{"pages":[{"id":1,"text":"جَزِيلُ المَوَاهِب في اختلاف المذاهب\rشيخ الإسلام\rالحافظ الإمام\rجلال الدين السيوطي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى .\rروى البيهقي في \" المدخل \" بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) : \" مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى ، فالعمل به لا عذرَ لأحدٍ في تركه ، فإن لم يكن في كتاب الله تعالى ، فسنة مني ماضية ، فإن لم يكن سنة مني ، فما قال أصحابي . إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء ،فأيما أخذتم به اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة \" .\rفي هذا الحديث فوائد :\rإخباره ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) باختلاف المذاهب بعده في الفروع ، وذلك من معجزاته ؛ لأنه من الإخبار بالمغيبات .\rورضاه بذلك ، وتقريره عليه ، ومدحه له حيث جعله رحمة ، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها .\rواستنبط منه أن كل المجتهدين على هدي ، فكلهم على حق ، فلا لوم على أحد منهم ، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة ، لقوله : \" فأيما أخذتم به اهتديتم \" ، فلو كان المصيب واحداً ، والباقي خطأ ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ ، ولذلك سر لطيف سنذكره قريباً .\rوقال ابن سعد في \" الطبقات \" : أنبأنا قبيصة بن عقبة أنبأنا أفلح بن حميد ، عن القاسم بن محمد قال : كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس . أخرجه البيهقي في \" المدخل \" .\rوقال ابن سعد : أنبأنا قبيصة بن عقبة ، أنبأنا سفيان عن إسماعيل بن عبدالملك ، عن عون ، عن عمر بن عبدالعزيز ، قال : ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) حمر النعم .\rورواه البيهقي في \" المدخل \" بلفظ : ما يسرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة .","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"وأخرج الخطيب البغدادي في كتاب \" الرواة \" عن مالك من طريق إسماعيل بن أبي المجالد ، قال : قال هارون الرشيد لمالك بن أنس ؛ يا أبا عبدالله ، نكتب هذه الكتب ، ونفرقها في آفاق الإسلام ، لنحمل عليها الأمة . قال : يا أمير المؤمنين ، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة ، كل يتبع ما صح عنده ، وكل على هدى ، وكل يريد الله .\rوأخرج أبو نعيم في \" الحلية \" عن عبدالله بن عبدالحكم ، قال : سمعت مالك بن أنس يقول : شاورني هارون الرشيد في أن يعلق \" الموطأ \" في الكعبة ، ويحمل الناس على ما فيه ، فقلت : لا تفعل ، فإن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكلٌّ مصيب ، فقال : وفقك الله يا أبا عبدالله .\rوأخرج ابن سعد في \" الطبقات \" عن الواقدي ، قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لما حج المنصور ، قال لي إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ، ولا يتعدوه إلى غيره ، فقلت : يا أمير المسلمين ، لا تفعل هذا ؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ، ودانوا به من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منه لأنفسهم .\rفصل\rاعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة ، وفضيلة عظيمة ، وله سر لطيف أدركه العالمون ، وعمي عنه الجاهلون ، حتى سمعت بعض الجهال يقول : النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) جاء بشرع واحد ، فمن أين مذاهب أربعة ؟ ! .