{"pages":[{"id":1,"text":"التَّنْغيم ودلالته في العربيَّة - يوسف عبد الله الجوارنة\rمقدّمة:\rيعد علم الأصوات من بين العلوم التي اهتم بها العلماء اهتماماً واسعاً في هذا العصر، إذ انبرى في ميدانه الباحثون والمتخصصون، بله المؤسسات العلمية المتخصصة، خصوصاً في الدول التي لها باع في مجال التكنولوجيا؛ فالأجهزة الحديثة المتطورة فيها، كانت خير عون للعلماء في القيام بالأبحاث والدراسات المتصلة بعلوم اللغة المختلفة وفي مقدمتها المجالات الصوتية على مستوى الـ\r(phonetics)، أو على مستوى ال(phonology)، فوصل العلماء من خلال هذه الأجهزة إلى نتائج دقيقة لا تتوافر في الأبحاث العادية المرتجلة التي يعتورها في غالب الأحيان التخمين والتقريب.\rوالأصوات اللغوية تدرس بشكل عام من جانبين: جانب الأصوات المجردة التي يُركّز فيها على صفات الأصوات ومخارجها، وجانب الأصوات المتَشكَّلة ويُركز فيها على المقاطع والنبر والتنغيم وغيرها.\rوسوف أتناول موضوع التنغيم كونه واحداً من مجالات علم الأصوات الوظيفي المهمة: مفهومه، ودلالته، وأغراضه، مبيناً الفرق بينه وبين النبر من حيث المفهوم والدلالة وارتباط بعضهما ببعض.\rوتأتي أهمية التنغيم من تعدد البيئات اللغوية أو اللهجية بتعدد النغمات فيها، فلا تكون هذه النغمات بشكل عام منساقة على وتيرة واحدة في السياقات الكلامية، فمنها ما يكون مستوياً، أو هابطاً، أو صاعداً.\rوأرجو أن أكون قد وفقت في الوقوف على هذه الظاهرة الصّوتيّة، فإن كان كذلك فلله الحمد والمنّة، وإن كانت الأخرى فحسبي أنني اجتهدت.. والله ولي التوفيق.\rتعريف التنغيم:","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"كان لتعدّد المناهج النقدية في التحليل الأدبي، أثر واضح في الاهتمام بالنصوص الأدبية وتحليلها، فقد تبنى كل عالم من العلماء منهجاً يكون مجالاً في دراسته وبحثه، بل أنشئت المدارس النقدية ذات المناهج المختلفة؛ فثمة المنهج النفسي الذي يهتم بالدراسات السيكولوجية وأثرها في بيان النص وتشريحه، والمنهج البنيوي الذي يتمثل النص الأدبي وحده بصرف النظر عن سيرة المؤلف وعصره، فهو يتعامل مع البنيّات والمفردات التي تشكّل النّص، وتقود الباحث من خلالها إلى البيئة التي قيل فيها، ومزايا العصر الذي وُجد فيه الشاعر.\rوكان من بين المناهج النقدية المنهجُ اللغوي، الذي يهتم بدراسة اللغة والأدب دراسة تحليلية من جوانب اللغة المختلفة، الصوتيةِ والصرفيةِ والنحويةِ وغيرها، فهو يركز على لغة النص الأدبي وحدها، ليبرز الجوانب الجمالية فيه من غير التفات للغة النص المدروسة.\rوبما أن التنغيم وثيقُ الصلة باللغة، فهو يُدرَس بمنهج التحليل اللغوي؛ إذْ يكون التنغيمُ العنصرَ البارز الذي يجلّي النص ويوضحه، (هذا إن كانت الدراسة منصبّة على النصوص وحدها، لأنّ التنغيم لا يختص بالأدب من حيثُ هو شكل وإطار، بل يشمل كل مستويات الكلام)، فالنغمةُ \"ظاهرة لغوية لا يختص بها الأدب، ولا يتميز بها على لغة الحديث اليومية، فنحن نشاهد في كلماتنا وأحاديثنا أثراً كبيراً للنغمة في إيصال المعنى.\rوتغيّر التنغيم يرتبط \"ارتباطاً أساسياً بالتغيرات التي تطرأ على تردّد نغمة الأساس أثناء الكلام \". ودراسته تعدّ \"من أدقّ جوانب الدراسة اللغوية وأكثرها خطورة، بسبب تعدد النغمات في البيئة اللغوية أو اللهَجية الواحدة، وارتباط هذه النغمات بالمواقف النفسية، وارتباطها بالثقافة والتراث والمستوى الاجتماعي\". وإنّ المتبصّر في كتب اللغة والأصوات، خاصة الحديث منها، يلحظ أنه لا يخلو كتاب واحد منها دون أن يتعرض للتنغيم ولو بيسير من الكلام.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"والتنغيم كما يعرفه العلماء والباحثون: \"مصطلح يدلّ على ارتفاع الصوت وانخفاضه في الكلام، ويسمّى أيضاً موسيقى الكلام، بل هو من الظواهر الصوتية التي تساعد في تحديد المعنى، لأنّ \"تغير النغمة قد يتبعه تغير في الدلالة في كثير من اللغات، وتختلف هذه الدلالة من سياق لغويّ لآخر، فوظيفته الدلالية النحوية مثلاً تقتضي منه أن يكون فيصلاً في الحكم بين كون الجملة تقريرية أو استفهامية.\rالفونيم وعلاقته بالتّنغيم:\rوبينما عرض العلماء لدراسة الفونيمات في المدارس اللغوية، اختلفوا في تحديد مصطلح الفونيم، ولعل هذا الاختلاف يعود إلى المنهج المتبع في كل مدرسة. وعندما قسموا الفونيمات (وهي أصغر وحدات صوتية تغييرها يغير المعنى، ولها أثر في بنية الكلمة وما يصاحب هذه البنية من معاني ودلالات)، جعلوها قسمين:\r1-فونيمات رئيسية: وهي \"تلك الوحدة الصوتية التي تكون جزءاً من أبسط صيغة لغوية ذات معنى منعزلة عن السياق.\r2-فونيمات ثانوية: وهي \"ظاهرة أو صفة صوتية ذات مغزى في الكلام المتصل؛ فالفونيم الثانوية لا تكون جزءاً من تركيب الكلمة، وإنّما تظهر وتلاحظ فقط حين تُضمّ كلمة إلى أخرى، أو حين تستعمل الكلمة بصورة خاصة، كأن تستعمل في جملة.\rوالذي يدقق النظر في مفهوم الفونيم الثانوية، يجد ارتباط التنغيم به واضحاً، فليس التنغيم جزءاً من التركيب اللغوي في الجملة، بل هو حدث طارئ على التركيب يصاحبه، ويتغير نتيجة تغيره في السياق اللغوي الجاري فيه، إذ يربط التنغيم عناصر التركيب بعضها ببعض.\rالنّبر وعلاقته بالتّنغيم:\rالنّبر هو صنو التنغيم مثالاً على الفونيم الثانوية، فلا يكون كذلك جزءاً من تركيب معين، إنما يكون بزيادة كمية من الهواء على صوت أو أكثر من أصوات الكلمة في التركيب الواحد، فيعلو هذا الصوت على بقية الأصوات الأخرى التي تشكل مقاطع الكلمة فيحدث التفاوت قوة وضعفاً بين الأصوات.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"إذن، فالنبر هو \"وضوح نسبي لصوت أو لمقطع إذا قورن بغيره من الأصوات أو المقاطع المجاورة؛ فالصوت أو المقطع الذي ينطق بصورة أقوى يسمى صوتاً منبورا، أو هو \"قوة التلفظ النسبية التي تُعطى للصائت في كل مقطع من مقاطع الكلمة، وتؤثر درجة النبرة في طول الصامت وعلو الصوت.\rوالصوت المنبور عند النطق به \"نلحظ أن جميع أعضاء النطق تنشط غاية النشاط؛ إذْ تنشط عضلات الرئتين نشاطاً كبيراً، كما تقوى حركات الوترين الصوتيين ويقتربان أحدهما من الآخر، ليسمحا بتسرب أقل مقدار من الهواء فتعظم لذلك سعة الذبذبات.\rوهكذا، فإن للنبر أثراً في تغيير بنية الكلمة من معنى صرفي إلى آخر، فأنت لو نطقت كلمة (كَتَبَ) مثلاً بفتحة على عين الفعل، لوجدت أن الأصوات فيها متساوية نبراً، لكن إذا ما نطقتها ب(كَتَّبَ) بالتضعيف، فإن عين الفعل تفاوت في النبر عن الأصوات الأخرى، مما جعله يَنقل الكلمة إلى بنية أخرى ذاتِ دلالة معينة، وهذا ما أشار إليه الدكتور كمال بشر بقوله: \"ومن البديهي أنّ تغيير الصفة الصرفية، يؤدّي إلى نوع من التغير في الوظائف النحوية والدلالية.\rمن هنا جاءت أهمية النبر والتنغيم في الدراسات اللغوية، فالتنغيم\" صلته بالنبر وثيقة، فلا يحدث تنغيم دون نبر للمقطع الأخير من الجملة، أي في الكلمة التي تقع في آخر الجملة، وهما من الوحدات الصوتية التي \"لها وظيفة معينة في التركيب الصوتي، لأنها جزء أساسي منه، فهي ليست ظواهر تطريزية وإنما فونيمات أساسية أو أولية.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"ويرى بعض الباحثين أن دراسة هذه المباحث الصوتية، فيه نوع من المجازفة والتطاول على اللغة، يقول الدكتور تمّام حسّان: ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دراسة النبر ودراسة التنغيم في العربية الفصحى، يتطلب شيئاً من المجازفة؛ ذلك لأن العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة، ولم يُسجّل لنا القدماء شيئاً على هاتين الناحيتين، وأغلب الظن أن ما ننسبه للعربية الفصحى في هذا المقام، إنما يقع تحت نفوذ لهجاتنا العامية، لأن كلّ متكلم بالعربية الفصحى في أيامنا هذه، يفرض عليها من عاداته النطقية العامية الشيء الكثير\".\rولعلّ مثل هذا الكلام فيه مجازفة على اللغة العربية؛ ذلك أن العرب وإن لم يُفرِدوا لهذه المسائل أبحاثاً مستقلة، فلا يَعني أنهم أغفلوا الحديث عنها وتركوها طيّ النسيان، فهما (النّبر والتّنغيم) في ذلك مثل الصرف في بداية النحو العربي، كانت مسائله تُدرس مع النحو، وبقيا توأمين مرتبطين إلى أن انفصلا وصار الصرف علماً قائماً بذاته له علماؤه وتصانيفه.\rوإنّ نظرة إلى كتب النحاة واللغويين، ترينا عناية هؤلاء العلماء بمثل هذه المباحث، فهذا ابن جني يشير إشاراتٍ لطيفةً إلى النبر والتنغيم عندما عرض لكلام العرب: \"سير عليه ليل\" بقوله: \"وكأن هذا إنما حُذفت فيه الصفة لمّا دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح (التطويل) والتضخيم والتعظيم، ما يقوم مقام قوله (طويل) أو نحو ذلك.\rوأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أنك تكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: كان والله رجلاً، فتزيد في قوة اللفظ (والله) وتتمكّن من تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها؛ أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنساناً! وتمكّن الصوت بِ (إنسان) وتفخّمه فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنساناً سمحاً أو جواداً أو نحو ذلك. وكذلك إذا ذَمَمْته ووصفته بالضّيق قلت: سألناه وكان إنساناً! وتُزري وجهك وتقطّبه فيغني ذلك عن قولك: إنساناً لئيماً أو إنساناً لحِزاً (ضيّق الخلُق) أو نحو ذلك\".\rألا تدلّ هذه الأمثلة من كلام ابن جني على أهمية النبر والتنغيم؟! لعل ذلك يُترك للقارئ أو السامع كي يتذوق النص ويفهمه ويُصدر حكمه ثمة عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العرب وإن لم يضعوا تصانيف في التنغيم فلا يعني بأي حال من الأحوال أن نصرف عنه الاهتمام به؛ فتكاد لا تخلو منه أية لغة من لغات العالم، حيث تَكتسب اللغات الحية رونقها وجمالها إذا اتخذته أساساً في التواصل بين الأفراد خطاباً ومحادثة؛ فالتنغيم يميّز لغة الخطاب عن اللغة المكتوبة، فهو في الأولى كما الترقيم في الثانية، كلّ منهما يقوم بوظيفة دلالية في تحديد المعنى.\rدلالة التنغيم:\rذكرنا سابقاً أن دراسة التنغيم من أهم جوانب الدراسة الصوتية خصوصاً واللغوية عموماً، بل من أكثرها خطورة بسبب تعدد النغمات في البيئة أو البيئات اللغوية، فالتنغيم \"تغييرات موسيقية تتناوب الصوت من صعود إلى هبوط، أو من انخفاض إلى ارتفاع، تحصل في كلامنا وأحاديثنا لغاية وهدف، وذلك حسب المشاعر والأحاسيس التي تنتابنا من رضى وغضب ويأس وأمل وتأثر ولا مبالاة، وإعجاب واستفهام وشك ويقين، ونفي أو إثبات، فنستعين بهذا التغيير النغمي الذي يقوم بدور كبير في التفريق بين الجمل؛ فنغمة الاستفهام تختلف عن نغمة الإخبار، ونغمة النفي تختلف عن نغمة الإثبات. وهذا ما أشار إليه الدكتور سمير ستيتيّة بقوله: \"قد تكون النغمة نغمة تفاؤل ويسميّها بعضهم النغمة الوجدانية، وقد تكون تشكّك أو ضجر أو يأس أو استسلام، أو غير ذلك مما له علاقة بسيكولوجية المتكلم.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"هذا ما يحدث في التنغيم، فهو حَكَم في دلالات التراكيب والجمل، إذْ يغيّر الجملة من تركيب إلى آخر ومن باب إلى باب... وبذلك يتمايز عن (النبر)، حيث \"يعمل التنغيم على مستوى الجملة وليس على مستوى الكلمة، في حين يكون النبر على الكلمة وحدها ويدل على حدودها.\rوهكذا فإن المتتبع لكلام الناس، يلحظ التنغيم ظاهراً في كلامهم؛ فحديث التواصل بينهم وخطابهم بعضهم بعضاً، يكون التنغيم فيه أوسع من الكلام المكتوب.\rوهذه بعض الأمثلة يكون فيها هذا النغم الموسيقي ذا دلالة في الكلام:\r*قال تعالى: { قالوا: فما جزاؤُه إنْ كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤُه؟ مَنْ وُجِد في رَحْله فهو جزاؤه } .\r(يوسف: 74، 75)\rهذه الآية يكون التنغيم في جزئها الثاني محوراً رئيساً في تحديد الأبواب والتراكيب؛ فالجزء الثاني تُقرأ فيه جملة \"قالوا: جزاؤه؟\" بنغمة الاستفهام، وجملة: \"من وُجد في رحله فهو جزاؤه\" جملة واحدة على التقرير، وتقرأ أيضاً على التعجب والاستهجان: \"قالوا: جزاؤه! من وجد في رحله فهو جزاؤه\"، ويمكن أن تُقرأ على التبرّم والانزعاج، ويظهر ذلك جليّاً من خلال الحديث والكلام المنطوق أكثر من الكلام المكتوب الذي يحدد التنغيمَ فيه الترقيمُ.\r*قال الشاعر عمر بن أبي ربيعة عند سؤاله عن محبته لمحبوبته:\r\rقالوا: تحبّها. قلت: بَهراً\r\rعدد النجم والحصى والترابِ\r\rفجملة (تحبها) يمكن أن تقرأ على غير وجه، فهي تكون للاستفهام وهو أقواها، وتكون للتقرير وهو ضعيف:\rقالوا: تحبها؟ قلت: بهراً…(على الأول)\rقالوا: تحبها. قلت: بهراً…(على الثاني)\rويحتمل أن تكون للاستغراب والتعجب، قالوا: تحبها! قلت: بهراً، وهو أضعف الاحتمالات.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"*وملاحظة الجانب الصوتي مهم جداً، فلكي يحدّد الشخص معنى الحدث الكلامي، لابد أن يقوم بملاحظة الجانب الصوتي الذي يؤثر على المعنى مثل التنغيم، ولعلّ ما يردده الإمام في الصلاة من تكراره تركيب \"الله أكبر\" مثل على ذلك، فالصوت هو الذي يتحكم بالمأمومين في الصلاة، فهو حين يرفع من السجود الثاني مثلاً يكون المأموم أمام حالتين:\r1-إن رفع الإمام صوته بنغمة صوتية صاعدة، عرف مَن خَلْفه أنه ينبههم إلى القيام (باعتبار هنا أن المأموم يتابع حركات الإمام بصرف النظر عن الخشوع أو عدمه).\r2-وإن هو جعل الصوت على وتيرة واحدة وكانت النغمة مستوية، عرف المأمومون بذلك أن الإمام يريد الجلوس للتشهد.\rفالتنغيم هو الذي يحكم ذلك، إذْ كنتَ تجد في بعض الأحيان الإمامَ ينتصب قائماً وبعضُ المصلين جلوس، والعكس كذلك صحيح، وكل ذلك نتيجة خطأ الإمام في النغمة الموسيقية الصادرة عنه.\r*والتنغيم هو الذي يبرز خصائص بعض الأساليب والتراكيب التي تكون محذوفةً بعضُ عناصرها فمثلاً، هناك التراكيب التي تحتوي على أدوات استفهام وليست استفهامية، وتلك التي لا تحتويها والسياق يشير إلى الاستفهام فيها.\rفمثال الأول قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } (الإنسان:1)، حيث حرف الاستفهام (هل) لا يشير إلى الاستفهام لأن الدلالة عن طريق التنغيم تقتضي التقرير، ويكون الحرف (هل) بمعنى (قد).\rومثال الثاني قوله تعالى: { يا أيها النبي، لمَ تحرّم ما أحل الله لك؟ تبتغي مرضات\rأزواجك } (التحريم: 1).\rففي قوله تعالى: { تبتغي مرضات\rأزواجك } يُلحظ التقرير؛ فأنت يا محمد تحرّم الحلال ابتغاء مرضات أزواجك، غير أن دلالة التنغيم تشير إلى الاستفهام الإنكاري: \"تبتغي مرضات أزواجك؟\"، أي لا تحرّم الحلال مرضاة أزواجك.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"*ومن الأمثلة التي تبين أثر التنغيم في دلالاتها قولك: أحمدُ أخوك علاّمةٌ. فهذا التركيب يتكون من عدة جمل يفصل بينها جميعها التنغيم، فهو يقرأ بالصور التالية:\r1-أحمدُ أخوك علاّمةٌ.…(جملة تقريرية إخبارية ذات نغمة مستوية)\r2-أحمدُ أخوك، علاّمةً…(جملتان: الأولى تقريرية والثانية حالية. كأنك تقول: أحمد أخوك، وهو علامة..\rفالنغمة على الأولى مستوية، وهي على الثانية تظهر صاعدة لأنك ترفع الصوت عندها).\r3-أحمدُ أخوك علامةٌ…(جملة استفهامية ذات نغمة صوتية صاعدة في كل أجزائها)\r4-أحمدُ، أخوك علامةٌ. (جملتان: ندائية وخبرية)\r5-أحمد، أخوك علامةٌ؟ (جملتان: ندائية واستفهامية)\rوهكذا ترى من خلال هذا التركيب، أن للتنغيم أنواعاً من النغمات الصوتية، فقد يكون التنغيم صاعداً كما في الاستفهام والتعجب أو التحذير كقول الشاعر:\r\rأخاك أخاك إنّ من لا أخاً له\r\rكساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح\r\rوقد يكون التنغيم مستوياً أو هابطاً أو يتراوح بين الهبوط والصعود في بعض الجمل كما في الخبرية والاستفهامية.\rأغراض التنغيم:\rللتنغيم أغراض كثيرة منها:\r1-الموافقة كما في قول الشاعر:\r\rقالوا: صغيرٌ. قلت: إنّ. وربما\r\rكانت به الحسراتُ غيرَ صغار\r\rفـ(إنّ) بمعنى (نعم) وتدل على الموافقة. ولو قال الشاعر: لا، لانصرفت الدلالة إلى الرفض والانزعاج.\r2-الزجر كما في قولك: لا إنسان يشرب الخمر: تنطق (لا) بنغمة صوتية صاعدة يفهم منها النهي والكف عن الفعل.\rالقرآن والتّنغيم:\rإذاً كانت الدلالات في الكتابة تتحدّد بعلامات الترقيم، وتتحدّد في الكلام عن طريق التنغيم، فإنها في القرآن الكريم لا تتحدد إلا بوساطة التجويد، وهو العلم الذي نصون به اللسان عن الخطأ في لفظ القرآن.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى منزّهاً أن يكون مثلَه كلامُ البشر؛ فإن التنغيم بمفهومه السالف لا يمكن أن يقرأ به القرآن الكريم، وما ورد هنا من آيات قرآنية كان الغرض منها بيان التنغيم باعتبارها شواهد على هذه الظاهرة.\rويبقى التجويد علامة دالّة للقرآن لا تجوز القراءة فيه إلا به، وأعتقد أن تطبيق التنغيم عليه قراءةً من باب المحال، وإن حاولنا ذلك فإننا نخرج عن السّمت الذي اختص به؛ كما لو جرّبت أن تجوّد كلام البشر أو حتى الحديث النبوي الشريف، فإن ذلك يكون نشازاً.\rالخلاصة:\rوبعد فقد خلصت إلى أن التنغيم:\r* دلالته نحوية في المقام الأول، بعكس النبر الذي لا تخرج دلالته عن كونها صرفية؛ لأن مجال التنغيم إنما هو التراكيب، والنبر مجاله الكلمات.\r* تستخدمه اللغات الحية بحسب طرائقها الكلامية وخصائصها النطقية والعربيةُ من بين اللغات بل وأقواها استخداماً للتنغيم والنبر على السواء، وهو في اللهجات المحكية أكثر انتشاراً ويحتل القسم الأكبر في حديث الخطاب والتواصل بين الناس.\r* عرفه العرب والنبرَ قديما وإن لم يفردوا فيهما تصانيف.\r* لا يمكن قراءة القرآن به بالمفهوم اللغوي للتنغيم.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"العوامل والعلل في \"الردّ على النحاة\" ـــ موفق السراج\r\nيرى النحاة أن الظواهر الإعرابية -أي تغير أواخر الكلم من رفع إلى نصب إلى جر إلى جزم- إنما هي نتيجة تأثير الكلام بعضه في بعض. فسموا الكلمة المؤثرة عاملاً، والكلمة المتأثرة معمولاً، والظاهرة الإعرابية الحادثة عملاً. ففي مثل قولنا \"لم نسافِرْ\" تكون \"لم\" هي العامل، و \"نسافر\" هي المعمول، والجزم الحاصل على نسافر هو العمل.ثم أطلقوا فقالوا: ما من ظاهرة إعرابية إلا لها عامل أحدثها(1)، وقد أعملوه في الأسماء والأفعال المعربة ومثلهما الأسماء المبنية(2) وعلى أساس هذه النظرية أرسى الخليل قواعد النحو، ثم توسع فيها تلميذه سيبويه من بعده، فكانت له عمدة في توزيع أبواب الكتاب. فقد عقب على حديثه عن أنواع الإعراب والبناء للكلمات بقوله:\r\"وإنما ذكرت لك ثمانية مجار، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث منه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف وذلك الحرف حرف الإعراب\"(3).\rونفهم مما تقدم أن العامل –عندهم- هو محدث حركات الإعراب التي تكمن أهميتها في الكلام باعتبارها إبانة عن الوظيفة الذاتية للكلمة، وبكونها كلمة ذات دلالة خاصة.\rوقبل أن نناقش هذا الرأي فنثبت أو ننفي، لا بد من إلمامة عجلى بأهم تقسيمات العوامل. فالعامل عندهم قسمان:\r1-عامل معنوي.\r2-عامل لفظي.\rأما الأول فيعمل الرفع في المضارع \"لتجرده من النواصب والجوازم، فالتجرد هو عامل الرفع فيه، فهو الذي أوجب رفعه وهو عامل معنوي، كما أن العامل في نصبه وجزمه عامل لفظي لأنه ملفوظ\"(4).\rكما يعمل الرفع في المبتدأ الابتداء. قال سيبويه \"واعلم أن المبتدأ لا بد له من أن يكون المبني عليه –أي الخبر- شيئاً هو هو.. فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء\"(5).\rأما العامل اللفظي فهو الأصل لأنه الأقوى، إذ كان محسوساً يدرك بالسمع(6) ولذا دخل جميع أبواب النحو فمنه: الأفعال، والحروف، والأسماء. لكنها ليست متساوية في العمل، فعلى حين أن الأفعال هي العوامل الأصول، فإن القسمين الآخرين فرعان لها، لأننا لا نجد فعلاً غير عامل إلا الأقل، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه. وهو ضربان:\n","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"لازم: وهو ما رفع فاعله ولم ينفذ إلى مفعول. ومتعد: وهو ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه. وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فنقول على هذا:\rالرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص(7) ومجمل القول في المتعدي أنه ثلاثة أقسام:\r1-متعد إلى مفعول واحد:\rبالجار نحو \"غضبت من زيد\" أو يتنوع بين التعدي بالجار تارة والتعدي بنفسه أخرى كقوله تعالى: (واشكروا نعمة الله( وقوله: (أنِ اشكر لي( وقد يتعدى لواحد بنفسه ولا يتعدى أخرى لا بنفسه ولا بالجارِ نحو \"فغر فاه\" بمعنى فتحه، و \"فُغِرَ فوه\" بمعنى انفتح(8).\r2-متعد إلى مفعولين:\rآ-أصلهما مبتدأ وخبر وهي أفعال الشك واليقين، وتسمى أفعال القلوب.\rب- ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. ويمكن اكتفاء هذا الفعل بمفعول واحد ولكن ذكر المفعولين أتم للفائدة(9).\r3-متعد إلى ثلاثة مفعولين:\rهذا أهم ما يتعلق بنصب الأفعال المتعدية لمفعوليها.. فهل بوسعنا تحديد العوامل في المنصوبات الأخرى كالخبر والتمييز والمفعول المطلق وظروف الزمان والمكان والمفعول له والحال؟\rأما الخبر والتمييز فخاصان لا يعمَّان كل الأفعال، ألا ترى أنه لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر ككان وعسى وكاد اللواتي لهن أخبار. وكذا التمييز لا يكون في كل فعل، وجملته أنه اسم، نكرة، بمعنى من، مبين لإبهام اسم أو نسبة(10) والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم كـ \"عشرين درهماً\"، والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه كـ \"طاب نفساً\" و \"هو طيب أبوَّة\"(11).\rولما كان عامله في الأكثر غير متصرف لم يجز فيه التقديم كما جاز في المفعول التقديم والتأخير(12).\rأما المنصوبات التي تساوت الأفعال في نصبها فخمسة:\rالمفعول المطلق، وعامله إما مصدر مثله نحو قوله تعالى: (فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً\" أو ما اشتق من فعل نحو \"وكلم الله موسى تكليماً\" أو وصف نحو \"والصافات صفاً\"(13).","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"والثاني مما تتساوى الأفعال في نصبه، الظرف، وهو اسم الزمان أو المكان لأن الفعل لا يصح وقوعه عارياً منهما، فدل عليهما بمعناه، وقد تعدى الفعل إلى جميع أسماء الزمان لكونها أشبه بالأحداث ولم يتعد من أسماء المكان إلا إلى ما كان منها مبهماً غير مختص، مما في الفعل دلالة عليه كالجهات الست وما أشبهها من ظروف المكان المبهمة(14).\rوالمفعول له ويكون أبداً مصدراً منصوباً ناصبه فعل من غير لفظه لأن الشيء يتوصل به إلى غيره ولا يتوصل به إلى نفسه، ولا يكون كل مصدر بل أكثر ما يقع من المصادر التي هي من أفعال النفوس كالطمع والرجاء(15).\rوالحال وأصل العامل فيه الفعل أو معناه. والفعل إما متصرف أو جامد، أما معناه فلفظ مضمن معنى الفعل دون حروفه. ومنه قول الشاعر:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً\rفعامل الحالين وصاحبهما قوله \"كأن\" وهو حرف متضمن معنى الفعل \"أشبه\" دون حروفه. ويتفرع عنهما عوامل أخرى(16).\rأما المفعول معه فناصبه ما سبقه من فعل أو شبهه بوساطة الواو، والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها ومثل ذلك ما زلت أسير والنيل أي مع(17).\rوكذلك العامل في المستثنى فإن فيه أقوالاً منها قول سيبويه أن العامل فيه الفعل المقدم أو معنى الفعل بوساطة إلا(18) أي أن ما قبلها يعمل في المستثنى بوساطتها كما في المفعول معه.\rومن الأفعال العاملة ما يستعمل استعمال الأدوات، والأدوات هي الحروف، وتختص بأحكام تنفرد بها عن جمهور الأفعال ومن ذلك \"كان\" وأخواتها. وما يفرقها عن باقي الأفعال أنها تدل على أزمنة مجردة من الأحداث والأفعال موضوعة للدلالة على الأحداث وعلى أزمنتها المعينة.\rومنها أفعال المقاربة مثل عسى وكاد.. أما عسى فجامدة يرتفع بها الاسم ويفتقر إلى خبر منصوب ولا يكون إلا مصدراً مقدراً غير مصرح بلفظه وذلك المصدر هو \"أن\" والفعل.. وقد تستغني به عن الخبر..","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وأما كاد ففعل متصرف، وهو أشد مطالبة للفعل من \"عسى\" وأقرب إلى الحال منه، ولهذا استغنى عن دخول \"أن\" في خبره.. وما تبقى منها ما يستعمل استعمال \"عسى\" ومنها ما يستعمل استعمال \"كاد\"(19).\rومن تلك الأفعال \"نعم وبئس\" وما جرى مجراهما من الأفعال مما يقتضي مدحاً أو ذماً، وحكمها في العمل أنها ترفع من الأسماء الظاهرة فاعلين معرفين بأل الجنسية أو بالإضافة إلى ما قارنها، أو مضمرين مستترين مفسرين بتمييز نحو \"بئس للظالمين بدلاً\" وقوله: نعم امرأً هرم ففي كلا الشاهدين ضمير مستتر فاعل، مفسر لإبهامه بالتمييز(20).\rهذا أهم ما يتعلق بالعوامل الأصول.. إلا أن هناك أسماء تعمل عمل أفعالها ولكنها تتخلف عنها ولا تبلغ منزلتها في العمل ومن هذا القسم اسم الفاعل. ومذهب سيبويه والجمهور أن أسماء الفاعلين لما شابهت الأفعال المضارعة أعملت حملاً عليها كما أعرب المضارع لمشابهته أسماء الفاعلين، ولذا منعوا اسم الفاعل من العمل إذا كان يعبر عما مضى(21).\rواسم المفعول في العمل كاسم الفاعل في أنه يعمل عمل فعله الجاري عليه فنقول هذا رجل مضروب أخوه، فأخوه مرفوع بأنه اسم ما لم يسمَّ فاعله كما أنه في يضرب أخوه كذلك(22) وتنصبه به أيضاً إن كان فعله متعدياً كقولك: زيد معطى أبوه درهماً كما تقول يعطى أبوه درهماً.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"أما الصفات المشبهة فتعمل الرفع خاصة ولا تنصب مفعولاً فإن نصبت فعلى التشبيه بالمفعول لا على المفعول الصريح(23) وإنما عملت لأنها شابهت اسم الفاعل بكونها صفة تثنى وتجمع وتؤنث(24) إلا أنها فروع على أسماء الفاعلين إذ كانت محمولة عليها انحطت عنها ونقص تصرفها عن تصرف أسماء الفاعلين كما انحطت أسماء الفاعلين عن مرتبة الأفعال فلا يجوز تقديم معمولها عليها كما جاز ذلك في اسم الفاعل(25) وأما المصادر العاملة عمل الأفعال فهي كل مصدر قدر بأن أو ما والفعل وإنما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة لأنه في معنى الفعل ولفظه متضمن حروف الفعل فجرى مجرى اسم الفاعل فعمل عمله(26).\rومما أعمل عمل الأفعال ألفاظ سميت بها الأفعال أي قامت مقامها ودلت عليها بعملها عملها والفرق بينها وبين مسمياتها من الأفعال أنها وإن عملت عملها فإنها ليست بصريح أفعال لعدمها التصرف الذي هو خاص بالفعل، ولذلك نقص تصرفها في معمولها عن تصرف الفعل وانحطت في ذلك رتبته(27) وهي على ضربين: ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور وغير متعد له فالمتعدي نحو قولك: عليك زيداً أي: الزمه وغير المتعدي نحو: صه أي اسكت... وأسماء الأخبار نحو هيهات ذاك أي بعُد(28).\rوأما القسم الأخير من العوامل فهو العوامل من الحروف... والعامل منها ما اختص بالفعل أو الاسم، والمهمل هو غير المختص بأحدهما... إلا أن بعض الحروف قد تكون مختصة وهي غير عاملة، وعلة ما جاء من هذا الضرب في امتناعه عن العمل أن يتصل بما اختص به اتصالاً شديداً، حتى يتنزل لشدة اتصاله به منزلة الجزء منه(29) وهذه ثلاثة:\rما ينصب الاسم ويرفع الخبر وهي الحروف المشبهة بالفعل... وقد تدخل عليها \"ما\" فتكف \"إن\" وأخواتها عن العمل وتزيل اختصاصها بالأسماء..\rثم حروف الجزم وأدوات الشرط.\rوأخيراً حروف الخفض... وكلها معروفة.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وقد يضمر العامل لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه، وذلك نحو (أن) مع الفعل إذا كان جواباً للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعة، نحو اذهب فيذهب معك \"ولا تفتروا على الله كذباً فيسحتَكِم بعذاب\" وذلك أنهم عوضوا من (أن) الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك، وقوله:\rنحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا\rصارت أو والواو فيه عوضاً من (أن)، وكذلك الواو التي تحذف معها رُب في أكثر الأمر، نحو قول الراجز:\rوقاتمِ الأعماق خاوي المخترَق.\rغير أن الجر لرب لا للواو، كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة، لا للفاء ولا للواو ولا (لأو).\rومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره. مصدراً كان أو غيره... فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب.\rومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك: إذا رأيت قادماً:\rخيرَ مقدم، أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله، بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه، ومؤد تأديته(30).\rوبعد فقد تبين لنا من هذا العرض المقتضب للعوامل أن الرأي السائد فيها هو أنها محدثة حركات الإعراب وهذه الحركات سبب تنوع معاني الكلم.. كما لاحظنا أن فكرة العامل دخلت جميع أبواب النحو، وأن هذه الأبواب وزعت على أساسها، فهلا ناقشنا هذه الفكرة فتعرفنا جوانب الصواب فيها؟!\rلا بأس لدينا من خلال ما جاء في كتاب \"الرد على النحاة\".\rلقد ثار ابن مضاء القرطبي (511-592هـ) في كتابه هذا على قول النحاة بالعامل، ولم يلتفت إليه أحد، ولم يؤبه لرأيه هذا، وظل كتابه قابعاً في زاوية مظلمة، إلى أن قيِّض له الدكتور شوقي ضيف في سنة (1947م) فحققه وقدم له بمقدمة أشاد فيها بهذا الرجل وبكتابه، ونعته بالطرفة البديعة!","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وكل ما يعنينا منه أنه دعا إلى إلغاء نظرية العامل، وحجته في ذلك أنها كانت السبب في تعقيد النحو لما خلفته من تقديرات وتأويلات، فلهذا رأى أن يحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وينبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، وادعى أن رأي سيبويه بيِّن الفساد بتوزيعه أبواب كتابه على فكرة العامل لاعتقاده أن العامل هو محدث الإعراب(31). وقد حاول أن ينقض رأي سيبويه ويدعم رأيه هو باستشهاده بقول ابن جني بعد حديثه عن العامل اللفظي والعامل المعنوي:\r\"فأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره\"(32).\rكما اعترض على تقدير العوامل المحذوفة(33) وليس لمعترض أن يقول بأن النحاة قد أجمعوا على القول بالعامل لأن إجماعهم على القول به ليس حجة(34) واعترض أيضاً على تقدير متعلقات المجرورات(35) وتقدير الضمائر المستترة في المشتقات(36) وفي الأفعال(37) ودعا أيضاً إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث(38).","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"إنه لينتابنا العجب مما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه! فهو لم يبق على أصل من أصول النحو.. ودعوته إلى إسقاط نظرية العامل لا يمكن أن يقبل بها مصيب.. بل هي دعوة خرقاء ضلت الطريق القويمة، وانحازت عن السداد.. أو ليس صرح النحو كله قائماً على أساس فكرة العامل؟ فما دامت الدعوة إلى إسقاطها دعوة إلى هدم النحو العربي فليس لنا أن نقبلها بأية حال.. وليس له فيما ذكر ابن جني عن العامل حجة يحتج بها في تحقيق مراده... صحيح أن المتكلم كما ذكر أبو الفتح هو المحدث لتلك المعاني المختلفة الناتجة عن تنوع حركات الإعراب، إلا أنه اتخذ من العوامل وسيلة لإحداث الإعراب الذي هو إبانة لما في نفس المتكلم، ودليل على المعنى الوظيفي للكلمة \"فالموجد كما ذكرنا لهذه المعاني هو المتكلم، لكن النحاة جعلوا الآلة كأنها هي الموجدة للمعاني ولعلاماتها. ولهذا سميت الآلات عوامل.. وثبت أن العامل في الاسم ما يحصل بوساطته في ذلك الاسم المعنى المقتضي للإعراب وذلك المعنى كون الاسم عمدة أو فضلة أو مضافاً إليه العمدة أو الفضلة..\"(39).\rوإذا كان قد احتج على إلغاء العوامل بما جرَّته على النحو من التعقيد، فإن التعقيد جاء من متأخري النحاة، إذ بالغوا بأمر العامل وشعَّبوا وجوه القول فيه، وأسقموا النحو بمصطلحات المنطق وعلم الكلام.. \"وقد لا يكون تفسير ا لأمر صعباً إذا عدنا إلى القرن الرابع فوجدنا جواً زاخراً بالعلوم العربية والأعجمية، ورأينا عقلية بلغت من النضج والخصب مبلغاً عظيماً، وأدركنا غلبة المنطق وأساليب الكلام ونفاذها في علوم ذلك العصر\"(40).\rوليس ما وصلت إليه فكرة العامل عند المتأخرين بمسوغ له أن يدعو إلى إسقاطها وهدمها من الأساس.. فما يهمنا أنها معتدلة عند متقدميهم وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وإذا أردنا أن نحكم في مسالة علينا أن نردها في منبعها.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"أما اعتراضه على تقدير العوامل المحذوفة فليس بشيء بدليل أنهم أجمعوا على تقدير الفعل المنصوب بأن المضمرة بمصدر وجعلوا له محلاً من الإعراب حسب موقعه من الكلام.. وهل نستطيع أن نفسر نصب (زيداً) في قولنا: (زيداً كلمته) إلا على أنه مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده... وكذلك كلمة (المسكين) مرفوعة في قولنا: مررت به المسكين إلا على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) كما ذكر سيبويه. وماذا نقول في ناصب (خيراً) في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً) سوى أنه فعل محذوف دل عليه السياق؟ وفيما ذكرناه من كلام ابن جني عن تقدير العوامل المحذوفة ثبت لما نقول (وانظر الخصائص 1/284).\rوأما ما ذكره من أن إجماع العلماء على القول بالعامل ليس بحجة فلا يمكن أن يطلق هذا ليكون مبرراً لكل ذي نزوة من نزوات تفكره.. وإلا لكانت العلوم فوضى ولأدلى كل واحد بما يحلو له.. إننا نعارض إغلاق أبواب الاجتهاد في مسائل اللغة، لأننا أحرص ما نكون على تطورها ومواكبة روح العصر.. حتى لو خالف المجتهد الجماعة، ولكننا \"مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها... إلا بعد أن يناهضه إتقاناً، ويثابته عرفاناً، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره\"(41) وما ابن مضاء في مخالفة الجماعة إلا مخلد لسانح خاطره، ونزوة تفكيره.. فما عرف أنه رجل فقه وقضاء أكثر من كونه نحوياً.. فلا حجة له.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وما دام قد دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث نود أن نبين العلاقة بين نظرية العوامل وبين \"علل النحو\" فنقول أولاً إنهما نابعتان كلتاهما من معين واحد هو العقل البشري الذي من طبيعته التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء أية ظاهرة مهما كان نوعها، وبالتالي طموحه إلى تفسيرها وإخضاعها لأحكام منطقه. ويبدو لنا أن العلل النحوية بصورتها البسيطة، وهي التي يسميها الزجاجي \"العلل التعليمية\" قد رافقت في الأساس نظرية العوامل، بل هي امتزجت بها، حتى ليصعب على المرء التمييز بينهما(44) أما ما آلت إليه نظرية العلة النحوية فيما بعد فبعيد عن نظرية العوامل. فلم تعد العلة مفتاحاً يتوسله العلم لشرح معضلة استغلق ذهن الطالب دون فهمها، بل راحت تتلبس على مر العصور بمفروزات المنطق الفلسفي ومركباته، حتى ناءت بها كتب النحو واللغة لكثرة ما عملت فيها نفخاً وإطالة. وهذا ما قصدنا إليه حين قلنا بتعقيد \"علل النحو\" في العصور المتأخرة وبعدها عن العلة في نشأتها الأولى وبالتالي عن نظرية \"العوامل\" التي هي صنو لها(43) وهذا ما جعل ابن جني أيضاً يرفض العلل الثواني والثوالث ويكتفي بالعلة الأولى(44) فلم يكن لابن مضاء سبق القول برفضها.\rوليس أدل على خطل ما جاء به، كما ذكر الدكتور مازن المبارك، من أن دعوته لم تكن أكثر من صرخة دوَّت في أواخر القرن السادس الهجري ثم خمدت فلم تترك وراءها من الأثر أكثر مما يتركه النجم الهاوي من ذيل يضيء ثم لا يلبث أن يضمحل.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"إلا أن الدعوة إلى رفض القول بالعوامل لم تخمد تماماً.. بل ظهرت من جديد في دعوات وصرخات ناشزة تسترت تحت شعارات مختلفة من \"تجديد النحو\" أو \"إحياء\" له، بحجة أن قوالبه القديمة لم تعد مناسبة للاستعمال في عصرنا هذا.. وكان في طليعة هؤلاء إبراهيم مصطفى الذي دعا في كتابه \"إحياء النحو\" إلى إلغاء نظرية العامل لتوزع أبواب النحو على نمط جديد يسهل للطالب الدرس والفائدة.. فلم يزد على ما جاء به ابن مضاء، ولم يكن حظه بأحسن من سلفه.\rويدهش المرء لموقف الدكتور طه حسين المتناقض من هذه المسألة، إذ \"كيف يكون ابن مضاء هداماً أكثر منه مصلحاً في رأي من يرى في محاولة إبراهيم مصطفى (إحياء للنحو) ويصر على أن تحمل هذا الاسم، كما ذكر في تقديمه لهذا الكتاب\"(45)؟!\rوأخيراً، وبعد أن تبينا أنواع العوامل من لفظية ومعنوية وعرفنا أن منها الأصول ومنها الفروع، ودللنا على فساد قول ابن مضاء بإسقاط فكرة العامل نقول:\rالعمل في الحقيقة إنما هو للمتكلم لا لغيره، إلا أن العوامل اتخذت وسائل لتنوع المعاني عن طريق تنوع حركات الإعراب.. ولا غنى عن هذه الوسيلة للوصول إلى الغاية.\rموفق السراج\rالحواشي:\r(1) المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها 3/65. محمد الأنطاكي.\r(2)المدارس النحوية. ص 38. د. شوقي ضيف.\r(3)الكتاب 1/10. سيبويه.\r(4)جامع الدروس العربية 1/172. مصطفى الغلاييني.\r(5)الكتاب 1/278. سيبويه.\r(6)المرتجل ص 114. ابن الخشاب.\r(7)المرتجل ص 116.\r(8)شذور الذهب ص 356. ابن هشام.\r(9)المرتجل ص 155.\r(10)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. 2/108 ابن هشام.\r(11) نفسه 2/109.\r(12)المرتجل ص 158.\r(13)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 20/33.\r(14)المرتجل ص157.\r(15) نفسه ص 159.\r(16) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/91-92.\r(17)الكتاب 1/177.\r(18)شرح المفصل 2/76. ابن يعيش.\r(19)المرتجل ص 124.\r(20)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/283.\r(21)نفسه 2/283.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"(22)الكتاب 1/87.\r(23)شرح المفصل 6/80.\r(24)المرتجل ص239.\r(25)شرح الكافية 2/205. رضي الدين الاستراباذي.\r(26)شرح المفصل 6/82.\r(27)نفسه 6/60.\r(28)المفصل ص 61. الزمخشري.\r(29)المرتجل ص 168 وص 227.\r(30)الخصائص 10/263-264. ابن جني.\r(31)الرد على النحاة ص 85. ابن مضاء القرطبي.\r(32)الخصائص 1/110.\r(33)الرد على النحاة ص 88.\r(34)نفسه ص 93.\r(35) نفسه ص 99.\r(36)نفسه ص 100.\r(37) نفسه ص 103.\r(38) نفسه ص 151.\r(39)شرح الكافية 1/25. رضي الدين الاستراباذي.\r(40)النحو العربي ص 98. د. مازن المباوك.\r(41)الخصائص 1/190.\r(42)تجديد النحو ص 59 د. عفيف دمشقية.\r(43)نفسه ص 161-162.\r(44)الخصائص 1/173.\r(45)النحو العربي ص 157.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"اللسان العربي المبين - د. جعفر دك الباب\r\nتعتبر هذه المقالة الثالثة في سلسلة مقالاتي التي تفضلت هيئة تحرير \"التراث العربي\" بالموافقة على نشرها، ويمكن تسمية السلسلة (التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة). كنت قد بدأت هذا الاتجاه في البحث عام 1968 حين شرعت بتحضير رسالة الدكتوراه في جامعة موسكو في اختصاص اللسانيات التاريخية والمقارنة. وفي رسالتي التي كتبتها بالروسية ودافعت عنها عام 1973، عرضت نظرية الإمام الجرجاني اللغوية التي تضمنها كتاب \"دلائل الإعجاز في علم المعاني\" وقارنتها بالنظرية اللسانية الحديثة(1)، وطالبت بأن تحتل نظرية الجرجاني عن جدارة موقعاً بارزاً في اللسانيات الحديثة. وتابعت السير في اتجاه دراسة التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة خلال فترة تدريسي في الدراسات العليا في جامعة دمشق، فحددت الملامح العامة لاتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في \"الخصائص\" والإمام الجرجاني في \"دلائل الإعجاز في علم المعاني\" في نظريتين متتامتين(2).كانت المقالة الأولى في هذه السلسلة بعنوان \"إعجاز القرآن وترجمته\"(3). عرضت فيها –انطلاقاً من نظرية الإمام الجرجاني اللغوية- رأي الجرجاني في إعجاز القرآن الكريم. وبينت أنه يقول بضرورة عدم التمييز بين معان أصلية ومعان ثانوية للقرآن، لأن القرآن معجز في جميع مواضعه. وأشرت إلى أن الجرجاني يؤكد ضرورة الربط بين النحو والبلاغة، لأن فصل البلاغة عن النحو يؤدي إلى القول إن القرآن الكريم معجز فقط في بعض مواضعه، وقررت في نهاية المقالة أن الترجمة الجيدة للقرآن الكريم يجب أن تكون للمعاني وأن تنطلق من فهم الخصائص البنيوية للغة التي تتم الترجمة منها واللغة التي يترجم إليها.\rوكانت المقالة الثانية في هذه السلسلة بعنوان \"الخصائص البنيوية للفعل والاسم في العربية\"(4). عرضت فيها تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية عن مفهوم (الكلمة) في علم اللغة الأوروبي، نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج (أو اتصال) الكلمات. كما بينت خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي، وحددت في ضوء تلك الخصائص أنماط التراكيب في العربية. وقد تطرقت بصدد ذلك إلى العوامل في النحو، وأشرت إلى المنهج البنيوي الوظيفي للإمام الجرجاني في الدراسة النحوية، ولخصت نظرته الوظيفية إلى الإعراب.\rوفي هذه المقالة الثالثة من السلسلة والتي تحمل عنوان \"اللسان العربي المبين\" أطرح السؤال التالي: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة مجدداً إلى البحث في إعجاز القرآن البلاغي، وتحديد مزايا اللغة التي أنزل القرآن بها فجعلت جميع العرب يقرون بأنه في أعلى درجة من البيان وبأن لغته قمة في الفصاحة والبلاغة.\rآ)نص القرآن الكريم صراحة على أنه (قرآن عربي) في الآيات التالية:\r-(إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون( /الزخرف 3/\n","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"-( وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً( /الشورى 7/\r-(إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون\" /يوسف 2/\r-(وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد( /طه 113/.\r-(كتاب فصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون( /فصلت 3/.\r-(قرآناً عربياً غير ذي عِوَج لعلهم يتقون( /الزمر 28/.\rب)ونص صراحة كذلك على أنه (بلسان عربي مبين) في قوله تعالى:\r(وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين( /الشعراء 192-195/.\rجـ)كما نص على أنه (بلسان النبي الكريم) في قوله تعالى:\r(فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون( /الدخان 58/.\r2)ونص على أن (لسان الكتاب عربي) في قوله تعالى:\r(...وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً...( /الأحقاف 12/\rهـ)كما نص في موضع آخر على أنه (لسان عربي مبين) في قوله تعالى:\r(...وهذا لسان عربي مبين...( /النحل 103/.\rإن النص الصريح على أن (القرآن عربي) وعلى أنه (بلسان عربي مبين) يوجب علينا أن نحدد أولاً المقصود بعبارة (قرآن عربي)، ثم نحدد ما هو (اللسان العربي المبين).\rأولاً- القرآن عربي.\rنفهم من وصف القرآن بأنه (عربي) أنه أنزل بلسان العرب. لذا فإن تحديد المقصود بعبارة (قرآن عربي) يحيل إلى البحث في تحديد: (من العرب؟) و (ما العربية؟).\rصنفت اللسانيات المقارنة اللغات في أسر بحسب قرابتها. وصنفت اللغة العربية في أسرة اللغات السامية. ويعمد بعض العلماء إلى توحيد اللغات السامية والحامية في أسرة واحدة يسمونها أسرة اللغات السامية –الحامية. لم يتم تاريخياً إثبات وجود اللغة- الأصل أم الأم لكل أسرة، بل تم الاكتفاء بفرض وجود اللغة- الأصل ووصف صفاتها العامة المستنبطة من التشابه بين اللغات التي تدخل كل أسرة لغوية(5).\rثم اعتمد المؤرخون فرضية اللغة- الأصل وفرضوا بدورهم وجود شعب تكلم بها.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وعليه فإن فرض وجود لغة سامية- أصل استوجب بالتالي فرض وجود الشعب السامي- الأصل الذي تكلم تلك اللغة. ولكن أين موطن ذلك الشعب السامي؟ وهل تشكل السامية جنساً متميزاً؟ يقول الدكتور فيليب حتي حول موطن الجنس السامي- الحامي ما يلي: \"وهذا يجعل إفريقية الموطن المرجح للجنس السامي الحامي، والجزيرة العربية المهد للشعب السامي والمركز الذي تفرعوا منه. أما الهلال الخصيب فهو مربع الحضارة السامية\"(6). ويشير الدكتور جواد علي إلى أن السامية ليست عرقاً فيقول: \"السامية ليست (RACE) بالمعنى المفهوم من (RACE) عند علماء الأحياء، أي جنس له خصائص جسمية وملامح خاصة تميزه عن الأجناس البشرية الأخرى. فبين الساميين تمايز وتباين في الملامح وفي العلامات الفارقة يجعل إطلاق (RACE) عليهم بالمعنى العلمي الحديث المفهوم في علم الأجناس أو الفروع العلمية الأخرى نوعاً من الإسراف واللغو. كما أننا نرى تبايناً في داخل الشعب الواحد من هذه الشعوب السامية في الملامح والمظاهر الجسمية(7).\rوفي العرب والعربية يقول الدكتور جواد علي: \"وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى أن (يعرب) كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي فعرف هذا اللسان لذلك باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم أي أنهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة قبل خلق (يعرب) بالطبع بزمان طويل، ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيل، وقد ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً، وكان أول من فتق لسانه بالعربية المُبِنية وهو ابن أربع عشرة سنة. وإسماعيل هو جد العرب المستعربة على حد قولهم..\"(8).\rويذكر الدكتور جواد علي أن الرواة وأهل الأخبار اتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة وعرب عاربة وعرب مستعربة.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز. واتفقوا أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله و وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة. فهم الأصل والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز. وقد شرح الله صدر جدهم إسماعيل فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الأرامية أو الكلدانية أو العبرانية على بعض الأقوال(9).\rوحول تقسيم اللغة العربية إلى شمالية وجنوبية يكتب الدكتور جواد علي: \"وقد اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي يقال للغات التي تعود إليه اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي يقال للغات التي ترجع إليه اللغات أو اللغة العربية الجنوبية. وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب إنما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: أصل عدناني وأصل قحطاني. ونظراً إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لغتها وفي خطها عن العربية القرآنية، رسخ في أذهانهم هذا التقسيم وقسموا لغات العرب إلى مجموعتين لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات\"(10).\rقال المستشرقون أن العربية الشمالية والعربية الجنوبية تدخلان في شعبة اللغات السامية الجنوبية. وادعى بعض المستشرقين أن العربية الجنوبية أقرب إلى العبرية.\rولعل السبب في ذلك الادعاء يعود إلى أن المستشرقين الأوائل كانوا –حين يحللون النقوش العربية الجنوبية- يكتبونها أولاً بالحروف العبرية ثم يترجمونها إلى لغاتهم. وأشار الأكاديمي كراتشكوفسكي إلى أن من الأفضل كتابتها بالحروف العربية الشمالية لأنها أكثر ملاءمة من الحروف العبرية لخصائص البنية اللغوية للعربية الجنوبية.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"أما الدكتور فيليب حتي فيقول: \"يجب علينا أن نفرق بين عرب الجنوب وعرب الشمال الذين يشملون أهل نجد في أواسط الجزيرة. وكما أن سطح الجزيرة ينقسم إلى منطقتين شمالية وجنوبية تفصل بينهما صحراوات غير مطروقة، كذلك ينقسم سكانها إلى جماعتين تتمايز الواحدة عن الأخرى. وعرب الشمال في الغالب من البدو ويعيشون في بيوت من الشعر في نجد والحجاز، أما عرب الجنوب فأكثرهم من الحضر يقطنون اليمن وحضرموت وما جاورهما من السواحل. ولغة الشمال هي لغة القرآن أي اللغة العربية المعروفة، أما أهل الجنوب فلقد كان لهم لغة سامية قديمة –لغة سبأ وحمير- وهي تمت إلى اللغة الحبشية بصلة\"(11).\rهذا وقد عمد بعض اللغويين العرب إلى التأكيد أن لغات اليمن القديمة مستقلة تمام الاستقلال عن اللغة العربية وتؤلف معها ومع اللغات الحبشية السامية شعبة لغوية واحدة هي الشعبة السامية الجنوبية(12). في حين عمد لغويون آخرون إلى دفع تلك الشبهة وأكدوا أنه لم يكن في جزيرة العرب إلا لسان عربي واحد تكلمه أهل الشمال وأهل الجنوب على حد سواء، وإن الاختلاف بين لهجاته لم يكن أوسع مما تجيزه قوانين اللغة بين لهجات اللسان الواحد(13).","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"من المعروف أن اللغة العربية (الشمالية) لم تبدأ في الظهور كتابياً إلا كآخر لغة سامية على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك يؤكد علماء الساميات أنه لا يمكن الاستغناء عن العربية لدى كل دراسة لغوية مقارنة للساميات، وأنها ضرورية لتحديد مزايا اللغة السامية الأم التي يفرض وجودها نظرياً. إن المنهج المقارن في دراسة اللغات لا يستطيع أن يكشف الظروف التي أدت إلى تمتع العربية بجملة من الخصائص تجعل معرفة العربية ضرورية ولا غنى عنها لتحديد صفات اللغة السامية الأم. أما المنهج المقارن التاريخي فينظر إلى اللغة الأم أو الأصل على أنها لغة حقيقية كانت موجودة تاريخياً، ولكن ليس بالإمكان إعادة بنائها كلياً ويمكن فقط إعادة بناء الخصائص الأساسية لنظامها الصوتي والقواعدي ولمفرداتها. ويعني هذا أن المنهج المقارن التاريخي لا يستطيع كذلك أن يشرح الظروف التي جعلت العربية تتمتع بخصائص بنيوية مميزة.\rإننا نرى أن هذا هو السبب في الارتباك الذي يعاني منه العرب في العصر الحاضر.\rفيعمد بعض الباحثين العرب إلى التأكيد على أن اللغة العربية أقدم اللغات السامية على الإطلاق(14). ويعمد آخرون إلى رفض مصطلح (اللغات السامية) ويدعون إلى تصحيح تلك التسمية الخاطئة التي تستبطن اعتبارات ثقافية وسياسية وإقليمية يمكن أن تستغلها الصهيونية، ويقترحون إطلاق تسمية (اللغات العربية القديمة) أو (اللغات الأعرابية) بدلاً منها(15).\rإننا ندعو إلى التخفيف من الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات لأنه عاجز عن إعادة بناء اللغة –الأصل كلياً، ولا يمكِّن بالتالي من إعادة بناء اللغة السامية الأم بشكل كامل. ويعني ذلك أننا لن نتمكن بوساطة المنهج المقارن التاريخي من إثبات هل اللغة العربية أقرب اللغات السامية جميعاً من اللغة السامية الأم. فما العمل؟!","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"إن دعوتنا إلى عدم الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات ليست في الواقع سوى خطوة تمهيدية وضرورية للدعوة إلى اعتماد منهج تاريخي علمي. وكنت قد أشرت أعلاه إلى اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين. وأضيف هنا أنني استنبطت منهجاً تاريخياً علمياً في الدراسة اللغوية من التتام بين نظريتي ابن جني والجرجاني.\rويقضي المنهج التاريخي العلمي بالنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة اجتماعية ترتبط بالتفكير منذ نشأتها، وتؤلف نظاماً متعدد المستويات في حركة مستمرة، لذا يجب أن يدرس النظام اللغوي في وضعه الراهن (المتزامن) وفي تطوره في آن واحد. إن استخدام المنهج التاريخي العلمي لدى دراسة تاريخ اللغة يوجب قبل كل شيء ضرورة الاستناد إلى مادة لغوية للغات موجودة الآن فعلاً أو ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة، لا مفروضة الوجود فقط. ويرى المنهج التاريخي العلمي أن مادة أي لغة طبيعية معروفة هي أفضل الشواهد التاريخية ودليل علمي هام. لذا فإننا نرفض القول بوجود الشعب السامي، إذا كان ذلك القول يستند فقط إلى فرض وجود لغة سامية –أم، كما ندعو إلى دراسة لغة القرآن الكريم متسلحين بالمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"تميزت شبه جزيرة العرب باشتمالها على مناطق جغرافية مختلفة تتوسطها الصحراء. وقد ساعدت طبيعة الأرض العربية على احتفاظ الحياة الاجتماعية العربية بسمات قبلية في كثير من جوانبها بالرغم من وجود نمط حياة الاستقرار التي عرفت الاشتغال بالزراعة والعمران في الجنوب (في اليمن) وفي المناطق الساحلية أو القريبة من الساحل التي عرفت الحياة المدنية والاشتغال بالتجارة. ولم تكن المجتمعات العربية ذات درجة واحدة من التطور الاجتماعي، بل كانت متفاوتة بنتيجة عوامل مختلفة. وقد انعكس ذلك التفاوت في درجات التطور الاجتماعي على الوضع اللغوي للعربية. فكانت اللغة العربية –والحالة هذه- بدرجات متباينة من التطور حسب القبائل والمناطق.\rيشير الدكتور جواد علي إلى أن \"كل لغات العرب هي لغات عربية وإن اختلفت وتباينت وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام وبفضل نزول الكتاب بها فصارت (اللغة العربية الفصيحة) ولغة العرب أجمعين. وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضاً وعلى من كان على شاكلتهم، وإن عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب وأبعدوهم عن العرب والعربية..\"(16).\rلا بد هنا من التنويه بأن لفظة (لغة) كانت تستعمل بمعنى (لهجة)، فيقال لغات قريش وهذيل وثقيف... ويقصد بذلك لهجاتها. وإني أرى أن لغة القرآن الكريم ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، لأن وصف القرآن في التنزيل بأنه (عربي) يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، وأن لغة القرآن الكريم قد عكست بالضرورة مراحل متفاوتة من التطور اللغوي للعربية. ويؤيد ما ذهبنا إليه أن القرآن، حين نص صراحة على أنه (بلسان عربي مبين) و (لسان عربي)، استخدم لفظة (لسان) بدلاً من (لغة) للتأكيد أن لغته ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، بل هي لسان جميع العرب. فما اللسان العربي؟\rثانياً- اللسان العربي.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"لم يقر جميع العرب بأن لغة القرآن الكريم في أعلى درجة من البيان، ولم يعتبروها قمة في الفصاحة والبلاغة، إلا لأنها اللسان العربي الواحد لجميع العرب. ومن الطبيعي أن يشتمل هذا اللسان العربي الواحد على أشكال متنوعة للقراءة، كانت تعكس في الأصل أوجه التغاير بين اللهجات (اللغات) العربية من حيث اللفظ أو المعنى. وقد ورد في الحديث الشريف (أنزل القرآن على سبعة أحرف). وسرد أبو شامة المقدسي في \"كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز\"(17) جميع الروايات الصحيحة لهذا الحديث. من الروايات الصحيحة \"أقرأني جبريل عليه السلام على حرف واحد فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\". ومنها \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه\".\rونقل أبو شامة قول ابن العربي في كتاب شرح الموطأ: \"ولم تتعين هذه السبعة بنص من النبي ( ، ولا بإجماع من الصحابة، وقد اختلفت فيها الأقوال، فقال ابن عباس: اللغات سبع والسموات سبع والأرضون سبع، وعدّد السبعات، وكأن معناه أنه نزل بلغة العرب كلها\"(18). وأورد السيوطي في \"الإتقان في علوم القرآن\"(19) الأقوال المختلفة في معنى هذا الحديث. وأشار إلى أنها بلغت أربعين قولاً. وذكر الأستاذ مناع القطان في كتابه \"مباحث في علوم القرآن\"(20) أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات (أي لهجات) من لغات العرب في المعنى الواحد.\rإننا نرفض التفسير الذي يرى أن معنى (إنزال القرآن على سبعة أحرف) هو أن (القرآن أنزل بسبع لغات مع اشتراط أن يكون ذلك في المعنى الواحد)، لأن هذا التفسير يؤدي إلى القول بأن القرآن لم ينزل باللسان العربي الذي هو لسان جميع العرب، ويؤدي ذلك بالتالي إلى القول بأن القرآن ليس عربياً (أي ليس لجميع العرب)، بل هو قرآن لسبع قبائل فقط من العرب.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"أورد السيوطي القول الخامس في معنى الأحرف السبعة وهو التالي: \"إن المراد بها الأوجه التي يقع بها التغاير ذكره ابن قتيبة قال: فأولها ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل (ولا يضار كاتب) بالفتح والرفع. وثانيها ما يتغير بالفعل مثل (بعد وباعد) بلفظ الطلب والماضي. وثالثها ما يتغير باللفظ مثل (ننشرها وننشزها).\rورابعها ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل (طلح منضود، وطلع). وخامسها ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل (وجاءت سكرة الموت بالحق، وسكرة الحق بالموت). وسادسها ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل (كالعهن المنفوش، وكالصوف المنفوش). وتعقب هذا قاسم بن ثابت بأن الرخصة وقعت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها. وأجيب بأنه لا يلزم من ذلك توهين ما قاله ابن قتيبة لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقاً وإنما اطلع عليه بالاستقراء\"(21).\rيظهر من كلام السيوطي أنه يؤيد رأي ابن قتيبة الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سعبة أوجه يقع بها التغاير. وكان الإمام السكاكي قد وصف في \"مفتاح العلوم\" قول ابن قتيبة بهذا الصدد بأنه (أقرب الأقوال إلى الصواب).\rوأكد السكاكي أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن ترد إلى اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة، لأن النبي عليه السلام كان أمياً ما عرف الكتابة ولا صور الكلم.\rوصنف السكاكي الأنحاء السبعة التي تقع فيها أوجه التغاير(22) في ثلاث مجموعات:\rآ-المجموعة الأولى: إثبات كلمة (لفظة) وإسقاطها. وتشتمل على حالتين:\r1-الحالة الأولى: لا يتفاوت المعنى. مثل قراءة (وما عملت أيديهم) في موضع (وما عملته). فالتغاير يظهر هنا في إثبات لفظ الضمير العائد (الهاء) وفي إسقاطه في قوله تعالى: (ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون( /يس، 35/.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"2-الحالة الثانية: يتفاوت المعنى. مثل زيادة (من نفسي) في قراءة قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى( /طه، 15/، كما في قراءة بعضهم (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي).\rب-المجموعة الثانية: تغيير الكلمة (اللفظة) نفسها. وتشتمل على ثلاث حالات:\r1-الحالة الأولى: تتغير اللفظتان والمعنى واحد: مثل قراءة (البُخل) و (البَخَل) في قوله تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله\" /النساء، 37/، وقوله تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد\" /الحديد، 24/. ومثل قراءة (زقية) في موضع (صيحة) في قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون(/ يس، 29/.\r2-الحالة الثانية: تتغير اللفظتان ويتضاد المعنى. مثل قراءة (أُخفيها) بمعنى أكتمها و (أَخفيها) بمعنى أظهرها في قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها\" /طه، 15/.\r3-الحالة الثالثة: تتغير اللفظتان ويختلف المعنى. مثل قراءة (الصوف) في موضع (العهن) في قوله تعالى: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش( /القارعة، 5/. ومثل قراءة (طلع) في موضع (طلح) في قوله تعالى: ( وطلح منضود( /الواقعة، 29/.\rجـ-المجموعة الثالثة: أمر عارض للفظ. وتشتمل على حالتين:\r1-الحالة الأولى: الموضع. مثل قراءة (سكرة الحق بالموت) في موضع (سكرة الموت بالحق) في قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد\"/ ق، 19/.\r2-الحالة الثانية: الإعراب. مثل قراءة (أطهرُ) و (أطهرَ) في قوله تعالى:\r(قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله...\" /هود، 78/.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"إنني أرى أن الإمام السكاكي قدم تفسيراً علمياً يحل مشكلة (إنزال القرآن على سبعة أحرف) حين أكد أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن ترد إلى اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة، لأنه اعتمد المنهج العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. وبفضل ذلك المنهج استطاع تحديد الأنحاء السبعة التي تقع فيها أوجه التغاير على الشكل التالي:\r1-إثبات لفظة وإسقاطها دون أن يتفاوت المعنى.\r2-إثبات لفظة وإسقاطها مع تفاوت المعنى.\r3-تغيير اللفظتين والمعنى واحد.\r4-تغيير اللفظتين والمعنى متضاد.\r5-تغيير اللفظتين والمعنى مختلف.\r6-تقديم لفظة وتأخير أخرى.\r7-تغيير الوصف الإعرابي للفظة.\rوأرى هذا التفسير العلمي الذي قدمه السكاكي لمعنى الأحرف السبعة صحيح من الناحيتين اللسانية والتاريخية.\rفمن الناحية اللسانية، كان اللسان العربي الواحد لجميع العرب يشتمل في لهجاته (لغاته) المختلفة على أوجه تغاير في اللفظ قد تؤدي إلى تغاير في المعنى. وإلى جانب وجود اختلاف بين لهجات (لغات) اللسان العربي في طريقة لفظ الكلمات المفردة، كانت توجد بينها أوجه اختلاف في التراكيب تتركز في الأمور التالية:\r1-إثبات كلمة وإسقاطها.\r2-تغيير الكلمة نفسها.\r3-تغيير ترتيب الكلمات.\r4-تغيير أوجه الإعراب.\rوهذا أمر طبيعي تقره قوانين اللسانيات العامة الحديثة.\rومن الناحية التاريخية، كان العرب المسلمون يقرؤون القرآن على سبعة أحرف كما علمهم الرسول الكريم. واستمر الحال كذلك في عهد أبي بكر وعمر. ثم اقتضت الظروف الموضوعية في عهد الخليفة عثمان تثبيت نص واحد مكتوب للقرآن الكريم. فقام عثمان بجمع القرآن في المصحف الذي عرف باسمه (مصحف عثمان).","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"كتب السيوطي عن جمع عثمان للقرآن ما يلي: \"اختلف هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة. فذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى غير ذلك، وبنوا عليه أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها. وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك. وذهب العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ( على جبريل متضمنة لها لم تترك حرفاً منها. قال ابن الجزري وهذا هو الذي يظهر صوابه. ويجاب عن الأول بما ذكره ابن جرير أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة وإنما كان جائزاً لهم ومرخصاً لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك إجماعاً شائعاً وهم معصومون من الضلالة ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام\"(23).\rإن استخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية –لدى دراسة لغة القرآن الكريم التي دوّنها مصحف عثمان في صورة من الكتابة واحدة- يؤكد أن جمع عثمان للقرآن الكريم لم يكن على حرف واحد. ولما كانت الكتابة العربية في عهد عثمان لا تعرف الاعجام والشكل، فقد استمر العرب والمسلمون في قراءة القرآن وفق ما تسمح به الاحتمالات الممكنة للنص القرآني المكتوب من الأحرف السبعة.\rوقد أفرد أبو شامة المقدسي في \"المرشد الوجيز\" فصلاً(24) لمناقشة هذه المسألة.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"فذكر أن القاضي أبا بكر يميل إلى أن المجموع في المصحف هو جميع الأحرف السبعة، بينما يرى الطبري والأكثرون من بعده أنه حرف منها. ونقل قول أبي العباس أحمد بن عمار المقرئ في \"شرح الهداية\" من أن (هذه القراءات التي نقرؤها، هي بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف). وعقب أبو شامة على ذلك قائلاً (لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير).\rويعني ذلك أنه بعد جمع عثمان للقرآن بقيت القراءات مختلفة. إلا أن نطاق اختلافها تقلص إلى حدود الاحتمالات الممكنة فقط لنص مصحف عثمان. ثم صنف العلماء المتأخرون في المئة الثالثة للهجرة سبع قراءات على أنها مذاهب أئمة في القراءات. وأضاف آخرون إليها ثلاث قراءات حتى بلغت عشر قراءات. وإنني أرى أن القراءات السبع (أو العشر) تعكس في الأصل أوجه التغاير بين اللهجات (اللغات) العربية نتيجة التفاوت في مراحل التطور التاريخي للسان العربي بلهجاته (لغاته) المختلفة.\rلقد بيَّنا أن (القرآن عربي) لأنه أنزل (بلسان العرب). واستندنا في ذلك أولاً إلى النص القرآني الصريح على أنه (قرآن عربي) وعلى أن (هذا كتاب مصدق لساناً عربياً) واستندنا ثانياً إلى الحديث الشريف (أنزل القرآن على سبعة أحرف). ونطرح الآن السؤال التالي: ما سند أصحاب الرأي السائد القائل بأن (القرآن الكريم أنزل بلغة قريش)؟","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"من المعلوم أن الخليفة عثمان رضي الله عنه كلف أربعة نفر، ثلاثة من قريش (هم عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص) ورجلاً من الأنصار (هو زيد بن ثابت) بنسخ القرآن. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وفي رواية أخرى أنه قال لهم: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش.\rيرى أبو شامة المقدسي أن \"معنى قول عثمان (إن القرآن أنزل بلسان قريش) أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف\"(25).\rإنني أرى أن قول الخليفة عثمان المشار إليه لا يعدو أن يكون توجيهات إدارية لأعضاء لجنة نسخ القرآن التي شكلها. ولا يجب أن نحمله على محمل قول الصحابي الملزم في الأمور الفقهية، لأن قول الصحابي يكون ملزماً فقط حين لا يتعارض مع صريح نص القرآن الكريم وصريح نص الحديث الشريف. وأستغرب كيف ترد على لسان الصحابي الجليل عثمان عبارة (لسان قريش) بدلاً من (لغة قريش)، لأنه يوجد لسان عربي واحد مشترك بين جميع العرب وتوجد إلى جانبه لغات (أي لهجات) لمختلف القبائل. لذا ذكر محقق \"المرشد الوجيز\" أن المقصود من قول عثمان هو التالي: \"إذا اختلفتم في رسم كتابته فاكتبوه بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها من نحو همز وغيره، فإنه نزل بها\"(26).\rوهكذا يتبين أن القول إن (القرآن أنزل بلغة قريش) لا يمكن قبوله ولا يستند إلى أساس فقهي لمعارضته ما نص عليه القرآن والحديث. وما دام الأمر كذلك، فما هو السبب في أن الرأي بأن (القرآن أنزل بلغة قريش) هو السائد؟","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"صحيح أن النبي الكريم من قريش ولغته قرشية، لكن القرآن الكريم تنزيل من العلي الحكيم، وهو عربي وبلسان عربي. وقد يظن بعضهم أن عبارة (بلسانك) في قوله تعالى: (فإنما يسَّرناه بلسانك( تفيد (بلسان قريش) لأن لسان النبي قرشي. والجواب عليه أن لغة النبي الكريم (أي لهجته) قرشية، ولكن لسانه هو اللسان العربي الواحد لجميع العرب. وعليه يكون معنى الآية (يسَّرناه باللسان العربي( ولعل التأكيد أن لغة القرآن قرشية هو أحد التأثيرات الإسرائيلية في التراث العربي الإسلامي، ويهدف إلى نزع صفة التنزيل عن القرآن الكريم والزعم بأن القرآن هو كلام محمد، لذا فالقرآن بالضرورة بلغة محمد القرشية.\rوبما أن جميع العرب أقروا بأن لغة القرآن هي في أعلى درجة من البيان واعتبروها قمة في الفصاحة والبلاغة، فإن أصحاب الرأي القائل أن (القرآن أنزل بلغة قريش) نادوا بأن لغة قريش هي العربية الفصيحة، وأنها لذلك سادت وابتلعت اللغات الأخرى. وبما أن لغة قريش من اللهجات الشمالية، زعم بعض المستشرقين أن لهجات الشمال كانت في العصور القريبة من ظهور الإسلام ذات سلطان قوي ونفوذ واسع وابتلعت اللهجات الجنوبية واحدة تلو الأخرى. ولكن هؤلاء المستشرقين لم يشرحوا الأسباب اللغوية التي جعلت لهجات الشمال تبتلع لهجات الجنوب.\rإن ذلك ينقلنا إلى البحث في تحديد ما هي اللغة العربية الفصيحة.\rثالثاً- اللغة العربية الفصيحة\rإننا ننطلق في تحديد مفهوم الفصاحة والبلاغة من نظرية الإمام عبد القاهر الجرجاني التي اشتمل عليها كتابه \"دلائل الإعجاز في علم المعاني\"(27).\rتتضمن نظرية الجرجاني اللغوية المبادئ التالية:\r1-الألفاظ أوعية للمعاني وخادمة لها، وتكون الفصاحة في المعنى.\r2-تحدث الفصاحة في الكلم بعد التأليف أي بعد ضم بعضها إلى بعض في الجملة.\rواللفظة قد تكون في غاية الفصاحة في موضع، بينما لا يكون فيها بعينها من الفصاحة قليل أو كثير في مواضع عديدة.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"3-معنى الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة عن المعنى. وحين توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، فالمقصود بذلك أنها في اللغة أثبت وفي استعمال الفصحاء أكثر، أو أنها أجرى على مقاييس اللغة وقوانينها.\r4-لا نظم ولا ترتيب للكلم حتى يتعلق بعضها ببعض. ولا بد في النظم من أن تتلاقى معاني الكلمات على الوجه الذي يقتضيه العقل.\r5-يجب أن يتم النظم وفق قوانين النحو. ومعاني النحو هي المعاني ذات الدلالات العقلية. والمهم معرفة مدلولات النحو وليس العبارات أنفسها.\rواستناداً إلى نظرية الجرجاني اللغوية، يمكن تعريف اللغة الفصيحة بأنها اللغة التي تشتمل على نظام لربط الكلمات بعضها ببعض، وفقاً لمقتضيات دلالاتها العقلية التي تتضمنها قواعد النحو، يمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من التعبير عن المعاني.\rوتشتمل نظرية الجرجاني اللغوية أيضاً على المبادئ التالية:\r1-الكلام خبر وأمر ونهي واستفهام وتعجب.\r2-الخبر وجميع معاني الكلام توصف بأنها مقاصد وأغراض وأعظمها شأناً الخبر.\r3-يتحدد معنى الخبر بتأثير عاملين:\rآ-السياق الكلامي الفعلي الذي يدخل الخبر فيه.\rب-الموقف أو الحال الذي يقال الخبر فيه.\rيظهر ارتباط الخبر بالسياق الكلامي الفعلي في مبدأين أساسيين حددتهما قواعد النحو التي تم وضعها نتيجة للدراسة الوصفية التحليلية الشاملة للمادة اللغوية للعربية، وهما:\r1-حين يكون المخبر به اسماً يجب أن يكون من حيث المبدأ منوناً (زيد منطلق)، لأنه لم يذكر في السياق الكلامي من قبل.\r2-أما الاسم –المبتدأ المخبر عنه فيجب أن يكون من حيث المبدأ معرفاً بأل (المنطلق زيد) لأنه قد ذكر من قبل في السياق الكلامي.