنُ : أَنْ يُشَاوِرَ ذَوِي الرَّأْيِ فِيمَا أَعْضَلَ وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِ الْحَزْمِ فِيمَا أَشْكَلَ لِيَأْمَنَ الْخَطَأَ وَيَسْلَمَ مِنْ الزَّلَلِ فَيَكُونَ مِنْ الظَّفَرِ أَقْرَبَ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَمْرِهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ مَا أَمَدَّهُ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ وَأَعَانَهُ مِنْ التَّأْيِيدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ فَيَعْمَلَ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ : \" مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أُمُورِهِمْ \" .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهُمْ وَتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ فِيهَا مِنْ الْفَضْلِ وَعَادَ بِهَا مِنْ النَّفْعِ وَهَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَتْبَعَهُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ .\rوَالتَّاسِعُ أَنْ يَأْخُذَ جَيْشَهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِهِ وَأَمَرَ بِهِ مِنْ حُدُودِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ تَجَوُّزٌ فِي دِينٍ وَلَا تَحَيُّفٌ فِي حَقٍّ ، فَإِنَّ مَنْ جَاهَدَ عَنْ الدِّينِ كَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِهِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ .\rوَقَدْ رَوَى حَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :","part":1,"page":74},{"id":74,"text":"{ انْهَوْا جُيُوشَكُمْ عَنْ الْفَسَادِ ، فَإِنَّهُ مَا فَسَدَ جَيْشٌ قَطُّ إلَّا قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَانْهَوْا جُيُوشَكُمْ عَنْ الْغُلُولِ فَإِنَّهُ مَا غَلَّ جَيْشٌ قَطُّ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرَّجْلَةَ وَانْهَوْا جُيُوشَكُمْ عَنْ الزِّنَا ، فَإِنَّهُ مَا زَنَى جَيْشٌ قَطُّ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْمَوْتَانِ } .\rوَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَيُّهَا النَّاسُ اعْمَلُوا صَالِحًا قَبْلَ الْغَزْوَةِ فَإِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ .\rوَالْعَاشِرُ : أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ جَيْشِهِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ لِصَرْفِهِ الِاهْتِمَامَ بِهَا عَنْ مُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ وَصِدْقِ الْجِهَادِ ، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { بُعِثْتُ مَرْغَمَةً وَمَرْحَمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ تَاجِرًا وَلَا زَارِعًا ، وَإِنَّ شَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ التُّجَّارُ وَالزُّرَّاعُ إلَّا مَنْ شَحَّ عَلَى دِينِهِ } وَغَزَا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ : \" لَا يَغْزُوَنَّ مَعِي رَجُلٌ بَنَى بِنَاءً لَمْ يُكْمِلْهُ ، وَلَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا رَجُلٌ زَرَعَ زَرْعًا لَمْ يَحْصُدْهُ \" .","part":1,"page":75},{"id":75,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مَا يَلْزَمُ الْمُجَاهِدِينَ مَعَهُ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ وَهُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالثَّانِي : مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَقِّ الْأَمِيرِ فَأَمَّا اللَّازِمُ لَهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ بِأَنْ لَا يَنْهَزِمَ عَنْهُ مِنْ مِثْلَيْهِ فَمَا دُونَهُ ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَشَرَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } .\rثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ عِنْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَثْرَةِ أَهْلِهِ فَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لَاقَى الْعَدُوَّ أَنْ يُقَاتِلَ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ .\rفَقَالَ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } .\rوَحَرَّمَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمَ مِنْ مِثْلَيْهِ إلَّا لِإِحْدَى حَالَتَيْنِ : إمَّا أَنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتَالٍ فَيُوَلِّي لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَيَعُودُ إلَى قِتَالِهِمْ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَحَيَّزَ إلَى فِئَةٍ أُخْرَى يَجْتَمِعُ مَعَهَا عَلَى قِتَالِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ } .\rوَسَوَاءٌ قَرُبَتْ الْفِئَةُ الَّتِي يَتَحَيَّزُ إلَيْهَا أَوْ بَعُدَتْ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ حِينَ انْهَزَمُوا إلَيْهِ أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَيَجُوزُ إذَا زَادُوا عَلَى مِثْلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ إلَى الْمُصَابَرَةِ","part":1,"page":76},{"id":76,"text":"سَبِيلًا أَنْ يُوَلِّيَ عَنْهُمْ غَيْرَ مُتَحَرِّفٍ لِقِتَالٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ إلَى فِئَةٍ ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ مِثْلَيْهِ وَأَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ فِي جَوَازِ انْهِزَامِهِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ عَنْهُمْ مُتَهَوِّمًا وَإِنْ قُتِلَ لِلنَّصِّ فِيهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ نَاوِيًا أَنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتَالٍ أَوْ يَتَحَيَّزَ إلَى فِئَةٍ لِيَسْلَمَ مِنْ الْقَتْلِ وَمَا ثَمَّ خِلَافٌ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمُصَابَرَةِ فَلَيْسَ يَعْجَزُ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا اعْتِبَارَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ وَالنَّصُّ فِيهِ مَنْسُوخٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ مَا أَمْكَنَهُ وَيَنْهَزِمَ إذَا عَجَزَ وَخَافَ الْقَتْلَ .\rوَالثَّانِي أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِ نُصْرَةَ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِبْطَالِ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْأَدْيَانِ : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .\rفَيَكُونُ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ حَائِزًا لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُطِيعًا لَهُ فِي أَوَامِرِهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ وَمُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ لِيَسْتَهِلَّ مَا لَاقِي ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ ثَبَاتًا وَأَبْلَغَ نِكَايَةً ، وَلَا يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ اسْتِفَادَةَ الْمَغْنَمِ فَيَصِيرُ مِنْ الْمُكْتَسِبِينَ لَا مِنْ الْمُجَاهِدِينَ ، { فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَمَعَ أَسْرَى بَدْرٍ وَكَانُوا أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا بَعْدَ أَنْ قَتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِثْلَهُمْ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِيهِمْ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اُقْتُلْ أَعْدَاءَ اللَّهِ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وَرُءُوسَ الضَّلَالَةِ فَإِنَّهُمْ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُمْ عَشِيرَتُكَ وَأَهْلُكَ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ يَسْتَنْقِذْهُمْ اللَّهُ بِكَ مِنْ النَّارِ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْأَسْرَى بِيَوْمٍ فَمِنْ قَائِلٍ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ عُمَرُ وَمِنْ قَائِلٍ الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ خَرَجَ","part":1,"page":77},{"id":77,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ : مَا قَوْلُكُمْ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ؟ إنَّ مَثَلَهُمَا كَمِثْلِ إخْوَةٍ لَهُمَا كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمَا قَالَ نُوحٌ { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } وَقَالَ مُوسَى : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وَقَالَ عِيسَى : { إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنْ الْحِجَارَةِ ، وَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللَّبِنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عَيْلَةٌ فَلَا يَنْقَلِبْ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ .\rوَفَادَاهُ كُلُّ أَسِيرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكَانَ فِي الْأَسْرَى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ كَانَ الْعَبَّاسُ رَجُلًا جَسِيمًا وَأَبُو الْيُسْرِ رَجُلًا مُجْتَمَعًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الْيُسْرِ : كَيْفَ أَسَرْتَ الْعَبَّاسَ يَا أَبَا الْيُسْرِ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ : وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ : افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عُمَرَ .\rفَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ .\rفَإِنْ كَانَ مَا قُلْتَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْزِيكَ .\rفَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ وَفَدَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ابْنَيْ أَخِيهِ وَحَلِيفِهِ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً } .\rوَنَزَلَ فِي الْعَبَّاسِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ","part":1,"page":78},{"id":78,"text":"لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rفَلَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ لِفَقْرِ الْمُهَاجِرِينَ وَحَاجَتِهِمْ عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى مَا فَعَلَ فَقَالَ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } يَعْنِي بِهِ الْقَتْلَ { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } يَعْنِي مَالَ الْفِدَاءِ { وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } يَعْنِي الْعَمَلَ بِمَا يُوجِبُ ثَوَابَ الْآخِرَةِ { وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } يَعْنِي عَزِيزٌ فِيمَا كَانَ مِنْ نَصْرِكُمْ ، حَكِيمٌ فِيمَا أَرَادَهُ لَكُمْ ، { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rيَعْنِي بِهِ مَالَ الْفِدَاءِ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْأَسْرِ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنْ فِدَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ .\rوَالثَّانِي لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ فِي أَنَّهُ تُسْتَحَلُّ الْغَنَائِمُ لَمَسَّكُمْ فِي تَعْجِيلِهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّالِثُ : لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ أَنْ لَا يُؤَاخِذَ أَحَدًا بِعَمَلٍ أَتَاهُ عَلَى جَهَالَةٍ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمُوهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ : { لَوْ عَذَّبَنَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَا عُمَرُ مَا نَجَا غَيْرُكَ } .\rوَالثَّالِثُ : مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فِيمَا حَازَهُ مِنْ الْغَنَائِمِ وَلَا يَغُلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا حَتَّى يُقَسَّمَ بَيْنَ جَمِيعِ الْغَانِمِينَ مِمَّنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ وَكَانَ عَلَى الْعَدُوِّ يَدًا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا حَقًّا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {","part":1,"page":79},{"id":79,"text":"وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rوَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أَصْحَابَهُ وَيَخُونَهُمْ فِي غَنَائِمِهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّهُ أَصْحَابُهُ وَيَخُونُوهُ فِي غَنَائِمِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ .\rوَالثَّالِثُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُمَ أَصْحَابَهُ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنْهُمْ وَلَا لِرَغْبَةٍ فِيهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ .\rوَالرَّابِعُ : مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُمَايِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ذَا قُرْبَى وَلَا يُحَابِي فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ ذَا مَوَدَّةٍ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَوْجَبُ وَنُصْرَةَ دِينِهِ أَلْزَمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ } .\r{ نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَقَدْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ حِينَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَزْوِهِمْ يُعْلِمُهُمْ فِيهِ حَالَ مَسِيرِهِ إلَيْهِمْ وَأَنْفَذَهُ مَعَ سَارَةَ مَوْلَاةٍ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهَا فَأَنْفَذَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ فِي أَثَرِهَا حَتَّى أَخْرَجَاهُ مِنْ قَرْنِ رَأْسِهَا ، فَدَعَا حَاطِبًا وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا كَفَرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ وَلَكِنِّي امْرُؤٌ لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ أَصْلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَهْلُ وَلَدٍ فَطَالَعْتُهُمْ بِذَلِكَ وَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَأَمَّا مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَقِّ الْأَمِيرِ عَلَيْهِمْ فَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا الْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالدُّخُولُ فِي وِلَايَتِهِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ انْعَقَدَتْ وَطَاعَتُهُ","part":1,"page":80},{"id":80,"text":"بِالْوِلَايَةِ وَجَبَتْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } .\rوَفِي أُولِي الْأَمْرِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُمْ الْعُلَمَاءُ ، وَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ؛ وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ .\rوَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي .\rوَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ .\rوَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي } .\rوَالثَّانِي : أَنْ يُفَوِّضُوا الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ وَيَكِلُوهُ إلَى تَدْبِيرِهِ حَتَّى لَا تَخْتَلِفَ آرَاؤُهُمْ فَتَتْلَفَ كَلِمَتُهُمْ وَيَفْتَرِقَ جَمْعُهُمْ ، قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } .\rفَجَعَلَ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إلَى وَلِيِّهِ سَبَبًا لِحُصُولِ الْعِلْمِ وَسَدَادِ الْأَمْرِ ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ صَوَابٌ خَفِيَ عَلَيْهِ بَيَّنُوهُ لَهُ وَأَشَارُوا بِهِ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ نُدِبَ إلَى الْمُشَاوَرَةِ لِيَرْجِعَ بِهَا إلَى الصَّوَابِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يُسَارِعُوا إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالْوُقُوفِ عَنْهُ نَهْيِهِ وَزَجْرِهِ ، لِأَنَّهُمَا مِنْ لَوَازِمِ طَاعَتِهِ .\rفَإِنْ تَوَقَّفُوا عَمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ وَأَقْدَمُوا عَلَى مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَلَهُ تَأْدِيبُهُمْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَلَا يُغْلِظُ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ } .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يُنَازِعُوهُ فِي الْغَنَائِمِ إذَا قَسَّمَهَا وَيَرْضَوْا مِنْهُ بِتَعْدِيلِ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ سَوَّى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بَيْنَ الشَّرِيفِ","part":1,"page":81},{"id":81,"text":"وَالْمَشْرُوفِ ، وَمَاثَلَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ .\rوَرَوَى عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ .\r{ إنَّ النَّاسَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ يَقُولُونَ اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا حَتَّى أَلْجَأَهُ إلَى شَجَرَةٍ فَاخْتُطِفَ عَنْهُ رِدَاؤُهُ ، فَقَالَ رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَيُّهَا النَّاسُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ .\rوَمَا أَلْفَيْتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذُوبًا .\rثُمَّ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَغَامِ بَعِيرِهِ فَرَفَعَهَا وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَاَللَّهِ مَالِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ .\rفَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِكُبَّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعْرٍ .\rفَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتُ هَذِهِ الْكُبَّةَ أَعْمَلُ بِهَا بَرْذعَةَ بَعِيرٍ لِي قَدْ بَرَدَ .\rفَقَالَ : أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ ، فَقَالَ أَمَّا إذَا بَلَغْتَ هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ثُمَّ طَرَحَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ } .","part":1,"page":82},{"id":82,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ : مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ مَا صَابَرَ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ بِهِ الْمُدَّةُ ، وَلَا يُوَلِّي عَنْهُ وَفِيهِ قُوَّةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rوَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَالثَّانِي : اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَكُمْ وَرَابِطُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالثَّالِثُ : اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ وَرَابِطُوا بِمُلَازَمَةِ الثَّغْرِ وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .\rوَإِذَا كَانَتْ مُصَابَرَةُ الْقِتَالِ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ فَهِيَ لَازِمَةٌ حَتَّى يُظْفَرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ : إحْدَاهُنَّ أَنْ يُسْلِمُوا فَيَصِيرَ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا وَيُقَرُّوا عَلَى مَا مَلَكُوا مِنْ بِلَادٍ وَأَمْوَالٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .\rوَتَصِيرُ بِلَادُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَحْرَزُوا بِإِسْلَامِهِمْ مَا مَلَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَرْضٍ وَمَالٍ فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَ مَنْ أَسْلَمَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَغْنَمُ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ ، وَلَا يَغْنَمُ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ .\rوَقَدْ أَسْلَمَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ ثَعْلَبَةُ وَأُسَيْدٌ ابْنَا شُعْبَةَ الْيَهُودِيَّانِ فَأَحْرَزَ إسْلَامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَيَكُونُ إسْلَامُهُمْ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمْ","part":1,"page":83},{"id":83,"text":"وَلِكُلِّ حَمْلٍ كَانَ لَهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْحَمْلِ وَتَكُونُ زَوْجَتُهُ وَالْحَمْلُ فَيْئًا ، وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى فِيهَا أَرْضًا وَمَتَاعًا لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَكَانَ مُشْتَرِيهَا أَحَقَّ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مَا مَلَكَهُ مِنْ أَرْضٍ فَيْئًا .\rوَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُظْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مَعَ مَقَامِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ فَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَيُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ .\rوَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقْتُلَهُمْ صَبْرًا بِضَرْبِ الْعُنُقِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ وَيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّقِّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْهُمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } .\rوَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ضَرْبُ رِقَابِهِمْ صَبْرًا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ قِتَالُهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالتَّدْبِيرِ حَتَّى يُفْضِيَ إلَى ضَرْبِ رِقَابِهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ : { حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } يَعْنِي بِالْإِثْخَانِ : الطَّعْنَ وَبِشَدِّ الْوَثَاقِ : الْأَسْرَ .\r{ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .\rوَفِي الْمَنِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْعَفْوُ وَالْإِطْلَاقُ كَمَا مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ بَعْدَ أَسْرِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ الْعِتْقُ بَعْدَ الرِّقِّ ، وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَفِيهِ هَهُنَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْمُفَادَاةُ عَلَى مَالٍ يُؤْخَذُ أَوْ أَسِيرٍ يُطْلَقُ","part":1,"page":84},{"id":84,"text":"كَمَا فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَى بَدْرٍ عَلَى مَالٍ وَفَادَى فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ رَجُلٌ بِرَجُلَيْنِ وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْبَيْعُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ .\r{ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } .\rوَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَوْزَارُ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ .\rوَالثَّانِي : أَثْقَالُ الْحَرْبِ وَهُوَ السِّلَاحُ وَفِي الْمَقْصُودِ بِهَذَا السِّلَاحِ الْمَوْضُوعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا سِلَاحُ الْمُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ .\rوَالثَّانِي سِلَاحُ الْمُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ وَلِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ شَرْحٌ يُذْكَرُ مَعَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَعْدُ ، وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُوَادَعَةِ ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمْ وَيُوَادِعَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْذُلُوهُ لِوَقْتِهِمْ وَلَا يَجْعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا ، فَهَذَا الْمَالُ غَنِيمَةٌ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ فِي الِانْكِفَافِ بِهِ عَنْ قِتَالِهِمْ فِي هَذَا الْجِهَادِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ جِهَادِهِمْ فِيمَا بَعْدُ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَبْذُلُوهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَيَكُونُ هَذَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا وَيَكُونُ الْأَمَانُ بِهِ مُسْتَقِرًّا وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ غَنِيمَةٌ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْأَعْوَامِ الْمُسْتَقْبَلَةِ يُقَسَّمُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِدَ جِهَادَهُمْ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ لِاسْتِقْرَارِ الْمُوَادَعَةِ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ بِعَقْدِ الْمُوَادَعَةِ الْأَمَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَإِنْ مَنَعُوا الْمَالَ زَالَتْ الْمُوَادَعَةُ وَارْتَفَعَ الْأَمَانُ وَلَزِمَ جِهَادُهُمْ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rلَا يَكُونُ مَنْعُهُمْ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ وَالصُّلْحِ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ فَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ وَجَازَ حَرْبُهُمْ بَعْدَهَا ،","part":1,"page":85},{"id":85,"text":"لِأَنَّ الْعَهْدَ مَا كَانَ عَنْ عَقْدٍ وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَسْأَلُوا الْأَمَانَ وَالْمُهَادَنَةَ ، فَيَجُوزُ إذَا تَعَذَّرَ الظَّفَرُ بِهِمْ وَأَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى الْمُسَالَمَةِ فِي مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ يَعْقِدُ الْهُدْنَةَ عَلَيْهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْهُدْنَةِ أَوْ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ .\rقَدْ { هَادَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ } .\rوَيَقْتَصِرُ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ وَلَا يُجَاوِزُ أَكْثَرُهَا عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ أَكْثَرَ مِنْهَا بَطَلَتْ الْمُهَادَنَةُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَلَهُمْ الْأَمَانُ فِيهَا إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا ، وَلَا يُجَاهِدُونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ ، فَإِنْ نَقَضُوهُ صَارَ حَرْبًا يُجَاهِدُونَ مِنْ غَيْرِ إنْذَارِ .\rقَدْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ مُحَارِبًا حَتَّى فَتَحَ مَكَّةَ صُلْحًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعَنْوَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَلَا يَجُوزُ إذَا نَقَضُوا عَهْدَهُمْ أَنْ يُقْتَلَ مَا فِي أَيْدِينَا مِنْ رَهَائِنِهِمْ .\rقَدْ نَقَضَ الرُّومُ عَهْدَهُمْ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ وَفِي يَدِهِ رَهَائِنُ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ قَتْلِهِمْ وَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ وَقَالُوا وَفَاءٌ بِغَدْرٍ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ بِغَدْرٍ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ } .\rفَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ الرَّهَائِنِ لَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهُمْ مَا لَمْ يُحَارِبْهُمْ فَإِذَا حَارَبَهُمْ وَجَبَ إطْلَاقُ رَهَائِنِهِمْ ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَجَبَ إبْلَاغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا ذَرَارِيَّ نِسَاءً وَأَطْفَالًا وَجَبَ إيصَالُهُمْ إلَى أَهَالِيِهِمْ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَا يَنْفَرِدُونَ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رِجَالِهِمْ ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدٌ","part":1,"page":86},{"id":86,"text":"مِنْهُمْ رُدَّ إلَيْهِمْ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى دَمِهِ وَلَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمَنُوا عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ رَدُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نِسَائِهِمْ لِأَنَّهُنَّ ذَوَاتُ فُرُوجٍ مُحَرَّمَةٍ ، فَإِنْ اُشْتُرِطَ رَدُّهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَدُّوا وَدَفَعَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُهُورَهُنَّ إذَا طُلِّقْنَ .\rوَإِذَا لَمْ تَدْعُ إلَى عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ ضَرُورَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُهَادِنَهُمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَادِعَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } .\rوَأَمَّا الْأَمَانُ الْخَاصُّ فَيَصِحُّ أَنْ يَبْذُلَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ } ، يَعْنِي عَبِيدَهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ .","part":1,"page":87},{"id":87,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ السِّيرَةُ فِي نِزَالِ الْعَدُوِّ وَقِتَالِهِ .\rوَيَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ فِي حِصَارِ الْعَدُوِّ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْعَرَّادَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَات .\rقَدْ { نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَهْدِمَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ وَيَضَعَ عَلَيْهِمْ الْبَيَاتَ وَالتَّحْرِيقَ ، وَإِذَا رَأَى فِي قَطْعِ نَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ صَلَاحًا يَسْتَضْعِفُهُمْ بِهِ لِيَظْفَرَ بِهِمْ عَنْوَةً أَوْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ صُلْحًا فَعَلَ ، وَلَا يَفْعَلُ إنْ لَمْ يَرَ فِيهِ صَلَاحًا } .\rقَدْ { قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُرُومَ أَهْلِ الطَّائِفِ فَكَانَ سَبَبًا فِي إسْلَامِهِمْ ، وَأَمَرَ فِي حَرْبِ بَنِي النَّضِيرِ بِقَطْعِ نَوْعٍ مِنْ النَّخْلِ يُقَالُ لَهُ الْأَصْفَرُ يُرَى نَوَاهُ مِنْ وَرَاءِ اللِّحَاءِ وَكَانَتْ اللِّحَاءُ مِنْهَا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ الْوَضِيعِ فَقَطَعَ بِهِمْ وَحَزِنُوا لَهُ وَقَالُوا إنَّمَا قَطَعْتُ نَخْلَةً وَأَحْرَقْتُ نَخْلَةً ، وَلَمَّا قَطَعَ نَخْلَةً قَالَ سِمَاكٌ الْيَهُودِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَارِبِ : أَلَسْنَا وَرِثْنَا الْكِتَابَ الْحَكِيمَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى فَلَمْ نُصْرَفْ وَأَنْتُمْ رِعَاءٌ لِشَاءٍ عِجَافٍ بِسَهْلِ تِهَامَةَ وَالْأَحْنَفِ يَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدًا لَكُمْ كَذَا كُلُّ دَهْرٍ بِكُمْ مُجْحِفِ فَيَا أَيُّهَا الشَّاهِدُونَ انْتَهُوا عَنْ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُوكَفِ لَعَلَّ اللَّيَالِيَ وَصَرْفَ الدُّهُورِ تُدِيلُ مِنْ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُخْطَفْ فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ الْوَافِرِ : هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ فَهُمْ عُمْيٌ عَنْ التَّوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أَتَاكُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فَلَمَّا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِهِمْ جَلَّ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ","part":1,"page":88},{"id":88,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَاهُ مِنْ وِزْرٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } } .\rوَفِي \" لِينَةٍ \" أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ ؟ وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهَا كِرَامُ النَّخْلِ وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ الْفَسِيلَةُ ، لِأَنَّهَا أَلْيَنُ مِنْ النَّخْلَةِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهَا جَمِيعُ الْأَشْجَارِ لِلِينِهَا بِالْحَيَاةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُغَوِّرَ عَلَيْهِمْ الْمِيَاهَ وَيَقْطَعَهَا عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَأَطْفَالٌ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ ضَعْفِهِمْ وَالظَّفَرِ بِهِمْ عَنْوَةً وَصُلْحًا ، وَإِذَا اسْتَسْقَى مِنْهُمْ عَطْشَانُ كَانَ الْأَمِيرُ مُخَيَّرًا بَيْنَ سَقْيِهِ أَوْ مَنْعِهِ كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ .\rوَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَارَاهُ عَنْ الْأَبْصَارِ وَلَمْ يُلْزَمْ تَكْفِينَهُ .\rقَدْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلَى بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ ؛ } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا .\rرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ بِعَذَابِ اللَّهِ } .\rوَقَدْ أَحْرَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَالْخَبَرُ لَمْ يَبْلُغْهُ ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ زُمِّلَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا وَدُفِنَ بِهَا وَلَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .\r{ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ : زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ } .\rوَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ تَكْرِيمًا لَهُمْ إجْرَاءً لِحُكْمِ الْحَيَاةِ فِي","part":1,"page":89},{"id":89,"text":"ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .\rوَفِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ الْبَعْثِ وَلَيْسُوا فِي الدُّنْيَا بِأَحْيَاءٍ .\rوَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْقَتْلِ أَحْيَاءٌ الِاسْتِعْمَالُ لِظَاهِرِ النَّصِّ فَرْقًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ .\rوَلَا يُمْنَعُ الْجُيُوشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَكْلِ طَعَامِهِمْ وَعُلُوفَةِ دَوَابِّهِمْ غَيْرَ مُحْتَسِبٍ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَتَعَدَّوْا الْقُوتَ وَالْعَلُوفَةَ إلَى مَا سِوَاهُمَا مِنْ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ ، فَإِنْ دَعَتْهُمْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ كَانَ مَا لَبِسُوهُ أَوْ رَكِبُوهُ أَوْ اسْتَعْمَلُوهُ مُسْتَرْجَعًا مِنْهُمْ فِي الْمَغْنَمِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَمُحْتَسَبًا عَلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا ؛ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْطَاهَا بِسَهْمِهِ فَيَطَأَهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ عُزِّرَ وَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَيُضَافُ إلَى الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ أَحْبَلَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إنْ مَلَكَهَا .\rوَإِنْ وَطِئَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّبْيِ حُدَّ ، لِأَنَّ وَطْأَهَا زِنًا ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَدُهَا إنْ عَلِقَتْ .\rفَإِذَا عُقِدَتْ هَذِهِ الْإِمَارَةُ عَلَى غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ ، وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الْغَزْوِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقْدِرُ عَلَى غَزْوٍ فِيهِ وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إلَّا قَدْرَ الِاسْتِرَاحَةِ وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيهِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ عَامًا مِنْ جِهَادٍ وَلِهَذَا الْأَمِيرِ إذَا فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْإِمَارَةُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِهِمْ وَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ وَسَوَاءٌ مَنْ","part":1,"page":90},{"id":90,"text":"ارْتَزَقَ مِنْهُمْ أَوْ تَطَوَّعَ ، وَلَا يَنْظُرُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سَائِرًا إلَى ثَغْرِهِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ جَمِيعِ أَهْلِهِ مِنْ مُقَاتِلَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ إمَارَةً خَاصَّةً أُجْرِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْخُصُوصِ .","part":1,"page":91},{"id":91,"text":"الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَا عَدَا جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قِتَالٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ .\rوَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ ، وَقِتَالُ الْمُحَارِبِينَ .\rفَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَهُوَ أَنْ يَرْتَدَّ قَوْمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ سَوَاءٌ وُلِدُوا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمُوا عَنْ كُفْرٍ ، فَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ سَوَاءٌ ، فَإِذَا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى أَيِّ دِينٍ انْتَقَلُوا إلَيْهِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة ، أَوْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالزَّنْدَقَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ مَنْ ارْتَدَّ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ يُوجِبُ الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ .\rقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rفَإِذَا كَانُوا مِمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ بِمَا ارْتَدُّوا عَنْهُ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَدْيَانِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ شُذَّاذًا وَأَفْرَادًا لَمْ يَتَحَيَّزُوا بِدَارٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى قِتَالِهِمْ لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْقُدْرَةِ وَيُكْشَفُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِمْ ، فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً فِي الدِّينِ أُوضِحَتْ لَهُمْ بِالْحِجَجِ وَالْأَدِلَّةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ وَأُخِذُوا بِالتَّوْبَةِ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ مِنْ كُلِّ رِدَّةٍ وَعَادُوا إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانُوا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ ارْتَدَّ إلَى مَا يُسْتَرُ بِهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَقْبَلُ تَوْبَةَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ ، وَعَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَضَاءُ مَا تَرَكُوهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي زَمَانِ الرِّدَّةِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِوُجُوبِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَضَاءَ","part":1,"page":92},{"id":92,"text":"عَلَيْهِمْ كَمَنْ أَسْلَمَ عَنْ كُفْرٍ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ قَدْ حَجَّ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ بِهَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ بَطَلَ بِالرِّدَّةِ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى رِدَّتِهِ وَلَمْ يَتُبْ وَجَبَ قَتْلُهُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَقْتُلُ الْمَرْأَةَ بِالرِّدَّةِ : وَقَدْ { قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّدَّةِ امْرَأَةً كَانَتْ تُكْنَى أُمَّ رُومَانَ } وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ بِجِزْيَةٍ وَلَا عَهْدٍ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُ امْرَأَةٌ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَتْلِهِمْ هَلْ يُعَجَّلُ فِي الْحَالِ أَوْ يُؤَجَّلُونَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَعْجِيلُ قَتْلِهِمْ فِي الْحَالِ لِئَلَّا يُؤَخَّرَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقٌّ .\rوَالثَّانِي يُنْظَرُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَعَلَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَهُ بِالتَّوْبَةِ ، وَقَدْ أَنْذَرَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُسْتَوْرِدِ الْعِجْلِيِّ بِالتَّوْبَةِ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَهَا ، وَقُتِلَ صَبْرًا بِالسَّيْفِ .\rوَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يَمُوتَ ، لِأَنَّهُ أَبْطَأُ قَتْلًا مِنْ السَّيْفِ الْمُوحِي وَرُبَّمَا اسْتَدْرَكَ بِهِ التَّوْبَةَ ، وَإِذَا قُتِلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .\rوَوُرِيَ مَقْبُورًا وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ لِخُرُوجِهِ بِالرِّدَّةِ عَنْهُمْ وَلَا فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ الْمُبَايِنَةِ لَهُمْ ، وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفًا فِي أَهْلِ الْفَيْءِ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ عَنْهُ وَارِثٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُورَثُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَيَكُونُ مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَيْئًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُورَثُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا فَإِذَا","part":1,"page":93},{"id":93,"text":"لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَالُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أُعِيدَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ هَلَكَ عَلَى الرِّدَّةِ صَارَ فَيْئًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْكُمُ بِمَوْتِهِ إذَا صَارَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَأُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ، فَإِنْ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ اسْتَرْجَعْتُ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ أُغَرِّمْهُمْ مَا اسْتَهْلَكُوهُ فَهَذَا حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ إذَا لَمْ يَنْحَازُوا إلَى دَارٍ وَكَانُوا شُذَّاذًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَنْحَازُوا إلَى دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِيرُوا فِيهَا مُمْتَنِعِينَ فَيَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِيضَاحِ دَلَائِلِهِ ، وَيَجْرِي عَلَى قِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ حُكْمُ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي قِتَالِهِمْ غُرَّةً وَبَيَانًا وَمُصَافَّتِهِمْ فِي الْحَرْبِ جِهَارًا وَقِتَالِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ .\rوَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُهُ صَبْرًا إنْ لَمْ يَتُبْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ لَمْ تُسْبَ ذَرَارِيُّهُمْ وَسَوَاءٌ مِنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ الرِّدَّةِ ، وَقِيلَ إنَّ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ جَازَ سَبْيُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ سَبْيُ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ نِسَائِهِمْ إذَا لَحِقْنَ بِدَارِ الْحَرْبِ ؛ وَإِذَا غُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ لَمْ تُقَسَّمْ فِي الْغَانِمِينَ وَكَانَ مَالُ مَنْ قُتِلَ مِنْهَا فَيْئًا وَمَالُ الْأَحْيَاءِ مَوْقُوفًا ، إنْ أَسْلَمُوا رُدَّ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ هَلَكُوا عَلَى رِدَّتِهِمْ صَارَ فَيْئًا ، وَمَا أَشْكَلَ أَرْبَابُهُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَغْنُومَةِ صَارَ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ لَمْ يُضْمَنْ إذَا أَسْلَمُوا ، وَمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ نَائِرَةِ الْحَرْبِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ .\rوَاخْتُلِفَ فِي","part":1,"page":94},{"id":94,"text":"ضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَضْمَنُونَهُ ، لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُمْ بِالرِّدَّةِ لَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ غُرْمَ الْأَمْوَالِ الْمَضْمُونَةِ .\rوَالثَّانِي لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ .\rقَدْ أَصَابَ أَهْلُ الرِّدَّةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نُفُوسًا وَأَمْوَالًا عُرِفَ مُسْتَهْلِكُوهَا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاهُمْ فَجَرَتْ بِذَلِكَ سِيرَتُهُ وَسِيرَةُ مَنْ بَعْدَهُ .\rوَقَدْ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ بَعْدَ أَنْ سُبِيَ وَكَانَ قَدْ قَتَلَ وَسَبَى فَأَقَرَّهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِدَمٍ وَلَا مَالٍ ؛ وَوَفَدَ أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَاتِ فَقَالَ أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ فَقَالَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ أَلَسْتَ تَقُولُ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : وَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أُعَمَّرَا ثُمَّ جَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى وَلَّى رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ مَا زَالَ يَضْرِبُنِي حَتَّى حَدَثْتُ لَهُ وَحَالَ مِنْ دُونِ بَعْضِ الْبُغْيَةِ الشَّفَقُ لَمَّا رَهِبْتُ أَبَا حَفْصٍ وَشُرْطَتَهُ وَالشَّيْخُ يُقْرَعُ أَحْيَانًا فَيَنْمَحِقُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسِوَى التَّعْزِيرِ لِاسْتِطَالَتِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِدَارِ الرِّدَّةِ حُكْمٌ تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَارَ الْحَرْبِ .\rفَأَمَّا مَا تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ فِي دِيَارِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُهَادَنَ أَهْلُ الْحَرْبِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا","part":1,"page":95},{"id":95,"text":"عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ أَهْلُ الْحَرْبِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَلَا سَبْيُ نِسَائِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ أَهْلُ الْحَرْبِ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَمْوَالَهُمْ ، وَيَمْلِكُونَ مَا غَنِمُوهُ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ صَارَتْ دِيَارُهُمْ بِالرِّدَّةِ دَارَ حَرْبٍ وَيُسْبَوْنَ وَيُغْنَمُونَ وَتَكُونُ أَرْضُهُمْ فَيْئًا وَهُمْ عِنْدَهُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَأَمَّا مَا تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : وُجُوبُ قِتَالِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ كَالْمُشْرِكِينَ .\rوَالثَّانِي : إبَاحَةُ إمَائِهِمْ أَسْرَى وَمُمْتَنِعِينَ .\rوَالثَّالِثُ : تَصِيرُ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَالرَّابِعُ : بُطْلَانُ مُنَاكَحَتِهِمْ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى الرِّدَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَبْطُلُ مُنَاكَحَتُهُمْ بِارْتِدَادِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَا تَبْطُلُ بِارْتِدَادِهِمَا مَعًا ؛ وَمَنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ فَأَنْكَرَهَا كَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالرِّدَّةِ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِالْإِنْكَارِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ جُحُودًا لَهَا كَانُوا بِالْجُحُودِ مُرْتَدِّينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلَوْ امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهَا كَانُوا مِنْ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، يُقَاتَلُونَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُقَاتَلُونَ .\rوَقَدْ قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَانِعِي الزَّكَاةِ مَعَ تَمَسُّكِهِمْ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى قَالُوا وَاَللَّهِ مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحِحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَامَ تُقَاتِلُهُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":1,"page":96},{"id":96,"text":"يَقُولُ : { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَه إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا مِنْ حَقِّهَا : أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصَّلَاةِ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصِّيَامِ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الْحَجِّ ؟ فَإِذًا لَا تَبْقَى عُرْوَةٌ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ إلَّا انْحَلَّتْ ؛ وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا وَعِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَبَانَ عَنْ إسْلَامِهِمْ قَوْلُ زَعِيمِهِمْ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ فِي شِعْرِهِ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : أَلَا فَاصْحَبِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الْفَجْرِ لَعَلَّ الْمَنَايَا قَرِيبٌ وَلَا نَدْرِي أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ بَيْنَنَا فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمْ فَمَنَعْتُمُو لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إلَيْهِمْ مِنْ التَّمْرِ سَنَمْنَعُكُمْ مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ كِرَامٌ عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ","part":1,"page":97},{"id":97,"text":"وَإِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفُوا رَأْيَ الْجَمَاعَةِ وَانْفَرَدُوا بِمَذْهَبٍ ابْتَدَعُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا بِهِ عَنْ الْمَظَاهِرِ بِطَاعَةِ الْإِمَامِ وَلَا تَحَيَّزُوا بِدَارٍ اعْتَزَلُوا فِيهَا وَكَانُوا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ تَنَالُهُمْ الْقُدْرَةُ وَتَمْتَدُّ إلَيْهِمْ الْيَدُ تُرِكُوا وَلَمْ يُحَارَبُوا وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْعَدْلِ فِيمَا يَجِبُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ ، وَقَدْ عَرَضَ قَوْمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَةِ رَأْيِهِ .\rوَقَالَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ، لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ : لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا ، فَإِنْ تَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ وَهُمْ عَلَى اخْتِلَاطِهِمْ بِأَهْلِ الْعَدْلِ ، أَوْضَحَ لَهُمْ الْإِمَامُ فَسَادَ مَا اعْتَقَدُوا وَبُطْلَانَ مَا ابْتَدَعُوا لِيَرْجِعُوا عَنْهُ إلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ وَمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَجَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ مِنْهُمْ مَنْ تَظَاهَرَ بِالْفَسَادِ أَدَبًا وَزَجْرًا وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ إلَى قَتْلٍ وَلَا حَدٍّ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ } .\rفَإِذَا اعْتَزَلَتْ هَذِهِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ أَهْلَ الْعَدْلِ وَتَحَيَّزَتْ بِدَارٍ تَمَيَّزَتْ فِيهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجَمَاعَةِ فَإِنْ لَمْ تَمْتَنِعْ عَنْ حَقٍّ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ طَاعَةٍ لَمْ يُحَارَبُوا مَا أَقَامُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَتَأْدِيَةِ الْحُقُوقِ .\rقَدْ اعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّهْرَوَانِ فَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَامِلًا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ زَمَانًا وَهُوَ لَهُمْ مُوَادِعٌ إلَى أَنْ","part":1,"page":98},{"id":98,"text":"قَتَلُوهُ فَأَنْفَذَ إلَيْهِمْ أَنْ سَلِّمُوا إلَيَّ قَاتِلَهُ فَأَبَوْا وَقَالُوا كُلُّنَا قَتَلَهُ قَالَ فَاسْتَسْلِمُوا إلَيَّ أَقْتَصُّ مِنْكُمْ وَسَارَ إلَيْهِمْ فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ .\rوَإِنْ امْتَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَمَنَعُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَتَفَرَّدُوا بِاجْتِبَاءِ الْأَمْوَالِ وَتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يُنَصِّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا وَلَا قَدَّمُوا عَلَيْهِمْ زَعِيمًا كَانَ مَا اجْتَبُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ غَصْبًا لَا تَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةٌ ، وَمَا نَفَّذُوهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَرْدُودًا لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ .\rوَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا اجْتَبَوْا بِقَوْلِهِ الْأَمْوَالَ وَنَفَّذُوا بِأَمْرِهِ الْأَحْكَامَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحْكَامِهِمْ بِالرَّدِّ وَلَا لِمَا اجْتَبَوْهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَحُورِبُوا فِي الْحَالَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ لِيَنْزِعُوا عَنْ الْمُبَايَنَةِ وَيَفِيئُوا إلَى الطَّاعَةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .\rوَفِي قَوْلِهِ : { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } .\rوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا بَغَتْ بِالتَّعَدِّي فِي الْقِتَالِ وَالثَّانِي بَغَتْ بِالْعُدُولِ عَنْ الصُّلْحِ ، وَقَوْلُهُ { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } يَعْنِي بِالسَّيْفِ رَدْعًا عَنْ الْبَغْيِ وَزَجْرًا عَنْ الْمُخَالَفَةِ .\rوَفِي قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } .\rوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الصُّلْحِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَالثَّانِي إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ .\r{ فَإِنْ فَاءَتْ } أَيْ رَجَعَتْ عَنْ الْبَغْيِ { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } .\rفِيهِ وَجْهَانِ :","part":1,"page":99},{"id":99,"text":"أَحَدُهُمَا بِالْحَقِّ .\rوَالثَّانِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِذَا قَلَّدَ الْإِمَامُ أَمِيرًا عَلَى قِتَالِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ الْبُغَاةِ قَدَّمَ قَبْلَ الْقِتَالِ إنْذَارَهُمْ وَإِعْذَارَهُمْ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ إذَا أَصَرُّوا عَلَى الْبَغْيِ كِفَاحًا وَلَا يَهْجُمُ عَلَيْهِمْ غِرَّةً وَبَيَاتًا .\rوَيُخَالِفُ قِتَالُهُمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ وَلَا يَعْتَمِدُ بِهِ قَتْلَهُمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مُقْبِلِينَ ، وَيَكُفَّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ ، وَيَجُوزُ قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِي الْحَرْبِ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَإِنْ جَازَ الْإِجْهَازُ عَلَى جَرْحَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ .\rأَمَرَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ يَوْمَ الْجَمَلِ : أَلَا لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ وَإِنْ قَتَلَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ .\rوَيَعْتَبِرَ أَحْوَالَ مَنْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ ، فَمَنْ أَمِنَتْ رَجْعَتُهُ إلَى الْقِتَالِ أُطْلِقَ ، وَمَنْ لَمْ تُؤْمَنْ مِنْهُ الرَّجْعَةُ حُبِسَ إلَى انْجِلَاءِ الْحَرْبِ ثُمَّ يُطْلَقُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْبَسَ بَعْدَهَا .\rأَطْلَقَ الْحَجَّاجُ أَسِيرًا مِنْ أَصْحَابِ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ لِمَعْرِفَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لَهُ قَطَرِيُّ عُدْ إلَى قِتَالِ عَدُوِّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ ، فَقَالَ هَيْهَاتَ غَلَّ يَدًا مُطْلِقُهَا وَاسْتَرَقَّ رَقَبَةً مُعْتِقُهَا ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ ( مِنْ الْكَامِلِ ) : أَأُقَاتِلُ الْحَجَّاجَ عَنْ سُلْطَانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بِأَنَّهَا مَوْلَاتُهُ إنِّي إذًا لَأَخُو الدَّنَاءَةِ وَاَلَّذِي شَهِدَتْ بِأَقْبَحِ فِعْلِهِ غَدَرَاتُهُ مَاذَا أَقُولُ إذَا بَرَزْتُ إزَاءَهُ فِي الصَّفِّ وَاحْتَجَّتْ لَهُ فَعَلَاتُهُ أَأَقُولُ جَارَ عَلَيَّ لَا إنِّي إذًا لَأَحَقُّ مَنْ جَارَتْ عَلَيْهِ وُلَاتُهُ وَتَحَدَّثَ الْأَقْوَامُ أَنَّ صَنَائِعًا غُرِسَتْ لَدَيَّ","part":1,"page":100},{"id":100,"text":"فَحَنْظَلَتْ نَخَلَاتُهُ .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ لَا يَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَسْبِيَ ذَرَارِيَّهُمْ .\rرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : \" مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا \" .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ لَا يُسْتَعَانَ لِقِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ مُعَاهَدٍ وَلَا ذِمِّيٍّ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالرِّدَّةِ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ لَا يُهَادِنَهُمْ إلَى مُدَّةٍ وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ إلَى مُدَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ، فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ قِتَالِهِمْ انْتَظَرَ بِهِمْ الْقُوَّةَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ وَادَعَهُمْ عَلَى مَالٍ بَطَلَتْ الْمُوَادَعَةُ وَنُظِرَ فِي الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فَيْئِهِمْ أَوْ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ وَصَرَفَ الصَّدَقَاتِ فِي أَهْلِهَا وَالْفَيْءَ فِي مُسْتَحَقِّيهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِمْ وَوَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ .\rالثَّامِنُ : أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْعَرَّادَاتِ ، وَلَا يُحْرِقُ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنَ ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ النَّخِيلَ وَالْأَشْجَارَ لِأَنَّهَا دَارُ إسْلَامٍ تَمْنَعُ مَا فِيهَا وَإِنْ بَغَى أَهْلُهَا ، فَإِنْ أَحَاطُوا بِأَهْلِ الْعَدْلِ وَخَافُوا مِنْهُمْ الِاصْطِلَامَ جَازَ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ اعْتِمَادِ قَتْلِهِمْ وَنَصْبِ الْعَرَّادَاتِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أُرِيدَتْ نَفْسُهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ عَنْهَا بِقَتْلِ مَنْ أَرَادَهَا إذَا كَانَ لَا يَنْدَفِعُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِدَوَابِّهِمْ وَلَا سِلَاحِهِمْ ، وَلَا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِهِمْ وَيَرْفَعُ الْيَدَ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْقِتَالِ وَبَعْدَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَى قِتَالِهِمْ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ مَا كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } .\rفَإِذَا","part":1,"page":101},{"id":101,"text":"انْجَلَتْ الْحَرْبُ وَمَعَ أَهْلِ الْعَدْلِ لَهُمْ أَمْوَالٌ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ ، وَمَا تَلِفَ مِنْهَا فِي غَيْرِ قِتَالٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى مُتْلِفِهِ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ فَهُوَ هَدَرٌ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ فَفِي وُجُودِ ضَمَانِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا يَكُونُ هَدَرًا لَا يُضْمَنُ .\rوَالثَّانِي يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُبْطِلُ حَقًّا وَلَا تُسْقِطُ غُرْمًا ، فَتُضْمَنُ النُّفُوسُ بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَإِ .\rوَيُغَسَّلُ قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ .\rوَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ ، وَلَيْسَ عَلَى مَيِّتٍ فِي الدُّنْيَا عُقُوبَةٌ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فُرِضَ عَلَى أُمَّتِي غُسْلُ مَوْتَاهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ } .\rوَأَمَّا قَتْلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ فِي غُسْلِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فَقَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا كَالشُّهَدَاءِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ .\rوَالثَّانِي : يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَإِنْ قُتِلُوا بَغْيًا .\rوَقَدْ صَلَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَصُلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ قُتِلُوا ظُلْمًا وَبَغْيًا ، وَلَا يَرِثُ بَاغٍ قَتَلَ عَادِلًا وَلَا عَادِلٌ قَتَلَ بَاغِيًا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ } .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، أُورِثُ الْعَادِلَ مِنْ الْبَاغِي لِأَنَّهُ مُحِقٌّ وَلَا أُورِثُ الْبَاغِيَ مِنْ الْعَادِلِ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ .\rقَالَ أَبُو يُوسُفَ : أُورِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِي قَتْلِهِ ، وَإِذَا مَرَّ تُجَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِعَشَّارِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَعَشَّرَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ عُشِّرُوا","part":1,"page":102},{"id":102,"text":"، وَلَمْ يُجْزِهِمْ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّهُمْ مَرُّوا بِهِمْ مُخْتَارِينَ ، وَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُقِيمِينَ الْمُكْرَهِينَ وَإِذَا أَتَى أَهْلُ الْبَغْيِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ حُدُودًا فَفِي إقَامَتِهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ وَجْهَانِ .","part":1,"page":103},{"id":103,"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي قِتَالِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَإِذَا اجْتَمَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى شَهْرِ السِّلَاحِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَمَنْعِ السَّابِلَةِ فَهُمْ الْمُحَارِبُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } .\rفَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا أَنَّ الْإِمَامَ وَمَنْ اسْتَنَابَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ مِنْ الْوُلَاةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقَتِّلَ وَلَا يُصَلِّبَ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَتِّلَ وَيُصَلِّبَ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَطِّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْفِيَهُمْ مِنْ الْأَرْضِ ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ .\rوَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ قَتَلَهُ وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ ، وَمَنْ كَانَ ذَا بَطْشٍ وَقُوَّةٍ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ذَا رَأْيٍ وَلَا بَطْشٍ عَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ فَجَعَلَهَا مُرَتَّبَةً بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمْ لَا بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِهِمْ .\rوَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِهِمْ لَا بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمْ ، فَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ : قُتِلَ وَصُلِبَ ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ : قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ : قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَمَنْ كَثُرَ وَهَيَّبَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُقَطَّعْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ","part":1,"page":104},{"id":104,"text":"فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَتْلِهِمْ ثُمَّ صَلْبِهِمْ وَبَيْنَ قَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ قَتْلِهِمْ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مَهِيبًا مُكْثِرًا فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِمْ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } .\rفَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا أَنَّهُ إبْعَادُهُمْ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَى بِلَادِ الشِّرْكِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ إخْرَاجُهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إلَى أُخْرَى وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ الْحَبْسُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ .\rوَالرَّابِعُ : وَهُوَ أَنْ يُطْلَبُوا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فَيَبْعُدُوا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } فَفِيهِ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ سِتَّةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ إذَا تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ بِالْإِسْلَامِ .\rوَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا تُسْقِطُ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ حَدًّا وَلَا حَقًّا ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ إذَا تَابُوا بِأَمَانِ الْإِمَامِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا التَّائِبُ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَلَا تُؤَثِّرُ تَوْبَتُهُ فِي سُقُوطِ حَدٍّ وَلَا حَقٍّ وَهَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَالشَّعْبِيِّ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ وَارِدٌ فِيمَنْ تَابَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ وَارِدٌ فِيمَنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي مَنَعَةٍ وَتَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عُقُوبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةٍ لَمْ تَسْقُطْ","part":1,"page":105},{"id":105,"text":"وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَرَبِيعَةَ وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ .\rوَالْخَامِسُ : أَنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةٍ تَضَعُ عَنْهُ جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَا تُسْقِطُ عَنْهُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالسَّادِسُ : أَنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ جَمِيعَ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ إلَّا الدِّمَاءَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .\rفَهَذَا حُكْمُ الْآيَةِ وَاخْتِلَافُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهَا ، ثُمَّ نَقُولُ فِي الْمُحَارِبِينَ إنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى امْتِنَاعِهِمْ مُقِيمِينَ قُوتِلُوا كَقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِمْ وَيُخَالِفُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ وَلَّى مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ فِي الْحَرْبِ إلَى قَتْلِ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى قَتْلِ أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ حَبْسُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ حَبْسُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَالْخَامِسُ : أَنَّ مَا اجْتَبَوْهُ مِنْ خَرَاجٍ وَأَخَذُوهُ مِنْ صَدَقَاتٍ فَهُوَ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا نَهْبًا لَا يُسْقِطُ عَنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ حَقًّا فَيَكُونُ غُرْمُهُ عَلَيْهِمْ مُسْتَحَقًّا ، وَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى عَلَى قِتَالِهِمْ مَقْصُورَ الْوِلَايَةِ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِمْ حَدًّا ، وَلَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُمْ حَقًّا وَيَلْزَمُهُ حَمْلُهُمْ إلَى الْإِمَامِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَامَّةً عَلَى قِتَالِهِمْ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ مِنْهُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ","part":1,"page":106},{"id":106,"text":"الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ لِيَنْفُذَ حُكْمُهُ فِيمَا يُقِيمُهُ مِنْ حَدٍّ وَيَسْتَوْفِيهِ مِنْ حَقٍّ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَشَفَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا بِإِقْرَارِهِمْ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا إكْرَاهٍ .\rوَإِمَّا بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فَإِذَا عَلِمَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَا فَعَلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَرَائِمِهِ نَظَرَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ بَعْدَ الْقَتْلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يَطْعَنُهُ بِالرُّمْحِ حَتَّى يَمُوتَ وَهَذَا الْقَتْلُ مَحْتُومٌ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الدَّمِ كَانَ عَفْوُهُ لَغْوًا وَيُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَتَجَاوَزُهَا ثُمَّ يَحُطُّهُ بَعْدَهَا ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قَتَلَهُ وَلَمْ يَصْلُبْهُ وَغَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَكَانَ قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى لِسَرِقَتِهِ وَقَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمُجَاهَرَتِهِ ، وَمَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ اقْتَصَّ مِنْهُمْ الْجَارِحَ إنْ كَانَ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ ، وَفِي إحْتَامِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَحْتُومٌ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ كَالْقَتْلِ وَالثَّانِي هُوَ إلَى خِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ تَجِبُ بِمُطَالَبَتِهِ وَيَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَجَبَتْ دِيَةُ الْمَجْرُوحِ إنْ طَلَبَ بِهَا وَتَسْقُطُ إنْ عَفَا عَنْهَا ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُهِيبًا أَوْ مُكْثِرًا لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلًا وَلَا جَرْحًا وَلَا أَخْذَ مَالٍ عُزِّرَ أَدَبًا وَزَجْرًا وَجَازَ حَبْسُهُ لِأَنَّ الْحَبْسَ أَحَدُ التَّعْزِيرَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ بِهِ ذَلِكَ ؛ لَا قَطْعٌ وَلَا قَتْلٌ .\rوَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ فِيهِ إلْحَاقًا بِحُكْمِ الْمُبَاشِرِينَ مَعَهُ ، فَإِنْ تَابُوا عَنْ جَرَائِمِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ","part":1,"page":107},{"id":107,"text":"سَقَطَتْ عَنْهُ الْمَآثِمُ دُونَ الْمَظَالِمِ وَأُخِذُوا بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ ، فَإِنْ تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ مَعَ الْمَآثِمِ حُدُودُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُمْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ فَالْخِيَارُ إلَى الْوَلِيِّ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ أَوْ الْعَفْوِ عَنْهُ وَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إحْتَامُ قَتْلِهِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْغُرْمُ إلَّا بِالْعَفْوِ ، وَيَجْرِي عَلَى الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي الْأَمْصَارِ حُكْمُ قُطَّاعِهِ فِي الصَّحَارِي وَالْأَسْفَارِ ، وَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بِالْجَرَاءَةِ فِي الْأَمْصَارِ أَغْلَظُ جُرْمًا لَمْ يَكُونُوا أَخَفَّ حُكْمًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَخْتَصُّونَ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الصَّحَارِي حَيْثُ لَا يُدْرَكُ الْغَوْثُ ، فَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ أَوْ خَارِجِهَا بِحَيْثُ يُدْرَكُ الْغَوْثُ فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْجُرْأَةِ فِي الْأَمْصَارِ ، وَإِذَا ادَّعَوْا التَّوْبَةَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالدَّعْوَى أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التَّوْبَةِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ لَهَا لِمَا فِي سُقُوطِهَا مِنْ حَدٍّ قَدْ وَجَبَ .\rوَإِنْ اُقْتُرِنَ بِدَعْوَاهُمْ أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التَّوْبَةِ فَفِي قَبُولِهَا مِنْهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ : أَحَدُهُمَا تُقْبَلُ لِيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً تَسْقُطُ بِهَا الْحُدُودُ .\rوَالثَّانِي : لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تَشْهَدُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهَا حُدُودٌ قَدْ وَجَبَتْ ، وَالشُّبْهَةُ مَا اُقْتُرِنَتْ بِالْفِعْلِ لَا مَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُ .","part":1,"page":108},{"id":108,"text":"وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ الْقَضَاءُ إلَّا مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ الَّتِي يَصِحُّ مَعَهَا تَقْلِيدُهُ وَيَنْفُذُ بِهَا حُكْمُهُ وَهِيَ سَبْعَةٌ : فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا وَهَذَا الشَّرْطُ يَجْمَعُ صِفَتَيْنِ الْبُلُوغَ وَالذُّكُورِيَّةَ ، فَأَمَّا الْبُلُوغُ فَإِنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ قَلَمٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ عَلَى نَفْسِهِ حُكْمٌ وَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ عَلَى غَيْرِهِ حُكْمٌ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِنَقْصِ النِّسَاءِ عَنْ رُتَبِ الْوِلَايَاتِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِنَّ أَحْكَامٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَ الْمَرْأَةُ فِيمَا تَصِحُّ فِيهَا شَهَادَتُهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَ فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَتُهَا .\rوَشَذَّ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَجَوَّزَ قَضَاءَهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلٍ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } .\rيَعْنِي فِي الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ ، فَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَقُمْنَ عَلَى الرِّجَالِ .\rوَالشَّرْطُ الثَّانِي : وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ التَّمْيِيزِ جَيِّدَ الْفَطِنَةِ بَعِيدًا عَنْ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إلَى إيضَاحِ مَا أَشْكَلَ وَفَصَلَ مَا أَعْضَلَ .\rوَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : الْحُرِّيَّةُ ، لِأَنَّ نَقْصَ الْعَبْدِ عَنْ وِلَايَةِ نَفْسِهِ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ وِلَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ لَمَّا مَنَعَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَانْعِقَادِ الْوِلَايَةِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ لَمْ تَكْمُلْ حُرِّيَّتُهُ مِنْ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَمَنْ رُقَّ بَعْضُهُ ، وَلَا يَمْنَعُهُ الرِّقُّ أَنْ يُفْتِيَ كَمَا لَا يَمْنَعهُ الرِّقُّ أَنْ يَرْوِيَ بِعَدَمِ الْوِلَايَةِ فِي الْفَتْوَى وَالرِّوَايَةِ .\rوَيَجُوزُ لَهُ إذَا عَتَقَ أَنْ يَقْضِيَ","part":1,"page":109},{"id":109,"text":"وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِأَنَّ النَّسَبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي وِلَايَةِ الْحُكْمِ .\rوَالشَّرْطُ الرَّابِعُ : الْإِسْلَامُ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ الْكَافِرُ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَلَى الْكُفَّارِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ الْقَضَاءَ بَيْنَ أَهْلِ دِينِهِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عُرْفُ الْوُلَاةِ بِتَقْلِيدِهِ جَارِيًا فَهُوَ تَقْلِيدُ زَعَامَةٍ وَرِئَاسَةٍ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدِ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ لِالْتِزَامِهِمْ لَهُ لَا لُزُومِهِ لَهُمْ ، وَلَا يَقْبَلُ الْإِمَامُ قَوْلَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ بَيْنَهُمْ .\rوَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ تَحَاكُمِهِمْ إلَيْهِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ وَكَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ أَنْفَذَ .\rوَالشَّرْطُ الْخَامِسُ : الْعَدَالَةُ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ وَالْعَدَالَةُ : أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ ظَاهِرَ الْأَمَانَةِ ، عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ مُتَوَقِّيًا الْمَآثِمَ ، بَعِيدًا مِنْ الرَّيْبِ ، مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ فَهِيَ الْعَدَالَةُ الَّتِي تَجُوزُ بِهَا شَهَادَتُهُ وَتَصِحُّ مَعَهَا وِلَايَتُهُ ، وَإِنْ انْخَرَمَ مِنْهَا وَصْفٌ مُنِعَ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ قَوْلٌ وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ حُكْمٌ .\rوَالشَّرْطُ السَّادِسُ : السَّلَامَةُ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِيَصِحَّ بِهِمَا إثْبَاتُ الْحُقُوقِ وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ ، وَيُمَيِّزَ الْمُقِرِّ مِنْ الْمُنْكِرِ لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَيَعْرِفَ الْمُحِقَّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، فَإِنْ كَانَ ضَرِيرًا كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاطِلَةً ، وَجَوَّزَهَا مَالِكٌ كَمَا جَوَّزَ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَصَمَّ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَمَانَةِ ؛ فَأَمَّا سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي","part":1,"page":110},{"id":110,"text":"الْإِمَامَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ وَإِنْ كَانَ مُقْعَدًا ذَا زَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَتْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ أَهْيَبَ لِذَوِي الْوِلَايَةِ .\rوَالشَّرْطُ السَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَعِلْمُهُ بِهَا يَشْتَمِلُ عَلَى عِلْمِ أُصُولِهَا وَالِارْتِيَاضِ بِفُرُوعِهَا .\rوَأُصُولُ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ مَعْرِفَةُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا وَمُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا وَعُمُومًا وَخُصُوصًا وَمُجْمَلًا وَمُفَسَّرًا .\rوَالثَّانِي : عِلْمُهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَطُرُقِ مَجِيئِهَا فِي التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ .\rوَمَا كَانَ عَنْ سَبَبٍ أَوْ إطْلَاقٍ .\rوَالثَّالِثُ عِلْمُهُ بِتَأْوِيلِ السَّلَفِ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ لِيَتْبَعَ الْإِجْمَاعَ وَيَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِي الِاخْتِلَافِ .\rوَالرَّابِعُ : عِلْمُهُ بِالْقِيَاسِ الْمُوجِبِ لِرَدِّ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا إلَى الْأُصُولِ الْمَنْطُوقِ بِهَا وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا حَتَّى يَجِدَ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ النَّوَازِلِ وَتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ ، فَإِذَا أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ صَارَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَيَقْضِيَ ، وَجَازَ لَهُ أَيْ يَسْتَفْتِيَ وَيَسْتَقْضِيَ ، وَإِنْ أَخَلَّ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا أَنْ يَقْضِيَ .\rفَإِنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ فَحَكَمَ بِالصَّوَابِ أَوْ الْخَطَإِ كَانَ تَقْلِيدُهُ بَاطِلًا وَحُكْمُهُ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ مَرْدُودًا ، وَتَوَجَّهَ الْحَرَجُ فِيمَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ قَلَّدَهُ الْحُكْمَ وَالْقَضَاءَ .\rوَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْلِيدَ الْقَضَاءِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لِيَسْتَفْتِيَ فِي أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ ،","part":1,"page":111},{"id":111,"text":"وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وِلَايَتَهُ بَاطِلَةٌ وَأَحْكَامَهُ مَرْدُودَةٌ ، وَلِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي فُرُوعِ الشَّرْعِ ضَرُورَةٌ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا فِي مُلْتَزِمِ الْحَقِّ دُونَ مُلْزِمِهِ .\rقَدْ { اخْتَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ وَالِيًا وَقَالَ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ } .\rفَأَمَّا وِلَايَةُ مَنْ لَا يَقُولُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِأَصْلٍ قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَأَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَنْهُ مَأْخُوذَةٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَقُولُ بِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا تَجُوزُ وِلَايَتُهُ لِرَدِّ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ .\rوَأَمَّا نُفَاةُ الْقِيَاسِ فَضَرْبَانِ : ضَرْبٌ مِنْهُمْ نَفَوْهُ وَاتَّبَعُوا ظَاهِرَ النَّصِّ وَأَخَذُوا بِأَقَاوِيلِ سَلَفِهِمْ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَطَرَحُوا الِاجْتِهَادَ وَعَدَلُوا عَنْ الْفِكْرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ الْقَضَاءَ لِقُصُورِهِمْ عَنْ طَرَفِ الْأَحْكَامِ .\rوَضَرْبٌ مِنْهُمْ نَفَوْا الْقِيَاسَ وَاجْتَهَدُوا فِي الْأَحْكَامِ تَعَلُّقًا بِفَحْوَى الْكَلَامِ وَمَفْهُومِ الْخِطَابِ كَأَهْلِ الظَّاهِرِ .\rوَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ الْقَضَاءَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ .\rوَالثَّانِي : يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهُ وَاضِحَ الْمَعَانِي وَإِنْ عَدَلُوا عَنْ خَفِيِّ الْقِيَاسِ ، فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِاجْتِمَاعِهَا فِيهِ ؛ إمَّا بِتَقَدُّمِ مَعْرِفَةٍ ، وَإِمَّا بِاخْتِبَارٍ وَمَسْأَلَةٍ .\rقَدْ { قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":1,"page":112},{"id":112,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَاءَ الْيَمَنِ وَلَمْ يَخْتَبِرْهُ لِعِلْمِهِ بِهِ وَلَكِنَّهُ وَصَّاهُ تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ فَقَالَ : إذَا حَضَرَ خَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْكَ فَلَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ } .\rفَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَا أَشْكَلَتْ عَلَيَّ قَضِيَّةٌ بَعْدَهَا ، وَبَعَثَ مُعَاذًا إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْيَمَنِ وَاخْتَبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":1,"page":113},{"id":113,"text":"( فَصْلٌ ) وَيَجُوزُ لِمَنْ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ مَنْ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِي قَضَائِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبِهِ ، فَإِذَا كَانَ شَافِعِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَصِيرُ فِي أَحْكَامِهِ إلَى أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا ، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى الْأَخْذِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَمِلَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِهِ ، وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ ، فَمُنِعَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُنِعَ الْحَنَفِيُّ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ لِمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِنْ التُّهْمَةِ وَالْمُمَايَلَةِ فِي الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَذْهَبٍ لَا يَتَعَدَّاهُ كَانَ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ وَأَرْضَى لِلْخُصُومِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَتْ السِّيَاسَةُ تَقْتَضِيهِ فَأَحْكَامُ الشَّرْعِ لَا تُوجِبُهُ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِيهَا مَحْظُورٌ وَالِاجْتِهَادَ فِيهَا مُسْتَحَقٌّ ، وَإِذَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ بِحُكْمٍ وَتَجَدَّدَ مِثْلُهُ مِنْ بَعْدُ أَعَادَ الِاجْتِهَادَ فِيهِ وَقَضَى بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الْمُشْرِكَةِ بِالتَّشْرِيكِ فِي عَامٍ وَتَرَكَ التَّشْرِيكَ فِي غَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ مَا هَكَذَا حَكَمْتَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي ، فَقَالَ : تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي .\rفَلَوْ شَرَطَ الْمُوَلِّي وَهُوَ حَنَفِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عُمُومًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُوَلِّي أَوْ مُخَالِفًا لَهُ ، وَأَمَّا صِحَّةُ الْوِلَايَةِ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِيهَا","part":1,"page":114},{"id":114,"text":"وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ أَوْ مَخْرَجَ النَّهْيِ وَقَالَ قَدْ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ فَاحْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ أَوْ لَا تَحْكُمُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ كَانَتْ الْوِلَايَةُ صَحِيحَةً وَالشَّرْطُ فَاسِدًا سَوَاءٌ تَضَمَّنَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَافَقَ شَرْطَهُ أَوْ خَالَفَهُ وَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الْمُوَلِّي لِذَلِكَ قَدْحًا فِيهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَكُونُ قَدْحًا إنْ جَهِلَ لَكِنْ لَا يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُوَلِّيًا وَلَا وَالِيًا ، فَإِنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْوِلَايَةِ فَقَالَ قَدْ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ لَا تَحْكُمَ فِيهِ إلَّا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَتْ الْوِلَايَةُ بَاطِلَةً لِأَنَّهُ عَقَدَهَا عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : تَصِحُّ الْوِلَايَةُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ ؛ فَلَا يَخْلُو الشَّرْطُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا فَقَالَ لَهُ : أَقِدْ مِنْ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ وَمِنْ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَاقْتَصَّ فِي الْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ كَانَ أَمْرُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدًا ، ثُمَّ إنْ جَعَلَهُ شَرْطًا فِي عَقْدِ الْوِلَايَةِ فَسَدَتْ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِيهَا صَحَّتْ وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ نَهْيًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَلَا يَقْضِي فِيهِ بِوُجُوبِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ بِوِلَايَتِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ فَصَارَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ نَظَرِهِ ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَنْهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْقَضَاءِ فِي الْقِصَاصِ .\rفَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ يُوجِبُ صَرْفَهُ عَنْ النَّظَرِ فِيهِ عَلَى","part":1,"page":115},{"id":115,"text":"وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ صَرْفًا عَنْ الْحُكْمِ فِيهِ وَخَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِإِثْبَاتِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الصَّرْفَ عَنْهُ وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَمْرِ بِهِ وَيُثْبِتُ صِحَّةَ النَّظَرِ إنْ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِي التَّقْلِيدِ وَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ .","part":1,"page":116},{"id":116,"text":"( فَصْلٌ ) وَوِلَايَةُ الْقَضَاءِ تَنْعَقِدُ بِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِلَايَاتُ مَعَ الْحُضُورِ بِاللَّفْظِ مُشَافَهَةً وَمَعَ الْغَيْبَةِ مُرَاسَلَةً وَمُكَاتَبَةً وَلَكِنْ لَا بُدَّ مَعَ الْمُكَاتَبَةِ مِنْ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مِنْ شَوَاهِدِ الْحَالِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْلَى وَأَهْلِ عَمَلِهِ .\rوَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ ضَرْبَانِ : صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ .\rفَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ : قَدْ قَلَّدْتُكَ وَوَلَّيْتُكَ وَاسْتَخْلَفْتُكَ وَاسْتَنَبْتُكَ ، فَإِذَا أَتَى بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ انْعَقَدَتْ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إلَى قَرِينَةٍ أُخْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لَا شَرْطًا .\rفَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : قَدْ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ وَعَوَّلَتْ عَلَيْكَ وَرَدَدْتُ إلَيْكَ وَجَعَلْتُ إلَيْكَ وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ إلَيْكَ ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ تُضْعِفُ فِي الْوِلَايَةِ عَنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا فِي عَقْدِ الْوِلَايَةِ مَا يَنْفِي عَنْهَا الِاحْتِمَالَ فَتَصِيرُ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ مِثْلَ قَوْلِهِ فَانْظُرْ فِيمَا وَكَّلَتْهُ إلَيْكَ وَاحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْكَ فَتَصِيرُ الْوِلَايَةُ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِنَايَةِ مُنْعَقِدَةً ، ثُمَّ تَمَامُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى قَبُولِ الْمُوَلِّي ، فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ مُشَافَهَةً فَقَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا ، وَإِنْ كَانَ مُرَاسَلَةً أَوْ مُكَاتَبَةً جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَيَجُوزُ قَبُولُهُ بِالْقَوْلِ مَعَ التَّرَاخِي .\rوَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْقَبُولِ بِالشُّرُوعِ فِي النَّظَرِ ؛ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَهُ كَالنُّطْقِ وَأَبَاهُ آخَرُونَ حَتَّى يَكُونَ نُطُقًا لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلَايَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ قَبُولُهَا .\rوَيَكُونُ تَمَامُ الْوِلَايَةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لَفْظِ التَّقْلِيدِ مُعْتَبَرًا بِأَرْبَعَةِ","part":1,"page":117},{"id":117,"text":"شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : مَعْرِفَةُ الْمَوْلَى لِلْمَوْلَى بِأَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى مَعَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَجُوزُ مَعَهَا تِلْكَ الْوِلَايَةُ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ ، فَلَوْ عَرَفَهَا بَعْدَ التَّقْلِيدَ اسْتَأْنَفَهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَوِّلَ عَلَى مَا تَقَدَّمَهَا .\rوَالشَّرْطُ الثَّانِي : مَعْرِفَةُ الْمُوَلَّى بِمَا عَلَيْهِ الْمُوَلِّي مِنْ اسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الْوِلَايَةِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا مُسْتَحِقًّا لَهَا وَأَنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَهَا وَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِلْإِنَابَةِ فِيهَا إلَّا أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ فِي قَبُولِ الْمُوَلَّى وَجَوَازِ نَظَرِهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي عَقْدِ تَقْلِيدِهِ وَوِلَايَتِهِ ، بِخِلَافِ الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ يُرَاعَى فِي هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدَةُ بِالنَّظَرِ .\rوَإِنَّمَا يُرَاعَى انْتِشَارُهَا بِتَتَابُعِ الْخَبَرِ .\rوَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : ذِكْرُ مَا تَضْمَنَّهُ التَّقْلِيدُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَوْ إمَارَةِ الْبِلَادِ أَوْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي كُلِّ تَقْلِيدٍ فَافْتَقَرَتْ إلَى تَسْمِيَةِ مَا تَضَمَّنَتْ لِيُعْلَمَ عَلَى أَيِّ نَظَرٍ عُقِدَتْ فَإِنْ جُهِلَ فَسَدَتْ .\rوَالشَّرْطُ الرَّابِعُ : ذِكْرُ تَقْلِيدِ الْبَلَدِ الَّذِي عُقِدَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِيُعْرَفَ بِهِ الْعَمَلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فِيهِ ، وَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ تَمَّ تَقْلِيدُ الْوِلَايَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشُّرُوطِ وَاحْتَاجَ فِي لُزُومِ النَّظَرِ إلَى شَرْطٍ زَائِدٍ عَلَى شُرُوطِ الْعَقْدِ وَهُوَ إشَاعَةُ تَقْلِيدِ الْمُوَلَّى فِي أَهْلِ عَمَلِهِ لِيَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ وَيَنْقَادُوا إلَى حُكْمِهِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الطَّاعَةِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ ، فَإِذَا صَحَّتْ عَقْدًا وَلُزُومًا بِمَا وَصَفْنَا صَحَّ فِيهَا نَظَرُ الْمُوَلِّي وَالْمُوَلَّى كَالْوَكَالَةِ لِأَنَّهُمَا مَعًا اسْتِنَابَةٌ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَلَّى وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَلِّي وَكَانَ لِلْمُوَلِّي","part":1,"page":118},{"id":118,"text":"عَزْلُهُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ .\rوَلِلْمُوَلَّى عَزْلُ نَفْسِهِ عَنْهَا إذَا شَاءَ غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْمُوَلِّي أَنْ يَعْزِلَهُ إلَّا بِعُذْرٍ ، وَأَنْ لَا يَعْتَزِلَ الْمُوَلَّى إلَّا مِنْ عُذْرٍ لِمَا فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا عَزَلَ أَوْ اعْتَزَلَ وَجَبَ إظْهَارُ الْعَزْلِ كَمَا وَجَبَ إظْهَارُ التَّقْلِيدِ حَتَّى لَا يَقْدَمُ عَلَى إنْفَاذِ حُكْمٍ وَلَا يَغْتَرُّ بِالتَّرَافُعِ إلَيْهِ خَصْمٌ ، فَإِنْ حَكَمَ بَعْدَ عَزْلِهِ وَقَدْ عَرَفَ عَزْلَهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ ، وَإِنْ حَكَمَ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَزْلِهِ كَانَ فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ وَجْهَانِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي عُقُودِ الْوَكِيلِ .","part":1,"page":119},{"id":119,"text":"( فَصْلٌ ) وَلَا تَخْلُو وِلَايَةُ الْقَاضِي مِنْ عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَامَّةً مُطْلَقَةَ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ فَنَظَرُهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَشَرَةِ أَحْكَامٍ : أَحَدُهَا : ( فَصْلٌ ) فِي الْمُنَازَعَاتِ وَقَطْعُ التَّشَاجُرِ وَالْخُصُومَاتِ ، إمَّا صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ وَيُرَاعَى فِيهِ الْجَوَازُ أَوْ إجْبَارًا بِحُكْمٍ بَاتٍّ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْوُجُوبُ .\rوَالثَّانِي اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ مِمَّنْ مَطَلَ بِهَا وَإِيصَالُهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا بَعْدَ ثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهَا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إقْرَارٌ ، أَوْ بَيِّنَةٌ .\rوَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ حُكْمِهِ فِيهَا بِعِلْمِهِ ؛ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَصَحُّ قَوْلَيْهِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِعِلْمِهِ فِيمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ وَلَا يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَهَا .\rوَالثَّالِثُ : ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى مَنْ كَانَ مَمْنُوعَ التَّصَرُّفِ بِجُنُونٍ أَوْ صِغَرٍ وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا وَتَصْحِيحًا لِأَحْكَامِ الْعُقُودِ فِيهَا .\rوَالرَّابِعُ : النَّظَرُ فِي الْأَوْقَاتِ بِحِفْظِ أُصُولِهَا وَتَنْمِيَةِ فُرُوعِهَا وَالْقَبْضِ عَلَيْهَا وَصَرْفِهَا فِي سَبِيلِهَا ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ فِيهَا رَاعَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلَّاهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلْخَاصِّ فِيهَا إنْ عَمَّتْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْعُمُومِ وَإِنْ خُصَّتْ .\rوَالْخَامِسُ : تَنْفِيذُ الْوَصَايَا عَلَى شُرُوطِ الْمُوصِي فِيمَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَحْظُرْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيِّنِينَ كَانَ تَنْفِيذُهَا بِالْإِقْبَاضِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْصُوفِينَ كَانَ تَنْفِيذُهَا أَنْ يَتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّوهَا بِالِاجْتِهَادِ وَيَمْلِكُوا بِالْإِقْبَاضِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَصِيٌّ رَاعَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلَّاهُ .\rوَالسَّادِسُ : تَزْوِيجُ الْأَيَامَى بِالْأَكْفَاءِ إذَا عَدِمْنَ الْأَوْلِيَاءَ وَدُعِينَ إلَى النِّكَاحِ ، وَلَا","part":1,"page":120},{"id":120,"text":"يَجْعَلُهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ حُقُوقِ وِلَايَتِهِ لِتَجْوِيزِهِ تُفْرَدُ الْأَيِّمُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ .\rوَالسَّابِعُ : إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تَفَرَّدَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ طَالِبٍ إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْتَوْفِيهَا مَعًا إلَّا بِخَصْمٍ مَطَالِبِ .\rوَالثَّامِنُ : النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ مِنْ الْكَفِّ عَنْ التَّعَدِّي فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَفْنِيَةِ وَإِخْرَاجِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأَجْنِحَةِ وَالْأَبْنِيَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ مُسْتَعْدٍ ، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الْمُسْتَعْدِي وَغَيْرُ الْمُسْتَعْدِي فَكَانَ تَفَرُّدُ الْوِلَايَةِ بِهَا أَخَصَّ .\rوَالتَّاسِعُ : تَصَفُّحُ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ وَاخْتِيَارُ النَّائِبِينَ عَنْهُ مِنْ خُلَفَائِهِ فِي إقْرَارِهِمْ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِمْ مَعَ ظُهُورِ السَّلَامَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَصَرْفِهِمْ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ مَعَ ظُهُورِ الْجُرْحِ وَالْخِيَانَةِ .\rوَمَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ عَمَّا يُعَانِيهِ كَانَ مُوَلِّيهِ بِالْخِيَارِ مِنْ أَصْلَحِ الْأَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَكْفَى ، وَإِمَّا أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَنْ يَكُونُ اجْتِمَاعُهُ عَلَيْهِ أَنْفَذَ وَأَمْضَى .\rوَالْعَاشِرُ : التَّسْوِيَةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَالْعَدْلُ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ الْمَشْرُوفِ وَالشَّرِيفِ ، وَلَا يَتَّبِعْ هَوَاهُ فِي تَقْصِيرِ الْمُحِقِّ أَوْ مُمَايَلَةِ مُبْطِلٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } .\rوَقَدْ","part":1,"page":121},{"id":121,"text":"اسْتَوْفَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عَهْدِهِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ شُرُوطَ الْقَضَاءِ وَبَيَّنَ أَحْكَامَ التَّقْلِيدِ فَقَالَ فِيهِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ ، وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ وَمَجْلِسِكَ حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ .\rالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ؛ وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا ؛ وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ ؛ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ، ثُمَّ اعْرِفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ ؛ وَقِسْ الْأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا ، وَاجْعَلْ لِمَنْ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَمَنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ بِحَقِّهِ وَإِلَّا اسْتَحْلَلْتَ الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَى لِلشَّكِّ وَأَجْلَى لِلْعَمَى ؛ وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظِنِّينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ الْأَيْمَانِ وَدَرَأَ بِالْبَيِّنَاتِ .\rوَإِيَّاكَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَفُّفَ بِالْخُصُومِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ يُعَظِّمُ اللَّهُ بِهِ الْأَجْرَ وَيُحْسِنُ بِهِ الذِّكْرَ ، وَالسَّلَامُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَفِي هَذَا الْعَهْدِ خَلَلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا خُلُوُّهُ مِنْ لَفْظِ التَّقْلِيدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِلَايَةُ : وَالثَّانِي اعْتِبَارُهُ فِي الشُّهُودِ عَدَالَةَ الظَّاهِرِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَالَةُ الْبَاطِنِ بَعْدَ الْكَشْفِ وَالْمَسْأَلَةِ","part":1,"page":122},{"id":122,"text":".\rقِيلَ : أَمَّا خُلُوُّهُ عَنْ لَفْظِ التَّقْلِيدِ فَفِيهِ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّقْلِيدَ تَقَدَّمَهُ لَفْظًا وَجُعِلَ الْعَهْدُ مَقْصُورًا عَلَى الْوِصَايَةِ وَالْأَحْكَامِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ أَلْفَاظَ الْعَهْدِ تَتَضَمَّنُ مَعَانِيَ التَّقْلِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ \" فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ \" وَكَقَوْلِهِ \" فَمَنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ بِحَقِّهِ وَإِلَّا اسْتَحْلَلْتَ الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ \" فَصَارَ فَحْوَى هَذِهِ الْأَوَامِرِ مَعَ شَوَاهِدِ الْحَالِ مُغْنِيًا عَنْ لَفْظِ التَّقْلِيدِ .\rوَأَمَّا اعْتِبَارُهُ فِي الشُّهُودِ عَدَالَةَ الظَّاهِرِ فَفِيهِ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ فَذَكَرَهُ إخْبَارًا عَنْ اعْتِقَادِهِ فِيهِ لَا أَمْرًا بِهِ ، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْكَشْفِ وَالْمَسْأَلَةِ عُدُولٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ جُرْحٌ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَاضِي وَإِنْ عَمَّتْ وِلَايَتُهُ جِبَايَةُ الْخَرَاجِ ، لِأَنَّ مَصْرِفَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْجُيُوشِ ، فَأَمَّا أَمْوَالُ الصَّدَقَاتِ فَإِنْ اُخْتُصَّتْ بِنَاظِرٍ خَرَجَتْ عَنْ عُمُومِ وِلَايَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ لَهَا نَاظِرٌ فَقَدْ قِيلَ تَدْخُلُ فِي عُمُومِ وِلَايَتِهِ فَيَقْبِضُهَا مِنْ أَهْلِهَا وَيَصْرِفُهَا فِي مُسْتَحَقِّيهَا ، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَنْ سَمَّاهُ لَهَا .\rوَقِيلَ لَا تَدْخُلُ فِي وِلَايَتِهِ وَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّعَرُّضِ لَهَا لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي إمَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى خُصُوصِهَا وَمَقْصُورَةُ النَّظَرِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ كَمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ فِي بَعْضِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ أَوْ فِي الْحُكْمِ بِإِقْرَارٍ دُونَ الْبَيِّنَةِ أَوْ فِي الدُّيُونِ دُونَ الْمَنَاكِحِ أَوْ فِي مُقَدَّرٍ بِنِصَابٍ فَيَصِحُّ هَذَا التَّقْلِيدُ وَلَا يَصِحُّ لِلْمُوَلِّي أَنْ يَتَعَدَّاهُ لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فَصَحَّتْ عُمُومًا وَخُصُوصًا","part":1,"page":123},{"id":123,"text":"كَالْوَكَالَةِ .","part":1,"page":124},{"id":124,"text":"وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَامَّ النَّظَرِ خَاصَّ الْعَمَلِ ، فَيُقَلَّدُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ أَوْ فِي مَحَلَّةٍ مِنْهُ فَيَنْفُذُ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ فِي الْجَانِبِ الَّذِي قَلَّدَهُ وَالْمَحَلَّةِ الَّتِي عُيِّنَتْ لَهُ ، وَيَنْظُرُ فِيهِ بَيْنَ سَاكِنِيهِ وَبَيْنَ الطَّارِئِينَ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الطَّارِئَ إلَيْهِ كَالسَّاكِنِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَ سَاكِنِيهِ دُونَ الْغَرِيبِينَ وَالطَّارِئِينَ إلَيْهِ فَلَا يَتَعَدَّاهُمْ .\rوَلَوْ قُلِّدَ جَمِيعَ الْبَلَدِ لِيَحْكُمَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ أَوْ فِي مَحَلَّةٍ مِنْهُ أَوْ فِي دَارٍ مِنْ دُورِهِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِ جُلُوسِهِ مَعَ عُمُومِ وِلَايَتِهِ ، فَإِنْ أُخْرِجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْوِلَايَةِ أَبْطَلَهَا وَكَانَ مَرْدُودَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ قُلِّدَ الْحُكْمَ فِيمَنْ وَرَدَ إلَيْهِ فِي دَارِهِ أَوْ فِي مَسْجِدِهِ صَحَّ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ فِي غَيْرِ دَارِهِ وَلَا فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ وِلَايَتَهُ مَقْصُورَةً عَلَى مَنْ وَرَدَ إلَى دَارِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ وَهُمْ لَا يَتَعَيَّنُونَ إلَّا بِالْوُرُودِ إلَيْهِمَا فَلِذَلِكَ صَارَ حُكْمُهُ فِيهِمَا شَرْطًا .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ : لَمْ تَزَلْ الْأُمَرَاءُ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ يَسْتَقْضُونَ قَاضِيًا عَلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يُسَمُّونَهُ قَاضِيَ الْمَسْجِدِ يَحْكُمُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا فَمَا دُونَهَا وَيَفْرِضُ النَّفَقَاتِ وَلَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَهُ وَلَا مَا قُدِّرَ لَهُ","part":1,"page":125},{"id":125,"text":"( فَصْلٌ ) وَإِذَا قُلِّدَ قَاضِيَانِ عَلَى بَلَدٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ تَقْلِيدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَرِدَ إلَى أَحَدِهِمَا مَوْضِعًا مِنْهُ وَإِلَى الْآخَرِ غَيْرُهُ فَيَصِحُّ ، وَيَقْتَصِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّظَرِ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَرِدَ إلَى أَحَدِهِمَا نَوْعٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِلَى الْآخَرِ غَيْرُهُ كَرَدِّ الْمُدَايَنَاتِ إلَى أَحَدِهِمَا وَالْمَنَاكِحِ إلَى الْآخَرِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيَقْتَصِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ فِي الْبَلَدِ كُلِّهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَرِدَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ فِي جَمِيعِ الْبَلَدِ .\rفَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ ، فَمَنَعَتْ مِنْهُ طَائِفَةٌ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ أَمْرُهُمَا مِنْ التَّشَاجُرِ فِي تَجَاذُبِ الْخُصُومِ إلَيْهِمَا ، وَتَبْطُلُ وِلَايَتُهُمَا إنْ اجْتَمَعَتْ ، وَتَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا إنْ افْتَرَقَتْ .\rوَأَجَازَتْهُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ كَالْوَكَالَةِ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ عِنْدَ تَجَاذُبِ الْخُصُومِ قَوْلَ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ ، فَإِنْ تَسَاوَيَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَقَدْ قِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ يُمْنَعَانِ مِنْ التَّحَاكُمِ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا .","part":1,"page":126},{"id":126,"text":"وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وِلَايَةُ الْقَاضِي مَقْصُورَةً عَلَى حُكُومَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفُذَ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْخُصُومِ وَتَكُونُ وِلَايَتُهُ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَهُمَا بَاقِيَةً مَا كَانَ التَّشَاجُرُ بَيْنَهُمَا بَاقِيًا ، فَإِذَا بَتَّ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا زَالَتْ وِلَايَتُهُ ، وَإِنْ تَجَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ أُخْرَى لَمْ يَنْظُرْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِإِذْنٍ مُسْتَجَدٍّ ، فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْخُصُومَ وَجَعَلَ النَّظَرَ مَقْصُورًا عَلَى الْأَيَّامِ وَقَالَ قَلَّدْتُكَ النَّظَرَ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَحْدَهُ جَازَ نَظَرُهُ فِيهِ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى ، وَتَزُولُ وِلَايَتُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْهُ ، وَلَوْ قَالَ قَلَّدْتُكَ النَّظَرَ فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ جَازَ أَيْضًا وَكَانَ مَقْصُورَ النَّظَرِ فِيهِ .\rفَإِذَا خَرَجَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ تَزُلْ وِلَايَتُهُ لِبَقَائِهَا عَلَى أَمْثَالِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ النَّظَرِ فِيمَا عَدَاهُ ، وَلَوْ قَالَ وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا : مَنْ نَظَرَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ بَيْنَ الْخُصُومِ فَهُوَ خَلِيفَتِي لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِالْمُوَلَّى ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَوْ قَالَ مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ خَلِيفَتِي لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِلْجَهْلِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُصَيِّرُ تَمْيِيزَ الْمُجْتَهِدِ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ الْخُصُومِ .\rوَلَوْ قَالَ مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ مُدَرِّسِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَوْ مُفْتِيِّي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى عَدَدًا فَقَالَ مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ قَلَّ الْعَدَدُ أَوْ كَثُرَ ، لِأَنَّ الْمَوْلَى مِنْهُمْ مَجْهُولٌ لَكِنْ إذَا قَالَ قَدْ رَدَدْتُ النَّظَرَ فِيهِ إلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ جَازَ سَوَاءٌ قَلَّ الْعَدَدُ أَوْ كَثُرَ ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُوَلَّى فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ أَحَدُهُمْ تَعَيَّنَ وَزَالَ نَظَرُ الْبَاقِينَ لِأَنَّهُ لَمْ","part":1,"page":127},{"id":127,"text":"يَجْمَعْهُمْ عَلَى النَّظَرِ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ بِهِ أَحَدَهُمْ ، فَإِنْ جَمَعَهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ إنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، وَفِي جَوَازِهِمْ إنْ قَلَّ وَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ","part":1,"page":128},{"id":128,"text":"( فَصْلٌ ) فَأَمَّا طَلَبُ الْقَضَاءِ وَخُطْبَةُ الْوُلَاةِ عَلَيْهِ : فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ كَانَ تَعَرُّضُهُ لِطَلَبِهِ مَحْظُورًا وَصَارَ بِالطَّلَبِ مَجْرُوحًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا نَظَرُهُ فَلَهُ فِي طَلَبِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ ، إمَّا لِنَقْصِ عِلْمِهِ ، وَإِمَّا لِظُهُورِ جَوْرِهِ فَيَخْطُبُ الْقَضَاءَ دَفْعًا لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ لِيَكُونَ فِيمَنْ هُوَ بِالْقَضَاءِ أَحَقُّ فَهَذَا سَائِغٌ لِمَا تَضْمَنَّهُ مِنْ دَفْعِ مُنْكَرٍ ، ثُمَّ يَنْظُرُ ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَةَ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ كَانَ مَأْجُورًا ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ اخْتِصَاصَهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ كَانَ مُبَاحًا .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي مُسْتَحِقِّهِ وَمَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهُ إمَّا لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا وَإِمَّا لِيَجُرَّ بِالْقَضَاءِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ؛ فَهَذَا الطَّلَبُ مَحْظُورٌ وَهُوَ بِهَذَا الطَّلَبِ مَجْرُوحٌ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْقَضَاءِ نَاظِرٌ وَهُوَ خَالٍ مِنْ وَالٍ عَلَيْهِ ؛ فَيُرَاعِي فِي طَلَبِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَتِهِ إلَى رِزْقِ الْقَضَاءِ الْمُسْتَحَقِّ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَانَ طَلَبُهُ مُبَاحًا ، وَإِنْ كَانَ لِرَغْبَةٍ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ وَخَوْفِهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ كَانَ طَلَبُهُ مُسْتَحَبًّا ، فَإِنْ قَصَدَ بِطَلَبِهِ الْمُبَاهَاةَ وَالْمَنْزِلَةَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِهِ ، فَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُبَاهَاةِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي الدُّنْيَا مَكْرُوهٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إلَى أَنَّ طَلَبَهُ لِذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، لِأَنَّ طَلَبَ الْمَنْزِلَةِ مِمَّا أُبِيحَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ، وَقَدْ رَغِبَ نَبِيُّ اللَّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى","part":1,"page":129},{"id":129,"text":"فِرْعَوْنَ فِي الْوِلَايَةِ وَالْخِلَافَةِ فَقَالَ : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .\rفَطَلَبُ الْوِلَايَةِ وَوَصْفُ نَفْسِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ { إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِمَا وَلَّيْتَنِي ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ حَفِيظٌ لِلْحِسَابِ عَلِيمٌ بِالْأَلْسُنِ ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ سُفْيَانَ ، وَخَرَجَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ حَدِّ التَّزْكِيَةِ لِنَفْسِهِ وَالْمَدْحِ لَهَا لِأَنَّهُ كَانَ لِسَبَبٍ دَعَا إلَيْهِ .\rوَاخْتُلِفَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فِي جَوَازِ الْوِلَايَةِ مِنْ قِبَلِ الظَّالِمِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى جَوَازِهَا إذَا عَمِلَ بِالْحَقِّ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ ، لِأَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوَلَّى مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ بِعَدْلِهِ دَافِعًا لِجَوْرِهِ .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إلَى حَظْرِهَا وَالْمَنْعِ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَوَلِّي الظَّالِمِينَ وَالْمَعُونَةِ لَهُمْ وَتَزْكِيَتِهِمْ بِالتَّقْلِيدِ أَوْ أَمْرِهِمْ .\rوَأَجَابُوا عَنْ وِلَايَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كَانَ صَالِحًا وَإِنَّمَا الطَّاغِي فِرْعَوْن مُوسَى .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْلَاكِهِ دُونَ أَعْمَالِهِ .","part":1,"page":130},{"id":130,"text":"فَأَمَّا بَذْلُ الْمَالِ عَلَى طَلَبِ الْقَضَاءِ فَمِنْ الْمَحْظُورَاتِ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ يَصِيرُ الْبَاذِلُ لَهَا وَالْقَابِلُ لَهَا مَجْرُوحَيْنِ .\rرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ } .\rوَالرَّاشِي : بَاذِلُ الرِّشْوَةِ : وَالْمُرْتَشِي قَابِلُهَا .\rوَالرَّايِشُ : الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا .","part":1,"page":131},{"id":131,"text":"وَلَيْسَ لِمَنْ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ خَصْمٍ وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْمٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَعْدِيهِ فِيمَا يَلِيهِ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ } .\rفَإِنْ قَبِلَهَا وَعَجَّلَ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا مَلَكَهَا ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَحَقَّ بِهَا إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَى الْمُهْدِي لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْخُصُومِ إذَا تَنَازَعُوا إلَيْهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ .\rوَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْجَبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِأَحَدٍ مِنْ وَالِدَيْهِ وَلَا مِنْ أَوْلَادِهِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِهَا ، وَكَذَلِكَ لَا يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، وَيَشْهَدُ لِعَدُوِّهِ وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ ، وَيَحْكُمُ لِعَدُوِّهِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ وَأَسْبَابَ الشَّهَادَةِ خَافِيَةٌ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ ، وَإِذَا مَاتَ الْقَاضِي انْعَزَلَ خُلَفَاؤُهُ ، وَلَوْ مَاتَ الْإِمَامُ لَمْ تَنْعَزِلْ قُضَاتُهُ .\rوَلَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ قَدْ خَلَا مِنْ قَاضٍ عَلَى أَنْ يُقَلِّدُوا عَلَيْهِمْ قَاضِيًا ، فَإِنْ كَانَ إمَامُ الْوَقْتِ مَوْجُودًا بَطَلَ التَّقْلِيدُ ، وَإِنْ كَانَ مَفْقُودًا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَنَفَذَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ نَظَرِهِ إمَامٌ لَمْ يَسْتَدِمْ النَّظَرَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ .","part":1,"page":132},{"id":132,"text":"وَنَظَرُ الْمَظَالِمِ هُوَ قَوْدُ الْمُتَظَالِمَيْنِ إلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَنْ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ فَكَانَ مِنْ شُرُوطِ النَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ جَلِيلَ الْقَدْرِ ، نَافِذَ الْأَمْرِ ، عَظِيمَ الْهَيْبَةِ ظَاهِرَ الْعِفَّةِ ، قَلِيلَ الطَّمَعِ ، كَثِيرَ الْوَرَعِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَظَرِهِ إلَى سَطْوَةِ الْحُمَاةِ وَثَبْتِ الْقُضَاةِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَاتِ الْفَرِيقَيْنِ ، وَأَنْ يَكُونَ بِجَلَالَةِ الْقَدْرِ نَافِذَ الْأَمْرِ فِي الْجِهَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْأُمُورَ الْعَامَّةَ كَالْوُزَرَاءِ وَالْأُمَرَاءِ لَمْ يَحْتَجْ النَّظَرُ فِيهَا إلَى تَقْلِيدٍ وَكَانَ لَهُ بِعُمُومِ وِلَايَتِهِ النَّظَرُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ عُمُومُ النَّظَرِ احْتَاجَ إلَى تَقْلِيدٍ وَتَوْلِيَةٍ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُخْتَارَ لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ أَوْ لِوِزَارَةِ التَّفْوِيضِ أَوْ لِإِمَارَةِ الْأَقَالِيمِ إذَا كَانَ نَظَرُهُ فِي الْمَظَالِمِ عَامًّا ، فَإِنْ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى تَنْفِيذِ مَا عَجَزَ الْقُضَاةُ عَنْ تَنْفِيذِهِ وَإِمْضَاءِ مَا قَصُرَتْ يَدُهُمْ عَنْ إمْضَائِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ دُونَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فِي الْقَدْرِ وَالْخَطَرِ بَعْدَ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي الْحَقِّ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَلَا يَسْتَشِفُّهُ الطَّمَعُ إلَى رِشْوَةٍ .\rفَقَدْ { نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَظَالِمَ فِي الشُّرْبِ الَّذِي تَنَازَعَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَحَضَرَهُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ أَنْتَ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ إنَّهُ لَابْنُ عَمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَغَضِبَ مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ يَا زُبَيْرُ أَجْرِهِ عَلَى بَطْنِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ إلَى الْكَعْبَيْنِ } .\rوَإِنَّمَا قَالَ أَجْرِهِ عَلَى بَطْنِهِ أَدَبًا لَهُ لِجُرْأَتِهِ عَلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ لِمَ أَمَرَهُ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ إلَى الْكَعْبَيْنِ هَلْ كَانَ حَقًّا بَيَّنَهُ","part":1,"page":133},{"id":133,"text":"لَهُمَا حُكْمًا أَوْ كَانَ مُبَاحًا فَأَمَرَهُ بِهِ زَجْرًا عَلَى جَوَابَيْنِ ، وَلَمْ يُنْتَدَبْ لِلْمَظَالِمِ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَحَدٌ لِأَنَّهُمْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مَعَ ظُهُورِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ مَنْ يَقُودُهُ التَّنَاصُفُ إلَى الْحَقِّ أَوْ يَزْجُرُهُ الْوَعْظُ عَنْ الظُّلْمِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْمُنَازَعَاتُ تَجْرِي بَيْنَهُمْ فِي أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ يُوَضِّحُهَا حُكْمُ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ تَجَوَّرَ مِنْ جُفَاةِ أَعْرَابِهِمْ مُتَجَوِّرٌ ثَنَاهُ الْوَعْظُ أَنْ يُدْبِرَ وَقَادَهُ الْعُنْفُ أَنْ يُحْسِنَ فَاقْتَصَرَ خُلَفَاءُ السَّلَفِ عَلَى فَصْلِ التَّشَاجُرِ بَيْنَهُمْ بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ تَعْيِينًا لِلْحَقِّ فِي جِهَتِهِ لِانْقِيَادِهِمْ إلَى الْتِزَامِهِ ، وَاحْتَاجَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَأَخَّرَتْ إمَامَتُهُ وَاخْتَلَطَ النَّاسُ فِيهَا وَتَجَوَّرُوا إلَى فَصْلِ صَرَامَةٍ فِي السِّيَاسَةِ وَزِيَادَةِ تَيَقُّظٍ فِي الْوُصُولِ إلَى غَوَامِضِ الْأَحْكَامِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَاسْتَقَلَّ بِهَا وَلَمْ يَخْرُجْ فِيهَا إلَى نَظَرِ الْمَظَالِمِ الْمَحْضِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ .\rوَقَالَ فِي الْمِنْبَرِيَّةِ : صَارَ ثَمَنُهَا تِسْعًا .\rوَقَضَى فِي الْقَارِصَةِ وَالْقَامِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا .\rوَقَضَى فِي وَلَدٍ تَنَازَعَتْهُ امْرَأَتَانِ بِمَا أَدَّى إلَى فَصْلِ الْقَضَاءِ ، ثُمَّ انْتَشَرَ الْأَمْرُ بَعْدَهُ حَتَّى تَجَاهَرَ النَّاسُ بِالظُّلْمِ وَالتَّغَالُبِ وَلَمْ يَكْفِهِمْ زَوَاجِرُ الْعِظَةِ عَنْ التَّمَانُعِ وَالتَّجَاذُبِ ، فَاحْتَاجُوا فِي رَدْعِ الْمُتَغَلِّبِينَ وَإِنْصَافِ الْمَغْلُوبِينَ إلَى نَظَرِ الْمَظَالِمِ الَّذِي يَمْتَزِجُ بِهِ قُوَّةُ السَّلْطَنَةِ بِنِصْفِ الْقَضَاءِ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَفْرَدَ لِلظُّلَامَاتِ يَوْمًا يَتَصَفَّحُ فِيهِ قَصَصَ الْمُتَظَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لِلنَّظَرِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، فَكَانَ إذَا وَقَفَ مِنْهَا عَلَى مُشْكِلٍ أَوْ احْتَاجَ فِيهَا إلَى حُكْمٍ مُنَفَّذٍ رَدَّهُ إلَى قَاضِيهِ أَبِي إدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ فَنَفَّذَ فِيهِ أَحْكَامَهُ لِرَهْبَةِ التَّجَارِبِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ","part":1,"page":134},{"id":134,"text":"بْنِ مَرْوَانَ فِي عِلْمِهِ بِالْحَالِ وَوُقُوفِهِ عَلَى السَّبَبِ ، فَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ هُوَ الْمُبَاشِرُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الْآمِرُ .\rثُمَّ زَادَ مِنْ جَوْرِ الْوُلَاةِ وَظُلْمِ الْعُتَاةِ مَا لَمْ يَكْفِهِمْ عَنْهُ إلَّا أَقْوَى الْأَيْدِي وَأَنْفَذُ الْأَوَامِرِ ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلَ مَنْ نَدَبَ نَفْسَهُ لِلنَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ فَرَدَّهَا وَرَاعَى السُّنَنَ الْعَادِلَةَ وَأَعَادَهَا ، وَرَدَّ مَظَالِمَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا حَتَّى قِيلَ لَهُ وَقَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهَا وَأَغْلَظَ إنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ رَدِّهَا الْعَوَاقِبَ ، فَقَالَ كُلُّ يَوْمٍ أَتَّقِيهِ وَأَخَافُهُ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا وُقِيتُهُ .\rثُمَّ جَلَسَ لَهَا مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَلَسَ لَهَا الْمَهْدِيُّ ، ثُمَّ الْهَادِي ، ثُمَّ الرَّشِيدُ ، ثُمَّ الْمَأْمُونُ فَآخِرُ مَنْ جَلَسَ لَهَا الْمُهْتَدِي حَتَّى عَادَتْ الْأَمْلَاكُ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا .\rوَقَدْ كَانَ مُلُوكُ الْفُرْسِ يَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ قَوَاعِدِ الْمُلْكِ وَقَوَانِينِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَعُمُّ الصَّلَاحُ إلَّا بِمُرَاعَاتِهِ وَلَا يَتِمُّ التَّنَاصُفُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ .\rوَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ كَثُرَ فِيهِمْ الزُّعَمَاءُ وَانْتَشَرَتْ فِيهِمْ الرِّيَاسَةُ وَشَاهَدُوا مِنْ التَّغَالُبِ وَالتَّجَاذُبِ مَا لَمْ يَكْفِهِمْ عَنْهُ سُلْطَانٌ قَاهِرٌ عَقَدُوا حِلْفًا عَلَى رَدِّ الْمَظَالِمِ وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ وَكَانَ سَبَبُهُ مَا حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَمَنِ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا بِبِضَاعَةٍ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ ، وَقِيلَ إنَّهُ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ فَلَوَى الرَّجُلُ بِحَقِّهِ فَسَأَلَهُ مَالَهُ أَوْ مَتَاعَهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فَقَامَ عَلَى الْحَجَرِ وَأَنْشَدَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : يال قُصَيٍّ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَتُهُ بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِيَ الدَّارِ وَالنَّفَرِ وَأَشْعَثٍ مُحْرِمٍ لَمْ تُقْضَ حُرْمَتُهُ بَيْنَ الْمَقَامِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ","part":1,"page":135},{"id":135,"text":"أَقَائِمٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ بِذِمَّتِهِمْ أَوْ ذَاهِبٌ فِي ضَلَالٍ مَالُ مُعْتَمِرِ ثُمَّ قَيْسُ بْنُ شَيْبَةَ السُّلَمِيُّ بَاعَ مَتَاعًا عَلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَلَوَاهُ وَذَهَبَ بِحَقِّهِ ، فَاسْتَجَارَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ فَلَمْ يُجِرْهُ ، فَقَالَ قَيْسٌ مِنْ الرَّجَزِ : يال قُصَيٍّ كَيْفَ هَذَا فِي الْحَرَمْ وَحُرْمَةِ الْبَيْتِ وَأَحْلَافِ الْكَرَمْ أُظْلَمُ لَا يُمْنَعُ عَنِّي مَنْ ظَلَمْ فَأَجَابَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : إنْ كَانَ جَارُكَ لَمْ تَنْفَعْكَ ذِمَّتُهُ وَقَدْ شَرِبْتَ بِكَأْسِ الذُّلِّ أَنْفَاسَا فَأْتِ الْبُيُوتَ وَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا صَدَدًا لَا تَلْقَ تَأْدِيبَهُمْ فُحْشًا وَلَا بَاسَا وَمَنْ يَكُنْ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ مُعْتَصِمًا يَلْقَ ابْنَ حَرْبٍ وَيَلْقَ الْمَرْءَ عَبَّاسَا قَوْمِي قُرَيْشٌ بِأَخْلَاقٍ مُكَمَّلَةٍ بِالْمَجْدِ وَالْحَزْمِ مَا عَاشَا وَمَا سَاسَا سَاقُ الْحَجِيجِ وَهَذَا نَاشِرٌ فَلِجٌ وَالْمَجْدُ يُورَثُ أَخْمَاسًا وَأَسْدَاسَا فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَرَدَّا عَلَيْهِ مَالَهُ وَاجْتَمَعَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ فَتَحَالَفُوا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ عَلَى رَدِّ الْمَظَالِمِ بِمَكَّةَ وَأَنْ لَا يَظْلِمَ أَحَدٌ إلَّا مَنَعُوهُ وَأَخَذُوا لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ مَعَهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَعَقَدُوا حِلْفَ الْفُضُولِ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاكِرًا لِلْحَالِ : { لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفَ الْفُضُولِ مَا لَوْ دُعِيتُ إلَيْهِ لَأَجَبْتُ ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ } .\rوَإِنِّي بِقِصَّتِهِ وَمَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً فَقَالَ بَعْضُ قُرَيْشٍ فِي هَذَا الْحِلْفِ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ إنْ سَأَلْتَ وَهَاشِمًا وَزُهْرَةُ الْخَيْرِ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانِ مُتَحَالِفِينَ عَلَى النَّدَى مَا غَرَّدَتْ وَرْقَاءُ فِي فَنَنٍ مِنْ جِذْعِ كِتْمَانِ وَهَذَا وَإِنْ","part":1,"page":136},{"id":136,"text":"كَانَ فِعْلًا جَاهِلِيًّا دَعَتْهُمْ إلَيْهِ السِّيَاسَةُ فَقَدْ صَارَ بِحُضُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَمَا قَالَهُ فِي تَأْكِيدِ أَمْرِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَفِعْلًا نَبَوِيًّا .","part":1,"page":137},{"id":137,"text":"فَإِذَا نَظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَنْ اُنْتُدِبَ لَهَا جُعِلَ لِنَظَرِهِ يَوْمًا مَعْرُوفًا يَقْصِدُهُ فِيهِ الْمُتَظَلِّمُونَ وَيُرَاجِعُهُ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ ، لِيَكُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَيَّامِ لِمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ مِنْ السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عُمَّالِ الْمَظَالِمِ الْمُنْفَرِدِينَ لَهَا فَيَكُونُ مَنْدُوبًا لِلنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ ، وَلْيَكُنْ سَهْلَ الْحِجَابِ نَزِهَ الْأَصْحَابِ .\rوَيُسْتَكْمَلُ مَجْلِسُ نَظَرِهِ بِحُضُورِ خَمْسَةِ أَصْنَافٍ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمْ وَلَا يَنْتَظِمُ نَظَرُهُ إلَّا بِهِمْ : أَحَدُهُمْ الْحُمَاةُ وَالْأَعْوَانُ لِجَذْبِ الْقَوِيِّ وَتَقْوِيمِ الْجَرِيءِ .\rوَالصِّنْفُ الثَّانِي : الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ لِاسْتِعْلَامِ مَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَجْرِي فِي مَجَالِسِهِمْ بَيْنَ الْخُصُومِ .\rوَالصِّنْفُ الثَّالِثُ : الْفُقَهَاءُ لِيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيمَا أَشْكَلَ وَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا اشْتَبَهَ وَأَعْضَلَ .\rوَالصِّنْفُ الرَّابِعُ : الْكُتَّابُ لِيُثْبِتُوا مَا جَرَى بَيْنَ الْخُصُومِ وَمَا تَوَجَّبَ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ .\rوَالصِّنْفُ الْخَامِسُ الشُّهُودُ لِيُشْهِدَهُمْ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ مِنْ حَقٍّ وَأَمْضَاهُ مِنْ حُكْمٍ ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ مَجْلِسَ الْمَظَالِمِ بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ شَرَعَ حِينَئِذٍ فِي نَظَرِهَا","part":1,"page":138},{"id":138,"text":"وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ يَشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ : فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ فِي تَعَدِّي الْوُلَاةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَأَخْذِهِمْ بِالْعَسْفِ فِي السِّيرَةِ ، فَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ الَّذِي لَا يَقِفُ عَلَى ظُلَامَةِ مُتَظَلِّمٍ ، فَيَكُونُ لِسِيرَةِ الْوُلَاةِ مُتَصَفِّحًا عَنْ أَحْوَالِهِمْ مُسْتَكْشِفًا لِيُقَوِّيَهُمْ إنْ أَنْصَفُوا وَيَكُفَّهُمْ إنْ عَسَفُوا ، وَيَسْتَبْدِلَ بِهِمْ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا .\r( حُكِيَ ) أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَبَ عَلَى النَّاسِ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ وَكَانَتْ مِنْ أَوَّلِ خُطْبَةٍ فَقَالَ لَهُمْ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا وَلَا يُرَحِّبُ إلَّا أَهْلَهَا ، وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ الْوُلَاةِ مَنَعُوا الْحَقَّ حَتَّى اشْتَرَى مِنْهُمْ شِرَاءً وَبَذَلُوا الْبَاطِلَ حَتَّى افْتَدَى مِنْهُمْ فِدَاءً ، وَاَللَّهِ لَوْلَا سُنَّةٌ مِنْ الْحَقِّ أُمِيتَتْ فَأَحْيَيْتُهَا وَسُنَّةٌ مِنْ الْبَاطِلِ أُحْيِيَتْ فَأَمَتُّهَا مَا بَالَيْتُ أَنْ أَعِيشَ وَقْتًا وَاحِدًا .\rأَصْلِحُوا آخِرَتَكُمْ تَصْلُحْ لَكُمْ دُنْيَاكُمْ ، إنَّ امْرَأً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ إلَّا الْمَوْتُ لَمُعْرِقٌ لَهُ فِي الْمَوْتِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : جَوْرُ الْعُمَّالِ فِيمَا يَجِبُونَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْقَوَانِينِ الْعَاذِلَةِ فِي دَوَاوِينِ الْأَئِمَّةِ فَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَيَأْخُذُ الْعُمَّالَ بِهَا وَيَنْظُرُ فِيمَا اسْتَزَادُوهُ ، فَإِنْ رَفَعُوهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَمَرَ بِرَدِّهِ ، وَإِنْ أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ اسْتَرْجَعَهُ لِأَرْبَابِهِ .\r( فَقَدْ حُكِيَ ) عَنْ الْمُهْتَدِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ فَرُفِعَتْ إلَيْهِ قَصَصٌ فِي الْكُسُورِ فَسَأَلَ عَنْهَا ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَسَّطَ الْخَرَاجَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ وَمَا فُتِحَ مِنْ نَوَاحِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَرَقًا وَعَيْنًا وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مَضْرُوبَةً عَلَى وَزْنِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ، وَكَانَ أَهْلُ","part":1,"page":139},{"id":139,"text":"الْبُلْدَانِ يُؤَدُّونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ عَدَدًا وَلَا يَنْظُرُونَ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَوْزَانِ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ فَسَدَ النَّاسُ فَصَارَ أَرْبَابُ الْخَرَاجِ يُؤَدُّونَ الطَّبَرِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ وَتَمَسَّكُوا بِالْوَافِي الَّذِي وَزْنُهُ وَزْنُ الْمِثْقَالِ ، فَلَمَّا وَلِيَ زِيَادٌ الْعِرَاقَ طَالَبَ بِأَدَاءِ الْوَافِي وَأَلْزَمَهُمْ الْكُسُورَ وَجَارَ فِيهِ عُمَّالُ بَنِي أُمَيَّةَ ، إلَى أَنْ وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، فَنَظَرَ بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ وَقَدَّرَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ عَلَى نِصْفِ وَخُمُسِ الْمِثْقَالِ وَتَرَكَ الْمِثْقَالَ عَلَى حَالِهِ ، ثُمَّ إنَّ الْحَجَّاجَ مِنْ بَعْدِهِ أَعَادَ الْمُطَالَبَةَ بِالْكُسُورِ حَتَّى أَسْقَطَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَعَادَهَا مِنْ بَعْدِهِ إلَى أَيَّامِ الْمَنْصُورِ إلَى أَنْ خَرِبَ السَّوَادُ فَأَزَالَ الْمَنْصُورُ الْخَرَاجَ عَنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَرِقًا وَصَيَّرَهُ مُقَاسَمَةً وَهُمَا أَكْثَرُ غَلَّاتِ السَّوَادِ وَأَبْقَى الْيَسِيرَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ عَلَى رَسْمِ الْخَرَاجِ وَهُوَ كَمَا يُلْزَمُونَ الْآنَ الْكُسُورَ وَالْمُؤَنَ : فَقَالَ الْمُهْتَدِي مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أُلْزِمَ النَّاسَ ظُلْمًا تَقَدَّمَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ تَأَخَّرَ ، أَسْقِطُوهُ عَنْ النَّاسِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدٍ إنْ أَسْقَطَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا ذَهَبَ مِنْ أَمْوَالِ السُّلْطَانِ فِي السَّنَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ الْمُهْتَدِي عَلَيَّ أَنْ أُقَرِّرَ حَقًّا وَأُزِيلَ ظُلْمًا وَإِنْ أَجْحَفَ بَيْتُ الْمَالِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : كُتَّابُ الدَّوَاوِينِ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثُبُوتِ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا يَسْتَوْفُونَهُ لَهُ وَيُوفُونَهُ مِنْهُ أَعَادَهُ ؛ فَيَتَصَفَّحُ أَحْوَالَ مَا وُكِلَ إلَيْهِمْ ، فَإِنْ عَدَلُوا بِحَقِّ مَنْ دَخَلَ أَوْ خَرَجَ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ إلَى قَوَانِينِهِ وَقَابَلَ عَلَى تَجَاوُزِهِ .\r( حُكِيَ ) أَنَّ الْمَنْصُورَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلَغَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كُتَّابِ دَوَاوِينِهِ زَوَّرُوا فِيهِ وَغَيَّرُوا فَأَمَرَ","part":1,"page":140},{"id":140,"text":"بِإِحْضَارِهِمْ وَتَقَدَّمَ تَأْدِيبُهُمْ ، فَقَالَ حَدَثَ مِنْهُمْ وَهُوَ يَضْرِبُ .\r( مِنْ الْوَافِرِ ) : أَطَالَ اللَّهُ عُمُرَكَ فِي صَلَاحٍ وَعِزٍّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَا بِعَفْوِكَ نَسْتَجِيرُ فَإِنْ تُجِزْنَا فَإِنَّكَ عِصْمَةٌ لِلْعَالَمِينَا وَنَحْنُ الْكَاتِبُونَ وَقَدْ أَسَأْنَا فَهَبْنَا لِلْكِرَامِ الْكَاتِبِينَا فَأَمَرَ بِتَخْلِيَتِهِمْ وَوَصَلَ الْفَتَى وَأَحْسَنَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ وَبَانَتْ فِيهِ النَّجَابَةُ ؛ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَا يَحْتَاجُ وَالِي الْمَظَالِمِ تَصَفُّحَهَا إلَى مُتَظَلِّمٍ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : تَظَلُّمُ الْمُسْتَرْزِقَةِ مِنْ نَقْصِ أَرْزَاقِهِمْ أَوْ تَأَخُّرِهَا عَنْهُمْ وَإِجْحَافِ النَّظَرِ بِهِمْ فَيَرْجِعُ إلَى دِيوَانِهِ فِي فَرْضِ الْعَطَاءِ الْعَادِلِ فَيُجْرِيهِمْ عَلَيْهِ وَيَنْظُرُ فِيمَا نَقَصُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ مِنْ قَبْلُ ، فَإِنْ أَخَذَهُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ قَضَاهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rكَتَبَ بَعْضُ وُلَاةِ الْأَجْنَادِ إلَى الْمَأْمُونِ أَنَّ الْجُنْدَ شَعَّبُوا وَنَهَبُوا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ لَوْ عَدَلْتَ لَمْ يُشَعِّبُوا ، وَلَوْ وَفَّيْتَ لَمْ يَنْهَبُوا ، وَعَزَلَهُ عَنْهُمْ وَأَدَرَّ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَهُمْ .\rوَالْقِسْمُ الْخَامِسُ : رَدُّ الْغُصُوبِ ، وَهِيَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا غُصُوبٌ سُلْطَانِيَّةٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وُلَاةُ الْجَوْرِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَقْبُوضَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا ، إمَّا لِرَغْبَةٍ فِيهَا ، وَإِمَّا لِتَعَدٍّ عَلَى أَهْلِهَا ، فَهَذَا إنْ عَلِمَ بِهِ وَالِي الْمَظَالِمِ عِنْدَ تَصَفُّحِ الْأُمُورِ أَمَرَ بِرَدِّهِ قَبْلَ التَّظَلُّمِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ عِنْدَ تَظَلُّمِهِمْ إلَى دِيوَانِ السَّلْطَنَةِ فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ ذِكْرَ قَبْضِهَا عَلَى مَالِكِهَا عَمِلَ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِرَدِّهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ وَكَانَ مَا وَجَدَهُ فِي الدِّيوَانِ كَافِيًا .\rكَمَا حُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إلَى","part":1,"page":141},{"id":141,"text":"الصَّلَاةِ فَصَادَفَهُ رَجُلٌ وَرَدَ مِنْ الْيَمَنِ مُتَظَلِّمًا فَقَالَ .\r( مِنْ الْبَسِيطِ ) : تَدْعُونَ حَيْرَانَ مَظْلُومًا بِبَابِكُمْ فَقَدْ أَتَاكَ بَعِيدُ الدَّارِ مَظْلُومُ فَقَالَ مَا ظُلَامَتُكَ ؟ فَقَالَ غَصَبَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ضَيْعَتِي ، فَقَالَ يَا مُرَاجِمُ ائْتِنِي بِدَفْتَرِ الصَّوَافِي فَوَجَدَ فِيهِ أَصْفَى عَبْدُ اللَّهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ضَيْعَةَ فُلَانٍ ، فَقَالَ أَخْرِجْهَا مِنْ الدَّفْتَرِ وَلْيَكْتُبْ بِرَدِّ ضَيْعَتِهِ إلَيْهِ وَيُطْلِقْ لَهُ ضِعْفَ نَفَقَتِهِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : مِنْ الْغُصُوبِ مَا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا ذَوُو الْأَيْدِي الْقَوِيَّةِ وَتَصَرَّفُوا فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ وَلَا يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِ غَاصِبِهِ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ ، إمَّا بِاعْتِرَافِ الْغَاصِبِ وَإِقْرَارِهِ ، إمَّا بِعِلْمِ وَالِي الْمَظَالِمِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْغَاصِبِ بِغَصْبِهِ أَوْ تَشْهَدُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمِلْكِهِ ، وَإِمَّا بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ الَّذِي يَنْفِي عَنْهَا التَّوَاطُؤَ ، وَلَا يَخْتَلِجُ فِيهَا الشُّكُوكُ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا فِي الْأَمْلَاكِ بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ كَانَ حُكْمُ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ بِذَلِكَ أَحَقَّ .\rوَالْقِسْمُ السَّادِسُ : مُشَارَفَةُ الْوُقُوفِ وَهِيَ ضَرْبَانِ : عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ ، فَأَمَّا الْعَامَّةُ فَيَبْدَأُ بِتَصَفُّحِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَظَلِّمٌ لِيُجْرِيَهَا عَلَى سَبِيلِهَا وَيُمْضِيَهَا عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِهَا إذَا عَرَفَهَا مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : إمَّا مِنْ دَوَاوِينِ الْحُكَّامِ الْمَنْدُوبِينَ لِحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ ، وَإِمَّا مِنْ دَوَاوِينِ السَّلْطَنَةِ عَلَى مَا جَرَى فِيهَا مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ ثَبَتَ لَهَا مِنْ ذِكْرٍ وَتَسْمِيَةٍ ، وَإِمَّا مِنْ كُتُبٍ فِيهَا قَدِيمَةٍ تَقَعُ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ بِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ الْخَصْمُ فِيهَا فَكَانَ الْحُكْمُ أَوْسَعَ مِنْهُ فِي الْوُقُوفِ","part":1,"page":142},{"id":142,"text":"الْخَاصَّةِ .\rوَأَمَّا الْوُقُوفُ الْخَاصَّةُ فَإِنَّ نَظَرَهُ فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَهْلِهَا عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيهَا لِوَقْفِهَا عَلَى خُصُومٍ مُتَعَيِّنِينَ فَيَعْمَلُ عِنْدَ التَّشَاجُرِ فِيهَا عَلَى مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دِيوَانِ السَّلْطَنَةِ وَلَا إلَى مَا يَثْبُتُ مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ بِهَا شُهُودٌ مُعَدَّلُونَ .\rوَالْقِسْمُ السَّابِعُ : تَنْفِيذُ مَا وَقَفَ الْقُضَاةُ مِنْ أَحْكَامِهَا لِضَعْفِهِمْ عَنْ إنْفَاذِهَا وَعَجْزِهِمْ عَنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِتَعَزُّزِهِ وَقُوَّةِ يَدِهِ أَوْ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَعِظَمِ خَطَرِهِ ، فَيَكُونُ نَاظِرُ الْمَظَالِمِ أَقْوَى يَدًا وَأَنْفَذَ أَمْرًا فَيُنَفِّذُ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ بِانْتِزَاعِ مَا فِي يَدِهِ أَوْ بِإِلْزَامِهِ الْخُرُوجَ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّامِنُ : النَّظَرُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ النَّاظِرُونَ مِنْ الْحِسْبَةِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، كَالْمُجَاهَرَةِ بِمُنْكَرٍ ضَعُفَ عَنْ دَفْعِهِ وَالتَّعَدِّي فِي طَرِيقٍ عَجَزَ عَنْ مَنْعِهِ وَالتَّحَيُّفِ فِي حَقٍّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ فَيَأْخُذُهُمْ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِهِ وَيَأْمُرُ بِحَمْلِهِمْ عَلَى مُوجَبِهِ .\rوَالْقِسْمُ التَّاسِعُ : مُرَاعَاةُ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ مِنْ تَقْصِيرٍ فِيهَا وَإِخْلَالٍ بِشُرُوطِهَا فَإِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَوْلَى أَنْ تُسْتَوْفَى وَفُرُوضَهُ أَحَقُّ أَنْ تُؤَدَّى .\rوَالْقِسْمُ الْعَاشِرُ : النَّظَرُ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَالْحُكْمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فَلَا يَخْرُجُ فِي النَّظَرِ بَيْنَهُمْ عَنْ مُوجَبِ الْحَقِّ وَمُقْتَضَاهُ ، وَلَا يَسُوغُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إلَّا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْحُكَّامُ وَالْقُضَاةُ وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ حُكْمُ الْمَظَالِمِ عَلَى النَّاظِرِينَ فِيهَا فَيَجُورُونَ فِي أَحْكَامِهَا وَيَخْرُجُونَ إلَى الْحَدِّ الَّذِي لَا يَسُوغُ فِيهَا","part":1,"page":143},{"id":143,"text":"وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَظَرِ الْمَظَالِمِ وَنَظَرِ الْقُضَاةِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ مِنْ فَضْلِ الْهَيْبَةِ وَقُوَّةِ الْيَدِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ فِي كَفِّ الْخُصُومِ عَنْ التَّجَاحُدِ وَمَنْعِ الظَّلَمَةِ مِنْ التَّغَالُبِ وَالتَّجَاذُبِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ يَخْرُجُ مِنْ ضِيقِ الْوُجُوبِ إلَى سِعَةِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ النَّاظِرُ فِيهِ أَفْسَحَ مَجَالًا وَأَوْسَعَ مَقَالًا .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ مِنْ فَضْلِ الْإِرْهَابِ وَكَشْفِ الْأَسْبَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ اللَّائِحَةِ مَا يُضَيِّقُ عَلَى الْحُكَّامِ فَيَصِلُ بِهِ إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الْمُبْطِلِ مِنْ الْمُحِقِّ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يُقَابِلَ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ وَيَأْخُذَ مَنْ بَانَ عِدْوَانُهُ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ .\rوَالْخَامِسُ : أَنَّ لَهُ مِنْ التَّأَنِّي فِي تَرْدَادِ الْخُصُومِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ أُمُورِهِمْ وَاسْتِبْهَامِ حُقُوقِهِمْ ، لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَسْبَابِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ لِلْحُكَّامِ إذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَصْلَ الْحُكْمِ فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الْحَاكِمُ وَيَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَالِي الْمَظَالِمِ .\rوَالسَّادِسُ : أَنَّ لَهُ رَدَّ الْخُصُومِ إذَا أَعَضَلُوا وَسَاطَةَ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا التَّنَازُعَ بَيْنَهُمْ صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَضِيَ الْخَصْمَيْنِ بِالرَّدِّ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ يُفْسِحَ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ وَيَأْذَنَ فِي إلْزَامِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ التَّكَفُّلُ لِيَنْقَادَ الْخُصُومُ إلَى التَّنَاصُفِ وَيَعْدِلُوا عَنْ التَّجَاحُدِ وَالتَّكَاذُبِ .\rوَالثَّامِنُ : أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ مَا يَخْرُجُ عَنْ عُرْفِ الْقُضَاةِ فِي شَهَادَةِ الْمُعَدَّلِينَ .\rوَالتَّاسِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إحْلَافُ الشُّهُودِ عِنْدَ ارْتِيَابِهِ بِهِمْ إذَا بَدَّلُوا أَيْمَانَهُمْ طَوْعًا وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ عَدَدِهِمْ لِيَزُولَ عَنْهُ الشَّكُّ وَيَنْفِيَ عَنْهُ","part":1,"page":144},{"id":144,"text":"الِارْتِيَابَ ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ .\rوَالْعَاشِرُ : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ وَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ فِي تَنَازُعِ الْخُصُومِ ، وَعَادَةُ الْقُضَاةِ تَكْلِيفُ الْمُدَّعِي إحْضَارَ بَيِّنَةٍ وَلَا يَسْمَعُونَهَا إلَّا بَعْدَ مَسْأَلَتِهِ ؛ فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ نَظَرِ الْمَظَالِمِ وَنَظَرِ الْقَضَاءِ فِي التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ وَهُمَا فِيمَا عَدَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ ، وَسَنُوَضِّحُ مِنْ تَفْصِيلِهِمَا مَا نُبَيِّنُ بِهِ إطْلَاقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْفُرُوقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":1,"page":145},{"id":145,"text":"( فَصْلٌ ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الدَّعْوَى عِنْدَ التَّرَافُعِ فِيهَا إلَى وَالِي الْمَظَالِمِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : إمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يُقَوِّيهَا أَوْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يُضْعِفُهَا أَوْ تَخْلُوَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ .\rفَإِنْ اُقْتُرِنَ بِهَا مَا يُقَوِّيهَا .\rفَلِمَا اُقْتُرِنَ بِهَا مِنْ الْقُوَّةِ سِتَّةُ أَحْوَالٍ تَخْتَلِفُ بِهَا قُوَّةُ الدَّعْوَى عَلَى التَّدْرِيجِ .\rفَأَوَّلُ أَحْوَالِهَا : أَنْ يَظْهَرَ مَعَهَا كِتَابٌ فِيهِ شُهُودٌ مُعَدَّلُونَ حُضُورٌ ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا يَبْتَدِئُ النَّاظِرُ فِيهَا بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ لِلشَّهَادَةِ .\rوَالثَّانِي : الْإِنْكَارُ عَلَى الْجَاحِدِ بِحَسَبِ حَالِهِ وَشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِ ، فَإِذَا أُحْضِرَ الشُّهُودُ ، فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ فِي الْمَظَالِمِ مِمَّنْ يُجَلُّ قَدْرُهُ كَالْخَلِيفَةِ أَوْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَوْ أَمِيرِ إقْلِيمٍ رَاعَى مِنْ أَحْوَالِ الْمُتَنَازِعِينَ مَا تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ مِنْ مُبَاشَرَةِ النَّاظِرِ بَيْنَهُمَا إنْ جَلَّ قَدْرُهُمَا أَوْ رَدَّ ذَلِكَ إلَى قَاضِيهِ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ إنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ أَوْ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ إنْ كَانَا خَامِلَيْنِ .\rحُكِيَ أَنَّ الْمَأْمُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْمَظَالِمِ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ فَنَهَضَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ مَجْلِسٍ نَظَرَهُ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ فَقَالَتْ .\r( مِنْ الْبَسِيطِ ) : يَا خَيْرَ مُنْتَصِفٍ يُهْدَى لَهُ الرَّشَدُ وَيَا إمَامًا بِهِ قَدْ أَشْرَقَ الْبَلَدُ تَشْكُو إلَيْكَ عَمِيدَ الْمُلْكِ أَرَمَلَةٌ عَدَا عَلَيْهَا فَمَا تَقْوَى بِهِ أَسَدُ فَابْتَزَّ مِنْهَا ضِيَاعًا بَعْدَ مَنْعَتِهَا لَمَّا تَفَرَّقَ عَنْهَا الْأَهْلُ وَالْوَلَدُ فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ يَسِيرًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : مِنْ دُونِ مَا قُلْتِ عِيلَ الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ وَأَقْرَحَ الْقَلْبَ هَذَا الْحُزْنُ وَالْكَمَدُ هَذَا أَوَانُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَانْصَرِفِي وَأَحْضِرِي الْخَصْمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَعِدُ الْمَجْلِسُ السَّبْتُ إنْ يُقْضَ الْجُلُوسُ لَنَا","part":1,"page":146},{"id":146,"text":"أُنْصِفْكِ مِنْهُ وَإِلَّا الْمَجْلِسُ الْأَحَدُ فَانْصَرَفَتْ وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْأَحَدِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ ، فَقَالَ لَهَا الْمَأْمُونُ مَنْ خَصْمُكِ ؟ فَقَالَتْ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِكَ الْعَبَّاسُ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِقَاضِيهِ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَقِيلَ لِوَزِيرِهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ أَجْلِسْهَا مَعَهُ وَانْظُرْ بَيْنَهُمَا ، فَأَجْلَسَهَا مَعَهُ وَنَظَرَ بَيْنَهُمَا بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ وَجَعَلَ كَلَامُهَا يَعْلُو ، فَزَجَرَهَا بَعْضُ حُجَّابِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ دَعْهَا فَإِنَّ الْحَقَّ أَنْطَقَهَا وَالْبَاطِلَ أَخْرَسَهُ ، وَأَمَرَ بِرَدِّ ضِيَاعِهَا عَلَيْهَا .\rفَفَعَلَ الْمَأْمُونُ فِي النَّظَرِ بَيْنَهُمَا حَيْثُ كَانَ بِمَشْهَدِهِ ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ بِنَفْسِهِ لِمَا اقْتَضَتْهُ السِّيَاسَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ حُكْمَهُ رُبَّمَا تَوَجَّهَ لِوَلَدِهِ وَرُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِوَلَدِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْخَصْمَ امْرَأَةٌ يَجِلُّ الْمَأْمُونُ عَنْ مُحَاوَرَتِهَا وَابْنُهُ مِنْ جَلَالَةِ الْقَدْرِ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلَى إلْزَامِهِ الْحَقَّ فَرَدَّ النَّظَرَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ إلَى مَنْ كَفَاهُ مُحَاوَرَةَ الْمَرْأَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّعْوَى وَاسْتِيضَاحِ الْحُجَّةِ ، وَبَاشَرَ الْمَأْمُونُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ وَإِلْزَامَ الْحَقِّ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا كِتَابٌ فِيهِ مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ ، فَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا إرْهَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَرُبَّمَا تُعَجِّلُ مِنْ إقْرَارِهِ بِقُوَّةِ الْهَيْبَةِ مَا يُغْنِي عَنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ .\rوَالثَّانِي : التَّقَدُّمُ بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ إذَا عَرَفَ مَكَانَهُمْ وَلَمْ يُدْخِلْ الضَّرَرَ الشَّاقَّ عَلَيْهِمْ .\rوَالثَّالِثُ : الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَيُجْهِدُ رَأْيَهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْحَالِ مِنْ","part":1,"page":147},{"id":147,"text":"قُوَّةِ الْإِمَارَةِ وَدَلَائِلِ الصِّحَّةِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَنْظُرَ فِي الدَّعْوَى ، فَإِنْ كَانَتْ مَالًا فِي الذِّمَّةِ كَلَّفَهُ إقَامَةَ كَفِيلٍ ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا قَائِمًا كَالْعَقَارِ حَجَرَ عَلَيْهَا فِيهَا حَجْرًا لَا يُرْفَعُ بِهِ حُكْمُ يَدِهِ وَرَدَّ اسْتِغْلَالَهَا إلَى أَمِينٍ يَحْفَظُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْهُمَا فَإِنْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ وَوَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْ حُضُورِ الشُّهُودِ جَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دُخُولِ يَدِهِ مَعَ تَجْدِيدِ إرْهَابِهِ ، فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرَى فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ سُؤَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ سَبَبِ دُخُولِ يَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَلِلنَّاظِرِ فِي الْمَظَالِمِ اسْتِعْمَالُ الْجَائِزِ وَلَا يَلْزَمُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبِ ، فَإِنْ أَجَابَ بِمَا يَقْطَعُ التَّنَازُعَ أَمْضَاهُ وَإِلَّا فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابِ الْمُقْتَرِنِ بِهَا شُهُودٌ حُضُورٌ لَكِنَّهُمْ غَيْرُ مُعَدَّلِينَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّاظِرُ فِيهَا بِإِحْضَارِهِمْ وَسَبْرِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ يَجِدُهُمْ عَلَى أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَأَهْلِ الصِّيَانَاتِ فَالثِّقَةُ بِشَهَادَاتِهِمْ أَقْوَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَرْذَالًا فَلَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ لَكِنْ يُقَوَّى بِهِمْ إرْهَابُ الْخَصْمِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَوْسَاطًا فَيَجُوزُ لَهُ بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِإِحْلَافِهِمْ إنْ رَأَى قَبْلَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا .\rثُمَّ هُوَ فِي سَمَاعِ شَهَادَةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : أَحَدُهَا إمَّا أَنْ يَسْمَعَهَا بِنَفْسِهِ فَيَحْكُمُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ إلَى الْقَاضِي سَمَاعَهَا لِيُؤَدِّيَهَا الْقَاضِي إلَيْهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُ","part":1,"page":148},{"id":148,"text":"وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ سَمَاعَهَا إلَى الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ فَإِنْ رَدَّ إلَيْهِمْ نَقْلَ شَهَادَتِهِمْ إلَيْهِ لَمْ يُلْزِمْهُمْ اسْتِكْشَافَ أَحْوَالِهِمْ وَإِنْ رَدَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ بِمَا يَصِحُّ مِنْ شَهَادَتِهِمْ لَزِمَهُمْ الْكَشْفُ عَمَّا يَقْتَضِي قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ لِيَشْهَدُوا بِهَا بَعْدَ الْعِلْمِ لِصِحَّتِهَا لِيَكُونَ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ بِحَسَبِهَا .\rوَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابِ الْمُقْتَرِنِ بِهَا شَهَادَةُ شُهُودٍ مَوْتَى مُعَدَّلِينَ وَالْكِتَابُ مَوْثُوقٌ بِصِحَّتِهِ ، فَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا إرْهَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يَضْطَرُّهُ إلَى الصِّدْقِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ .\rوَالثَّانِي : سُؤَالُهُ عَنْ دُخُولِ يَدِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَوَابِهِ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْحَقُّ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْحَالِ مِنْ جِيرَانِ الْمِلْكِ وَمِنْ جِيرَانِ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى وُضُوحِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ رَدَّهَا إلَى وَسَاطَةِ مُحْتَشَمٍ مُطَاعٍ لَهُ بِهِمَا مَعْرِفَةً وَبِمَا تَنَازَعَاهُ خِبْرَةً لِيَضْطَرَّهُمَا بِكَثْرَةِ التَّرْدَادِ وَطُولِ الْمَدَى إلَى التَّصَادُقِ وَالتَّصَالُحِ ، فَإِنْ أَفْضَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا إلَى أَحَدِهِمَا وَإِلَّا بَتَّ الْحُكْمَ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْقَضَاءِ .\rوَالْحَالَةُ الْخَامِسَةُ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُدَّعِي خَطُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى فَنَظَرُ الْمَظَالِمِ فِيهِ يَقْتَضِي سُؤَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْخَطِّ ؛ وَأَنْ يُقَالَ لَهُ أَهَذَا خَطُّكَ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ يُسْأَلُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ عَنْ صِحَّةِ مَا تَضَمَّنَهُ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ صَارَ مُقِرًّا وَأُلْزِمَ حُكْمَ إقْرَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ فَمِنْ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَوَاهِدِ الْحُقُوقِ","part":1,"page":149},{"id":149,"text":"اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُوهُمْ وَمَا يَرَاهُ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ مِنْهُمْ أَنْ يَحْكُمَ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ حَتَّى يَعْتَرِفَ بِصِحَّةِ مَا فِيهِ ، لِأَنَّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ لَا يُبِيحُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ وَنَظَرُ الْمَظَالِمِ فِيهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا يَذْكُرُهُ مِنْ خَطِّهِ ، فَإِنْ قَالَ كَتَبْتُهُ لِيُقْرِضَنِي وَمَا أَقْرَضَنِي أَوْ لِيَدْفَعَ إلَيَّ ثَمَنَ مَا بِعْتُهُ وَمَا دَفَعَ فَهَذَا مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَحْيَانًا ، وَنَظَرُ الْمَظَالِمِ فِي مِثْلِهِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ مِنْ الْإِرْهَابِ بِحَسَبِ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْحَالُ وَتَقْوَى بِهِ الْأَمَارَةُ ثُمَّ يُرَدُّ إلَى الْوَسَاطَةِ ، فَإِنْ أَفْضَتْ إلَى الصُّلْحِ وَإِلَّا بَتَّ الْقَاضِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا بِالتَّحَالُفِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْخَطَّ فَمِنْ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ مَنْ يَخْتَبِرُ الْخَطَّ بِخُطُوطِهِ الَّتِي كَتَبَهَا وَيُكَلِّفُهُ مِنْ كَثْرَةِ الْكِتَابَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ التَّصَنُّعِ فِيهَا ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ فَإِذَا تَشَابَهَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ اعْتِرَافَهُ الْخَطَّ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لِإِرْهَابِهِ وَتَكُونُ الشُّبْهَةُ مَعَ إنْكَارِهِ لِلْخَطِّ أَضْعَفَ مِنْهَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِهِ وَتُرْفَعُ الشُّبْهَةُ إنْ كَانَ الْخَطُّ مُنَافِيًا لِخَطِّهِ وَيَعُودُ الْإِرْهَابُ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ يُرَدَّانِ إلَى الْوَسَاطَةِ ، فَإِنْ أَفْضَتْ الْحَالُ إلَى الصُّلْحِ وَإِلَّا بَتَّ الْقَاضِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا بِالْأَيْمَانِ .\rوَالْحَالَةُ السَّادِسَةُ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى إظْهَارُ الْحِسَابِ بِمَا تَضَمَّنَتْ الدَّعْوَى وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمُعَامَلَاتِ ، وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحِسَابِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ حِسَابَ الْمُدَّعِي أَوْ حِسَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ حِسَابَ الْمُدَّعِي فَالشُّبْهَةُ فِيهِ أَضْعَفُ ، وَنَظَرُ الْمَظَالِمِ يَرْجِعُ فِي مِثْلِهِ إلَى مُرَاعَاةِ نَظْمِ","part":1,"page":150},{"id":150,"text":"الْحِسَابِ ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلًّا يُحْتَمَلُ فِيهِ الْإِدْغَالُ كَانَ مُطْرَحًا وَهُوَ بِضَعْفِ الدَّعْوَى أَشْبَهُ مِنْهُ بِقُوَّتِهَا ، وَإِنْ كَانَ نَظْمُهُ مُتَّسِقًا وَنَقْلُهُ صَحِيحًا فَالثِّقَةُ بِهِ أَقْوَى فَيَقْتَضِي مِنْ الْإِرْهَابِ بِحَسَبِ شَوَاهِدِهِ ثُمَّ يُرَدَّانِ إلَى الْوَسَاطَةِ ثُمَّ إلَى الْحُكْمِ الْبَاتِّ .\rوَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَتْ الدَّعْوَى بِهِ أَقْوَى ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى خَطِّهِ أَوْ خَطِّ كَاتِبِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْسُوبًا إلَى خَطِّهِ فَلِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ فِيهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَهَذَا خَطُّكَ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ قِيلَ أَتَعْلَمُ مَا هُوَ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَعْرِفَتِهِ قِيلَ أَتَعْلَمُ صِحَّتَهُ ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِصِحَّتِهِ صَارَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُقِرًّا بِمَضْمُونِ الْحِسَابِ فَيُؤْخَذُ بِمَا فِيهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ فَمَنْ حَكَمَ بِالْخَطِّ مِنْ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ حِسَابِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ وَجَعَلَ الثِّقَةَ بِهَذَا أَقْوَى مِنْ الثِّقَةِ بِالْخَطِّ الْمُرْسَلِ ، لِأَنَّ الْحِسَابَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَبْضُ مَا لَمْ يُقْبَضْ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْحِسَابِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّةِ مَا فِيهِ ، وَلَكِنْ يَقْتَضِي مِنْ فَضْلِ الْإِرْهَابِ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا اقْتَضَاهُ الْخَطُّ الْمُرْسَلُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْعُرْفِ ، ثُمَّ يُرَدَّانِ بَعْدَهُ إلَى الْوَسَاطَةِ ، ثُمَّ إلَى بَتِّ الْقَضَاءِ .\rوَإِنْ كَانَ الْخَطُّ مَنْسُوبًا إلَى كَاتِبِهِ سُئِلَ عَنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِ كَاتِبِهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمَا فِيهِ أُخِذَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ يُسْأَلْ عَنْهُ كَاتِبُهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ ضَعُفَتْ الشُّبْهَةُ بِإِنْكَارِهِ وَأُرْهِبَ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا وَلَمْ يُرْهَبْ إنْ كَانَ مَأْمُونًا ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ وَبِصِحَّتِهِ صَارَ شَاهِدًا بِهِ عَلَى","part":1,"page":151},{"id":151,"text":"الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا ، وَيَقْضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إمَّا مَذْهَبًا وَإِمَّا سِيَاسَةً تَقْتَضِيهَا شَوَاهِدُ الْحَالِ ، فَإِنَّ لِشَوَاهِدِ الْحَالِ فِي الْمَظَالِمِ تَأْثِيرًا فِي اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ ؛ وَلِكُلِّ حَالٍ مِنْهَا فِي الْإِرْهَابِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ تَمْيِيزًا بَيْنَ الْأَحْوَالِ بِمُقْتَضَى شَوَاهِدِهَا .","part":1,"page":152},{"id":152,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا إنْ اقْتَرَنَ بِالدَّعْوَى مَا يُضْعِفُهَا ، فَلِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الضَّعْفِ سِتَّةُ أَحْوَالٍ تُنَافِي أَحْوَالَ الْقُوَّةِ ، فَيَنْتَقِلُ الْإِرْهَابُ بِهَا مِنْ جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعِي .\rفَالْحَالَةُ الْأُولَى : أَنْ يُقَابِلَ الدَّعْوَى بِكِتَابٍ شُهُودُهُ حُضُورٌ مُعَدَّلُونَ يَشْهَدُونَ بِمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّعْوَى وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِبَيْعِ مَا ادَّعَاهُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِ أَبِيهِ الَّذِي ذَكَرَ انْتِقَالَ الْمِلْكِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَشْهَدُوا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ فَبَطَلَ دَعْوَاهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيَقْتَضِي نَظَرُ تَأْدِيبِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالِابْتِيَاعِ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ رَهَبٍ وَإِلْجَاءٍ ، وَهَذَا قَدْ يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَحْيَانًا فَيُنْظَرُ فِي كِتَابِ الِابْتِيَاعِ ، فَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ رَهَبٍ وَلَا إلْجَاءٍ ضَعُفَتْ شُبْهَةُ هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيهِ قَوِيَتْ شُبْهَةُ الدَّعْوَى ، وَكَانَ الْإِرْهَابُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِمُقْتَضَى شَوَاهِدِ الْحَالَيْنِ وَرَجَعَ إلَى الْكَشْفِ بِالْمُجَاوِرِينَ وَالْخُلَطَاءِ ، فَإِنْ بَانَ مَا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ عَمِلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ كَانَ إمْضَاءُ الْحُكْمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الِابْتِيَاعِ أَحَقَّ فَإِنْ سَأَلَ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ ابْتِيَاعَهُ كَانَ حَقًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الرَّهَبِ وَالْإِلْجَاءِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إحْلَافِهِ لِاخْتِلَافِ مَا ادَّعَاهُ ؛ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى جَوَازِ إحْلَافِهِ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ وَإِمْكَانِهِ ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ إحْلَافِهِ ، لِأَنَّ مُتَقَدِّمَ","part":1,"page":153},{"id":153,"text":"إقْرَارِهِ مُكَذِّبٌ لِمُتَأَخِّرِ دَعْوَاهُ .\rوَلِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ الْقَوَانِينِ بِمَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْحَالَيْنِ ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَأَظْهَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كِتَابَ بَرَاءَةٍ مِنْهُ فَذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ وَلَمْ يَقْبِضْ كَانَ إحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْكِتَابِ الْمُقَابِلِ لِلدَّعْوَى عُدُولًا غَائِبِينَ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَضَمَّنَ إنْكَارُهُ اعْتِرَافًا بِالسَّبَبِ كَقَوْلِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الضَّيْعَةِ لِأَنَّنِي ابْتَعْتُهَا مِنْهُ وَدَفَعْتُ ثَمَنَهَا إلَيْهِ وَهَذَا كِتَابُ عَهْدِي بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْمُدَّعِي مُدَّعِيًا بِكِتَابٍ قَدْ غَابَ شُهُودُهُ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى وَلَهُ زِيَادَةُ يَدٍ وَتَصَرُّفٍ فَتَكُونُ الْأَمَارَةُ أَقْوَى وَشَاهِدُ الْحَالِ أَظْهَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْمِلْكُ فَيُرْهِبُهُمَا بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ أَحْوَالِهِمَا وَيَأْمُرُ بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ إنْ أَمْكَنَ وَيَضْرِبُ لِحُضُورِهِمْ أَجَلًا يَرُدُّهُمَا فِيهِ إلَى الْوَسَاطَةِ ، فَإِنْ أَفْضَتْ إلَى صُلْحٍ عَنْ تَرَاضٍ اسْتَقَرَّ بِهِ الْحُكْمُ وَعَدَلَ عَنْ اسْتِمَاعِ الشَّهَادَةِ إذَا حَضَرَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْبَرِمْ مَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا أَمْعَنَ فِي الْكَشْفِ عَنْ جِيرَانِهِمَا وَجِيرَانِ الْمِلْكِ وَكَانَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ رَأْيُهُ فِي زَمَانِ الْكَشْفِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ : مِنْهَا مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ بِحَسَبِ الْأَمَارَاتِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ .\rإمَّا أَنْ يَرَى انْتِزَاعَ الضَّيْعَةِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَسْلِيمَهَا إلَى الْمُدَّعِي إلَى أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْبَيْعِ ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى أَمِينٍ تَكُونُ فِي يَدِهِ وَيَحْفَظُ اسْتِغْلَالَهَا عَلَى مُسْتَحَقِّهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُقِرَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَحْجُرَ عَلَيْهِ فِيهَا وَيُنَصِّبَ أَمِينًا يَحْفَظُ اسْتِغْلَالَهَا وَيَكُونُ","part":1,"page":154},{"id":154,"text":"حَالُهُمَا عَلَى مَا يَرَاهُ وَالِي الْمَظَالِمِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ مَا كَانَ رَاجِيًا أَحَدَ أَمْرَيْنِ : مِنْ ظُهُورِ الْحَقِّ بِالْكَشْفِ ، أَوْ حُضُورِ الشُّهُودِ لِلْأَدَاءِ ، فَإِنْ وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْهُمْ بَتَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا ، فَلَوْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إحْلَافَ الْمُدَّعِي أَحَلَفَهُ لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَتًّا لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمَا .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ إنْكَارُهُ اعْتِرَافًا بِالسَّبَبِ وَيَقُولُ هَذِهِ الضَّيْعَةُ لِي لَا حَقَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي فِيهَا وَتَكُونُ شَهَادَةُ الْكِتَابِ عَلَى الْمُدَّعِي عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا ، وَإِمَّا عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالضَّيْعَةُ مُقَرَّةٌ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ ، فَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِيهَا وَحِفْظُ اسْتِغْلَالِهَا مُدَّةَ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ فَمُعْتَبَرٌ بِشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِمَا وَاجْتِهَادِ وَالِي الْمَظَالِمِ فِيمَا يَرَاهُ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا .\rوَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ شُهُودَ الْكِتَابِ الْمُقَابِلِ لِهَذِهِ الدَّعْوَى حُضُورٌ غَيْرُ مُعَدَّلِينَ فَيُرَاعِي وَالِي الْمَظَالِمِ فِيهِمْ مَا قَدَّمْنَا فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي مِنْ أَحْوَالِهِمْ الثَّلَاثِ ، وَيُرَاعَى حَالُ إنْكَارِهِ هَلْ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافًا بِالسَّبَبِ أَمْ لَا ، فَيَعْمَلُ وَالِي الْمَظَالِمِ فِي ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ تَعْوِيلًا عَلَى اجْتِهَادِهِ بِرَأْيِهِ فِي شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ .\rوَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْكِتَابِ مَوْتَى مُعَدَّلِينَ فَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ إلَّا فِي الْإِرْهَابِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي يَقْتَضِي فَضْلَ الْكَشْفِ ثُمَّ فِي بَتِّ الْحُكْمِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِنْكَارُ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِالسَّبَبِ أَمْ لَا .\rوَالْحَالَةُ الْخَامِسَةُ : أَنْ يُقَابِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخَطِّ الْمُدَّعِي بِمَا يُوجِبُ إكْذَابَهُ فِي الدَّعْوَى فَيَعْمَلُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْخَطِّ وَيَكُونُ الْإِرْهَابُ مُعْتَبَرًا بِشَاهِدِ","part":1,"page":155},{"id":155,"text":"الْحَالِ .\rوَالْحَالَةُ السَّادِسَةُ : أَنْ يَظْهَرَ فِي الدَّعْوَى حِسَابٌ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الدَّعْوَى فَيَعْمَلُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحِسَابِ وَيَكُونُ الْكَشْفُ وَالْإِرْهَابُ وَالْمُطَاوَلَةُ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ ثُمَّ يَبُتُّ الْحُكْمَ بَعْدَ الْإِيَاسِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ .\r.","part":1,"page":156},{"id":156,"text":"فَأَمَّا إنْ تَجَرَّدَتْ الدَّعْوَى عَنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا يُقَوِّيهَا وَلَا مَا يُضْعِفُهَا فَنَظَرُ الْمَظَالِمِ يَقْتَضِي مُرَاعَاةَ حَالِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي .\rوَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يَتَعَدَّلَا فِيهِ وَاَلَّذِي يُؤْثِرُهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ هُوَ إرْهَابُهُمَا وَتَغْلِيبُ الْكَشْفِ مِنْ جِهَتِهِمَا ، وَلَيْسَ لِفَصْلِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا تَأْثِيرٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ الظُّنُونُ الْغَالِبَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي وَكَانَتْ الرِّيبَةُ مُتَوَجِّهَةً إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَعَ خُلُوِّهِ مِنْ حُجَّةٍ يَظْهَرُ بِهَا مَضْعُوفَ الْيَدِ مُسْتَلَانَ الْجَنْبَةِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا بَأْسٍ وَقُدْرَةٍ ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ غَصْبَ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ غَلَبَ فِي الظَّنِّ أَنَّ مِثْلَهُ مَعَ لِينِهِ وَاسْتِضْعَافِهِ لَا يَتَجَوَّزُ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَنْ كَانَ ذَا بَأْسٍ وَذَا سَطْوَةٍ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَشْهُورًا بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ فَيَغْلِبُ فِي الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ تَتَسَاوَى أَحْوَالُهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ لِلْمُدَّعِي يَدٌ مُتَقَدِّمَةٌ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِدُخُولِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَبَبٌ حَادِثٌ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظَرُ الْمَظَالِمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : إرْهَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِتَوَجُّهِ الرِّيبَةِ .\rوَالثَّانِي : سُؤَالُهُ عَنْ سَبَبِ دُخُولِ يَدِهِ وَحُدُوثِ مِلْكِهِ فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرَى ذَلِكَ مَذْهَبًا فِي الْقَضَاءِ مَعَ الِارْتِيَابِ فَكَانَ نَظَرُ الْمَظَالِمِ بِذَلِكَ أَوْلَى وَرُبَّمَا أَلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ عُلُوِّ","part":1,"page":157},{"id":157,"text":"مَنْزِلَتِهِ عَنْ مُسَاوَاةِ خَصْمِهِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فَيَنْزِلُ عَمَّا فِي يَدِهِ لِخَصْمِهِ عَفْوًا ، كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ مُوسَى الْهَادِي .\rجَلَسَ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ وَعُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَلَهُ مَنْزِلٌ فَحَضَرَ رَجُلٌ فِي جُمْلَةِ الْمُتَظَلِّمِينَ يَدَّعِي أَنَّ عُمَارَةَ غَصَبَ ضَيْعَةً لَهُ فَأَمَرَهُ الْهَادِي بِالْجُلُوسِ مَعَهُ لِلْمُحَاكِمَةِ ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ كَانَتْ الضَّيْعَةُ لَهُ فَمَا أُعَارِضُهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لِي فَقَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ وَمَا أَبِيعُ مَوْضِعِي مِنْ مَجْلِسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ .\rوَرُبَّمَا تَلَطَّفَ وَالِي الْمَظَالِمِ فِي إيصَالِ الْمُتَظَلِّمِ إلَى حَقِّهِ بِمَا يَحْفَظُ مَعَهُ حِشْمَةَ الْمَطْلُوبِ أَوْ مُوَاضَعَةَ الْمَطْلُوبِ عَلَى مَا يَحْفَظُ بِهِ حِشْمَةَ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى تَخَيُّفٍ وَمَنْعٍ مِنْ حَقٍّ كَاَلَّذِي حَكَاهُ عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَهْلَ نَهْرِ الْمَرْغَابِ بِالْبَصْرَةِ خَاصَمُوا فِيهِ الْمَهْدِيُّ إلَى قَاضِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِمْ وَلَا الْهَادِي بَعْدَهُ ثُمَّ قَامَ الرَّشِيدُ فَتَظَلَّمُوا إلَيْهِ وَجَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى نَاظِرٌ فِي الْمَظَالِمِ فَلَمْ يَرُدَّهُ إلَيْهِمْ فَاشْتَرَاهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى مِنْ الرَّشِيدِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَوَهَبَهُ لَهُمْ وَقَالَ إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَعْلَمُوا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَحِقَهُ لَجَاجٌ فِيهِ وَأَنَّ عَبْدَهُ اشْتَرَاهُ فَوَهَبَهُ لَكُمْ فَقَالَ فِيهِ أَشْجَعُ السُّلَمِيُّ ( مِنْ الْكَامِلِ ) .\r: رَدَّ السِّبَاحَ بِذِي يَدَيْهِ وَأَهْلُهَا فِيهَا بِمَنْزِلَةِ السِّمَاكِ الْأَعْزَلِ قَدْ أَيْقَنُوا بِذَهَابِهَا وَهَلَاكِهِمْ وَالدَّهْرُ يَرْعَاهَا بِيَوْمٍ أَعْضَلِ فَافْتَكَّهَا لَهُمْ وَهُمْ مِنْ دَهْرِهِمْ بَيْنَ الْجِرَانِ وَبَيْنَ حَدِّ الْكَلْكَلِ مَا كَانَ يُرْجَى غَيْرُهُ لِفَكَاكِهَا إنَّ الْكَرِيمَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُعْضِلِ فَاحْتَمَلَ مَا فَعَلَهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ ابْتَدَأَهُ مِنْ نَفْسِهِ تَنْزِيهًا لِلرَّشِيدِ عَنْ التَّظَلُّمِ فِيهِ وَاحْتَمَلَ","part":1,"page":158},{"id":158,"text":"أَنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ وَاضَعَهُ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُنْسَبَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ إلَى جَوْرٍ فِي حَقٍّ وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَلِأَيِّهِمَا كَانَ فَقَدْ عَادَ بِهِ الْحَقُّ إلَى أَهْلِهِ مَعَ حِفْظِ الْحِشْمَةِ وَحَسْمِ الْبِذْلَةِ أَمَّا إنْ كَانَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَشْهُورًا بِالظُّلْمِ وَالْخِيَانَةِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَشْهُورًا بِالنَّصَفَةِ وَالْأَمَانَةِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي دَنِيئًا مُبْتَذَلًا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَزِهًا مَنْصُوبًا فَيَطْلُبُ إحْلَافَهُ قَصْدًا لِبِذْلَتِهِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ لِدُخُولِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَبَبٌ مَعْرُوفٌ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِدَعْوَى الْمُدَّعِي سَبَبٌ فَيَكُونُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالرِّيبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلَى الْمُدَّعِي ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا إلَّا بَعْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي مَالِ الذِّمَّةِ لَمْ يَسْمَعْهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعَامَلَةٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْقُضَاةِ .","part":1,"page":159},{"id":159,"text":"فَأَمَّا نَظَرُ الْمَظَالِمِ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْأَصْلَحِ فَعَلَى الْجَائِزِ دُونَ الْوَاجِبِ ، فَيَسُوغُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ ظُهُورِ الرِّيبَةِ وَقَصْدِ الْعِنَادِ ، وَيُبَالِغُ فِي الْكَشْفِ بِالْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ وَيَصُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا اتَّسَعَ فِي الْحُكْمِ ، فَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ عَلَى التَّحَالُفِ وَهُوَ غَايَةُ الْحُكْمِ الْبَاتِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ دَفْعُ طَالِبٍ عَنْهُ فِي نَظَرِ الْقَضَاءِ وَلَا فِي نَظَرِ الْمَظَالِمِ إذَا لَمْ يَكْفِهِ عَنْهُ الْإِرْهَابُ وَلَا الْوَعْظُ ، فَإِنْ فَرَّقَ دَعَاوِيَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْهَا عَلَى بَعْضِهَا قَصْدًا لِإِعَانَتِهِ وَبِذْلَتِهِ فَاَلَّذِي يُوجِبُهُ حُكْمُ الْقَضَاءِ أَنْ لَا يُمْتَنَعَ مِنْ تَبْعِيضِ الدَّعَاوَى وَتَفْرِيقِ الْأَيْمَانِ ، وَاَلَّذِي يُنْتِجُهُ نَظَرُ الْمَظَالِمِ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُدَّعِي بِجَمْعِ دَعَاوِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِعْنَاتِ مِنْهُ وَإِحْلَافِ الْخَصْمِ عَلَى جَمِيعِهَا يَمِينًا وَاحِدَةً .\rفَأَمَّا إنْ اعْتَدَلَتْ حَالُ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَتَقَابَلَتْ بَيِّنَةُ الْمُتَشَاجِرَيْنِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ حُجَّةُ أَحَدِهِمَا بِأَمَارَةٍ أَوْ مَظِنَّةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَهُمَا فِي الْعِظَةِ وَهَذَا مِمَّا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْقُضَاةُ وَوُلَاةُ الْمَظَالِمِ ثُمَّ يَخْتَصُّ وُلَاةُ الْمَظَالِمِ بَعْدَ الْعِظَةِ بِالْإِرْهَابِ لَهُمَا مَعًا لِتَسَاوِيهِمَا ، ثُمَّ بِالْكَشْفِ عَنْ أَصْلِ الدَّعْوَى وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ ، فَإِنْ ظَهَرَ بِالْكَشْفِ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْمُحَقِّقُ مِنْهُمَا عَمِلَ عَلَيْهِ ؛ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِالْكَشْفِ مَا يَنْفَصِلُ بِهِ تَنَازُعُهُمَا رَدَّهُمَا إلَى وَسَاطَةِ وُجُوهِ الْجِيرَانِ وَأَكَابِرِ الْعَشَائِرِ ، فَإِنْ نَجَزَ بِهَا مَا بَيْنَهُمَا وَإِلَّا كَانَ فَصْلُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِمَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِبَتِّ الْحُكْمِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِيهِ .\rوَرُبَّمَا تَرَافَعَ إلَى وُلَاةِ الْمَظَالِمِ فِي غَوَامِضِ الْأَحْكَامِ وَمُشْكِلَاتِ الْخِصَامِ مَا يُرْشِدُهُ إلَى الْجُلَسَاءِ وَيَفْتَحُهُ عَلَيْهِ","part":1,"page":160},{"id":160,"text":"الْعُلَمَاءُ فَلَا يُنْكِرُ مِنْهُمْ الِابْتِدَاءَ وَلَا يَسْتَكْثِرُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِي الِانْتِهَاءِ ، كَاَلَّذِي رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرَمِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْكُوَهُ وَهُوَ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهَا نِعْمَ الزَّوْجُ زَوْجُكِ ، فَجَعَلَتْ تُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا الْجَوَابَ ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ الْأَسَدِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ امْرَأَةٌ تَشْكُو زَوْجَهَا فِي مُبَاعَدَتِهِ إيَّاهَا فِي فِرَاشِهِ .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فَهِمْتَ كَلَامَهَا فَاقْضِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ كَعْبٌ عَلَيَّ بِزَوْجِهَا فَأُتِيَ بِهِ ؛ فَقَالَ إنَّ امْرَأَتَكَ تَشْكُوكَ فَقَالَ أَفِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ ؟ قَالَ لَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ ( مِنْ الرَّجَزِ ) يَا أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رُشْدُهُ أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ زَهَّدَهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُهُ نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ مَا يَرْقُدُهْ فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهْ فَاقْضِ الْقَضَا يَا كَعْبُ لَا تُرَدِّدُهُ فَقَالَ الزَّوْجُ ( مِنْ الرَّجَزِ ) : زَهَّدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحِجَلْ أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَفِي السَّبْعِ الطُّولْ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ .\rفَقَالَ كَعْبٌ ( مِنْ الرَّجَزِ ) : إنَّ لَهَا حَقًّا عَلَيْكَ يَا رَجُلْ نَصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ ثُمَّ قَالَ لَهُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَكَ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ، فَلَكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ تَعْبُدُ فِيهِنَّ رَبَّكَ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ أَمْرَيْكَ أَعْجَبُ أَمِنْ فَهْمِكَ أَمْرَهُمَا ؟ أَمْ مِنْ حُكْمِكَ بَيْنَهُمَا ؟ اذْهَبْ فَقَدْ","part":1,"page":161},{"id":161,"text":"وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ ، وَهَذَا الْقَضَاءُ مِنْ كَعْبٍ وَالْإِمْضَاءُ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ حُكْمًا بِالْجَائِزِ دُونَ الْوَاجِبِ ، لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْسِمَ لِلزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يُجِيبُهَا إلَى الْفِرَاشِ إذْ أَصَابَهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْجَائِزِ دُونَ الْوَاجِبِ .","part":1,"page":162},{"id":162,"text":"فَصْلٌ فِي تَوْقِيعَاتِ النَّاظِرِ فِي الْمَظَالِمِ ، وَإِذَا وَقَّعَ النَّاظِرُ فِي الْمَظَالِمِ فِي قَصَصِ الْمُتَظَلِّمِينَ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمْ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُوَقَّعِ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَالِيًا عَلَى مَا وُقِّعَ بِهِ إلَيْهِ أَوْ غَيْرَ وَالٍ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ كَتَوْقِيعِهِ إلَى الْقَاضِي بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا .\rفَلَا يَخْلُو حَالُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ إذْنًا بِالْحُكْمِ أَوْ إذْنًا بِالْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ فَإِنْ كَانَ إذْنًا بِالْحُكْمِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِأَصْلِ الْوِلَايَةِ وَيَكُونُ التَّوْقِيعُ تَأْكِيدًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قُصُورُ مَعَانِيهِ ، وَإِنْ كَانَ إذْنًا بِالْكَشْفِ لِلصُّورَةِ أَوْ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِي التَّوْقِيعِ بِذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ الْحُكْمِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ هَذَا النَّهْيُ عَزْلًا لَهُ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ عَلَى عُمُومِ وِلَايَتِهِ فِيمَا عَدَاهَا لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ نَوْعَيْنِ عَامَّةً وَخَاصَّةً جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَزْلُ نَوْعَيْنِ عَامًّا وَخَاصًّا ، وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ فِي التَّوْقِيعِ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَشْفِ ، فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ نَذْرُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَوَازِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ أَمْرَهُ بِبَعْضِ مَا إلَيْهِ لَا يَكُونُ مَنْعًا مِنْ خَيْرِهِ ، وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ مَنْعًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ ، لِأَنَّ فَحَوَى التَّوْقِيعِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِالْوَسَاطَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ إنْهَاءُ الْحَالِ إلَيْهِ بَعْدَ الْوَسَاطَةِ وَإِنْ كَانَ بِكَشْفِ الصُّورَةِ لَزِمَهُ إنْهَاءُ حَالِهِمَا إلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتِخْبَارٌ مِنْهُ فَلَزِمَهُ إجَابَتُهُ عَنْهُ فَهَذَا حُكْمُ تَوْقِيعِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ .\rوَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : وَهُوَ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى","part":1,"page":163},{"id":163,"text":"مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَتَوْقِيعِهِ إلَى فَقِيهٍ أَوْ شَاهِدٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ تَوْقِيعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِكَشْفِ الصُّورَةِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بِالْوَسَاطَةِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ بِالْحُكْمِ ، فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِكَشْفِ الصُّورَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَهَا وَيُنْهِيَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ لِيَجُوزَ لِلْمُوَقِّعِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ، فَإِنْ أَنْهَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ كَانَ خَبَرًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْمُوَقِّعُ وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ فِي نَظَرِ الْمَظَالِمِ مِنْ الْأَمَارَاتِ الَّتِي يَغْلِبُ بِهَا حَالُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْإِرْهَابِ وَفَضْلِ الْكَشْفِ ، فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِالْوَسَاطَةِ تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَقِفْ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَسَاطَةِ ، لِأَنَّ الْوَسَاطَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقْلِيدٍ وَلَا وِلَايَةٍ وَإِنَّمَا يُفِيدُ التَّوْقِيعُ بِالْوَسَاطَةِ تَعْيِينَ الْوَسِيطِ بِاخْتِيَارِ الْمُوَقِّعِ وَقَوَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَيْهِ اخْتِيَارًا ، فَإِنْ أَفْضَتْ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إنْهَاؤُهَا وَكَانَ شَاهِدًا فِيهَا مَتَى اُسْتُدْعِيَ لِلشَّهَادَةِ أَدَّاهَا ، وَإِنْ لَمْ تُفْضِ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِهِمَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِمَا فِيمَا اعْتَرَفَا بِهِ عِنْدَهُ يُؤَدِّيهِ إلَى النَّاظِرِ فِي الْمَظَالِمِ إنْ عَادَ الْخَصْمَانِ إلَى التَّظَلُّمِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إنْ لَمْ يَعُودَا وَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا ، فَهَذِهِ وِلَايَةٌ يُرَاعَى فِيهَا مَعَانِي التَّوْقِيعِ لِيَكُونَ نَظَرُهُ مَحْمُولًا عَلَى مُوجَبِهِ .\rوَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلتَّوْقِيعِ حَالَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُحَالَ بِهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى مُلْتَمِسِهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حِينَئِذٍ مَا سَأَلَ الْخَصْمُ فِي ظُلَامَتِهِ وَيَصِيرُ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ ، فَإِنْ سَأَلَ الْوَسَاطَةَ أَوْ الْكَشْفَ لِلصُّورَةِ كَانَ التَّوْقِيعُ مُوجِبًا لَهُ وَكَانَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ التَّوْقِيعُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ","part":1,"page":164},{"id":164,"text":"أَجِبْهُ إلَى مُلْتَمَسِهِ ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ كَقَوْلِهِ رَأْيُكَ فِي إجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ كَانَ مُوَقَّعًا لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي وِلَايَةً يَلْزَمُ حُكْمُهَا فَكَانَ أَمْرُهَا أَخَفَّ فَإِنْ سَأَلَ الْمُتَظَلِّمُ فِي قِصَّتِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ مُسَمًّى وَالْخُصُومَةُ مَذْكُورَةً لِتَصِحَّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يُسَمَّ الْخَصْمُ وَلَمْ تُذْكَرْ الْخُصُومَةُ لَمْ تَصِحَّ الْوِلَايَةُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وِلَايَةً عَامَّةً فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا وَلَا خَاصَّةً لِلْجَهْلِ بِهَا وَإِنْ سَمَّى رَافِعُ الْقِصَّةِ خَصْمَهُ وَذَكَرَ خُصُومَتَهُ نُظِرَ فِي التَّوْقِيعِ بِإِجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ ، فَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَمْرِ فَوَقَّعَ وَأَجَابَ إلَى مُلْتَمَسِهِ وَعَمِلَ بِمَا الْتَمَسَهُ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا التَّوْقِيعُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ لِلْحَالِ فَوَقَّعَ رَأْيَكَ فِي إجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ فَهَذَا التَّوْقِيعُ خَارِجٌ فِي الْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّةِ مَخْرَجَ الْأَمْرِ ، وَالْعُرْفُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا مُعْتَادٌ ، فَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ فَقَدْ جَوَّزَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ اعْتِبَارًا فِي الْعُرْفِ فِيهِ وَصَحَّتْ بِهِ الْوِلَايَةُ ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ جَوَازِهِ وَانْعِقَادِ الْوِلَايَةِ بِهِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ أَمْرٌ تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ بِهِ اعْتِبَارًا بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ ، فَلَوْ كَانَ رَافِعُ الْقِصَّةِ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَوَقَّعَ بِإِجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ مَنْ يَعْتَبِرُ الْعُرْفَ الْمُعْتَادَ صَحَّتْ الْوِلَايَةُ بِهَذَا التَّوْقِيعِ ، وَإِنْ وَقَّعَ مَنْ يَعْتَبِرُ مَعَانِيَ الْأَلْفَاظِ لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْوِلَايَةُ لِأَنَّهُ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَسْأَلْ الْحُكْمَ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : فِي التَّوْقِيعَاتِ أَنْ يُحَالَ فِيهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى مَا سَأَلَ وَيُسْتَأْنَفَ فِيهِ الْأَمْرُ بِمَا تَضَمَّنَهُ فَيَصِيرُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْوِلَايَةِ ،","part":1,"page":165},{"id":165,"text":"فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : حَالُ كَمَالٍ .\rوَحَالُ جَوَازٍ .\rوَحَالٌ يَخْلُو مِنْ الْأَمْرَيْنِ .\rفَأَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا كَمَالًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ فَهُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ .\rوَالثَّانِي الْأَمْرُ بِالْحُكْمِ فَيَذْكُرُ فِيهِ : اُنْظُرْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَاحْكُمْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ وَمُوجَبِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يُوَجِّهُهُ حُكْمُ الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِي التَّوْقِيعَاتِ وَصْفًا لَا شَرْطًا ، فَإِنْ كَانَ هَذَا التَّوْقِيعُ جَامِعًا لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّظَرِ وَالْحُكْمِ فَهُوَ التَّوْقِيعُ الْكَامِلُ وَيَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ وَالْوِلَايَةُ وَأَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا التَّوْقِيعُ جَائِزًا مَعَ قُصُورِهِ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ فَهُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْأَمْرَ بِالْحُكْمِ دُونَ النَّظَرِ فَيَذْكُرُ فِي تَوْقِيعِهِ : اُحْكُمْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ ، أَوْ يَقُولُ : اقْضِ بَيْنَهُمَا فَتَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَالْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ النَّظَرِ فَصَارَ الْأَمْرُ بِهِ مُتَضَمِّنًا لِلنَّظَرِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ .\rوَأَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا خَالِيًا مِنْ كَمَالٍ وَجَوَازٍ فَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ فِي التَّوْقِيعِ : اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا ، فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَذَا التَّوْقِيعِ وِلَايَةٌ لِأَنَّ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا قَدْ يَحْتَمِلُ الْوَسَاطَةَ الْجَائِزَةَ وَيَحْتَمِلُ الْحُكْمَ اللَّازِمَ وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ سَوَاءٌ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ فِي الْوِلَايَةِ ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ الْوِلَايَةَ بِهِ مُنْعَقِدَةٌ ، لِأَنَّ الْحَقَّ مَا لَزِمَ ، وَقِيلَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ، لِأَنَّ الصُّلْحَ وَالْوَسَاطَةَ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":166},{"id":166,"text":"وَهَذِهِ النِّقَابَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى صِيَانَةِ ذَوِي الْأَنْسَابِ الشَّرِيفَةِ عَنْ وِلَايَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ فِي النَّسَبِ وَلَا يُسَاوِيهِمْ فِي الشَّرَفِ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ أَحْبَى وَأَمْرُهُ فِيهِمْ أَمْضَى .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : اعْرَفُوا أَنْسَابَكُمْ تَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَا قُرْبَ بِالرَّحِمِ إذَا قُطِعَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً وَلَا بُعْدَ بِهَا إذَا وُصِلَتْ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً } .\rوَوِلَايَةُ هَذِهِ النِّقَابَةِ تَصِحُّ مِنْ إحْدَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ : إمَّا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ ، وَإِمَّا مِمَّنْ فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ كَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ وَأَمِيرِ الْإِقْلِيمِ ، وَإِمَّا مِنْ نَقِيبٍ عَامِّ الْوِلَايَةِ اسْتَخْلَفَ نَقِيبًا خَاصَّ الْوِلَايَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الطَّالِبِيِّينَ نَقِيبًا أَوْ عَلَى الْعَبَّاسِيِّينَ نَقِيبًا يُخَيِّرُ مِنْهُمْ أَجَلَّهُمْ بَيْتًا وَأَكْثَرَهُمْ فَضْلًا وَأَجْزَلَهُمْ رَأْيًا فَيُوَلَّى عَلَيْهِمْ لِتَجْتَمِعَ فِيهِ شُرُوطُ الرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ فَيُسْرِعُوا إلَى طَاعَتِهِ بِرِيَاسَتِهِ وَتَسْتَقِيمُ أُمُورُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ .\rوَالنِّقَابَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ : فَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَهُوَ أَنْ يَقْتَصِرَ بِنَظَرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ النِّقَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ لَهَا إلَى حُكْمٍ وَإِقَامَةِ حَدٍّ ، فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ مُعْتَبَرًا فِي شُرُوطِهَا .\rوَيَلْزَمُهُ فِي النِّقَابَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ اثْنَا عَشَرَ حَقًّا : أَحَدُهَا حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ مَنْ دَاخِلٍ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْهَا أَوْ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ مِنْهَا ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُ الْخَارِجِ مِنْهَا كَمَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ الدَّاخِلِ فِيهَا لِيَكُونَ النَّسَبُ مَحْفُوظًا عَلَى صِحَّتِهِ مَعْزُوًّا إلَى جِهَتِهِ .\rوَالثَّانِي : تَمْيِيزُ بُطُونِهِمْ وَمَعْرِفَةُ أَنْسَابِهِمْ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِسَنَوَاتٍ وَلَا يَتَدَاخَلَ نَسَبٌ فِي نَسَبٍ وَيُثْبِتُهُمْ فِي دِيوَانِهِ عَلَى تَمْيِيزِ أَنْسَابِهِمْ .","part":1,"page":167},{"id":167,"text":"وَالثَّالِثُ مَعْرِفَةُ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَيُثْبِتُهُ وَمَعْرِفَةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَيَذْكُرُهُ حَتَّى لَا يَضِيعَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ إنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَلَا يَدَّعِي نَسَبَ الْمَيِّتِ غَيْرُهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْهُ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَأْخُذَهُمْ مِنْ الْآدَابِ بِمَا يُضَاهِي شَرَفَ أَنْسَابِهِمْ وَكَرَمَ مُحْتَدِّهِمْ لِتَكُونَ حِشْمَتُهُمْ فِي النُّفُوسِ مَوْفُورَةً وَحُرْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ مَحْفُوظَةً .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ يُنَزِّهَهُمْ عَنْ الْمَكَاسِبِ الدَّنِيئَةِ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ الْمَطَالِبِ الْخَبِيثَةِ حَتَّى لَا يُسْتَقَلَّ مِنْهُمْ مُبْتَذَلٌ وَلَا يُسْتَضَامَ مِنْهُمْ مُتَذَلِّلٌ .