\rومن العجب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلاً يؤدي ، إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه ، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء ، وصارت عصبية وحمية الجاهلية ، والعلماء منزهون عن ذلك .","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة ( رضى الله عنهم و ارضاهم ) ، وهم خير الأمة ، فما خاصم أحد منهم أحداً ، ولا عادى أحد أحداً ، ولا نسب أحد أحداً إلى خطأ ولا قصور .\rوالسر الذي أشرت إليه قد استنبطته من حديث ورد أن اختلاف هذه الأمة رحمة من الله لها ، وكان اختلاف الأمم السابقة عذاباً وهلاكاً . هذا أو معناه ، ولا يحضرني الآن لفظ الحديث .\rفعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصة فاضلة لهذه الأمة ، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة ، فكانت الأنبياء قبل النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) يبعث أحدهم بشرع واحد ، وحكم واحد ، حتى إنه من ضيق شريعتهم لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ؛ كتحريم القصاص في شريعة اليهود ، وتحتم الدية في شريعة النصارى .\rومن ضيقها أيضاً : لم يجتمع فيها الناسخ والمنسوخ كما وقع في شريعتنا ، ولذا أنكر اليهود النسخ ، واستعظموا نسخ القبلة .\rومن ضيقها أيضاً : أن كتابهم لم يكن يقرأ إلا على حرف واحد كما ورد بكل ذلك الأحاديث .\rوهذه الشريعة سمحة سهلة ، لا حرج فيها ، كما قال تعالى : ) يريد الله بكم اليسر ( [ البقرة : 185 ] ، وقال : ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( [ الحج : 78 ] ، وقال ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) : \" بعثت بالحنيفية السمحة \" .\rفمن سعتها : أن كتابها نزل على سبعة أحرف ، يقرأ بأوجه متعددة والكل كلام الله .\rووقع فيه الناسخ والمنسوخ ليعمل بهما معاً في هذه الملة في الجملة ، فكأنه عمل فيها بالشرعين معاً .\rووقع فيها التخيير بين أمرين شرع كل منهما في ملة ، كالقصاص والدية ، فكأنها جمعت الشرعين معاً ، وزادت حسناً بشرع ثالث ، وهو التخيير الذي لم يكن في أحد الشريعتين .","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"ومن ذلك : مشروعية الاختلاف بينهم في الفروع فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة ، كل مأمور بها في هذه الشريعة ، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع بعث النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بجميعها ، وفي ذلك توسعة زائدة لها ، وفخامة عظيمة لقدر النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) ، وخصوصية له على سائر الأنبياء ، حيث بعث كل منهم بحكم واحد ، وبعث هو ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) في الأمر الواحد بأحكام متنوعة ، يحكم بكل منها وينفّذ ، ويصوب قائله ، ويؤجر عليه ، ويهدي به .\rوهذا معنى لطيف فتح الله به ، ويستحسنه كل من له ذوق وإدراك لأسرار الشريعة .\rوقد ذكر السبكي في تأليف له أن جميع الشرائع السابقة هي شرائع للنبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بعث بها الأنبياء السابقة كالنيابة عنه ؛ لأنه نبيّ وآدم بين الروح والجسد ، وجعل إذ ذاك نبي الأنبياء ، وقدر بذلك قوله : \" بعثت إلى الناس كافة \" ، فجعله مبعوثاً إلى الخلق كلهم من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة في كلام طويل مشتمل ، على نفائس بديعات ، وقد سقته في أول كتاب المعجزات .\rفإذا جعل السبكي جميع الشرائع التي بعثت بها الأنبياء شرائع له ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) زيادة في تعظيمه ، فالمذاهب التي استنبطها أصحابه من أقواله وأفعاله على تنوعها شرائع متعددة له من باب أولى ، خصوصاً وقد أخبر بوقوعها ، ووعد بالهداية على الأخذ بها .