\rويعني ذلك أن الاسم الذي يشتمل على أداة التعريف هو (في الأصل) الاسم الذي ذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي. أما الاسم الذي يشتمل على التنوين. فهو (في الأصل) الاسم الذي لم يذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ويتجلى ارتباط الخبر بالموقف أو الحال في المبادئ التالية التي حددتها الدراسة الوظيفية للغة:\r1-إن الاسم المخبر به يمكن أن يكون معرفاً بأل، إذا ذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك إذا كان السامع في الموقف الكلامي الراهن يحتاج إلى إسناده إلى مسند إليه معين معلوم بالنسبة له (زيد المنطلق).\r2-إن الاسم المخبر به يمكن أن يكون معرفاً بأل، على الرغم من أنه لم يذكر في السياق الكلامي من قبل، وذلك حين يفيد التعريف معنى الجنسية (زيد هو الشجاع).\r3-إن الاسم المبتدأ المخبر عنه باسم يمكن أن يكون معرفاً بأل، على الرغم من أنه لم يذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك حين يفيد التعريف معنى الجنسية (الشجاع موقى).\r4-أن الاسم المبتدأ المخبر عنه بفعل يمكن أن يكون منوناً، لأنه لم يذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك حيني يفيد التنوين معنى الجنسية (رجل جاءني).\rويعني ذلك أن اللغة الفصيحة يجب أن تتمتع بخواص بنيوية في مجال (التعريف والتنكير) تمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من أن تعكس ارتباط الأسماء بالسياق الكلامي الفعلي من ناحية، وبالموقف أو الحال من ناحية أخرى، أي من أداء وظيفة الاتصال.\rترى اللسانيات الحديثة أن بنية اللغة تتألف من مستويات متدرجة هي: مستوى البنية الصوتية ومستوى البنية الصرفية ومستوى البنية النحوية ومستوى معجم مفردات اللغة. وتشكل هذه البنى مجتمعة كلاً واحداً هو عبارة عن نظام كامل للأصوات والدلالات.\rوتحتل البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) المكانة المركزية في البنية اللغوية، لذا فإن القواعد تحدد نمط بنية اللغة.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ولا بد من التأكيد هنا أن كل لغة –بغض النظر عن نمط بنيتها- تعتبر وسيلة مكتملة لنقل الأفكار وأداء وظيفة الاتصال. ويعني ذلك أن جميع أنماط اللغات هي أنظمة لغوية مكتملة وقادرة على أن تكون وسيلة للاتصال والتعبير عن الأفكار. لذا فإننا نرفض بشكل جازم تصنيف بعض اللغات على أنها راقية وأخرى على أنها منحطة.\rوكنا قد حددنا، بالاستناد إلى نظرية الإمام الجرجاني اللغوية، أن اللغة (اللهجة) الفصيحة يجب أن تشتمل على:\r1-نظام لربط الكلمات بعضها ببعض، وفقاً لمقتضيات دلالاتها العقلية التي تتضمنها قواعد النحو، يمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من التعبير عن المعاني (أي الأفكار).\r2-خواص بنيوية في مجال التعريف والتنكير تمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من أداء وظيفة الاتصال.\rونضيف الآن أن علم اللهجات العام في اللسانيات الحديثة يرى أن الاختلافات بين لهجات (لغات) اللسان الواحد في طور واحد في مراحل تطوره التاريخي لا تكون إلا في إطار نمط واحد من البنية القواعدية (الصرفية والنحوية). ويعني ذلك أنه إذا كانت لهجة (لغة) من لسان ما تشتمل على نمط معين من البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) يقوم مثلاً على التعبير صرفياً بالأداة عن التعريف والتنكير وعلى وجود ظاهرة الإعراب، وكانت لهجة أو لهجات أخرى من اللسان نفسه تشتمل على نمط آخر من البنية القواعدية يتم فيه مثلاً التعبير عن التعريف والتنكير صرفياً بالأداة ولكن بطريقة مغايرة ولا يعرف ظاهرة الإعراب. فإن هذا الاختلاف يعكس بالضرورة اختلافاً في مراحل تطور ذلك اللسان.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ونستنتج من ذلك أنه لا يمكن الحديث عن لغة (لهجة) فصيحة وأخرى أقل فصاحة في طور واحد من أطوار لسان ما. ويمكن الحديث فقط عن لسان فصيحة وأخرى أقل فصاحة في طور واحد من أطوار لسان ما. ويمكن الحديث فقط عن لسان فصيح أو مبين يشتمل على مجموعة من اللغات (اللهجات) في طور ما بالمقارنة مع لسان أقل فصاحة أو إبانة منه يشتمل على مجموعة من اللغات (اللهجات) في طور آخر من مراحل تطور اللسان نفسه.\rوعليه فإنه لا يمكن القول إنه كانت توجد لغة (لهجة) واحدة عربية فصيحة بالمقارنة مع بقية اللغات (اللهجات) العربية، بل كانت هناك بالضرورة مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية الفصيحة، بالمقارنة مع مجموعة أو مجموعات أخرى من اللغات (اللهجات) العربية. ونستطيع في ضوء ذلك أن نفهم السبب في اعتراف العرب بوجود أكثر من لغة فصيحة، أي بوجود عدة لغات فصيحة. وقد نقل عن أبي عمرو بن العلاء قوله: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم(28). ولهذا السبب اضطر الأستاذ محمد الأنطاكي أن يكتب عن العربية الفصيحة ما يلي: \"هذه الفصيحة ليست لهجة قبيلة عربية معينة وإن سميت في بعض الأحيان بالقرشية، بل هي مزيج لطيف من اختيار أنيق لخصائص لهجات عربية كثيرة أهمها القرشية والتميمية\"(29).\rأوردنا في أعلاه قول الدكتور جواد علي بأن (كل لغات العرب هي لغات عربية وإن اختلفت وتباينت). وفي ضوء النتائج التي توصلنا إليها نعلن تأييدنا الشديد لهذا القول.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وكنا قد عرضنا كذلك رأيه بأن (اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ليست سوى واحدة من اللغات العربية ميزت من غيرها واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل ذلك فصارت اللغة العربية الفصيحة ولغة العرب أجمعين)، وعقَّبنا عليه بأن (وصف القرآن في التنزيل بأنه عربي يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، لا بواحدة من اللغات العربية). وبعد أن ظهر لنا أنه لم يكن يوجد في اللسان العربي لغة (لهجة) واحدة فصيحة، بل كانت توجد فيه في أحد أطواره التاريخية مجموعة من اللغات (اللهجات) الفصيحة يمكن أن يطلق عليها تسمية اللسان العربي الفصيح أو المبين، نرى أنه صار بإمكاننا الانتقال إلى تحديد مزايا اللسان الذي أنزل القرآن الكريم به.\rإن معرفة مزايا اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن به، ستحل –برأينا- اللغز وتكشف الأسباب التي جعلت جميع العرب يقرون بأن القرآن في أعلى درجة من البيان وبأنّ لسانَه العربيَّ المبينَ قمةٌ في الفصاحة والبلاغة.\rرابعاً- اللسان العربي المبين.\rكتب الأستاذ محمد الأنطاكي ما يلي: \"حين يتحدث المستشرقون عن اللهجات الجنوبية (المعينية والسبئية وغيرهما)، وعن بعض اللهجات الشمالية (الثمودية واللحيانية والصفوية) يوهمون القارئ – عن قصد أو عن غير قصد- أن هذه اللهجات ليست من اللسان العربي في شيء، وأنها ألسن سامية مستقلة ليس بينها وبين اللسان العربي المعروف من وجوه الشبه أكثر مما يوجد بين الألسن السامية كلها... ويقيم هؤلاء المستشرقون دعواهم على أسس: منها أن لغة النقوش الثمودية واللحيانية والصفوية فيها تأثيرات آرامية كثيرة فهي إلى الآرامية أقرب منها إلى العربية. ومنها أن لغة النقوش المعينية والسبئية تختلف عن اللسان العربي في أمور كثيرة تتعلق بالألفاظ والتراكيب وقواعد التصريف\"(30).","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وكنا قد عللنا في أعلاه سبب رفضنا فرض وجود لغة سامية- أم، وسبب رفضنا القول بوجود الشعب السامي انطلاقاً من ذلك الفرض فقط من دون الاستناد إلى شواهد تاريخية علمية تؤيده. ودعونا إلى دراسة لغة القرآن الكريم باستخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، لأن المادة اللغوية للعربية نفسها تُعَدُّ –برأينا- أفضل الشواهد التاريخية ودليلاً علمياً هاماً. هذا وإن التمسك بالمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، لدى دراسة المادة اللغوية العربية، يدعونا إلى تركيز الاهتمام على الخصائص البنيوية المميزة للنظام اللغوي للعربية، لأنها تشكل نقاط علام يمكن أن ترشدنا إلى التاريخ الحقيقي للسان العربي. لذا فإننا نؤكد الأهمية العلمية الكبيرة لاقتراح الدكتور جواد علي بتقسيم العربيات إلى ثلاث مجموعات حسب أداة التعريف(31) المستخدمة فيها:\r1-مجموعة (أل) وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الشمالية (أداة التعريف في أول الاسم).\r2-مجموعة (ن) أو (ان) وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الجنوبية (أداة التعريف في آخر الاسم).\r3-مجموعة (هـ) أو (ها) وتشمل ما اصطلح على تسميته اللحيانية والثمودية والصفوية (أداة التعريف في أول الاسم).\rإننا نرى أن الدكتور جواد علي قد أحسن صنعاً حين ميَّز العربيات حسب أداة التعريف المستخدمة فيها، لأن النظريات اللسانية الحديثة في دراسة (الساميات) متفقة جميعها على وجود أداة للتعريف، لكنها مختلفة حول وجود أداة التنكير. وقد عرض المستشرق السوفيتي الأستاذ غراتشيا غابوتشان تلك النظريات المختلفة في كتابه \"نظرية أدوات التعريف والتنكير وقضايا النحو العربي\"(32)وذكر فيه أن نظام الأداة حسب نظرية ي.\rكوريلوفيتش يفترض وجود معارضة أساسية يتم التعبير عنها بصيغتين: اسم مع أداة التعريف، واسم من دون أداة التعريف.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"يدخل اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن الكريم به في مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم –مجموعة (ال). وسنعمد في أدناه إلى الموازنة بين مجموعة (ال) وبين مجموعتي (ن) و (هـ)، مستندين إلى نظرية الإمام الجرجاني اللغوية في تحديد اللغات (اللهجات) الفصيحة.\rأولاً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم- مجموعة (ن).\r1-تتميز بوجود أداة التعريف (ن) التي تثبت كتابياً في آخر الاسم، وبوجود أداة التنكير (م) التي تثبت كتابياً في آخر الاسم.\r2-تتألف أبجدية المسند الذي تكتب فيه من حروف تشير إلى الأصوات الصامتة وليس فيها رموز تشير إلى الحركات أو ضبط أواخر الكلمات، ولا علامة للسكون أو التشديد فيها. لذا لا ندري كيف كانوا يحركون أواخر الكلم. ويتوقف على معرفة هذه الحركات التأكد من وجود الإعراب أو عدمه في لغات (لهجات) هذه المجموعة.\rثانياً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم- مجموعة (هـ).\r1-تتميز بوجود أداة التعريف (هـ) في أول الاسم. ولا تثبت فيها كتابياً أداة خاصة للتنكير.\r2-لا نستطيع أن نجزم بوجود الإعراب في لغات (لهجات) هذه المجموعة، لأن الأقلام الصفوية والثمودية واللحيانية خالية –مثل القلم المسند- من الشكل ومن الرموز أو الحروف التي تشير إلى المد أو التشديد أو الإشباع أو الإمالة.\rثالثاً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم- مجموعة (ال).\r1-تتميز بوجود أداة التعريف (ال) التي تثبت كتابياً في أول الاسم، وبوجود أداة التنكير (ن) في آخر الاسم ولكنها في الأصل لا تثبت كتابياً.\r2-تتألف أبجديتها من حروف تشير إلى الأصوات الصامتة. وبعد أن تطورت أصبحت تشتمل على رموز تشير إلى الحركات والسكون والتشديد والتنوين.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ويلاحظ أن هذه المجموعة معربة وتشتمل على حركات الإعراب. كما يلاحظ أنها تعمد إلى نطق أداة التعريف في بداية الاسم لتشير بذلك إلى أن الاسم الذي يليها قد ذكر في السياق الكلامي السابق، وتعمد إلى نطق أداة التنكير في آخر الاسم لتشير بذلك إلى أن هذا الاسم الذي سبقها في النطق لم يذكر في السياق الكلامي من قبل.\rوبعد الموازنة بين المجموعات الثلاث نرى أن مجموعة (ال) تتفوق على مجموعتي (ن) و (هـ) من حيث الفصاحة والإبانة عن الأفكار وأداء وظيفة الاتصال بالشكل الأيسر والأفضل، وذلك بما يلي:\r1-مجموعة (ال) معربة وتشتمل على حركات الإعراب، بينما لا نستطيع بمعلوماتنا الراهنة أن نجزم بوجود الإعراب في مجموعتي (ن) و (هـ)، لأننا لا نعرف كيف تلفظ الكلمات المنقوشة بأحرف تمثل الصوامت فقط. ولكن الموقف سيتغير بالتأكيد حين نعيد دراسة مجموعتي (ن) و (هـ) على اعتبار أنهما تمثلان لغات (لهجات) من اللسان العربي الواحد. وانطلاقاً من الخصائص المميزة للنظام الصوتي لهذا اللسان العربي الواحد. وبعد أن نتأكد في ضوء ذلك من أن اللغات (اللهجات) التي تدخل في مجموعتي (ن) و (هـ) غير معربة، سنتمكن من اكتشاف نظامها الذي يتم بواسطته التعبير عن ربط الكلمات في الجملة.\r2-مجموعة (ال) تشتمل على أداة التعريف (ال) في أول الاسم وتثبتها في الكتابة كما تشتمل على التنوين في آخر الاسم ولا تثبته في الكتابة، ويفيد التنوين التنكير بالنسبة لغير أسماء العلم. أما مجموعة (ن) فتشتمل على أداة التعريف (ن) في آخر الاسم وتثبتها كتابياً، وعلى أداة التنكير (م) في آخر الاسم وتثبيتها كتابياً.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وكنا قد بيَّنا في أعلاه أن الاسم الذي يشتمل على أداة التعريف هو –في الأصل- الاسم الذي ذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي، وأن الاسم الذي يشتمل على أداة التنكير هو –في الأصل- الاسم الذي لم يذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي. وعليه فإن وجود أداة التعريف في الموضع السابق للاسم ينبه أنه قد يذكر سابقاً فهو بالتالي معلوم بالنسبة إلى السامع، وهذا ما أخذت به مجموعة (ال). في حين أن عدم وجود أداة للتعريف في الموضع السابق للاسم يشير إلى أنه لم يذكر سابقاً، فتأتي أداة التنكير في الموضع اللاحق للاسم لتؤكد أنه لم يذكر سابقاً فهو بالتالي غير معلوم بالنسبة إلى السامع إذا لم يكن اسم علم، وهذا ما أخذت به مجموعة (ال).\rأما مجموعة (ن) فتركت الموضع السابق للاسم خالياً ووضعت أداة التعريف (ن) وأداة التنكير (م) في الموضع اللاحق للاسم، فكانت بذلك أقل إفصاحاً من مجموعة (ال) في التعبير عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي. وقد خصصت مجموعة (هـ) الموضع السابق للاسم لأداة التعريف (هـ)، ولكنا لا نعرف هل يشتمل الموضع اللاحق للاسم على أداة تنكير أم لا، وما هي تلك الأداة، لذا تعتبر مجموعة (هـ) أقل إفصاحاً من مجموعة (ال) في التعبير عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي من ناحية، وأكثر إفصاحاً من مجموعة (ن) في ذلك من ناحية أخرى. ويعني ذلك أن مجموعة (هـ) تمثل في مسار التطور التاريخي للسان العربي مرحلة انتقال من نمط للبنية القواعدية (الصرفية والنحوية) أقل إفصاحاً وإبانة عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي إلى نمط آخر كثر إفصاحاً وإبانة عنه.\rونخلص من الموازنة بين مجموعات (ن) و (هـ) و (ال) إلى النتائج التالية:\r1-توجد اختلافات في نمط البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) لهذه المجموعات اللغوية الثلاث من اللسان العربي.\r2-تعكس هذه الاختلافات بالضرورة أطواراً مختلفة في مسار تطور اللسان العربي.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"ويعني ذلك أن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم والتي اصطلح على تسميتها (العربية الجنوبية)، ومجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم والتي اصطلح على تسميتها (اللحيانية والثمودية والصفوية)، ومجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم التي اصطلح على تسميتها (العربية الشمالية) تمثل أطواراً مختلفة في مسار التطور التاريخي للسان العربي الواحد تعكس حالاته في أحقاب زمنية متباعدة.\r3-إن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم تمثل الطور القديم الأول من أطوار اللسان العربي. في حين أن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم تثمل الطور الثاني من أطوار اللسان العربي الذي يُعَدُّ من حيث الفصاحة والإبانة أعلى من الطور الأول للسان العربي. أما مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم فتمثل الطور الثالث الحديث من أطوار اللسان العربي الذي يعتبر من حيث الفصاحة والإبانة أعلى من الطورين الأوسط (الثاني) والقديم (الأول) للسان العربي.\rوهكذا يظهر أن سبب تسمية القرآن الكريم (اللسان العربي المبين) يرجع إلى أن لغة القرآن ليست في الواقع لغة (لهجة) عربية واحدة، بل هي عبارة عن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في بداية الاسم. وبما أن مجموعة اللغات العربية (ال) تمثل طوراً حديثاً من اللسان العربي أعلى من الطورين السابقين (الأوسط والقديم) من حيث الفصاحة والإبانة، فقد سميت أحرف القرآن السبعة (اللسان العربي المبين).","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"لقد كان اللسان العربي المبين (الذي أنزل القرآن به) عاملاً في التوحيد اللغوي لجميع العرب، لأن القانون اللساني العام يقضي بحتمية انتصار خصائص الطور الحديث للسان على خصائص الطورين الأوسط والقديم، لأن خصائص الطور الحديث تمتاز بأنها من حيث الفصاحة والإبانة أيسر وأفضل في التعبير عن الأفكار وأداء وظيفة الاتصال.\rويعني ذلك أن انتصار مزايا اللسان العربي المبين قد أدى إلى انحسار خصائص الطورين القديم والأوسط للسان العربي، وأصبح العرب على اختلاف مناطقهم وقبائلهم يتكلمون بلسان القرآن الكريم. وبعبارة أخرى صار اللسان العربي المبين لسان العرب أجمعين، دون أن تبتلع لغة (لهجة) عربية لغة (لهجة) عربية أخرى كما يدعي نفر من المستشرقين ومن يتابعهم من الباحثين العرب. ويصح بهذا المعنى وصف القرآن بأنه (عربي)، لأنه أنزل باللسان العربي المبين الذي صار اللسان العربي الواحد المشترك بين جميع العرب، وصار يطلق عليه فيما بعد تسمية (اللغة العربية الفصيحة).\rولعل من المناسب أن نتوقف الآن عند قول عمرو بن العلاء (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا(33). إننا نرى، في ضوء ما عرضناه أعلاه، أن المقصود بعبارة (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا) أن (لسانهم أقل إفصاحاً وإبانة)، لأنه يعكس –كما رأينا- طوراً قديماً من أطوار اللسان العربي، بينما (لساننا هو اللسان المبين)، لأنه يعكس طوراً حديثاً من أطوار اللسان العربي. ونلاحظ أن ابن العلاء استخدم تعبير (لسان) مضافاً إلى (حمير وأقاصي اليمن) للإشارة إلى مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية. ونرى أن المقصود بعبارة (ولا عربيتهم بعربيتنا) أن (ذلك اللسان العربي يبدو مغايراً لعربيتنا المبينة).","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ثم ننتقل إلى ما ذكره ابن جني في الخصائص: \"وبعد فلسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابني نزار\"(34). ونعقب عليه بأن ابن جني حين تحدث عن بعد لغة حمير عن لغة ابني نزار، أكد بعد نحوها أيضاً. ونرى أن السبب في ذلك يرجع إلى أن لغة (لهجة) حمير تدخل في طور قديم للسان العربي يختلف نمط البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) فيه عن نمط البنية القواعدية في طور اللسان العربي الحديث (المبين) الذي تدخل فيه لغة ابني نزار. ويعني ذلك أن (لغة حمير تختلف عن لغة ابني نزار، لأن الأولى تدخل في طور قديم من أطوار اللسان العربي، بينما تدخل الثانية في طور حديث من أطوار اللسان العربي).\rبقي علينا أن نجيب عن السؤال الذي كنا طرحناه في بداية المقال وهو: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟\rأشرنا في المقالة الثانية من هذه السلسلة إلى تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج الكلمات. وبيَّنا فيها خصائص بنية الفعل والاسم في العربية، وحددنا أنماط التراكيب. ونضيف هنا أن نظرتنا الجديدة إلى اللسان العربي (التي اعتمدت المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية) قد كشفت عن ثلاثة أطوار مر بها اللسان العربي في مسار تطوره التاريخي (تتميز بوجود اختلافات في نمط البنية الصرفية والنحوية). ويعني ذلك أن الخصائص البنيوية لأنماط التراكيب في العربية –التي حددناها في المقالة الثانية- تعكس بنية اللسان العربي المبين، أي بنية الطور الحديث من أطوار اللسان العربي. ونخلص من ذلك إلى التأكيد أن الفهم الأمثل لمعاني القرآن الكريم وإعجازه يقتضي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية في ضوء المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية(35).\rالهوامش:","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"(1) لخصت نظرية الجرجاني اللغوية في كتابي \"الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني\" -مطبعة الجليل- دمشق 1980.\r(2)عرضت الملامح العامة لاتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية في محاضرتي \"الدور الإيجابي للمتكلمين والمعتزلة في علم اللغة العربية\" في المؤتمر العالمي لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بدمشق (نيسان 1981).\r(3)نشرت في \"التراث العربي\" –العدد 7- نيسان 1982.\r(4)نشرت في \"التراث العربي\" /العدد 8- تموز 1982.\r(5)للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتنا \"السامية والساميون –العرب والعربية\" المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق، العدد 117- كانون الثاني 1981.\r(6)\"تاريخ العرب (مطول)\"، دار الكشاف، الطبعة الرابعة، جـ1/ ص14.\r(7)\"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام\" دار العلم للملايين –بيروت، جـ1/ ص225.\r(8)\"المفصل\"، جـ1/ ص14.\r(9)\"المصل\"، جـ1/ص294.\r(10)\"المفصل\"، جـ8/ص673.\r(11)\"تاريخ العرب (مطول)\"، جـ1/ ص38.\r(12)د. علي عبد الواحد وافي \"فقه اللغة\"، دار نهضة مصر.\r(13)محمد الأنطاكي \"الوجيز في فقه اللغة\"، مكتبة دار الشرق-بيروت.\r(14)انظر مثلاً مقالة د. أحمد هبو \"مكانة اللغة العربية بين اللغات السامية\" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق، العدد 178- كانون الأول 1976.\r(15)انظر مثلاً مقالة د. إحسان جعفر \"العربية أقدم اللغات السامية\" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق، العدد المزدوج 222-223/آب –أيلول 1980.\r(16)\"المفصل\" جـ1/ ص 33-34.\r(17)حققه طيار آلتي قولاج- دار صادر- بيروت 1975.\r(18)\"المرشد الوجيز\" ص 97.\r(19)المكتبة الثقافية –بيروت 1973- (المسألة الثالثة) ص 45-50.\r(20)مؤسسة الرسالة –بيروت- الطبعة الثامنة 1981 / ص 156-169.\r(21)\"الإتقان\" جـ1/ ص46.\r(22)\"مفتاح العلوم\" –مطبعة البابي الحلبي بمصر- الطبعة الأولى 1937، ص 281-282.\r(23)\"الإتقان\" جـ1/ ص 49-50.\r(24)ص 138-145.\r(25)\"المرشد الوجيز\" / ص 69.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"(26)ص 50/ الحاشية رقم 5.\r(27)ارجع إلى \"الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني\".\r(28)\"المرشد الوجيز\" ص 93.\r(29)\"الوجيز في فقه اللغة\" ص 109.\r(30)\"الوجيز في فقه اللغة\" / ص113-114.\r(31)\"المفصل\" جـ8/ ص 673.\r(32)ترجمة د. جعفر دك الباب، منشورات وزارة التعليم العالي، مطابع مؤسسة الوحدة، دمشق 1980 . (فصل- دراسة الأداة في علم الاستعراب الأوروبي).\r(33)ذكره د. وافي في \"فقه اللغة\" / ص86، نقلاً عن (طبقات الشعراء) لابن سلام.\r(34)حققه محمد علي النجار، دار الهدى -بيروت، جـ1/ ص 386.\r(35)عرضت المبادئ العامة للمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية في مقالتي \"مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية\" المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق، العدد المزدوج الخاص باللسانيات 135-136/ تموز- آب 1982.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"اللغَة العربيّة بَين الأصالة والإعجاز والحَداثة ـــ د. عمَر موسى باشا\r\nأبرز ما يلاحظ أن الاهتمام باللغة العربية بدا واضحاً كل الوضوح في المؤسسات العلمية والثقافية والأكاديمية. بله المقالات المنشورة في المجالات الفكرية والثقافية في عالمنا العربي.\r\nبيد أن تساءلت منذ البدء عن البواعث الكامنة وراء الاهتمام بالعامية لدى بعض المفكرين، ومما استرعى انتباهي أن الأمم الأخرى لا تهتم باللهجات الدارجة في الحديث والحوار، ولا تعطيها مثل ما نعطيها من أهمية. وإنما نرى تقدس اللغة الوطنية على اختلاف المذاهب والاتجاهات. فالمعروف عن الكاتب الفرنسي الكبير أناتول فرانس أنه كان ذا فكر تقدمي، وأن الكاتب والناقد الفرنسي المشهور موريس باريس كان من أنصار الكثلكة، فلما سألوه (1): \"أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الإشتراكية..؟\" أجابهم: \"قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم، إلا أنه حفظ اللغة\".إن حفظ اللغة هو الأصل في كل العصور، وعند كل الأمم، وهذا هو هدف كل مفكر وأديب وناقد، مهما اختلفت الآراء وتباينت المذاهب، ذلك لأن اللغة تمثل الفكر القومي في حقيقة الأمة، وحفظ لغتها، إنما هو التقديس لتراثها، ومن المأثور قول الرسول الكريم (2): \"أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي،\".\rقد نتساءل عن سبب التسمية بلغة الضاد، فهل كان نسبة إلى حرف الضاد الذي يستثقل الأعاجم لفظه مفخماً، أم أن ذلك يرجع إلى لفظ مُضر، وأبرز ما في هذا اللفظ توسط الضاد، وهي أحد الحرف التسعة عشر المجهورة، والمعروف أن ثلاثة منها حيز واحد، وهي الجيم، والشين، والضاد، وهذه الحروف الثلاثة هي الحروف الشجرية.\rكان لابد لي من العودة إلى نقطة البدء في ماضي اللغة العربية، وذلك لمعرفة ما طرأ عليها من الانحراف واللحن والتطور، وهذا يتطلب منا الوقوف عند التعريف اللغوي والتطور الاصطلاحي.\rيقول صاحب اللسان ابن منظور (3):\r\"واللغة اللسن، وحدُّها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي (فُعلةٌ) من (لغوت) أي تكلمت، أصلها (لُغوة). وقيل أصلها (لُغَي) أو (لُغوٌ)، والهاء عوض، وجمعها (لُغىً). وفي المحكم: الجمع (لغات) و(لُغون)... والنسبة إليها (لُغويّ)، ولا تقل: (لَغويٌ)..\".\rولابد لنا من الوقوف على ما جاء في المحكم من جمع اللغة جمعاً مؤنثاً، وجمعاً ملحقاً بالجمع المذكر السالم، على غير ما هو معروف في شروطه، ولعل اللغويين كانوا يعتقدون أن هذا الحمل مقبولاً، ذلك لأن اللغة خاصة بالعقلاء، وعلى هذا حملت هذا المحمل، لأن الإنسان هو الحي الناطق بين الكائنات جميعاً، وهو وحده المتميز باللغة المنطوقة، ذات المغزى والدلالة.\rوتطورت لفظة اللغة، واشتُقت منها اشتقاقات مختلفة بحكم طبيعتها التوليدية والحركية والذاتية، فقد نُقل عن أبي سعيد قوله (4): \"إذا أردت أن تنتفع بالأعراب فاستلغهم، أي أسمع من لغاتهم من غير مسألة\".\n","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"ومن ذلك قول الشاعر:\rوإني، إذا استلغاني القوم في السُّرى برمت فألفوني بسركِ أعجما\rويطلق اللغو على النطق مطلقاً، فيقال: \"هذه لغتهم التي يلغون بها\" أي ينطقون ومن ذلك قولهم: (لغوى الطير) أي أصواتها، و\"الطير تلغي بأصواتها\" أي تنغِّم، ويطلق لفظ (اللغوى) على لغط القطا، فمن ذلك قول الراعي يصف طير القطا:\rصفر المحاجر لغواها مبينة في لجة الليل لمَّا راعها الفزع\rكما فرَّق بين الصوت والنغم في لغو الطائر، فيقال: \"سمعت لغو الطائر ولحنه\" أي صوته ونغمه، وفي هذا التفريق دقة اللغة في تحديد هذا المفهوم. ومن المأثور اللغوي قول العرب: \"اسمع لغواهم، ولا تخف طغواهم\"، أي طغيانهم..\rولو رجعنا إلى القرآن لوجدنا أن لفظ اللغة لم يستخدم في هذا المعنى الاصطلاحي، وإنما استخدم بمعنى (اللغو)، وهو ما لا يُعتد به من كلام وغيره، كما وردت بمعنى الإثم في الحلف والإيمان، أو هو ما لا يعقد عليه القلب.\rأما اللفظ المأثور المعتمد في القرآن فهو (اللسان) إذ وردت خمس عشرة مرة مفردة، منها ثلاث مرات نصت فيها على ذكر اللسان منعوتاً بأنه عربي:\rفي قوله (5): \"وهذا لسان عربي مبين\"، وقوله (6): \"لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين\" وقوله (7): وهذا كتاب مصدِّق لساناً عربياً\". والملاحظ أن لفظ النعت بـ (العربي) اقترن بالنعت الثاني (المبين) في مرتين.\rأما استخدام لفظ اللسان جمعاً فقد ورد عشر مرات في القرآن كما هو في أصل الوضع اللغوي أو الاصطلاحي.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وليس من باب المصادفة استخدام ابن خلدون لفظ (اللسان) المنعوت بـ (العربي) في مقدمته مرات كثيرة كما استخدمت في الأسلوب القرآني، والأمر بنفسه عند الأرسوزي فهو يفضل كلمة (لسان) عندما يكون الحديث عن اللغة العربية \"لأن العربي خص لهجته، بحق، (لسان). هذا الكلمة المؤلفة من الحروف الرشيقة (ل، س، ن).. وأطلق على اللهجات كلمة (لغة) من لغا يلغو، وما يتضمن حرف الغين من غموض وإبهام). تلك هي صورة عن لفظتي (اللغة) و(اللسان) من خلال القرآن والمعجمات العربية والمصادر اللغوية كما رسمناها قبل التحدث عن الفصاحة في اللسان العربي.\rأفصح اللغات\rإن الذي أقف عنده بعد هذا المطاف اللغوي هو رأي اللغويين العرب في أهمية اللغة العربية، وإيمانهم أنها أفصح اللغات كلها: أصلاً، ومفهوماً، واصطلاحاً، وتقويماً لها بالمقارنة مع سائر اللغات الأخرى في العالم، فلا عجب إن رأينا الزمخشري يعد \"لغة العرب أفصح اللغات، وبلاغتها أتم البلاغات\" (8). كما أبرز ابن خلدون أهمية اللغة العربية بقوله (9): تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات... فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظاً وعبارة من جميع الألسن\". وليس من العبث اللفظي قوله (10): \"وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني\"، وقوله (11): \"ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب\". فلا نستغرب بعد هذا كله إن رأينا العتابي، وهو أبلغ من عرفتم العربية فصاحة وبياناً يقول معرضاً بالعجم: \"اللغة لنا والمعاني لهم\"، فاللغة تتضمن حكماً المعاني التي تعبر عنها، والهدف من هذا القول أن اقتصار الأعاجم على المعاني إنما هو إشارة إلى أن اللغات الأخرى لا يمتلك فصاحة التعبير اللغوي الذي يمتلكه العربي، فالمعاني مطروحة على الطريق، كما يقول الجاحظ، وإنما العبقرية في الأسلوب اللغوي المتبع.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"أما المحدثون من اللغويين العرب فقد أشار بعضهم إلى عبقرية اللغة العربية، فيمن هؤلاء الرافعي الذي وصفها بقوله (12): \"إن هذه العربية بنيت على أصل سحري، يجعل شبابها خالداً عليها، فلا تهرم ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فلكاً دائراً للنيِّرين الأرضيين العظيمين: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع\".\rومنهم الأرسوزي الذي رأى في العربية عبقرية الأمة، فقال (13): \"إن لغتنا التي هي أبلغ مظهر لتجلي عبقرية أمتنا، هي مستودع لتراثنا\".\rفعلام اعتمد هؤلاء اللغويون القدماء والمحدثون في تفضيل اللغة العربية على لغات العالم: فصاحة، وأصالة، وعبقرية؟؛ وهل كانوا مطلعين على اللغات العالمية ليقرروا مثل هذا الحكم في قدسية العربية وتفردها بالإعجاز والاتساع؟ في العودة إلى الجاهلية الأولى ما يوضح لنا الإجابة عن التساؤل السابق، فمن المعروف أن الفصاحة مختلفة بين القبائل قبل الإسلام، فهناك لغة العالية، والمقصود باللغة هنا اللهجة، وهي لغة قريش، وهي التي تعد أفضل اللهجات، وتقاس فصاحة كل لهجة بمقدار بعدها عن اللغات المجاورة للأمم الأخرى، من الرومية والفارسية والحبشية وغيرها.\rأطوار ثلاثة\rيتضح أن العربية مرت في ثلاثة أطوار: طور الأصالة التراثية، وطور الوحدة والإعجاز، وطور التوليد والحداثة.\rويتمثل الطور الأول في مرحلتين: أولاهما مرحلة التكوين، وثانيتهما مرحلة التوحيد. ففي المرحلة التكوينية هذا الفيض من التراث اللغوي والثراء التعبيري، وكانت الجاهلية الجهلاء الأولى، وصراع اللهجات العربية بين القبائل في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، وشرقها وغربها، والارتحال المتبادل بين هذه القبائل طلباً للمرعى وألكلأ، أو طلباً للتجارة في رحلة الشتاء والصيف، ذخيرة التراث اللغوي الجاهلي وجوهر الأصالة اللغوية.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وضَّح الرافعي أهمية القبائل العربية، في هذا الثراء اللغوي، فقال: (14)\r\"لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة، وسبب اتساعها واستفاضتها، وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع: مجازاً، واستعارة، وبديعاً. ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ثم تتابع الشعراء، والكتَّاب، والأدباء، فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص منه\".\rإن هذا التباين بين لهجات القبائل قبل الإسلام واستمراره حتى بدء الدعوة، هما من شواهد الأصالة التراثية، والعجيب حقاً أن نرى العربي القرشي يفقه سائر لهجات القبائل العربية الأخرى، بحكم عمله التجاري، وقد يجهل بعضهم من غير قريش اللهجات الأخرى. روي عن الرسول الكريم أنه قال لأبي تميمة الهجيمي: \"إياك والمخيلة!، فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب، فما المخيلة؟ فقال، عليه الصلاة والسلام: \"سبل الأزار\"، كما قال له علي (ر) وقد سمعه يخاطب وفد بني فهد: \"يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفد العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي فأحسن تأديبي\".\rفلا تستغرب بعد هذا كله إن رأينا الرسول الكريم يخاطب قبائل العرب بلهجاتهم الخاصة بهم.\rكتب إلى وائل بن حجر الكندي، أحد أقيال حضرموت، الكتاب التالي: \"إلى الأقيال (16) العباهلة (17)، والأرواع (18) المشابيب (19)..\".\rوفيه:\r\"وفي التِّيعة (20) شاة، لا مُقورة الألياط (21)، ولا ضناك (22)، وانطوا الثبجة (23)، وفي السيوب (24) الخُمس، ومن زنى مم بكر (25)، فاصقعوه (26) مائة، واستوفضوه (27) عاماً، ومن زنى مم ثيِّب، فضرجوه بالأضاميم (28)، ولا توصيم (29) في الدين، ولا غُمَّة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل (30) على الأقيال\".\rولهذا الكتاب روايات أخرى، فيها زيادات غريبة.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"كما كتب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهل همدان كتاباً آخر يقول فيه: \"إن لكم فِراعها (31) ووهاطها (32)، وعزازها (33) تأكلون علافها (34)، وترعون عفاءها (35)، لنا من دفئهم وصِرامهم (36)، ما سلَّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب (37)، والناب (38)، والفصيل والفارض (39)، والداجن (40) والكبش الحوَري (41)، وعليهم فيها الصالغ (42)، والقارح (43)\".\rهذان النصان السابقان يمثلان حال اللغة العربية القديمة في مرحلة الأصالة الأولى، وكان لقبيلة قريش الفضل في التوحيد اللغوي قبل الإسلام، لكن ذلك لم يتم بسرعة.\rوالمؤكد لنا أن العامل التجاري كان الأصل، فذلك لأن قبيلة قريش كانت تعمل في التجارة، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، بله لفظ قريش المشتق من التقريش، ومن أبرز معانيها التجارة، ولتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البيَّاعات فيشترونها...\" (44). وذكر أنها سميت بذلك نسبة إلى \"قريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب غيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش\"، والمعروف عن هذه القبيلة المتاجرة أنهم كانوا إذا خرجوا للتجارة علَّقوا عليهم المقل (45) ولحاء الشجر حتى يُعرفوا، فلا يقتلهم أو يتعرض لهم أحد. فلا نستغرب إن رأينا الرسول القرشي يعرف لهجات العرب ويخاطب كل قبيلة بلهجتها الخاصة بها.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"ومن شواهد الأصالة اللغوية، ومميزاتها ظاهرة الإعراب الموجودة في اللغة كما لاحظنا في شتى اللهجات العربية القديمة، وقد تحدث المستشرق الألماني يوهاز فك عن هذه الظاهرة المميزة مطولاً في كتابه (العربية)، وأشار إلى أنها احتفظت بهذه السمة العريقة، وقال (46): \"لقد احتفظت العربية الفصحى، في ظاهرة التصرف الإعرابي، بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية ـ باستثناء البابلية القديمة ـ قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي، وقد احتدم النزاع حول غاية بقاء التصرف الإعرابي في لغة التخاطب الحي\".\rكما تحدث المستشرق الألماني شبيتالر عن العربية الفصحى وعلاقتها باللهجات القبلية المختلفة، وقدرتها على استيعابها وتمثلها واحتفاظها بما تستسيغه من أساليب وتستحسنه من ألفاظها، ومما قاله (47):\r\"وهذه اللغة الفصحى تعد ـ كما يقول (بريتوريوس Pratorius) لغة فنية خالصة، وتعلو بما لها من طبيعة مميزة على كل اللهجات، غير أنها إذ تجري على ألسنة المتحدثين بهذه اللهجات، فإنها لم تخل من تأثير تلك اللهجات فيها باستمرار، ولعلها اختلفت من جهة إلى أخرى تبعاً لذلك، غير أن الجهود المنظمة، والعاملة على طرد القاعدة للغويين المتأخرين استطاعت طمس هذه الاختلافات طمساً تاماً\".\rوإطراد القاعدة هنا إشارة هامة إلى مذهب اللغويين والنحاة المتأخرين، ذلك أنهم آثروا اختيار الوجوه الشائعة الأصيلة في اللغة كما عرفتها العربية في عصر أصالتها من خلال شواهدها الشعرية والقرآنية وخطبها الجاهلية المسجعة..، وقد أشار المستشرق شبيتالر إلى هذه الحقيقة معتمداً على ما أورده الباقلاني في كتابه المعروف بـ (إعجاز القرآن)، ومما قاله (48).","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"\"أما هذه العربية نفسها، فهي تلك القديمة الحقيقية التي تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي ترفعت عن لهجات الخطاب منذ زمن، ورويت لنا كابراً عن كابر، في نصوص محددة تماماً هي تلك اللغة التي يمكن أن تعرّف بقول الباقلاني: أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، كلام الكهان وأهل الرجز والسجع وغير ذلك من أنواع بلاغتهم وصنوف فصاحتهم\".\rكما تحدث الأرسوزي عن نشأة اللغة من الطبيعة الخارجية وعلاقتها بالأمة، فقال (49):\r\"إن اللسان العربي، وهو بدائي وعضوي البنيان، يكشف عن صورة الأمة التي أنشأته، ويهدينا إلى شمول الوصفية كافة مظاهرها، إذ كان العرب في جاهليتهم يسمون تقسيمات الزمان بحالات المكان الملتبسة فيها، وبتجليات أمتهم التي يترافق ظهورها تاريخياً معها، فأطلقوا على أيام الأسبوع أسماء: (أول)، (أهون)، (جبار)، (ديَّار)، (مؤنس)، (عروبة)، (تيار) (50)... وكانوا يطلقون في ذلك العهد على شهور السنة الأسماء الآتية: (مؤتمر)، (ناجر)، (خوَّان)، (صوّان)، (رنِّي)، (أثدة)، (عادل)، (ناطل)، (واغل)، (ورنة)، (يوك).\"\rوخلص، بعد استعراضه طائفة أخرى من الألفاظ، إلى أن المجتمع العربي انحدر في اتجاه تلك الشعوب المتجمدة، واستبدل هذه الأسماء بأخرى دخيلة على الذوق العربي، وهي السبت والأحد والاثنين..\".\rيتضح مما تقدم معنا أن التقريش المضري، والقرشية الجاهلية كانا من أهم العوامل في حركة التوحيد اللغوي التلقائي قبل الإسلام، فاكتملت مرحلة الأصالة التراثية، وبدأت بواكير مرحلة النضح والإعجاز اللغوي بظهور الإسلام، وكان القرآن المعجزة الكبرى التي حققها اللسان العربي المبين عبر عصوره المديدة، في قمة عطائه الإنساني، ولذلك عده الأرسوزي أسمى المظاهر التي تجلت فيها وجهة نظر الأمة العربية (52).","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وهكذا آضت اللغة العربية المضرية، بيد أنها احتفظت بما استساغته من الأنماط التعبيرية، واستعذبته من اللهجات القبلية، كما توضح لنا ذلك في القراءات القرآنية على اختلاف حروفها ووجوهها، فكان الناس يقرؤون في الحجاز بقراءتي نافع وابن كثير، ويقرؤون في الشام بقراءة ابن عامر، ويقرؤون في العراق بقراءات عاصم، وحمزة،.والكسائي، وأبي عمرو.\rاعتمدت هذه القراءات المأثورة والموثقة، وقد أشار أبو علي الفارسي (المتوفي سنة 377 هـ)، وهو من نحاة البصرة، إلى ذلك في كتاب (الحجة في علل القراءات السبع) فقال (53):\r\"هذا كتاب نذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (المتوفى سنة 324 هـ) المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام).\rوالملاحظ من خلال المسائل التي أوردها وناقشها واحتج لها أنه كان يضع في الحسبان ما يسميه بقياس العربية.\rقال أبو علي: (54): \"ما رواه عن الكسائي في إمالة مثل (الأبرار) و(الأشرار)، ونحو ذلك مما تكرر فيه الراء مستقيم في قياس العربية ظاهر الوجه\". وقال أبو علي (55):\r\"وما ذهب إليه الكسائي من ترك الفصل بين الفعل الذي قبله واو أو فاء، وبين ما ليس قبله من ذلك هو الوجه في قياس الرواية.\rهذا يؤكد أن اللغة العربية كانت تحرص على الأخذ بما تختاره وتجده مستساغاً في قياس العربية، ظاهر الوجه، موثوق الرواية.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"يضاف إلى أن الاختيار في صناعة اللغة يعتمد على مفاهيم نقدية خاصة توائم أذواق العصر، وتلائم المتطلبات الجديدة، وذلك في حلبة التراث والأصالة. وليس من باب المصادفة أن يضع أحمد بن فارس (المتوفى سنة 395 هـ) كتابيه (الحبير المذهب) و(متخيَّر الألفاظ)، والمتخير مجمل من الحبير. يقول في كتابه الثاني (56): \"هذا كتاب (متخير الألفاظ)، مفردها ومركبها، وإنما نحلتُه هذا الاسم لما أودعته من محاسن كلام العرب، ومستعذب ألفاظها، وكريم خطابها، منظوم ذلك ومنثوره، ولم آل جهداً في الانتقاء والانتخاب والتخيُّر..\"..\rوكان اعتماد ابن فارس على نظريته في كلام العرب، \"فالكلام ثلاثة أضرب: ضرب يشترك فيه العلية والدون، وضرب هو الوحشي، كان طباع قوم، فذهب استعماله بذهابهم، وبين هذين ضرب لم ينزل نزول الأول، ولا ارتفع ارتفاع الثاني، وهو أحسن الثلاثة في السماع، والذهاب على الأفواه، وأزينها في الخطابة، وأعذبها في القريض، وأدلها على معرفة من يختارها\" (57).\rوخلص ابن فارس بعد هذا التقسيم الثلاثي لضروب الكلام إلى التحدث عن شرائط الإبداع في الأدب من خلال الاختيار اللغوي، فقال (58): \"إن أول ما يجب على الكاتب والشاعر اجتباء السهل من الخطاب، واجتناب الموعر منه، والأنس بأنيسه، والتوحش من وحشيه فهذا زمان ذلك\".\rواختتم كلامه بقوله: \"ولن يتسنم أحد ذروة البلاغة مع التكلف للفظ الغَلِق، والتطلب للخطاب المستغرب\".\rفساد اللسان العربي","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"يتضح مما تقدم أن اللغة العربية امتدت عبر الأقطار والأصقاع خلال الفتوح العربية وانتشار الإسلام في المشارق والمغارب، وأدى إلى دخول كثير من الأمم في المجتمع العربي، وهذا التلاقي الحضاري في إطار هذا الاتساع الجديد كان عاملاً من العوامل الجوهرية في فساد اللسان العربي والخلل اللغوي الذي تسرب إلى العربية، وهي قمة الإعجاز، ففسدت الملكة العربية نطقاً، وتعبيراً ومنهجاً ومضموناً. ومن هنا تبدأ معركة الفساد والخلل بعد الأصالة والإعجاز في القرن الثالث الهجري.\rتطرق المستشرق يوهان فك إلى ظهور (العربية الدارجة) وحددها في أواخر القرن الثالث الهجري، فقال (59): \"وبهذا توطد تماماً الحد الفاصل بين العربية الفصحى التي صارت منذ ذلك العهد لغة العلم والأدب، والعربية المولدة الدارجة، حوالي نهاية القرن الثالث، حتى في الأوساط المثقفة كذلك\".\rكما عقد المستشرق المذكور فصلاً عن اللحن ومفهومه ومشتقاته، فقال (60): \"يتطلب معنى اللحن اللغوي أن يكون الصواب متقدماً عليه، وكلاهما يمكن حصوله وتصوره إذا تجاوز التفكير في اللغة خطوات نشأتها الأولى، بيد أن مثل هذا التفكير والتأمل في نشوء اللغة كان بعيداً كل البعد عن عرب البادية قبل الإسلام\".\rهكذا بدأ اللحن والفساد اللغوي يشيع ويزداد منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وتولدت عنه الازدواجية اللغوية، وغدت اللهجات العامية تواجه العربية الفصحى، والملاحظ أنه لم يتيسر لها أن تقف أمامها، ذلك لأن اللغة العامية الدارجة لا تمتلك أصالة الفصحى ومقوماتها التراثية العريقة، ومن الطبيعي أن تتراجع أمامها عبر العصور المديدة.\rتحدث ابن خلدون عن معنى الفساد في اللسان العربي، فقال (61):","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"\"ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان وبني أسد وبني تميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذام، وغسان، وإياد وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس، والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية..\".\rهذا النص على غاية من الأهمية، فابن خلدون يعتقد أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها (62)، وخلص بعد ذلك إلى لغة قريش المضرية، ووضعها موضعها من الفصاحة، فكانت لغة العالية عند العرب.\rـ 2 ـ\rخصائص وإعجاز\rيتضح أن العربية ذات خصائص متميزة من القدم والأصالة والاتساع والاشتقاق، ويكفي أن نرجع إلى القسم الثاني من فقه الثعالبي لنجد أنه عقد فصلاً في تبيان خصائص كلام العرب، وبيان أسرار العربية، ومعرفة مجاري كلامها، وهذا الفصل على غاية من الأهمية لأنه يبرز لنا بشكل تطبيقي مشفوع بالشواهد المأثورة دقائق ما في العربية.\rوليس من باب المصادفة أن يكرر قوله مثلاً (63): \"العرب تقدم عليها [أي الكناية] توسعاً واقتداراً واختصاراً وثقة بفهم المخاطب\"، و\"العرب تبتدئ بذكر الشيء\"، و\"العرب تقول\"، و\"تقول العرب\"، و\"العرب تفعل ذلك\"، و\"للعرب كلام تخص به\"، و\"في خصائص كلام العرب\"، و\"من سنن العرب\" وقد تكررت إحدى وثلاثين مرة، و\"العرب تضيف، و\"العرب تسمي\" و\"العرب تزيد\". من ذلك قوله:(64) \" وللعرب فعل لا يقوله غيرهم.\" ويكفي أن نقف عند هذا القول تمثيلاً لما قدمنا لنبرز إيمان العرب بخصائص لغتهم :\" تقول.. ( عاد فلان شيخاً) وهو لم يكن قط سيخاً وعاد الماء آجناً وهو لم يكن كذلك قال الهذلي:\rأطعتُ العرِسَ في الشهوات حتى أعادتني أسيفاً عبد غيري","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"ولم يكن قبل أسيفاً حتى يعود إلى تلك الحال، وفي كتاب الله: (يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، وهم لم يكونوا في نور من قبل. ومثله قوله، عز وجل: ?ومنكم من يردُّ إلى أرذل العمر?، وهم لم يبلغوا إلى أرذل العمر، فيُردوا إليه\".\rيتضح مما تقدم أن العربية تتميز بوجود خصائص ذاتية في طبيعة بنيتها التكوينية، وقد اصطلح اللغويون على تسمية هذه الخاصة بـ (السنن اللغوي العربي) اعتماداً على ما أورده الثعالبي من الاقتدار والتوسع والاختصار والثقة بفهم المخاطب.\rيمكننا بعد أن توضحت لنا هذه النظرية العربية في السنن اللغوي أن نقرأ أنه المعجزة الكبرى في اللسان العربي المبين، ذلك لأنه سر وجود الأمة العربية، وسر خلودها الكبرى في اللسان العربي المبين، وجود الأمة العربية، وسر خلودها الحضاري، وإعجاز القرآن العربي، هو آية الإعجاز الكبرى الكامنة في إعجازها اللغوي.\rيقول الإمام على (ر) في خطبة له، (66): \"وإن الله، سبحانه، لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين، وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره..\".\rهذا النص لعلي على غاية من الأهمية، ذلك لأنه يبرز لنا المفهوم اللغوي للغة القرآن، وأضاف إلى التعريفات السابقة لدى اللغويين واللسانيين المفهوم الاصطلاحي مقترناً بالمفهوم الذاتي والوجداني والإنساني.\rالإعجاز اللغوي\rالملاحظ أن تقديس العرب للغتهم إقرار بالمعجزة اللغوية، وهذا الإعجاز سر من أسرارها، والقرآن، بلا ريب، آية هذا الإعجاز، ولو أننا استعرضنا لغات العالم جميعاً، وما طرأ عليها من تطور وتبدل لأدركنا أن العربية تجاوزت هذه المراحل، بسبب سبقها التكويني والحضاري، حتى استقامت على هذا النمط، لتكون \"رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية\" (67).","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ورب قائل يقول: \"إن عدم التطور هو الجمود، وعدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات الحياة، وهذا القول حجة على من لم يطَّلع على سر أعجازها وعبقريتها. كما أن طبيعة التطور كامن في بنيتها التكوينية، فهي تتطور تطوراً داخلياً ذاتياً، ذلك لأنها تستطيع التكيف لكل متطلبات الحياة والعلم والفكر بما تمتلكه من الاشتقاقات والأوزان والأنماط الخاصة بها، وهي ذات طابع عام يستوعب كل طارئ، وكل مستحدث مبتكر، شأنها في ذلك شأن الماء الراكد الساكن، لكن ركود الماء وسكونه لا ينفي وجود التيارات الداخلية فيه، ولا تنعدم في أعماقه التفاعلات الحياتية.\rيضاف إلى ذلك أن اللغويين العرب يرون أن الاهتمام باللسان العربي واجب مقدس تحتمه الواجبات القومية والدينية، ذلك أن \"من أحب الله أحب رسوله..، ومن أحب النبي العربي، أحب العرب، ومن أحب العربي، أحب اللغة العربية، وعني بها وثابر عليها، وصرف همته إليها\" كما يقول الثعالبي (68).\rولم يقتصر على ما ذكرناه، وإنما أبرز لنا وظائفها مستطرداً ذاكراً أنها \"أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار ولم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره...\" (69).\rوقرن الأمة باللغة، فقال (70) \"والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة\".\rالمنهج اللغوي العربي","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن صفة التقديس والإعجاز لم تمنع اللغويين من النظر في بنية اللغة تهذيباً وتثقيفاً وتشذيباً واختباراً، وتبيان ما هو صالح مقبول، وما هو وحشي مستكره، وهذا الجانب على غاية من الأهمية، ذلك لأنه يبعد عنها سمة الجمود، وتبقى بذلك حية في الفكر وعلى اللسان، وهذا يؤكد ما ذكرته من طبيعة التطور الداخلي.\rإن الملاحظ أنه ما استشرى الفساد اللغوي في اللسان العربي، في أي عصر من عصوره، إلا تصدى لتلافيه ورأب صدعه كبار العلماء والأدباء والمفكرين على اختلاف نزعاتهم، وإصلاح الخلل الطارئ، واللحن الفاشي، وهذا ـ في اعتقادنا ـ عام حاسم أسهم بشكله الفعال في حفظ اللغة، كما أنها ـ بطبيعة الحال ـ تمتلك التفاعل الذاتي والحركة النبيوية، مما يساعدها على تطورها وتكيفها، وفي هذين الأمرين سر خلودها وبقائها.\rأكد هذا المعنى الزمخشري في خطبة أساسه، واستطرد بعد حديثه عن \"النبي العربي المفضل باللسان، الذي استخزنه الله الفصاحة، والبيان\" فقال (71).\r\"من كانت مطامح نظره، ومطارح فكره الجهات التي توصل إلى تبين مراسم البلغاء، والعثور على مناظم الفصحاء، والمخايرة بين متداولات ألفاظهم، ومتعاورات أقوالهم، والمغايرة بين ما انتقوا منها وانتخلوا، وما انتفوا عنه فلم يتقبلوا، وما استركُّوا واستنزلوا، وما استفضحوا واستجزلوا، والنظر فيما كان الناظر فيه على وجوه الإعجاز أوقفَ، وبأسراره ولطائفه أعرفَ، حتى يكون صدر يقينه أثلج، وسهم احتجاجه أفلج، وحتى يقال: (هو من علم البيان حظيٌ، وفهمه فيه جاحظيٌ)..\"","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"يؤكد رأي الزمخشري، وهو من مخضرمي القرنين الخامس والسادس الهجريين، أن اللغويين واللسانيين العرب كانوا ذوي طبع متحرر مرن، يأخذون بالسائد الشائع على رأي الجمهور، ضمن هذا المنهج اللغوي العربي، فلم يجمدوا عند المأثور والمنقول من وجوه اللغة، ولم تمنعهم آيات الإعجاز، وإنما رأيناهم يتمثلون البلاغة اللغوية، فيضعون لها أسسها الجديدة تدعيماً، متابعين سنة التطور اللغوي الذاتي، وهذا الأمر يتجاهله أرباب الحداثة من دعاة العامية، فينعتون العربية بالعقم والجمود، لأنها ـ في اعتقادهم ـ لا تستجيب لمتطلبات المجتمع العربي.\rإن الزمخشري وهو من المولدين المتأخرين، كان صاحب نظر لغوي ثاقب، فلم يمنعه تأخره الزمني عن إدراك الحاجة إلى تدبر اللغة، وضرورة الانتقال من التراث المأثور إلى الاصطلاحات المستجدة، وإقامة الربط بين الحقيقة والمجاز، والطبيعة والبلاغة، والأصالة والإعجاز، فقدم بذلك عملاً لغوياً جباراً، وقد أبرز أهمية عمله اللغوي بقوله (72):\r\"وهو كتاب.. فُلِيَت (73) له العربية، وما فصح من لغاتها، وملح من بلاغاتها، وما سمع من الأعراب في بواديها، ومن خطباء الحلل في نواديها، ومن قراضبة (74) نجد في أكلائها ومراتعها، ومن سماسرة تهامة في أسواقها ومجامعها..\".\rوواضح من قوله في خطبته أنه يؤمن بالتطور وجمع اللغة من مختلف مصادرها، بعد خمسة قرون تقريباً من نزول القرآن، ويمكن أن نجمل منهج الزمخشري بالخصائص التالية:\rأولها: الاختيار مما وقع في عبارات المدعين، وانطوى تحت استعمالات المفلقين، أو ما جاز وقوعه فيها، وانطواؤه تحتها.\rثانيها: التوقيف على مناهج التركيب والتأليف، وتعريف مدارج الترتيب والترصيف، بسوق الكلمات المتناسقة، والاستكثار من كلم النوابغ.\rثالثها: تأسيس قوانين فصل الخطاب، والكلام الفصيح بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"واختتم الزمخشري منهجه بقوله: \"فمن حصَّل هذه الخصائص، وكان له حظ من الإعراب الذي هو ميزان أوضاع العربية ومقياس...، وأصاب ذرواً (75) من علم المعاني، وحظي برشَ من علم البيان، وكانت له قبل ذلك كله قريحة صحيحة، وسليقة سليمة، فحل نثره، وجزل شعره، ولم يطل عليه أن يناهز المقدَّمين\"...\rوالملاحظ أن الزمخشري يتبنى الإقرار بالتطور الذاتي، ويؤمن ببلوغ الإبداع والابتكار في كل زمان ومكان، وليس ذلك مقصوراً على القدماء السابقين، أو على عصر الاحتجاج، وإنما نراه يحث ويشجع على ذلك، ويشترط لأجل ذلك بعض الشروط التي ذكرناها من قبل، ويمكن لكل من فقه سر العربية أن يتفق على السابقين المتقدمين.\rولابد لنا، بالإضافة لما تقدم، من بحث الآثار اللغوية المتمثلة في الاتساع والشمولية في هذا الدفق اللغوي الجديد بعد اتساع الفتوح شرقاً وغرباً فكثرت المترادفات وفشا اللحن بسبب ترك الإعراب، وأدى ذلك بالتالي إلى فساد اللسان العربي .\rاهتم الجاحظ بهذه الظاهرة ولعلها كانت مظهراً من مظاهر الشعوبية اللغوية في عصر، إن صح التعبير. ففي حديثه العابر عن لثغة واصل بن عطاء، ذكر أنه \"كان إذا أراد أن يذكر (البر) قال: (القمح)، أو (الحنطة)، والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية\"... (76).\rواستطرد بعد ذلك، فتحدث عن الفصحى، والجاري في اللغة على أفواه العامة، وذكر أن أهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر (77) وخلص إلى القول متحدثاً عن الفصحى والجاري من اللغة على أفواه العامة (78):\r\"وقد يستخف الناس ألفاظاً ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله، تبارك وتعالى، لم يذكر في القرآن (الجوع) ألا في موضع العقاب، أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون (السغب) ويذكرون (الجوع) في حال القدرة والسلامة...\".","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"كما أورد ذكر (المطر)، وأشار إلى أن القرآن لا يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر (المطر) وذكر (الغيث)، وذكر (الأبصار)، و(الأسماع)، و(السموات) و(الأرضين)، وقال: \"والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر. وأولى بالاستعمال...، والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفها، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالاً، وتدع ما هو أظهر وأكثر..\".\rهذه هي بواكير فساد اللسان العربي، وظواهر اللحن اللغوي، كما لاحظها الجاحظ، وأدى هذا التطور الطارئ: من استخدام العامة الألفاظ في ما وضعت له، وإهمال الإعراب والحركات، إلى فشوّ الخلل اللغوي في اللسان العربي. كما أشار إلى أن هذا التداخل كان قديماً جداً قبل الإسلام، فقال (79): \"ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم...\". ثم استطرد: \"ولو علق لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس، وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط، وأقصى بلاد العرب\".\rفلا غرابة بعد ذلك كله، إن رأينا تقويم أهل مكة للغة أهل البصرة كما في الخبر الذي رواه الجاحظ في أبي سعيد (80).\r\"قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم، معاشر أهل البصرة، لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة، فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم\"...\rأمران لابد لنا من تبيانهما من خلال أقوال الجاحظ: أولهما إشارته إلى اللغة العربية (في قديم الدهر) وصراعها مع اللغات الأخرى، وثانيهما أن كل قبيلة كانت تضع في الحسبان لغة القرآن، وأنها أقرب ما تكون إليه، وأن التقويم اللغوي أصبح يعتمد على الموازين القرآنية، بعداً أو قرباً.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وإذا كان الأمر على هذه الحال بين أهل مكة وأهل البصرة، فهذا شامل كل مكان بلغته اللغة العربية، ولذلك كان لابد للجاحظ وغيره من المفكرين واللغويين من السعي لسلوك طريق يحفظ للعربية تراثها وأصالتها وسلامتها، ويبعد عنها عوامل فشو اللحن والفساد اللغوي.\rالتربية اللغوية\rهكذا اهتم الجاحظ بأمر اللحن والفساد، فاتجه إلى بعث الأصالة العربية، وذلك بالاعتماد على التربية اللغوية لأهميتها في تقويم اللسان العربي وصونه من طوارئ الدخيل، فقال (81):\r\"وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتِّق اللهاة، ويفتح الجرم (82)، واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أطلت إسكانه جسأً (83) وغلظ\".\rكان الجاحظ يهدف في هذا المنهج اللغوي التربوي تأثيل الأصالة التراثية في النطق العربي، ذلك لأنها ترسخ أدوات اللغة، وتجنب المتحدث أساليب العامة في أخذ الضعيف، وتبنى الدخيل، بالإضافة إلى استساغة اللحن الذي يزيد في طغيان الفساد اللغوي بين الناس.\rومن المؤكد في نظرنا أن الجاحظ قد وضع كتابه الجامع (البيان والتبيين) لكي يكون تثقيفاً للسان العربي، وإبعاده عن عيوب النطق من الحصر والعي وغيرهما، بالإضافة إلى منع تسرب الفساد الطارئ بحكم التفاعلات اللغوية الدخيلة.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"كما تعرّض الأرسوزي للانحرافات العامية القديمة كالعلاقة بين الصيغ المثالية والانحرافات التي تعتريها على اعتبار أن اللغة العربية هي الأصل واللغات السامية الأخرى انحرافات مختلفة في أشكال عامية موغلة في قدمها (84) هذا يعني أن الأرسوزي يعتقد أن اللغات السامية الأخرى هي انحرافات عامية قديمة السامية الأخرى، وذلك في حديثه عن علاقة اللغة ذات الأصول في الطبيعة باللغات السامة الأخرى هي جداً، وبتعبير آخر إنها تطورات عامية منذ أقدم العصور للغة العربية الأصل، فهو إذاً ينفي اللغات السامية ليقول بالأصل الواحد وهو اللغة العربية الأم، وبدعة اللغات السامية بدعة استشراقية محدثة.\rابن خلدون واللسان العربي\rتطورت اللغة بعد العصور العباسية، واتسع مفهومها، وتعددت علومها، فسماها ابن خلدون (علوم اللسان العربي)، وجعل أركانه أربعة، وهي اللغة والنحو والبيان والأدب، وذكر أن معرفتها ضرورية لكل إنسان ومتأدب دفعاً لفساد اللسان، وهو يرى أن \"علم النحو أهم من اللغة\" لأنه الوسيلة، وهي الهدف، ومن المهم أن نوضح آراءه لأنها تمثل المرحلة الانتقالية من الأصالة والإعجاز إلى الحداثة والخلل.\rوضَّح ابن خلدون أهمية علم النحو، وأبرز مميزاته التي لا نجدها في لغة أخرى، ومما قاله (85):\r\"إن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم، وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها، إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من المجرور، أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد إلا في لغة العرب\".","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ولاشك أن ملاحظته الدقيقة هذه في إبراز بعض خصائص اللغة التي لا نجدها في غير لغة العرب، وإشارته إلى استخدام الأفعال وتغير مقاصدها بإدخال الحروف عليها، مما يؤكد أهمية هذه الصفة المعروفة في أساليب اللغة العربية، وأذكر أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عرض لذلك في حديثه عن الأسلوب العربي وأهمية استخدام الحروف الداخلة على الأفعال تعدية أو تبيان مقاصد الأفعال وتحدث عن علم اللغة فعرّفه بقوله (86):\r\"هو بيان الموضوعات اللغوية، وذلك أنه لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعراب، استنبطت القوانين لحفظها.. ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم، حتى تأدى الفساد إلى موضوعات الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم، ميلاً مع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية..\".\rكان ابن خلدون على بينة من فشو العامية المخالفة لصريح العربية، ولم يكتف بذلك، وإنما حاول أن يقدم لنا آراءه في رأب هذا الصدع، وعقد لذلك فصلاً في تعليم اللسان المضري. كما أشار إلى الأمر نفسه في حديثه عن علم الأدب، فقال (87):\r\"هذا العلم لا موضوع له، يُنظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته في فنَّي المنظوم والمنثور على أساليب العرب\".\rوتحدث ثانية عن فساد اللسان العربي، ووضح عوامله، وظهور اللحن، وضعف الأصالة، ثم عقد فصلاً خاصاً بذلك، ذكر فيه أن \"اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها، بحسب تمام الملكة أو نقصانها\" (88).","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"واستطرد بعد ذلك إلى نظريته في فساد اللسان العربي بسبب فساد الملكة العربية لمخالطة الأعاجم من الأمم، فقال (89): \"وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع، أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم،ولم يأخذوه عن غيرهم، ثم أنه فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب... فاختلط عليه الأمر، وأخذ من هذه وهذه، فاستحدث ملكة، وكانت ناقصة عن الأولى، وهذا معنى فساد اللسان العربي\".\rوالأخطر من هذا كله اعتقاده أن لغة العرب في عصره كادت تصبح لغة أخرى لما وجده فيها من اللحن والفساد، وخلص إلى القول (90):\r\"وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب، وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولاً فانقلب لغة أخرى\".\rولكن العربية بقيت تحفظ أصالتها اعتماداً على المأثور من القرآن والحديث والتراث، ولم تكن العامية لتستطيع إفساد ذلك فاحتفظت اللغة بقدسيتها، وآية ذلك كله طبيعتها الذاتية في بنيتها التكوينية.\rفلا نستغرب أن رأينا ابن خلدون يعقد لها فصلاً خاصاً بها، ذكر فيه أن لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها، وهي مخالفة للغة مضر. يقول (91):\r\"إن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضَر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها، بعيدة عن لغة مضر، وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها، فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحناً، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم، فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس معهما، وكل منهم يتوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه\".","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"تلك هي حال اللغة العربية في عصر ابن خلدون، ولكن هذا لم يمنع العلماء من تبيان عوامل هذا الفساد، وخاصة النحاة منهم، فقد أبدى ضيقه من تشددهم في هذا المضمار، ويبدو أنه لم يكن على وفاق معهم.\rكما ارتأى ضرورة الاهتمام بتعلم اللسان المضري، أبرز طرائق هذا التعليم لتأصيل الملكة المضرية، وذلك عن طريق استظهار النصوص العربية الأصيلة المأثورة والمنقولة من القرآن الكريم والحديث الشريف، وكلام السلف، ومخاطبات الفحول العرب في أشعارهم وأسجاعهم، وكان يشفعها بالنصوص الجيدة من إنشاء المولدين والمتأخرين والمحدثين، واشترط لقبولهم الالتزام بالأصول العربية في اللغة الفصحى، والتقييد بأساليب وطرائقها واشتقاقاتها.\rـ 3 ـ\rموقف الحداثة من الفصحى والعامية\rلابد من الإشارة إلى أنه لا انفصام بين القديم والجديد، فالعروة الوثقى تجمعهما، وهذا ما أشار إليه القدماء من النقاد، فقد ذكر ابن حجة (92): \"ليعلم من تنزه في هذه الحدائق الزاهرة أن ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد، وإذا تحقق أن لكل زمان بديعاً تمتع بلذة الجديد\".\rلا انفصام إذاً بين شهر وشهر، وعام وعام، وزمن وزمن، فلكل قديم جديد، ولا يتكون الجديد إلا من القديم، وعلى هذا المفهوم نستطيع فهم قول أمين الخولي: \"قتل القديم فهماً أول كل جديد\".\rومن هذا المنطلق التطوري نستطيع مناقشة مفهوم الحداثة، فهي متجددة في كل عصر بالضرورة الجدلية المسيطرة على كل مظاهر الحياة والفكر الإنساني.\rنخلص إلى القول: إن مفهوم الحداثة لا يعني قصداً وبالضرورة الحرب على التراث والثورة على كل تليد، بيد أننا نلاحظ في خضم الحداثة تيارين متعارضين في إطار اللغة:\rأولهما: الحداثة الإيجابية، وتتمثل في العربية الفصحى.\rثانيهما: الحداثة السلبية، وتتمثل في العامية الدارجة.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"إن هموم العربية اليوم هي ذات الهموم التي بحثناها من قبل، فهناك في المشرق والمغرب على السواء نزعات مختلفة من العاميات الدارجة واللهجات المحلية الموجودة في مختلف الأصقاع العربية، بيد أن الفرق بين الحاضر والماضي أن السابقين الماضين لم يتبنوا الشعوبية العامية لتصبح لغة منفصلة في كل قطر على حدة.\rأما دعاة هؤلاء الشعوبية الجديدة فهم يختلفون بين معتدل ومتطرف، بعضهم من موضع المسؤولية الفكرية، منهم أحمد لطفي السيد، وسعيد عقل، والأب مارون غصن، ويوسف الخال، وشعراء الزجل بشكل عام، وعلى رأسهم ميشال طراد، ومؤيدو الأدب الشعبي، وعلى رأسهم الدكتور عبد الحميد يونس، وعبد الرحمن بشناق.\rكما وضحنا أن تيار العامية الذي توضحت بواكيره في مطلع هذا القرن قد عارضه تيار عربي أشد منه وأقوى، وذلك بظهور الأعلام الكبار من المصلحين الذين كانوا ينادون بالإصلاح السياسي والاجتماعي والديني، واقترن الفكر القومي باللغة العربية الفصحى.\rمن هؤلاء المصلحين الذين جعلوا العربية الدعامة الأساسية لبناء المجتمع العربي والإسلامي، محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، والسيد أمير علي، وخير الدين باشا التونسي، وعلي باشا المبارك، وعبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده، وتكلل جهد هؤلاء المصلحين في هذا العصر بظهور كثير من العلماء واللغويين والأدباء الذين تصدوا للشعوبية الجديدة في الطعن على اللغة العربية ونعتها بالجمود، والمناداة بتقبل العامية كظاهرة واقعية موجودة في الحياة الاجتماعية، والمناداة بتقبل العامية ومؤاخاتها لتكون على قدم المساواة مع العربية الفصحى.\rتمثل لنا ذلك كله في مصر والشام معاً في وقت واحد ومنطلق واحد، وتكمن وراءه عوامل خارجية لتمزيق الأمة العربية في هذه المرحلة الخطيرة من تطوراتها السياسية والاجتماعية والحضارية.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"لقد ناضل الغيورون على الفصحى نضالاً جباراً، وتصدوا لظاهرة الدعوة إلى استقلال كل قطر بلغته العامية، فتساءل الرافعي قائلاً (93): \"من ذا الذي يرضى أن يجعل لكل أرض عربية لغة عربية قائمة بنفسها، ولكل مصر أدباً على حياله، ولكل طائفة من الكتَّاب كتابه وحدها؟! ومن ذا الذي فعل ذلك أو حاوله في التاريخ الإسلامي كله على طول ما امتد وتساوق؟!\".\rوالملاحظ أن دعاة المؤاخاة اللغوية والازدواجية العامية كانوا من ذوي المكانة الهامة في المؤسسات الثقافية المصرية، نخص بالذكر منهم أحمد لطفي السيد باشا. وكان مديراً للجامعة المصرية، ورئيساً لمجمع اللغة العربية في القاهرة آنئذ.\rاعتمد في آرائه على تبني تمصير اللغة العربية، فتصبح مصرية متميزة، وذلك عن طريق تبني العامية المصرية. وصف الرافعي ذلك في مقالة له نشرت سنة 1912 في مجلة (البيان) بعنوان (تمصير اللغة) (94):\r\"نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم فضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استُحفظوا عليها مصرية بعد أن كانت مضرية\".\rوالمعروف أنه كان يقول بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك، وتحيلها إليها (95)، وكان \"يرى أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية، وأمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان، فإن لم يكن لها ثمة أسماء، فمن معاجم اللغة وكتب العلم... فإن لم يصب ذلك في هذه أيضاً، وضع لها الواضع ما شاء\".\rواستطرد فقال:\r\"وأن في استعمال مفردات العامة وتركيبها إحياء للغة الكلام، والباسها لباس الفصاحة، إذ يكون من ذلك رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي، والنزول من اللغة المكتوبة إلى التخاطب والتعامل\".","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وأخطر ما في هذه الآراء دعوته إلى تبنى مفردات العامة وأساليبها، وجعلها بمنزلة اللغة الفصيحة، إحياء لها، فنهبط بالفصحى، ونرفع العامية. والغريب بعد هذا كله أنه يستدرك زاعماً أنه يريد أن يرضى لغة القرآن، فينادي بالصلح بين العامية والعربية، وإنهاء هذه الحرب اللغوية (96):\r\"إذا أردنا الصلح بين اللغتين، فأقرب الطرق لهذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية، ومتى استعملناها في الكتابة اضطررنا إلى تخليصها من الضعف، وجعلنا العامة يتابعون الكتَّاب في كتاباتهم.\"\rإن هذا الصلح المقترح غريب كل الغرابة، فهو ينادي داعياً إلى تبني العامية واستخدامها في الكتابة، وذلك سعياً وراء إحياء العربية بمؤاخاة العامية، وهذا مخالف لأبسط القواعد المنطقية.\rعاصر الرافعي هذه الأحداث كلها، ونشر عدة مقالات، منها مقالة في مجلة البيان سنة 1911 بعنوان (الرأي العامي في العربية الفصحى)، ومما قاله في وصف حال اللغة وإهمالها (97): \"لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة جعلتها كالواغلة علينا، والغريبة من نقص فهمنا فيها بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه، فصار إصلاح اللغة كأنه دربة لإفسادنا وإفسادها، فيما نتوهم دربة لإصلاحنا\".\rكان الهدف من ذلك كله تمصير اللغة العربية في أرض الكنانة، وذلك لكي تطبق النظرية العرقية الفرعونية التي ظهرت في مصر، وهي تحت نير الاحتلال، لعزلها عن الأمة العربية.