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ يَكُفَّهُمْ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ لِيَكُونُوا عَلَى الدِّينِ الَّذِي نَصَرُوهُ أَغْيَرَ ، وَلِلْمُنْكَرِ الَّذِي أَزَالُوهُ أَنْكَرَ ، حَتَّى لَا يَنْطَلِقَ بِدَمِهِمْ لِسَانٌ وَلَا يَشْنَأَهُمْ إنْسَانٌ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى الْعَامَّةِ لِشَرَفِهِمْ وَالتَّشَطُّطِ عَلَيْهِمْ لِنَسَبِهِمْ ، فَيَدْعُوهُمْ ذَلِكَ إلَى الْمَقْتِ وَالْبُغْضِ ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى الْمُنَاكَرَةِ وَالْبُعْدِ ، وَيَنْدُبُهُمْ إلَى اسْتِعْطَافِ الْقُلُوبِ وَتَأْلِيفِ النُّفُوسِ لِيَكُونَ الْمَيْلُ إلَيْهِمْ أَوْفَى وَالْقُلُوبُ لَهُمْ أَصْفَى وَالثَّامِنُ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ حَتَّى لَا يَضْعُفُوا عَنْهَا وَعَوْنًا عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ حَتَّى لَا يُمْنَعُوا مِنْهَا لِيَصِيرُوا بِالْمَعُونَةِ فَهُمْ مُنْتَصَفِينَ وَبِالْمَعُونَةِ عَلَيْهِمْ مُنْصِفِينَ ، فَإِنَّ عَدْلَ السِّيرَةِ فِيهِ إنْصَافُهُمْ وَانْتِصَافُهُمْ .\rوَالتَّاسِعُ : أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِمْ الْعَامَّةِ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمْ حَتَّى يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ .\rوَالْعَاشِرُ : أَنْ يَمْنَعَ أَيَامَاهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ","part":1,"page":168},{"id":168,"text":"لِشَرَفِهِنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ صِيَانَةً لِأَنْسَابِهِنَّ وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِنَّ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ أَوْ يُنْكِحَهُنَّ غَيْرَ الْكُفَاةِ .\rوَالْحَادِيَ عَشَرَ أَنْ يَقُومَ ذَوِي الْهَفَوَاتِ مِنْهُمْ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ بِمَا لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدًّا وَلَا يَنْهَرُ بِهِ دَمًا ، وَيُقِيلُ ذُو الْهَيْئَةِ مِنْهُمْ عَثْرَتَهُ ، وَيَغْفِرُ بَعْدَ الْوَعْظِ زَلَّتَهُ .\rوَالثَّانِيَ عَشَرَ : مُرَاعَاةُ وُقُوفِهِمْ بِحِفْظِ أُصُولِهَا وَتَنْمِيَةِ فُرُوعِهَا ، وَإِذَا لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ جِبَايَتُهَا رَاعَى الْجُبَاةَ لَهَا فِيمَا أَخَذُوهُ وَرَاعَى قِسْمَتَهَا إذَا قَسَّمُوهُ وَمَيَّزَ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا إذَا خُصَّتْ وَرَاعَى أَوْصَافَهُمْ فِيهَا إذَا شُرِطَتْ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُمْ مُسْتَحِقٌّ وَلَا يَدْخُلَ فِيهَا غَيْرُ مُحِقٍّ .\r( فَصْلٌ ) وَأَمَّا النِّقَابَةُ الْعَامَّةُ فَعُمُومُهَا أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ فِي النِّقَابَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ .\rوَالثَّانِي : الْوِلَايَةُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ فِيمَا مَلَكُوهُ .\rوَالثَّالِثُ : إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا ارْتَكَبُوهُ .\rوَالرَّابِعُ : تَزْوِيجُ الْأَيَامَى اللَّاتِي لَا يَتَعَيَّنُ أَوْلِيَاؤُهُنَّ أَوْ قَدْ تَعَيَّنُوا فَعَضَلُوهُنَّ .\rوَالْخَامِسُ : إيقَاعُ الْحَجْرِ عَلَى مَنْ عَتَهَ مِنْهُمْ أَوْ سَفِهَ ، وَفَكُّهُ إذَا أَفَاقَ وَرَشَدَ ، فَيَصِيرُ بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ عَامَّةَ النِّقَابَةِ ، فَيُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ فِي صِحَّةِ نِقَابَتِهِ وَعَقْدِ وِلَايَتِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لِيَصِحَّ حُكْمُهُ وَيَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فَإِذَا انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِ أَوْ لَا يَتَضَمَّنُ فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مُطْلَقَةَ الْعُمُومِ لَا تَتَضَمَّنُ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ النَّقِيبِ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ مُوجِبًا لِصَرْفِ الْقَاضِي عَنْهَا جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ","part":1,"page":169},{"id":169,"text":"النَّقِيبِ وَالْقَاضِي النَّظَرُ فِي أَحْكَامِهِمْ ، أَمَّا النَّقِيبُ فَخُصُوصُ وِلَايَتِهِ الَّتِي أُوجِبَ دُخُولُهُمْ فِيهَا ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَعُمُومُ وِلَايَتِهِ الَّتِي أُوجِبَ دُخُولُهُمْ فِيهَا ، فَأَيُّهُمَا حَكَمَ فِي تَنَازُعِهِمْ وَتَشَاجُرِهِمْ وَفِي تَزْوِيجِ أَيَامَاهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ وَجَرَى أَمْرُهُمَا فِي الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ مَجْرَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ فَأَيُّهُمَا حَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إذَا كَانَ بِحُكْمِهِ فِي الِاجْتِهَادِ مَسَاغٌ أَنْ يَنْقُضَهُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ مُتَنَازِعَانِ مِنْهُمْ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى حُكْمِ النَّقِيبِ وَدَعَا الْآخَرُ إلَى حُكْمِ الْقَاضِي ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ الدَّاعِيَ إلَى نَظَرِ النَّقِيبِ أَوْلَى لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ ، وَقِيلَ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فَيَكُونَانِ كَالْمُتَنَازِعِينَ فِي التَّحَاكُمِ إلَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ فَيُغَلَّبُ قَوْلُ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ ؛ فَإِنْ تَسَاوَيَا كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا .\rوَالثَّانِي : يُقْطَعُ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ النَّقِيبِ صَرْفُ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ بَيْنَ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ سَوَاءٌ اسْتَعْدَى إلَيْهِ مِنْهُمْ مُسْتَعْدٍ أَوْ لَمْ يَسْتَعْدِ ، وَخَالَفَ ذَلِكَ حَالَ الْقَاضِيَيْنِ فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ إذَا اسْتَعْدَى إلَيْهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ مُسْتَعْدٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَدِّيَهُ عَلَى خَصْمِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ وِلَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ مَحْصُورَةٌ بِمَكَانِهِ فَاسْتَوَى حُكْمُ الطَّارِئِ إلَيْهِ وَالْقَاطِنِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ مِنْ أَهْلِهِ .\rوَوِلَايَةُ النِّقَابَةِ مَحْصُورَةٌ بِالنَّسَبِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ ؛ فَلَوْ تَرَاضَى الْمُتَنَازِعَانِ مِنْ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ بِحُكْمِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا وَلَا أَنْ","part":1,"page":170},{"id":170,"text":"يَحْكُمَ لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَكَانَ النَّقِيبُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ لَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ ، فَإِنْ تَعَدَّاهُمْ فَتَنَازَعَ طَالِبِيٌّ وَعَبَّاسِيٌّ فَدَعَا الطَّالِبِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ وَدَعَا الْعَبَّاسِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِجَابَةُ إلَى حُكْمِ غَيْرِ نَقِيبِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ وِلَايَتِهِ فَإِذَا أَقَامَا عَلَى تَمَانُعِهِمَا مِنْ الْإِجَابَةِ إلَى نَقِيبِ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى حُكْمِ السُّلْطَانِ الَّذِي هُوَ عَامُّ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مَصْرُوفًا عَنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا لِيَكُونَ السُّلْطَانُ هُوَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَسْتَنِيبُهُ عَلَى الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ أَشْبَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّقِيبَانِ وَيُحْضِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَيَنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ أَهْلِهِ حُقُوقَ مُسْتَحِقِّيهَا ، فَإِنْ تَعَلَّقَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا أَحَدُهُمَا سَمِعَ الْبَيِّنَةَ نَقِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ نَقِيبِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَأَحْلَفَ نَقِيبَ الْحَالِفِ دُونَ نَقِيبِ الْمُسْتَحْلِفِ لِيَصِيرَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا هُوَ نَقِيبَ الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ ، وَإِنْ تَمَانَعَ النَّقِيبَانِ أَنْ يَجْتَمِعَا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَأْثَمٌ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِمَا الْمَأْثَمُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَكَانَ أَغْلَظَ النَّقِيبَيْنِ مَأْثَمًا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُمَا لِاخْتِصَاصِهِ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ .\rفَلَوْ تَرَاضَى الطَّالِبِيُّ وَالْعَبَّاسِيُّ بِالتَّحَاكُمِ إلَى أَحَدِ النَّقِيبَيْنِ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ أَحَدِهِمَا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا نَقِيبَ الْمَطْلُوبِ صَحَّ حُكْمُهُ وَأَخَذَ بِهِ خَصْمُهُ .\rوَإِنْ","part":1,"page":171},{"id":171,"text":"حَكَمَ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ الطَّالِبِ فَفِي نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ : يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَحَدِهِمَا وَيُرَدُّ فِي الْآخَرِ ، وَلَوْ أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي لِيَسْمَعَهَا عَلَى خَصْمِهِ وَيَكْتُبَ بِهَا إلَى نَقِيبِهِ وَهُوَ مُنْصَرِفٌ عَنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَةً وَإِنْ كَانَ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ ، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَى مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لَوْ حَضَرَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفُذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ مَعَ الْغَيْبَةِ .\rوَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي الَّذِي يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ سَمَاعَ بَيِّنَةٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ لِيَكْتُبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْهَا إلَى قَاضِي بَلَدِهِ جَازَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ نَفَذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ جَازَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَأَهْلُ هَذَيْنِ النَّسَبَيْنِ إنْ حَضَرَ أَحَدُهُمْ عِنْدَهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي لِصَاحِبِهِ بِحَقٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَاهِدًا بِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ نَقِيبِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْبَرَ بِهِ حُكْمًا لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ غَيْرِ النَّقِيبَيْنِ كَانَ شَاهِدًا فِيهِ عِنْدَ نَقِيبِهِ ، جَازَ وَكَانَ حَاكِمًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ نَقِيبِ خَصْمِهِ فَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا شَاهِدًا وَيَكُونُ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ حَاكِمًا فِيهِ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ نَقِيبِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي وِلَايَاتِ زُعَمَاءِ الْعَشَائِرِ وَوُلَاةِ الْقَبَائِلِ الْمُنْفَرِدِينَ بِالْوِلَايَاتِ عَلَى عَشَائِرِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ .","part":1,"page":172},{"id":172,"text":"وَالْإِمَامَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .\rوَالثَّانِي : الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ .\rوَالثَّالِثُ : الْإِمَامَةُ فِي صَلَوَاتِ النَّدْبِ ، فَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَنَصْبُ الْإِمَامِ فِيهَا مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ ، وَهِيَ ضَرْبَانِ : مَسَاجِدُ سُلْطَانِيَّةٌ وَمَسَاجِدُ عَامِّيَّةٌ .\rفَأَمَّا الْمَسَاجِدُ السُّلْطَانِيَّةُ فَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْجَوَامِعُ وَالْمَشَاهِدُ ، وَمَا عَظُمَ وَكَثُرَ أَهْلُهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يَقُومُ السُّلْطَانُ بِمُرَاعَاتِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَدَبَ لِلْإِمَامَةِ فِيهَا إلَّا مَنْ نَدَبَهُ السُّلْطَانُ لَهَا وَقَلَّدَهُ الْإِمَامَةَ فِيهَا لِئَلَّا يَفْتَئِتَ الرَّعِيَّةُ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ ، فَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ فِيهَا إمَامًا كَانَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ .\rوَهَذِهِ الْوِلَايَةُ طَرِيقُهَا طَرِيقُ الْأَوْلَى لَا طَرِيقُ اللُّزُومِ وَالْوُجُوبِ ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالنِّقَابَةِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَاضَى النَّاسُ بِإِمَامٍ وَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَهُمْ وَصَحَّتْ جَمَاعَتُهُمْ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ السُّنَنِ الْمُخْتَارَةِ وَالْفَضَائِلِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِيجَابِهَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَإِذَا كَانَتْ مِنْ النَّدْبِ الْمُؤَكَّدِ وَنَدَبَ السُّلْطَانُ لِهَذِهِ الْمَسَاجِدِ إمَامًا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهَا مَعَ حُضُورِهِ ؛ فَإِنْ غَابَ وَاسْتَنَابَ كَانَ مَنْ اسْتَنَابَهُ فِيهَا أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِبْ فِي غَيْبَتِهِ اُسْتُؤْذِنَ الْإِمَامُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ فِيهَا إنْ أَمْكَنَ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ تَرَاضَى أَهْلُ الْبَلَدِ فِيمَنْ يَؤُمُّهُمْ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ جَمَاعَتُهُمْ ، فَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى وَالْإِمَامُ عَلَى","part":1,"page":173},{"id":173,"text":"غَيْبَتِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرْتَضَى لِلصَّلَاةِ الْأُولَى يَتَقَدَّمُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ الْمُوَلَّى ، وَقِيلَ بَلْ يُخْتَارُ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ثَانٍ يُرْتَضَى لَهَا غَيْرَ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَصِيرَ هَذَا الِاخْتِيَارُ تَقَلُّدًا سُلْطَانِيًّا ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ : أَنْ يُرَاعَى حَالُ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ حَضَرَ لَهَا مَنْ حَضَرَ فِي الْأُولَى كَانَ الْمُرْتَضَى فِي الْجَمَاعَةِ الْأُولَى أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ، وَإِنْ حَضَرَهَا غَيْرُهُمْ كَانَ الْأَوَّلُ كَأَحَدِهِمْ وَاسْتَأْنَفُوا اخْتِيَارَ إمَامٍ يَتَقَدَّمُهُمْ فَإِذَا صَلَّى إمَامُ هَذَا الْمَسْجِدِ بِجَمَاعَةٍ وَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً وَصَلَّوْا فِيهِ فُرَادَى لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمُبَايَنَةِ وَالتُّهْمَةِ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ ، وَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ إمَامَيْنِ فَإِنْ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَازَ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورًا عَلَى مَا خُصَّ بِهِ كَتَقْلِيدِ أَحَدِهِمَا صَلَاةَ النَّهَارِ وَتَقْلِيدِ الْآخَرِ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَلَا يَتَجَاوَزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا رَدَّهُ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَلَّدَ الْإِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ لَكِنْ رَدَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمًا غَيْرَ يَوْمِ صَاحِبِهِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَوْمِهِ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ مِنْ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ أَطْلَقَ تَقْلِيدَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَانَا فِي الْإِمَامَةِ سَوَاءً وَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ فِي الْمَسَاجِدِ السُّلْطَانِيَّةِ جَمَاعَتَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتُلِفَ فِي السَّبْقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّقَدُّمُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : سَبْقُهُ بِالْحُضُورِ فِي","part":1,"page":174},{"id":174,"text":"الْمَسْجِدِ .\rوَالثَّانِي : سَبْقُهُ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ ، فَإِنْ حَضَرَ الْإِمَامَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا كَانَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ ، وَإِنْ تَنَازَعَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا وَيَتَقَدَّمُ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا .\rوَالثَّانِي : يَرْجِعُ إلَى اخْتِيَارِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ لِأَحَدِهِمَا .\rوَيَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْإِمَامِ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِينَ مَا لَمْ يُصَرَّحْ لَهُ بِالصَّرْفِ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي وَلِيَ الْقِيَامَ بِهَا فَصَارَ دَاخِلًا فِي الْوِلَايَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَالْأَذَانِ .\rفَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا يَرَى تَعْجِيلَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ وَتَرْجِيعَ الْأَذَانِ وَإِفْرَادَ الْإِقَامَةِ أَخَذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ بِخِلَافِهِ ، وَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى تَأْخِيرَ الصَّلَوَاتِ إلَى آخِرِ الْأَوْقَاتِ إلَّا الْمَغْرِبَ وَيَرَى تَرْكَ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ وَتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ أَخَذَهُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ بِخِلَافِهِ .\rثُمَّ يَعْمَلُ الْإِمَامُ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي أَحْكَامِ صَلَاتِهِ ، فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا يَرَى الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ يُنْكِرُوهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَتَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ عُمِلَ عَلَى رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَارَضْ فِيهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ أَنَّهُ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ فِي اجْتِهَادِهِ ، وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُعَارَضَ فِي اجْتِهَادِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ الْمُؤَذِّنُ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ عَلَى اجْتِهَادِهِ أَذَّنَ بَعْدَ الْأَذَانِ الْعَامِّ أَذَانًا خَاصًّا لِنَفْسِهِ عَلَى رَأْيِهِ يُسِرُّ بِهِ","part":1,"page":175},{"id":175,"text":"وَلَا يَجْهَرُ .\r( فَصْلٌ ) وَالصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي تَقْلِيدِ هَذَا الْإِمَامِ خَمْسٌ : أَنْ يَكُونَ رَجُلًا عَادِلًا قَارِئًا فَقِيهًا سَلِيمَ اللَّفْظِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ لَثَغٍ .\rفَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا صَحَّتْ إمَامَتُهُ وَلَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ ؛ لِأَنَّ الصِّغَرَ وَالرِّقَّ وَالْفِسْقَ يَمْنَعُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِمَامَةِ .\r{ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ مَسْلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ وَكَانَ صَغِيرًا لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَأَهُمْ } .\rوَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ مَوْلًى لَهُ وَقَالَ : { صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ } .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِمَامُ امْرَأَةً وَلَا خُنْثَى وَلَا أَخْرَسَ وَلَا أَلْثَغَ ، وَإِنْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِمَا مِنْ الرِّجَالِ وَالْخَنَاثَى ، وَإِنْ أَمَّ أَلْثَغُ أَوْ أَخْرَسُ يُبَدِّلُ الْحُرُوفَ بِأَغْيَارِهَا بَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِثْلِ خَرَسِهِ أَوْ لَثَغِهِ .\rوَأَقَلُّ مَا عَلَى هَذَا الْإِمَامِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِأُمِّ الْقُرْآنِ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَقُّ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ كَانَ أَوْلَى .\rوَإِذَا اجْتَمَعَ فَقِيهٌ لَيْسَ بِقَارِئٍ ، وَقَارِئٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَالْفَقِيهُ أَوْلَى مِنْ الْقَارِئِ إذَا كَانَ يَفْهَمُ الْفَاتِحَةَ ، لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْقُرْآنِ مَحْصُورٌ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَحْصُورٍ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الْإِمَامُ وَمَأْذُونُهُ رِزْقًا عَلَى الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الْعَامَّةُ الَّتِي يَبْنِيهَا أَهْلُ الشَّوَارِعِ وَالْقَبَائِلِ فِي شَوَارِعِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلسُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ فِي أَئِمَّةِ مَسَاجِدِهِمْ وَتَكُونُ الْإِمَامَةُ","part":1,"page":176},{"id":176,"text":"فِيهَا لِمَنْ اتَّفَقُوا عَلَى الرِّضَا بِإِمَامَتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الرِّضَا بِهِ أَنْ يَصْرِفُوهُ عَنْ الْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ ، وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ رِضَاهُمْ بِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفُوا مَكَانَهُ نَائِبًا عَنْهُ وَيَكُونُ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حَقٌّ بِالِاخْتِيَارِ .\rوَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِي اخْتِيَارِ إمَامٍ عُمِلَ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ فَإِنْ تَكَافَأَ الْمُخْتَلِفُونَ اخْتَارَ السُّلْطَانُ لَهُمْ قَطْعًا لِتَشَاجُرِهِمْ مَنْ هُوَ أَدْيَنُ وَأَسَنُّ وَأَقْرَأُ وَأَفْقَهُ وَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ مَقْصُورًا عَلَى الْعَدَدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْ يَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ الْمُخْتَلِفِ فِي اخْتِيَارِهِ أَحَدُهُمْ وَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَرْكِ مَنْ عَدَاهُمْ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَنْ يَرَاهُ لِإِمَامَتِهِ مُسْتَحِقًّا لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ .","part":1,"page":177},{"id":177,"text":"وَإِذَا بَنَى رَجُلٌ مَسْجِدًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِمَامَةَ فِيهِ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ سَوَاءً فِي إمَامَتِهِ وَأَذَانِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ فِيهِ .","part":1,"page":178},{"id":178,"text":"وَإِذَا حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ مَنْزِلَ رَجُلٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَانَ مَالِكُ الْمَنْزِلِ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْفَضْلِ ، فَإِنْ حَضَرَهُ السُّلْطَانُ كَانَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَحَقَّ مِنْ الْمَالِكِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ ، وَالْمَالِكُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي أَحَقُّ لِاخْتِصَاصِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ .","part":1,"page":179},{"id":179,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ تَقْلِيدِهَا ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِحُضُورِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ فِيهَا وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفُقَهَاءُ الْحِجَازِ إلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ فِيهَا نَدْبٌ ، وَأَنَّ حُضُورَ السُّلْطَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا .\rفَإِنْ أَقَامَهَا الْمُصَلُّونَ عَلَى شَرَائِطِهَا انْعَقَدَتْ وَصَحَّتْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِيهَا عَبْدًا وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ .\rوَفِي جَوَازِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ قَوْلَانِ : وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا فِي وَطَنٍ مُجْتَمِعِ الْمَنَازِلِ يَسْكُنُهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَخْتَصُّ الْجُمُعَةُ بِالْأَمْصَارِ ، وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي الْقُرَى وَاعْتُبِرَ الْمِصْرُ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ سُلْطَانٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ","part":1,"page":180},{"id":180,"text":"وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ ؛ فَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُمْ ، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ إذَا سَمِعُوا نِدَاءَهَا مِنْهُ .","part":1,"page":181},{"id":181,"text":"وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ لَيْسَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مُسَافِرٌ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي إمَامِهِمْ هَلْ يَكُونُ زَائِدًا عَلَى الْعَدَدِ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِأَرْبَعِينَ سِوَى الْإِمَامِ ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ مَعَ الْإِمَامِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ سِوَى الْإِمَامِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ أَحَدُهُمْ الْإِمَامُ ، وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ أَحَدُهُمْ الْإِمَامُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ كَسَائِرِ الْجَمَاعَاتِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَدَدِ فِي انْعِقَادِهَا ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا تُبْنَى لَهُ الْأَوْطَانُ غَالِبًا .","part":1,"page":182},{"id":182,"text":"وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِي السَّفَرِ وَلَا خَارِجَ الْمِصْرِ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِنَاؤُهُ .\rوَإِذَا كَانَ الْمِصْرُ جَامِعًا لِقُرًى قَدْ اتَّصَلَ بِنَاؤُهَا حَتَّى اتَّسَعَ بِكَثْرَةٍ كَبَغْدَادَ جَازَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوَاضِعِهِ الْقَدِيمَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ مِنْ إقَامَتِهَا فِي مَوَاضِعِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمِصْرُ وَاحِدًا فِي مَوْضُوعِ الْأَصْلِ وَجَامِعُهُ يَسَعُ جَمِيعَ أَهْلِهِ كَمَكَّةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِيهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمِصْرُ وَاحِدًا مُتَّصِلَ الْأَبْنِيَةِ لَا يَسَعُ جَامِعُهُ جَمِيعَ أَهْلِهِ لِكَثْرَتِهِمْ كَالْبَصْرَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ بِكَثْرَةِ أَهْلِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى جَوَازِهَا وَأَبَاهُ آخَرُونَ وَقَالُوا إنْ ضَاقَ بِهِمْ اتَّسَعَتْ لَهُمْ الطُّرُقَاتُ فَلَمْ يُضْطَرُّوا إلَى تَفْرِيقِ الْجُمُعَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ .\rوَإِنْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي مِصْرٍ قَدْ مُنِعَ أَهْلُهُ مِنْ تَفْرِيقِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لِأَسْبَقِهِمَا بِإِقَامَتِهَا وَعَلَى الْمَسْبُوقِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ ظُهْرًا .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْجُمُعَةَ لِلْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَحْضُرُهُ السُّلْطَانُ سَابِقًا كَانَ أَوْ مَسْبُوقًا ، وَعَلَى مَنْ صَلَّوْا فِي الْأَصْغَرِ إعَادَةُ صَلَاتِهِمْ ظُهْرًا .","part":1,"page":183},{"id":183,"text":"وَلَيْسَ لِمَنْ قُلِّدَ إمَامَةَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .\rوَاخْتُلِفَ فِيمَنْ قُلِّدَ إمَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَمَنَعَهُ مِنْهَا مَنْ جَعَلَ الْجُمُعَةَ فَرْدًا مُبْتَدَأً ، وَجَوَّزَهَا لَهُ مَنْ جَعَلَهَا ظُهْرًا مَقْصُورًا .","part":1,"page":184},{"id":184,"text":"وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ .\rيَرَى أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَكَانَ الْمَأْمُومُونَ وَهُمْ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا يَرَوْنَ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَالْمَأْمُومُونَ لَا يَرَوْنَهُ وَهُمْ أَقَلُّ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمَأْمُومِينَ إقَامَتُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ لَا يَرَوْنَهُ وَالْإِمَامَ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ مَنْ يُصَلِّيهَا .","part":1,"page":185},{"id":185,"text":"وَإِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ الْإِمَامَ فِي الْجُمُعَةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ يَرَاهُ مَذْهَبًا ، لِأَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَمَصْرُوفٌ عَمَّا دُونَهَا : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّيهَا لِصَرْفِ وِلَايَتِهِ عَنْهَا ، وَإِذَا أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَهُوَ لَا يَرَاهُ فَفِي وِلَايَتِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا مِنْ جِهَتِهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَيَسْتَخْلِفُ عَلَيْهَا مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ","part":1,"page":186},{"id":186,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَةِ مِثْلِ الْجُمُعَةِ فَخَمْسٌ : صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَتَقْلِيدُ الْإِمَامَةِ فِيمَا نُدِبَ لِجَوَازِهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى .\rوَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهَا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ .\rوَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ قُلِّدَ إمَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ إمَامَةَ الْجُمُعَةِ حَقٌّ فِي إقَامَتِهَا إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ فَتَدْخُلُ فِي غَيْرِهَا","part":1,"page":187},{"id":187,"text":"فَأَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ فَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَيُخْتَارُ تَعْجِيلُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مِنْ بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى حِينِ أَخْذِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَخْتَصُّ عِيدُ الْأَضْحَى بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَيُصَلِّي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَالْجُمُعَةَ بَعْدَهَا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فِيهِمَا وَيَخْتَصُّ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ بِالتَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِهَا ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْأُولَى سَبْعًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ يَزِيدُ فِي الْأُولَى سِتًّا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى ثَلَاثًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَيَعْمَلُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلَّاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَاصَّ الْوِلَايَةِ وَلَا يَصِيرُ بِذِكْرِ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ خَاصَّ الْوِلَايَةِ فَافْتَرَقَا .","part":1,"page":188},{"id":188,"text":"فَأَمَّا صَلَاةُ الْخُسُوفَيْنِ فَيُصَلِّيهِمَا مَنْ نَدَبَهُ السُّلْطَانُ لَهُمَا أَوْ مَنْ عَمَّتْ وِلَايَتُهُ فَاشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمَا وَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَقِيَامَانِ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا فَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى سِرًّا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ بِقَدْرِهَا مِنْ غَيْرِهَا وَيَرْكَعُ مُسَبِّحًا بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ ثُمَّ يَرْفَعُ مُنْتَصِبًا وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ أَوْ بِقَدْرِهَا وَيَرْكَعُ مُسَبِّحًا بِقَدْرِ ثَمَانِينَ آيَةً يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ يَقْرَأُ فِي قِيَامِهَا وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهَا بِثُلُثَيْ مَا قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَيُصَلِّي لِخُسُوفِ الْقَمَرِ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ جَهْرًا لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلِّي لِخُسُوفِ الْقَمَرِ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ .","part":1,"page":189},{"id":189,"text":"فَأَمَّا صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَمَذْهُوبٌ إلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ وَخَوْفِ الْجَدْبِ يَتَقَدَّمُ مَنْ قُلِّدَهَا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهَا وَالْكَفِّ فِيهَا عَنْ التَّظَالُمِ وَالتَّخَاصُمِ ، وَيُصْلِحُ فِيهَا بَيْنَ الْمُتَشَاجِرَيْنِ وَالْمُتَخَاصَمِينَ وَالْمُتَهَاجِرَيْنِ وَهِيَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي وَقْتِهَا .\rوَإِذَا قُلِّدَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي عَامٍ جَازَ مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَا لَمْ يُصْرَفْ .\rوَإِذَا قُلِّدَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي عَامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَاتِبَةٌ وَصَلَاةَ الْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ عَارِضَةٌ وَإِذَا مُطِرُوا وَهُمْ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَتَمُّوهَا وَخَطَبَ بَعْدَهَا شُكْرًا ، وَلَوْ مُطِرُوا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا لَمْ يُصَلُّوا وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ خُطْبَةٍ ، وَكَذَلِكَ فِي الْخُسُوفِ إذَا انْجَلَى ، وَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ أَجْزَأَ .\rوَرَوَى أَبُو مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : { أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ وَلَا صَبِيٌّ يَصْطَبِحُ ثُمَّ أَنْشَدَهُ .\rأَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرَاءُ يَدْمَى لَبَانُهَا وَقَدْ شُغِلَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَنْ الطِّفْلِ وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الصَّبِيُّ اسْتِكَانَةً مِنْ الْجُوعِ ضَعْفًا لَا يُمِرُّ وَلَا يُحْلِي وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِّيِّ وَالْعِلْهِزِ الْغِسْلِ وَلَيْسَ لَنَا إلَّا إلَيْكَ فِرَارُنَا وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إلَّا إلَى الرُّسُلِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا غَدَقًا مُغِيثًا سَحًّا طَبَقًا غَيْرَ رَائِثٍ يَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ وَيُمْلَى بِهِ الضَّرْعُ وَتَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ .\rفَمَا","part":1,"page":190},{"id":190,"text":"اسْتَتَمَّ الدُّعَاءَ حَتَّى أَلْقَتْ السَّمَاءُ بِأَرْوَاقِهَا فَجَاءَ أَهْلُ الْبِطَانَةِ يَصِيحُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْغَرَقُ فَقَالَ : حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا .\rفَانْجَابَتْ السَّحَابُ عَنْ الْمَدِينَةِ كَالْإِبِلِ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ دَرُّ أَبِي طَالِبٍ ، لَوْ كَانَ حَيًّا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الَّذِي يَنْشُدُ شِعْرَهُ ؟ .\rفَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ مِنْ الطَّوِيلِ .\rوَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُقَاتِلْ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَأَنْشَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rمِنْ الْمُتَقَارَبِ : لَكَ الْحَمْدُ وَالْحَمْدُ مِمَّنْ شَكَرْ سُقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ دَعَا اللَّهَ خَالِقَهُ دَعْوَةً وَأَشْخَصَ مَعَهَا إلَيْهِ الْبَصَرْ فَلَمْ يَكُ إلَّا كَإِلْقَاءِ الرِّدَاءِ وَأَسْرَعَ حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَرْ دِفَاقَ الْعَزَالِي جَمَّ الْبُعَاقِ أَغَاثَ بِهِ اللَّهُ عَلِيًّا مُضَرْ وَكَانَ كَمَا قَالَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ أَبْيَضَ ذَا غُرَرْ بِهِ اللَّهُ أَرْسَلَ صَوْبَ الْغَمَامِ وَهَذَا الْعِيَانُ وَذَاكَ الْخَبَرْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ يَكُنْ شَاعِرٌ يُحْسِنُ فَقَدْ أَحْسَنْتَ } .","part":1,"page":191},{"id":191,"text":"وَلِبْسُ السَّوَادِ مُخْتَصٌّ بِالْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا دَعْوَةُ السُّلْطَانِ اتِّبَاعًا لِشِعَارِهِ الْآنَ .\rوَتُكْرَهُ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ شَرْعٌ تَحَرُّزًا مِنْ مُبَايَنَتِهِ .\rوَإِذَا تَغَلَّبَ مَنْ مُنِعَ الْجَمَاعَةَ كَانَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمُجَاهَرَةِ بِهَا ، وَإِذَا أَقَامَهَا الْمُتَغَلِّبُ مَعَ سُوءِ مُعْتَقَدِهِ اُتُّبِعَ فِيهَا ، وَلَا يُتَّبَعُ عَلَى بِدْعَةٍ يُحْدِثُهَا .","part":1,"page":192},{"id":192,"text":"هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى الْحَجِّ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ .\rوَالثَّانِي : عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ ، فَأَمَّا تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ فَهُوَ وِلَايَةُ سِيَاسَةٍ وَزَعَامَةٍ وَتَدْبِيرٍ .\rوَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُوَلَّى : أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهَيْبَةٍ وَهِدَايَةٍ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لَا يَتَفَرَّقُوا فَيَخَافُ النَّوَى وَالتَّغْرِيرَ .\rوَالثَّانِي : تَرْتِيبُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ بِإِعْطَاءِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُقَادًا حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مُقَادَهُ إذَا سَارَ وَيَأْلَفَ مَكَانَهُ إذَا نَزَلَ ، فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ وَلَا يَضِلُّونَ عَنْهُ .\rوَالثَّالِثُ : يَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ حَتَّى لَا يَعْجِزَ عَنْهُ ضَعِيفُهُمْ وَلَا يَضِلَّ عَنْهُ مُنْقَطِعُهُمْ ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الضَّعِيفُ أَمِيرُ الرُّفْقَةِ } يُرِيدُ أَنَّ مَنْ ضَعُفَتْ دَوَابُّهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ .\rالرَّابِعُ : أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ أَوْضَحَ الطُّرُقِ وَأَخْصَبَهَا ، وَيَتَجَنَّبَ أَجَدْبَهَا وَأَوْعَرَهَا .\rوَالْخَامِسُ : أَنْ يَرْتَادَ لَهُمْ الْمِيَاهَ إذَا انْقَطَعَتْ وَالْمَرَاعِيَ إذَا قَلَّتْ .\rوَالسَّادِسُ : أَنْ يَحْرُسَهُمْ إذَا نَزَلُوا وَيَحُوطَهُمْ إذَا رَحَلُوا حَتَّى لَا يَتَخَطَّفَهُمْ دَاعِرٌ وَلَا يَطْمَعَ فِيهِمْ مُتَلَصِّصٌ .\rوَالسَّابِعُ : أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْ الْمَسِيرِ وَيَدْفَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَحْصُرُهُمْ عَنْ الْحَجِّ بِقِتَالٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ بِبَذْلِ مَالٍ إنْ أَجَابَ الْحَجِيجُ إلَيْهِ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا عَلَى بَذْلِ الْخَفَارَةِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ بَاذِلًا لَهَا عَفْوًا وَمُجِيبًا إلَيْهَا طَوْعًا ، فَإِنْ بَذَلَ الْمَالَ عَلَى التَّمْكِينِ مِنْ الْحَجِّ لَا يَجِبُ .\rوَالثَّامِنُ : أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَيُتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ وَلَا يَتَعَرَّضَ","part":1,"page":193},{"id":193,"text":"لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إجْبَارًا إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ دَخَلُوا بَلَدًا فِيهِ حَاكِمٌ جَازَ لَهُ وَلِحَاكِمِ الْبَلَدِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمَا حَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ بَيْنَ الْحَجِيجِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إلَّا حَاكِمُ الْبَلَدِ وَالتَّاسِعُ أَنْ يُقَوِّمَ زَائِغَهُمْ وَيُؤَدِّبَ خَائِنَهُمْ ، وَلَا يَتَجَاوَزَ التَّعْزِيرَ إلَى الْحَدِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ .\rفَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى إقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهِ نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ ؛ فَوَالِي الْحَجِيجِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ وَالِي الْبَلَدِ ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ فِي الْبَلَدِ فَوَالِي الْبَلَدِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ وَالِي الْحَجِيجِ وَالْعَاشِرُ أَنْ يُرَاعِيَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ الْفَوَاتَ وَلَا يُلْجِئَهُمْ ضِيقُهُ إلَى الْحَثِّ فِي السَّيْرِ ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمِيقَاتِ أَمْهَلَهُمْ لِلْإِحْرَامِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا عَدَلَ بِهِمْ إلَى مَكَّةَ لِيَخْرُجُوا مَعَ أَهْلِهَا إلَى الْمَوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا عَدَلَ بِهِمْ عَنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهَا فَيَفُوتَ الْحَجُّ بِهَا فَإِنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَمَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ إتْمَامُ مَا بَقِيَ مِنْ أَرْكَانِهِ وَجُبْرَانِهِ بِدَمٍ وَقَضَاؤُهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ إنْ أَمْكَنَهُ وَفِيمَا بَعْدَهُ إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِيرُ حَجُّهُ عُمْرَةً بِالْفَوَاتِ","part":1,"page":194},{"id":194,"text":"وَلَا يَتَحَلَّلُ بَعْدَ الْفَوَاتِ إلَّا بِإِحْلَالِ الْحَجِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ إحْرَامُهُ بِالْفَوَاتِ عُمْرَةً ، وَإِذَا أَوْصَلَ الْحَجِيجَ إلَى مَكَّةَ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَوْدِ مِنْهُمْ فَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ وِلَايَةُ الْوَالِي عَلَى الْحَجِيجِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَمُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طَاعَتِهِ ، فَإِذَا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ فِي إنْجَازِ عَلَائِقِهِمْ وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْخُرُوجِ فَيَضُرَّ بِهِمْ ، فَإِذَا عَادَ بِهِمْ سَارَ بِهِمْ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَجْمَعَ لَهُمْ بَيْنَ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَزِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِعَايَةً لِحُرْمَتِهِ وَقِيَامًا بِحُقُوقِ طَاعَتِهِ ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ فَهُوَ مَنْ نُدِبَ الشَّرْعِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ .\rرَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } .\rوَحَكَى الْعُتْبِيُّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَقْبَلَ وَسَلَّمَ فَأَحْسَنَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَجَدْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } .\rوَقَدْ جِئْتُكَ تَائِبًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّي ؛ ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَانْصَرَفَ قَالَ","part":1,"page":195},{"id":195,"text":"الْعُتْبِيُّ فَأَغْفَيْتُ إغْفَاءَةً فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا عُتْبِيُّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ .\rثُمَّ يَكُونُ فِي عَوْدِهِ بِهِمْ مُلْتَزِمًا فِيهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ مَا الْتَزَمَهُ فِي صَدْرِهِمْ حَتَّى يَصِلَ بِهِمْ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي سَارَ بِهِمْ مِنْهُ فَتَنْقَطِعُ وِلَايَتُهُ عَنْهُمْ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ","part":1,"page":196},{"id":196,"text":"وَإِنْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي إقَامَةِ الصَّلَوَاتِ ، فَمِنْ شُرُوطِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ ، عَارِفًا بِمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا يَوْمُ الْحَلَّاقِ وَهُوَ النَّفْرُ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا أَحَدُ الرَّعَايَا وَلَيْسَ مِنْ الْوُلَاةِ وَإِذَا كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَلَهُ إقَامَتُهُ فِي كُلِّ عَامٍ مَا لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ ، وَإِنْ عُقِدَتْ لَهُ خَاصَّةً عَلَى عَامٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عَنْ وِلَايَةٍ .\rوَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِوِلَايَتِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ : أَحَدُهَا إشْعَارُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ وَالْخُرُوجُ إلَى مَشَاعِرِهِمْ لِيَكُونُوا لَهُ مُتَّبِعِينَ وَبِأَفْعَالِهِ مُقْتَدِينَ .\rوَالثَّانِي : تَرْتِيبُهُمْ لِلْمَنَاسِكِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فِيهَا فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا سَوَاءٌ كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مُسْتَحَبًّا .\rوَالثَّالِثُ : تَقْدِيرُ الْمَوَاقِفِ بِمَقَامِهِ فِيهَا وَمَسِيرِهِ عَنْهَا كَمَا تُقَدَّرُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ .\rوَالرَّابِعُ : اتِّبَاعُهُ فِي الْأَرْكَانِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا وَالتَّأْمِينُ عَلَى أَدْعِيَتِهِ بِهَا لِيَتَّبِعُوهُ فِي الْقَوْلِ كَمَا اتَّبَعُوهُ فِي الْعَمَلِ وَلِيَكُونَ اجْتِمَاعُ أَدْعِيَتِهِمْ أَفْتَحَ لِأَبْوَابِ الْإِجَابَةِ .\rوَالْخَامِسُ : إمَامَتُهُمْ فِي الصَّلَوَاتِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي شُرِعَتْ خُطَبُ الْحَجِّ وَجَمْعُ الْحَجِيجِ عَلَيْهَا وَهُنَّ أَرْبَعٌ : فَالْأُولَى مِنْهُنَّ وَهِيَ أَوَّلُ شُرُوعِهِ فِي مَسْنُونَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ","part":1,"page":197},{"id":197,"text":"إحْرَامِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، وَيَخْطُبَ بَعْدَهَا وَهِيَ الْأُولَى مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ الْأَرْبَعِ مُفْتَتِحًا لَهَا بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا ، وَالتَّكْبِيرِ إنْ كَانَ مُحِلًّا ، وَيُعَلِّمُ النَّاسَ أَنَّ مَسِيرَهُمْ فِي غَدٍ إلَى مِنًى لِيَخْرُجُوا إلَيْهَا فِيهِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ الْعَشْرِ فَيَنْزِلُ بِخَيْفِ مِنًى بِبَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ وَيَبِيتُ بِهَا وَيَسِيرُ بِهِمْ مِنْ غَدِهِ وَهُوَ التَّاسِعُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى عَرَفَةَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ وَيَعُودُ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلْيَكُنْ عَائِدًا مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ ؛ فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى عَرَفَةَ نَزَلَ بِبَطْنِ عَرَفَةَ وَأَقَامَ بِهِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إلَى مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِوَادِي عَرَفَةَ يَخْطُبُ بِهِمْ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ كَالْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْخُطَبِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا خُطْبَتَيْنِ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ ، فَإِذَا خَطَبَهَا ذَكَّرَ النَّاسَ فِيهَا مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ ، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ بَعْدَ الْخُطْبَةِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَيَقْصُرُهُمَا الْمُسَافِرُونَ وَيُتِمُّهَا الْمُقِيمُونَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعِهِ وَقَصْرِهِ ، ثُمَّ يَسِيرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا إلَى عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَوْقِفُ الْمَفْرُوضُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ } .\rوَحَدُّ عَرَفَةَ مَا جَاوَزَ وَادِي عَرَفَةَ الَّذِي فِيهِ الْمَسْجِدُ ، وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ وَلَا","part":1,"page":198},{"id":198,"text":"وَادِي عَرَفَةَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ عَلَى عَرَفَةَ كُلِّهَا فَيَقِفُ مِنْهَا عِنْدَ الْجِبَالِ الثَّلَاثَةِ النَّبْعَةُ وَالنُّبَيْعَةُ وَالتَّائِبُ ، فَقَدْ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضِرْسٍ مِنْ التَّائِبِ وَجَعَلَ رَاحِلَتَهُ إلَى الْمِحْرَابِ ، فَهَذَا أَحَبُّ الْمَوَاقِفِ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ فِيهِ ، وَأَيْنَمَا وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ وَالنَّاسُ أَجْزَأَهُمْ ، وَوُقُوفُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ أَوْلَى ، ثُمَّ يَسِيرُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى مُزْدَلِفَةَ مُؤَخِّرًا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَيَؤُمُّ النَّاسَ فِيهِمَا وَيَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَحَدُّهَا مِنْ حَيْثُ يَفِيضُ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مِنْهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ وَلَيْسَ الْقَرْنُ مِنْهَا ، وَيَلْتَقِطُ النَّاسُ مِنْهَا حَصَى الْجِمَارِ بِقَدْرِ الْأَنَامِلِ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَيَسِيرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَلَوْ سَارَ قَبْلَهُ وَبَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَ وَلَيْسَ الْمَبِيتُ بِهَا رُكْنًا ، وَيَجْبُرُهُ دَمٌ إنْ تَرَكَهُ وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْأَرْكَانِ الْوَاجِبَةِ ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَيَقِفُ مِنْهُ بِقُزَحَ دَاعِيًا ، وَلَيْسَ الْوُقُوفُ بِهِ فَرْضًا ، ثُمَّ يَسِيرُ إلَى مِنًى فَيَبْدَأُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ تِسْعَ حَصَيَاتٍ ثُمَّ يَنْحَرُ : وَمَنْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا مِنْ الْحَجِيجِ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ يَفْعَلُ مِنْهُمَا مَا شَاءَ ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِهَا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الْفَرْضُ ، وَيَسْعَى بَعْدَ طَوَافِهِ إنْ لَمْ يَسْعَ قَبْلَ عَرَفَةَ ، وَيُجْزِئُهُ سَعْيُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ وَلَا يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ قَبْلَهَا ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا وَهِيَ الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ الْأَرْبَعِ ، وَيَذْكُرُ لِلنَّاسِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ وَحُكْمِ","part":1,"page":199},{"id":199,"text":"إحْلَالِهِمْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَمَا يَسْتَبِيحُونَهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ ، إنْ كَانَ فَقِيهًا قَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسُّؤَالِ ، وَيَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَتَهُ وَيَرْمِي مِنْ غَدِهِ - وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ يَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ - الْجِمَارَ الثَّلَاثَ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةٍ ، كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَيَبِيتُ بِهَا لَيْلَتَهُ الثَّانِيَةَ وَيَرْمِي مِنْ غَدِهَا - وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ - الْجِمَارَ الثَّلَاثَ ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ الْخُطْبَةَ الرَّابِعَةَ وَهِيَ آخِرُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْحَجِّ ، وَيُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّ لَهُمْ فِي الْحَجِّ نَفْرَتَيْنِ خَيَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا بِقَوْلِهِ : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى } .\rوَيُعْلِمُهُمْ أَنَّ مَنْ نَفَرَ مِنْ مِنَى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهِ هَذَا سَقَطَ عَنْهُ الْمَبِيتُ بِهَا وَالرَّمْيُ لِلْجِمَارِ مِنْ غَدِهِ وَمَنْ أَقَامَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ؛ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِهَا وَالرَّمْيُ فِي غَدِهِ ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْإِمَامِ بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ أَنْ يَنْفِرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَيُقِيمَ لِيَبِيتَ بِهَا ، وَيَنْفِرُ فِي النَّفْرِ الثَّانِي مِنْ غَدِهِ فِي يَوْمِ الْحَلَّاقِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فَلَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْمَنَاسِكِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ النَّفْرِ الثَّانِي انْقَضَتْ وِلَايَتُهُ وَقَدْ أَدَّى مَا لَزِمَهُ ، فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوِلَايَتِهِ .\rوَأَمَّا السَّادِسُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا إنْ فَعَلَ أَحَدُ الْحَجِيجِ مَا يَقْتَضِي تَعْزِيرًا أَوْ يُوجِبُ فِعْلُهُ حَدًّا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَا حَدُّهُ ؛ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ","part":1,"page":200},{"id":200,"text":"بِالْحَجِّ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ زَجْرًا وَتَأْدِيبًا وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَحُدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَحُدُّهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيمَا تَنَازَعُوهُ مِنْ غَيْرِ أَحْكَامِ الْحَجِّ وَفِي حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَنَازَعُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ كَالزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي إيجَابِ كَفَّارَةٍ لِلْوَطْءِ وَمُؤْنَةِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا ، وَالثَّانِي لَا يَحْكُمُ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُ الْحَجِيجِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فَلَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ بِوُجُوبِهَا وَيَأْمُرَهُ بِإِخْرَاجِهَا ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ إلْزَامُهُ لَهَا وَيَصِيرُ خَصْمًا لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ أَمْ لَا ؟ .\rعَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ وَيَجُوزُ لِوَالِي الْحَجِّ أَنْ يُفْتِيَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ إذَا كَانَ فَقِيهًا ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مَا يَسُوغُ فِعْلُهُ إلَّا فِيمَا يَخَافُ أَنْ يَجْعَلَهُ الْجَاهِلُ قُدْوَةً ، فَقَدْ أَنْكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لُبْسَ الْمُضَرَّجِ فِي الْحَجِّ وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِكَ الْجَاهِلُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ فِي الْمَنَاسِكِ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَلَوْ أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ وَهُوَ حَالٌّ غَيْرُ مُحْرِمٍ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَصَحَّ الْحَجُّ مَعَهُ ، وَهُوَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ مُصَلٍّ لَهَا ، وَلَوْ قَصَدَ النَّاسُ فِي الْحَجِّ التَّقَدُّمَ عَلَى إمَامِهِمْ فِيهِ وَالتَّأْخِيرَ عَنْهُ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةُ الْمَتْبُوعِ مَكْرُوهَةً وَلَوْ قَصَدُوا مُخَالَفَتَهُ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ صَلَاتُهُمْ لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَانْفِصَالِ حَجِّ النَّاسِ عَنْ حَجِّ الْإِمَامِ","part":1,"page":201},{"id":201,"text":"الصَّدَقَةُ زَكَاةٌ ، وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ ، يَفْتَرِقُ الِاسْمُ وَيَتَّفِقُ الْمُسَمَّى ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ حَقٌّ سِوَاهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } .\rوَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِلنَّمَاءِ إمَّا بِأَنْفُسِهَا أَوْ بِالْعَمَلِ فِيهَا طُهْرَةً لِأَهْلِهَا وَمَعُونَةً لِأَهْلِ السَّهْمَانِ .\rوَالْأَمْوَالُ الْمُزَكَّاةُ ضَرْبَانِ : ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ ، فَالظَّاهِرَةُ مَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي ، وَالْبَاطِنَةُ مَا أَمْكَنَ إخْفَاؤُهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَلَيْسَ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ نَظَرٌ فِي زَكَاةِ الْمَالِ الْبَاطِنِ ، وَأَرْبَابُهُ أَحَقُّ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَبْذُلَهَا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ طَوْعًا فَيَقْبَلُهَا مِنْهُمْ وَيَكُونُ فِي تَفْرِيقِهَا عَوْنًا لَهُمْ ؛ وَنَظَرُهُ مُخْتَصٌّ بِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ يُؤْمَرُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ .\rوَفِي هَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ عَادِلًا فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيجَابِ وَلَيْسَ لَهُمْ التَّفَرُّدُ بِإِخْرَاجِهَا وَلَا تُجْزِئُهُمْ إنْ أَخْرَجُوهَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إظْهَارًا لِلطَّاعَةِ ، وَإِنْ تَفَرَّدُوا بِإِخْرَاجِهَا أَجْزَأَتْهُمْ ، وَلَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَيْهَا إذَا امْتَنَعُوا مِنْ دَفْعِهَا كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ إذَا عَدَلُوا بُغَاةً ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قِتَالِهِمْ إذَا أَجَابُوا إلَى إخْرَاجِهَا بِأَنْفُسِهِمْ .","part":1,"page":202},{"id":202,"text":"وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا عَادِلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ ، وَإِنْ كَانَ مُنَفِّذًا قَدْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرٍ يَأْخُذُهُ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَلَّدَهَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَاتُ مِنْ ذِي الْقُرْبَى وَلَكِنْ يَكُونُ رِزْقُهُ عَنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ .\rوَلَهُ إذَا قُلِّدَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يُقَلَّدَ أَخْذَهَا وَقَسْمَهَا ، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا سَنَشْرَحُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يُقَلَّدَ أَخْذَهَا وَيُنْهَى عَنْ قِسْمَتِهَا فَنَظَرُهُ مَقْصُورٌ عَنْ الْأَخْذِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقَسْمِ وَالْمُقَلَّدُ بِهِمَا بِتَأْخِيرِ قَسْمِهَا مَأْثُومٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ تَقْلِيدَهَا لِمَنْ يَنْفَرِدُ بِتَعْجِيلِ قَسْمِهَا .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يُطْلَقَ تَقْلِيدُهُ عَلَيْهَا ، فَلَا يُؤْمَرُ بِقَسْمِهَا وَلَا يُنْهَى عَنْهُ فَيَكُونُ بِإِطْلَاقِهِ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَخْذِهَا وَقَسْمِهَا ، فَصَارَتْ الصَّدَقَاتُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْأَخْذِ وَالْقَسْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ وَسَنَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الِاخْتِصَارِ","part":1,"page":203},{"id":203,"text":"وَنَبْدَأُ بِأَحْكَامِ أَخْذِهَا فَنَقُولُ : إنَّ الْأَمْوَالَ الْمُزَكَّاةَ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا الْمَوَاشِي وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَسُمِّيَتْ مَاشِيَةً لِرَعْيِهَا وَهِيَ مَاشِيَةٌ .\rفَأَمَّا الْإِبِلُ فَأَوَّلُ نِصَابِهَا خَمْسٌ ، وَفِيهَا إلَى تِسْعٍ شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْمَعْزِ ، وَالْجَذَعُ مِنْ الْغَنَمِ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَالثَّنِيُّ مِنْهَا مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً ، فَإِذَا بَلَغَتْ الْإِبِلُ عَشْرًا فَفِيهَا إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَاتَانِ ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي الْعِشْرِينَ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَدَلَ فِي فَرْضِهَا عَنْ الْغَنَمِ وَكَانَ فِيهَا إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتْ السَّنَةَ ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا إلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَاسْتَحَقَّتْ الرُّكُوبَ وَطُرُوقَ الْفَحْلِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا إلَى تِسْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَانِ ، وَهَذَا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَأْنَفُ بِهَا الْفَرْضُ الْمُبْتَدَأُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا اعْتِبَارَ بِالزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَيَكُونَ بِهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً كَانَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ، فَيَكُونُ فِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ","part":1,"page":204},{"id":204,"text":"وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ : وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَحَدُ فَرْضَيْنِ إمَّا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا إلَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ أُخِذَ وَإِنْ وُجِدَا مَعًا أَخَذَ الْعَامِلُ أَفْضَلَهُمَا ، وَقِيلَ يَأْخُذُ الْحِقَاقَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَنْفَعَةً وَأَقَلُّ مُؤْنَةً ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ؛ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ .","part":1,"page":205},{"id":205,"text":"وَأَمَّا الْبَقَرُ ، فَأَوَّلُ نِصَابِهَا ثَلَاثُونَ وَفِيهَا تَبِيعٌ ذَكَرٌ وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَدَرَ عَلَى اتِّبَاعِ أُمِّهِ فَإِنْ أَعْطَى تَبِيعَةً أُنْثَى قُبِلَتْ مِنْهُ ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ أُنْثَى وَهِيَ الَّتِي قَدْ اسْتَكْمَلَتْ سَنَةً ، فَإِنْ أَعْطَى مُسِنًّا ذَكَرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي بَقَرِهِ أُنْثَى ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا فَقَدْ قِيلَ يُقْبَلُ الْمُسِنُّ الذَّكَرُ وَقِيلَ لَا يُقْبَلُ .\rوَاخْتُلِفَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى رِوَايَاتِهِ : يُؤْخَذُ مِنْ خَمْسِينَ بَقَرَةٍ مُسِنَّةٌ وَرُبُعٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ فِيهَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعَانِ ثُمَّ فِيمَا بَعْدَ السِّتِّينَ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ؛ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ فَيَكُونُ فِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ ، وَفِي مِائَةٍ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مُسِنَّتَانِ ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَحَدُ فَرْضَيْنِ كَالْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ ، إمَّا أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثُ مُسِنَّاتٍ ، وَقِيلَ يَأْخُذُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا مَا وَجَدَ ، فَإِنْ وَجَدَهُمَا أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا وَقِيلَ يَأْخُذُ الْمُسِنَّاتِ ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ","part":1,"page":206},{"id":206,"text":"وَأَمَّا الْغَنَمُ فَأَوَّلُ نِصَابِهَا أَرْبَعُونَ ، وَفِيهَا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْمَعْزِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صِغَارًا دُونَ الْجِذَاعِ وَالثَّنَايَا فَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ صَغِيرَةٌ دُونَ الْجَذَعِ وَالثَّنِيَّةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُؤْخَذُ إلَّا جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ ، فَإِذَا صَارَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ ، فَإِذَا صَارَتْ مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ اسْتَكْمَلَهَا مِنْ بَعْدِ الْأَرْبَعِمِائَةِ شَاةٌ وَيُضَمُّ الضَّأْنُ إلَى الْمَعْزِ وَالْجَوَامِيسُ إلَى الْبَقَرِ وَالْبَخَاتِيُّ إلَى الْعِرَابِ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يُضَمُّ الْإِبِلُ إلَى الْبَقَرِ وَلَا الْبَقَرُ إلَى الْغَنَمِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، وَيُجْمَعُ مَالُ الْإِنْسَانِ فِي الزَّكَاةِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَمْوَالُهُ","part":1,"page":207},{"id":207,"text":"وَالْخُلَطَاءُ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْوَاحِدِ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهَا شَرَائِطُ الْخُلْطَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ حَتَّى يَمْلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ نِصَابًا فَيُزَكُّونَ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِبَارَ بِالْخُلْطَةِ وَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ .","part":1,"page":208},{"id":208,"text":"وَزَكَاةُ الْمَوَاشِي تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً تَرْعَى الْكَلَأَ فَتَقِلُّ مُؤْنَتُهَا وَيَتَوَفَّرُ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَامِلَةً أَوْ مَعْلُوفَةً لَمْ تَجِبْ فِيهَا زَكَاةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ كَالسَّائِمَةِ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ الَّذِي يُسْتَكْمَلُ فِيهِ النَّسْلُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .","part":1,"page":209},{"id":209,"text":"وَالسِّخَالُ تُزَكَّى بِحَوْلِ أُمَّهَاتِهَا إذَا وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَكَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا ، فَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمَّهَاتُ عَنْ النِّصَابِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُزَكَّى بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ إذَا بَلَغَتَا نِصَابًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا يُسْتَأْنَفُ بِهَا الْحَوْلُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ النِّصَابِ .","part":1,"page":210},{"id":210,"text":"وَلَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إنَاثِ الْخَيْلِ السَّائِمَةِ دِينَارًا عَنْ كُلِّ فَرَسٍ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ } .","part":1,"page":211},{"id":211,"text":"وَإِذَا كَانَ وَالِي الصَّدَقَاتِ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ أَخَذَهَا فِيمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ لَا عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَا عَلَى اجْتِهَادِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّنْفِيذِ عَمِلَ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَجُزْ لِهَذَا الْعَامِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ وَيَكُونَ رَسُولًا فِي الْقَبْضِ مُنَفِّذًا لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ هَذَا الْعَامِلُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا جَازَ ، فَإِنْ كَانَ فِي زَكَاةٍ عَامَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً لَا يَصِحُّ ثُبُوتُهَا مَعَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَكَاةٍ خَاصَّةٍ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ قَدْ عَرَفَ مَبْلَغَ أَصْلِهِ وَقَدْرَ زَكَاتِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَأْمُورُ بِقَبْضِهِ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ تَجَرَّدَ مِنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَتَخَصَّصَ بِأَحْكَامِ الرِّسَالَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ لَمْ يَعْرِفْ مَبْلَغَهُ وَلَا قَدْرَ زَكَاتِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِهِ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ اُؤْتُمِنَ عَلَى مَالٍ لَا يُعْمَلُ فِيهِ عَلَى خَبَرِهِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِأَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ مَقْبُولٌ .\rوَإِذَا تَأَخَّرَ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاتِهِمْ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُرُودِ عَمَلِهِ وَتَشَاغُلِهِ بِغَيْرِهِمْ انْتَظَرُوهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَتَجَاوَزَ الْعُرْفَ فِي وَقْتِ زَكَاتِهِمْ أَخْرَجُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِالْمُكْنَةِ وَسَاقِطٌ مَعَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ ، وَجَازَ لِمَنْ يَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَلَى اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ اسْتَفْتَى مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ","part":1,"page":212},{"id":212,"text":"يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ غَيْرَهُ وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ فَأَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِإِيجَابِهَا وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ بِإِسْقَاطِهَا أَوْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِقَدْرٍ وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْهُمَا ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْقَوْلَيْنِ حُكْمًا وَقَالَ آخَرُونَ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا .\rفَلَوْ حَضَرَ الْعَامِلُ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ أَوْ اجْتِهَادِ مَنْ اسْتَفْتَاهُ وَكَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ مُؤَدِّيًا إلَى إيجَابِ مَا أَسْقَطَهُ أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ كَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ أَمْضَى إنْ كَانَ وَقْتُ الْإِمْكَانِ بَاقِيًا ، وَاجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ أَنْفَذَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْإِمْكَانِ فَائِتًا ، وَلَوْ أَخَذَ الْعَامِلُ الزَّكَاةَ بِاجْتِهَادِهِ وَعَمِلَ فِي وُجُوبِهَا وَأَسْقَطَهَا عَلَى رَأْيِهِ وَأَدَّى اجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ إلَى إيجَابِ مَا أَسْقَطَهُ أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخَذَهُ لَزِمَ رَبُّ الْمَالِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إخْرَاجُ مَا أَسْقَطَهُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ تَرَكَهُ مِنْ زِيَادَةٍ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لِأَهْلِ السَّهْمَانِ .","part":1,"page":213},{"id":213,"text":"وَالْمَالُ الثَّانِي مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ ثِمَارُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا ، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ فِي ثِمَارِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ خَاصَّةً ، وَلَمْ يُوجِبْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ جَمِيعِ الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ زَكَاةً .\rوَزَكَاتُهَا تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا بُدُوُّ صَلَاحِهَا وَاسْتِطَابَةُ أَكْلِهَا وَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَطَعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ زَكَاةٌ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ ، وَلَا يُكْرَهُ إنْ فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ خَرْصِ الثِّمَارِ عَلَى أَهْلِهَا ؛ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ تَقْدِيرًا لِلزَّكَاةِ وَاسْتِظْهَارًا لِأَهْلِ السَّهْمَانِ ؛ فَقَدْ { وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ عُمَّالًا وَقَالَ لَهُمْ : خَفِّفُوا الْخَرْصَ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْوَصِيَّةَ وَالْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ وَالنَّائِبَةَ } .\rفَالْوَصِيَّةُ مَا يُوصِي بِهَا أَرْبَابُهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ وَالْعَرِيَّةُ مَا يُعْرَى لِلصِّلَاتِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَالْوَاطِئَةُ مَا تَأْكُلُهُ السَّابِلَةُ مِنْهُمْ ، وَسَمُّوهَا وَاطِئَةً لِوَطْئِهِمْ الْأَرْضَ ، وَالنَّائِبَةُ مَا يَنُوبُ الثِّمَارَ مِنْ الْجَوَائِحِ .\rفَأَمَّا ثِمَارُ الْبَصْرَةِ فَيُخْرَصُ كُرُومُهَا وَهُمْ فِي خَرْصِهَا كَغَيْرِهِمْ ، وَلَا يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ نَخْلُهَا لِكَثْرَتِهِ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي خَرْصِهِ ، فَإِنَّهُمْ يُبِيحُونَ فِي التَّعَاوُنِ أَكْلَ الْمَارَّةِ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا مَا قَدَّرَ لَهُمْ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ ثَنَايَاهَا فِي يَوْمَيْ الْجُمُعَةِ وَالثُّلَاثَاءِ يُصْرَفُ مُعْظَمُهُ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ ، وَجُعِلَ لَهُمْ فِي عِوَضِ الثَّنَايَا كِبَارُ الثِّمَارِ ، وَحَمْلُهَا إلَى كُرْسِيِّ الْبَصْرَةِ لِيُسْتَوْفَى","part":1,"page":214},{"id":214,"text":"أَعْشَارُهَا مِنْهُمْ هُنَاكَ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ هَذَا غَيْرَهُمْ فَصَارُوا بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِمَنْ سِوَاهُمْ .","part":1,"page":215},{"id":215,"text":"وَلَا يَجُوزُ خَرْصُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيُخْرَصَانِ بُسْرًا وَعِنَبًا وَيُنْظَرُ مَا يَرْجِعَانِ إلَيْهِ تَمْرًا وَزَبِيبًا ، ثُمَّ يُخَيَّرُ أَرْبَابُهَا إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ بَيْنَ ضَمَانِهَا بِمَبْلَغِ خَرْصِهَا لِيَتَصَرَّفُوا فِيهَا وَيَضْمَنُوا قَدْرَ زَكَاتِهَا ؛ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ أَمَانَةٌ يُمْنَعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى تَتَنَاهَى فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهَا إذَا بَلَغَتْ .\rوَقُدِّرَ لِلزَّكَاةِ الْعُشْرُ إنْ سُقِيَتْ عَذْبًا أَوْ سَيْحًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ إنْ سُقِيَتْ غَرْبًا أَوْ نَضْحًا ؛ فَإِنْ سُقِيَتْ بِهِمَا ، فَقَدْ قِيلَ يُعْتَبَرُ أَعْلَاهُمَا ، وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِقِسْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ فِيمَا سُقِيَتْ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهَا وَأَحْلَفَهُ الْعَامِلُ اسْتِظْهَارًا فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ ، وَيَضُمُّ أَنْوَاعَ النَّخْلِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْكَرْمِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يُضَمُّ النَّخْلُ إلَى الْكَرْمِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ .","part":1,"page":216},{"id":216,"text":"وَإِذَا كَانَتْ ثِمَارُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تَصِيرُ تَمْرًا وَزَبِيبًا لَمْ تُؤْخَذْ زَكَاتُهُمَا إلَّا بَعْدَ تَنَاهِي جَفَافُهُمَا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْخَذُ إلَّا رُطَبًا أَوْ عِنَبًا أُخِذَ عُشْرُ ثَمَنِهِمَا إذَا بِيعَا ، فَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُ السَّهْمَانِ إلَى حَقِّهِمْ مِنْهُمَا رُطَبًا أَوْ عِنَبًا جَازَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إذَا قِيلَ إنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزُ نَصِيبٍ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي إذَا قِيلَ إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ وَإِذَا هَلَكَتْ الثِّمَارُ بَعْدَ خَرْصِهَا بِجَائِحَةٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَمَاءٍ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْهَا سَقَطَتْ ، وَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا أُخِذَتْ .","part":1,"page":217},{"id":217,"text":"( فَصْلٌ ) وَالْمَالُ الثَّالِثُ الزُّرُوعُ أَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ قُوتًا مُدَّخَرًا ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْبُقُولِ وَالْخُضَرِ ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا وَلَا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلَا فِيمَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ نَبَاتِ الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ عِنْدَهُ مِنْ عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ : الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالْأَرُزُّ وَالذُّرَةُ وَالْبَاقِلَّاءُ وَاللُّوبْيَاءُ وَالْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالدُّخْنُ وَالْجُلُبَّانُ فَأَمَّا الْعَلَسُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ يُضَمُّ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ قِشْرَتَانِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِقِشْرَتِهِ إلَّا إذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَرُزُّ فِي قِشْرَتِهِ وَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ يُضَمُّ إلَيْهِ ، وَالْجَاوَرْسُ نَوْعٌ مِنْ الدُّخْنِ يُضَمُّ إلَيْهِ وَمَا عَدَاهُمَا أَجْنَاسٌ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى غَيْرِهِ وَضَمَّ مَالِكٌ الشَّعِيرَ إلَى الْحِنْطَةِ وَضَمَّ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْقُطْنِيَّاتِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَزَكَاةُ الزَّرْعِ تَجِبُ فِيهِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ دِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ إذَا بَلَغَ النِّصْفَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ : وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهَا ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ","part":1,"page":218},{"id":218,"text":"وَإِذَا جَزَّ الْمَالِكُ زَرْعَهُ بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ ؛ وَلَا يُكْرَهُ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ .","part":1,"page":219},{"id":219,"text":"وَإِذَا مَلَكَ الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ فَزَرَعَهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِيهَا عَلَيْهِ وَلَا خَرَاجَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِإِسْلَامِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُؤْخَذُ مِنْهَا ضِعْفُ الصَّدَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهَا مُضَاعَفَةُ الصَّدَقَةِ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهَا صَدَقَةُ الْمُسْلِمِ وَلَا تُضَاعَفَ","part":1,"page":220},{"id":220,"text":"وَإِذَا زَرَعَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عُشْرُ الزَّرْعِ مَعَ خَرَاجِ الْأَرْضِ ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ وَحْدَهُ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ خَرَاجٍ عَلَى مُؤَجِّرِهَا وَالْعُشْرُ عَلَى مُسْتَأْجِرِهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عُشْرُ الزَّرْعِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَكَذَلِكَ الْمُعْمِرِ ؛ فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ .","part":1,"page":221},{"id":221,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْمَالُ الرَّابِعُ فَهُوَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ ، وَهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ ، وَزَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { فِي الْوَرِقِ رُبُعُ الْعُشْرِ } .\rوَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْإِسْلَامِ الَّذِي وَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهُ سِتَّةُ دَوَانِقَ وَكُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَفِيهَا إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ هُوَ رُبُعُ عُشْرِهَا ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا نَقَصَتْ عَنْ مِائَتَيْنِ ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا بِحِسَابِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا زَكَاةَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْنِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَيَجِبُ فِيهَا دِرْهَمٌ سَادِسٌ ، وَالْوَرِقُ الْمَطْبُوعَةُ وَالنِّقَارِ سَوَاءٌ .\rوَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ عُشْرِهِ وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ خَالِصُهُ وَمَطْبُوعُهُ وَلَا تُضَمُّ الْفِضَّةُ إلَى الذَّهَبِ ، وَيُعْتَبَرُ نِصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ ، وَضَمَّ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْأَقَلَّ إلَى الْأَكْثَرِ وَقَوَّمَاهُ بِقِيمَةِ الْأَكْثَرِ ، وَإِذَا اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ تَجِبُ زَكَاتُهُمَا ، وَرِبْحُهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا إذَا حَالَ الْحَوْلُ ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ تَجِبُ بِحَوْلِ الْحَوْلِ عَلَيْهِمَا وَأَسْقَطَ دَاوُد زَكَاةَ مَالِ التِّجَارَةِ وَشَذَّ بِهَذَا الْقَوْلِ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا اتَّخَذَ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ حُلِيًّا مُبَاحًا سَقَطَ زَكَاتُهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَوَجَبَتْ فِي أَضْعَفِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ اتَّخَذَ مِنْهُمَا مَا حَظِرَ مِنْ الْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي وَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي قَوْلِ الْجَمْعِ .","part":1,"page":222},{"id":222,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، فَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي كُلِّ مَا يَنْطَبِعُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّا لَا يَنْطَبِعُ مِنْ مَائِعٍ وَحَجَرٍ ؛ وَأَوْجَبَهَا أَبُو يُوسُفَ فِيمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهَا حُلِيًّا كَالْجَوَاهِرِ وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِي مَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خَاصَّةً إذَا بَلَغَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ نِصَابًا فَفِي قَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ زَكَاتِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا رُبُعُ الْعُشْرِ كَالْمُقْتَنَى مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : الْخُمْسُ كَالرِّكَازِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : يُعْتَبَرُ حَالُهُ ، فَإِنْ كَثُرَتْ مُؤْنَتُهُ فَفِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ ، وَإِنْ قَلَّتْ مُؤْنَتُهُ فَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ لِأَنَّهَا فَائِدَةٌ تُزَكَّى لِوَقْتِهَا .","part":1,"page":223},{"id":223,"text":"أَمَّا الرِّكَازُ ، فَهُوَ كُلُّ مَالٍ وُجِدَ مَدْفُونًا مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ سَابِلٍ يَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَعَلَيْهِ خُمُسُهُ يُصْرَفُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَاجِدُ الرِّكَازِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إظْهَارِهِ وَبَيْنَ إخْفَائِهِ ، وَالْإِمَامُ إذَا ظَهَرَ لَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْخُمُسِ أَوْ تَرْكِهِ ، وَمَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ لَا حَقَّ فِيهِ لِوَاجِدِهِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ إلَّا مَا يَجِبُ مِنْ زَكَاةٍ إنْ يَكُنْ قَدْ أَدَّاهَا عَنْهُ ، وَمَا وُجِدَ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ مَدْفُونًا أَوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا حَوْلًا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَلِلْوَاجِدِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ لِمَالِكِهَا إذَا ظَهَرَ","part":1,"page":224},{"id":224,"text":"( فَصْلٌ ) وَعَلَى عَامِلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِهَا عِنْدَ الدَّفْعِ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْمُسَارَعَةِ وَتَمْيِيزًا لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْجِزْيَةِ وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } أَيْ تُطَهِّرُ ذُنُوبَهُمْ وَتُزَكِّي أَعْمَالَهُمْ وَفِي قَوْله تَعَالَى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا اسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالثَّانِي : اُدْعُ لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَفِي قَوْله تَعَالَى { إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَرْبَعُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : قُرْبَةٌ لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَالثَّانِي : رَحْمَةٌ لَهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَلْحَةَ .\rوَالثَّالِثُ : تَثْبِيتٌ لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ .\rوَالرَّابِعُ : أَمْنٌ لَهُمْ وَهُوَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ إنْ لَمْ يَسْأَلْ وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ إذَا سُئِلَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مُسْتَحَبٌّ ، وَالثَّانِي مُسْتَحَقٌّ .","part":1,"page":225},{"id":225,"text":"وَإِذَا كَتَمَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ وَأَخْفَاهَا عَنْ الْعَامِلِ مَعَ عَدْلِهِ أَخَذَهَا الْعَامِلُ مِنْهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا وَنَظَرَ فِي سَبَبِ إخْفَائِهَا ، فَإِنْ كَانَ لِيَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يُعَزِّرْهُ ، وَإِنْ أَخْفَاهَا لِيَغُلَّهَا وَيَمْنَعَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّرَهُ وَلَمْ يُغَرِّمْهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا وَقَالَ مَالِكٌ يَأْخُذُ مِنْهُ شَطْرَ مَالِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ غَلَّ صَدَقَةً فَأَنَا آخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا نَصِيبٌ } .\rوَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } مَا يَصْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ الْإِيجَابِ إلَى الزَّجْرِ وَالْإِرْهَابِ كَمَا قَالَ : { مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ } وَإِنْ كَانَ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ","part":1,"page":226},{"id":226,"text":"وَإِذَا كَانَ الْعَامِلُ جَائِرًا فِي الصَّدَقَةِ عَادِلًا فِي قِسْمَتِهَا جَازَ كَتْمُهَا وَأَجْزَأَ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ عَادِلًا فِي أَخْذِهَا جَائِرًا فِي قِسْمَتِهَا وَجَبَ كِتْمَانُهَا مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ ؛ فَإِنْ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ جَبْرًا لَمْ يُجْزِهِمْ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْوَالِهِمْ وَلَزِمَهُمْ إخْرَاجُهَا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا مِنْ أَهْلِ السَّهْمَانِ وَقَالَ مَالِكٌ يُجْزِئُهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَتُهَا .","part":1,"page":227},{"id":227,"text":"وَإِذَا أَقَرَّ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ بِقَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَقْتَ وِلَايَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ أَوْ مِنْ عُمَّالِ التَّنْفِيذِ وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ وَجْهَانِ تَخْرِيجًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي دَفْعِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إلَيْهِ ، هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مُسْتَحَقٌّ ؟ فَإِنْ قِيلَ مُسْتَحَبٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ ، وَإِنْ قِيلَ مُسْتَحَقٌّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا بِقَبْضِهَا وَإِنْ كَانَ عَدْلًا","part":1,"page":228},{"id":228,"text":"وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ إخْرَاجَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَعَ تَأْخِيرِ الْعَامِلِ عَنْهُ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَأَحْلَفَهُ الْعَامِلُ إنْ اتَّهَمَهُ .\rوَفِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْيَمِينِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مُسْتَحِقُّهُ إنْ نَكَلَ عَنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي اسْتِظْهَارًا إنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ ، وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ الْعَامِلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ إنْ قِيلَ : إنَّ دَفْعَهَا إلَى الْعَامِلِ مُسْتَحَقٌّ وَقُبِلَ قَوْلُهُ إنْ قِيلَ : إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ","part":1,"page":229},{"id":229,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا قَسْمُ الصَّدَقَاتِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا ؛ فَهِيَ لِمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } بَعْدَ أَنْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُهَا عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَزِمَهُ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إذَا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ } .\rثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الصَّدَقَاتِ بَعْدُ فَعِنْدَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا بِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ حَتَّى تَوَلَّى قِسْمَتَهَا بِنَفْسِهِ } .\rفَوَاجِبٌ أَنْ تُقْسَمَ صَدَقَاتُ الْمَوَاشِي وَأَعْشَارُ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَالْمَعَادِنِ وَخُمُسُ الرِّكَازِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا زَكَاةٌ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إذَا وُجِدُوا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ بِصِنْفٍ مِنْهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ مَعَ وُجُودِهِمْ ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى جَمِيعِهِمْ ، وَفِي تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَوَاجِبٌ عَلَى عَامِلِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَكَامُلِهَا وَوُجُودِ جَمِيعِ مِنْ سُمِّيَ لَهَا أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ بِالتَّسْوِيَةِ فَيَدْفَعُ سَهْمًا مِنْهَا إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْفَقِيرُ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ يَدْفَعُ السَّهْمَ الثَّانِيَ إلَى الْمَسَاكِينِ وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي لَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ فَكَانَ الْفَقِيرُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ أَسْكَنَهُ الْعَدَمُ ، فَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا","part":1,"page":230},{"id":230,"text":"اتَّسَعَتْ الزَّكَاةُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَسَبِ حَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مِنْ يَصِيرُ بِالدِّينَارِ الْوَاحِدِ غَنِيًّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ يَرْبَحُ فِيهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَغْنِي إلَّا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ذَا جَلَدٍ يَكْتَسِبُ بِصِنَاعَتِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا وَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرَ مَا يُعْطَاهُ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ بِمَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الْوَرِقِ وَمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنْ الذَّهَبِ لِئَلَّا تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ السَّهْمُ الثَّالِثُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَهُمْ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا : الْمُقِيمُونَ بِأَخْذِهَا وَجِبَايَتِهَا .\rوَالثَّانِي : الْمُقِيمُونَ بِقِسْمَتِهَا وَتَفْرِيقِهَا مِنْ أَمِينٍ وَمُبَاشِرٍ مَتْبُوعٍ وَتَابِعٍ ، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أُجُورَهُمْ فِي مَالِ الزَّكَاةِ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ سِوَاهَا ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ ؛ فَإِنْ كَانَ سَهْمُهُمْ مِنْهَا أَكْثَرَ رُدَّ الْفَضْلُ عَلَى بَاقِي السِّهَامِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ تُمِّمَتْ أُجُورُهُمْ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَمِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ .\rوَالسَّهْمُ الرَّابِعُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِمَعُونَةِ الْمُسْلِمِينَ وَصِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِلْكَفِّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَصِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَصِنْفٌ لِتَرْغِيبِ قَوْمِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مُسْلِمًا جَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا عَدَلَ بِهِ عَنْ مَالِ الزَّكَاةِ إلَى سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنْ","part":1,"page":231},{"id":231,"text":"الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ .\rوَالسَّهْمُ الْخَامِسُ سَهْمُ الرِّقَابِ ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَصْرُوفٌ فِي الْمُكَاتَبِينَ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ قَدْرَ مَا يُعْتَقُونَ بِهِ وَقَالَ مَالِكٌ يُصْرَفُ فِي شِرَاءِ عَبِيدٍ يُعْتَقُونَ .\rوَالسَّهْمُ السَّادِسُ : لِلْغَارِمِينَ ، وَهُمْ صِنْفَانِ : صِنْفٌ مِنْهُمْ اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَعَ الْفَقْرِ دُونَ الْغِنَى مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى قَدْرَ دُيُونِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ .\rوَالسَّهْمُ السَّابِعُ سَهْمُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ الْغُزَاةُ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ قَدْرُ حَاجَتِهِمْ فِي جِهَادِهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا يُرَابِطُونَ فِي الثَّغْرِ دُفِعَ إلَيْهِمْ نَفَقَةُ ذَهَابِهِمْ وَمَا أَمْكَنَ مِنْ نَفَقَاتِ مَقَامِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا يَعُودُونَ إذَا جَاهَدُوا أُعْطُوا نَفَقَةَ ذَهَابِهِمْ وَعَوْدِهِمْ .\rوَالسَّهْمُ الثَّامِنُ سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نَفَقَةَ سَفَرِهِمْ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ قَدْرُ كِفَايَتِهِمْ فِي سَفَرِهِمْ وَسَوَاءٌ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُبْتَدِئًا بِالسَّفَرِ أَوْ مُجْتَازًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَدْفَعُهُ إلَى الْمُجْتَازِ دُونَ الْمُبْتَدِئِ بِالسَّفَرِ .","part":1,"page":232},{"id":232,"text":"وَإِذَا قُسِمَتْ الزَّكَاةُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ بَعْدَهَا مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ وَفْقَ كِفَايَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ ، فَقَدْ خَرَجُوا بِمَا أَخَذُوهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضُ لَهَا .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مُقَصِّرَةً عَنْ كِفَايَتِهِمْ فَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ أَهْلِهَا وَيُحَالُونَ بِبَاقِي كِفَايَتِهِمْ عَلَى غَيْرِهَا .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لِبَعْضِهِمْ مُقَصِّرَةً عَنْ الْبَاقِينَ فَيَخْرُجُ الْمُكْتَفُونَ عَنْ أَهْلِهَا وَيَكُونُ الْمُقَصِّرُونَ عَلَى حَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : أَنْ تَفْضُلَ عَنْ كِفَايَةِ جَمِيعِهِمْ فَيَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْكِفَايَةِ وَيُرَدُّ الْفَاضِلُ مِنْ سِهَامِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ .\rوَالْقِسْمُ الْخَامِسُ : أَنْ تَفْضُلَ عَنْ كِفَايَاتِ بَعْضِهِمْ وَتَعْجِزُ عَنْ كِفَايَاتِ الْبَاقِينَ فَيُرَدُّ مَا فَضَلَ عَنْ الْمُكْتَفِينَ عَلَى مَنْ عَجَزَ مِنْ الْمُقَصِّرِينَ حَتَّى يَكْتَفِيَ الْفَرِيقَانِ .","part":1,"page":233},{"id":233,"text":"وَإِذَا عُدِمَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قُسِمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ وَلَوْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا ؛ وَلَا يُنْقَلُ سَهْمُ مَنْ عُدِمَ مِنْهُمْ فِي جِيرَانِ الْمَالِ إلَّا سَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْغُزَاةِ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ الثُّغُورَ فِي الْأَغْلَبِ ؛ وَتُفَرَّقُ زَكَاةُ كُلِّ نَاحِيَةٍ فِي أَهْلِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنْقَلَ زَكَاةُ بَلَدٍ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ أَهْلِ السَّهْمَانِ فِيهِ ؛ فَإِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ مَعَ وُجُودِهِمْ فِيهِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَجْزَأَهُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .","part":1,"page":234},{"id":234,"text":"وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى كَافِرٍ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَ زَكَاةِ الْفِطْرِ خَاصَّةً إلَى الذِّمِّيِّ دُونَ الْمُعَاهَدِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَنْزِيهًا لَهُمْ عَنْ أَوْسَاخِ الذُّنُوبِ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إلَى عَبْدٍ وَلَا مُدَبَّرٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَلَا مَنْ رُقَّ بَعْضُهُ ؛ وَلَا يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إلَى زَوْجَتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ الْمَرْأَةُ زَكَاتَهَا إلَى زَوْجِهَا ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدٌ زَكَاتَهُ إلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ لِغِنَاهُمْ بِهِ إلَّا مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إذَا كَانُوا مِنْهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَصَرْفُهَا فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْأَجَانِبِ وَفِي جِيرَانِ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَبَاعِدِ","part":1,"page":235},{"id":235,"text":"وَإِذَا أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ أَقَارِبَهُ إلَى الْعَامِلِ لِيَخُصَّهُمْ بِزَكَاةِ مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِطْ زَكَاتُهُ بِزَكَاةِ غَيْرِهِ خَصَّهُمْ بِهَا فَإِنْ اخْتَلَطَتْ كَانُوا فِي الْمُخْتَلَطِ أُسْوَةَ غَيْرِهِمْ ، لَكِنْ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَحَقُّ وَأَخَصُّ","part":1,"page":236},{"id":236,"text":"وَإِذَا اسْتَرَابَ رَبُّ الْمَالِ بِالْعَامِلِ فِي مَصْرِفِ زَكَاتِهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى قِسْمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، وَلَوْ سَأَلَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَحْضُرَ قِسْمَتَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ لِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا بِالدَّفْعِ .