\rفصل\rومن الدليل على ما قلناه : قصة اختلاف الصحابة في أسرى بدر ، فإن أبا بكر ومن تابعه أشاروا بأخذ الفداء منهم ، وعمر ومن تابعه أشاروا بقتلهم ، فحكم النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بالأول ، ونزل القرآن بتفضيل الرأي الثاني مع تقرير الأول .","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وهذا دليل على تصويب الرأيين ، وأن كلاً من المجتهدين مصيب ، ولو كان الرأي الأول خطأ لما حكم به النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) ، وكيف وقد أخبر الله أنه عين حكمه بقوله : ) لولا كتاب من الله سبق ( [ الأنفال : 68 ] ، وطيب الفادي بقوله تعالى : ) فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ( [ الأنفال : 69 ] .\rوإنما وقع العتب على اختيار غير الأفضل ، فأكثر ما يقع الترجيح في المذاهب بالنظر إلى الأفضل من حيث قوة الأدلة ، والقرب من الاحتياط والورع ، ونحو ذلك في مفردات المسائل ، لا من حيث مجموع المذاهب .\rوأما بالنظر إلى التصويب ، فكلُّ صواب وحق ، لا شبهة فيه ولا مرية . ومن هذا كانت طريقة الصوفية أن لا يلتزم مذهب معين ، بل يؤخذ من كل مذهب بالأشد والأحوط والأورع ، فإذا كان في مذهب الشافعي – مثلاً – الجواز في مسألة ، والتحريم في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالتحريم احتياطاً ، وإذا كان مذهبه الوجوب في مسألة ، والاستحباب في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالوجوب في المسألتين احتياطاً ، فيقولون بنقض الوضوء بلمس النساء ، ومس الفرج ، وبالقيء ، والدم السائل ، ويقولون بوجوب النية في الوضوء ، ومسح كل الرأس ، ووجوب الوتر ، إلى غير ذلك .\rوهذا مثل ما حكى في \" الروضة \" عن ابن سريج أنه كان يغسل الأذنين مع الوجه ، ويمسحهما مع الرأس ، ويمسحهما منفردين ؛ احتياطاً لكل مذهب .\rتذنيب : ونظير ما قلناه : أن المذاهب كلها صواب ، وأنها من باب جائز وأفضل ، لا من باب صواب وخطأ : ما ورد عن جماعة من الصحابة في القراءات المشهورة أنهم أنكروها على عثمان ، وقرأوا غيرها . وقد أجاب العلماء عن إنكارهم : أنهم أرادوا أن الأولى اختيار غيرها ، ولم يريدوا إنكار القراءة بها البتة ، وقد عقدت لذلك فصلاً في : الإتقان \" .\rفصل","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"إذا عرف ما قررناه ، عرف ترجيح القول بأن كل مجتهد مصيب ، وأن حكم الله في كل واقعة تابع لظن المجتهد ، وهو أحد القولين للأئمة الأربعة ، ورجحه القاضي أبو بكر ، وقال في \" التقريب \" : الأظهر من كلام الشافعي ، والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب ، وقال به من أصحابنا : ابن سريج ، والقاضي أبو حامد ، والداركي ، وأكثر العراقيين ، ومن الحنفية : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأبو زيد الدبوسي ، ونقله عن علمائهم جميعاً .\rفإن قلت : قوله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) : \" إذا اجتهد الحاكم فأصاب ، فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ ، فله أجر واحد \" يدل على أن في المجتهدين من يصيب ومن يخطئ وأن الحكم يختلف ، ولو كانوا مصيبين ، لم يكن للتقسيم معنى .\rقلت : أحمد قوله : \" فأخطأ \" على عدم إدراكه للأفضل والأولى ، كما عتب على الصحابة في اخيار الفداء ؛ لأنه غير الأفضل ، مع أنه حكم صواب .\rوقد قال الفقهاء فيمن ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) صلاة رباعية إلى أربع جهات ، كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد ، أنه لا قضاء عليه ، مع القطع بأن ثلاث ركعات منها إلى غير القبلة .