\rكما تصدى الرافعي أكثر من مرة، وفي أكثر من مقالة، يدافع عن العربية إيماناً منه أنها تستهدف الجملة القرآنية، ووقف إلى جانبه الأمير شكيب أرسلان، فنشر مقالة سنة 1025 في مجلة الزهراء بعنوان (ما وراء الأكمة)، وخاطبه في ختام مقالته بقوله (98):\r\"فأما الفئام الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه، وممن يستأنس بالركيك، لأنه هو الشيء الوحيد الذي يقدر عليه، فهذه خطبها يسير، وقلعتها أوهى من أن يحمل...عليها\".","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"لقد ارتبطت اللغة بالأمة والقرآن، ومن خلال هذا المنطلق يمكن أن نفسر كثيراً من التيارات المؤيدة أو المعترضة على اللغة الفصحى. يقول الرافعي (99): \"إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد تكون صفة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها، ولا قوام لها بغيرها... وإن في العربية سراً خالداً هو هذا الكتاب المبين القرآن الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح، ويحكم منطقاً وإعراباً..\"\rثم خلص إلى القول (100): \"إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكماً.. ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس، وردها إليهم، وأوجبها عليهم،... لما تماسكت أجزاء هذه الأمة..\".\rولم ينس خلال ذلك أن يندد بهؤلاء الداعين لذلك بقوله (101): \"وهم إنما خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، وإنما يؤتون من حساب العربية الفصحى لغة أثرية، لا تمادّ الزمن، ولا تشايع روح التاريخ... وهذا، ولا جرم، ضرب من الجهل العلمي، ولو هم فقهوا سر العربية، ووقفوا على طرق تركيبها، وجاذبوا من أزمَّتها، وصرّفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة.. لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه، وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه..\".\rظهر في بلاد الشام المجمع العلمي العربي، وكان الهدف من إنشائه الاهتمام باللغة العربية وبعث تراثها القومي، وذلك منذ الربع الأول من هذا القرن، ولا شك في أن علماء الشام أسهموا بشكل فعال في اليقظة العربية، وإحياء لغة العرب، ولاشك في أن بلاد الشام لم تشهد في هذه المرحلة حرباً لغوية كما حدث في مصر في الفترة نفسها، وربما كان لهؤلاء العلماء أكبر الأثر في تأثيل العربية.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"ويمضي الجيل الأول من علماء المجمع العلمي العربي، ويأتي الجيل الثاني، ومن هؤلاء العالمان اللغويان: عبد الله العلايلي، وزكي الأرسوزي.\rأصدر العلايلي كتابة (مقدمة لدرس لغة العرب) 1938، أي قبل نصف قرن من الزمن تقريباً، وقد أشار فيه إلى أهمية اللغة العربية أصالة ومنهجاً ومستقبلاً، وأنها لغة تطورية، بمعنى أنها ترافق الحياة من ألف ماضيها إلى ياء مستقبلها، وفي قدرتها الاشتقاقية سر من أسرار هذا التطور، وفي تهذيبها المحدث للدكتور أسعد علي اقتراحات لفقه لغة تطوري يجمع أصالة العربية وتفتحات الألسنيات الحديثة، ويمكن الإطلاع على خلاصة هذه الآراء في المقدمة وتهذيبها في الفصل الختامي للتهذيب (نقد فقه اللغة) (102). والملاحظ أنه خصص الباب الثاني بكامله للتحدث عن (معقول العرب ومستقبل العربية) (103)، والباب الثالث بعنوان (داء العربية ودواؤها) (104).\rوقد أبرز العلايلي الخطر الذي يتهدد مستقبل اللغة، وعد اللغويين مسؤولين عن مستقبل التطور اللغوي، ويقع ذلك على كاهلهم وحدهم، ومما قاله:\r\"ولقد آن أن نأخذ بمذهب الجد، وإلا وضعنا العربية في موضع قلق، لا يتسع لها، ولا تقوم فيه. ونحن إذا كنا نجد من مثقفة الجيل تريثاً وانتظاراً للنتائج التي ضمنتها لهم الجامع، فإن ناشئة الجيل سيلقون بكل ذلك، حيث لا يركنون إليه، ولا يأبهون، وسيقدمون على مقدم خطر جداً، يعرّض العربية للتلاشي السريع، أو للانقلاب المطلق الذي يجعل منها لغتين: لغة القرآن، ولغة تبتدئ في حدود القرن العشرين تتفاوت كلتاهما تفاوتاً ويكون لا أقل في أساليبه ومفرداته من اللاتينية والفرنسية\".","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وفي اعتقادي أن العلايلي كان هنا متشائماً في تصوره لواقع اللغة العربية، وذلك لأننا لسنا أمام لغتين، كما يخيل إليه بالنسبة لمستقبل اللغة العربية، ولسنا نخاف عليها من طوارق الأحداث المستقبلية، ذلك لأنها استطاعت أن تروض ما اعترضها مما هو أشد خطراً من ذلك. يؤيد ما أذهب إليه قول المستشرق جاك بيرك. صاحب كتاب (العرب من الأمس إلى الغد) (105):\r\"إن العرب، في ظل الاستعمار لجؤوا لحماية هويتهم وأصالتهم إلى اللغة العربية، أو بالحري إلى اللغة العربية القديمة، ومن هنا نلمس قوة وصلابة قيم ومزايا اللغة العربية التي ناضلت بنجاح، لا ضد غزو اللغات الغربية المسلحة بقدرة عملية على الإيصال، وحسب، وإنما كذلك ضد اللهجات المحلية العامية التي حاولت الاستعمار تغذيتها لزرع الفرقة والتجزئة\".\rوهكذا يؤكد هذا المستشرق ارتباط الدعوة العامية وتبنيها بالاستعمار الذي يغذيها للنجاح في سياسة التفريق والتجزئة الإقليمة.\rأما الأستاذ الأرسوزي فقد كانت نكبة اللواء السليب، وضياع الأرض، وكبت اللغة العربية في أرضها العربية الطيبة مصدر ثورته اللغوية والفكرية الكبرى على الطغيان، فلقد كان اعتماده أصلاً على فلسفة اللغة وعلاقتها بالمجتمع العربي، ولابد لكل مصلح من الإنطلاق من المفهوم اللغوي أولاً للوصول إلى التحرر الاجتماعي في إطار الصعيد الإنساني.\rبحث الدكتور خليل أحمد آراء هذا المفكر اللغوي المصلح، وذكر أنه \"مشهور كأحد زعماء الإصلاح الاجتماعي في القرن العشرين، لكنه مغمور كفقيه لغوي..\" والمعروف أنه ابتدأ بنشر أبحاثه اللغوية منذ سنة 1938.\rكما ذكر أنه (106) \"ذو مدرسة متميزة في فقه اللغة وقواعدها، يفسر اللغة تفسيراً اجتماعياً، غايته بعث الأمة العربية، وبناء الإنسان فرداً ومجتمعاً\".","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"وخلص الباحث إلى أنه أحيا شرح آراءه اللغوية في كتابيه، الأول بعنوان: (العبقرية العربية في لسانها)، والثاني بعنوان (اللسان العربي)، يضاف إليهما رسالة في اللغة.\rوالمعروف أن نظريته تعتمد على جدلين (107).\rالجدل الأول: أن المعنى (الإله) يتجلى في الحياة، وأن الحياة تتجلى في الأمة، وأن الأمة تتجلى في العبقرية، وأن العبقرية العربية تتجلى في لسانها.\rالجدل الثاني: أن دراسة اللغة العربية أو اللسان العربي، تبعث عبقرية الأمة، وأن بعث الأمة يبعث الحياة، وأن بعث الحياة ارتقاء إلى المعنى، والمعنى هو القادر على كل شيء\".\rوخلص الدكتور خليل ليقرر أهمية اللسان العربي عند الأرسوزي على صعيدين اثنين (108):\rالصعيد الأول: دور اللسان في بناء الإنسان من الناحية العربية والاجتماعية، وقد أبرز ذلك في المميزات الأربع التالية:\rآ ـ طابع اللسان العربي التربوي.\rب ـ طابعه الفلسفي.\rج ـ طابعه الأخلاقي.\rد ـ طابعه الشعري.\rالصعيد الثاني: دور اللسان العربي في بناء الإنسان من الناحية الإنسانية والكونية.\rولابد لنا من وقفة قصيرة في الصعيد الأول لأهمية ذلك في هذا البحث، ذلك لأن الأرسوزي يؤمن بقدسية اللسان العربي وأصالته (109).\r\"فلما كان هذا اللسان بدئياً، لسان آدم (المعنى متجلياً في الوجود)، فقد استكمل كافة شروط الأصالة\".\rكما أبرز الأرسوزي أهمية هذا اللسان بقوله (111):\r\"إن اللسان العربي بمبدئه (المعنى)، وتجلياته (الأصوات)، وهو على غرار البدن شجرة سحرية نامية، جذورها في الملأ الأعلى (المعاني) وتجلياتها في الطبيعة\".\r***\rيتضح مما تقدم معنا أن الحداثة في موقفها من اللغة العربية الفصحى قد شهدت ثلاثة مذاهب: مذهب الأصالة التراثية، ومذهب العامية الدارجة، ومذهب الإزدواجية المرحلية.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"يمثل المذهب الأول، وهو المذهب القومي العربي السائد، تيار العربية الفصحى وقد تمثل بظهور الأعلام من المصلحين والمفكرين واللغويين الذين يرون أن وحدة العرب في وحدة لغتها، فهي اللغة القومية.\rويمثل المذهب الثاني، وهو مذهب الشعوبية اللغوية الجديدة، تيار الدعوة العامية، تهدف إلى إيجاد عدة لغات إقليمية في الوطن العربي آخذين بعين الاعتبار اللغة المحكية الدارجة، ولدعاتها أهداف مستقبلية تسعى إلى تمزيق الأمة العربية بإفساد اللسان العربي. ويمثل المذهب الثالث، وهو مذهب الازدواجية والمؤاخاة بين الفصحى والعامية كظاهرة واقعية موجودة في المجتمع العربي، وجهتين: وجهة نظر إيجابية ووجهة نظر سلبية في وقت معاً، من هؤلاء الازدواجيين وديع ديب في قوله (112).\r\"لتبق... اللغة العامية حيث هي، فلن يكون باستطاعتها أن تتغلب على الفصحى في المجالات البعيدة. فلا يزعجك هذا الازدواج في اللسان العربي. إن وجود العامية في نظري سبب من أهم أسباب إعزاز الفصاحة. ناهيك من أنه ليس من لغة حية في العالم إلا ولها عامية تزاحمها إلى محجة البيان، بيد أنها ستبقى في المؤخرة لانحرافها ذات اليمين وذات الشمال\".\rوالغريب حقاً في هذا القول، أنه يقيم الصلة بين وجود العامية وإعزاز الفصاحة، وهذا التناقض لا يسوّع ذلك، ولا يسمح بوجود هذا الازدواج.\rومن أرباب هذا المذهب أحمد لطفي السيد، وقد أوردنا في هذا الصدد آراءه من قبل، ومما قاله (113):\r\"إن ما استعملته العامة، إنما هو قرارات الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها وأن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحيته، وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى\".","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"ومنهم عبد الرحمن بشناق، عضو مجمع اللغة العربية الأردني، فقد تحدث في ندوة حول (اللغة العربية في مواكبة النهضة الحديثة) (114) عن وجود لغتين لنا، و\"لغتنا الحقيقية الفعلية هي العربية العامية، وليست الفصحى\" (115)، وذكر \"أنها الشكل الحقيقي للغة العربي\"، وخلص إلى القول (116): \"ولكن أهمية القرآن الكريم لنا من الناحية الروحية واللغوية قد منعتنا من استعمال اللغة العامية كلغة أدب... لقد ألفينا أنفسنا بين لغتين: الفصحى، ولغة عامية، لا نعيرها كبير اهتمام...، حتى غدت قفراً بلقعاً... بل جعلنا لغة القرن السادس الميلادي، وما طرأ عليها من تنوع وإثراء بعد انتشار الإسلام شرقاً وغرباً لغة أدبنا العربي بلا منازع\" (117).\rومنهم المستشرق الروسي الدكتور غريغوري شرباتوف، عضو مجمع اللغة العربية المراسل في القاهرة، فقد ألقى محاضرة في (مزايا الاشتقاق في الفصحى والعامية) دراسة مقارنة \"عرض فيها لطبيعة اللغة العربية التي تتميز بالتطور الداخلي للألفاظ، أي بالاشتقاق بينما تُرى في اللهجات، أي العاميات، نزعة شديدة الوضوح نحو التطوير الخارجي للكلمات، أي باستعمال اللواحق، وهذا ما يسمح بالاعتقاد بأن هناك ميلاً عن الاشتقاق نحو استعمال اللواحق في تطور الألفاظ\". كما أورد المستشرق المذكور بعض الشواهد من العاميات العربية في أقطار عربية مختلفة.\rإن الدعوة إلى تبنى اللواحق أو السوابق، كما هو الحال في بعض اللغات الأخرى، والدعوة إلى إهمال الاشتقاق الذاتي وإبطاله، وهو الحركة التطورية للغة العربية، تؤديان بنا إلى الانسلاخ في المستقبل عن لغتنا الفصحى انسلاخاً كلياً، لأن في ذلك التحطيم الطوعي للغة العربية.\rأدرك هذه الحقيقة الجوهرية المستشرق الألماني يوهان فك في كتابه القيم بعنوان (العربية) ودراسته العميقة في اللغة والأساليب واللهجات العربية.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"والمهم أنه أبرز المؤثرات الغربية عند بعض دعاة الإصلاح المصريين الذين طالبوا بتمصير اللغة العربية، ووجهوا انتقاداتهم إلى اللغة العربية الفصيحة نفسها، وتحدثوا عن صبغ التعليم اللغوي بصبغة جديدة، توائم قواعد التربية اللغوية الحديثة (118).\rوخلص المؤلف إلى قوله (119): \"وقد كان لزاماً على العربية الفصيحة أن تقضي على تلك الحركة، لا لأن انتصارها قد لا يبقى أثراً للنحو العربي، بل لما هو أهم من ذلك، وهو أن الحركة المذكورة تراعي اللهجة المحلية رعاية قوية، يتعسر أو يتعذر معها استخدام اللغة الجديدة رباطاً عاماً لكل البلدان الناطقة بالعربية وبهذا يمتد الإشكال، ويخرج من الدوائر اللغوية الضيقة إلى دوائر الثقافة الإسلامية عامة\".\rكما أبرز المستشرق المذكور أهمية العربية الفصحى على الصعيد العربي الإسلامي، فقال (120):\r\"إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالي أساسياً لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية، وما عداها من الأقاليم الدارجة في المحيط الإسلامي، رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية\".\rذلك كله من البواعث التي كانت هدفاً لإنشاء المجامع العلمية العربية، وعلى رأسها المجمع العلمي العربي في دمشق، وقد استطاعت أن توجه اللغة العربية في محجتها الصحيحة الواضحة، بله المصلحين واللغويين الذين كانوا يبذلون جل اهتمامهم لخدمة هذه اللغة، فألِّفت الكتب لحفظها وبيان ما وقع فيها من الأخطاء الشائعة، نذكر منها، على سبيل المثال، كتاب (معجم الأخطاء الشائعة) لمحمد العدناني، فقد ذكر في تقديمه (121):\r\"إنني لا أرى المجد اللغوي أقل من المجد السياسي للأمة الصاحية حديثاً من سباتها العميق كأمتنا العربية؛ لذا أنصح أن يوجهوا.. اهتماماً كبيراً إلى تقوية الفصحى، والإقلال من اللغة العامية... وضبط معظم الكتب والمجلات بالشكل التام حتى تصبح اللغة ملكة لدى القراء\".","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"إن الدعوة إلى خلق الملكة هو ما نادى به ابن خلدون من قبل، فنعتها بالملكة المضرية، ووضح الأساليب الواجبة في تكوين هذه الملكة اللغوية؛ والجديد في هذا القول أنه أضاف الضبط اللغوي فيما يكتب وينشر ويذاع، ولا خوف على العربية إطلاقاً،فقد أبرز المستشرق الألماني يوهان فك جبروت التراث العربي الحضاري في قوله (122):\r\"ولقد برهن جبروت التراث العربي الخالد التاليد على أنه أقوى من كل محاولة إلى زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر\".\rإنها عربيتنا الفصحى بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبين مضريتها، وازدواجيتها وعاميتها، وبين أصالتها وإعجازها وحداثتها، وبين روادها وأنصارها وأعدائها.\rهذه هي العربية المعجزة صامدة مع الزمن، إنها الكلمة الطيبة، والحرف الرمز، أصلها راسخ في جبروت هذا التراث العربي، وفرعها شامخ في السماء.\rمصادر البحث ومراجعه:\r1 ـ أحمد بن فارس.\rـ متخير الألفاظ. تحقيق الأستاذ هلال ناجي. منشورات المكتب الدائم لتنسيق التعريب ـ بغداد 1970 م.\r2 ـ الأرسوزي (زكي).\rـ المؤلفات الكاملة ـ مطابع الإدارة السياسية ـ المجلد الأول والمجلد الثاني 1972 ـ 1973 دمشق.\r3 ـ الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد).\rـ فئة اللغة وسر العربية ـ المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة.\r4 ـ الجاحظ (عمرو بن بحر).\rـ البيان والتبيين تحقيق عبد السلام محمد هارون ـ مكتبة الخانجي بمصر ـ الطبعة العربية 1395 هـ ـ 1975 م.\r5 ـ الحسن بن أحمد الفارسي.\rـ الحجة في علل القراءات السبع ـ دار الكاتب العربي القاهرة 1385 هـ ـ 1965 م.\r6 ـ خليل أحمد\rـ دور اللسان في بناء الإنسان ـ دار السؤال ـ دمشق 1401 هـ ـ 1981 م.\r8 ـ الزمخشري\rـ أساس البلاغة ـ تحقيق عبد الرحيم محمود، تقديم\rـ أمين الخولي ـ مطبعة أورفاند 1972 هـ ـ 1953 م\r9 ـ علي (د. أسعد).\rـ تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي ـ دار السؤال بدمشق 1882.\r11 ـ مصطفى صادق الرافعي","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"ـ إعجاز القرآن ـ المطبعة الرحمانية 1345 هـ 1926 م القاهرة.\rـ تحت راية القرآن ـ المكتبة التجارية الكبرى 1383 هـ 1963 م القاهرة ـ الطبعة الخامسة.\r10 ـ محمد العدناني\rـ معجم الأخطاء الشائعة ـ مكتبة لبنان 1973 م\r12 ـ ابن منظور (محمد بن مكرم).\rـ لسان العربي ـ دار صادر ودار بيروت 1371 هـ ـ 1955.\r14 ـ يوهان فك.\rـ العربية. دراسة في اللغة واللهجات والأساليب.\rترجمة الدكتور رمضان عبد التواب ـ مكتبة الخانجي بمصر 1400 هـ ـ 1980 م.\r13 ـ وديع ديب\rـ نحو جديد ـ دار ريحاني للطباعة والنشر ـ بيروت 1959.\rالحواشي:\r(1) انظر مقالة شكيب أرسلان بعنوان (ما وراء الأكمة) وقد وجهها لمصطفى صادق الرافعي، ونشرتها الزهراء. تحت راية القرآن، ص 31 ـ 39.\r(2) ابن منظور: لسان العرب، ج 1 ص 77، المقدمة، وفد ورد هذا الحديث عند ابن عساكر في ترجمة زهير بن محمد بن يعقوب.\r(3) المصدر السابق، مادة (لغا) ج 15 ص 251، 252\r(4) المصدر السابق.\r(5) النحل / 103.\r(6) الشعراء / 195.\r(7) الأحقاف / 12.\r(7) المؤلفات الكاملة، المجلد الأول، ص 81، 82.\r(8) أساس البلاغة، مادة (لغو)، ص 410، 411.\r(9) مقدمة ابن خلدون، ص 556.\r(10) المصدر السابق، ص 546.\r(11) المصدر السابق، ص 546.\r(12) تحت راية القرآن، بين القديم والجديد، ص 29.\r(13) المؤلفات الكاملة، المجلد الأول، ص 297.\r(14) تحت راية القرآن، ص 22.\r(15) تحت راية القرآن، ص 22.\r(16) الأقيال: جمع قيل، وهو الملك من ملوك حمير وحضرموت.\r(17) العباهلة: المقرون على ملكهم فلم يزالوا عنه.\r(18) الأرواع: الذين يروعون بالهيبة والجمال.\r(19) المشابيب: جمع مشبوب، وهو الجميل الزاهر اللون\r(20) التيعة: أربعون شاة، وتطلق على أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان.\r(21) المقورة الألياط: أي المسترخية الجلود.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"(22) الضناك: السمينة الموثقة الخلق، والمراد أن شاة الصدقة لا تكون من المهازيل، ولا من الكرائم، بل تكون وسطاً، وهو المقصود بقول (وانطو الثبجة). أي أعطوها بلغتهم.\r(23) الثبجة: أي الوسط، ومنه ثبج البحر.\r(24) السيوب، جمع سيب، وهو العطية، والمراد به الركاز، وهو دفين الجاهلية.\r(25) مم بكر ثيب، ومم ثيب، وهي لغتهم.\r(26) فاصقعوه، وهو من الصقع، وهو الضرب.\r(27) الاستيفاض: النفي والتغريب.\r(28) الأضاميم: الحجارة الصغار.\r(29) التوصيم: الفترة والتواني.\r(30) يترفل: يترأس.\r(31) الفِراع: مجاري الماء إلى الشِّعب.\r(32) الوهاط، والوهاد، بمعنى واحد، وهي ضرب من الأراضي المنخفضة وغيرها.\r(33) عزازها: الأرض الصلبة.\r(34) العِلاف: جمع العَلف.\r(35) العفاء: ما ليس فيه مِلك.\r(36) الدفء والصرام: أي الإبل والغنم.\r(37) الشِلب: البعير الهرم الذي تكسرت أسنانه.\r(38) الناب: الناقة الهرمة، والنيب: النوق.\r(39) الفارض: المسن من الأبل.\r(40) الداجن: الدابة التي تآلف البيوت.\r(41) الحوري: أي المنسوب إلى الحوراء، وهي كية مدورة أي المكوي.\r(42) الصالغ من البقر والغنم الذي كمل، وانتهت سنة في السنة السادسة.\r(43) القارح: من ذي الحافر بمنزلة البازل من الإبل.\r(44) القاموس المحيط (مادة قرش).\r(45) المقل: ثمر الدوم.\r(46) العربية، ص 15.\r(47) مقدمة (العربية)، ص 9.\r(48) مقدمة (العربية)، ص 8.\r(49) دور اللسان لخليل أحمد، ص 106.\r(50) المؤلفات الكاملة للأرسوزي، المجلد الثاني ص 188.\r(51) في لسان العرب: \"المفضل: كان العرب تقول في الجاهلية للمحرم (مؤتمر) ولصفر (ناجر)، ولربيع الأول (خوان) مادة (نجر).\r(52) دور اللسان، ص 106.\r(53) الحجة، ج 1، ص 4.\r(54) المصدر السابق، ج 1، ص 302.\r(55) المصدر السابق ج 1 ، ص 308.\r(56) متخير الألفاظ، ص 59.\r(57) المصدر السابق، ص 59.\r(58) المصدر السابق، ص 59.\r(59)العربية، ص 149.\r(60) المصدر السابق، ص 243.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"(61) مقدمة ابن خلدون، ص 555\r(62) المصدر السابق، ص 554.\r(63) فقه اللغة، ص 479.\r(64) المصدر السابق، ص 577، 578.\r(65) المصدر السابق، ص 479.\r(66) نهج البلاغة، ص 254.\r(67) العربية لوهان فك، ص 242.\r(68) فقه اللغة، ص 2.\r(69) المصدر السابق، ص 3.\r(70) المصدر السابق ص 3.\r(71) أساس البلاغة، خطبة المؤلف، ص: ك.\r(72) أساس البلاغة، ص: ك، ل.\r(73) فليت: في اللغة: فلى يفلي الشعر أي تدبره، وفتش عن معانيه وغريبه.\r(74) القراضبة: الصعاليك، جمع قرضوب.\r(75) ذرو: ظرف، وعنده ذرو من كذا، أي عنده حظ.\r(76) البيان والتبين، ج 1 ص 17.\r(77) المصدر السابق، ج 1 ص 18.\r(78) المصدر السابق، ج 1 ص 20.\r(79) المصدر السابق، ج 1 ص 19.\r(80) المصدر السابق، ج 1 ص 18 ـ 19.\r(81) المصدر السابق، ج 1 ص 272.\r(82) الجرم: الحلق.\r(83) جسأ: صلب ويبس.\r(84) في فلسفة اللغة للأسوزي، ص 36: ودور اللسان، ص 179.\r(85) مقدمة ابن خلدون، ص 546.\r(86) المصدر السابق، ص 548.\r(87) المصدر السابق، ص 553.\r(88) المصدر السابق، ص 553.\r(89) المصدر السابق، ص 555.\r(90) المصدر السابق، ص 556.\r(91) المصدر السابق، ص558.\r(92) خزانة الأدب (تقديم أبي بكر)، ص 5.\r(93) تحت راية القرآن، ص 22.\r(94) المصدر السابق، ص 51.\r(95) تحت راية القرآن، ص 51.\r(96) المصدر السابق، ص 52.\r(97) المصدر السابق، ص 39.\r(98) المصدر السابق، ص 31، 39، الفئام: الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظه، وتجمع على فؤم.\r(99) المصدر السابق، ص 46.\r(100) المصدر السابق، ص 47.\r(101) المصدر السابق، ص 49، 50.\r(102) تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي، ص 300.\r(103) تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي، ص 125، 186.\r(104) المصدر السابق، ص 187، 248.\r(105) تهذيب المقدمة اللغوية، ص 33.\r(106) دور اللسان في بناء الإنسان، ص 322.\r(107) المصدر السابق، ص 87، 88.\r(108) المصدر السابق، ص 148، 174.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"(109) المؤلفات الكاملة، المجلد الأول، 219.\r(110) في دور اللسان توضيح لهذا اللفظ \"عن نشأة اللسان، فهو بدائي، وبدئي، وأصيل، ويعني بالبدء أن اللغة نسيج وحدها، فريد ة ليست لها مثيل بين لغات العالم، ويعني بالأصالة أنها طبيعية منذ فجر تكونها حتى تكونها حتى غاية مرتقاها\" ص 129.\r(111) المؤلفات الكاملة، المجلد الأول ص 367.\r(112) نحو جديد، ص 12.\r(113) الرافعي: تحت راية القرآن، 51.\r(114) الموسم الثقافي الأول لمجمع اللغة العربية الأردني، ص 137 ـ 143.\r(115) المصدر السابق، ص 137.\r(116) المصدر السابق، ص 139.\r(117) مجلة مجمع اللغة العربية لمجمع اللغة العربية الأردني، العدد 27 سنة 1405 هـ ـ 1985 م.\r(118) العربية ليوهان فك، ص 241.\r(119) المصدر السابق، ص 242.\r(120) المصدر السابق، ص 242.\r(121) معجم الأخطاء الشائعة، ص 5.\r(122) العربية ليوهان فك، ص 242.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"الحَرفُ العَرَبي بَين الأصَالة والحَداثة - حَسن عَبّاس1\r\nأولاً -تمهيد وتوضيح:\r\nلي دراسة لغوية موسعة أنجزتها ولمَّا تنشر تحمل عنوان \"الحرف العربي والشخصية العربية\"، قد تناولت في هذا المقال بعضاً من مسائلها مما يدور حول أصالة الحرف وحداثته.\r\nولكن قبل أن أتحدث عن (الأصالة والحداثة) في الحرف العربي أرى أن ألقي أولاً بعض الأضواء حول تعامل الناس معهما، كيما أضع مفهوم كل منهما في إطاره (الثقافي -الاجتماعي) العام.\r\nفالعلاقة بين الأصالة والحداثة) قد تعرضت عندنا ولا تزال تتعرض للمزيد من النقاش والجدل على شتى الأصعدة وفي مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية، سواء في الشعر أو اللغة أو العادات والمعتقدات والتقاليد...\r\nفما أكثر الأقلام والألسن الواعية وغير الواعية، التي تصدت لهذه العلاقة بينهما باعتبارها مشكلة الإنسان العربي المعاصر.. ومع التسليم بأنها كذلك، فهي ليست وليدة عصرنا هذا وان كانت بالفعل من أهم قضايانا المصيرية وأخطرها.فموقفنا نحن من الأصالة والحداثة إنما هو كموقف شعوب العالم منهما على مر التاريخ. فكل ظاهرة تطور في أي المجالات الثقافية أو الاجتماعية أو العلمية، كانت في كل مكان وزمان هي بالذات موضوع خلاف ومثار جدل بين أصحاب (الأصالة والحداثة)، كما كانت أيضاً محرضاً على النزاع بينهما في شتى المجالات الأخرى.\rفالبعض يتمسك بالتراث الموروث باسم الأصالة لأسباب من قوة الاستمرار، أو الألفة والقداسة أو تحجر الفكر، أو الحفاظ على المواقع بالمكتسبة في ظله، فيتنكر لكل حداثة وتجديد. والبعض الآخر يستعين بالمستجدات الحديثة لزحزحة التراثيين عن مواقعهم زحاماً على المكاسب والمغانم. اختلاف في المواقف كان من ضحاياه المستضعفون من أصحاب الحداثة والأصالة على حد سواء.\rعلى أن البعص الثالث من المستنيرين الأحرار، كان يصالح بين الأصالة والحداثة في معادلة ذكية تجمع بين محاسنهما وتستبعد شوائبهما سلماً أو حرباً. ومن معادلة إلى أخرى أذكى وأشمل في شتى المعارف والعقائد والعلوم، أوجدوا عصراً متطوراً مستنيراً بعد عصر. وهكذا الأمر حتى انتهينا اليوم إلى هذا الوعي المعاصر المتماسك اللامحدود، محصلة محاولات موفقة لا حصر لها من التصالح والتآخي بينهما في شتى المجالات، مما يشير إلى وحدة الوعي في الوجود.\rولذلك فإن أصحاب (الأصالة والحداثة) في أي مجال، إذا لم يعتمدوا ما توصل إليه الوعي المعاصر في شتى القطاعات الاجتماعية والثقافية والعلمية، تظل بحوثهم ومواقفهم قاصرة بمسافة ما يبتعدون عنه غفلة أو تغافلاً. وبالمقابل، فإنهم بمقدار ما يعتمدون هذا الوعي، تتاح لهم الفرص المواتية كيما يكشفوا عن جذور (الأصالة) أعمق وأصدق، ويلائموا بينها وبين (الحداثة) على الواقع الراهن بما هو أشمل وأحكم.\n","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"فالمآخذ التي تعرضت لها دراسات أصحاب (الأصالة والحداثة) في الحرف العربي مثلاً، تعود إلى عدم اعتمادهم ما استجد من العلوم التاريخية والأثرية والصوتية والجمالية والنفسية والفلكية والجيولوجية. وما أبريء دراستي من هذا المطعن ذاته.\rفبين الأصالة والحداثة حوار أبدي، هو حصاد حيوية وعصارة جهد ومحرض تطور ومخاض ولادة، لولاه لبهتت الحياة وتاهت: رتابة قديم لا جديد له، وانفلات حديث بلا ضوابط.\rفالأصالة فيما أرى، ليست قديم أمسنا ولو كان من تراثنا العريق، وانما هي ما قبل قبله نتخذ منه سلماً للعودة بنا إلى أصول أصالته، إلى يوم استجاب الإنسان العربي به عفو فطرته السوية للتحديات البيئية والإنسانية التي اعترضته في مسيرته الحياتية، مرحلة متطورة بعد مرحلة، معتمدين في رحلتنا الطويلة هذه ما يتاح لنا من شتى المعارف والعلوم.\rكما أن الحداثة ليست جديد يومنا مما يتعارض مع قديم أمسنا، ولو اعتراه البلى.\rوانما هي وعي جديد للأصالة، وصياغة مثلى لها في عملية إبداع تتلاءم مع واقع كل مرحلة متطورة من مراحلنا في شتى المجالات.\rوهكذا فالحداثة، هي وعي متطور من نسيج الأصالة نوظفه فيما يلائم واقعنا سداً لحاجاتنا، تتصالح فيه متطلبات الحرية مع شروط الالتزام. فلا تجتث الحداثة جذورنا التراثية، فنضيِّع هويتنا ونفقد مقومات شخصيتنا، ونصبح ريشة باهتة في مهب الأعاصير، ولا يعيق التراث حركة تطورنا الإنساني وتقدمنا الحضاري، فيسحقنا تطور الآخرين وتقدمهم.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"ولذلك لا بد أن نقيم حواراً هادئاً نزيهاً بين الأصالة والحداثة في شؤوننا (الثقافية والاجتماعية) تراعى فيه القيم الجمالية والإنسانية، فتتحرر الأصالة في ميادينه من شوائبها، ومما انتابها في عصور انحطاطنا من الترهل والجمود. وبذلك تستعيد الأصالة نضارتها في قوام حضاري غض رشيق. كما أن الحداثة تزهو مع هذا الحوار وتزدهر في رعاية الأصالة، برصانة تحميها من الميوعة والانحلال، وبضوابط تقيها من الانحراف والشطط.\rثانياً: وإذن ماذا عن أصالة الحرف العرب وحداثته؟\r1-حول أصالة الحرف العربي:\rآخذاً بما عرضته آنفاً عن المفهوم العام للأصالة يمكنني تعريف أصالة الحرف العربي بما يلي:\rتتجلى هذه الأصالة أولاً في الخصائص الفطرية التي اكتسبها الحرف العربي عبر مسيرته مع الإنسان العربي منذ نشأتهما الأولى قبل التاريخ في الجزيرة العربية. فظلا يتفاعلان هناك مع بعضهما البعض ومع الطبيعة والمجتمع والحس والنفس مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة، إلى أن استوفيا شروط نضجهما شعراً وبطولة في العصر الجاهلي، وفصاحة وبلاغة وقيماً مثلى في القرآن الكريم.\rكما تتجلى هذه الأصالة ثانياً، في أن الخصائص الفطرية للحرف العربي لا تزال عالقة به حتى يومنا هذا، فكان المعنى التراثي للكلمة العربية المعاصرة هو محصلة خصائص الأحرف التي تشارك في تركيبها.\rوهكذا فإن أصالة الكلمة العربية مرتبطة بأصالة الحرف العربي. هو الأصل وهي الفرع. فلولا أصالته لانعدمت فطرتها. ولكن لو لم تحافظ هي على فطرتها لضاعت أصالته، كما وقع للكلمة وأحرفها في اللغات الأجنبية.","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"ولكن علماء العربية القدامى والمحدثين ممن قالوا بفطرية اللغة العربية قد تعاملوا جميعاً مع الحرف العربي بصور مباشرة أو غير مباشرة على أنه هو الفرع والكلمة العربية هي الأصل. لا يجرح حكمي هذا أن قال بعضهم بأن الحرف العربي هو أصل العربية، مثل (العلايلي) وغيره. ولكن القول شيء والتعامل شيء آخر. فبدل أن يسعوا إلى استخلاص معاني الكلمة العربية بالرجوع إلى خصائص أحرفها، حاول معظمهم استخلاص معاني الحرف العربي بالرجوع إلى معاني بعض الكلمات التي يتصدرها، وقليل من لجأ منهم إلى التي يقع الحرف في آخرها. (محمد عنبر) ونظريته جدلية الحرف العربي (1).\rولما كانت خصائص كل حرف تتغير وفقاً لطريقة النطق بصوته: مشدداً عليه ومفخماً في أول الكلمات أو مرققاً ومنعماً ومخففاً في نهايتها، أو بين بين في وسطها، فقد كان لا بد من أن تغيب عنهم جميعاً، ليس معظم الخصائص الفطرية للحروف العربية فحسب، وانما معظم معانيها أيضاً. فتعذر عليهم بذلك الكشف عن أصالة الحرف العربي في خصائصه، ليتعذر عليهم أيضاً استخلاص معاني الكلمات العربية بالرجوع إلى معاني حروفها.\rولئن أصابوا جميعاً في بعض الأمثلة المختارة التي ضربوها، فلقد أخطأوا جميعاً في بعضها الآخر. (كما سيأتي في مقال لاحق بشيء من التفصيل).\rوهكذا فإن اعتبار الكلمة العربية هي الأصل والحرف فرعاً منها قد أخذ بمعظم علماء العربية القائلين بفطرتها إلى البحث أولاً عن معانيه، وليس عن خصائصه. فكان هذا الاعتبار هو العقبة الأولى في طريقها إلى أصالة الحرف العربي وحداثته. هذا مع الإشارة إلى أن الكثير منهم لم يعنَ باستخلاص معاني الحروف العربية. كما أن بعضهم حاول استخلاص خصائص بعض الحروف بالرجوع إلى صدى صوت الحرف في النفس، مثل (ابن جني والأرسوزي). ولكنهم لم يلاحقوا تأثير خصائص الحرف في معاني جميع الكلمات التي يشارك في تراكيبها للكشف عن معانيه، فغابت عنهم معظم خصائصه ومعظم معانيه.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"ولكن قبل أن يتشعب الحديث بنا عن هذه العقبات، أرى من المفيد أن أبداً أولاً بتعريف حداثة الحرف العربي.\r2-فماذا عن حداثته؟\rتتجلى حداثة الحرف العربي في الأمور التالية:\rأ-استخدام خصائصه الفطرية لتحديد المعنى الفطري للكلمة العربية التي يشارك في تركيبها، وهو حسي في الأصل قد تفرع منه المعنى المجرد لعلاقة معنوية بينهما، كما في:\r\"الشرف من الشرفة، والصلاة من الصلة، والعقل من العقال..\" إلى آلاف الأمثلة.\rب-الاحتكام إلى خصائص الحروف العربية في كل خلاف وقع أو يقع حول معاني أي مفردة عربية وحول أصول استعمالاتها، سواء في المعاجم اللغوية، أو في قطاعات (حروف المعاني والضمائر وأسماء الإشارة وما إليها).\rج-إبداع ما نحتاجه من الكلمات للتعبير عن المعاني العصرية المستجدة في شتى المعارف والعلوم بما يتوافق مع خصائص أحرفها حفاظاً على أصالتها، مع أخذ دلالة موازين الكلمات بعين الاعتبار.\rد-تصحيح الكلمة المصحفة بإعادة الحرف الذي بدل منها بما يتوافق مع معناها الفطري.\rوما أحسبني مبالغاً ولا مغالياً لو قلت أن خصائص الحروف العربية هي الحارس القوي الأمين الذي حمى ويحمي أصالة اللغة العربية من كل هجانة واصطلاح، ومن كل غزو ثقافي مضاد. ولقد بلغ القرآن الكريم قمة البلاغة والفصاحة في تعامله مع خصائص الحروف العربية الفطرية، ليس تعبيراً عن معانيه فحسب، وإنما توضيحاً لقيمه أيضاً، مما لم نجد له مثيلاً في شعر أو نثر، وما لم ينتبه إليه أحد حتى الآن. كما لحظت ذلك في استعماله أحرف: النون في (نازع) والخاء في (خاصم) والغين في (غفر) والعين في (عفى) والشين في (شكر) والحاء في (حمد) ومشتقاتها بما يتوافق مع موحياتها الصوتية.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"ونظراً لأن خصائص الحروف العربية هي المحور الذي تدور حوله مسائل هذا المقال، لا بل وكل مسألة تتعلق بأصالة اللغة العربية وفطرتها، أرى من المفيد أن أمهد للقارئ بإلقاء بعض الأضواء عليها هنا قبل أن ندخل في متاهات العقبات التي وقفت في طريق علماء العربية إلى أصالة الحرف العربي وحداثته.\r3-فماذا عن خصائص الحروف العربة:؟\rان الحروف العربية من حيث خصائصها، فيما خلصت إليه من دراستي عن (الحرف العربي والشخصية العربية) موزعة بين ثلاث فئات، هي: (الهيجانية والإيمائية والإيحائية).\rوهذه الخصائص هي أصول معاني الحروف العربية.\rولكن كيما نستطيع اكتشاف كل حرف من كل فئة منها، لا بد من النطق بصوته مفخماً وبشيء من التأني، فتتضخم بذلك خصائصه الخفية، وتتوضح في سمع القارئ وفي نظره. وذلك على مثال ما نضع الأشياء الدقيقة تحت عدسة المجهر، فتتضح أجزاؤها التي يتعذر رؤيتها بالعين المجردة.\rلم أقتبس هذا التقسيم من أحد. فكان لاكتشافه قصة من نسيح المنطق والمعقولية على الواقع اللغوي بلا استشفافات ولا استشراقات، سأسردها بشيء من التفصيل في موقعها من هذا المقال.\rفماذا عن هذه الفئات؟\rأ-الأحرف الهيجانية:\rهي (الهمزة والألف اللينة والواو والياء). قد ورثناها عن العهود الغابية التي مرَّت على الإنسان العربي في الجزيرة العربية، وانتهت بنهاية العصر الجليدي الأخير حوالي الألف 12) ق. م.\rفالهمزة انفجار صوتي يثير انتباه السامع، فاستعملها العربي في مقدمة معظم أحرف النداء. كما يدل صوتها الانفجاري على الحضور والظهور والبروز، فتصدرت ضمائر المتكلم والخاطب وما إلى ذلك. والألف امتداد صوتي يشير إلى فوق. والواو تدافع صوتي يشير إلى الأمام والفعالية. والياء حفرة صوتية تشير إلى تحت والنسبة.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وقد استخدم العربي هذه الفئة من الحروف ببراعة فائقة في قطاعات (حروف المعاني والضمائر وأسماء الإشارة..) بما يتوافق مع خصائصها الهيجانية. ولم ألحظ أن أحداً قد أشار إلى الخصائص الهيجانية في الحروف العربية سوى (الأرسوزي). ولكنه أسندها إلى أحرف \"الخاء في آخْ والنون في أنْ والهاء في آهْ\"، وهي أحرف إيحائية لا هيجانية. أما (الهمزة والألف) فقد أسند إليهما خاصية الحركة في ضمير المتكلم (أنا): (المجلد الأول من مؤلفاته الكاملة (2) ص 311 + 151 + 236). ولنا عودة إلى هذا المثال عند الحديث عن الأرسوزي.\rب-الأحرف الإيمائية:\rهي (الميم –اللام –الفاء –الثاء –الذال). وقد ورثناها عن المرحلة الزراعية التي تلت المرحلة الغابية وانتهت حوالي الألف (9 –8) ق. م وكانت الزعامة في هذه المرحلة للمرأة الأم (الزراعة). قد فرضت عبادتها على الرجل: ربة للخصوبة تارة، وربة للزراعة تارة أخرى. فأبدعت الأصول الحركية لهذه الأحرف خصيصاً للتعبير عن حاجاتها الأسروية والمنزلية والمهنية في المرحلة الزراعية.\rولم يهتد أي من علماء العربية وفقهائها إلى الخصائص الإيمائية لهذه الأحرف التي تتجلى في طريقة النطق بأصواتها. فلم يفيدوا من هذه الخصائص في تحديد معنى أو استعمال أي مفردة عربية.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"فصوت (الميم) المفخم يبدأ تشكله بضم الشفة على الشفة بشيء من التأني حبساً للنَّفس، ثم يكتمل بانفراجهما عن بعضها البعض. وهاتان الحركتان الإيمائيتان تمثلان أحداث (المص والرضاع والحلب والاستخراج من الأشياء المجوفة). فكان لهذه المعاني (33) مصدراً جذراً تبدأ بها عثرت عليها في المعجم الوسيط وهو مرجعي في كل إحصاء. فأطلقوا على الأم المرضع (ما –ما) ثم أطلقوها على كل (أم) أمرضعاً كانت أم غير مرضع. وقد تسربت هذه اللفظة يقيناً إلى اللغات الغربية. ثم تحولت (مّا) الزراعية إلى (أم) الفصيحة في المرحلة الشعرية، تخلصاً من (غوغائية) الأحرف الجوفية (ا –و –ي) (تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي (3) –ص 50 –51).\rأما صوت (اللام) المفخم فيبدأ تشكله في المرحلة الأولى بإلصاق اللسان بسقف الحنك، بما يضاهي حالات الالتصاق والتماسك. فكان لهذه المعاني (82) مصدراً تبدأ بها. ثم يكتمل تشكل صوتها بانفراج اللسان عن سقف الحنك. وفي حال تكرار هاتين الحركتين، فإن تلاعب اللسان بصوت (اللام) يضاهي أحداث المضغ واللوك واللحس ومتعلقات الأطعمة.\rفكان لهذه المعاني (المطبخية) المتعلقة باختصاص المرآة آصلاً (53) مصدراً تبدأ بها. وهذه المعاني (المطبخية) الفطرية، أعرق في الزمن من معاني التماسك والإلصاق الحضارية.\rوهكذا الأمر مع (الفاء) لمعاني الشق والحفر والتوسع والانفراج. و(الثاء) للخصائص الأنثوية و(الذال) للخصائص الذكورية.\rج‍الأحرف الإيحائية:\rهي ما بقي من الحروف العربية. قد ورثناها عن مرحلة رعوية رائدة بدأت في الجزيرة العربية منذ الألف ( 9 –8) ق. م تحت زعامة الرجل.\rتتجلى خصائص هذه الفئة من الحروف في صدى أصواتها في النفس تعبيراً عن معانيها.\rولقد انتبه علماء العربية جميعاً ممن قالوا بفطرة اللغة العربية إلى الخصائص الإيحائية لبعض الحروف، ولكنهم عمموها اعتباطاً على سائر الحروف.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"فمما قاله (ابن جني) في توضيح كيفية قيام العربي بإبداع كلماته تعبيراً عن معانيه:\r(حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث. كما قال أيضاً: \"سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد\" بمعنى أن العربي كان يصور الأحداث بأصوات الحروف. فيضع الحرف الأول بما يضاهي أول الحدث، ويضع الحرف الثاني بما يضاهي وسطه، والثالث بما يضاهي نهايته. وضرب لذلك أمثلة موفقة في (بحث –قدر –قطر –قتر -شدّ –دشَّ) (الخصائص (4) ج2 ص 162 163).\rومما قاله الأرسوزي: أن معنى الحرف هو صدى صوته في الوجدان، (أي النفس).\rعلى ان ما عرضناه آنفاً من تعامل القائلين بفطرة اللغة العربية مع خصائص الحروف الإيحائية قد اقتصر على بعض خصائص بعضها في لمح ذكية لا ترقى إلى النهج العلمي عمقاً وشمولاً. وذلك لأنهم اعتبروا الكلمة العربية هي الأصل، والحرف العربي فرعاً منها. فكان هذه الاعتبار هو أصل العقبات جميعاً إلى (أصالة الحرف العربي وحداثته).\rثالثاً: فماذا عن العقبات إلى أصالة الحرف العربي وحداثته؟\rالعقبة الأولى: تبعية الحرف العربي للكلمة العربية:\rهي من أهم العقبات وأصلها جميعاً. تتجلى في اعتماد علماء العربية (معاني) الكلمات لاستخلاص معنى الحرف الذي يقع في أولها أو في آخرها، ثم يعتمدونه في تحديد معانيها.\rوذلك بدلاً من اعتماد (خصائص) الحروف التي تشارك في تراكيبها لتجديد معانيها بصورة مباشرة. فماذا إذن عن الفروق بين معاني الحرف العربي وخصائصه؟\rسأقتصر في حديثي هنا على الخصائص (الصوتية) للحروف العربية التي اهتدى كثير من علماء العربية إلى بعضها، تاركاً الحديث عما لم يفطنوا إليه من خصائصها (الهيجانية والإيمائية) إلى مناسبة أخرى. ان الخصائص الصوتية لأي حرف هو: \"صدى صوته في النفس\" كما مرَّ بنا. وهذا الصدى يوحي بمعنى معين لا بل وبعدد من المعاني. فصوت (الشين) يوحي بالتفشي والانتشار والجفاف وهكذا (الصاد) للصقل والصفاء والصلابة.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"و(الزاي) للحدة والاهتزاز والانزلاق و(النون) للرقة والأناقة. فكان لخصائص كل حرف نسبة مئوية ملحوظة من معاني المصادر التي يشارك في تراكيبها.\rولكن علماء العربية القدامى منهم والمحدثين ممن تعاملوا مع معاني الحروف كانوا غالباً ما يستعرضون معاني بعض الكلمات التي يتصدرها حرف معين، وليس كلها كلما أسلفنا.\rفإذا وجدوا أن ثمة رابطة حسية أو معنوية ظاهرة تجمع بينها، اعتبروا هذه الرابطة هي معنى الحرف ذاته. ولكن دون أن يربطوا صراحة بين هذا المعنى وبين خصائصه الصوتية.\rفمعظم علماء العربية القدامى والمحدثين، قد لاحظوا رابطة (الغؤور والخفاء الغيبوبة) في معاني الكلمات التي يصدرها حرف (الغين)، كما في (غرق –غاص –غاض –غطس –غرب –غاب –غطش –غبش –غلَّ –غمض –غام –غفل –غدر –غبى..). فقالوا عن هذه الرابطة من الغؤور والخفاء والغيبوبة) هي معنى (الغين). ولكن أحداً منهم لم يسندها صراحة إلى خاصية (الغمغمة) في صوتها بمن فيهم (الأرسوزي)، الذي قال بأن (الغين) للغيبوبة والغموض (المجلد الأول من مؤلفاته الكاملة (5) ص 87 –88). فخاصية (الغمغمة) في صوتها توحي فعلاً، بالغموض والخفاء، وبما يتفرع عنهما من معاني الظلام والسواد والغيبوبة الحسية والمعنوية في (76) مصدراً جذراً تبدأ بها لهذه المعاني. ولكنهم لو اعتمدوا خصائصها الصوتية في تقصياتهم عن معانيها، لعثروا أيضاً على (22) مصدراً جذراً لمعاني (الاضطراب والبعثرة والتخليط) بما يتوافق مع خاصية (الاهتزاز وبعثرة النفس) في صوتها.\rوهكذا الأمر مع الحروف الأخرى التي استخرجوا بعض معانيها، من حيث عدم توضيح هذه الرابطة الفطرية بين الخصائص الصوتية للحروف وبين معانيها إلا في بعض اللمح الذكية كما في قول (ابن جني) في خصائصه: في الخاء رخاوة وفي القاف صلابة.\rفقالوا خضم للرطب وقضم لليابس\" (الخصائص (6) ج2 ص 157).","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وعلى كل حال فمن الثابت أن علماء العربية لم يعتمدوا الخصائص الصوتية للحروف العربية (صدى أصواتها في النفس) في تقصياتهم عن معانيها بالرجوع إلى معاني الكلمات التي تتصدرها جميعاً.\rوهكذا/ قد خفيت عنهم الرابطة الفطرية التي تجمع بين معاني الكلمات التي يتصدرها حرف معين وهي (حسية) في الغالب، فلا يبحثون عن معناه في المصادر الأخرى التي يقع في آخرها ووسطها. ويبقى مثل هذا الحرف لديهم وكأنه بلا معنى، فيهملونه. ما شذَّ عنهم سوى (العلايلي) الذي اتبع نهجاً خاصاً شديد التعقيد كان محفوفاً بالمزالق والمخاطر، بمعرض قيامه بتحديد معاني الحروف العربية جميعاً ولكن بالرجوع إلى (النصوص المحفوظة)، وليس إلى خصائصها الصوتية فأصاب حيناً وجانبته الدقة أحياناً. وبذلك تبقى الكلمة العربية لدى (العلايلي) في التعامل كما لدى غيره، هي الأصل والحرف العربي هو الفرع.\rوهكذا، فأن انصراف علماء العربية وأساتذتها عن الخصائص الصوتية للحروف العربية يعود إلى معالجتهم مسألة أصالة الحرف العربي في ظل الكلمة العربية، باعتبارها هي الأصل، وهو الفرع فحتى الأرسوزي الذي ابتكر التعريف الفلسفي –النفسي لمعنى الحرف العربي بأنه: \"هو صدى صوته في الوجدان\" قال \"الكلمة هي ملكوتي\" (المجلد الأول ص 9). ولم يستطع هو ولا غيره الإفلات من هذا الملكوت. وهذا ما حال دون اهتدائهم إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها جميعاً.\rفكيف تجاوزت هذه العقبة؟\rلقد اعتبرت الحرف العرب هو الأصل والكلمة العربية هي الفرع. فهو الأقدم منها بآلاف الأعوام، إن لم أقل بمئات ألوفها. كما اعتبرت خصائص الحرف العربي، تبعاً لذلك هي الأصل، وان معانيه المستفادة من معاني الكلمات التي يشارك في تراكيبها هي الفرع.\rفكيف تعاملت مع خصائص الحروف العربية ومعانيها؟\rتبسيطاً للحديث، سأظل هنا مع علماء العربية أيضاً في نطاق الخصائص (الصوتية) للحروف العربية بعيداً عن خصائصها (الهيجانية والإيمائية).","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"فلو أخذنا (الهاء) وفخمنا صوتها لوجدنا أنه يوحي (بالاهتزاز والاضطراب)، وهما من خصائصها الصوتية. ولو استعرضنا معاني الكلمات التي تتصدرها لوجدنا أن بعض معانيها قد توافق مع خصائص (الهاء) الصوتية الحسية في الاهتزاز من (اهتراء وتخريب واهتزاز وقشر وهدم وتهشيم) في (62) مصدراً جذراً لهذه المعاني. أما البعض الآخر منها فقد توافق مع خصائصها الصوتية في الاضطراب، من \"أمراض نفسية واضطرابات عقلية وعيوب أخلاقية وتشوهات جسدية\"، وما إلى ذلك من الأصوات والمشاعر الإنسانية الرديئة في (169) مصدراً جذراً تبدأ بها. فكانت (الهاء) بذلك هي (المصحّ) العقلي في اللغة العربية، قد أفرد فيه جناح خاص بالتشوهات الجسدية وذلك على مثال ما كانت (الخاء) حاوية قمامة لرديء المعاني وقذرها وفاحشها.\rوهكذا الأمر مع (الصاد) لموحيات (الصقل والصفاء والصلابة) كصدى صوت له في النفس. ومع (الراء) لموحيات (الحركة والتكرار والتمفصل). ومع (القاف) للقوة والمقاومة. ومع (الشين) للتفشي والانتشار والجفاف، ومع (الطاء) للطراوة والمطاوعة والضخامة.\rولقد قمت بتطبيق هذا المنهج على باق الحروف العربية، في مسح شامل لها ولجميع المصادر التي تبدأ بكل واحد منها بحثاً عن معانيه الفطرية التي تتوافق مع خصائصه الصوتية وغير الصوتية. فإذا كانت نسبة تأثير خصائص الحرف في معاني الكلمات التي يتصدرها تراوح بين (50 –90) في المئة، اعتبرت هذه الخصائص هي من معانيه الفطرية الأصلية. وقد يكون له غيرها مما لم أهتد إليه.\rومهما تكن نسبة تأثير خصائص الحرف في معاني الكلمات التي يتصدرها، فغالباً ما أعمد إلى استعراض معاني الكلمات التي يقع في آخرها أو وسطها. وذلك بحثاً عن معانيه الأخرى التي تتوافق مع خصائصه (الصوتية وغير الصوتية)، والتي لا تظهر إلا في تلك المواقع، كما سيأتي:","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"ولكن يستحسن بي أن أوضح منذ الآن ماذا أعنيه من مصطلحات: (المصدر الجذر، أو المصدر، أو الكلمة، أو اللفظة) التي استعملها عادة بمعرض الحديث عن معانيها.\rفأي مصطلح منها، قد يكون اسماً أو فعلاً، أو واحداً من مشتقاتها، ولكن على أن لا يكون، مولداً بعد عصر التدوين، ولا دخيلاً، ولا مما أقرَّتْهُ المجامع اللغوية، ولا عامياً، ولا اسماً لجماد أو نبات أو حيوان غير مشتق من فعل. وأن يعتمد من سائر معانيه واستعمالاته ما هو ألصق بالفطرة: حسياً أولاً ومعنوياً ثانياً، وغالباً ما أكتفي بحسيّ واحد وذلك كله حرصاً شديداً مني على استخراج الخصائص الفطرية البكر للحروف العربية وفق ما اعتمدها العربي عند إبداع كلماته تعبيراً عن معانيه، بلا شائبة لاحقة ولا شبهة.\rويطيب لي أن أنقل هنا للقارئ كشفاً عن النسب المئوية لتأثير خصائص الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في معاني المصادر الجذور التي تبدأ بها أولاً ثم التي تنتهي بها ثانياً ومرجعنا في ذلك المعجم الوسيط.\rالباء (53) التاء (31 –23). الثاء (54 –56) الجيم (65.5) الحاء (53 –25) الخاء (85 –76) الدال (58) الذال (70) الراء (70 –62) الزاي (73 –57) السين (56 –35) الشين (48 –81) الصاد (86 –16) الضاد (91 –86) الطاء (90) الظاء (94 –95) العين (88 –61) الغين (73 –42) الفاء (73 –17) القاف (50 –63) الكاف (50 –48) اللام (65) الميم (51 –26) النون (76 –60) الهاء (90 –79).\rولقد أمضيت في استخلاص هذه القبضة الصغيرة من الأرقام ثلاثة أعوام ونيف.\rوأما (الهمزة والألف والواو والياء)، وان لم ألحظ أي تأثير يذكر لها في معاني المصادر التي تشارك في تراكيبها، إلا أنها قد فرضت خصائصها (الهيجانية) بصورة خاصة على (حروف المعاني وأسماء الإشارة والكناية والضمائر)، مما منح شخصياتها في هذا القطاع (الصرفي –النحوي) قوة لا يضاهيها في ذلك أي حرف آخر.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"وبهذا المسح الشامل لخصائص الحروف العربية ومعانيها قد تبيّن لي أن لكلّ حرف عدداً من المعاني بحسب مواقعه من المصادر. وذلك لأن خصائصه (الصوتية وغير الصوتية)، تتغير بحسب مواقعه منها.\rولا يضر (شخصية) الحرف العربي المتمثلة في خصائصه، أن تتغير ملامحها بحسب مواقعه من الكلمة. فإن ملامح شخصية كل إنسان تتغير أيضاً بحسب مواقعه في مقدمة الصفوف من المجتمع، أو في آخرها أو في الوسط.\rوهكذا فإن التباس خصائص الحروف العربية بمعانيها تعود إلى أن الفكر اللغوي القديم والجديد قد عالج مسألة أصالة الحرف العربي وحداثته في ظل الكلمة العربية الشاعرة المستوفية شروط نضجها باعتبارها هي الأصل وهو الفرع. فكان لا بد لعلماء العربية وأساتذتها أن يتعاملوا مع الحروف العربية ومعانيها بكثير من المزاجية الشخصية وقليل من الضوابط العلمية.\rأما أنا، فبلجوئي إلى الإحصاء الرياضي، بمعرض استخراج معاني المصادر التي تقع الحروف العربية في أوائلها وأواخرها وأواسطها أحياناً، وبتأمل خصائصها على ألف مهل من التأني والتروي، قد ابتعدت عن الخواطر الشاردة والمزاجية الشخصية، فتجنبت بذلك الكثير من المزالق (السمعية والبصرية والشعورية).\rوسيرى القارئ أن هذه العقبة هي أصل العقبتين التاليتين، لا بل وكل العقبات الثانوية التي حالت بين علماء العربية وأساتذتها، وبين الاهتداء إلى أصالة الحرف العربي (خصائص ومعاني) ومن ثم إلى حداثته.\rالعقبة الثانية –ظاهرة الفوضى في تدوين اللغة العربية:\rلقد ظلت العربية الفصيحة بصيغ مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها وما إليهما سماعية في معظمها يتداولها أبناؤها الخلَّص على سجيتهم عفو الفطرة في بواديهم وحواضرهم على صفحات الذاكرة جيلاً مثقفاً منهم بعد جيل، وبلا تدوين حتى ما بعد نزول القرآن الكريم.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"وعندما بدأ اللحن يتسرب إلى الفصيحة العربية في المجتمع العربي الإسلامي الجديد بفعل الاحتكاك مع شعوب غير عربية، قام في منتصف القرن الهجري الثاني لفيف من العلماء بتدوين (الحديث والفقه واللغة وقواعد الصرف والنحو). وذلك ضبطاً لقراءة القرآن الكريم وغيره على العربية الفصيحة من التلاشي والضياع.\rولما كان التدوين يتناول أصلاً ما هو غير مدون، فلقد كان السماع بداهة هو المرجع الرئيس المعتمد في حركة التدوين. ولكن علماء اللغة بصورة خاصة، حرصاً منهم على سلامة مدوناتهم في شؤون اللغة والصرف والنحو من أي مطعن لحن أو شبهة هجانة، قد اشترطوا فيمن يجوز السماع منه والأخذ عنه ثلاثة شروط رئيسة:\rالشرط الأول:\rأن ينتمي إلى إحدى القبائل التي ظلت مشردة في بواديها وصحاريها، فلم تحتك بغير الأعراب على مدى تاريخها. فأخذوا كثيراً عن (قيس وتميم وأسد) وقليلاً عن (هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين) فقط.\rالشرط الثاني:\rأن يكون خشناً في جلده جلفاً في مظهره، لم يعرف حياة الترف.\rالشرط الثالث:\rأن يكون فصيحاً في لسانه، رجلاً كان أو امرأة. ولا يسمع من أحد ما لم يتوافر فيه الشرطان الأولان. (البلغة في أصول اللغة (7) ص 195 –196).\rوكان أول من نهج من علماء العربية النهج (الرياضي) في جمع شتات كلمات اللغة العربية جميعاً من أفواه (أجلاف) الفصحاء، هو العبقري صاحب الأوزان الشعرية:\r(الخليل بن أحمد الفراهيدي) في كتابه (معجم العين). فكان أول معجم عربي وأول معجم من نوعه في تاريخ اللغات. ثم سار على هذا المنهج (أبو بكر محمد بن الحسن الشافعي 223 –321ه‍) في كتابه (الجمهرة) (البلغة (8) ص 115) وهذا النهج يتلخص فيما يلي:\r1-لقد حصر الكلمات العربية بأربعة أوزان هي (الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي).\r2-ثم أخذ بركب الحروف الهجائية بعضها مع بعض: (مثنى وثلاث ورباع وخماس).","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"مستنفداً بذلك التراكيب النظرية الممكنة من الأوزان الأربعة. فقيل أنها بلغت (412، 305 ،12): (تكوين العقل العربي) (9) لمؤلفه د. أحمد عابد الجابري ص 82).\r3-ثم راح هو وعلماء اللغة طوال قرن من الزمن يستفسرون من (أجلاف) الفصحاء من الكلمات الممكنة التي ركبوها نظرياً فيما إذا كانت قد وردت فعلاً على ألسنة العرب، وما هي معاني ما ورد منها.\rفمن أين تسربت الفوضى إلى حركة التدوين؟\rالمنفذ الأول: لقد التزم العلماء في تدوين اللغة العربية نهج (الفراهيدي) بالانطلاق من الإمكان الذهني إلى الواقعي. فكان تعاملهم مع الحروف الهجائية تعاملاً (رياضياً) بحتاً. وبذلك انقلبت عملية التدوين من جمع اللغة المتداولة فعلاً إلى عملية (التماس سند واقعي لفرض نظري) من أفواه الفصحاء (الآجلاف). (المرجع السابق (10) ص 83).\rولئن كانت لا شبهة تذكر حول الكلمات التي وردت في الشعر الجاهلي، بصورة خاصة، إلا أن هذه الشبهة تحوم حول كثير من غرائب الكلم، مما لم يرد في الشعر. ومما يزيد في الشبهة حول ذلك، أن فصحاء حضريين من غير (الأجلاف) قد تسربوا إلى بوادي الفصحاء (الآجلاف) يتقشفون مثلهم ويخشوشنون كيما يؤخذ عنهم، وذلك سعياً وراء الشهرة المعنوية أو المكافآت المادية السخية. (تكوين العقل العربي (11) ص 84).\rومن هنا بدأ تسرب الفوضى إلى لغتنا.\rالمنفذ الثاني: لقد شملت حركة التدوين أقطار (الحجاز واليمن والشام والعراق) وتمت على أيدي عشرات العلماء من متفرغين وغير متفرغين لهذه المهام نقلاً عن أفواه آلاف (الآجلاف) من الفصحاء طوال قرن كامل من الزمن في رحلات متلاحقة إلى البوادي.\r\"فالكسائي مثلاً يمضي إلى أهل البوادي ومعه (25) قنينة حبر، وظل يكتب ما سمعه من أفواههم حتى نَفَدَ ما عنده. (رصف المباني في شرح حروف المعاني (12) للإمام أحمد بن أحمد عبد النور المالقي ص 56).\rوقد نتج عن ذلك أن يكون للكلمة الواحدة ومشتقاتها المزيد من المعاني والاستعمالات.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"فكان لفعل (حفّ) ومشتقاته في المعجم الوسيط (49) معنى واستعمالاً، بعضها يتعارض مع بعضها الآخر مما لم نجد له مسوغاً من خصائص حرفي (الحاء والفاء) ومعانيهما. وكان لكل من (لا –ما) في (مغني اللبيب للأنصاري) (13) أكثر من (50) معنى واستعمالاً.\rكما نتج عن ذلك أن يكون للمعنى الواحد المزيد من الكلمات. فكان للأسد (470) اسماً وصفة وجاء في (البلغة (14) ص 317) أنها بلغت (600) وكان للداهية (354)، وللسيف (230) وهكذا الأمر مع كثير من المسميات وحروف المعاني. (قاموس إحياء الألفاظ (15) لأسامة الطيبي).\rولئن كان التدوين سماعاً من أفواه (الأجلاف) الفصحاء قد حفظ للغة العربية فطرتها، إلا أن هذه الفطرة قد جاءت مبعثرة على مساحات واسعة من الكلمات والمعاني الحسية لا بل ومتوارية أيضاً خلف ستار من التشابيه والكنايات والتوريات والمعاني المجردة. كما كان للتصحيف البصَري (الكتابي) والسمعي دورهما أيضاً في هذه الفوضى.\rومن هنا جاءت العقبة الثانية في طريق العلماء إلى أصالة الحرف العربي وحداثته.\rفلما كانوا اعتبروا الكلمة العربية هي الأصل والحرف العربي هو الفرع، وحاولوا استخلاص معانيه بالرجوع إلى معاني الكلمات التي يقع في أولها أو آخرها، كما أسلفنا في (العقبة الأولى).\rفلقد كان من المحال عليهم أن يستخلصوا منها معانيه الفطرية جميعاً.\rفأي الكلمات هي الجذر الأصل، وأي معانيها هو الفطري، وأي استعمالاتها هو الصحيح، مما يجوز اعتماده في استخلاص المعنى الفطري للحرف العربي بحثاً عن أصالته؟\rوإنها لمن أعوص المشاكل.\rفعلى الرغم من أن علماء العربية وأساتذتها قد لاحظوا العلاقة الفطرية بين معاني الكلمة العربية وبين الخصائص الصوتية لأحرفها منذ عصر التدوين، إلا أن أحداً منهم لم يقُمْ حتى الآن باعتماد خصائص الحرف العربي للتثبت من معانيه الفطرية بالرجوع إلى معاني الكلمات التي يتصدرها إلا مصادفة أو في أضيق الحدود.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فحتى (الأرسوزي) الذي قال بأن (معنى الحرف العربي هو صدى صوته في النفس)، وأسند إلى (الباء) معاني (البيان والانبثاق والظهور)، وهي صحيحة، لتوافقها مع خاصية الانفجار في صوتها، إلا أنه لم يربط بين هذه المعاني وبين هذه الخاصية، وثمة (47) مصدراً جذراً تبدأ بالباء لهذه المعاني. ولو أنه ربط بينهما لكان بحث أيضاً عما توحيه في النفس خاصية الانفجار في صوتها من معاني (الحفر والبقر والشق والبعج..) إلى (50) مصدراً جذراً آخر لهذه المعاني أيضاً ولكنه لم يفعل، لأنه لم يعتمد خاصية الانفجار في صوتها بمعرض البحث عن معانيها جميعاً.\rفكيف تجاوزت هذه العقبة؟\rلئن كان النهج الذي اتبعه علماء اللغة في عصر التدوين قد أربك المثقف العربي طوال ما بعده من العصور حتى يومنا هذا. وذلك بما ورثنا عنه من كثرة كثيرة في الكلمات للمعنى الواحد، ومن كثرة كثيرة في المعاني للكلمة الواحدة ومشتقاتها، إلا أن هذا النهج العبقري الصحيح قد حفظ للغة العربية أصالتها وفطرتها من الضياع على مدى التاريخ. كما حفظ أيضاً للشخصية العربية مقوماتها الأصيلة على مدى الثقافات الغازية وتقلبات العصور.\rولكن هذه (الفطرة والأصالة) في اللغة العربية قد أطلق عليها أحد المفكرين العرب المعاصرين مصطلح (لا تاريخية) اللغة العربية، كمأخذ إدانة بحقها، وليس كميزة من فضيلة وامتياز.\rفالدكتور (محمد عابد الجابري) من المغرب الشقيق، ينعى على اللغة العربية وعلى العقل العربي في كتابه (تكوين العقل العربي)، هذه الأصالة والفطرة. فيقول بالحرف الواحد:","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"\"... ان (لا تاريخية) اللغة العربية مثلها مثل طبيعتها الحسية، ليست فضيلة فيها ولا مكمناً لفلسفة موهومة خاصة بها وبأهلها يجب استخراجها وإبراز أصالتها.. كلا ان (لا تاريخية) اللغة العربية وطبيعتها الحسية معطى واقعي تاريخي يجب أن ننظر إليه بعين النقد، وليس بعين الرضى والمدح، ان العالم الذي نشأت فيه اللغة العربية، أو على الأقل جمعت فيه.. (عالم حسي لا تاريخي) عالم البدو من العرب الذين كانوا يعيشون زمناً ممتداً كامتداد الصحراء. زمن التكرار والرتابة، ومكاناً، بل فضاء (طبيعياً وحضارياً وعقلياً) فارغاً هادئاً: (كل شيء فيه صورة حسية –بصرية –سمعية). هذا العالم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، ويظل هو هو ما دامت هذه اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين وقيوده (16) (ص 86 –87).\rولنسمعه يقول أيضاً:\r\"ان الأعرابي هو فعلاً صانع (العالم العربي)، العالم الذي يعيشه العربي على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال. بل على مستوى العقل والقيم والوجدان. إن هذا العالم فقير ضحل جاف –حسي –طبيعي لا تاريخي، يعكس ما قبل تاريخ العرب –العصر الجاهلي، عصر ما قبل الفتح وتأسيس الدولة (المرجع السابق (17) ص 88).\rإن تحامل (الجابري) على أصالة اللغة العربية وفطرتها، وما استتبع ذلك من تحامله على العقلية العربية والشخصية العربية، يعود إلى بقائه فوق سطح اللغة العربية (الحسي)، لم ينفذ بوجدانه قيد أنملة واحدة إلى أعماق باطنها (الفني الأخلاقي الشعري) أقوم مقومات (الشخصية العربية). فكان من طبيعة الأمور ألاّ يجد في العالم الذي نشأت فيه اللغة العربية إلا فضاء (طبيعياً وحضارياً وعقلياً) فارغاً هادئاً كما زعم.. فمن يتعامل مع اللغة العربية بعقله صرفاً بلا وجدان يستشف به، لا يمكن أن يجد فيها سوى الفراغ (اللاتاريخي) مهما يبلغ من المعارف والعلوم العقلية.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وعلى الرغم من ذلك فقد أصاب (الجابري) في قسم من أقواله عن عالم البدو ولغتهم:\rكل شيء فيه صورة (حسية –بصرية –سمعية).\rفهذه الشهادة على صحة خصائص اللغة العربية (الحسية –البصرية –السمعية) من ناقد متحامل وان غابت عن ذهنه خصائصها (الفنية –الأخلاقية)، تثبت أصالة اللغة العربية وفطرتها وبداءتها وبداوتها، وإذن فلا هي هجينة لغات كما يزعم بعض المغرضين، ولا كلماتها مصطلحات على معان كما يرى بعض الأبرياء غير الضليعين في خصائص اللغة العربية.\rفهذه الخصائص –(الحسية –البصرية –السمعية) في اللغة العربية هي التي أعانتني على تجاوز هذه العقبة من ظاهرة الفوضى في التدوين بكثير من الثقة والاطمئنان، وان تعددت وتنوعت مزالقها ومخاطرها فكيف كان ذلك؟\rإذا كانت معاني الكلمة العربية محصورة فعلاً في نطاق (الحسي –السمعي –البصري) كما لاحظ (الجابري) وغيره، فإن هذه المعاني تكون بالضرورة محصلة الخصائص (الحسية –البصرية –السمعية) لأصوات أحرفها. مع التذكير بأن لبعض الحروف العربية خصائص شعورية أخرى لم يفطن (الجابري) لها كما في أحرف (الحاء –العين –الهاء –الخاء).\rوإذن لا بد لنا بمعرض البحث عن المعاني الأصيلة للحرف العربي أن نبحث عن المعاني التي تتوافق مع خصائصه الفطرية في المصادر التي يشارك في تراكيبها.\rوهكذا لا نأبه لكثرة مشتقات الكلمة، ولا لكثرة معانيها (الحسية والبصرية والسمعية) والشعورية أيضاً ما دمنا نعتمد خصائص الحرف العربي دليلاً يهدينا إلى الكشف عن المعاني التي تتوافق مع هذه الخصائص في المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها، لتكون بذلك هي من معانيه.\rفثمة فرق كبير في اليسر والدقة، بين أن نبحث عن معنى الحرف الذي يتصدر كلمة معينة في غابة معتمة من معانيها ومعاني مشتقاتها، وبين أن نتخذ من خصائص هذا الحرف قبساً ينير لنا طريقنا في تلك (الغابة) إلى المعاني الفطرية التي تتوافق مع هذه الخصائص.\rوقد يتساءل البعض:","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وإذن ما هو موقفنا من أي مصدر أو مشتق منه لا تتوافق معانيه مع خصائص الحرف الذي يتصدره؟ فهل نعتبره دخيلاً أو معرباً، أو ماذا؟ فأجيب:\rان المعنى الفطري للكلمة العربية هو بالضرورة محصلة خصائص أحرفها ومعانيها. فلكل حرف عربي من المعاني بعدد ما له من الخصائص. ولكن هذه الخصائص تتغير أيضاً بحسب موقع الحرف من الكلمة في أولها أو آخرها أو وسطها، كما أسلفنا.\rففي المصادر التي تبدأ بحرف (النون) مثلاً، عثرت على (165) مصدراً جذراً لمعاني الانبثاق والنفاذ في الأشياء، وعلى مصدرين (اثنين) فقط للاستكانة والاستقرار هما:\r(نام، أناخ) أما المصادر التي تنتهي بـ (النون) فقد عثرت على (34) للاستكانة والاستقرار.\rولم أعثر إلا على اثنين للانبثاق هما (دنّ –عنّ) وواحد للنفاذ في الأشياء هو (طعن).وهكذا لا يجوز أن نقول أن من معاني (النون) في بداية المصادر (الاستكانة والاستقرار) ولا من معانيها في نهاية المصادر (الانبثاق والنفاذ).\rوفوق ذلك، فإن ثمة زحاماً حقيقياً بين خصائص الحروف العربية على معاني كل كلمة.\rفتارة تتغلب خصائص الحرف الأول كما (الباء) للحفر في أول المصادر من (بعج).\rوتارة تتغلب خصائص الحرف الأخير منها كما (النون) للاستكانة والاستقرار في آخر المصادر من (سكن). وكما (الصاد) في الوسط من (عصر) للصلابة والفعالية. ولكن قلَّما تتغلب خصائص الحرف الوسط، وهذا بخلاف ما زعم (محمد عنبر) من أن الغلبة هي دائماً للحرف الأخير، كما جاء في كتابه (مع نقدة جدلية الحرف العربي (18) ص7). وهو مطبوع على الآلة الكاتبة محفوظ في مكتبة الأسد.\rوإذن، عندما تنعدم الروابط بين معنى الكلمة العربية أو مشتقاتها، وبين خصائص أحرفها نكون أمام واحد من الممكنات الثلاثة:\r1-إما أن تكون الكلمة دخيلة غير عربية الأصل.\r2-وإما أن تكون معناها مصطلحاً عليه غير فطري.\r3-وإما أن تكون قد تعرضت أثناء التدوين إلى تصحيف بصري أو سمعي.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"وهكذا تسنح الفرص الطيبة لعلماء اللغة وأساتذتها المعاصرين والآتين لتخليص لغتهم من الفوضى التي لحقت بها في عصر التدوين وما بعده، وذلك باتباع ما يلي:\rأ-أن يهملوا ما استطاعوا تداول أي كلمة وأي مشتق لها لا تتوافق معاني كل منهما مع خصائص أحرفه فيستعيضوا عنهما بالكلمة البديل المناسبة.\rب-أن يهملوا تداول أي معنى لكل كلمة لا يتوافق مع خصائص أحرفها.\rج‍أن يقوموا بتصحيح التصحيف البصري والسمعي في أي كلمة لا تتوافق معانيها مع خصائص أحرفها وذلك بالاستعاضة عن الحرف المصحف بالحرف النظير له كتابة بدون تنقيط أو صوتاً، إذا توافقت خصائصه مع معنى الكلمة التي أصابها التصحيف.\rفما أكثر ما شكا علماء العربية من هذين النوعين من التصحيف كما قيل في كلمة (جرش) لصوت الطير ومعناها الأصلي قشر، فهي مصحفة عن أصلها (جرس). وذلك لأن (الشين) للتفشي والانتشار تناسب القشر، ولأن (السين) الصفيرية تناسب صوت الطير.\r(مولد اللغة للعاملي (19) ص 92 –96 ونشوء اللغة العربية (20) للكرملي ص 23).\rد-أن يعيد أصحاب المعاجم تصنيف مشتقات المصادر الجذور ومعانيها، فيضعوا في المقدمة ما هو حسي منهما، لأنه هو الأصل، ثم المعنوي المجرد المتفرع من الحسي. وأما ما بقي من المشتقات التي لا تتوافق معانيها الحسية والمعنوية مع خصائص حروفها فتوضع في آخر الشروح، ولا يحذفونها حرصاً على تراثنا اللغوي، ولاحتمال الإفادة منها في الدراسات اللغوية المقارنة وغير ذلك.. فعدم تقيد المعاجم، ولا سيما القديم منها بهذا النهج في ترتيب معاني المصادر قد ساهم في حجب الخصائص الفطرية للحروف العربية عن أذهان وأنظار علماء العربية وأساتذتها.\rفباستعراض معاني مادة (فأر) في (لسان العرب لابن منظور) مثلاً، نجده قد بدأ الشرح بقوله:\r\"الفأر معروف، وجمعه فئران وفئرة والأنثى فأرة، وقيل الفأر للذكر والأنثى.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"وبعد أن يستعرض بضعة عشر استعمالاً للفأر ينتهي إلى القول: \"فأر الرجل حَفَرَ حَفْرَ الفأرِ. وقيل فأر بمعنى، حفر ودفن).\rوهكذا قد جعل الحفر متفرعاً من (الفأرة) بينما العكس هو الصحيح. فمن معاني (الفاء) الشق والحفر.\rكما جاء فيه أيضاً حول مادة (فقر). \"الفَقر والفِقر بفتح الفاء وكسرها\" ضد الغنى. وبعد أن يستعرض استعمالات مادة (فقر) لمعاني (ضد الغنى) ولمعاني الفقرة (من العمود الفقري)، في 12 عموداً من المعجم يخلص إلى: \"فقر الأرض –حفرها\". وهذا هو المعنى الحسي الأصل لها.\rفكيف يتسنى للباحث أن يلحظ مع هذه الفوضى في تصنيف المشتقات والمعاني خاصية الحفر والقطع في (الفاء) وان كان ثمة (58) مصدراً تبدأ بها لهذه المعاني.\rولكن أن يلتزم أصحاب المعاجم بهذا التصنيف المقترح: (الحسي أولاً ثم المعنوي المجرد). فتلك مهمة ولا أشق، ولعلي من أخبر الناس بها، ان لم أكن أخبرهم.\rفمن (2931) مصدراً جذراً ومشتقاً تبدأ بحرف (النون) مثلاً ومن آلاف المعاني، قد وقع اختياري على (386)، واعتمدت لكل منها معنى أصلاً واحداً حسياً أو معنوياً، وقليلاً ما اعتمدت معنيين اثنين. وقد اتبعت هذا النهج في تقصياتي عن معاني باقي الحروف في المصادر التي تشارك في تراكيبها. مع الإشارة إلى أنني اعتمدت أحياناً قليلة بعض المشتقات كمصادر.\rفمن (49) مشتقاً ومعنى للمصدر الجذر (حفّ) مثلاً، اخترت (الحفيف) ومعناه صوت مرور الريح في الشجر وهو مشتق. وذلك لأن هذا المعنى هو الأكثر توافقاً مع خاصية الحفيف في صوت (الحاء والفاء) –كما اخترت أيضاً معنى ثانياً له هو (حفّ) الشيء حفافاً، استدار حوله وأحدق به وذلك لأنه الأكثر توافقاً مع إحدى خصائص (الحاء) في الإحاطة والاحتواء.\rكما في (حاط –حوى –حبس –حضن –حصر –حظر –حام –حدق –حمى –حفل –حجر –حاز –حاق –حجز). إلى (53) مصدراً جذراً لهذه المعاني.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"مع الإشارة إلى أنه كان ثمة معان أخرى لهذا المصدر الجذر ومشتقاته تتوافق أيضاً مع الخصائص الصوتية لحرفي (الحاء والفاء)، ومع معاني الاحتواء والإحاطة في (الحاء). ولكن من المستغرب أن يكون من معاني مشتقاته: \"اليباس –الخشونة –تشعث الشعر –القشر –التزيين –ضائقة العيش –النسيج –الذم). إلى كثير غير ذلك مما لا يتوافق مع خصائص حرفي (الحاء والفاء) كان يجب تصنيفها في آخر المعاني وليس في أوائلها وأواسطها كما جاء في المعجم الوسيط.\rوأعتقد أن إنفاق ثلاثة أعوام ونيف لترويض هذه العقبة من فوضى التدوين لم يكن ثمناً باهظاً.\rالعقبة الثالثة: حول ضبابية نشأة اللغة العربية:\rلم يستطع أي من علماء اللغة وسواهم من العلماء أن يكشف عن أصول النشأة البكر لأي لغة أو لهجة في: (التاريخ والطبيعة).\rيقول العلامة (توفار): \"يبدو لنا من الناحية اللغوية وبعد أن أنعمنا النظر في آلاف السنين التي تشكل ما قبل التاريخ أن مشكلة أصول اللغة مستعصية على الحل\". وهذا ما دعا جمعية باريز اللغوية إلى أن تقرر في أول نظام لها عام (1866) عدم السماح بمناقشة أي بحث يتناول أصول اللغة. ولم يرفع هذا الحرمان وان تم خرقه فعلاً (تاريخ علم اللغة (21) لجورج مونين ص 16 –17). وقد نحت الألسنية الحديثة هذا المنحى، فقالت بعدم جدوى البحث عن نشأة اللغات، وعدم وجود علاقة بين معنى الكلمة وأصوات حروفها، فهي مجرد مصطلح على معنى.\rولم يشذ علماء العربية عن هذه العجز بصدد نشأة العربية وان قالوا بفطريتها.\rفمتى بدأت أصولها البكر؟. وفي أي بيئة طبيعية وإنسانية ترعرعت مرحلة حياة بعد مرحلة؟. ثم كيف استوفت شروط نضجها؟.\rلقد تصدى الكثير من علماء العربية ودكاترتها لواحدة أو أكثر من هذه المسائل الثلاث ولكن بلا نتائج مرضية.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"ولو أن واحداً منهم استطاع أن يجيب بدقة، على هذه التساؤلات الثلاثة في تقصياته إذن لكان اهتدى إلى أصالة الحرف العربي في خصائصه الفطرية: (الهيجانية والإيمائية والإيحائية)، وذلك لتعليل طبيعة التواصل اللغوي في المراحل (الغابية والزراعية والرعوية) التي مرَّ بها أبناء الجزيرة العربية عبر التاريخ، بما يتوافق مع مستوياتهم (المعيشية والاجتماعية والثقافية)، وبما يلبي حاجاتهم مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة.\rولكن قدامى علماء العربية كانوا يفتقرون جميعاً إلى علوم (التاريخ والجغرافيا والآثار والجيولوجيا والاجتماع) التي لا بد من الاستعانة بها للرجوع بالإنسان العربي وحروفه إلى ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية. فيهبطون معهما من هنالك مرحلة حياة بعد مرحلة إلى أن استوفيا مقوماتهما (الشخصية) بطولة وشعراً في الجاهلية، وقيماً مثلى وفصاحة وبلاغة في القرآن الكريم.\rأما علماء العربية ودكاترتها المحدثون، وان حظي عصرهم الراهن بهذه العلوم جميعاً وما إليها من علوم (الطبيعة والفلك والنفس والبيولوجيا والأصوات والتشريح ووظائف الأعضاء) وفي رعاية الحاسبات الإلكترونية، مما يتصل بعلم اللغة، فإنهم لم يستثمروا إلا القليل من قليل في تقصياتهم عن نشأة العربية وأصالة حروفها، فجانبهم التوفيق. وما أبرئ دراستي من التقصير. فالبحث عن (أصالة الحرف العربي وحداثته)، إنما هي مهمة فريق متكامل من شتى الاختصاصات العلمية والثقافية طوال أعوام إن لم أقل عشرات الأعوام، وليست مهمة باحث بمفرده مهما يطل العمر به.