\rوَإِذَا هَلَكَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِ الْعَامِلِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا أَجْزَأَتْ رَبَّ الْمَالِ وَلَمْ يَضْمَنْهَا الْعَامِلُ إلَّا بِالْعُدْوَانِ وَإِذَا تَلِفَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْعَامِلِ لَمْ تُجْزِهِ وَأَعَادَهَا ، وَلَوْ تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ إنْ كَانَ تَلَفُهُ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا ، وَلَا تَسْقُطُ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا ، وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ تَلَفَ مَالِهِ قَبْلَ ضَمَانِ زَكَاتِهِ كَانَ قَوْلًا مَقْبُولًا ؛ وَإِنْ اتَّهَمَهُ الْعَامِلُ أَحَلَفَهُ اسْتِظْهَارًا","part":1,"page":237},{"id":237,"text":"وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ رِشْوَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَا يَقْبَلَ هَدَايَاهُمْ .\rقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ } وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا أُخِذَتْ طَلَبًا وَالْهَدِيَّةَ مَا بُذِلَتْ عَفْوًا ، فَإِذَا ظَهَرَتْ عَلَى الْعَامِلِ خِيَانَةٌ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ النَّاظِرُ فِي حَالِهِ الْمُسْتَدْرِكُ لِخِيَانَتِهِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِأَهْلِ السَّهْمَانِ فِي خُصُومَتِهِ إلَّا أَنْ يَتَظَلَّمُوا إلَى الْإِمَامِ تَظَلُّمَ الْحَاجَاتِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِمْ فَأَمَّا شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي وَضْعِهِ لَهَا غَيْرَ حَقِّهَا سُمِعَتْ .\rوَإِذَا ادَّعَى أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ دَفْعَ الزَّكَاةِ إلَى الْعَامِلِ وَأَنْكَرَهَا أَحَلَفَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ عَلَى مَا ادَّعُوهُ وَبَرِئُوا وَأَحْلَفَ الْعَامِلَ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ وَبَرِئَ فَإِنْ شَهِدَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ لِبَعْضٍ بِالدَّفْعِ إلَى الْعَامِلِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّنَاكُرِ وَالتَّخَاصُمِ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا سُمِعَتْ وَحُكِمَ عَلَى الْعَامِلِ بِالْغُرْمِ ، فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ قَسَمَهَا فِي أَهْلِ السَّهْمَانِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِإِنْكَارِهِ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ السَّهْمَانِ بِأَخْذِهَا مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَهُمْ بِإِنْكَارِ الْأَخْذِ وَإِذَا أَقَرَّ الْعَامِلُ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَادَّعَى قِسْمَتَهَا فِي أَهْلِ السَّهْمَانِ فَأَنْكَرُوهُ كَانَ قَوْلُهُ فِي قِسْمَتِهَا مَقْبُولًا لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ فِيهَا ؛ وَقَوْلُهُمْ فِي إنْكَارٍ مَقْبُولٌ فِي بَقَاءِ فَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَمَنْ ادَّعَى مِنْ أَهْلِ السَّهْمَانِ فَقْرًا قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ ادَّعَى غُرْمًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَا بِبَيِّنَةٍ ؟ وَإِذَا أَقَرَّ رَبُّ","part":1,"page":238},{"id":238,"text":"الْمَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَبْلَغِ مَالِهِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِإِحْضَارِ مَالِهِ جَبْرًا وَإِذَا","part":1,"page":239},{"id":239,"text":"أَخْطَأَ الْعَامِلُ فِي قَسْمِ الزَّكَاةِ وَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ لَمْ يَضْمَنْ فِيمَنْ يُخْفِي مِنْ الْأَغْنِيَاءِ ، وَفِي ضَمَانِهِ لَهَا فِيمَنْ لَا يُخْفِي مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْكُفَّارِ وَالْعَبِيدِ قَوْلَانِ ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الْخَاطِئَ فِي قِسْمَتِهَا ضَمِنَهَا فِيمَنْ لَا يَخْفَى حَالُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْعَبِيدِ .\rوَفِي ضَمَانِهَا فِيمَنْ يَخْفَى حَالُهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ قَوْلَانِ : وَيَكُونُ حُكْمُ الْعَامِلِ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ أَوْسَعَ لِأَنَّ شُغْلَهُ أَكْثَرُ فَكَانَ فِي الْخَطَإِ أَعْذَرَ .","part":1,"page":240},{"id":240,"text":"وَأَمْوَالُ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ : مَا وَصَلَتْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ كَانُوا سَبَبَ وُصُولِهَا وَيَخْتَلِفُ الْمَالَانِ فِي حُكْمِهِمَا وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِأَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ الصَّدَقَاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ ، وَالْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْكُفَّارِ انْتِقَامًا مِنْهُمْ وَالثَّانِي أَنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ فِيهِ وَفِي أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَا يَقِفُ مَصْرِفُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ أَمْوَالَ الصَّدَقَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهَا بِقِسْمَتِهَا فِي أَهْلِهَا وَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِوَضْعِهِ فِي مُسْتَحِقِّهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالرَّابِعُ اخْتِلَافُ الْمَصْرِفَيْنِ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُ .\rأَمَّا الْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَمُخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا وَجْهَا اتِّفَاقِهِمَا فَأَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ وَاصِلٌ بِالْكُفْرِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ مَصْرِفَ خُمُسِهِمَا وَاحِدٌ وَأَمَّا وَجْهَا افْتِرَاقِهِمَا فَأَحَدُهُمَا أَنَّ مَالَ الْفَيْءِ مَأْخُوذٌ عَفْوًا وَمَالَ الْغَنِيمَةِ مَأْخُوذٌ قَهْرًا وَالثَّانِي أَنَّ مَصْرِفَ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ مُخَالِفٌ الْغَنِيمَةَ لِمَصْرِفِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ مَا سَنُوَضِّحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَسَنَبْدَأُ بِمَالِ الْفَيْءِ فَنَقُولُ : إنَّ كُلَّ مَالٍ وَصَلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلَا بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَهُوَ كَمَالِ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ وَأَعْشَارِ مَتَاجِرِهِمْ أَوْ كَانَ وَاصِلًا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِمْ كَمَالِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ إذَا أُخِذَ مِنْهُمْ أَدَاءَ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الْخُمُسِ مَقْسُومًا عَلَى خَمْسَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا خُمُسَ فِي الْفَيْءِ وَنَصُّ الْكِتَابِ فِي خُمُسِ الْفَيْءِ يَمْنَعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا","part":1,"page":241},{"id":241,"text":"أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rفَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةٍ : سَهْمٌ مِنْهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَيَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ فَذَهَبَ مَنْ يَقُولُ بِمِيرَاثِ الْأَنْبِيَاءِ إلَى أَنَّهُ مَوْرُوثٌ عَنْهُ مَصْرُوفٌ إلَى وَرَثَتِهِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَكُونُ مِلْكًا لِلْإِمَامِ بَعْدَهُ لِقِيَامِهِ بِأُمُورِ الْأُمَّةِ مَقَامَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَصْرُوفًا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَأَرْزَاقِ الْجَيْشِ وَإِعْدَادِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَأَرْزَاقِ الْقَضَاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَالسَّهْمُ الثَّانِي سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى زَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُمْ مِنْهُ الْيَوْمَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَقَّهُمْ فِيهِ ثَابِتٌ ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَا عَبْدِ مَنَافٍ خَاصَّةً لَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّهَا يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ ، وَيُفَضَّلُ فِيهِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِمَوَالِيهِمْ وَلَا لِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ حُصُولِ الْمَالِ وَقَبْلَ قَسْمِهِ كَانَ سَهْمُهُ مِنْهُ مُسْتَحَقًّا لِوَرَثَتِهِ وَالسَّهْمُ الثَّالِثُ لِلْيَتَامَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ .\rوَالْيُتْمُ : مَوْتُ الْأَبِ مَعَ الصِّغَرِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ؛ فَإِذَا بَلَغَا زَالَ اسْمُ الْيُتْمِ عَنْهُمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ } .\rوَالسَّهْمُ","part":1,"page":242},{"id":242,"text":"الرَّابِعُ لِلْمَسَاكِينِ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ ، لِأَنَّ مَسَاكِينَ الْفَيْءِ يَتَمَيَّزُونَ عَنْ مَسَاكِينِ الصَّدَقَاتِ لِاخْتِلَافِ مَصْرِفِهِمَا وَالسَّهْمُ الْخَامِسُ : لِبَنِي السَّبِيلِ ، وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ ، وَسَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ ابْتَدَأَ بِالسَّفَرِ أَوْ كَانَ مُجْتَازًا ، فَهَذَا حُكْمُ الْخُمُسِ فِي قَسْمِهِ وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِلْجَيْشِ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ لِيَكُونَ مُعَدًّا لِأَرْزَاقِهِمْ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ الَّتِي مِنْهَا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَمَا لَا غِنَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ .","part":1,"page":243},{"id":243,"text":"وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ الْفَيْءُ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ ، وَلَا تُصْرَفُ الصَّدَقَاتُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ وَيُصْرَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ فِي أَهْلِهِ وَأَهْلِ الصَّدَقَةِ مَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ وَلَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ حُمَاةِ الْبَيْضَةِ وَأَهْلُ الْفَيْءِ هُمْ ذَوُو الْهِجْرَةِ الذَّابُّونَ عَنْ الْبَيْضَةِ وَالْمَانِعُونَ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْمُجَاهِدُونَ لِلْعَدُوِّ ، وَكَانَ اسْمُ الْهِجْرَةِ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ إلَى الْمَدِينَةِ لِطَلَبِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ بِأَسْرِهَا تُدْعَى الْبَرَرَةُ ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ هَاجَرَ بَعْضُهَا تُدْعَى الْخِيرَةُ ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ بَرَرَةٌ وَخِيرَةٌ ، ثُمَّ سَقَطَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ مُهَاجِرِينَ وَأَعْرَابًا ، فَكَانَ أَهْلُ الصَّدَقَةِ يُسَمَّوْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابًا ، وَيُسَمَّى أَهْلُ الْفَيْءِ مُهَاجِرِينَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ كَمَا قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ( مِنْ السَّرِيعِ ) : قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيِّ أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنْ الدَّوِيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ وَلِاخْتِلَافِ الْفَرِيقَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَالَيْنِ مَا تَمَيَّزَ وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا وَجَوَّزَ صَرْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ","part":1,"page":244},{"id":244,"text":"وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَصِلَ قَوْمًا لِتَعُودَ صِلَاتُهُمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالرُّسُلِ وَالْمُؤَلَّفَةِ جَازَ أَنْ يَصِلَهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ ؛ فَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤَلَّفَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ وَالْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيَّ خَمْسِينَ بَعِيرًا فَتَسَخَّطَهَا وَعَتَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ( مِنْ الْمُتَقَارِبِ ) : كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ وَإِيقَاظِي الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا إذَا هَجَعَ الْقَوْمُ لَمْ أَهْجَعْ فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا قُدْرَةٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعْ وَإِلَّا أُقَاتِلْ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسًا فِي مَجْمَعِ وَلَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : \" اذْهَبْ فَاقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ \" .\rفَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْطَعَ لِسَانِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُعْطِيكَ حَتَّى تَرْضَى ، فَأَعْطَاهُ فَكَانَ ذَلِكَ قَطْعَ لِسَانِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صِلَةُ الْإِمَامِ لَا تَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا نَفْعَ الْمُعْطِي خَاصَّةً كَانَتْ صِلَاتُهُمْ مِنْ مَالِهِ .\rرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ ( مِنْ السَّرِيعِ ) : يَا عُمَرَ الْخَيْرِ جُزِيتَ الْجَنَّهْ اُكْسُ بُنَيَّاتِي وَأُمَّهُنَّهْ وَكُنْ لَنَا مِنْ الزَّمَانِ جُنَّهْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا ؟ فَقَالَ : إذًا أَبَا حَفْصٍ لَأَذْهَبَنَّهْ .\rفَقَالَ : وَإِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا ؟ فَقَالَ : يَكُونُ عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهْ يَوْمَ","part":1,"page":245},{"id":245,"text":"تَكُونُ الْأَعْطِيَاتُ هَنَّهْ وَمَوْقِفُ الْمَسْئُولِ بَيْنَهُنَّهْ إمَّا إلَى نَارٍ وَإِمَّا جَنَّهْ قَالَ فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى خَضَبَتْ لِحْيَتُهُ وَقَالَ يَا غُلَامُ أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا لِشِعْرِهِ ، أَنَا وَاَللَّهِ لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ .\rفَجَعَلَ مَا وَصَلَ بِهِ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ صِلَتَهُ لَا تَعُودُ بِنَفْعٍ عَلَى غَيْرِهِ فَخَرَجَتْ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَمِثْلُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ ، غَيْرَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا إمَّا لِأَجْلِ شِعْرِهِ الَّذِي اسْتَزَلَّهُ فِيهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مَصْرُوفَةٌ فِي جِيرَانِهَا وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَكَانَ مِمَّا نَقَمَهُ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ جَعَلَ كُلَّ الصِّلَاتِ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَلَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ","part":1,"page":246},{"id":246,"text":"وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ ذُكُورَ أَوْلَادِهِ مَالَ الْفَيْءِ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ ، فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا كَانُوا فِي إعْطَاءِ الذَّرَارِيِّ مِنْ ذَوِي السَّابِقَةِ وَالتَّقَدُّمِ ، وَإِنْ كَانُوا كِبَارًا فَفِي إعْطَاءِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَمْثَالِهِمْ .\rحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا بَلَغَ أَتَى أَبَاهُ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ فَفَرَضَ لَهُ فَيْءَ أَلْفَيْنِ ، ثُمَّ جَاءَ غُلَامٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَدْ بَلَغَ فَسَأَلَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ فَفَرَضَ لَهُ فَيْءَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَرَضْتَ لِي فَيْءَ أَلْفَيْنِ وَفَرَضْتَ لِهَذَا فَيْءَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَلَمْ يَشْهَدْ أَبُو هَذَا مَا قَدْ شَهِدْتُ قَالَ أَجَلْ لَكِنِّي رَأَيْتُ أَبَا أُمِّكَ يُقَاتِلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْتُ أَبَا أُمِّ هَذَا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْأُمِّ أَكْثَرُ مِنْ الْأَلْفِ .\rوَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَوْلَادَهُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ ذُرِّيَّتِهِ الدَّاخِلِينَ فِي عَطَائِهِ وَأَمَّا عَبِيدُهُ وَعَبِيدُ غَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُقَاتِلَةً فَنَفَقَاتُهُمْ فِي مَالِهِ وَمَالِ سَادَاتِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مُقَاتِلَةً فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْرِضُ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ فِيهِمْ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَا يَفْرِضُ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَلَكِنْ تُزَادُ سَادَاتُهُمْ فِي الْعَطَاءِ لِأَجْلِهِمْ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَطَاءِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الذُّرِّيَّةِ ؛ فَإِنْ عَتَقُوا جَازَ أَنْ يَفْرِضَ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ","part":1,"page":247},{"id":247,"text":"وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِنُقَبَاءِ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي عَطَايَاهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِعُمَّالِهِمْ لِأَنَّ النُّقَبَاءَ مِنْهُمْ وَالْعُمَّالَ يَأْخُذُونَ أَجْرًا عَلَى عَمَلِهِمْ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْفَيْءِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ مِنْهُمَا إذَا أَرَادَ سَهْمَهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ ؛ لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَاتُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفَيْءُ وَلَا يَجُوزُ لِعَامِلِ الْفَيْءِ أَنْ يَقْسِمَ مَا جَبَاهُ إلَّا بِإِذْنِ .\rوَيَجُوزُ لِعَامِلِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يَقْسِمَ مَا جَبَاهُ بِغَيْرِ إذْنٍ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صَرْفِ مَالِ الْفَيْءِ عَنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَمَصْرِفِ الصَّدَقَةِ نَصٌّ بِالْكِتَابِ","part":1,"page":248},{"id":248,"text":"وَصِفَةُ عَامِلِ الْفَيْءِ مَعَ وُجُودِ أَمَانَتِهِ وَشَهَامَتِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ وِلَايَتِهِ فِيهِ : هِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : أَحَدُهَا أَنْ يَتَوَلَّى تَقْدِيرَ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَتَقْدِيرَ وَضْعِهَا فِي الْجِهَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْهَا كَوَضْعِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ فَمِنْ شُرُوطِ وِلَايَةِ هَذَا الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا مُجْتَهِدًا فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُضْطَلِعًا بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَامَّ الْوِلَايَةِ عَلَى جِبَايَةِ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ كُلِّهَا فَالْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ شُرُوطُ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالِاضْطِلَاعِ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا لِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ مَا اسْتَقَرَّ بِوَضْعِ غَيْرِهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ خَاصَّ الْوِلَايَةِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ خَاصٍّ فَيُعْتَبَرُ مَا وَلِيَهُ مِنْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فِيهِ عَنْ اسْتِنَابَةٍ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ مَعَ اضْطِلَاعِهِ بِشُرُوطِ مَا وَلِيَ مِنْ مِسَاحَةٍ أَوْ حِسَابٍ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا وَلَا عَبْدًا ، لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنَابَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِأَنَّهُ كَالرَّسُولِ الْمَأْمُورِ وَأَمَّا كَوْنُهُ ذِمِّيًّا فَيَنْظُرُ فِيمَا رَدَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْجِزْيَةِ وَأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَالْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضِينَ إذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَفِي جَوَازِ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا وَجْهَانِ .\rوَإِذَا بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ فَقَبَضَ مَالَ الْفَيْءِ مَعَ فَسَادِ وِلَايَتِهِ بَرِئَ الدَّافِعُ مِمَّا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الْقَبْضِ ، لِأَنَّ الْقَابِضَ مِنْهُ مَأْذُونٌ لَهُ وَإِنْ فَسَدَتْ وِلَايَتُهُ وَجَرَى فِي الْقَبْضِ مَجْرَى","part":1,"page":249},{"id":249,"text":"الرَّسُولِ ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا أَنَّ لَهُ الْإِجْبَارَ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَلَهُ الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا ، فَإِنْ نُهِيَ عَنْ الْقَبْضِ مَعَ فَسَادِ وِلَايَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَبْضُ وَلَا الْإِجْبَارُ وَلَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إذَا عَلِمَ بِنَهْيِهِ وَفِي بَرَاءَتِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ وَجْهَانِ كَالْوَكِيلِ .","part":1,"page":250},{"id":250,"text":"فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ أَكْثَرُ أَقْسَامًا وَأَحْكَامًا لِأَنَّهَا أَصْلٌ تَفَرَّعَ عَنْهُ الْفَيْءُ فَكَانَ حُكْمُهَا أَعَمَّ وَتَشْتَمِلُ عَلَى أَقْسَامٍ : أَسْرَى ، وَسَبْيٌ ، وَأَرْضِينَ ، وَأَمْوَالٌ .\rفَأَمَّا الْأَسْرَى فَهُمْ الْمُقَاتِلُونَ مِنْ الْكُفَّارِ إذَا ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِأَسْرِهِمْ أَحْيَاءَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِمْ ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ اسْتَنَابَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ إذَا أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ فِي الْأَصْلَحِ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ : إمَّا الْقَتْلُ ، وَإِمَّا الِاسْتِرْقَاقُ ، وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ أَوْ أَسْرَى ، وَإِمَّا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ .\rفَإِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ وَكَانَ عَلَى خِيَارِهِ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : الْقَتْلُ أَوْ الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالرِّجَالِ دُونَ الْمَالِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ الْقَتْلُ أَوْ الِاسْتِرْقَاقُ وَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ وَلَا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ ؛ وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ ، قَالَ تَعَالَى : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } .\rوَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَعُودَ لِقِتَالِهِ فَعَادَ لِقِتَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَأُسِرَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ فَقَالَ اُمْنُنْ عَلَيَّ فَقَالَ : { لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ } .\rوَلَمَّا قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِالصَّفْرَاءِ بَعْدَ انْكِفَائِهِ مِنْ بَدْرٍ لَمَّا اسْتَوْقَفَتْهُ ابْنَتُهُ قُتَيْلَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَنْشَدَتْهُ قَوْلَهَا ( مِنْ الْكَامِلِ ) : يَا رَاكِبًا إنَّ الْأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ عَنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغْ بِهِ مَيْتًا فَإِنَّ تَحِيَّةً مَا إنْ تَزَالُ بِهَا","part":1,"page":251},{"id":251,"text":"الرَّكَائِبُ تَخْفُقُ مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةٌ مَسْفُوحَةٌ جَاءَتْ لِمَائِحِهَا وَأُخْرَى تُخْنَقُ أَمُحَمَّدٌ يَا خَيْرَ ضِنْءِ كَرِيمَةٍ فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ النَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ قَتَلْتَ قَرَابَةً وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُهُ } .\rوَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْمَنُّ لَمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ أَقْوَالَهُ أَحْكَامٌ مَشْرُوعَةٌ .\rوَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ وَفَادَى بَعْدَهُمْ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ ، فَإِذَا ثَبَتَ خِيَارُهُ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ بَيْنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ تَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ وَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِيهِمْ ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ قُوَّةَ بَأْسٍ وَشِدَّةَ نِكَايَةٍ وَيَئِسَ مِنْ إسْلَامِهِ وَعَلِمَ مَا فِي قَتْلِهِ مِنْ وَهَنِ قَوْمِهِ قَتَلَهُ صَبْرًا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ ، وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَكَانَ مَأْمُونَ الْخِيَانَةِ وَالْخَبَاثَةِ اسْتَرَقَّهُ لِيَكُونَ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ مَرْجُوَّ الْإِسْلَامِ أَوْ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَرَجَا بِالْمَنِّ عَلَيْهِ إمَّا إسْلَامَهُ أَوْ تَأْلِيفَ قَوْمِهِ مَنَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ ذَا مَالٍ وَجَدَّةٍ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خُلَّةٌ وَحَاجَةٌ فَأَدَّاهُ عَلَى مَالٍ وَجَعَلَهُ عُدَّةً لِلْإِسْلَامِ وَقُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ كَانَ فِي أَسْرَى عَشِيرَتِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ فَأَدَّاهُ عَلَى إطْلَاقِهِمْ فَيَكُونُ خِيَارُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَحْوَطِ الْأَصْلَحِ وَيَكُونُ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الْفِدَاءِ غَنِيمَةً تُضَافُ إلَى الْغَنَائِمِ ، وَلَا يُخَصُّ بِهَا مَنْ أُسِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ فِدَاءَ الْأَسْرَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إلَى مَنْ أَسَرَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ فِي","part":1,"page":252},{"id":252,"text":"الْغَانِمِينَ : وَمَنْ أَبَاحَ الْإِمَامُ دَمَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِعِظَمِ نِكَايَتِهِ وَشِدَّةِ أَذِيَّتِهِ ثُمَّ أُسِرَ جَازَ لَهُ الْمَنُّ عَلَيْهِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ سِتَّةٍ عَامَ الْفَتْحِ وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ لَهُ اُكْتُبْ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَيَكْتُبُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ إنِّي أَصْرِفُ مُحَمَّدًا حَيْثُ شِئْتُ فَنَزَلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .\rوَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ، كَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِسَبِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُفَيْلٍ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ كَانَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ قَتَلَ أَخًا لَهُ خَطَأً فَأَخَذَ دِيَتَهُ ثُمَّ اغْتَالَ الْقَاتِلَ فَقَتَلَهُ وَعَادَ إلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا وَأَنْشَأَ يَقُولُ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا يُضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ تُلِمُّ فَتُحْفِي عَنْ وِطَاءِ الْمَضَاجِعِ ثَأَرْتُ بِهِ قَهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا وَكُنْتُ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوَّلَ رَاجِعِ وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي الْمُطَّلِبِ كَانَتْ تَسُبُّ وَتُؤْذِي وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يُكْثِرُ التَّأْلِيبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبًا لِثَأْرِ أَبِيهِ .\rفَأَمَّا { عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَعَادَ الِاسْتِئْمَانَ ثَانِيَةً فَلَمَّا وَلَّى قَالَ مَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَقْتُلُهُ حِينَ أَعْرَضْتُ عَنْهُ ، قَالُوا هَلَّا","part":1,"page":253},{"id":253,"text":"أَوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ قَالَ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ } وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَقَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُفَيْلٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَبْرًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : { لَا يُقْتَلُ قُرَيْشِيٌّ بَعْدَ هَذَا إلَّا بِقَوَدٍ } .\rوَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا وَهَرَبَتْ الْأُخْرَى حَتَّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهَا وَأَمَّا سَارَةُ فَتَغَيَّبَتْ حَتَّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهَا ثُمَّ تَغَيَّبَتْ مِنْ بَعْدُ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَسًا لَهُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْأَبْطَحِ فَقَتَلَهَا { وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَإِنَّهُ سَارَ إلَى نَاحِيَةِ الْبَحْرِ وَقَالَ لَا أَسْكُنُ مَعَ رَجُلٍ قَتَلَ أَبَا الْحَكَمِ يَعْنِي أَبَاهُ فَلَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ قَالَ لَهُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ أَخْلِصْ قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ فَرَجَعَ وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَدْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ أُمُّ حَلِيمٍ فَأَخَذَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانًا ، وَقِيلَ بَلْ خَرَجَتْ إلَيْهِ بِأَمَانِهِ إلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ فَأَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْأَلُنِي الْيَوْمَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَيْتُكَ .\rفَقَالَ إنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي كُلَّ نَفَقَةٍ أَنْفَقْتُهَا لِأَصُدَّ بِهَا عَنْ","part":1,"page":254},{"id":254,"text":"سَبِيلِ اللَّهِ وَكُلَّ مَوْقِفٍ وَقَفْتُهُ لِأَصُدَّ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ مَا سَأَلَ .\rفَقَالَ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَدَعُ دِرْهَمًا أَنْفَقْتُهُ فِي الشِّرْكِ إلَّا أَنْفَقْتُ مَكَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ دِرْهَمَيْنِ وَلَا مَوْقِفًا وَقَفْتُهُ فِي الشِّرْكِ إلَّا وَقَفْتُ مَكَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَوْقِفَيْنِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ } .\rهَذَا الْخَبَرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْكَامٌ فَلِذَلِكَ اسْتَوْفَيْنَاهُ .","part":1,"page":255},{"id":255,"text":"وَأَمَّا قَتْلُ مَنْ أَضْعَفَهُ الْهَرَمُ أَوْ أَعْجَزَتْهُ الزَّمَانَةُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ تَخَلَّى مِنْ الرُّهْبَانِ وَأَصْحَابِ الصَّوَامِعِ ، فَإِنْ كَانُوا يَمُدُّونَ الْمُقَاتِلَةَ بِرَأْيِهِمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ جَازَ قَتْلُهُمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْأَسْرِ وَإِنْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا تَحْرِيضٍ فَفِي إبَاحَةِ قَتْلِهِمْ قَوْلَانِ : .","part":1,"page":256},{"id":256,"text":"وَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلُوا إذَا كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَيَكُونُ سَبْيًا مُسْتَرَقًّا يُقْسَمُونَ مَعَ الْغَنَائِمِ ، وَإِنْ كَانَ النِّسَاءُ مِنْ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ كَالدَّهْرِيَّةِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَامْتَنَعْنَ مِنْ الْإِسْلَامِ ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلْنَ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَرْقَقْنَ ، لَا يُفَرَّقُ فِيمَنْ اُسْتُرْقِقْنَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا }","part":1,"page":257},{"id":257,"text":"فَإِنْ فَادَى بِالسَّبْيِ عَلَى مَالٍ جَازَ لِأَنَّ هَذَا الْفِدَاءَ بَيْعٌ وَيَكُونُ مَالُ فَدَائِهِمْ مَغْنُومًا مَكَانَهُمْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ .","part":1,"page":258},{"id":258,"text":"وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَنْ أَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِي قَوْمِهِمْ عَوَّضَ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ .","part":1,"page":259},{"id":259,"text":"وَإِنْ أَرَادَ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ إمَّا بِالْعَفْوِ عَنْ حُقُوقِهِمْ مِنْهُمْ وَإِمَّا بِمَالٍ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهُمْ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ جَازَ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ عَاوَضَ عَنْهُمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْغَانِمِينَ عَنْ تَرْكِ حَقِّهِ لَمْ يُسْتَنْزَلْ عَنْهُ إجْبَارًا حَتَّى يَرْضَى وَخَالَفَ ذَلِكَ حُكْمُ الْأَسْرَى الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الرِّجَالِ مُبَاحٌ وَقَتْلَ السَّبْيِ مَحْظُورٌ فَصَارَ السَّبْيُ مَالًا مَغْنُومًا لَا يَسْتَنْزِلُونَ عَنْهُ إلَّا بِاسْتِطَابَةِ النُّفُوسِ .\rقَدْ اسْتَعْطَفَتْ هَوَازِنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَبَاهُمْ بِحُنَيْنٍ وَأَتَاهُ وُفُودُهُمْ وَقَدْ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَقَسَمَ السَّبْيَ فَذَكَّرُوهُ حُرْمَةَ رَضَاعِهِ فِيهِمْ مِنْ لَبَنِ حَلِيمَةَ وَكَانَتْ مِنْ هَوَازِنَ .\rحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ بِحُنَيْنٍ قَدِمَتْ وُفُودُهُمْ مُسْلِمِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَقَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ثُمَّ قَامَ مِنْهُمْ أَبُو صُرَدَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّائِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ وَلَوْ أَنَّا مُلِّكْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَزَلْنَا بِمِثْلِ الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلْنَا رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَجَائِزَتَهُ وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَفِيلِينَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : اُمْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ اُمْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غَبَرُ اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ","part":1,"page":260},{"id":260,"text":"كُنْتَ تَرْضَعُهَا إذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ الْآنَ إذْ كُنْتَ طِفْلًا كُنْتَ تَرْضَعُهَا وَإِذْ تُرَبِّيكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ إذْ لَمْ تُدَارِكُنَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ إنَّا لَنَشْكُركَ النُّعْمَى وَإِنْ كَثُرَتْ وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ نَدَّخِرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ ؟ } .\rفَقَالُوا خَيَّرَتْنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا بَلْ تَرُدُّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَهُمْ أَحَبُّ إلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ } .\rوَقَالَتْ قُرَيْشٌ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ : أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا ، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا ؛ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ : أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا ، فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ : قَدْ وَهَنْتُمُونِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ فَلَهُ بِكُلِّ إنْسَانٍ سِتُّ قَلَائِصَ فَرُدُّوا إلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ } .\rفَرَدُّوا ، وَكَانَ عُيَيْنَةُ قَدْ أَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ وَقَالَ إنِّي لَا أَرَى لَهَا فِي الْحَيِّ نَسَبًا فَعَسَى أَنْ يُعَظِّمَ فِدَاؤُهَا فَامْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا بِسِتِّ قَلَائِصَ ، فَقَالَ أَبُو صُرَدَ خَلِّهَا عَنْكَ ، فَوَاَللَّهِ مَا فُوهَا بِبَارِدٍ ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ ، وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ ، وَلَا زَوْجُهَا بِوَاحِدٍ ، وَلَا دَرُّهَا بِمَاغِدٍ ،","part":1,"page":261},{"id":261,"text":"فَرَدَّهَا بِسِتِّ قَلَائِصَ ، ثُمَّ إنَّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الْأَقْرَعَ فَشَكَا إلَيْهِ فَقَالَ إنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً وَلَا نَصْفَاءَ وَثِيرَةً وَكَانَ فِي السَّبْيِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَعَنَّفَ بِهَا إلَى أَنْ أَتَتْهُ وَهِيَ تَقُولُ : أَنَا أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيْهِ قَالَتْ لَهُ أَنَا أُخْتُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ فَعَرَفَ الْعَلَامَةَ وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ مُكَرَّمَةً أَوْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْمِهَا مُمَتَّعَةً فَاخْتَارَتْ أَنْ يُمَتِّعَهَا وَيَرُدَّهَا إلَى قَوْمِهَا فَفَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الْوَفْدِ وَرَدِّ السَّبْيِ ؛ فَأَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ محكل وَجَارِيَةً فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَفِيهِمْ مَنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ .\rوَفِي هَذَا الْخَبَرِ مَعَ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْهُ سِيرَةٌ يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَهَا الْوُلَاةُ فَلِذَلِكَ اسْتَوْفَيْنَاهُ","part":1,"page":262},{"id":262,"text":"وَإِذَا كَانَ فِي السَّبَايَا ذَوَاتُ أَزْوَاجٍ بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ بِالسَّبْيِ سَوَاءٌ سُبِيَ أَزْوَاجُهُنَّ مَعَهُنَّ أَمْ لَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ فَهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ قَبْلَ حُصُولِهَا فِي السَّبْيِ فَهِيَ حُرَّةٌ وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِذَا قَسَمَ السَّبَايَا فِي الْغَانِمِينَ حَرُمَ وَطْؤُهُنَّ حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ إنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إنْ كُنَّ حَوَامِلَ .\rرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَبْيِ هَوَازِنَ فَقَالَ : { أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ }","part":1,"page":263},{"id":263,"text":"وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنْ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَدْ مَلَكَهُ الْمُشْرِكُونَ إذَا غَلَبُوا عَلَيْهِ ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً وَدَخَلَ سَيِّدُهَا الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا ، وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا أَسْلَمَ عَنْهَا الْمُتَغَلِّبُ عَلَيْهَا ؛ كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَإِذَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَدْرَكَهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهَا كَانَ مَالِكُهُ أَحَقَّ بِثَمَنِهِ وَغَانِمُهُ أَحَقَّ بِعَيْنِهِ ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ كَمَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ","part":1,"page":264},{"id":264,"text":"وَيَجْرِي عَلَى مَا غَنِمَهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي أَخْذِ خُمُسِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يُؤْخَذُ خُمُسُهُ حَتَّى يَكُونُوا سَرِيَّةً وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِيَّةِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : السَّرِيَّةُ أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا مُمْتَنِعًا ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : السَّرِيَّةُ تِسْعَةٌ فَصَاعِدًا ، لِأَنَّ سَرِيَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كَانَتْ تِسْعَةٌ وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ سَرِيَّةً وَحْدَهُ فَقَتَلَهُ ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَآخَرَ مَعَهُ سَرِيَّةً","part":1,"page":265},{"id":265,"text":"وَإِذَا أَسْلَمَ الْأَبَوَانِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْبَالِغَيْنِ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغُ مَجْنُونًا وَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ إسْلَامُ الْأَبِ إسْلَامًا لَهُمْ وَلَا يَكُونُ إسْلَامُ الْأَطْفَالِ بِأَنْفُسِهِمْ إسْلَامًا وَلَا رِدَّتُهُمْ رِدَّةً وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إسْلَامُ الطِّفْلِ إسْلَامٌ وَرِدَّتُهُ رِدَّةٌ إذَا كَانَ يَعْقِلُ وَيُمَيِّزُ لَكِنْ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَكُونُ إسْلَامُ الطِّفْلِ إسْلَامًا وَلَا تَكُونُ رِدَّتُهُ رِدَّةً وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْهُ إنْ عَرَفَ نَفْسَهُ صَحَّ إسْلَامُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يَصِحَّ .","part":1,"page":266},{"id":266,"text":"وَأَمَّا الْأَرْضُونَ إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَتُقْسَمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا مُلِكَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا حَتَّى فَارَقُوهَا بِقَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ جَلَاءٍ ؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا بَعْدَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً كَالْأَمْوَالِ تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إلَّا أَنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِتَرْكِهَا فَتُوقَفُ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ مَالِكٌ : تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ غُنِمَتْ ، وَلَا يَجُوزُ قَسْمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْإِمَامُ فِيهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَتَكُونُ أَرْضًا عُشْرِيَّةً أَوْ يُعِيدُهَا إلَى أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ بِخَرَاجٍ يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا فَتَكُونُ أَرْضَ خَرَاجٍ وَيَكُونُ الْمُشْرِكُونَ بِهَا أَهْلَ ذِمَّةٍ أَوْ يَقِفُهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ سَوَاءٌ سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أُعِيدَ إلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ لِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْزِلَ عَنْهَا لِلْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا تَصِيرَ دَارَ حَرْبٍ .","part":1,"page":267},{"id":267,"text":"وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْهَا مَا مُلِكَ مِنْهُمْ عَفْوًا لِانْجِلَائِهِمْ عَنْهَا خَوْفًا فَتَصِيرُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَقْفًا وَقِيلَ بَلْ تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ لَفْظًا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا يَكُونُ أُجْرَةً لِرِقَابِهَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ عُومِلَ عَلَيْهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ ، وَيَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ مِنْ نَخْلٍ كَانَتْ فِيهَا وَقْتَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ، فَتَكُونُ تِلْكَ النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عُشْرٌ ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا أَوْ الْمُسَاقَاةِ عَلَى ثَمَرَتِهَا وَيَكُونُ مَا اُسْتُؤْلِفَ غَرْسُهُ مِنْ النَّخْلِ مَعْشُورًا وَأَرْضُهُ خَرَاجًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ ، وَيَسْقُطُ الْعُشْرُ بِالْخَرَاجِ وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَا رَهْنِهَا ، وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا اُسْتُحْدِثَ فِيهَا مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ .","part":1,"page":268},{"id":268,"text":"وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تُقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ لَنَا فَتَصِيرُ بِهَذَا الصُّلْحِ وَقْفًا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا رَهْنُهَا وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةً لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ فَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الصُّلْحِ أَهْلَ عَهْدٍ فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِهِمْ جَازَ إقْرَارُهُمْ فِيهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَإِنْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهَا وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا إلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي يُقَرُّ فِيهَا أَهْلُ الْعَهْدِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَلَا يُجَاوِزُونَ السَّنَةَ وَفِي إقْرَارِهِمْ فِيهَا مَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةِ وَجْهَانِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضِينَ لَهُمْ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا ، وَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ ؛ وَلَا تَصِيرُ أَرْضُهُمْ دَارَ إسْلَامٍ وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ ، وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إسْلَامٍ وَصَارُوا بِهِ أَهْلَ ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ ، فَإِنْ نَقَضُوا الصُّلْحَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ مَعَهُمْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّهَا إنْ مُلِّكَتْ أَرْضُهُمْ عَلَيْهِمْ فَهِيَ عَلَى حُكْمِهَا ، وَإِنْ لَمْ تُمَلَّكْ صَارَتْ الدَّارُ حَرْبًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ فِي دَارِهِمْ مُسْلِمٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ يَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا حُكْمُ الْبُغَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُسْلِمٌ وَلَا بَيْنَهُمْ","part":1,"page":269},{"id":269,"text":"وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَهِيَ دَارُ حَرْبٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ قَدْ صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ فِي الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا","part":1,"page":270},{"id":270,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ فَهِيَ الْغَنَائِمُ الْمَأْلُوفَةُ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُهَا عَلَى رَأْيِهِ ، وَلَمَّا تَنَازَعَ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِلْكًا لِرَسُولِهِ يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ يَعْنِي عَنْ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } .\rفَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ أُنْزِلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ فَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ أَيْدِينَا فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ وَاصْطَفَى مِنْ غَنِيمَةِ بَدْرٍ سَيْفَهُ ذَا الْفِقَارِ وَكَانَ سَيْفَ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، وَأَخَذَ مِنْهَا سَهْمَهُ وَلَمْ يُخَمِّسْهَا إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ بَدْرٍ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rفَتَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ كَمَا تَوَلَّى قِسْمَةَ الصَّدَقَاتِ ، فَكَانَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ خَمَّسَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بَدْرٍ غَنِيمَةَ بَنِي قَيْنُقَاعِ .\rوَإِذَا جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ لَمْ تُقْسَمْ مَعَ قِيَامِ الْحَرْبِ حَتَّى تَنْجَلِيَ ؛ لِيُعْلَمَ بِانْجِلَائِهَا تَحَقُّقُ الظَّفَرِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، وَلِئَلَّا يَتَشَاغَلَ الْمُقَاتِلَةُ بِهَا فَيُهْزَمُوا ، فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ كَانَ تَعْجِيلُ قِسْمَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَوَازُ تَأْخِيرِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَبِحَسَبِ مَا يَرَاهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الصَّلَاحِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى تَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقْسِمُهَا حِينَئِذٍ فَإِذَا أَرَادَ قِسْمَتَهَا","part":1,"page":271},{"id":271,"text":"بَدَأَ بِأَسْلَابِ الْقَتْلَى فَأَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ سَوَاءٌ شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إنْ شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ اسْتَحَقُّوهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَهُمْ كَانَ غَنِيمَةً فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا وَقَدْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ حِيَازَةِ الْغَنَائِمِ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَالشَّرْطُ مَا تَقَدَّمَ الْغَنِيمَةَ لَا مَا تَأَخَّرَ عَنْهَا ، وَقَدْ أَعْطَى أَبُو قَتَادَةَ أَسْلَابَ قَتَلَاهُ وَكَانُوا عِشْرِينَ قَتِيلًا وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ لِبَاسٍ يَقِيهِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ وَمَا كَانَ تَحْتَهُ مِنْ فَرَسٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكُونُ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مِنْ أَمْوَالِهِ سَلَبًا وَهَلْ يَكُونُ مَا فِي وَسَطِهِ مِنْ مَالٍ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ حَقِيبَةٍ سَلَبًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤْخَذُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَصْنَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بَعْدَ السَّلَبِ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةٍ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } الْآيَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ : لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ : سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ","part":1,"page":272},{"id":272,"text":"وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ هُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ ، فَيَكُونُ سَهْمٌ مِنْ الْخُمُسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصْرَفُ بَعْدَهُ لِلْمَصَالِحِ ، وَالسَّهْمُ الثَّانِي لِذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَالسَّهْمُ الثَّالِثُ لِلْيَتَامَى ، وَالسَّهْمُ الرَّابِعُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالسَّهْمُ الْخَامِسُ لِبَنِي السَّبِيلِ ،","part":1,"page":273},{"id":273,"text":"ثُمَّ يَرْضَخُ بَعْدَ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الرَّضْخِ ؛ وَهُمْ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُقَدَّمُونَ عَلَى الْخُمُسِ وَأَهْلُ الرَّضْخِ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ حَاضِرِي الْوَقْعَةِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالزَّمْنَى ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ عَنَائِهِمْ وَلَا يَبْلُغُ بِرَضِيخِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ وَلَا رَاجِلٍ فَلَوْ زَالَ نَقْصُ أَهْلِ الرَّضْخِ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ وَبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُمْ وَلَمْ يَرْضَخْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا رَضَخَ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ .","part":1,"page":274},{"id":274,"text":"ثُمَّ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَالرَّضْخِ مِنْهَا بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْأَصِحَّاءُ يَشْتَرِكُ فِيهَا مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَوْنٌ لِلْقَاتِلِ وَرِدْءٌ لَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا } عَلَى تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَكْثِيرُ السَّوَادِ وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ الْمُرَابَطَةُ عَلَى الْخَيْلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَوْنٍ وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةَ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَرْجِعُ فِيهَا إلَى خِيَارِ الْقَاسِمِ وَوَالِي الْجِهَادِ وَقَالَ مَالِكٌ : مَالُ الْغَنِيمَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، إنْ شَاءَ قَسَمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ تَسْوِيَةً وَتَفْضِيلًا وَإِنْ شَاءَ أَشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ } .\rمَا يَدْفَعُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَإِذَا اخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَبَ أَنْ يَفْضُلَ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ لِفَضْلِ عَنَائِهِ وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ تَفْضِيلِهِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْطَى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلُ سَهْمًا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْطَى الْفَارِسُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَالرَّاجِلُ سَهْمًا وَاحِدًا وَلَا يُعْطَى سَهْمُ الْفَارِسِ إلَّا لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ خَاصَّةً ، وَيُعْطَى رُكَّابُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْفِيَلَةِ سِهَامَ الرَّجَّالَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِتَاقِ الْخَيْلِ وَهُجَّانِهَا ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِلْعِتَاقِ السَّوَابِقِ وَإِذَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِفَرَسٍ أَسْهَمَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ وَإِذَا خَلَّفَهُ فِي الْعَسْكَرِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ وَإِذَا حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِأَفْرَاسٍ لَمْ يُسْهِمْ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو","part":1,"page":275},{"id":275,"text":"يُوسُفَ : يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُسْهِمُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا سَهْمَ لِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ أَسْهَمَ لَهُ ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَهَا لَمْ يُسْهِمْ لَهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هُوَ الْمَيِّتَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ مَاتَ هُوَ وَفَرَسُهُ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُ وَإِذَا جَاءَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ انْجِلَائِهَا لَمْ يُشَارِكُوهُمْ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ قَبْلَ انْجِلَائِهَا شَارَكُوهُمْ وَيُسَوَّى فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَ مُرْتَزِقَةِ الْجَيْشِ وَبَيْنَ الْمُتَطَوِّعَةِ إذَا شَهِدَ جَمِيعُهُمْ الْوَقْعَةَ","part":1,"page":276},{"id":276,"text":"وَإِذَا غَزَا قَوْمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ مَا غَنِمُوهُ مَخْمُوسًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُخَمِّسُ وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَمْلِكُ مَا غَنِمُوهُ","part":1,"page":277},{"id":277,"text":"وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَهُمْ فَأَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ ، وَقَالَ دَاوُد يَجُوزُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَسْتَأْمِنُوهُ فَيَلْزَمُهُ الْمُوَادَعَةُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاغْتِيَالُ","part":1,"page":278},{"id":278,"text":"وَإِذَا كَانَ فِي الْمُقَاتِلَةِ مَنْ ظَهَرَ عَنَاؤُهُ وَأَثَّرَ بَلَاؤُهُ لِشَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ أَخَذَ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أُسْوَةَ غَيْرِهِ وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ عَنَائِهِ فَإِنَّ لِذِي السَّابِقَةِ وَالْإِقْدَامِ حَقًّا لَا يُضَاعُ ؛ قَدْ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتَوَجَّهَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى أَدْنَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُشْرِكِينَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَرَمَى سَعْدٌ وَنَكَى ؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى سَهْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ ( مِنْ الْوَافِرِ ) : أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي أَذُودُ بِهَا أَوَائِلَهُمْ ذِيَادًا بِكُلِّ حَزُونَةٍ وَبِكُلِّ سَهْلِ فَمَا يُعْتَدُّ رَامٍ فِي عَدُوٍّ بِسَهْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلِي وَذَلِكَ أَنَّ دِينَكَ دِينُ صِدْقٍ وَذُو حَقٍّ أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ فَلَمَّا قَدِمَ اعْتَذَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَبَقَ إلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ","part":1,"page":279},{"id":279,"text":"وَالْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ حَقَّانِ أَوْصَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ : يَجْتَمِعَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ أَحْكَامُهُمَا .\rفَأَمَّا الْأَوْجُهُ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا فَأَحَدُهَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْ مُشْرِكٍ صَغَارًا لَهُ وَذِمَّةً وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا مَا لَا فَيْءٍ ؛ يُصْرَفَانِ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِحُلُولِ الْحَوْلِ وَلَا يُسْتَحَقَّانِ قَبْلَهُ .\rوَأَمَّا الْأَوْجُهُ الَّتِي يَفْتَرِقَانِ فِيهَا : فَأَحَدُهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ نَصٌّ وَأَنَّ الْخَرَاجَ اجْتِهَادٌ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ وَأَكْثَرَهَا مُقَدَّرٌ بِالِاجْتِهَادِ ، وَالْخَرَاجُ أَقَلُّهُ وَأَكْثَرُهُ مُقَدَّرٌ بِالِاجْتِهَادِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مَعَ بَقَاءِ الْكُفْرِ وَتُقَسَّطُ بِحُدُوثِ الْإِسْلَامِ ؛ وَالْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مَعَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ فَأَمَّا الْجِزْيَةُ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ وَاسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَزَاءِ ، إمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا ، وَإِمَّا جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا .\rوَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } أَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } فَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ هَذَا الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالثَّانِي لَا يُؤْمِنُونَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِأَنَّ تَصْدِيقَ الرُّسُلِ إيمَانٌ بِالْمُرْسِلِ .\rوَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ }","part":1,"page":280},{"id":280,"text":"يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا لَا يَخَافُونَ وَعِيدَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَإِنْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالثَّانِي لَا يُصَدَّقُونَ بِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ .\rوَقَوْلُهُ { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَسْخِهِ مِنْ شَرَائِعِهِمْ وَالثَّانِي مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمْ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ .\rوَقَوْلُهُ { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ .\rوَالثَّانِي : الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَقَوْلُهُ { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا مِنْ دِينِ أَبْنَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .\rوَالثَّانِي مِنْ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الْكِتَابُ لِأَنَّهُمْ فِي اتِّبَاعِهِ كَأَبْنَائِهِ وقَوْله تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا حَتَّى يَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ وَالثَّانِي حَتَّى يَضْمَنُوهَا لِأَنَّ بِضَمَانِهَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ .\rوَفِي الْجِزْيَةِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُ مِنْهَا مَا أُرِيدَ بِهَا إلَّا أَنْ يَرِدَ بَيَانٌ وَالثَّانِي أَنَّهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجِبُ إجْرَاؤُهَا عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا قَدْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ .\rوَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { عَنْ يَدٍ } تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا عَنْ غِنًى وَقُدْرَةٍ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ لَنَا فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ يَدًا وَقُدْرَةً عَلَيْهِمْ .\rوَفِي قَوْلِهِ { وَهُمْ صَاغِرُونَ } تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَذِلَّاءَ مُسْتَكِينِينَ وَالثَّانِي أَنْ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِ مَنْ دَخَلَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِيُقَرُّوا بِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَلْتَزِمُ لَهُمْ بِبَذْلِهَا حَقَّانِ : أَحَدُهُمَا الْكَفُّ عَنْهُمْ","part":1,"page":281},{"id":281,"text":"وَالثَّانِي الْحِمَايَةُ لَهُمْ لِيَكُونُوا بِالْكَفِّ آمَنِينَ وَبِالْحِمَايَةِ مَحْرُوسِينَ رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ : { احْفَظُونِي فِي ذِمَّتِي } .\rوَالْعَرَبُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ كَغَيْرِهِمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا آخُذُهَا مِنْ الْعَرَبِ لِئَلَّا يَجْرِي عَلَيْهِمْ صَغَارٌ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مُرْتَدٍّ وَلَا دَهْرِيٍّ وَلَا عَابِدِ وَثَنٍ .\rوَأَخَذَهَا أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ إذَا كَانُوا عَجَمًا وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ إذَا كَانُوا عَرَبًا ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَكِتَابُهُمْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، وَيَجْرِي الْمَجُوسُ مَجْرَاهُمْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَإِنْ حَرُمَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ وَتُؤْخَذُ مِنْ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إذَا وَافَقُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَصْلِ مُعْتَقِدِهِمْ وَمَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة قَبْلَ تَبْدِيلِهِمَا أُقِرَّ عَلَى مَا دَانَ بِهِ مِنْهُمَا ، وَلَا يُقَرُّ إنْ دَخَلَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمَا وَمَنْ جُهِلَتْ حَالَتُهُ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُ وَلَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ .\rوَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ يُقَرَّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَأُخِذَ بِالْإِسْلَامِ ، فَإِنْ عَادَ إلَى دِينِهِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ فَفِي إقْرَارِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ وَيَهُودُ خَيْبَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْجِزْيَةِ سَوَاءٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ .","part":1,"page":282},{"id":282,"text":"وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْعُقَلَاءِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا عَبْدٍ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ وَذَرَارِيَّ ، وَلَوْ تَفَرَّدَتْ مِنْهُمْ امْرَأَةٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِزَوْجٍ أَوْ نَصِيبٍ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهَا جِزْيَةٌ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِرِجَالِ قَوْمِهَا وَإِنْ كَانُوا أَجَانِبَ مِنْهَا ، وَلَوْ تَفَرَّدَتْ امْرَأَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَبَذَلَتْ الْجِزْيَةَ لِلْمَقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَذَلَتْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا كَالْهِبَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا إنْ امْتَنَعَتْ وَلَزِمَتْ ذِمَّتُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَبَعًا لِقَوْمِهَا .\rوَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ ، فَإِنْ زَالَ إشْكَالُهُ وَبَانَ أَنَّهُ رَجُلٌ أُخِذَ بِهَا فِي مُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِ وَمَاضِيهِ","part":1,"page":283},{"id":283,"text":"وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى تَصْنِيفِهِمْ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ : أَغْنِيَاءُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَأَوْسَاطُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، وَفُقَرَاءُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا ؛ فَجَعَلَهَا مُقَدَّرَةَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَمَنَعَ مِنْ اجْتِهَادِ الْوُلَاةِ فِيهَا وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُقَدَّرُ أَقَلُّهَا وَلَا أَكْثَرُهَا وَهِيَ مَوْكُولَةٌ لِاجْتِهَادِ الْوُلَاةِ فِي الطَّرَفَيْنِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا مُقَدَّرَةُ الْأَقَلِّ بِدِينَارٍ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الْأَكْثَرِ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْوُلَاةِ وَيَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ أَوْ التَّفْضِيلِ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ ، فَإِذَا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ مَعَهَا عَلَى مُرَاضَاةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ صَارَتْ لَازِمَةً لِجَمِيعِهِمْ وَلِأَعْقَابِهِمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِوَالٍ بَعْدَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ إلَى نُقْصَانٍ مِنْهُ أَوْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ .","part":1,"page":284},{"id":284,"text":"فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ضُوعِفَتْ كَمَا ضَاعَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ وَبَنِي تَغْلِب بِالشَّامِ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ لِأَنَّهَا جِزْيَةٌ تُصْرَفُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ فَخَالَفَتْ الزَّكَاةَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ أُخِذَتَا مَعًا ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَحْدَهَا كَانَتْ جِزْيَةً إذَا لَمْ تَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنْ دِينَارٍ","part":1,"page":285},{"id":285,"text":"وَإِذَا صُولِحُوا عَلَى ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأُخِذُوا بِهَا لَا يُزَادُونَ عَلَيْهَا كَمَا صَالَحَ عُمَرُ نَصَارَى الشَّامِ عَلَى ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِمَّا يَأْكُلُونَ ، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ ذَبْحَ شَاةٍ وَلَا دَجَاجَةٍ وَتَبْيِيتِ دَوَابِّهِمْ مِنْ غَيْرِ شَعِيرٍ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ دُونَ الْمُدُنِ ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ وَمُضَاعَفَةَ الصَّدَقَةِ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي زَرْعٍ وَلَا ثَمَرَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إضَافَةُ سَائِلٍ وَلَا سَابِلٍ","part":1,"page":286},{"id":286,"text":"وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ شَرْطَانِ : مُسْتَحَقٌّ وَمُسْتَحَبٌّ أَمَّا الْمُسْتَحَقُّ فَسِتَّةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَذْكُرُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَعْنٍ فِيهِ وَلَا تَحْرِيفٍ لَهُ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَذْكُرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَكْذِيبٍ لَهُ وَلَا ازْدِرَاءٍ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يَذْكُرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ بِذَمٍّ لَهُ وَلَا قَدْحٍ فِيهِ وَالرَّابِعُ أَنْ لَا يُصِيبُوا مُسْلِمَةً بِزِنًا وَلَا بِاسْمِ نِكَاحٍ وَالْخَامِسُ أَنْ لَا يَفْتِنُوا مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُوا لِمَالِهِ وَلَا دِينِهِ وَالسَّادِسُ أَنْ لَا يُعِينُوا أَهْلَ الْحَرْبِ وَلَا يَوَدُّوا أَغْنِيَاءَهُمْ .\rفَهَذِهِ السِّتَّةُ حُقُوقٌ مُلْتَزَمَةٌ فَتَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ إشْعَارًا لَهُمْ وَتَأْكِيدًا لِتَغْلِيظِ الْعَهْدِ عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ ارْتِكَابُهَا بَعْدَ الشَّرْطِ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ .\rوَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَسِتَّةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا تَغْيِيرُ هَيْئَاتِهِمْ بِلُبْسِ الْغِيَارِ وَشَدِّ الزُّنَّارِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ لَا يَعْلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَبْنِيَةِ وَيَكُونُوا إنْ لَمْ يَنْقُصُوا مُسَاوِينَ لَهُمْ وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُسْمِعُوهُمْ أَصْوَاتَ نَوَاقِيسِهِمْ وَلَا تِلَاوَةَ كُتُبِهِمْ وَلَا قَوْلِهِمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ وَالرَّابِعُ أَنْ لَا يُجَاهِرُوهُمْ بِشُرْبِ خُمُورِهِمْ وَلَا بِإِظْهَارِ صُلْبَانِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ وَالْخَامِسُ أَنْ يُخْفُوا دَفْنَ مَوْتَاهُمْ وَلَا يُجَاهِرُوا بِنَدْبٍ عَلَيْهِمْ وَلَا نِيَاحَةٍ وَالسَّادِسُ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ عِنَاقًا وَهِجَانًا وَلَا يُمْنَعُوا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ؛ وَهَذِهِ السِّتَّةُ الْمُسْتَحَبَّةُ لَا تَلْزَمُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ حَتَّى تُشْتَرَطَ فَتَصِيرَ بِالشَّرْطِ مُلْتَزَمَةً وَلَا يَكُونُ ارْتِكَابُهَا بَعْدَ الشَّرْطِ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ ، وَلَكِنْ يُؤْخَذْنَ بِهَا إجْبَارًا وَيُؤَدَّبُونَ عَلَيْهَا زَجْرًا ، وَلَا يُؤَدَّبُونَ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَيُثْبِتُ الْإِمَامُ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي","part":1,"page":287},{"id":287,"text":"دَوَاوِينَ الْأَمْصَارِ لِيُؤْخَذُوا بِهِ إذَا تَرَكُوهُ ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ صُلْحًا رُبَّمَا خَالَفَ مَا سِوَاهُ","part":1,"page":288},{"id":288,"text":"، وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِشُهُورٍ هِلَالِيَّةٍ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِيهَا أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْهَا وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَانَ مَا لَزِمَ مِنْ جِزْيَتِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ يُؤْخَذُ بِهَا ، وَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِإِسْلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ صِغَارِهِمْ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ اُسْتُقْبِلَ بِهِ حَوْلٌ ثُمَّ أُخِذَ بِالْجِزْيَةِ ، وَيُؤْخَذُ الْفَقِيرُ بِهَا إذَا أَيْسَرَ وَيُنْظَرُ بِهَا إذَا أَعْسَرَ ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْ شَيْخٍ وَلَا زَمِنٍ ، وَقِيلَ تَسْقُطُ عَنْهُمَا وَعَنْ الْفَقِيرِ وَإِذَا تَشَاجَرُوا فِي دِينِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَمْ يُعَارَضُوا فِيهِ وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْهُ ، وَإِذَا تَنَازَعُوا فِي حَقٍّ وَتَرَافَعُوا فِيهِ إلَى حَاكِمِهِمْ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ ، فَإِنْ تَرَافَعُوا فِيهِ إلَى حَاكِمِنَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ إذَا أَتَوْهَا .","part":1,"page":289},{"id":289,"text":"وَمَنْ نَقَضَ مِنْهُمْ عَهْدَهُ بُلِّغَ مَأْمَنَهُ ثُمَّ كَانَ حَرْبِيًّا ، وَلِأَهْلِ الْعَهْدِ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ الْأَمَانُ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا فِيهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ ، وَلَا يُقِيمُونَ سَنَةً إلَّا بِجِزْيَةٍ ، وَفِيمَا بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ خِلَافٌ ، وَيَلْزَمُ الْكَفُّ عَنْهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ .","part":1,"page":290},{"id":290,"text":"وَإِذَا أَمَّنَ بَالِغٌ عَاقِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَرْبِيًّا لَزِمَ أَمَانُهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَذْلِ الْأَمَانِ كَالرَّجُلِ وَالْعَبْدُ فِيهِ كَالْحُرِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الصَّبِيِّ وَلَا الْمَجْنُونِ ، وَمَنْ أَمَّنَاهُ فَهُوَ حَرْبٌ إلَّا إنْ جَهِلَ حُكْمَ أَمَانِهِمْ فَيُبَلَّغُ مَأْمَنَهُ وَيَكُونُ حَرْبِيًّا","part":1,"page":291},{"id":291,"text":"وَإِذَا تَظَاهَرَ أَهْلُ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا حَرْبًا لِوَقْتِهِمْ فَيُقْتَلُ مُقَاتِلُهُمْ وَيُعْتَبَرُ حَالُ مَا عَدَا الْمُقَاتِلَةَ بِالرِّضَى وَالْإِنْكَارِ","part":1,"page":292},{"id":292,"text":"وَإِذَا امْتَنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ كَانَ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَيَنْقُضُ بِهِ عَهْدَهُمْ إلَّا أَنْ يَلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ جَبْرًا كَالدُّيُونِ","part":1,"page":293},{"id":293,"text":"وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً ، فَإِنْ أَحْدَثُوهَا هُدِمَتْ عَلَيْهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْنُوا مَا اسْتُهْدِمَ مِنْ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ الْعَتِيقَةِ","part":1,"page":294},{"id":294,"text":"وَإِذَا نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَهْدَهُمْ لَمْ يُسْتَبَحْ بِذَلِكَ قَتْلُهُمْ وَلَا غُنْمُ أَمْوَالِهِمْ وَلَا سَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَوَجَبَ إخْرَاجُهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ آمِنِينَ حَتَّى يَلْحَقُوا مَأْمَنَهُمْ مِنْ أَدْنَى بِلَادِ الشِّرْكِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا طَوْعًا أُخْرِجُوا كَرْهًا .","part":1,"page":295},{"id":295,"text":"وَأَمَّا الْخَرَاجُ ؛ فَهُوَ مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا وَفِيهِ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ بَيِّنَةٌ خَالَفَتْ نَصَّ الْجِزْيَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } .\rوَفِي قَوْلِهِ { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا } وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَجْرًا .\rوَالثَّانِي نَفْعًا وَفِي قَوْلِهِ { فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا فَرِزْقُ رَبِّكَ فِي الدُّنْيَا خَيْرٌ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَالثَّانِي فَأَجْرُ رَبِّكَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ أَيْضًا وَقَوْلُهُ فَأَجْرُ رَبِّكَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْهُ ؛ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَرْجِ وَالْخَرَاجِ أَنَّ الْخَرْجَ مِنْ الرِّقَابِ وَالْخَرَاجَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَالْخَرَاجُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ اسْمٌ لِلْكِرَاءِ وَالْغَلَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rوَأَرْضُ الْخَرَاجِ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فِي الْمِلْكِ وَالْحُكْمِ .\rوَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إحْيَاءَهُ فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ ؛ وَالْكَلَامُ فِيهَا يُذْكَرُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَرْبَابُهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ ، فَتَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَرْضَ عُشْرٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا خَرَاجًا أَوْ عُشْرًا ، فَإِنْ جَعَلَهَا خَرَاجًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْقَلَ إلَى الْعُشْرِ ، وَإِنْ جَعَلَهَا عُشْرًا جَازَ أَنْ تُنْقَلَ إلَى الْخَرَاجِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا مُلِكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْوَةً وَقَهْرًا ، فَيَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ غَنِيمَةً تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ لَا يَجُوزُ","part":1,"page":296},{"id":296,"text":"أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ ، وَجَعَلَهَا مَالِكٌ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ فَهِيَ الْأَرْضُ الْمُخْتَصَّةُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا خَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا فَحَصَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَتَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ وَيَكُونُ أُجْرَةً تُقَرُّ عَلَى الْأَبَدِ وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ بِمُدَّةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِإِسْلَامٍ وَلَا ذِمَّةٍ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِقَابِهَا اعْتِبَارًا لِحُكْمِ الْوُقُوفِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : مَا أَقَامَ فِيهِ أَهْلُهُ وَصُولِحُوا عَلَى إقْرَارِهِ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ مِلْكِهَا لَنَا عِنْدَ صُلْحِنَا فَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَاَلَّذِي انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِمْ أُجْرَةً لَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ رِقَابِهَا ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهَا مَا أَقَامُوا عَلَى صُلْحِهِمْ وَلَا تُنْتَزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ أَمْ أَسْلَمُوا كَمَا لَا تُنْتَزَعُ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مِنْ يَدِ مُسْتَأْجِرِهَا ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِهَذَا الْخَرَاجِ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ إنْ صَارُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ مُسْتَوْطِنِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلُوا إلَى الذِّمَّةِ وَأَقَامُوا عَلَى حُكْمِ الْعَهْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرُّوا فِيهَا سَنَةً وَجَازَ إقْرَارُهُمْ فِيهَا دُونَهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَسْتَبِقُوهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَلَا يَنْزِلُوا عَنْ رِقَابِهَا وَيُصَالِحُوا عَنْهَا بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا ، فَهَذَا الْخَرَاجُ جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ جِزْيَةُ","part":1,"page":297},{"id":297,"text":"رِقَابِهِمْ ، وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَإِنْ تَبَايَعُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ كَانَتْ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْخَرَاجِ وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى مُسْلِمٍ سَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا لِبَقَاءِ كُفْرِهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا بِخُرُوجِهِ بِالذِّمَّةِ عَنْ عَقْدِهِ مَنْ صُولِحَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي هَذَا الْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا ، فَإِنْ وُضِعَ عَلَى مَسَائِحِ الْجُرْبَانِ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ قَدْرٌ مِنْ وَرِقٍ أَوْ حَبٍّ ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْ بَعْضِهَا بِإِسْلَامِ أَهْلِهِ كَانَ مَا بَقِيَ عَلَى حُكْمِهِ وَلَا يُضَمُّ إلَيْهِ خَرَاجُ مَا سَقَطَ بِالْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ الْمَوْضُوعُ عَلَيْهَا صُلْحًا عَلَى مَالٍ مُقَدَّرٍ لَمْ يَسْقُطْ عَلَى مِسَاحَةِ الْجُرْبَانِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُمْ مِنْ مَالِ الصُّلْحِ مَا سَقَطَ مِنْهُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مَالُ الصُّلْحِ بَاقِيًا بِكَمَالِهِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ هَذَا الْمُسْلِمِ مَا خَصَّهُ بِإِسْلَامِهِ","part":1,"page":298},{"id":298,"text":"فَأَمَّا قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ ضَرَبَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا وَجَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اسْتَوْفَقَهُ مِنْ رَأْيِ كِسْرَى بْنِ قُبَاءَ ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ مَسَّحَ السَّوَادَ وَوَضَعَ الْخَرَاجَ وَحَدَّدَ الْحُدُودَ وَوَضَعَ الدَّوَاوِينَ وَرَاعَى مَا تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ بِمَالِكٍ وَلَا إجْحَافٍ بِزَارِعٍ وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا وَكَانَ الْقَفِيزُ وَزْنُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ وَثَمَنُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ بِوَزْنِ الْمِثْقَالِ ، وَلِانْتِشَارِ ذَلِكَ بِمَا ظَهَرَ فِي جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سَلْمَى ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : فَتُغْلِلْ لَكُمْ مَا لَا تُغِلُّ لِأَهْلِهَا قُرًى بِالْعِرَاقِ مِنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمِ وَضَرَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى غَيْرَهَا غَيْرَ هَذَا الْقَدْرِ ، فَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالْمِسَاحَةِ وَوَضْعِ مَا تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ خَرَاجِهَا ، فَمَسَحَ وَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الْكَرْمِ وَالشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ عَشْرَ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ الرَّطْبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمْضَاهُ وَعَمِلَ فِي نَوَاحِي الشَّامِ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَعُلِمَ أَنَّهُ رَاعَى فِي كُلِّ أَرْضٍ مَا تَحْتَمِلُهُ .\rوَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاضِعُ الْخَرَاجِ بَعْدَهُ يُرَاعِي فِي كُلِّ أَرْضٍ مَا تَحْتَمِلُهُ ، فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ يُؤَثِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي زِيَادَةِ الْخَرَاجِ وَنُقْصَانِهِ : أَحَدُهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ مِنْ جَوْدَةٍ يَزْكُو بِهَا زَرْعُهَا أَوْ رَدَاءَةٍ يَقِلُّ بِهَا رِيعُهَا وَالثَّانِي مَا يَخْتَصُّ بِالزَّرْعِ مِنْ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ مِنْ الْحُبُوبِ","part":1,"page":299},{"id":299,"text":"وَالثِّمَارِ ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ ثَمَنُهُ ، وَمِنْهَا مَا يَقِلُّ ثَمَنُهُ ، فَيَكُونُ الْخَرَاجُ بِحَسَبِهِ وَالثَّالِثُ مَا يَخْتَصُّ بِالسَّقْيِ وَالشُّرْبِ ؛ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَ الْمُؤْنَةَ فِي سَقْيِهِ بِالنَّوَاضِحِ وَالدَّوَالِي لَا يَحْتَمِلُ مِنْ الْخَرَاجِ مَا يَحْتَمِلُهُ سَقْيُ السُّيُوحِ وَالْأَمْطَارِ .\rوَشُرْبُ الزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا سَقَاهُ الْآدَمِيُّونَ بِغَيْرِ آلَةٍ كَالسُّيُوحِ مِنْ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ يُسَاقُ إلَيْهَا فَيَسِيحُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُمْنَعُ مِنْهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ وَهَذَا أَوْفَرُ الْمِيَاهِ مَنْفَعَةً وَأَقَلُّهَا كُلْفَةً .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا سَقَاهُ الْآدَمِيُّونَ بِآلَةٍ مِنْ نَوَاضِحَ وَدَوَالِيبَ أَوْ دَوَالِيَ وَهَذَا أَكْثَرُ الْمِيَاهِ وَأَشَقُّهَا عَمَلًا .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ طَلٍّ وَيُسَمَّى الْعِذْيُ .\rوَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : مَا سَقَتْهُ الْأَرْضُ بِنَدَوَاتِهَا وَمَا اسْتَكَنَّ مِنْ الْمَاءِ فِي قَرَارِهَا فَيَشْرَبُ زَرْعُهَا وَشَجَرُهَا بِعُرُوقِهِ وَيُسَمَّى الْبَعْلُ فَأَمَّا الْغِيلُ وَهُوَ مَا شَرِبَ بِالْقَنَاةِ فَإِنْ سَاحَ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَسِحْ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَأَمَّا الْكَظَائِمُ فَهُوَ مَا شَرِبَ مِنْ الْآبَارِ ؛ فَإِنْ نُضِحَ مِنْهَا بِالْغُرُوبِ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَإِنْ اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْقَنَاةِ فَهُوَ غِيلٌ يُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا بُدَّ لِوَاضِعِ الْخَرَاجِ مِنْ اعْتِبَارِ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ ، مِنْ اخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ وَاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ وَاخْتِلَافِ السَّقْيِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ خَرَاجِهَا ، فَيَقْصِدُ الْعَدْلَ فِيهَا فِيمَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْفَيْءِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تُجْحِفُ بِأَهْلِ الْخَرَاجِ وَلَا نُقْصَانٍ يَضُرُّ بِأَهْلِ الْفَيْءِ نَظَرًا لِلْفَرِيقَيْنِ ؛ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اعْتَبَرَ شَرْطًا رَابِعًا وَهُوَ قُرْبُهَا مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْأَسْوَاقِ","part":1,"page":300},{"id":300,"text":"وَبُعْدُهَا لِزِيَادَةِ أَثْمَانِهَا وَنُقْصَانِهَا ، وَهَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَكُونُ خَرَاجُهُ وَرِقًا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَكُونُ خَرَاجُهُ حَبًّا وَتِلْكَ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ تُعْتَبَرُ فِي الْحَبِّ وَالْوَرِقِ ؛ وَإِذَا كَانَ الْخَرَاجُ مُعْتَبَرًا بِمَا وَصَفْنَا فَكَذَلِكَ مَا اخْتَلَفَ قَدْرُهُ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ خَرَاجُ كُلِّ نَاحِيَةٍ مُخَالِفًا لِخَرَاجِ غَيْرِهَا ، وَلَا يَسْتَقْصِي فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ غَايَةَ مَا يَحْتَمِلُهُ ، وَلْيَجْعَلْ فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَرْضِ بَقِيَّةً يُجْبِرُونَ بِهَا النَّوَائِبَ وَالْحَوَائِجَ .\rحُكِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَخْذِ الْفَضْلِ مِنْ أَمْوَالِ السَّوَادِ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَتَبَ إلَيْهِ : لَا تَكُنْ عَلَى دِرْهَمِكَ الْمَأْخُوذِ أَحْرَصَ مِنْكَ عَلَى دِرْهَمِكَ الْمَتْرُوكِ وَأَبْقِ لَهُمْ لُحُومًا يَعْقِدُونَ بِهَا شُحُومًا .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ الْخَرَاجُ بِمَا احْتَمَلَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا رَاعَى فِيهَا أَصْلَحَ الْأُمُورِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الْأَرْضِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الزَّرْعِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْعَلَهَا مُقَاسَمَةً ، فَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الْأَرْضِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الزَّرْعِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَإِنْ جَعَلَهُ مُقَاسَمَةً كَانَ مُعْتَبَرًا بِكَمَالِ الزَّرْعِ وَتَصْفِيَتِهِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَلَى أَخْذِهَا مُقَدَّرًا بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ صَارَ ذَلِكَ مُؤَبَّدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وَلَا يُنْقَصَ مِنْهُ مَا كَانَتْ الْأَرْضُونَ عَلَى أَحْوَالِهَا فِي سَقْيِهَا وَمَصَالِحِهَا .\rفَإِنْ تَغَيَّرَ سَقْيُهَا وَمَصَالِحُهَا إلَى الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِمْ ، كَزِيَادَةٍ حَدَثَتْ بِشَقِّ أَنْهَارٍ أَوْ اسْتِنْبَاطِ مِيَاهٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ حَدَثَ لِتَقْصِيرٍ فِي عِمَارَتِهِ ، أَوْ","part":1,"page":301},{"id":301,"text":"عُدُولٍ عَنْ حُقُوقٍ وَمَصْلَحَةٍ ، فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِمْ بِحَالِهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِزِيَادَةِ عِمَارَتِهِمْ فِيهِ ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ لِنُقْصَانِهَا ، وَيُؤْخَذُونَ بِالْعِمَارَةِ لِئَلَّا يَسْتَدِيمَ خَرَابُهُ فَيَتَعَطَّلَ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِمْ ، فَيَكُونُ النُّقْصَانُ لِشَقٍّ انْشَقَّ أَوْ نَهْرٍ تَعَطَّلَ ؛ فَإِنْ كَانَ سَدُّهُ وَعَمَلُهُ مُمْكِنًا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَعْمَلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ ، وَالْخَرَاجُ سَاقِطٌ عَنْهُمْ مَا لَمْ يَعْمَلْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ فَخَرَاجُ تِلْكَ الْأَرْضِ سَاقِطٌ عَنْ أَهْلِهَا إذَا عُدِمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، فَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الزِّرَاعَةِ كَمَصَائِدَ أَوْ مَرَاعٍ جَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَضْعَ خَرَاجٍ عَلَيْهَا بِحَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ الصَّيْدُ وَالْمَرْعَى وَلَيْسَتْ كَالْأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى مَصَائِدِهَا وَمَرَاعِيهَا خَرَاجٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مَمْلُوكَةٌ وَأَرْضُ الْمَوَاتِ مُبَاحَةٌ .\rأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي أَحْدَثَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَكَأَنْهَارٍ حَفَرَهَا السَّيْلُ وَصَارَتْ الْأَرْضُ بِهَا سَائِحَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُسْقَى بِآلَةٍ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا عَارِضًا لَا يُوثَقُ بِدَوَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَادَ فِي الْخَرَاجِ وَإِنْ وُثِقَ بِدَوَامِهِ رَاعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ وَأَهْلِ الْفَيْءِ وَعَمِلَ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ الْمُتَارَكَةِ بِمَا يَكُونُ عَدْلًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ .","part":1,"page":302},{"id":302,"text":"وَخَرَاجُ الْأَرْضِ إذَا أَمْكَنَ زَرْعُهَا مَأْخُوذٌ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ وَقَالَ مَالِكٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا سَوَاءٌ تَرَكَهَا مُخْتَارًا أَوْ مَعْذُورًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا إنْ كَانَ مُخْتَارًا وَيَسْقُطُ عَنْهَا إنْ كَانَ مَعْذُورًا وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ مَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخِذَ مِنْهُ فِيمَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ عَنْ أَقَلِّ مَا يُزْرَعُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى زَرْعِهِ لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ","part":1,"page":303},{"id":303,"text":"وَإِذَا كَانَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى تُرَاحَ فِي عَامٍ وَتُزْرَعَ فِي عَامٍ آخَرَ رُوعِيَ حَالُهَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا وَاعْتَبَرَ أَصْلَحَ أُمُورٍ لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ وَأَهْلِ الْفَيْءِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ : إمَّا أَنْ يَجْعَلَ خَرَاجَهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ خَرَاجِ مَا يُزْرَعُ فِي كُلِّ عَامٍ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَزْرُوعِ وَالْمَتْرُوكِ وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ جَرِيبَيْنِ مِنْهَا بِجَرِيبٍ لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا لِلْمَزْرُوعِ وَالْآخَرُ لِلْمَتْرُوكِ وَإِمَّا أَنْ يَضَعَهُ بِكَمَالِهِ عَلَى مِسَاحَةِ الْمَزْرُوعِ وَالْمَتْرُوكِ وَيَسْتَوْفِي مِنْ أَرْبَابِهِ الشَّطْرَ مِنْ زِرَاءِ أَرْضِهِمْ","part":1,"page":304},{"id":304,"text":"وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ فَزُرِعَ أَوْ غُرِسَ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ خَرَاجُهُ بِأَقْرَبِ الْمَنْصُوصَاتِ بِهِ شَبَهًا وَنَفْعًا .","part":1,"page":305},{"id":305,"text":"وَإِذَا زُرِعَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ لَمْ يَسْقُطْ عُشْرُ الزَّرْعِ بِخَرَاجِ الْأَرْضِ وَجُمِعَ فِيهَا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَأَقْتَصِرُ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ وَإِسْقَاطِ الْعُشْرِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنْقَلَ أَرْضُ الْخَرَاجِ إلَى الْعُشْرِ وَلَا أَرْضُ الْعُشْرِ إلَى الْخَرَاجِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .","part":1,"page":306},{"id":306,"text":"وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَرْضُ عُشْرٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا عُشْرًا وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَرْضُ خَرَاجٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا خَرَاجًا اعْتِبَارًا بِالْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْمَاءِ فَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ الْخَرَاجُ وَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْعُشْرِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ الْعُشْرُ اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ وَاعْتِبَارُ الْأَرْضِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَاءِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْأَرْضِ وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ عَنْ الزَّرْعِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَاءِ خَرَاجٌ وَلَا عُشْرٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ صَاحِبَ الْخَرَاجِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ وَمَنَعَ صَاحِبَ الْعُشْرِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ ، وَلَمْ يَمْنَعْ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِأَيِّ الْمَاءَيْنِ شَاءَ","part":1,"page":307},{"id":307,"text":"وَإِنْ بُنِيَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَبْنِيَةٌ مِنْ دُورٍ أَوْ حَوَانِيتَ ؛ كَانَ خَرَاجُ الْأَرْضِ مُسْتَحَقًّا ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَيْفَ شَاءَ ، وَأَسْقَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ تُزْرَعَ أَوْ تُغْرَسَ ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بُنْيَانِهِ مِنْ مَقَامِهِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِزِرَاعَتِهَا عَفْوٌ يَسْقُطُ عَنْهُ خَرَاجُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمَسْكَنٍ يَسْتَوْطِنُهُ وَمَا جَاوَزَ قَدْرَ الْحَاجَةِ مَأْخُوذٌ بِخَرَاجِهِ","part":1,"page":308},{"id":308,"text":"وَإِذَا أُوجِرَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ أَوْ أُعِيرَتْ فَخَرَاجُهَا عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خَرَاجُهَا فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَالِكِ وَفِي الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ :","part":1,"page":309},{"id":309,"text":"وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي حُكْمِهَا فَادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا أَرْضُ خَرَاجٍ وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ وَقَوْلُهُمَا مُمَكَّنٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ دُونَ الْعَامِلِ ، فَإِنْ اتَّهَمَ أَحْلَفَ اسْتِظْهَارًا وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى شَوَاهِدِ الدَّوَاوِينِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَلِمَ صِحَّتَهَا وَوُثِقَ بِكِتَابِهَا وَقَلَّمَا يُشْكِلُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحُدُودِ .","part":1,"page":310},{"id":310,"text":"وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ قَوْلُهُ ، وَلَوْ ادَّعَى دَفْعَ الْعُشْرِ قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي دَفْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الدَّوَاوِينِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَرَفَ صِحَّتَهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمُعْتَادِ فِيهَا","part":1,"page":311},{"id":311,"text":"وَمَنْ أَعْسَرَ بِخَرَاجِهِ أُنْظِرَ بِهِ إلَى إيسَارِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ بِإِيسَارِهِ وَيَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ","part":1,"page":312},{"id":312,"text":"وَإِذَا مَطَلَ بِالْخَرَاجِ مَعَ إيسَارِهِ حُبِسَ بِهِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَالٌ فَيُبَاعُ عَلَيْهِ فِي خَرَاجِهِ كَالْمَدْيُونِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَرَى جَوَازَ بَيْعِهَا بَاعَ مِنْهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ خَرَاجِهَا ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ أَجْرَاهَا عَلَيْهِ وَاسْتَوْفَى الْخَرَاجَ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا ، فَإِنْ زَادَتْ الْأُجْرَةُ كَانَ عَلَيْهِ زِيَادَتُهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ كَانَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهَا","part":1,"page":313},{"id":313,"text":"وَإِذَا عَجَزَ رَبُّ الْأَرْضِ عَنْ عِمَارَتِهَا قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تُؤَجِّرَهَا أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهَا لِتُدْفَعَ إلَى مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَتِهَا وَلَمْ يُتْرَكْ عَلَى خَرَابِهَا وَإِنْ دَفَعَ خَرَاجَهَا لِئَلَّا تَصِيرَ بِالْخَرَابِ مَوَاتًا","part":1,"page":314},{"id":314,"text":"وَعَامِلُ الْخَرَاجِ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ : الْحُرِّيَّةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْكِفَايَةُ ، ثُمَّ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ وِلَايَتِهِ فَإِنْ تَوَلَّى وَضْعَ الْخَرَاجِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ وَلِيَ جِبَايَةَ الْخَرَاجِ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا","part":1,"page":315},{"id":315,"text":"وَرِزْقُ عَامِلِ الْخَرَاجِ فِي مَالِ الْخَرَاجِ ، كَمَا أَنَّ رِزْقَ عَامِلِ الصَّدَقَةِ فِي مَالِ الصَّدَقَةِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ وَكَذَلِكَ أُجُورُ الْمُسَّاحِ","part":1,"page":316},{"id":316,"text":"وَأَمَّا أُجْرَةُ الْقَسَّامِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أُجُورِ قُسَّامِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مَعًا فِي حَقِّ الَّذِي اسْتَوْفَاهُ السُّلْطَانُ مِنْهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أُجُورُ مَنْ يَقْسِمُ غَلَّةَ الْعُشْرِ وَغَلَّةَ الْخَرَاجِ وَسَطٌ مِنْ أَصْلِ الْكَيْلِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : أُجُورُ الْخَرَاجِ عَلَى السُّلْطَانِ وَأُجُورُ الْعُشْرِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَالَ مَالِكٌ : أُجُورُ الْعُشْرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ وَأُجُورُ الْخَرَاجِ عَلَى الْوَسَطِ","part":1,"page":317},{"id":317,"text":"وَالْخَرَاجُ حَقٌّ مَعْلُومٌ عَلَى مِسَاحَةٍ مَعْلُومَةٍ فَاعْتُبِرَ فِي الْعِلْمِ بِهَا ثَلَاثَةُ مَقَادِيرَ تَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهَا : أَحَدُهَا مِقْدَارُ الْجَرِيبِ بِالذِّرَاعِ الْمَسْمُوحِ بِهِ .