\rواختلف اجتهاد عمر ( رضى الله عنه ) في الجد ، فقضى فيه بقضايا مختلفة ، وكان يقول : ذاك على ما قضينا ، وهذا على ما قضينا .\rوأخرج البيهقي في \" المدخل \" عن الشعبي أن رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) كان يقضي بالقضاء ، وينزل القرآن بغير ما قضى ، فيستقبل حكم القرآن ، ولا يرد قضاءه الأول .\rفصل\rفي الانتقال من مذهب إلى مذهب\rهو جائز كما جزم الرافعي ، وتبعه النووي ، قال في \" الروضة \" : إذا دونت المذاهب ، فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب ؟ .","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"إن قلنا : يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم ، وغلب على ظنه أن الثاني أعلم ، ينبغي أن يجوز ، بل يجب ، وإن خيرناه ، فينبغي أن يجوز أيضاً ، كما لو قلد في القبلة هذا أياماً ، وهذا أياماً .\rوأقول : للمنتقل أحوال :\rالأول : أن يكون السبب الحامل له على الانتقال أمراً دنيوياً ؛ كحصول وظيفة ، أو مرتبة ، أو قرب من الملوك وأهل الدنيا ، فهذا حكمه كمهاجر أم قيس ؛ لأن الأمور بمقاصدها ، ثم له حالان :\rأحدهما : أن يكون عارياً من معرفة الفقه ، ليس له من مذهب إمامه سوى اسم شافعي أو حنفي ، كغالب متعممي زماننا أرباب الوظائف في المدارس ، حتى إن رجلاً سأل شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي رحمه الله مرة أن يكتب له على قصة تعليقاً بولاية أول وظيفة تشغر بالشيخونية ، فقال : ما مذهبك ؟ فقال : مذهبي خبز وطعام يعني : وظيفة إما في الشافعية أو المالكية أو الحنابلة ، فإن الحنفية في الشيخونية لا خبز لهم ولا طعام .\rفهذا أمره في الانتقال أخف ، لا يصل إلى حد التحريم ؛ لأنه إلى الآن عامي لا مذهب له يحققه ، فهو يستأنف مذهباً جديداً .\rثانيهما : أن يكون فقيهاً في مذهبه ، ويريد الانتقال لهذا الغرض ، فهذا أمره أشد ، وعندي أنه يصل إلى حد التحريم ؛ لأنه تلاعب بالأحكام الشرعية بمجرد غرض الدنيا .\rالحال الثاني : أن يكون الانتقال لغرض ديني ، وله صورتان :\rالأولى : أن يكون فقيهاً ، وقد ترجح عنده المذهب الآخر لما رآه من وضوح أدلته ، وقوة مداركه ، فهذا إما يجب عليه الانتقال أو يجوز ، كما قاله الرافعي ؛ ولهذا لما قدم الشافعي مصر ، تحول أكثر أهلها شافعية بعد أن كانوا مالكية .","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"والثاني : أن يكون عارياً من الفقه ، وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شيء ، ووجد مذهب غيره سهلاً عليه سريعاً إدراكه ، بحيث يرجو التفقه فيه ، فهذا يجب عليه الانتقال قطعاً ، ويحرم عليه التخلف ، لأن التفقه على مذهب إمامٍ من الأئمة الأربعة خير من الاستمرار على الجهل ، وليس له من المذهب سوى مجرد اسم : \" حنفي \" أو \" شافعي \" أو \" مالكي \" .\rفالفقيه على مذهب أي إمام كان خير من الجاهل بالفقه على كل المذاهب ، فإن الجهل بالفقه نقص كبير ، وقل أن تصح معه عبادة.\rوأظن هذا هو السبب في تحول الطحاوي حنفياً بعد أن كان شافعياً ؛ فإنه كان يقرأ على خاله المزني ، فاعتاص عليه الفهم يوماً ، فحلف المزني أنه لا يجيء منه شيء ، فانتقل حنفياً ، ففتح عليه ، وصنف كتابه \" شرح معاني الآثار \" فكان إذا قرئ عليه يقول : لو عاش خالي ، كفّر عن يمينه .\rقال بعض العلماء وقد حكى هذه الحكاية : لا حنث على المزني ؛ لأن مراده : لا يجيء منه شيء في مذهب الشافعي .\rقلت: ولا يستنكر ذلك ؛ فرب شخص يفتح عليه بعلم دون علم ، وفي مذهب دون مذهب ، وهي قسمة من الله ، وكل ميسر لما خلق له ، وعلامة الإذن التيسير .