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وبالمقابل لو أن علماء العربية المحدثين ودكاترتها تعاملوا مع الحرف العربي على أنه هو أصل الكلمة لا فرع منها، فاعتمدوا خصائصه في تحديد معانيها، إذن لكانوا اهتدوا إلى فئات الحروف ذات الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية). ولكانوا صعدوا قسراً عنهم إلى ما قبل التاريخ للكشف عن المراحل الحياتية التي تم فيها إبداع كل فئة منها بما يتناسب مع مستوياتها (المعيشية والاجتماعية والثقافية...) كما أسلفت.\rوعلى الرغم من هذا التطابق المدهش بين خصائص الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) وبين المراحل: (الغابية والزراعية والرعوية) التي مرَّ بها الإنسان العربي في جزيرته: تخلفاً لتخلف، ورقياً لرقي، فإننا نرى لدى (العلايلي) رأياً مخالفاً إلى حد ما. فهو يقول: \".. ومن ثم كان من الخطأ أن نفسر اللغة بتاريخ العرب، وإنما نكون أكثر قصداً إذا فسرنا تاريخ العرب باللغة وستكشف الأيام عن هذه غير يسير\".\r(المقدمة اللغوية (22) ص 164).\rوقد صدقت نبوءته. فها نحن أولاء نرى كيف تم تفسير (تاريخ) العرب باللغة، بكثير من الموضوعية كما قرر (العلايلي)، ولكن قد تم تفسير اللغة بتاريخ العرب أيضاً خلافاً لما زعم.\rفما حصيلة علماء العربية ودكاترتها من تلك المحاولات؟\rبعد تجوالي في ربوع عشرات المراجع اللغوية التي عالجت مسألة نشأة العربية، برصانة وجدية حيناً قليلاً، فدرستها ومحصتها برصانة وجدية أيضاً، وبسطحية ومزاجية أحياناً كثيرة، فتصفحتها على عجل.\rبعد تجوالي ذلك، يحزنني أن أقول بأن أياً منهم لم يتوصل إلى شيء علمي موثوق بصددها.\rفلئن عادوا جميعاً بالعربية إلى ما قبل التاريخ، إلا أن أياً منهم لم يعرج على المراحل الحياتية التي عاشتها في الجزيرة العربية، فغابت عنهم بذلك خصائص حروفها الثلاث، وعزَّ عليهم بصورة عامة تحديد معاني الكلمات بدقة حتى التي اختاروها هم أنفسهم في الأمثلة التي ضربوها.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"كما أن أياً منهم لم يحاول إعادة معاني واستعمالات أي من (حروف المعاني والضمائر وأسماء الإشارة والكناية وما إليها) إلى خصائص الحروف التي تشارك في تراكيبها.\rما شذَّ عنهم سوى (عبد الحق فاضل) مع ضمائر العربية في كتابه (مغامرات لغوي 23) فأصاب قليلاً وجانبه التوفيق كثيراً. (ص247 –265).\rولما كان عرض آراء من تصدى لنشأة العربية من قداماهم ومحدثيهم، بكثير من الموضوعية والإنصاف، وعلى شيء ما من العمق والشمول، سيقتضيني العديد من الصفحات، إن لم أقل العشرات مما لا متسع له في هذه المقال، فإني سأرجئ الحديث عنها إلى مقال لاحق إذا ما اتسع له صدر مجلتنا التراثية الموقرة. وقد اخترت لمشروع هذه المقال مسبقاً عنوان \"الحرف العربي على موائد علماء العربية\"، وربما يصبح عنوان كتيب مستقل.\rولئن لم يتسع المجال للحديث عن (ضبابية نشأة العربية) لدى علمائها، فإنه لا بد من الحديث هنا عن كيفية تجاوزي هذه العقبة الأخيرة استكمالاً للحديث عن تجاوزي العقبتين السابقتين. وذلك كيما أروي للقارئ قصة اهتدائي إلى خصائص الحروف العربية وفاء بالوعد الذي قطعته له.\rفكيف تجاوزت هذه العقبة؟\rلئن كانت تبعية الحرف العربي للكلمات العربية، هي أصل العقبات جميعاً إلى أصالة الحرف العربي وحداثته، إلا أن (ضبابية نشأة العربية) كانت الأعصى على الترويض .\rفما قصتي مع هذه العقبة الحرون؟\rلقد عرضت في (العقبة الأولى) أنني اعتبرت الحرف العربي هو الأصل والكلمة العربية هي الفرع. وانطلاقاً من هذا المبدأ، قد اعتمدت الخصائص الصوتية لكل حرف عربي في البحث عن مدى تأثيرها في معاني المصادر الجذور التي تشارك في تراكيبها.\rفيكون من معانيه ما يتوافق من خصائصه الصوتية مع معاني تلك المصادر بنسب مئوية مقبولة، كما أسلفت بشيء من التفصيل في (الغين).","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"ولكن بعد أن أمضيت قرابة السنتين في استخراج معاني الحروف العربية باعتماد خصائصها الصوتية فحسب، ولدى مراجعتها في إحدى المرات، لفت انتباهي أن خصائص الرقة والضعف والوهن في صوت (الفاء) كما يقول عنها (ابن جني) في خصائصه، لم يؤثر إلا في (21) مصدراً جذراً بها من أصل (221)، بما نسبته أقل من (10%).\rفتساءلت:\rلماذا شذَّ هذا الحرف عن غيره من الحروف العربية، وقد راوحت نسب تأثير خصائصها الصوتية في معاني المصادر التي تقع في أولها وآخرها بين (50 –90) في المئة، باستثناء قلة من الحروف كما أسلفت؟\rوبإعادة تدقيق المعاني الحسية الأصل لهذه المصادر جميعاً، لاحظت أن ثمة (58) منها المعاني (الشق والفصل والحفر)، يتطلب أحداثها من القوة والشدة ما يتعارض مع صدى صوت (الفاء) الواهي في النفس.\rكما عثرت أيضاً على (48) مصدراً لمعاني (الانفراج والتباعد والتوسع)، وعلى (14) لمعاني (البعثرة والتشتت والانتشار) مما لا يتوافق أيضاً مع صدى صوت (الفاء) في النفس.\rوبعد تكرار النطق بصوت (الفاء) مفخماً، وتأمل طريقة النطق به على فترات متقطعة من الأيام وربما الأسابيع (لم أعد أذكر)، تبين لي أخيراً أن هذه المعاني تتوافق مع الحركات (الإيمائية التمثيلية) التي ترافق مراحل إصدار صوتها، مما لا علاقة له بصداه في النفس. وكان مفاجأة مذهلة.\rفالنطق بصوت (الفاء) مشبعاً مفخماً، كما كان يلفظ في المراحل اللغوية البكر، يتم على ثلاثة مراحل:\rالمرحلة الأولى:\rتبدأ بضرب الأسنان العليا خفيفاً على الشفة السفلى حبساً للنفَس، مما يضاهي ضربة بعظم حيواني أبيض على أرض طرية. فكان لهذه المرحلة (58) مصدراً لمعاني (الحفر والشق والفصل والقطع) كما في: (فأس –فأى –فأر –فقر –فلع –فثغ –فدغ –فلق –فرخ –فطم –فلح..).\rالمرحلة الثانية:","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"تبدأ بانفراج الأسنان العليا، وانفتاح الفم واسعاً، مما يضاهي الأحداث التي يتم فيها: (الانفراج والتوسع والتباعد). فكان لهذه المرحلة (48) مصدراً، كما في \"فتح –فسح –فجا –فلك –فسق –فرشخ –فق –فقص –فرغ –فغر –الفم...).\rالمرحلة الثالثة:\rتنتهي بصدور صوتها مع النَّفَس المبعثر خارج الفم، ما يضاهي الأحداث التي تتم فيها (البعثرة والتشتت والانتشار)، كما في \"فرش –فشغ –فشل لحيته –فشى –فاح –فاع –فاج..\" إلى (14) مصدراً.\rوما أكثر ما اضطررت إلى التنويه بهذا الاكتشاف المدهش في متن الدراسة.\rوهكذا، لما كانت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بخصائص حرف (الفاء) في الضعف والوهن أقل من (10%)، وكان تأثير طريقة النطق بصوتها ايماءً وتمثيلاً قد بلغ (54%) فقد أطلقت على هذا الحرف مصطلح (الإيمائي –التمثيلي).\rوبإعادة دراسة الحروف العربية جميعاً للكشف عن خصائصها الأخرى غير (الصوتية)، تبين لي أن ثمة أحرفاً أخرى غير (الفاء) قد استمدت معظم معانيها من طريقة النطق بأصواتها (ايماءً وتمثيلاً) هي: (الميم واللام والثاء والذال). وان بعضها الآخر قد استمد نسبة قليلة من معانيه من طريقة النطق بصوته مثل (الباء). فكان ثمة /39/ مصدراً (للاتساع والامتلاء والعلو) وفقاً لانفتاح الفم واسعاً عند خروج صوتها المفخم.\rكما تبين لي أيضاً أن ثمة أحرفاً أخرى تستمد معانيها (الصرفية –النحوية)، وليس (المعجمية) من خصائص أصواتها (الهيجانية)، وهي (الهمزة والألف اللينة والواو والياء) كما أسلفته.","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"ولقد تراءى لي أن الأحرف (الهيجانية) آنفة الذكر، هي من مستحاثاتنا اللغوية التي ورثناها عن مرحلة لغوية مغرقة في القدم، كان الإنسان العربي خلالها كغيره ممن ينتمون إلى المراحل الغابية البكر يعتمد الأصوات الهيجانية والحركات الجسمية (اللاإرادية). وهذا يثبت صحة (النظرية الغريزية) في نشأة اللغات التي رفضها الدكتور (وافي) لأن القائلين بها لم يحظوا بمثل هذه الشواهد من مستحاثاتنا اللغوية الفطرية (علم اللغة (24) ص 100 –102). فنحن لا نزال حتى الآن نوظف الخصائص (الهيجانية) لهذه الأحرف للتعبير عن بعض المعاني التي كان يتداولها الإنسان العربي الفجر في فجر المرحلة الغابية. وذلك كما في (الهمزة) التي كان يفيد من خاصية الانفجار في صوتها للفت الانتباه إلى خطر ما أو منفعة أو التعبير عن حالة نفسية، فأصبح يفيد من خاصية الانفجار هذه بلفت انتباه السامع (للنداء والاستفهام)، وغير ذلك من المعاني في (حروف المعاني والضمائر وأسماء الإشارة..).\rلقد أطلقت مصطلح (الهيجاني) على (الهمزة) للطابع الانفجاري في صوتها. كما أطلقته على أحرف (ا –و –ي) للطابع الغوغائي في أصواتها. ولهذا السبب أطلق علماء اللغة عليها مصطلح (الصائتة) تارة و(الجوفية) تارة أخرى. وذلك لقلة تدخل جهاز النطق في إصدار أصواتها. مما يثبت انتماءها إلى المرحلة اللغوية الغريزية الغابية.\rكما أن الأحرف (الإيمائية التمثيلية) هي أيضاً من مستحاثاتنا اللغوية قد ورثناها عن مرحلة حياتية أقل غوراً في التاريخ وأكثر تطوراً من مرحلة الأحرف (الهيجانية) الغابية.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"كان أبناء الجزيرة العربية خلال هذه المرحلة يعتمدون في تواصلهم اللغوي بصورة (إرادية) حركات جهاز النطق: (شفة –لسان –فم –فك علوي –فك سفلي –رأس) وما إليها من الحركات الجسمية الإرادية الأخرى مترافقة بالضرورة مع الأصوات المساعدة. وبتقصياتي الأثرية والتاريخية الجيولوجية والدينية والاجتماعية، قدرت أن هذه المرحلة تتوافق مع الحياة الزراعية التي تزعمتها المرأة العربية في الجزيرة العربية بعد الألف (12) ق. م.\rفتعبدها الرجل ربة للخصب تارة وربة للزراعة والجمال تارات أخرى، ثم انتقلت عبادتها مع الموجات البشرية التي طردها جفاف ما بعد العصر الجليدي الأخير من الجزيرة العربية منذ الألف (9) ق. م إلى المناطق الزراعية المجاورة ألف عام بعد ألف. فكان لهذه العبادة طقوسها في الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والفرعونية، ثم اليونانية وما إليها. وذلك أرثاً أنثوياً عن المرحلة الزراعية العربية.\rأما ما تبقى من الحروف العربية التي تستمد معظم معانيها من خصائصها الصوتية فقد أطلقت عليها مصطلح الحروف (الإيحائية). وهذه الحروف تنتمي إلى أرقى مراحل تطور اللغة العربية التي تتوافق مع طبيعة الحياة الرعوية في الجزيرة العربية التي بدأت تقديراً أيضاً منذ الألف (9) ق .م. ففي هذه المرحلة اعتمد العربي الراعي الخصائص الصوتية للحروف العربية صرفاً بلا حركات جسمية إلاّ ما يقتضيه النطق بها، وذلك لعدم جدواها عبر المسافات الطويلة وهو يرعى القطيع نهاراً، ولا عبر الظلام وهو يحرسه ليلاً.\rوقد استعاد الرجل المحارب مالك القطيع من المرآة زعامة المجتمع. فكان لألوهيته المقام الأول في الأساطير الآنفة الذكر، إرثاً ذكورياً عن المرحلة الرعوية، وكان للمرأة فيها المقام الثاني.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"وهكذا، بانطلاقي من خصائص الحرف العربي الأصل، بمعرض البحث عن معانيه الفطرية في الكلمة العربية (الفرع)، قد اضطررت إلى الصعود مع اللغة العربية، قسراً عني، إلى ما قبل التاريخ، في رحلة طويلة وشاقة لا تخلو من المخاطر، للكشف عن خصائص ومعاني الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) على واقع المعاجم اللغوية دامت ثلاثة أعوام ونيف.\rولكن أين نشأت اللغة العربية وكيف تطورت عبر (التاريخ والطبيعة والمجتمع والنفس)، حتى استوفت شروط نضجها في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم؟.\rفكان لا بد من الهبوط مما قبل التاريخ مع الإنسان العربي واللغة العربية، مرحلة حياة بعد مرحلة حتى الإسلام فاقتضاني ذلك جهود قبضة ونصف من الأعوام.\rولقد تبين لي من الدراسة الأصل: \"الحرف العربي والشخصية العربية\" أن الحرف العربي هو أعرق الجذور الثقافية في بنية شخصية الإنسان العربي وأنقاها أصالة وأحواها لقيمه الجمالية والإنسانية وأوعاها لأحكامه العقلية وأحفظها لتقاليده الاجتماعية الصحيحة وأكشفها بالتالي عن سمات: \"الشخصية العربية\". فكان الحرف العربي بخصائصه (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) هو (تاريخ) العربي.\rوختاماً:\rلعل القارئ الكريم قد انتبه إلى بعض ما عانيته من المشقة في هذه المقال عن (أصالة الحرف العربي وحداثته). ولقد كان بحكم تشعب جوانبه وتنوع مسائله كثير المخاطر والمزالق.\rوإنه ليسعدني، لا بل، و(ألتمس) من ذوي الاختصاص أن يتفضلوا مشكورين بتصويب وتصحيح أي خطأ يعثرون عليه في هذا المقال. وذلك ليس خدمة جلىَّ لي فحسب (وقد استحقها)، وإنما قبل ذلك، خدمة للعربية. فحصانتها وحمياتها ورعايتها، إنما هي مسؤولية ذوي الغيرة والاختصاص من أبنائها، وليست مسؤولية واحد متحمس مغامر بمفرده.\r\"وفوق كل ذي علم عليم\".\r***\rالمراجع:\r1-جدلية الحرف العربي وفيزيائية الفكر والمادة محمد عنبر ط1 –1987.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"2-المجلد الأول من المؤلفات الكاملة -لزكي الأرسوزي ط2 -1987.\r3-تهذيب المقدمة اللغوية -عبد الله العلايلي -تحقيق د. أسعد علي ط -1968.\r4-الخصائص -أبو فتح عثمان بن جني ج2 ط2 القاهرة -1955.\r5-المجلد الأول للأرسوزي.\r6-الخصائص -لابن جني.\r7-البلغة في أصول اللغة -محمد صديق حسن خان -تحقيق محمد نزير مكتبي بيروت -1988.\r8-البلغة.\r9-تكوين العقل العربي د. أحمد عابد الجابري ط1 -1984.\r10-تكوين العقل العربي.\r11-تكوين العقل العربي.\r12-رصف المباني في شرح حروف المعاني -أحمد عبد النور المالقي -تحقيق أحمد الخراط دمشق -1985.\r13-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. عبد الله بن هشام الأنصاري -القاهرة.\r14-البلغة.\r15-قاموس أحياء الألفاظ -أسامة الطيبي ج1 -1967.\r16-تكوين العقل العربي -للجابري.\r17-تكوين العقل العربي -للجابري.\r18-مع نقدة جدلية الحرف العربي -محمد عنبر -طباعة على الآلة الكاتبة 1989.\r19-مولد اللغة أحمد رضا العاملي -تعليق نزار رضا -بيروت -1968.\r20-تاريخ علم اللغة -جورج مونين، ترجمة بدر الدين قاسم ط -1981.\r21-نشوء اللغة العربية واكتمالها -اكتهالها-انستاس ماري كرملي. ط1 القاهرة -1838.\r22-المقدمة اللغوية للعلايلي.\r23-مغامرات لغوية. د. عبد الحق فاضل.\r24-تاريخ علم اللغة -جورج مونين. ترجمة بدر الدين قاسم ط1 -1981.\r1 باحث لغوي من القطر السوري","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"الرُّبَاعيّ المضَاعَف وَالثلاثي المضّعَّف بَحث في اشتقاقهمَا، وَمذاهب الأئمّة فيهِمَا، وَإحصَائهِما ـــ يحيى مير علم\r\rتواجه الباحث في المعاجم ظواهر لغوية عديدة، بعضها من الأهمية بمكان، مع أن كلمة الفصل لم تُقل فيه حتى يومنا هذا، وأكثر ما تعترض تلك الظواهر من يأخذ على عاتقه القيام بدراسات إحصائية لغوية، وقد سبق لي أن عانيت شيئاً من هذا في دراسة إحصائية معجمية(1)، لذا يمكن القول: إن من أوضح تلك الظواهر وأهمها ما تشتمل عليه المعاجم من جذور رباعية مضاعفة وثلاثية مضعَّفة. وأحسب أن الوقوف عند هذه الظاهرة وإمعان النظر فيها يفيدان في الكشف عن ماهية الصلة بينهما، ودلالات أمثلة كل منهما ومعانيه، وتعليل اختصاص الرباعي المضاعف بأحكام خاصة ينفرد بها دون غيره من الجذور، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في موضعه من هذا البحث.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"اصطلحتُ بدءاً على تسمية ما ضُعف ثانيه من الأفعال بالثلاثي المضعَّف نحو: مدّ، عدَّ، سدّ، وتسمية ما كُرر حرفاه الأول والثاني بالرباعي المضاعف نحو: جلجل، رقرق دمدم. وذلك لأن تسمية المتقدمين لهذين النوعين من الأفعال جاءت مختلفة، كذلك الحال في تصنيف أصحاب المعاجم لهما، فقد دعاهما الخليل بن أحمد بالثلاثي المثقَّل وبالمضاعف الحكاية(2)، ودعاهما ابن دريد بالثنائي الصحيح وبالرباعي المكرَّر(3)، وخصَّ كلاً منهما بباب جمع فيه ما كان منه في اللغة مما انتهى إليه، واستهل معجمه بالأول منهما ثم أتبعه بالثاني. ونعتهما سيبويه بمضاعف بنات الثلاثة وبمضاعف بنات الأربعة(4) وقريب منه نعت ابن جني لهما بمضاعف الثلاثة وبمضاعف الأربعة(5)، وسمَّاهما ابن فارس المضاعف والمطابق، فالأول للثنائي الذي ضُعِّف حرفه الثاني، والثاني لما تضاعف من الكلام مرتين، وقد فسَّره بقوله: \".. وطابقت بين الشيئين إذا جعلتهما على حذو واحد، ولذلك سمَّينا ما تضاعف من الكلام مرتين مطابقاً مثل: جرجرَ وصلصلَ(6). أما الأزهري في \"تهذيب اللغة\" وابن سيده في \"المحكم\" فقد أوردا المضعَّف والمضاعف ضمن أبواب المضاعف في ائتلاف كل من الحروف مع غيره المضعَّف أولاً ثم المضاعف، والتزم الجوهري في \"الصحاح\" –وتبعه ابن منظور في \"لسان العرب\" – بإيراد الرباعي المضاعف ضمن الثلاثي المضعَّف إن كان الأخير مستعملاً، وأفردا من الرباعي المضاعف ما لم يستعمل منه ثلاثي مضعَّف، واستنَّ الفيروز ابادي بابن منظور فصنَّفه قريباً منه في \"القاموس المحيط\" على هنات له فيه(7). ثم جاء المحدثون فورثوا هذا التباين في التسمية، فدعاهما بعضهم بالمضعَّف الثلاثي وبالمضعَّف الرباعي(8)، وفرَّق بعضهم بينهما فجعل الأول مضعَّفاً ثلاثياً والثاني مضاعفاً رباعياً(9)، وهو ما ارتأيته في دراستي المذكورة صدر هذا البحث.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"مضت الإشارة إلى أن الجذور الرباعية المضاعفة تختص بأحكام تنفرد بها دون غيرها من الجذور، لذا فقد أجازوا في بنائها من تأليف الحروف جميع ما جاء من الصحيح والمعتل، ومن الذلق والشفوية والصُّتم، وترخَّصوا في نسج حروفها ما لم يترخصوا به في نسج حروف غيرها من الجذور، قال صاحب \"العين\" في حدّها وبيان كنهها وما لها من أحكام خاصة بها: \"والمضاعف في البيان ما كان حرفاً عجزه مثل حرفي صدره، وذلك بناء يستحسنه العرب، فيجوز فيه من تأليف الحروف جميع ما جاء من الصحيح والمعتلّ، ومن الذلق والشفوية والصُّتم، وينسب إلى الثنائي لأنه يضاعفه، ألا ترى الحكاية أن الحاكي يحكي صلصلة اللجام فيقول: صلصل اللجام، وإن شاء قال: صلْ. مخفَّفة مرة اكتفاء بها، وإن شاء أعادها مرتين أو أكثر من ذلك، فيقول: صلْ صلْ صلْ. يتكلف من ذلك ما بدا له.\rويجوز في الحكاية المضاعفة ما لا يجوز في غيرها من تأليف الحروف، ألا ترى أن الضاد والكاف إذا أُلَّفتا فبدئ بالضاد فقيل: ضك. كان تأليفاً لم يحصل في أبنية الأسماء والأفعال إلا مفصولاً بين حرفيه بحرف لازم أو أكثر من ذلك نحو الضنك والضحك، وأشباه ذلك، وهو جائز في المضاعف، نحو: الضكضاكة من النساء، فالمضاعف جائز فيه كل غث وسمين من المفصول والأعجاز والصدور وغير ذلك(10)\". ومثله ما ذكره ابن جني قال: \"فأما قولهم: حأحأت بالكبش إذا دعوته فقلت: حوحو. وهأهأت بالإبل إذا قلت لها: ها ها. فإنما احتمل فيه تأخير الهمزة عن الحاء والهاء لأجل التضعيف، فإنه يجوز فيه ما لا يجوز في غيره(11).\rاشتقاق الرباعي المضاعف ومذاهبهم فيه:","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"والرباعي المضاعف على استحسان العرب له، وفشوِّه في اللغة، وترخصهم في أحكام نسجه وبنائه، فإن أصل اشتقاقه ما زال موضع خلف بين أهل اللغة، ولذا فإن أصحاب المعاجم –كما تقدم- لم يلتزموا إيراده في باب بعينه، ولكنهم أدرجوا كثيره تحت الثلاثي المضعَّف أما كان له، وأفردوا قليله الذي لم يستعمل له ثلاثي مضعَّف بمواد رباعية مستقلة.\rلقد فرَّق الخليل بن أحمد بين الرباعي المجرد أو المنبسط وبين المضاعف الحكاية، التي ربما كانت مؤلفة نحو: دهدق، وربما كانت مضاعفة نحو: صلصل. وظاهر أن المؤلفة يوافق حرف صدرها حرف صدر ما ضُم إليها في عجزها، وهو قليل، ورأى أن الرباعي الحكاية بنوعيه: المؤلف والمضاعف بناء مستقل. قال: \"لأن الحكايات لا تخلو من أن تكون مؤلفة أو مضاعفة، فأما المؤلفة فعلى ما وصفت لك، وهو نزرٌ قليل، وأمَّا الحكاية المضاعفة فإنها بمنزلة الصلصلة والزلزلة. فهم يتوهمون في حس الحركة ما يتوهمون في جرس الحكاية نفسها، فتدخل في التصريف\"(12).\rوالذي يفهم من كلام سيبويه أيضاً أنه يرى المضاعف بناء مستقلاً خلواً من الزوائد، مثَله مثَل مضعَّف بنات الثلاثة، قال: \".. ولا نعلم في الكلام على مثال فَعلال ألا المضاعف من بنات الأربعة، الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين وليس في حروفه زوائد، كما أنه ليس في مضاعف بنات الثلاثة نحو: رددت، زيادة ويكون في الاسم والصفة، فالاسم نحو: الزلزال، والجثجاث، والجرجار، والرمرام، والدهداء. والصفة نحو: الحثحات، والحقحاق، والصلصال، والقسقاس، ولم يلحق به من بنات الثلاثة شيء..\"(13).\rوقد دفع ابن جني وشيخه أبو علي الفارسي أن يكون الرباعي المضاعف مشتقاً من الثلاثي المضعَّف، وجاءت نظرة ابن جني في التفريق بينهما صوتية بحتة، فالحاء بعيدة من الثاء، ولا يمكن أن تكون في (حثحث) ثالثة بدلاً من الثاء المتوسطة في (حثَّث) قال: \"فأما قول من قال في قول تأبط شراً:","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"أو أُمَّ خِفٍ بذي شثٍ وطُبَّاقِ\r-\rكأنما حثحثوا حُصَّا قودامُه\r\rإنه أراد: حثَّثوا. فأبدل من الثاء الوسطي حاء، فمردود عندنا، وإنما ذهب إلى هذا البغداديون وأبو بكر ابن السراج] أيضاً معهم، فسألت أبا علي عن فساده فقال: العلَّة في فساده أصل القلب في الحروف، إنما هو فيما تقارب منها، وذلك الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تدانت مخارجه. فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها، قال: وإنما حثحث أصل رباعي، وحثَّث أصل ثلاثي، وليس واحدٌ منهما من لفظ صاحبه، إلا أن حثحث من مضاعف الأربعة، وحثَّث من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهبنا، ألا ترى أن أبا العباس قال في قول عنترة:\rفتركن كل قرارةٍ كالدرهمِ\r\rجادت عليه كل بكرٍ ثرّةٍ\r\rليس ثرَّة عند النحويين من لفظ ثرثارة، وإن كان من معناها، هذا هو الصواب وهو قول كافة أصحابنا، على أن أبا بكر محمد بن السري قد تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم، وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها، وهي مع ذلك مضعَّفة، ونظيرها من غير التضعيف قولهم:دمِثَ ودِمَثر.. وإذا قامت الدلالة على أن حثحث ليس من لفظ حِثَّث، قالقول في هذا وفي جميع ما جاء منه واحد، وذلك نحو: تململ وتملل، ورقرقَ ورقَّق، وصرصرَ وصرَّر..\"(14).","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"كما عرض ابن جنِّي إلى مسألة تداخل هذين الأصلين في كتابه \"الخصائص\" خلال مناقشته مذهب أبي إسحاق الزجاج في أصل الرباعي المضاعف، قال: \"ومن الأصلين الثلاثي والرباعي المتداخلين قولهم: قاع قرِق وقَرْقر وقَرَقُوس. وقولهم: سلِس وسلسل، وقلِق وقلقل. وذهب أبو إسحاق في نحو: قلقل وصلصل وجرجر وقرقر. إلى أنه فعفل، وأن الكلمة لذاك ثلاثية.. وذهب إلى مذهب شاذ غريب في أصل منقاد عجيب، ألا ترى إلى كثرته في نحو: زَلِز وزلزل.. ومنه: صلَّ وصلصل، وعجّ وعجعج، ومنه: عين ثرّة وثرثارة.. فارتكب أبو إسحاق مركباً وعراً وسحب فيه عدداً جمَّاً، وفي هذا إقدام وتعجرف\"(15).\rولا يكتفي ابن جني بما سبق بل يُتبع ذلك عقد باب \"في المثلين كيف حالهما في الأصلية والزيادة، وإذا كان أحدهما زائداً فأيهما هو؟\" قال: \".. فأما إذا كان معك أصلان ومعهما حرفان مثلان فعلى أضرب: منها أن يكون هناك تكرير على تساوي حال الحرفين، فإذا كانا كذلك كانت الكلمة كلها أصولاً، وذلك نحو: قلقل وصعصع وقرقر.\rفالكلمة إذاً لذلك رباعية، وكذلك أن اتفق الأول والثالث واختلف الثاني والرابع، وذلك نحو: فرفخ وقرقل وزهزق وجرجم، وكذلك أن اتفق الثاني والرابع واختلف الأول والثالث نحو: كرِبرِ وقسطاس وهز نبزان وشعلَّع. قالمثلان أيضاً أصلان، وكلُّ ذلك أصل رباعي..\"(16).\rوقريب مما سبق ما ذكره في موضع آخر بعد أورد بيت تأبط شراً السابق قال: \".. وحذ حاذ وإن لم تكن من لفظ أحذّ فإنها قريبة منه، ولا تجد هذين اللفظين إلا بمعنى واحد، وذلك نحو: ململتُ وملَّلتُ، ورقرقتُ ورقَّقتُ. ألا ترى أن اتفاق معنييهما قد حمل البغداديين على أن قالوا: إن الأصل في حثحثُ: حثَّثتُ، وفي رقرقتُ: رققَّتُ(17)\".","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"ظهر مما تقدم أن البصريين لم يفرقوا بين الرباعي المجرد وبين نظيره المضاعف، إذ كلاهما بناء مستقل، وهو خلاف مقالة الكوفيين الذين فرقوا بينهما، وارتأوا أن المضاعف – الذي يبقى بعد سقوط ثالثة محتفظاً بالمعنى الذي كان له قبل سقوطه، أو مناسباً لمعناه مناسبة قريبة – هو مكرر الفاء زائدها نحو: زلزل مشتق من زلَّ، وصرصر من صرّ، ودمدم من دمَّ، أما ما لم يحتفظ بالمعنى ولا بمقارنة فلا يقولون بزيادة الفاء المكررة فيه.\rأما الصرفيون فلم يرتضوا مقالة الكوفيين تلك، ودفعوا أن يكون في المضاعف ما هو مكرر الفاء زائدها لأنه \"لا يُفصل بين الحرف وما كُرر منه بحرف أصلي\"(18).\rوالذي يبدو أن ردَّ الكوفيين اشتقاق بعض المضاعف إلى المضعَّف الثلاثي مما لم يمنعه الخليل، وإن كان يرى أن كلاً منهما في صورته الأخيرة بناء مستقل بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن أصلهما معاً هو الثنائي الخفيف قال: \"والعرب تشتق في كثير من كلامها أبنية للمضاعف من بناء الثنائي المثقَّل بحرفي التضعيف ومن الثلاثي المعتل..\"(19).\rالرباعي المضاعف والثلاثي المضعَّف في الإحصائيات الحديثة:","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"استبان مما تقدم أن كثيراً من أصحاب المعاجم العربية أدرج الرباعي المضاعف ضمن المضعَّف الثلاثي، ولم يفرده بمواد مستقلة إلا عندما لا يكون له ثلاثي مضعَّف مستعمل(20)، وجل ما ورد من المضاعف هو من نوع المدرج تحت الثلاثي المضعَّف، وما تبقى هو المفرد الذي لم يُستعمل له ثلاثي مضعَّف، وعدده قليل. لقد انتهى مبلغ الجذور الرباعية في دراستي المشار إليها إلى (3739) جذراً، وهذا يعدل نسبة (32.95%) من مجموع الجذور بأنواعها والبالغة (11347) جذراً. وتستأهل مثل هذه النسبة العالية أن تكون الجذور الرباعية موضع دراسة لغوية تحليلية تكشف لنا عمّا تشتمل عليه من ظواهر لغوية لا نجد نظيراً لها في الجذور الأخرى من نحو: امتناع دخول الياء والواو في بناء الرباعي المجرد غير المضاعف (21)، وشذوذ وقوع الهمزة فيه أولاً(22).\rوفُشُوِّ ظاهرة المضاعف فيه، فقد وصل مبلغ ما ورد منها في هذه الدراسة (416) جذراً متماثل الحرفين، أي نسبة (11.12%) بالنظر إلى جملة ما ورد في الرباعي. أمَّا الثلاثي المضعف فقد انتهت جملته إلى (520) جذراً أي بنسبة ( 7022%) من مجموع الثلاثي، وينتج عن طرح المضاعف من المضعَّف عدد الجذور الثلاثية المضعَّفة التي لا مضاعف لها والبالغة (104) جذور (23).","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"والحق أن التزام المعاجم بما أخذته على نفسها من نهج في إيراد المضعَّف والمضاعف لم يكن دقيقاً، فقد تطرق إليه بعض الخلل (24)، لذا كان على الدراسات الإحصائية اجتناب هذه الملاحظات المنهجية في معجمات المتقدمين ولا يكون هذا إلا بتناول مواد المعجم بتمامها، لأن الاقتصار على العناوين المثبتة في الهوامش يفوِّت جميع الرباعي المضاعف الذي أُدرج في المضعَّف الثلاثي، وهذا بعينه ما وقع في الدراسات الإحصائية التي قام بها الدكتور علي حلمي موسى لجذور معجمي \"الصحاح\" 1971 \"لسان العرب\" 1973. فقد اكتفى باستلال ما أُثبت من مواد في هامش المعجمين كليهما دونما اعتماد ما تحت العنوان من شرح فاعتدَّها صحيحة على ما تضمنته من ملاحظات لغوية ومنهجية، قصد لبعضها أصحابها أم لم يقصدوا(25). وهذا ما جعل تعداد الرباعي المضاعف عنده في \"الصحاح\" لا يجاوز(33) جذراً (26) وهو في \"لسان العرب\" لا يجاوز (60) جذراً (27). وهذان الرقمان يمثلان حقيقةٌ المضاعف المفرد المستقل، الذي لم يستعمل له مضعَّف ثلاثي، وكنت أودُّ أن يكون في الوسع إحصاء جميع ما سقط من المضاعف في إحصاء الدكتور موسى لجذور معجم \"الصحاح\" ولكنه متعذر، فالمعجم لم يكن مما اعتمدته في دراستي من معاجم، ويكفي دلالة على صحة ما سبق أن ما سقط من مضاعف حرف الباء وحده بسبب ما ذكرت بلغ(11) جذراً (28). وقد اعتذر الدكتور موسى عما يظن أنه رباعي مضاعف غير وارد في المعجم بقوله: \"وقد يتبادر إلى الذهن أن هناك عدداً آخر من تلك الجذور غير وارد بالمعجم، مثل: بلبل، تلتل، جمجم، حمحم. ولكن الواقع أن هذه الكلمات ومثيلاتها كلمات رباعية مكونة من مقطعين متماثلين وليست جذوراً، فهي مشتقة من جذور ثلاثية هي: بلل، تلل، جمم، حمم\"(29).","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"إن نهج الدكتور موسى في استلال المواد اللغوية من المعجم هو الذي حمله على القول بأن (بلبل وتلتلَ وجمجم وحمحمَ) ليست جذوراً رباعية لاندراجها تحت المواد الثلاثية وكان قد رأى أن هذه الكلمات ومثيلاتها كلمات رباعية ذات مقطعين متماثلين، وقد فاته أنه قرر قبلها بثلاث صفحات: \".. كما أن الجذور الرباعية هي الوحيدة التي يمكن أن تحتوي على جذور مكونة من مقطعين متماثلين تماماً مثل: جعجع\"(30). فأي فرق بين تلك الأفعال الأربعة التي أوردها سابقاً وبين هذا الفعل؟.\rينضاف إلى ما سلف أن الفارق بين مبلغ الرباعي المضاعف في دراستي – وهو (416) جذراً – وبين مبلغه في الدكتور موسى لجذور معجم \"لسان العرب\" – وهو (60) جذراً – كان فارقاً كبيراً، وصل إلى (356) جذراً، ومما يؤكد صحة منتهاه في هذه الدراسة أن جملة المضاعف في إحصائه نفسه لجذور معجم \"تاج العروس\" بلغ (420) ولا يعقل أن يقتصر \"لسان العرب\" على 60 جذراً منها، وهو ما هو منزلة وحجماً في المكتبة العربية، وهذا يؤكد صواب الاجتهاد بأنه اعتدَّ في إحصائه \"تاج العروس\" بالمضاعف المندرج تحت الثلاثي إضافة إلى الرباعي المضاعف المستقل (الذي ليس له ثلاثي مستعمل) وهو بهذا يخالف نهجه في إحصائه لجذور معجمي \"الصحاح\" و\"لسان العرب\" ويقع في خلل منهجي يجعل من العسير الاعتذار له، ولا يخفى أن الأخطاء المنهجية في أية دراسة إحصائية يجعلها تستغرق جميع نتائج الدراسة (31)، مما قد يحمل على زعزعة ثقة الباحثين بدقة نتائج هذين المعجمين(32).","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"ورأيت من تمام الفائدة أن أضمن هذا البحث جدولاً أعرض فيه مبلغ كل من الثلاثي المضعَّف والرباعي والنسبة المئوية لكل منها في دراسات د. موسى للمعاجم الثلاثة وفي معاجم هذه الدراسة. وسيظهر الجدول الآتي للقارئ حجم الخطأ المنهجي الذي جعل نسبة المضاعف في \"الصحاح\" أقل من واحد بالمئة وفي \"لسان العرب\" قرابة عشرة بالمئة(33)، بينما ارتفعت النسبة المئوية في \"تاج العروس\" إلى عشرة بالمئة، وفي معاجم هذه الدراسة إلى أحد عشر بالمئة وكلتاهما نسبة مقبولة تمثل واقع هذه الظاهرة المعجمية الهامة.\rوبهذا يكون الرباعي المضاعف ظاهرة لغوية فريدة جديرة بالدراسة والبحث بُغية الوقوف على أحكام نسجه التي يخالف في بعضها نظيره الرباعي المجرد، وبغية الكشف عن دلالات أمثلته ومعانيها، وبيان ماهية الصلة بينه وبين الثلاثي المضعَّف التي ردَّ الكوفيون اشتقاق بعضه إليها، وبينه وبين الثنائي الخفيف التي لم يمنعها الخليل، وكل ذلك سلف في مواضعه.\r\rالحواشي والتعليقات:","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"(1)-نهضت بدراسة إحصائية لدوران الحروف في الجذور العربية، اعتمدت فيها على ما ورد من جذور عربية في معاجم خمسة أصول، هي: \"جمهرة اللغة، وتهذيب اللغة، والمحكم، ولسان العرب، والقاموس المحيط\" ونلت بهذه الدراسة درجة التبريز (الماجستير) من قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق سنة 1984 بإشراف الأستاذ الدكتور شاكر الفحام. وتحسن الإشارة إلى أن الدكتور علي حلمي موسى سبقني إلى نشر ثلاث دراسات إحصائية للجذور في المعاجم: \"الصحاح\" 1971، و\"لسان العرب\" 1972، و\"تاج العروس\" 1973 (بالاشتراك مع د. عبد الصبور شاهين). وقد عرضت في دراستي إلى ما شاب هذه الدراسات من أوهام وأخطاء – كما في الدراستين الأولى والثانية، وذلك لخلل منهجي في تناول المواد اللغوية، وبخاصة فيما يتعلق بالرباعي المضاعف والثلاثي المضعف – أو من ملاحظات وهنأت كما في الدراسة الثالثة. وهناك عدد من الدراسات الإحصائية الأخرى، بعضها تناول القرآن الكريم وبعضها تناول الكلام العادي من مجرده ومزيده قامت بها بعض المؤسسات العلمية أو الجامعية في العالم العربي وخارجه، سبقت أعمال د. موسى ولكنها لم تنشر لأسباب عدة. أما الفضل الحقيقي في نشأة هذا العلم (الإحصاء اللغوي) فيعود إلى المتقدمين من العلماء والقراء الذين عنوا بخدمة الكتاب العزيز فأحصوا حروفه وكلماته وآياته وسوره. (انظر الإحصاءات وما ورد فيها من روايات في كتاب \"بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز\" 1/558-566 وهناك مصنفات كاملة في هذا الموضوع ما زالت مخطوطة) ثم جاء من بعدهم أصحاب علم التعمية (المُترجم) الذين أحصوا حروف الكلام في نصوص معينة توصلاً إلى حل المترجم مثل الكندي (ت 260 هـ) في \"رسالة في استخراج المعمى\" وابن دنينير (ت 627 هـ) في رسالته \"مقاصد الفصول المترجمة عن حل الترجمة، وغيرهما. انظر قائمة بالمصادر المخطوطة بهذا العلم في كتابنا \"علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب\" ص","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"379-380.\r(2)-\"العين\" 1/60-64.\r(3)-\"جمهرة اللغة\" 1/13 و124.\r(4)-\"الكتاب\" 4/294 (ط. بولاق 2/338).\r(5)-\"سر صناعة الأعراب\" 1/197.\r(6)-مقدمة تحقيق مجمل اللغة 1/109 نقلاً عن \"مقاييس اللغة\" 3/440.\r(7)-وهي مما أخذه عليه الشدياق في \"الجاسوس على القاموس\" ص 293 قال: \"وأما تخليطه في إيراد الرباعي المضاعف فأمر يطول شرحه ويعول برحه، فإنه تارة يورده في الثلاثي على مذهب الكوفيين كما في (شلشل) وتارة يفرد له مادة على حدتها كما (سلسل) مع أن المسافة ما بين الكلمتين قريبة جداً\".\r(8)-انظر كتاب \"الفعل زمانه وأبنيته\" د. إبراهيم السامرائي، ص 115 و 195.\r(9)-انظر كتاب \"المنهج الصوتي للبنية العربية\" د. عبد الصبور شاهين، وكتاب \"دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس\" له بالاشتراك مع د. علي حلمي موسى، ص66-68.\r(10)-\"العين\" 1/62-63. ونقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" 1/46.\r(11)-\"سر صناعة الإعراب\" مخطوطة المكتبة الظاهرية، الورقة 434.\r(12)-\"العين\" 1/61-62.\r(13)-\"الكتاب\" 4/294-295 (ط. بولاق 2/338).\r(14)-\"سر صناعة الإعراب\" 1/197-198 ومقالة المبرد في \"الكامل\" 1/6-7. وانظر \"التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه\" ص 23-24 أورد فيه مؤلفه طرفاً من النص لدى معالجته قانون المماثلة.\r(15)-\"الخصائص\" 2/52-53.\r(16)-\"الخصائص\" 2/56-58.\r(17)-\"سر صناعة الإعراب\" 1/204. وشبيه بمقالة البغداديين هذه ما أورده ابن منظور في (سغسغ) قال: \"وأصله سغغته بثلاث غينات، إلا أنهم أبدلوا من الغين الوسطى سيناً فرقاً بين فعلل وفعّل، وإنما أرادوا السين دون سائر الحروف لأن في الحرف سيناً، وكذلك القول في جميع ما أشبهه من المضاعف، لقلق وعثعث وكعكع\". وبنحوه ما ذكره في مادة (كعع).\r(18)-\"شرح الشافية\" 2/367.\r(19)-\"العين\" 1/63 و\"تهذيب اللغة\" 1/46.\r(20)-انظر المضعف الثلاثي والمضاعف الرباعي في المعاجم: \"الصحاح\" و\"التكملة\" و\"لسان العرب\" و\"القاموس\".","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"(21)-لم يشذ عن القاعدة سوى (14) جذراً، اشتركت الواو في بناء خمسة منها واشتركت الياء في بناء التسعة المتبقية، وجميع هذه المواد موضع خلف بين أهل اللغة من حيث صحتها أو أصالة حروفها. يخرج من الحكم السابق ما جاء من رباعي مضاعف دخل في بنائه واو أو ياء، وهو قدر لا بأس به، مبلغه (25) جذراً، ويعدل هذا نسبة (6%) من مجموع الرباعي المضاعف. وتفصيل ذلك أن الواو اشتركت في بناء واحد وعشرين جذراً هي (وبوب، وتوت، وثوث، جوجو، وخوخ، وذوذ، ورور، وزوز، وسوس، وشوش ، وصوص، وطوط، دعوع، عوعو، قوق، وكوك ولول، مومو، وهوه، وأوأ). واشتركت الياء في بناء أربعة جذور، هي: (عيعي، يليل، يهيه، يأيأ). وهذا يعضد ما سلف من نقول عن الخليل وابن جني تدل على ترخصهم في نسجه.\r(22)-الهمزة ضعيفة الدوران في الجذور الرباعية، ولا يزيد مبلغ ترددها فيها على (108) مرات، قرابة نصفها في الرباعي المضاعف، فهي ترد ثانية ورابعة في (25) جذراً، ولا تقع أولاً في الرباعي المجرد إلا شذوذاً في سبع مواد لا تثبت على نظر. وقد نص سيبويه على زيادتها إذا وقعت أولاً رابعة فصاعداً، انظر \"الكتاب\" 4/307 (ط. بولاق 2/343).\r(23)-انظر الجدول المقارن لنتائج المضعف والمضاعف والرباعي في هذه الدراسة ولدى د. موسى. ص 21.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"(24)-من أمثلة ما ورد في \"الصحاح\" مضعفاً ثلاثياً ثم اقتصر في شرحه على المضاعف الرباعي المستعمل منه نحو: (هثث، وحح) ونظير هذا في \"لسان العرب\": \"ذخخ، وذذ). وأشار إلى هذا الخطأ في \"اللسان\" مؤلفاً \"الدراسة الإحصائية لجذور معجم تاج العروس\"ومثلاً لهذا بإيراد اثنتي عشرة مادة ثلاثية. أقول: ومثل هذه الأخطاء أثرها مضاعف في الإحصاء إذ فيها زيادة مادة ثلاثية غير مستعملة ونقص مادة رباعية مستعملة، ومعلوم أن أي خطأ بهذا الحجم في أية دراسة إحصائية ينسحب على جميع النتائج، انظر إحصاءات معجم تاج العروس ص 62. وعجبت لسقوط مادة (تحتح) من \"إحصائيات جذور معجم لسان العرب، للدكتور موسى ص 53، جدول رقم (10) مع أن ابن منظور أفردها بمادة رباعية مستقلة.","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"(25)-هناك جملة ملاحظات منهجية تخص \"لسان العرب\" على جلالته وإعجابي به، سأكتفي بإيرادها مدللاً على كل منها بذكر بعض المواد، تاركاً الشرح والتفصيل فيها إلى بحث آخر، مشيراً إلى أن أكثر ما تظهر به تلك الأخطاء معارضة ما في اللسان بما في الأصول التي نقل عنها. من ذلك المواد التي وردت مصحفة عن أصولها نحو: (زرأ، غمرط، سليج، شعبد، عزهم). ومن ذلك أيضاً المواد التي وردت في غير ما موضع نحو: \"(أره، مرفن، أصطبة، أتيج، أسبذ، دمقس، صطخم، عطود). ومنها المواد التي وقع فيها اختلاف بين العنوان والشرح فقد أثبت في الهامش كلاً من (ران، سهه، جلحد، دغس، طرطس، دأك، جواً)وشرح – على التوالي – كلاً من (أرن، سته، جلحعد، دغمس. طرطبيس، دكاً، جأو). ومنها المواد التي ذكرت ضمن غيرها ولم تفرد وحدها، وكثير منها لغات في مواد أخرى، مع أنه يفرد في كثير من الأحيان ما كان من هذا القبيل، فقد أورد (دلغ) في (لغف)، و(ليه) في لوه)، و(ليع) في (لوع) و(حثف) و(فثح) و(ثحف) جميعها في (حفث)، وذكر (نحق) في (دعر) و(ضوض) في (ضوا). ومنها المواد التي وردت في غير موضعها لاعتبار ما، كأن ترد تنبيهاً على خطأ لأحدهم فيها، أو تكراراً لإيرادها مرة ثلاثية وأخرى رباعية، أو غير ذلك، وأمثلة هذا كثيرة من نحو (دلنظى، أثر ندى، بينيث، ستهم، زرقم، ضيثم، جيعم، درحي، شنظي، تكأ، تقى، تطأ، مرنب..). وجميع هذه المواد وردت على صورتها هذه بعجزها وبجرها في إحصائيات لسان العرب والصحاح، وأكبر من ذلك إنك تجد أدوات مركبة احتسبت في الجذور الثلاثية مثل (تلك، تيا، لقد) انظر الجدولين (34 و54) من إحصاء اللسان.\r(26)-\"دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح\" ص 30.\r(27)-\"إحصائية جذور معجم لسان العرب\" ص 21.\r(28)-هي (ربرب، زبزب، سبسب، صبصب، ضبضب، طبطب، عبعب، غبغب، كبكب، لبلب، هبهب).\r(29)-\"دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح\" ص 30.\r(30)-المرجع السابق ص 27.","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"(31)-يصدق هذا الكلام ما قرره الدكتور موسى في \"دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس\" ص 5 قال: \".. بحيث أن أي خطأ في المادة التي يغذى بها الكمبيوتر يترتب عليه خطأ في كل ما يصدر من نتائج، ومن هنا كان من الضروري تحري الصواب فيما يقدم لذاكرة الكمبيوتر من جزيئات ومعلومات ضمن البرنامج المعد للمشروع، وتلك بديهة يعرفها أهل الاختصاص.\r(32)-لم يتنبه على شيء من هذه الأخطاء الدكتور إبراهيم أنيس في تقديمه للجذور الثلاثية في معجم \"الصحاح\" ولا في مقالتيه: \"مسطرة اللغوي\" التي صدّر بها العدد 29 من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ص 7-12، ومقالة: \"النظامة الإلكترونية تحصي مفردات اللغة العربية\" في مجلة اللسان العربي، المجلد العاشر، الجزء الأول، ص 207-211. وكذا لم يتنبه عليها الأستاذ عبد السلام هارون في تقديمه للجذور غير الثلاثية في \"الصحاح\" وفي تقديمه بعده للدراسات الإحصائية لجذور معجم \"لسان العرب\".\rوكذلك فقد غفلت عن هذه الأخطاء ليلى الحريري في مقالها \"الكمبيوتر يتكلم العربية\" وضمنته مقابلة مع الدكتور موسى، انظر مجلة الدوحة، العدد 89، رجب 1403هـ/ مايو 1983م، ص 86-90.\r(33)-سلف قريباً بيان الأسباب التي نتج عنها هذا الخطأ.\r(34)-انظر كتاب \"الفعل زمانه وأبنيته\" ص 195-199 فقد تتبع فيه المؤلف بعض معاني أمثلته.\r***\rمراجع البحث ومصادره:\r1-المطبوعة:\r-إحصائيات جذور لسان العرب، د. علي حلمي موسى، جامعة الكويت، دار السياسة، 1972.\r-بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، محمد بن يعقوب الفيروز بادي، تحقيق محمد علي النجار، القاهرة، 1383م.\r-التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه، د. رمضان عبد التواب، القاهرة والرياض، مكتبة الخانجي ودار الرفاعي، 1981م.\r-الجاسوس على القاموس، أحمد فارس الشدياق، القسطنطينية، مطبعة الجوائب، 1299هـ.\r-الخصائص، عثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، بيروت، دار الهدى.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"-دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس، د. علي حلمي موسى، والدكتور عبد الصبور شاهين، جامعة الكويت، دار السياسة، 1973م.\r-دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح، د. علي حلمي موسى، جامعة الكويت، 1973.\r-سر صناعة الإعراب، عثمان بن جني، تحقيق لجنة من الأساتذة، الجزء الأول، القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأولى، 1374هـ/ 1954م.\r-شرح شافية ابن الحاجب، محمد بن الحسن الاسترباذي، تحقيق عدد من الأساتذة، بيروت، 1395هـ/ 1975م.\r-علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب، دراسة وتحقيق د. مراياتي ومير علم والطيان، مجمع اللغة العربية بدمشق، 1407هـ/ 1987م.\r-العين، الخليل بن أحمد، تحقيق عبد الله درويش، الجزء الأول، بغداد، مطبعة العاني 1967.\r-الكامل، محمد بن يزيد المبرد، تحقيق د. زكي مبارك، الطبعة الأولى، 1355هـ/ 1936م، القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\r-الكتاب، عمرو بن عثمان، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1397هـ/ 1977م.\r-مجلة الدوحة، العدد 89، مايو 1983، ص 86-90، وزارة الإعلام، قطر.\r-مجلة اللسان العربي، المجلد العاشر، الجزء الأول، ص 207-211 مكتب تنسيق التعريب. الرباط، 1392هـ/ 1973م.\r-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 29، ص 7-12.\r-مجمل اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق هادي حسن حمودي، معهد المخطوطات العربية الطبعة الأولى، الكويت 1405هـ/ 1985م.\r-المعجم العربي: دراسة إحصائية لدوران الحروف في الجذور العربية، يحيى مير علم، أطروحة تبريز (ماجستير) مطبوعة بالمرقنة، إشراف د. شاكر الفحام، جامعة دمشق 1984.\r-المنهج الصوتي للبنية العربية، د. عبد الصبور شاهين، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1400هـ/ 1980م.\rب- المخطوطة:\r-رسالة في استخراج المعمى، يعقوب بن إسحاق الكندي. نسخة ضمن مجموع قديم يشتمل على رسائل مختلفة للكندي.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"-سر صناعة الإعراب، عثمان بن جني، نسخة في المكتبة الظاهرية، رقمها (150) وهي منسوخة من نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (16 ش لغة).\r-مجموع في التعمية يشتمل على رسائل مختلفة في هذا العلم، منها رسالة لابن دنينير، تحتفظ به مكتبة فاتح المودعة ضمن المكتبة السليمانية برقم (5359). لدينا مصورة عنه مهداة من الأستاذ العلامة أحمد راتب النفاخ، كان قد أرسلها إليه الدكتور الفاضل فؤاد سزكين.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"الصوت والدلالة دراسة في ضوء التراث وعلم اللغة الحديث) ـــ الدكتور محمد بو عمامة*\r\nإن اللغة ظاهرة صوتية تختلف اختلافاً كلياً عن سائر الرموز الأخرى غير اللغوية، ومن ثم فإن دراستها دراسة علمية تستوجب البدء بالأصوات بوصفها وحدات مميزة تنتج عنها آلاف الكلمات ذات الدلالات المختلفة.\r\nوتجدر الإشارة إلى أن ما نود الحديث عنه في هذا السياق هو القيمة الدلالية للصوت أي الفونيم)، على أساس أن الفونيمات تلعب دوراً فعالاً في تحديد دلالات الكلمات.(1)\r\nوالفونيم كما يعرفه بعض اللغويين هوصوت نموذجي يحاول المتكلم تقليده. كما يعرفه بعضهم بأنه أصغر وحدة صوتية عن طريقها يمكن التفريق بين المعاني. والفونيم نوعان: قطعي Segmental، وفوقطعي Suprasgmental. ويشمل النوع الأول الصوامت والصوائت، وأما النوع الثاني فيشمل النبرات والأنغام والفواصل…)).(2)\r\nإذن، النوع الأول من الفونيمات يشمل الحروف والحركات، والنوع الثاني يشمل النبر والتنغيم،وهذا ما سنركز عليه في تحليلنا هنا، مع عرض قضايا صوتية أخرى ستأتي في حينها.\r\nوتجدر الإشارة أيضاً إلى أن مسألة القيمة الدلالية للصوت مسألة قديمة قدم التفكير اللغوي، غير أن خير من فصل القول فيها- في تقديرنا- هم علماء العربية الذين كانت لهم في ذلك لفتات طريفة، ونظرات بارعة تنم على حسهم المرهف، وذوقهم الموسيقي السليم. وتتمثل القيمة الدلالية للصوت في الجوانب الآتية:\r\nأ- التبديل: Substitutionنود أن نشير-بادئ ذي بدء- إلى أن التبديل الذي نريد الحديث عنه هنا ليس هو الإبدال بمفهوم القدماء، والذي يعني إقامة حرف مكان حرف آخر في كلمة واحدة والمعنى واحد، والذي يكون في الغالب الأعم إما ضرورة وإما صنعة واستحسانا، ويقابله في اللسانيات الحديثة مصطلح\rMutation، بل نعني بالتبديل إحلال صوت مكان صوت آخر بحيث يؤدي ذلك إلى حدوث تغير في دلالة الكلمة، وهذا النوع نجده بكثرة في مؤلفات اللغويين القدماء على الرغم من أنهم لم يشيروا إلى ذلك بتصريح العبارة. ويعد ابن جني)) واحداً من العلماء الذين اشتهروا بالبحث في الأصوات ودورها في تحديد دلالات الكلمات، وذلك نتيجة تعامله المستمر مع هذه الأصوات التي طبعت في ذهنه دلالات مختلفة.\rفلقد أدرك بعبقريته الفذة أن للفونيمات دوراً كبيرا في تحديد دلالة الكلمات، ناهيك عن أن إبدال الصوامت ينتج عنه تغير في الدلالات، وإن كان ابن جني لم يشر إلى ذلك بصريح العبارة، إلا أن في كلامه ما يوحي بذلك. يقول في كتابه الخصائص)):\rفأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذون عليها. وذلك أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره.\rمن ذلك قولهم: خضم، وقضم، فالخضم لأكل الرطب، كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس، نحو: قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك.. فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.\rومن ذلك قولهم: النضح للماء ونحوه، والنضح أقوى من النضح، قال الله سبحانه: فيهما عينان نضاختان).(3) . فجعلوا الحاء-لرقتها- للماء الضعيف، والخاء-لغلظها- لما هو أقوى منه)).(4)\n","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"إذن، لقد أدرك ابن جني بحسه المرهف أن الفونيمات تلعب دوراً هاماً في الدلالة، وأن الإبدال الذي يحصل بينها يولد دلالة جديدة. ونلاحظ ذلك في: خضم وقضم، ونضح ونضخ. فالخاء في المثال الأول تدل على الرخاوة، وبالتالي جاء الفعل خضم)) للدلالة على أكل الرطب، والقاف تدل على الشدة ومن ثم جاء الفعل قضم)) للدلالة على أكل اليابس. والشيء نفسه ينسحب على المثال الثاني، فالحاء لرقتها جعلت من الفعل نضح)) يدل على تسرب السائل في تأن وبطء، والخاء لغلظها جعلت من الفعل نضخ)) يدل على فوران السائل في قوة وعنف.\rويعزز ابن جني رأيه هذا بقوله: ومن ذلك القد طولا، والقط عرضا. وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعا له من الدال. فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولا)).(5)\rومن ذلك أيضاً قوله في المحتسب)): القبض بالضاض معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها جعلت عبارة عن الأقل)).(6)\rويورد ابن جني أمثلة كثيرة من هذا القبيل تدعم رأيه هذا، حرصاً منه على اكتشاف المجهول من أسرار اللغة، وإماطة الغطاء عن الحقائق المستورة والعلل الخفية من خصائصها، وهذا كله عن طريق التأمل، وترديد الفكر، وكد النظر.\rكما نظر ابن جني في الصوائت الحركات) ووجد أنها تلعب هي الأخرى الدور نفسه الذي تلعبه الصوامت، وأن إبدال الصوائت Apophonie يلعب هو الآخر دوراً مهماً في أداء دلالات مختلفة. فمن ذلك قوله: الذّل في الدابة ضد الصعوبة، والذّل للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان، والكسرة للدابة، لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدراً مما يلحق الدَّابة)).(7)","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"وبنظرته الفاحصة هذه يكون ابن جني قد حاز شرف السبق إلى مثل هذا التحليل، متقدماً بذلك جميع علماء اللغة المحدثين. فهذا الفيلسوف الهولندي بوص)) Pos يذهب إلى ما ذهب إليه ابن جني بخصوص القيمة الدلالية للصوت الفونيم). فهو يرى أن الانتقال من الفونيم الذي يدل على نفسه بنفسه إلى الكلمة التي تدل على شيء آخر لا يعد انتقالاً كبيراً، وبخاصة إذا وضع الإنسان في اعتباره-ولأول مرة- أن الكلمات تتألف من فونيمات، وأن المعاني الناتجة عن وضع الكلمات في تراكيب معينة تختلف اختلافاً جذرياً عن معاني الكلمات وهي مفردة)).(8)\rفالذي يعنيه بوص)) بكلامه هذا هو أن الفونيم هو الذي يوحي بدلالة الكلمة، كما أن هذه الأخيرة هي التي توحي بدلالة الجملة.\rكما نجد أن نظرة ابن جني هذه قد سبقت نظرة اللغوي الإنجليزي الشهير فيرث)) Firth الذي تحدث عما أسماه الوظيفة الفوناستيتيكية))، Phonaesthetic Function، ويعني بذلك تلك العلاقة القائمة بين الكلمات التي تبدأ بحرفين، مثل: ST أو SN أو SL وذلك في مثل: (9)\rStack: كومة، ركام، مقدار معين.\rStick: عصا، عود، قضيب.\rStub: أصل الشجرة الباقي بعد قطع جذعها.\rStud: خشبة تسمر عليها الألواح المستخدمة في تشييد جدران المنازل.\rSlim: ينحل، يهزل… الخ.\rSlit : يلوز، يضيق… الخ.\rقلت، يذهب فيرث)) إلى أن الكلمات التي تبدأ بحرفي ST أو SN أو SL تنتمي كل مجموعة منها إلى معنى عام. وهي نظرة نجدها كذلك عند ابن جني حين قال:\rواستعملوا تركيب ج ب ل) وج ب ن) و ج ب ر) لتقاربها في موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك. منه: الجبل لقوته وتماسكه، وجبن إذا استمسك وتوقف وتجمع، ومنه جبرت العظم ونحوه إذا قويته)).(10)\rوإذا أمعنا النظر في هذه الكلمات فإننا سنجد ما يلي:","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"في أمثلة فيرث)) نلاحظ أنه حصل في الفئة أ)) إبدال بين الصائتين Voyelles \"a\" و\"I\" وفي الفئة ب)) حصل إبدال بين الصامتين Consonnes \"b\" و\"d\"، وفي الفئة ج)) حصل إبدال بين الصامتين \"m\" و\"t\".\rالشيء نفسه يصدق على أمثلة ابن جني، فلقد حصل إبدال بين حروف اللام والنون والراء، مع الاحتفاظ بالجذر ج ب). وفي كل هذه الأحوال تنتج دلالات جديدة كلما أبدل صائت بصائت أو صامت بصامت.\rومن علماء العربية الذين أدركوا هذه الظاهرة الصوتية العالم اللغوي ابن فارس)) في معجمه مقاييس اللغة)). فهو يورد كمّا كبيراً من الكلمات التي حصل فيها مثل هذا الإبدال، فأدى كل صامت دلالة تختلف عن الدلالة التي أداها صامت آخر، ومن هذه الأمثلة ما يلي:(11) .\rفر: الفاء والراء يدلان على معان ثلاثة. الأول: الانكشاف، في قولهم: فرّ عن أسنانه إذا تبسم أي كشف عنها). والثاني: جنس من الحيوان في مثل: الفرير وهو ولد البقرة. والثالث: الخفة والطيش. يقال: رجل فرفار بمعنى طائش.\rفز: يدل على الخفة.\rفش: يدل على الانتشار وقلة التماسك.\rفض: يدل على التفريق والتجزئة.\rفظ: يدل على الكراهة.\rفغ: يدل على محاكاة الصوت. يقولون: الفغفغة.\rكما أورد ابن فارس في مقاييسه جملة من الألفاظ الأخرى التي تتألف من مادة واحدة وهي الفاء والراء ف. ر) وفونيم ثالث يغير معنى هذه المادة كلما حصل إبدال، ومن هذه الألفاظ:(12)\rفرز، فرس، فرش، فرص، فرض، فرط، فرع، فرغ، فرق، فرك، فرم، فره، فري، فرت، فرث، فرج، فرح، فرخ، فرد، الخ… وكذلك مادة ق. ط) مع فونيم ثالث، في مثل: قطع، قطف، قطل، قطم، قطن، قطو، قطب، الخ…(13) .\rومن العلماء الذين تحدثوا عن هذه الظاهرة كذلك: ابن دريد)) والثعالبي)) والفارابي)). وقد أورد السيوطي في المزهر)) كماً كبيراً من الألفاظ التي أتى بها هؤلاء، وكلها تدور في فلك الإبدال وما تلعبه الفونيمات المبدلة من أدوار في تغيير دلالات الكلمات، ومن هذه الألفاظ:(14)","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"الجَمْجَمة: أن يخفي الرجل في صدره شيئاً ولا يبديه.\rالحَمْحَمة: أن يردد الفرس صوته ولا يصهل.\rالدحداح: الرجل القصير.\rالرحراح: الإناء القصير الواسع.\rالجَفْجَفة: هزيز الموكب وحفيفه في السير.\rالحَفْحفة: حفيف جناحي الطائر.\rالجرجرة: صوت جرع الماء في جوف الشارب\rالخرخرة: صوت تردد النفس في الصدر.\rالكهكهة: صوت ترديد البعير هديره.\rالقهقهة: حكاية استغراب الضحك.\rالوعوعة: صوت نباح الكلب إذا ردده.\rالوقوقة: اختلاط أصوات الطير.\rالوكوكة: هديل الحمام.\rالجف: وعاء الطلعة إذا جف.\rالخف: الملبوس.\rالشازب: الضامر من الإبر وغيرها.\rالشاصب: أشد ضمراً من الشازب.\rومن ذلك أيضاً:\rالنقش في الحائط.\rالرقش في القرطاس.\rالوشم في اليد.\rالوسم في الجلد.\r- الضرب على مقدم الرأس صقعٌ\r- وعلى القفا صفعٌ\r- وعلى الخد ببسط الكف لطمٌ\r- وبقبض الكف لكمٌ\r- وبكلتا اليدين لدمٌ\r- وعلى الجنب بالإصبع وخزٌ\r- وعلى الصدر والجنب وكز ولكزٌ\r- وعلى الحنك والذقن وهز ولهزٌ\rويقال أيضاً:\r- خذفه بالحصى\r- حذفه بالعصا\r- قذفه بالحجر\rومنه أيضاً:\r- إذا أخرج المريض صوتاً رقيقاً فهو: الرنين\r- فإذا أخفاه فهو: الهنين\r- فإذا أظهره فخرج خافتاً فهو: الحنين\r- فإذا زاد فيه فهو: الأنين\r- فإذا زاد في دفعه فهو: الخنين\rولقد كان لعلماء اللغة العرب المحدثين آراء متباينة بخصوص هذه القضية. فلقد انطلقوا من فكرة المناسبة الطبيعية بين الألفاظ ومعانيها))، وحصروا أنفسهم داخل هذه القضية، لينتهوا في الأخير إما إلى إنكار هذه المناسبة الطبيعية، وأما إلى الإقرار بها عن اقتناع كامل.","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"ولعل السيوطي هو الذي صرح بفكرة المناسبة هذه، وذلك عندما علق على الألفاظ التي أوردها في مزهره في باب مناسبة الألفاظ للمعاني)) قائلاً: فانظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في المعاني، فجعلت الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى وأقل وأخف عملاً أو صوتاً، وجعلت الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر لما هو أقوى عملاً وأعظم حساً…)).(15)\rأقول إن السيوطي هو الذي صرح بفكرة المناسبة هذه، وذلك بعدما جمع مادته من مؤلفات سابقيه كسيبويه، وابن جني، والثعالبي، وابن دريد، ثم تابعه علماء عرب محدثون في هذه القضية، إلى أن انتهى أحدهم-وهو الدكتور إبراهيم أنيس- إلى وصف ما قاله ابن جني والثعالبي بتخيلات وتأملات تشبه أحلام اليقظة، وذلك في قوله: وهكذا نرى أن ابن جني كان ممن يؤمنون إيماناً قوياً بوجود الرابطة العقلية المنطقية بين الأصوات والمدلولات أو ما يسميه بعض المحدثين بالرمزية الصوتية، بل لقد غالى ابن جني في هذا ومعه الثعالبي صاحب فقه اللغة إذ جعل مجرد الاشتراك في أصلين فقط من الأصول الثلاثية دليلاً على الاشتراك في معنى عام لبعض الكلمات، فيقرر أن المعنى العام للتفرقة يكون بين صوتي الفاء والراء، والمعنى العام للقطع يكون بالقاف والطاء، إلى غير ذلك من تخيلات وتأملات تشبه أحلام اليقظة عند رجل اشتد ولعه باللغة العربية فتصور فيها ما ليس فيها، وأضفى عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغة من لغات البشر)).(16)\rويستمر الدكتور إبراهيم أنيس في إصراره على أن هؤلاء العلماء قد اشتد ولعهم بالبحث في المناسبة الطبيعية بين الألفاظ ومعانيها، لينتهي في الأخير إلى إنكار هذه القضية.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"الواقع أن ما ذهب إليه الدكتور أنيس لا يعد بدعاً في الدرس اللغوي الحديث، بل سبقه إلى ذلك علماء لهم قدرهم في مجال البحث اللغوي. فهذا سوسير)) رائد علم اللغة الحديث يتحدث عما يسمى باعتباطية العلامة اللغوية L,arbitraire du signe linguisique، ويذهب إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، ويضرب لذلك مثلاً بكلمة Soeur، ويرى أنه لا توجد أية رابطة بين الفونيمات S.O.R وبين مدلولها، بل أنه يمكننا أن نعبر عن هذا المدلول بأي تتابع صوتي آخر مشابه، هذا بالإضافة إلى أن جميع لغات العالم تستعمل في التعبير عن هذا المفهوم كلمات تختلف اختلافاً جذرياً.(17)\rوإذا كان الدكتور إبراهيم أنيس قد ذهب مذهب كثير من علماء اللغة الغربيين في رفض مثل هذه المناسبة الطبيعية، فإن محمد المبارك من الذين ناصروا هذه القضية ودافعوا عنها دفاعاً شديداً. ولقد خصص في كتابه فقه اللغة وخصائص العربية)) مبحثين خص بهما: القيمة التعبيرية للحرف الواحد في اللغة العربية، والوظيفة البيانية والقيمة التعبيرية للحروف في اللغة العربية. فهو بعد أن يستعرض كثيراً من أقوال ابن جني وغيره، يخلص إلى القول بأن ثمة أمثلة كثيرة في العربية تدل على التناسب الصوتي والتقابل الموسيقي في تركيب الكلمات وحروفها، ولكن هذه الملاحظات والأمثلة التي أوردها بعض اللغويين قديماً وحديثاً لا تكفي لإقامة نظرة عامة واستنباط قانون عام قبل توسيع أفق الملاحظة والاستقراء، وهي على كل حال تدل على ما في اللغة العربية من الخصائص الموسيقية في تركيب كلماتها، وعلى ما بينها وبين الطبيعة من تقابل صوتي وتوافق في الجرس، وذلك أول دليل تقدمه لنا العربية من خاصتها الطبيعية وعلى أنها بنت الفطرة والطبيعة)).(18)","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"ونظرة الأستاذ محمد المبارك هذه قد سبقت هي الأخرى بنظرات علمية لغوية غربية، تؤيد هذه العلاقة وتناصرها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر العالم اللغوي يسبرسن)) الذي يذهب إلى أن مثل هذه العلاقة ليست مطردة في جميع كلمات اللغة، وأن الكثير من هذه الكلمات التي تتمثل فيها هذه الظاهرة تزول منها مع مرور الزمن، وأن كلمات أخرى تكتسب هذه السمة ثم تزول منها، وهكذا…(19)\rوالحقيقة أن ما ذهب إليه علماء العربية-على نحو ما بيناه- لا يعني المناسبة الطبيعية فحسب- لأن هذه الظاهرة ليست مطردة بالشكل الذي يجعلنا نجزم بأنهم مولعون بها على حد تعبير الدكتور أنيس- إنما هم يتحدثون عن نظرية الفونيم بمفهومها الحديث، وهي أن الفونيم هو أصغر وحدة صوتية عن طريقها يمكن التفريق بين المعاني. فكثير من ألفاظ اللغة تتحد من حيث مكوناتها وتختلف في وحدة صوتية صغرى يتغير بموجبها معنى هذه الكلمات.\rفابن جني-كما أوضحنا ذلك من قبل- يتحدث عن مراحل معينة في نظرية الفونيم، إنه يركز على الثنائيات الصوتية التي تختلف من ناحية المخرج أو الصفات، ويرى أن تقارب معنى الكلمتين يكون نتيجة تقارب الصوتين. ولكن هذا لا يعني أن الكلمتين تحملان معنى واحداً، بل إن لكل كلمة معنى مخالفاً، ونلاحظ ذلك في مثل: الخضم والقضم، والأز والهز، والعسف والأسف… إلى غير ذلك من الأمثلة.\rأما مسألة محاكاة أصوات الطبيعة أو ما يعرف بالأنوماتوبيا Onomatopée وعلاقتها بمناسبة اللفظ للمعنى، فتلك قضية تتعلق بنشأة اللغة الإنسانية، وكان لعلماء العربية القدامى كما لعلماء اللغة المحدثين آراء ونظريات خاصة بهذا المجال.\rب-التنوين Nounation\rمن الظواهر التي تتميز بها اللغة العربية عن اللغات الأخرى ظاهرة التنوين، وهي ظاهرة ذات أثر كبير في علوم العربية كالنحو، والصرف، والعروض، والقراءات، ولذلك اهتم بها النحاة واللغويون في القديم والحديث، وأفردوا لها أقساماً خاصة.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"والتنوين عبارة عن نون ساكنة تلحق آخر الاسم لفظاً لا كتابة. وهذا هو التعريف الذي اتفق عليه النحاة مع اختلافات لفظية بسيطة. أما علماء الأصوات فالتنوين عندهم عبارة عن حركة قصيرة بعدها نون (20) ، وهم يشيرون-بذلك- إلى أن مثل هذه الظاهرة أي الحركة والنون معاً) خاضعة لنظام المقاطع.\rولقد كان للمستشرق الألماني برجشتراسر)) Bergestrasser رأي آخر بخصوص ظاهرة التنوين هذه، فهو يرى أن التنوين أصله ميم كما كان في الأكدية والسبئية مثل بيت Baitun بيت Baitin، بيتا Baitan، أصلها بيتمُ Bitum، وبيتِم Bitam، وبيتَم Baitam وكلمة إن)) فإنها في العبرية im...)).(21)\rوبعد أن يذكر كثيراً من الكلمات التي أصل التنوين فيها ميم، وبعد أن يستعرض كثيراً من آراء نحاة العربية ولغوييها، يخلص إلى القول بأن أكثر ضلالات النحويين واللغويين القدماء نشأ عن جهلهم باللغات السامية)).(22)\rالمهم هو أن التنوين الذي هو ظاهرة صوتية يلعب دوراً دلالياً فعالاً. فهو يقوم نحوياً بما نستطيع أن نسميه الاختزال التركيب)).(23) أي أنه يأتي بديلاً عن حرف، أو كلمة، أو جملة.\rفمن الأول ما نلاحظه في الأسماء الممنوعة من الصرف المعتلة الآخر، وذلك في مثل: غواش، وجوار، ودواع، ونواه، وقد جاء التنوين هنا بديلاً عن حرف الياء.(24)\rومن الثاني ما نجده بعد لفظتي كل)) أو بعض))، إذ يؤتى بالتنوين ويحذف المضاف إليه، وذلك في مثل: كُلُّ هالكٌ))، فإن المراد من هذه الجملة يكون مساوياً للمراد من جملة كل إنسان هالك))(25) . وكذلك في مثل: ظهرت نتيجة امتحان الطلبة فبعضٌ ناجحٌ وبعضٌ راسب))، أي: فبعض الطلبة ناجح وبعضهم راسب. نلاحظ في هذين المثالين أن التنوين الذي لحق كلاً من كل)) وبعض)) قد جاء بديلاً عن كلمتي إنسان)) والطلبة)).(25)","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"ومن الثالث ما نجده بعد إذ)) التي تأتي مضافاً إليه، وذلك في مثل قوله تعالى: يومئذٍ تحدّث أخبارها)(26) . يقول ابن يعيش: فالأصل يومئذْ تزلزل الأرض زلزالها، وتخرج الأرض أثقالها، ويقول الإنسان ما لها، فحذفت هذه الجمل الثلاث وناب منابها التنوين)).(27)\rكما يقوم التنوين كذلك بوظيفة العمل، أي أنه إذا لحق اسم الفاعل مثلاً فإنه يعمل في الاسم الذي يليه بالنصب. ونلاحظ ذلك في قول الكسائي: اجتمعت وأبو يوسف عند هارون الرشيد، فجعل أبو يوسف يذم النحو ويقول ما النحو؟ فقلت- وأردت أن أعلمه فضل النحو- ماذا تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتل غلامك، وقال آخر: أنا قاتل غلامك، أيهما كنت تأخذ به. قال: آخذهما جميعاً. فقال له هارون: أخطأت- وكان له علم بالعربية-. فاستحى وقال: كيف ذلك. فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال أنا قاتل غلامك بالإضافة لأنه فعل ماض. فأما الذي قال أنا قاتل غلامك بلا إضافة فإنه لا يؤخذ لأنه مستقبل لم يكن بعد…)). (28)\rنلاحظ في هذا المثال أن التنوين قد أدى دوراً دلالياً هاماً. فالذي قال: أنا قاتل غلامك بالتنوين) قد ربط الحدث بالمستقبل ومن ثم فلا جناية عليه، على العكس من القاتل: أنا قاتل غلامك بالإضافة)، فإن فعله قد ارتبط بالماضي فصار الحدث واقعاً، وبالتالي يكون قد أقر بالجناية.(29)","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"ومن الدلالات التي يؤديها التنوين كذلك: التفريق في بنية الكلمة من حيث التعريف والتنكير. فهو عندما يلحق المبنيات تكون وظيفته التنكير للكلمة الملحق بها. ولقد قسم النحاة هذا النوع إلى قسمين: قياسي وسماعي. أما القياسي فيكون في الأسماء المختومة بـ ويه)) كخالويه، وعمرويه، وسيبويه. فإذا أردت أن تتحدث عن واحد من هؤلاء، وكان معهودا بينك وبين من تخاطبه، معروفاً بهذا الاسم، لا تختلط صورته في الذهن بصورة غيره، فإنك تنطق باسمه من غير تنوين، وأنت بهذا تتكلم عنه كما تتكلم عن الأعلام الأخرى، التي يدل الواحد منها على فرد خاص بعينه، مثل: محمد، أو صالح، أو علي.\rأما إذا أتيت بالتنوين في آخر الكلمة، فإن المراد يتغير إذا تصير كمن يتحدث عن شخص غير معين، لا يتميز عن غيره من المشاركين له في الاسم، وكذلك حين تتحدث عن رجل أي رجل مسمى بهذا الاسم.\rوأما السماعي فيكون في أسماء الأفعال، وأسماء الأصوات، وذلك مثل: صه، وايه، وغاق. فهذه الكلمات وأشباهها تكون منونة حيناً، وغير منونة حيناً آخر، كأن تسمع شخصاً يتحدث في أمر معين لا يهمك سماعه، فتخاطبه بقولك: صه بسكون الهاء)، تريد منه السكوت عن الكلام في هذا الأمر المخصوص الذي يتحدث فيه… أما إذا خاطبته بقولك: صه بالتنوين) فيكون مرادك حينئذ طلب السكوت عن الكلام في جميع الموضوعات لا في موضوع معين)).(30)\rهذا وللتنوين وظائف أخرى كثيرة، اقتصرنا على ذكر أهمها، والتي نعتقد أنها واضحة المعالم من بنية الدلالة.\rج-النبر Accent\rلعلماء اللغة المحدثين تعريفات عديدة للنبر، تتفق جميعها عل أنه الضغط على مقطع معين بحيث يكسبه ذلك سمة الوضوح السمعي عن المقاطع الأخرى، وهذه بعض التعريفات:\rإعطاء مزيد من الضغط أو العلو لمقطع من بين مقاطع متتالية.(31)\rإشباع مقطع من المقاطع، وذلك بتقوية ارتفاعه الموسيقي، أو شدته، أو مداه، أو عدة عناصر منها في آن واحد.(32)","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"وضوح نسبي للصوت أو المقطع، مقارنة ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام.(33)\rبذل طاقة معينة عند أداء الصوت أو المقطع من طرف أعضاء النطق.(34)\rوقد اختلفت آراء هؤلاء العلماء أعني علماء اللغة المحدثين) بخصوص وجود ظاهرة النبر في اللغة العربية الفصحى. ففي حين يذهب كارل بروكلمان)) K. Brockelman- وهو من العارفين باللغات السامية- إلى أن النبر موجود في اللغة العربية ويتوقف على كمية المقطع فإنه يسير من مؤخرة الكلمة نحو مقدمتها، حتى يقابل مقطعاً طويلاً فيقف عنده، فإذا لم يكن في الكلمة مقطع طويل فإن النبر يقع على المقطع الأول منها))(35) ، يذهب برجشتراسر)) إلى أن ظاهرة النبر نادرة في اللغة العربية الفصحى، عكس اللهجات العربية التي تكثر فيها هذه الظاهرة.(36)\rوأما الدكتور إبراهيم أنيس فيذهب إلى أنه لا يوجد لدينا دليل مادي يهدينا إلى مواضع النبر في اللغة العربية كما نطق بها الأقدمون في العصور الإسلامية الأولى، إضافة إلى أن المؤلفين القدماء لم يتناولوا في مؤلفاتهم هذه الظاهرة.(37)\rالشيء نفسه يذهب إليه الدكتور أحمد مختار عمر، إذ يرى أن اللغة العربية لا تستخدم النبر كملمح تمييزي، وأننا لا نملك دليلاً مادياً يبين كيف كان الأقدمون ينبرون كلماتهم، على أساس أن قدماء اللغويين العرب لم يهتموا بتسجيل هذه الظاهرة.(38)\rويصرح الدكتور عبد الرحمن أيوب أن النبر لم يحظ باهتمام علماء اللغة العرب القدامى.(39)\rوبعد: هل صحيح أن علماء العربية لم يتناولوا في مؤلفاتهم قضية النبر هذه؟ أو أنهم أشاروا إليها ولكن بأسماء ليست معروفة في علم اللغة الحديث؟\rالحقيقة أن هناك من العرب من عرف النبر بمعنى الهمز. قال ابن منظور)): والنبر همز الحرف، ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي قدم الكسائي يصلي في المدينة فهمز، فأنكر أهل المدينة عليه وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن)).(40)","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"ومصطلح النبر هذا أشار إليه ابن جني بمعنى تطويل بعض حركات الكلمة وسماه مطل الحركة)). قال: وحكى الفراء عنهم: أكلت لحماً شاة، فمطل الفتحة فأنشأ عنها ألفا. ومن إشباع الكسرة ومطلها ما جاء عنهم من الصياريف، والمطافيل والجلاعيد)).(41)\rويقول في موضع آخر: وذلك قولهم عند التذكر مع الفتحة في قمت: قمتا، أي قمت يوم الجمعة، ونحو ذلك، ومع الكسرة: أنتي، أي أنت عاقلة، ونحو ذلك، ومع الضمة: قمتو، في قمت إلى زيد ونحو ذلك)).(42)\rوما سماه ابن جني المطل)) سماه سيبويه الإشباع)). يقول: فأما الذين يشبعون فيمططون، وعلامتها واو وياء، وهذا تحكمه لك المشافهة، وذلك قولك: يضربها، ومن مأمنك. وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا. وذلك قولك: يضربها ومن مأمنك، يسرعون اللفظ. ومن ثم قال أبو عمرو إلى بارئكم)).(43) ويدلك على أنها متحركة قولهم: من مأمنك فيبينون النون، فلو كانت ساكنة لم تحقق النون)).(44)\rمن خلال ما تقدم نستنتج أن قدامى اللغويين العرب لم يعرفوا النبر بمعنى الضغط على مقطع من مقاطع الكلمة. وهذا هو وجه الاختلاف بينهم وبين علماء اللغة المحدثين. ولعل ذلك راجع إلى كونه أي النبر) لا يقوم بوظيفة دلالية في العربية الفصحى، سواء أكان ذلك عن طريق الضغط أم المطل أم الإشباع. وهذا يعد في نظر الدكتور إبراهيم أنيس ميزة في اللغة العربية. يقول: ولحسن الحظ لا تختلف معاني الكلمات العربية، ولا استعمالها باختلاف موضع النبر فيها)).(45)","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وإذا كان النبر ليس ذا ملمح تمييزي في العربية الفصحى، فإن العامية العربية يلعب فيها النبر دوراً دلالياً هاماً. فقد يستخدم النبر في العامية ليكون مميزاً بين أكثر من معنى للكلمة الواحدة. فكلمة قلم) يكون النبر فيها على المقطع الأول عندما يراد بها الإخبار، أو الإثبات، أو الإجابة عن سؤال، مثل: ماذا بيدك؟ أو ماذا في حقيبتك؟ فتكون الإجابة قلم) بنبر قوي على المقطع الأول. أما إذا استخدمت كلمة القلم) ليراد بها الاستفهام في العامية أو التعجب فإن النبر القوي ينتقل إلى المقطع الثاني، كأن نقول قلم) ونحن نريد أن نقول: هل معك قلم…؟ أو في جيبك قلم…؟))(46)\rوأما في اللغات الأخرى كالإنجليزية والفرنسية فإن النبر فيها ذو وظيفة دلالية. ففي الإنجليزية-مثلاً- نجد أن النبر إذ وقع على المقطع الأول كانت الكلمة اسماً، أما إذا وقع على المقطع الثاني فتكون الكلمة فعلاً. مثال ذلك:(47)\rاسم فعل\rIncrease In,crease\rCompact Com,pact\rSubject Sub,ject\rاسم فعل\rAccent Ac,cent\rConduct Con,duct\rج-التنغيم Intonation\rالتنغيم عبارة عن تنويعات صوتية تكسب الكلمات نغمات موسيقية متعددة. ولقد كان لعلماء اللغة المحدثين تعريفات مختلفة، نذكر منها ما يلي:\r- هو عبارة عن تتابع النغمات الموسيقية أو الإيقاعات في حدث كلامي معين.))(48)\r- هو المصطلح الصوتي الدال على الارتفاع =الصعود) والانخفاض =الهبوط) في درجة الجهر في الكلام.))(49)\r- هو رفع الصوت وخفضه في أثناء الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة للجملة الواحدة.))\r(50)\r- هو الإطار الصوتي الذي تقال به الجملة في السياق.))(51)\rتتفق هذه التعريفات جميعها على أن التنغيم عنصر صوتي تتراوح شدته بين الارتفاع والانخفاض، وذلك على مستوى الحدث الكلامي.","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"ولقد فرق بعض اللغويين بين مصطلحين أساسيين هما: النغمة Ton والتنغيم Intonation. فأما النغمة فتكون على مستوى الكلمات المفردة، في مثل: نعم، لا، ولد، الخ… وأما التنغيم فيكون على مستوى الجملة. (52)\rويتفق جميع علماء اللغة المحدثين- على اختلاف مدارسهم- على أن التنغيم يقوم بدور دلالي في بعض اللغات كالصينية واليابانية، ولا يقوم بمثل هذه الوظيفة في بعض اللغات الأخرى كالعربية مثلاً. ويزعمون أن قدامى اللغويين العرب لم يسجلوا هذه الظاهرة في كتبهم لأنها ليست ذات قيمة صرفية أو نحوية. فهذا برجشتراسر)) يقول: … فتعجب كل العجب من أن النحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النغمة ولا الضغط أصلاً. غير أن أهل الأداء والتجويد خاصة رمزوا إلى ما يشبه النغمة، ولا يفيدنا ما قالوه في شيء، فلا نص نستند عليه في إجابة مسألة كيف كان حال العربية الفصيحة في هذا الشأن.))(53)\rوهذا الدكتور رمضان عبد التواب يقول: ولم يعالج أحد من القدماء شيئاً من التنغيم ولم يعرفوا كنهه. غير أننا لا نعدم عند بعضهم الإشارة إلى بعض آثاره في الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة.))(54)\rنلاحظ من خلال هذين القولين مدى التناقض الصريح الذي وقعا فيه. فهما من جهة يتعجبان ويجزمان قطعا بأن القدماء لم يعالجوا هذه القضية في مؤلفاتهم، ولكنهما- من جهة أخرى- لا ينفيان وجودها عند بعضهم كابن جني وبعض من أهل الأداء والتجويد.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"والحقيقة-في نظري- أن المسألة ليست مسألة نفي أو إثبات، بقدر ما هي مسألة استقراء، وإعادة قراءة للتراث. فمن المسلّم به أن لكل عصر منهجه، ومصطلحاته، ولكل باحث طريقته في تسجيل الظواهر اللغوية. فإذا كان علم اللغة الحديثة يميل إلى التخصص في كثير من الفروع اللغوية، حتى أصبح كل فرع منها علم قائم بذاته، فإن الدراسات اللغوية القديمة يغلب عليها طابع الإلمام بكل هذه الفروع، بل إن العرف الذي كان سائداً آنذاك هو أن العالِم لأيون عالِما بحق إلا إذا كان ضليعاً في جميع الفروع اللغوية. يقول ابن قتيبة: وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالاسم، ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة، ولكنها لمن شدا شيئاً من الإعراب، فعرف الصدر والمصدر، والحال والظرف، وشيئاً من التصاريف والأبنية، وانقلاب الياء عن الواو، والألف عن الياء، وأشباه ذلك.))(55)\rوفي هذا القول-كما نرى- إشارة صريحة إلى أن اللغوي الحقيقي هو ذلك الذي يكون على دراية بالمسائل الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وهي كلها فروع علم اللغة الحديث.\rوبعد: هل كان للغويين العرب القدماء حديث عن التنغيم؟ وإذا كان الجوابنعم)) فتحت أي مصطلح عالجوا هذه القضية؟\rرأينا قبل قليل أن علماء العربية لا يفصلون في دراساتهم بين القضايا النحوية، والصرفية، والصوتية، وغير ذلك، ومن ثم فإن نظرة فاحصة في مختلف أبواب كتب التراث تكشف لنا عن كثير من القضايا الصوتية التي عالج بها القدماء مسائل نحوية، ومن بين هذه القضايا قضية التنغيم.","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"فهذا ابن جني مثلاً يتحدث في كتابه الخصائص)) عن مسوغات حذف الصفة، ويورد في ذلك حديثاً ممتعاً هذا نصه: وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها. وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل. وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها. وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك. وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلاً! فتزيد في قوة اللفظ بالله) هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها) أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنساناً! وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفة بقولك: إنساناً سمحا أو جواداً أو نحو ذلك.))(56)\rفهذا الحديث الممتع لابن جني يدل على أنه أدرك بفكره الثاقب أن التنغيم وتعبيرات الوجه التي تصاحب قول القائل تلعب دوراً دلالياً هاماً، إذ تساعد في فهم كثير من القضايا النحوية. وأعتقد أن لا أحد ينكر بأن مصطلحات: التطويح، والتطريح، والتفخيم، والتعظيم، والتمطيط، كلها وسائل تنغيمية تصدر عن المتكلم، وأي واحد من هذه المصطلحات- في نظري- يمكن أن يقابل مصطلح التنغيم في علم اللغة الحديث.\rومن ذلك أيضاً ما ذهب إليه ابن يعيش)) وهو يتحدث عن أسلوب الندبة حيث يقول: أعلم أن المندوب مدعو ولذلك ذكر مع فصول النداء لكنه على سبيل التفجع، فأنت تدعوه وإن كنت تعلم أنه لا يستجيب، كما تدعو المستغاث به وإن بحيث لا يسمع كأن تعده حاضراً.\rوأكثر ما يقع في كلام النساء لضعف احتمالهن وقلة صبرهن، ولما كان مدعواً بحيث لا يسمع أتوا في أوله با أو وا) لمد الصوت، ولما كان يسلك في الندبة أو النوح مذهب التطريب زادوا الألف آخر للترنم)).(57)","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"وهنا نجد ابن يعيش يستعمل مصطلحين آخرين يقابلان مصطلح التنغيم، وهما: التطريب والترنم.\rومما ذكره السيوطي بخصوص هذه القضية كذلك قوله: حدث المرزباني عن إبراهيم ابن إسماعيل الكاتب قال: سأل اليزيديُ الكسائيَ بحضرة الرشيد فقال: انظر أفي هذا الشعر عيب؟ وأنشده…\rلا يكون العيرُ مهراً لا يكون المهرُ مهرُ\rفقال الكسائي قد أقوى الشاعر. فقال له اليزيدي: انظر فيه. فقال: أقوى، لابد أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان. فضر اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنما ابتدأ فقال المهر مهر)).(58)\rإذن، لقد ذهب اليزيدي-بفطنته- إلى أن التنغيم لعب هنا دلالة نحوية كبيرة. فالقراءة السليمة لهذا البيت تكون بتحقيق سكتة على كلمة لا يكون)) الثانية، مع مط قليل في الصوت، بحيث تكون القراءة كما يلي: لا يكون العبر مهرا لايكون))، ومن ثم فإن لا يكون)) الثانية جاءت توكيداً لفظياً لما قبلها.\rهذه بعض من المقتطفات التي أعتقد أنها إشارة إلى ظاهرة التنغيم، والفرق- فيما أرى- يكمن في وضع المصطلح ليس غير.\rالهوامش:\r(1) ينظر الدكتور محمد أحمد أبو الفرج: مقدمة لدراسة فقه اللغة، دار النهضة العربية بيروت الطبعة الأولى 1969م، ص132 وما بعدها.\r(2) Al-Khuli M.A) : A Dictionary of theoretical linguistics. Librairie de Liban Beirut. First edition 1982, p209\r(3) سورة الرحمن: 66\r(4) ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى للطباعة والنشر بيروت بلا تاريخ، 2/ 157-158\r(5) نفسه: 2/158\r(6) ابن جني: المحتسب، تحقيق علي النجدي ناصف والدكتور عبد الحليم النجار والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، القاهرة 1368هـ 2/55\r(7) ابن جني: المحتسب 2/18\r(8) Ullman S: The principles of semantics. Basic Blackwel, OXFord 1957, pp 31-32\r(9) Firth J.R) : Papers in linguistics. Oxford university press. London 1957, pp 44-46","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"(10) ابن جني: الخصائص 2/149\r(11) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجليل بيروت، الطبعة الأولى 1991م 4/438-441\r(12) نفسه 4/485 وما بعدها\r(13) نفسه 5/101-106\r(14) ينظر السيوطي: المزهر في علوم اللغة، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم وآخرين دار التراث بالقاهرة الطبعة الثالثة بلا تاريخ) 1/52-55\r(15) نفسه 1/53\r(16) الدكتور إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة الطبعة الثانية 1972م، ص126\r(17) De Saussire F) : Cours de linguistique générale. Entreprise nationale des arts graphiques Reghaia Algérie 1991, p110\r(18) محمد المبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دار القلم بيروت 1968 ص261\r(19) jespersen o): Language its nature ,deseelopent and origin. Lonolon 1964. pp396-402.\r(20) إبراهيم أنيس: مرجع سابق ص239\r(21) ج. برجشتراسر: التطور النحوي للغة العربية، مطبعة السماح بالقاهرة 1929 ص17\r(22) نفسه ص33\r(23) هذا المصطلح يقابل ما يسميه النحويون العوض) )\r(24) ينظر ابن هشام: أوضح المسالك دار الجيل بيروت الطبعة الخامسة 1979، 1/15 وينظر أيضاً شرح ابن عقيل دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت الطبعة السادسة عشرة 1979 1/18\r(25) ينظر الدكتور عوض المرسي جهاوي: ظاهرة التنوين في اللغة العربية، مكتبة الخانجي بالقاهرة ودار الرفاعي بالرياض، الطبعة الأولى 1982 ص99-100، وينظر أيضاً الدكتور أحمد كشك: من وظائف الصوت اللغوي محاولة لفهم صرفي ونحو ودلالي) ، مطبعة المدينة بالقاهرة الطبعة الأولى 1983 ص14\r(26) سورة الزلزلة: 4\r(27) ابن يعيش: شرح المفصل، عالم الكتب بيروت بلا تاريخ) 9/30\r(28) السيوطي: الأشباه والنظائر تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة 1975، 3/245\r(29) ينظر أحمد كشك: مرجع سابق ص15\r(30) عوض المرسي جهاوي: مرجع سابق ص89-90، وشرح ابن عقيل: 1/17، وأوضح المسالك: 1-14","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"(31) ماريو باي: أسس علم اللغة، ترجمة الدكتور أحمد مختار عمر، عالم الكتب بالقاهرة الطبعة الثانية 1983 ص93\r(32) جان كانتينو: دروس في علم أصوات العربية، ترجمة الدكتور صالح القرمادي سنة 1969 ص188\r(33) ينظر الدكتور تمام حسان مناهج البحث في اللغة، الطبعة الأولى 1955 ص160\r(34) ينظر الدكتور كمال محمد بشر: علم اللغة العام: الأصوات، القاهرة 1970 ص210\r(35) كارل بروكلمان: فقه اللغات السامية، ترجمة الدكتور رمضان عبد التواب، الرياض 1977 ص45\r(36) ينظر برجشتراسر: مرجع سابق ص46-47\r(37) ينظر الدكتور إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثالثة 1976 ص46\r(38) ينظر الدكتور أحمد مختار عمر: دراسة الصوت اللغوي، الطبعة الأولى 1976 ص307\r(39) ينظر الدكتور عبد الرحمن أيوب: محاضرات في اللغة، مطبعة المعارف بغداد 1966 ص145\r(40) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى 1992، 5/189\r(41) ابن جني: الخصائص 3/123\r(42) نفسه 3/129-130\r(43) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى 1992، 5-189\r(44) سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ودار الرفاعي بالرياض، الطبعة الثانية 1983، 4/202\r(45) إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية، ص175\r(46) الدكتور محمد علي رزق الخفاجي: علم الفصاحة العربية، دار المعارف القاهرة، الطبعة الثانية 1982، ص190-191\r(47) ينظر الدكتور محمود السعران: علم اللغة مقدمة للقارئ العربي) ، دار الفكر العربي القاهرة بلا تاريخ) ص210. وينظر الدكتور كريم زكي حسام الدين: أصول تراثية في علم اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية 1985، ص187. وينظر محمد علي رزق الخفاجي: مرجع سابق ص189\r(48) ماريو باي: مرجع سابق، ص93\r(49) محمود السعران: مرجع سابق، ص210","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"(50) الدكتور رمضان عبد التواب: المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة الثانية 1985، ص106\r(51) الدكتور تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1973، ص226\r(52) ينظر كريم زكي حسام الدين: مرجع سابق، ص189\r(53) برجشتراسر: مرجع سابق، ص46\r(54) رمضان عبد التواب: المدخل إلى علم اللغة، ص106\r(55) ابن قتيبة: أدب الكاتب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية بالقاهرة 1355هـ، ص12\r(56) ابن جني: الخصائص، 2/370-371\r(57) ابن يعيش: مرجع سابق، 2-13\r(58) السيوطي: الأشباه والنظائر، 3/245\r* كلية الآداب = جامعة باتنه- الجزائر.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"الأضداد.. في اللغة العربية ____ نصر الدين البحرة\r\nإذا رأينا أن وضع كتب الأضداد، يدخل في مجال التأليف المعجمي، فإنه اقترن تاريخياً بولادة هذا النوع من الكتابة. وقد \"ولدت معجماتنا اللغوية صغيرة متفرقة غير منظمة، ثم نمت شيئاً فشيئاً، وتوسعت وتكاملت جيلاً بعد جيل\"(1)\r\nوعلى الرغم من أن الصينيين واليونان قد سبقوا العرب في وضع المعاجم ببضع مئات السنين، إلا أن العرب سبقوا أوروبا في هذا المضمار بأكثر من تسعة قرون ذاك أن تأليف أول معجم عربي يعود إلى القرن الثامن الميلادي، في حين يرجع تأليف أول معجم أوروبي إلى القرن السابع عشر، وهو معجم انكليزي(2).\r\nولقد جمعت ألفاظ اللغة العربية ودونت ورتبت خلال ثلاث مراحل تاريخية، بدأت الأولى منها أواخر القرن الهجري الأول واستغرقت زهاء مئة سنة حتى أواخر القرن الثاني للهجرة. وفي هذه المرحلة جمعت الأحاديث الشريفة والقصائد الشعرية وبعض الأعمال النثرية. \"وكان علماء اللغة يأخذون الألفاظ العربية من أفواه عرب الصحراء، أو الوافدين على الأمصار، ممن لم تتأثر ألسنتهم بمخالطة الأعاجم.\"(3)في المرحلة الأولى جمعت المفردات والألفاظ كيفياً دون ترتيب أو تنظيم \"لأن الغاية كانت تتجه أولاً إلى الجمع والتدوين دون غيره، خوفاً على العربية من الغريب الدخيل\"(4) وعرفت المرحلة الثانية قدراً أكبر من التنظيم، كجمع الألفاظ التي تشترك في حرف واحد أو التي ترتبط برابطة الأضداد. وفي المرحلة الثالثة وضعت المعجمات الشاملة المنظمة، واعتمد مؤلفوها على ما كُتب في المرحلتين السابقتين، فجمعوا وأضافوا ورتبوا ونسقوا.\rوفي هذه الأثناء ظهرت كتب الأضداد وهي \"التي جمعت ألفاظاً تأخذ معنيين متضادين، بحيث يمكن استخدام كل لفظة منها لمعنيين متنافرين، إذ أن كل لفظة تعني الشيء وضدَّه\"(5)\rوبين الذين وضعوا معجمات الأضداد: الأصمعي، والسجستاني، وابن السكّيت وقطرب، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان، والصغاني، وابن الأنباري. وقد قام المستشرق أوغست هفنر بتحقيق كتب الأضداد التالية:\r- الأضداد - تأليف الأصمعي. \"ت- 215هـ\"\r- الأضداد -تأليف ابن السكّيت \"ت- 244هـ\"\r- الأضداد- تأليف السجستاني \"ت- 255هـ\"\rونشرتها معاً في بيروت سنة 1913م دار الكتب العلمية. ونشر هفنر أيضاً كتاب الصغاني في الأضداد في السنة ذاتها وجعله ذيلاً للكتب الثلاثة.\rأما كتاب قطرب \"الأضداد\" فقد حققه المستشرق هانس كوفلر ونشره عام 1931 في مجلة “ISLAMICA” المجلد الخامس.(6)\rوحقق الدكتور عزة حسن كتاب أبي الطيب اللغوي: \"الأضداد في كلام العرب\" ونشره المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1382هـ - 1963م.\rوتولى تحقيق كتاب ابن الدهان \"الأضداد في اللغة\" محمد آل ياسين ونشرته مكتبة النهضة في بغداد ط2 سنة 1382هـ- 1963م.\n","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"أما كتاب الأضداد لابن الأنباري(7) محمد بن القاسم، فقد صدر في طبعة حديثة أولى في القاهرة سنة 1325هـ \"اعتنى بضبطها بالشكل وتصحيحها -حضرة- ملتزم طبعها الشيخ محمد عبد القادر سعيد الرافعي، صاحب المكتبة الأزهرية مع العلامة اللغوي الشيخ أحمد الشنقيطي بعد مقابلتها على نسخة قديمة من خط المؤلف- يعني: ابن الأنباري\"(8).\rوصدر هذا الكتاب أيضاً في الكويت، من تحقيق \"أبو الفضل ابراهيم\" -التراث العربي عام 1960. وفي هذه الدراسة سنعتمد الكتاب الأول الذي حققه العلامة الشنقيطي.\rوجهة نظر في تفسير \"الأضداد\"\rيقول د. مراد كامل في تقديمه كتاب \"الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية\" لجرجي زيدان في طبعة جديدة:(9)\r\"في أوائل القرن العشرين استطاع \"موريس جرامون\" و \"أنطون مييه\" و \"جوزيف فندريس\" أن يثبتوا أن التغيرات الصوتية وغيرها من التغيرات اللغوية، لا يمكن القول إنها مماثلة للتغيرات التي تحدث في العالم الطبيعي، كما ذهب علماء اللغة خلال القرن التاسع عشر، ولكنها تدل على تفاعل بين الدوافع النفسية الفيزيولوجية، وبين نظام اللغة الذي تطرأ عليه التغيرات. والتغيرات تحدث في الأفراد في اللاشعور أو على هامش الشعور\"(10).\rيدخل \"التضاد\" في صميم هذه التغيرات التي تحدث في الأفراد على صعيد اللاشعور.فإن رؤية الشيء أو الحركة، قد تستدعي في اللحظة ذاتها ضده أو ضدَّها. وهذا ما يفسره علم النفس في دراسته تداعي الأفكار، فقد جعل لذلك قانوناً بثلاثة بنود:\r- التداعي بالاقتران \"اقتران شيء بشيء\".\r- التداعي بالتشابه \"فلان يشبه فلاناً\".\r- التداعي بالتضاد \"أبيض أسود\".","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"ولكن التضاد الهام جداً في اللغة العربية هو ذاك الذي يجعل المعنيين المختلفين- وأحياناً: عدة معانٍ -كامنين في قلب الكلمة الواحدة \"فالجَوْن\" تعني الأبيض والأسود. و \"القَنيص\" للصائد والمصيد. و \"الكري\" للمستأجِر والمستأجَر. و\"الطرب\" للفرح والحزن. وهذا ما يؤكد أن العقل العربي هو في طبيعته غير سكوني. بل هو جدلي Dialectical.\rإن الدكتور عبد الكريم اليافي(11) في دراسة فريدة له عن أبي تمام يستخرج من بعض شعره من الأضداد ما يحمله على القول إن التضاد هو أساس التفكير عنده.\rويرى أيضاً أن أبا تمام \"يرى من خلال التضاد أن الحركة هي الأصل في حُسْن الطبيعة وجمال الأرض\" وهو يذهب أبعد من ذلك فيقول:\r\" حين نطالع شعر أبي تمام نجد أنه قد سبق هيغل وأمثاله من الفلاسفة بعصور طويلة فشق طريق الديالكتيك المستند إلى صراع الأضداد، فهو في الحقيقة أبو الجدل الحديث\".\rومن الأمثلة الموفقة التي يقدمها الدكتور اليافي في هذا المجال قول أبي تمام:\rفصواب من مقلتي أن تصوبا\r\rمن سجايا الطلول ألا تجيبا\r\rتجد الدمع سائلاً ومجيبا\r\rفاسألنها واجعل بكاك جواباً\r\rوإذا كانت \"الأضداد\" توضح حركة الذهن العربي وجدليته، من خلال المفردات التي هي مادة التفكير، فإنها تؤكد من جانب آخر، في الوقت نفسه، مرونة هذا الذهن وقابليته للنقاش وسعة الرؤية اللغوية.\rمن أساليب التضاد\rهنالك أكثر من أسلوب للنفي حسب حركة الذهن، فيمكن أن نقول مثلاً:\r\"طويل- وغير طويل أو- لا طويل\" كذلك القول \"قصير- غير قصير أو- لا قصير\".\rومثل ذلك قولنا: \"أسود- لا أسود أو- غير أسود\" كذلك القول: \"أبيض- غير أبيض أو- لا أبيض\".","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"ولكن الطبيعي أن نقول \"طويل وقصير\" و \"أسود وأبيض\" مثلما نقول \"حركة وسكون\" و \"ظلام وضياء\" وهناك معجمات كثيرة اهتمت بهذه الأضداد في بعض فصولها، هي معجمات المعاني مثل \"فقه اللغة\" للثعالبي و \"تهذيب الألفاظ\" لابن السكّيت و \"الألفاظ الكتابية\"(12) للهمذاني. وفيه فصل عنوانه \"باب الأضداد\" منه \"الفرح والغم. اليسار والفقر. المدح والثلب. الدنّو والبعد. الإظهار والكتمان.. إلخ\".\r.. إلا أن ما يعنينا هنا هو اجتماع المعنيين أو أكثر في لفظ واحد، وهذا ما اهتمت به معجمات الأضداد، وبينها كتاب ابن الأنباري الذي نحن في صدد الحديث عنه.\rفي تعريف الأضداد\rورد في لسان العرب أن الضد هو كل شيء ضادَّ شيئاً ليغلبه. وورد التعريف نفسه في \"تاج العروس\" للزبيدي(13) وأضاف: \"السواد ضد البياض، والموت ضد الحياة: قال الليث. ويقال: لقي القوم أضدادهم وأندادهم أي: أقرانهم. وقال الأخفش: الند هو الضد والشبه. وقال ابن السكيت: حكى لنا أبو عمرو: الضد مثل الشيء. والضد: خلافه.\rوجاء في \"المصباح المنير\"(14): الضد هو النظير والكفء. والجمع أضداد. والضد خلافه. و (ضادّه) (مضادةً) إذا باينه مخالفة و (المتضادان) اللذان لا يجتمعان كالليل والنهار.\rوأشار الشرتوني في \"أقرب الموارد\"(15) إلى ما دعاه \"لغات الأضداد\": اللغات الدالّة على معنيين متضادين كالضد للمثل والمخالف.\rكتاب ابن الأنباري\rهناك إجماع بين الباحثين على أن كتاب \"الأضداد\" في اللغة لابن الأنباري هو واحد من أهم كتب الأضداد المطبوعة في اللغة العربية، وقد جمع فيه مئتين وثلاثاً وتسعين لفظاً من ألفاظ الأضداد. وهناك من يقول إنها ثلاثمئة(16).","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"وهو يستهل كتابه بتبيان الغرض من تأليفه قائلاً: \"وقد جمع قوم من أهل اللغة الحروف -يعني: الكلمات- المتضادة. صنّفوا في إحصائها كتباً نظرت فيها فوجدت كل واحد منهم أتى من الحروف -الكلمات- بجزء، وأسقط منها جزءاً.وأكثرهم أمسك عن الاعتلال لها، فرأيت أن أجمعها في كتابنا هذا، على حَسَب معرفتي ومبلغ عملي، ليستغني كاتبه والناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلفة في مثل معناه\"(17).\rوكان قبل ذلك، قد عرض وجهة النظر التي تعارض فكرة الأضداد أي أنْ \"يكون الحرف -الكلمة- مؤدياً عن معنيين مختلفين. ويظن أهل البِدَع والزَيغ والإزراء بالعرب أن ذلك كان منهم لنقصان حكمتهم وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم عند اتصال مخاطباتهم، فيسألون عن ذلك ويحتجّون بأن الاسم منبئ عن المعنى الذي تحته، ودال عليه، وموضح تأويله.\rفإذا اعتور اللفظة الواحدة معنيان مختلفان، لم يعرف المخاطب أيهما أراد المخاطِب، وبطل بذلك تعليق الاسم على المسمى(18)\".\rويَردّ ابن الأنباري على هذا الاعتراض الذي تضمن وجهة نظره في قائله، وهو لا بد أن يكون من الشعوبيين(19) \"أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب\" فيقول:\r\"فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه، بضروب من الأجوبة، أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد فمن ذلك قول الشاعر:\rوالفتى يسعى، ويلهيه الأمَلْ\r\rكل شيء ما خلا الموتَ جلَلْ\r\rفدل ما تقدم قبل \"جلل\" وتأخر بعده على أن معناه: \"كل شيء ما خلا الموت يسير\" ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هنا معناه عظيم. ويقدم ابن الأنباري مثالاً آخر:\rولئن سطوت لأُوهِنَنْ عظمي\r\rفلئن عفوتُ لأَعُفَونْ جللاً\r\rفإذا رميت، يصيبني سهمي.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"قومي همُ قتلوا أميم أخي\r\rثم يتابع شارحاً: فدل الكلام على أنه أراد \"فلئن عفوت لأعفون عفواً عظيماً، لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب يسير\" فلما كان اللبس في هذين زائلاً عن جميع السامعين، لم يُنْكَر وقوع الكلمة على معنيين مختلفين في كلامين مختلفي اللفظ\"(20).\rخطة ابن الأنباري في \"الأضداد\"\r1- لم يرتب كتابه حين وضعه ترتيباً أبجدياً، كما جرت العادة في وضع المعجمات. ولذلك فإنه بدأه بحرف هو السابع عشر في الأبجدية العربية هو \"الظاء\" في كلمة \"الظن\" التي استغرق شرحها زهاء خمس صفحات. في حين نجد حرفي \"الألف\" و \"الجيم\" في الصفحات الأخيرة من الكتاب، ورقمهما هو \"308\" و \"309\". وعدد صفحات الكتاب \"المطبوع\" هو ثلاثمئة وخمس وسبعون ورقة.\r2- لم يميز ابن الأنباري في عرض مفرداته وشرحها بين فعل وبين اسم وبين حرف. كان يقدمها ويتحدث عنها كيفياً على هواه، منتقلاً من الحروف إلى الأسماء فالأفعال دون حرج. ففي صفحتين متتاليتين في الكتاب تحدث عن هذه الكلمات:\r- \"مُشِبّ\" -اسم: للمسنّ وللشاب.\r- \"أعبل\" -فعل: إذا سقط ورقه. وإذا أخرج ثمرته.\r- \"طلعت\" -فعل: على الرجل: أقبلت عليه. وأدبرت عنه(21).\r3- يعتمد الإسهاب في الشرح، باستمرار، وربما لا تدعو الحاجة إلى ذلك. انظر إلى هذا الإسهاب: في حديثه عن \"أَشُدّ\" يقول: \"بلغ فلان أشده إذا بلغ ثماني عشرة سنة. وبلغ أشده إذا بلغ أربعين سنة. قال الله تعالى: \"حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة\". قال الفراء: ويقال الأشد أربعون سنة. قال وحكى لي بعض المشيخة بإسناد ذكره أن الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة(22).. إلخ..","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"4- يميل إلى الاستطراد كلما سنحت أمامه فرصة لذلك، ولا غرابة ما دام قد ولد بعد وفاة سيد الاستطراد وظريفه الجاحظ بعشرين سنة تقريباً: \"الجاحظ: 163- 255هـ. ابن الأنباري: 271- 328هـ\" فلا بد أنه قرأه جيداً، وتأثر بأسلوبه في الكتابة. فلننظر ماذا فعل وهو في صدد كلمة \"وثب\". \"يقال: وثب الرجل إذا نهض وطفر من موضع إلى موضع. وحِمْيَر تقول: وثب الرجل إذا قعد. وقال الأصمعي وغيره: دخل رجل على ملك من ملوك حِمْيَر، وكان الملك جالساً في موضع مشرف، فارتقى إليه، فقال الملك: ثِبْ! يريد: اجلس.فطفر فسقط فاندقت عنقه. فقال الملك: من دخل \"ظَفَار\" \"حمَّر\" أي: تكلم بلسان حمير. وقال بعضهم: معنى \"حمَّر\" تزيّا بزيِّهم، ولبس الحمْر من الثياب. و \"ظَفار\" اسم مدينة باليمن، ينسب إليها الجَزْع الظَفاري. و \"ظَفارِ\" كسرت لأنها أجريت مجرى ما سمي بالأمر كقولك: قَطامِ وحَذامِ لأنهما على مثال: قَوالِ ونَظارِ.ومن ذلك: حَلاقِ من أسماء المنيَّة، وطمارِ اسم جبل(23).\r5- يقدم الحكاية مع الشاهد، بين وقت وبين آخر، خلال شرحه مفرداته في الأضداد. مثال ذلك ما كان وهو يتحدث عن لفظة \"لحن\" فبعد أن بين أنها تقال للخطأ وللصواب، وبين وجوهاً وشواهد في ذلك، قال، مورداً حكاية:\r\"خبَّرنا الأصمعي عن عيسى بن عمر قال، قال معاوية للناس: كيف ابن زياد فيكم. قالوا: ظريف على أنه يَلْحَن، قال: فذاك أظرف له. ذهب معاوية إلى أن معنى يلحن: يفطُن ويصيب(24).\rوثمة حكاية مثلها -والحكايات كثيرة- رواها بعد العنعنة. قال: كتب معاوية إلى زياد كتاباً، وقال للرسول: إنك سترى إلى جانبه رجلاً، فقل له: إن أمير المؤمنين يقول لك قد شككت في قولك:\rوليس بمخطئ إن كان غيّا\r\rفإن يكُ حبّهم رُشْداً أصبْه\r\rوالرجل المقصود هو: أبو الأسود، القائل:\rطوال الدهر ما تنسى عليَّا\r\rيقول الأرذلون بنو قُشَيْرٍ\r\rأحب الناس كلِّهِمُ إليَّا\r\rبنو عم النبي وأقربوهُ\r\rوليس بمخطئ إن كان غيَّا","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"فإن يكُ حبهم رشْداً أصبْهُ\rفقال (الرسول) لأبي الأسود ما قال معاوية. فقال: قل له لا علم لك بالعربية، قال الله عز وجل: \"وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين\" أفترى ربّنا شك. فسكت معاوية لما بلغه احتجاج أبي الأسود(25).\rوكان ابن الأنباري يتحدث عن \"جَبْر\"، فهي: للملك والعبد، مستشهداً بقول ابن الأحمر:\rوانعم صباحاً أيها الجبر.\r\rفاسلم براووقٍ حُبيتَ به\r\rفإذا هو يستطرد إلى حديث آخر. قال:\r\"أراد أيها الملك. وقولهم: جبرئيل. معناه: عبد الله. فالجبر العبد، و \"الإيل\" و \"الإلّ\" الربوبية. وكان ابن يعمر يقرأ \"جَبْرَ إِلُّ\" بتشديد اللام. وقال بعض المفسرين \"الإِلُّ\" هو الله جل اسمه.واحتج بقول الله جل وعز \"لا يرقُبون في مؤمن إِلاًّ ولاذمَّةً\" قال: معناه لا يرقبون الله ولاذمته. ويحكى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن المسلمين لمّا قدموا عليه، من قتال مسيلمة استقرأهم بعض قرآنه فلما قرئ عليه عجب وقال: إن هذا الكلام لم يخرج من إِلٍّ أي: من ربوبية. ويقال: الإلّ القرابة والذمة والعهد(26)... إلخ\"\rثم لا ينتهي هذا الاستطراد، ذاك أننا نقرأ بعد قليل: \"وقال بعض المفسرين: جبرئيل معناه: عبد الله. وميكائيل معناه: عبد الله. واسرافيل معناه: عبد الرحمن. وكل اسم فيه إيل فهو معبَّد لله عز وجل(27)\".","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"6- كان يلجأ إلى تأويل معاني الأضداد في ضوء الآيات القرآنية والحديث الشريف، من ذلك كلمة: \"الأُمَّة\" فتقال للواحد الصالح الذي يؤتم به ويكون علماً في الخير، كقوله عز وجل: \"إن ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً\" ويقال: الأمة للجماعة، كقوله عز وجل \"وجد عليه أمة من الناس يسقون\" ويقال: الأُمّة أيضاً للواحد المنفرد بالدين. قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، قلت: يا رسول الله، إن أبي قد كان على ما رأيت وبلغك، أفلا أستغفر له. قال: بلى، يُبْعث يوم القيامة أمة وحده. ويفسر هذا الحرف -الكلمة- من كتاب الله تعالى تفسيرين متضادين، وهو قوله جل وعز: \"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيّين مبشرين ومنذرين\" فيقول بعض المفسرين: معناه كان الناس مؤمنين كلّهم. ويقول غيره معناه: كان الناس كفاراً كلّهم. فالذين قالوا: الأمة ههنا المؤمنون، ذهبوا إلى أن الله عز وجل، لما غرَّق الكافرين من قوم نوح بالطوفان، ونجّى نوحاً والمؤمنين، كان الناس كلهم في ذلك الوقت مؤمنين، ثم كفر بعضهم بعد الوقت، فأرسل الله إليهم أنبياء يبشّرون وينذرون ويدلونهم على ما يسعدون به ويتوفر منه حظهم. ومن قال: الأمة في الآية معناها الكافرون، قال: تأويل الآية: كان الناس قبل إرسال الله نوحاً كافرين كلهم، فأرسل الله نوحاً وغيره من النبيّين والمبعوثين بعده يبشرون وينذرون، ويدّلون الناس على ما يتدينّون به، مما لا يقبل الله تعالى يقوم القيامة غيره. والله أعلم بحقيقة القولين وأحكم.(28)\"","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"وفي مثل هذا يقدم تفسيرين متضادين لقوله تعالى \"والعاديات ضبحا\" يقول بعضهم: العاديات الخيل. والضَّبح صوت أنفاس الخيل إذا عدون. يقال: قد ضبح الفرس وقد ضبح الثعلب، وكذلك ما أشبههما. ويقال: العاديات الإبل. وضبحاً معناه ضبعا، فأبدلت الحاء من العين. كما تقول العرب: بُعثر ما في القبور وبحتر ما في القبور، فمن قال: العاديات الخيل، قال: هي الموريات قدحاً، لأنها توري الناس بسنابكها إذا وقعت على الحجارة، وهي المغيرات صبحاً، ومن قال: العاديات الإبل، قال: الموريات قدحاً الرجال، يتبين من رأيهم ومكرهم ما يشبه النار التي تورى في القَدْح. والمغيرات صبحا: الإبل يذهب إلى أنها تعدو في بعض أوقات الحج. ثم يقدم ابن الأنباري خبراً عن مجادلة كانت بين ابن عباس (ر) والإمام علي كرم الله وجهه، حول هذين التفسيرين. وقد قال الإمام علي: إنْ كانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات الخيل؟!. إنما العاديات ضبحاً من \"عرفة\" إلى \"المزدلفة\" ومن \"المزدلفة\" إلى \"منى\" فإذا كان الغد فالمغيرات صبحا إلى \"منى\" فذلك جمع. فأما قوله: فأثرن به نقعاً، فهو نقع الأرض حين تطؤه بأخفافها. قال ابن عباس، فنزعتُ عن قولي ورجعت إلى قول عليٍّ رضي الله عنه(29)\"\r7- تبدو النزعة العربية واضحة لدى ابن الأنباري، بين موضع وبين آخر في الكتاب. فهو يمر بأسماء يعرفها كثيرون على أنها أعجمية، يرى وجهاً لعروبتها، لكنه يتحفظ قائلاً \"لا قياس\". من ذلك مثلاً اسم \"يعقوب\".\rيقول ابن الأنباري: يكون عربياً لأن العرب تسمّي ذكَر الحَجَل يعقوباً ويجمعونه: يعاقيب. قال سلامة بن جندل:\rأودى وذلك شأو غير مطلوبِ\r\rأودى الشبابُ حميداً ذو التعاجيب\r\rلو كان يدركه، رَكْضَ اليعاقيب\r\rولّى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"وهناك اسم \"اسحاق\" وقوله فيه: يكون أعجمياً مجهول الاشتقاق، فيُمْنَع الإجراء في باب المعرفة بثقل التعريف والعجمة. ويكون عربياً من أسحقه الله إسحاقاً أي أبعده إبعاداً، من ذلك قوله جل اسمه: \"فسحقاً لأصحاب السعير\" أي: بعداً لهم.\rومثل ذلك اسم \"أيوب\" وفيه يقول ابن الأنباري: يكون أعجمياً مجهول الاشتقاق، ويكون عربياً مُجْرىً في حال التعريف والتنكير، لأنه يجري مجرى \"قيّوم\" من: قام يقوم. ويكون فيعولاً من \"آب- يؤوب\" إذا رجع.\rقال عبيد بن الأبرص:\rوغائب الموت لا يؤوب\r\rوكل ذي غيبة يؤوب\r\rويتمهل ليتحفظ مع أبي بكر الذي قال: ولا يقاس على هذه الأسماء الثلاثة، أعني: اسحاق ويعقوب وأيوب، غيرها من الأسماء الأعجمية مثل إدريس وغيره، لأنه لم يسمع من العرب إجراء سوى هؤلاء الثلاثة في باب المعرفة. و محال أن يعمل من هذا بالقياس ما تنكبه العرب ولا تعرفه(30).\rالألفاظ والمعاني: النقائض والمترادفات\rيتوقف ابن الأنباري ملياً في مقدمة كتابه، أمام ما يمكن أن ندعوه: الأضداد أو النقائض، والمترادفات، فيقول إن أكثر كلام العرب يأتي على ضربين آخرين، أحدهما أن يقع اللفظان المختلفان على المعنيين المختلفين كقولك: الرجل والمرأة، والجمل والناقة، واليوم والليلة، وقام وقعد، وتكلم وسكت. وهذا هو الكثير الذي لا يُحاط به. والضرب الآخر، أن يقع اللفظان المختلفان على المعنى الواحد، كقولك: البُرّ والحنطة. والعَيْر والحمار، والذئب والسِّيد، وجلس وقعد. وذهب ومضى.\rويرفض ابن الأنباري أن يعد هذه الألفاظ مترادفات، كما درج بعضهم على ذلك. محتجاً برأي ابن الأعربي نقلاً عما قاله أبو العباس: كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به. وربما غمض علينا فلم نلزم العرب جهله.","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"ويؤكد ربط الأسماء بالمعاني في هذا الحديث، ناقلاً عن الرجل نفسه: الأسماء كلها لعلّة خصت العرب ما خصصت منها من العلل ما نعلمه منها وما نجهله.\rثم يتابع عن ابن الأعرابي، مسنداً الكلام إلى أبي بكر، أن مكة سميت مكة لجذب الناس إليها. والبصرة سميت البصرة للحجارة البيض الرخوة بها-والكوفة سميت الكوفة لازدحام الناس بها من قولهم: قد تكوَّف الرمل تكوّفاً إذا ركب بعضه بعضاً. والإنسان سمي إنساناً لنسيانه. والبهيمة سميت بهيمة لأنها أُبهمت عن العقل والتمييز من قولهم: أمر مبهم، إذا كان لا يعرف بابه.ويقال للشجاع: بُهْمَة لأن مُقاتله لا يدري من أي وجه يوقع الحيلة عليه.فإن قال لنا قائل: لأي علة سمي الرجل رجلاً، والمرأة امرأة، والموصلُ الموصلَ، ودعدٌ دعداً. قلنا لعلل علمتها العرب وجهلناها أو بعضها(31).\rالاتساع في الكلام","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وفي معرض تأويله ارتباط الأسماء بالمعاني، يطرح فكرة أخرى لسنا ندري إلى أي درجة كانت جديدة في زمان ابن الأنباري هي \"الاتساع في الكلام\": وهنا ينقل عن قُطْرُبٍ قوله: \"إنما أوقعت العرب اللفظتين على المعنى الواحد ليدلّوا على اتساعهم في كلامهم، كما زاحفوا في أجزاء الشعر ليدلّوا على أن الكلام واسع عندهم، وأن مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإطناب.ثم ينوِّع ابن الأنباري على هذا اللحن، ناسباً الكلام إلى آخرين قالوا: إذا وقع الحرف -الكلمة- على معنيين متضادَّين، فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع. فمن ذلك: الصَّريم. يقال لليل: صريم وللنهار صريم.لأن الليل ينصرم من النهار، والنهار ينصرم من الليل، فأصل المعنيين من باب واحد وهو القطع. وكذلك: الصارخ المغيث. والصارخ المستغيث. سميا بذلك لأن المغيث يصرخ بالإغاثة والمستغيث يصرخ بالاستغاثة، فأصلهما من باب واحد. وكذلك: السُّدْفَة، الظلمة والسُّدْفة، الضوء. سمِّيا بذلك لأن أصل السدفة الستر، فكأن النهار إذا أقبل ستر ضوؤه ظلمة الليل، وكأن الليل إذا أقبل سترت ظلمته ضوء النهار(32).\rالمعاني بين أحياء العرب\rوفي تقليبه الرأي حول المعنيين المتضادين لكلمة واحدة ينتهي ابن الأنباري إلى القول: إذا وقع الحرف -الكلمة- على معنيين متضادين، فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما، ولكن أحد المعنيين لحيٍّ من العرب، والآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض، فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء. قالوا: فالجَوْنُ، الأبيض في لغة حي من العرب. والجَوْنُ، الأسود في لغة حي آخر، ثم أخذ أحد الفريقين من الآخر(33).\rثم ينتقل إلى بحث في عين الفعل في الإطار نفسه.\rالتفاسير المتضادة: ذو القرنين","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"ويرى ابن الأنباري أن الأضداد يمكن أن تتضمن \"التفاسير المتضادة\" أيضاً، مما لا علاقة مباشرة له بالألفاظ. من ذلك مثلاً قوله تعالى \"ويسألونك عن ذي القرنين\". وفي شرحه ذلك يعرض حكاية: أن خالد بن معدان قال سمع عمر رحمه الله رجلاً يقول لرجل ياذا القرنين. فقال: أما ترضون أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى صرتم تسمون بأسماء الملائكة.\rالتفسير الثاني بعد العنعنة ينقله عن مجاهد. قال: ملك الأرض شرقها وغربة أربعة، مؤمنان وكافران. فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين.وأما الكافران فالذي حاجَّ ابراهيم في ربه، يعني: نمروذ وبختَ نَصَّرَ.\rوالتفسير الثالث ينسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟\rفقال: ليس بنبي ولا ملك، ولكنه عبد صالح أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه. بعثه الله عز وجل إلى قومه فضربوه على قرنه الأيمن فمات. ثم أحياه الله فدعاهم، فضربوه على قرنه الأيسر فمات وفيكم مثله. وقال الحسن: إنما سمّي ذو القرنين ذا القرنين لأنه كان في رأسه ضفيرتان من شعر يطأ فيهما. قال لبيد بن ربيعة:\rبالحِنْو في جدثٍ، أميمَ، مقيمِ\r\rوالصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً\r\rوذو القرنين هذا، قال، النعمان بن المنذر، لأنه كانت في رأسه ضفيرتا شعر.\rأما التفسير الرابع فقد ذكره ابن شهاب الزهري الذي قال: سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مشرقها، وقرنها من مغربها. وقال وهب ابن منبه: سمي ذا القرنين لأنه ملك فارس والروم(34).\rالألفاظ والمعاني: وزن فعول\rوينقل ابن الأنباري هذا الوجه عن قطرب؛ يقال: ركوب للرجل الذي يركب.وركوب للطريق الذي يركب. وأنشد\rيَدَعْن صوّان الحصى ركوبا\rأي مركوباً. وأنشد لأوس بن حجر\rإذا ضم جنبيه المخارم رَزْدَقُ\r\rتضمَّنَها وهمٌ ركوبٌ كأنه\r\rالرزدق الصف من الناس، وأصله أعجمي.","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وعلى هذا المنوال يتابع حديثه على وزن \"فعول\" قائلاً: وكذلك (الفجوع) يكون الفاجع والمفجوع. ومثل ذلك \"ذَعور\": تحتمل تأويلين أحدهما، ذعرت رجلاً مذعوراً. والتأويل الآخر، ذعرت رجلاً يذعر الناس.\rوكذلك (الزجور) يقال للزاجر وللناقة التي لا تدر حتى تزجر.. و (الرغوث) و (النهوز)(35).. إلخ.\rالألفاظ والمعاني: التصغير.\rيقول ابن الأنباري إن التصغير من الأضداد، لأنه \"يدخل لمعنى التحقير ولمعنى التعظيم. فمن التعظيم قول العرب: أنا سُرَيْسيرُ هذا الأمر. أي أنا أعلم الناس به. ومنه قول الأنصاري يوم السقيفة: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك، وعُذَيقُها المُرجَّب. أي أنا أعلم الناس بها، فالمراد من هذا التصغير التعظيم لا التحقير. والجُذيل تصغير الجِذل وهو الجِذع وأصل الشجرة.والمُحكَّك الذي يُحتكّ به. أراد: أن يُشتفى برأيي كما تشتفي الإبل أولات الجرَب باحتكاكها بالجذع. والعُذيق تصغير العذق، وهو الكباسة والشمراخ العظيم. والمُرجَّب الذي يُعمَد لعظمه. وقال لبيد في هذا المعنى:\rدويهية تصفر منها الأنامل\r\rوكل أناس سوف تدخل بينهم\r\rفصغَّر الداهية معظِّماً لها، لا محقِّراً لشأنها.\rوبحث... في التصغير\rثم يدخل ابن الأنباري في بحث نحوي في التصغير فيرى أنه على ثمانية أوجه.. إلا أن ما يهمنا منها هنا:\r- تصغير العين لنقصان فيها كقولك: هذا حُجَيْر، إذا كان صغيراً. وكذلك: هذه دويرة إذا لم تكن كبيرة واسعة.\r- ويكون التصغير على جهة تحقير المصغَّر في عين المخاطب وليس به نقص في ذاته ولا صِغَر كقول القائل: ذهبت الدنانير فما بقي منها إلا دُنَينيِرٌ واحد. وكذلك: هلك القوم، فما بقي إلا أهل بُيَيْت\r- ويكون التصغير على معنى الذم كقولهم: يا فُوَيْسِق، يا خُبَيِّثُ.\r- ويكون التصغير على معنى الرحمة والإشفاق والعطف كقولهم للرجل: يا بنيّ ويا أُخيّ وللمرأة يا أُخيَّة(36).\rأمثلة أخرى من الأضداد: الأفعال","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"يرجع ابن الأنباري في فعل \"يهوي\" إلى \"قطرب\" لإثبات أنه من الأضداد، فيقول: يكون بمعنى يصعد، ويكون بمعنى ينزل، وأنشد\rوالدلوُ تهوي كالعقاب الكاسرِ\rوقال: معناه تصعد. والمعروف في كلام العرب، هوت الدلو تهوي هُوِيّاً إذا نزلت. قال ذو الرمَّة:\rبذات الصوى آلافه وانشلالها.\r\rكأن هويّ الدلو في البئر شلَّةٌ\r\rآلاف جمع ألْف(37).\rوفي تقديمه الفعل \"أخفيت\" الشيء: إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، يستشهد بقوله تعالى \"إن الساعة آتية أكاد أخفيها\" فمعناه أكاد أسترها، وفي قراءة \"أُبيّ\". أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها. ويذهب إلى أن تأويل من نفسي، من قَبِلي ومن غيبي، كما قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. ويقال: معنى الآية أن الساعة آتية أكاد أظهرها. ويقال: خفيت الشيء إذا أظهرته.\rويستشهد على معنى الإظهار بقول الشاعر:\rفي أربع مسُّهُنَّ الأرضَ تحليل.\r\rيخفي التراب بأظلاف ثمانية\r\rوعلى معنى الإخفاء بقول الكنديّ:\rوإن تبعثوا الحرب لا نقعدِ(38)\r\rفإن تدفنوا الداء لا نخْفِه\r\rوفي \"خبت\" النار: إذا سكنت وإذا حميت يستشهد بقول الكميت:\rمؤجّجُ نيران المكارم لا المُخْبي\r\rومنّا ضرارٌ وابنَماه وحاجب\r\rأراد بالمخبي المسكِّن للنار.\rثم ينتهي إلى قوله تعالى \"كلما خبت زدناهم سعيراً\". يقول ابن الأنباري: قال بعض المفسرين معناه توقدت. وهذا ضد الأول. ويروي عن الحجاج عن ابن جريج -بعد العنعنة- أنه قال في \"كلما خبت\": خَبُوُّها توقدها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً، صارت جمراً يتوهج، فإذا أعادهم الله عز وجل خلقاً جديداً عاودتهم(39).. ثم يتابع الاستشهاد والتأويل في هذين المعنيين المتضادين.\rوفي عنعنة تنتهي إلى عبد الله بن الزبير يقدم الفعل \"تلحلح\" بمعنى إذا أقام في الموضع وثبت، وإذا زال، يروي عن رسول الله (ص) أنه لما هاجر إلى المدينة ودخلها، جاءت به ناقته إلى موضع المنبر فاستناخت وتلحلحت.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"وفي تأويل ذلك، يقول: إذا كان تلحلح بمعنى أقام وثبت، فأصله تلحَّح من الإلحاح، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث حاءات، فأبدلوا من الثانية لاماً، كما قد قالوا: صَرْصَر الباب، وأصله: صَرَّ، فأبدلوا من الراء الثانية صاداً.\rويتابع: ويقال قد تحلحل الرجل إذا زال وأصله تحلل، فأبدلوا من اللام الثانية حاءً، كما قالوا: قد تكمكم الرجل إذا لبس الكُمَّة وهي القلنسوة، أصله(40): تكمَّم.\rواعتماداً على قوله تعالى \"قل لا تعتذروا\" يقدم الفعل \"اعتذر\" إذا أتى بعذر أو لم يأت. وفي تفسير الآية يقول: إنهم اعتذروا بغير عذر صحيح.ويقال أيضاً: قد عذَّر الرجل في الحاجة، إذا قصَّر فيها. وقد أعذر إذا بالغ ولم يقصر.من ذلك قولهم: قد أعذر من أنذر أي قد جاء بمحض العذر(41).\rأضداد من الأسماء\r\"اللحن\" يقال للخطأ، ويقال للصواب. يقول ابن الأنباري: فأما كون اللحن على معنى الخطأ، فلا يُحتاج فيه إلى شاهد. وأما كونه على معنى الصواب، فشاهده قول الله عز وجل \"لتعرفنَّهم في لحن القول\" معناه في صواب القول وصحته(42).. إلخ.\rو \"المستخفي\" يكون الظاهر ويكون المتواري. فإذا كان المتواري فهو من قولهم:قد استخفى الرجل، إذا توارى. وإذا كان الظاهر فهو من قولهم: خفيتُ الشيء، إذا أظهرته. من ذلك الحديث المرويّ: ليس على المختفي قطع.معناه: ليس على النبّاش. وإنما سمِّي النباش مختفياً لأنه يخرج الموتى ويُظهر أكفانهم(43).\rو \"بعض\" يكون بمعنى بعض الشيء وبمعنى كله. قال بعض أهل اللغة، في قول الله عز وجل حاكياً عن عيسى عليه السلام \"ولأُبيّنَ لكم بعض الذي تختلفون فيه\"\rمعناه: كل الذي تختلفون فيه. واحتج بقول لبيد:\rأو يعتلقْ بعضَ النفوس حِمامها\r\rتُرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أرضَها\r\rمعناه: أو يعتلق كل النفوس،لأنه لا يسلم من الحِمام أحد، والحمام هو القدر.","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"ويتابع ابن الأنباري قائلاً: وقال غيره: بعض ليس من الأضداد ولا يقع على الكل أبداً.وقال في قوله عز وجل: ولأبين لكم بعض الذي تختلفونفيه: ما أَحْضُرُ من اختلافكم، لأن الذي أغيب عنه لا أعلمه، فوقعت (بعض) في الآية على الوجه الظاهر فيها. وقال في قول لبيد: \"أو يعتلق بعضَ النفوس حِمامها\": أو يعتلق نفسي حمامها، لأن نفسي هي بعض النفوس.\rو \"حَرْف\" من أسماء الأضداد، يقال للرجل القصير حرف، ويقال للناقة العظيمة حرف.وقال بعض البصريين: يقال للناقة الصغيرة حرف، وللعظيمة حرف. وإنما قيل للعظيمة حرف لشدَّتها وصلابتها شبهت بحرف الجبل. ويقال: بل قيل لها ذلك لسرعتها شبهت بحرف السيف في مضائه. قال الشاعر:\rفاقطع لُبانَته بحرف ضامرِ(45)\r\rوإذا خليلك لم يُدمْ لك وصله\r\rأضداد.. من الحروف\rقليلة جداً حروف الأضداد في كتاب ابن الأنباري، إذا قيست بالأسماء خاصة، وبالأفعال عامة. ومنها:\rلا: ويكون هذا الحرف بمعنى الجَحْد وهو الأشهر فيها، ويكون بمعنى الإثبات وهو المستغرب عند عوام الناس منها. فكونها بمعنى الجحد لا يُحتاج فيه إلى شاهد. وكونها بمعنى الإثبات، شاهده قول الله عز وجل \"وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون\" معناه أنهم يرجعون. وكذلك قوله عز وجل \"ما منعك ألا تسجد\" معناه أن تسجد، فدخلت \"لا\" للتوكيد.\rويستطرد ابن الأنباري إلى أربعة أوجه نحويّة في \"لا\"(46)\r\"ما\" تكون اسماً للشيء، وتكون جحداً له، وتكون مزيدة للتوكيد، فيقول القائل: \"طعامُكَ ما أكلتُ\" وهو يريد: طعامُك الذي أكلتُه. فتكون \"ما\" اسماً للطعام. وتقول: \"طعامَك ما أكلتُ\" وهو يريد طعامَك أكلت، فيؤكد الكلام بـ \"ما\".","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"وتقول أيضاً \"عبد الله ما قام\" على جحد القيام. و \"عبد الله ما قام\" على إثباته، و \"ما\" زيدت للتوكيد. فكون \"ما\" جحداً لا يحتاج فيه إلى شاهد، لشهرته وبيانه. وكونها اسماً شاهده قول الله عز وجل \"ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ\". وكونها مزيدة للتوكيد شاهده قول الله عز وجل \"ممّا خطاياهم أغرقوا\" معناه: من خطاياهم. وقوله أيضاً \"فبما نقضِهم ميثاقَهم\" فمعناه: فبنقضهم ميثاقهم(47).\r\"هل\" تكون استفهاماً، وتكون للتحقيق بمعنى \"قد\". يقول ابن الأنباري: تكون استفهاماً عن ما يجهله الإنسان ولا يعلمه، فيقول: هل قام عبد الله؟ ملتمساً للعلم وزوال الشك. وتكون \"هل\" بمعنى \"قد\" في حال العلم واليقين وزوال الشك. فأما كونها على الاستفهام، فلا يحتاج فيه إلى شاهد. وأما كونها على معنى \"قد\" فشاهده قول الله عز وجل: \"هل أتى على الإنسان حين من الدهر\" قال جماعة من أهل العلم، معناه: قد أتى على الإنسان..\rثم يستشهد بالحديث الشريف: قال النبيّ (ص) في بعض غزواته: \"اللهم هل بلَّغت\" قد بلغت. وقال بعض أهل اللغة إذا دخلت \"هل\" للشيء المعلوم فمعناها الإيجاب والتأويل(48).\r?\r? الحواشي:\r1- اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية. تأليف: د. عبد اللطيف الصوفي- دار طلاس- 1986- ص 34.\r2- المصدر السابق -ص 35\r3- المصدر السابق - ص 37\r4- المصدر نفسه - ص 38\r5- المصدر نفسه - ص 67\r6- المصدر نفسه- ص 68","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"7- ابن الأنباري (271- 328هـ= 884- 940م): محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه في الأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر والأخبار. قيل: كان يحفظ ثلاثمئة ألف شاهد في القرآن. ولد في \"الأنبار\" على الفرات وتوفي ببغداد. وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله يعلمهم. من كتبه (الزاهر) في اللغة و (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات) و (إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل) و (الهاءات) و (عجائب علوم القرآن) و (شرح الألفات) -رسالة نشرت في مجلة المجمع بدمشق. و (خلق الإنسان) و (الأمثال) و (الأضداد) وأجل كتبه -في رأي الزركلي- (غريب الحديث) قيل إنه خمسة وأربعون ألف ورقة.وله (الأمالي) عن \"الأعلام\" لخير الدين الزركلي -الطبعة الخامسة 1980 دار العلم للملايين -المجلد السادس- ص 334.\r8- الأضداد في اللغة. تأليف: تاج اللغة محمد بن القاسم محمد بن بشار الأنباري النحوي- المطبعة الحسينية المصرية بكفر الطماعين بمصر- أواخر شهر شعبان 1325 هجرية.\r9- دار الحداثة -لبنان- بيروت- الطبعة الثانية 1982\r10- المصدر السابق - ص8.\r11- دراسات فنية في الأدب العربي- تأليف: د. عبد الكريم اليافي- طبعة 1972- ص 110 وما بعد\r12- الألفاظ الكتابية -تأليف: عبد الرحمن عيسى الهمذاني- مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت 1899- الطبعة الثامنة- ص 296\r13- تاج العروس من جواهر القاموس للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي- تحقيق الدكتور عبد العزيز مطر- مطبعة حكومة الكويت- 1970 الجزء الثامن- ص 310.\r14- المصباح المنير -تأليف: أحمد محمد بن علي الفيومي المقري- المكتبة العصرية- صيدا- الطبعة الثانية 1997- ص 186\r15- أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد -تأليف: سعيد الخوري الشرتوني- مطبعة مرسلي اليسوعية ببيروت سنة 1889 ص 679\r16- اللغة ومعاجمها -تأليف: عبد اللطيف الصوفي- ص 71","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"17- الأضداد في اللغة. تأليف: ابن الأنباري- ص11\r18- الأضداد- ص2\r19- ابن درستويه (ت 347هـ) ألّف كتاباً في إبطال الأضداد: اللغة ومعاجمها.\r20- الأضداد في اللغة- لابن الأنباري- ص2،3، 4\r21- الأضداد في اللغة- ص 350، 351\r22- المرجع السابق -ص 192، 193\r23- المرجع السابق -ص77\r24- المرجع السابق- ص 208\r25- المرجع نفسه- ص 244\r26- المرجع نفسه- ص346\r27- المرجع نفسه- ص 347\r28- الأضداد في اللغة- لابن الأنباري - ص235- 236\r29- المرجع السابق، ص 318، 319، 320\r30- المرجع السابق- ص 364- 365\r31- المرجع السابق- ص 6-7\r32- المرجع السابق- ص 7-8\r33- المرجع نفسه- ص10\r34- الأضداد في اللغة. تأليف: ابن الأنباري- ص309، 310\r35- المرجع السابق- ص 312\r36- المرجع السابق- ص 254، 255\r37- المرجع السابق- ص 332\r38- المرجع السابق- ص80\r39- المرجع نفسه- ص 150، 151\r40- المرجع نفسه- ص 205، 206\r41- المرجع نفسه- ص 280.\r42- المرجع نفسه- ص 207\r43- المرجع نفسه- ص 63\r44- الأضداد في اللغة- ابن الأنباري- ص 155- 156\r45- المرجع السابق- ص 173\r46- المرجع السابق- ص 183\r47- المرجع نفسه- ص 169\r48- المرجع نفسه- ص 165- 166","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"*أثر حروف المعاني في تعدد المعنى* ـــ د.عرابي أحمد (1)\r\nإذا دل الحرف على معنى في غيره يسمى حرف المعنى، وهو ما أطلقه النحويون على هذه الحروف، ولها صلة وطيدة بفهم المعاني واستنباط الأحكام من نصوص القرآن الكريم، بطريق الاجتهاد أو التأويل، لأن كثيراً من القضايا الدلالية والمسائل الفقهية يتوقف فهمها على فهم الدلالة التي يؤديها الحرف في النص، وسميت حروف معان لهذا الغرض، لأنها تصل معاني الأفعال إلى الأسماء، أو لدلالتها على معنى، وقد اختلف النحاة وعلماء الأصول وعلماء الكلام في وظائف هذه الحروف كقواعد نحوية ودلالات لغوية على الأحكام الفقهية والعقائدية، \"وهي تعامل معاملة اللفظ في الجملة من حيث الدلالة فمنها ما يكون مستعملاً في الحقيقة ومنها ما يكون مستعملاً في المجاز وغيره\" (2).\rوالأصل في معرفة دلالة هذه الحروف، هو التأمل في الكلام والأصل من الكتاب والسنة والرجوع إلى الأصول، وذكر السيوطي هذه الحروف تحت عنوان: \"الأدوات التي يحتاج إليها المفسر\" فقال: \"وأعني أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة لاختلاف مواقعها ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها\" (3).\rقد تؤدي دلالة الحرف في النص إلى الاختلاف في الحكم، من ذلك قوله تعالى:\r(وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون( (4)، فقوله تعالى: \"منكم\" فيه حرف جر \"من\" وقد احتملت دلالتين: إما التبيين أو التبعيض، وكلاهما تحتاج إلى أدلة للترجيح، فقال الزمخشري: \"من للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعرف كيف يرتب الأمر وإقامته وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر..\" (5).\rوقال الرازي (6): \"إنها للتبيين، واستشهد بنص آخر كقرينة صارفة وهي قوله تعالى:\n","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ( (7)، وهو ما من مكلف إلا ويجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حيث يجب عليه أن يدفع الضرر عن النفس، ومن هذا قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ( (8).\rوكقولهم: إن لفلان من أولاده جنداً وللأمير عسكراً، يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، وهناك من يرى دلالتها على المعنيين، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان واجباً على الكل، إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف على الباقين\" (9).\rوقال الزمخشري بدلالتها على التبعيض واعتمد على الحجج التالية: \"إن في الأمة من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين\" (10).\r\"إن هذا التكليف خاص بالعلماء بدلالة القرائن التي اشتمل عليها النص وهي:\rالأمر بثلاثة: الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومعلوم أن هذه الأشياء مشروطة بالعلم والحكمة والسياسة، ولا شك أن هؤلاء العلماء هم بعض الأمة وهناك من أضاف التقوى والقدوة الحسنة، وأن هذه مهمة الأنبياء قبل العلماء، لقوله تعالى: ( اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ( (11).","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"وذكر ابن هشام (12) معانيها ومنها التبعيض نحو قوله تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله( (13)، وعلامتها إمكان سد \"بعض\" مسدها كقراءة عبد الله بن مسعود (حَتَّى تُنْفِقُوا بَعْضَ مَا تُحِبُّونَ( (14)، \"وهذا يعني أنه اختلف في دلالتها وهي تعامل معاملة اللفظ ودلالتها متأثرة بالسياق الذي ترد فيه، إلا أن التحكم في السياق ليس بالأمر الهين، وهذا هو السر فيما وقع من خلافات بين العلماء في دلالة هذه الحروف. \"حتى إن بعض الزنادقة تمسك بقوله تعالى: (وَعَدَ الله الذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُمْ مَغْفِرَةً( (15)، في الطعن على بعض الصحابة باعتبار أن \"من\" هنا للتبعيض، وهي في الحق للتبيين أي الذين آمنوا هم هؤلاء. ومثل هذا قوله تعالى: (الذِيْنَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ، لِلذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيْم( (16)، وكلهم متق ومحسن، ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ليَمَسنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (17) فالمقول عنهم ذلك كلهم كفار\" (18).\rونحن كلما حاولنا أن نفهم معنى في نص محتمل الدلالة وجدنا أنفسنا مضطرين إلى ما يسمى: انضمام القرينة التي تجعلنا نفهم معنىً قصدَه المتكلم أو صاحب الشرع وهذه القرينة قد تكون مصاحبة للنص أو خارجة عنه.\rونحن نتعامل مع هذه الحروف كمورفيمات حسب مصطلح المحدثين وما تتركه من أثر على معنى الكلام، ففي قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ( (19)، فهل تدخل الغاية في الحكم أم لا؟.","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"إن دخولها وعدَمه في الغاية لا بد أن يحدده ما يصحبها من قرينة، فإن الصيام في الآية لا يتناول الليل، وإنما يمتد حكم الصيام إلى الليل، إذ لو دخل لكان وصالاً منْهياً عنه بنصوص أخرى وهي قرائن موجهة لدلالتها على عدم دخولها في الغاية وقد تدل على الدخول في الغاية مثل قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ( (20)، وجاءت لفظة المرافق مقيدة لكلمة اليد، وهي هنا من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، لأن مفهوم اليد قد يكون من رؤوس الأصابع إلى الإبط، وهذا مما كانت تفهمه العرب من اليد.\rفتكون فائدة ذكر الغاية علي إسقاط ما وراء المرفق من حكم الغسل، فإلى المرافق غاية للترك لا للغسل، وإذا احتملت الحروف إحدى الدلالتين، بما يأتي به من أدلة، فقد تحتاج هي الأخرى إلى أدلة وبراهين، وهكذا إلى ما لا غاية له، ويضاف إلى ذلك أيضاً ظاهرة الإبدال في هذه المورفيمات، وكمثال على قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ( (21)، زعم بعضهم أن الباء هنا للتبعيض، تقول العرب مسحت رأسي ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا التبعيض، ليس كذلك بل يقول: (مسح) له مفعولان يتعدى لأحدهما بنفسه والآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين في هذه الباء، بل عينتها لما هو آلة للمسح، فإذا قلت: مسحت يدي بالحائط فالرطوبة الممسوحة على يدك، وإذا قلت مسحت الحائط بيدي فالشيء المزال هو على الحائط ويدك هي الآلة المزيلة\" (22).","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"والقاعدة الصارفة لما ذهب إليه الإمام القرافي آنفاً، هي أن الشارع الحكيم أمرنا أن ننقل رطوبة الأيدي للرأس وأعضاء الوضوء ولم يوجب علينا إزالة شيء عن رؤوسنا وأعضائنا، وعلى ذلك يكون الرأس آلة تزيل الرطوبة عن اليد لا العكس وعليه تكون للتعدية، لأنها لا تكون للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل بنفسه، وقدر بعضهم دلالة المورفيم (ب) على التبعيض ومنهم ابن العربي القاضي حيث قال: \"إذا قلت حلقت رأسي، اقتضى في الإطلاق العرفي الجميع، وإذا قلت مسحت الجدار أو رأس اليتيم اقتضى البعض، لأن الجدار لا يمكن تعميمه بالمسح حساً، ولا غرض في استيعابه قصداً، ورأس اليتيم لأجله الرأفة، فيجزي منه أقله بحصول الغرض به، ونقول: مسحت الدابة فلا يجزي إلا جميعها لأجل مقصد النظافة فيها، وكذلك الرأس كله فتؤكده، ولو كان يقتضي البعض لما تأكد بالكل، فإن التأكد لرفع الاحتمال المتطرق إلى الظاهر في إطلاق اللفظ\" (23).\rوقال القرطبي (ت 671ه‍): \"ومما يرد التبعيضية على الباء أن قوله \"امسحوا\" يقتضي ممسوحاً به، والممسوح الأول هو المكان، والممسوح الثاني هو الآلة بين المسح والممسوح كاليد، فجاءت الباء لتفيد ممسوحاً به، وهو الماء فكأنه قال: فامسحوا برؤوسكم الماء، من باب المقلوب، والعرب تستعمله (24)، فكل هذه السياقات عامة ومختلفة تنضم إلى النص لهدم دلالة ما وإقامة أخرى مقامها، وهذا يقتضي من الواقف أمام النص أن يكون ملماً بما لا يحصى من النصوص وكلام العرب لكي يفهم دلالة لفظة واحدة؟ لعل هذا هو الذي جعل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –يقول: لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة العربية.\rونفهم مما سبق أن هذه المورفيمات لا تدل إلا مع القرينة، فليس لها جهة من جهات المعنى لا مجازاً ولا حقيقة، وينطبق هذا مع اللفظ أيضاً فضلاً عنها.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"ففي قوله تعالى: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ( (25)، إن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، فأولت بأنه يجوز أن الله تعالى وصف نفسه بالمجيء في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ( (26) وهذا ظاهر البعد، ويؤيدهُ أن باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة \"أذهب الله نورهم\" وهذه المصطلحات الدلالية لحروف المعاني، كثيراً ما تستبدل بمصطلحات أخرى، لأن الأولى لا تناسب السياقات القرآنية، فقد قالوا: إن من معاني الباء: الاستعانة، وهي داخلة على الفعل، بسم الله الرحمن الرحيم (27).\rوقالوا: \"إن الباء هنا للسببية، وهي عندهم الداخلة على صالح للاستفادة به عن فاعل معداها مجازاً (28) نحو قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ( (29) فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لحسن، ولكنه مجاز، قال: ومنه: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين. ومن هنا دل المورفيم على المجاز، والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالاستعانة ولكنهم آثروا على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، لأن استعمال مصطلح السببية يجوز، أما استعمال مصطلح الاستعانة فلا يجوز على الله، وتعدد المصطلحات للمورفيم الواحد هو إتيانه في القرآن الكريم بهذه الدلالات التي يحددها السياق الذي يقلب الحرف بحرف آخر حسب اختلاف دلالة السياق إذا تعددت المعاني للحرف الواحد، فمن أخذ دلالة هذه الحروف على ظاهرها، قال: نصف الله بما وصف به نفسه، وهو عندي هروب من التأويل، ومن أول أعطاها دلالة أخرى حسب الاستعمال وهو الأقرب والأصوب.\rوقال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية: \"قلت: المعنى أنه جعل الماء سبباً في خروج الثمرات ومادة لها كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا مواد... ولكن له في ذلك حِكَم ودواع... وعبر وأفكار صالحة... وسُكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته\"(30).","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"وقد تعرض الزمخشري لدلالة \"مِنْ\" في قوله تعالى:\"... من الثمرات\" واعتبر دلالتها على التبعيض، ومن القرائن المنفصلة عن النص، والتي تصرف دلالتها إلى التبعيض قوله تعالى: (لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ( (31) وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ( (32)، ولذا قيل إن اللفظ قد يحدث له مع التركيب حكم لم يكن قبل ذلك، وهذا الحكم الدلالي، تتحكم فيه القرائن الشرعية والعقلية، والدليل على ذلك أن اعتبار اللفظ أو الحرف على ما وضع له أَوَّلاً، لا يسعفنا في كثير من النصوص، فلا بد والحال هذه أن نلجأ إلى ما يسمى عند المحدثين بالاستبدال الدلالي، وأطلق النحاة القدامى عليه المجاوزة، ولعلهم يعنون بها المجاز، فتكو ن \"مِنْ\" بمعنى \"عن\" كقوله تعالى: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ( (33) أي عن جوع والجوع لا يطعم منه، وقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ( (34)، أي عن ذكر الله، ولذا قرئ: عن ذكر الله، وهذا دليل على أن القراءات في غالبها، وهذا في الدلالة طبعاً، لم تخرج عن الدلالة النحوية، قال الزمخشري: \"ما الفرق بين \"مِنْ\" وَ\"عَنْ\" في هذا؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذكر الله فالمعنى ما ذكرت من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت عن ذكر الله، فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه، ونظيره: سقاه من العيمة أي من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة، إذا أرواه حتى أبعده عن العطش\" (35).","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"ولو لم نلجأ إلى قاعدة الإبدال لما استقام المعنى مع المورفيم \"مِنْ\" التي تعني أن ذكر الله سبب إلى قساوة القلوب، مع أننا نعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية والاطمئنان، ألا بذكر الله تطمئن القلوب؟! فمنهم من أجاب عن الإشكال الدلالي باللجوء إلى ظاهرة التبدل الدلالي، ومنهم من ترك النص على ظاهره، وأوَّلَ تأويلاً يتناسب مع الحرف المستعمل \"من\" فقد قال الرازي: \"إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الدميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة... والدليل على ذلك، أن الفاعل الواحد قد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل، فحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا لاختلاف جواهر النفوس....\"\r\"... فإذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة، ويوجب القوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية\" (36)، وهناك من لجأ إلى قياس الآية على كلام العرب من قولهم، حدثته من فلان، أي عن فلان، ومثَّل له ابن مالك بنحو: \"عدت منه وأتيت منه، وبرئت منه، وشبعت منه، ورويت منه\" (37).","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"ولكن الرازي حاول تفسير دلالة الحرف بحيث وجد لها تخريجاً ناسب ظاهر النص على ما هو عليه، أي بدون استبدال \"مِنْ\" بِ \"عَنْ\"، وهذا في اعتقادي حسن، وبذلك جنب نفسه التحريف، وهو يحافظ بذلك على ظاهر النص ولا يتصرف فيه، ولكن حتى الذين تصرفوا قالوا بأن \"من\" بمعنى \"عن\" إن خرجوا في الظاهر عن ظاهر النص، إلا أنهم لم يخرجوا عن شائع عبارات العرب، إذ لا سبيل إلى فهم كتاب الله فهما صحيحاً ومعرفة مقاصده معرفة سليمة، إلا بالعودة إلى سننهم في كلامهم، وهي التي استقى منها القرآن ألفاظه، لأن هناك من الكلام ما لا ينجلي إلا بالسماع، وعليه فإن استبدال بعض الحروف ببعض أيضاً من كلامهم، والتأويل على هذا الأساس صحيح هو الآخر.\rوإذا سألنا لماذا استعمل القرآن الكريم الحرف بدل الآخر، كان الجواب، هكذا تكلمت العرب أو هكذا أراد الله أو هما معاً، إذ القرآن كلام الله على عادة العرب وعرفهم، وعليه فإن السؤال بالصيغة العقلية لماذا قال كذا ولم يقل هكذا؟ لم يعد ذا معنى، ولا يعني هذا أن التأويل يتميز بالعبثية وعدم الانضباط، بل إن التأويل له قوانين تحكمه، وقد سماها أبو حامد الغزالي: \"شروط التأويل\" وعلى رأسها معرفة اللغة العربية والنحو على وجه ما تعارف العرب عليه، وطرقهم في التمييز بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه وَمحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ويكتفى من ذلك كله بالقدر الذي يتسنى معه الإحاطة بعناصر النص الديني...\" (38).\rوهذه التأويلات احتمالات، وهي تخضع كلها إلى قواعد كلام العرب، ففي قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ( (39).","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"وقال ابن هشام الأنصاري \"إن من\" ههنا زائدة والتقدير: \"يغفر لكم ذنوبكم وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة \"من\" ههنا لابتداء الغاية، فكأن المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب\" (40)، وقال الزمخشري: \"إنما بعض المغفرة لأن من الذنوب ما لا يغفره الإيمان كذنوب المظالم ونحوها\" (41).\rوما أطلقه ليس بصحيح، وهو قوله: إن الإيمان لا يغفر المظالم. لأن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه يجبُّ الإسلام عنه إثم ما تقدم بلا إشكال.\rوتعتبر ظاهرة الإبدال التي رأيناها في القرآن الكريم ظاهرة مخالفة لمعيارية اللغة، لأن هذه المعايير حددت على أساس نصوص مختارة من الشعر والنثر، وهذا يعني من الوجهة النظرية أنه لا بد من وجود فروق بين النظام اللغوي \"المعيار\" وظواهر الاستعمال اللغوي، فإذا كان المجاز هو كسر العلاقة العرفية بين اللفظ والمعنى الذي وضع له في الأصل، \"فإن ظاهرة إبدال الحروف كسر هو الآخر للعلاقة التي بين الحرف والمعنى الذي وضع له في أصل كلامهم، إلا أن النحاة القدامى أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلح \"الاتساع\" وهو من سنن كلامهم، وبالتالي لا يخرج عن معيارية اللغة، والاتساع ينتج عن تبادل الوظائف النحوية، ويعد ذلك عندهم من الرخص الكلامية، مقابلة للرخصة عند الفقهاء، وقد أعطاه النحاة مصطلح التضمين وهو ما يقابل مصطلح \"الاتساع\" عند البلاغيين\" (42).\rفحروف الجر التي يحل بعضها محل بعض قد تغير دلالة التركيب، وقد يبقى المعنى على ما هو عليه في الأصل، والحكم تحدده مقتضيات السياق وقد أطلق المحدثون عليها: \"تبادل الوظائف الدلالية\" وهذه ظاهرة عامة في الاستخدام العربي وهو نوع من أنواع إبداع اللغة وواحدة من صورها، وهي أيضاً من الوظائف النحوية الناشئة عن اتساع في استخدام الوحدات اللغوية لتؤدي المعاني المختلفة سواء في البلاغة أو في النحو أو في اللغة\" (43).","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"إن لعلماء الكلام وأهل التأويل، موقفاً خاصاً وهم يتعاملون مع هذه الظاهرة اللغوية، وخاصة في القرآن الكريم، لأن الاقتصار عليها عندهم قد يؤدي إلى الغلط فالتأويل لا بد منه، وهو مطلب ضروري في النظر إلى معاني القرآن الكريم، وهذا بعد تحكيم العقل والسماع، لأن العملية التأويلية تتطلب هذه الشروط بالإضافة إلى تحكيم الرأي والعقل الذي لا يتعارض مع السماع، وذلك بهدف البحث عن النواحي الداخلية أو الباطنية للنص ذاته، لتصل في النهاية إلى تحقيق الارتباط بين المنقول والمعقول والمشروع معاً، لأن النص إذا أدى آخذه على الظاهر إلى المحال أو الاستحالة العقلية أو الشرعية، يجب حينئذ إزالة هذا المحال ومعالجته بالتأويل بحثاً عن دلالة داخلية سعياً إلى الوصول ما أمكن إلى حقائق المعاني المتوخاه من النص، وهذا ما حاول علماء الكلام أن يحققوه خلال ما بذلوه من جهود في تأويل نصوص القرآن على خلاف بينهم طبعاً، وهذا الخلاف ناتج عن الاختلاف في اعتماد القرائن الموجهة.