\rوَالثَّانِي مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ الْمَأْخُوذِ بِهِ وَالثَّالِثُ مِقْدَارُ الْكَيْلِ الْمُسْتَوْفَى بِهِ .\rفَأَمَّا الْجَرِيبُ فَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ ، وَالْقَفِيزُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي قَصَبَةٍ وَالْعَشِيرُ قَصَبَةٌ فِي قَصَبَةٍ وَالْقَصَبَةُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ ذِرَاعٍ مُكَسَّرَةٍ ، وَالْقَفِيزُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَةٌ وَهُوَ عُشْرُ الْجَرِيبِ ، وَالْعَشِيرُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَهُوَ عُشْرُ الْقَفِيزِ وَأَمَّا الذِّرَاعُ فَالْأَذْرُعُ سَبْعٌ أَقْصَرُهَا الْقَاضِيَةُ ثُمَّ الْيُوسُفِيَّةُ ثُمَّ السَّوْدَاءُ ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى وَهِيَ الْبِلَالِيَّةُ ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى وَهِيَ الزِّيَادِيَّةُ ثُمَّ الْعُمَرِيَّةُ ثُمَّ الْمِيزَانِيَّةُ .\rفَأَمَّا الْقَاضِيَةُ وَتُسَمَّى ذِرَاعُ الدُّورِ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعِ السَّوْدَاءِ بِأُصْبُعٍ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي وَبِهَا يَتَعَامَلُ أَهْلُ كَلْوَاذَى .\rوَأَمَّا الْيُوسُفِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي تَذْرُعُ بِهَا الْقُضَاةُ الدُّورَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِثُلُثَيْ أُصْبُعٍ وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي .\rوَأَمَّا الذِّرَاعُ السَّوْدَاءُ فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ ذِرَاعِ الدُّورِ بِأُصْبُعٍ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا الرَّشِيدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدَّرَهَا بِذِرَاعِ خَادِمٍ أَسْوَدَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ فِي ذِرَاعِ الْبَزِّ وَالتِّجَارَةِ وَالْأَبْنِيَةِ وَقِيَاسِ نِيلِ مِصْرَ .\rوَأَمَّا الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى وَهِيَ الْبِلَالِيَّةُ فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِأُصْبُعَيْنِ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ وَذَكَرَ أَنَّهَا ذِرَاعُ جَدِّهِ","part":1,"page":318},{"id":318,"text":"أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ الزِّيَادِيَّةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرٍ وَبِهَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ .\rوَأَمَّا الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى وَهِيَ ذِرَاعُ الْمِلْكِ وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَهَا إلَى الْهَاشِمِيَّةِ الْمَنْصُورُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِخَمْسِ أَصَابِعَ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ فَتَكُونُ ذِرَاعًا وَثُمُنًا وَعُشْرًا بِالسَّوْدَاءِ ، وَيَنْقُصُ عَنْهَا الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرٍ ، وَسُمِّيَتْ زِيَادِيَّةٌ لِأَنَّ زِيَادًا مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ وَهِيَ الَّتِي يَذْرُعُ بِهَا أَهْلُ الْأَهْوَازِ .\rوَأَمَّا الذِّرَاعُ الْعُمَرِيَّةُ فَهِيَ ذِرَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ وَقَالَ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ : رَأَيْتُ ذِرَاعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ وَهِيَ ذِرَاعٌ وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَدَ إلَى أَطْوَلِهَا ذِرَاعًا وَأَوْسَطِهَا فَجَمَعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَخَذَ الثُّلُثَ مِنْهَا وَزَادَ عَلَيْهِ قَبْضَةً وَإِبْهَامًا قَائِمَةً ثُمَّ خَتَمَ فِي طَرَفَيْهِ بِالرَّصَاصِ وَبَعَثَ بِذَلِكَ إلَى حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى مَسَحَا بِهَا السَّوَادَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَسَحَ بِهَا بَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ .\rأَمَّا الذِّرَاعُ الْمِيزَانِيَّةُ فَتَكُونُ بِالذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ ذِرَاعَيْنِ وَثُلُثَيْ ذِرَاعٍ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا الْمَأْمُونُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَامَلُ النَّاسُ فِيهَا فِي ذَرْعِ الْبَرَائِدِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْأَسْوَاقِ وَكِرَاءِ الْأَنْهَارِ وَالْحَفَائِرِ","part":1,"page":319},{"id":319,"text":"وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ وَزْنِهِ وَنَقْدِهِ ، فَأَمَّا وَزْنُهُ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ وَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ وَوَزْنَ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ .\rوَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ اسْتِقْرَارِهِ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ ، فَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ فِي أَيَّامِ الْفُرْسِ مَضْرُوبَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْزَانٍ مِنْهَا دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ الْمِثْقَالِ عِشْرُونَ قِيرَاطًا وَدِرْهَمٌ وَزْنُهُ اثْنَا عَشَرَ قِيرَاطًا وَدِرْهَمٌ وَزْنُهُ عَشَرَةُ قَرَارِيطَ فَلَمَّا اُحْتِيجَ فِي الْإِسْلَامِ إلَى تَقْدِيرِهِ فِي الزَّكَاةِ أُخِذَ الْوَسَطُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قِيرَاطًا فَكَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا مِنْ قَرَارِيطِ الْمِثْقَالِ فَلَمَّا ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى الْوَسَطِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ قِيلَ فِي عَشَرَتِهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، وَإِنَّهَا كَذَلِكَ وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ الدَّرَاهِمِ وَأَنَّ مِنْهَا الْبَغْلَيَّ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ وَمِنْهَا الطَّبَرِيَّ وَهُوَ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ وَمِنْهَا الْمَغْرِبِيَّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَوَانِقَ وَمِنْهَا الْيَمَنِيَّ وَهُوَ دَانَقٌ قَالَ اُنْظُرُوا الْأَغْلَبَ مِمَّا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا فَكَانَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَالدِّرْهَمُ الطَّبَرِيُّ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَكَانَا اثْنَيْ عَشَرَ دَانَقًا فَأَخَذَ نِصْفَهَا فَكَانَ سِتَّةَ دَوَانِقَ فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ الْإِسْلَامِيَّ فِي سِتَّةِ دَوَانِيقَ وَمَتَى زِدْتَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا وَمَتَى نَقَصْتَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا فَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَكُلُّ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسُبْعَانِ فَأَمَّا النَّقْصُ فَمِنْ خَالِصِ الْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِمَغْشُوشِهِ مَدْخَلٌ فِي حُكْمِهِ ، وَقَدْ كَانَ الْفُرْسُ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِهِمْ","part":1,"page":320},{"id":320,"text":"فَسَدَتْ نَقُودُهُمْ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَنَقُودُهُمْ مِنْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ خَالِصَةٍ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ الْخَالِصَةِ وَكَانَ غِشُّهَا عَفْوًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ بَيْنَهُمْ إلَى أَنْ ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ فَتَمَيَّزَ الْمَغْشُوشُ مِنْ الْخَالِصِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ الْمَنْقُوشَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ تَرِدُ رُومِيَّةً وَالدَّرَاهِمُ تَرِدُ كِسْرَوِيَّةً وَحِمْيَرِيَّةً قَلِيلَةً قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَجَّاجَ أَنْ يَضْرِبَ الدَّرَاهِمَ بِالْعِرَاقِ فَضَرَبَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ بَلْ ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِهَا فِي النَّوَاحِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ ، وَقِيلَ إنَّ الْحَجَّاجَ خَلَّصَهَا تَخْلِيصًا لَمْ يَسْتَقْصِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهَا { اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ } .\rوَسُمِّيَتْ مَكْرُوهَةً وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ كَرِهُوهَا لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ يَحْمِلُهَا الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ وَقَالَ الْآخَرُونَ لِأَنَّ الْأَعَاجِمَ كَرِهُوا نُقْصَانَهَا فَسُمِّيَتْ مَكْرُوهَةً ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ الْحَجَّاجِ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَضَرَبَهَا أَجْوَدَ مِمَّا كَانَتْ ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فَشَدَّدَ فِي تَجْوِيدِهَا ، وَضَرَبَ بَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَأَفْرَطَ فِي التَّشْدِيدِ فِيهَا وَالتَّجْوِيدِ فَكَانَتْ الْهُبَيْرِيَّةُ وَالْخَالِدِيَّةُ وَالْيُوسُفِيَّةُ أَجْوَدَ نَقْدِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَأْخُذُ فِي الْخَرَاجِ مِنْ نَقْدِهِمْ غَيْرَهَا .\rوَحَكَى يَحْيَى بْنُ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَمْرِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ","part":1,"page":321},{"id":321,"text":"الزُّبَيْرِ سَنَةَ سَبْعِينَ عَلَى ضَرْبِ الْأَكَاسِرَةِ وَعَلَيْهَا بَرَكَةٌ فِي جَانِبٍ وَاَللَّهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ ثُمَّ غَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ بَعْدَ سَنَةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهَا بِسْمِ اللَّهِ فِي جَانِبٍ وَالْحَجَّاجُ فِي جَانِبٍ","part":1,"page":322},{"id":322,"text":"وَإِذَا خَلَصَ الْعَيْنُ وَالْوَرِقُ مِنْ غِشٍّ كَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي النُّقُودِ الْمُسْتَحَقَّةِ وَالْمَطْبُوعِ مِنْهَا بِالسِّكَّةِ السُّلْطَانِيَّةِ الْمَوْثُوقِ بِسَلَامَةِ طَبْعِهِ الْمَأْمُونِ مِنْ تَبْدِيلِهِ وَتَلْبِيسِهِ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ دُونَ نِقَارِ الْفِضَّةِ وَسَبَائِكِ الذَّهَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِهِمَا إلَّا بِالسَّكِّ وَالتَّصْفِيَةِ وَالْمَطْبُوعُ مَوْثُوقٌ بِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَمِ فِيمَا يُطْلَقُ مِنْ أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَطْبُوعَاتُ مُخْتَلِفَةَ الْقِيمَةِ مَعَ اتِّفَاقِهَا فِي الْجَوْدَةِ فَطَالَبَ عَامِلُ الْخَرَاجِ بِأَعْلَاهَا قِيمَةً نَظَرَ : فَإِنْ كَانَ مِنْ ضَرْبِ سُلْطَانِ الْوَقْتِ أُجِيبَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ضَرْبِهِ مُبَايَنَةً لَهُ فِي الطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَرْبِ غَيْرِهِ نَظَرَ : فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَأْخُوذَ فِي خَرَاجِ مَنْ تَقَدَّمَهُ أُجِيبَ إلَيْهِ اسْتِصْحَابًا لِمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا فِيمَا تَقَدَّمَ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ غَبْنًا وَحَيْفًا","part":1,"page":323},{"id":323,"text":"وَأَمَّا مَكْسُورُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يَلْزَمُ أَخْذُهُ لِالْتِبَاسِهِ وَجَوَازِ اخْتِلَاطِهِ وَلِذَلِكَ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عَنْ الْمَضْرُوبِ الصَّحِيحِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ كَسْرِهَا ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَيُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ الْمُسْلِمِينَ سِكَّةَ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ .\rوَالسِّكَّةُ هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُطْبَعُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ سِكَّةً وَقَدْ كَانَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وُلَاةُ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى أَسْرَفُوا فِيهِ ، فَحُكِيَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ رَجُلًا قَطَعَ دِرْهَمًا مِنْ دَرَاهِمِ فَارِسٍ فَقَطَعَ يَدَهُ وَهَذَا عُدْوَانٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ مَسَاغٌ .\rوَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَعَاقَبَ مَنْ قَطَعَ الدَّرَاهِمَ وَضَرَبَهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا وَطَافَ بِهِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَهَذَا عِنْدَنَا فِيمَنْ قَطَعَهَا وَدَسَّ فِيهَا الْمُفَرَّغَةَ وَالزُّيُوفَ ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ فَمَا فَعَلَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لَيْسَ بِعُدْوَانٍ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ حَدِّ التَّعْزِيرِ وَالتَّعْزِيرُ عَلَى التَّدْلِيسِ مُسْتَحَقٌّ وَأَمَّا فِعْلُ مَرْوَانَ فَظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّ كَسْرَهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَقَدْ حَكَى صَالِحُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ } قَالَ كَسْرُ الدَّرَاهِمِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَسَرَهَا لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ وَإِنْ كَسَرَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ كُرِهَ لَهُ لِأَنَّ إدْخَالَ النَّقْصِ عَلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ سَفَهٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إنْ كَانَ عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُرِهَ كَسْرُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ","part":1,"page":324},{"id":324,"text":"عَلَيْهَا اسْمُهُ لَمْ يُكْرَهْ وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي النَّهْيِ عَنْ كَسْرِ السِّكَّةِ فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ كَسْرِهَا لِتُعَادَ تِبْرًا فَتَكُونُ عَلَى حَالِهَا مُرْصَدَةً لِلنَّفَقَةِ ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ كَسْرِهَا لِيَتَّخِذَ مِنْهَا أَوَانِيَ وَزُخْرُفَ وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ أَخْذِ أَطْرَافِهَا قَرْضًا بِالْمَقَارِيضِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا فَصَارَ أَخْذُ أَطْرَافِهَا بَخْسًا وَتَطْفِيفًا","part":1,"page":325},{"id":325,"text":"وَأَمَّا الْكَيْلُ فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً فَبِأَيِّ قَفِيزٍ كِيلَ تَعَدَّلَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ وَإِنْ كَانَ خَرَاجًا مُقَدَّرًا فَقَدْ حَكَى الْقَاسِمُ أَنَّ الْقَفِيزَ الَّذِي وَضَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ فَأَمْضَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مَكِيلًا لَهُمْ يُعْرَفُ بِالشَّابِرْقَانِ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَهُوَ الْمَخْتُومُ الْحَجَّاجِي ، وَقِيلَ وَزْنُهُ ثَلَاثُونَ رِطْلًا ، فَإِنْ اُسْتُؤْنِفَ وَضْعُ الْخَرَاجِ كَيْلًا مُقَدَّرًا عَلَى نَاحِيَةٍ مُبْتَدَأَةٍ رُوعِيَ فِيهِ مِنْ الْمَكَايِيلِ مَا اسْتَقَرَّ مَعَ أَهْلِهَا مِنْ مَشْهُورِ الْقُفْزَانِ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ .","part":1,"page":326},{"id":326,"text":"الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ : فِيمَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ مِنْ الْبِلَادِ بِلَادُ الْإِسْلَامِ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : حَرَمٌ ، وَحِجَازٍ ، وَمَا عَدَاهُمَا .\rأَمَّا الْحَرَمُ فَمَكَّةُ وَمَا طَافَ بِهَا مِنْ نُصُبِ حَرَمِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمَيْنِ فِي كِتَابِهِ مَكَّةَ وَبَكَّةَ ، فَذَكَرَ مَكَّةَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } .\rوَمَكَّةُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ تَمَكَّكْتُ الْمُخَّ مِنْ الْعَظْمِ تَمَكُّكًا : إذَا اسْتَخْرَجْتَهُ عَنْهُ لِأَنَّهَا عُكَّ الْفَاجِرُ عَنْهَا وَتُخْرِجُهُ مِنْهَا عَلَى مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَنْشَدَ قَوْلَ الرَّاجِزِ فِي تَلْبِيَتِهِ : يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكَّا وَلَا تَمُكِّي مُذْحِجًا وَعَكَّا وَذَكَرَ بَكَّةَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا } .\rقَالَ الْأَصْمَعِيُّ ، وَسُمِّيَتْ بَكَّةُ لِأَنَّ النَّاسَ يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهَا أَيْ يَدْفَعُ ، وَأَنْشَدَ ( مِنْ الرَّجَزِ ) : إذَا الشِّرِّيبُ أَخَذَتْهُ أَكَّهْ فَخَلِّهِ حَتَّى يُبَكَّ بَكَّهْ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ فَقَالَ قَوْمٌ : هُمَا لُغَتَانِ وَالْمُسَمَّى بِهِمَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُبْدِلُ الْمِيمَ بِالْبَاءِ فَتَقُولُ : ضَرْبَةُ لَازِمٍ وَضَرْبَةُ لَازِبٍ لِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ .\rوَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمَا اسْمَانِ وَالْمُسَمَّى بِهِمَا شَيْئَانِ ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْمَاءِ مَوْضُوعٌ لِاخْتِلَافِ الْمُسَمَّى .\rوَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفَ فِي الْمُسَمَّى بِهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ مَكَّةَ اسْمُ الْبَلَدِ كُلِّهِ وَبَكَّةُ اسْمُ الْبَيْتِ وَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أَيُّوبَ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ مَكَّةَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَبَكَّةُ الْمَسْجِدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .\rوَحَكَى مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ : كَانَتْ مَكَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ","part":1,"page":327},{"id":327,"text":"تُسَمَّى صَلَاحًا لِأَمْنِهَا ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ لِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ ( مِنْ الْوَافِرِ ) : أَبَا مَطَرٍ هَلُمَّ إلَى صَلَاحِ فَيَكْفِيَكَ النَّدَامَى مِنْ قُرَيْشِ وَتَنْزِلُ بَلْدَةً عَزَّتْ قَدِيمًا وَتَأْمَنُ أَنْ يَزُورَكَ رَبُّ جَيْشِ وَحَكَى مُجَاهِدٌ أَنَّ أُمَّ زَحْمٍ وَالْبَاسَّةَ ، فَأَمَّا أُمُّ زَحْمٍ فَلِأَنَّ النَّاسَ يَتَزَاحَمُونَ بِهَا وَيَتَنَازَعُونَ ، وَأَمَّا الْبَاسَّةُ فَلِأَنَّهَا تَبُسُّ مِنْ الْحَدِّ فِيهَا أَيْ تُحَطِّمُهُ وَتُهْلِكُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا } .\rوَيُرْوَى النَّاسَّةُ بِالنُّونِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَنِسُّ مِنْ الْحَدِّ فِيهَا أَيْ تَطْرُدُهُ وَتَنْفِيهِ .\rوَأَصْلُ مَكَّةَ وَحُرْمَتُهَا مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُرْمَةِ بَيْتِهِ حَتَّى جَعَلَهَا لِأَجْلِ الْبَيْتِ الَّذِي أَمَرَ بِرَفْعِ قَوَاعِدِهِ وَجَعَلَهُ قِبْلَةَ عِبَادِهِ أُمُّ الْقُرَى كَمَا قَالَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - : { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } .\rوَحَكَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ سَبَبَ وَضْعِ الْبَيْتِ وَالطَّوَافِ بِهِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : { إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .\rفَغَضِبَ عَلَيْهِمْ فَعَاذُوا بِالْعَرْشِ فَطَافُوا حَوْلَهُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ لَهُمْ ابْنُوا لِي فِي الْأَرْضِ بَيْتًا يَعُوذُ بِهِ مَنْ سَخِطْتُ عَلَيْهِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَيَطُوفُ حَوْلَهُ كَمَا فَعَلْتُمْ بِعَرْشِي فَأَرْضَى عَنْهُمْ فَبَنَوْا لَهُ هَذَا الْبَيْتَ ، فَكَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ أَوَّلَ","part":1,"page":328},{"id":328,"text":"بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِهَا ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَطَائِفَةٌ قَدْ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ بَيْتٌ .\rوَفِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { مُبَارَكًا } تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ بَرَكَتَهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ ثَوَابِ الْقَصْدِ إلَيْهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ أَمْنٌ لِمَنْ دَخَلَهُ حَتَّى الْوَحْشِ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الظَّبْيُ وَالذِّئْبُ .\r{ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } تَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : هُدًى لَهُمْ إلَى تَوْحِيدِهِ .\rوَالثَّانِي إلَى عِبَادَتِهِ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ .\r{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } .\rوَكَانَتْ الْآيَةُ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ تَأْثِيرَ قَدَمَيْهِ فِيهِ ، وَهُوَ حَجَرٌ صَلْدٌ ، وَالْآيَةُ فِي غَيْرِ الْمَقَامِ : أَمْنَ الْخَائِفِ وَهَيْبَةَ الْبَيْتِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ ، وَامْتِنَاعَ الطَّيْرِ مِنْ الْعُلُوِّ عَلَيْهِ ، وَتَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لِمَنْ عَتَا فِيهِ ؛ وَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ ، وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ قُلُوبَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَعْظِيمِهِ ، وَأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمْ غَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ وَلَا مُتَّبِعِي شَرْعٍ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَهُ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَرَى فِيهِ قَاتِلَ أَخِيهِ وَأَبِيهِ فَلَا يَطْلُبُهُ بِثَأْرِهِ فِيهِ .\rوَكُلُّ ذَلِكَ آيَاتُ اللَّهِ تَعَالَى أَلْقَاهَا عَلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ .\rوَأَمَّا أَمْنُهُ فِي الْإِسْلَامِ فَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا آمِنًا مِنْ النَّارِ ، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ .\rوَالثَّانِي آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ عَلَى دَاخِلِهِ وَحَظَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَهُ مُحِلًّا .\rوَقَالَ أَيْضًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ حَلَالًا : { أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ وَلَمْ تَحُلَّ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } .\rثُمَّ قَالَ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ","part":1,"page":329},{"id":329,"text":"الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .\rفَجَعَلَ حَجَّهُ فَرْضًا بَعْدَ أَنْ صَارَ فِي الصَّلَاةِ قِبْلَةً ، لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَالْحَجُّ فُرِضَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ .\rوَإِذْ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَكَّةَ لِلْكَعْبَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ عِبَادَتَانِ وَبَايَنَتْ بِحُرْمَتِهَا سَائِرَ الْبُلْدَانِ وَجَبَ أَنْ نَصِفَهَا ثُمَّ نَذْكُرَ حُكْمَ حَرَمِهَا .\rفَأَمَّا بِنَاؤُهَا فَأَوَّلُ مَنْ تَوَلَّاهُ بَعْدَ الطُّوفَانِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\rفَدَلَّ مَا سَأَلَاهُ مِنْ الْقَبُولِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا بِبِنَائِهَا مَأْمُورَيْنِ ، وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لِعُلُوِّهَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ كَعَبَتْ الْمَرْأَةُ إذَا عَلَا ثَدْيُهَا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْكَعْبُ كَعْبًا لِعُلُوِّهِ وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ بَعْدَ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جُرْهُمَ وَالْعَمَالِقَةِ إلَى أَنْ انْقَرَضُوا حَتَّى قَالَ فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ وَخَلَفَهُمْ فِيهَا قُرَيْشٌ بَعْدَ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الْحَرَمِ لِكَثْرَتِهِمْ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَعِزَّتِهِمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ تَأْسِيسًا لِمَا يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مِنْ النُّبُوَّةِ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَدَّدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ وَسَقَفَهَا بِخَشَبِ الدَّوْمِ وَجَرِيدِ النَّخْلِ قَالَ الْأَعْشَى ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : حَلَفْتُ بِثَوْبَيْ رَاهِبِ الشَّامِ وَاَلَّتِي بَنَاهَا قُصَيٌّ جَدُّهُ وَابْنُ جُرْهُمَ لَئِنْ شَبَّ نِيرَانُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَنَا لَيَرْتَحِلَنْ مِنِّي عَلَى ظَهْرِ شَيْهَمِ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ بَعْدَهُ وَرَسُولُ","part":1,"page":330},{"id":330,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهِدَ بِنَاءَهَا وَكَانَ بَابُهَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ يَا قَوْمِ ارْفَعُوا بَابَ الْكَعْبَةِ حَتَّى لَا تُدْخَلَ إلَّا بِسُلَّمٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا حِينَئِذٍ إلَّا مَنْ أَرَدْتُمْ ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِمَّنْ تَكْرَهُونَ رَمَيْتُمْ بِهِ فَيَسْقُطَ فَكَانَ نَكَالًا لِمَنْ رَآهُ فَفَعَلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ .\rوَسَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّ الْكَعْبَةَ اسْتُهْدِمَتْ وَكَانَتْ فَوْقَ الْقَامَةِ فَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ إلَى جُدَّةَ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا ، وَكَانَ فِي الْكَعْبَةِ حَيَّةٌ يَخَافُهَا النَّاسُ فَخَرَجَتْ فَوْقَ جِدَارِ الْكَعْبَةِ فَنَزَلَ طَائِرٌ فَاخْتَطَفَهَا فَقَالَتْ قُرَيْشٌ إنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا فَهَدَمُوهَا وَبَنَوْهَا بِخَشَبِ السَّفِينَةِ وَكَانَتْ عَلَى بِنَائِهَا إلَى أَنْ حُوصِرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَسْكَرِ الشَّامِ حِينَ حَارَبُوهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ نَارًا فِي لِيفَةٍ عَلَى رَأْسِ رُمْحٍ وَكَانَتْ الرِّيحُ عَاصِفَةً فَطَارَتْ شَرَارَةٌ فَتَعَلَّقَتْ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَأَحْرَقَتْهَا فَتَصَدَّعَتْ حِيطَانُهَا وَاسْوَدَّتْ وَتَنَاثَرَتْ أَحْجَارُهَا فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَانْصَرَفَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ شَاوَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا فَأَشَارَ بِهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ لَا تَهْدِمْ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَمَا تَرَى الْحَمَامَ يَقَعُ عَلَى حِيطَانِ الْبَيْتِ فَتَتَنَاثَرُ حِجَارَتُهُ وَيَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَبْنِي بَيْتَهُ وَلَا يَبْنِي بَيْتَ اللَّهِ ، أَلَا إنِّي هَادِمُهُ بِالْغَدَاةِ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ كَانَتْ لَنَا سِعَةٌ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أُسِّ إبْرَاهِيمَ","part":1,"page":331},{"id":331,"text":"، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا } .\rوَسَأَلَ الْأَسْوَدُ هَلْ سَمِعْتَ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ فَقَالَ نَعَمْ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهَا : { إنَّ النَّفَقَةَ قَصُرَتْ بِقَوْمِكَ فَاقْتَصَرُوا ، وَلَوْلَا حَدَثَانُ عَهْدِهِمْ بِالْكُفْرِ لَهَدَمْتُهُ وَأَعَدْتُ فِيهِ مَا تَرَكُوا } .\rفَاسْتَقَرَّ رَأْيُ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إلَى عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَقِيلَ : هُوَ نَائِمٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { إنَّ الْأَرْضَ لَتَضِجُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَوْمَةِ الْعُلَمَاءِ فِي الضُّحَى } فَهَدَمَهَا فَأَرْسَلَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إنْ كُنْت هَادِمَهَا فَلَا تَدَعْ النَّاسَ بِلَا قِبْلَةٍ ، فَلَمَّا هُدِّمَتْ قَالَ النَّاسُ كَيْفَ نُصَلِّي بِغَيْرِ قِبْلَةٍ ؟ فَقَالَ جَابِرٌ وَزَيْدٌ صَلُّوا إلَى مَوْضِعِهَا فَهُوَ الْقِبْلَةُ ، وَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَوْضِعِهَا فَسُتِرَ وَوُضِعَ الْحَجَرُ فِي تَابُوتٍ فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ ، قَالَ عِكْرِمَةُ رَأَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ ذِرَاعٌ أَوْ يَزِيدُ وَكَانَ جَوْفُهُ أَبْيَضَ مِثْلَ الْفِضَّةِ ، وَجَعَلَ حُلِيَّ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الْحَجَبَةِ فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ ، فَلَمَّا أَرَادَ بِنَاءَهَا حَفَرَ مِنْ قِبَلِ الْحَطِيمِ حَتَّى اسْتَخْرَجَ أُسَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَمَعَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا أُسَّ إبْرَاهِيمَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَبَنَاهَا عَلَى أُسِّ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحَجَرَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَتَرَكَ مِنْهُ أَرْبَعًا .\rوَقِيلَ : أَدْخَلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَتَرَكَ ثَلَاثًا وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ مَلْصُوقَيْنِ بِالْأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا يَدْخُلُ مِنْ وَاحِدٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ ، وَجَعَلَ عَلَى بَابِهِمَا صَفَائِحَ الذَّهَبِ ، وَجَعَلَ مَفَاتِيحَهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَكَانَ مِمَّنْ حَضَرَ بِنَاءَهَا مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ أَبُو الْجَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيُّ فَقَالَ","part":1,"page":332},{"id":332,"text":": عَمِلْتُ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ وَاحِدَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِقُوَّةِ غُلَامٍ نَفَّاعٍ وَأُخْرَى فِي الْإِسْلَامِ بِقُوَّةِ كَبِيرٍ فَانٍ وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَجَدَ فِي الْحَجَرِ صَفَائِحَ حِجَارَةٍ خُضْرٍ قَدْ أَطْبَقَ بِهَا عَلَى قَبْرٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ : هَذَا قَبْرُ نَبِيِّ اللَّهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكُفَّ عَنْ تَحْرِيكِ تِلْكَ الْحِجَارَةِ ، ثُمَّ بَقِيَتْ الْكَعْبَةُ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى حَالِهَا إلَى أَنْ حَارَبَهُ الْحَجَّاجُ وَحَصَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَانِيقَاتِ إلَى أَنْ ظَفِرَ بِهِ وَقَدْ تَصَدَّعَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ بِأَحْجَارِ الْمَنْجَنِيقِ فَهَدَمَهَا الْحَجَّاجُ ، وَبَنَاهَا بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَخْرَجَ الْحَجَرَ مِنْهَا وَأَعَادَهَا إلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَقُولُ وَدِدْت أَنِّي كُنْتُ حَمَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ مِنْ أَمْرِ الْكَعْبَةِ وَبِنَائِهَا مَا تَحَمَّلَهُ .\rوَأَمَّا كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ سَعْدُ الْيَمَانِيُّ } .\rثُمَّ كَسَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ ، ثُمَّ كَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْقَبَاطِيَّ ثُمَّ كَسَاهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيبَاجَ الْخُسْرَوَانِيَّ .\rوَحَكَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ أَصَابَ لَطِيمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِيهَا نَمَطُ دِيبَاجٍ فَنَاطَهُ بِالْكَعْبَةِ ، ثُمَّ كَسَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجُ الدِّيبَاجَ ، ثُمَّ كَسَاهَا بَنُو أُمَيَّةَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِمْ الْحُلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فِي حَرْبِهِمْ ، وَفَوْقَهَا الدِّيبَاجُ ثُمَّ جَدَّدَ الْمُتَوَكِّلُ رُخَامَ الْكَعْبَةِ وَأَزَرَهَا بِفِضَّةٍ ، وَأَلْبَسَ سَائِرَ","part":1,"page":333},{"id":333,"text":"حِيطَانِهَا وَسَقْفِهَا بِذَهَبٍ ثُمَّ كَسَا أَسَاطِينَهَا الدِّيبَاجَ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ كِسْوَتُهَا فِي الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِأَسْرِهَا .\rوَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَدْ كَانَ فِنَاءً حَوْلَ الْكَعْبَةِ لِلطَّائِفِينَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جِدَارٌ يُحِيطُ بِهِ ، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ وَاشْتَرَى دُورًا هَدَمَهَا وَزَادَهَا فِيهِ وَهَدَمَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا وَوَضَعَ لَهُمْ الْأَثْمَانَ حَتَّى أَخَذُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَاِتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَارًا قَصِيرًا دُونَ الْقَامَةِ وَكَانَتْ الْمَصَابِيحُ تُوضَعُ عَلَيْهِ .\rوَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ جِدَارًا لِلْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا اسْتَخْلَفَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْتَاعَ مَنَازِلَ فَوَسَّعَ بِهَا الْمَسْجِدَ وَأَخَذَ مَنَازِلَ أَقْوَامٍ وَوَضَعَ لَهُمْ أَثْمَانَهَا فَضَجُّوا مِنْهُ عِنْدَ الْبَيْتِ فَقَالَ : إنَّمَا جَرَّأَكُمْ عَلَيَّ حِلْمِي عَنْكُمْ فَقَدْ فَعَلَ بِكُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا فَأَقْرَرْتُمْ وَرَضِيتُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ إلَى الْحَبْسِ حَتَّى كَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسَدٍ فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ وَبَنَى لِلْمَسْجِدِ الْأَرْوِقَةَ حِينَ وَسَّعَهُ ؛ فَكَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ الْأَرْوِقَةَ .\rثُمَّ إنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ وَحَمَلَ إلَيْهِ أَعْمِدَةَ الْحِجَارَةِ وَالرُّخَامِ ، ثُمَّ إنَّ الْمَنْصُورَ رَحِمَهُ اللَّهُ زَادَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَاهُ وَزَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ إلَى وَقْتِنَا هَذَا .\rوَأَمَّا مَكَّةُ فَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَنَازِلَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ جُرْهُمَ وَالْعَمَالِقَةِ يَنْتَجِعُونَ جِبَالَهَا وَأَوْدِيَتَهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ حَرَمِهَا انْتِسَابًا إلَى الْكَعْبَةِ لِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا ، وَتَخَصُّصًا بِالْحَرَمِ","part":1,"page":334},{"id":334,"text":"لِحُلُولِهِمْ فِيهِ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ سَيَكُونُ لَهُمْ بِذَلِكَ شَأْنٌ ، وَكَلَّمَا كَثُرَ فِيهِمْ الْعَدَدُ وَنَشَأَتْ فِيهِمْ الرِّيَاسَةُ قَوِيَ أَمَلُهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ سَيَتَقَدَّمُونَ عَلَى الْعَرَبِ وَكَانَ فُضَلَاؤُهُمْ وَذَوُو الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ مِنْهُمْ يَتَخَيَّلُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِرِيَاسَةٍ فِي الدِّينِ وَتَأْسِيسٍ لِنُبُوَّةٍ سَتَكُونُ ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا مِنْ أُمُورِ الْكَعْبَةِ بِمَا هُوَ بِالدِّينِ أَخَصُّ ، فَأَوَّلُ مَنْ شَعَرَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَلْهَمَهُ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْتَمِعُ إلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ .\rوَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرُوبَةً فَسَمَّاهُ كَعْبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ يَخْطُبُ فِيهِ عَلَى قُرَيْشٍ فَيَقُولُ عَلَى مَا حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : وَأَمَّا بَعْدُ فَاسْمَعُوا وَتَعَلَّمُوا وَافْهَمُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ سَاجٍ وَالنَّهَارَ صَاحٍ ، وَالْأَرْضَ مِهَادٌ وَالْجِبَالَ أَوْتَادٌ ، وَالسَّمَاءَ بِنَاءٌ وَالنُّجُومَ أَعْلَامٌ ، وَالْأَوَّلِينَ كَالْآخَرِينَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى زَوْجٌ إلَى أَنْ يَأْتِيَ مَا يَهِيجُ ، فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ وَثَمِّرُوا أَمْوَالَكُمْ ، فَهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ رَجَعَ أَوْ مَيِّتٍ انْتَشَرَ ، وَالدَّارُ أَمَامَكُمْ وَالظَّنُّ غَيْرُ مَا تَقُولُونَ ، حَرَمُكُمْ زَيِّنُوهُ وَعَظِّمُوهُ وَتَمَسَّكُوا بِهِ فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ .\rثُمَّ يَقُولُ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : نَهَارٌ وَلَيْلٌ كُلَّ يَوْمٍ بِحَادِثٍ سَوَاءٌ عَلَيْنَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا يَئُوبَانِ بِالْأَحْدَاثِ فِينَا تَأَوُّبًا وَبِالنِّعَمِ الضَّافِي عَلَيْنَا سُتُورُهَا صُرُوفٌ وَأَنْبَاءٌ تُقَلِّبُ أَهْلَهَا لَهَا عُقَدٌ مَا يَسْتَحِيلُ مَرِيرُهَا عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فَيُخْبِرُ أَخْبَارًا صَدُوقًا خَبِيرُهَا ثُمَّ يَقُولُ : أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ فِيهَا ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ وَلَأَرْقَلْتُ فِيهَا إرْقَالَ الْفَحْلِ ، ثُمَّ يَقُولُ ( مِنْ الْبَسِيطِ ) : يَا","part":1,"page":335},{"id":335,"text":"لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ حِينَ الْعَشِيرَةُ تَبْغِي الْحَقَّ خِذْلَانًا وَهَذَا مِنْ فِطَنِ الْإِلْهَامَاتِ الَّتِي تَخَيَّلَتْهَا الْعُقُولُ فَصَدَقَتْ وَتَصَوَّرَتْهَا النُّفُوسُ فَتَحَقَّقَتْ ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ الرِّيَاسَةُ بَعْدَهُ إلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَبَنَى بِمَكَّةَ دَارَ النَّدْوَةَ لِيَحْكُمَ فِيهَا بَيْنَ قُرَيْشٍ ثُمَّ صَارَتْ الدَّارُ لِتَشَاوُرِهِمْ وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ فِي حُرُوبِهِمْ .\rقَالَ الْكَلْبِيُّ : فَكَانَتْ أَوَّلَ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فَبَنَوْا مِنْ الدُّورِ مَا اسْتَوْطَنُوهُ ؛ وَكَلَّمَا قَرُبُوا مِنْ عَصْرِ الْإِسْلَامِ ازْدَادُوا قُوَّةً وَكَثْرَةَ عَدَدٍ حَتَّى دَانَتْ لَهُمْ الْعَرَبُ فَصَدَقَتْ الْمَخِيلَةُ الْأُولَى فِي الرِّيَاسَةِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ رَسُولًا فَصَدَقَتْ الْمَخِيلَةُ الثَّانِيَةُ فِي حُدُوثِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ فَآمَنَ بِهِ مَنْ هُدِيَ وَجَحَدَ مَنْ عَانَدَ ، وَهَاجَرَ عَنْهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ بِهِ الْأَذَى حَتَّى عَادَ ظَافِرًا بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ هِجْرَتِهِ عَنْهُمْ .\rوَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي دُخُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ هَلْ دَخَلَهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَغْنَمْ مِنْهَا مَالًا وَلَمْ يَسْبِ فِيهَا ذُرِّيَّةً ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّهُ دَخَلَهَا عَنْوَةً فَعَفَا عَنْ الْغَنَائِمِ ، وَمَنَّ عَلَى السَّبْيِ ، وَإِنَّ لِلْإِمَامِ إذَا فَتَحَ بَلَدًا عَنْوَةً أَنْ يَعْفُوَ عَنْ غَنَائِمِهِ وَيَمُنَّ عَلَى سَبْيِهِ .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ دَخَلَهَا صُلْحًا عَقَدَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ أَنَّ : { مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ كَانَ آمِنًا ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ } .\rإلَّا سِتَّةَ أَنْفُسٍ اسْتَثْنَى قَتَلَهُمْ وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمْ ، وَلِأَجْلِ عَقْدِ الصُّلْحِ لَمْ يَغْنَمْ وَلَمْ يَسْبِ ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إذَا فَتَحَ بَلَدًا","part":1,"page":336},{"id":336,"text":"عَنْوَةً أَنْ يَعْفُوَ عَنْ غَنَائِمِهِ ، وَلَا يَمُنَّ عَلَى سَبْيِهِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُقُوقِ الْغَانِمِينَ فَصَارَتْ مَكَّةُ وَحَرَمُهَا حِينَ لَمْ تُغْنَمْ أَرْضَ عُشْرٍ إنْ زُرِعَتْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا ، فَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ بَيْعِهَا وَأَجَازَ إجَارَتَهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ ، وَمَنَعَ مِنْهُمَا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ لِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَكَّةُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا أُجُورُ بُيُوتِهَا } .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى جَوَازِ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ يَغْنَمْهَا وَلَمْ يُعَارِضْهُمْ فِيهَا ، وَقَدْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ .\rهَذِهِ دَارُ النَّدْوَةِ ، وَهِيَ أَوَّلُ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ صَارَتْ بَعْدَ قُصَيٍّ لِعَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَابْتَاعَهَا مُعَاوِيَةُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَجَعَلَهَا دَارَ الْإِمَارَةِ وَكَانَتْ مِنْ أَشْهَرِ دَارٍ اُبْتِيعَتْ ذِكْرًا وَأَنْشَرَهَا فِي النَّاسِ خَبَرًا ، فَمَا أَنْكَرَ بَيْعَهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَابْتَاعَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا زَادَاهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ دُورِ مَكَّةَ وَتَمَلَّكَ أَهْلَهَا أَثْمَانَهَا ، وَلَا حَرَّمَ ذَلِكَ لِمَا بَذَلَاهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ إلَى وَقْتِنَا هَذَا فَكَانَ إجْمَاعًا مَتْبُوعًا .\rوَتُحْمَلُ رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ مَعَ إرْسَالِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا عَلَى أَهْلِهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُغْنَمْ فَتُمْلَكَ عَلَيْهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ تُبَعْ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِجَارَةِ .","part":1,"page":337},{"id":337,"text":"( فَصْلٌ ) أَمَّا الْحَرَمُ فَهُوَ مَا أَطَافَ بِمَكَّةَ مِنْ جَوَانِبِهَا .\rوَحَدُّهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ دُونَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ بُيُوتِ بَنِي نِفَارٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمُنْقَطِعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ بِشُعَبِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ مُنْقَطِعُ الْعَشَائِرِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ ، فَهَذَا حَدُّ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَرَمًا لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَبَايَنَ بِحُكْمِهِ سَائِرَ الْبِلَادِ .\rقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } .\rيَعْنِي مَكَّةَ وَحَرَمَهَا .\r{ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ } لِأَنَّهُ كَانَ وَادِيًا غَيْرَ ذِي زَرْعٍ ، فَسَأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَ لِأَهْلِهِ الْأَمْنَ وَالْخِصْبَ لِيَكُونُوا بِهِمَا فِي رَغَدٍ مِنْ الْعَيْشِ ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى مَا سَأَلَ ، فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ ، وَجَبَا إلَيْهِ ثَمَرَاتِ كُلِّ بَلَدٍ حَتَّى جَمَعَهَا فِيهِ .\rوَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا هَلْ صَارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ .\rأَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُسَلَّطِينَ وَمِنْ الْخُسُوفِ وَالزَّلَازِلِ ، وَإِنَّمَا سَأَلَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا مِنْ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ وَأَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ لِرِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : { أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ","part":1,"page":338},{"id":338,"text":"حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا أَوْ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرًا ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا ، أَلَا وَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالْأَمْسِ ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَمَنْ قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِهَا أَحَدًا فَقُولُوا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكَ } .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَسَائِرِ الْبِلَادِ وَأَنَّهَا صَارَتْ بِدَعْوَتِهِ حَرَمًا آمِنًا حِينَ حَرَّمَهَا ، كَمَا صَارَتْ الْمَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَلَالًا ، لِرِوَايَةِ الْأَشْعَثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْحَرَمُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُبَايِنُ بِهَا سَائِرَ الْبِلَادِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ : أَحَدُهَا أَنَّ الْحَرَمَ لَا يَدْخُلُهُ مُحِلٌّ قَدِمَ إلَيْهِ حَتَّى يُحْرِمَ لِدُخُولِهِ إمَّا بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ يَتَحَلَّلُ بِهَا مِنْ إحْرَامِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا الْمُحِلُّ إذَا لَمْ يُرِدْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ حَلَالًا { أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي } مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْرَامِ عَلَى دَاخِلِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَكْثُرُ الدُّخُولُ إلَيْهَا لِمَنَافِعِ أَهْلِهَا كَالْحَطَّابِينَ وَالسَّقَّايِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا غُدْوَةً وَيَعُودُونَ إلَيْهَا عَشِيَّةً ، فَيَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُهَا مُحَلِّينَ لِدُخُولِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ فِي الْإِحْرَامِ كُلَّمَا دَخَلُوا فَإِنَّ عُلَمَاءَ مَكَّةَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى دُخُولِهَا مُحَلِّينَ فَخَالَفُوا حُكْمَ مَنْ عَدَاهُمْ ، فَإِنْ دَخَلَ الْقَادِمُ إلَيْهَا","part":1,"page":339},{"id":339,"text":"حَلَالًا فَقَدْ أَثِمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُتَعَذَّرٌ ، فَإِنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلْقَضَاءِ كَانَ إحْرَامُهُ الَّذِي يَسْتَأْنِفُهُ مُخْتَصًّا بِدُخُولِهِ الثَّانِي فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً عَنْ دُخُولِهِ الْأَوَّلِ فَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ وَأَعْوَزَ فَسَقَطَ ، فَأَمَّا الدَّمُ فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الدَّمَ يَلْزَمُ جُبْرَانَ النُّسُكِ وَلَا يَلْزَمُ جُبْرَانًا لِأَصْلِ النُّسُكِ .\rوَالْحُكْمُ الثَّانِي أَنْ لَا يُحَارَبَ أَهْلُهَا لِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَالَهُمْ .\rفَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ ، فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى تَحْرِيمِ قِتَالِهِمْ مَعَ بَغْيِهِمْ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ بَغْيِهِمْ وَيَدْخُلُوا فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَى بَغْيِهِمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ عَنْ الْبَغْيِ إلَّا بِقِتَالٍ ؛ لِأَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُضَاعَ ، وَلَأَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُضَاعَةً فِيهِ .\rفَأَمَّا إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْحَرَمِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّهَا تُقَامُ فِيهِ عَلَى مَنْ أَتَاهَا وَلَا يَمْنَعُ الْحَرَمُ مِنْ إقَامَتِهَا سَوَاءٌ أَتَاهَا فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَتَاهَا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَتْ فِيهِ .\rوَإِنْ أَتَاهَا فِي الْحِلِّ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَأُلْجِئَ إلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ .\rوَالْحُكْمُ الثَّالِثُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ ، فَإِنْ أَصَابَ فِي صَيْدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ .\rفَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ كَالْمُحْرِمِ ، وَهَكَذَا لَوْ رَمَى مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ فِي الْحَرَمِ .\rوَهَكَذَا لَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ","part":1,"page":340},{"id":340,"text":"لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي الْحَرَمِ .\rوَلَا صَيْدَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ كَانَ حَلَالًا لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَحَرَامًا عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَحْرُمُ قَتْلُ مَا كَانَ مُؤْذِيًا مِنْ السِّبَاعِ وَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ .\rوَالْحُكْمُ الرَّابِعُ يَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُ مَا غَرَسَهُ الْآدَمِيُّونَ كَمَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ ذَبْحُ الْأَنِيسِ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَلَا يَحْرُمُ رَعْيُ خَلَاهُ ، وَيَضْمَنُ مَا قَطَعَهُ مِنْ مَحْظُورِ شَجَرِهِ ، فَيَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ ، وَالشَّجَرَةَ الصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ ، وَالْغُصْنَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْقِطُهُ مِنْ ضَمَانِ أَصْلِهِ ، وَلَا يَكُونُ مَا اسْتَخْلَفَ بَعْدَ قَطْعِ الْأَصْلِ مُسْقِطًا لِضَمَانِ الْأَصْلِ .\rالْحُكْمُ الْخَامِسُ : أَنْ لَيْسَ لِجَمِيعِ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ لَا مُقِيمًا فِيهِ وَلَا مَارًّا بِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ .\rوَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دُخُولَهُمْ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْتَوْطِنُوهُ ، وَفِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } .\rنَصٌّ يَمْنَعُ مَا عَدَاهُ ، فَإِنْ دَخَلَهُ مُشْرِكٌ عُزِّرَ إنْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَلَمْ يَسْتَبِحْ قَتْلَهُ ، وَإِنْ دَخَلَهُ بِإِذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ ، وَأُنْكِرَ عَلَى الْآذِنِ لَهُ ، وَعُزِّرَ إنْ اقْتَضَتْ حَالُهُ التَّعْزِيرَ وَأُخْرِجَ مِنْهُ الْمُشْرِكُ آمِنًا ، وَإِذَا أَرَادَ مُشْرِكٌ دُخُولَ الْحَرَمِ لِيُسْلِمَ فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ حَتَّى يُسْلِمَ قَبْلَ دُخُولِهِ ، وَإِذَا مَاتَ مُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ حَرُمَ دَفْنُهُ فِيهِ وَدُفِنَ فِي الْحِلِّ ، فَإِنْ دُفِنَ فِي الْحَرَمِ نُقِلَ إلَى الْحِلِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ فَيُتْرَكُ فِيهِ كَمَا تُرِكَتْ أَمْوَاتُ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا مَا لَمْ يُقْصَدْ بِالدُّخُولِ اسْتِبْذَالُهَا بِأَكْلٍ أَوْ نَوْمٍ","part":1,"page":341},{"id":341,"text":"فَيُمْنَعُوا .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا بِحَالٍ .","part":1,"page":342},{"id":342,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْحِجَازُ فَقَدْ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : سُمِّيَ حِجَازًا لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : سُمِّيَ حِجَازًا لِمَا احْتَجَزَ بِهِ مِنْ الْجِبَالِ .\rوَمَا سِوَى الْحَرَمِ مِنْهُ مَخْصُوصٌ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ لَا يَسْتَوْطِنَهُ مُشْرِكٌ مِنْ ذِمِّيٍّ وَلَا مُعَاهَدٍ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : { كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ : لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ } .\rوَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ ، وَضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا أَوْ صَانِعًا مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيَخْرُجُونَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَمَنَعَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ دُخُولِهِ وَلَا يُقِيمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَإِذَا انْقَضَتْ صُرِفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَجَازَ أَنْ يُقِيمَ فِي غَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُصْرَفَ إلَى غَيْرِهِ .\rفَإِنْ أَقَامَ بِمَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عُزِّرَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا .\rوَالْحُكْمُ الثَّانِي أَنْ لَا تُدْفَنَ أَمْوَاتُهُمْ وَيُنْقَلُوا إنْ دُفِنُوا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ دَفْنَهُمْ مُسْتَدَامٌ فَصَارَ كَالِاسْتِيطَانِ ، إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مَسَافَةُ إخْرَاجِهِمْ مِنْهُ وَيَتَغَيَّرُوا إنْ أُخْرِجُوا فَيَجُوزُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ أَنْ يُدْفَنُوا فِيهِ .\rوَالْحُكْمُ الثَّالِثُ أَنَّ لِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجَازِ حَرَمًا مَحْظُورًا مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُمْنَعُ مِنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ وَعَضُدِ شَجَرِهِ كَحَرَمِ مَكَّةَ .\rوَأَبَاحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَ الْمَدِينَةَ كَغَيْرِهَا ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى","part":1,"page":343},{"id":343,"text":"أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ مَحْظُورٌ ، فَإِنْ قَتَلَ صَيْدَهُ وَعَضَدَ شَجَرَهُ فَقَدْ قِيلَ : إنَّ جَزَاءَهُ سَلْبُ ثِيَابِهِ ، وَقِيلَ تَعْزِيرُهُ .\rوَالْحُكْمُ الرَّابِعُ : أَنَّ أَرْضَ الْحِجَازِ تَنْقَسِمُ لِاخْتِصَاصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحِهَا قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا صَدَقَاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أَخَذَهَا بِحَقَّيْهِ ، فَإِنَّ أَحَدَ حَقَّيْهِ خُمُسُ الْخُمُسِ مِنْ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ .\rوَالْحَقُّ الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَمَا صَارَ إلَيْهِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ ، فَقَدْ رَضَخَ مِنْهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَتَرَكَ بَاقِيَهُ لِنَفَقَتِهِ وَصِلَاتِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى مَاتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَجَعَلَهُ قَوْمٌ مَوْرُوثًا عَنْهُ وَمَقْسُومًا عَلَى الْمَوَارِيثِ مِلْكًا .\rوَجَعَلَهُ آخَرُونَ لِلْإِمَامِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ فِي حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَةُ الرِّقَابِ مَخْصُوصَةُ الْمَنَافِعِ مَصْرُوفَةٌ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، وَمَا سِوَى صَدَقَاتِهِ أَرْضُ عُشْرٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا مَا بَيْنَ مَغْنُومٍ مُلِكَ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَتْرُوكٍ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْشُورٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا صَدَقَاتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهِيَ مَحْصُورَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ عَنْهَا فَتَعَيَّنَتْ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ : إحْدَاهَا وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ مَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ .\rحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُخَيْرِيقًا الْيَهُودِيَّ كَانَ حَبْرًا مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي النَّضِيرِ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ حَوَائِطَ وَهِيَ","part":1,"page":344},{"id":344,"text":"الْمَبِيتُ وَالصَّافِيَةُ وَالدَّلَّالُ وَجَسَّنِي وَبُرْقَةَ وَالْأَعْرَافُ وَالْمُسَرَّبَةُ فَوَصَّى بِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَسْلَمَ وَقَاتَلَ مَعَهُ بِأُحُدٍ حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالصَّدَقَةُ الثَّانِيَةُ أَرْضُهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بِالْمَدِينَةِ ، وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا وَكَفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ وَجَعَلَ لَهُمْ مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الْحَلَقَةَ ، وَهِيَ السِّلَاحُ ، فَخَرَجُوا بِمَا اسْتَقَلَّتْ إبِلُهُمْ إلَى خَيْبَرَ وَالشَّامِ وَخَلَصَتْ أَرْضُهُمْ كُلُّهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا كَانَ لِيَمِينِ بْنِ عُمَيْرٍ وَأَبِي سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُمَا أَسْلَمَا قَبْلَ الظَّفَرِ فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامُهُمَا جَمِيعَ أَمْوَالِهِمَا ، ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سِوَى الْأَرْضَيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا فَقْرًا فَأَعْطَاهُمَا وَحَبَسَ الْأَرْضَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَزْوَاجِهِ ، ثُمَّ سَلَّمَهَا عُمَرُ إلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لِيَقُومَا بِمَصْرِفِهَا .\rوَالصَّدَقَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ثَلَاثَةُ حُصُونٍ مِنْ خَيْبَرَ ، وَكَانَتْ ثَمَانِيَةَ حُصُونٍ : نَاعِمَ وَالْقُمُوصَ وَشَقَّ وَالنَّطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ وَالْوَطْبَحَ وَالسَّلَالِمَ وَحِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ فَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا نَاعِمٌ وَعَنْهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَالثَّانِي الْقُمُوصُ وَهُوَ حِصْنُ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَمِنْ سَبْيِهِ { اصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي","part":1,"page":345},{"id":345,"text":"الْحَقِيقِ فَأَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } ، ثُمَّ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ وَكَانَ أَعْظَمَ حُصُونِ خَيْبَرَ وَأَكْثَرَهَا مَالًا وَطَعَامًا وَحَيَوَانًا ، ثُمَّ شَقَّ وَالنَّطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ فَهَذِهِ الْحُصُونُ السِّتَّةُ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، ثُمَّ افْتَتَحَ الْوَطْبَحَ وَالسَّلَالِمَ وَهِيَ آخِرُ فُتُوحِ خَيْبَرَ صُلْحًا بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَ لَيْلَةَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ وَيَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَمَلَكَ مِنْ هَذِهِ الْحُصُونِ الثَّمَانِيَةِ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ الْكَتِيبَةَ وَالْوَطْبَحَ وَالسَّلَالِمَ : أَمَّا الْكَتِيبَةُ فَأَخَذَهَا بِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ .\rوَأَمَّا الْوَطْبَحُ وَالسَّلَالِمُ فَهُمَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَتَحَهَا صُلْحًا ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْحُصُونُ الثَّلَاثَةُ بِالْفَيْءِ وَالْخُمُسِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَصَدَّقَ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ .\rوَقَسَّمَ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَفِي جُمْلَتِهَا وَادِي خَيْبَرَ وَوَادِي السَّرِيرِ وَوَادِي حَاضِرٍ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَكَانَتْ عِدَّةُ مَنْ قُسِمَتْ عَلَيْهِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ خَيْبَرَ وَمَنْ غَابَ عَنْهَا ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَسَمَ لَهُ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا ، وَكَانَ فِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ أَعْطَاهُمْ سِتَّمِائَةِ سَهْمٍ ، وَأَلْفٌ وَمِائَتَا سَهْمٍ لِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ رَجُلٍ ، فَكَانَتْ سِهَامُ جَمِيعِهِمْ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ ، أَعْطَى لِكُلِّ مِائَةٍ سَهْمًا فَلِذَلِكَ صَارَتْ خَيْبَرُ مَقْسُومَةً عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا .\rوَالصَّدَقَةُ السَّادِسَةُ النِّصْفُ مِنْ فَدَكَ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ جَاءَهُ أَهْلُ فَدَكَ فَصَالَحُوهُ بِسِفَارَةِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ يُعَامِلُهُمْ عَلَيْهِ وَلَهُمْ النِّصْفُ الْآخَرُ ،","part":1,"page":346},{"id":346,"text":"فَصَارَ النِّصْفُ مِنْهَا مِنْ صَدَقَاتِهِ مُعَامَلَةً مَعَ أَهْلِهَا بِالنِّصْفِ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ خَالِصًا لَهُمْ إلَى أَنْ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ أَجْلَاهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ ، فَقَوَّمَ فَدَكَ وَدَفَعَ إلَيْهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَكَانَ الَّذِي قَوَّمَهَا مَالِكُ بْنُ التَّيْهَانِ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ } ، فَصَارَ نِصْفُهَا مِنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِصْفُهَا الْآخَرُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَصْرِفُ النِّصْفَيْنِ الْآنَ سَوَاءٌ .\rوَالصَّدَقَةُ السَّابِعَةُ الثُّلُثُ مِنْ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى لِأَنَّ ثُلُثَهَا كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ وَثُلُثَيْهَا لِلْيَهُودِ فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نِصْفِهِ ، فَصَارَتْ أَثْلَاثًا ثُلُثُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مِنْ صَدَقَاتِهِ ، وَثُلُثُهَا لِلْيَهُودِ ، وَثُلُثُهَا لِبَنِي عُذْرَةَ إلَى أَنْ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهَا وَقَوَّمَ فِيهَا فَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ تِسْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ وَقَالَ لِبَنِي عُذْرَةَ إنْ شِئْتُمْ أَدَّيْتُمْ نِصْفَ مَا أَعْطَيْتُ وَنُعْطِيكُمْ النِّصْفَ فَأَعْطَوْهُ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ فَصَارَ نِصْفُ الْوَادِي لِبَنِي عُذْرَةَ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ الثُّلُثُ مِنْهُ فِي صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسُّدُسُ مِنْهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَصْرِفُ جَمِيعِ النِّصْفِ سَوَاءٌ .\rوَالصَّدَقَةُ الثَّامِنَةُ مَوْضِعُ سُوقٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ مَهْرُوذٌ اسْتَقْطَعَهَا مَرْوَانُ مِنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَقَمَ النَّاسُ بِهَا عَلَيْهِ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إقْطَاعَ تَضْمِينٍ لَا تَمْلِيكٍ لِيَكُونَ لَهُ فِي الْجَوَازِ وَجْهٌ ، فَهَذِهِ ثَمَانِ صَدَقَاتٍ حَكَاهَا أَهْلُ السِّيَرِ وَنَقَلَهَا وُجُوهُ رُوَاةِ الْمَغَازِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ","part":1,"page":347},{"id":347,"text":"الصَّدَقَاتِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أَمْوَالِهِ ، فَقَدْ حَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ أُمَّ أَيْمَنَ الْحَبَشِيَّةَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ ، وَخَمْسَةَ أَجْمَالٍ وَقِطْعَةً مِنْ غَنَمٍ ، وَقِيلَ وَمَوْلَاهُ شُقْرَانَ وَابْنَهُ صَالِحًا وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَوَرِثَ مِنْ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الزُّهْرِيَّةَ دَارَهَا الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فِي شِعْبِ بَنِي عَلِيٍّ ، وَوَرِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا دَارَهَا بِمَكَّةَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ خَلْفَ سُوقِ الْعَطَّارِينَ وَأَمْوَالًا .\rوَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ اشْتَرَى لِخَدِيجَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُ وَزَوَّجَهُ أُمَّ أَيْمَنَ فَوَلَدَتْ أُمُّ أَيْمَنُ أُسَامَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ، فَأَمَّا الدَّارَانِ فَإِنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَهُمَا بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قِيلَ لَهُ فِي أَيِّ دَارَيْكَ تَنْزِلُ ؟ فَقَالَ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ فَلَمْ يَرْجِعْ فِيمَا بَاعَهُ عَقِيلٌ لِأَنَّهُ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَمَكَّةُ دَارُ حَرْبٍ يَوْمَئِذٍ فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُسْتَهْلَكِ فَخَرَجَتْ هَاتَانِ الدَّارَانِ مِنْ صَدَقَاتِهِ .\rوَأَمَّا دُورُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَقَدْ كَانَ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا ، وَوَصَّى بِذَلِكَ لَهُنَّ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَطِيَّةَ تَمْلِيكٍ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ صَدَقَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَطِيَّةَ سُكْنَى وَإِرْفَاقٍ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ صَدَقَاتِهِ ، وَقَدْ دَخَلَتْ الْيَوْمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا أَحْسَبُ مِنْهَا مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ .\rوَأَمَّا رَحْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلَتُهُ ، فَقَدْ رَوَى هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ","part":1,"page":348},{"id":348,"text":"عَنْهُ دَفَعَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آلَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَابَّتَهُ وَحِذَاءَهُ ، وَقَالَ : مَا سِوَى ذَلِكَ صَدَقَةٌ ، وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ } .\rفَإِنْ كَانَتْ دِرْعُهُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْبَتْرَاءِ ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَوْمَ قُتِلَ فَأَخَذَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ، فَلَمَّا قَتَلَ الْمُخْتَارُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ صَارَتْ الدِّرْعُ إلَى عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْحَنْظَلِيِّ ، ثُمَّ إنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ وَكَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ سَأَلَ عَبَّادًا عَنْهَا فَجَحَدَهُ إيَّاهَا فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مِثْلُ عَبَّادٍ لَا يُضْرَبُ إنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُعْفَى عَنْهُ ؛ ثُمَّ لَا يُعْرَفُ لِلدِّرْعِ خَبَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ .\rأَمَّا الْبُرْدَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ، فَحَكَى أَبَانُ بْنُ ثَعْلَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَهَبَهَا لِكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ وَاشْتَرَاهَا مِنْهُ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ الَّتِي يَلْبَسُهَا الْخُلَفَاءُ ، وَحَكَى ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ هَذِهِ الْبُرْدَةَ أَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ آيِلَةَ أَمَانًا لَهُمْ فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَبَعَثَ بِهَا إلَيْهِ ، وَكَانَتْ فِي خَزَائِنِهِ حَتَّى أُخِذَتْ بَعْدَ قَتْلِهِ ، وَقِيلَ اشْتَرَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ .\rوَأَمَّا الْقَضِيبُ فَهُوَ مِنْ تَرِكَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ صَدَقَةٌ وَقَدْ صَارَ مَعَ الْبُرْدَةِ مِنْ شِعَارِ الْخِلَافَةِ .\rأَمَّا الْخَاتَمُ فَلَبِسَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى","part":1,"page":349},{"id":349,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى سَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي بِئْرٍ فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَهَذَا شَرْحُ مَا قُبِضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ صَدَقَتِهِ وَتَرِكَتِهِ .","part":1,"page":350},{"id":350,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا مَا عَدَا الْحَرَمَ وَالْحِجَازَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا انْقِسَامَهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَيَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ .\rوَقِسْمٌ أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ فَيَكُونُ بِمَا أَحْيَوْهُ مَعْشُورًا .\rوَقِسْمٌ أَحْرَزَهُ الْغَانِمُونَ عَنْوَةً فَيَكُونُ مُعَشَّرًا .\rوَقِسْمٌ صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ .\rوَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا صُولِحُوا عَلَى زَوَالِ مُلْكِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةً لَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهِ فَتُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَالثَّانِي : مَا صُولِحُوا عَلَى بَقَاءِ مُلْكِهِمْ عَلَيْهِ ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَيَكُونُ الْخَرَاجُ جِزْيَةً تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَإِذْ قَدْ انْقَسَمَتْ الْبِلَادُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَسَنَشْرَحُ حُكْمَ أَرْضِ السَّوَادِ فَإِنَّهَا أَصْلُ حُكْمِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا بِمَا يُعْتَبَرُ بِهِ نَظَائِرُهَا ، وَهَذَا السَّوَادُ يُشَار بِهِ إلَى سَوَادِ كِسْرَى الَّذِي فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ سُمِّيَ سَوَادًا لِسَوَادِهِ بِالزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَاخَمَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي لَا زَرْعَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ كَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ أَرْضِهِمْ إلَيْهِ ظَهَرَتْ خُضْرَةُ الزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالسَّوَادِ فِي الْأَسَامِي كَمَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ ( مِنْ الرَّمْلِ ) : وَأَنَا الْأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبِ فَسَمُّوا خُضْرَةَ الْعِرَاقِ سَوَادًا ، وَسُمِّيَ عِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ حِينَ خَلَتْ مِنْ جِبَالٍ تَعْلُو وَأَوْدِيَةٍ تَنْخَفِضُ وَالْعِرَاقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الِاسْتِوَاءُ قَالَ الشَّاعِرُ ( مِنْ السَّرِيعِ ) : سُقْتُمْ إلَى الْحَقِّ لَهُمْ وَسَاقُوا سِيَاقَ مَنْ لَيْسَ","part":1,"page":351},{"id":351,"text":"لَهُ عِرَاقُ أَيْ لَيْسَ لَهُ اسْتِوَاءٌ ؛ وَحَدُّ السَّوَادِ طُولًا مِنْ حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ إلَى عَبَّادَانِ ، وَعَرْضُهُ مِنْ عُذَيْب الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ يَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ فَرْسَخًا وَعَرْضُهُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا .\rفَأَمَّا الْعِرَاقُ فَهُوَ فِي الْعَرْضِ مُسْتَوْعِبٌ لِأَرْضِ السَّوَادِ عُرْفًا وَيَقْصُرُ عَنْ طُولِهِ فِي الْعُرْفِ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ شَرْقِيِّ دِجْلَةَ الْعَلْثُ وَفِي غَرْبَيْهَا حَرْبِيٌّ ثُمَّ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَعْمَالِ الْبَصْرَةِ مِنْ جَزِيرَةِ عَبَّادَانِ فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا يَقْصُرُ عَنْ السَّوَادِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا ، وَعَرْضُهُ مَعَ تَبَعِهِ فِي الْعُرْفِ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا كَالسَّوَادِ قَالَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ يَكُونُ ذَاكَ مُكَسَّرًا عَشَرَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ ، وَطُولُ الْفَرْسَخِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ ذِرَاعٍ بِالذِّرَاعِ الْمُرْسَلَةِ وَيَكُونُ بِذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ ، وَهِيَ الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ تِسْعَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إذَا ضُرِبَ فِي مِثْلِهِ هُوَ تَكْسِيرُ فَرْسَخٍ فِي فَرْسَخِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَلْفَ جَرِيبٍ وَخَمْسِمِائَةِ جَرِيبٍ ، فَإِذَا ضُرِبَ ذَلِكَ فِي عَدَدِ الْفَرَاسِخِ ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ بَلَغَ مِائَتَيْ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّخْمِينِ مَوَاضِعُ التِّلَالِ وَالْآكَامِ وَالسِّبَاخِ وَالْآجَامِ وَمَدَاسٌ كَالطُّرُقِ وَالْمَحَاجِّ وَمَجَارِي الْأَنْهَارِ وَعِرَاضِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَمَوَاضِعِ الْأَرْجَاءِ وَالْبَرِيدَاتِ ، وَالْقَنَاطِرِ والشاذروانات وَالْبَنَادِرِ وَمَطَارِحِ الْقَصَبِ وَأَتَاتِينِ الْآجُرِّ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ ، يَصِيرُ الْبَاقِي مِنْ مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ يُرَاحُ مِنْهَا النِّصْفُ وَيَكُونُ النِّصْفُ مَزْرُوعًا مَعَ مَا فِي الْجَمِيعِ مِنْ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالْأَشْجَارِ ، فَإِذَا أُضِيفَ إلَى مَا ذَكَرَهُ قُدَامَةُ فِي مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ مَا زَادَ عَلَيْهَا بَقِيَّةَ","part":1,"page":352},{"id":352,"text":"السَّوَادِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَرْسَخًا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى تِلْكَ الْمِسَاحَةِ قَدْرَ رُبْعِهَا فَيَصِيرُ ذَلِكَ مِسَاحَةَ جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ ، وَفِي الْمُتَعَذَّرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ زَرْعَ جَمِيعِهِ وَقَدْ يَتَعَطَّلُ مِنْهُ بِالْعَوَارِضِ وَالْحَوَادِثِ مَا لَا يَنْحَصِرُ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ بَلَغَتْ مِسَاحَةُ السَّوَادِ فِي أَيَّامِ كَسْرَى قَبَاءَ مِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ فَكَانَ مَبْلَغُ ارْتِفَاعِهِ مِائَتَيْ أَلْفِ أَلْفٍ وَسَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ بِوَزْنِ الْمِثْقَالِ ، وَأَنَّ مِسَاحَةَ مَا كَانَ يُزْرَعُ مِنْهُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ .\rوَإِذْ قَدْ اسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُدُودِ السَّوَادِ وَمِسَاحَةِ مَزَارِعِهِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَتْحِهِ وَفِي حُكْمِهِ .\rفَذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ فُتِحَ عَنْوَةً ، لَكِنْ لَمْ يُقَسِّمْهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَقَرَّهُ عَلَى سُكَّانِهِ ، وَضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَى أَرْضِهِ .\rوَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السَّوَادِ أَنَّهُ فُتِحَ عَنْوَةً وَاقْتَسَمَهُ الْغَانِمُونَ مِلْكًا ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَزَلُوا إلَّا طَائِفَةً اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ بِمَالٍ عَاوَضَهُمْ بِهِ عَنْ حُقُوقِهِمْ مِنْهُ ، فَلَمَّا خَلَصَ لِلْمُسْلِمِينَ ضَرَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ خَرَاجًا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي حُكْمِهِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَفَهُ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَرَّهُ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهِ بِخَرَاجٍ ضَرَبَهُ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضَيْنِ يَكُونُ أُجْرَةً لَهَا تُؤَدَّى فِي كُلِّ عَامٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّرْ مُدَّتُهَا لِعُمُومِ","part":1,"page":353},{"id":353,"text":"الْمَصْلَحَةِ فِيهَا ، وَصَارَتْ بِوَقْفِهِ لَهَا فِي حُكْمِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْ خَرَاجِهَا مَصْرُوفًا فِي الْمَصَالِحِ وَلَا يَكُونُ فَيْئًا مَخْمُوسًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خُمِّسَ وَلَا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى الْجَيْشِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَصَارَ مَصْرِفُهُ فِي عُمُومِ مَصَالِحِهِمْ الَّتِي مِنْهَا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَتَحْصِينُ الثُّغُورِ وَبِنَاءُ الْجَوَامِعِ وَالْقَنَاطِرِ وَكِرَاءُ الْأَنْهَارِ وَأَرْزَاقُ مَنْ تَعُمُّ بِهِمْ الْمَصْلَحَةُ مِنْ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ ، فَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ رِقَابِهَا وَتَكُونُ الْمُعَارَضَةُ عَلَيْهَا بِالِانْتِفَاعِ وَالِانْتِقَالِ لِأَيْدٍ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ لَا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ إلَّا عَلَى مَا أُحْدِثَ فِيهَا مِنْ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ ، وَقِيلَ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَفَ السَّوَادَ بِرَأْيِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اسْتَنْزَلَ الْغَانِمِينَ عَنْ السَّوَادِ بَاعَهُ عَلَى الْأَكَرَةِ وَالدَّهَاقِينَ بِالْمَالِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَيْهَا خَرَاجًا يُؤَدُّونَهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَكَانَ الْخَرَاجُ ثَمَنًا ، وَجَازَ مِثْلُهُ فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ كَمَا قُبِلَ بِجَوَازِ مِثْلِهِ فِي الْإِجَازَةِ وَأَنَّ بَيْعَ أَرْضِ السَّوَادِ يَجُوزُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ مُوجِبًا لِلتَّمْلِيكِ .\rوَأَمَّا قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهَا ، فَقَدْ حَكَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اسْتَخْلَصَ السَّوَادَ بَعَثَ حُذَيْفَةَ عَلَى مَا وَرَاءِ دِجْلَةَ وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مَا دُونَ دِجْلَةَ .\rقَالَ الشَّعْبِيُّ فَمَسَحَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ السَّوَادَ فَوَجَدَهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا ، قَالَ الْقَاسِمُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْقَفِيزَ","part":1,"page":354},{"id":354,"text":"مِكْيَالٌ لَهُمْ يُدْعَى الشَّابِرْقَانَ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ هُوَ الْمَحْتُومُ الْحَجَّاجِيُّ .\rوَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مُخْلِدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الرَّطْبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ فَكَانَ خَرَاجُ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخَالِفًا لِخَرَاجِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَهَذَا لِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي بِحَسَبِ مَا تَحْتَمِلُ ، وَكَانَتْ ذِرَاعُ حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ذِرَاعَ الْيَدِ وَقَبْضَةً وَإِبْهَامًا مَمْدُودًا ، وَكَانَ السَّوَادُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفُرْسِ جَارِيًا عَلَى الْمُقَاسَمَةِ إلَى أَنْ مَسَحَهُ وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهِ قَبَاءُ بْنُ فَيْرُوزَ فَارْتَفَعَ لَهُ بِالْمِسَاحَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْمِثْقَالِ .\rوَكَانَ السَّبَبُ فِي مِسَاحَتِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبْلُ جَارِيًا عَلَى الْمُقَاسَمَةِ مَا حُكِيَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ فَأَفْضَى إلَى شَجَرٍ مُلْتَفٍّ فَدَخَلَ فِيهِ الصَّيْدُ فَصَعِدَ إلَى رَابِيَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى الشَّجَرِ لِيَرَى مَا فِيهِ مِنْ الصَّيْدِ ، فَرَأَى امْرَأَةً تَحْفِرُ فِي بُسْتَانٍ فِيهِ نَخْلٌ وَرُمَّانٌ مُثْمِرٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ الرُّمَّانِ ، وَهِيَ تَمْنَعُهُ ، فَعَجِبَ مِنْهَا ، وَأَنْفَذَ إلَيْهَا رَسُولًا يَسْأَلُهَا عَنْ سَبَبِ مَنْعِ وَلَدِهَا مِنْ الرُّمَّانِ ؟ فَقَالَتْ : إنَّ لِلْمِلْكِ حَقًّا لَمْ يَأْتِ الْقَاسِمُ لِقَبْضِهِ وَنَخَافُ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ أَخْذِ حَقِّهِ ، فَرَقَّ الْمَلِكُ لِقَوْلِهَا وَأَدْرَكَتْهُ رَأْفَةٌ بِرَعِيَّتِهِ فَتَقَدَّمَ إلَى وُزَرَائِهِ بِالْمِسَاحَةِ الَّتِي يُقَارِبُ قِسْطُهَا مَا يَحْصُلُ بِالْمُقَاسَمَةِ لِتَمْتَدَّ يَدُ كُلِّ إنْسَانٍ إلَى مَا يَمْلِكُهُ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ","part":1,"page":355},{"id":355,"text":"إلَيْهِ فَكَانَ الْفُرْسُ عَلَى هَذَا فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِهِمْ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَقَرَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْخَرَاجِ فَبَلَغَ ارْتِفَاعُهُ فِي أَيَّامِهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَجَبَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِغَشْمِهِ وَظُلْمِهِ ، وَجَبَاهُ الْحَجَّاجُ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ بِغَشْمِهِ وَخَرَابِهِ ، وَجَبَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ بِعَدْلِهِ وَعِمَارَتِهِ ، وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجْبِيهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ سِوَى طَعَامِ الْجُنْدِ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَكَانَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يُحَصِّلُ مِنْهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفٍ إلَى سَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ ، وَيَحْتَسِبُ بِعَطَاءِ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ ، وَفِي نَفَقَةِ الْبَرِيدِ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَفِي الطَّوَارِقِ أَلْفَ أَلْفٍ ، وَيَبْقَى فِي بُيُوتِ الْأَحْدَاثِ وَالْعَوَاتِقِ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ : ارْتِفَاعُ هَذَا الْإِقْلِيمِ فِي الْحَقَّيْنِ أَلْفَ أَلْفِ أَلْفٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَمَا نَقَصَ مِنْ مَالِ الرَّعِيَّةِ زَادَ فِي مَالِ السُّلْطَانِ ؛ وَمَا نَقَصَ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ زَادَ فِي مَالِ الرَّعِيَّةِ ، وَلَمْ يَزَلْ السَّوَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْخَرَاجِ إلَى أَنْ عَدَلَ بِهِمْ الْمَنْصُورُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ عَنْ الْخَرَاجِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ ؛ لِأَنَّ السِّعْرَ نَقَصَ فَلَمْ تَفِ الْغَلَّاتُ بِخَرَاجِهَا وَخَرِبَ السَّوَادُ فَجَعَلَهُ مُقَاسَمَةً ، وَأَشَارَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ عَلِيُّ الْمَهْدِيِّ أَنْ يَجْعَلَ أَرْضَ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً بِالنِّصْفِ إنْ سَقَى سَيْحًا وَفِي الدَّوَالِي عَلَى الثُّلُثِ ، وَفِي الدَّوَالِيبِ عَلَى الرُّبْعِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ سِوَاهُ ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ مِسَاحَةَ خَرَاجٍ","part":1,"page":356},{"id":356,"text":"تُقَدَّرُ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْ الْأَسْوَاقِ وَالْفَرْضِ وَيَكُونُ الْبَيْنُ مِثْلَ الْمُقَاسَمَةِ فَإِذَا بَلَغَ حَاصِلُ الْغَلَّةِ مَا يَفِي بِخَرَاجَيْنِ أَخَذَ عَنْهَا خَرَاجًا كَامِلًا ، وَإِذَا نَقَصَ تَرَكَ فَهَذَا مَا جَرَى فِي أَرْضِ السَّوَادِ .\rوَاَلَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ أَنَّ خَرَاجَهَا هُوَ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهَا أَوَّلًا وَتَغْيِيرُهُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ إذَا كَانَ لِسَبَبٍ حَادِثٍ اقْتَضَاهُ اجْتِهَادُ الْأَئِمَّةِ فَيَكُونُ أَمْضَى مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ ، وَإِلَّا أُعِيدَ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ ؛ إذْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْقُضَ اجْتِهَادَ مَنْ تَقَدَّمَهُ .\rفَأَمَّا تَضْمِينُ الْعُمَّالِ لِأَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فَبَاطِلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُؤْتَمَنٌ يَسْتَوْفِي مَا وَجَبَ وَيُؤَدِّي مَا حَصَلَ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ الَّذِي إذَا أَدَّى الْأَمَانَةَ لَمْ يَضْمَنْ نُقْصَانًا ، وَلَمْ يُكْمِلْ زِيَادَةً ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِ مَا زَادَ وَغُرْمِ مَا نَقَصَ ، وَهَذَا مُنَافٍ لِوَضْعِ الْعِمَالَةِ وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ فَبَطَلَ .\rوَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ الْأُبُلَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَصَلَبَهُ حَيًّا تَعْزِيرًا وَأَدَبًا .\rوَقَدْ خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ فَجَمَعَ فِي خُطْبَتِهِ بَيْنَ صِفَتِهِمْ وَصِفَةِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ وَحُكْمِ الْمَالِ الَّذِي يَلِيهِ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَسْمُوعُ ، وَالْحَقُّ الْمَتْبُوعُ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ تَعَرَّفُوا بِهِ ، اعْمَلُوا بِمَا فِيهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَنْ يَبْلُغَ ذُو حَقٍّ حَقَّهُ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنَّهُ لَنْ يُبْعِدَ مِنْ رِزْقٍ ، وَلَنْ يُقَرِّبَ مِنْ أَجَلٍ أَنْ يَقُولَ الْمَرْءُ حَقًّا ، أَلَا وَإِنِّي مَا وَجَدْتُ صَلَاحَ مَا وَلَّانِي اللَّهُ إلَّا بِثَلَاثٍ : أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْأَخْذُ بِالْقُوَّةِ ، وَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، أَلَا","part":1,"page":357},{"id":357,"text":"وَإِنِّي مَا وَجَدْتُ صَلَاحَ هَذَا الْمَالِ إلَّا بِثَلَاثٍ : أَنْ يُؤْخَذَ بِحَقٍّ ، وَأَنْ يُعْطَى فِي حَقٍّ ، وَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ بَاطِلٍ ، أَلَا وَإِنِّي فِي مَالِكُمْ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ ، وَإِنْ افْتَقَرْتُ أَكَلْت بِالْمَعْرُوفِ كَتَرَمُّمِ الْبَهِيمَةِ الْأَعْرَابِيَّةِ .","part":1,"page":358},{"id":358,"text":"الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ : فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمِيَاهِ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مَلَكَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَيْسَ لِأَحَدٍ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ } .\rوَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَوَاتِ مُعْتَبَرٌ بِالْإِحْيَاءِ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ .\rوَالْمَوَاتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ عَامِرًا وَلَا حَرِيمًا لِعَامِرٍ فَهُوَ مَوَاتٌ ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِعَامِرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمَوَاتُ مَا بَعُدَ مِنْ الْعَامِرِ ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْمَاءُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْمَوَاتُ كُلُّ أَرْضٍ إذَا وَقَفَ عَلَى أَدْنَاهَا مِنْ الْعَامِرِ مُنَادٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَمْ يَسْمَعْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهَا فِي الْعَامِرِ ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَخْرُجَانِ عَنْ الْمَعْهُودِ فِي اتِّصَالِ الْعِمَارَاتِ وَيَسْتَوِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ جِيرَانُهُ وَالْأَبَاعِدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : جِيرَانُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَامِرِ أَحَقُّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ الْأَبَاعِدِ ؛ وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْعُرْفِ فِيمَا يُرَادُ لَهُ الْإِحْيَاءُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ ذِكْرَهُ إحَالَةً عَلَى الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهِ ؛ فَإِنْ أَرَادَ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ لِلسُّكْنَى كَانَ إحْيَاؤُهُ بِالْبِنَاءِ وَالتَّسْقِيفِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ كَمَالِ الْعِمَارَةِ الَّتِي يُمْكِنُ سُكْنَاهَا .\rوَإِنْ أَرَادَ إحْيَاءَهَا لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ اُعْتُبِرَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا جَمْعُ التُّرَابِ الْمُحِيطِ بِهَا حَتَّى يَصِيرَ حَاجِزًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا .\rوَالثَّانِي سَوْقُ الْمَاءِ إلَيْهَا إنْ كَانَتْ يَبِسًا ، وَحَبْسُهُ عَنْهَا إنْ كَانَتْ بَطَائِحَ ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ الْيَبِسِ بِسَوْقِ الْمَاءِ إلَيْهِ ، وَإِحْيَاءَ الْبَطَائِحِ بِحَبْسِ الْمَاءِ عَنْهَا حَتَّى يُمْكِنَ زَرْعُهَا وَغَرْسُهَا فِي","part":1,"page":359},{"id":359,"text":"الْحَالَيْنِ .\rوَالثَّالِثُ : حَرْثُهَا : وَالْحَرْثُ يَجْمَعُ إثَارَةَ الْمُعْتَدِلِ وَكَسْحَ الْمُسْتَعْلِي ، وَطَمَّ الْمُنْخَفِضِ ، فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَ الْمُحْيِي ، وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ : لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَزْرَعَهُ أَوْ يَغْرِسَهُ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السُّكْنَى الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ فِي تَمَلُّكِ الْمَسْكُونِ ، فَإِنْ زَارَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ مَنْ قَامَ بِحَرْثِهَا وَزِرَاعَتِهَا كَانَ الْمُحْيِي مَالِكًا لِلْأَرْضِ وَالْمُثِيرُ مَالِكًا لِلْعِمَارَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْأَرْضِ بَيْعَهَا جَازَ ، وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْعِمَارَةِ بَيْعَهَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ لَهُ إثَارَةٌ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إثَارَةٌ لَمْ يَجُزْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْعِمَارَةِ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَيَجْعَلُ الْأَكَّارَ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ بِعِمَارَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْعِمَارَةِ بِحَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ كَشَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ دُونَ الْإِثَارَةِ ، وَإِذَا تَحَجَّرَ عَلَى مَوَاتٍ كَانَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مَنْ أَحْيَاهُ كَانَ الْمُحْيِي أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُتَحَجِّرِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُتَحَجِّرُ عَلَى الْأَرْضِ بَيْعَهَا قَبْلَ إحْيَائِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَجَوَّزَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ بِالتَّحْجِيرِ عَلَيْهَا أَحَقَّ بِهَا جَازَ لَهُ بَيْعُهَا كَالْأَمْلَاكِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَهَا فَتَغَلَّبْ عَلَيْهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَنْ أَحْيَاهَا فَقَدْ زَعَمَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ثَمَنَهَا لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي لِتَلَفِ ذَلِكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ بَيْعِهِ : إنَّ الثَّمَنَ يَسْقُطُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لَمْ","part":1,"page":360},{"id":360,"text":"يَسْتَقِرَّ ، فَأَمَّا إذَا تَحَجَّرَ وَسَاقَ الْمَاءَ وَلَمْ يَحْرُثْ فَقَدْ مَلَكَ الْمَاءَ ، وَمَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْمَوَاتِ ، وَحَرِيمَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ مَا سِوَاهُ وَإِنْ كَانَ بِهِ أَحَقَّ ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُ مَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ .\rوَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَحْجُورِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ .\rوَمَا أُحْيِيَ مِنْ الْمَوَاتِ مَعْشُورٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ سَوَاءٌ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ سَاقَ إلَى مَا أَحْيَاهُ مَاءَ الْعُشْرِ كَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ ، وَإِنْ سَاقَ إلَيْهَا مَاءَ الْخَرَاجِ كَانَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْمُحْيَاةُ عَلَى أَنْهَارٍ حَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَنْهَارٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ مَا أُحْيِيَ مِنْ مَوَاتِ الْبَصْرَةِ وَسِبَاخِهَا أَرْضُ عُشْرٍ .\rأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَلِأَنَّ دِجْلَةَ الْبَصْرَةَ مِمَّا أَجْرَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الْأَنْهَارِ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ فَهِيَ مُحْيَاةٌ احْتَفَرَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَوَاتِ .\rوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ مَاءَ الْخَرَاجِ يَفِيضُ فِي دِجْلَةِ الْبَصْرَةِ وَفِي جُزُرِهَا وَأَرْضُ الْبَصْرَةِ تَشْرَبُ مِنْ مَدِّهَا ، وَالْمَدُّ مِنْ الْبَحْرِ ، وَلَيْسَ مِنْ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَدَّ يُفِيدُ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنْ الْبَحْرِ ، وَلَا يَمْتَزِجُ بِمَائِهِ وَلَا تُشْرَبُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَدُّ شَرِبَهَا إلَّا مَاءَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُهُ مِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ آدَمَ بَلْ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ مَاءَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ يَسْتَقِرُّ فِي الْبَطَائِحِ فَيَنْقَطِعُ حُكْمُهُ وَيَزُولُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ","part":1,"page":361},{"id":361,"text":"إلَى دِجْلَةِ الْبَصْرَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ مَاءِ الْخَرَاجِ ؛ لِأَنَّ الْبَطَائِحَ لَيْسَتْ مِنْ أَنْهَارِ الْخَرَاجِ ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْبَطَائِحَ بِالْعِرَاقِ انْبَطَحَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَتَغَيَّرَ حُكْمُ الْأَرْضِ حَتَّى صَارَتْ مَوَاتًا وَلَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُ الْمَاءِ .\rوَسَبَبُهُ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ السِّيَرِ أَنَّ مَاءَ دِجْلَةَ كَانَ مَاضِيًا فِي الدِّجْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْغَوْرِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَى الْبَصْرَةِ مِنْ الْمَدَائِنِ فِي مَنَافِذَ مُسْتَقِيمَةِ الْمَسَالِكِ مَحْفُوظَةِ الْجَوَانِبِ وَكَانَ مَوْضِعُ الْبَطَائِحِ الْآنَ أَرْضَ مَزَارِعَ وَقُرًى ذَاتِ مَنَازِلَ فَلَمَّا كَانَ الْمَلِكُ قَبَاءُ بْنُ فَيْرُوزَ انْفَتَحَ فِي أَسَافِلَ كَسُكَّرِ بَثْقٍ عَظِيمٍ أَغْفَلَ أَمْرَهُ حَتَّى غَلَبَ مَاؤُهُ وَغَرِقَ مِنْ الْعِمَارَاتِ مَا عَلَاهُ فَلَمَّا وَلِيَ أَنُوشِرْوَانَ ابْنُهُ أَمَرَ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَتَزَحَّمَ بِالْمُسْنَيَاتِ حَتَّى عَادَ بَعْضُ تِلْكَ الْأَرْضِ إلَى عِمَارَتِهَا ، وَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إلَى كِسْرَى رَسُولًا ، وَهُوَ كِسْرَى أَبْرِوِيزُ فَزَادَتْ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فَانْبَثَقَتْ بُثُوقًا عِظَامًا اجْتَهَدَ أَبْرِوِيزُ فِي سُكْرِهَا حَتَّى صَلَبَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ سُكَارَى وَبَسَطَ الْأَمْوَالَ عَلَى الْأَنْطَاعِ فَلَمْ يَقْدِرْ لِلْمَاءِ عَلَى حِيلَةٍ ثُمَّ وَرَدَ الْمُسْلِمُونَ الْعِرَاقَ وَتَشَاغَلَتْ الْفُرْسُ بِالْحُرُوبِ فَكَانَتْ الْبُثُوقُ تَنْفَجِرُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَيَعْجَزُ الدَّهَاقِينُ عَنْ سَدِّهَا فَاتَّسَعَتْ الْبَطِيحَةُ وَعَظُمَتْ ، فَلَمَّا وُلِّيَ ، مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَّى مَوْلَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَرَّاجٍ خَرَاجَ الْعِرَاقِ فَاسْتَخْرَجَ لَهُ مِنْ أَرْضِ الْبَطَائِحِ مَا بَلَغَتْ غَلَّتُهُ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَاسْتَخْرَجَ بَعْدَهُ حَسَّانُ النَّبَطِيُّ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ لِهِشَامٍ مِنْ","part":1,"page":362},{"id":362,"text":"بَعْدِهِ كَثِيرًا مِنْ أَرْضِ الْبَطَائِحِ ، ثُمَّ جَرَى النَّاسُ عَلَى هَذَا إلَى وَقْتِنَا حَتَّى صَارَتْ جَوَامِدُهَا مِثْلَ بَطَائِحِهَا وَأَكْثَرَ ، وَكَانَ هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ مَا شَرَحْنَاهُ مِنْ أَحْوَالِ الْبَطَائِحِ عُذْرًا دَعَاهُمْ إلَيْهِ مَا شَاهَدُوا الصَّحَابَةَ عَلَيْهِ مِنْ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أُحْيِيَ مِنْ مَوَاتِ الْبَصْرَةِ أَرْضُ عُشْرٍ وَمَا ذَاكَ لِعِلَّةٍ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ .\rوَأَمَّا حَرِيمُ مَا أَحْيَاهُ مِنْ الْمَوَاتِ لِسُكْنَى أَوْ زَرْعٍ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْأَرْضُ مِنْ طَرِيقِهَا وَفِنَائِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا وَمَغِيضِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ أَرْضِ الزَّرْعِ مَا بَعُدَ مِنْهَا وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَاؤُهَا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : حَرِيمُهَا مَا انْتَهَى إلَيْهِ صَوْتُ الْمُنَادِي مِنْ حُدُودِهَا ، وَلَوْ كَانَ لِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ لَمَا اتَّصَلَتْ عِمَارَتَانِ وَلَا تَلَاصَقَتْ دَارَانِ وَقَدْ مَصَّرَتْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْبَصْرَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَعَلُوهَا خُطَطًا لِقَبَائِلِ أَهْلِهَا فَجَعَلُوا عَرْضَ شَارِعِهَا الْأَعْظَمِ وَهُوَ مِرْبَدُهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا ، وَجَعَلُوا عَرْضَ مَا سِوَاهُ مِنْ الشَّوَارِعِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا ، وَجَعَلُوا عَرْضَ كُلِّ زُقَاقٍ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَجَعَلُوا وَسَطَ كُلِّ خُطَّةٍ رَحْبَةً فَسِيحَةً لِمَرَابِطِ خَيْلِهِمْ وَقُبُورِ مَوْتَاهُمْ وَتَلَاصَقُوا فِي الْمَنَازِلِ ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَأْيٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَنَصٍّ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ .\rوَقَدْ رَوَى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا تَدَارَأَ الْقَوْمُ فِي طَرِيقٍ فَلْيَجْعَلْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ } .","part":1,"page":363},{"id":363,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْمِيَاهُ الْمُسْتَخْرَجَةُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مِيَاهُ أَنْهَارٍ وَمِيَاهُ آبَارٍ وَمِيَاهُ عُيُونٍ فَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَجْرَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ كِبَارِ الْأَنْهَارِ الَّتِي لَا يَحْتَفِرُهَا الْآدَمِيُّونَ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَيُسَمَّيَانِ الرَّافِدَيْنِ فَمَاؤُهُمَا يَتَّسِعُ لِلزَّرْعِ وَلِلشَّارِبَةِ ، وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ كِفَايَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو فِيهِ إلَى تَنَازُعٍ أَوْ مُشَاحَنَةٍ ، فَيَجُوزُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا لِضَيْعَتِهِ شُرْبًا وَيَجْعَلَ مِنْ ضَيْعَتِهِ إلَيْهَا مَغِيضًا ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِ شُرْبٍ وَلَا يُعَارَضُ فِي إحْدَاثِ مَغِيضٍ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صِغَارِ الْأَنْهَارِ .\rوَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلُوَ مَاؤُهَا ، وَإِنْ لَمْ يُحْبَسْ وَيَكْفِيَ جَمِيعَ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ ذِي أَرْضٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شُرْبَ أَرْضِهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ وَلَا يُعَارِضُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ أَنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ نَهْرًا يُسَاقُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى أَوْ يَجْعَلُوا إلَيْهِ مَغِيضَ نَهْرٍ آخَرَ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِأَهْلِ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ لَمْ يُمْنَعْ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَسْتَقِلَّ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ وَلَا يَعْلُوَ لِلشُّرْبِ إلَّا بِحَبْسِهِ فَلِلْأَوَّلِ مِنْ أَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِحَبْسِهِ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ حَتَّى تَكْتَفِيَ مِنْهُ وَتَرْتَوِيَ ثُمَّ يَحْبِسَهُ مَنْ يَلِيهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ أَرْضًا آخِرَهُمْ حَبْسًا .\rرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ لِلْأَعْلَى أَنْ يَشْرَبَ قَبْلَ الْأَسْفَلِ ، ثُمَّ يُرْسِلَ الْمَاءَ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَرْضُونَ } .\rوَأَمَّا قَدْرُ مَا يَحْبِسُهُ مِنْ الْمَاءِ فِي أَرْضِهِ ، فَقَدْ رَوَى","part":1,"page":364},{"id":364,"text":"مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِيهِ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي وَادِي مَهْزُورٍ أَنْ يَحْبِسَ الْمَاءَ فِي الْأَرْضِ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، فَإِذَا بَلَغَ إلَى الْكَعْبَيْنِ أَرْسَلَ إلَى الْأُخْرَى } .\rوَقَالَ مَالِكٌ : وَقَضَى فِي سَيْلِ بَطْحَانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَدَّرَهُ بِالْكَعْبَيْنِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَضَاءُ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ .\rوَقَدْ يَخْتَلِفُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ ، فَمِنْهَا مَا يَرْتَوِي بِالْيَسِيرِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَرْتَوِي إلَّا بِالْكَثِيرِ .\rوَالثَّانِي بِاخْتِلَافِ مَا فِيهَا ، فَإِنَّ لِلزَّرْعِ مِنْ الشُّرْبِ قَدْرًا وَلِلنَّخْلِ وَالْأَشْجَارِ قَدْرًا .\rوَالثَّالِثُ بِاخْتِلَافِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّمَانَيْنِ قَدْرًا .\rوَالرَّابِعُ : بِاخْتِلَافِهَا فِي وَقْتِ الزَّرْعِ وَقَبْلِهِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْتَيْنِ قَدْرًا .\rوَالْخَامِسُ : بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَاءِ فِي بَقَائِهِ وَانْقِطَاعِهِ ، فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يَدَّخِرُ ، وَالدَّائِمُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُسْتَعْمَلُ ؛ فَلِاخْتِلَافِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ لَمْ يَكُنْ تَحْدِيدُهُ بِمَا قَضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَدِهَا ، وَكَانَ مُعْتَبَرًا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rفَلَوْ سَقَى رَجُلٌ أَرْضَهُ أَوْ فَجَّرَهَا فَسَالَ مِنْ مَائِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَغَرَّقَهَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمُبَاحٍ ، فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ سَمَكٌ كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِصَيْدِهِ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مِنْ مِلْكِهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مِنْ الْأَنْهَارِ مَا احْتَفَرَهُ الْآدَمِيُّونَ لِمَا أَحْيَوْهُ مِنْ الْأَرْضِينَ فَيَكُونُ النَّهْرُ بَيْنَهُمْ مِلْكًا مُشْتَرَكًا كَالزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمْ بِمِلْكِهِ .\rفَإِنْ كَانَ هَذَا النَّهْرُ بِالْبَصْرَةِ يَدْخُلُهُ مَاءُ الْمَدِّ فَهُوَ","part":1,"page":365},{"id":365,"text":"يَعُمُّ جَمِيعَ أَهْلِهِ لَا يَتَشَاحُّونَ فِيهِ لِاتِّسَاعِ مَائِهِ وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَبْسِهِ لِعُلُوِّهِ بِالْمَدِّ إلَى الْحَدِّ الَّذِي تَرْتَوِي مِنْهُ جَمِيعُ الْأَرْضِينَ ثُمَّ يَقْبِضُ بَعْدَ الِارْتِوَاءِ فِي الْجَزْرِ ؛ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْبَصْرَةِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي لَا مَدَّ فِيهَا ، وَلَا جَزْرَ فَالنَّهْرُ مَمْلُوكٌ لِمَنْ احْتَفَرَهُ مِنْ أَرْبَابِ الْأَرْضِينَ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فِي شُرْبٍ مِنْهُ ، وَلَا مَغِيضَ ، وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَصْبِ عِبَارَةٍ عَلَيْهِ وَلَا بِرَفْعِ مَائِهِ وَلَا إدَارَةِ رَحًى فِيهِ إلَّا عَنْ مُرَاضَاةِ جَمِيعِ أَهْلِهِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ أَنْ يَفْتَحَ إلَيْهِ بَابًا ، وَلَا أَنْ يُخْرِجَ عَلَيْهِ جَنَاحًا وَلَا يَمُدَّ عَلَيْهِ سَابَاطًا إلَّا بِمُرَاضَاةِ جَمِيعِهِمْ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ شُرْبِهِمْ مِنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَتَنَاوَبُوا عَلَيْهِ بِالْأَيَّامِ إنْ قَلُّوا وَبِالسَّاعَاتِ إنْ كَثُرُوا ، وَيَقْتَرِعُوا إنْ تَنَازَعُوا فِي التَّرْتِيبِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ لَهُمْ تَرْتِيبُ الْأَوَّلِ وَمَنْ يَلِيهِ وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَوْبَتِهِ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا ، ثُمَّ هُوَ مِنْ بَعْدِهَا عَلَى مَا تَرَتَّبُوا .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَقْتَسِمُوا فِي النَّهْرِ عَرْضًا بِخَشَبَةٍ تَأْخُذُ جَانِبَيْ النَّهْرِ ، وَيُقْسَمُ فِيهَا حُفُورٌ مُقَدَّرَةٌ بِحُقُوقِهِمْ مِنْ الْمَاءِ فِي كُلِّ حُفْرَةٍ مِنْهَا قَدْرُ مَا اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُهَا مِنْ خُمُسٍ أَوْ عُشْرٍ وَبِأَخْذِهِ إلَى أَرْضِهِ عَلَى الْأَدْوَارِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَجْهِ أَرْضِهِ شَرَابًا مُقَدَّرًا لَهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ أَوْ عَلَى مِسَاحَةِ أَمْلَاكِهِمْ لِيَأْخُذَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ قَدْرَ حَقِّهِ وَيُسَاوِي جَمِيعَ شُرَكَائِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَلَا لَهُمْ أَنْ يَنْقُصُوهُ وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ شُرْبًا مُقَدَّمًا ، كَمَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الزُّقَاقِ","part":1,"page":366},{"id":366,"text":"الْمَرْفُوعِ أَنْ يُؤَخِّرَ بَابًا مُقَدَّمًا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ شُرْبًا مُؤَخَّرًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ بَابًا مُؤَخَّرًا ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْبَابِ الْمُؤَخَّرِ اقْتِصَارًا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ .\rوَفِي تَقْدِيمِ الشُّرْبِ الْمُؤَخَّرِ عَلَى الْحَقِّ .\rفَأَمَّا حَرِيمُ هَذَا النَّهْرِ الْمَحْفُورِ فِي الْمَوَاتِ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بِعُرْفِ النَّاسِ فِي مِثْلِهِ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقَنَاةِ لِأَنَّ الْقَنَاةَ نَهْرُ بَاطِنٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ النَّهْرِ مَلْقَى طِينِهِ .\rقَالَ أَبُو يُوسُفَ : وَحَرِيمُ الْقَنَاةِ مَا لَمْ يَسِحْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَكَانَ جَامِعًا لِلْمَاءِ وَلِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ مُسْتَحْسَنٌ .","part":1,"page":367},{"id":367,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْآبَارُ فَلِحَافِرِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَحْفِرَهَا لِسَابِلَةٍ فَيَكُونُ مَاؤُهَا مُشْتَرَكًا وَحَافِرُهَا فِيهِ كَأَحَدِهِمْ .\rقَدْ وَقَفَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِئْرَ رُومَةَ فَكَانَ يَضْرِبُ بِدَلْوِهِ مَعَ النَّاسِ ، وَيَشْتَرِكُ فِي مَائِهَا إذَا اتَّسَعَ شُرْبَ الْحَيَوَانِ وَسَقْيَ الزَّرْعِ ، فَإِنْ ضَاقَ مَاؤُهَا عَنْهُمَا كَانَ شُرْبُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الزَّرْعِ وَيَشْتَرِكُ فِيهَا الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا كَانَ الْآدَمِيُّونَ بِمَائِهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَهَائِمِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِارْتِفَاقِهِ بِمَائِهَا كَالْبَادِيَةِ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا وَحَفَرُوا فِيهَا بِئْرًا لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ كَانُوا أَحَقَّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا عَلَيْهَا فِي نُجْعَتِهِمْ وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَضْلِ مِنْ مَائِهَا لِلشَّارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِذَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا صَارَتْ الْبِئْرُ سَابِلَةً فَتَكُونُ خَاصَّةَ الِابْتِدَاءِ وَعَامَّةَ الِانْتِهَاءِ ، فَإِنْ عَادُوا إلَيْهَا بَعْدَ الِارْتِحَالِ عَنْهَا كَانُوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً فِيهَا ، وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَيْهَا أَحَقَّ بِهَا .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِنَفْسِهِ مِلْكًا فَمَا لَمْ يَبْلُغْ الْحَفْرُ إلَى اسْتِنْبَاطِ مَائِهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا اسْتَنْبَطَ مَاءَهَا اسْتَقَرَّ مِلْكًا بِكَمَالِ الْإِحْيَاءِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَيَكُونُ طَيُّهَا مِنْ كَمَالِ الْإِحْيَاءِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ثُمَّ يَصِيرُ مَالِكًا لَهَا وَلِحَرِيمِهَا .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ حَرِيمِهَا ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ الْبِئْرِ لِلنَّاضِحِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : حَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ رِشَاؤُهَا أَبْعَدَ فَيَكُونُ لَهَا مُنْتَهَى رِشَائِهَا .\rقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَهَذِهِ مَقَادِيرُ لَا تَثْبُتُ","part":1,"page":368},{"id":368,"text":"إلَّا بِنَصٍّ ، فَإِنْ جَاءَهَا نَصٌّ كَانَ مُتَّبَعًا ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُولٌ وَلِلتَّقْدِيرِ بِمُنْتَهَى الرِّشَاءِ وَجْهٌ يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْعُرْفِ الْمُعْتَبَرِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى الْبِئْرِ وَحَرِيمِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِمَائِهَا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَصِيرُ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ اسْتِقَائِهِ وَحِيَازَتِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى مِلْكِهِ فِي قَرَارِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ ؛ كَمَا إذَا مَلَكَ مَعْدِنًا مَلَكَ مَا فِيهِ قَبْلَ أَخْذِهِ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِقَائِهِ ، وَمَنْ اتَّقَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ اسْتَرْجَعَ مِنْهُ .\rوَقَالَ آخَرُونَ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بَعْدَ الْحِيَازَةِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِاسْتِقَائِهِ ، فَإِنْ غَلَبَهُ مِنْ اسْتِقَاءٍ لَمْ يَسْتَرْجِعْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ هَذِهِ الْبِئْرِ فِي اخْتِصَاصِهِ بِمِلْكِهَا وَاسْتِحْقَاقِهِ لِمَائِهَا فَلَهُ سَقْيُ مَوَاشِيهِ وَزَرْعِهِ وَنَخِيلِهِ وَأَشْجَارِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَتِهِ فَضْلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا لِمُضْطَرٍّ عَلَى نَفْسٍ .\rوَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَهْلَ مَاءٍ فَاسْتَسْقَاهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّيَةَ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ بَعْدَ كِفَايَتِهِ فَضْلٌ لَزِمَهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَبْذُلَ فَضْلَ مَائِهِ لِلشَّارِبَةِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي وَالْحَيَوَانِ دُونَ الزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ .\rوَقَالَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ جُرْثُومَةَ لَا يَلْزَمْهُ بَذْلُ الْفَضْلِ مِنْهُ لِحَيَوَانٍ وَلَا زَرْعٍ .\rوَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِلْحَيَوَانِ دُونَ الزَّرْعِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ وُجُوبِ بَذْلِهِ لِلْحَيَوَانِ دُونَ الزَّرْعِ هُوَ الْمَشْرُوعُ .\rرَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ","part":1,"page":369},{"id":369,"text":"لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَأِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rوَبَذْلُ هَذَا الْفَضْلِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ فِي قَرَارِ الْبِئْرِ ، فَإِنْ اسْتَقَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِكَلَأٍ يَرْعَى ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُبْ مِنْ الْكَلَأِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ لَا تَجِدَ الْمَوَاشِي غَيْرَهُ ، فَإِنْ وَجَدَتْ مُبَاحًا غَيْرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ وَعَدَلَتْ الْمَوَاشِي إلَى الْمَاءِ الْمُبَاحِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَوْجُودِ مَمْلُوكًا لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكِي الْمَاءَيْنِ أَنْ يَبْذُلَ فَضْلَ مَائِهِ لِمَنْ وَرَدَ إلَيْهِ ، فَإِذَا اكْتَفَتْ الْمَوَاشِي بِفَضْلِ أَحَدِ الْمَاءَيْنِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْآخَرِ .\rالرَّابِعُ : أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِي وِرْدِ الْمَوَاشِي إلَى مَائِهِ ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ فِي زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ فَإِنْ لَحِقَهُ بِوُرُودِهَا ضَرَرٌ مُنِعَتْ وَجَازَ لِلرُّعَاةِ اسْتِقَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ لَهَا ، فَإِذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ لَزِمَهُ بَذْلُ الْفَضْلِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ ثَمَنًا ، وَيَجُوزُ مَعَ الْإِخْلَالِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَهُ إذَا بَاعَهُ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ جُزَافًا وَلَا مُقَدَّرًا بِرَيِّ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ .\rوَإِذَا احْتَفَرَ بِئْرًا أَوْ مَلَكَهَا وَحَرِيمَهَا ثُمَّ احْتَفَرَ آخَرُ بَعْدَ حَرِيمِهَا بِئْرًا فَنَضَبَ مَاءُ الْأَوَّلِ إلَيْهَا وَغَار فِيهَا أَقَرَّ عَلَيْهَا وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَهَا لِطَهُورٍ فَتَغَيَّرَ بِهَا مَاءُ الْأَوَّلِ أَقَرَّتْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ إذَا نَضَبَ مَاءُ الْأَوَّلِ إلَيْهَا أَوْ تَغَيَّرَ بِهَا مُنِعَ مِنْهَا وَطُمَّتْ .","part":1,"page":370},{"id":370,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْعُيُونُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَنَبَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَاءَهَا وَلَمْ يَسْتَنْبِطْهُ الْآدَمِيُّونَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَنْهَارِ ، وَلِمَنْ أَحْيَا أَرْضًا بِمَائِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِيهِ لِضِيقِهِ رُوعِيَ مَا أُحْيِيَ بِمَائِهَا مِنْ الْمَوَاتِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَانَ لِأَسْبَقِهِمْ إحْيَاءً أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا شُرْبَ أَرْضِهِ ثُمَّ لِمَنْ يَلِيهِ ، فَإِنْ قَصُرَ الشُّرْبُ عَنْ بَعْضِهِمْ كَانَ نُقْصَانُهُ فِي حَقِّ الْأَخِيرِ ، وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى سَوَاءٍ وَلَمْ يَسْبِقْ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا تَحَاصُّوا فِيهِ إمَّا بِقِسْمَةِ الْمَاءِ وَإِمَّا بِالْمُهَايَأَةِ عَلَيْهِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الْآدَمِيُّونَ فَتَكُونَ مِلْكًا لِمَنْ اسْتَنْبَطَهَا وَيَمْلِكَ مَعَهَا حَرِيمَهَا وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهَا وَمُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَلِمُسْتَنْبِطِ هَذِهِ الْعَيْنِ سَوْقُ مَائِهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ وَكَانَ مَا جَرَى فِيهِ مَاؤُهَا مِلْكًا لَهُ وَحَرِيمُهُ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِمَائِهَا لِشُرْبِ أَرْضِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْرَ كِفَايَتِهَا فَلَا حَقَّ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا لِشَارِبٍ مُضْطَرٍّ ، وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ بِفَضْلِهِ أَرْضًا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِشُرْبِ مَا أَحْيَاهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ لِمَوَاتٍ أَحْيَاهُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي دُونَ الزَّرْعِ كَفَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ ، فَإِنْ اعْتَاضَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَابِ الزَّرْعِ جَازَ ، وَإِنْ اعْتَاضَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي لَمْ يَجُزْ .\rوَيَجُوزُ لِمَنْ احْتَفَرَ فِي الْبَادِيَةِ بِئْرًا فَمَلَكَهَا أَوْ عَيْنًا اسْتَنْبَطَهَا أَنْ يَبِيعَهَا ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ","part":1,"page":371},{"id":371,"text":"الْمُسَيِّبِ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَيَحْرُمُ ثَمَنُهَا .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو الزِّنَادِ إنْ بَاعَهَا لِرَغْبَةٍ جَازَ ، وَإِنْ بَاعَهَا لِخَلَاءٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْمَالِكِ أَحَقَّ بِهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ ، فَإِنْ رَجَعَ الْخَالِي فَهُوَ أَمْلَكُ لَهَا .","part":1,"page":372},{"id":372,"text":"الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ : فِي الْحِمَى وَالْأَرْفَاقِ وَحِمَى الْمَوَاتِ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إحْيَائِهِ إمْلَاكًا لِيَكُونَ مُسْتَبْقَى الْإِبَاحَةِ لِنَبْتِ الْكَلَأِ وَرَعْيِ الْمَوَاشِي .\r{ قَدْ حَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَصَعِدَ جَبَلًا بِالْبَقِيعِ } قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ النَّقِيعُ بِالنُّونِ .\rوَقَالَ : { هَذَا حِمَايَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْقَاعِ } .\rوَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ فِي سِتَّةِ أَمْيَالٍ حَمَاهُ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ .\rفَأَمَّا حِمَى الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ فَإِنْ حَمَوْا بِهِ جَمِيعَ الْمَوَاتِ أَوْ أَكْثَرَهُ لَمْ يَجُزْ ؛ وَإِنْ حَمَوْا أَقَلَّهُ لِخَاصٍّ مِنْ النَّاسِ أَوْ لِأَغْنِيَائِهِمْ لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ حَمَوْهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ وَيَكُونُ الْحِمَى خَاصًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرِوَايَةِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَمَى الْبَقِيعَ قَالَ : لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ جَائِزٌ كَجَوَازِهِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِصَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ لَا لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ فِي مَصَالِحِهِمْ .\rقَدْ حَمَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالرَّبَذَةِ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ أَبَا سَلَامَةَ .\rوَحَمَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الشَّرَفِ مِثْلَ مَا حَمَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ الرَّبْذَةِ وَوَلَّى عَلَيْهِ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ هُنَيُّ وَقَالَ : يَا هُنَيُّ ضُمَّ جَنَاحَكَ عَنْ النَّاسِ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَرَبَّ الْغَنِيمَةِ ، وَإِيَّاكَ وَنَعَمُ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلَكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَرَبَّ الْغَنِيمَةِ يَأْتِينِي بِعِيَالِهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ","part":1,"page":373},{"id":373,"text":"الْمُؤْمِنِينَ ، أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا ؟ لَا أَبَا لَكَ ، فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا : فَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } .\rفَمَعْنَاهُ لَا حِمًى إلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلِمَصَالِحِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لَا عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَفَرُّدِ الْعَزِيزِ مِنْهُمْ بِالْحِمَى لِنَفْسِهِ ، كَاَلَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُوَافِي بِكَلْبٍ عَلَى نَشَازٍ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ يَسْتَعْدِيهِ وَيَحْمِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ عُوَاؤُهُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ ، وَيُشَارِكُ النَّاسُ فِيمَا عَدَاهُ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِهِ ، وَفِيهِ يَقُولُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ مِنْ الطَّوِيلِ : كَمَا كَانَ يَبْغِيهَا كُلَيْبٌ بِظُلْمِهِ مِنْ الْعِزِّ حَتَّى طَاحَ وَهُوَ قَتِيلُهَا عَلَى وَائِلٍ إذْ يَتْرُكُ الْكَلْبَ نَابِحًا وَإِذْ يَمْنَعُ الْأَقْنَاءَ مِنْهَا حُلُولُهَا وَإِذَا جَرَى عَلَى الْأَرْضِ حُكْمُ الْحِمَى اسْتِبْقَاءً لِمَوَاتِهَا سَابِلًا وَمَنْعًا مِنْ إحْيَائِهَا مِلْكًا رُوعِيَ حُكْمُ الْمَحْمِيِّ ، فَإِنْ كَانَ لِلْكَافَّةِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِي رَعْيِ كَلَئِهِمْ بِخَيْلِهِمْ وَمَاشِيَتِهِمْ ، فَإِنْ خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَفُقَرَاؤُهُمْ وَمُنِعَ مِنْهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ ؛ وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ ، وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ خَصَّ بِهِ نَعَمَ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْلَ الْمُجَاهِدِينَ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ ثُمَّ يَكُونُ الْحِمَى جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ .\rفَلَوْ اتَّسَعَ الْحِمَى","part":1,"page":374},{"id":374,"text":"الْمَخْصُوصُ لِعُمُومِ النَّاسِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهِ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ عَمَّنْ خَصَّ بِهِ ، وَلَوْ ضَاقَ الْحِمَى الْعَامُّ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ ، وَفِي جَوَازِ اخْتِصَاصِ فُقَرَائِهِمْ بِهِ وَجْهَانِ ، وَإِذَا اسْتَقَرَّ حُكْمٌ لِحِمًى عَلَى أَرْضٍ فَأَقْدَمَ عَلَيْهَا مَنْ أَحْيَاهَا وَنَقَضَ حِمَاهَا رُوعِيَ الْحِمَى ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْحِمَى ثَابِتًا وَالْإِحْيَاءُ بَاطِلًا وَالْمُتَعَرِّضُ لِإِحْيَائِهِ مَرْدُودًا مَزْجُورًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْحِمَى بَاقِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَقْضٍ وَلَا إبْطَالٍ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ حِمَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ فَفِي إقْرَارِ إحْيَائِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ وَيَجْرِي عَلَيْهِ الْحِمَى كَاَلَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ بِحَقٍّ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : يُقَرُّ الْإِحْيَاءُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ أَثْبَتَ مِنْ الْحِمَى لِتَصْرِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ } .\rوَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنْ مَرَاعِي مَوَاتٍ أَوْ حِمًى لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَإِ } .","part":1,"page":375},{"id":375,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْأَرْفَاقُ فَهُوَ أَرْفَاقُ النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَحَرِيمِ الْأَمْصَارِ وَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ فَيُقْسَمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ ، وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَفْنِيَةِ الْأَمْلَاكِ .\rوَقِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالشَّوَارِعِ وَالطُّرُقِ .\rفَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ فَكَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ وَحُلُولِ الْمِيَاهِ ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونُ لِاجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ عِنْدَهُ ، وَضَرُورَةِ السَّابِلَةِ إلَيْهِ ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ السُّلْطَانُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إصْلَاحُ عَوْرَتِهِ وَحِفْظُ مِيَاهِهِ ، وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ نُزُولِهِ وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَى الْمَنْزِلِ أَحَقَّ بِحُلُولِهِ فِيهِ مِنْ الْمَسْبُوقِ حَتَّى يَرْتَحِلَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا } .\rفَإِنْ وَرَدُوهُ عَلَى سَوَاءٍ وَتَنَازَعُوا فِيهِ نُظِرَ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمْ مِمَّا يُزِيلُ تَنَازُعَهُمْ وَكَذَلِكَ الْبَادِيَةُ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا طَلَبًا لِلْكَلَأِ وَارْتِفَاقًا بِالْمَرْعَى وَانْتِقَالًا مِنْ أَرْضٍ إلَى أُخْرَى كَانُوا فِيمَا نَزَلُوهُ وَارْتَحَلُوا عَنْهُ كَالسَّابِلَةِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي تَنَقُّلِهِمْ وَرَعْيِهِمْ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَقْصِدُوا بِنُزُولِ الْأَرْضِ الْإِقَامَةَ فِيهَا وَالِاسْتِيطَانَ لَهَا ، فَلِلسُّلْطَانِ فِي نُزُولِهَا بِهَا نَظَرٌ يُرَاعَى فِيهِ الْأَصْلَحُ ، فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ مُنِعُوا مِنْهَا قَبْلَ النُّزُولِ وَبَعْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّابِلَةِ رَاعَى الْأَصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ فِيهَا أَوْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إلَيْهَا ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حِينَ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ نَقَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِصْرَيْنِ مَنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ فَيَكُونَ","part":1,"page":376},{"id":376,"text":"سَبَبًا لِانْتِشَارِ الْفِتْنَةِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَكَمَا يَفْعَلُ فِي إقْطَاعِ الْمَوَاتِ مَا يَرَى ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ حَتَّى نَزَلُوهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ كَمَا لَا يَمْنَعُ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ إحْدَاثِ زِيَادَةِ مَنْ بَعْدُ إلَّا عَنْ إذْنِهِ .\rرَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي الطَّرِيقِ أَنْ يَبْنُوا بُيُوتًا فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ .\rلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ وَالظِّلِّ .\rوَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالْأَمْلَاكِ ، فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِأَرْبَابِهَا مُنِعَ الْمُرْتَفِقُونَ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فَيُمَكِّنُوا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِمْ فَفِي إبَاحَةِ ارْتِفَاقِهِمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُمْ الِارْتِفَاقَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَرْبَابُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ مُرْفَقٌ إذَا وَصَلَ أَهْلُهُ إلَى حَقِّهِمْ مِنْهُ سَاوَاهُمْ النَّاسُ فِيمَا عَدَاهُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِحَرِيمِهِمْ إلَّا عَنْ إذْنِهِمْ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَمْلَاكِهِمْ فَكَانُوا بِهِ أَحَقَّ وَبِالتَّصَرُّفِ فِيهِ أَخَصَّ ، فَأَمَّا حَرِيمُ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ ، فَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهِ مُضِرًّا بِأَهْلِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ مُنِعُوا مِنْهُ ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ بِهِ أَحَقُّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا أَجَازَ ارْتِفَاقَهُمْ بِحَرِيمِهَا .\rوَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ لَهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي حَرِيمِ الْأَمْلَاكِ .\rوَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ .\rوَفِي نَظَرِهِ وَجْهَانِ :","part":1,"page":377},{"id":377,"text":"أَحَدُهُمَا أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ مَقْصُورٌ عَلَى كَفِّهِمْ عَنْ التَّعَدِّي وَمَنْعِهِمْ مِنْ الْإِضْرَارِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ عِنْدَ التَّشَاجُرِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ جَالِسًا وَلَا أَنْ يُقَدِّمَ مُؤَخَّرًا ، وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَى الْمَكَانِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ نَظَرُ مُجْتَهِدٍ فِيمَا يَرَاهُ صَلَاحًا فِي إجْلَاسِ مَنْ يُجْلِسُهُ وَمَنْعِ مَنْ يَمْنَعُهُ وَتَقْدِيمِ مَنْ يُقَدِّمُهُ كَمَا يَجْتَهِدُ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَإِقْطَاعِ الْمَوَاتِ وَلَا يَجْعَلُ السَّابِقَ أَحَقَّ وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عَلَى الْجُلُوسِ أَجْرًا .\rوَإِذَا تَرَكَهُمْ عَلَى التَّرَاضِي كَانَ السَّابِقُ مِنْهُمَا إلَى الْمَكَانِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِ ، فَإِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْغَدِ فِيهِ سَوَاءً يُرَاعَى فِيهِ السَّابِقُ إلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا عُرِفَ أَحَدُهُمْ بِمَكَانٍ وَصَارَ بِهِ مَشْهُورًا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ قَطْعًا لِلتَّنَازُعِ وَحَسْمًا لِلتَّشَاجُرِ ، وَاعْتِبَارُ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْمَصْلَحَةِ وَجْهٌ يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْإِبَاحَةِ إلَى حُكْمِ الْمِلْكِ .","part":1,"page":378},{"id":378,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا جُلُوسُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالتَّصَدِّي لِلتَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَاجِرٌ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ لَا يَتَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ فَيَضِلُّ بِهِ الْمُسْتَهْدِي وَيَزِلُّ بِهِ الْمُسْتَرْشِدُ ، وَقَدْ جَاءَ الْأَثَرُ بِأَنَّ { أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى جَرَاثِيمِ جَهَنَّمَ } .\rوَلِلسُّلْطَانِ فِيهِمْ مِنْ النَّظَرِ مَا يُوجِبُهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ إقْرَارِهِ أَوْ إنْكَارِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ مَنْ هُوَ لِذَلِكَ أَهْلٌ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ لِتَدْرِيسٍ أَوْ فُتْيَا نُظِرَ حَالُ الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ كَانَ مَسَاجِدُ الْمُحَالِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَرَتُّبٍ فِيهِ لِلتَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِي جُلُوسِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ مِنْ تَرْتِيبٍ لِلْإِمَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تَرَتَّبَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا بِتَقْلِيدِ السُّلْطَانِ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْبَلَدِ وَعَادَتُهُ فِي جُلُوسِ أَمْثَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلسُّلْطَانِ فِي جُلُوسِ مِثْلِهِ نَظَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَرَتَّبَ لِلْجُلُوسِ فِيهِ إلَّا عَنْ إذْنِهِ كَمَا لَا يَتَرَتَّبُ لِلْإِمَامَةِ فِيهِ إلَّا عَنْ إذْنِهِ لِئَلَّا يُفْتَاتَ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي مِثْلِهِ نَظَرٌ مَعْهُودٌ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ لِلتَّرْتِيبِ فِيهِ ، وَصَارَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ؛ وَإِذَا ارْتَسَمَ بِمَوْضِعٍ مِنْ جَامِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَالِكٌ أَحَقَّ بِالْمَوْضِعِ إذَا عُرِفَ بِهِ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ الِاسْتِحْسَانِ ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ مَشْرُوعٍ .\rوَإِذَا قَامَ عَنْهُ زَالَ حَقُّهُ مِنْهُ وَكَانَ السَّابِقُ إلَيْهِ أَحَقَّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } .\rوَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حَلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ صِيَانَةً","part":1,"page":379},{"id":379,"text":"لِحُرْمَتِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثٍ : ثُلَّةُ الْبِئْرِ ، وَطِوَلُ الْفَرَسِ ، وَحَلَقَةُ الْقَوْمِ فَأَمَّا ثُلَّةُ الْبِئْرِ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا .\rوَأَمَّا طِوَلُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَار فِيهِ بِمَقُودِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا ، وَأَمَّا حَلَقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ } .\rوَإِذَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِيهِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ فَيُكَفُّوا عَنْهُ ، وَإِنْ حَدَثَ مُنَازِعٌ ارْتَكَبَ مَا لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ كُفَّ عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ ، وَتَظَاهَرَ بِاسْتِغْوَاءِ مَنْ يَدْعُو إلَيْهِ لَزِمَ السُّلْطَانَ أَنْ يَحْسِمَ بِزَوَاجِرِ السَّلْطَنَةِ ظُهُورَ بِدْعَتِهِ وَيُوَضِّحَ بِدَلَائِلِ الشَّرْعِ فَسَادَ مَقَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ بِدْعَةٍ مُسْتَمِعًا ، وَلِكُلِّ مُسْتَغْوٍ مُتَّبِعًا ، وَإِذَا تَظَاهَرَ بِالصَّلَاحِ مَنْ اسْتَبْطَنَ مَا سِوَاهُ تُرِكَ ، وَإِذَا تَظَاهَرَ بِالْعِلْمِ مَنْ عُرِّيَ مِنْهُ هُتِكَ ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى صَلَاحٍ لَيْسَ فِيهِ مُصْلِحٌ وَالدَّاعِي إلَى عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ مُضِلٌّ .","part":1,"page":380},{"id":380,"text":"الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ : فِي أَحْكَامِ الْإِقْطَاعِ وَإِقْطَاعُ السُّلْطَانِ مُخْتَصٌّ بِمَا جَازَ فِيهِ تَصَرُّفُهُ وَنَفَذَتْ فِيهِ أَوَامِرُهُ ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا تَعَيَّنَ فِيهِ مَالِكُهُ وَتَمَيَّزَ مُسْتَحِقُّهُ .\rوَهُوَ ضَرْبَانِ : إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ .\rوَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ .\rفَأَمَّا إقْطَاعُ التَّمْلِيكِ فَتَنْقَسِمُ فِيهِ الْأَرْضُ الْمُقْطَعَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : مَوَاتٌ وَعَامِرٌ وَمَعَادِنُ ، فَأَمَّا الْمَوَاتُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَزَلْ مَوَاتًا عَلَى قَدِيمِ الدَّهْرِ فَلَمْ تَجُزْ فِيهِ عِمَارَةٌ وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَهُ مَنْ يُحْيِيهِ وَمَنْ يُعَمِّرُهُ ، وَيَكُونُ الْإِقْطَاعُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْإِحْيَاءِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِقْطَاعَ يَجْعَلُهُ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي جَوَازِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ .\r{ قَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَكْضَ فَرَسِهِ مِنْ مَوَاتِ النَّقِيعِ فَأَجْرَاهُ ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ رَغْبَةً فِي الزِّيَادَةِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطُوهُ مُنْتَهَى سَوْطِهِ } .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاتِ مَا كَانَ عَامِرًا فَخَرِبَ فَصَارَ مَوَاتًا عَاطِلًا وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا كَانَ جَاهِلِيًّا كَأَرْضِ عَادٍ وَثَمُودَ فَهِيَ كَالْمَوَاتِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِمَارَةٌ ، وَيَجُوزُ إقْطَاعُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي } .\rيَعْنِي أَرْضَ عَادٍ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : مَا كَانَ إسْلَامِيًّا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ خَرِبَ حَتَّى صَارَ مَوَاتًا عَاطِلًا ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ","part":1,"page":381},{"id":381,"text":"إحْيَائِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ سَوَاءٌ عَرَفَ أَرْبَابُهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفُوا : وَقَالَ مَالِكٌ : يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ سَوَاءٌ عَرَفَ أَرْبَابُهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفُوا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنْ عَرَفَ أَرْبَابُهُ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجُزْ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يُمْلَكَ بِالْإِحْيَاءِ مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ ، فَإِنْ عَرَفَ أَرْبَابُهُ لَمْ يَجُزْ إقْطَاعُهُ وَكَانُوا أَحَقَّ بِبَيْعِهِ وَإِحْيَائِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا جَازَ إقْطَاعُهُ وَكَانَ الْإِقْطَاعُ شَرْطًا فِي جَوَازِ إحْيَائِهِ ، فَإِذَا صَارَ الْمَوَاتُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ إقْطَاعًا ، فَمَنْ خَصَّهُ الْإِمَامُ بِهِ وَصَارَ بِالْإِقْطَاعِ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فَإِنْ شَرَعَ فِي إحْيَائِهِ صَارَ بِكَمَالِ الْإِحْيَاءِ مَالِكًا لَهُ ، وَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ إحْيَائِهِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ يَدًا ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مِلْكًا ثُمَّ رُوعِيَ إمْسَاكُهُ عَنْ إحْيَائِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَأَقَرَّ فِي يَدِهِ إلَى زَوَالِ عُذْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعَارِضُ فِيهِ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ ، فَإِنْ أَحْيَاهُ فِيهَا ، وَإِلَّا بَطَلَ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بَعْدَهَا احْتِجَاجًا بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ أَجَلَ الْإِقْطَاعِ ثَلَاثَ سِنِينَ .\rوَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَلْزَمُ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى إحْيَائِهِ ، فَإِذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ فِيهِ قِيلَ لَهُ إمَّا تُحْيِيهِ فَيُقَرَّ فِي يَدِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهُ لِيَعُودَ إلَى حَالِهِ قَبْلَ إقْطَاعِهِ .\rوَأَمَّا تَأْجِيلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ أَوْ لِاسْتِحْسَانٍ رَآهُ .\rفَلَوْ تَغَلَّبَ عَلَى هَذَا الْمَوَاتِ الْمُسْتَقْطَعِ مُتَغَلِّبٌ فَأَحْيَاهُ فَقَدْ","part":1,"page":382},{"id":382,"text":"اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَذَاهِبَ : مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مُحْيِيَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مُسْتَقْطِعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَحْيَاهُ قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ كَانَ مِلْكًا لِلْمُقْطَعِ ، وَإِنْ أَحْيَاهُ بَعْدَهَا كَانَ مِلْكًا لِلْمُحْيِي .\rوَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَحْيَاهُ عَالِمًا بِالْإِقْطَاعِ كَانَ مِلْكًا لِلْمُقْطَعِ ، وَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْإِقْطَاعِ خُيِّرَ الْمُقْطَعُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَإِعْطَاءِ الْمُحْيِي نَفَقَةَ عِمَارَتِهِ ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ لِلْمُحْيِي وَالرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْمَوَاتِ قَبْلَ إحْيَائِهِ .","part":1,"page":383},{"id":383,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْعَامِرُ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا تَعَيَّنَ مَالِكُهُ فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا يَدٌ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُقْطِعَهَا لِيَمْلِكَهَا الْمُقْطَعَ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهَا جَازَ .\r{ وَقَدْ سَأَلَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَهُ عُيُونَ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِالشَّامِ قَبْلَ فَتْحِهِ فَفَعَلَ .\rوَسَأَلَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنْ يُقْطِعَهُ أَرْضًا كَانَتْ بِيَدِ الرُّومِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ : أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ ؟ فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَيُفْتَحَنَّ عَلَيْكَ .\rفَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا } .\rوَهَكَذَا لَوْ اُسْتُوْهِبَ مِنْ الْإِمَامِ مَالٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا أَوْ اسْتَوْهَبَ أَحَدٌ مِنْ سَبْيِهَا وَذَرَارِيِّهَا لِيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ إذَا فَتَحَهَا جَازَ وَصَحَّتْ الْعَطِيَّةُ فِيهِ مَعَ الْجَهَالَةِ بِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالْأُمُورِ الْعَامَّةِ .\rرَوَى الشَّعْبِيُّ : { أَنَّ حُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنَ حَارِثَةَ الطَّائِيَّ .\rقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْحِيرَةَ فَأَعْطِنِي بِنْتَ نُفَيْلَةَ } .\rفَلَمَّا أَرَادَ خَالِدٌ صُلْحَ أَهْلِ الْحِيرَةِ قَالَ لَهُ حُرَيْمٌ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِي بِنْتَ نُفَيْلَةَ فَلَا تُدْخِلْهَا فِي صُلْحِكَ وَشَهِدَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ الصُّلْحِ وَدَفَعَهَا إلَى حُرَيْمٍ فَاشْتُرِيَتْ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ عَجُوزًا قَدْ حَالَتْ عَنْ عَهْدِهِ فَقِيلَ لَهُ وَيْحَكَ لَقَدْ أَرْخَصْتَهَا كَانَ أَهْلُهَا يَدْفَعُونَ إلَيْكَ ضِعْفَ مَا سَأَلْتَ بِهَا فَقَالَ : مَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّ عَدَدًا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ .\rوَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا","part":1,"page":384},{"id":384,"text":"الْوَجْهِ نُظِرَ حَالَ الْفَتْحِ ، فَإِنْ كَانَ صُلْحًا خَلَصَتْ الْأَرْضُ لِمُقْطِعِهَا ، وَكَانَتْ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الصُّلْحِ بِالْإِقْطَاعِ السَّابِقِ ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ عَنْوَةً كَانَ الْمُسْتَقْطِعُ وَالْمُسْتَوْهِبُ أَحَقَّ بِمَا اسْتَقْطَعَهُ وَاسْتَوْهَبَهُ مِنْ الْغَانِمِينَ وَنُظِرَ فِي الْغَانِمِينَ ، فَإِنْ عَلِمُوا بِالْإِقْطَاعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِ مَا اُسْتُقْطِعَ وَوُهِبَ ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى فُتِحُوا عَاوَضَهُمْ الْإِمَامُ عَنْهُ بِمَا يَسْتَطِيبُ بِهِ نُفُوسَهُمْ كَمَا يَسْتَطِيبُ نُفُوسَهُمْ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِهِمْ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُوهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مُسْتَحِقُّوهُ ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا اصْطَفَاهُ الْإِمَامُ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ فُتُوحِ الْبِلَادِ ، إمَّا بِحَقِّ الْخُمُسِ فَيَأْخُذُهُ بِاسْتِحْقَاقِ أَهْلِهِ لَهُ ، وَإِمَّا بِأَنْ يَصْطَفِيَهُ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُ فَقَدْ اصْطَفَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ أَمْوَالَ كِسْرَى وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَمَا هَرَبَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ أَوْ هَلَكُوا فَكَانَ مَبْلَغُ غَلَّتِهَا تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْهَا ، ثُمَّ إنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْطَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ رَأَى إقْطَاعَهَا أَوْفَرَ لِغَلَّتِهَا مِنْ تَعْطِيلِهَا وَشَرَطَ عَلَى مَنْ أَقْطَعَهَا إيَّاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّ الْفَيْءِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إقْطَاعَ إجَارَةٍ لَا إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ فَتَوَفَّرَتْ غَلَّتُهَا حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى مَا قِيلَ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَانَ مِنْهَا صَلَاتُهُ وَعَطَايَاهُ ثُمَّ تَنَاقَلَهَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْجَمَاجِمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَحْرَقَ","part":1,"page":385},{"id":385,"text":"الدِّيوَانَ وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَامِرِ لَا يَجُوزُ إقْطَاعُ رَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِاصْطِفَائِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ مِلْكًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَجَرَى عَلَى رَقَبَتِهِ حُكْمُ الْوُقُوفِ الْمُؤَبَّدَةِ ، وَصَارَ اسْتِغْلَالُهُ هُوَ الْمَالَ الْمَوْضُوعَ فِي حُقُوقِهِ .\rوَالسُّلْطَانُ فِيهِ بِالْخِيَارِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَغِلَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَخَيَّرَ لَهُ مِنْ ذَوِي الْمُكْنَةِ وَالْعَمَلِ مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَةِ رَقَبَتِهِ بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ بِوُفُورِ الِاسْتِغْلَالِ وَنَقْصِهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةَ تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِالْخُمُسِ فَيُصْرَفُ فِي أَهْلِ الْخُمُسِ ، فَإِنْ كَانَ مَا وَضَعَهُ مِنْ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً عَلَى الشَّطْرِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ جَازَ فِي النَّخْلِ كَمَا { سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ثِمَارِ النَّخْلِ } ، وَجَوَازُهَا فِي الزَّرْعِ مُعْتَبَرٌ بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمُخَابَرَةِ ، فَمَنْ أَجَازَهَا أَجَازَ الْخَرَاجَ بِهَا ، وَمَنْ مَنَعَ مِنْهَا مَنَعَ مِنْ الْخَرَاجِ بِهَا ، وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ الْخَرَاجُ بِهَا ، وَإِنْ مَنَعَ الْمُخَابَرَةَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ ، وَيَكُونُ الْعُشْرُ وَاجِبًا فِي الزَّرْعِ دُونَ الثَّمَرِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مِلْكٌ لِزَارِعِيهِ ، وَالثَّمَرَةُ مِلْكٌ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِمْ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ : أَرْضُ الْخَرَاجِ فَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُ رِقَابِهِمْ تَمْلِيكًا لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَكُونُ رِقَابُهُمْ وَقْفًا وَخَرَاجُهَا أُجْرَةً ، فَتَمْلِيكُ الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ بِإِقْطَاعٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ .\rوَضَرْبٌ يَكُونُ رِقَابُهَا مِلْكًا ، وَخَرَاجُهَا جِزْيَةً فَلَا","part":1,"page":386},{"id":386,"text":"يَصِحُّ إقْطَاعُ مَمْلُوكٍ تَعَيَّنَ مَالِكُوهُ ، فَأَمَّا إقْطَاعُ خَرَاجِهَا فَنَذْكُرُهُ بَعْدُ فِي إقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَارِثُهُ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ فَيَنْتَقِلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِيرَاثًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفًا فِي مَصَالِحِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِيرَاثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مَصْرُوفٌ فِي الْفُقَرَاءِ خَاصَّةً صَدَقَةً عَنْ الْمَيِّتِ ، وَمَصْرِفُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْخَاصَّةِ وَصَارَ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْعَامَّةِ .\rوَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا انْتَقَلَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ رِقَابِ الْأَمْوَالِ هَلْ يَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِ بِنَفْسِ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا لِعُمُومِ مَصْرِفِهَا الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِجِهَةٍ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا إقْطَاعُهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا إذَا رَأَى بَيْعَهَا أَصْلَحَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَيَكُونُ ثَمَنُهَا مَصْرُوفًا فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ ، وَفِي ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَهْلِ الصَّدَقَاتِ ، وَأَمَّا إقْطَاعُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَأَرْبَابِ الْمَصَالِحِ جَازَ إقْطَاعُهَا لَهُ ، وَيَكُونُ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا كَتَمْلِيكِ ثَمَنِهَا وَقِيلَ : إنَّ إقْطَاعَهَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ وَهَذَا الْإِقْطَاعُ صِلَةٌ وَالْأَثْمَانُ إذَا صَارَتْ نَاضَّةً لَهَا حُكْمٌ يُخَالِفُ فِي الْعَطَايَا حُكْمَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ فَافْتَرَقَا ؛ وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ضَعِيفًا ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي إقْطَاعِ التَّمْلِيكِ .","part":1,"page":387},{"id":387,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : عُشْرٌ ، وَخَرَاجٌ .\rفَأَمَّا الْعُشْرُ : فَإِقْطَاعُهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ لِأَصْنَافٍ يُعْتَبَرُ وَصْفُ اسْتِحْقَاقِهَا عِنْدَ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِشُرُوطٍ يَجُوزُ أَنْ لَا تُوجَدَ فَلَا تَجِبُ ، فَإِنْ وَجَبَتْ وَكَانَ مُقْطِعُهَا وَقْتَ الدَّفْعِ مُسْتَحِقًّا كَانَتْ حَوَالَةً بِعُشْرٍ قَدْ وَجَبَ عَلَى رَبِّهِ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ صَحَّ وَجَازَ دَفْعُهُ إلَيْهِ وَلَا يَصِيرُ دَيْنًا لَهُ مُسْتَحَقًّا حَتَّى يَقْبِضَهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْعُشْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْمًا فِيهِ وَكَانَ عَامِلُ الْعُشْرِ بِالْمُطَالَبَةِ أَحَقَّ .\rوَأَمَّا الْخَرَاجُ : فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ مُقْطِعِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطِعَ مَالَ الْخَرَاجِ ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ فَيْءٌ لَا يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الصَّدَقَةِ كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ أَهْلُ الْفَيْءِ ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الْفَيْءِ فِي أَهْلِ الصَّدَقَةِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَصَالِحِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رِزْقٌ مَفْرُوضٌ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقْطَعَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَفْلِ أَهْلِ الْفَيْءِ لَا مِنْ فَرْضِهِ ، وَمَا يُعْطَى لَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَاتِ الْمَصَالِحِ ، فَإِنْ جُعِلَ لَهُ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ شَيْءٌ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْحَوَالَةِ ، وَالتَّسَبُّبُ لَا حُكْمُ الْإِقْطَاعِ فَيُعْتَبَرُ فِي جَوَازِهِ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ قَدْ وَجَدَ سَبَبَ اسْتِبَاحَتِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَالُ الْخَرَاجِ قَدْ حَلَّ وَوَجَبَ لِيَصِحَّ التَّسَبُّبُ عَلَيْهِ وَالْحَوَالَةُ بِهِ فَخَرَجَ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ عَنْ حُكْمِ الْإِقْطَاعِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ مِنْ مُرْتَزِقَةِ","part":1,"page":388},{"id":388,"text":"أَهْلِ الْفَيْءِ وَفَرْضِيَّةِ الدِّيوَانِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْجَيْشِ ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِجَوَازِ الْإِقْطَاعِ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَرْزَاقًا مُقَدَّرَةً تُصْرَفُ إلَيْهِمْ مَصْرِفَ الِاسْتِحْقَاقِ ؛ لِأَنَّهَا تَعْوِيضٌ عَمَّا أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ مِنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْإِقْطَاعِ رُوعِيَ حِينَئِذٍ مَالُ الْخَرَاجِ ، فَإِنَّ لَهُ حَالَيْنِ : حَالٌ يَكُونُ جِزْيَةً وَحَالٌ يَكُونُ أُجْرَةً ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ جِزْيَةً فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مَعَ بَقَاءِ الْكُفْرِ وَزَائِلٌ مَعَ حُدُوثِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ بَعْدَهَا ، فَإِنْ أَقْطَعَهُ سَنَةً بَعْدَ حُلُولِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ صَحَّ ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ إذَا قِيلَ : إنَّ حَوْلَ الْجِزْيَةِ مَضْرُوبٌ لِلْأَدَاءِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ إذَا قِيلَ إنَّ حَوْلَ الْجِزْيَةِ مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْخَرَاجِ أُجْرَةً فَهُوَ مُسْتَقِرُّ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَيَصِحُّ إقْطَاعُهُ سَنَتَيْنِ ، وَلَا يَلْزَمُ الِاقْتِصَارُ مِنْهُ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ .\rوَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ إقْطَاعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَدِّرَ سِنِينَ مَعْلُومَةً كَإِقْطَاعِهِ عَشْرَ سِنِينَ ، فَيَصِحُّ إذَا رُوعِيَ فِيهِ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ رِزْقُ الْمُقْطَعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ ؛ فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْخَرَاجِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُقْطَعِ وَعِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْخَرَاجِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَاسَمَةً أَوْ مِسَاحَةً ، فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً ، فَمَنْ جَوَّزَ مِنْ","part":1,"page":389},{"id":389,"text":"الْفُقَهَاءِ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يَجُوزُ إقْطَاعُهُ ، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَجْهُولِ .\rوَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ مِسَاحَةً فَهُوَ ضَرْبَانِ .\rأَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ فَهَذَا مَعْلُومٌ يَصِحُّ إقْطَاعُهُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ فَيُنْظَرُ رِزْقُ مُقْطَعِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ أَعْلَى الْخَرَاجَيْنِ صَحَّ إقْطَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِنَقْصٍ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ أَقَلِّ الْخَرَاجَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إقْطَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِيهِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، ثُمَّ يُرَاعِي بَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَالَ الْمُقْطَعِ فِي مُدَّةِ الْإِقْطَاعِ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَبْقَى إلَى انْقِضَائِهَا عَلَى حَالِ السَّلَامَةِ فَهُوَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِقْطَاعِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَيُبْطِلَ الْإِقْطَاعَ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَعُودَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ دَخَلُوا فِي إعْطَاءِ الذَّرَارِيِّ لَا فِي أَرْزَاقِ الْجُنْدِ فَكَانَ مَا يُعْطُونَهُ سَبَبًا لَا إقْطَاعًا .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يُحْدِثَ بِهِ زَمَانَةً فَيَكُونَ بَاقِي الْحَيَاةِ مَفْقُودَ الصِّحَّةِ فَفِي بَقَاءِ إقْطَاعِهِ بَعْدَ زَمَانَتِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ إذَا قِيلَ : إنَّ رِزْقَهُ بِالزَّمَانَةِ قَدْ سَقَطَ فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إذَا قُدِّرَ الْإِقْطَاعُ فِيهِ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : مِنْ أَقْسَامِهِ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ لِعَقِبِهِ وَوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَذَا إقْطَاعٌ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِهَذَا الْإِقْطَاعِ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ إلَى الْأَمْلَاكِ الْمَوْرُوثَةِ .\rوَإِذَا بَطَلَ كَانَ مَا اجْتَبَاهُ مِنْهُ مَأْذُونًا فِيهِ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ","part":1,"page":390},{"id":390,"text":"فَيَبْرَأُ أَهْلُ الْخَرَاجِ بِقَبْضِهِ وَحُسِبَ مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَدَّ الزِّيَادَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ رَجَعَ بِالْبَاقِي ، وَأَظْهَرَ السُّلْطَانُ فَسَادَ الْإِطْلَاعِ حَتَّى يُمْنَعَ مِنْ الْقَبْضِ وَيُمْنَعَ أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ الدَّفْعِ ؛ فَإِنْ دَفَعُوهُ بَعْدَ إظْهَارِ ذَلِكَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَفِي صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَحِيحٌ إذْ قِيلَ إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ رِزْقِهِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ بَاطِلٌ إذْ قِيلَ : إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ رِزْقِهِ .\rوَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ فَأَرَادَ السُّلْطَانُ اسْتِرْجَاعَهُ مِنْ مَقْطَعِهِ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَيَعُودُ رِزْقُهُ إلَى دِيوَانِ الْعَطَايَا ، فَأَمَّا فِي السَّنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَيَنْظُرُ ، فَإِنْ حَلَّ رِزْقُهُ فِيهَا قَبْلَ حُلُولِ خَرَاجِهَا لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهُ فِي سَنَتِهِ لِاسْتِحْقَاقِ خَرَاجِهَا فِي رِزْقِهِ ، وَإِنْ حَلَّ خَرَاجُهَا قَبْلَ حُلُولِ رِزْقِهِ جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ مِنْهُ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْمُؤَجَّلِ ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَيْسَ بِلَازِمٍ .\rوَأَمَّا أَرْزَاقُ مَا عَدَا الْجَيْشَ إذَا أَقْطَعُوا بِهَا مَالَ الْخَرَاجِ فَيُقْسَمُونَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ .\rأَحَدُهَا : مَنْ يُرْتَزَقُ عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُسْتَدِيمٍ كَعُمَّالِ الْمَصَالِحِ وَجُبَاةِ الْخَرَاجِ فَالْإِقْطَاعُ بِأَرْزَاقِهِمْ لَا يَصِحُّ ، وَيَكُونُ مَا حَصَلَ لَهُمْ بِهَا مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ تَسَبُّبًا وَحَوَالَةً بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الرِّزْقِ وَحُلُولِ الْخَرَاجِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَنْ يُرْزَقُ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَدِيمٍ وَيَجْرِي رِزْقُهُ مَجْرَى الْجَعَالَةِ وَهُمْ النَّاظِرُونَ فِي أَعْمَاقِ الْبِرِّ الَّتِي يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِهَا إذَا ارْتَزَقُوا عَلَيْهَا كَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْأَئِمَّةِ فَيَكُونُ جَعْلُ الْخَرَاجِ لَهُمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ تَسَبُّبًا بِهِ وَحَوَالَةً عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ إقْطَاعًا .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَنْ يُرْتَزَقُ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَدِيمٍ وَيَجْرِي","part":1,"page":391},{"id":391,"text":"رِزْقُهُ مَجْرَى الْإِجَارَةِ ، وَهُوَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَظَرُهُ إلَّا بِوِلَايَةٍ وَتَقْلِيدٍ مِثْلُ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقْطَعُوا بِأَرْزَاقِهِمْ خَرَاجَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ إقْطَاعِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ كَالْجَيْشِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ لِمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْعَزْلِ وَالِاسْتِبْدَالِ .","part":1,"page":392},{"id":392,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا إقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - جَوَاهِرَ الْأَرْضِ فَهِيَ ضَرْبَانِ : ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ .\rفَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَهِيَ مَا كَانَ جَوْهَرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا بَارِزًا كَمَعَادِنِ الْكُحْلِ وَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ ، وَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ يَأْخُذُهُ مَنْ وَرَدَ إلَيْهِ ، رَوَى ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ .\r{ أَنَّ الْأَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ اسْتَقْطَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْحَ مَأْرَبٍ فَأَقْطَعَهُ ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَرَدْتُ هَذَا الْمِلْحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُهُ مَنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْمَاءِ الْعِدِّ بِالْأَرْضِ فَاسْتَقَالَ الْأَبْيَضُ فِي قَطِيعَةِ الْمِلْحِ .\rفَقَالَ قَدْ أَقَلْتُكَ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنِّي صَدَقَةً .\rفَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُوَ مِنْكَ صَدَقَةٌ ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَاءِ الْعِدِّ مَنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَاءُ الْعِدُّ هُوَ الَّذِي لَهُ مَوَادُّ تَمُدُّهُ مِثْلُ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ .\rفَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ الْمَاءُ الْمُتَجَمِّعُ الْمُعَدُّ فَإِنْ أَقُطِعَتْ هَذِهِ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ لَمْ يَكُنْ لِإِقْطَاعِهَا حُكْمٌ وَكَانَ الْمُقْطَعُ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ ، وَجَمِيعُ مَنْ وَرَدَ إلَيْهَا أُسْوَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا ، فَإِنْ مَنَعَهُمْ الْمُقْطِعُ مِنْهَا كَانَ بِالْمَنْعِ مُتَعَدِّيًا وَكَانَ لِمَا أَخَذَهُ مَالِكًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْمَنْعِ لَا بِالْأَخْذِ فَكُفَّ عَنْ الْمَنْعِ وَصُرِفَ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ لِئَلَّا يُثْبِتَهُ إقْطَاعًا بِالصِّحَّةِ أَوْ يَصِيرَ مَعَهُ كَالْأَمْلَاكِ الْمُسْتَقِرِّ .\rوَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ فَهِيَ مَا كَانَ جَوْهَرُهَا مُسْتَكِنًا فِيهَا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْعَمَلِ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ ، فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ سَوَاءٌ احْتَاجَ","part":1,"page":393},{"id":393,"text":"الْمَأْخُوذُ مِنْهَا إلَى سَبْكٍ وَتَخْلِيصٍ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ .\rوَفِي جَوَازِ إقْطَاعِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ وَكُلُّ النَّاسِ فِيهَا شَرْعٌ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَجُوزُ إقْطَاعُهُ لِرِوَايَةِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقْطَعَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا ، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قَدَسٍ وَلَمْ يُقْطِعْهُ حَقَّ مُسْلِمٍ } .\rوَفِي الْجَلْسِيِّ وَالْغَوْرَى تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْجِلْسِيَّ بِلَادُ نَجْدٍ وَالْغَوْرَى بِلَادُ تِهَامَةَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : فَمَرَّتْ عَلَى مَاءِ الْعُذَيْبِ وَعَيْنُهَا كَوَقْبِ الْحَصَى جَلْسِيُّهَا قَدْ تَغَوَّرَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِهَا وَلَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهَا .\rوَفِي حُكْمِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ يَصِيرُ بِهِ الْمُقْطَعُ مَالِكًا لِرَقَبَةِ الْمَعْدِنِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ فِي حَالِ عَمَلِهِ وَبَعْدَ قَطْعِهِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فِي حَيَاتِهِ وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إقْطَاعُ إرْفَاقٍ لَا يَمْلِكُ بِهِ رَقَبَةَ الْمَعْدِنِ وَيَمْلِكُ بِهِ الِارْتِفَاقَ بِالْعَمَلِ فِيهِ مُدَّةَ مَقَامِهِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَازِعَهُ فِيهِ مَا أَقَامَ عَلَى الْعَمَلِ ، فَإِذَا تَرَكَهُ زَالَ حُكْمُ الْإِقْطَاعِ عَنْهُ وَعَادَ إلَى حَالِ الْإِبَاحَةِ ؛ فَإِذَا أَحْيَا مَوَاتًا بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِ إقْطَاعٍ فَظَهَرَ فِيهِ بِالْإِحْيَاءِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ أَوْ بَاطِنٌ مَلَكَهُ الْمُحْيِي عَلَى التَّأْبِيدِ كَمَا يَمْلِكُ مَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْعُيُونِ وَاحْتَفَرَهُ مِنْ الْآبَارِ","part":1,"page":394},{"id":394,"text":"الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ : فِي وَضْعِ الدِّيوَانِ وَذِكْرِ أَحْكَامِهِ وَالدِّيوَانُ مَوْضِعٌ لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنْ الْجُيُوشِ وَالْعُمَّالِ ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ دِيوَانًا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ كِسْرَى اطَّلَعَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى كُتَّابِ دِيوَانِهِ فَرَآهُمْ يَحْسِبُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ دِيوَانِهْ أَيْ مَجَانِينُ فَسُمِّيَ مَوْضِعُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ ثُمَّ حُذِفَ الْهَاءُ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَخْفِيفًا لِلِاسْمِ فَقِيلَ دِيوَانٌ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الدِّيوَانَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْمُ الشَّيَاطِينِ فَسُمِّيَ الْكُتَّابُ بِاسْمِهِمْ لِحِذْقِهِمْ بِالْأُمُورِ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَجَمْعِهِمْ لِمَا شَذَّ وَتَفَرَّقَ ، ثُمَّ سُمِّيَ مَكَانُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ فَقِيلَ دِيوَانٌ .\rوَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ وَضْعِهِ لَهُ ، فَقَالَ قَوْمٌ : سَبَبُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَاذَا جِئْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَاسْتَكْثَرَهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ : أَتَدْرِي مَا تَقُولُ ؟ قَالَ نَعَمْ مِائَةُ أَلْفٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عُمَرُ أَطَيِّبٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَنَا مَالٌ كَثِيرٌ ، فَإِنْ شِئْتُمْ كِلْنَا لَكُمْ كَيْلًا ، وَإِنْ شِئْتُمْ عَدَدْنَا لَكُمْ عَدَّا ، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : قَدْ رَأَيْتُ الْأَعَاجِمَ يُدَوِّنُونَ دِيوَانًا لَهُمْ فَدَوِّنْ أَنْتَ لَنَا دِيوَانًا .\rوَقَالَ آخَرُونَ بَلْ سَبَبُهُ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بَعْثًا ، وَكَانَ عِنْدَهُ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ لِعُمَرَ هَذَا بَعْثٌ قَدْ أَعْطَيْتَ أَهْلَهُ الْأَمْوَالَ ، فَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَآجَلَ بِمَكَانِهِ فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ صَاحِبُكَ بِهِ فَأَثْبِتْ لَهُمْ دِيوَانًا فَسَأَلَهُ عَنْ الدِّيوَانِ","part":1,"page":395},{"id":395,"text":"حَتَّى فَسَّرَهُ لَهُمْ .\rوَرَوَى عَابِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الْحَارِثِ بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدِّيوَانِ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إلَيْكَ مِنْ الْمَالِ وَلَا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَرَى مَالًا كَثِيرًا يَتْبَعُ النَّاسَ ، فَإِنْ لَمْ يُحْصُوا حَتَّى يُعْرَفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ كُنْتُ بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا وَجَنَّدُوا جُنُودًا فَدَوِّنْ دِيوَانًا وَجَنِّدْ جُنُودًا فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ وَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ وَكَانُوا مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ وَقَالَ : اُكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ فَكَتَبُوهُمْ ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ وَكَتَبُوا الْقَبَائِلَ وَوَضَعُوهَا عَلَى الْخِلَافَةِ ثُمَّ رَفَعُوهُ إلَى عُمَرَ ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ قَالَ : لَا ، مَا وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ هَكَذَا ، وَلَكِنْ ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ فَشَكَرَهُ الْعَبَّاسُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ وَصَلَتْكَ رَحِمٌ وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ بَنِي عَدِيٍّ جَاءُوا إلَى عُمَرَ فَقَالُوا إنَّك خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَخَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ؛ فَلَوْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ حَيْثُ جَعَلَكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَجَعَلَكَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَتَبُوا فَقَالَ بَخٍ بَخٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ أَرَدْتُمْ الْأَكْلَ عَلَى ظَهْرِي ، وَأَنْ أَهَبَ حَسَنَاتِي لَكُمْ لَا ، وَلَكِنَّكُمْ حَتَّى تَأْتِيَكُمْ الدَّعْوَةُ وَأَنْ يَنْطَبِقَ عَلَيْكُمْ الدَّفْتَرُ يَعْنِي وَلَوْ تُكْتَبُوا آخِرَ النَّاسِ ، إنَّ لِي صَاحِبِينَ سَلَكَا طَرِيقًا فَإِنْ خَالَفْتُهُمَا","part":1,"page":396},{"id":396,"text":"خُولِفَ بِي ، وَلَكِنَّهُ - وَاَللَّهِ - مَا أَدْرَكْنَا الْفَضْلَ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا نَرْجُو الثَّوَابَ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى عَمَلِنَا إلَّا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ شَرَفُنَا ، وَقَوْمُهُ أَشْرَفُ الْعَرَبِ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ، وَاَللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْ الْأَعَاجِمُ بِعَمَلٍ وَجِئْنَا بِغَيْرِ عَمَلٍ لَهُمْ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ مَنْ قَصُرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَرْعَ بِهِ نَسَبُهُ .\rوَرَوَى عَامِرٌ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أَرَادَ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ : بِمَنْ أَبْدَأُ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَذْكُرُ أَنِّي حَضَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَهُوَ يَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنْي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَدَأَ بِهِمْ عُمَرُ ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ حَتَّى اسْتَوْفَى جَمِيعَ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ عُمَرُ ابْدَءُوا بِرَهْطِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ الْأَوْسِ ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ لِسَعْدٍ .\rوَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشْرَةٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ تَرْتِيبُ النَّاسِ فِي الدَّوَاوِينِ عَلَى قَدْرِ النَّسَبِ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ عَلَى قَدْرِ السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ ، وَلَا يَرَى التَّفْضِيلَ بِالسَّابِقَةِ ، كَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ، وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّفْضِيلَ بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكَذَلِكَ رَأْيُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَهُ ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِ .\rوَقَدْ نَظَرَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ حِينَ سَوَّى بَيْنَ","part":1,"page":397},{"id":397,"text":"النَّاسِ فَقَالَ : أَتُسَوِّي بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ ، وَبَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ خَوْفَ السَّيْفِ ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ ، وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ بَلَاغٍ لِلرَّاكِبِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ ؛ فَلَمَّا وُضِعَ الدِّيوَانُ فَضَّلَ السَّابِقَةَ فَفَرَضَ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ : مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَفَرَضَ لِنَفْسِهِ مَعَهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَلْحَقَ بِهِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِمَكَانِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقِيلَ : بَلْ فَضَّلَ الْعَبَّاسَ وَفَرَضَ لَهُ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ .\rوَفَرَضَ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ أَحَدًا إلَّا أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَّا عَائِشَةَ ، فَإِنَّهُ فَرَضَ لَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَأَلْحَقَ بِهِنَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَصَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ وَقِيلَ : بَلْ فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَفَرَضَ لِكُلِّ مَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِكُلِّ رَجُلٍ وَفَرَضَ لِغِلْمَانٍ أَحْدَاثٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَفَرَائِضِ مُسْلِمِي الْفَتْحِ ، وَفَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ","part":1,"page":398},{"id":398,"text":"لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ : لِمَ تُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَيْنَا وَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا وَشَهِدُوا بَدْرًا ؟ فَقَالَ عُمَرُ أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِيَأْتِ الَّذِي يَسْتَعْتِبُ بِأُمِّ سَلَمَةَ أَعْتِبُهُ وَفَرَضَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَضْت لِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَفَرَضْت لِأُسَامَةَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَدْ شَهِدْت مَا لَمْ يَشْهَدْ أُسَامَةُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ زِدْته لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكَ وَكَانَ أَبُوهُ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَبِيكَ ، ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ الْقُرْآنَ وَجِهَادِهِمْ ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَقَيْسٍ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَلْفَيْنِ إلَى أَلْفٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَمْ يُنْقِصْ أَحَدًا مِنْهَا وَقَالَ : لَئِنْ كَثُرَ الْمَالُ لَأَفْرِضُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَلْفًا لِفَرَسِهِ وَأَلْفًا لِسِلَاحِهِ وَأَلْفًا لِسَفَرِهِ وَأَلْفًا يُخْلِفُهَا فِي أَهْلِهِ ؛ وَفَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِذَا تَرَعْرَعَ بَلَغَ بِهِ مِائَتِي دِرْهَمٍ ، فَإِذَا بَلَغَ زَادَهُ ، وَكَانَ لَا يَفْرِضُ لِمَوْلُودٍ شَيْئًا حَتَّى يُفْطَمَ إلَى أَنْ سَمِعَ امْرَأَةً ذَاتَ لَيْلَةٍ ، وَهِيَ تُكْرِهُ وَلَدَهَا عَلَى الْفِطَامِ ، وَهُوَ يَبْكِي فَسَأَلَهَا عَنْهُ ؟ فَقَالَتْ : إنَّ عُمَرَ لَا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتَّى يُفْطَمَ فَأَنَا أُكْرِهُهُ عَلَى الْفِطَامِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهُ فَقَالَ : يَا وَيْلَ عُمَرِكُمْ احْتَقَبَ مِنْ وِزْرٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ أَمَرَ عُمُرُ مُنَادِيَهُ فَنَادَى : أَلَّا تُعَجِّلُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْفِطَامِ فَإِنَّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَام ، ثُمَّ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي وَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ الْقُوتَ ، فَأَمَرَ بِجَرِيبٍ مِنْ الطَّعَامِ فَطُحِنَ ثُمَّ خُبِزَ ثُمَّ ثُرِدَ ثُمَّ دَعَا ثَلَاثِينَ فَأَكَلُوا مِنْهُ غَدَاهُمْ حَتَّى أَصَدَرَهُمْ ،","part":1,"page":399},{"id":399,"text":"ثُمَّ فَعَلَ فِي الْعَشَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ : يَكْفِي الرَّجُلَ جَرِيبَانِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَكَانَ يَرْزُقُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالْمَمْلُوكَةَ جَرِيبَيْنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَكَانَ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ لَهُ : قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ جَرِيبَكَ .\rوَكَانَ الدِّيوَانُ مَوْضُوعًا عَلَى دَعْوَةِ الْعَرَبِ فِي تَرْتِيبِ النَّاسِ فِيهِ مُعْتَبَرًا بِالنَّسَبِ ، وَتَفْضِيلُ الْعَطَاءِ مُعْتَبَرًا بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَحُسْنِ الْأَثَرِ فِي الدِّينِ ، ثُمَّ رُوعِيَ فِي التَّفْضِيلِ عِنْدَ انْقِرَاض أَهْلِ السَّوَابِقِ بِالتَّقَدُّمِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْبَلَاءِ فِي الْجُهْدِ ؛ فَهَذَا حُكْمُ دِيوَانِ الْجَيْشِ فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِهِ عَلَى الدَّعْوَةِ الْقَرِيبَةِ وَالتَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ .\rوَأَمَّا دِيوَانُ الِاسْتِيفَاءِ وَجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ فَجَرَى هَذَا الْأَمْرُ فِيهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ، فَكَانَ دِيوَانُ الشَّامِ بِالرُّومِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ مَمَالِيكِ الرُّومِ وَكَانَ دِيوَانُ الْعِرَاقِ بِالْفَارِسِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ مَمَالِيكِ الْفُرْسِ ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمَا جَارِيًا عَلَى ذَلِكَ إلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَنَقَلَ دِيوَانَ الشَّامِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ .\rوَكَانَ سَبَبُ نَقْلِهِ إلَيْهِ مَا حَكَاهُ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ بَعْضَ كُتَّابِ الرُّومِ فِي دِيوَانِهِ أَرَادَ مَاءً لِدَوَاتِهِ فَبَالَ فِيهَا بَدَلًا مِنْ الْمَاءِ فَأَدَّبَهُ ، وَأَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ سَعْدٍ أَنْ يَنْقُلَ الدِّيوَانَ إلَى الْعَرَبِيَّةِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِخَرَاجِ الْأُرْدُنِّ سَنَةً فَفَعَلَ وَوَلَّاهُ الْأُرْدُنَّ وَكَانَ خَرَاجُهُ مِائَةً وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَلَمْ تَنْقَضِ السَّنَةُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الدِّيوَانِ فَنَقَلَهُ .\rوَأَتَى بِهِ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَدَعَا سَرْجُونٌ كَاتِبَهُ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ فَغَمَّهُ وَخَرَجَ كَئِيبًا ؛ فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنْ كُتَّابِ الرُّومِ فَقَالَ لَهُمْ : اُطْلُبُوا الْمَعِيشَةَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ","part":1,"page":400},{"id":400,"text":"الصِّنَاعَةِ وَقَدْ قَطَعَهَا اللَّهُ عَنْكُمْ .\rوَأَمَّا دِيوَانُ الْفَارِسِيَّةِ بِالْعِرَاقِ فَكَانَ سَبَبُ نَقْلِهِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ كَاتِبَ الْحَجَّاجِ كَانَ يُسَمَّى زَاذَانُ فَرُّوخَ كَانَ مَعَهُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ فَوَصَّلَهُ زاذان فَرُّوخَ بِالْحَجَّاجِ فَخَفَّ عَلَى قَلْبِهِ فَقَالَ صَالِحٌ لَزَادَانِ فَرُّوخَ إنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ قَرَّبَنِي وَلَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ يُقَدِّمَنِي عَلَيْكَ ، فَقَالَ : لَا تَظُنَّ ذَلِكَ فَهُوَ إلَيَّ أَحْوَجُ مِنِّي إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَكْفِيهِ حِسَابَهُ غَيْرِي ، فَقَالَ صَالِحٌ - وَاَللَّهِ - لَوْ شِئْتَ أَنْ أُحَوِّلَ الْحِسَابَ إلَى الْعَرَبِيَّةِ لَفَعَلْتُ ، قَالَ فَحَوَّلَ مِنْهُ وَرَقَةً أَوْ سَطْرًا حَتَّى أَرَى فَفَعَلَ ثُمَّ قُتِلَ زاذان فَرُّوخَ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ ، فَاسْتَخْلَفَ الْحَجَّاجُ صَالِحًا مَكَانَهُ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَاذَانَ فَرُّوخَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ وَأَجَّلَهُ فِيهِ أَجَلًا حَتَّى نَقَلَهُ إلَى الْعَرَبِيَّةِ ، فَلَمَّا عَرَفَ مَرْدَانْ شَاهْ بْنُ زَاذَانَ فَرُّوخَ ذَلِكَ بَذَلَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِيُظْهِرَ لِلْحَجَّاجِ الْعَجْزَ عَنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَقَالَ لَهُ قَطَعَ اللَّهُ أَوْصَالَكَ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا قَطَعْتَ أَصْلَ الْفَارِسِيَّةِ ، فَكَانَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَحْيَى كَاتِبُ مَرْوَانَ يَقُولُ لِلَّهِ دَرُّ صَالِحٍ مَا أَعْظَمَ مِنَّتَهُ عَلَى الْكِتَابِ .","part":1,"page":401},{"id":401,"text":"( فَصْلٌ ) وَاَلَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ دِيوَانُ السَّلْطَنَةِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْجَيْشِ مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ : وَالثَّانِي : مَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْمَالِ مِنْ رُسُومٍ وَحُقُوقٍ .\rوَالثَّالِثُ : مَا يَخْتَصُّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ .\rوَالرَّابِعُ : مَا يَخْتَصُّ بِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ دَخْلٍ وَخَرَاجٍ ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَقْتَضِيهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلُهَا مَا رُبَّمَا كَانَ لِكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ فِي إفْرَادِهَا عَادَةً هُمْ بِهَا أَخَصُّ .\rفَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : فِيمَا يَخْتَصُّ الْجَيْشَ مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ فَإِثْبَاتُهُمْ فِي الدِّيوَانِ مُعْتَبَرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا : الْوَصْفُ الَّذِي يُجَوِّزُ إثْبَاتَهُمْ .\rوَالثَّانِي : السَّبَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ تَرْتِيبُهُمْ .\rوَالثَّالِثُ : الْحَالُ الَّتِي يُقَدَّرُ بِهِ عَطَاؤُهُمْ .\rفَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِ إثْبَاتِهِمْ فِي الدِّيوَانِ فَيُرَاعَى فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ : أَحَدُهَا : الْبُلُوغُ فَإِنَّ الصَّبِيَّ مِنْ جُمْلَةِ الذَّرَارِيِّ وَالْأَتْبَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُثْبَتَ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ فَكَانَ جَارِيًا فِي عَطَاءِ الذَّرَارِيِّ .\rوَالثَّانِي : الْحُرِّيَّةُ ، لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ تَابِعٌ لِسَيِّدِهِ فَكَانَ دَاخِلًا فِي عَطَائِهِ ؛ وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ اعْتِبَارَ الْحُرِّيَّةِ ، وَجَوَّزَ إفْرَادَ الْعَبْدِ بِالْعَطَاءِ فِي دِيوَانِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ وَخَالَفَهُ فِيهِ عُمَرُ وَاعْتَبَرَ الْحُرِّيَّةَ فِي الْعَطَاءِ ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ .\rوَالثَّالِثُ : الْإِسْلَامُ لِيَدْفَعَ عَنْ الْمِلَّةِ بِاعْتِقَادِهِ وَيُوَثِّقَ بِنُصْحِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، فَإِنْ أَثْبَتَ فِيهِمْ ذِمِّيًّا لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ سَقَطَ .\rوَالرَّابِعُ : السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْقِتَالِ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمِنًا وَلَا أَعْمَى وَلَا أَقْطَعَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ ، فَأَمَّا الْأَعْرَجُ ، فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أُثْبِتَ ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا لَمْ يُثْبَتْ .\rوَالْخَامِسُ :","part":1,"page":402},{"id":402,"text":"أَنْ يَكُونَ فِيهِ إقْدَامٌ عَلَى الْحُرُوبِ وَمَعْرِفَةٌ بِالْقِتَالِ ، فَإِنْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ عَنْ الْإِقْدَامِ أَوْ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ ، فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْخَمْسُ كَانَ إثْبَاتُهُ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ مَوْقُوفًا عَلَى الطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ فَيَكُونُ مِنْهُ الطَّلَبُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ ، وَيَكُونُ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ الْإِجَابَةُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الِاسْمِ نَبِيهَ الْقَدْرِ لَمْ يَحْسُنْ إذَا أُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ أَنْ يُحَلَّى فِيهِ أَوْ يُنْعَتَ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَغْمُورِينَ فِي النَّاسِ حُلِّيَ وَنُعِتَ ، فَذُكِرَ سِنُّهُ وَقَدُّهُ وَلَوْنُهُ وَحُلِّيَ وَجْهُهُ وَوُصِفَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِئَلَّا تَتَّفِقُ الْأَسْمَاءُ وَيَدَّعِي وَقْتَ الْعَطَاءِ ، وَضُمَّ إلَى نَقِيبٍ عَلَيْهِ أَوْ عَرِيفٍ لَهُ لِيَكُونَ مَأْخُوذًا بِدَرَكِهِ .","part":1,"page":403},{"id":403,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا تَرْتِيبُهُمْ فِي الدِّيوَانِ إذَا أُثْبِتُوا فِيهِ فَمُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْأُخَرُ خَاصٌّ .\rفَأَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ تَرْتِيبُ الْقَبَائِلِ وَالْأَجْنَاسِ حَتَّى تَتَمَيَّزَ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَنْ غَيْرِهَا ، وَكُلُّ جِنْسٍ عَمَّنْ خَالَفَهُ ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ وَلَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمُتَّفِقِينَ ؛ لِتَكُونَ دَعْوَةُ الدِّيوَانِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ مَعْرُوفٍ بِالنَّسَبِ يَزُولُ بِهِ التَّنَازُعُ وَالتَّجَاذُبُ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا ، فَإِنْ كَانُوا عَرَبًا تَجْمَعُهُمْ أَنْسَابٌ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ أَنْسَابٌ تَرْتِيبُ قَبَائِلِهِمْ بِالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ دَوَّنَهُمْ .\rفَيُبْدَأُ بِالتَّرْتِيبِ فِي أَصْلِ النَّسَبِ ثُمَّ بِمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَالْعَرَبُ عَدْنَانُ وَقَحْطَانُ ، فَتُقَدَّمُ عَدْنَانُ عَلَى قَحْطَانَ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ ، وَعَدْنَانُ يَجْمَعُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، فَتُقَدَّمُ مُضَرُ عَلَى رَبِيعَةَ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ ، وَمُضَرُ يَجْمَعُ قُرَيْشًا وَغَيْرَ قُرَيْشٍ فَتُقَدَّمُ قُرَيْشٌ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ ، وَقُرَيْشٌ يَجْمَعُ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرَهُمْ ، فَتُقَدَّمُ بَنُو هَاشِمٍ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ فَيَكُونُ بَنُو هَاشِمٍ قُطْبَ التَّرْتِيبِ ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَقْرَبِ الْأَنْسَابِ إلَيْهِمْ يَسْتَوْعِبُ قُرَيْشًا ، ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ فِي النَّسَبِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ مُضَرَ ، ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ فِي النَّسَبِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ عَدْنَانَ .\rوَقَدْ رُتِّبَ أَنْسَابُ الْعَرَبِ سِتَّةَ مَرَاتِبَ ، فَجُعِلَتْ طَبَقَاتُ أَنْسَابِهِمْ هِيَ : شِعْبٌ ، ثُمَّ قَبِيلَةٌ ، ثُمَّ عِمَارَةٌ ، ثُمَّ بَطْنٌ ، ثُمَّ فَخِذٌ ، ثُمَّ فَصِيلَةٌ .\rفَالشِّعْبُ النَّسَبُ الْأَبْعَدُ مِثْلُ عَدْنَانَ وَقَحْطَانَ ، سُمِّيَ شِعْبًا ؛ لِأَنَّ الْقَبَائِلَ مِنْهُ تَشَعَّبَتْ ، ثُمَّ الْقَبِيلَةُ ، وَهِيَ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الشِّعْبِ مِثْلُ رَبِيعَةَ","part":1,"page":404},{"id":404,"text":"وَمُضَرَ ، سُمِّيَتْ قَبِيلَةً لِتَقَابُلِ الْأَنْسَابِ فِيهَا .\rثُمَّ الْعِمَارَةُ ، وَهِيَ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْقَبَائِلِ مِثْلُ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ .\rثُمَّ الْبَطْنُ ، وَهُوَ مَا انْقَصَمَتْ فِيهِ أَنْسَابُ الْعِمَارَةِ مِثْلُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنْي مَخْزُومٍ .\rثُمَّ الْفَخِذُ وَهُوَ مَا انْقَسَمَتْ فِيهِ أَنْسَابُ الْبَطْنِ مِثْلُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ .\rثُمَّ الْفَصِيلَةُ وَهِيَ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْفَخِذِ مِثْلُ بَنِي أَبِي طَالِبٍ وَبَنِي الْعَبَّاسِ ، فَالْفَخِذُ يَجْمَعُ الْفَصَائِلَ ، وَالْبَطْنُ يَجْمَعُ الْأَفْخَاذَ ، وَالْعِمَارَةُ تَجْمَعُ الْبُطُونَ ، وَالْقَبِيلَةُ تَجْمَعُ الْعَمَائِرَ ، وَالشِّعْبُ يَجْمَعُ الْقَبَائِلَ ، وَإِذَا تَبَاعَدَتْ الْأَنْسَابُ صَارَتْ الْقَبَائِلُ شُعُوبًا وَالْعَمَائِرُ قَبَائِلَ .\rوَإِنْ كَانُوا عَجَمًا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ فَاَلَّذِي يَجْمَعُهُمْ عِنْدَ فَقْدِ النَّسَبِ أَمْرَانِ : إمَّا أَجْنَاسٌ وَإِمَّا بِلَادٌ ، فَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْأَجْنَاسِ كَالتُّرْكِ وَالْهِنْدِ ثُمَّ يُمَيَّزُ التُّرْكُ أَجْنَاسًا وَالْهِنْدُ أَجْنَاسًا وَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْبِلَادِ كَالدَّيْلَمِ وَالْجَبَلِ : ثُمَّ يَتَمَيَّزُ الدَّيْلَمُ بُلْدَانًا وَالْجَبَلُ بُلْدَانًا .\rوَإِذَا تَمَيَّزُوا بِالْأَجْنَاسِ أَوْ الْبُلْدَانِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا فِي الدِّيوَانِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَابِقَةٌ تَرَتَّبُوا بِالْقُرْبِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَبِالسَّبْقِ إلَى طَاعَتِهِ .\rوَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْخَاصُّ فَهُوَ تَرْتِيبُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ يُرَتَّبُ بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ تَكَافَئُوا فِي السَّابِقَةِ تَرَتَّبُوا بِالدَّيْنِ ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهِ تَرَتَّبُوا بِالسِّنِّ ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهَا تَرَتَّبُوا بِالشَّجَاعَةِ ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهَا فَوَلِيُّ الْأَمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ أَوْ يُرَتِّبَهُمْ عَنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ .","part":1,"page":405},{"id":405,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ فَمُعْتَبَرٌ بِالْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الْتِمَاسِ مَادَّةٍ تَقْطَعُهُ عَنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ .\rوَالْكِفَايَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا عَدَدُ مَنْ يَعُولُهُ مِنْ الذَّرَارِيِّ وَالْمَمَالِيكِ .\rوَالثَّانِي : عَدَدُ مَا يَرْتَبِطُهُ مِنْ الْخَيْلِ وَالظَّهْرِ .\rوَالثَّالِثُ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّهُ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ ، فَيُقَدِّرُ كِفَايَتَهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ لِعَامِهِ كُلِّهِ فَيَكُونُ هَذَا الْمُقَدَّرُ فِي عَطَائِهِ ثُمَّ تُعْرَضُ حَالُهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَإِنْ زَادَتْ رَوَاتِبُهُ الْمَاسَّةُ زِيدَ ، وَإِنْ نَقَصَتْ نُقِصَ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ إذَا تَقَدَّرَ رِزْقُهُ بِالْكِفَايَةِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ؟ فَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى كِفَايَتِهِ ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَالُ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَ الْمَالِ لَا تُوضَعَ إلَّا فِي الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ زِيَادَتَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا اتَّسَعَ الْمَالُ لَهَا : وَيَكُونُ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْلُومًا يَتَوَقَّعُهُ الْجَيْشُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ : وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْوَقْتِ الَّذِي تُسْتَوْفَى فِيهِ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ : وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتَيْنِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي كُلِّ شَهْرٍ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ الْمَالُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِهِ ، فَلَا يُحْبَسُ عَنْهُمْ إذَا اجْتَمَعَ وَلَا يُطَالِبُونَ بِهِ إذَا تَأَخَّرَ ، وَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُمْ الْعَطَاءُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَكَانَ حَاصِلًا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَحَقَّةِ ، وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ لِعَوَارِضَ أَبْطَلَتْ حُقُوقَهُ أَوْ أَخَّرَتْهَا كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِهِ كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ مَنْ أَعْسَرَ","part":1,"page":406},{"id":406,"text":"بِدَيْنِهِ .","part":1,"page":407},{"id":407,"text":"وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَيْشِ لِسَبَبٍ أَوْجَبَهُ أَوْ لِعُذْرٍ اقْتَضَاهُ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُمْ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِّ عَنْهُمْ .","part":1,"page":408},{"id":408,"text":"وَإِذَا أَرَادَ بَعْضُ الْجَيْشِ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ الدِّيوَانِ جَازَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا ، وَإِذَا جُرِّدَ الْجَيْشُ لِقِتَالٍ فَامْتَنَعُوا ، وَهُمْ أَكْفَاءُ مَنْ حَارَبَهُمْ سَقَطَتْ أَرْزَاقُهُمْ ، وَإِنْ ضَعُفُوا عَنْهُمْ لَمْ تَسْقُطْ ، وَإِذَا نَفَقَتْ دَابَّةُ أَحَدِهِمْ فِي حَرْبٍ عُوِّضَ عَنْهَا ، وَإِنْ نَفَقَتْ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَمْ يُعَوَّضْ ، وَإِذَا اُسْتُهْلِكَ سِلَاحُهُ فِيهَا عُوِّضَ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ ، وَلَمْ يُعَوَّضْ إنْ دَخَلَ فِيهِ .\rوَإِذَا جُرِّدَ لِسَفَرٍ أُعْطِيَ نَفَقَةَ سَفَرِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ وَلَمْ يُعْطَ إنْ دَخَلَتْ فِيهِ .","part":1,"page":409},{"id":409,"text":"وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ أَوْ قُتِلَ كَانَ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ عَطَائِهِ مَوْرُوثًا عَنْهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ دَيْنٌ لِوَرَثَتِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِبْقَاء نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ عَطَائِهِ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُمْ مِنْ دِيوَانِ الْجَيْشِ لِذَهَابِ مُسْتَحَقِّهِ وَيُحَالُونَ عَلَى مَالِ الْعُشْرِ وَالصَّدَقَةِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَسْتَبْقِي مِنْ عَطَائِهِ نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْمَقَامِ وَبَعْثًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَامِ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي سُقُوطِ عَطَائِهِ إذَا حَدَثَتْ بِهِ زَمَانَةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ قَدْ عُدِمَ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعَطَاءِ تَرْغِيبًا فِي التَّجَنُّدِ وَالِارْتِزَاقِ .","part":1,"page":410},{"id":410,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي بِالْأَعْمَالِ مِنْ رُسُومٍ وَحُقُوقٍ فَيَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ : أَحَدُهَا تَحْدِيدُ الْعَمَلِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَتَفْصِيلُ نَوَاحِيهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا ، فَيَجْعَلُ لِكُلِّ بَلَدٍ حَدًّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَيَفْصِلُ نَوَاحِيَ كُلِّ بَلَدٍ إذَا اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ نَوَاحِيهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الضِّيَاعِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ فُصِلَتْ ضِيَاعُهُ كَتَفْصِيلِ نَوَاحِيهِ ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ اُقْتُصِرَ عَلَى تَفْصِيلِ النَّوَاحِي دُونَ الضِّيَاعِ .","part":1,"page":411},{"id":411,"text":"وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ حَالَ الْبَلَدِ هَلْ فُتِحَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِهِ مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ ، وَهَلْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهُ وَنَوَاحِيهِ أَوْ تَسَاوَتْ ؟ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ لَمْ يَلْزَمْ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الزَّرْعِ دُونَ الْمِسَاحَةِ ، وَيَكُونَ مَا اُسْتُؤْنِفَ زَرْعُهُ مَرْفُوعًا إلَى دِيوَانِ الْعُشْرِ لَا مُسْتَخْرَجًا مِنْهُ ، وَيَلْزَمُ تَسْمِيَةُ أَرْبَابِهِ عِنْدَ رَفْعِهِ إلَى الدِّيوَانِ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعُشْرِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَابِهِ دُونَ رِقَابِ الْأَرْضِينَ .