\rالحال الثالث : أن يكون الانتقال لا لغرض دنيوي ، ولا لغرض ديني ، بل مجرداً عن القصدين ، فهذا يجوز للعامي ، ويكره أو يمنع للفقيه ، لأنه قد حصل فقه ذلك المذهب ، ويحتاج إلى زمن آخر لتحصيل فقه هذا المذهب ، فيشغله ذلك عما هو الأهم من العمل بما تعلمه ، وقد ينقضي العمر قبل حصول المقصود من المذهب الثاني ، فالأولى ترك ذلك .\rومن قال من مفتي المالكية اليوم : إن من تحول عن مذهبه ، فبئس ما صنع ؛ هو لأن إمام مذهبه الشيخ جمال الدين ابن الحاجب لم يقل ذلك .","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وأما من يقول : إنه يجوز لغير الحنفي أن يتحول حنفياً ، ولا يجوز للحنفي أن يتحول شافعياً أو غيره ، فهو تحكم لا دليل عليه ، وتعصب محض ؛ فإن الأئمة كلهم في الحق سواء ، ولم يرد حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) يتمييز مذهب أبي حنيفة عن غيره .\rوالاستدلال بتقدم زمنه ، لا ينهض ، ولو صح ، لوجب تقليده على كل أحد ، ولم يجز تقليد غيره البتة ، وهو خلاف الإجماع ، وخلاف الحديث المصدر به ، ويلزم عليه أيضاً طرد ذلك في بقية المذاهب ، فيقال بتجويز الانتقال من مذهب المتأخر إلى مذهب المتقدم ، كالشافعي يتحول مالكياً ، والحنبلي يتحول شافعياً دون العكس ، وهذا الحنفي لم يقل به ، وكل قول لا دليل عليه ، فإنه مردود لا يعتد به .\rوإن كان ولا بد من الترجيح ، فمذهب الشافعي أولى بالرجحان ، لأنه أقرب إلى موافقة الأحاديث ، ومذهبه اتباع الحديث ، وتقديمه على الرأي .\rقال ابن السبكي في \" شرح مختصر ابن الحاجب \" في آخر باب الاجتهاد والتقليد : من أئمتنا من أورع الباب .\rمسألة : تقليد الشافعي ؛ كإمام الحرمين ، وابن السمعاني ، والغزالي والكيا وغيرهم ، وميل المحققين هنا إلى أن تقليده واجب على طوائف العامة ، وأنه لا عذر لهم عند الله في العدول عنه ، وبه صرح إمام الحرمين في تصنيف لطيف أفرده في ذلك ، وسماه \" بمغيث الخلق في اختيار الأحق \" .\rقال الأستاذ أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر التميمي في كتابه \" التحصيل في أصول الفقه \" ما نصه : وأما الذي يوجب ترجيح مذهب الشافعي على مذهب غيره في الجملة قبل التفصيل ، فدلائل كثيرة .","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"منها : قوله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) : \" الأئمة من قريش \" ، وذلك عام في الخلافة وفي إمامة الدين ، ولم نجد أحداً من أصحاب المذاهب قرشياً غيره ؛ لأن أبا حنيفة من الموالي ، ومالك من الموالي من ذي أصبح ، والنخعي من نخع ،وهم من اليمن ، لا من قريش ، وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن شيبانيان ، وهم من ربيعة ، لا من قريش ، ولا من مضر ، والثوري من بني ثور بن عمرو بن أدٍّ ، ومكحول والأوزاعي من الموالي .\rوقد اختلف النسابون في قريش ، فقال أكثرهم : هم ولد النضر بن كنانة ، وقال آخرون : هم ولد إلياس بن مضر، وقال آخرون : ولد عدنان كلهم ، قريش دون غيرهم .\rوعلى جميع هذه الأقاويل ، يجب أن يكون الشافعي منهم ؛ لأنه من ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .\rومنها : قوله U : ) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ( [ البقرة : 218 ] ، وذلك عام في الجهاد بالحِجاج ، والجهاد بالسلاح .\rووجود الجهاد بالحجاج والنظر في أصحاب الشافعي غير خاف ، وهم الذي شرحوا الأصول ، وأوضحوا عن قوانين الجدل ، والشافعي أول من صنف في أصول الفقه ، صنف فيه كتاب \" الرسالة \" ، وكتاب \" أحكام القرآن \" ، و \" اختلاف الحديث \" ، \" وإبطال الاستحسان \" ، وكتاب \" جماع العلم \" ، وكتاب \" القياس \" ، ثم تبعه المصنفون في الأصول ، فاقتدوا به ، ونسجوا على منواله .