\rوقد يذهب المتأمل في النص القرآني وفي ذهنه عقيدة يريد أن يثبتها ولا يريد أن يتجافى عنها، وإذا عارضه ظاهر النص اضطر إلى التأويل، فالزمخشري وهو يفسر قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ( (44).قال: \"من السماء\" فيه وجهان أحدهما: من ملكوته\rفي السماء لأنها مسكن ملائكته ثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره\" (45).\rالثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم، \"أأمنتم\" من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو حاصب\" (46).","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"فخالف الزمخشري في تأويل ظاهر الآية لكي ينزه الله عن الجهة والمكان وفي الحقيقة أن هذا التأويل يتفق فيه بعض المفسرين فقد قال الرازي: \"... كانت العرب مقرين بوجود الإله لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم: \"أتعلمون من قد أقررتم بأنه في السماء واعترفتم له بالقدرة ما يشاء أن يخسف بكم الأرض، أو تقدير الآية من في السماء سلطانه وملكه والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال: \"وهو الله في السماوات وفي الأرض\"، أي نفاذ أمره وقدرته وجريان مشيئته في السماوات وفي الأرض أو يكون المراد \"من السماء\" هو الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه\" (47).\rومن الأدلة التي يعتمد عليها لرد هذا التأويل الذي ذهب إليه الرازي، أنه قال: \"من في السماء\" وهي للعاقل، وحملها على الملك أو العذاب هو إخراج للفظ عن ظاهره بلا قرينة تستدعي ذلك، بل إن هناك مجموعة من القرائن تدل على إثبات العلو لله تعالى منها قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ...( (48) فهو صريح أيضاً في صعود أقوال العباد وأعمالهم إليه يصعد بها الملائكة.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"وأخبر موسى فرعون الطاغية بأن إلهه في السماء، فأراد فرعون أن يلتمس الأسباب للوصول إليه تمويهاً بها على قومه، فأمر وزيره هامان أن يبني له الصرح ثم عقب على ذلك بقوله: \"وإني لأظنه كاذبا\" (49) أي موسى كاذباً فيما أخبر به من كون إلهه في السماء، \"وعليه فيكون من أنكر أن يكون الله في السماء كينونة هو أعلم بها، شبه فرعون في تكذيبه لموسى في كون إلهه في السماء، وعليه تكون الدلالة في الآية المركزية أن \"في\" بمعنى \"على\" حتى لا يجوز أن يفهم أن السماء ظرف له سبحانه وتعالى، فيكون سبحانه في أعلى علو، وهذا أيضاً تأويل للذين يعارضون التأويل\" (50) قوله تعالى لعيسى عليه السلام: \"يَا عِيسَى إنّي مُتَوَفِيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ\" (51) وقوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ((52).\rفظاهر هذه الآيات يدل على علوه تعالى، وارتفاعه فوق العرش، وهي ترد على المعطلين، ففي \"إلي\" الضمير يعود على الرب سبحانه وتعالى، إلا أن هذه القرينة قد أولت هي الأخرى والمراد بها: رافعك إلى رحمتي أو إلى حيث ملائكتي، وهناك من قال: \"إذا قال\" إن الله تعالى في السماء، يريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة لا من طريق الجهة (53) ومن ذلك ما روي في الخبر، أن جارية عرضت على رسول الله –صلى الله عليه وسلم –ممن أريد عتقها في الكفارة، فقال لها عليه الصلاة والسلام: \"أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال عليه السلام: اعتقها فإنها مؤمنة\" (54) .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"ويفهم من هذا، تجوز الإشارة إلى العلو والرد على من نفاها وتأول، وفيه أيضاً جواز الاستفهام عن الله \"بأين\" التي تقتضي دلالتها تحديد الجهة في اللغة، إلا أن دلالة بعض الألفاظ في القرآن الكريم تنقل من المواضعة اللغوية إلى الاصطلاح الشرعي أو العقدي عن طريق التأويل، ويعتمد في النقل الدلالي للفظ على آليات تحويلية في النصوص ذاتها، وهي قائمة على علم البحث اللغوي ونظام الدلالة اللفظية من مجالها العرفي إلى مجالها الاستدلالي العقلي، أي أنها تحولت إلى نظام من العلامات غير اللغوية، فتحولت إلى علامات ودلالات معقولة، فكلمة \"أين الله\" مع استحالة كونه في مكان، فاستحالة المكان بالنسبة للفظ \"أين\" في حق الله يعتبر نقلاً من المواضعة إلى الاستدلال العقلي العقائدي وفي كلام العرب مما يقابلها أيضاً أنهم استعملوها عن مكان مسؤول عنه في غير هذا المعنى الأصلي توسعاً وتشبيهاً لها بما وضع لها، فيقولون: أين فلان من فلان؟ وليس يريدون الرتبة والمنزلة، وكذلك يقولون: لفلان عند فلان مكانة ومنزلة، ويريدون من ذلك المرتبة في التقريب والإكرام، ويقولون: فلان في السماء أي هو عظيم الشأن رفيع المقدار.\rوتكون دلالة \"أين\" بهذا الاعتبار على المجاز، وقال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري، في هذه الآية: \"من في السماء\": \"إن قلت كيف\" من في السماء\" مع أنه تعالى ليس فيها ولا في غيرها بل هو تعالى وتنزه عن كل مكان؟! قلت: المعنى بملكوته في السماء، التي هي مسكن ملائكته، ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل أقضيته وكتبه\" (55)","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وقال الصابوني معلقاً: \"لله تعالى جهة العلو المطلق، فهو تعالى فوق عرشه وعرشه قد أحاط بالسماوات والأرض، وإذا كان الكرسي وهو أصغر من العرش، قد أحاط بالكون وبالسماء والأرض \"وسع كرسيه السماوات والأرض\" فكيف بالعرش؟! فنجنح في مثل هذا إلى التفويض والتسليم، كما هو مذهب السلف \"لأن تحديد الجهة من صفات الأجسام وهي مستحيلة عليه تعالى، لأنه لو كان في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه، لأنه حامل له واللازم باطل، وعليه فإن دلالة \"في\" إما على المجاز وهو تأويل وإما اللجوء إلى التسليم والتفويض، إلا أن المجاز تعطيل لدلالة اللغة وخاصة إذا كان بدون قرينة تدل على ذلك، وعليه، فإننا نثبت له ما أثبته لنفسه تعالى دون تمثيل أو تكييف، وعليه لا ننكر قول من قال: إن الله في السماء لأن اللفظ جاء به الكتاب\" (56).\rفقد وصف نفسه سبحانه وتعالى، بأنه فوق كل شيء لا على معنى المسافة والمساحة، وذلك أن كل ما كان فوق شيء على معنى المساحة والتمكن فيه والعلو عليه، كان دونه شيء وهو ما عليه من المكان، فقد قال –صلى الله عليه وسلم -: \"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء\"، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء...\" (57) وهذا الخبر يثبت تنزيهه تعالى عن المكان والزمان، ويفهم منه عدم إحاطة العقول بذاته الشريفة، لأنه يستحيل في حقه، وعليه يكون مذهب التفويض والتسليم اسلم والله أعلم.","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"ومن الظواهر اللغوية التي لها أثرها في التأويل ما يسمى \"بحروف النسق\" وأم هذا الباب \"الواو\" لكثرة مجالها فيه، وهي مشتركة في الإعراب والحكم ونعالجها كعلامة دلالية من خلال السياق الذي ترد فيه، كما أننا نريد أن نبين أثرها في التأويل عند علماء الكلام، وخاصة عند الأشعرية والمعتزلة، وذلك من خلال عرض مناقشة للمدرستين معتمدين في ذلك على بعض النصوص منها قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُوْلئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ إِنَّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً( (58)، فالنص ينفي التوبة عن الذين يصرون على الذنوب إلى الوقت الذي لا تقبل فيه توبتهم وهو معاينتهم للموت، وهذا يعني أن من مات على غير توبة مخلد في النار، لأن: الذين يعملون السيئات، معطوف على الذين يموتون وهم كفار، وهو ما اعتمد عليه الزمخشري قائلاً: ولا يموتون وهم كفار عطف على الذين سوَّفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم\" (59)، وبهذا العطف فإن مرتكب الكبيرة مخلد في النار عند الزمخشري إذا مات على غير توبة.\rفموضع \"الذين\" جر بالعطف على قوله: \"وليست التوبة للذين يعلمون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار\" (60)، وهذا الإعراب يؤيد مذهب الزمخشري.","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"أما الأشعرية فإنهم نظروا إلى النص في إطار سياقه العام، قال الكلبي: \"فإن كانوا كفاراً فهم مخلدون في النار بإجماع، وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم\"(61)، وقد عرض الإمام الرازي إلى تفسير هذه الآية في رده على الوعيد به بعد أن ذكر حجتهم فقال: \"... فعطف الذين يعلمون السيئات على الذين يموتون وهم كفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: (أُولَئِكَ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمَاً( ، فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق، ثم أخبر تعالى أنه لا توبة لهم عند المعاينة فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الإعلام معنى\" (62) ويقتضي هذا التأويل عند المعتزلة أن من مات بدون توبة يخلد في النار.\rوقد رد الإمام الرازي (63) هذا الفهم بما سماه بالعموميات، فأشار الكلبي إليها بقوله: \"إن العذاب ثابت في حق الكفار ومنسوخ في حق العصاة من المسلمين، بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ( (64)، فعذابهم مقيد بالمشيئة\" (65)، ومنه أيضاً المطلق والمقيد والعام والخاص وغير ذلك مما أشرت إليه سابقاً، وأطلقت عليه آليات سياق الخطاب الديني، وهذه القواعد أو الأصول هي التي يجب أن تراعى بعين الاعتبار أثناء التعرض للدلالة النحوية والالتزام بها عند المتأمل لأن عملية التأويل في الكلام الإلهي تقتضي ذلك.\rويتبين مما سبق موقف الأشعرية وأهل السنة من التفسير الاعتزالي الذي يتجه إلى النص القرآني ويتناوله من أوجه متعددة، والتعرض لجزئيات العقيدة وكان الغرض الذي يحدوهم هو التمكين لعقيدة الإسلام ونصرها وتأييداً لهيمنة سلطانها وهو تفسير منهجه في الاتجاه إلى اللغة والاعتماد عليها وتتبع سير خطاها فيما تتناوله من دلالات.","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"وقد استغل المعتزلة (66) الظاهرة اللغوية ودلالة حروف المعاني أثناء تعرضهم لآيات الأحكام، كما استغلها غيرهم أيضاً، فالتخصيص بالاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو –مثلاً –اختلف فيه علماء الأصول، وذلك كقوله: أنفق على حفاظ القرآن وأوقف على طلاب العلم إلا المقيمين، اختلفوا في ذلك: هل يعود الاستثناء إلى جميع ما ذكر قبل إلا؟ أو يعود إلى الجملة الأخيرة فحسب؟\rفإذا لم تكن هناك قرينة تدل على أن المراد هو الجملة الأخيرة فهو الأولى، فإنه في هذه يقع الاختلاف في الدلالة، ومنه يلجأ إلى التأويل ومثل السرخسي لما دلت القرينة على صرفه بقوله تعالى: (وَالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَ ثاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَة وَيخْلُدْ فِيْهَ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً( (67)، فإنه استثناء من الجميع\" (68) لأن التوبة تقبل من الجميع اتفاقاً، وهذا المعنى مأخوذ من نصوص وأدلة أخرى كقرائن صارفة، وهذا فيما يتعلق بالتوبة، أما ما دلت القرينة على رجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط كقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصّدَّقُوا( (69)، فإن الاستثناء في هذه الآية يرجع إلى الجملة الأخيرة، لأن تحرير الرقبة حق الله فلا يسقط بإسقاطهم (70)، لأن القرينة شرعية، أما إذا اختلفت الأدلة ولم يوجد ما يرجّح أحد المعنيين، فعندئذ يقع الخلاف والتأويل.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"ومن أثر الاختلاف في هذه القاعدة قبول شهادة المحدود بالقذف في قوله تعالى: (وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (71)، والإشكالية المطروحة في الآيتين: أنه جاء فيها ثلاث جمل متعاطفة ثم أعقبها استثناء، فإلى أي منها يرجع الاستثناء؟\rحكمت الآية الكريمة على القاذف بثلاثة أحكام. الأول: أن يجلد ثمانين جلدة والثاني: أن لا تقبل له شهادة أبداً، والثالث وصفه بالفسق والخروج عن طاعة الله، ثم عقبت الآية الكريمة بعد هذه الأحكام الثلاثة بالاستثناء، واختلف الفقهاء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة، فيرفع عنه وصف الفسق ويظل مردود الشهادة أو أن شهادته تقبل كذلك بالتوبة؟ والقاعدة الدلالية في النص هي: هل الاستثناء الوارد بعد الجمل المتقاطعة يرجع إلى الكل أو إلى الأخير؟.\rوعند الإجابة عن هذا التساؤل تتدخل العملية التأويلية ومن ذلك تأويل الزمخشري: \"والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الثلاث بمجموعتين جزاء الشرط كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسّقوهم أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسَّقين\" (72).","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"وإذا كان رجوعه إلى الجميع كما يرى الزمخشري، فإنه يسقط الحد وهو الجلد ثمانين جلدة وهذا باطل بالإجماع، فيتعين أن يرجع إلى الجملة الأخيرة فحسب، وكأن الزمخشري يرى أن التوبة تسقط الحد عن التائب وهذا ما يقتضيه ظاهر كلامه، وما يعارض ظاهر كلامه أن الله تعالى قد حكم بعدم قبول شهادته على التأبيد \"ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً\" فلفظ \"الأبد\" \"يدل على الدوام والاستمرار حتى لو تاب وأناب، وقبول شهادته يناقض هذه الأبدية التي حكم القرآن بها، والاعتماد هنا على القرينة اللفظية اللغوية أبداً\" (73) أما الذين ردوا هذا التأويل، فإنهم قالوا: إن الكفر أعظم جرماً من القذف والكافر إذا تاب تقبل شهادته، فكيف لا تقبل شهادة المسلم إذا قذف ثم تاب؟ وقال الشافعي –رحمه الله -: \"عجباً يقبل الله من القاذف توبته وتردون شهادته\" (74) ورد صاحب الكشاف هذه القرينة بقوله: \"فإن قلت: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف فلا تقبل شهادته، كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام، قلت: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيها بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله فشدد على القاذف من المسلمين ردعاً وكفاً عن إلحاق الشنار\" (75).\rوقال الشنقيطي: \"إن الاستثناء في الآية الكريمة كان ينبغي أن يرجع إلى الكل ولكن لما كان الجلد ثمانين من أجل حق المقذوف، وكان هذا الحق من حقوق العباد لم يسقط بالتوبة، فيبقى رد الشهادة والحكم بالفسق وهما من حق الله فيسقطان بالتوبة\" (76).","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"وقد رجح العلامة المودودي هذا الرأي بقوله: \".... إن أسلوب عبارة القرآن يدل دلالة واضحة على أن العفو المذكور في جملة: \"إلا الذين تابوا\"، إنما يرجع إلى جملة: \"وأولئك هم الفاسقون\" لأن جلد القاذف ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته، جاء ذكرهما في العبارة بصيغة الأمر: \"فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً\" وجاء الحكم عليه بصيغة الخبر: \"وأولئك هم الفاسقون\"، فإذا جاء قوله تعالى: \"إلا الذين تابوا وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم\" بعد هذا الحكم الثالث مقترناً به، فهو يدل بنفسه على أن هذا الاستثناء إنما يرجع إلى الجملة الخبرية الأخيرة ولا يرجع إلى جملتي الأمر الأوليين... وليست التوبة عبارة عن تلفظ الإنسان بها بل هي عبارة عن شعوره بالندامة واعتزامه على إصلاح نفسه، ورجوعه إلى الخير وكل ذلك لا يعلم حقيقته إلا الله، ولأجل هذا، فإنه لا تغتفر بالتوبة العقوبة الدنيوية، وإنما تغتفر بها العقوبة الأخروية فحسب، ومن ثمة فإن الله تعالى لم يقل: إلا الذين تابوا وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم\"، فإنه لو كانت العقوبات الدنيوية أيضاً تغتفر بالتوبة، فمن ذا الذي ترونه من الجناة لا يتوب اتقاء العقوبة؟ (77)\rوالمودودي في تفسيره لهذه الآية، لم يغب عن باله قاعدة من القواعد الأصولية وهي أن الأمر يفيد الوجود، ثم يعلل بقرينة شرعية وهي حكمة التشريع الإلهي من تطبيق الحدود على الجناة حماية للإنسان لقوله تعالى: (وَلَكُم فيِ القِصَاص حَيَاةٌ( (78).\rالمراجع\r1-الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، المكتبة الثقافية، بيروت لبنان.\r2-أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، الدكتور مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، ط2. سنة 1392ه‍-1976م.\r3-أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني. بيروت لبنان.","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"4-البيان في إعراب غريب القرآن، أبو بكر بن الأنباري، تحقيق الدكتور طه عبد الحميد طه، ومراجعة مصطفى السقا، المكتبة العربية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، سنة 1389ه‍، 1969م.\r5-تأويل مشكل الحديث وبيانه، أبو بكر محمد بن حسن بن فورك، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان. سنة 1400ه‍، 1980م.\r6-التفسير الكبير، الرازي، دار الفكر بيروت، 1398ه‍، 1978م.\r7-التسهيل لعلوم التنزيل، للإمام محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي بيروت لبنان ط3، سنة 1401ه‍، 1981م.\r8-الجامع لأحكام القرآن، القرطبي. دار الكتاب العربي، بيروت.\r9-الجنى الداني في حروف المعاني، الحسن بن القاسم المرادي ت749)، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط1، سنة 1992م.\r10-روائع البيان في تفسير أحكام القرآن، محمد علي الصابوني، مكتبة الغزالي، مؤسسة مناهل العرفان، ط3، سنة 1400ه‍، 1981م.\r11-الكشاف، الزمخشري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.\r12-مذكرة أصول الفقه الشنقيطي، دار السلفية، الجزائر.\r13-المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، عواد بن عبد الله المعتق، مكتبة الرشد، ط3، سنة 1417ه‍، 1996م.\r14-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، سنة 1407ه‍-1987م.\r15-المستصفى من علم الأصول، أبو حامد الغزالي، تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة 1417ه‍1997م.\r16-صحيح مسلم، الإمام مسلم بن حجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العربية، القاهرة، سنة 1376ه‍-1956م.\r17-العربية والوظائف النحوية، الدكتور عبد الله الرمالي، دار المعرفة الجامعية، سنة 1996م.\r18-فتح الرحمان بكشف ما يلتبس من القرآن، أبو يحيى الأنصاري تحقيق وتعليق محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت لبنان، ط1، 1403ه‍","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"19-القول المفيد في كتاب التوحيد، محمد صالح العثيمن، دار ابن الجوزية.\r20-شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، الإمام القرافي، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر، بالقاهرة، سنة 1393ه‍، 1973م، الطبعة الأولى.\r(1) -أستاذ في جامعة تيارت بالجزائر\r(2) -أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفا الأفغاني، بيروت، لبنان، ج1، ص: 250.\r(3) -الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، المكتبة الثقافية، بيروت لبنان، ج1، ص: 145.\r(4) -آل عمران، الآية: 104.\r(5) -الكشاف، ج1، ئ 452.\r(6) -انظر تفسير، الرازي، ج 3 /ص: 19.\r(7) -آل عمران، الآية: 110.\r(8) -الحج، الآية: 30.\r(9) -التفسير الكبير، للرازي، د3 /190.\r(10) -الكشاف: ج1 /453.\r(11) -النحل، الآية: 125.\r(12) -مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، الإمام ابن هشام الأنصاري (ت 761ه‍)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، سنة 1407ه‍-1987م، ج1 /319 –320.\r(13)-البقرة، الآية: 92.\r(14) -آل عمران، الآية: 92.\r(15) -الفتح، الآية: 29.\r(16) -آل عمران، الآية: 182.\r(17) -البقرة، الآية: 236.\r(18) -فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن، أبو يحيى الأنصاري، ص: 540.\r(19) -البقرة، الآية: 187.\r(20) -المائدة ، الآية: 06.\r(21) -المائدة، الآية: 06.\r(22) -شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، للإمام القرافي، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر، بالقاهرة، سنة 1393ه‍-1973م، الطبعة الأولى، ص: 105.\r(23) -أحكام القرآن الكريم، لابن العربي، تحقيق محمد البخاري، دار المعرفة، بيروت –لبنان، ج‍‍2 ص: 570.\r(24) -الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج3 /77.\r(25) -سورة البقرية، الآية: 17.\r(26) -سورة الفجر، الآية: 22.\r(27) -الجنى الداني في حروف المعاني، الحسن بن قاسم المرادي. (ت 794ه‍)، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط. 1، 1992م، ص: 39.\r(28) -المصدر نفسه، ص: 39.","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"(29) -فاطر، الآية: 27.\r(30) -الكشاف: ج.1. ص: 234.\r(31) -البقرة، الآية: 22.\r(32) -البقرة، الآية: 266.\r(33) -قريش، الآية: 22.\r(34) -الزمر، الآية: 22.\r(35) -الكشاف، ج3، ص 394. والعيمة: إفراط شهوته.\r(36) -تفسير الرازي، ج7، ص: 242.\r(37) -الجنى الداني في حروف المعاني، المرادي، ص: 240.\r(38) -المستصفى، من علم الأصول: الإمام أبو حامد الغزالي، بتحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، ط- 1، 1417ه‍- 1997م، ج‍-1، ص: 103.\r(39) -سورة الأحقاف، الآية: 31.\r(40) -مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، ج‍-1 /324.\r(41) -الكشاف، الزمخشري، ج‍/527.\r(42) -العربية والوظائف النحوية، الدكتور عبد الله الرمالي، دار المعرفة الجامعية، سنة: 1996م. ص: 104.\r(43) -العربية والوظائف النحوية، الدكتور عبد الله الرمالي، ص: 104.\r(44) -الملك، الآية: 16.\r(45) -الكشاف، الزمخشري، ج‍4/137.\r(46) -المصدر نفسه، ج‍4 /137.\r(47)-التفسير الكبير، للرازي، ج‍8 /18.\r(48)-سورة فاطر، الآية: 10.\r(49)-سورة المؤمن، الآية: 37.\r(50)-ينظر القول المفيد في كتاب التوحيد، محمد صالح العثيمين، دار ابن الجوزية، ص: 361.\r(51)-سورة آل عمران، الآية: 55.\r(52)-سورة النساء، الآية: 156.\r(53)-تأويل مشكل الحديث وبيانه، لأبي بكر محمد بن الحسن بن فورك (ت 406)، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، سنة 1400 ه‍-1980م، ص: 60.\r(54)-المصدر نفسه ص: 60. وحديث الجارية في صحيح مسلم رقم 537 باب الإيمان، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري تح.محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العربية، القاهرة 1376هـ - 1956م، ج6/ 145.\r(55) -فتح الرحمن يكشف ما يلتبس في القرآن الكريم، للإمام أبي زكريا يحيى الأنصاري، تحقيق الشيخ الصابوني، دار القرآن الكريم، ص: 576.\r(56) -المصدر نفسه، ص: 576.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"(57) -مشكل الحديث وبيانه، أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، سنة 14000ه‍-1980م، ص: 197.\r(58) -سورة النساء، الآية: 18.\r(59) -الكشاف ج‍-1 /ص: 513.\r(60) -البيان من إعراب غريب القرآن، أبو بكر بن الأنباري، تحقيق الدكتور طه عبد الحميد طه ومراجعة مصطفى السقا، المكتبة العربية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، سنة 1389 ه‍-1969م، ج‍-247.\r(61) -كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، للإمام محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، سنة 1401 ه‍-1981م، ج‍-1، ص: 134.\r(62) -التفسير الكبير، للرازي، ج3 173.\r(63) -التفسير الكبير، للرازي، ج3 /173.\r(64) -سورة النساء، الآية: 48.\r(65) -كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي، ج1 /134.\r(66) -ينظر المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، عواد بن عبد الله المعيق ص: 48 .224. 225.\r(67) -سورة الفرقان، الآية: 68.\r(68) -أصول السرخسي، ج‍1/160\r(69) -سورة النساء، الآية: 92.\r(70) -أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، الدكتور مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، سنة 1392ه‍-1976م، ص: 236.\r(71) -سورة النور، الآية: 4 ،5.\r(72) -الكشاف ج‍/ص: 51.\r(73) -روائع البيان في تفسير أحكام القرآن، محمد علي الصابوني، مكتبة الغزالي، مؤسسة مناهل العرفان، ط3، سنة 1400ه‍-1980م، ج2 ص: 71.\r(74) -تفسير الرازي، دار الفكر، بيروت -لبنان، الطبيعة الثانيةـ ج‍، ص: 228.\r(75) -الكشاف للزمخشري، ج‍3 /51.\r(76) -مذكرة أصول الفقه، للشنقيطي، الدار السلفية، الجزائر، ص: 230.\r(77) -ذكر له هذا التفسير الصابوني في كتابه، روائع البيان في أحكام القرآن ج‍2 ص: 72.\r(78) -سورة البقرة الآية: 170","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"أسلوب الشرط بين التعقيد والتيسير ((قراءة نقدية معاصرة)) ـــ د.شوقي المعري\r\nالمقدمة\r\nتحديد المصطلح // جملة أم أسلوب\r\nتُحاول هذه المقالة أن تتبّع، لغوياً وتاريخياً، كلاً من المدرسة والكُتّاب عبر تاريخهما الطّويل: فـ\"المدرسة\" عرفت معاني مختلفة في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية، بدءاً من العصر الجاهلي إلى يومنا هذا. ودخلت اللّسان العربي، من الوجهة الدّينية، قبل أن تصل لمعناها الحديث.\r1 ـ قد يكون تحديد عنوان البحث أحد الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة فيه، فما زلنا نختلف على تسميته: أهو أسلوب الشرط، أم جملة الشرط؟ وقد يكون الأسلوب هو الأكثر صحّةً، أو الأكثر استعمالاً لأن الكثيرين لا يزالون يتبعون تقسيم الجملة إلى قسمين: اسمية وفعلية، ويرفضون أن يكون هناك جملتان أخريان، الظرفية، والشرطية، وقد تكون كثرة الأحكام والآراء هي السبب الثاني، وقد يكون الخلاف بين العلماء في جوانب متعددة من البحث هو السبب الثالث، وما إن بدأتُ الكتابة حتى وجدت أنَّ هذه الأسباب جميعاً وغيرها هي ما دفعني إلى الكتابة في الشرط أسلوباً وجملةً، وحاولت بدايةً أنْ أصل إلى تسمية البحث، فكان عندي رأيان أجدُهما صحيحَيْن، ولا فرق بينهما، وإن كان الأسلوب سيغلب لأنَّ فيه جملتين فعل الشرط وجوابه.\r1 ـ أقول: في توزيع الجمل الجملة الشرطية، وإليك الدليل:\rجاء في مغني اللبيب([1]) لابن هشام الجمل: اسمية وفعلية وظرفية، وعرَّف الظرفية بأنها المصدرة بظرف أو جار ومجرور، وأضاف، وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية، والصواب أنها من قبيل الفعلية، ثم يقول ومرادنا بصدر الجملة المسند أو المسند إليه فلا عبرة بما تقدَّم عليهما من الحروف؟ فكيف أعدّ الجملة ظرفية ما دام لا اعتبار للظرف والحرف ففي قلونا: أعندك زيد، أليست اسمية؟ إذا لم نعتبر الهمزة على رأي ابن هشام نفسه؟ فتعليق شبه الجملة فيما يتمّم معناها هو الذي يحدد الجملة فعليةً أو اسمية، فأستطيع أن ألغي الجملة الظرفية ولا ألغي ـ بالمقابل ـ الجملة الشرطية، تقول:\rإنْ تدرسْ تنجحْ\n","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"فهذه جملة شرطية لأنها تبدأ بحرف شرط، وفيها فعلان؛ الأول فعل الشرط، والثاني جوابه، فإذا قلت: أنْتَ إِنْ تدرسْ تنجحْ بجزم الفعل (تنجحْ) فماذا سيكون إعراب الجملة كاملة، أي أين خبر (أنت)؟ أليس جملة الشرط كلَّها؟ بلى.\rوتقول:\rأكرمُك إن زُرتَني\rفجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، فماذا تعرب جملة (إن زرتني)؟‍! ويتصل بها قولك:\rسأعمل وإنْ لم أكنْ قادراً\rأليست جملة (وإن لم أكن قادراً) حالية؟ فممّ تتألف؟ إنها تتألف من أداة الشرط، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه.\rوماذا تقول في قول حاتم الطائي:\rعليك فلن تُلفي لك الدهرَ مكرما([2])\r\rفنفسَك أكرمْها فإنك إنْ تَهُن\r\rأليست جملة (إن تهن) شرطية وهي خبر (إنَّ).\rإن هذه الشواهد ـ وغيرها كثير ـ تدلل على أنَّ هناك جملة شرطية، وليس القصد من هذا أَنْ نثبت ذلك بل لتوضيح المصطلح، وسيكون الأسلوب هو المعتمد لدينا، لأنه الأكثر تعبيراً.\r3 ـ إن كثرة الأحكام في أسلوب الشرط واختلاف العلماء فيها جعلت الطالب يظنّ أنّ هذا الأسلوب من الأساليب الصعبة، وأنه بحث فيه من التعقيد ما يجعله غيرَ قادر على فهمه واستيعابه، ومن ثمة إعرابه بدءاً من حفظه أدوات الشرط بنوعيها الجازمة وغير الجازمة، ثم الفاء الرابطة لجواب الشرط، متى تقترن وجوباً ومتى لا تقترن، ثم محل جواب الشرط من الإعراب، ثم اجتماع الشرط والقسم، وغيرها من الأحكام، علماً بأنَّ تحديدها سهلٌ، يعتمد الدلائل الحسيّة التي تعين على فهم البحث وإعرابه، يضاف إلى هذا كلّه أنّ مفردات البحث توزعت في كتب الأقدمين في أماكن متفرقة تباعدت أحياناً، فكان ضمّ بعضها إلى بعض واحداً من تسهيل البحث وتقديمه واضحاً، فكان أن جمعت مفرداته من كتب الأقدمين ورتبتها ترتيباً معيناً يعين على تسهيله وتقديمه على هذه الصورة المبوبة.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"4 ـ لم يكن هدف البحث ضمّ مفرداته، ثم تقديمها مبوبة فحسب، فهذا لا يقدم جديداً للبحث، بل إنّ القصد أن يُقدَّم بطريقة نقدية، فثمة أشياء غابت عن كتب القدماء، ربما لأنها معروفة، فأهملوها، وثمة أمورٌ لم يتوسعوا فيها فكانت مثار جدل بين المعاصرين فلم يستطيعوا ـ بدورهم ـ أن يحلّوا مشكلاتها فظللنا في حيرة من الأمر، فنقصتنا الجرأة في الحكم على ما جاء به القدماء، ومثل هذا ما فعله المعاصرون، إنهم ردّدوا عبارات القدماء بلا مناقشة، أو ترجيح قول على قول، وهذا ما لا يجوز، فعلينا أن نعيد قراءة نحونا قراءة جديدة معاصرة، قراءة نقدية علمية، لا ننقص منه ولكن نتمم، ولا ننقض لمجرد النقض، بل النقد، والحكم العلمي الصحيح، من هنا كان تجاوز العلماء القدماء إلى آراء المعاصرين، للنظر في ما وصلوا إليه، فتكون القراءة معاصرة لواحد من أكثر الأساليب تشعباً وأحكاماً... وحاولت أن أناقش كل مسألة من المسائل التي وجدت أنها بحاجة إلى مناقشة، ووصلت إلى بعض النتائج من خلال الشواهد والأمثلة.\rوقد عمدت إلى توزيع البحث في عناوين يتصل بعضها ببعض اتصالاً فيه ربطٌ بين الفقرات، فكان البحث على نحو ما يلي:\rـ أولاً: الأدوات.\rـ آ ـ توزيعها:\rعَرَضَ كلُّ من كتب عن أسلوب الشرط إلى الأدوات، قسمها معظمهم إلى أسماء، وحروف وظروف لاشتمال هذا المعنى على جميعها، في حين عدّدها كثيرون مع شواهد عليها([3]) تكررت عند معظمهم وقد قسمها ابن مالك([4]) خمسة أضرب:\rـ اسم: من ـ ما ـ مهما.\rـ اسم يشبه الظرف: أنَّى ـ كيف.\rـ ظرف زمان: إذا ـ متى ـ أيان.\rـ ظرف مكان: حيثما ـ أين.\rـ ما يستعمل اسماً وظرفاً: أيّ.\rوالأسماء إنما تتضمن معنى \"إن\" فتجري مجراه في التعليق، والعمل.\rأما ابن هشام([5]) فقد قسمها تقسيماً آخر:\rـ حرف باتفاق وهو (إنْ).\rـ حرف على الأصحّ وهو (إذ ما).\rـ اسم باتفاق وهو (من) و(ما) و(متى) و(أيّ) و(أين) و(أيان) و(أنى) و(حيثما).","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"ـ اسم على الأصحّ وهو (مهما).\rولم يذكر بينها ((كيف)).\rأما ابن مالك([6]) فعدّد (لو) و(لولا) و(إنْ) و(إذ ما) و(أما) حروفاً، وابن عقيل([7]) عدّها أسماء ما عدا (إنْ) و(إذ ما) فهما حرفان، وأما ابن يعيش([8]) فوقف عند حروف الشرط وقال: هما حرفان (إنْ) و(لو)، وأما السيوطي([9]) فقال أدوات الشرط كلها أسماء إلا (إنْ) فإنها حرف بالاتفاق، والبواقي متضمنة معناها، فلذا بُنيت إلاّ (أيّا) وفي (إذما) خلاف.\rولم يخرج هذا التوزيع عند المعاصرين فقد عددوها ووقف بعضهم عند (كيفما) قليلاً([10]).\rب ـ التفصيل فيها:\r1 ـ إذ:\rلا تُضاف إلاَّ إلى الأفعال، لأنها تُنبئ عن زمان ماض، وأسماء الأزمان تُضاف إلى الأفعال، فإذا أُضيفت إليها كانت معها كالشيء الواحد([11])، وعدّ صاحب رصف المباني([12]) إضافة (ما) إليها عوضاً من إضافتها في أصلها، إذ أصلُها أن تكون ظرفاً للماضي من الزمان مضافةً أبداً إلى الجملة، والتنوين هو المعوض منها، أما صاحب الجنى الداني فأجاز إضافتها إلى الجملتين الاسمية والفعلية، ولا تضاف إلى الجملة الشرطية إلا في ضرورة، ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض، وذكر أنها لا تقع بمعنى (إذ) عند أكثر المحققين([13])، لكنها وقعت بمعنى (إن) وجاز الجزم بها مجردة من (ما) في الشعر([14]).\rقال قيس بن الخطيم:\rخُطانا إلى أعدائنا فنُضارِبِ([15])\r\rإذا قَصُرتْ أسْيافنا كانَ وَصْلُها\r\rوقال الفرزدق:\rناراً إذا خمَدت نيرانهم تَقِدِ([16])\r\rترفعُ لي خِندفٌ واللهُ يرفعُ لي\r\rونقل صاحب الخزانة عن أمالي ابن الشجري أنهم لم يجزموا به في حال السَّعة لأنه خالف (إن) بما تقتضيه من الإبهام([17]).\r2 ـ إذ ما:","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"هي المؤلفة من (إذ) ولا تكون شرطاً إلا إذا ضُمَّ إليها (ما) فتصير (إذما) بمنزلة إنَّما، وليست (ما) فيها بلغو([18])، وهي حرفٌ على ما نقل صاحب الجنى عن سيبويه([19]) تجزم فعلين مثل إن الشرطية، وجعلها ابن يعيش بمنزلة (متى)([20])، وما يلاحظ أن شواهدها قليلة، بل نادرة، فقد استشهدوا ببيت هو قول العباس بن مرداس:\rحَقّاً عليك إذا اطمأنَّ المجلسُ([21])\r\rإذْ ما دَخَلْتَ على الرسولِ فَقُلْ له\r\r3 ـ إذا:\rهي ظرف لما يُستقبل به من الزمان، وتتضمن معنى المجازاة، وهي ظرف يوافق الحال التي أتت فيها ولا يليها إلاّ الفعل الواجب وتختص بالدخول على الجملة الفعلية، ويقبح عند سيبويه ابتداء الاسم بعدها([22]) وجاز الرفع بعدها لأنه يجوز أن تقول: اجلس إذا عبدُ الله جالس، وذكر ابن هشام أنها إذا دخلت على الاسم فهو فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير لا مبتدأ([23]).\rوأشار سيبويه إلى الجزم بها ضرورة تشبيهاً بـ (إنْ)، وقال وهو في الكلام خطأ، أما المبرد فقد منع أن يُجازى بها لأنها مؤقتة وحروف الجزاء مبهمة، ومنع ابن مالك هذا في النثر لعدم وروده، أما جزمها فلأنها تُحمل على (متى) وتُهمل (متى) حملاً على (إذا)([24]).\r4 ـ إذا ما:\rذكرها ابن يعيش، وعلَّق فقال: لم يذكرها سيبويه في الحروف، والقياس أن تكون حرفاً كـ (إذ ما) ونقل صاحب الخزانة عن بعضهم أنهم جازوا بها، فيجزم الشرط والجزاء كقول الشاعر:\rوكان إذا ما يَسْلُلِ السَّيْفَ يضربِ([25])\rوأضاف أن الرواية (متى) ما، فعندئذٍ لا شاهد فيها.\r5 ـ أمّا:","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"فيها معنى الجزاء عند سيبويه، وبمعنى \"مهما\" عند صاحب الرصف لكنها لا تعمل عملها، ويكون فيها معنى التفصيل زائداً لذلك، ولا يلزم تكرارها([26])، لأنها بمعنى \"مهما يكن من شيء\" فهي قائمة مقام أداة الشرط وفعل الشرط ولذلك تُجاب بالفاء([27])، ويفصل بينهما واحد من ستة أمور، المبتدأ، الخبر، جملة الشرط، اسم منصوب لفظاً أو محلاً بالجواب، اسم معمول لمحذوف يفسره ما بعد الفاء، ظرف معمول (أما)([28])، وقد تليها (إن) فيغني جواب (أمَّا) عن جوابها([29])، وهي بهذا أحقّ، من وجهين:\rـ أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يُحذف أصلاً، وجواب غيرها إذا انفرد بحذف كثيراً لدليل، وحذف ما عُهِدَ حذْفه أولى من حذف ما لم يُعهد حذفه.\rـ الثاني: أن (أمَّا) قد التزم معها حذف فعل الشرط، فقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافاً، و(إن) ليست كذلك.\r6 ـ إن([30]):\rهي أم باب الجزاء، قال سيبويه \"زعم الخليل أنّ (إنْ) هي أم حروف الجزاء فسألته: لمَ قلتَ ذلك؟ قال: من قِبَل أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكنّ استفهاماً ومنها ما يفارقه (ما) فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حال واحدة أبداً لا تفارق المجازاة([31]).\rولأنها أم الباب تميزت من غيرها، فجاز تقديم الاسم كقولك: إنْ زيداً تره تضرب، لأنّ الأصل أن يليها الفعل، ولا يرتفع الاسم بعدها إلا بفعل([32]) لأنها من الحروف التي يُبني عليها الفعل، وعند الكوفيين يرتفع بما عاد إليه الفعل من غير تقدير فعل، أما البصريون فيرفعون الاسم بفعل مقدّر لأن حرف الشرط يقتضي الفعل، ويختص به دون غيره، ولهذا كان عاملاً فيه([33]).\rومن ميزاتها أيضاً جواز حذف فعل الشرط وجوابه في الشعر خاصةً، قال الشاعر:\rكان فقيراً مُعْدِمَاً قالت: وإنْ([34])\r\rقالتْ بناتُ العمِّ يا سلمى وإن\rوإذا لحقتها (ما) فهي زائدة لتوكيد الشرط([35])، وقد تقترن بها (لا) النافية فيظنّ من لا معرفة له أنها (إلاّ) الاستئنافية([36]).","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"وإنْ حرف للشرط يجزم فعلين مضارعين، وهذا هو الأصل في أدوات الشرط وهو الكثير([37])، وحقّ الفعل الذي يكون بعد الاسم الذي يلي (إن) وما تضمن معناها من الأسماء أن يكون ماضياً سواء كان ذلك الاسم مرفوعاً أو منصوباً، وإنما ضعف مجيء المضارع لحصول الفصل بين الجازم مع صفته، وبين معموله فإذا كان الاسم مرفوعاً فهو عند الجمهور مرفوع لامتناع \"إنْ زيد لقيته\"، إلا ما حكى الكوفيّون في الشاذ:\rفإذا هَلكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي\rلا تجزَعي إنْ مُنْفِسٌ أَهْلَكْتُه\rوهو أيضاً عندهم ليس مبتدأ، بل هو مرفوع بفعل مقدر، أي: إن هَلَك مُنْفِسٌ أو أُهْلِكَ([38])\rوعدّها الكوفيون بمعنى (إذ) أما البصريون فلا، واحتجاجهم أنّ الأصل في (إن) أن تكون شرطاً والأصل في (إذ) أن تكون ظرفاً، والأصل في كل حرف أن يكون دالاً على ما وُضع له في الأصل، وشذّ إهمالها حملاً على (لو)([39]).\r7ـ أنّى:\rعدّها سيبويه من أدوات الشرط، وقال في موضعٍ آخر: وتكون بمعنى كيف وأين([40])، أمّا ابن مالك فقال: ليست ظرفاً لأنه لا زمان ولا مكان ولكن تشبه الظرف لأنّها بمعنى على أي حال، وقد تأتي بمعنى (متى) و(أين) وتكون استفهاماً وشرطاً، وإذا كانت شرطاً جزمت([41])، وعلّق صاحب الخزانة على قول الشاعر:\rكلا مركبَيْها تحت رجليكِ شاجر\rفأصبحت أنى تأتها تلتبسْ بها\rفقال: على أنَّ (أنّى) فيه شرطية مجرورة بـ (من) مضمرةً أي من أنّى تأتها، ونقل عن الأعلم أن الشاهد فيه جزم تأتها بـ (أنّى) لأنَّ معناها (أين ومتى) وكلاهما للجزاء، وكان قد استشهد بقول الشاعر:\rمن أي عشرون لها من أنّى\rلأجعلنْ لابنة عثم فنّا\rعلى أنّ (أنّى) تُجرّ بـ (من) ظاهرة([42]).\r8 ـ أيّ:","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"ذكرها سيبويه([43]) في ثلاثة مواضع، عندما تكلم على (إن) وعدّها من أدوات الشرط، وقال: وترفع الجواب حين يذهب الجزم من الأول في اللفظ، نحو قولهم: أيّهم يأتِكَ تضربْ، ثم قال: فإن قلت: أيُّهم جاءك فاضرب، رفعت لأنه جعل جاءك في موضع الخبر، وذلك لأنّ قوله فاضرب في موضع الجواب، وأيّ من حروف المجازاة.\r9 ـ أيّان:\rقال سيبويه \"للسؤال عن الزمان بمعنى (متى)([44]) فلم يذكرها من حروف المجازاة.\r10 ـ أين:\rذكرها سيبويه([45]) في خلال حديثه عن (مهما) وشبهها بـ متى (ما) و(إن ما) و(أين ما) مستشهداً بقوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت } [النساء: 78]، فكأنه اشترط لعملها دخول (ما) عليها، وأمّا المبرد فقال لا تكون إلا للمكان، واستشهد بقوله تعالى \"أينما\" وقول الشاعر:\rنصرفُ العيس نحوَها للتلاقي([46])\r\rأين تضربْ بنا العُداة تجدْنا\r\rوجاز دخولها على الاسم كقول الشاعر:\rأينما الرّيحُ تميّلها تَمِلْ([47])\r\rصعدةٌ نابتةٌ في حائرٍ\r\r11 ـ حيثما([48]):\rأصلها حيث وهي اسم من أسماء المكان المبهم يفسره ما يضاف إليه، فلما وصلتها (ما) امتنعت عن الإضافة فصارت كـ (إذ) إذا وصلتها (ما) ولا يكون الجزاء في (حيث) حتى يُضمّ إليها (ما) فتصير كلمة واحدة بمنزلة (إنما) و(كأنما) وليست (ما) فيها بلغو([49])، وعدم دخول (ما) عليها يجعلها تدخل على الاسم، وإذا دخلت على فعلين جزمتهما قال الشاعر:\rحيثما تَسْتقم يقدّر لك اللهُ نجاحاً في غابر الأزمان([50]).\rوعدّها ابن هشام هنا للزمان، قال: وهذا البيت دليل عندي على مجيئها للزمان.\r12 ـ كلما:\rذكرها سيبويه([51]) مؤلفة من (كل) الظرفية و(ما) المصدرية، ومثِّل لذلك بقولك: كلما تأتيني آتيك، فالإتيان صلة لـ (ما) كأنه قال كلّ إتيانك آتيك، وتشبه في هذا إذا ما.\r13 ـ كيف:","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"ثمة خلاف في اعتبار (كيف) أداةً من أدوات الشرط بدءاً من سيبويه الذي ذكر أنه سأل الخليل عن قوله \"كيف تصنعْ أصنعْ\" فقال هي مستكرهة، وليست من حروف الجزاء، لأنّ معناها \"على أي حال تكن أكن\"([52])، ففي هذا القول تصريح أنها ليست من حروف الجزاء وأكثر ما تكون استفهاماً على ما جاء عن ابن مالك في شرح التسهيل([53])، وهي اسم لتعميم الأحوال وتسمّى ظرفاً لتأولّها بـ \"على أي حال\" والدليل على اسميتها جواز الاكتفاء بها مع صحة دخولها على الأفعال، وأضاف ابن مالك: وقد ترد شرطاً في المعنى فحسب، فتقع بين جملتين، ولا تعمل شيئاً حملاً على الاستفهامية لأنها أصل، وقد عقد ابن الأنباري مسألة في كتابه الإنصاف عنوانها \"هل يُجازى بكيف\"([54]) وعرض فيها لرأي الكوفيين الذين أجازوا الجزاء بها، لأنها أشبهت كلمات المجازاة في الاستفهام، أما البصريون فلا؛ لأنها اعتدادها من أدوات الشرط وقال: وهو المذهب الصحيح([55]).\rفليس ثمة من يذكرها من أسماء الشرط وإن كان بعض المعاصرين كما سيأتي قد عدّها من أسماء الشرط بشرطين: اتصال (ما) بها فتصبح (كيفما) وأن يكون فعلها وجوابها بلفظ واحد، كيفما تصنعْ أصنعْ، ولكن عدم ورود شواهد في القرآن الكريم، والشعر المحتج به، والحديث النبوي الشريف وأساليب العربية والخلاف البيّن بين النحويين يجعلنا نتحرج في اعتبارها اسم شرط!!.\r14 ـ لمّا:\rعدّها سيبويه([56]) بمنزلة (لو) لأنها لابتداء وجواب، وتحقيق تقابلها عند صاحب الجنى أنك تقول: لو قام زيدٌ قام عمرو، ولكنه لمّا لم يقم لم يقم، ونقل ابن مالك عن سيبويه أنها حرف، وعند أبي علي أنها ظرف، وقال والصحيح قول سيبويه.","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"أما جوابها فهو فعل ماض مثبت([57]) أو منفي بـ (ما)، أو مضارع منفي بـ (لم)([58])، أو جملة اسمية مقرونة بـ (إذا) الفجائية، أو مقرونة بالفاء، أو يكون ماضياً مقروناً بالفاء، وقد يكون مضارعاً، ويجوز حذف جوابها([59]) للدلالة عليه كقوله تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا } [يوسف: 12/15]، وتزاد (أن) بعدها([60]).\r\r---\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref1([1]) مغني اللبيب لابن هشام 492.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref2([2]) ديوانه 81.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref3([3]) انظر باب المجازاة وحروفها في المقتضب للمبرد 2/46 شرح المفصل لابن يعيش 7/40، وشرح الكافية الشافية لابن مالك 3/1582، وشرح التسهيل لابن مالك 4/66، وأوضح المسالك لابن هشام 4/204، وشرح ابن عقيل 2/271، والهمع للسيوطي 2/57.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref4([4]) شرح التسهيل 4/68 ـ 72، وانظر شرح المفصل 7/42.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref5([5]) أوضح المسالك 4/203.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref6([6]) شرح التسهيل 4/66.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref7([7]) شرح ابن عقيل 2/275.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref8([8]) شرح المفصل 8/155.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref9([9]) الهمع 2/58.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref10([10]) جامع الدروس العربية لمصطفى الغلايين 2/186، والنحو الوافي لعباس حسن 4/421، والأساليب الإنشائية لعبد السلام هارون 188، النحو الميسّر للدكتور محمد خير الحلواني 1/175، وفي النحو العربي لمهدي المخزومي، 290 ـ 291 وتجديد النحو للدكتور شوقي ضيف 119.","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref11([11]) سيبويه 3/119 وانظر المقتضب 3/177، وشرح الكافية الشافية 3/1622، ومغني اللبيب 111.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref12([12]) رصف المباني للمالقي 148.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref13([13]) الجنى الدني للمرادي 187 ـ 188.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref14([14]) شرح المفصل 7/46 ـ وانظر شرح التسهيل 4/82.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref15([15]) ديوانه 41، وسيبويه 3/61، والمقتضب 2/57 ورح المفصل 7/46. [قوله: ((فنضاربِ)) مجزوم لأنه معطوف على جواب (إذا) الجازمة وهو (كان وصلها) وحرّك بالكسرة ـ هيئة التحرير].\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref16([16]) ديوانه 216، وسيبويه 3/261 ـ 262، وشرح المفصل 7/47، والخزانة 7/22.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref17([17]) الخزانة 7/26.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref18([18]) كتاب سيبويه 3/56، وانظر المقتضب 2/362، والجنى الداني 190 ـ 508، وشرح الرضي على الكافية 4/89، وعنده أن (ما) كافة لها عن الإضافة بمنزلة إنما وكأنما.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref19([19]) الجنى الداني 508، وانظر المغني 120، وفي شرح التسهيل 4/67 هي (إذ) ضمّ إليها (ما) بعدما سلبت معناها الأصلي، وجُعل حرف شرط بمعنى (إن) فجرى مجراها وعمل عملها.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref20([20]) شرح المفصل 7/46.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref21([21]) الشاهد في ديوان الشاعر 72، والكاتب 1/432، والخصائص 1/131، والخزانة 9/29، والكامل للمبرد 249، وشرح المفصل 7/46.","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref22([22]) سيبويه 4/232 وانظر المقتضب، والجنى الداني 367، وشرح التسهيل 4/82، وانظر الجنى الداني 369، وقد شذ دخوله على الجملة الاسمية، كقول الشاعر: إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب، انظر الخزانة 7/38.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref23([23]) المغني 127 ـ وانظر الخزانة 10. /228\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref24([24]) سيبويه 1/134 و3/61 وانظر المقتضب 2/56 والجنى 367، والمغني 127، وشرح الكافية الشافية 3/1583، وشرح التسهيل 4/82.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref25([25]) شرح المفصل 7/47، والخزانة 7/77.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref26([26]) سيبويه 4/235، وانظر 1/95 ـ 142 ورصف المباني 181 و182، وانظر الجنى 523.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref27([27]) عند الرضي 4/469 ـ 470 الفاء لازمة بعدها لا تحذف، وعند صاحب الجنى الداني 523 لا يجوز أن يفصل بينها وبين الفاء بجملة إلا إذا كانت دعاءً بشرط أن يتقدم الجملة فاصل بينها وبين (أما) نحو: أما اليوم رحمك الله فالأمر كذا، وانظر شرح الكافية الشافية 3/1646.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref28([28]) المغني 79 ـ 80.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref29([29]) شرح الكافية الشافية 3/1647، وينظر أيضاً أوضح المسالك 4/232، وشرح المفصل 9/11، والهمع 2/57.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref30([30]) انظر فيها سيبويه 3/63 والجنى الداني 207، ورصف المباني 186، ومغني اللبيب 33، والرضي 4/86 ـ 92، وشرح المفصل 8/156، وشرح الكافية الشافية 3/1610، والهمع 2/57.","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref31([31]) سيبويه 3/63.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref32([32]) سيبويه 1/134 و263 و3/56 والرضي 4/92 وشرح المفصل 8/156.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref33([33]) الإنصاف لابن الأنباري ج2/615 ـ 620، وشرح المفصل 9/10.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref34([34]) انظر الشاهد في ملحقات ديوان رؤبة 186، والمغني 724، والرصف 189.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref35([35]) شرح المفصل 9/5.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref36([36]) المغني 33.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref37([37]) وصف المباني 186، وانظر الجنى 207 والمغني 35.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref38([38]) شرح الرضي 4/93 ـ 94 [ويروى: إن مُنْفساً أهلكتُه، بنصب \"مُنْفساً\" بعد \"إنْ\" على تقدير: إن أهلكتُ مُنْفساً. ولا بد من تقدير فعل، إما رافع وإما ناصب. انظر شرح المفصل 2/82 والخزانة، الجزء الأول ـ هيئة التحرير].\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref39([39]) الإنصاف: المسألة 88/2 ـ 634 وشرح الكافية الشافية 3/1591.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref40([40]) سيبويه 3/56 و4/235 والمقتضب 2/48.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref41([41]) شرح التسهيل 4/70.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref42([42]) الخزانة 7/83 ـ 91.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref43([43]) سيبويه 1/134 ـ 2/398 ـ 4/136.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref44([44]) سيبويه 4/235.","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref45([45]) سيبويه 3/56 ـ 59.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref46([46]) انظر الشاهد في سيبويه 3/58، والمقتضب 2/58، وشرح المفصل 4/105 و7/45.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref47([47]) الشاهد في المقتضب 2/76، وشرح المفصل 9/10، وخزانة الأدب 9/78 و10/228.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref48([48]) سيبويه 3/56، والمقتضب 2/54، والرضي 4/90، وشرح التسهيل 4/72، وشرح الكافية الشافية 3/1620، وشرح المفصل 4/92، والهمع 2/58.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref49([49]) سيبويه 3/56 و2/416 و3/321 و4/221 وقد أوجب المبرد زيادة (ما) عليها، وانظر المقتضب 2/54.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref50([50]) الشاهد في ابن عقيل 2/131 والمغني 178، وشرح التسهيل.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref51([51]) سيبويه 3/102.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref52([52]) سيبويه 3/60، وانظر شرح المفصل 4/109، والهمع 2/58.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref53([53]) شرح التسهيل 4/70، قال النمر بن تولب (ديوانه 21 ـ 22) والكامل للمبرد 1/281، والبيت الأول في الخزانة 2/217:\rفكيف يرى طول السلامة يفعل\r\rيودّ الفتى طُول السلامة والبقا\r\rينوء إذا رام القيام ويُحملُ\rيعود الفتى من بعد حسن وصحة\rوهذا البيت شاهد على ورود (كيف) تحمل معنى الشرط، ولكنها غير جازمة.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref54([54]) المسألة 91 ـ 2/643، وانظر شرح الكافية الشافية 3/1583، والهمع 2/58.","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref55([55]) شرح الكافية الشافية 3/1583، وانظر شرح المفصل 4/109، وفيه أنها تضمنت معنى الاستفهام، فإذا قالت: كيف زيدٌ فكأنك قلت: أصحيحٌ زيدٌ أم سقيمٌ أآكلٌ زيد أم شارب إلى غير ذلك من أحواله، والأحوال أكثر من أن يحاط بها، فجاؤوا بكيف اسماً مبهماً يتضمن جميع الأحوال.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref56([56]) سيبويه 4/224 الجنى الداني 594 ـ 595ن وشرح الكافية الشافية 3/1642.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref57([57]) قال بشر بن سلوة (كتاب الاختيارين 184):\rوأبي ربيعة في الغبار الأقتمِ\rلما سمعتُ دعاءَ مرّة قد علا\rضرب يطير عن الفراخ الجُثّم\rأيقنت أن سيكون عند لقائهم\r\rوقال ابن الدمينة (ديوانه 21):\rبك الدّار لامتني عليك اللوائم\rفلما انقضت أيام ذي الغمر وارتمت\r\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref58([58]) قال عبيد بن أيوب العنبري (اشعر اللصوص 147):\rصريع هواء للتراب جحافله\rفلما التقينا لم يزل من عديدهم\r\rوقال المتلمس (ديوانه 3):\rله دركاً في أن تبينا فأحجما\rفلما استقاد الكف بالكفِّ لم يجدِّ\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref59([59]) شرح التسهيل والجنى 596.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-010.htm - _ednref60([60])الكتاب 4/222، والجنى 595.\r15 ـ لو:\rكثر ورود (لو) حتى إنها قُرنت بـ (إن) الشرطية فكان فيها عددٌ من الأحكام التي تميّزت بها:\rآ ـ هي مثل (إن) الشرطية في الاختصاص بالفعل، فلا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره ظاهر بعده، أو اسم منصوب كذلك أو خبر لكان المحذوفة أو اسم هو في الظاهر مبتدأ وما بعده خبر([1]).","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"ب ـ انفردت (لو) بمباشرة (أنّ) كثيراً وموضعها عند الجميع الرفع، وقد اختلف النحويون في موضع الرفع([2])، وفي شرح الكافية الشافية في موضع رفع بالابتداء وإن كانت لا تدخل على مبتدأ غيره([3]) على أنه قد ولي (لو) اسم صريح مرفوع بالابتداء في قول عدي بن زيد:\rكنتُ كالغصّانِ بالماء اعتصاري([4])\r\rلو بغير الماء حَلقي شَرِقٌ\rولذلك وجه من النظر، ونقل ابن مالك أن تقدير البيت: لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق، وجملة هو شرق تفسيرية، وهذا تكلف لا مزيد عليه فلا يُلتفت إليه.\rويغلب أن يكون خبر (أنّ) بعد (لو) فعلاً غالباً ما يكون ماضياً وقليلاً ما يكون مضارعاً، قال الشاعر:\rوتشتكي لو أننا نُشكيها([5])\r\rتمدّ بالأعناق أو تلويها\rأما قول كعب بن زهير:\rموعودها أو لوَ انّ النصح مقبول([6])\r\rأكرم بها خلةً لو أنها صدقت\rفلا تتعين فيها الشرطية وتجوز الشرطية وجوابها محذوف، أو أنْ يكون للتمني فلا جواب حينئذٍ\rج ـ هي عكس (إن) لأنها تصرف المضارع على المضيّ([7]).\rد ـ جوابها لا يكون إلاّ فعلاً مثبتاً أو منفياً بـ (ما) أو مضارعاً مجزوماً بـ (لم) والأكثر في الماضي المثبت اقترانه باللام([8]).\rه‍ ـ هي حرف شرط في المستقبل إلاّ أنها لا تجزم، وقد جُزم بها ضرورة([9])، ولغلبة دخولها على الماضي لم تجزم، وزعم بعضهم أن الجزم بها مطّرد على لغة، وأجازه جماعة في الشعر منهم ابن الشجري كقول الشاعر:\rلاحق الآطال نهدّ ذو خُصَلْ([10])\r\rلو يَشَأْ طار به ذو ميعةٍ\rوقول لقيط بن زرارة:\rإحدى نساء بني ذهل بن شيبانا([11])\r\rتامت فؤادَك لو يُحزْنك ما صنعتْ\rوالبيت الأول ـ عند ابن مالك ـ لا حجة فيه لأنّ من العرب من يقول جاء يجي وشاء يشا، بترك الهمز، أما البيت الثاني فهو من تسكين ضمة الإعراب تخفيفاً كما قرأ أبو عمر \"ينصرْكم\" آل عمران: 160، \"و\" يشعرْكم\" الأنعام: 190.\rو ـ لا يكون جوابها بعدها إلاّ محذوفاً غالباً لدلالة الكلام عليه([12]).","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"16 ـ 17 ـ لولا ـ لوما:\rهما لابتداء وجواب، فالأول سبب ما وقع وما لا يقع، أصلهما (لو) دخلها (لا) و(ما) فتغير معناها واختُلف حول معناها، حرف امتناع لامتناع أو وجود لوجود، أما جوابها فماض مثبت مقرون باللام، ويجوز أن يحذف ضرورة([13])، وقد يقترن باللام المنفي بـ (ما) كقول الشاعر:\rأبْقت نواهم لنا روحاً ولا جسدا([14])\r\rلولا رجاءُ لقاء الظاعنين لما\rوإذا وليها اسم فهو مبتدأ، وعند الكوفيين فاعل لفعل محذوف نابت (لا) منابه([15])، وربما وليها ضميرٌ.\rلولاك ولولاي:\rجاء في كتاب سيبويه \"هذا باب ما يكون مضمراً فيه الاسم متحولاً عن حاله إذا أظهر بعده الاسم، وذلك لولاك ولولاي إذا أضمرت الاسم فيه جُرَّ، وإذا أظهرت رُفع، ولو جاءت علاقة الإضمار على القياس لقلت لولا أنتَ كما قال سبحانه وتعالى { لولا أنتم لكنا مؤمنين } [سبأ: 31]، وكلهم جعلوه مضمراً مجروراً، والدليل على ذلك أنّ الباء والكاف لا تكونان علامة مضمر مرفوع. قال يزيد بن الحكم:\rبأجرامهِ من قُلّة النّيق مُنهوي([16])\r\rوكم مَوْطن لولاي طِحتَ كما هوى\r\rوهذا قول الخليل رحمه الله و(يونس)، وقد عقد صاحب الإنصاف لها مسألة([17]).\r18 ـ ما:\rلم تُذْكَر إلا قليلاً فقد ذكرها صاحب الجنى فقال شرطية، لكنه لم يعلق كثيراً، ولم يذكرها صاحب الرصف عند تعداد أنواعها، وفي الهمع \"وما\" و\"من\" و\"مهما\" بمعنى (ما)([18]) وأضاف ولا ترد (ما) ولا (مهما) للزمان، وقيل تردان له وجزم به الرضي فقال نحو: ما تجلس من الزمان أجلس فيه، ومهما تجلس من الزمان أجلس.\rواللافت ندرة الشواهد([19]) كما قلة الكلام والأحكام علماً بأنها وردت بكثرة.\r19 ـ متى:\rوردت عند سيبويه([20]) زيدت بعدها (ما)، وقال ولا يجوز في \"متى\" أن يكون الفعل وصلاً لها كما جاز في (مَن) و(الذي) وسمعناهم ينشدون قول العجير السلولي:\rولكن متى ما أملك الضرّ أنفعُ([21])\r\rوما ذاك أنْ كان ابن عمي ولا أخي","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"والقوافي مرفوعةٌ، كأنه قال ولكن أنفعُ متى ما أملك الضرّ، ويكون أملك على متى في موضع جزاء و(ما) لغواً، ولم يجد سبيلاً إلى أن يكون بمنزلة (مَنْ) مُتوصّل ولكنها كمهما.\rوشذّ إهمالها حملاً على (إذا)([22]).\r20 ـ مَنْ:\rلم يقف معظم العلماء عند (مَنْ) الشرطية على كثرة استعمالها، ويكفيها معلقة زهير بن أبي سُلمى، وربما يعود هذا على قلة أحكامها، ومّما وقف عنده صاحب الخزانة([23])، بيت الشاعر:\rومَن نحنُ نُؤمنْه يَبِيتْ وهو آمنُ\rفنحن فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، فلمّا حذف الفعل برز الضمير وانفصل والتقدير فمن نؤمنه نؤمنه.\r21 ـ مهما([24]):\rاختُلف في تركيب (مهما) وفي اسميتها أو حرفيتها، فقد سأل سيبويه الخليل عنها، فقال هي (ما) أدخلت معها (ما) لغواً بمنزلتها مع (متى) وهي عند ابن هشام اسم يعود الضمير إليه، بسيطة لا مركبة، وعند ابن يعيش كلمتان فلو كانت واحدة لكتبت بالياء لأنها رابع، والدليل على أنَّ فيها معنى (ما) أنه يجوز أن يعود إليها الضمير، والضمير لا يعود إلا إلى الاسم.\rقال الشاعر:\rومهما وكلتَ إليه كفَاهُ([25])\r\rإذا سُدتَهُ سُدْتَ مطواعةً\rفالهاء في كفاه تعود إلى (مهما) وعند صاحب الجنى: المشهور أنها اسم([26]) من أسماء الشرط مجرد من الظرفية مثل (مَن)، ونقل عن ابن مالك أنها قد (من) ترد ظرفاً، وعند السيوطي تلزم الاسمية ولا للزمان، وزعم السهيلي أنها تخرج عن الاسمية وتكون حرفاً إذا لم يعد عليها من الجملة ضمير كقول زهير:\rوإن خالها تَخفى على الناس تُعلمِ([27])\r\rومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ\rوقال صاحب الجنى: وهذا قول غريب.\rـ مسائل في الأدوات:\r1 ـ اقتران (ما) مع أدوات الشرط:\rآ ـ يجب مع (إذا) و(حيث).\rب ـ يمتنع مع (ما) و(من) و(أنى) و(مهما).\rج ـ يجوز مع (إن) و(أي) و(أيان) و(متى)([28]).\r2 ـ تزاد (ما) بعد (إن) و(أي) للتوكيد([29]).","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"3 ـ إذا دخل حرف الجر على أسماء الشرط لا يغيرها عن عملها لأنها من أسماء الاستفهام، فحروف الجر لا تغّيرها عن حال الاستفهام مثل (من) و(أي)([30]).\r4 ـ يجب حذف كان بعد (إن)([31]).\rأولاً ـ إعراب أسماء الشرط:\rجاء في المقتضب: إذا وقعت الأدوات الشرطية على مكان أو زمان فظرفٌ، أي فهي في موضع النصب على الظرف نحو \"متى تقم أقم\" و { أينما تكونوا يدرككم الموت } أو على حدث مفعول مطلق، وإنْ وقع بعدها فعل لازم فمبتدأ وخبره فعل الشرط وفيه ضميرها([32]).\r5 ـ إذا سُبِق الشرط باستفهام يكون الاسم بالرفع فقط، سواء اقترن فعل الشرط بالهاء أم لم يقترن تقول: أعبدُ الله إن ترهْ تضربْه، وتقول: أعبدُ الله إن ترَ تضربْ، وإذا لم تجزم الآخر نصبت وذلك قولك: أزيداً إن رأيت تضربُ، وأحسنه أن تدخل في رأيت الهاء لأنه غير مستعمل([33]).\r6 ـ يضمر الفعل بعد حرف الشرط كقولهم: \"الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشرٌّ\"، وإن شئت أظهرت الفعل قلت: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشرّ، والرفع أكثر وأحسن في الآخر، لأنك إذا أدخلت الفاء في جواب الجزاء استأنفت ما بعدها وحسن أن تقع بعدها الأسماء، وإن أضمرت فأنت تضمر الناصب أحسنُ، فكلما كثر الإضمار كان أضعف([34]).\rثانياً: آ ـ ترتيب أسلوب الشرط:\rيتألف أسلوب الشرط من الأداة ففعل الشرط فجوابه، ولأداة الشرط صدر الكلام، فإن تقدّم عليها شبيه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إياه([35])، وحروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها، نحو: \"آتيك إن أتيتني\" و\"أزورك إن زرتني\" ولا يجوز هذا إلا في الشعر نحو \"إن تأتني آتيك\"، \"وأنت ظالم إن تأتني\" لأنها قد جزمت، ولأن الجزاء في موضعه فلا يجوز في قول البصريين في الكلام إلا أن تقع الجواب فعلاً مضارعاً مجزوماً، أو فاء إلاّ في الشعر([36]).","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"وأجاز الكوفيون تقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط، ولم يجوزه البصريون، لأن الشرط بمنزلة الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام([37]).\rوإذا تقدم الاسم المرفوع في جواب الشرط فإنه لا يجوز فيه الجزم ويجب فيه الرفع عند الكوفيين، أما البصريون فأجازوا تقديم المرفوع والمنصوب في جواب الشرط([38])، ويحسن في الكلام: إن أتيتني لأقومنّ وإن لم تأتيني لأغْضبنّ، ويذهب سيبويه إلى أنه على التقديم والتأخير كأنه قال: لأغْضبنّ إن لم تأتني، ولأقومن إن أتيتني.\rولا يتقدم الاسمُ الفعلَ على الإضمار مع غير (إن) من أدوات الشرط إلى في الضرورة كقوله:\rومن لا نُجِرْهُ يُمسِ منا مفزّعا\rفمن نحن نُؤمنْه يبتْ وهو آمن\r\rوقد جاز اعتراض القسم والدعاء والنداء والاسمية والاعتراضية بين الشرط والجزاء([39]).\rب ـ فعل الشرط:\rأصلُ الجزاء أن تكون أفعاله مضارعة لأنه يعربها، ولا يُعرب إلاّ المضارع، فإذا قلت: إن تأتني آتك، فتأتني مجزمة بـ (إن) وآتِك مجزومة بـ (إن) وتأتني، واسم الشرط يدخل على الفعل لا على الاسم ويجوز أن يُحذف فعل الشرط إن كانت الأداة (إن) مقرونة بـ (لا) كقوله:\rوإلاّ يعلُ مفرقَكَ الحسام\rأي وإلاّ تطلقها يعلُ([40]) وقال ابن مالك: إن الاستغناء عن الشرط وحده أقلّ من الاستغناء عن الجواب([41]) وأكثر ما يضمر إذا فسرّ بعد معموله بفعل مذكور والغالب كونه ماضياً أو مضارعاً منفياً بـ (لم) ومجيئه مضارعاً بدون (لم) شاذ ومنه قول الشاعر:\rفإن أنت تفعل...([42])\rويجوز أن يدخل شرط على شرط فإن قصدت أن يكون الشرط الثاني مع جزائه جزاءً للأول فلا بد من الفاء في الأداء الثانية، تقول: إن دخلت الدار فإن سلمت فَلَكَ كذا، وإن سألت فإن أعطيتك فعليّ كذا لأن الإعطاء بعد السؤال، أما إن قصدت إلغاء أداة الشرط الثاني لتخللها بين أجزاء الكلام الذي هو جزاؤها معنًى فلا يكون في أداة الشرط الثاني فاء، كقوله:\rرجليّ من هاتا فقولا لا لعا","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"فإن عثرْت بعدَها إن وألتْ\r\rوإذا أضيفت أداة الشرط إلى ظرف يكون الجزم لها، وهو خاص بالشعر كقوله:\rيجد فَقْدها إذ في المقام تدابر\rعلى حينِ مَنْ تلبث عليه ذنوبه\r\rفالجزم بـ (من) مع إضافة حين إلى جملة الشرط ضرورة، وحكمها ألا تضاف إلاّ إلى جملة خبرية لأن المبهمات إنما تفسر وتوصل بالأخبار لا بحروف المعاني وما ضمنت معناها، وجاز هذا في الشعر تشبيهاً لجملة الشرط بجملة الابتداء والخبر أو الفعل والفاعل([43]).\rـ مسألة:\rومن المسائل المشكلة في أسلوب الشرط فعل الشرط المصدر بـ (لا) أو (لم) إن لا... وإن لم ...\rوالخلاف حول ما الذي جزم فعل الشرط، ويبدو أنّ القدماء والمعاصرين داروا حول القضية، وحاول بعضهم البتَّ فيها، لكن لم نصل إلى قرار قاطع، وقد يستطيع من يتتبع المسألة بدءاً من سيبويه أن يصل إلى الجواب الصحيح، أو ترجيح الوجه الأكثر صواباً.\rجاء في كتاب سيبويه { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين } [الأعراف: 23]، و { إلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } [هود: 47]، قال لمّا كانت (إن) العاملة لم يحسن إلاّ أن يكون لها جواب ينجزم بما قبله.\rفهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا علمت، وأضاف: وقد يقال \"إن أتيتني آتِك\" و\"إن لم تأتني أجزِكَ\" لأن هذا في موضع الفعل المجزوم وكأنه قال: إن تفعلْ أفعلْ([44]).\rفسيبويه يشير إلى أنّ (لا) تفيد النفي، وأنّ هذا النفي معنًى لكن الجزم وقع على الفعل، وجاءت (لا) نافية زائدة لا تعمل فيما بعدها، وصارت مجردة للنفي كقولك: جئت بلا مالٍ، فتكون الأداة قد أثرت في الفعل المصدر بها تخصيصاً للاستقبال، وإن لم تجرد للنفي أفادت الاستقبال من دون أداة الشرط([45]) وقد أشار سيبويه إلى هذا في غير ما موضع.","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"وإذا كانت (لا) تأتي ناهية جازمة ودخل عليها حرف شرط فإنها تتجرد للنفي فحسب، فتهمل ويبقى العمل لأداة الشرط، وكذا الحال في (لم) التي من معانيها النفي، فهي لم تعد جازمة كـ (لا) الناهية ولكن ظلّ فيها معنى النفي، فلمَ لا تُعرب حرف نفي فحسب، ويكون الجزم بأداة الشرط ثم أليس المعنى واحداً إن لا، وإن لم.. وماذا لو أبدلنا بـ (لم) (لا) فلا المعنى يتغير، ولا الوزن ينكسر والأسلوب أسلوب شرط، وهو يبدأ بالأداة.\rتتمة (1):\rقال الحسين بن مطير (ديوانه 56):\rمطيعاً لها في فعل شيء يضيرها\rومن يتّبَعْ ما يُعجِبُ النّاسَ لم يزلْ\r\rفما الذي جزم (يزلْ) أليس اسم الشرط (من) و(لم) أليست نافية فحسب، وماذا لو قال: (مازال)، يؤكد هذا قول كعب بن سعد الغنوي:\rيجوبُ ويَغشى هولَ كلِّ سبيل\rومن لا يزلْ يُرجى بغيبٍ إيابُه\rإلى غير أدنى موضعٍ لمقيلِ([46])\r\rعلى قَلَتٍ يوشكْ ردىً أن يُصيبه\r\rفالجزم بـ (من) ولا النافية لا عمل لها، وهي تشبه (لم) في المعنى ولو استبدلت بها لما اختل المعنى، وجواب الشرط (يوشك) في البيت التالي.\rقال الجميح الأسدي (المفضليات 34):\rجرداءُ تمنعُ غيلاً غير مقروب\rأما إذا حَرَدت حَرْدي فمجريةٌ\r\rتقدّم أنّ جواب (أمّا) يجب أن يقترن بالفاء، وفي البيت أداة شرط أخرى (إذا) فأيّهما العامل ولمن الجواب؟\rالواضح أن الجواب لـ (أما) لسببين:\rـ الأول: وجوب اقتران جوابها بالفاء.\rـ الثاني: جواز حذف جواب الشرط (إذا).\rج ـ جواب الشرط:\rج/ 1 العامل فيه:","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"قال بعض البصريين جواب الشرط مجزوم بحرف الشرط، وقال بعضهم بل مجزوم بحرف الشرط وفعله، وقال بعضهم الثالث: حرف الشرط يعمل في الفعل والفعل في الجواب، أما الكوفيون فيجزمونه بالجوار، وأما البصريون فيحتجون على ما قالوا بأنّ حرف الشرط يقتضي جواب الشرط كما يقتضي فعل الشرط([47])، ويردّ ابن الأنباري على من جزمه بحرف الشرط وفعله، لأنّ فعل الشرط أصلُ والأصلُ في الفعل ألاّ يعمل في الفعل، ويرى أنّ العامل هو حرف الشرط بواسطة فعل الشرط لأنه لا ينفك عنه، فحرف الشرط يعمل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط وجوابه.\rأما الرضي فقال: الحرف يعمل في الفعل، والفعل في الجواب، وأما ابن مالك فالجزم عنده بفعل الشرط لا بالأداة وحدها، ولا بهما، ولا على الجوار خلافاً لزاعمي ذلك مستنداً في كلامه إلى كلام سيبويه \"واعلم أنّ حروف الجزاء تجزم الأفعال ويجزم الجواب بما قبله([48]).\rوأقول: لماذا لا يكون الجزم بالأداة وحدها؟ أليست عاملاً، والعامل يعمل فيما بعده، أليست تشبه الحروف المشبهة بالفعل، أو الأفعال الناسخة تأخذ اسماً وخبراً؟ ثم هل يأتي أسلوب الشرط مجرداً من فعل الشرط؟ إن أسلوب الشرط يتألف من أداة وفعل وجواب، ولا يجوز حذف الفعل، وإذا حُذف قُدِّرَ فهي بلا شك ستدخل عليهما وتؤثر فيهما، ولا حاجة إلى التأويل البعيد الذي يضيع فيه الطالب، وهو الذي اعتاد إعراب فعل الشرط وجوابه مجزومين بالأداة.\rـ ج/2: جواب الشرط ـ نوعه:\rجواب الشرط إمّا أن يكون فعلاً، وإما جملة مقترنة بالفاء([49]) لأن معنى الفعل فيها، وقد يقع الماضي جواباً في معنى المستقبلية لأن الشرط لا يقع إلا على فعل لم يقع، فتكون مواضعها مجزومة وإن لم يتبيّن فيها الإعراب، فإذا كان الجواب ماضياً لفظاً لا معنى لم يجز اقترانه بالفاء إلا في وعد أو وعيد لأنه إذا كان وعداً أو وعيداً حسن أن يقدّر ما في المعنى فعُومِلَ معاملة الماضي حقيقةً([50]).\rـ ج/3: جواب الشرط ـ حذفه:","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"كثر حذف جواب الشرط، فقد يُغني عنه خبر ذي خبر مقدم على أداة الشرط، أو خبر مبتدأ مقدر بعد الشرط، قال الشاعر:\rبه أنت من بين الجوانب ناظر\rوإني متى أُشرفْ من الجانبِ الذي\rوإذا تقدم على أداة شرط عند كثيرين ممّا هو في معنى الجواب فهو دليل الجواب عند أكثر النحويين والجواب محذوف([51])، والواجب في الاختيار ألا ينجزم الشرط بل يكون ماضياً لفظاً أو معنى نحو (إن لم أفعل) فلا تعمل الأداة في الشرط كما لم تعمل في الجزاء، وقد تقدم الحذف في المسألة المشكلة، وأشار ابن يعيش إلى أن جواب (لو) قد يُحذف كثيراً([52]).\rج/4: المضارع المعطوف على جواب الشرط:\rيجوز في الفعل المضارع الذي يُعطف على جواب الشرط الاستئناف، والنصب بـ (أن) والجزم عطفاً([53]).\rج/5: الفاء الرابطة:\rنقل ابن يعيش كلام الجمهور في هذا، قال: أما إذا كان الجزاء ممّا يصلح أن يقع شرطاً فلا حاجة إلى رابطٍ بينه وبين الشرط لأنّ بينهما مناسبة لفظية من حيث صلاحية وقوعه موقعه، وإن لم يصلح له فلا بدّ من ربط بينهما وأَوْلى هذه الأشياء به الفاء لمناسبته للجزاء معنًى، لأنّ معناه التعقيب بلا فصل، والجزاء متعقب للشرط كذلك([54]).