\rوَإِذَا رُفِعَ الزَّرْعُ بِأَسْمَاءِ أَرْبَابِهِ ذُكِرَ مَبْلَغُ كَيْلِهِ ، وَحَالُ سَقْيِهِ بِسَيْحٍ أَوْ عَمَلٍ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ لِيَسْتَوْفِيَ عَلَى مُوجِبهِ ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ لَزِمَ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمِسَاحَةِ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْأُجْرَةِ لَمْ يَلْزَمْ تَسْمِيَةُ أَرْبَابِ الْأَرْضِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِإِسْلَامٍ وَلَا كُفْرٍ ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ لَزِمَ تَسْمِيَةُ أَرْبَابِهِ وَوَصْفُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ ؛ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ بِاخْتِلَافِ أَهْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا فُصِلَ فِي دِيوَانِ الْعُشْرِ مَا كَانَ مِنْهُ عُشْرًا وَفِي دِيوَانِ الْخَرَاجِ مَا كَانَ مِنْهُ خَرَاجًا لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِيهَا وَأُجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ .","part":1,"page":412},{"id":412,"text":"وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ أَحْكَامُ خَرَاجِهِ ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَى مَسَائِحِهِ هَلْ هُوَ مُقَاسَمَةٌ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ هُوَ رِزْقٌ مُقَدَّرٌ عَلَى خَرَاجِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً لَزِمَ إذَا أُخْرِجَتْ مَسَائِحُ الْأَرْضِينَ مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا مَبْلَغُ الْمُقَاسَمَةِ مِنْ رُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ وَيُرْفَعُ إلَى الدِّيوَانِ مَقَادِيرُ الْكُيُولِ لِتُسْتَوْفَى الْمُقَاسَمَةُ عَلَى مُوجَبِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ وَرِقًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيًا مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أَوْ مُخْتَلِفًا ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخْرِجَتْ الْمَسَائِحُ مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ لِيَسْتَوْفِيَ خَرَاجَهَا وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ إلَّا مَا قُبِضَ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ لَزِمَ إخْرَاجُ الْمَسَائِحِ مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ ، وَأَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ أَجْنَاسُ الزُّرُوعِ لِيَسْتَوْفِيَ خَرَاجَ الْمِسَاحَةِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ .","part":1,"page":413},{"id":413,"text":"وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ ذِكْرُ مَنْ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ سُمُّوا فِي الدِّيوَانِ مَعَ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ لِيُخْتَبَرَ حَالُ يَسَارِهِمْ وَإِعْسَارِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ عَدَدِهِمْ وَوَجَبَ مُرَاعَاتُهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ لِيُثْبَتَ مَنْ بَلَغَ وَيُسْقَطَ مَنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ لِيَنْحَصِرَ بِذَلِكَ مَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جِزْيَتِهِمْ .","part":1,"page":414},{"id":414,"text":"وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ إنْ كَانَ مِنْ بُلْدَانِ الْمَعَادِنِ أَنْ يَذْكُرَ أَجْنَاسَ مَعَادِنِهِ وَعَدَدَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّ الْمَعْدِنِ مِنْهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِمِسَاحَةٍ وَلَا يَنْحَصِرُ بِتَقْدِيرٍ لِاخْتِلَافِهِ ، وَإِنَّمَا يَنْضَبِطُ بِحَسَبِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا أَعْطَى وَأَنَالَ وَلَا يَلْزَمُ فِي أَحْكَامِ الْمَعَادِنِ أَنْ يُوصَفَ فِي الدِّيوَانِ أَحْكَامُ فُتُوحِهَا هَلْ هِيَ مِنْ أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ ؛ لِأَنَّ الدِّيوَانَ فِيهَا مَوْضُوعٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقَّ مِنْ نِيلِهَا ، وَحَقُّهَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فُتُوحِهَا وَأَحْكَامِ أَرْضِهَا ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْعَامِلِينَ فِيهَا وَالْآخِذِينَ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَجْنَاسِ مَا يُؤْخَذُ حَتَّى الْمَعَادِنِ مِنْهُ ، وَفِي قَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ لِلْأَئِمَّةِ فِيهَا حُكْمٌ اجْتَهَدَ وَالِي الْوَقْتِ بِرَأْيِهِ فِي الْجِنْسِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ ، وَفِي الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَعَمِلَ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ قَدْ اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِي الْجِنْسِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ وَفِي الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَحَكَمَ بِهِ فِيهَا حُكْمًا أَيَّدَهُ وَأَمْضَاهُ فَاسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فِي الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا حَقُّ الْمَعْدِنِ ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَعْدِنِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ الْمَوْجُودِ ، وَحُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ يُعْتَبَرُ بِالْمَعْدِنِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ الْمَوْجُودِ ، وَحُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ الْمَفْقُودِ .","part":1,"page":415},{"id":415,"text":"وَالْفَصْلُ السَّادِسُ إنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا يُتَاخِمُ دَارَ الْحَرْبِ ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ مَعْشُورَةً عَنْ صُلْحٍ اسْتَقَرَّ مَعَهُمْ وَأُثْبِتَ فِي دِيوَانِ عَقْدِ صُلْحِهِمْ وَقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ مِنْ عُشْرٍ أَوْ خُمْسٍ وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ فُصِلَتْ فِيهِ ، وَكَانَ الدِّيوَانُ مَوْضُوعًا ؛ لِإِخْرَاجِ رُسُومِهِ وَلِاسْتِيفَاءِ مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ مِنْ مَقَادِيرِ الْأَمْتِعَةِ الْمَحْمُولَةِ إلَيْهِ .\rوَأَمَّا أَعْشَارُ الْأَمْوَالِ الْمُنْتَقِلَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَمُحَرَّمَةٌ لَا يُبِيحُهَا شَرْعٌ ، وَلَا يُسَوِّغُهَا اجْتِهَادٌ وَلَا هِيَ مِنْ سِيَاسَاتِ الْعَدْلِ ، وَلَا مِنْ قَضَايَا النَّصَفَةِ وَقَلَّ مَا تَكُونُ إلَّا فِي الْبِلَادِ الْجَائِرَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : شَرُّ النَّاسِ الْعَشَّارُونَ الْحَشَّارُونَ } وَإِذَا غَيَّرَتْ الْوُلَاةُ أَحْكَامَ الْبِلَادِ وَمَقَادِيرَ الْحُقُوقِ فِيهَا اُعْتُبِرَ مَا فَعَلُوهُ ، فَإِنْ كَانَ مُسَوِّغًا فِي الِاجْتِهَادِ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهُ لِحُدُوثِ سَبَبٍ يُسَوِّغُ الشَّرْعُ الزِّيَادَةَ لِأَجْلِهِ أَوْ النُّقْصَانَ لِحُدُوثِهِ جَازَ وَصَارَ الثَّانِي هُوَ الْحَقَّ الْمُسْتَوْفَى دُونَ الْأَوَّلِ .\rوَإِذَا اُسْتُخْرِجَ حَالُ الْعَمَلِ مِنْ الدِّيوَانِ جَازَ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى إخْرَاجِ الْحَالِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى .\rوَالْأَحْوَطُ أَنْ يُخْرِجَ الْحَالَيْنِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَزُولَ السَّبَبُ الْحَادِثُ فَيَعُودَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ ؛ وَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ تَغْيِيرِ الْحُقُوقِ غَيْرَ مُسَوَّغٍ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا لَهُ وَجْهٌ فِي الِاجْتِهَادِ كَانَتْ الْحُقُوقُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ الثَّانِي مَرْدُودًا سَوَاءٌ غَيَّرُوهُ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ ، وَالنُّقْصَانَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَإِذَا اُسْتُخْرِجَ حَالُ الْعَمَلِ مِنْ","part":1,"page":416},{"id":416,"text":"الدِّيوَانِ وَجَبَ عَلَى رَافِعِهِ مِنْ كُتَّابِ الدَّوَاوِينِ إخْرَاجُ الْحَالَيْنِ إنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي لِإِخْرَاجِهَا مِنْ الْوُلَاةِ لَا يَعْلَمُ حَالَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ الْحَالِ الْأَوَّلِ إلَيْهِ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا قَدْ سَبَقَ ، وَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى إخْرَاجِ الْحَالِ الثَّانِيَةِ مَعَ وَصْفِهَا بِأَنَّهَا مُسْتَحْدَثَةٌ .","part":1,"page":417},{"id":417,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيمَا اخْتَصَّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ فَيَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ : أَحَدُهَا ذِكْرُ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ تَقْلِيدُ الْعُمَّالِ ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِنُفُوذِ الْأَمْرِ وَجَوَازِ النَّظَرِ ، فَكُلُّ مَنْ جَازَ نَظَرُهُ فِي عَمَلٍ نَفَذَتْ فِيهِ أَوَامِرُهُ وَصَحَّ مِنْهُ تَقْلِيدُ الْعُمَّالِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةٍ : إمَّا مِنْ السُّلْطَانِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ .\rوَإِمَّا مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ .\rوَإِمَّا مِنْ عَامِلِ عَامِّ الْوِلَايَةِ كَعَامِلِ إقْلِيمٍ أَوْ مِصْرٍ عَظِيمٍ يُقَلِّدُ فَفِي خُصُوصِ الْأَعْمَالِ عَامِلًا فَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ تَقْلِيدُ عَامِلٍ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَعَةِ وَالِاسْتِثْمَارِ .","part":1,"page":418},{"id":418,"text":"وَالْفَصْلُ الثَّانِي مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْعِمَالَةَ ، وَهُوَ مَنْ اسْتَقَلَّ بِكِفَايَتِهِ وَوُثِقَ بِأَمَانَتِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةَ تَفْوِيضٍ إلَى اجْتِهَادٍ رُوعِيَ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ ؛ وَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةَ تَنْفِيذٍ لَا اجْتِهَادَ لِلْعَامِلِ فِيهَا لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ","part":1,"page":419},{"id":419,"text":"وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ ذِكْرُ الْعَمَلِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ وَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : تَحْدِيدُ النَّاحِيَةِ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا .\rوَالثَّانِي : تَعْيِينُ الْعَمَلِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِهِ فِيهَا مِنْ جِبَايَةٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ : وَالثَّالِثُ : الْعِلْمُ بِرُسُومِ الْعَمَلِ وَحُقُوقِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَنْتَفِي عَنْهُ الْجَهَالَةُ ، فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فِي عَمَلٍ عَلِمَ بِهِ الْوَلِيُّ وَالْمَوْلَى صَحَّ التَّقْلِيدُ وَنَفَذَ","part":1,"page":420},{"id":420,"text":"وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ زَمَانُ النَّظَرِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةِ الشُّهُورِ أَوْ السِّنِينَ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهَا بِهَذِهِ الْمُدَّةِ مُجَوِّزًا لِلنَّظَرِ فِيهَا ، وَمَانِعًا مِنْ النَّظَرِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَلَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْمُدَّةِ الْمُقَيَّدَةِ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الْمُوَلِّي ، وَلَهُ صَرْفُهُ وَلَا اسْتِبْدَالَ بِهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا ، فَأَمَّا لُزُومُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ الْمُوَلَّى فَمُعْتَبَرٌ بِحَالٍ جَارِيَةٍ عَلَيْهَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْجَارِي مَعْلُومًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْأُجُورُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي الْمُدَّةِ إلَى انْقِضَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْعِمَالَةَ فِيهَا تَصِيرُ مِنْ الْإِجَارَاتِ الْمَحْضَةِ وَيُؤْخَذُ الْعَامِلُ فِيهَا بِالْعَمَلِ إلَى انْقِضَائِهَا إجْبَارًا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي تَخْيِيرِ الْمَوْلَى وَلُزُومِهَا لِلْمُوَلِّي أَنَّهَا فِي جَنْبَةِ الْمُوَلِّي مِنْ الْعُقُودِ الْعَامَّةِ لِنِيَابَتِهِ فِيهَا عَنْ الْكَافَّةِ فَرُوعِيَ الْأَصْلَحُ فِي التَّخْيِيرِ ، وَهِيَ فِي جَنْبَةِ الْمُوَلَّى مِنْ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ لِعِقْدِهِ لَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ اللُّزُومِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ جَارِيهِ بِمَا يَصِحُّ فِي الْأُجُورِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْمُدَّةُ ، وَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْعَمَلِ إذَا شَاءَ بَعْدَ أَنْ يُنْهِيَ إلَى مُولِيهِ حَالَ تَرْكِهِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ عَمَلُهُ مِنْ نَاظِرٍ فِيهِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يُقَدَّرَ بِالْعَمَلِ فَيَقُولَ الْمُوَلِّي فِيهِ : قَلَّدْتُكَ خَرَاجَ نَاحِيَةِ كَذَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ قَلَّدْتُكَ صَدَقَاتِ بَلَدِ كَذَا فِي هَذَا الْعَامِ فَتَكُون مُدَّةُ نَظَرِهِ مُقَدَّرَةً بِفَرَاغِهِ عَنْ عَمَلِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ انْعَزَلَ عَنْهُ ، وَهُوَ قَبْلَ فَرَاغِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَلِّي ، وَعَزْلُهُ لِنَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِصِحَّةٍ جَارِيَةٍ وَفَسَادِهِ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا فَلَا يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ وَلَا عَمَلٍ ، فَيَقُولُ فِيهِ : قَدْ قَلَّدَتْكَ خَرَاجَ","part":1,"page":421},{"id":421,"text":"الْكُوفَةِ أَوْ أَعْشَارَ الْبَصْرَةِ أَوْ حِمَايَةَ بَغْدَادَ ، فَهَذَا تَقْلِيدٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ جُهِلَتْ مُدَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِذْنُ لِجَوَازِ النَّظَرِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اللُّزُومَ الْمُعْتَبَرَ فِي عُقُودِ الْإِيجَارَاتِ .\rوَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ ، وَجَازَ النَّظَرُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِيمًا أَوْ مُنْقَطِعًا ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَدِيمًا كَالنَّظَرِ فِي الْجِبَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَحُقُوقِ الْمَعَادِنِ فَيَصِحُّ نَظَرُهُ فِيهَا عَامًا بَعْدَ عَامٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ .\rوَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ مَعْهُودَ الْعَوْدِ فِي كُلِّ عَامٍ كَالْوَالِي عَلَى قِسْمِ الْغَنِيمَةِ فَيَنْعَزِلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِي قِسْمَةِ غَيْرِهَا مِنْ الْغَنَائِمِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَائِدًا فِي كُلِّ عَامٍ كَالْخَرَاجِ الَّذِي إذَا اُسْتُخْرِجَ فِي عَامٍ عَادَ فِيمَا يَلِيهِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَكُونُ إطْلَاقُ تَقْلِيدِهِ مَقْصُورًا عَلَى نَظَرِ عَامِهِ أَوْ مَحْمُولًا عَلَى كُلِّ عَامٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَكُونُ مَقْصُورًا لِلنَّظَرِ عَلَى الْعَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَإِذَا اسْتَوْفَى خَرَاجَهُ أَوْ أَخَذَ أَعْشَارَهُ انْعَزَلَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعَامِ الثَّانِي إلَّا بِتَقْلِيدٍ مُسْتَجَدٍّ اقْتِصَارًا عَلَى الْيَقِينِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ فِي كُلِّ عَامٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ .","part":1,"page":422},{"id":422,"text":"وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي جَارِي الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ ، وَلَا يَخْلُو فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يُسَمِّيَ مَعْلُومًا .\rوَالثَّانِي : أَنْ يُسَمِّيَ مَجْهُولًا .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يُسَمِّيَ بِمَجْهُولٍ وَلَا بِمَعْلُومٍ ، فَإِنْ سَمَّى مَعْلُومًا اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى إذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا ، فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ ، فَإِنْ كَانَ لِتَرْكِ بَعْضِ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَارِيَ مَا قَابَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِخِيَانَةٍ مِنْهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ اسْتَكْمَلَ جَارِيَهُ وَارْتَجَعَ مَا خَانَ فِيهِ ، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَلِ رُوعِيَتْ الزِّيَادَةُ ، فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي حُكْمِ عَمَلِهِ كَانَ نَظَرُهُ فِيهَا مَرْدُودًا لَا يَنْفُذُ ، وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَهُ فِي حُكْمِ نَظَرِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهَا بِحَقٍّ أَوْ ظُلْمٍ ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا بِحَقٍّ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِهَا لَا يَسْتَحِقُّ لَهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُسَمَّى فِي جَارِيهِ ، وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى مَنْ ظَلَمَ بِهَا ، وَكَانَ عُدْوَانًا مِنْ الْعَامِلِ يُؤْخَذُ بِجَرِيرَتِهِ ، وَأَمَّا إنْ سَمَّى جَارِيَهُ مَجْهُولًا اسْتَحَقَّ جَارِيَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ ، فَإِنْ كَانَ جَارِي الْعَمَلِ مُقَدَّرًا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِلَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُمَّالِ صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِيَ الْمِثْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَأْلُوفًا فِي جَارِي الْمِثْلِ .\rوَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّ جَارِيَهُ بِمَعْلُومٍ ، وَلَا بِمَجْهُولٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لِجَارِي مِثْلِهِ عَلَى عَمَلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ قَالَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَنَّهُ لَا جَارِيَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِهِ حَتَّى يُسَمِّيَ جَارِيًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا لِخُلُوِّ عَمَلِهِ مِنْ عِوَضٍ .\rوَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَهُ جَارِي مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لِاسْتِيفَاءِ عَمَلِهِ عَنْ إذْنِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ","part":1,"page":423},{"id":423,"text":"الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِرْ بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَيْهِ فَلَا جَارِيَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ دُعِيَ إلَى الْعَمَلِ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ أُمِرَ بِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ ، فَإِنْ ابْتَدَأَ بِالطَّلَبِ فَأُذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فَلَا جَارِيَ لَهُ ، وَإِذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ مَالٌ يُجْتَنَى فَجَارِيهِ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ فَجَارِيهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُسْتَحَقٌّ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ .","part":1,"page":424},{"id":424,"text":"وَالْفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ .\rفَإِنْ كَانَ نُطْقًا يَلْفِظُ بِهِ الْمُوَلِّي صَحَّ بِهِ التَّقْلِيدُ كَمَا تَصِحُّ بِهِ سَائِرُ الْعُقُودِ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَوْقِيعِ الْمُوَلِّي بِتَقْلِيدِهِ خَطًّا لَا لَفْظًا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَانْعَقَدَتْ بِهِ الْوِلَايَاتُ السُّلْطَانِيَّةُ إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ شَوَاهِدُ الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْعُقُودُ الْخَاصَّةُ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِيهِ ، وَهَذَا إذَا كَانَ التَّقْلِيدُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى اسْتِبَانَةِ غَيْرِهِ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ إذَا كَانَ التَّقْلِيدُ عَامًّا مُتَعَدِّيًا ؛ فَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ ، وَكَانَ الْعَمَلُ قَبْلَهُ خَالِيًا مِنْ نَاظِرٍ تَفَرَّدَ هَذَا الْمُوَلِّي بِالنَّظَرِ وَاسْتَحَقَّ جَارِيَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَمَلِ نَاظِرٌ قَبْلَ تَقْلِيدِهِ نَظَرَ فِي الْعَمَلِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ كَانَ تَقْلِيدُهُ الثَّانِيَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ رُوعِيَ الْعُرْفُ الْجَارِي فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ كَانَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ ، وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ الثَّانِي عَزْلًا لِلْأَوَّلِ وَكَانَا عَامِلَيْنِ عَلَيْهِ وَنَاظِرَيْنِ فِيهِ ، فَإِنْ قُلِّدَ عَلَيْهِ مُشْرِفٌ كَانَ الْعَامِلُ مُبَاشِرًا لِلْعَمَلِ ، وَكَانَ الْمُشْرِفُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ يَمْنَعُ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ أَوْ تَفَرُّدٍ بِهِ","part":1,"page":425},{"id":425,"text":"وَحُكْمُ الْمُشْرِفِ يُخَالِفُ حُكْمَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُشْرِفِ ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ دُونَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ لِلْمُشْرِفِ مَنْعَ الْعَامِلِ مِمَّا أَفْسَدَ فِيهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبَرِيدِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمُشْرِفَ لَا يَلْزَمُهُ الِاخْتِيَارُ بِمَا فَعَلَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَ الْبَرِيدِ الْإِخْبَارُ بِمَا فَعَلَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْمُشْرِفِ اسْتِعْدَاءٌ وَخَبَرَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ إنْهَاءٌ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ الْإِنْهَاءِ وَخَبَرِ الِاسْتِعْدَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ ، وَخَبَرَ الِاسْتِعْدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْفَاسِدِ دُونَ الصَّحِيحِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ فِيمَا رَجَعَ عَنْهُ الْعَامِلُ وَفِيمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ ، وَخَبَرُ الِاسْتِعْدَاءِ مُخْتَصٌّ بِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ دُونَ مَا رَجَعَ عَنْهُ ، وَإِذَا أَنْكَرَ الْعَامِلُ اسْتِعْدَاءَ الْمُشْرِفِ أَوْ إنْهَاءَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْبُولًا عَلَيْهِ حَتَّى يُبَرْهِنَ عَنْهُ ، فَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِنْهَاءِ وَالِاسْتِعْدَاءِ صَارَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ إذَا كَانَا مَأْمُونَيْنِ .\rوَإِذَا طُولِبَ الْعَامِلُ بِرَفْعِ الْحِسَابِ فِيمَا تَوَلَّاهُ لَزِمَهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْخَرَاجِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْعُشْرِ ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفَ الْعُشْرِ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ بِرَفْعِ الْحِسَابِ فِي الْمَالَيْنِ ؛ لِاشْتِرَاكِ مَصْرِفِهِمَا عِنْدَهُ","part":1,"page":426},{"id":426,"text":"وَإِذَا ادَّعَى عَامِلُ الْعُشْرِ صَرْفَ الْعُشْرِ فِي مُسْتَحَقِّهِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَلَوْ ادَّعَى عَامِلُ الْخَرَاجِ دَفْعَ الْخَرَاجِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِتَصْدِيقٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ","part":1,"page":427},{"id":427,"text":"وَإِذَا أَرَادَ الْعَامِلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى عَمَلِهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مَنْ يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فِيهِ دُونَهُ ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِبْدَالِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهُ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ جَازَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مُعِينًا لَهُ فَيُرَاعَى مَخْرَجُ التَّقْلِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَتَضَمَّنَ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ فَيَجُوزَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَيَكُونَ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ نَائِبًا عَنْهُ يُعْزَلُ بِعَزْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْإِذْنِ ، فَإِنْ سَمَّى لَهُ مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ إذَا اسْتَخْلَفَهُ هَلْ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : يَنْعَزِلُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَنْعَزِلُ .\rوَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَتَضَمَّنَ التَّقْلِيدُ نَهْيًا عَنْ الِاسْتِخْلَافِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَانَ التَّقْلِيدُ فَاسِدًا ، فَإِنْ نَظَرَ مَعَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ صَحَّ فِي نَظَرِهِ مَا اخْتَصَّ بِالْإِذْنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ مَا اخْتَصَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ عَقْدٍ وَحَلٍّ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا لَا يَتَضَمَّنُ إذْنًا وَلَا نَهْيًا فَيُعْتَبَرُ حَالُ الْعَمَلِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّفَرُّدِ بِالنَّظَرِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّفَرُّدِ بِالنَّظَرِ فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ","part":1,"page":428},{"id":428,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِيمَا اخْتَصَّ بِبَيْتِ الْمَالُ مِنْ دَخْلٍ وَخَرْجٍ ، فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِذَا قُبِضَ صَارَ بِالْقَبْضِ مُضَافًا إلَى حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال سَوَاءٌ أُدْخِلَ إلَى حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِهَةِ لَا عَنْ الْمَكَانِ ، وَكُلُّ حَقٍّ وَجَبَ صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حَقٌّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِذَا صُرِفَ فِي جِهَتِهِ صَارَ مُضَافًا إلَى الْخَرَاجِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ ، لِأَنَّ مَا صَارَ إلَى عُمَّالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَحُكْمُ بَيْتِ الْمَالِ جَارٍ عَلَيْهِ فِي دَخْلِهِ إلَيْهِ وَخَرْجِهِ .\rوَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَمْوَالُ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْلِمُونَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : فَيْءٌ وَغَنِيمَةٌ وَصَدَقَةٌ .\rفَأَمَّا الْفَيْءُ فَمِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْي الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْغَانِمَيْنِ الَّذِينَ تَعَيَّنُوا بِحُضُورِ الْوَاقِعَةِ لَا يَخْتَلِفُ مَصْرِفُهَا بِرَأْيِ الْإِمَامِ ، وَلَا اجْتِهَادَ لَهُ فِي مَنْعِهِمْ مِنْهَا فَلَمْ تَصِرْ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَأَمَّا خُمُسُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ، وَهُوَ سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَصْرُوفِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِوُقُوفِ مَصْرِفِهِ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَقِسْمٌ مِنْهُ لَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِجَمَاعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ مَالِكُوهُ ، وَخَرَجَ عَنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ لِخُرُوجِهِ عَنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ .\rوَقِسْمٌ مِنْهُ يَكُونُ بَيْتُ الْمَالِ فِيهِ حِفَاظًا لَهُ عَلَى جِهَاتِهِ وَهُوَ سَهْمُ الْيَتَامَى","part":1,"page":429},{"id":429,"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إنْ وَجَدُوا دُفِعَ إلَيْهِمْ وَإِنْ فَقَدُوا أُحْرِزَ لَهُمْ .\rوَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَضَرْبَانِ : صَدَقَةُ مَالٍ بَاطِنٍ فَلَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهُ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ فِي أَهْلِهَا .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : صَدَقَةُ مَالٍ ظَاهِرٍ كَأَعْشَارِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَصَدَقَاتِ الْمَوَاشِي ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فِي أَهْلِ السَّهْمَيْنِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنُ الْجِهَاتِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى غَيْرِ جِهَاتِهِ ، لَكِنْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ يَكُونُ بَيْتُ الْمَالِ مَحِلًّا لِإِحْرَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ جِهَاتِهِ ؟ فَذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ إذَا تَعَذَّرَتْ الْجِهَاتُ يَكُونُ مَحِلًّا لِإِحْرَازِهِ فِيهِ إلَى أَنْ تُوجَدَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى وُجُوبَ دَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَرَجَعَ عَنْهُ فِي مُسْتَجِدِّ قَوْلِهِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِإِحْرَازِهِ اسْتِحْقَاقًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ وُجُوبَ دَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ فَذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ إحْرَازُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ جَازَ إحْرَازُهُ فِيهِ .\rوَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِيهِ حِرْزًا فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَوْجُودًا فِيهِ كَانَ صَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مُسْتَحَقًّا وَعَدَمُهُ مُسْقِطَ لِاسْتِحْقَاقِهِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بَيْتُ الْمَالِ لَهُ مُسْتَحِقًّا كَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ كَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَأَثْمَانِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَاسْتِحْقَاقُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْوُجُودِ ، وَهُوَ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ مَعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عُجِّلَ دَفْعُهُ كَالدُّيُونِ","part":1,"page":430},{"id":430,"text":"مَعَ الْيَسَارِ ؛ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَجَبَ فِيهِ عَلَى الْإِنْظَارِ كَالدُّيُونِ مَعَ الْإِعْسَارِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَرْفَاقِ دُونَ الْبَدَلِ فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَجَبَ فِيهِ وَسَقَطَ غَرَضُهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ إنْ عَمَّ ضَرَرُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَقُومَ بِهِ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ كَالْجِهَادِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعُمُّ ضَرَرُهُ كَوُعُورَةِ طَرِيقٍ قَرِيبٍ يَجِدُ النَّاسُ طَرِيقًا غَيْرَهُ بَعِيدًا أَوْ انْقِطَاعِ شُرْبٍ يَجِدُ النَّاسُ غَيْرَهُ شُرْبًا ، فَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْعَدَمِ سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ الْكِفَايَةِ لِوُجُودِ الْبَدَلِ ، فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَقَّانِ ضَاقَ عَنْهُمَا وَاتَّسَعَ لِأَحَدِهِمَا صُرِفَ فِيمَا يَصِيرُ مِنْهُمَا دَيْنًا فِيهِ ، فَلَوْ ضَاقَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا خَافَ الْفَسَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مَا يَصْرِفُهُ فِي الدُّيُونِ دُونَ الِارْتِفَاقِ وَكَانَ مَنْ حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ مَأْخُوذًا بِقَضَائِهِ إذَا اتَّسَعَ لَهُ بَيْتُ الْمَالِ .\rوَإِذَا فَضُلَتْ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ مَصْرِفِهَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَاضِلِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُدَّخَرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَادِثٍ .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُقْبَضُ عَلَى أَمْوَالِ مَنْ يَعُمُّ بِهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُدَّخَرُ ؛ لِأَنَّ النَّوَائِبَ تَعَيَّنَ فَرْضُهَا عَلَيْهِمْ إذَا حَدَثَتْ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَيْهَا قَوَاعِدُ الدِّيوَانِ .","part":1,"page":431},{"id":431,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا كَاتِبُ الدِّيوَانِ وَهُوَ صَاحِبُ ذِمَامِهِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ ، فَأَمَّا الْعَدَالَةُ : فَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ وَالرَّعِيَّةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ عَلَى صِفَاتِ الْمُؤْتَمَنِينَ .\rوَأَمَّا الْكِفَايَةُ : فَلِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِعَمَلٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيَامِ مُسْتَقْبِلًا بِكِفَايَةِ الْمُبَاشِرِينَ ، فَإِذَا صَحَّ تَقْلِيدُهُ فَاَلَّذِي نُدِبَ لَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ : حِفْظُ الْقَوَانِينِ ، وَاسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ ، وَإِثْبَاتُ الرَّفْعِ ، وَمُحَاسَبَاتُ الْعُمَّالِ ، وَإِخْرَاجُ الْأَحْوَالِ ، وَتَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ .\rفَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا وَهُوَ حِفْظُ الْقَوَانِينِ عَلَى الرُّسُومِ الْعَادِلَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تَتَحَيَّفُ بِهَا الرَّعِيَّةُ أَوْ نُقْصَانٍ يَنْثَلِمُ بِهِ حَقُّ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ قُرِّرَتْ فِي أَيَّامِهِ لِبِلَادٍ اُسْتُؤْنِفَ فَتْحُهَا أَوْ لِمَوَاتٍ اُبْتُدِئَ فِي إحْيَائِهِ أَثْبَتَهَا فِي دِيوَانِ النَّاحِيَةِ وَدِيوَانِ بَيْتِ الْمَالِ الْجَامِعِ لِلْحُكْمِ الْمُسْتَقِرِّ فِيهَا ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ الْقَوَانِينُ الْمُقَرَّرَةُ فِيهَا رَجَعَ فِيهَا إلَى مَا أَثْبَتَهُ أُمَنَاءُ الْكُتَّابِ إذَا وَثِقَ بِخُطُوطِهِمْ وَتَسَلَّمَهُ مِنْ أُمَنَائِهِمْ تَحْتَ خَتْمِهِمْ وَكَانَتْ الْخُطُوطُ الْخَارِجَةُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا فِي الرُّسُومِ الدِّيوَانِيَّةِ وَالْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ تُقْنِعْ فِي أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَرْوِيَ مَا وَجَدَ مِنْ سَمَاعِهِ بِالْخَطِّ الَّذِي يَثِقُ بِهِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكَاتِبِ الدِّيوَانِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الْخَطِّ وَحْدَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ سَمَاعًا مِنْ لَفْظِ نَفْسِهِ يَحْفَظُهُ عَنْهُ بِقَلْبِهِ كَمَا يَقُولُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ اعْتِبَارًا بِالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ وَهَذَا شَاقٌّ مُسْتَبْعَدٌ .\rوَالْفَرْقُ","part":1,"page":432},{"id":432,"text":"بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَضَاءَ وَالشَّهَادَاتِ مِنْ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يَكْثُرُ الْمُبَاشِرُ لَهَا ، وَالْقُيَّمُ بِهَا فَلَمْ يَضِقْ الْحِفْظُ لَهَا بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَوَّلَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَطِّ ، وَأَنَّ الْقَوَانِينَ الدِّيوَانِيَّةَ مِنْ الْحُقُوق الْعَامَّةِ الَّتِي يَقِلُّ الْمُبَاشِرُ لَهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَانْتِشَارِهَا فَضَاقَ حِفْظُهَا بِالْقَلْبِ فَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْوِيلُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَطِّ وَكَذَلِكَ رِوَايَةِ الْحَدِيث .\rوَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا اسْتِيفَاؤُهَا مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَامِلِينَ .\rوَالثَّانِي اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْقَابِضِينَ لَهَا مِنْ الْعُمَّالِ ، فَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَامِلِينَ فَيُعْمَلُ فِيهِ عَلَى إقْرَارِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِهَا ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى خُطُوطِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِهَا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ كُتَّابُ الدَّوَاوِينِ أَنَّهُ إذَا عُرِفَ الْخَطُّ كَانَ حُجَّةً لِقَبْضٍ سَوَاءٌ اعْتَرَفَ الْعَامِلُ بِأَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ إذَا قِيسَ بِخَطِّهِ الْمَعْرُوفِ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْعَامِلُ بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَأَنْكَرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي الْقَبْضِ وَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَاسَ بِخَطِّهِ فِي الْإِلْزَامِ إجْبَارًا وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِخَطِّهِ إرْهَابًا لِيَعْتَرِفَ بِهِ طَوْعًا ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْخَطِّ وَأَنْكَرَ الْقَبْضَ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ خَاصَّةً حُجَّةً لِلْعَامِلَيْنِ وَبِالدَّفْعِ وَحَجَّةً عَلَى الْعُمَّالِ بِالْقَبْضِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ ؛ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَلَا لِلْعَامِلِينَ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ لَفْظٌ كَالدُّيُونِ الْخَاصَّةِ ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مُقْنِعٌ .\rوَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعُمَّالِ ، فَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهَا إلَى تَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ ، وَكَانَ","part":1,"page":433},{"id":433,"text":"اعْتِرَافُ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ بِقَبْضِهَا حُجَّةً فِي بَرَاءَةِ الْعُمَّالِ مِنْهَا ، وَالْكَلَامُ فِي خَطٍّ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ إقْرَارِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي خُطُوطِ الْعُمَّالِ أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ تَكُنْ خَرَاجًا إلَيْهِ لَمْ يَمْضِ الْعُمَّالُ إلَّا بِتَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَكَانَ التَّوْقِيعُ إذَا عُرِفَتْ صِحَّتُهُ حُجَّةً مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الدَّفْعِ .\rوَأَمَّا الِاحْتِسَابُ بِهِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الِاحْتِسَابُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى اعْتِرَافِ الْمُوَقَّعِ لَهُ بِقَبْضِ مَا تَضَمَّنَهُ ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيعَ حُجَّةٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي الْقَبْضِ مِنْهُ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُحْتَسَبُ بِهِ الْعَمَلُ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ الْقَبْضَ حَاكَمَ الْعَامِلَ فِيهِ وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَدِمَهَا أُحْلِفَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ ، وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِالْغُرْمِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَخَصُّ بِعُرْفِ الدِّيوَانِ .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِتَحْقِيقِ الْفِقْهِ ، فَإِنْ اسْتَرَابَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ بِالتَّوْقِيعِ لَمْ يُحْتَسَبْ لِلْعَامِلِ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا حَتَّى يُعْرِضَهُ عَلَى الْمُوَقِّعِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ صَحَّ ، وَكَانَ الِاحْتِسَابُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ لِلْعَامِلِ وَنُظِرَ فِي وَجْهِ الْخَرَاجِ ، فَإِنْ كَانَ فِي خَاصٍّ مَوْجُودٍ رَجَعَ بِهِ الْعَامِلُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي جِهَاتٍ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بِهَا سَأَلَ الْعَامِلُ إحْلَافَ الْمُوَقِّعِ عَلَى إنْكَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّةُ الْخَرَاجِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوَقِّعِ إحْلَافُ الْعَامِلِ لَا فِي عُرْفِ السَّلْطَنَةِ وَلَا فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ عُلِمَ بِصِحَّةِ الْخَرَاجِ فَهُوَ مِنْ عُرْفِ السَّلْطَنَةِ مَدْفُوعٌ عَنْ إحْلَافِ الْمُوَقِّعِ ، وَفِي حُكْمِ الْقَضَاءِ","part":1,"page":434},{"id":434,"text":"يُجَابُ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الثَّالِثُ : فَهُوَ إثْبَاتُ الرَّفْعِ ، فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : رَفْعُ مِسَاحَةٍ وَعَمَلٍ ، وَرَفْعُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ ، وَرَفْعُ خَرْجٍ وَنَفَقَةٍ .\rفَأَمَّا رَفْعُ الْمِسَاحَةِ وَالْعَمَلِ ، فَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا مُقَدَّرَةً فِي الدِّيوَانِ اُعْتُبِرَ صِحَّةُ الرَّفْعِ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ إنْ وَافَقَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدِّيوَانِ أُصُولٌ عُمِلَ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى قَوْلِ رَافِعِهَا .\rوَأَمَّا رَفْعُ الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ فَيُعْمَلُ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِ رَافِعِهَا لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا لَهَا .\rوَأَمَّا رَفْعُ الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَةِ فَرَافِعُهَا مُدَّعٍ لَهَا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا بِالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ ، فَإِنْ احْتَجَّ بِتَوْقِيعَاتِ وُلَاةِ الْأُمُورِ اسْتَعْرَضَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَحْكَامِ التَّوْقِيعَاتِ .\rوَأَمَّا الرَّابِعُ : وَهُوَ مُحَاسَبَةُ الْعُمَّالِ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ مَا تَقَلَّدُوهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهَا ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ الْخَرَاجِ لَزِمَهُمْ رَفْعُ الْحِسَابِ وَوَجَبَ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ الْعُشْرِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَفْعُ الْحِسَابِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ لَا يَقِفُ مَصْرِفُهَا عَلَى اجْتِهَادِ الْوُلَاةِ ، وَلَوْ تَفَرَّدَ أَهْلُهَا أَجْزَأَتْ وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَفْعُ الْحِسَابِ وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ عِنْدَهُ مُشْتَرَكٌ .\rوَإِذَا حُوسِبَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مُحَاسَبَتُهُ مِنْ الْعُمَّالِ نُظِرَ ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْعَامِلِ وَكَاتِبِ الدِّيوَانِ حَلِفٌ كَانَ كَاتِبُ الدِّيوَانِ مُصَدَّقًا فِي بَقَايَا الْحِسَابِ ، فَإِنْ اسْتَرَابَ بِهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ كَلَّفَهُ إحْضَارَ شَوَاهِدِهِ ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ","part":1,"page":435},{"id":435,"text":"عَنْهُ سَقَطَتْ الْيَمِينُ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ تَزُلْ الرِّيبَةُ وَأَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ الْإِحْلَافَ عَلَى ذَلِكَ أُحْلِفَ الْعَامِلُ دُونَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى الْعَامِلِ دُونَ الْكَاتِبِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْحِسَابِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي دَخْلٍ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي خَرَاجٍ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْكَاتِبِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مِسَاحَةٍ تُمْكِنُ إعَادَتُهَا اُعْتُبِرَتْ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ ، وَعُمِلَ فِيهَا عَلَى مَا يَخْرُجُ بِصَحِيحِ الِاعْتِبَارِ .\rوَأَمَّا الْخَامِسُ : وَهُوَ إخْرَاجُ الْأَحْوَالِ فَهُوَ اسْتِشْهَادُ صَاحِبِ الدِّيوَانِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ قَوَانِينَ وَحُقُوقٍ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ وَاعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَّا مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ كَمَا لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ وَتَحَقَّقَهُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ لَا يَبْتَدِئَ بِذَلِكَ حَتَّى يُسْتَدْعَى مِنْهُ كَمَا لَا يَشْهَدُ حَتَّى يُسْتَشْهَدَ ، وَالْمُسْتَدْعَى لِإِخْرَاجِ الْأَحْوَالِ مَنْ نَفَذَتْ تَوْقِيعَاتُهُ كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ عِنْدَهُ مَنْ نَفَذَتْ أَحْكَامُهُ ، فَإِذَا أَخْرَجَ حَالًا لَزِمَ الْمُوَقِّعُ بِإِخْرَاجِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدَهُ ، فَإِنْ اسْتَرَابَ الْمُوَقِّعُ بِإِخْرَاجِ الْحَالِ جَازَ أَنْ يَسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ أَخْرَجَهُ وَيُطَالِبُهُ بِإِحْضَارِ شَوَاهِدِ الدِّيوَانِ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَ شَاهِدًا عَنْ سَبَبِ شَهَادَتِهِ ، فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَوَقَعَ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ ، وَإِنْ عَدِمَهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ حِفْظِهِ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِهَا صَارَ مَعْلُولَ الْقَوْلِ ، وَالْمُوَقِّعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ رَدِّهِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِخْلَافُهُ .\rوَأَمَّا السَّادِسُ : وَهُوَ تَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ فَهُوَ يَخْتَلِفُ","part":1,"page":436},{"id":436,"text":"بِسَبَبِ اخْتِلَافِ التَّظَلُّمِ ، وَلَيْسَ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ أَوْ مِنْ الْعُمَّالِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ تَظَلَّمَ مِنْ عَامِلٍ تَحَيَّفَهُ فِي مُعَامَلَتِهِ كَانَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِيهَا حَاكِمًا بَيْنَهُمَا ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ الظَّلَّامَةَ وَيُزِيلَ التَّحَيُّفَ سَوَاءٌ وَقَعَ النَّظَرُ إلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ الْقَوَانِينِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ فَصَارَ بِعَقْدِ الْوِلَايَةِ مُسْتَحِقًّا لِتَصَفُّحِ الظَّلَّامَةِ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا امْتَنَعَ وَصَارَ عَزْلًا عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ عَامِلًا جُوزِفَ فِي حِسَابٍ أَوْ غُولِطَ فِي مُعَامَلَةٍ صَارَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِيهَا خَصْمًا ، وَكَانَ الْمُتَصَفِّحُ لَهَا وَالِيَ الْأَمْرِ .","part":1,"page":437},{"id":437,"text":"الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ : فِي أَحْكَامِ الْجَرَائِمِ الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ ، وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ ، وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ .\rفَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَدْ اُتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ ؛ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلَا اسْتِبْرَاءٍ ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الْإِقْرَارِ إجْبَارًا ، وَلَمْ يَسْمَعْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قُرِفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إنْكَارِهِ ؛ إنْ اُتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا مِمَّا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ ، فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، وَكَانَتْ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، إذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ .","part":1,"page":438},{"id":438,"text":"وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا أَوْ مِنْ أَوْلَادِ الْأَحْدَاثِ وَالْمُعَاوِنُ كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ يَخْتَلِفُ بِهَا حُكْمُ النَّاظِرِينَ .\rأَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ ، وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتْ التُّهْمَةُ ، وَوُضِعَتْ وَعُجِّلَ إطْلَاقُهُ وَلَمْ يُغْلَظْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَرَفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتْ التُّهْمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ ، وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ التُّهْمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخِلَابَةٍ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ التُّهْمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارُ ضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مِنْقَبٌ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَجْعَلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ ، فَذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لَا يَتَجَاوَزُهُ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إلَّا بِحَقٍّ وَجَبَ .\rوَالرَّابِعُ : أَنْ يَجُوزَ لِلْأَمِيرِ مَعَ قُوَّةِ","part":1,"page":439},{"id":439,"text":"التُّهْمَةِ أَنَّ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لَا ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَهُ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ ، فَإِنْ أَقَرَّ ، وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ ضُرِبَ لَمْ يَكُنْ لِإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيُصَدِّقَ عَنْ حَالَةٍ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إقْرَارُهُ ، فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَرِهْنَاهُ .\rوَالْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكُسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَدْفَعَ ضَرَرُهُ عَنْ النَّاسِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ .\rوَالسَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالصَّدَقَةِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ فِي الْبَيْعَةِ السُّلْطَانِيَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إحْلَافُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ وَلَا أَنْ يُجَاوِزَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ إلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ .\rوَالسَّابِعُ : أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إجْبَارًا وَيُظْهِرَ مِنْ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إلَيْهَا طَوْعًا ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ ؛ لِأَنَّهُ وَعِيدُ إرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالْأَدَبِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ .\rوَالثَّامِنُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِلَلِ","part":1,"page":440},{"id":440,"text":"وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ .\rوَالتَّاسِعُ : أَنَّ لِلْأَمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ غُرْمًا ، وَلَا حَدًّا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى ، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الْأَثَرُ وَلَا يُرَاعِي السَّبْقَ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِاقْتِرَابِ وَالتَّعَدِّي .\rوَالثَّانِي : بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ ، وَإِذَا رَأَى مِنْ الصَّلَاحِ فِي رَدْعِ السَّفَلَةِ أَنْ يُشْهِرَهُمْ وَيُنَادِيَ عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الِاسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لِاخْتِصَاصِ الْأَمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالْأَحْكَامِ .","part":1,"page":441},{"id":441,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا بَعْدَ ثُبُوتِ جَرَائِمِهِمْ فَيَسْتَوِي فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ أَحْوَالُ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ ، وَثُبُوتُهَا عَلَيْهِمْ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : إقْرَارٌ وَبَيِّنَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .","part":1,"page":442},{"id":442,"text":"وَالْحُدُودُ زَوَاجِرُ وَضَعَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - لِلرَّدْعِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا حَظَرَ وَتَرْكِ مَا أَمَرَ بِهِ لِمَا فِي الطَّمَعِ مِنْ مُغَالَبَةِ الشَّهَوَاتِ الْمُلْهِيَةِ عَنْ وَعِيدِ الْآخِرَةِ بِعَاجِلِ اللَّذَّةِ ، فَجَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ زَوَاجِرِ الْحُدُودِ مَا يَرْدَعُ بِهِ ذَا الْجَهَالَةِ حَذَرًا مِنْ أَلَمِ الْعُقُوبَةِ وَخِيفَةً مِنْ نَكَالِ الْفَضِيحَةِ لِيَكُونَ مَا حَظَرَ مِنْ مَحَارِمِهِ مَمْنُوعًا وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ فُرُوضِهِ مَتْبُوعًا فَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ أَعَمَّ وَالتَّكْلِيفُ أَتَمَّ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } : يَعْنِي فِي اسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ الْجَهَالَةِ ، وَإِرْشَادِهِمْ مِنْ الضَّلَالَةِ وَكَفِّهِمْ عَنْ الْمَعَاصِي وَبَعْثِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ .\rوَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالزَّوَاجِرُ ضَرْبَانِ : حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ : فَأَمَّا الْحُدُودُ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالثَّانِي : مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَمَّا الْمُخْتَصَّةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ .\rوَالثَّانِي : مَا وَجَبَ فِي ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ .\rفَأَمَّا مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا يُسْأَلُ عَنْ تَرْكِهِ لَهَا ، فَإِنْ قَالَ : لِنِسْيَانٍ أُمِرَ بِهَا قَضَاءً فِي وَقْتِ ذِكْرِهَا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهَا مِثْلَ وَقْتِهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ } .\rوَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ صَلَّاهَا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .\rوَإِنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا كَانَ كَافِرًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ إذَا لَمْ يَتُبْ ، وَإِنْ تَرَكَهَا اسْتِثْقَالًا لِفِعْلِهَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ فَذَهَبَ أَبُو","part":1,"page":443},{"id":443,"text":"حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُضْرَبُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يُقْتَلُ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَصِيرُ بِتَرْكِهَا كَافِرًا يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهَا وَلَا يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا ، وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ ، فَإِنْ تَابَ وَأَجَابَ إلَى فِعْلِهَا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا ، فَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِي وُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى فِعْلِهَا بِمَشْهَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ قُتِلَ بِتَرْكِهَا فِي الْحَالِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَيَقْتُلُهُ بِسَيْفٍ صَبْرًا .\rوَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَقْتُلُهُ ضَرْبًا بِالْخَشَبِ حَتَّى يَمُوتَ وَيَعْدِلَ عَنْ السَّيْفِ الْمُوَحَّى لِيَسْتَدْرِكَ التَّوْبَةَ بِتَطَاوُلِ الْمَدَى .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ بِتَرْكِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهَا ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ قَتْلَهُ بِهَا كَالْمُوَقَّتَاتِ .\rوَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا لِاسْتِقْرَارِهَا فِي الذِّمَّةِ بِالْفَوَاتِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ قَتْلِهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ .\rفَأَمَّا تَارِكُ الصِّيَامِ فَلَا يُقْتَلُ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَيُحْبَسُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مُدَّةَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَيُؤَدَّبُ تَعْزِيرًا ، فَإِنْ أَجَابَ إلَى الصِّيَامِ تُرِكَ ، وَوُكِّلَ إلَى أَمَانَتِهِ ، فَإِنْ شُوهِدَ آكِلًا عُزِّرَ ، وَلَمْ يُقْتَلْ .\rوَأَمَّا إذَا تَرَكَ الزَّكَاةَ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا وَتُؤْخَذُ إجْبَارًا مِنْ مَالِهِ ، وَيُعَزَّرُ إنْ كَتَمَهَا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهَا لِامْتِنَاعِهِ حُورِبَ عَلَيْهَا وَإِنْ أَفْضَى الْحَرْبُ إلَى قَتْلِهِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ كَمَا حَارَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَانِعِي الزَّكَاةِ .\rوَأَمَّا الْحَجُّ فَفَرْضُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ","part":1,"page":444},{"id":444,"text":"عَلَى التَّرَاخِي مَا بَيْنَ الِاسْتِطَاعَةِ وَالْمَوْتِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْفَوْرِ ، فَيُتَصَوَّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ وَلَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ أَدَاءً لَا قَضَاءً ، فَإِنَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ .\rوَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ دُيُونٍ وَغَيْرِهَا فَتُؤْخَذُ مِنْهُ جَبْرًا إنْ أَمْكَنَ وَيُحْبَسُ بِهَا إذَا تَعَذَّرَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مُعْسِرًا فَيُنْظَرُ إلَى مَيْسَرَةٍ فَهَذَا حُكْمُ مَا وَجَبَ بِتَرْكِ الْمَفْرُوضَاتِ .","part":1,"page":445},{"id":445,"text":"وَأَمَّا مَا وَجَبَ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهِيَ أَرْبَعَةٌ : حَدُّ الزِّنَا ، وَحَدُّ الْخَمْرِ ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ ، وَحَدُّ الْمُحَارَبَةِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ شَيْئَانِ : حَدُّ الْقَذْفِ بِالزِّنَا ، وَالْقَذْفِ فِي الْجِنَايَاتِ ، وَسَنَذْكُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفَصَّلًا .","part":1,"page":446},{"id":446,"text":"الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي حَدِّ الزِّنَا الزِّنَا هُوَ تَغْيِيبُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ حَشَفَةَ ذَكَرِهِ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ مِمَّنْ لَا عِصْمَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا شُبْهَةً ، وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الزِّنَا مُخْتَصًّا بِالْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ وَيَسْتَوِي فِي حَدِّ الزِّنَا حُكْمُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَتَانِ : بِكْرٌ وَمُحْصَنٌ .\rأَمَّا الْبِكْرُ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَطَأْ زَوْجَةً بِنِكَاحٍ ، فَيُحَدُّ إنْ كَانَ حُرًّا مِائَةَ سَوْطٍ تُفَرَّقُ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ حَقَّهُ ، بِسَوْطٍ لَا حَدِيدٍ فَيَقْتُلُ ، وَلَا خَلَقٍ فَلَا يُؤْلِمُ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَغْرِيبِهِ مَعَ الْجَلْدِ ، فَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ اقْتِصَارًا عَلَى جَلْدِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يُغَرَّبُ الرَّجُلُ وَلَا تُغَرَّبُ الْمَرْأَةُ ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَغْرِيبَهَا عَامًا عَنْ بَلَدِهَا إلَى مَسَافَةٍ أَقَلُّهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ } وَحَدُّ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ ، وَمَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّقِّ مِنْ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَحَدُّهُمْ فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ لِنَقْصِهِمْ بِالرِّقِّ .\rوَاخْتُلِفَ فِي تَغْرِيبِ مَنْ رُقَّ مِنْهُمْ فَقِيلَ : لَا يُغَرَّبُ لِمَا فِي التَّغْرِيبِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِسَيِّدِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقِيلَ يُغَرَّبُ عَامًا كَامِلًا كَالْحُرِّ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُغَرَّبَ نِصْفَ عَامٍ كَالْجَلْدِ فِي تَنْصِيفِهِ ، وَأَمَّا الْمُحْصَنُ فَهُوَ الَّذِي أَصَابَ زَوْجَتَهُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ ، وَحَدُّهُ الرَّجْمُ بِالْأَحْجَارِ ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا حَتَّى يَمُوتَ وَلَا يَلْزَمُ تَوَقِّي مَقَاتِلِهِ ، بِخِلَافِ الْجَلْدِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ","part":1,"page":447},{"id":447,"text":"بِالرَّجْمِ الْقَتْلُ ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ .\rوَقَالَ دَاوُد : يُجْلَدُ مِائَةَ سَوْطٍ ثُمَّ يُرْجَمُ ، وَالْجَلْدُ مَنْسُوخٌ فِي الْمُحْصَنِ { وَقَدْ رَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ } .\rوَلَيْسَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ ، فَيُرْجَمُ الْكَافِرُ كَالْمُسْلِمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي الْإِحْصَانِ ، فَإِذَا زَنَى الْكَافِرُ جُلِدَ ، وَلَمْ يُرْجَمْ { وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا } وَلَا يُرْجَمُ إلَّا مُحْصَنًا ، فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ لَمْ يُرْجَمْ ، وَإِنْ كَانَ ذَا زَوْجَةٍ جُلِدَ خَمْسِينَ ، وَقَالَ دَاوُد : يُرْجَمُ كَالْحُرِّ .","part":1,"page":448},{"id":448,"text":"وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ زِنًا يُوجِبُ جَلْدَ الْبِكْرِ ، وَرَجْمَ الْمُحْصَنِ ، وَقِيلَ بَلْ يُوجِبُ قَتْلَ الْبِكْرِ وَالْمُحْصَنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ فِيهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اُقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ وَمَنْ أَتَاهَا }","part":1,"page":449},{"id":449,"text":"وَإِذَا زَنَى الْبِكْرُ بِمُحْصَنَةٍ أَوْ الْمُحْصَنُ بِالْبِكْرِ جُلِدَ الْبِكْرُ مِنْهُمَا ، وَرُجِمَ الْمُحْصَنُ ، وَإِذَا عَاوَدَ الزِّنَا بَعْدَ الْحَدِّ حُدَّ ، وَإِذَا زَنَى مِرَارًا قَبْلَ الْحَدِّ حُدَّ لِلْجَمِيعِ حَدًّا وَاحِدًا","part":1,"page":450},{"id":450,"text":"وَالزِّنَا يَثْبُتُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ .\rفَأَمَّا الْإِقْرَارُ ، فَإِذَا أَقَرَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ بِالزِّنَا مَرَّةً وَاحِدَةً طَوْعًا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا آخُذُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْجَلْدِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ .\rوَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا دُخُولَ ذَكَرِهِ فِي الْفَرْجِ كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَتْ شَهَادَةً ، فَإِذَا قَامُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى حَقِّهَا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : لَا أَقْبَلُهَا إذَا تَفَرَّقُوا فِي الْأَدَاءِ وَأَجْعَلُهُمْ قَذَفَةً .\rوَإِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَا بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَسْمَعُهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَأَجْعَلُهُمْ قَذَفَةً وَإِذَا لَمْ يُكْمِلْ شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَا يُحَدُّونَ فِي الثَّانِي .\rوَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى شَاهِدَيْنِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَلَا يَجُوزُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، وَإِذَا رُجِمَ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ حُفِرَتْ لَهُ بِئْرٌ عِنْدَ رَجْمِهِ يَنْزِلُ فِيهَا إلَى وَسَطِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْهَرَبِ ، فَإِنْ هَرَبَ اُتُّبِعَ ، وَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ رُجِمَ بِإِقْرَارِهِ لَمْ تُحْفَرْ لَهُ ، وَإِنْ هَرَبَ لَمْ يُتْبَعْ .\rوَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْ حَكَمَ بِرَجْمِهِ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَحْضُرَ رَجْمَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحْضُرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إلَّا بِحُضُورِ مَنْ حَكَمَ بِرَجْمِهِ ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُغْدُ يَا","part":1,"page":451},{"id":451,"text":"أُنَيْسُ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحْضُرَ الشُّهُودُ رَجْمَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ حُضُورُهُمْ وَأَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَرْجُمُهُ ؛ وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يُوجَدَ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ","part":1,"page":452},{"id":452,"text":"وَإِذَا ادَّعَى فِي الزِّنَا شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَهُوَ حَدِيثُ الْإِسْلَامِ دُرِئَ بِهَا عَنْهُ الْحَدُّ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ } .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّةُ لِزَوْجَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُ وَحُدَّ مَنْ أَصَابَهَا ، وَإِذَا أَصَابَ ذَاتَ مَحْرَمٍ بِعَقْدِ نِكَاحٍ حُدَّ ، وَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ مَعَ تَحْرِيمِهَا بِالنَّصِّ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ؛ وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ شُبْهَةً يَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهُ .\rوَإِذَا تَابَ الزَّانِي بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ .\rقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوَفِي قَوْلِهِ { بِجَهَالَةٍ } تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا بِجَهَالَةِ سُوءٍ .\rوَالثَّانِي لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا سُوءٌ وَهَذَا أَظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ ، وَلَكِنْ مَنْ جَهِلَ بِأَنَّهَا سُوءٌ لَمْ يَأْثَمْ بِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ عَنْ زَانٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَشْفُوعِ إلَيْهِ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } .\rوَفِي الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ الْتِمَاسُ الْخَيْرِ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ ، وَالشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ الْتِمَاسُ الشَّرِّ لَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ .\rوَالثَّانِي أَنَّ الْحَسَنَةَ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالسَّيِّئَةَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ .\rوَالثَّالِثُ : وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنَّ الْحَسَنَةَ تَحْصِيلُهُ مِنْ الظُّلْمِ وَالسَّيِّئَةَ دَفْعُهُ عَنْ","part":1,"page":453},{"id":453,"text":"الْحَقِّ .\rوَفِي الْكِفْلِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْإِثْمُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ النَّصِيبُ ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ","part":1,"page":454},{"id":454,"text":"الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ كُلُّ مَالٍ مُحْرَزٍ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا إذَا سَرَقَهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ وَلَا فِي حِرْزِهِ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مِفْصَلِ الْكُوعِ ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيَةً بَعْدَ قَطْعِهِ إمَّا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ بَعْدَ إحْرَازِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ ، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ فِيهَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى ، وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى وَإِنْ سَرَقَ خَامِسَةً عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ ، وَإِنْ سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَطْعٌ وَاحِدٌ .","part":1,"page":455},{"id":455,"text":"وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا مِنْ غَالِبِ الدَّنَانِيرِ الْجَيِّدَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُقَدَّرٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٍ ، وَلَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ .\rوَقَدَّرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ، وَقَدَّرَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَقَدَّرَهُ مَالِكٌ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، قَالَ دَاوُد : يُقْطَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ","part":1,"page":456},{"id":456,"text":"وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَالِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي كُلِّ مَالٍ حَرُمَ عَلَى سَارِقِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ فِيمَا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْطَعُ فِيهِ بَعْدَ تَمَلُّكِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْطَعُ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْمُصْحَفِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْطَعُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ مِنْ قَنَادِيلِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْطَعُ : وَإِذَا سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَفْهَمُ قُطِعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ ، وَلَوْ سَرَقَ صَبِيًّا صَغِيرًا لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ مَالِكٌ يُقْطَعُ","part":1,"page":457},{"id":457,"text":"وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحِرْزِ فَشَذَّ عَنْهُمْ دَاوُد وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ وَقُطِعَ كُلُّ سَارِقٍ مِنْ حِرْزٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ وَأَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الْخَيْلِ حَتَّى تُوَلِّيَ إلَى مَعَاقِلِهَا } .\rوَهَكَذَا لَوْ اسْتَعَارَ فَجَحَدَ لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُقْطَعُ وَاخْتُلِفَ فِي جَعْلِ الْحِرْزِ شَرْطًا فِي صِفَتِهِ ، فَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْأَحْرَازِ فِي كُلِّ الْأَمْوَالِ وَجَعَلَ حِرْزَ أَقَلِّ الْأَمْوَالِ حِرْزَ أَجَلِهَا : وَالْأَحْرَازُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهَا .\rفَيَخِفُّ الْحِرْزُ فِيمَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ ، وَيَغْلُظُ وَيَشْتَدُّ فِيمَا كَثُرَتْ قِيمَتُهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَلَا يُجْعَلُ حِرْزُ الْحَطَبِ حِرْزَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ ، فَيُقْطَعُ سَارِقُ الْخَشَبِ مِنْهُ ، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْهُ ، وَيُقْطَعُ نَبَّاشُ الْقُبُورِ إذَا سَرَقَ أَكْفَانَ مَوْتَاهَا ؛ لِأَنَّ الْقُبُورَ أَحْرَازٌ لَهَا فِي الْعُرْفِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْرَازًا لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ النَّبَّاشُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِ الْكَفَنِ .\rوَإِذَا شَدَّ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ عَلَى بَهِيمَةٍ سَائِرَةٍ كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَسَرَقَ سَارِقٌ مِنْ الْمَتَاعِ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ ؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ مِنْ حِرْزٍ .\rوَلَوْ سَرَقَ الْبَهِيمَةَ وَمَا عَلَيْهَا لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ الْحِرْزَ وَالْمَحْرُوزَ ، وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ قُطِعَ ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مَحْظُورًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ فِي الْإِنَاءِ الْمَسْرُوقِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ أَوْ مَاءٌ مَشْرُوبٌ فَشَرِبَهُ لَمْ","part":1,"page":458},{"id":458,"text":"يُقْطَعْ ، وَلَوْ أَفْرَغَ الْإِنَاءَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثُمَّ سَرَقَهُ قُطِعَ .\rوَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي نَقْبِ الْحِرْزِ ثُمَّ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِأَخْذِ الْمَالِ قُطِعَ الْمُنْفَرِدُ مِنْهُمَا بِالْأَخْذِ دُونَ الْمُشَارِكِ فِي النَّقْبِ ، وَلَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يَأْخُذْ وَأَخَذَ الْآخَرُ وَلَمْ يَنْقُبْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَفِي مِثْلِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : اللِّصُّ الظَّرِيفُ لَا يُقْطَعُ .\rوَإِذَا دَخَلَ الْحِرْزَ وَاسْتَهْلَكَ الْمَالَ فِيهِ غَرِمَ وَلَمْ يُقْطَعْ ، وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْمَالُ بَاقٍ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ ، فَإِنْ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَ قَطْعِهِ فَسَرَقَ ثَانِيَةً بَعْدَ إحْرَازِهِ قُطِعَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ فِي مَالٍ مَرَّتَيْنِ ، وَإِذَا اسْتَهْلَكَ السَّارِقُ مَا سَرَقَهُ قُطِعَ وَأُغْرِمَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قُطِعَ لَمْ يَغْرَمْ وَإِنْ أُغْرِمَ لَمْ يُقْطَعْ .\rوَإِذَا وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ ، وَإِذَا عَفَا رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْقَطْعِ لَمْ يَسْقُطْ قَدْ عَفَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ سَارِقِ رِدَائِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا عَفَا اللَّهُ عَنِّي إنْ عَفَوْتُ ، وَأَمَرَ بِقَطْعِهِ } .\rوَحُكِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهُمْ حَتَّى بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقَدِمَ لِيُقْطَعَ فَقَالَ ( مِنْ الطَّوِيلِ ) : يَمِينِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُهَا بِعَفْوِكَ أَنْ تَلْقَى نَكَالًا يُبِينُهَا يَدِي كَانَتْ الْحَسْنَاءَ لَوْ تَمَّ سَتْرُهَا وَلَا تُقَدِّمُ الْحَسْنَاءُ عَيْبًا يَشِينُهَا فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَتْ خَبِيثَةً إذَا مَا شِمَالٌ فَارَقَتْهَا يَمِينُهَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَيْف أَصْنَعُ بِكَ وَقَدْ قَطَعْتَ أَصْحَابَكَ ؟ فَقَالَتْ أُمُّ السَّارِقِ اجْعَلْهَا مِنْ جُمْلَةِ ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ فِي الْإِسْلَامِ .\rوَيَسْتَوِي فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ","part":1,"page":459},{"id":459,"text":"وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، وَلَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ ، وَلَا يُقْطَعُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ فِي إغْمَائِهِ ، وَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، وَلَا وَالِدٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ .\rوَقَالَ دَاوُد يُقْطَعَانِ","part":1,"page":460},{"id":460,"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي حَدِّ الْخَمْرِ كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ أَوْ قَلِيلُهُ مِنْ خَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ حَرَامٍ حُدَّ شَارِبُهُ سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحُدُّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ حَتَّى يَسْكَرَ .\rوَالْحَدُّ : أَنْ يُجْلَدَ أَرْبَعِينَ بِالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَيُبَكَّتَ بِالْقَوْلِ الْمُمِضِّ وَالْكَلَامِ الرَّادِعِ لِلْخَبَرِ الْمَأْثُورِ فِيهِ .\rوَقِيلَ بَلْ يُحَدُّ بِالسَّوْطِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُدُودِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ إذَا لَمْ يَرْتَدِعْ بِهَا إلَى ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ شَارِبَ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ إلَى أَنْ رَأَى تَهَافُتَ النَّاسِ فِيهِ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِيهِ ، وَقَالَ : أَرَى النَّاسَ قَدْ تَهَافَتُوا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَمَاذَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَى أَنْ تَحُدَّهُ ثَمَانِينَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ سَكِرَ ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، فَحَدَّهُ ثَمَانِينَ حَدَّ الْفِرْيَةِ فَجَلَدَ فِيهِ عُمَرُ بَقِيَّةَ أَيَّامِهِ .\rوَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ ثَمَانِينَ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا أَحَدٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيَمُوتُ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا أَلْحَقَ قَتْلَهُ إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ رَأَيْنَاهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ حُدَّ شَارِبُ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ مِنْهَا كَانَتْ نَفْسُهُ هَدَرًا ، وَإِنْ حُدَّ ثَمَانِينَ فَمَاتَ ضُمِنَتْ نَفْسُهُ .\rوَفِي قَدْرِ مَا يُضْمَنُ مِنْهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا جَمِيعُ دِيَتِهِ لِمُجَاوَزَتِهِ النَّصَّ فِي حَدِّهِ .\rوَالثَّانِي نِصْفُ دِيَتِهِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ حَدِّهِ نَصٌّ وَنِصْفَهُ مَزِيدٌ .\rوَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ شَرِبَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا حَرَامٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ حُدَّ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرْوِي ، وَإِنْ شَرِبَهَا لِدَاءٍ لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَبْرَأُ بِهَا ، وَإِذَا","part":1,"page":461},{"id":461,"text":"اعْتَقَدَ إبَاحَةَ النَّبِيذِ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ فِي عَدَالَتِهِ ، وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُقِرَّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مُخْتَارًا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ أَحُدُّهُ لِلسُّكْرِ ، وَهَذَا سَهْوٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكْرَهُ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ .\rوَحُكْمُ السَّكْرَانِ فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ كَالصَّاحِي إذَا كَانَ عَاصِيًا بِسُكْرِهِ ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ لِإِكْرَاهِهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْكِرٌ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْمُسْكِرِ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ حَدَّ السُّكْرِ مَا زَالَ مَعَهُ الْعَقْلُ حَتَّى لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَلَا يَعْرِفَ أُمَّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ ، وَحَدَّهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ مَا أَفْضَى بِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ وَيَتَصَرَّفَ بِحَرَكَةِ مُخْتَبِطٍ وَمَشْيِ مُتَمَايِلٍ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلَامِ فَهْمًا وَإِفْهَامًا وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الْحَرَكَةِ مَشْيًا وَقِيَامًا صَارَ دَاخِلًا فِي حَدِّ السُّكْرِ ، وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حَدِّ السُّكْرِ","part":1,"page":462},{"id":462,"text":"الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ حَدُّ الْقَذْفِ بِالزِّنَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً ، وَرَدَ النَّصُّ بِهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا ، لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا ، وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ يُسْتَحَقُّ بِالطَّلَبِ وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ فِي الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ ، وَفِي الْقَاذِفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَجَبَ الْحَدُّ فِيهِ .\rأَمَّا الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ فِي الْمَقْذُوفِ فَهِيَ : أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا حُرًّا عَفِيفًا ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ سَاقِطَ الْعِصْمَةِ بِزِنًا حُدَّ فِيهِ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ ؛ لِأَجْلِ الْأَذَى وَلِبَذَاءَةِ اللِّسَانِ .\rوَأَمَّا الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فِي الْقَاذِفِ فَهِيَ : أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يُعَزَّرْ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حُدَّ أَرْبَعِينَ نِصْفَ الْحَدِّ لِلْحُرِّ لِنِصْفِهِ بِالرِّقِّ .\rوَيُحَدُّ الْكَافِرُ كَالْمُسْلِمِ ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ ، وَيَفْسُقُ الْقَاذِفُ وَلَا يُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِ ، فَإِنْ تَابَ زَالَ فِسْقُهُ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ قَبْلَ الْحَدِّ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ بَعْدَ الْحَدِّ ، وَالْقَذْفُ بِاللِّوَاطِ ، وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ كَقَذْفِ الزِّنَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ .\rوَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ بِالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ وَيُعَزَّرُ ؛ لِأَجْلِ الْأَذَى وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا مَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ كَقَوْلِهِ : يَا زَانٍ ، أَوْ قَدْ زَنَيْتَ أَوْ رَأَيْتُكَ تَزْنِي ، فَإِنْ قَالَ : يَا فَاجِرُ أَوْ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا لُوطِيُّ كَانَ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ وَلَوْ قَالَ يَا عَاهِرُ كَانَتْ كِنَايَةً عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِاحْتِمَالِهِ ، وَصَرِيحًا عِنْدَ آخَرِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ","part":1,"page":463},{"id":463,"text":"الْحَجَرُ } وَجَعَلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّعْرِيضَ فِيهِ كَالصَّرِيحِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ .\rوَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالْمُلَاحَاةِ أَنَا مَا زَنَيْتُ فَجَعَلَهُ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ : إنَّكَ زَنَيْتَ ، وَلَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى يُقِرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ ؛ فَإِذَا قَالَ يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ كَانَ قَاذِفًا ؛ لِأَبَوَيْهِ دُونَهُ فَيُحَدُّ لَهُمَا إنْ طَلَبَا أَوْ أَحَدُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَا مَيِّتَيْنِ فَيَكُونَ الْحَدُّ مَوْرُوثًا عَنْهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَدُّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ ؛ وَلَوْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ .\rوَإِذَا قَذَفَ ابْنَهُ لَمْ يُحَدَّ ، وَإِذَا لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْقَذْفِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْقُطُ .","part":1,"page":464},{"id":464,"text":"وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا حُدَّ لَهَا إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهَا .\rوَاللِّعَانُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عِنْدَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ وَشُهُودٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زِنًا وَمَا هُوَ مِنِّي إنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ وَيُكَرِّرَ ذَلِكَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ يَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ إنْ كَانَ ذَكَرَ الزَّانِيَ بِهَا ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَا ، وَمَا هُوَ مِنِّي ، فَإِذَا قَالَ هَذَا فَقَدْ أَكْمَلَ لِعَانَهُ وَسَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَوَجَبَ بِهِ حَدُّ الزِّنَا عَلَى زَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ تُلَاعِنَ فَتَقُولَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ ، وَمَا هُوَ مِنْ زِنًا تُكَرِّرُ ذَلِكَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ ، وَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إنْ كَانَ زَوْجِي مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ فَإِذَا أَكْمَلَتْ هَذِهِ سَقَطَ حَدُّ الزِّنَا عَنْهَا ، وَانْتَفَى الْوَلَدُ عَنْ الزَّوْجِ وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَحَرُمَتْ عَلَى الْأَبَدِ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ وَاقِعَةٌ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْفُرْقَةُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِهِمَا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ ؛ وَإِذَا قَذَفَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا حُدَّتْ ، وَلَمْ تُلَاعَنْ ، وَإِذَا أَكَذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَحُدَّ لِلْقَذْفِ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الزَّوْجَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحَلَّهَا أَبُو حَنِيفَةَ","part":1,"page":465},{"id":465,"text":"الْفَصْلُ الْخَامِسِ : فِي قَوَدِ الْجِنَايَاتِ وَعَقْلِهَا الْجِنَايَاتُ عَلَى النُّفُوسِ ثَلَاثَةٌ : عَمْدٌ ، وَخَطَأٌ ، وَعَمْدٌ شِبْهُ الْخَطَإِ .\rفَأَمَّا الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ النَّفْسِ بِمَا يُقْطَعُ بِحَدِّهِ كَالْحَدِيدِ أَوْ بِمَا يَمُورُ فِي اللَّحْمِ مَوْرَ الْحَدِيدِ أَوْ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا بِثِقَلِهِ كَالْحِجَارَةِ وَالْخَشَبِ فَهُوَ قَتْلٌ عَمْدٌ يُوجِبُ الْحَدَّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَمْدُ الْمُوجِبُ لِلْقَوَدِ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِهِ إذَا مَارَ فِي اللَّحْمِ مَوْرًا ، وَلَا يَكُونُ مَا قَتَلَ بِثِقَلِهِ أَوْ أَلَمِهِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْخَشَبِ عَمْدًا ، وَلَا يُوجِبُ قَوَدًا .\rوَحُكْمُ الْعَمْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ حُرًّا مَعَ تَكَافُؤِ الدَّمَيْنِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَوَدِ وَلَيْسَتْ لَهُ الدِّيَةُ إلَّا عَنْ مُرَاضَاةِ الْقَاتِلِ .\rوَوَلِيُّ الدَّمِ هُوَ وَارِثُ الْمَالِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَوْلِيَاؤُهُ ذُكُورُ الْوَرَثَةِ دُونَ إنَاثِهِمْ وَلَا قَوَدَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى اسْتِيفَائِهِ ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْقَوَدُ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَسْقُطُ ، وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يَكُنْ لِلْبَالِغِ وَالْعَاقِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَوَدِ وَتَكَافُؤُ الدَّمَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَفْضُلَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ ، وَلَا إسْلَامٍ ، فَإِنْ فَضُلَ الْقَاتِلُ عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا فَقَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ كَافِرًا ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا اعْتِبَارَ بِهَذَا التَّكَافُؤِ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ وَمَا تَتَحَامَاهُ النُّفُوسُ مِنْ هَذَا وَتَأْبَاهُ قَدْ مَنَعَ الْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ .\rحُكِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَى أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا فَحَكَمَ","part":1,"page":466},{"id":466,"text":"عَلَيْهِ الْقَوَدَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِرُقْعَةٍ فَأَلْقَاهَا إلَيْهِ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ ( مِنْ السَّرِيعِ ) : يَا قَاتِلَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ جُرْتَ وَمَا الْعَادِلُ كَالْجَائِرِ يَا مَنْ بِبَغْدَادَ وَأَطْرَافِهَا مِنْ عُلَمَاءِ النَّاسِ أَوْ شَاعِرِ اسْتَرْجِعُوا وَابْكُوا عَلَى دِينِكُمْ وَاصْطَبِرُوا فَالْأَجْرُ لِلصَّابِرِ جَارَ عَلَى الدِّينِ أَبُو يُوسُفِ بِقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ فَدَخَلَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى الرَّشِيدِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَأَقْرَأهُ الرُّقْعَةَ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ : تَدَارَكْ هَذَا الْأَمْرَ بِحِيلَةٍ لِئَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَخَرَجَ أَبُو يُوسُفَ وَطَالَبَ أَصْحَابَ الدَّمِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى صِحَّةِ الذِّمَّةِ وَثُبُوتِهَا فَلَمْ يَأْتُوا بِهَا فَأَسْقَطَ الْقَوَدَ ؛ وَالتَّوَصُّلُ إلَى مِثْلِ هَذَا سَائِغٌ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَإِنْ فَضُلَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ عَلَى الْمَقْتُولِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قَوَدَ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى قِيمَةِ الْمَقْتُولِ .\rوَإِذَا اخْتَلَفَ أَدْيَانُ الْكُفَّارِ قُيِّدَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ .\rوَيُقَادُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ وَالْعَاقِلُ بِالْمَجْنُونِ ، وَلَا قَوَدَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا يُقَادُ وَالِدُ وَلَدٍ وَيُقَادُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ وَالْأَخُ بِالْأَخِ","part":1,"page":467},{"id":467,"text":"وَأَمَّا الْخَطَأُ الْمَحْضُ فَهُوَ أَنْ يَتَسَبَّبَ إلَيْهِ فِي الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَلَا يُقَادُ الْقَاتِلُ بِالْمَقْتُولِ كَرَجُلٍ رَمَى هَدَفًا فَأَمَاتَ إنْسَانًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَرَمَحَتْ وَوَطِئَتْ إنْسَانًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ إذَا حَدَثَ عَنْهُ الْمَوْتُ قَتْلٌ خَطَأٌ مَحْضٌ يُوجِبُ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ ، وَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي لَا فِي مَالِهِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حِينَ يَمُوتُ الْقَتِيلُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ حِينَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِدِيَتِهِ ، وَالْعَاقِلَةُ مِنْ عَدَدِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، فَلَا يَحْمِلُهُ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا وَلَا الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ مِنْ الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الْقَاتِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَكُونُ الْقَاتِلُ كَأَحَدِ الْعَاقِلَةِ ، وَاَلَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْمُوسِرُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ نِصْفُ دِينَارٍ أَوْ قَدْرُهُ مِنْ الْإِبِلِ ، وَيَتَحَمَّلُ الْأَوْسَطُ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ قَدْرَهُ مِنْ الْإِبِلِ ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الْفَقِيرُ شَيْئًا مِنْهَا .\rوَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ فَقْرِهِ تَحَمَّلَ ، وَمَنْ افْتَقَرَ بَعْدَ يَسَارِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ .\rوَدِيَةُ نَفْسِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إنْ قُدِّرَتْ ذَهَبًا أَلْفُ دِينَارٍ مِنْ غَالِبِ الدَّنَانِيرِ الْجَيِّدَةِ ، وَإِنْ قُدِّرَتْ وَرِقًا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا فَهِيَ مِائَةُ بَعِيرٍ أَخْمَاسًا ، مِنْهَا عِشْرُونَ ابْنَةَ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ ابْنَةَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً ؛ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ، وَأَصْلُ الدِّيَةِ الْإِبِلُ ، وَمَا عَدَاهَا بَدَلٌ .\rوَدِيَةُ الْمَرْأَةِ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى","part":1,"page":468},{"id":468,"text":"أَنَّهَا كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ، قَالَ مَالِكٌ : نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ؛ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .\rوَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَدِيَتُهُ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ أَضْعَافًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ الْحُرِّ إذَا زَادَتْ وَأَنْقُصُ مِنْهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ","part":1,"page":469},{"id":469,"text":"وَأَمَّا الْعَمْدُ شِبْهُ الْخَطَإِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فِي الْفِعْلِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْقَتْلِ كَرَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا بِخَشَبَةٍ أَوْ رَمَى بِحَجَرٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ مِثْلِهَا أَوْ يَتْلَفَ فَأَفْضَى إلَى قَتْلِهِ أَوْ كَمُعَلِّمٍ ضَرَبَ صَبِيًّا بِمَعْهُودٍ أَوْ عَزَّرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا عَلَى ذَنْبٍ فَتَلِفَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقَتْلِ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُغَلَّظَةً وَتَغْلِيظُهَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثُلُثُهَا ، وَفِي الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ أَثْلَاثًا مِنْهَا ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَبْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا } .\rوَدِيَةُ الْخَطَإِ الْمَحْضِ فِي الْحَرَمِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَذِي الرَّحِمِ مُغَلَّظَةٌ ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ الْمَحْضِ إذَا عُفِيَ فِيهِ عَنْ الْقَوَدِ مُغَلَّظَةٌ تُسْتَحَقُّ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةً","part":1,"page":470},{"id":470,"text":"وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى جَمِيعِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَثُرُوا ؛ وَلِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيَقْتُلَ بَاقِيَهُمْ ، وَإِنْ عَفَا عَنْ جَمِيعِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَسْقُطُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ ذَابِحًا وَبَعْضُهُمْ جَارِحًا أَوْ مُوجِئًا فَالْقَوَدُ فِي النَّفْسِ عَلَى الذَّابِحِ ، وَالْمُوجِئِ ، وَالْجَارِحُ مَأْخُوذٌ بِحُكْمِ الْجِرَاحَةِ دُونَ النَّفْسِ .\rوَإِذَا قَتَلَ الْوَاحِدُ جَمَاعَةً قُتِلَ بِالْأَوَّلِ وَلَزِمَتْهُ فِي مَالِهِ دِيَةُ الْبَاقِينَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْتَلُ جَمِيعَهُمْ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ ؛ وَإِذَا قَتَلَهُمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَكَانَ الْقَوَدُ لِمَنْ قُرِعَ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَى أَوْلِيَاؤُهُمْ عَلَى تَسْلِيمِ الْقَوَدِ لِأَحَدِهِمْ فَيُقَادُ لَهُ وَيَلْزَمُ فِي مَالِهِ دِيَاتُ الْبَاقِينَ ، وَإِذَا أَمَرَ الْمُطَاعُ رَجُلًا بِالْقَتْلِ فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مَعًا ، وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَ مُطَاعٍ كَانَ الْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ ؛ وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرَهِ ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ :","part":1,"page":471},{"id":471,"text":"وَأَمَّا الْقَوَدُ فِي الْأَطْرَافِ فَكُلُّ طَرَفٍ قُطِعَ مِنْ مِفْصَلٍ فَفِيهِ الْقَوَدُ فَيُقَادُ مِنْ الْيَدِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ بِالرِّجْلِ وَالْأُصْبُعِ بِالْأُصْبُعِ وَالْأُنْمُلَةِ بِالْأُنْمُلَةِ وَالسِّنِّ بِمِثْلِهَا ، وَلَا تُقَادُ يُمْنَى بِيُسْرَى وَلَا عُلْيَا بِسُفْلَى وَلَا ضِرْسٌ بِسِنٍّ وَلَا ثَنِيَّةٌ بِرُبَاعِيَّةٍ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِسِنِّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ سِنُّ مَنْ لَمْ يَثْغَرْ ؛ وَلَا تُؤْخَذُ يَدٌ سَلِيمَةٌ بِيَدٍ شَلَّاءَ وَلَا بِلِسَانٍ أَخْرَسَ ، وَتُؤْخَذُ الْيَدُ الْكَاتِبَةُ وَالصَّانِعَةُ بِيَدِ مَنْ لَيْسَ بِكَاتِبٍ وَلَا صَانِعٍ .\rوَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ وَتُؤْخَذُ النَّجْلَاءُ بِالْحَوْلَاءِ وَالْعَشْوَاءِ ، وَلَا تُؤْخَذُ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ إلَّا بِمِثْلِهَا ، وَيُقَادُ الْأَنْفُ الَّذِي يَشُمُّ بِالْأَنْفِ الْأَخْشَمِ ، وَأُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُقَادُ مِنْ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ ، وَمِنْ الشَّرِيفِ بِالدَّنِيءِ .\rفَإِنَّ عُفِيَ عَنْ الْقَوَدِ بِهَذِهِ الْأَطْرَافِ إلَى الدِّيَةِ فَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ وَهُوَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ إلَّا أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَدِيَةُ الْيَدَيْنِ كَالرِّجْلَيْنِ إلَّا فِي أَنَامِلِهِمَا فَيَكُونُ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلَا فَضْلَ لِعَيْنِ الْأَعْوَرِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَأَوْجَبَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ جَمِيعَ الدِّيَةِ .\rوَفِي الْجُفُونِ الْأَرْبَعِ جَمِيعُ الدِّيَةِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ وَفِي الشَّفَتَيْنِ رُبْعُ الدِّيَةِ وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَلَا فَضْلَ لِسِنٍّ عَلَى ضِرْسٍ وَلَا لِثَنِيَّةٍ","part":1,"page":472},{"id":472,"text":"عَلَى نَاجِذٍ ، وَفِي إذْهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةُ ، فَإِنْ قَطَعَ أُذُنَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَأَذْهَبَ شَمَّهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ ، وَفِي إذْهَابِ الْكَلَامِ الدِّيَةُ فَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَفِي إذْهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ .\rوَفِي إذْهَابِ الذَّكَرِ الدِّيَةُ ؛ وَذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ حُكُومَةٌ ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ دِيَتُهَا ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ وَقِيلَ دِيَةٌ .","part":1,"page":473},{"id":473,"text":"وَأَمَّا الشِّجَاجُ ، فَأَوَّلُهَا الْخَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ ، وَلَا قَوَدَ فِيهَا ، وَلَا دِيَةَ ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rثُمَّ الدَّامِيَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ وَأَدَمَتْ وَفِيهَا حُكُومَةٌ ، ثُمَّ الدَّامِغَةُ ، وَهِيَ الَّتِي قَدْ خَرَجَ دِمَاؤُهَا مِنْ قَطْعِ الْجِلْدِ كَالدَّامِغَةِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ وَأَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rثُمَّ السِّمْحَاقُ ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ جَمِيعَ اللَّحْمِ بَعْدَ الْجِلْدِ وَأَبْقَتْ عَلَى عَظْمِ الرَّأْسِ غِشَاوَةً رَقِيقَةً وَفِيهَا حُكُومَةُ وَحُكُومَاتُ هَذِهِ الشِّجَاجِ تَزِيدُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا .\rثُمَّ الْمُوضِحَةُ ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْغِشَاوَةَ وَأَوْضَحَتْ عَنْ الْعَظْمِ فَفِيهَا الْقَوَدُ ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهَا فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rثُمَّ الْهَاشِمَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَوْضَحَتْ عَنْ اللَّحْمِ حَتَّى ظَهَرَ وَهَشَّمَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى تَكَسَّرَ وَفِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْهَشْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَإِنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ قُيِّدَ لَهُ مِنْهَا ، وَأُعْطِي فِي زِيَادَةِ الْهَشْمِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الْهَشْمِ حُكُومَةٌ .\rثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَوْضَحَتْ وَهَشَّمَتْ حَتَّى شَظِيَ الْعَظْمُ وَزَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَاحْتَاجَ إلَى نَقْلِهِ وَإِعَادَتِهِ وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنْ اسْتَقَادَ مِنْ الْمُوضِحَةِ أُعْطِيَ فِي الْهَشْمِ وَالتَّنْقِيلِ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ .\rثُمَّ الْمَأْمُومَةُ وَتُسَمَّى الدَّامِغَةَ ، وَهِيَ الَّتِي وَصَلَتْ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ .","part":1,"page":474},{"id":474,"text":"وَأَمَّا جِرَاحُ الْجَسَدِ فَلَا تُقَدَّرُ دِيَةُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا الْجَافِيَةَ ، وَهِيَ الْوَاصِلَةُ إلَى الْجَوْفِ وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَلَا قَوَدَ فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ إلَّا الْمُوضِحَةَ عَنْ عَظْمٍ فَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَإِذَا قُطِعَتْ أَطْرَافُهُ فَانْدَمَلَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ دِيَةِ النَّفْسِ ، وَلَوْ مَاتَ مِنْهَا قَبْلَ انْدِمَالِهَا كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ وَسَقَطَتْ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ انْدِمَالِ بَعْضِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ فِيمَا لَمْ يَنْدَمِلْ مَعَ دِيَةِ الْأَطْرَافِ ، وَفِيمَا انْدَمَلَ مِنْ لِسَانِ الْأَخْرَسِ وَيَدِ الْأَشَلِّ وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ حُكُومَةٌ ، وَالْحُكُومَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنْ يُقَوِّمَ الْحَاكِمُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُجْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَوِّمَهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَيُعْتَبَرَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ فَيَكُونَ قَدْرُ الْحُكُومَةِ فِي جِنَايَتِهِ .\rوَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ مِنْ الضَّرْبِ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ إذَا كَانَ حُرًّا غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ الْجَنِينُ صَارِخًا فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَعَلَى كُلِّ قَاتِلِ نَفْسٍ ضَمِنَ دِيَتَهَا الْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْخَاطِئِ ، دُونَ الْعَامِدِ .","part":1,"page":475},{"id":475,"text":"وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَعْوَزَهَا صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَإِذَا ادَّعَى قَوْمٌ قَتْلًا عَلَى قَوْمٍ ، وَمَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ وَاللَّوْثُ أَنْ يَعْنُوا بِالدَّعْوَى مَا يُوقِعُ فِي النَّفْسِ صِدْقَ الْمُدَّعِي فَيَصِيرُ الْقَوْلُ بِاللَّوْثِ قَوْلَ الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُحْكَمُ لَهُ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ ، وَلَوْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ أَوْ بَعْضِهَا حَلَفَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ .\rوَإِذَا وَجَبَ الْقَوَدُ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَائِهِ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ ، فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفٍ لَمْ يُمَكِّنْهُ السُّلْطَانُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ غَيْرُهُ ، وَأَجَرَهُ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ فِي مَالِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ دُونَ الْمُقْتَصِّ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَكُونُ فِي مَالِ الْمُقْتَصِّ لَهُ دُونَ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي نَفْسٍ جَازَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ ثَابِتَ النَّفْسِ إلَّا اسْتَوْفَاهُ السُّلْطَانُ لَهُ بِأَوْحَى سَيْفٍ وَأَمْضَاهُ ، فَإِنْ تَفَرَّدَ وَلِيُّ الْقَوَدِ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ وَلَمْ يَتَعَدَّ عَزَّرَهُ السُّلْطَانُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَارَ إلَى حَقِّهِ الْقَوَدُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .","part":1,"page":476},{"id":476,"text":"الْفَصْلُ السَّادِسُ : فِي التَّعْزِيرِ وَالتَّعْزِيرُ تَأْدِيبٌ عَلَى ذُنُوبٍ لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا الْحُدُودُ ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِ وَحَالِ فَاعِلِهِ ، فَيُوَافِقُ الْحُدُودَ مِنْ وَجْهِ أَنَّهُ تَأْدِيبُ اسْتِصْلَاحٍ وَزَجْرٍ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الذَّنْبِ وَيُخَالِفُ الْحُدُودَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ تَأْدِيبَ ذِي الْهَيْبَةِ مِنْ أَهْلِ الصِّيَانَةِ أَخَفُّ مِنْ تَأْدِيبِ أَهْلِ الْبَذَاءَةِ وَالسَّفَاهَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ } .\rفَتُدَرَّجُ فِي النَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ : فَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَكُونُ تَعْزِيرُ مَنْ جَلَّ قَدْرُهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَتَعْزِيرُ مَنْ دُونَهُ بِالتَّعْنِيفِ لَهُ وَتَعْزِيرٌ بِزَوَاجِر الْكَلَامِ وَغَايَةِ الِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي لَا قَذْفَ فِيهِ وَلَا سَبَبَ ، ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى الْحَبْسِ الَّذِي يُحْبَسُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ ذَنْبِهِمْ وَبِحَسَبِ هَفَوَاتِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ أَكْبَرَ مِنْهُ إلَى غَايَةٍ مُقَدَّرَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ تُقَدَّرُ غَايَتُهُ بِشَهْرٍ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَبِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّقْوِيمِ ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى النَّفْيِ وَالْإِبْعَادِ إذَا تَعَدَّتْ ذُنُوبُهُ إلَى اجْتِذَابِ غَيْرِهِ إلَيْهَا وَاسْتِضْرَارِهِ بِهَا وَاخْتُلِفَ فِي غَايَةِ نَفْيِهِ وَإِبْعَادِهِ .\rفَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تُقَدَّرُ بِمَا دُونَ الْحَوْلِ وَلَوْ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسَاوِيًا لِتَعْزِيرِ الْحَوْلِ فِي الزِّنَا ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ عَلَى الْحَوْلِ بِمَا يَرَى مِنْ أَسْبَابِ الزَّوَاجِرِ ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى الضَّرْبِ يَنْزِلُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ الْهَفْوَةِ فِي مِقْدَارِ الضَّرْبِ وَبِحَسَبِ الرُّتْبَةِ فِي الِامْتِهَانِ وَالصِّيَانَةِ .","part":1,"page":477},{"id":477,"text":"وَاخْتُلِفَ فِي أَكْثَرِ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الضَّرْبُ فِي التَّعْزِيرِ ، فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُ فِي الْحُرِّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا لِيَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحُدُودِ فِي الْخَمْرِ ، فَلَا يُبْلَغَ بِالْحُرِّ أَرْبَعِينَ وَبِالْعَبْدِ عِشْرِينَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَكْثَرُهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُتَجَاوَزَ بِهِ أَكْثَرَ الْحُدُودِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ تَعْزِيرُ كُلِّ ذَنْبٍ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِّهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ وَأَعْلَاهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ يُقَصَّرُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ بِخَمْسَةِ أَسْوَاطٍ ، فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ فِي التَّعْزِيرِ بِالزِّنَا رُوعِيَ مِنْهُ مَا كَانَ ، فَإِنْ أَصَابُوهَا بِأَنْ نَالَ مِنْهَا مَا دُونَ الْفَرْجِ ضَرَبُوهُمَا أَعْلَى التَّعْزِيرِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا ، وَإِنْ وَجَدُوهُمَا فِي إزَارٍ لَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا مُتَبَاشِرَيْنِ غَيْرَ مُتَعَامِلَيْنِ لِلْجِمَاعِ ضَرَبُوهُمَا سِتِّينَ سَوْطًا ، وَإِنْ وَجَدُوهُمَا غَيْرَ مُتَبَاشِرَيْنِ ضَرَبُوهُمَا أَرْبَعِينَ سَوْطًا ، وَإِنْ وَجَدُوهُمَا خَالِيَيْنِ فِي بَيْتٍ عَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا ضَرَبُوهُمَا ثَلَاثِينَ سَوْطًا ، وَإِنْ وَجَدُوهُمَا فِي طَرِيقٍ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ ضَرَبُوهُمَا عِشْرِينَ سَوْطًا ، وَإِنْ وَجَدُوهُ يَتْبَعُهَا ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى ذَلِكَ يُحَقِّقُوا ، وَإِنْ وَجَدُوهُمَا يُشِيرُ إلَيْهَا وَتُشِيرُ إلَيْهِ بِغَيْرِ كَلَامٍ ضَرَبُوهُمَا عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ ، وَهَكَذَا يَقُولُ فِي التَّعْزِيرِ بِسَرِقَةِ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، فَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ضُرِبَ أَعْلَى التَّعْزِيرِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا ، وَإِذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ ضُرِبَ سِتِّينَ سَوْطًا .\rوَإِذَا سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ضُرِبَ خَمْسِينَ سَوْطًا ، فَإِذَا جَمَعَ الْمَالَ فِي الْحِرْزِ ، وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ قَبْلَ إخْرَاجِهِ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا ، وَإِذَا","part":1,"page":478},{"id":478,"text":"نَقَبَ الْحِرْزَ وَدَخَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ ضُرِبَ ثَلَاثِينَ سَوْطًا .\rوَإِذَا نَقَبَ الْحِرْزَ وَلَمْ يَدْخُلْ ضُرِبَ عِشْرِينَ سَوْطًا .\rوَإِذَا تَعَرَّضَ لِلنَّقْبِ أَوْ لِفَتْحِ بَابٍ وَلَمْ يُكْمِلْهُ ضُرِبَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ .\rوَإِذَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْقَبٌ أَوْ كَانَ مُرْصِدًا لِلْمَالِ يُحَقَّقُ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِيمَا سِوَى هَذَيْنِ ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحْسَنًا فِي الظَّاهِرِ فَقَدْ تَجَرَّدَ الِاسْتِحْسَانُ فِيهِ عَنْ دَلِيلٍ يُتَقَدَّرُ بِهِ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ .","part":1,"page":479},{"id":479,"text":"وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَدَّ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا الشَّفَاعَةُ فِيهِ فَيَجُوزُ فِي التَّعْزِيرِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَتَسُوغُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ ، فَإِنْ تَفَرَّدَ التَّعْزِيرُ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَحُكْمِ التَّقْوِيمِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ جَازَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُرَاعِيَ الْأَصْلَحَ فِي الْعَفْوِ أَوْ التَّعْزِيرِ وَجَازَ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ مَنْ سَأَلَ الْعَفْوَ عَنْ الذَّنْبِ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اشْفَعُوا إلَيَّ وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ } .","part":1,"page":480},{"id":480,"text":"وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالتَّعْزِيرِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ كَالتَّعْزِيرِ فِي الشَّتْمِ وَالْمُوَاثَبَةِ فَفِيهِ حَقُّ الْمَشْتُومِ وَالْمَضْرُوبِ ، وَحَقُّ السَّلْطَنَةِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ ، فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُسْقِطَ بِعَفْوِهِ حَقَّ الْمَشْتُومِ وَالْمَضْرُوبِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لَهُ حَقَّهُ مِنْ تَعْزِيرِ الشَّاتِمِ وَالضَّارِبِ ، فَإِنْ عَفَا الْمَضْرُوبُ وَالْمَشْتُومُ كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ بَعْدَ عَفْوِهِمَا عَلَى خِيَارِهِ فِي فِعْلِ الْأَصْلَحِ مِنْ التَّعْزِيرِ تَقْوِيمًا وَالصَّفْحِ عَنْهُ عَفْوًا ، فَإِنْ تَعَافَوْا عَنْ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إلَيْهِ سَقَطَ التَّعْزِيرُ الْآدَمِيُّ .\rوَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ حَقِّ السَّلْطَنَةِ عَنْهُ وَالتَّقْوِيمِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rأَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ أَغْلَظُ وَيَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْعَفْوِ فَكَانَ حُكْمُ التَّعْزِيرِ بِالسَّلْطَنَةِ أَسْقَطَ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ مَعَ الْعَفْوِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ مَعَ الْعَفْوِ بَعْدَ التَّرَافُعِ إلَيْهِ مُخَالَفَةً لِلْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ مِنْ حُقُوقِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، وَلَوْ تَشَاتَمَ وَتَوَاثَبَ وَالِدٌ مَعَ وَلَدٍ سَقَطَ تَعْزِيرُ الْوَالِدِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ وَلَمْ يَسْقُطْ تَعْزِيرُ الْوَلَدِ فِي حَقِّ الْوَالِدِ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ ، وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِوَالِدِهِ وَكَانَ تَعْزِيرُ الْأَبِ مُخْتَصًّا بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ ، وَالتَّقْوِيمُ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْوَلَدِ .\rوَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ ، وَكَانَ تَعْزِيرُ الْوَلَدِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حَقِّ الْوَلَدِ وَحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ ، فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ مَعَ مُطَالَبَةِ الْوَالِدِ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي","part":1,"page":481},{"id":481,"text":"الَّذِي يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ .","part":1,"page":482},{"id":482,"text":"وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْحَدَّ وَإِنْ كَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ التَّلَفِ هَدَرًا فَإِنَّ التَّعْزِيرَ يُوجِبُ ضَمَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ التَّلَفِ قَدْ أَرْهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَةً فَأُخْمِصَتْ بَطْنُهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَشَاوَرَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَمَلَ دِيَةَ جَنِينِهَا .","part":1,"page":483},{"id":483,"text":"وَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ دِيَةِ التَّعْزِيرِ فَقِيلَ : تَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ ، وَقِيلَ تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَفِي مَالِهِ إنْ قِيلَ : إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَإِنْ قِيلَ : إنَّ الدِّيَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَفِي مَحَلِّ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا فِي مَالِهِ .\rوَالثَّانِي : فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَهَكَذَا الْمُعَلِّمُ إذَا ضَرَبَ صَبِيًّا أَدَبًا مَعْهُودًا فِي الْعُرْفِ فَأَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ضَمِنَ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةَ فِي مَالِهِ .\rوَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ ضَرْبُ زَوْجَتِهِ إذَا نَشَزَتْ عَنْهُ ، فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ ضَرْبِهِ ضَمِنَ دِيَتَهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ إلَّا إنْ قَتَلَهَا فَيُقَادُ بِهَا .","part":1,"page":484},{"id":484,"text":"وَأَمَّا صِفَةُ الضَّرْبِ فِي التَّعْزِيرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَصَا وَبِالسَّوْطِ الَّذِي كُسِرَتْ ثَمَرَتُهُ كَالْحَدِّ .\rوَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ بِسَوْطٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ فَذَهَبَ الزُّبَيْرِيُّ إلَى جَوَازِهِ ، فَإِنْ زَادَ فِي الصِّفَةِ عَلَى ضَرْبِ الْحُدُودِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبْلَغَ بِهِ إنْهَارُ الدَّمِ .\rوَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى حَظْرِهِ بِسَوْطٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ ، لِأَنَّ الضَّرْبَ فِي الْحُدُودِ أَبْلَغُ وَأَغْلَظُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَحْظُورٌ فَكَانَ فِي التَّعْزِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْلَغَ بِتَعْزِيرٍ إنْهَارُ الدَّمِ ، وَضَرْبُ الْحَدِّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ بَعْدَ تَوَقِّي الْمَوَاضِعِ الْقَاتِلَةِ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ نَصِيبَهُ مِنْ الْحَدِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَسَدِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ فَأَجْرَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَجْرَى الضَّرْبِ فِي تَفْرِيقِهِ وَحَظْرِ جَمْعِهِ ، وَخَالَفَهُمْ الزُّبَيْرِيُّ فَجَوَّزَ جَمْعَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَسَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إسْقَاطُهُ عَنْ جَمِيعِ الْجَسَدِ جَازَ إسْقَاطُهُ عَنْ بَعْضِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ وَيَجُوزُ أَنْ يُصْلَبَ فِي التَّعْزِيرِ حَيًّا .\rقَدْ { صَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو نَابٍ } ، وَلَا يُمْنَعُ إذَا صُلِبَ أَدَاءَ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي مُومِيًا وَيُعِيدُ إذَا أُرْسِلَ وَلَا يُتَجَاوَزُ بِصَلْبِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَيَجُوزُ فِي نَكَالِ التَّعْزِيرِ أَنْ يُجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُشْهَرُ فِي النَّاسِ وَيُنَادَى عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَمْ يَتُبْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْلَقَ لِحْيَتُهُ .\rوَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَسْوِيدِ وُجُوهِهِمْ ، فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ ؛ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَقَلُّونَ .","part":1,"page":485},{"id":485,"text":"الْبَابُ الْعِشْرُونَ : فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ الْحِسْبَةُ : هِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ إذَا ظَهَرَ تَرَكَهُ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا أُظْهِرَ فَعَلَهُ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } .\rوَهَذَا ، وَإِنْ صَحَّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ فَالْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَطَوِّعِ وَالْمُحْتَسِبِ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ فَرْضَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ ، وَفَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ دَاخِلٌ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسِبِ بِهِ مِنْ حُقُوقِ تَصَرُّفِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ ، وَقِيَامُ الْمُتَطَوِّعِ بِهِ مِنْ نَوَافِلِ عَمَلِهِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ .\rوَالثَّالِثُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِلِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ فِيمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ ، وَلَيْسَ الْمُتَطَوِّعُ مَنْصُوبًا لِلِاسْتِعْدَاءِ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إجَابَةَ مَنْ اسْتَعْدَاهُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إجَابَتُهُ .\rوَالْخَامِسُ : أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا وَيَفْحَصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ بَحْثٌ وَلَا فَحْصٌ .\rوَالسَّادِسُ : أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى إنْكَارِهِ أَعْوَانًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ لِيَكُونَ لَهُ أَقْهَرَ وَعَلَيْهِ أَقْدَرَ وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَنْدُبَ لِذَلِكَ أَعْوَانًا .\rوَالسَّابِعُ : أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لَا يَتَجَاوَزُ إلَى الْحُدُودِ ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ عَلَى مُنْكَرٍ .\rوَالثَّامِنُ : أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى حِسْبَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ .\rوَالتَّاسِعُ : أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ","part":1,"page":486},{"id":486,"text":"فِيهِ فَيُقِرُّ وَيُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ ، فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ وَالِي الْحِسْبَةِ وَإِنْ كَانَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُتَطَوِّعِينَ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ التِّسْعَةِ .","part":1,"page":487},{"id":487,"text":"وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِنْ شُرُوطِ وَالِي الْحِسْبَةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَدْلًا ذَا رَأْيٍ وَصَرَامَةٍ وَخُشُونَةٍ فِي الدِّينِ وَعِلْمٍ بِالْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ فِيمَا يُنْكِرُهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ لِيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلَا يَقُودَهُمْ إلَى مَذْهَبِهِ لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ لِلْكَافَّةِ ، وَفِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالْمُنْكَرَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا","part":1,"page":488},{"id":488,"text":"( فَصْلٌ ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِ الْمَظَالِمِ ، فَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَمَقْصُورَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَزَائِدَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ .\rفَأَحَدُهُمَا جَوَازُ الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ وَسَمَاعِهِ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى عُمُومِ الدَّعَاوَى ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ الدَّعْوَى : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ .\rوَالثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ بِغِشٍّ أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ .\rوَالثَّالِثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلٍ وَتَأْخِيرٍ لِدَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ ، وَإِنَّمَا جَازَ نَظَرُهُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الدَّعَاوَى دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى لِتَعَلُّقِهَا بِمُنْكَرٍ ظَاهِرٍ هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ وَاخْتِصَاصِهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا ، وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ النَّاجِزِ وَالْفَصْلِ الْبَاتِّ ، فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ الْمُوَافَقَةِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ لَهُ إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ الْحُقُوقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهَا ، وَإِذَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافٍ وَإِقْرَارٍ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَإِيسَارِهِ فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْمُوسِرَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَدَفْعُهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ .\rوَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ .\rفَأَحَدُهُمَا قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ مِنْ الدَّعَاوَى","part":1,"page":489},{"id":489,"text":"فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَدِبَ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى لَهَا ، وَلَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ فِيهَا لَا فِي كَثِيرِ الْحُقُوقِ وَلَا فِي قَلِيلِهَا مِنْ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهُ إلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِنَصٍّ صَرِيحٍ يَزِيدُ عَلَى إطْلَاقِ الْحِسْبَةِ فَيَجُوزُ وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ وَحِسْبَةٍ ، فَيُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ اقْتَصَرَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ الْحِسْبَةِ فَالْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ بِالنَّظَرِ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ أَحَقُّ ، فَهَذَا وَجْهٌ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا ، فَأَمَّا مَا يَتَدَاخَلُهُ التَّجَاحُدُ وَالتَّنَاكُرُ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَةً عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ ، وَلَا أَنْ يُحَلِّفَ يَمِينًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ ، وَالْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَإِحْلَافِ الْخُصُومِ أَحَقُّ .\rوَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ .\rفَأَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعِدٌّ ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ ، فَإِنْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّهْبَةِ ، فَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ وَالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا فِيهَا وَلَا خَرْقًا وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ فَهُوَ بِالْأَنَاةِ وَالْوَقَارِ أَحَقُّ وَخُرُوجُهُ عَنْهُمَا إلَى سَلَاطَةِ الْحِسْبَةِ تَجَوُّزٌ وَخَرْقٌ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَنْصِبَيْنِ مُخْتَلِفٌ فَالتَّجَوُّزُ","part":1,"page":490},{"id":490,"text":"فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ حَدِّهِ .\rوَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ .\rفَأَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وَقُوَّةِ الصَّرَامَةِ .\rوَالثَّانِي جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ .\rوَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ ، وَالنَّظَرُ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفَّهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُتْبَةُ الْمَظَالِمِ أَعْلَى ، وَرُتْبَةُ الْحِسْبَةِ أَخْفَضَ ، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَالِي الْمَظَالِمِ ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْمُحْتَسِبِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَهَذَا الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ وَلَا يَجُوزُ لِوَالِي الْحِسْبَةِ أَنْ يَحْكُمَ .","part":1,"page":491},{"id":491,"text":"( فَصْلٌ ) وَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ مَوْضِعِ الْحِسْبَةِ وَوُضِعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَظَالِمِ فَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ .\rوَالثَّانِي : نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ فَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالثَّانِي : مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَالثَّالِثُ : مَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا .\rفَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ كَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي وَطَنٍ مَسْكُونٍ ، فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ كَالْأَرْبَعِينَ فَمَا زَادَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِقَامَتِهَا وَيَأْمُرَهُمْ بِفِعْلِهَا وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا ، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ فَلَهُ وَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَارِعُوا إلَى أَمْرِهِ بِهَا وَيَكُونَ فِي تَأْدِيبِهِمْ عَلَى تَرْكِهَا أَلْيَنَ مِنْ تَأْدِيبِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ .\rوَالْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا لَوْ أُقِيمَتْ أَحَقُّ .\rوَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَرَى الْقَوْمُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ وَلَا يَرَاهُ الْمُحْتَسِبُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَارِضَهُمْ فِيهَا وَلَا يَأْمُرَ بِإِقَامَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ .\rوَالْحَالُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَرَى الْمُحْتَسِبُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ ، وَلَا يَرَاهُ الْقَوْمُ فَهَذَا مِمَّا فِي اسْتِمْرَارِ تَرْكِهِ وَتَعْطِيلِ الْجُمُعَةِ","part":1,"page":492},{"id":492,"text":"مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَزِيَادَتِهِ ، فَهَلْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا اعْتِبَارًا بِهَذَا الْمَعْنَى أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا اعْتِبَارًا بِالْمَصْلَحَةِ لِئَلَّا يَنْشَأَ الصَّغِيرُ عَلَى تَرْكِهَا فَيَظُنَّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ كَمَا تَسْقُطُ بِنُقْصَانِهِ ، فَقَدْ رَاعَى زِيَادٌ مِثْلَ هَذَا فِي صَلَاةِ النَّاسِ فِي جَامِعَيْ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا صَلَّوْا فِي صَحْنِهِ فَرَفَعُوا مِنْ السُّجُودِ مَسَحُوا جِبَاهَهُمْ مِنْ التُّرَابِ فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْحَصَى فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَقَالَ : لَسْتُ آمَنُ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَيَظُنَّ الصَّغِيرُ إذَا نَشَأْ أَنَّ مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْرِهِمْ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى اعْتِقَادِهِ ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُمْ فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِ مَعَ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ يَمْنَعُ مِنْ إجْزَاءِ الْجُمُعَةِ .\rوَأَمَّا أَمْرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهَا ، وَهَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ أَوْ مِنْ الْحُقُوقِ الْجَائِزَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا هَلْ هِيَ مَسْنُونَةٌ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : إنَّهَا مَسْنُونَةٌ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا نَدْبًا ، وَإِنْ قِيلَ : إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا حَتْمًا .","part":1,"page":493},{"id":493,"text":"فَأَمَّا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَإِقَامَةُ الْأَذَانِ فِيهَا لِلصَّلَوَاتِ فَمِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَعَلَامَاتِ التَّعَبُّدِ الَّتِي فَرَّقَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الشِّرْكِ فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ عَلَى تَعْطِيلِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَتَرْكِ الْأَذَانِ فِي أَوْقَاتِ صَلَوَاتِهِمْ كَانَ الْمُحْتَسِبُ مَنْدُوبًا إلَى أَمْرِهِمْ بِالْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَوْ مُحْتَسَبٌ لَهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَهَلْ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ مُحَارَبَتُهُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ .\rفَأَمَّا تَرْكُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِصَلَاتِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ عَادَةً وَإِلْفًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّدْبِ الَّذِي يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ اسْتِرَابَةٌ أَوْ يَجْعَلَهُ إلْفًا وَعَادَةً وَيَخَافَ تَعَدِّيَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَيُرَاعِي حُكْمَ الْمَصْلَحَةِ بِهِ فِي زَجْرِهِ عَمَّا اسْتَهَانَ بِهِ مِنْ سُنَنِ عِبَادَتِهِ وَيَكُونُ وَعِيدُهُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ ، كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا وَآمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا وَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى مَنَازِلِ أَقْوَامٍ لَا يَحْضُرُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ } .\rوَأَمَّا مَا يَأْمُرُ بِهِ آحَادَ النَّاسِ وَأَفْرَادَهُمْ فَكَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَيُذَكِّرُ بِهَا وَيَأْمُرُ بِفِعْلِهَا وَيُرَاعِي جَوَابَهُ عَنْهَا ، فَإِنْ قَالَ : تَرَكْتُهَا لِنِسْيَانٍ حَثَّهُ عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّبْهُ ؛ وَإِنْ قَالَ : تَرَكْتُهَا لِتَوَانٍ وَهَوَانٍ","part":1,"page":494},{"id":494,"text":"أَدَّبَهُ زَجْرًا وَأَخَذَهُ بِفِعْلِهَا جَبْرًا ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي فَضْلِ التَّأْخِيرِ ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَاتُ فِي بَلَدٍ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى تَأْخِيرِ صَلَوَاتِهِمْ إلَى آخِرِهِ وَالْمُحْتَسِبُ يَرَى فَضْلَ تَعْجِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالتَّعْجِيلِ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ جَمِيعِ النَّاسِ لِتَأْخِيرِهَا يُفْضِي بِالصَّغِيرِ النَّاشِئِ إلَى اعْتِقَادِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ دُونَ مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ عَجَّلَهَا بَعْضُهُمْ تَرَكَ مَنْ أَخَّرَهَا مِنْهُمْ مَا يَرَاهُ مِنْ التَّأْخِيرِ .\rفَأَمَّا الْأَذَانُ وَالْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ إذَا خَالَفَ فِيهِ رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِيهِ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَإِنْ كَانَ يَرَى إذَا كَانَ مَا يَفْعَلُ مُسَوَّغًا فِي الِاجْتِهَادِ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ يُخَالِفُ فِيهِ رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ وَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ تَغَيَّرَ بِالْمَذْرُورَاتِ الطَّاهِرَاتِ ، أَوْ اقْتِصَارٌ عَلَى مَسْحِ أَقَلِّ الرَّأْسِ ، أَوْ الْعَفْوُ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ ، وَكَانَ لَهُ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَجْهَانِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِفْضَاءِ إلَى اسْتِبَاحَتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ رُبَّمَا آلَ إلَى السُّكْرِ مَنْ شَرِبَهُ ثُمَّ عَلَى نَظَائِرِ هَذَا الْمِثَالِ - تَكُونُ أَوَامِرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى","part":1,"page":495},{"id":495,"text":"( فَصْلٌ ) فَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَضَرْبَانِ : عَامٌّ وَخَاصٌّ .\rفَأَمَّا الْعَامُّ .\rفَكَالْبَلَدِ إذَا تَعَطَّلَ شُرْبُهُ أَوْ اسْتُهْدِمَ سُورُهُ أَوْ كَانَ يَطْرُقُهُ بَنُو السَّبِيلِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ فَكَفُّوا عَنْ مَعُونَتِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِمْ فِيهِ ضَرَرٌ أَمَرَ بِإِصْلَاحِ شُرْبِهِمْ وَبِنَاءِ سُورِهِمْ وَبِمَعُونَةِ بَنِي السَّبِيلِ فِي الِاجْتِيَازِ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ تَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ دُونَهُمْ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتُهْدِمَتْ مَسَاجِدُهُمْ وَجَوَامِعُهُمْ ، فَأَمَّا إذَا أُعْوِزَ بَيْتُ الْمَالِ كَانَ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ سُورِهِمْ وَإِصْلَاحِ شُرْبِهِمْ وَعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِمْ وَجَوَامِعِهِمْ وَمُرَاعَاةِ بَنِي السَّبِيلِ فِيهِمْ مُتَوَجِّهًا إلَى كَافَّةِ ذَوِي الْمُكْنَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمْ فِي الْأَمْرِ بِهِ ، وَإِنْ شَرَعَ ذَوُو الْمُكْنَةِ فِي عَمَلِهِمْ ، وَفِي مُرَاعَاةِ بَنِي السَّبِيلِ وَبَاشَرُوا الْقِيَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُحْتَسِبِ حَقُّ الْأَمْرِ بِهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ الِاسْتِئْذَانُ فِي مُرَاعَاةِ بَنِي السَّبِيلِ وَلَا فِي بِنَاءِ مَا كَانَ مَهْدُومًا ، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادُوا هَدْمَ مَا يُعِيدُونَ بِنَاءَهُ مِنْ الْمُسْتَرَمِّ وَالْمُسْتَهْدَمِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى هَدْمِهِ فِيمَا عَمَّ أَهْلَ الْبَلَدِ مِنْ سُورِهِ وَجَامِعِهِمْ إلَّا بِاسْتِئْذَانِ وَلِيِّ الْأَمْرِ دُونَ الْمُحْتَسِبِ لِيَأْذَنَ لَهُمْ فِي هَدْمِهِ بَعْدَ تَضْمِينِهِ الْقِيَامَ بِعِمَارَتِهِ ، وَجَازَ فِيمَا خُصَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ أَلَّا يَسْتَأْذِنُوهُ ، وَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِبِنَاءِ مَا هَدَمُوهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِتْمَامِ مَا اسْتَأْنَفُوهُ ، فَأَمَّا إذَا كَفَّ ذَوُو الْمُكْنَةِ عَنْ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ وَعِمَارَةِ مَا اُسْتُرِمَّ ، فَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ فِي الْبَلَدِ مُمْكِنًا وَكَانَ الشُّرْبُ وَإِنْ قَلَّ مُقْنِعًا تَارَكَهُمْ وَأَبَاهُ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَقَامُ فِي الْبَلَدِ لِتَعْطِيلِ شُرْبِهِ وَانْدِحَاضِ سُورِهِ نَظَرَ ، فَإِنْ","part":1,"page":496},{"id":496,"text":"كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا يَضُرُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ تَعْطِيلُهُ لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُفْسِحَ فِي الِانْتِقَالِ عَنْهُ ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّوَازِلِ إذَا حَدَثَتْ فِي قِيَامِ كَافَّةِ ذَوِي الْمُكْنَةِ بِهِ وَكَانَ تَأْثِيرُ الْمُحْتَسِبِ فِي مِثْلِ هَذَا إعْلَامَ السُّلْطَانِ بِهِ وَتَرْغِيبَ أَهْلِ الْمُكْنَةِ فِي عَمَلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْبَلَدُ ثَغْرًا مِصْرًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَمْرُهُ أَيْسَرَ وَحُكْمُهُ أَخَفَّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَهُ جَبْرًا بِعِمَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ أَحَقُّ أَنْ يَقُومَ بِهِ ، وَلَوْ أَعْوَزَهُ الْمَالُ فَيَسْتَجِدُّهُ فَيَقُولُ لَهُمْ : الْمُسْتَحَبُّ مَا اسْتَدَامَ عَجْزُ السُّلْطَانِ عَنْهُ أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الِانْتِقَالِ عَنْهُ أَوْ الْتِزَامِ مَا يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعَهَا دَوَامُ اسْتِيطَانِهِ ، فَإِنْ أَجَابُوهُ إلَى الْتِزَامِ ذَلِكَ كَلَّفَ جَمَاعَتَهُمْ مَا تَسْمَحُ بِهِ نُفُوسُهُمْ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي عَيْنِهِ أَنْ يَلْتَزِمَ جَبْرًا مَا لَا تَسْمَحُ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ وَيَقُولُ لِيُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سَهُلَ عَلَيْهِ وَطَابَ نَفْسًا بِهِ : وَمَنْ أَعْوَزَهُ الْمَالُ أَعَانَ بِالْعَمَلِ حَتَّى إذَا اجْتَمَعَتْ كِفَايَةُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ يَلُوحُ اجْتِمَاعُهَا لِضَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُكْنَةِ قَدْرًا طَابَ بِهِ نَفْسًا شَرَعَ حِينَئِذٍ فِي عَمَلِ الْمَصْلَحَةِ وَأَخَذَ كُلَّ ضَامِنٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِالْتِزَامِ مَا ضَمِنَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا الضَّمَانِ لَا يَلْزَمُ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْخَاصَّةِ ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا عَمَّ مِنْ الْمَصَالِحِ مُوسِعٌ فَكَانَ حُكْمُ الضَّمَانِ فِيهِ أَوْسَعَ .\rوَإِذَا عَمَّتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالْقِيَامِ بِهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ فِيهَا لِئَلَّا يَصِيرَ بِالتَّفَرُّدِ مُفْتَاتًا عَلَيْهِ ؛ إذْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ مِنْ مَعْهُودِ حِسْبَتِهِ ، فَإِنْ قَلَّتْ وَشَقَّ اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِيهَا أَوْ خِيفَ","part":1,"page":497},{"id":497,"text":"زِيَادَةُ الضَّرَرِ لِبُعْدِ اسْتِئْذَانِهِ جَازَ شُرُوعُهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ .\rوَأَمَّا الْخَاصُّ فَكَالْحُقُوقِ إذَا مُطِلَتْ وَالدُّيُونِ إذَا أُخِّرَتْ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ الْمُكْنَةِ إذَا اسْتَعْدَاهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ حُكْمٌ ، وَلَهُ أَنْ يُلَازِمَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُلَازِمَ ، وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ لِافْتِقَارِ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِأَدَائِهَا ، وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ مَنْ تَجِبُ كَفَالَتُهُ مِنْ الصِّغَارِ وَالِاعْتِرَاضُ لَهُ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِيهَا .\rوَأَمَّا قَبُولُ الْوَصَايَا وَالْوَدَائِعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ فِيهَا أَعْيَانَ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ حَثًّا عَلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ تَكُونُ أَوَامِرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ","part":1,"page":498},{"id":498,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَأَخَذِ الْأَوْلِيَاءِ بِنِكَاحِ الْأَيَامَى أَكْفَاءَهُنَّ إذَا طَلَبْنَ وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ إذَا فُورِقْنَ وَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ خَالَفَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ النِّسَاءِ وَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ .\rوَمَنْ نَفَى وَلَدًا قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أُمِّهِ وَلُحُوقُ نَسَبِهِ أَخَذَهُ بِأَحْكَامِ الْآبَاءِ جَبْرًا وَعَزَّزَهُ عَنْ النَّفْيِ أَدَبًا ، وَيَأْخُذُ السَّادَةَ بِحُقُوقِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُطِيقُونَ ، وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الْبَهَائِمِ يَأْخُذُهُمْ بِعُلُوفَتِهَا إذَا قَصَّرُوا وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تُطِيقُ .\rوَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا وَقَصَّرَ فِي كَفَالَتِهِ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِ الْتِقَاطِهِ مِنْ الْتِزَامِ كَفَالَتِهِ أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ يَلْتَزِمُهَا وَيَقُومُ بِهَا ، وَكَذَلِكَ وَاجِدُ الضَّوَالِّ إذَا قَصَّرَ فِيهَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا ، وَيَكُونُ ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ بِالتَّقْصِيرِ وَلَا يَكُونُ بِهِ ضَامِنًا اللَّقِيطَ .\rوَإِذَا أَسْلَمَ الضَّالَّةَ إلَى غَيْرِهِ ضَمِنَهَا ؛ وَلَا يَضْمَنُ اللَّقِيطَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ عَلَى نَظَائِرِ هَذَا الْمِثَالِ يَكُونُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ .","part":1,"page":499},{"id":499,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالثَّانِي مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَالثَّالِثُ مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ .\rفَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ الثَّانِي مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ .\rوَالثَّالِثُ مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامَلَاتِ .\rفَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادَاتِ فَكَالْقَاصِدِ مُخَالَفَةَ هَيْئَاتِهَا الْمَشْرُوعَةِ وَالْمُتَعَمِّدِ تَغْيِيرَ أَوْصَافِهَا الْمَسْنُونَةِ مِثْلُ مَنْ يَقْصِدُ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ ، وَالْإِسْرَارَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ أَوْ يَزِيدُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْأَذَانِ أَذْكَارًا غَيْرَ مَسْنُونَةٍ ، فَلِلْمُحْتَسِبِ إنْكَارُهَا وَتَأْدِيبُ الْمُعَانِدِ فِيهَا إذَا لَمْ يَقُلْ بِمَا ارْتَكَبَهُ إمَامٌ مَتْبُوعٌ ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَلَّ بِتَطْهِيرِ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِالتُّهَمِ وَلَا بِالظُّنُونِ ؛ كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاظِرِينَ فِي الْحِسْبَةِ أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا دَاخِلًا إلَى الْمَسْجِدِ بِنَعْلَيْنِ هَلْ يَدْخُلُ بِهِمَا بَيْتَ طَهَارَتِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ أَرَادَ إحْلَافَهُ عَلَيْهِ ؛ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ تَعَدَّى فِيهِ أَحْكَامَ الْحِسْبَةِ وَغَلَبَ فِيهِ سُوءُ الظِّنَّةِ ، وَهَكَذَا لَوْ ظَنَّ بِرَجُلٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ لَمْ يُؤَاخِذْهُ بِالتُّهَمِ وَلَمْ يُعَامِلْهُ بِالْإِنْكَارِ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ بِالتُّهْمَةِ أَنْ يَعِظَ وَيُحَذِّرَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَلَى إسْقَاطِ حُقُوقِهِ وَالْإِخْلَالِ بِمَفْرُوضَاتِهِ .\rفَإِنْ رَآهُ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى تَأْدِيبِهِ إلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْ سَبَبِ أَكْلِهِ إذَا الْتَبَسَتْ أَحْوَالُهُ فَرُبَّمَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا ، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرَّيْبِ ، فَإِنْ ذَكَرَ","part":1,"page":500},{"id":500,"text":"مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ كَفَّ عَنْ زَجْرِهِ وَأَمَرَهُ بِإِخْفَاءِ أَكْلِهِ لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ إحْلَافُهُ عِنْدَ الِاسْتِرَابَةِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ عُذْرًا جَاهَرَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مُجَاهَرَةَ رَدْعٍ وَأَدَّبَهُ تَأْدِيبَ زَجْرٍ ، وَهَكَذَا لَوْ عَلِمَ عُذْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُجَاهَرَةَ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ ، وَلِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ مِنْ ذَوِي الْجَهَالَةِ مِمَّنْ لَا يُمَيِّزُ حَالَ عُذْرِهِ مِنْ غَيْرِهِ .","part":2,"page":1},{"id":501,"text":"وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ فَعَامِلُ الصَّدَقَةِ يَأْخُذُهَا مِنْهُ جَبْرًا أَخَصُّ ، وَهُوَ بِتَعْزِيرِهِ عَلَى الْغُلُولِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ عُذْرًا أَحَقُّ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ أَخَصَّ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مِنْ عَامِلِ الصَّدَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِلْعَامِلِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَخَصَّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا لَهُ أَجْزَأَهُ ، وَيَكُونُ تَأْدِيبُهُ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا سِرًّا وُكِّلَ إلَى أَمَانَتِهِ فِيهَا .\rوَإِنْ رَأَى رَجُلًا يَتَعَرَّضُ لِمَسْأَلَةِ النَّاسِ فِي طَلَبِ الصَّدَقَةِ وَعَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ إمَّا بِمَالٍ أَوْ عَمَلٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَأَدَّبَهُ فِيهِ وَكَانَ الْمُحْتَسِبُ بِإِنْكَارِهِ أَخَصَّ مِنْ عَامِلِ الصَّدَقَةِ .\rقَدْ فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ بِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ ، وَلَوْ رَأَى عَلَيْهِ آثَارَ الْغِنَى وَهُوَ يَسْأَلُ النَّاسَ أَعْلَمُهُ تَحْرِيمَهَا عَلَى الْمُسْتَغْنِي عَنْهَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ فَقِيرًا ، وَإِذَا تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ ذُو جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ زَجَرَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِرَافِ بِعَمَلِهِ ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَزَّرَهُ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْهَا .\rوَإِنْ دَعَتْ الْحَالَةُ عِنْدَ إلْحَاحِ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ لِمَالٍ أَوْ عَمَلٍ إلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى ذِي الْمَالِ جَبْرًا مِنْ مَالِهِ وَيُؤَجِّرَ ذَا الْعَمَلِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ وَالْحُكَّامَ بِهِ أَحَقُّ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَوْ يَأْذَنَ فِيهِ .\rوَإِذَا وَجَدَ مَنْ يَتَصَدَّى لِعِلْمِ الشَّرْعِ ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ فَقِيهٍ أَوْ وَاعِظٍ وَلَمْ يَأْمَنْ اغْتِرَارَ النَّاسِ","part":2,"page":2},{"id":502,"text":"بِهِ فِي سُوءِ تَأْوِيلٍ أَوْ تَحْرِيفِ جَوَابٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِ التَّصَدِّي لِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ .\rوَمَنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ إلَّا بَعْدَ الِاخْتِبَارِ .\rقَدْ مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فَاخْتَبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ مَا عِمَادُ الدِّينِ ؟ فَقَالَ : الْوَرَعُ ، قَالَ : فَمَا آفَتُهُ ؟ قَالَ الطَّمَعُ ، قَالَ : تَكَلَّمْ الْآنَ إنْ شِئْتَ ، وَهَكَذَا لَوْ ابْتَدَعَ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَوْلًا خَرَقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ وَخَالَفَ فِيهِ النَّصَّ وَرَدَّ قَوْلَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَزَجَرَهُ عَنْهُ ، فَإِنْ أَقْلَعَ وَتَابَ وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ بِتَهْذِيبِ الدِّينِ أَحَقُّ وَإِذَا تَعَرَّضَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَأْوِيلٍ عَدَلَ فِيهِ عَنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إلَى بَاطِنِ بِدْعَةٍ تَتَكَلَّفُ لَهُ غَمْضَ مَعَانِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ تَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ أَوْ يَفْسُدُ بِهَا التَّأْوِيلُ كَانَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إنْكَارُ ذَلِكَ وَالْمَنْعُ مِنْهُ ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ إنْكَارُهُ إذَا تَمَيَّزَ عِنْدَهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ بِقُوَّتِهِ فِي الْعِلْمِ وَاجْتِهَادِهِ فِيهِ حَتَّى لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِمَّا بِأَنْ يَتَّفِقَ عُلَمَاءُ الْوَقْتِ عَلَى إنْكَارِهِ وَابْتِدَاعِهِ فَيَسْتَعْدُونَهُ فِيهِ فَيَعُولُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ وَفِي الْمَنْعِ مِنْهُ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ .","part":2,"page":3},{"id":503,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مَوَاقِفِ الرَّيْبِ وَمَظَانِّ التُّهْمَةِ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ } .\rفَيُقَدَّمُ الْإِنْكَارُ وَلَا يُجْعَلُ بِالتَّأْدِيبِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ .\rحَكَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يَطُوفُوا مَعَ النِّسَاءِ فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي مَعَ النِّسَاءِ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ الرَّجُلُ : وَاَللَّهِ إنْ كُنْتُ أَحْسَنْتُ لَقَدْ ظَلَمْتَنِي ، وَإِنْ كُنْتُ أَسَأْتُ فَمَا عَلَّمْتَنِي ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمَا شَهِدْتَ عَزْمَتِي .\rفَقَالَ : مَا شَهِدْتُ لَكَ عَزْمَةً فَأَلْقَى إلَيْهِ الدِّرَّةَ وَقَالَ لَهُ : اقْتَصَّ فَقَالَ : لَا أَقْتَصُّ الْيَوْمَ ، قَالَ فَاعْفُ عَنِّي .\rقَالَ لَا أَعْفُو ، فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ لَقِيَهُ مِنْ الْغَدِ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنِّي أَرَى مَا كَانَ مِنِّي قَدْ أَسْرَعَ فِيكَ ؟ قَالَ أَجَلْ ، قَالَ فَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي قَدْ عَفَوْت عَنْكَ .\rوَإِذَا رَأَى وَقْفَةَ رَجُلٍ مَعَ امْرَأَةٍ فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا أَمَارَاتُ الرِّيَبِ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمَا بِزَجْرٍ وَلَا إنْكَارٍ فَمَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَقْفَةُ فِي طَرِيقٍ خَالٍ فَخُلُوُّ الْمَكَانِ رِيبَةٌ فَيُنْكِرُهَا وَلَا يُعَجِّلُ بِالتَّأْدِيبِ عَلَيْهِمَا حِذَارًا مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ مَحْرَمٍ ، وَلْيَقُلْ إنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ فَصُنْهَا عَنْ مَوَاقِفِ الرِّيَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَخَفْ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ خَلْوَةٍ تُؤَدِّيكَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلْيَكُنْ زَجْرُهُ بِحَسَبِ الْأَمَارَاتِ .\rحَكَى أَبُو الْأَزْهَرِ أَنَّ ابْنَ عَائِشَةَ رَأَى رَجُلًا يُكَلِّمُ امْرَأَةً فِي طَرِيقٍ فَقَالَ لَهُ إنْ كَانَتْ حُرْمَتَكَ إنَّهُ لَقَبِيحٌ بِكَ أَنْ تُكَلِّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حُرْمَتَكَ فَهُوَ أَقْبَحُ ، ثُمَّ وَلَّى عَنْهُ وَجَلَسَ لِلنَّاسِ يُحَدِّثُهُمْ","part":2,"page":4},{"id":504,"text":"فَإِذَا بِرُقْعَةٍ قَدْ أُلْقِيَتْ فِي حِجْرِهِ مَكْتُوبٍ فِيهَا ( مِنْ الْكَامِلِ ) : إنَّ الَّتِي أَبْصَرْتَنِي سَحَرًا أُكَلِّمُهَا رَسُولْ أَدَّتْ إلَيَّ رِسَالَةً كَادَتْ لَهَا نَفْسِي تَسِيلْ مِنْ فَاتِرِ الْأَلْحَاظِ يَجْذِبُ خَصْرَهُ رِدْفٌ ثَقِيلْ مُتَنَكِّبًا قَوْسَ الصِّبَا يَرْمِي وَلَيْسَ لَهُ رَسِيلْ فَلَوْ أَنْ أُذْنَكَ بَيْنَنَا حَتَّى تَسَمَّعَ مَا نَقُولْ لَرَأَيْتَ مَا اسْتَقْبَحْتَ مِنْ أَمْرِي هُوَ الْحَسَنَ الْجَمِيلْ فَقَرَأَهَا ابْنُ عَائِشَةَ وَوَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى رَأْسِهَا أَبُو نُوَاسٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ : مَا لِي وَلِلتَّعْرِيضِ لِأَبِي نُوَاسٍ .\rوَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ إنْكَارِ ابْنِ عَائِشَةَ كَافٍ لِمِثْلِهِ ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ نُدِبَ لِلْإِنْكَارِ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ كَافِيًا ، وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ أَبُو نُوَاسٍ تَصْرِيحٌ بِفُجُورٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ وَإِنْ كَانَتْ شَوَاهِدُ حَالِهِ وَفَحْوَى كَلَامِهِ يَنْطِقَانِ بِفُجُورِهِ وَرِيبَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ مِثْلِ أَبِي نُوَاسٍ مُنْكَرًا وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ مُنْكَرًا .\rفَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ فِي هَذَا الْحَالِ مَا يُنْكِرُهُ تَأَتَّى وَتَفَحَّصَ وَرَاعَى شَوَاهِدَ الْحَالِ وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْإِنْكَارِ قَبْلَ الِاسْتِخْبَارِ ، كَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إذْ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ وَعَلَى عَاتِقِهِ امْرَأَةٌ مِثْلُ الْمَهَاةِ يَعْنِي حُسْنًا وَجَمَالًا وَهُوَ يَقُولُ ( مِنْ السَّرِيعِ ) : قُدْتُ لِهَذِي جَمَلًا ذَلُولًا مُوَطَّأً أَتْبَعُ السَّهُولَا أَعْدِلُهَا بِالْكَفِّ أَنْ تَمِيلَا أَحْذَرُ أَنْ تَسْقُطَ أَوْ تَزُولَا أَرْجُو بِذَاكَ نَائِلًا جَزِيلًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ هَذِهِ الَّتِي وَهَبْتَ لَهَا حَجَّكَ ؟ فَقَالَ امْرَأَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّهَا حَمْقَاءُ مِرْغَامَةٌ ، أَكُولٌ قِمَامَةٌ ، لَا يَبْقَى لَهَا خَامَةٌ .\rفَقَالَ لَهُ مَا لَكَ لَا تُطَلِّقُهَا ؟ قَالَ إنَّهَا حَسْنَاءُ لَا تُفْرَكُ ، وَأُمُّ","part":2,"page":5},{"id":505,"text":"صِبْيَانٍ لَا تُتْرَكُ .\rقَالَ فَشَأْنُكَ بِهَا .\rقَالَ أَبُو زَيْدٍ : الْمِرْغَامُ الْمُخْتَلِطُ ، فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ حَتَّى اسْتَخْبَرَهُ فَلَمَّا انْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ لَانَ لَهُ .\rوَإِذَا جَاهَرَ رَجُلٌ بِإِظْهَارِ الْخَمْرِ ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَرَاقَهَا عَلَيْهِ وَأَدَّبَهُ ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَدَّبَهُ عَلَى إظْهَارِهَا .\rوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إرَاقَتِهَا عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهَا لَا تُرَاقُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَضْمُونَةِ فِي حُقُوقِهِمْ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُرَاقُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ عِنْدَهُ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ .\rوَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ النَّبِيذِ ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُقِرُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ إرَاقَتِهِ وَمِنْ التَّأْدِيبِ عَلَى إظْهَارِهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخَمْرِ ، وَلَيْسَ فِي إرَاقَتِهِ غُرْمٌ ، فَيَعْتَبِرُ وَالِي الْحِسْبَةِ بِشَوَاهِدِ الْحَالِ فِيهِ فَيَنْتَهِي فِيهِ عَنْ الْمُجَاهَرَةِ وَيَزْجُرُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ لِمُعَاقَرَةٍ وَلَا يُرِيقُهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِرَاقَتِهِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، لِئَلَّا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إنْ حُوكِمَ فِيهِ .\rوَأَمَّا السَّكْرَانُ إذَا تَظَاهَرَ بِسُكْرِهِ وَسَخُفَ بِهَجْرِهِ أَدَّبَهُ عَلَى السُّكْرِ وَالْهَجْرِ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا لِقِلَّةِ مُرَاقَبَتِهِ وَظُهُورِ سُخْفِهِ .\rوَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْصِلَهَا حَتَّى تَصِيرَ خَشَبًا لِتَزُولَ عَنْ حُكْمِ الْمَلَاهِي ، وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْمُجَاهَرَةِ بِهَا ، وَلَا يَكْسِرُهَا إنْ كَانَ خَشَبُهَا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي .\rوَأَمَّا اللُّعَبُ فَلَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ .\rوَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ تُقَارِنُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ ، فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا","part":2,"page":6},{"id":506,"text":"وَجْهٌ وَلِلْمَنْعِ مِنْهَا وَجْهٌ ، وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنْكَارُهُ وَإِقْرَارُهُ .\r{ قَدْ دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَأَقَرَّهَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا } .\rوَحُكِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ تَقَلَّدَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ فَأَزَالَ سُوقَ الدَّادِيَّ وَمَنَعَ مِنْهَا ، وَقَالَ : لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ وَأَقَرَّ سُوقَ اللُّعَبِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا وَقَالَ : قَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهَا ؛ وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اللُّعَبِ بِالْبَعِيدِ مِنْ الِاجْتِهَادِ .\rوَأَمَّا سُوقُ الدَّادِيُّ فَالْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّبِيذِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ نَادِرًا فِي الدَّوَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، فَبَيْعُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى إبَاحَةَ النَّبِيذِ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَهُ جَائِزٌ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ ، وَمَكْرُوهٌ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهِ ، وَلَيْسَ مَنْعُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْهُ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهِ عِنْدَهُ .\rوَإِنَّمَا مِنْ الْمُظَاهَرَةِ بِإِفْرَادِ سُوقِهِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِبَيْعِهِ إلْحَاقًا لَهُ بِإِبَاحَةِ مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إبَاحَةِ مَقْصِدِهِ لِيَقَعَ لِعَوَامِّ النَّاسِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ إنْكَارُ الْمُجَاهِرَةِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ كَمَا يُنْكَرُ الْمُجَاهَرَةُ بِالْمُبَاحِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ .","part":2,"page":7},{"id":507,"text":"وَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَنْهَا وَلَا أَنْ يَهْتِكَ الْأَسْتَارَ حَذَرًا مِنْ الِاسْتِتَارِ بِهَا ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ } .\rفَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لِأَمَارَاتٍ دَلَّتْ ، وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا ، مِثْلُ أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا أَوْ بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ ، فَيَجُوزُ لَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتَجَسَّسَ وَيُقْدِمَ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حِذَارًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَهَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ ، وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ ، وَالْإِنْكَارُ .\rكَاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ .\rفَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ جَمِيل بِنْتُ مِحْجَنِ بْنِ الْأَفْقَمِ وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عُبَيْدٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مَسْرُوحٍ وَسَهْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ وَزِيَادَ بْنَ عُبَيْدٍ فَرَصَدُوهُ حَتَّى إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَجَمُوا عَلَيْهِمَا وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا هُوَ مَشْهُورٌ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُجُومَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ حَدَّهُمْ الْقَذْفَ عِنْدَ قُصُورِ الشَّهَادَةِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ وَقَصَّرَ عَنْ حَدِّ هَذِهِ الرُّتْبَةِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ .\rحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَتَعَاقَرُونَ","part":2,"page":8},{"id":508,"text":"عَلَى شَرَابٍ وَيُوقِدُونَ فِي أَخْصَاصٍ فَقَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْمُعَاقَرَةِ فَعَاقَرْتُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنْ التَّجَسُّسِ فَتَجَسَّسْتَ وَنَهَاكَ عَنْ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَدَخَلْتَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَاتَانِ بِهَاتَيْنِ وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ .\rفَمَنْ سَمِعَ أَصْوَاتًا مِلْأَةً مُنْكَرَةً مِنْ دَارٍ تَظَاهَرَ أَهْلُهَا بِأَصْوَاتِهِمْ أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ الْبَاطِنِ .","part":2,"page":9},{"id":509,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ الْمُنْكَرَةُ كَالزِّنَا وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَمَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ مَعَ تَرَاضِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهِ إذَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى حَظْرِهِ فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ وَالزَّجْرُ عَلَيْهِ وَأَمْرُهُ فِي التَّأْدِيبِ مُخْتَلَفٌ لِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَشِدَّةِ الْحَظْرِ .\rوَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَظْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إنْكَارِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهِ وَكَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَرِبَا النَّقْدِ فَالْخِلَافُ فِيهِ ضَعِيفٌ وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى رِبَا النَّسَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، فَهَلْ يَدْخُلُ فِي إنْكَارِهِ بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ أَوْ لَا ؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِي مَعْنَى الْمُعَامَلَاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهَا عُقُودُ الْمَنَاكِحِ الْمُحَرَّمَةِ يُنْكِرُهَا إنْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَظْرِهَا ؛ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِإِنْكَارِهَا إنْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهِ وَكَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَالْمُتْعَةِ فَرُبَّمَا صَارَتْ ذَرِيعَةً إلَى اسْتِبَاحَةِ الزِّنَا ، فَفِي إنْكَارِهِ لَهَا وَجْهَانِ ، وَلْيَكُنْ بَدَلَ إنْكَارِهِ لَهَا التَّرْغِيبُ فِي الْعُقُودِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ غِشُّ الْمَبِيعَاتِ وَتَدْلِيسُ الْأَثْمَانِ فَيُنْكِرُهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ فِيهِ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ } .\rفَإِنْ كَانَ هَذَا الْغِشُّ تَدْلِيسًا عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَخْفَى عَلَيْهِ فَهُوَ أَغْلَظُ الْغِشِّ تَحْرِيمًا وَأَعْظَمُهَا مَأْثَمًا فَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ أَغْلَظُ وَالتَّأْدِيبُ عَلَيْهِ أَشَدُّ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ أَخَفَّ مَأْثَمًا وَأَلْيَنَ إنْكَارًا ، وَيَنْظُرُ فِي مُشْتَرِيهِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لِيَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْبَائِعِ لِغِشِّهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي","part":2,"page":10},{"id":510,"text":"بِابْتِيَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ بِغِشِّهِ ، فَإِنْ كَانَ يَشْتَرِيهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ خَرَجَ الْمُشْتَرِي مِنْ جُمْلَةِ الْإِنْكَارِ وَتَفَرَّدَ الْبَائِعُ وَحْدَهُ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَدْلِيسِ الْأَثْمَانِ .\rوَيُمْنَعُ مِنْ تَصْرِيَةِ الْمَوَاشِي وَتَحْفِيلِ ضُرُوعِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّدْلِيسِ .\rوَمِمَّا هُوَ عُمْدَةٌ نَظَرُهُ الْمَنْعَ مِنْ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ وَالصَّنَجَاتِ لِوَعِيدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ عِنْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ ، وَلْيَكُنْ الْأَدَبُ عَلَيْهِ أَظْهَرَ وَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ أَكْثَرَ .\rوَيَجُوزُ لَهُ إذَا اسْتَرَابَ بِمَوَازِينِ السُّوقَةِ وَمَكَايِيلِهِمْ أَنْ يَخْتَبِرَهَا وَيُعَايِرَهَا وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى مَا عَايَرَهُ مِنْهَا طَابِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا يَتَعَامَلُونَ إلَّا بِهِ كَانَ أَحْوَطَ وَأَسْلَمَ .\rفَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَامَلَ قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا طُبِعَ بِطَابِعِهِ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانَ مَبْخُوسًا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِمُخَالَفَتِهِ فِي الْعُدُولِ عَنْ مَطْبُوعِهِ وَإِنْكَارُهُ مِنْ الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ .\rوَالثَّانِي : لِلْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ فِي الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ مِنْ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِنْ كَانَ مَا تَعَامَلُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَطْبُوعِ سَلِيمًا مِنْ بَخْسٍ وَنَقْصٍ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَحْدَهَا لِأَجْلِ الْمُخَالَفَةِ ؛ وَإِنْ زَوَّرَ قَوْمٌ عَلَى طَابِعِهِ كَانَ الْمُزَوِّرُ فِيهِ كَالْمُهَرِّجِ عَلَى طَابِعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنْ قُرِنَ التَّزْوِيرُ بِغِشٍّ كَانَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَالتَّأْدِيبُ مُسْتَحَقًّا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ .\rوَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الْغِشِّ وَهُوَ أَغْلَظُ النُّكْرَيْنِ ، وَإِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالْإِنْكَارِ السُّلْطَانِيِّ مِنْهُمَا فَكَانَ أَحَقَّهُمَا .\rوَإِذَا اتَّسَعَ الْبَلَدُ حَتَّى احْتَاجَ أَهْلُهُ فِيهِ إلَى كَيَّالِينَ وَوَزَّانِينَ","part":2,"page":11},{"id":511,"text":"وَنَقَّادِينَ تَخَيَّرَهُمْ الْمُحْتَسِبُ وَمَنَعَ أَنْ يُنْتَدَبَ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ ارْتَضَاهُ مِنْ الْأُمَنَاءِ الثِّقَاتِ وَكَانَتْ أُجُورُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ اتَّسَعَ لَهَا ، فَإِنْ ضَاقَ قَدْرُهَا لَهُمْ حَتَّى لَا يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ فِيهَا اسْتِزَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فَيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْمُمَايَلَةِ وَالتَّحَيُّفِ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ .\rوَقَدْ كَانَ الْأُمَرَاءُ يَقُومُونَ بِاخْتِيَارِهِمْ وَتَرْتِيبِهِمْ لِذَلِكَ وَيُثْبِتُونَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فِي الدَّوَاوِينِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا تُؤْمَنُ وَسَاطَتُهُ ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَارِينَ لِلْكَيْلِ وَالْوَزْنِ تَحَيُّفٌ فِي تَطْفِيفٍ أَوْ مُمَايَلَةٌ فِي زِيَادَةِ أَدَبٍ أُخْرِجَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُخْتَارِينَ وَمُنِعَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْوَسَاطَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اخْتِيَارِ الدَّلَّالِينَ يُقِرُّ مِنْهُمْ الْأُمَنَاءَ وَيَمْنَعُ الْخَوَنَةَ ، وَهَذَا مِمَّا يَتَوَلَّاهُ وُلَاةُ الْحِسْبَةِ إنْ قَعَدَ عَنْهُ الْأُمَرَاءُ .\rوَأَمَّا اخْتِيَارُ الْقُسَّامِ وَالزُّرَّاعِ فَالْقُضَاةُ أَحَقُّ بِاخْتِيَارِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُسْتَنَابُونَ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْعِيَبِ .\rوَأَمَّا اخْتِيَارُ الْحَرَّاسِينَ فِي الْقَبَائِلِ وَالْأَسْوَاقِ فَإِلَى الْحُمَاةِ وَأَصْحَابِ الْمَعَاوِنِ .\rوَإِذَا وَقَعَ فِي التَّطْفِيفِ تَخَاصُمٌ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ الْمُحْتَسِبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْخَصْمِ فِيهِ تَجَاحُدٌ وَتَنَاكُرٌ ، فَإِنْ أَفْضَى إلَى تَجَاحُدٍ وَتَنَاكُرٍ كَانَ الْقُضَاةُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ لِأَنَّهُمْ بِالْأَحْكَامِ أَحَقُّ وَكَانَ التَّأْدِيبُ فِيهِ إلَى الْمُحْتَسِبِ ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ جَازَ لِاتِّصَالِهِ بِحُكْمِهِمْ .\rوَمِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ فِي الْعُمُومِ وَلَا يُنْكِرُهُ فِي الْخُصُوصِ وَالْآحَادِ التَّبَايُعُ بِمَا لَمْ يَأْلَفْهُ أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْ الْمَكَايِيلِ وَالْأَوْزَانِ الَّتِي لَا نَعْرِفُ فِيهِ إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَرَاضَى بِهَا اثْنَانِ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمَا","part":2,"page":12},{"id":512,"text":"الْإِنْكَارَ وَالْمَنْعَ ، وَيَمْنَعُ أَنْ يَرْتَسِمَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَامِلُهُمْ فِيهَا مَنْ لَا يَعْرِفُهَا فَيَصِيرُ مَغْرُورًا .","part":2,"page":13},{"id":513,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا مَا يُنْكِرُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُحْصَنَةِ فَمِثْلُ أَنْ يَتَعَدَّى رَجُلٌ فِي حَدٍّ لِجَارِهِ أَوْ فِي حَرِيمٍ لِدَارِهِ أَوْ فِي وَضْعِ أَجْذَاعٍ عَلَى جِدَارِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْتَعْدِهِ الْجَارُ ؛ لِأَنَّهُ يَخُصُّهُ فَيُنْصَحُ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَإِنْ خَاصَمَهُ فِيهِ كَانَ لِلْمُحْتَسِبِ النَّظَرُ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ وَتَنَاكُلٌ وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بِإِزَالَةِ تَعْدِيَةٍ وَكَانَ لَهُ تَأْدِيبُهُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ شَوَاهِدِ الْحَالِ .\rفَإِنْ تَنَازَعَا كَانَ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فِيهِ أَحَقَّ ، وَلَوْ أَنَّ الْجَارَ أَقَرَّ جَارَهُ عَلَى تَعَدِّيهِ وَعَفَا عَنْ مُطَالَبَتِهِ بِهَدْمِ مَا تَعَدَّى فِيهِ ثُمَّ عَادَ مُطَالِبًا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ بِهَدْمِ مَا بَنَاهُ ؛ وَلَوْ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْبِنَاءَ وَوَضَعَ الْأَجْذَاعَ بِإِذْنِ الْجَارِ ثُمَّ رَجَعَ الْجَارُ فِي إذْنِهِ لَمْ يُؤْخَذْ الثَّانِي بِهَدْمِهِ .\rوَلَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ إلَى دَارِ جَارِهِ كَانَ لِلْجَارِ أَنْ يَسْتَعْدِيَ الْمُحْتَسِبَ حَتَّهُ يُعَدِّيهِ عَلَى صَاحِبِ الشَّجَرَةِ لِيَأْخُذَهُ بِإِزَالَةِ مَا انْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي دَارِهِ وَلَا تَأْدِيبَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ انْتِشَارَهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَلَوْ انْتَشَرَتْ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَتْ فِي قَرَارِ أَرْضِ الْجَارِ لَمْ يُؤْخَذْ بِقَلْعِهَا وَلَمْ يُمْنَعْ الْجَارُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي قَرَارِ أَرْضِهِ وَإِنْ قَطَعَهَا نَصَّبَ الْمَلِكُ تَنُّورًا فِي دَارِهِ فَتَأَذَّى الْجَارُ بِدُخَانِهِ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَصَّبَ فِي دَارِهِ رَحًى أَوْ وَضَعَ فِيهَا حَدَّادِينَ أَوْ قَصَّابِينَ لَمْ يُمْنَعْ ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ التَّصَرُّفَ فِي أَمْلَاكِهِمْ بِمَا أَحَبُّوا وَمَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْ مِثْلِ هَذَا بُدًّا وَإِذَا تَعَدَّى مُسْتَأْجِرٌ عَلَى أَجِيرٍ فِي نُقْصَانِ أُجْرَةٍ أَوْ اسْتِزَادَةِ عَمَلٍ كَفَّهُ عَنْ تَعَدِّيهِ ، وَكَانَ الْإِنْكَارُ","part":2,"page":14},{"id":514,"text":"عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ ، وَلَوْ قَصَّرَ الْأَجِيرُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ فَنَقَصَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ اسْتَزَادَهُ فِي الْأُجْرَةِ مَنَعَهُ مِنْهُ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ إذَا تَخَاصَمَا إلَيْهِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا وَتَنَاكَرَا كَانَ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا أَحَقَّ","part":2,"page":15},{"id":515,"text":"وَمِمَّا يُؤْخَذُ وُلَاةُ الْحِسْبَةِ بِمُرَاعَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي فِي حَالَةِ الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ .\rفَأَمَّا مَنْ يُرَاعِي فِي عَمَلِهِ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ فَكَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِينَ ؛ لِأَنَّ الطَّبِيبَ إقْدَامًا عَلَى النُّفُوسِ يُفْضِي التَّقْصِيرُ فِيهِ إلَى تَلَفٍ أَوْ سَقَمٍ ، وَلِلْمُعَلِّمِينَ مِنْ الطَّرَائِقِ الَّتِي يَنْشَأُ الصِّغَارُ عَلَيْهَا مَا يَكُونُ نَقْلُهُمْ عَنْهَا بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرًا فَيُقَرُّ مِنْهُمْ مَنْ تَوَفَّرَ عَمَلُهُ وَحَسُنَتْ طَرِيقَتُهُ وَيُمْنَعُ مَنْ قَصَّرَ وَأَسَاءَ مِنْ التَّصَدِّي لِمَا يُفْسِدُ بِهِ النُّفُوسَ وَتَخْبُثُ بِهِ الْآدَابُ .\rوَأَمَّا مَنْ يُرَاعِي فِي الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ فَمِثْلُ الصَّاغَةِ وَالْحَاكَةِ وَالْقَصَّارِينَ وَالصَّبَّاغِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا هَرَبُوا بِأَمْوَالِ النَّاسِ ، فَيُرَاعِي أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْهُمْ فَيُقِرُّهُمْ وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ وَيُشْهِرُ أَمْرَهُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْحُمَاةَ وَوُلَاةَ الْمُعَاوِنِ أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، لِأَنَّ الْخِيَانَةَ تَابِعَةٌ لِلسَّرِقَةِ .\rوَأَمَّا مَنْ يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَهُوَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وُلَاةُ الْحِسْبَةِ ، وَلَهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ فِي الْعُمُومِ فَسَادَ الْعَمَلِ وَرَدَاءَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْتَعِدٌّ .\rوَأَمَّا فِي عَمَلٍ مَخْصُوصٍ اعْتَادَ الصَّانِعُ فِيهِ الْفَسَادَ وَالتَّدْلِيسَ فَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْخَصْمُ قَابَلَ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ وَالزَّجْرِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ غُرْمٌ رُوعِيَ حَالُ الْغُرْمِ ، فَإِنْ افْتَقَرَ إلَى تَقْرِيرٍ أَوْ تَقْوِيمٍ لَمْ يُمْكِنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ حُكْمِيٍّ وَكَانَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ","part":2,"page":16},{"id":516,"text":"فِيهِ أَحَقَّ ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى تَقْدِيرٍ وَلَا تَقْوِيمٍ وَاسْتَحَقَّ فِيهِ الْمِثْلَ الَّذِي لَا اجْتِهَادَ فِيهِ ، وَلَا تَنَازُعَ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ بِإِلْزَامِ الْغُرْمِ وَالتَّأْدِيبِ عَلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالتَّنَاصُفِ وَزَجْرٌ عَنْ التَّعَدِّي .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ الْأَقْوَاتَ وَلَا غَيْرَهَا فِي رُخْصٍ وَلَا غَلَاءٍ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الْأَقْوَاتِ مَعَ الْغَلَاءِ .","part":2,"page":17},{"id":517,"text":"( فَصْلٌ ) وَأَمَّا مَا يُنْكَرُ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَالْمَنْعِ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى مَنَازِلِ النَّاسِ ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ عَلَا بِنَاؤُهُ أَنْ يَسْتُرَ سَطْحَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُشْرِفَ عَلَى غَيْرِهِ وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ تَعْلِيَةِ أَبْنِيَتِهِمْ عَلَى أَبْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ مَلَكُوا أَبْنِيَةً عَالِيَةً أُقِرُّوا عَلَيْهَا وَمُنِعُوا مِنْ الْإِشْرَافِ مِنْهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ فِي ذِمَّتِهِمْ مِنْ لُبْسِ الْغِيَارِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي الْهَيْئَةِ وَتَرْكِ الْمُجَاهَرَةِ بِقَوْلِهِمْ فِي الْعُزَيْرِ وَالْمَسِيحِ وَيُمْنَعُ عَنْهُمْ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِسَبٍّ أَوْ أَذًى ، وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ .\rوَإِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ السَّابِلَةِ وَالْجَوَامِعِ الْجَفْلَةِ مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْهَا الضُّعَفَاءُ وَيَنْقَطِعَ بِهَا ذَوُو الْحَاجَاتِ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا { أَنْكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أَطَالَ الصَّلَاةَ بِقَوْمِهِ وَقَالَ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ } .\rفَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْإِطَالَةِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَدِّبَهُ عَلَيْهَا وَلَكِنْ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ يُخَفِّفُهَا .\rوَإِذَا كَانَ فِي الْقُضَاةِ مَنْ يُجِيبُ الْخُصُومَ إذَا قَصَدُوهُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْهِ حَتَّى تَقِفَ الْأَحْكَامُ وَيَسْتَضِرَّ الْخُصُومُ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَعْذَارِ بِمَا نُدِبَ لَهُ مِنْ النَّظَرِ بَيْنَ الْمُتَحَاكِمِينَ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ ، وَلَا يَمْنَعُ عُلُوُّ رُتْبَتِهِ مِنْ إنْكَارِ مَا قَصَّرَ فِيهِ .\rقَدْ مَرَّ إبْرَاهِيمُ بْنُ بَطْحَاءَ وَالِي الْحِسْبَةِ بِجَانِبَيْ بَغْدَادَ بِدَارِ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الْقُضَاةِ فَرَأَى الْخُصُومَ جُلُوسًا عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُونَ جُلُوسَهُ لِلنَّظَرِ بَيْنَهُمْ وَقَدْ","part":2,"page":18},{"id":518,"text":"تَعَالَى النَّهَارُ وَهَجَرَتْ الشَّمْسُ ، فَوَقَفَ وَاسْتَدْعَى حَاجِبَهُ وَقَالَ : تَقُولُ لِقَاضِي الْقُضَاةِ الْخُصُومُ جُلُوسٌ عَلَى الْبَابِ وَقَدْ بَلَغَتْهُمْ الشَّمْسُ وَتَأَذَّوْا بِالِانْتِظَارِ ، فَإِمَّا جَلَسْتَ لَهُمْ أَوْ عَرَّفْتَهُمْ عُذْرَكَ فَيَنْصَرِفُوا وَيَعُودُوا .\rوَإِذَا كَانَ فِي سَادَةِ الْعَبِيدِ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِيمَا لَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ كَانَ مَنْعُهُمْ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِعْدَاءِ الْعَبِيدِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالْعِظَةِ ، فَإِذَا اسْتَعْدَوْهُ مُنِعَ حِينَئِذٍ وَزُجِرَ .","part":2,"page":19},{"id":519,"text":"وَإِذَا كَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا فِيمَا لَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَنْكَرَهُ الْمُحْتَسِبُ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْتَعِدٌّ إلَيْهِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ احْتِمَالَ الْبَهِيمَةِ لِمَا يَسْتَعْمِلُهَا فِيهِ جَازَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ لِأَنَّهُ ، وَإِنْ افْتَقَرَ إلَى اجْتِهَادٍ فَهُوَ عُرْفِيٌّ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ ، وَلَيْسَ بِاجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ وَالْمُحْتَسِبُ لَا يُمْنَعُ مِنْ اجْتِهَادِ الْعُرْفِ .\rوَإِنْ اُمْتُنِعَ مِنْ اجْتِهَادِ الشَّرْعِ .\rوَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْعَبْدُ فِي امْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ كُسْوَتِهِ وَنَفَقَتِهِ جَازَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِمَا وَيَأْخُذَهُ بِالْتِزَامِهِمَا ، وَلَوْ اسْتَعْدَاهُ مِنْ تَقْصِيرِ سَيِّدِهِ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَلَا إلْزَامَ لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ إلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْتِزَامِ الْأَصْلِ إلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَلُزُومَهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ .","part":2,"page":20},{"id":520,"text":"وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ السُّفُنِ مِنْ حَمْلِ مَا لَا تَسَعُهُ وَيُخَافُ مِنْهُ غَرَقُهَا ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْمَسِيرِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الرِّيحِ ، وَإِذَا حَمَلَ فِيهَا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ حُجِزَ بَيْنَهُمْ بِحَائِلٍ .\rوَإِذَا اتَّسَعَتْ السُّفُنُ نُصِّبَ لِلنِّسَاءِ مَخَارِجُ لِلْبِرَازِ لِئَلَّا يَتَبَرَّجْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ .","part":2,"page":21},{"id":521,"text":"وَإِذَا كَانَ فِي أَسْهَلِ الْأَسْوَاقِ مَنْ يَخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ رَاعَى الْمُحْتَسِبُ سِيرَتَهُ وَأَمَانَتَهُ ، فَإِذَا تَحَقَّقَهَا مِنْهُ أَقَرَّهُ عَلَى مُعَامَلَتِهِنَّ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الرِّيبَةُ وَبَانَ عَلَيْهِ الْفُجُورُ مَنَعَهُ مِنْ مُعَامَلَتِهِنَّ وَأَدَّبَهُ عَلَى التَّعَرُّضِ لَهُنَّ ؛ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحُمَاةَ وَوُلَاةَ الْمُعَاوِنِ أَخَصُّ بِإِنْكَارِ هَذَا وَالْمَنْعِ مِنْهُ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الزِّنَا .","part":2,"page":22},{"id":522,"text":"وَيَنْظُرُونَ إلَى الْحِسْبَةِ فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فَيُقِرُّ مِنْهَا مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَارَّةِ وَيَمْنَعُ مَا اسْتَضَرَّ بِهِ الْمَارَّةُ ؛ وَلَا يَقِفُ مَنْعُهُ عَلَى الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ ، وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَوْقُوفًا عَلَى الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ .","part":2,"page":23},{"id":523,"text":"وَإِذَا بَنَى قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ مُنِعَ مِنْهُ ، وَإِنْ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ يَأْخُذُهُمْ بِهَدْمِ مَا بَنَوْهُ وَلَوْ كَانَ الْمَبْنِيُّ مَسْجِدًا ؛ لِأَنَّ مَرَافِقَ الطُّرُقِ لِلسُّلُوكِ لَا لِلْأَبْنِيَةِ .","part":2,"page":24},{"id":524,"text":"وَإِذَا وَضَعَ النَّاسُ الْأَمْتِعَةَ وَآلَاتِ الْأَبْنِيَةِ فِي مَسَالِكِ الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ ارْتِفَاقًا لِيَنْقُلُوهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ مُكِّنُوا مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَضِرَّ بِهِ الْمَارَّةُ ؛ وَمُنِعُوا مِنْهُ إنْ اسْتَضَرُّوا بِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي إخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ وَالْأَسْبِطَةِ وَمَجَارِي الْمِيَاهِ وَآبَارِ الْحُشُوشِ يُقِرُّ مَا لَا يَضُرُّ وَيَمْنَعُ مَا ضَرَّ وَيَجْتَهِدُ الْمُحْتَسِبُ رَأْيَهُ فِيمَا ضَرَّ ، وَمَا لَمْ يَضُرَّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الشَّرْعِيَّ مَا رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالشَّرْعِ وَالِاجْتِهَادُ الْعُرْفِيُّ مَا رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْعُرْفِ ، وَيُوَضَّحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِتَمْيِيزِ مَا يَسُوغُ فِيهِ اجْتِهَادُ الْمُحْتَسِبِ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ .\rوَلِوَالِي الْحِسْبَةِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ نَقْلِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ إذَا دُفِنُوا فِي مِلْكٍ أَوْ مُبَاحٍ إلَّا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَيَكُونُ لِمَالِكِهَا أَنْ يَأْخُذَ مَنْ دَفَنَهُ فِيهَا بِنَقْلِهِ مِنْهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ نَقْلِهِمْ مِنْ أَرْضٍ قَدْ لَحِقَهَا سَيْلٌ أَوْ نَدًى فَجَوَّزَهُ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبَاهُ غَيْرُهُ .","part":2,"page":25},{"id":525,"text":"وَيَمْنَعُ مِنْ خِصَاءِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ دِيَةٌ اسْتَوْفَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَنَاكُرٌ وَتَنَازُعٌ .","part":2,"page":26},{"id":526,"text":"وَيَمْنَعُ مِنْ خِضَابِ الشَّيْبِ بِالسَّوَادِ إلَّا لِلْمُجَاهَدَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيُؤَدِّبُ مَنْ يَصْبُغُ بِهِ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ ، فَيَمْنَعُ مِنْ التَّكَسُّبِ بِالْكَهَانَةِ وَاللَّهْوِ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ .\rوَهَذَا فَصْلٌ يَطُولُ أَنْ يُبْسَطَ لِأَنَّ الْمُنْكَرَاتِ لَا يَنْحَصِرُ عَدَدُهَا فَتُسْتَوْفَى وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شَوَاهِدِنَا دَلِيلٌ عَلَى مَا أَغْفَلْنَاهُ .\rوَالْحِسْبَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، وَقَدْ كَانَ أَئِمَّةُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ يُبَاشِرُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ لِعُمُومِ صَلَاحِهَا وَجَزِيلِ ثَوَابِهَا ؛ وَلَكِنْ لَمَّا أَعْرَضَ عَنْهَا السُّلْطَانُ وَنَدَبَ لَهَا مَنْ هَانَ وَصَارَتْ عُرْضَةً لِلتَّكَسُّبِ وَقَبُولِ الرِّشَا لَانَ أَمْرُهَا وَهَانَ عَلَى النَّاسِ خَطَرُهَا ، وَلَيْسَ إذَا وَقَعَ الْإِخْلَالُ بِقَاعِدَةٍ سَقَطَ حُكْمُهَا ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْفُقَهَاءُ عَنْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا مَا لَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ كِتَابِنَا هَذَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا قَدْ أَغْفَلَهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ قَصَّرُوا فِيهِ فَذَكَرْنَا مَا أَغْفَلُوهُ وَاسْتَوْفَيْنَا مَا قَصَّرُوا فِيهِ .\rوَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَوْفِيقًا لِمَا تَوَخَّيْنَاهُ وَعَوْنًا عَلَى مَا نَوَيْنَاهُ بِمَنِّهِ وَمَشِيئَتِهِ ؛ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .","part":2,"page":27}],"titles":[{"id":0,"title":"خطبة الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"الباب الأول : في عقد الإمامة","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"فصل إذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"فصل الشروط المعتبرة في أهل الإمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"فصل الإمامة تنعقد من وجهين","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"فصل اجتمع أهل العقد والحل ليتصفحوا أحوال أهل الإمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"فصل إذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"فصل انعقاد الإمامة بعهد من قبله","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"فصل عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"فصل عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"فصل إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"فصل من أحكام الإمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"الباب الثاني : في تقليد الوزارة","lvl":1,"sub":0},{"id":40,"title":"فصل إذا تقرر ما تنعقد به وزارة التفويض","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"فصل في حكم وشروط وزارة التنفيذ","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"فصل في تقليد الخليفة وزيري تنفيذ على اجتماع وانفراد","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"الباب الثالث : في تقليد الإمارة على البلاد","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"فصل إمارة الاستيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"الباب الرابع : في تقليد الإمارة على الجهاد","lvl":1,"sub":0},{"id":62,"title":"فصل القسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"فصل القسم الثالث من أحكام هذه الإمارة ما يلزم","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"فصل القسم الرابع من أحكام هذه الإمارة ما يلزم المجاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"فصل القسم الخامس من أحكام هذه الإمارة مصابرة","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"فصل القسم السادس من أحكام هذه الإمارة السيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"الباب الخامس : في الولاية على حروب المصالح","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"الفصل الأول في قتال أهل الردة","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"الفصل الثاني : في قتال أهل البغي","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"الفصل الثالث في قتال من امتنع من المحاربين وقطاع الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"الباب السادس : في ولاية القضاء","lvl":1,"sub":0},{"id":113,"title":"فصل يجوز للشافعي تقليد القضاء للحنفي","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"فصل ولاية القضاء تنعقد بما تنعقد به الولايات","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"فصل لا تخلو ولاية القاضي من عموم أو خصوص","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"فصل يجوز أن يكون القاضي عام النظر خاص العمل","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"فصل إذا قلد قاضيان على بلد","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"فصل يجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"فصل في طلب القضاء وخطبة الولاة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"فصل لا يجوز لمن تقلد القضاء أن يقبل هدية من خصم","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"الباب السابع : في ولاية المظالم","lvl":1,"sub":0},{"id":137,"title":"فصل إذا نظر في المظالم من انتدب لها","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"فصل حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي المظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"فصل اقترن بالدعوى ما يضعفها","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"فصل تجردت الدعوى عن أسباب القوة والضعف","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"فصل في توقيعات الناظر في المظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"الباب الثامن : في ولاية النقابة على ذوي الأنساب","lvl":1,"sub":0},{"id":172,"title":"الباب التاسع : في الولايات على إمامة الصلوات","lvl":1,"sub":0},{"id":179,"title":"فصل الإمامة في صلاة الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"فصل الإمامة في الصلوات المسنونة","lvl":2,"sub":0},{"id":192,"title":"الباب العاشر : في الولاية على الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"الباب الحادي عشر : في ولاية الصدقات","lvl":1,"sub":0},{"id":203,"title":"فصل في زكاة المواشي","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"فصل زكاة ثمار النخل والشجر","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"فصل زكاة الزروع","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"فصل في زكاة الفضة والذهب","lvl":2,"sub":0},{"id":222,"title":"فصل زكاة المعادن","lvl":2,"sub":0},{"id":224,"title":"فصل على عامل الصدقة أن يدعو لأهلها عند الدفع","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"فصل قسم الصدقات في مستحقيها","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"الباب الثاني عشر : في قسم الفيء والغنيمة","lvl":1,"sub":0},{"id":250,"title":"فصل في الكلام على الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"فصل قتل من أضعفه الهرم أو أعجزته الزمانة","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"فصل في الكلام على النساء والأطفال","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"فصل الكلام على استيلاء المسلمين على أرض العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"فصل الأموال المنقولة وهي الغنائم المألوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"الباب الثالث عشر : في وضع الجزية والخراج","lvl":1,"sub":0},{"id":295,"title":"فصل في الكلام على الخراج","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"فصل الخراج حق معلوم على مساحة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"الباب الرابع عشر : فيما تختلف أحكامه من البلاد","lvl":1,"sub":0},{"id":337,"title":"فصل في الكلام على الحرم وبيان حدوده","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"فصل في تعريف الحجاز وأحكامه الخاصة","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"فصل في بيان حكم ما عدا الحرم والحجاز من البلاد","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"الباب الخامس عشر : في إحياء الموات واستخراج المياه","lvl":1,"sub":0},{"id":363,"title":"فصل في بيان أن المياه المستخرجة تنقسم إلى ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"فصل في بيان أن لحافر الآبار ثلاثة أحوال","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"فصل في بيان أن العيون تنقسم إلى ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"الباب السادس عشر : في الحمى والأرفاق","lvl":1,"sub":0},{"id":375,"title":"فصل في الكلام على الأرفاق","lvl":2,"sub":0},{"id":378,"title":"فصل جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد للتدريس والفتيا","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"الباب السابع عشر : في أحكام الإقطاع","lvl":1,"sub":0},{"id":383,"title":"فصل في بيان أقسام العامر","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"فصل في الكلام على إقطاع الاستغلال وأنه على","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"فصل في بيان إقطاع المعادن","lvl":2,"sub":0},{"id":394,"title":"الباب الثامن عشر : في وضع الديوان وذكر أحكامه","lvl":1,"sub":0},{"id":401,"title":"فصل فيما يشتمل عليه ديوان السلطة وهو أربعة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"فصل في ترتيب الجيش في الديوان","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"فصل في تقدير عطاء الجندي وهو معتبر بالكفاية","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"فصل القسم الثاني ما اختص بالأعمال من رسوم وحقوق","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"فصل القسم الثالث ما اختص بالعمال من تقليد وعزل","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"فصل القسم الرابع ما يختص ببيت المال من دخل","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"فصل المعتبر في صحة ولاية كاتب الديوان وهو","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"الباب التاسع عشر : في أحكام الجرائم","lvl":1,"sub":0},{"id":441,"title":"فصل في ثبوت الجرائم","lvl":2,"sub":0},{"id":446,"title":"الفصل الأول في حد الزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":454,"title":"الفصل الثاني في قطع السرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"الفصل الثالث في حد الخمر","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"الفصل الرابع في حد القذف واللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"الفصل الخامس في قود الجنايات وعقلها","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"الفصل السادس في التعزير","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"الباب العشرون : في أحكام الحسبة","lvl":1,"sub":0},{"id":488,"title":"فصل في بيان أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"فصل في موضوع الحسبة","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"فصل في أن الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"فصل الأمر بالمعروف فيما كان مشتركا بين حقوق الله وحقوق","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"فصل في بيان أن النهي عن المنكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"فصل في تعلق النهي بالمحظورات","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"فصل في الكلام على المعاملات النكرة كالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"فصل في فيما ينكر من حقوق الآدميين المحضة","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"فصل فيما ينكر من الحقوق المشتركة بين الله والآدميين","lvl":2,"sub":0}]}