\rوالجهاد بالسلاح مخصوص بأهل الثغور ، والسواد الأعظم منهم أصحاب الشافعي ، واعتبر ذلك بثغور الشام ، وبثغور ديار مصر ، وثغور ديار ربيعة ، وثغور أرمينية وأذربيجان ، وثغور طبران والشاش في ناحية الترك ، وغيرها .\rوإذا تحقق الجهاد في هذه الطائفة ، ثبت أنهم الذي ضمن الله U لهم الهداية .\rومنها : كثرة الاحتياط في مذهبه ، وقلته في مذهب غيره .","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"فمن ذلك : الاحتياط في العبادات ، وأعظمها شأناً : الصلاة ، فمن أدى صلاته على مذهب الشافعي ، كان على يقين من صحتها ، ومن أداها على مذهب مخالف ، وقع الخلاف في صحة صلاته من وجوه :\rإجازتهم الوضوء في السفر بنبيذ التمر، وتطهير البدن والثوب عن النجاسات بالمائعات ، وأجازوا الصلاة في جلد الكلب المذبوح من غير دباغ ، وأجازوا الوضوء بغير نية ولا ترتيب ، وأسقطوه في مس الفرج والملامسة ، وأجازوا الصلاة على ذرق الحمام مع قدر الدرهم من النجاسات الجامدة ، أو ربع الثوب من البول ، أو مع كشف بعض العورة ، وأبطلوا تعيين التكبير والقراءة .\rوأجازوا القرآن منكوساً وبالفارسية ، وأسقطوا وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والإعتدال من الركوع وبين السجدتين ، والتشهد والصلاة على النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) في الصلاة مع الخروج عنها بالحديث .\rوأبطلنا نحن الصلاة في هذه الوجوه ، وأوجبنا الإعادة على من صلى خلف واحد من هؤلاء ، وهم لا يوجبون الإعادة على من صلى خلفنا على مذهبنا في هذه المسائل .\rعود على بدء : قال صاحب \" جامع الفتاوى \" من الحنفية يجوز للرجل والمرأة أن ينتقل من مذهب الشافعية إلى مذهب الحنفي ، وكذا العكس ، ولكن بالكلية ، أما في مسألة واحدة ، فلا يمكن ، حتى لو خرج دم من حنفي المذهب وسال ، لا يجوز له أن يصلي قبل أن يتوضأ اقتداءً بمذهب الشافعي في هذه المسألة ، فإن صلى قبل أن يتوضأ يُصفع .\rوقال بعضهم : ليس للعامي أن يتحول من مذهب إلى مذهب ، حنفياً كان أو شافعياً ، وقال بعضهم : من انتقل إلى مذهب الشافعي ليزوجه ولي البكر البالغة بغير رضاها يخاف عليه أن يسلب إيمانه وقت موته لإهانته بالدين لجيفة قذرة .","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"فإن قال حنفي : إن تزوجت فلانة ، فهي طالق ثلاثاً ، فتزوجها ، ثم استفتى شافعي المذهب ، فأجابه بأنها لا تطلق ، ويمينه باطل ، فلا بأس باقتداء الشافعي في هذه المسألة ؛ لأن كثيراً من الصحابة في جانبه . انتهى كلامه .\rوقال القرافي في \" التنقيح \" : قال الزياتي : يجوز تقليد المذاهب في النوازل ، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط :\rأن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع ، كمن تُزوج بغير صداق ، ولا ولي ولا شهود ؛ فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد .\rوأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه .\rولا يقلده رمياً في عماته ، ولا يتبع رخص المذاهب .\rقال : والمذاهب كلها مسلكة إلى الجنة ، وطرق إلى السعادة ، فمن سلك منها طريقاً وصله .\rقال : وقال غيره : يجوز تقليد المذاهب ، والانتقال إليها في كل مالا ينقض فيه حكم الحاكم ، وهو أربعة : ما خالف الإجماع ، أو القواعد ، أو النص ، أو القياس الجلي .\rقال : وانعقد الإجماع على أن من أسلم ، فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجة ، وأجمع الصحابة ( رضى الله عنهم و ارضاهم ) على أن من استفتى أبا بكر وعمر – رضي الله عنهما – وقلدهما ، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ، ويعمل بقولهما من غير نكير ، فمن ادعى دفع هذين الإجماعين ، فعليه الدليل . انتهى كلام القرافي .