\rذكر القدماء مواضع وقوع الفاء الرابطة، وأشار المبرد إلى أنها \"لا تقع إلاّ ومعنى الجزاء فيها موجود، فهما يسدّان مسدّ جواب (إنْ) وجاز حذفها على تقدير وجودها، في شاهد روي رواية أخرى وهو قوله:\rوالشرّ بالشر عند الله مثلان([55])\r\rمن يفعل الحسنات الله يشكرها\rأو إذا اضطر شاعر، كقول جرير:\rإنك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصرعُ([56])\r\rيا أَقْرَعُ بنَ حابسٍ يا أقرع\r\rعلى تقدير إنك تُصرعُ إن يُصرع أخوك.\rويجوز أن تُحذف من جواب (أما) ضرورة كقوله:\rفأما الصدور لا صدور لجعفر([57])\rد ـ فعل الشرط وجوابه:","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"جاء في شرح الكافية الشافية: \"ولا بدّ لأداة المجازاة من فعل يليها يُسمّى شرطاً، وفعل بعده، و ما يقوم مقامه يُسمّى جواباً وجزاءً\"([58])، وقال في شرح التسهيل بعد كلامه على أدوات الشرط \"وكلها تقتضي جملتين أولاهما شرط تصدر بفعل ظاهر، أو مضمر مفسر بعد معموله بفعل يشذ كونه مضارعاً دون (لم) ولا يتقدم فيها الاسم مع غير (إن) إلا اضطراراً، وتسمى الجملة الثانية جزاءً وجواباً وتلزم الفاء في غير الضرورة\"([59])، ثم حدّد الفعلين ماضيين أو مضارعين أو مختلفين، وقد رتبهما الرضي([60]) بحسب أهميتهما كما يلي:\rـ الأجود مضارعان.\rـ ماضيان لفظاً.\rـ ماضيان معنى.\rـ ماض مضارع.\rـ مضارع ماض.\rولا يجوز حذف هذين الفعلين من غير الأداة (إن) لأنها أصل الأدوات، وقد تقدم البيت المشهور:\rقالت بنات العم...\rأما إذا وقع فعل بينهما فيأتي مرفوعاً، أو مجزوماً على البدليَّة كما في الشاهد الثاني، قال الحُطيئة:\rتجد خير نارٍ عندها خير موقدِ([61])\r\rمتى تأتِه تعشو إلى ضوء ناره\r\rوقال عبد الله بن الحر:\rتجدْ حَطباً جزْلاً وناراً تأججا([62])\r\rمتى تأتنا تُلمِمْ بنا في ديارنا\r\rوأما إذا دخل على هذا الفعل الفاء أو الواو أو ثم فإنه يُجزم لأن هذه الحروف يُشرِكنَ فيما دخل فيه الأول، ويجوز في هذا الباب أن تُعرب الفاء سببيةً، ولا يجوز في (ثم) لأنَّها لا تنصب بـ (أن) مضمرة([63]).\rه‍ ـ اجتماع الشرط والقسم:\rحدّد سيبويه هذه المسألة تحديداً في باب سمّاه \"هذا باب الجزاء إذا كان القسم في أوله\" فأجاز أن تقول: والله إن أتيتني لا أفعل، ولم يُجوِّز \"والله إن تأتني آتِك\" ومحالٌ أن تقول: \"والله من يأتني آتِه\" لأنّ اليمين لا يكون لغواً، ويجوز أن تقول: أنا والله إن تأتيني لا آتِك، لأنّ الكلام مبني على (أنا) فالقسم هنا لغو([64]).","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"وقد أفاض العلماء القدامى في هذا الجانب، وكان ملخص كلامهم أنّ القسم والشرط إذا اجتمعا استُغني بجواب ما سبق منهما عن جواب الآخر.\rولا فرق إذا كانت الأداة (إن) أو (لو) أو (لولا) أو أسماء الشرط وأما إذا تقدّم (لو) و(لولا) على القسم فالواجب إلغاء القسم لأنّه جوابهما لا يكون إلاّ جملة فعلية خبرية، ولا يصحّ أن يكون جملة قَسميّة، تقول: \"لو جئتني والله لأكرمنّك\"، \"ولولا زيدٌ والله لضربتك\".\rوإذا تقدم القسم على الشرط فإمّا أن يتقدم على القسم ما يطلب الخبر أو لا يتقدم، والأول قد يجيء الكلام عليه في قوله وإن توسط يتقدم الشرط([65]).\rويجوز في الشعر اعتبار الشرط وإلغاء القسم مع تصدره، كقول الأعشى:\rلا تُلفنا عن دماءِ القومِ ننتفلُ([66])\r\rلئن مُنيْتَ بنا عن غِبٍّ مَعركةٍ\rوقال:\rأصمْ في نهار القيظ للشمس باديا([67])\r\rلئن كان ما حُدّثتُه اليومَ صادقاً\r\rوقال:\rأمامك بيت من بيوتي سائِرُ([68])\r\rحلفت له إن تدلج الليل لا يزلْ\r\rوأما لو عكس الأمر يعني تقدم الشرط على القسم فالواجب اعتبار الشرط ولك بعد ذلك إلغاء القسم نحو: إن جئتني والله أكرمْك، وقد شبه الرضي هذا الباب بباب التنازع، وقال لا استدلال للكوفيين فيه على أن إعمال الأول أولى([69]).\rـ تتمة:\rاختلف العلماء في إعطاء الجواب لأحدهما، ومن قراءة آرائهم وأحكامهم يبدو لنا أن معظمهم يؤيد أن يعطى الجواب للسابق منهما، وعدّ البغدادي هذا قاعدة عامة، واعتبر اللام واقعة في جواب القسم لا مع جواب (لولا) في قول الشاعر:\rلكمرونا اليوم أو لكادوا\rوالله لولا شيخنا عبّاد\r\rوردّ في هذا على ابن مالك الذي جعل الجواب لـ (لو) أو (لولا) سواء تقدّم القسم عليهما أو تأخر عنهما، كقول الشاعر:\rلما سمت تلك المسالات عامرُ\rفأقسم لو أبدى النديّ سواده\rومثله قول الآخر:\rلكان لكم يومٌ من الشر مظلمُ\rفأقسم أن لو التقينا وأنتم","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"ويبدو أن البغدادي([70]) يدافع عن القاعدة التي اعتمدها عامةً فرفض أن يكون الجواب إلا للأسبق ولو\r\r---\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref1([1]) الجنى الداني 278 و286، وانظر المغني 337 و348 و353، وانظر الهمع 2/66، قال عبيدة بن هلال اليشكري: شعر الخوارج 55.\rولو غيره نلقى لقلنا له: اذهب\rفلو غيرنا يلقى لقال لنا: اذهبوا\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref2([2]) المغني 355، وانظر الجنى، وأوضح المسالك 4/230.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref3([3]) شرح الكافية الشافية 3/1635.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref4([4]) ديوانه 93، وانظر سيبويه 3/121، وشرح الكافية الشافية 3/1635، وانظر المجمع 2/66، والخزانة 8/508.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref5([5]) ومثله قول العرجي (ديوانه 142):\rيراني دويٌّ كاشحٌ لتحوبّا\rوكثرة دمع العين حتى لو انّني\r\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref6([6]) انظر الشاهد في ديوانه 6، والخزانة 11/308.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref7([7]) الجنى 283، وانظر شرح الكافية الشافية 3/1630.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref8([8]) الجنى 283، وشرح التسهيل 4/100، وشرح الكافية الشافية 3/1639.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref9([9]) الجنى 286، والمغني 344، والرصف 359.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref10([10]) انظر المغني 357، وأوضح المسالك 4/221، والرضي 4/452، وشرح التسهيل 4/93.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref11([11]) انظر المغني 357، وأوضح المسالك 4/221، والرضي 4/452، وشرح التهسيل 4/93، وشرح الكافية الشافية 3/1632، وانظر المسألة في الهمع 2/64.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref12([12]) الرصف 359، وشرح الكافية الشافية 3/1641.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref13([13]) سيبويه 4/235، الجنى 597، والرصف 361، والمغني 359، وأوضح المسالك 4/236، والهمع.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref14([14]) الشاهد في الجنى 599.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref15([15]) الرصف 362، والمسألة 10 من الإنصاف ج1/70 ـ 75.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref16([16]) الشاهد في سيبويه 2/374، والخصائص 2/259 والرصف 364.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref17([17]) الكتاب 2/373، وشرح المفصل 3/118، والهمع 2/33، المسألة 97.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref18([18]) الجنى الداني 336، الرصف 377، الهمع 2/57.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref19([19]) قل طرفة بن العبد (ديوانه 27):\rوما تنقص الأيام والدهر ينفدِ\rأرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref20([20]) الكتاب 3/56 و59، وانظر شرح المفصل 4/103.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref21([21]) انظر الشاهد في الكتاب 3/78، والخزانة 9/66، منه قول طرفة بن العبد (ديوانه 27):\rكميت متى ما تُعلَ بالماء تزيد\rفمنهنّ سبقي العاذلات بشربة\rوقول المرقش الأكبر (المفضليات 244).\rويعبدْ عليه لا محالة ظالما\rمتى ما يشأ ذو الود يصرم خليله","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref22([22]) الجنى 505، وشرح الكافية الشافية 3/1591.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref23([23]) الخزانة 9/38.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref24([24]) الكتاب 3/59 ـ 60 والمغني 435 وشرح المفصل 7/43، والرضي 4/87، والخزانة 9/26.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref25([25]) الشاهد في المصادر السابقة، ومثله قول الأعشى (ديوانه 146).\rمهما تقلْه فإني سامعٌ حارِ\rغذ سامه خطّتي خسفٍ فقال له\r\rوحارِ (بالترخيم): الحارث بن ظالم.\rوقال الممزق العبدي (الأصمعيات 164):\rومهما تضعْ من باطلٍ لا يُلحَّقِ\rوأنت عمود الدين مهما تقلْ يقلْ\rفالضمير في (نقل) محذوف يعود على (مهما) والتقدير: (مهما تقله).\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref26([26]) الجنى 609 وانظر الهمع 2/57 ـ 58.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref27([27]) ديوان زهير 32 وانظر الخزانة 9/26.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref28([28]) الرضي 4/19، وشرح الكافية الشافية 3/1620.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref29([29]) سيبويه 3/59، والمقتضب 2/63.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref30([30]) سيبويه 3/79 ـ 82 ـ 83.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref31([31]) سيبويه 1/261.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref32([32]) المقتضب 2/64، وانظر شرح المفصل 4/101.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref33([33]) الكتاب 1/133.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref34([34]) الكتاب 1/258.","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref35([35]) شرح التسهيل 4/85.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref36([36]) المقتضب 2/68 ـ 71.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref37([37]) الإنصاف ـ المسالة 87، 2/627.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref38([38]) الإنصاف ـ المسألة 86، 2/62.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref39([39]) الرضي 4/95 وشرح التسهيل 4/73، وتقدّم الشاهد قبل.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref40([40])\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref41([41]) المقتضب 2/49 و2/60 وأوضح المسالك 4/214، والهمع 2/62، ومثله قول الممزق العبدي (الأصمعيات 164):\rوإلا فأدركني ولما أُمزق\rفإن كنت مأكولاً فكن خير آكل\rوالتقدير: وإلا تكن آكلي فأدركني.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref42([42]) شرح الكافية الشافية 3/1609، وشرح التسهيل 2/74، وانظر الهمع 2/59.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref43([43]) الرضي 4/465، وقد أشار إلى هذا المبرد في المقتضب 2/63 وانظر الخزانة 9/61.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref44([44]) الكتاب 3/66 ـ 68.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref45([45]) شرح التسهيل 4/114.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref46([46]) الأصمعيات 74، وقال المرقش الأكبر (ديوانه 56):\rولا أعطه إلاّ جدالاً ومحربا\rفإن أنا عنكم لا أصالحْ عدوكم\r\rيُرى بينكم منها الأجالد مثقبا\r\rوإن أدن منكم لا أكن ذا تميمة\r\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref47([47]) الإنصاف ـ المسألة 84، 2/602.","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref48([48]) الرضي 4/91، وشرح التسهيل 4/79، وانظر سيبويه 3/62 ـ 63.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref49([49]) الكتاب 3/63.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref50([50]) المقتضب 2/49 و75، وأضاف ابن مالك: فعلاً صالحاً لجعله شرطاً، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، شرح الكافية الشافية 3/1594.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref51([51]) شرح الكافية الشافية 3/1610، وانظر أوضح المسالك 4/217، وشرح المفصل 4/95 ـ 98، وشرح التسهيل 4/77 ـ 76، والهمع 2/62.\rوإن ـ ولو .... وكثر حذف الجواب مع (إن) و(لو)، ومنه قول حاتم الطائي (ديوانه 81):\rولا أشتم ابن العم إن كان مُفحَما\rولا أخذل المولى وإن كان خاذلاً\r\rوإن كان ذا نقصٍ من المال مُصرِما\rولا زادني عنه غنائي تباعداً\r\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref52([52]) الرضي 4/105، وشرح المفصل 4/100 و9/7.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref53([53]) شرح الكافية الشافية 3/1603.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref54([54]) شر المفصل 4/110.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref55([55]) المقتضب 2/59، وانظر الشاهد في المقتضب 2/72، وشرح المفصل 9/3، وشرح الكافية الشافية 3/1579 والهمع. ويروى: من يفعل الخير فالرحمن يشكره، فلا شاهد فيه.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref56([56]) سيبويه 3/67 وشرح المفصل 8/158، والإنصاف 2/623، والمغني 610.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref57([57]) انظر الشاهد في شرح المفصل 7/134 و9/12، والخزانة 11/364.","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref58([58]) شرح الكافية الشافية 3/1584.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref59([59]) شرح التسهيل 4/73 و90، وانظر الهمع 2/58 ـ 59.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref60([60]) شرح الرضي 4/105.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref61([61]) البيت للحطيئة في ديوانه 25، وهو في سيبويه 3/86.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref62([62]) انظر الشاهد في الكتاب 1/446، وفي سر صناعة الإعراب 2/678، وشرح المفصل 7/53، والخزانة 660.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref63([63]) سيبويه 3/87.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref64([64]) سيبويه 3/82.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref65([65]) الرضي 4/459، وشرح الكافية الشافية 3/1635، وأوضح المسالك 4/218.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref66([66]) ديوانه 149، وانظر الرضي 4/457، والخزانة 11/327.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref67([67]) انظر الشاهد في أوضح المسالك 4/219، وشرح الكافية الشافية 3/1616، والرضي 4/457، والخزانة 11/327ـ 336.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref68([68]) انظر الشاهد في الرضي 4/457.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref69([69]) أفاض الرضي في شرح هذه المسألة، انظر 4/457 ـ 460.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/95/turath95-011.htm - _ednref70([70]) الخزانة 11/317، وانظر المسألة في سيبويه 3/17.\rكان في الشاهد دليل حسِّي، وبدا هذا في قول الشاعر:\rلقد جرّت عليك يد غشوم\rللولا قاسمٌ ويدا سبيل","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"فاعتبر اللام الداخلة على (لولا) زائدة، وأما لام قد بدون لولا فالمشهور أنها لام القسم، وكأنه يرفض أن تكون جواباً لـ (لولا) وهي كذلك، وإلاّ فأين جواب (لولا)؟ وقال قد تحذف هذه اللام من بعد (لو) إذا لم يكن القسم ظاهراً، قال الشاعر:\rنطقتُ ولكنّ الرماح أجرَّت\rفلو أنّ قومي أنطقتْني رماحُهم\rأي (لنطقت)، وقال آخر:\rلزُعزعَ من هذا السريرِ جوانبهْ\rفوالله لولا اللهُ لا شيءَ غيرُه\rفاللام في جواب (لولا) إنما هي جواب القسم.\rويتصل بهذا الباب اللام الموطئة للقسم، ونقل صاحب الخزانة عن ابن مالك أنه قال ولا بدّ من هذه اللام مظهرةً أو مضمرةً، وقد يُستغني بعد (لئن) عن الجواب لتقدّم ما يدل عليه، فيحكم بنّ اللام زائدة، فمن ذلك قول عمر:\rقلّ الثواءُ لئن كان الرحيل غدا([1])\r\rألمم بزينبَ إنّ البين قد أَفِدا\rومثله لابن جني في سر صناعة الإعراب، فقد عدّ اللام في (لئن) زائدة مؤكدة يدلك على أنها زائدة، وأنّ اللام الثانية هي التي تلقت القسم، جواز سقوطها في نحو قول الشاعر:\rحرام عليّ رملُه وشقائقُهْ\rفأقسمت أنّي لا أحلُّ بصَهوةٍ\rلأنتحِيَنْ للعظمِ ذو أنا عارقُهْ([2])\r\rفإن لم تغيِّر بعضَ ما قد صنعتمُ\rولم يقلْ فلئن، ويدلك أيضاً على أنك إذا قلت: والله لئن قمت لأقومنَّ، أن اعتماد القسم على اللام في لأقومنّ، وأنّ اللام في (لئن) زائدة، ومنها قول كثيّر:\rوأمكنني منها إذن لا أقيلها\rلئن عاد لي عبد العزيز بمثلها\rومثله قول الآخر:\rوإن يك إنساً ماكها الإنسُ تفعلُ\rفإن يك من جنٍ لأبرحُ طارقاً\rوقد علّق البغدادي على هذا البيت فقال: وبيان أن (إنْ) لا جواب لها هنا قوله (لأبرح) جواب قسم مقدر، واللام الموطئة محذوفة([3]).\rـ ملحق فيه زيادة: اجتماع الناسخ والشرط:","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"وأقول إنَّ التكلف قد بدا في بعض الشواهد للتدليل على أنّ الجواب للأول خلافاً للقاعدة التي اعتمدها معظم النحويين في بحث التنازع، بل إنّ هذا الباب غير ذاك، فثمة دلائل حسية ترجّح الوجه الصحيح، فما المانع من أن يكون الجواب للثاني إذا كان في الجواب ما يدل على ذلك أليست الفاء تقترن بجواب الشرط، واللام تقع في جواب (لو) و(لولا)؟\rثم إنّ ثمةَ جانباً لم يقف عليه القدماء، وفي قراءته ما يدلّل على صحة ما نقول، وهو اجتماع الناسخ والشرط، وكلّ منهما يحتاج إلى ما يتممه، وفي هذا سنجد أنّ الدليل الحسّي هو الذي رجّح وجهاً على آخر، وقد اخترت عدداً قليلاً من الأبيات للتدليل على هذا، فثمة شواهد لا تُحصى في هذا الجانب.\rقال هدبة بن الخشرم:\rمحبّ وأني إن نأتْ سوف أمدحُ\rفلم يبق مّما بيننا غير أنني\rلها أن يراها الناظر المتصفِّحُ\rوعهدي بها والحيُّ يدعون غِرة\r\rإذا حاولت مشياً نزيفٌ مُرنَّحُ([4])\r\rمن الخفرات البيض تحسب أنها\r\rفقوله سوف أمدح خبر (أنّ) لا جواب شرط، لو كانت كذلك لاقترنت بالفاء، وكذلك البيت الثالث.\rومثله قول عبيد بن الأبرص:\rسيعلقُه حبلُ المنيّة في غدِ([5])\r\rفمن لم يمتْ في اليوم لا بدّ أنه\r\rو(من) هي اسم موصول لا شرط، وإلاّ اقترن جوابه بالفاء، في قوله (لا بدّ) كقول ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحميّر:\rفلا بدّ يوماً أن يُرى وهو صابر([6])\r\rوما كان مما يحدث الدهرُ جازعاً\r\rأما قول عدي بن زيد:\rمتى لا يَبنْ في اليوم يصرمْك في الغد([7])\r\rوعدّ سواه القول واعلمْ بأنه\r\rفجملة (يصرمك) جواب (متى) لا خبر أنّ.\rومثله قول حاتم الطائي:\rعليكَ فلن تُلفي لك الدهر مكرما([8])\r\rفنفسَك أكرمها فإنَّك إن تَهُنْ\rفالجواب (فلن) للشرط، لا خبر إنّ.\rوقول طرفة بن العبد:\rمتى يكُ أمرٌ للنكيثة أشهد([9])\r\rوقربت بالقربى وجدّك إنني\rوقول تأبط شراً:\rوهل يُلقينْ من غيَّبتْهُ من المقابرُ\rوإنك لولا قيتني بعد ما ترى","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"إليك وإمّا راجعاً أنا ثائر([10])\r\rلألفيتني في غارة أُدَّعى لها\rفجملة (لألفيتني) هي جواب (لو) لا خبر إنّ.\rـ أما إذا لم يكن دليل فيجوز الوجهان:\rقال جميل بثينة:\rوكنتُ إذا تدنو بك الدار أَفرحُ([11])\r\rألم تعلمي وجْدي إذا شطّت النوى\r\rفأنت حرّ في اعتبار جملة أفرح جواباً للشرط أو خبراً لكان، ومثله قول المتلمس:\rأقمنا له مِن مَيْلِه فتقوّما([12])\r\rوكنَّا إذا الجبار صعّر خدّه\rومثله قول الخنساء:\rأظلُّ لها من خيفةٍ أتقنّع([13])\r\rوكنت إذا ما خفتُ إردافَ عُسرةٍ\rوما يلاحظ في هذا أنّ المعنى هو الأصل في تحديد الجملة.\rـ بين اسم الشرط والاسم الموصول:\rعقد سيبويه باباً عنوانه \"هذا باب الأسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة الذي\"([14]) وحدد الأسماء بـ (من) و(ما) و(أيّهم) فنقول: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيها تشاء، وقال هذا وجه الكلام وأحسنه.\rوكأني بسيبويه لا يؤيد تقدم جواب الشرط، ففي هذه الجمل من وما وأيّ أسماء موصولة لا أسماء شرط، ولكنه أجاز الجزم إذا كان الجازم حرفاً كقولك: آتيك إن تأتيني، ثم أجاز الوجهين الشرط أو الموصول إذا كان الفعل بعد الأداة ماضياً، فأنت بالخيار كقول: \"آتي من أتاني\" وهذا يؤيد ما تقدم في الشرط والناسخ، فالمعنى هو الذي يحدّد معنى الأداة، وهذا قريب من قولك: من يدرس ينجح فأنت بالخيار في اعتبار (من) اسماً موصولاً مادام الفعل غير مضبوط، واعتباره شرطاً إذا جُزم الفعلان وإذا اعتبرته اسم شرط يبقى فيه معنى الاسم الموصول، وأما إذا دخل الناسخ على الأداة فالاسم موصول ولم يعمل الشرط كقولك: إنّ من تأتيني آتيه ومكان من يأتيني آتيه.\rـ تتمة:\rوإذا تقدم الاستفهام على الشرط يبقى العمل للشرط لأنّ فعل الشرط وجوابه كالجملة الواحدة، ونقل ابن مالك عن سيبويه أنه يجعل الاعتماد على الشرط كأن الاستفهام لم يكن، أما يونس فيجعل الاعتماد على الاستفهام ناوياً تقديم الفعل الثاني([15]).","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"ـ رأي المعاصرين:\rليس المقصود من هذا أن نعرض لما كتبه المعاصرون في باب الشرط، فهم رددّوا ما جاء به القدماء، إنما نقصد ما جاؤوا به من جديد مخالفين، أو مجدّدين، كي لا يكون كلامنا تكراراً لما كان، و تلخيصاً مخلاًّ له، وحاولت أن أقف عند عدد من العلماء المعاصرين الذين كانت لهم كتب مشهورة، أو كانت لهم محاولات في تجديد النحو، أو نقده، ومن هؤلاء مصطفى الغلاييني صاحب \"جامع الدروس العربية\"، وعبد السلام هارون صاحب كتاب \"الأساليب الإنشائية\"، وعباس حسن صاحب \"النحو الوافي\"، أوسع الكتب الحديثة وأشملها، والدكتور محمد خير الحلواني الذي يمكن أن نعدّه رائداً من رواد تجديد النحو، والدكتور مهدي المخزومي في كتابه \"في النحو العربي\"، والدكتور شوقي ضيف في كتابه \"تجديد النحو\".\rأما الغلاييني([16]) فلم يأتِ بجديد، إلا أنه أيد مجيء (كيفما) اسم شرط جازماً نقلاً عن الكوفيين سواء لحقت بها (ما) أم لم تلحق، أما بقية الدرس فقد عرض له عرضاً موجزاً.","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"وأما عباس حسن فلم يذكر (كيفما) عندما عدد الأدوات الجازمة([17]) ووقف عند بعض المسائل مثل حذف جواب (إن) إذا دخلت عليها واو الحال وأعربها وصلية، وعلّق الأدوات التي تضمن الظرفية بفعل الشرط، وقال إذا كان فعل الشرط ناسخاً تعلق بالخبر، وفي هذا تناقض، فماذا يمنع من تعليقها بالفعل نفسه مادامت القاعدة هكذا، وردّد ما أورده القدماء من الجزم بـ (إذا) ضرورة وكثرة دخولها على الأسماء، وزيادة ما بعدها، إلى غير هذا من أبواب البحث، لكن المسألة المشكلة التي توقف عندها، وكان فيها مقنعاً إلى حدٍ بعيد هي دخول أحد حروف الشرط على (لم) مثل (إن) و(مَن) و(لو) لكنه استشهد بشعر المعاصرين كما في معظم شواهد كتابه، ثم طرح السؤال المُشكل، ما الذي يجزم إذا كانت الأداة جازمة، وقال إنّ القدماء اختلفوا في هذا، لكنه لم يُشر إلى مَن اختلف منهم، بل إننا لم نلاحظ أنهم وقفوا عند هذا المسألة، ويرى أن لا قيمة لهذا الخلاف، وقد رجّح أن يكون العمل للشرط، وتكون (لم) نافية فحسب، وأضاف: المضارع مجزوم على الحالين، والمعنى لا يتأثر، وشبهها بـ (لا الناهية) التي فقدت معنى النهي عندما دخل عليها حرف جازم.\rوأما عبد السلام هارون([18]) فقد وقف عند جانب واحد من جوانب البحث، هو اقتران جملة جواب الشرط بالفاء، يقول: \"فالقاعدة العامة التي فصلها فقهاء النحو في جميع عصوره هي أنّ كل ما لا يصلح للشرط من جمل الجواب يجب اقترانه بالفاء، ويقول في موضع آخر، ومن تمام القول في هذه المسألة أن نذكر أن فاء الجواب الواجب الاقتران بها يجوز حذفها في ضرورة الشعر ومنه قول الشاعر:\rمن يفعل الحسنات الله يشكرها..\rفلا جديد يُذكر فيما جاء به، ثم إن ما تكلم به يخالف عنوان كتابه.","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"وأما الدكتور محمد خير الحلواني([19]) فقد وقف في كتابه \"النحو الميسر\" عند أسلوب الشرط، وعرض له كما عرض لأبحاث كتابه تفصيلاً ولكن بطريقة ميسرة سهلة، وعرض له عند حديثه عن الفعل المضارع المعرب، ثم وزع الأدوات بحسب معانيها وإعرابها وقرن (من) و(ما) و(مهما) بالأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام، وأيّد جمهور النحاة في تعليق ما يتضمن الظرفية بفعل الشرط، والدليل البيّن عنده أن (أياً) إذا دخل عليها حرف الجر فإنها تعلق بفعل الشرط، ولم يؤيد إعراب كيفما اسم شرط بل هي دوماً حال من فاعل فعل الشرط، ثم عرض لبقية البحث، ورأى أن جواب الشرط يُحذف ويغني عنه شيئان:\rآ ـ إذا تقدم على أداة الشرط ما فيه معنى الجواب.\rب ـ جواب القسم، وذلك إذا اجتمع هو والشرط في العبارة.\rوهو في هذا تبع القدماء، وقد مرَّ بنا أنّ ثمة دليلاً حسيّاً في بعض الشواهد يرجّح أن يكون الجواب لأحدهما، لكنه يدافع عن رأي القدماء فاعتبر اللام زائدة للتوكيد، ولم يعتبرها موطئة للقسم في (لئن) كي يدلل على أن الفعل جزم بأداة الشرط في قول الفرزدق:\rمن الغيث في يُمنى يديه انسكابُها\rلئن بلَّ لي أرضي بلالٌ بدُفعةٍ\rسقاها وقد كانت جديباً جنابُها([20])\r\rأكنْ كالذي صاب الحيا أرضه التي\rوأما د. مهدي المخزومي([21]) فقد عدّ الشرط أسلوباً، وهو جملة واحدة لا جملتان، لأنّ جملة الشرط بجزْأيّها وحدة كلامية تعبر عن وحدة من الأفكار، ويكرر هذا في الصفحة الواحدة لتأكيد ما يقول ثم عدّ أنّ بيان ماله محلّ، وما لا محلّ من الإعراب من فضول القول.","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"وأرى أنّ في كلامه بعداً عن الحقيقة والمنطق، لأنّ أسلوب الشرط يتألف من أداة وفعلين، وكل فعل في العربية جملة، بل إنه نفسه يعود ليناقض كلامه فيقول: ويبتعد عن لفظ جملة الشرط وجوابه، فهو يعترف بفعل الشرط وجوابه، ثم إنّ الفاء عنده تقترن لتحقيق معنى الشرط، وهي عنده أداة وصل أو موصول حرفي يستخدم للقيام بمثل هذه الوظيفة اللغوية. إن مهدي المخزومي يريد أن يدلّل على ما جاء في عنوان كتابه \"نقد وتوجيه\" ولكن النقد شيء والابتعاد عن المنطق السليم شيء آخر، إلا إذا كان يقصد منه هذا.\rفالفاء ليست دائماً ترتبط بجواب الشرط، فهل يكون عدم اقتران الجواب بالفاء أسلوباً ضعيفاً ولا يقوم بمثل هذه الوظيفة اللغوية التي سمّاها؟ لا أو مثل هذا يقال في عدم التفريق بين ماله محلّ، وما لا محلّ له من الإعراب، فنكون بهذا قد نقضنا هذا الأسلوب من أساسه وتكون الأداة الجازمة كغير الجازمة، والجواب واحد لا فرق إن اقترن بالفاء أم لم يقترن.\rفالنقد أو التجديد لا يكونان في ضّم الكلام بعضه إلى بعض، أو في تغيير المصطلح، أو في حذف ما هو واقع لا يُمكن الاستغناء عنه، وقد يكون في هذا التجديد ما يؤثر سلباً على النحو العربي، وقريب من هذا التجديد ما ورد عند الدكتور شوقي ضيف في كتابه \"تجديد النحو\" فهو عرض للبحث مجتزأ مختصراً اختصاراً مخلاًّ، ولّما أراد التجديد رفض إعراب أسماء الشرط، فاعتبر الفعل المضارع الأول فعل الشرط محلّه الجزم، والثاني جوابه([22])، ونقول: فماذا لو كانا ماضيين؟ أو مختلفين؟ إنّ في هذا تجنياً بل إنه سيلحق به حذف إعراب أسماء الاستفهام لأنهما بمعنى؟\rـ خاتمة ونتائج:","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"وبعد فهذا بحثٌ قُصد منه الوقوف على أسلوب واحد من الأساليب العربية هو الأكثر تشعباً وأحكاماً والوقوف على آراء القدماء والمعاصرين، والوصول إلى رسم صورة للبحث، أو إعادة رسم صورته معتمداً المصادر والمراجع، فلم أحذف للتلخيص، ولم ألخص فأخلّ ولم أنقض لمجرد النقض بل نقدت للحكم والصّواب، ثم إطلاق الأحكام التي حاولت أن أصل إليها، وقد وصلت إلى عدد منها، أرجو أن تلقى قبولاً عند المختصين، كما أرجو أن يلقى هذا البحث ما قصدت منه، وكان أن عددت أدوات الشرط مرتبة بحسب حروف الهجاء، ورأيت أن معظم القدماء لم يعتبر \"كيفما\" أداة شرط، وأنهم توسعوا في بعض الأدوات مثل (إنْ) لأنها أم باب الجزاء، ومثل (لو)، و لم يقفوا عند كثير من الأدوات بل مرّوا مرور الكرام مثل (ما) و(من) وقد زاد بعضهم (إذا ما)، وحملوا عدداً من الأدوات معاني أُخر، وكان ثمة بعض الأحكام التي انفردت بها الأدوات، مثل وجوب اقتران (ما) بعددٍ منها، وجواز ذلك في عددٍ آخر، بعد ذلك رتبت أسلوب الشرط، ثم تحدثت عن فعل الشرط ثم جوابه بما لهما وما عليهما.","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"ووقفت عند مسألة شائكة لا يزال الخلاف حولها قائماً، وهي دخول \"إن\" على (لم)، (إن لم) ومعرفة ما الجازم للمضارع بعدهما، اسم الشرط أم الحرف (لم) ورأيت أنّ الجزم للشرط معتمداً الشواهد والتحليل المنطقي، وتكون (لم) نافية فقط، ثم عرضت لفقرات البحث الأخرى كالفاء الرابطة وفعل الشرط وجوابه، ثم وقفت عند مسألة أخرى هي اجتماع الشرط والقسم، وناقشت رأي الأقدمين الذين جعلوا الجواب للقسم بشرط سبقه، وتأولوا بعض الشواهد التي جاز أن يكون فيها الجواب للشرط ورأيت من خلال الشواهد أنّ الجواب قد يقع للشرط إذا كان ثمة من دليل حسّي، وأضفت إلى البحث اجتماع الناسخ والشرط، ووجدت فيه إضافة جيدة إلى أسلوب الشرط، وهو مّما يكثر استعماله في الشعر والنثر، وكان الدليل الحسّي هو المرجح للخبر، أو الشرط، وكانت الشواهد دليلاً على ما ذهبت إليه، ثم عرضت لآراء المحدثين مختاراً عداً منهم، أي من قَصَدَ التجديد أو التيسير، أو النقد، ولكن كان مروراً سريعاً لأنني لم أجد عندهم شيئاً يُذكر أو يُستحق الوقوف ما خلا عدداً قليلاً جداً من الإشارات عند عباس حسن، وإن كنت أتوقع أن يكون عندهم ما يفيد البحث الذي يُعدُّ شائكاً ومتشعباً، لكن وجدت أن معظم ما جاؤوا به كان تقليداً بل ترديداً لأقوال القدماء، وما أرجوه أن أكون قد قدمت بحثاً بقراءة نقدية نحوية معاصرة تفيد في تيسير النحو أو تجديده، والتيسير والتجديد لا أجده في الحذف أو الاختصار أو النقص أو النقد لمجرد النقد، بل عرضت له محللاً تحليلاً منطقياً الآراء والأحكام، مستشهداً بعدد من الشواهد التي ساعدت على فهم الدرس أو البحث، فعساه يكون مع غيره من الأبحاث محاولةً جديدة من محاولات قراءة النحو العربي قراءة معاصرة تقرّبه إلى أذهان المتعلِّمين ولا سيما طلابنا.\rوالله من وراء القصد.\rفهرس المصادر والمراجع","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"1 ـ الاختيارين، صنعة الأخفش الأصغر، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1974.\r2 ـ الأساليب الإنشائية في النحو العربي، عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، مصر، ط2/1978.\r3 ـ أشعار اللصوص، جمعها عبد المعين الملوحي، دار طلاس بدمشق، ط1/1988.\r4 ـ الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، ط3/1964.\r5 ـ الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، التجارية، مصر 1961.\r6 ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجليل، بيروت، ط5/ 1979.\r7 ـ تاج العروس للزبيدي، طبعة الكويت.\r8 ـ تجديد النحو للدكتور شوقي ضيف، نشر أدب الحوزة، 1982.\r9 ـ جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني، المكتبة العصرية، بيروت، ط26/1992.\r10 ـ الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي، تحقيق د. فخر الدين قباوة، وأ. محمد نديم فاضل، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2/1983.\r11 ـ حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط2/1997.\r12 ـ خزانة الأدب للبغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، مصر، ط1/ 1986.\r13 ـ الخصائص لابن جني، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية 1952.\r14 ـ ديوان الأعشى، شرح وتعليق محمد محمد حسين، المكتب الشرقي، بيروت 1968.\r15 ـ ديوان تأبط شراً = شعر تأبط شراً، تحقيق سليمان القرغولي وجبار جاسم، النجف 1973.\r16 ـ ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب، تحقيق د. نعمان محمد أمين طه، دار المعارف بمصر 1969.\r17 ـ ديوان جميل بثنية، جمع وتحقيق د. حسين نصار، دار مصر للطباعة، ط2/1967.\r18 ـ ديوان حاتم الطائي ـ دار صادر، بيروت.\r19 ـ ديوان الحطيئة، شرح ابن السكيت والسكري والسجستاني، تحقيق نعمان محمد أمين طه، مكتبة البابي الحلبي، مصر، ط1/1958.","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"20 ـ ديوان الخنساء ـ دار التراث، بيروت، 1968.\r21 ـ ديوان ابن الدمينة، تحقيق أ. أحمد راتب النفاخ، دار العروبة بالقاهرة، 1379ه‍.\r22 ـ ديوان رؤبة، جمعه وحققه وليم بن الورد، ليبسك 1903.\r23 ـ ديوان زهير بن أبي سلمى، صنعة ثعلب، نسخة مصورة عن دار الكتب 1944.\r24 ـ ديوان طرفة بن العبد، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصّقال، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1975.\r25 ـ ديوان العباس بن مرداس، جمعه وحققه الدكتور يحيى الجبوري، دار الجمهورية، بغداد، 1965.\r26 ـ ديوان عبيد بن الأبرص، دار صادر، بيروت.\r27 ـ ديوان عدي بن زيد، جمعه وحققه محمد عبد الجبار المعيبد، دار الجمهورية، بغداد، 1965.\r28 ـ ديوان العرجي، تحقيق خضر الطائي ورشيد العبيدي، بغداد، 1375ه‍.\r29 ـ ديوان الفرزدق، عبد الله الصاوي، ط1/1936.\r30 ـ ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، دار العروبة، مصر، ط1/1962.\r31 ـ ديوان كثيّر عزّة، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1971.\r32 ـ ديوان كعب بن زهير، دار الكتب المصرية، 1950ت.\r33 ـ ديوان ليلى الأخيلية، جمعه خليل إبراهيم العطية، دار الجمهورية، بغداد، 1967.\r34 ـ ديوان المتلمس، تحقيق حسن كامل الصيرفي، القاهرة 1968.\r35 ـ ديوان النمر بن تولب، صنعة د. نوري حمودي القيسي، بغداد، 1969.\r36 ـ ديوان هُدبة بن الخشرم، جمعه وحققه د. يحيى الجبوري، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1976.\r37 ـ رصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي، تحقيق أحمد الخراط، دار القلم، ط2.\r38 ـ سر صناعة الإعراب لابن جني، تحقيق د. حسن الهنداوي، دار القلم، ط2/1993.\r39 ـ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية، مصر، 1935.\r40 ـ شرح التسهيل لابن مالك، تحقيق الدكتور عبد الرحمن السيد والدكتور محمد بدوي المختون، دار هجر، ط1/1980.","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"41 ـ شرح الرضي على كافية ابن الحاجب، تصحيح وتعليق يوسف حسن عمر، مؤسسة الصادق، ليبيا، 1982.\r42 ـ شرح الكافية الشافية لابن مالك، تحقيق عبد المنعم هريدي، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1/1982.\r43 ـ شرح المفصل لابن يعيش، المطبعة المنيرية، عالم الكتب، بيروت.\r44 ـ شعر الخوارج، جمعه الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1974.\r45 ـ الطرائف الأدبية، تحقيق عبد العزيز الميمني، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1937.\r46 ـ في النحو العربي، نقد وتوجيه، د. مهدي المخزومي.\r47 ـ الكامل للمبرد، تحقيق د. محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2/1993.\r48 ـ الكتاب لسيبويه، تحقيق عبد السلام هارون.\r49 ـ مغني اللبيب لابن هشام، تحقيق الدكتور مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، ط5/1979.\r50 ـ المفضليات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، ط5/1976.\r51 ـ المقتضب للمبرد، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، القاهرة، 1963.\r52 ـ النحو الميسر، د. محمد خير الحلواني، دار المأمون للتراث بدمشق 1997.\r53 ـ النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف بمصر بلا تاريخ.\r54 ـ همع الهوامع، صححه بدر الدين النعساني، مطبعة السعادة، القاهرة، 1327ه‍.","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"أصل الفعل العربي وأصل الكلام الإنساني 1 ـــ د.جعفر دك الباب\r\nدعوت في مقالة \"السامية والساميون -العرب والعربية\" (1) إلى استخدام منهج تاريخي علمي في دراسة المادة اللغوية للعربية من أجل الكشف عن التاريخ الحقيقي للغة العربية والشعب العربي. ثم عرضت الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في مقالة أخرى (2) وسأبين في هذه المقالة ارتباط الخصائص المميزة للنظام اللغوي للعربية بالنشأة الأولى للكلام الإنساني.\r\nإن نظام المعجم في العربية، الذي يقوم على الرجوع إلى أصل الفعل الثلاثي (أو الرباعي) المجرد، يرتبط –برأيي –بالخاصة المميزة التي يتمتع بها أصل الفعل العربي التي تتجلى في أنه يتكون من أصوات صامتة فقط تؤهله أن يكون خوارزماً رياضياً لأسرة من الكلمات تشتق منه. ويبرز بهذا الصدد السؤال التالي: هل يمكن أن تكون تلك الخاصة المميزة التي يتمتع بها أصل الفعل العربي مرتبطة بنشأة اللغة الإنسانية الأولى؟!\rإني أرى أن خصائص العربية تدل على أصالتها. ومن أجل الكشف عن خصائص العربية لا بد من دراسة نشأة اللغة العربية نفسها، انطلاقاً من أن اللغة ظاهرة اجتماعية ترتبط بالتفكير منذ نشأتها الأولى وتؤلف نظاماً في حركة مستمرة، وبالانطلاق كذلك من دراسة محاكاة الأصوات اللغوية لأصوات الحيوان والطبيعة. إن البحث في نشأة اللغات يستلزم أولاً تحديد الصفات الموضوعية التي يجب أن يتصف بها أصل أي كلام إنساني.\rأولاً –تحديد الصفات الموضوعية التي يجب أن يتصف بها أصل أي كلام إنساني (3).\n","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"1-اللغة الصوتية: لا شك أن اللغة بالمعنى الكامل للكلمة هي اللغة الصوتية (لغة الأصوات والكلمات). فاللغة الصوتية تؤدي جميع الوظائف الأساسية للغة (الاستخدام كأداة للاتصال، تحديد معاني الكلمات وإطلاق التسميات على الأشياء والظواهر والمفاهيم، التعبير عن الشعور والأفكار). أما لغة الإشارات (لغة الأيادي) فلا تستطيع أن تؤدي جميع الوظائف الأساسية للغة على وجه أكمل بسبب السلبيات التي تتصف بها (تستأثر باليد فتحول دون القيام بأي عمل آخر أثناء التعبير، يتوقف إدراكها على النظر فلا يمكن التعبير بها عن بعد أو في الظلام، تقوم على تقليد الأشياء المحسة فلا تقوى على التعبير عن المعاني المجردة، تقتضي إسرافاً كبيراً في الوقت والمجهود، غير دقيقة في كثير من مظاهرها). لذا يمكن التأكيد أن اللغة الصوتية (لغة الكلمات) كانت دائماً اللغة الإنسانية الأصلية (العامة) كوسيلة لاتصال الناس بعضهم ببعض، أي أن اللغة أول ما ظهرت كانت منطوقة.\r2-دور اللغة في تكوين التفكير. تتحدد بداية نشوء اللغة الإنسانية بتحول الصوت الذي كان يعبر عن الانفعال إلى إشارة (رمز) للتعبير الإرادي عن الأشياء. وقد اقتضت طبيعة اتصال الناس ببعضهم إدراك علاقة الكلمة الملفوظة بالشيء الذي تعبر عنه وبالنتيجة المتوقعة لتأثيرها على الآخرين. وكان إدراك تلك العلاقة يشكل جوهر لغة البشر منذ نشأتها الأولى، كما أن إدراك العلاقة بين الصوت وما يرمز إليه كانت البداية الأولى في تكوين التفكير الإنساني.\rإن اللغة والتفكير يشكلان وحدة لا انفصام فيها، فلا يمكن أن توجد لغة دون وجود التفكير، كما أن التفكير غير ممكن دون اللغة، وقد نشأ كل من اللغة والتفكير في وقت واحد.\rإن اللغة لم تنشأ مكتملة دفعة واحدة، كما أن الفكر انطلق من المشخص المحسوس واكتمل بالانتقال إلى المجرد العام.\r3-الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني. هي التالية:","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"أ-أن يكون مما يمكن إدراكه بالعين والأذن معاً، أي أن يكون مشخصاً جداً ومحدداً بحاستي السمع والبصر بآن واحد.\rب-أن يكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة تفيد من ناحية المعنى كلاماً تاماً أي جملة.\rج‍أن يكون مؤلفاً من مجموعة من الأصوات غير المنفصلة بعضها بعضاً التي تلفظ في مقطع صوتي واحد.\rوبعد أن حددنا خصائص أصل الكلام الإنساني، سنعمد إلى تحديد أصل الكلام الإنساني.\rثانياً: تحديد أصل الكلام الإنساني.\rتقسم الكلمات في أية لغة إلى مجموعتين كبيرتين:\rآ-كلمات مستقلة بالفهم AUTOSEMANTIC WORS.\rب-كلمات غير مستقلة بالفهم. SYNTACTIC.\rوتبعاً لوجود (أو عدم وجود) إمكانية للتعبير عن الربط الإسنادي بوساطة صيغة الكلمة المستقلة بالفهم نفسها، يمكن تقسيم جميع الكلمات المستقلة بالفهم إلى فئتين:\rالأولى- الصيغ الشخصية المصرفة للفعل.\rالثانية- جميع الكلمات المستقلة بالفهم ما عدا الصيغة الشخصية المصرفة للفعل.\rوتجدر الإشارة إلى أن الفعل في العربية يتميز بأنه يكون دائماً في صيغة شخصية مصرفة. فصيغة الفعل العربي –والحالة هذه –تفيد جملة لأنها تشتمل على مسند ومسند إليه. وعليه فإن الكلمات المستقلة بالفهم في العربية تقسم إلى صنفين –الفعل والاسم.\r1-هل الاسم أصل الكلام الإنساني؟\rالاسم نوعان: اسم عين واسم معنى. لا يمكن أن يكون اسم المعنى أصلاً للكلام الإنساني، لأنه لا تتوافر فيه خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني:\rأ-فلا يمكن إدراكه بالعين والأذن معاً لأنه مجرد (غير مشخص على الإطلاق).\rب-ولا يفيد معنى كلام تام (جملة) لأن صيغته لا تفيد الإسناد.\rكما أن اسم العين لا يمكن أن يكون أصلاً للكلام الإنساني لأنه لا تتوافر فيه كذلك خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني:\rآ-يمكن إدراكه فقط بالعين دون الأذن، فهو إذن مشخص بحاسة البصر فقط.\rب-ولا يفيد معنى كلام تام (جملة) لأنه يفيد معنى العين فقط، ولا بد في الكلام من مسند ومسند إليه.","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"ويعني ذلك أن الاسم (سواء كان اسم معنى أو اسم عين) لا يمكن أن يكون أصلاً للكلام الإنساني. فلا يبقى أمامنا، والحال كذلك، سوى البحث في الفعل لبيان ما إذا كان يصلح أصلاً للكلام الإنساني. وننتقل بذلك إلى الإجابة عن السؤال التالي: هل يمكن أن تتوافر في العمل الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني؟\r2-هل الفعل أصل الكلام الإنساني؟\rيمكن أن تتوافر في الفعل الخاصة الأولى المميزة لأصل الكلام الإنساني بأن يكون مشخصاً جداً ومحدداً بحاستي السمع والبصر بآن واحد، وذلك إذا كان يفيد حدثاً جرى في الزمن الماضي قد سمعه وشاهد من قام به كل من المتكلم والمخاطب، أي إذا كانت صيغة الفعل الماضي تحمل خبراً غير ابتدائي بالنسبة للسامع. ولا حاجة في مثل هذا الموقف الكلامي أن تشتمل صيغة ذلك الفعل الماضي الذي قام به شخص ثالث (غير المتكلم وغير المخاطب) على ما يتصل بها لفظاً للإشارة إلى المسند إليه، لأن الموقف الكلامي الراهن يشير إلى أنها تتضمن ذهنياً (لا صوتياً) الإشارة إلى المسند إليه. وبذا تتوافر في هذه الصيغة للفعل الخاصة الثانية المميزة لأصل الكلام الإنساني، لأن صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث في الخبر غير الابتدائي عبارة عن كلمة واحدة من الناحية الصوتية ولكنها تفيد من حيث المعنى كلاماً تاماً أي جملة تشتمل على المسند (الحدث) والمسند إليه الذي تتضمنه ذهنياً صيغة الفعل في ذلك الموقف الكلامي (حين يكون الخبر عن ابتدائي).\rوهكذا يمكننا أن نقرر أن الفعل يصلح أن يكون للكلام الإنساني إذا توافر فيه الشرطان التاليان:\rآ-أن يكون في صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث.\rب-أن تكون تلك الصيغة مستخدمة في خبر غير ابتدائي، أي أن يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث وشاهد من قام به.\rويبرز هنا السؤال التالي: ما الفائدة التي يحصل عليها المخاطب (السامع) من مثل هذا الخبر غير الابتدائي؟","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"لقد بدأ الكلام الإنساني حين بدأ الإنسان يلتقي أخاه الإنسان وأخذ يتعاون معه لدرء أخطار الطبيعة والحيوانات ولتأمين سبل العيش، وتجلى ذلك في التعاون للقيام بالدفاع المشترك والصيد الجماعي، فإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار صار لمثل ذلك الخبر فائدة ظاهرة تتجلى في البدء بعملية الدفاع المشترك أو الصيد الجماعي.\rوانطلاقاً من ارتباط نشأة الكلام الإنساني بنشوء التفكير لدى الإنسان، نؤكد أن صيغة أصل الكلام الإنساني (صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث –غير المتكلم وغير المخاطب -المستعملة في خبر غير ابتدائي) كانت تواكب بداية نشوء التفكير الإنساني.\rلذا لا بد أن تكون بالضرورة مأخوذة من أصوات الطبيعة والحيوان بحيث يتم الربط فيها بين الصوت والمعنى من كونها تحمل في طياتها انبثاق المعنى من الصوت عفوياً في الموقف الكلامي الذي تستخدم فيه.\rوبما أن الدراسات الأنتروبولوجية قد أثبتت أن أعضاء النطق لدى الإنسان القديم ما كانت تسمح له إلا بنطق أصوات مندمجة ببعضها، فإن صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المستعملة في خبر غير ابتدائي لا بد أنها كانت تلفظ في مجموعة واحدة من الأصوات غير المنفصلة بعضها عن بعض، أي كانت تؤلف مقطعاً صوتياً واحداً.\rوهكذا تبين لنا أن صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المستعملة في خبر غير ابتدائي هي أصل الكلام الإنساني.\rثالثاً –هل تتوافر في أصل الفعل العربي الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني؟\r1-نظام المعجم العربي:\rتصنف الألفاظ في العربية على وجهين:\rآ-بحسب مواردها وأصولها، فتجمع الألفاظ التي ترجع إلى أصل واحد وتشترك في حروفها الأصلية في زمرة واحدة مهما اختلفت أشكالها وأبنيتها. وهذا ما فعله أصحاب المعاجم العربية إذ جمعوا الألفاظ في هذا التصنيف والعنصر المشترك بينها هو المادة الأصلية أو الحروف الثلاثة والمعنى العام الذي تؤديه هذه الحروف.","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"ب-بحسب أوزانها وتماثل صيغها وأبنيتها مهما اختلفت أصولها وموادها. أن الرابط بين الألفاظ المجتمعة في زمرة واحدة والعنصر المشترك بينها في هذا التصنيف هو شكل البناء والتركيب والوزن الموسيقي من جهة والمعنى الذي يتحصل من هذا البناء أو الوزن من جهة أخرى (4).\rلدى البحث في الخصائص المميزة للنظام الصوتي للعربية (5) يتبين أن أصوات المد هي في الواقع إشباع للحركات، كما أن الحركات ليس لها في النظام الصوتي للعربية وجود منفصل عن الأصوات الصامتة التي تلفظ قبلها وتتصل بها. وقد انعكست هذه الخصائص المميزة للنظام الصوتي العربي بوضوح في نظام المعجم العربي الذي يقوم على الرجوع إلى أصل الفعل المجرد المؤلف من أصوات صامتة فقط تشكل المادة الأصلية للكلمة ومشتقاتها. إن نظام المعجم العربي مبني على تصنيف الألفاظ العربية بحسب موادها وأصولها. ويحدد الاشتقاق الأصغر (أو العام) أصل الكلمة أو مادتها الأساسية.\rويجب التأكيد هنا أن أصل الفعل الثلاثي (أو الرباعي) المجرد هو نفس صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر.","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"على الرغم من أن نظام المعجم العربي يقوم على أساس أصل الفعل المجرد، فإن علماء العربية مختلفون حول موضوع التقدم بين المصدر والفعل. فيرى علماء البصرة أن المصدر يتقدم، في حين يرى علماء الكوفة أن الفعل يتقدم. وبهذا الصدد كتب الأستاذ زكي الأرسوزي ما يلي: \"إن الصوت يستدعي إليه الانتباه ويبعث في الوجدان معنى معاً، فإذا كان الذهن العربي قد صنع أول ما صنع الأفعال بالشدة أو بالتكرار، نحو (خرَ) الماء خريراً. أو (خرخر) ثم اشتق الأسماء والمصادر من الأفعال، فإن هذا لا يعني أن الفعل يتقدم على الحدس المعبر عنه بالمصدر إلا من حيث الظهور. أما من حيث الحقيقة فإن الحدس يتقدم على الفعل، لأن الفعل ذاته ليس غير الحدس وقد انتشر في الزمان عندما تبناه الوجدان. ووجهة النظر هذه تحل المشكلة التي دار حولها الخلاف في القرون الوسطى، مشكلة التقدم بين المصدر والفعل\" (6).\rإننا نوافق على النتيجة التي توصل إليها الأستاذ الأرسوزي التي تقول أن الفعل يتقدم على المصدر من حيث الظهور. ونرى أن أصل الفعل الثلاثي (أو الرباعي) المجرد هو صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر. وهذه الصيغة، التي تفيد الإسناد والزمن الماضي، أكثر تشخيصاً من صيغة المصدر التي لا تفيد الإسناد والزمن بل تفيد المعنى العام المجرد للفعل (أي معنى الحدث مجرداً عن فاعله وزمانه). فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللغة في ارتباطها بالتفكير لم تنشأ مكتملة دفعة واحدة (7)، وأن الفكر لم يكتمل دفعة واحدة بل تم اكتماله بالانتقال من المشخص المحسوس إلى المجرد العام) (8)، تبين لنا بالضرورة أن أصل الفعل (صيغة الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر) لا يمكن إلا أن يتقدم على المصدر، لأن صيغة الفعل الماضي أكثر تشخيصاً من المصدر الذي يفيد المعنى المجرد العام.","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"كتب الدكتور ربحي كمال عن مميزات اللغات السامية ما يلي: \"إن لمعظم الكلمات في هذه اللغات مظهراً فعلياً، حتى في الأسماء الجامدة وألفاظ الأعجمية المعربة. ويرى بعض علماء اللغة العربية أن المصدر الاسمي هو الأصل الذي تشتق منه أصول الكلمات والصيغ، بيد أن هذا رأي خاطئ لأنه يجعل أصل الاشتقاق مخالفاً لما هو مألوف في سائر اللغات السامية. وقد يكون أولئك العلماء متأثرين بالفرس الذين بحثوا في اللغة العربية بعقليتهم الآرية، والمصدر الاسمي هو أصل الاشتقاق عند الآريين\" (9).\rإننا نؤيد ما ذكره الدكتور ربحي كمال من أن الفعل هو الأصل في الاشتقاق في العربية وليس المصدر. ويؤكد ذلك أن نظام المعجم العربي يقوم على الرجوع إلى أصل الفعل المجرد. ولو كان الأصل في الاشتقاق هو المصدر، لأوجب ذلك أن يبنى نظام المعجم العربي على أساس الانطلاق من المصدر. ولكننا لا نؤيد اتهامه علماء العربية –الذين قرروا أن المصدر هو الأصل –بأنهم قد تأثروا بالفرس في ذلك. ونرى أن السبب الذي حملهم إلى هذا الاعتقاد يعود إلى أن دراستهم للموضوع لم تكن تاريخية (تطورية). ولا بد لتحديد أسبقية المصدر أو الفعل من القيام بدراسة تاريخية (تطورية) للغة في ارتباطها بالتفكير.\r2-هل الأصل هو الفعل ثنائي الأصوات الصامتة؟\rكتب الأستاذ محمد المبارك حول النظرية الثنائية أنه توجد كثير من الألفاظ التي تشترك في حرفين دون الثالث وفي معنى عام يجمعها وينظم مفرداتها. وبذا يتم اكتشاف صلة جديدة بين المجموعات الثلاثية التي تشترك في حرفين من أصولها وفي فكرة كلية تجمعها، وتتكون بذلك مجموعات ثنائية كبيرة. ولتعليل هذه الصلة نجد أنفسنا أمام عدد من الاحتمالات:","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"آ-يمكن القول أن الأصل في اللغة هو المجموعات الثلاثية. فالمادة الأصلية في الكلمات العربية تتألف من حروف ثلاثة، ولكن قد يعتري أحد هذه الحروف تبدل صورتي بتوالي الأزمان أو باختلاف القبائل والبيئات، ولذلك تتكون هذه المجموعات الثنائية ويكون هذا الاشتراك بين المجموعات الثلاثية في حرفين دون الثالث. ولكن هذا القول لا يمكن تعميمه.\rب-ويرى عدد من الفقهاء قديماً وحديثاً أن الألفاظ العربية ترجع في منشئها التاريخي القديم إلى أصول ثنائية زيدت حرفاً ثالثاً في مراحل تطورها التاريخي.\rوقد جاء هذا الحرف الثالث منوعاً للمعنى العام الذي تدل عليه تلك الأصول الثنائية.\rوأكثر الذين يقولون بالأصل الثنائي للألفاظ العربية يقولون أن هذه الأصول الثنائية نشأت عن حركة الأصوات الطبيعية المقارنة للفعل أو الحدث الذي تدل عليه تلك الأصوات.\rويتفرع عن هذا الرأي القول بتقارب معاني الألفاظ لتقارب أصواتها. وقد عقد ابن جني في \"الخصائص\" فصلاً خاصاً عنوانه (باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني).\rويتابع الأستاذ المبارك: وإذا صح أن الأصل من الحروف الثلاثة حرفان والثالث منوع للمعنى العام ومخصص له فأين يقع الحرفان من الثلاثة؟ وأين يقع الحرف المضاف؟ إن أكثر الأمثلة التي أوردها الباحثون تدل على أن الحرف المضاف هو الأخير.\rولكنهم كذلك أوردوا أمثلة يقع فيها الحرف الثالث في وسط الكلمة الثلاثية أو في أولها.\rويعلق الأستاذ المبارك على هذا الموضوع بإعلان موافقته على رأي الأستاذ العلايلي الذي يتلخص باستقرار العربية على الأساس الثلاثي واعتبار الأصل الثنائي مرحلة تاريخية لم يعد البحث فيها مجدياً إلا ضمن هذا الاعتبار التاريخي (10).","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"ويؤيد الأمير مصطفى الشهابي النظرية الثنائية فيقول: \"والمرجح أن العربية الأولى تكونت، مثل غيرها من اللغات، من أصول قليلة ثنائية البناء (أي مركبة من حرفين) تحاكي الأصوات التي ينطبق بها الإنسان البدائي على مقتضى غريزته. ثم تعددت الكلم بإضافة حرف أو أكثر إلى الأصل الثنائي (11)......\".\rوميز الدكتور صبحي الصالح، حين تطرق إلى الثنائية وعلاقتها بالمناسبة الطبيعية، بين الثنائية التاريخية والثنائية المعجمية. وأشار إلى أن الثنائية قد اتخذت في أذهان القائلين بها صوراً مختلفة وأشكالاً متنوعة: فكانت الثنائية التاريخية ذات المقطع الواحد، والثنائية المعجمية التي كرر مقطعها بكلا حرفيه فأصبحت رباعية بطريق المضاعفة والتكرار (17).\rإن السبب الذي دعا القائلين بنظرية الأصل الثنائي إلى التمييز بين (الثنائية التاريخية) –مثال (صِلْ) –يتألف الأصل من صوتين صامتين يلفظان في مقطع صوتي واحد. وفي (الثنائية المعجمية) يتألف الأصل من صوتين صامتين ضعِّف ثانيهما –مثال (صلَ): صّلْ /لَ –فصار الأصل مؤلفاً من ثلاثة صوامت ويلفظ في مقطعين صوتيين، أو يتألف الأصل من صوتين صامتين كرر لفظهما –مثال (صلصل): صَلْ /صَ/ لَ –فصار الأصل يتألف من أربعة صوامت ويلفظ في ثلاثة مقاطع.\rوقد أورد الأمير مصطفى الشهابي المثالين التاليين على اشتقاق الألفاظ من أصول ثنائية:\rآ-لفظ (صِلْ) أحادي الهجاء –أحادي الهجاء –أي المقطع –مؤلف من حرفين متحرك فساكن.\rوهو صوت مادة يابسة إذا تركت. فالعرب شددت اللام، أي اشتقت من اللفظ الثنائي فعلاً ثلاثياً على هذا الصوت وهو الفعل (صَلَّ). ثم زادت صاداً ولاماً ثانية أي كررت الثنائية (صل) فصار لها فعل رباعي هو الفعل (صلصَلَ).","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"ب-لفظ (قَطْ) فهو ثنائي يحاكي صوت القطع، أي أنه إبانة بعض أجزاء الجرم عن بعض. فقد شددوا الطاء فكان لهم الفعل الثلاثي (قطَّ). وأبدلوا من الطاء الثانية عيناً فصار الفعل (قطع) ولاماً فصار (قطل) وفاء فصار (قطف)... الخ. وكلها تأتي بمعنى فصل بعض أجزاء الجسم عن بعض مع تفاوت قليل في المعاني (13).\rوعن (منشأ اللسان العربي) قال الأستاذ زكي الأرسوزي إن اللسان العربي اشتقاقي البنيان، ترجع كافة كلماته إلى صور صوتية –مرئية، مقتبسة مباشرة عن الطبيعة:\rآ-عن الطبيعة الخارجية تقليداً للأصوات الحاصلة فيها، مثال ذلك: (ترَّ) و(فَقَّ) و(خرَّ) و(خسَّ) و (زَمَّ).\rب-أو عن الطبيعة الإنسانية بياناً لمشاعرها، مثال ذلك: (أنَّ) و(أهَّ) (14).\rوهكذا يتبين أن الثنائية المؤلفة من مقطع صوتي واحد (صِلْ، قطْ، خرْ) لا توجد إلا في الطبيعة نفسها. وحين يحاكي الإنساني هذه الأصوات الطبيعية ليشير بذلك إلى الفعل (صلَّ، قطَّ، خرَّ) ينطق كل كلمة منها في مقطعين صوتيين (صلْ + ل، قطْ + طَ،، خرْ + رَ). فالإنسان ينطق أولاً المقطع الصوتي الذي يقتبسه من الطبيعة وينطق بعده مباشرة مقطعاً صوتياً جديداً يبتدعه بلفظ صوت صامت من نوع الصامت الذي توقف عليه في المقطع الأول، إلا أنه يختلف عنه من حيث كون الثاني متحركاً. فالصيغة اللغوية الأصلية الأولى لمثل هذه الأفعال (قَطَّ) إذن تتألف من مقطعين صوتيين. لذا لا يتوفر فيها شرط أساسي (أن تتألف من مقطع صوتي واحد) من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى. وعليه فإن الأفعال ذات الأصل الثنائي المضعف (قطَّ) لا يمكن أن تكون أصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى.","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"وإذا نطق الإنسان أولاً المقطع الصوتي الذي اقتبسه من الطبيعة ونطق بعده مباشرة نفس الصوتين الصامتين مع تحريك الثاني. (خرْ + خَ + رَ)، يكون بذلك قد أضاف إلى الأصل الطبيعي (المؤلف من مقطع واحد) مقطعين صوتيين آخرين. فتصبح الصيغة اللغوية الأصلية الأولى لمثل هذه الأفعال (خرْخرَ) مؤلفة من ثلاثة مقاطع صوتية. لذا لا يتوفر فيها شرط أساسي (أن تتألف ما مقطع صوتي واحد) من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى.\rوبما أننا استبعدنا أن يصلح الأصل الثنائي المصنف أصلاً للكلام الإنساني كما استبعدنا صلاحية الأصل الثنائي الذي كرر لفظه مع تحريك الصامت الثاني فيه، فلا يبقى أمامنا، والحال كذلك، سوى البحث في أصل الفعل المؤلف من ثلاثة أصوات صامتة لم تنشأ نتيجة لتشديد اللفظ الصامت في الأصل الثنائي.\r3-هل الأصل هو الفعل ثلاثي الأصوات الصامتة؟\rإذا حللنا الفعلين (شحج) و(نزب) من الناحية الصوتية، نجد أن كلاً منهما يتكون من ثلاثة مقاطع صوتية (شَ + حَ + جَ ) (نَ + زَ + بَ). وهذا يعني أن أصل الفعل الثلاثي من ثلاثة أصوات صامتة يلفظ في ثلاثة مقاطع صوتية، فلا يصلح لذلك أن يكون أصلاً للكلام الإنساني في نشأته الأولى، لأنه لا يتوفر فيه شرط أساسي (أن يتألف من مقطع صوتي واحد) من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى، لأنه لا يتوفر فيه شرط أساسي (أن يتألف من مقطع صوتي واحد) من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى.","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"وما دام الأمر كذلك، فما هو السبب في أن نظام المعجم العربي قد بني انطلاقاً من أصل الفعل العربي؟ ولماذا يعتبر أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة خوارزماً رياضياً لاشتقاق كلمات وصيغ جديدة للكلمات وصيغ جديدة للكلمات منه؟ ولماذا حافظ هذا الأصل الثلاثي على لحمته دون تغيير على مر القرون؟ لا شك أن هناك سراً يرتبط بطبيعة هذا الأصل الثلاثي للفعل العربي! فما هو ذلك السر؟! من أجل كشفه لا بد –برأينا –من الرجوع إلى الدراسات الصوتية في علم اللغة العربية وفي علم اللغة العام وفي علم اللغة المقارن التاريخي وقد تبين لنا بعد الرجوع إلى الدراسات الصوتية المشار إليها ما يلي:\r1-كشف الأكاديمي فارتوناتوف، في دراسته الصوتية المقارنة للغات الهندية الأوربية القديمة، أن اللغة الهندية الأوربية –الأصل كانت تشتمل على الصوت (A) القصير جداً الذي يتميز عن الصوت (A) القصير مقطعاً صوتياً.\r2-توجد نظرية في علم اللغة العام (قال بها ف. ليمان) تفترض بأن اللغة الهندية الأوربية –الأصل كانت تشتمل فقط على صوت صائت واحد غير محدد (أي لا يشكل مقطعاً صوتياً) وتنحصر وظيفته في تسهيل نطق الكلمات المؤلفة من أصوات صامتة.\rوترى هذه النظرية أن الأصوات الصامتة كانت كثيرة ومن بينها عدة أصوات حلقية.\r3-يذكرنا ذلك بما نقله سيبويه على لسان الخليل حين قال: \"وزعم الخليل أن الفتحة والكسرة والضمة زوائد، وهن يلحقن الحرف ليوصل إلى التكلم به\" (15).\r4-ذكر ابن جني في \"الخصائص\" ما يلي: حدثني أبو علي رحمه الله قال:\rدخلت (هيتا) وأنا أريد الانحدار منها إلى بغداد، فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل فعجبت منها، وأقمنا هناك أياماً إلى أن صلح الطريق للمسير، فإذا أنني قد تكلمت مع القوم بها. وأظنه قال لي: أنني لما بعدت عنهم أنسيتها\" (16).","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"5-أشار علماء العربية إلى غمغمة قضاعة (وكانت قضاعة إذا تكلموا غمغموا، فلا تكاد تظهر حروفهم). والغمغمة هي الكلام الذي لا يبين.\r6-وأشار ابن جني إلى الزمزمة في اللغة العجمية \"قال وإنما خفي حال هذا في اللغة العجمية لما فيها من الزمزمة، يريد أنها لما كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت\" (17).\rإن كل ذلك يعطينا الحق في أن نستنتج أن أصل الفعل العربي المكون من ثلاثة أصوات صامتة (شحج) أو (نزب) كان الإنسان البدائي يلفظه في مقطع صوتي واحد لا تتميز فيه أصوات منفصلة عن بعضها في مقاطع مستقلة، بل كانت تتصل بكل صوت صامت فتحة خفية لتمكن فقط من النطق به.\rويدعم ما ذهبنا إليه إشارة علماء العربية الأوائل إلى أن الفتحة أخف الحركات الثلاث.\rكما أن الرجوع إلى أوزان الفعل الثلاثي يرجح الاستنتاج الذي وصلنا إليه. فللفعل الثلاثي ستة أوزان:\r1-باب نصر –ينصر\r2-باب ضرب –يضرب\r3-باب فتح –يفتح\r4-باب فرح –يفرح\r5-باب كرم –يكرم\r6-باب حسب –يحسب\rوهذا الترتيب للأوزان يتدرج حسب كثرة الأفعال في كل باب، فأكثر الأبواب أفعالاً باب نصر، فضرب، ففتح، ففرح، فكرم. وأقلها باب حسب. يبلغ عدد حركات الأصوات الصامتة في أوزان الفعل الثلاثي (18) حركة: منها (15) حركة فتح وحركتا كسر وحركة ضم واحدة. وإذا أخذنا بالاعتبار أن الكسرة والضمة لا تظهران إلا في أبواب (فرح) و(كرم) و(حسب) –التي تتميز بقلة أفعالها من ناحية، وبأن غالبية الأفعال التي تدخل فيها ذات معنى عام ومجرد من ناحية أخرى –يتأكد لنا أن الفتحة هي أولى الحركات ظهوراً في أصل الفعل العربي (18).","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"إن النتيجة العلمية التي توصلنا إليها تقول أن أصل الفعل العربي المكون من ثلاثة أصوات صامتة –مثل (شحج) و(نزب) –كان يلفظ في مقطع صوتي واحد. ويعني ذلك أنه تتوفر في أصل الفعل العربي الثلاثي إحدى الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في نشأته الأولى (أن يتألف من مقطع صوتي واحد) وستتابع استقصاء احتمال أن تتوفر في الأصل الثلاثي الخاصتان الباقيتان الميزتان لأصل الكلام الإنساني (أن يكون مشخصاً جداً ومحدداً بحاستي السمع والبصر بآن واحد، وأن يكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة لكنها تفيد من ناحية المعنى كلاماً تاماً أي جملة).\rيسعى بعض من يقولون بتقدم المصدر على الفعل إلى عدم الإقرار بأن نظام المعجم العربي يبنى على أساس الانطلاق من الفعل. فيقولون أن نظام المعجم العربي يقوم على الرجوع إلى المادة الأصلية أو الحروف الثلاثة الأصلية. ويزعمون أن هذه المادة الأصلية ليست نفس صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر، وإنما هي مادة مجردة يتم الحصول عليها بالاستنباط الصرفي الذي يحدده الاشتقاق الأصغر. إن مثل هذا القول مرفوض لأنه يستند إلى الفصل بين اللغة والتفكير.\rإننا ننطلق من الأسس العلمية التي نادى بها اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية –الذي بلوره ابن جني وعبد القاهر الجرجاني في نظرتين لغويتين متكاملتين والذي يرى أن اللغة قد نشأت وتطور نظامها واكتمل تدريجياً بشكل مواز لنشأة التفكير الإنساني وتطور نظامه واكتماله. لذا فإننا نرى أن المادة الأصلية، أي أصل الفعل المجرد من حروف الزيادة، التي يبنى عليها نظام المعجم العربي ليست صيغة مثالية مجردة، بل هي صيغة لغوية حقيقية لأنها هي صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر.\rلقد بيننا أعلاه (19) أن الفعل يصلح أن يكون أصلاً للكلام الإنساني إذا توفر فيه الشرطان التاليان:","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"آ-أن يكون في صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث، وهذا متوفر في أصل الفعل العربي، لأن هذا الأصل هو نفس تلك الصيغة.\rب-أن تكون تلك الصيغة مستخدمة في خبر غير ابتدائي، أي يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث وشاهد من قام به. ويقتضي ذلك أن تكون صيغة الفعل –الأصل مأخوذة من أصوات الطبيعة أو الحيوان ليتم الربط فيها بين الصوت والمعنى من كونها تحمل في طياتها انبثاق المعنى من الصوت عفوياً في الموقف الكلامي الذي تستخدم فيه.\rوذكرنا أن الثنائية المؤلفة من مقطع صوتي واحد لا توجد إلا في الطبيعة نفسها، وحين يحاكي الإنسان ذلك المقطع الثنائي الموجود في الطبيعة يضطر إلى أن ينطق بعده مباشرة مقطعاً صوتياً جديداً (خرْ + رَ) أو مقطعين صوتيين مقتبساً من الثنائية الطبيعية.\rفهل يعني ذلك أن الإنسان قد حاكى بادئ ذي بدء أصوات الحيوان؟!\rتتميز أصوات الحيوان بأنها أصوات غير متميزة العناصر أي هي عبارة عن مجموعة من الأصوات المندمجة ببعضها (20). وهذا يعني أن محاكاة الإنسان لها يؤمن توفر واحدة من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني (أن يلفظ في مقطع صوتي واحد)، ويؤمن بالتالي انبثاق المعنى من الصوت عفوياً في الموقف الكلامي الذي تستخدم فيه، ونشير هنا إلى أن الأستاذ عبد الحق فاضل قد أوجد قسماً جديداً في علم اللغة سماه \"الترسيس\"، هو إعادة اللفظة إلى جدتها الأولى في صورتها التي نطق بها تقليداً لأحد الأصوات المسموعة مثل محاكاة أصوات الطبيعة أو الحيوانات، مع تعقب المراحل التطورية التي قطعتها تلك اللفظة حتى وصلت إلى الصورة التي نعرفها في إحدى اللغات (21). وأورد الأستاذ فاضل أمثلة عن الترسيس في مقالة بعنوان \"آثار حيوانية في اللغة العربية\" (22).","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"إن بداية نشأة الكلام الإنساني التي انطلقت من محاكاة أصوات الحيوان تقتضي أن تستخدم صيغة أصل الكلام الإنساني في خبر غير ابتدائي، أي أن يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الفعل الذي يتم تقليد صوته وشاهد الحيوان الذي قام به. وبذا تتحقق في أصل الفعل العربي الثلاثي الخاصة الثانية المميزة لأصل الكلام الإنساني (أن يكون مشخصاً ومحدداً بحاستي السمع والبصر بآن واحد).\rإن صيغة الأصل –صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر (شحج، نزب) –هي الصيغة الوحيدة بين جميع صيغ الفعل الماضي في العربية التي لا تشتمل في تركيبها على ما يتصل بها لفظاً للإشارة إلى المسند إليه. ويرجع السبب في ذلك –برأينا –إلى أنها استخدمت في موقف سمع فيه كل من المتكلم والمخاطب الفعل الذي تم تقليد صوته وشاهد الحيوان الذي قام به. لذا فإن هذه الصيغة، على الرغم من أنها لا تشتمل في تركيبها على ما يتصل بها لفظاً للإشارة إلى المسند إليه، تتضمن من حيث المعنى ذهنياً (لا صوتياً) الإشارة إلى المسند إليه في الموقف الكلامي الذي استخدمت فيه، أي أنه يقدر في هذه الصيغة ذهنياً ما يفيد المسند إليه وتفيد بالتالي معنى جملة. وعليه تتحقق في أصل الفعل العربي الثلاثي الخاصة الثالثة المميزة لأصل الكلام الإنساني (أن يكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة تفيد من ناحية المعنى كلاماً تاماً أي جملة).\r4-النتيجة: تتوفر في أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني.\rوهكذا ثبت لنا أن أصل الفعل العربي الثلاثي يشتمل على الصفات الموضوعية التي يجب أن يتصف بها أصل الكلام الإنساني، وهي التالية:","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"1-ظهر أصل الفعل العربي الثلاثي نتيجة محاكاة الإنسان أصوات الحيوان (شحج، نزب). واقتضى ذلك أن يكون في صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث. كما اقتضى أن تكون مستخدمة في خبر غير ابتدائي يكون فيه كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث الذي يتم تقليد صوته وشاهد الحيوان الذي قام به، لأن ذلك يساعد في الربط بين الصوت والمعنى بحيث ينبثق المعنى من الصوت بشكل شبه عفوي. وبذا تتوفر في أصل الفعل العربي الثلاثي الصفة الموضوعية الأولى لأصل الكلام الإنساني (أن يكون مشخصاً جداً ومحدداً بحاستي السمع والبصر بآن واحد).\r2-إن صيغة الفعل العربي في الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث المفرد المذكر (شحج، نزب) لا تشتمل في تركيبها على ما يتصل بها لفظاً للإشارة إلى المسند إليه. وحين تستخدم هذه الصيغة في خبر غير ابتدائي فإنها تتضمن من حيث المعنى ذهنياً (لا صوتياً) الإشارة إلى المسند إليه في الموقف الكلامي الذي استخدمت فيه. وبذا تتوفر في أصل الفعل العربي الثلاثي الصيغة الموضوعية الثانية لأصل الكلام الإنساني (أن يكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة تفيد من ناحية المعنى كلاماً تاماً أي جملة).\r3-كان أصل الفعل العربي الثلاثي (شحج، نزب) يلفظ في مقطع صوتي واحد لا تتميز فيه أصوات منفصلة عن بعضها في مقاطع مستقلة. وكانت تتصل بكل صوت صامت فيه فتحة خفيفة لتمكن فقط من النطق به. وبذا تتوفر في أصل الفكر العربي الثلاثي الصفة الموضوعية الثالثة لأصل الكلام الإنساني (أن يلفظ في مقطع صوتي واحد).\rاللغة العربية أصل قائم بذاته","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"إن إثبات توفر الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني في أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة يؤكد بشكل جازم أصالة اللغة العربية، ويكشف ارتباط نشأتها بظهور ونشأة الكلام الإنساني. فاللغة العربية إذن أصل قائم بذاته وليست فرعاً من أية لغة كانت. كما أن الشعب العربي الذي تكلم ويتكلم هذه اللغة منذ ظهور الحياة الإنسانية في وطنه، هو أصل قائم بذاته وليس فرعاً انحدر من أي شعب آخر.\rإن المنهج التاريخي العلمي الذي ينطلق من آراء مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية قد مكننا من إعادة دراسة مادة اللغة العربية المتوفرة لدينا على مر القرون، وساعدنا في الوصول إلى هذه الحقائق الجديدة التي تكشف عن التاريخ الحقيقي للغة العربية والشعب العربي. ويفرض ذلك علينا المبادرة الفورية إلى إعادة كتابة التاريخ العربي وتخليصه من زيف فرضية \"أسرة اللغات السامية\" و\"الشعب السامي\" (23).\rالحواشي:\r1-المنشورة في \"الموقف الأدبي\" العدد 117، كانون الثاني 1981.\r2-بعنوان \"الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني\" نشرت في مجلة \"المعرفة\" بدمشق، العدد 229، آذار 1981.