\rذكر من انتقل عن مذهبه من الأئمة\rعبدالعزيز بن عمران بن مقلاص الخزاعي : قال ابن يونس في \" تاريخ مصر \" : كان من أكابر المالكية ، فلما قدم الشافعي مصر لزمه ، وتفقه على مذهبه .\rالإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي : كان على مذهب الحنفية ، فلما قدم الشافعي بغداد ، تبعه ، وأقرأ كتبه ، ونشر علمه .\rذكره الأسنوي في \" طبقاته \" .","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"محمد بن عبدالله بن عبدالحكم : كان على مذهب الإمام مالك ،فلما قدم الشافعي مصر ، انتقل إلى مذهبه . قال : فاجتمع قوم من أصحاب أبي ، فعذلوه في ذلك ، فكان يلاطفهم ، ويأمرني سراً بملازمته ، فلما مات الشافعي ، كان يروم أن يستخلفه في حلقته بعده ، فلم يفعل ، واستخلف البويطي ، فانتقل إلى مذهب مالك .\rأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي : رأس الشافعية بالعراق .\rقال الأسنوي في \" طبقاته \" : كان أولاً حنفياً ، فحجّ ، فرأى ما يقتضي انتقاله لمذهب الشافعي ، فتفقه على الربيع وغيره من أصحاب الشافعي .\rمات سنة خمس وتسعين ومئتين .\rأبو جعفر الطحاوي : كان شافعياً ، وتفقه بخاله المزني ، ثم تحول حنفياً ، وصنف فيه كتاباً سماه \" معاني الآثار \" .\rالخطيب البغدادي الحافظ ، أبو بكر ، المشهور : كان أولاً حنبلياً ، ثم تحول شافعياً ، ذكره ابن كثير في \" تاريخه \" .\rابن برهان أبو الفتح : أحد الأئمة في الفقه والأصول . كان حنبلياً ، ثم تحول شافعياً . ذكره الأسنوي في \" طبقاته \" .\rأبو المظفر منصور بن محمد السمعاني :\rكان مالكياً ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي .\rابن فارس صاحب \" المجمل في اللغة \" .\rكان شافعياً كأبيه ، ثم انتقل إلى مذهب الإمام مالك ( رضى الله عنه ) .\rسيف الدين الآمدي الأصولي المشهور :\rقال الأسنوي : اشتغل أولاً في مذهب الحنابلة ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي .\rنجم الدين أحمد بن محمد بن خلف المقدسي ، المعروف بالحنبلي : قال الأسنوي في \" طبقاته \" : كان أولاً كذلك ، ثم تفقه على الشيخ موفق الدين ، ودرس في مدرسة أبي عمر ، ثم تحول شافعياً ، وارتفع شأنه ، وعلا صيته ، وله مؤلفاته بارعة ، مات سنة ثمانية وثلاثين وست مئة .","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"ابن الدهان النحوي : كان حنبلياً ، ثم تحول حنفياً ، لأن الخليفة طلب لولده حنفياً يعلمه النحو ، ثم تحول شافعياً ، لأن تدريس النحو بالنظامية شغر ، وشرط واقفها أن لا ينزل بها إلا شافعي ، وفيه أبيات سائرة .\rالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد :\rكان أولاً مالكياً كأبيه ، ثم تحول إلى مذهب الشافعي ( رضى الله عنه ) .\rقاضي القضاة جمال الدين يوسف بن إبراهيم بن حملة الدمشقي الشافعي :\rكان حنبلياً ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي . مات سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة .\rأبو حيان : كان أولاً على مذهب أهل الظاهر ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ( رضى الله عنه ) .\rهذا آخر ما وجد بخط المؤلف رحمه الله تعالى\rلامانع من نقل هذا المنقول بشرط ذكر مصدر النقل وهو : منتدى الشريعة\rنقله لى الوورد مع بعض التعديلات islam_light","part":1,"page":14}],"titles":[{"id":1,"title":"جزيل المواهب في اختلاف المذاهب الإمام السيوطى","lvl":1,"sub":0}]}