\r3-للتفصيل في هذا الموضوع يرجع إلى مقالة \"الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني\" المشار إليه.\r4-\"فقه اللغة وخصائص العربية\" للأستاذ محمد المبارك، دار الفكر –بيروت، الطبعة السادسة /ص 115/.\r5-ألقيت في الدورة العالمية الخامسة للسانيات بدمشق محاضرة بعنوان \"الخصائص المميزة للنظام الصوتي للعربية\" وسأنشرها قريباً.\r6-\"المؤلفات الكاملة\" المجلد الأول /ص 261.\r7-أشرت إلى ذلك لدى تحديد الأسس النظرية التي أتبناها والنابعة من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. ارجع إلى مقالة \"السامية والساميون –العرب والعربية\" المشار إليها أعلاه.\r8-ارجع إلى مقالتنا \"الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني\".\r9-\"دروس اللغة العربية\"، الطبعة الخامسة 1971 /1972، ص 26.\r10-\"فقه اللغة وخصائص العربية\" /ص 87 –101/","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"11-\"المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث\"، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق، الطبعة الثانية 1965 /ص 11/.\r12-دراسات في فقه اللغة\"، دار العلم للملايين -بيروت، الطبعة السابعة / ص 141 -154/.\r13-\"المصطلحات العلمية\"، المجلد الأول /ص 71/.\r14-\"المؤلفات الكاملة\"، المجلد الأول /ص 71/.\r15-\"كتاب سيبويه\"، الجزء الثاني، آخر (باب حروف البدل من غير أن تدغم حرفاً في حرف وترفع لسانك من موضع واحد).\r16-\"الخصائص\"، حققه محمد علي النجار، دار الهدى -بيروت، ج‍/ص 92/.\r17-\"الخصائص\" ج‍/ص 91/.\r18-لذا اقترحت اعتبار حركة الفتحة أصلاً بالنسبة للحرف العربي الذي يشير إلى صوت صامت ولا حاجة لتثبيتها في الكتابة، وطالبت بإلزام شكل جميع الحروف الصامتة الساكنة أو المتحركة بغير الفتحة في جميع الكلمات. ودعوت إلى اعتماد هذه الطريقة في تعليم التلاميذ مبادئ الكتابة والقراءة العربية وفي صفوف محو الأمية للكبار. ارجع إلى مقالتي \"ازدواجية اللغة العربية وكيفية الخروج منها\" المنشورة في مجلة \"المعرفة\" بدمشق -العدد المزدوج 222 -223، (آب -أيلول) 1980.\r19-الفقرة (ثانياً) هل الفعل أصل الكلام الإنساني؟\r20-ارجع إلى مقالة \"الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني\" المشار إليها أعلاه.\r21-\"مغامرات لغوية (ملكة اللغات)\"، دار العلم للملايين -بيروت.\r22-مجلة \"المعرفة\" بدمشق - عدد تشرين الأول 1962.\r23-كنت قد أشرت إلى ذلك في مقالتي \"السامية والساميون -العرب والعربية\".\r1 -ألقى هذا البحث في الدورة العالمية للسانيات بدمشق (تموز 1980) في المسار العربي.","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"نسبة الألفاظ إلى اِلمَعاني عند المناطِقة العَرب ـــ إحسَان محَمد جَعفر\r\nلاشك في أن مباحث الألفاظ على صلة بعلم المنطق الذي كان العرب يطلقون عليه اسم \"معيار العلوم\" أو \"علم الميزان\" وإنما ذكرتْ مباحث الألفاظ في كتب المنطق لأن بحث الكليات الخمس متوقف عليها، ولتعيين العلاقة بين الألفاظ والمعاني التي هي موضوع علم المنطق أشبع العرب الألفاظ دراسة، فدرست من جوانب متعددة، وهي كما أجملتها كتب المنطق:\r1-من حيث دلالة اللفظ على المعنى.\r2-من حيث قسمة اللفظ إلى عموم المعنى وخصوصه.\r3-النظر في اللفظ نفسه.\r5-نسبة الألفاظ إلى المعاني.\rفمن حيث بيان نسبة الألفاظ إلى المعاني، يقول عبد الرحمن الأخضري (1) في منظومته \"السلم المرونق في علم المنطق\" (2):\rخمسة أقسام بلا نقصان\r\rونسبة الألفاظ للمعاني\rوالاشتراك عكسه الترادف\r\rتواطؤ، تشاكك، تخالف\r\rويشرح الأخضر نفسه هذين البيتين، فيقول: \"أعلم أن نسبة الكلي إلى معناه خمسة أقسام، وهي التواطؤ، والتشاكك، والتخالف، والاشتراك، الترادف، لأنه إما أن تستوي أفراده فيه كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فمتواطئ لتوافق أفراد معناه فيه، وأما أن يكون بعض معانيه أولى به من البعض كالبياض فإن معناه في الثلج أولى منه في العاج، وأما أن يكون بعض معانيه أقدم من البعض كالوجود فإن معناه في الواجب قبله في الممكن. فمشكك لتشكيكه الناظر في أنه متواطئ نظراً إلى اشتراك جهة الأفراد في أصل المعنى، أو غير متواطئ نظراً إلى جهة الاختلاف، وأما أن يتعدد اللفظ والمعنى كالإنسان والفرس، فمتباين أي أحد اللفظين مباين لتباين معناهما، وإما أن يتحد المعنى دون اللفظ كالإنسان والبشر فمترادف لترادفهما أي لتواليهما على معنى واحد، وإما أن يتحد اللفظ دون المعنى كالعين فمشترك لاشتراك المعنى فيه\" (3).\n","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"هذا ما ذكره الأخضري في شرحه على سلمه، وكان قد نظم السلم شعراً ثم شرحه، ولشرحه قيمة في العصور الأخيرة –وقام بشرحه والتعليق عليه علماء كثيرون، وهو على كل حال من الكتب التي كانت تدرس في الأزهر، وقد اخترت أن أستفتح بحثي هذا في نسبة الألفاظ إلى المعاني بما قاله الأخضري (القرن العاشر الهجري) لأن ما جاء به –وهو به –وهو متأخر –حصل في مرحلة متأخرة بعد تطور في المفاهيم أغنته المساهمات الكثيرة للعلماء المختلفين، ويتضح لنا هذا التطور إذا ما قارنا منظومة الأخضري (نظمها سنة 941ه‍) وشرحه لهذه المنظومة مع متن التهذيب للسعد (ت: 793ه‍)، يقول السعد في أثناء الكلام في نسبة الألفاظ إلى المعاني: \"وأيضاً إن اتحد معناه فمع تشخصه وضعا علم، وبدونه متواطئٌ إن تساوت أفراده، ومشكك أن تفاوتت: أما بأولية أولوية. وان كثر فان وضع لكلٍّ فمشترك، والا فإن اشتهر في الثاني فمنقول ينسب إلى الناقل، وإلا فحقيقة ومجاز\" (4).","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"وهذا الكلام فيه غموض ويحتاج إلى إيضاح لذلك شرحه الجنيصي فقال: \"والمفرد ينقسم (أيضاً) إلى أقسام: العلم والمتواطئ والمشكك والمشترك والمنقول والحقيقة والمجاز، لأنه (ان اتحد معناه فمع تشخصه) أي تشخص ذلك المعنى (وضعاً) لا عارضاً (علم) كزيد وعمر وأمثالها (وبدونه) عطف على قوله –فمع تشخصه –أي المفرد أن اتحد معناه فإن كان مع تشخص ذلك المعنى فهو علم وأن كان بدون التشخص فهو: اما (متواطئ ان تساوت أفراده) الذهنية والخارجية بالسوية، وليس بعض الأفراد أولى من بعض. وسمي متواطئاً لتوافق الأفراد في معناه من التواطؤ وهو التوافق (و) اما (مشكك ان تفاوتت) الأفراد في حصوله وصدقه عليها، بأن كان حصوله في بعض الأفراد أولى من بعض، وذلك التفاوت (اما بأولية) كالوجود فإنه في الواجب قبل حصوله في الممكن (أو أولوية) بالجر عطف على قوله –أولية –أي التفاوت إما بأولية كم مرّ، وأما بأولوية كالوجود أيضاً فإنه في الواجب أتم وأولى، وتسميته بالمشكك لأن النظر فيه مشكك هل هو متواطئ من حيث اتفاق أفراده في أصل المعنى أو مشترك من حيث اختلاف أفراده بالأولية أو غيرها (وان كثر) عطف على قوله – إن اتحد –أي أن كثر معنى المفرد فلا يخلو من أن يكون المفرد موضوعاً لكلٍّ من المعاني الكثيرة أولاً (فإن وضع) المفرد (لكل من المعاني الكثيرة (فمشترك) كالعين (والا) أي وإن لم يوضع لكل من المعاني بل وضع لمعنى ثم استعمل في معنى آخر لمناسبة فلا يخلو من أن يكون استعماله مشتهراً في المعنى الثاني دون الأول أولاً (فان اشتهر في) في المعنى (الثاني) وترك استعماله في الأول (فمنقول ينسب إلى الناقل) فإن كان الناقل شرعاً فمنقول شرعي كالصلاة والصوم، وإن كان اصطلاحاً فمنقول اصطلاحي كالفاعل والمفعول، وإن كان عُرفاً فعرفي كالدابة لذات القوائم الأربع (والا) أي وإن لم يشتهر في المعنى الثاني ولم يترك استعماله في الأول (فحقيقة) إن استعمل في المعنىالأول، كالأسد","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"للحيوان المعلوم (مجاز) إن استعمل في المعنى الثاني، كالأسد للرجل الشجاع\" (5).\rوأفضل كلام وجدته في بيان نسبة الألفاظ إلى المعاني قول أحمد الدمنهوري (1101 –1192ه‍) في \"إيضاح المبهم\": \"أقول اللفظ إما أن يكون واحداً أو متعدداً، وعلى كل فالمعنى إما أن يكون واحداً أو متعدداً، فالأقسام أربعة، مثال اتحاد اللفظ والمعنى إنسان، ومثال اتحاد اللفظ وتعدد المعنى عين فإنه يطلق على الباصرة والجارية وغيرهما، فالقسم الأول أن اتحد المعنى في أفراده سمي كلياً متواطئاً كالإنسان، وإن اختلف فيها بالشدة والضعف سمي كلياً مشككاً كالبياض فإن معناه في الورق أقوى من معناه في القميص مثلاً، والقسم الثاني: وهو ما اتحد فيه اللفظ وتعدد المعنى يسمى مشتركاً، ومثال ما تعدد فيه اللفظ واتحد المعنى إنسان وبشر فهما مترادفان، والنسبة بينهما الترادف، ومثال ما تعدد فيه اللفظ والمعنى إنسان وفرس فهما متباينان على ما فيه) والنسبة بينهما التباين، فهذه الأقسام الخمسة التي ذكرها في قوله ونسبة الألفاظ البيتين ومراده بالتخالف التباين\" (6).\rوهذا التقسيم في نسبة الألفاظ إلى المعاني أثر وتأثر بالدراسات اللغوية العربية مع أنه في جوهره أرسططاليسي، فالألفاظ تنقسم من حيث نسبتها إلى المعاني إلى:\r1-المتواطئ.\r2-المشكك (المتزايل).\r3-المترادف.\r4-المشترك.\r5-المتباين (المتخالف).\rوقد توسع المناطقة العرب في هذا البحث بيد أن هذا التوسع لم يكن منصباً على الجوهر بل عُني بابتداع تشعبات جديدة يمكن إرجاعها إلى الأقسام الرئيسة التي كان أرسطو قد وضعها.","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"هذا من جهة، ومن جهة ثانية إن لهذا البحث علاقة وشيجة بالمباحث الأصولية، فالأصوليون كتبوا أبحاثاً مستطيلة في الترادف والاشتراك، فجماعة منهم أنكرت وقوع الترادف في اللغة العربية وراحت تعدد اشتقاقات متباينة للألفاظ المترادفة. وفخر الدين الرازي لا يؤيدهم في مسلكهم هذا ويقرر أن صنيع الاشتقاقيين هذا ليس إلا تعسفاً لا يقبله عقلٌ ولا نقل. ثم يأخذ في شرح الدواعي إلى الترادف وهي عنده:\r1-تعدد الوضع وتوسيع دائرة التعبير. وتكثير وسائله، وهو ما يطلق عليه النحاة وأهل اللغة \"الافتنان\" أو تسهيل مجال النظم والنثر، وأنواع البديع وقد يحصل به التجنيس والتقابل والمطابقة.\r2-تسهيل تأدية المقصود بإحدى العبارتين عند تساوي الأخرى (7).\rولكن –كما رأينا –بعض العلماء القدامى ينكرون وقوع الترادف في العربية، وفي إنكارهم معنى أخطر كثيراً مما يتصوره أي باحث من المحدثين، فلا سبيل معه إلى القول بانفراد العربية بكثرة المفردات وسعة التعبير، وهم يلتمسون الفروق الدقيقة التي يظن فيها اتحاد المعنى، وهؤلاء أدلوا. بحجتين لهم:\r1-أنه يؤدي إلى الاختلاف في الفهم فقد يعلم المرء لهذا المعنى لفظاً ويعلم الآخر لفظاً آخر، ومع تأدية اللفظين لمعنى واحد فلا يعلم كل واحد منهما أن لفظ الآخر تدل عليه، وحينئذ يتعذر التفاهم بينهما.\r2-ان الاسم المترادف يتضمن تعريف المعرف، وهو خلاف الأصل. وأنكر الترمذي –وهو من كبار الصوفية –الترادف في كتاب له لا يزال مخطوطاً –يحمل اسم \"الفروق ومنع الترادف\".\rوقد فسر علماء الأصول وقوع الترادف بوجود واضعين مختلفين، \"وهو الأكثر: بأن تضع إحدى القبليتين أحد الاسمين والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان، أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر، وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية\" (8).","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"وحلَّ بعض المتكلمين قضية الترادف حلاً آثروا فيه الاعتدال وجاء وسطاً بينَ بينْ فقالوا:\rالألفاظ المترادفة هي ألفاظ يشرح بعضها بعضاً، الجلي منها يشرح الخفي، فهي ليست إلا نوعاً من الحد، لأن الحد هو تبديل خفي بلفظ أوضح منه تنبيهاً للسائل.\rوكذلك أصاب اللفظ المشترك ما أصاب اللفظ المترادف، ودار النقاش بين أصحاب الاشتراك ومنكريه حول إجازة وقوعه أم لا؟ ومن ثمَّ، هل نتوصل به إلى المقصود أو لا نتوصل؟\rهل كلمة قُرء مثلاً مشتركة بين الحيض والطهر أو إنها لواحد منهما فقط، وقد اختلف الأصوليون في هذا الشأن اختلافاً شديداً. وعلى كل فإن المناطقة جعلوا من المترادف والمشترك سبباً للخطأ في القياس، فقالوا: \"الخطأ تارة يكون من جهة مادة القياس وتارة من جهة صورته، والأول إما من جهة اللفظ أو من جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فكاستعمال اللفظ المشترك في القياس، فيشبه المراد بغيره كقولك هذ عين أي شمس، وكل عين –أي تنبع الماء –سيالة، ينتج هذه سيالة، وهو باطل لعدم تكرار الحد الوسط إذ محمول الصغرى غير موضوع الكبرى، أو استعمال اللفظ المباين كالمرادف كقولك هذا سيف وكل سيف صارم ينتج هذا صارم، وهو باطل من حهة صارم الذي هو السيف بقيد كونه قاطعاً مرادفاً للسيف الذي هو الآلة المعلومة لا بهذا القيد، وهو مباين له...\" (9).","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"وكما اختلف الأصوليون والمتكلمون في الترادف والمشترك اللفظي اختلف أيضاً اللغويون والنحاة وأصحاب العربية متأثرين بأبحاث المناطقة. وهنا يبرز سؤال،؛ وهو هل هذا معناه أن اللغويين العرب تأثروا في مباحثهم بالمنطق \"اليوناني\"؟‍! يجيب عن هذا السؤال الدكتور علي سامي النشار في كتابه القيِّم \"مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي\" فيقول: \"أن مسألة المترادف والمشترك كانت على جانب كبير من الأهمية لدى علماء الأصول. ومما لا شك فيه أن الأصوليين الأرسططاليسيين أي الذين كتبوا مقدمات كلامية، في أول أبحاثهم، تأثَّروا بالمنطق الأرسططاليسي.\rولكن ليس معنى هذا أن التقسيم كان غريباً عن المسلمين. إننا لا نستطيع أن ننكر وجود أسماء مترادفة ومشتركة ومتزايلة في لغة من اللغات. ولكن الأصوليين الأرسططاليسيين اكتسبوا من أرسطو استقرار التقسيم واتجاههم به اتجاهاً منطقياً\" 010).\rوالواقع أن اللغويين لم يفقوا عند حد العناصر الأرسططاليسية لأن هذه العناصر تتحدث عن الألفاظ بشكل عام بمعزل عن الألفاظ العربية، فلذلك لم تنجح محاولة المناطقة في إقحام منطقهم في صلب الدراسات اللغوية العربية فجاء كلامهم جافاً وترديداً لأقاويل من بيئة أخرى على الأغلب لأن صلة المنطق باللغة تبقى دائماً صلة عرضية حتى إن ابن ملكا أبا البركات البغدادي لا يوافق على عد مباحث الألفاظ من المنطق إلا أنه يبحثها في كتابه \"المعتبر في الحكمة\" ويبدأ بها تماماً كما تبدأ بها كتب المنطق الأخرى ببيان نسبة الألفاظ إلى معانيها ومفهوماتها واختلاف أوضاعها ودلالاتها. وقد رأينا أن نختم بحثنا هذا بنبذ مما ذكره بهذا الصدد:","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"\"والأسماء قد تشترك المسميات بها في المسموع منها والمفهوم كاشتراك الفرس والإنسان في الحيوان وزيد وعمرو في الإنسان وتسمى متواطئة. وقد تختلف كاختلاف زيد وعمرو في مسموعها ومفهومها بل كالإنسان والحجر والحيوان والشجر وتسمى متبائنة.\rوقد تشترك في أحدهما أما في المسموع دون المفهوم كاشتراك هذا الشخص وهذا الشخص في اسم زيد والبصر وينبوع الماء في اسم العين وتسمى مشتركة ومتفقة.\rوأما في المفهوم دون المسموع كاشتراك العقار والخمر أو البشر والإنسان وتسمى مترادفة..\" (11)\rلقد حاولوا إخضاع اللغة للمنطق ولكن اللغة لا تخضع لمنطق، لأنها أقدم من المنطق وقد تكون في غير حاجة له لأنها لم تنشأ عنه.\r***\rالهوامش:\r(1):\r(1)-عبد الرحمن الأخضري: عبد الرحمن بن سيدي محمد الصغير الجزائري المشهور بالأخضري المتوفى في القرن العاشر للهجرة (معجم المطبوعات).\r(2)-السلم المرونق في علم المنطق (طبع حجر مصر 1272ه‍).\r(3)-شرح الأخضري المسمى شرح السلم المرونق (المطبعة الميمنية، مصر 1308ه‍) الصفحة 25 -26.\r(4)-تجديد علم المنطق في شرح الجنيصي على التهذيب، (عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب، الطبعة الخامسة، مصر، د. ت، 28 /29.\r(5)-المصدر السابق.\r(6)-إيضاح المبهم من معاني السلم في المنطق، (أحمد الدمنهوري، المطبعة الميمنية مصر 1308ه‍) الصفحة السابعة، ولهذا الكتاب طبعة ثانية ظهرت في مكة سنة 1312ه‍.\r(7)-المحصول، (مخطوط قيد النشر) لفخر الدين الرازي، الباب الرابع في أحكام الترادف والتوكيد.\r(8)-المزهر للسيوطي 1 /405 -406.\r(9)-إيضاح المبهم: 17.\r(10)-مناهج البحث، النشار، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، 1947: 33.\r(11)-الكتاب المعتبر في الحكمة، أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البغدادي (ت 547ه‍) الطبعة الأولى، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، 1357ه‍، 1 /6.","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"بين اللازم و المتعدي ـــ د.عمر مصطفى(*)\r\rإن لزوم الأفعال أو تعديها ليس محصوراً في اللغة العربية فحسب، بل إن اللغات الأخرى قد عرفت ذلك أيضاً، وهو من جملة أمور تلتقي عندها اللغات الإنسانية، وهذا البحث يدرس حقيقة هذين المعنيين في الأفعال محاولاً كشف معايير ذلك، وإن كان هذا الأمر سماعياً في أصله، لأنَّ ما كانت قاعدته السماع لا ينتفي تحليله ودراسته للوصول إلى ما يلبي احتياجات تعلُّم اللغة.\rفما الذي جعل \"ذهب\" فعلاً لازماً، و\"كتب\" فعلاً متعدياً؟ وهذا هو المفهوم اليسير لمعنى التعدي واللزوم، ولعلَّ الأفعال كلَّها لازمة ومتعدية، والخلاف في التعدي إلى مفعول أو مفعولات، واللزوم أن يتعدى الفعل إلى الثاني بحرف وكذا الثالث، نحو: \"كتب خالد مقالة في دفتره بالقلم\" أو \"كتب سامر مقالة في حاسوبه\"، فالقلم أداة الكتابة، لكنه واقع تحت تأثير هذا الحدث، فهو بمعنى الطريق في نحو: \"وقف عليٌّ على الطريق\"، لأنَّ التسليم بأن لكل فعل فاعلاً نصٌّ في أن الفاعل لا معنى له بلا مفعول، لأنَّ وجود الفاعل دليلٌ على وجود المفعول، مع حرية التفكير في كيفية العلاقة بين الفعل والمفعول.\rإن معنى الحدث هو الأصل في مفهوم المفعولية التي يقتضيها، وإن تأثير الفعل اللازم لا يصل إلى المفعول وحده، وإنما يحتاج إلى ما يُعنيه على الوصول إلى ذلك، لكن هذا لا يمنع من كونه أخذ مفعولاً، وإن كانت الصناعة تقتضي أن يُتوصل إلى ذلك بمساعدة حرف، ولكن ما الذي جعل هذا الحدَّ يظهر بين هذين المعنيين؟ إن حالة الحدث وقت حدوثه هي التي تبيِّن ذلك، وتجعل الفعل لازماً أو متعدياً، ولاسيما أن الفعل نفسه قد يكون متعدياً في سياق، ولازماً في سياق آخر.","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"قال سيبويه: \"هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين، فإن شئت اقتصرت على المفعول الأول، وإن شئت تعدى إلى الثاني كما تعدى إلى الأول، وذلك قولك: أعطى عبد الله زيداً درهماً، وكسوت بشراً الثياب الجياد، ومن ذلك: اخترت الرجالَ عبدَ الله، ومثل ذلك قوله عز وجل: { واختار موسى قومه سبعين رجلاً } ([1]).\rوإنما فُصلَ هذا أنها أفعال تُوصل بحروف الإضافة، فتقول اخترت فلاناً من الرجال... ومثل ذلك قول المتلمّس([2]):\r\rآليْتَ حَبَّ العراقِ الدهرَ أطعَمُهُ\r\rوالحَبُّ يأكلُه في القرية السوسُ\r\rيريد: على حَبِّ العراق...\rفهذه الحروف([3]) كان أصلها في الاستعمال أن توصل بحرف الإضافة([4]).\rوهذا دليل على أن الفعل اللازم نصب مفعولاً، وإن كان يسمى منصوباً بنزع الخافض، لأنَّ هذا النزع ليس عاملاً في الأصل، وإنما النصب يأتي من فاعلية الحدث وتمكُّنه بدليل أن من شرط المفعول معه أن يتقدَّمه حدث، وذلك لتسويغ كونه مفعولاً، قال ابن هشام: \"والثالث: أن تكون الواو مسبوقة بفعل، أو ما فيه معنى الفعل وحروفه\"([5]).\rقال سيبويه: \"وأما هذا لك وأباك؛ فقبيح أن تنصب الأبَ، لأنَّه لم يذكر فعلاً ولا حرفاً فيه معنى فعلٍ، كأنه قد تكلَّم بالفعل\"([6]).","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"فالمفعول من متمِّمات الفاعل ليحسن فهمُه، لأنَّ صيغة اسم الفاعل لا تتأتَّى بتمام معناها إلا إذا استندت إلى صيغة اسم المفعول، فأنت لا تقول: قاتل، إلا إذا كان ثمَّة مقتول، فالقاتل والمقتول اسمان لا ينفصلان من حيث المعنى، وكذا كاتب ومكتوب، وفاعل ومفعول، وأثر الحدوث في الوقوع يحدِّد كلاً منهما، ويبيِّن الصيغة الموضوعية (التداخلية) بينهما، حتَّى إن بعض الكوفيين يرى أن الناصب للمفعول هو الفاعل([7])، وأنكرَ ذلك البصريون، ولكن إذا سلَّمنا بما ذهب إليه بعض الكوفيين؛ فيمكن التساؤل: أين أثرُ الفاعل عندما يكون الفعل لازماً؟ وقد يقول قائل: إنَّ أثر الفعل اللازم وقف عند حدِّ الفاعل، وهو قولٌ جارٍ على رأي البصريين، لكن ما يقول مَن قوله جارٍ على رأي بعض الكوفيين.\rقال الأنباري: \"ذهب الكوفيون إلى أن العامل في المفعول النصبَ الفعلُ والفاعل جميعاً، نحو \"ضربَ زيد عمراً\"، وذهب بعضهم إلى أن العامل هو الفاعل،ونصَّ هشام بن معاوية صاحب الكسائي على أنك إذا قلت: \"ظننت زيداً قائماً\" تنصب زيداً بالتاء وقائماً بالظن، وذهب خلفٌ الأحمر من الكوفيين إلى أن العامل في المفعول معنى المفعولية، والعامل في الفاعل معنى الفاعلية.\rوذهب البصريون إلى أن الفعل وحده عمل في الفاعل والمفعول جميعاً، أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنَّما قلنا: إن العاملَ في المفعول النصبَ الفعلُ والفاعل، وذلك لأنَّه لا يكون مفعول إلا بعد فعل وفاعل، لفظاً أو تقديراً، إلا أن الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد([8]).","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنَّما قلنا: إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل، وذلك لأن أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، أما الفاعل فلا تأثير به في العمل، لأنَّه اسم، والأصلُ في الأسماء أن لا تعمل، وهو باقٍ على أصله في الاسمية، فوجب أن لا يكون له تأثير في العمل، وإضافة ما لا تأثير له في العمل إلى ما له تأثير ينبغي أن يكون لا تأثير له\"([9]).\rومتحصّل الأمر أن العلاقة التي تربط الفعل ذات أثر وتأثير، وهذا التأثير يحتاج إلى مفعول، بصرف النظر عن الناصب الحقيقي للمفعول، فالعلاقة الناظمة لهذين الأمرين هي التي تكوِّن الجملة الفعلية، إذ بهما تقوم الجملة الفعلية، وتتحقق علاقة الإسناد.\rإن سلَّمنا بأن الرافع للفاعل هو الفعل، وأنَّ الناصب للمفعول هو الفعل؛ فعلينا أن نسلّم أن هذا التأثير الذي يرفع الفاعل وينصب المفعول ثابت في الاسمين معاً، وإلا... فما معنى أن يرفع الفعل الفاعل دائماً، وينصب المفعول حيناً ولا ينصب حيناً آخر، فالتسليم بتأثير العلاقة بين الفعل والفاعل تسليمٌ بأن ظهورها يكون على المفعول، وأما كون المفعول به صريحاً أو غير صريح، فهذا يدخل في أثر الإعراب المباشر، ولا ينفي وجود المفعولية في المعنى.\rوالعبارة الجيدة في هذا السياق أن تقول: إنَّ الناصب للمفعول به ليس الفعل وحده، ولا الفاعل وحده، ولا الفعل والفاعل معاً، وإنما علاقة الفعل بالفاعل وتأثير ذلك في المفعول، ولاسيما أنهما يكونان علاقة الإسناد في الجملة الفعلية، وفي إعراب الكلمة حالاً دليلٌ على ذلك، نحو: \"جاء زيد مبتسماً\"، إذ إنَّ الفاعل هو صاحب الحال، والعامل في نصبه هو الفعل، والحقيقة لا معنى للحال بلا صاحبه، والنصب من علاقة الفعل والفاعل، ولا نصب من غير الفعل والفاعل معاً.","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"ومَن قال: إن نصب الحال من تأثير الفعل جرى على ما أراده البصريون من جعل الفعل هو العامل الحقيقي في المنصوب، أو ما له تأثير الفعل، وهذا الكلام نصٌّ في الحقيقة لو فُهم على أن تأثير الحدث ليس مجرداً، والحدث المجرد لا تأثير له، وإنما التأثير من العلاقة الإسنادية، فالأمور المجردة لا معنى لها، ومعانيها تتأتَّى من سياقها، وهو أشبه بنار تخرج من ضرب حجرين ببعضهما، إذ الحجر الواحد لا يقوى على ذلك، ولكنَّ العلاقة بين هذين العنصرين تخرج هذه النار، فالتأثير حصل من علاقتهما، وليس من أحدهما فقط، وهذا يقودنا إلى القول: إن المنطق الذي يفرض فاعلاً لأي فعل، يفرض أيضاً مفعولاً لأي فعل وفاعل.\rلكن ما معيار أن يكون هذا المفعول منصوباً، نحو: \"كتب زيد رواية\"، أو مجروراً بحرف، نحو: \"لعب زيد بالكرة\"، فالكرة من حيث المعنى هي المفعول الذي وقع عليه حدث اللعب، غير أن هذا الحدث لا يقع على المفعول وحده، وإنما يحتاج إلى من يوقعه وهو الفاعل، فمعنى اللعب المجرد لا قيمة له، أو لا أثرَ له، لكن اللعب الواقع بتأثير اللاعب في المفعول هو الذي يؤثر في الكلمات، ويسميها بمسمياتها الوظيفية في السياق.\rوما يدلُّ على أن الفعل متعدٍّ ـ وإن كان لازماً ـ قول ابن جني: \"واعلم أن الفعل إذا أوصله حرف الجر إلى الاسم الذي بعده، وجره الحرف؛ فإن الجار والمجرور جميعاً في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما، وذلك قولك: \"مررت بزيد\"، فـ\"زيد\" مجرور، و\"بزيد\" جميعاً في موضع نصب\"([10])، وقوله في سياق آخر: \"الفعل في التعدي إلى المفعول به على ضربين: فعل متعدٍّ بنفسه، وفعل متعدٍّ بحرف جر، فالمتعدي بحرف الجر نحو قولك: \"مررت بزيد ونظرت إلى عمرو وعجبت من بكر\"، ولو قلت: \"مررت زيداً وعجبت بكراً\"، فحذفت حرف الجر لم يجز ذلك إلا في ضرورة شعر، غير أن الجار والمجرور جميعاً في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما\"([11]).","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"وأنَّه يُعدّى بأحد ثلاثة أشياء، ذكرها الحريري بقوله: \"فإن أردت تعدية الفعل عدَّيته بأحد ثلاثة أشياء: إما بهمزة النقل كقولك في \"خرج\": \"أخرجته\"، وإما بتضعيف عين الفعل كقولك في \"فرح\": \"فرَّحته\"، وإما بحرف الجر كقولك في \"ذهب\": \"ذهبتُ بزيد\"، أي: \"أذهبته\"([12]).\rوفي موضح آخر قال: \"وقد يقع المفعول الثاني في هذا القسم([13]) جاراً ومجروراً، كقولك: \"اخترت عمراً من الرجال، وجعلت المتاع في الوعاء\"([14]).\rقال العلائي الدمشقي: كما أن الفعل اللازم إذا قوي بالهمزة عمل النصب، والعمل ليس للهمزة، بل للفعل بتقوية الحرف إياه\"([15]).\rفما الذي جعل الأفعالَ اللازمة ضعيفة، والمتعدية قوية؟ قد تكون المسألة محصورة في تلك العلاقة بين الفعل وفاعله، أو في معنى الفعل نفسه، نحو: \"ابتسم زيد\"، فالعلاقة بين الفعل والفاعل، أي بين الابتسام وصاحبه، يجعل الفاعل لا يتمايز بوضوح عن المفعول، فـ\"زيد\" في المثال فاعل، وفي المعنى يمكن أن يكون مفعولاً بالإضافة إلى كونه فاعلاً، فعندما يتحد المعنيان يقوم الفاعل مقام نفسه ومقام المفعول معاً، فيصبح الفعل لازماً، وذلك إذا سلَّمنا بهذا المعنى، ولذلك لا ينتظر السامع كلاماً آخر بعد قولنا: \"ابتسم زيد\"، لكنه ينتظر إذا قلنا: \"كتب زيد\"، إلا إذا كان السياق لا يحتاج إلى غير ذلك، وهذه مسألة أخرى، وبها تختلف جهة الكلام.\rإنَّ لكلِّ جملة اكتفى بها السياق أصلاً تُذكر فيه عناصر الكلام كافةً، يُسكت عن بعضها لعدم لزومه، ولاكتفاء السياق بما ذُكر عمَّا أُغفل، فذكرُ الحدث يعني أنَّ لحدوثه فاعلاً ومفعولاً وزماناً ومكاناً وغيرَ ذلك، ولفاعله حالة تدلّ عليه، وكذا لمفعوله، وشدة حدوث الفعل، وسببه، وكل ما يمكن أن يتعلق بهذا الحدث، لأنَّه الأصل الذي أقيم عليه بنيان المعنى بتمامه.","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"وما يتطلبه المعنى المرادُ في السياق يُذكر، وما لا حاجة إليه لا يُذكر، وهذا لا يعني أنَّ ما لم يذكر في طور العدم، بدليل أنه قد يُذكر متى احتاج إليه السياق، فالسياق هو الذي يحدّد العناصر التي تُقيمه، فتذكر، وما لا تفيده، فتغفل، لأنها حشو فيه، وكلُّ ما هو حشو يكون زيادة في سياقه.\rقال أبو البركات الأنباري: \"إن قال قائل ما العامل في المفعول له النصبَ؟ قيل العامل في المفعول له الفعل الذي قبله، نحو: \"جئتك طمعاً في برّك، وقصدتك ابتغاء معروفك\"، وكان الأصل فيه جئتك للطمع في برك، وقصدتك لابتغاء معروفك، إلا أنه حذف اللام، فاتصل الفعل به، فنصبه، فإن قيل: فلمَ تعدى إليه الفعل اللازم كالمتعدي؟ قيل: لأنَّ العاقل لما كان لا يفعل شيئاً إلا لعلة، وهي علة للفعل وعذر لوقوعه، كان في الفعل دلالة عليه، فلما كان فيه دلالة عليه تعدى إليه\"([16]).\rوهذا الكلام يعني ـ بلا شكٍّ ـ أن كل فاعل يفعل فعله لعلَّة معينة، وكان الأصل أن تُذكر في السياق، ولكنها أُغفلت لعدم الحاجة إليها، فهي بهذا المعنى بحكم الموجودة، وكذا حال الفاعل، يبيِّن ذلك قول أبي البركات: \"فإن قيل: فلمَ عمل الفعل اللازم في الحال؟ قيل: لأنَّ الفاعل لما كان لا يفعل الفعل إلا في حالة، كان في الفعل دلالةٌ على الحال، فتعدَّى إليها كما تعدى إلى ظرف الزمان، لما كان في الفعل دلالةٌ عليه\"([17]).\rوفي هذا السياق قال أبو البقاء: \"من شرط المفعول له أن يكون مصدراً يصح تقديره باللام التي يعلل بها الفعل، والمفعول له هو الغرض الحامل على الفعل، ولما كان كلُّ حكيم وعاقل لا يفعل الفعل إلا لغرض، جعل ذلك الغرض مفعولاً من أجله، وهو منصوب بالفعل الذي قبله لازماً أو متعدياً، لأنَّ الفعل يحتاج إليه كاحتياجه إلى الظرف\"([18]).","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"فاللازم هو الفعل الذي لا يتعدَّى إلى المفعول لا بنفسه ولا بالحرف، قال ابن عقيل: \"اللازم هو: ما ليس بمتعدّ، وهو: ما لا يتصل به هاء ضمير غير المصدر، ويتحتم اللزوم لكل فعل دالٍ على سجيَّة ـ وهي الطبيعة ـ نحو: \"شَرُفَ، وكَرُمَ، وظَرُفَ، ونَهِم\"، وكذا كل فعل على وزن افعللَّ، نحو: \"اقشعرَّ واطمأنَّ\"، أو على وزن افعَنلَلَ، نحو: \"اقعَنسَسَ، واحرنجم\"، أو دلَّ على نظافة كـ\"طَهُرَ الثوب، ونَظُفَ\"، أو على دَنَس كـ\"دَنِسَ الثوب ووسخ\" أو دلَّ على عَرَض، نحو: \"مرض زيد، واحمرَّ\"، أو كان مطاوعاً لما تعدَّى إلى مفعول واحد، نحو: \"مددتُ الحديد فامتدَّ، ودحرجت زيداً فتدحرج\"، واحترز بقوله: \"لواحد\"، ممَّا طاوع المتعدي إلى اثنين، فإنه لا يكون لازماً، بل يكون متعدياً إلى مفعول واحد، \"فهَّمت زيداً المسألة ففهمها، وعلَّمته النحو فتعلَّمه\"([19]).\rوبهذا يتبين أن الفعل المتعدي إلى مفعولين أصبح متعدياً إلى واحد، وهو لازم بالنظر إلى المفعول الثاني، فالفعل المتعدي إلى واحد متعدّ بالنسبة إلى الفعل الذي لم يتعدَّ إلى مفعول، وهو لازم بالنظر إلى الفعل المتعدي إلى اثنين، وكذا الفعل المتعدي إلى اثنين، فالأفعال كلُّها إذا دخل في متعلَّقاتها حروف جرّ، وليس ثمّة فعل لازم بالمعنى المعروف للزوم، لأنَّ تأثيره وصل إلى مفعوله، ولو كان بمساعدة الحرف، فالفعل دائماً متعد، إلا إذا اتَّحد الفاعل والمفعول بالنسبة إلى حقيقة العلاقة بين الفعل وتأثيره.","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"فلو نظرنا في قولنا: \"مرض زيد\"، نجد أن فهم العلاقة بين المرض والمريض يجعل الفعل لازماً من حيث الصناعة، لأنَّ الفاعل هو المفعول، وكذا الأمثلة الأخرى، والوقوف على مثال يخالف ذلك، لا يلغي الفرض المتأتِّي من ذلك، وقولهم: الفعل الضعيف والفعل القوي، يحتاج إلى إعادة نظر، إذ أن الضعف والقوة في هذا السياق ليست ثابتة، بل هي نسبية بين فعل وآخر، إن تجانس الحروف واحد في اللازم والمتعدي، وكذلك توزعها، وليس ثمة ما يجعلنا نتفهَّم حقيقة ذلك سوى النظر الدقيق في حقيقة العلاقة بين الحدث وتأثيره.\rولا خلاف بين النحويين في أن موضع الجار والمجرور نصبٌ بالفعل، وهذا يعني أن للحدث تأثيراً في المعنى، ولم يظهر بنحو مباشر على المفعول، لكنه يحتاج إلى مفعول كاحتياجه إلى فاعل، قال ابن يعيش: \"واعلم أن حرف الجر إذا دخل على الاسم المجرور، فيكون موضع الحرف الجار والاسم المجرور نصباً بالفعل المتقدِّم، يدل على ذلك أمران، أحدهما: أن عبرة الفعل المتعدي بحرف الجر عبرة ما يتعدى بنفسه، إذا كان في معناه، ألا ترى أن قولك\" \"مررت بزيد\"، معناه كمعنى \"جزت زيداً\"، و\"انصرفت عن خالد\"، كقولك: \"جاوزت خالداً\".","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"فكما أنَّ ما بعد الأفعال المتعدية بأنفسها منصوب، فكذلك ما كان في معناها ممَّا يتعدى بحرف الجر، لأنَّه الاقتضاء واحد، إلا أن هذه الأفعال ضعفت في الاستعمال، فافتقرت إلى مقوٍّ، والأمر الآخر من جهة اللفظ، فإنك قد تنصب ما عطفته، على الجار والمجرور، نحو قولك: \"مررت بزيد وعمراً\"، وإن شئت \"وعمرو\" بالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، وكذلك الصفة نحو: \"مررت بزيد الظريفَ\"، بالنصب، و\"الظريفِ\" بالخفض، فهذا يؤذن بأن الجار والمجرور في موضع نصب، ولذلك قال سيبويه([20]): \"إنك إذا قلت: \"مررت بزيد\"، فكأنك قلت: \"مررت زيداً\"، يريد أنه لو كان ممَّا يجوز أن يستعمل بغير حرف جرـ لكان منصوباً، وجملة الأمر أن حرف الجر يتنزل منزلة جزء من الاسم من حيث كان وما بعده في موضع نصب، وبمنزلة جزء من الفعل من حيث تعدى به، فصار حرف الجر بمنزله الهمزة والتضعيف، نحو: \"أذهبت زيداً، وفرَّحته\"([21]).\rإنَّ نصبَ الاسم بـ\"أذهبت\" دليلٌ على أن في فعل \"ذهب\" ما يستوجب النصب حقيقة، لكنَّ الاستعمال هو ما عدّاه بالحرف لا بنفسه، وهذا لا يدفع أن فيه ما يحتاج إلى مفعول، كما يحتاج إلى فاعل.\rوقد لا يكون المفعول ظاهراً، وهذا يؤدي إلى دخول الحرف لتقوية المفعولية فيه، ففي قولنا: \"ذهب زيد إلى السوق\"، فقدانُ المفهوم الواضح للمفعولية، وذلك بسبب تأثير حدث الذهاب، فالفاعل في هذه الجملة قد يكون مفعولاً، والتفكُّر في ذلك مدعاة إليه، وكذا \"وصل زيد إلى السوق\"، فأين المفعول الذي تأثر بالحدث، هل هو السوق، أو الطريق التي يسير عليها، أو السيارة التي يمتطيها، والحقُّ أنه زيد نفسه، فهو الفاعل والمفعول.","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"فإذا قيل: لماذا لم يظهر المفعول بدلاً من الفاعل، قلت: لأنَّه الذي يحقق علاقة الإسناد أولاً، ولأن رتبته هي الأولى، ولأن حركته الضمة، والاسم موجود حالة وجوده بالرفع، وهذا ما جعل المبتدأ مرفوعاً، والعامل فيه الابتداء، لأنَّ عامل الابتداء يحدث الرفع في الكلمة، وعلامته الضمة، ولهذا كله كان الفاعل هو الأَولى في الظهور، وإن كان يدل على الاسمين معاً.\rوهذا يقودنا إلى الكلام على أصل هذين المعنيين في الفعل، فهل كان الفعل متعدياً ثمَّ أصبح لازماً بسبب الاستعمال، وأن الحرف في حقيقته يدلُّ على الاختصار؟ قال ابن جني: \"أخبرنا أبو علي رحمه الله، قال: قال أبو بكر حذف الحروف ليس بالقياس، قال: وذلك أنَّ الحروف إنَّما دخلت الكلام لضرب من الاختصار، فلو ذهبت تحذفها؛ لكنت مختصراً لها هي أيضاً، واختصار المختصر إجحاف به. تمت الحكاية.","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"وتفسير قوله: \"إنَّما دخلت الكلام لضرب من الاختصار\"، هو أنك إذا قلت: \"ما قام زيد:، فقد أغنت \"ما\" عن أ\"نفى\"، وهي جملة فعل وفاعل، وإذا قلت: \"قام القوم إلا زيداً\"، فقد نابت \"إلا\" عن أستثني\"، وهي فعل وفاعل، وإذا قلت: \"قام زيد وعمرو\"، فقد نابت الواو عن \"أعطف\"، وإذا قلت: \"ليت لي مالاً\"، فقد نابت \"ليت\" عن \"أتمنى\"، وإذا قلت: \"هل قام أخوك\"، فقد نابت \"هل\" عن \"أستفهم\"، وإذا قلت: \"ليس زيد بقائم\"، فقد نابت الباء عن \"حقاً وألبته وغير ذي شكّ\"، وإذا قلت: { فبما نقضهم ميثاقهم } ([22])، فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم فعلنا كذا حقاً أو يقيناً، وإذا قلت: \"أمسكت بالحبل\"، فقد نابت الباء عن قولك: \"أمسكته مباشراً له وملاصقة يدي له\"، وإذا قلت: \"أكلت من الطعام\"، فقد نابت \"من\" عن البعض أي: أكلت بعض الطعام، وكذلك بقية ما لم نسمعه، فإذا كانت هذه الحروف نوائب هما هو أكثر منها من الجمل وغيرها، لم يجز من بعد ذا أن تتخرق عليها فتنتهكها، وتجحف بها، ولأجل ما ذكرنا من إرادة الاختصار بها، لم يجز أن تعمل في شيء من الفضلات الظرف والحال والتمييز والاستثناء وغير ذلك، وعلّته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل ضرب من الاختصار، فلو ذهبوا يعملونها فيما بعد، لنقضوا ما أجمعوه، وتراجعوا عمَّا اعتزموه\"([23]).","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"وفي ما تقدَّم من كلام لابن جني إشارة ظاهرة إلى ما ذهب البحث إليه، ولاسيما أن الحرف في حقيقته لا محلَّ له من الإعراب، فإذا قيل: إن هذا يجري على الفعل نفسه، قلت: إن الفعل ـ وإن كان يلتقي مع الحرف في هذا ـ معرِبٌ عن حقيقته باسمه، وهذا لا يتأتَّى للحرف، لأنَّ معناه يتأتَّى من غيره، فكونه لا محل له من الإعراب دليلٌ على ذلك، بالإضافة إلى أمر الاختصار الذي سبق ذكره، وكلُّ ما هو مختصر أصلٌ لخلافه، فالباء الجارة أغنت عن كلام قد يطول، وكذا غيرها، وهذا قد يفيد في سبيل القول: إن دخول حرف الجر في اللغة كان في وقت متأخر، ليكون سبيلاً إلى الاختصار، واللغة تتطور بالتعبير عن المعاني الكثيرة بأقل عدد ممكن من الكلمات، وعلى هذا فُهمت البلاغة العربية، وغير ذلك من تنوع الأساليب.\rإذاً، فاللغة لا تعرف الاختصار إلا بعد مدة غير يسيرة من استعمالها، لأنَّه دليل تطورها، وهذا لا يأتي دفعة واحدة ولكن شيئاً فشيئاً، وإذا كنا نوافق ابن جني في أن الحرف دليل على استغناء اللغة عن كلام مطوَّل؛ فإننا لا نوافقه في أن اللغة عرفت الأجناس الثلاثة في وقت واحد، لأن هذا يخالف طبيعتها، ويجافي سجية مستعمليها، واللغة في أيامنا هذه تقدم دليلاً واقعياً على ذلك، إذ إنها تميل إلى شدة الاختزال لتستطيع اللحاق بالمعاني المستجدة بسبب تقدَّم الإنسان في الصُّعد كافة.\rقال ابن جني: \"فأمَّا أيُّ الأجناس الثلاثة تقدم؟ أعني الأسماء والأفعال والحروف، فليس ما نحن عليه في شيء، وإنما كلامنا هنا هل وقع جميعها في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة وشيئاً بعد شيء وصدراً بعد صدر؟ وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى هاهنا، فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء والأفعال والحروف، فإنه من أماكنه وأوقاته.","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"اعلم أنَّ أبا علي رحمه الله كان يذهب إلى أنَّ هذه اللغة ـ أعني ما سبق منها ثمَّ لحق به ما بعده ـ إنَّما وقع كلُّ صدر منها في زمان واحد، وإن كان تقدم شيء منها على صاحبه، فليس بواجب أن يكون المتقدِّم على الفعل الاسمُ، ولا أن يكون المتقدِّم على الحرف الفعلُ، وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل والفعلُ قبل الحرف.\rوإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان، فأمَّا الزمان؟ فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدَّموا الاسم قبل الفعل، ويجوز أن يكونوا قدَّموا الفعل في الوضع قبل الاسم، وكذلك الحرف، وذلك أنَّهم وزنوا حينئذ أحوالهم، وعرفوا مصاير أمورهم، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني، وأنها لا بد لها من الأسماء والأفعال والحروف، فلا عليهم بأيِّها بدؤوا بالاسم أم بالفعل أم بالحرف، لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهن جمع، إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن، هذا مذهب أبي علي، وبه كان يأخذ ويفتي.\rوهذا يضيِّق الطريق على أبي إسحاق وأبي بكر في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل، وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غُيِّر لكثرة استعماله، إنَّما تصورته العرب قبل وضعه، وعلمت أنه لابدَّ من كثرة استعمالها إياه، فابتدؤوا بتغييره، علماً بأن لابدَّ من كثرته الداعية إلى تغييره، وهذا في المعنى كقوله([24]):\rرأى الأمر يفضي إلى آخر فصيَّر آخرهُ أوَّلاً\rوالقول عندي هو الأول، أنه أدلُّ على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها\"([25]).","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"ثمَّ قال: \"فإن قلت: هلا ذهب إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان، كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدؤوا بالأسماء، لأنها عبارات عن الأشياء، ثمَّ يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال، ثمَّ جاؤوا فيما بعد بالحروف، لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها واستقلالها بأنفسها، نحو: \"إن زيداً أخوك وليت عمراً عندك وبحسبك أن تكون كذا\"، قيل: يمنع من هذا أشياء، منها: وجود أسماء مشتقة من الأفعال، نحو: قائم من قام، ومنطلق من انطلق، ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله، نحو: ضرب فهو ضارب، وقام فهو قائم، وناوم فهو مناوم، فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقاً من الفعل، فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقاً منه، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه، وأيضاً فإن المصدر مشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم، وأيضاً فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي، وأيضاً فإن كثيراً من الأفعال مشتق من الحروف، نحو قولهم: \"سألتك حاجة فلوليت لي\"، أي قلت لي: \"لولا\"، و\"سألتك حاجة فلاليت لي\"، أي قلت لا: \"لا\"، واشتقوا أيضاً المصدر ـ وهو اسم ـ من الحرف، فقالوا: \"اللالاة واللولاة\"، وإن كان الحرف متأخراً في الرتبة عن الأصلين قبله الاسم والفعل، وكذلك قالوا: \"سوفت الرجل\"، أي قلت له: \"سوف\"، وهذا فعل كما ترى مأخوذ من الحرف\"([26]).","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"ثمَّ خلص إلى قوله: \"فقد علمت بما قدمناه وهضبنا ( أي: أفَضْنَا) فيه قوة تداخل الأصول الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمازجها وتقدم بعضها على بعض تارة وتأخرها عنه أخرى، فلهذا ذهب أبو علي رحمه الله إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة، كالرقم تضعه على المرقوم، والميسم يباشر به صفحة الموسوم لا يحكم لشيء منه بتقدم في الزمان، وإن اختلفت بما فيه من الصنعة القوة والضعف في الأحوال\"([27]).\rغير أن هذا الكلام لا يمنع من أن المعاني ما كانت تستدعي وجود هذا الحرف سابقاً، لأنها عرضة للتغير أولاً والتطور ثانياً، فاللغة تتبع المعاني، وليست المعاني تابعة للغة، فأبو علي يقول: \"إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن\"، وكلامه نصٌّ في الحقيقة إذا سلَّمنا بأن المعاني وُلدت في اللغة دفعة واحدة، وهذا ممَّا يخالفه الواقع اللغوي في حقب اللغة المختلفة، وما يدلُّ على ذلك ما يُستحدث من المعاني الجديد التي ما كانت اللغة تعرفها، وهي كثيرة.\rوأمَّا أمرُ أنَّ عدداً من الأفعال أُخذ من الحروف؛ فيردُّه أن هذا الاشتقاق لا يعدُّ أصلاً، بل قد تكون اللغة عرفت ذلك في مرحلة معينة، ومما يقوِّي هذا أن ذلك محدود، وهو غير مقيس، والتداخل حصل فيما بعد.\rفاللغة عرفت اللازم في وقت متأخر، يقوِّي ذلك ثلاثة أمور:\r\rأولها: أنَّ المعاني لم تولد في اللغة دفعة واحدة، وإنما جاءت متتابعة.\rثانيهاً: أنَّ الحرف لا محلَّ له من الإعراب، وما لا محلَّ له لا قيمة له في السياق الأصلي للغة.\rثالثها: أن اللازم يتعدى بالحرف، وهو دليل على مرحلة اختزال، عرفتها اللغة.\rوقد خلص البحث إلى عدد من النتائج، أهمها:\rـ أن التسليم بأن لكل فعل فاعلاً نصٌّ في أن الفاعل لا معنى له بلا مفعول، إذ إن وجود الفاعل دليلٌ على وجود المفعول، مع حرية التفكير في كيفية العلاقة بين الفعل والمفعول.","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"ـ أن المفعول من متمِّمات الفاعل ليحسن فهمُه، لأنَّ صيغة اسم الفاعل لا تتأتَّى بتمام معناها إلا إذا استندت إلى صيغة اسم المفعول، فأثرُ الحدث في الوقوع يحدِّد كلاً من الفاعل والمفعول، ويبيِّن الصيغة التداخلية بينهما.\rـ أننا إذا سلَّمنا بأن الفعل هو الرافع للفاعل وهو الناصب للمفعول؛ فعلينا أن نسلّم أن هذا التأثير الذي يرفع الفاعل وينصب المفعول ثابت في الاسمين معاً، فالتسليم بتأثير العلاقة بين الفعل والفاعل تسليمٌ بأن َّ ظهورها يكون على المفعول، وأما كون المفعول به صريحاً أو غير صريح، فهذا يدخل في أثر الإعراب المباشر، ولا ينفي وجود المفعولية في المعنى.\rـ أنَّ الناصب للمفعول به ليس الفعل وحده، ولا الفاعل وحده، ولا الفعل والفاعل معاً، وإنما علاقة الفعل بالفاعل وتأثير ذلك في المفعول، ولاسيما أنهما يكونان علاقة الإسناد في الجملة الفعلية.\rـ أن العلاقة بين الفعل والفاعل في حال كون الفعل لازماً، تجعل الفاعل لا يتمايز بوضوح عن المفعول، فالفاعل قد يكون في المعنى مفعولاً، بالإضافة إلى كونه فاعلاً، فعندما يتحد المعنيان يقوم الفاعل مقام نفسه ومقام المفعول معاً.\rـ أن نزع الخافض ليس عاملاً في الأصل، وإنما النصب يأتي من فاعلية الحدث وتمكُّنه.\rـ أنَّ لكلِّ جملة اكتفى السياق بها أصلاً تُذكر فيه عناصر الكلام كافةً، يُسكت عن بعضها لعدم لزومه، ولاكتفاء السياق بما ذُكر عمَّا أُغفل.\rـ أنَّ الأفعال كلَّها لازمة إذا دخل في متعلّقاتها حروف جرّ، وليس ثمة فعل لازم بالمعنى المعروف للزوم، لأنَّ تأثيره وصل إلى مفعوله، ولو كان بمساعدة الحرف، فالفعل دائماً متعدِّ، إلا إذا اتَّحد الفاعل والمفعول بالنسبة إلى حقيقة العلاقة بين الفعل وتأثيره.","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"ـ أنَّ نصبَ الاسم بـ\"أذهبت\" دليلٌ على أن في فعل \"ذهب\" ما يستوجب النصب حقيقة، لكنَّ الاستعمال هو ما عدّاه بالحرف لا بنفسه، وهذا لا يدفع أن فيه ما يحتاج إلى مفعول، كما يحتاج إلى فاعل.\rـ أنَّ دخول حرف الجر في اللغة كان في وقت متأخر، ليكون سبيلاً إلى الاختصار، واللغة تتطور بالتعبير عن المعاني الكثيرة بأقل عدد ممكن من الكلمات، وعلى هذا فُهمت البلاغة العربية، وغير ذلك من تنوع الأساليب.\rـ أنَّ اللغة لا تعرف الاختصار إلا بعد مدة غير يسيرة من استعمالها، لأنَّه دليل على تطورها، وهذا لا يأتي دفعة واحدة ولكن شيئاً فشيئاً، فإن كانت المعاني تستدعي وجود الحرف سابقاً، فذلك لأنها عرضة للتغيير والتطور، فاللغة تتبع المعاني، وليست المعاني تابعة للغة، ولهذا عرفت اللازم في وقت متأخر.\rالمصادر والمراجع:\r1 ـ أسرار العربية، للأنباري، تحقيق: د. فخر صالح قدارة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1995.\r2 ـ الإنصاف في مسائل الخلاف، للأنباري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، 1982.\r3 ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام، دار الجيل، بيروت، ط5، 1979.\r4 ـ التبيان في إعراب القرآن، للعكبري، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية.\r5 ـ الجمل في النحو، للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، دار الجيل، بيروت، ط5، 1995.\r6 ـ حروف المعاني، للزجاجي، تحقيق: د. علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1984.\r7 ـ الخصائص، ابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت.\r8 ـ رسالتان في اللغة، للرماني، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984.\r9 ـ سر صناعة الإعراب، لابن جني، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط1، 1985.\r10 ـ شرح شذور الذهب، لابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1988.","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"11 ـ شرح قطر الندى، لابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، ط11، 1383.\r12 ـ شرح المفصل، لابن يعيش، مكتبة المتنبي، القاهرة.\r13 ـ شرح ملحة الإعراب، للحريري، تحقيق: د. أحمد محمد قاسم، مكتبة دار التراث، ط2، 1991.\r14 ـ الفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي الدمشقي، تحقيق: د. حسن موسى الشاعر، دار البشير، عمان، ط1، 1990.\r15 ـ الكتاب، لسيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1988.\r16 ـ اللباب في علل البناء والإعراب، للعكبري، تحقيق: غازي طليمات، دار الفكر، دمشق، ط1، 1995.\r17 ـ اللمع في العربية، لابن جني، تحقيق: فائز فارس، دار الكتب الثقافية، الكويت، 1972.\r18 ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، تحقيق: د. مازن المبارك، محمد علي حمد الله، دار الفكر، بيروت، ط6، 1985.\r19 ـ المفصل في صنعة الإعراب، للزمخشري، تحقيق: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط1، 1993.\r\r---\r* أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية ـ جامعة دمشق.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref2([1]) الأعراف، الآية 155، وانظر شرح قطر الندى، ص201.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref3([2]) وهو في الجمل في النحو للفراهيدي، ص123، وأوضح المسالك 2/180، ومغني اللبيب، ص134، 323، 769، 784.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref4([3]) أي الكلمات.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref5([4]) سيبويه 1/37- 39.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref6([5]) شرح شذور الذهب، ص237، والثالث هو من شروط المفعول معه، والأول: أن يكون اسماً، والثاني: أن يكون واقعاً بعد الواو الدالة على المصاحبة.1","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref7([6]) سيبويه 1/310، قال ابن هشام: \"وقالوا: مراده بالقبيح الممتنع\"، شرح الشذور، ص243.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref8([7]) انظر الإنصاف 1/78.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref9([8]) وساقوا الدليل على ذلك من سبعة أوجه. انظر الإنصاف 1/79.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref10([9]) الإنصاف 1/78- 80.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref11([10]) سر صناعة الإعراب 1/130.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref12([11]) اللمع في العربية، ص51.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref13([12]) شرح ملحة الإعراب للحريري، ص166.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref14([13]) يريد القسم الثالث، وهو ما يتعدَّى إلى مفعولين.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref15([14]) شرح ملحة الإعراب للحريري، ص166.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref16([15]) الفصول المفيدة في الواو المزيدة للعلائي الدمشقي، ص198.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref17([16]) أسرار العربية، ص173.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref18([17]) أسرار العربية، ص178.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref19([18]) اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري، ص277.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref20([19]) شرح ابن عقيل 1/537.","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"http://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref21([20]) انظر سيبويه 1/92.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref22([21]) شرح المفصل لابن يعيش 8/9- 10.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref23([22]) سورة النساء، الآية 155، وانظر حرف المعاني للزجاجي، ص54، ورسالتان في اللغة للرماني، صد 37، والمفصل للزمخشري 1/424، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري 1/210.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref24([23]) الخصائص 2/274.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref25([24]) وهو في سر صناعة الإعراب 2/687.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref26([25]) الخصائص 2/30- 32.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref27([26]) الخصائص 2/33- 34.\rhttp://www.awu-dam.org/trath/99-100/turath99-100-013.htm - _ednref28([27]) نفسه 2/40.","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"كَشف الضّوّْ.. في مَعنى لَوْ عثمان النجدي ـــ حَسّان فلاح أوغلي\r\nلفتت هذه المخطوطة انتباهي، وأنا أُطالع صفحات كتاب \"فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، قسم النحو، لواضعته أسماء الحمصي. فحصلت على صورة لها، وقمت بقراءتها، وكان هذا الجهد المتواضع في قراءتها. وهي رسالة مسماة بكشف الضو في معنى لو. ولعل السجع يتطلب تخفيف الهمزة في كلمة الضوء بطريقة الحذف والتعويض بواو. ومؤلفها هو عثمان بن أحمد بن سعيد بن قائد النجدي وهو فقيه، ولد في العيينة ينجد وهو من أفاضل النجديين رحل إلى دمشق، وأخذ عن علمائها وانتقل إلى القاهرة وتوفي فيها سنة 1097هـ، 1686م من تصانيفه: \"هداية الراغب لشرح عمدة الطالب\"، \"حواشي على منتهى الإرادات\" \"رسالة في الرضاع\" وكل ذلك في فقه الحنابلة. وله \"نجاة الخلف في اعتقاد السلف\" و\"مختصر درة الغواص\". بالإضافة إلى تعليقات يسيرة. راجع معجم المؤلفين 6/249 والمخطوطة تقع في خمس لوحات (67 آ ق، 71 ن ق). واللوحة فيها قسمان وفي كل قسم تسعة عشر سطراً ما عدا الصفحة الأخيرة فإن فيها أربعة عشر سطراً.\rوقد كتبت بخط نسخي وتقول عنه أسماء الحمصي إنه جميل، وليس كذلك، بل يعد مقبولاً وهو غير مشكول. وتقول واصفة الكتاب: إن ناسخها ربما كان نفسه ناسخ رسالة أخرى، لتطابق الخط وهو حسن بن نصار الحنبلي. وقد اتسخت بعض أوراق المخطوطة ولا تعليق عليها. ويلاحظ في المخطوطة تخفيف الهمز إما تسهيلاً وإما حذفاً كما يلاحظ حذف همزة ابن، في معظم المواضع.\rوأما عملي في المخطوطة فكان:\r1-قراءة المخطوطة من جديد وردّ ما سقط منها بعد العودة إلى مصادر الكلام والأقوال.\r2-ضبط نصها بشكل سليم.\r3-تخريج الشواهد.\r4-التعريف بشكل موجز بالأعلام التي وردت فيها.\rعلى أن هناك كلاماً نقله المؤلف ولم أستطع العودة إليه. كما أن بعض الشواهد لم أجدها في مظانها.\n","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"ويحسن بي قبل أن أقدمها أن أعرف بما ورد فيها. فقد اقترنت معظم دراسات النحويين المتأخرين بمصطلحات ومناقشة منطقية، حتى إنهم ليناقشون كثيراً من أمور النحو من خلال المنطق. والرسالة التي بين يديّ والتي تبحث في \"لو\" لم تضف في الحقيقة شيئاً جديداً، وإنما حاول مؤلفها أن يناقش ابن هشام وابن مالك وابن الحاجب، أن يناقشهم كلاً في رأيه. وقد اعتمد في الرد عليهم على حجج منطقية، لذلك يحسن الوقوف في بعض المصطلحات المنطقية التي وردت فيها: أن الجملة العربية التي طرفاها المسند والمسند إليه تخضع في المنطق إلى تقسيم آخر. فالجملة الخالية من الشرط يكون المسند إليه فيها موضوعاً والمسند محمولاً. أما الجملة الشرطية التي نعرف من عناصرها الشرط والجزاء فإن أهل المنطق يسمون الشرط مقدماً والجزاء تالياً.\rومما ورد في الرسالة أيضاً كلمة \"السبب\" أو \"العلة\"(1) وهو: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. ومثاله: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً فإن \"كانت الشمس طالعة\" هو المقدم. و\"كان النهار موجوداً\" هو التالي. وطلوع الشمس علة أو سبب وجود النهار. وإنما قلنا لذاته احترازاً مما يصيب الشمس من كسوف فإنه عارض.","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"ومن يقرأ الرسالة يظن أن ثمّة خلافاً بين المؤلف وابن هشام. وحقيقة الأمر أن ابن هشام – كما سنرى – يعرف \"لو\" بأنها تفيد الشرطية وتقييد الشرطية بالزمن الماضي وامتناع الشرط خاصة. وأنه لا دلالة لها على امتناع الجواب. والمؤلف يراها حرف امتناع لامتناع وأنها تفيد بيان سبب انتفاء الجزاء عند أهل العربية، وتفيد الاستدلال على انتفاء الشرط بانتفاء الجزاء. ولو طبقنا هذين التعريفين على ما لدينا من شواهد وجدنا أن كلام ابن هشام صحيح في الحالة التي يكون الجزاء فيها أعم من الشرط كما في قولنا \"لو كان قريباً للميت لكان وارثاً. أما كلام المؤلف فينطبق في الحالة التي يتساوى فيها الجزاء والشرط في الخصوصية والعمومية كقولنا: \"لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً\".\rإذاً فالخلاف بينهما يتحرر لدى عرض الأمثلة والشواهد. فكلام كل منهما صحيح ولكن بمكانه. وهذا ما وضحه أكثر ابن تيمية في رسالته عن \"لو\" ومعناها والتي أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر(2) وبعد. فإن هذا ما استطعت عمله وقراءته، وإن قصرت في ذلك فإن النية الصالحة تشفع لي. والشكر لمن أسدى إليَّ نصيحة خلال هذا العمل. والله ولي التوفيق.\rبسم الله الرحمن الرحيم\r[67. ب]: الحمد لله الذي رزق من شاء من عباده بصحيح المباني، وسهل عليهم ما امتنع على غيرهم من مقفلات المعاني. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل من نطق بالصواب، وعلى آله وأصحابه الأنجاب، وبعد:\rفهذا تعليق لطيف على معنى (لو) لكثرة دورانها في الكلام، واضطراب الأقوال فيها بين العلماء الأعلام. وجمعته(3) تذكرة لأولي الألباب وتبصرة للإخوان والأحباب. فأقول على سبيل الاختصار، وبالله التوفيق والانتصار.","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"اعلم – وفقني الله وإياك، وتولاني (4) في جميع الأمور وتولاك – أن \"لو\" في نحو قولك: \"لو جئّتني لأكرمتك\" قد عرفت بتعاريف متعددة؛ فقال إمام العربية سيبويه(5)، رحمه الله تعالى \"(لو) حرف لما كان سيقع لوقوع غيره\"(6) فقوله: حرف لما..إلخ، أي: حرف موضوع لشيء هو الجزاء، كان من حقه في الزمن الماضي أن سيقع، ويوجد لوجود غيره، أي لوجود الشرط، وإنما قال(7): \"سيقع\" فأتى بالسين التي تخلَّص المضارع للاستقبال مع كون الجزاء مفروض الوجود في الزمن الماضي لكون وقوع الجزاء مستقبلاً بالنسبة إلى وقوع الشرط. وقد فُهم من قوله: \"كان من حقه في الماضي\" أن الجزاء لم يقع لعدم وقوع غيره، وأنها حرف شرط في الماضي، فيمكن أن يرجع تفسيره – رحمه الله تعالى – إلى أنها حرف امتناع لامتناع على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.\rوقال الإمام[1] بن(8) مالك (9)، رحمه الله: \"(لو) حرف يدل على انتفاء تال، يلزم لثبوته ثبوت تاليه(10)\". أي: حرف يدل على انتفاء الشرط وعلى أنه لو وجد الشرط وجد الجزاء.","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"والذي حرره [1] بن هشام الأنصاري(11)، وادعى أنه أجود العبارات أن يقال فيها: \"حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه(12)\"، وأشار بهذا التعريف إلى أن \"لو\" هذه تفيد ثلاثة أمور: أحدها الشرطية [والثاني تقييد الشرطية](13) بالزمن الماضي، والثالث الامتناع. وبهذين الأمرين الأخيرين فارقت (لو) (إن) الشرطية فإنها أعني (إن) لفقد السببية والمسببية في المستقبل لا تدل (14) بالإجماع على امتناع ولا ثبوت. لكن مقتضى كل من تعريفي ابن مالك وابن هشام أنها إنما تفيد امتناع الشرط خاصة ولا تدل على امتناع الجزاء ولا ثبوته غير أنه إن كان مساوياً للشرط في العموم كما في قولك: \"لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجزاء ضرورة، [أي] (15): أنه يلزم من انتفاء السبب المساوي انتفاء مسببه، وإن كان الجزاء أعم من الشرط فإنما يلزم منه(16) انتفاء القدر المساوي للشرط كما في قولك: \"لو كان هذا قريباً(17) للميت لكان وارثاً\" فتدل \"لو\" هنا على انتفاء الإرث المترتب على القرابة ولا تدل على انتفاء مطلق الإرث. وقد نسب ابن هشام هذا القول للمحققين وخرّج عليه نحو قول عمر، رضي الله عنه، \"نعمَ العبدُ صُهيبٌ، لو لم يخَفِ الله لم يعصه\"(18). فإن الجزاء هنا وهو عدم المعصية تارة يكون للخوف كما هي (19) مرتبة العوام، وتارة يكون للإجلال والمهابة كما هي مرتبة الخواص.","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"والمقصود أن صهيباً(20) رضي الله عنه من الخواص وأنه امتنعت معصيته لما معه من إجلال الله تعالى وتعظيمه، فهذا الأثر في الجزائية أعم من الشرط ثم ذكر ابن هشام، رحمه الله تعالى: \"متى كان الجزاء أعم من الشرط فهو قسمان أحدهما ما يراد فيه تقدير الجزاء وجد الشرط أو فقد، ولكنه مع فقده أولى كما في أثر عمر – رضي الله عنه – المتقدم، فإنه يدل على تقدير عدم العصيان على كل حال وعلى أن انتفاء المعصية عند الخوف أولى، والثاني(21) أن يكون الجزاء مقرراً على كل حال من غير تعرُّض لأولويةٍ نحو قوله تعالى: (ولو ردُّوا لعادوا لما نهُوا عنه((22) فإن المقصود تحقق ثبوت العود، وأما امتناع الرد فهو –وإن كان حاصلاً- غير مقصود. ثم قال ابن هشام –رحمه الله-: وقد اتضح أن أفسد تفسير \"للو\" قول من قال: حرف امتناع لامتناع. انتهى(23). وفيه نظر، لا يخفى على المتأمل، فنبين أولاً بعون الله تعالى معنى هذا التعريف الذي ادَّعى أفسديته، ثم نذكر وجه النظر ثانياً، فأقول –وبالله التوفيق- معنى هذا التعريف أن \"لو\" حرف يدل على امتناع الثاني –أعني الجزاء- لامتناع الأول- أعني الشرط، وذلك لأنها حرف يعلَّق به حصول مضمون الجزاء المعلق عليه كانتفاء الإكرام لانتفاء المجيء في قولك: \"لو جئتني لأكرمتك\" فلهذا قيل حرف امتناع لامتناع، وهذا التعريف بالمعنى المذكور هو المشهور بين الجمهور، كما نص عليه السعد التفتازاني(24)، جمعنا الله به في دار التهاني. لكن ههنا أمر يتعين التنبيه عليه وهو أن (لو) فيها اصطلاحان: أحدهما لأرباب العربية، والآخر لأهل المنطق. فأما اصطلاح أهل العربية فهو أن (لو) يؤتى بها عندهم للدلالة على أن انتفاء الجزاء في الخارج سببه هو انتفاء الشرط، فليست عندهم لإفادة انتفاء الجزاء ولا انتفاء الشرط، بل هي لبيان سبب انتفاء الجزاء، وهذا قد يكون [و] (25) شرطها وجزاؤها معلوم الانتفاء عند السامع كما تقول لشخص، تعلم أنه لا يجيئك وأنك","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"لم تكرمه [69، أ] لو جئتني أكرمتك، فإنك لا تقصد إفادته شيئاً يعلمه لما فيه من تحصيل الحاصل وإنما تقصد إفادته أن سبب انتفاء إكرامك له هو انتفاء مجيئه لك فإنه قد يتشكك في سبب عدم إكرامك له، هل هو عدم مجيئه لك أو هو قصدك حرمانه أو عدم خطوره ببالك وغير ذلك مما يجوز أن يكون سبباً في عدم الإكرام فلا يلزم من استحضار السامع لهذه الأمور وعلمه بها أن يعلم ما هو السبب منها في عدم إكرامك إياه فحينئذ تقيد له السبب بقولك: \"لو جئتني أكرمتك، أي سبب انتفاء إكرامي إياك هو عدم مجيئك إيّاي، فمعنى قولهم \"(لو) حرف امتناع لامتناع\" أنها حرف يدل على أن سبب امتناع الثاني أي الجزاء هو امتناع الشرط. ونظير هذا المعنى في (لو) قولهم في (لولا) إنها لامتناع الثاني لوجود الأول نحو: \"لولا عليٌّ لهلك عمر\"(26). فليس معناه أن وجود علي دليل على أن عمر لم يهلك، بل المعنى سبب عدم هلاك عمر هو وجود علي. ولهذا كثر(27) في \"لو\" استثناء الشرط في كلامهم كقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم((28). أي: ولكن لم أشأ ذلك فحق القول مني. وكقوله تعالى: (ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلَّم((29) أي فلم يركموهم كذلك. وكقول الحماسي(30) [من البسيط]:\rلو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهلِ بن شيبانا\rثم قال:\rلكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\rوقوله: (31) [من المتقارب]\rولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطرْ\rوقول أبي العلاء المعري(32) [من الطويل]:\rولو دامت الدولات كانوا كغيرهم رعايا ولكن ما لهن دوام\rإلى غير ذلك مما لو استقصيناه لأفضى إلى الإطالة والملل، فلنقتصر على ما ذكر وبالله التوفيق.","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"وأما اصطلاح أهل المنطق فهو أن (لو) يؤتى بها عندهم للاستدلال على انتفاء الشرط بانتفاء الجزاء، وبيان ذلك أن الشرط ملزوم والجزاء لازم. والشرط سبب والجزاء مسبب وانتفاء السبب يدل على انتفاء جميع أسبابه، إذ لو وجد منها واحد لوجد المسبب لأن السبب يلزم من وجوده الوجود ولا يلزم من عدمه العدم مطلقاً بل لذاته. مثال ذلك الإرث، فإن له أسباباً(33) ثلاثة، فيلزم من انتفاء الإرث عن شخص بلا مانع قام به انتفاء أسبابه كلها ولا يلزم من انتفاء القرابة عنه مثلاً انتفاء الإرث عنه مطلقاً، وإنما اللازم انتفاء إرثه المترتب على القرابة، ويجوز أن يكون وارثاً لكونه زوجاً أو معتقاً. والحاصل أن الشيء إذا لم يكن له إلا سبب واحد لزم من انتفاء كله انتفاء الآخر. ومن وجوده وجودُه، وإلا فإن كان له أكثر من سبب لزم [انتفاء الشيء] من انتفاء المسبب، وكذلك انتفاء الجزاء اللازم يدل على انتفاء الشرط الملزوم دائماً. لأن اللازم إما مساوٍ أو أعمُ ويلزم من انتفاء أحد المتساويين انتفاء الآخر ومن انتفاء الأعم انتفاء الأخص. مثال المساوي قولنا: \"لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً\". ومثال الأعم: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً\". ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم وعلمت أن الملزوم قد يكون أخص ولا يلزم من عدم الأخص كالإنسان عدم الأعم كالحيوان، فاللازم المساوي كالمسبب لسبب واحد واللازم الأعم كالمسبب لأسباب كثيرة. فلما كان غرض أهل المنطق حصول العلم بالنتائج حصروا إنتاج المتصلة في ضربين: أحدهما استثناء عين المقدم لإنتاج عين الثاني لأنه متى وجد الملزوم وجد اللازم سواء [أ] كان الملزوم مساوياً أو أخص [70،ب] والثاني(34) استثناء نقيض التالي لإنتاج نقيض المقدّم لأنه متى عدم اللازم المساوي أو الأعم عُدم ملزومه المساوي أو الأخص فيقولون له مثلاً: لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً. لكنه إنسان، فهو ضاحك، ولكنه ليس بحيوان فليس بإنسان وهذا في","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"الأعم، وبقي في المتصلة ضربان عقيمان: أحدهما استثناء نقيض المقدّم فإنه لا يُنتج نقيض التالي لأن التالي قد يكون أعم كما في المثال الأخير. ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم كما تقدم. والثاني استثناء عين التالي لما علمت من أن التالي قد يكون أعم ولا يلزم من وجود الأخص، فاتفق الفريقان – أعني أهل العربية والمنطق – على أن (لو) حرف امتناع لامتناع، واختلف مراد كل من الفريقين، فأهل العربية يقولون: حرف امتناع الثاني لامتناع الأول، وأهل المنطق يعكسون ذلك، فيقولون: \"لو\" حرف امتناع الأول لامتناع الثاني، وإنما اختلف المرادان لاختلاف الغرضين لما علمت من أن غرض أهل العربية بيان سبب انتفاء الثاني مع قطع النظر عن علة العلم بانتفاء الثاني والأول لأن الانتفاءين قد يكونان معلومين للسامع كما تقدم. وغرض أهل المنطق الاستدلال وحصول العلم بالنتيجة، فيستدلون على انتفاء الأول بانتفاء الثاني فيجعلون انتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول مع قطع النظر عن سبب انتفاء أحدهما في الخارج. وقد يظهر من بيان الاصطلاحين صحة تعريفهما بأنها حرف امتناع لامتناع بالاعتبارين السابقين، وأن ادعاء(35) أفسدية هذا التعريف ممنوع. بل قد تقدم أنه يمكن رجوع تفسير سيبويه إليه(36) لكن بخفاء هذين الاصطلاحين على كثير اعترضوا على تعريف من عرَّف \"لو\" بأنها حرف امتناع لامتناع ثم اختلف المعترضون في الصواب. ما هو؟ فذهب ابن الحاجب(37) – رحمه الله تعالى – إلى أن الصواب أن يقال: (لو) حرف امتناع الأول لامتناع الثاني لأنه المطرد دون العكس(38)، واستدل –رحمه الله- على ذلك بقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا((39) فإن الآية الكريمة مسوقة للاستدلال بانتفاء الفساد على انتفاء التعدد دون العكس، واستحسن ذلك منه جمهور المتأخرين حتى كادوا يجمعون عليه وذهب ابن هشام –رحمه الله تعالى- إلى أن التعريف فاسد من أصله، وأنها لا تدل على الامتناعين","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"بل الصواب أن يقال فيها: حرف يدل على امتناع الشرط خاصة، وأما الجزاء فلا يدل على ثبوته ولا على نفيه(40).\rواستدل مما تقدم من نحو قول عمر –رضي الله عنه-: \"نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه\" فإنه لو دلت على امتناع \"لم يعصه\" لثبت عصيانه لأن نفي النفي إثبات وليس كذلك ومنشأ الاعتراض من الشيخين العلامتين توهُّم أن معنى قول أهل العربية: \"لو\" حرف امتناع الثاني لامتناع الأول أنها لبيان علة العلم، كما هو اصطلاح أهل المنطق، وقد علمت أنه ليس كذلك، بل [71، آ] معناه عند أهل العربية لبيان السبب مع قطع النظر في علة العلم كما تقدم. والجواب عن الآية التي اعترض بها ابن الحاجب، رحمه الله تعالى، على أهل العربية أنها واردة على قاعدة أهل المنطق على خلاف الاستعمال الشائع في \"لو\" كما بيَّن ذلك السعد التفتازاني –رحمه الله- في شرحيه المطول والمختصر على أن الغزي(41) ذهب إلى أن لا وجه لحمل الآية على مقتضى أوضاعهم من حيث أنه استعمال مجازي. فحينئذٍ لا محذور في حمل الآية على هذا المعنى إذ لا بُعد في وقوع الاستعمالات المجازية بالنسبة إلى أهل اللغة في القرآن. قال: وقد يُقال: تخصيص المعنى الثاني بأرباب العقول لكون اصطلاحهم مقصوراً عليه لا لنفي كونه معنى (لو) عند من عداهم، وحينئذ فلا ينافي ورود الآية على وضع اللغة حقيقة. انتهى كلامه، رحمه الله.","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"وأما الجواب عمّا اعترض به ابن هشام –رحمه الله- من نحو أثر عمر، رضي الله عنه، فقد أشار إليه في المطول حيث قال: وقد تستعمل \"إن\" و\"لو\" ونحوهما للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم وذلك إذا كان مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه [71، ب] فيكون دائماً. انتهى المقصود منه. فليست (لو) فيما اعترض به ابن هشام –رحمه الله- امتناعية بل للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائماً سواء(47) [أ] كان الجزاء والشرط منتفيين أو مثبتين أو الأول منفياً والثاني مثبتاً أو بالعكس. فمثال المنتفيين قوله( في بنت(43) أبي سلمة: [أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة](44) فإن المقصود منه الدلالة على أن عدم حِلِّها له( ثابت مستمر سواء انتفى كونها ربيبته في حجره أم لا. وكقول عمر –رضي الله عنه -: \"لو لم يخف الله لم يعصه\" فإن المقصود منه أن عدم العصيان أمر لازم الوجود سواء انتفى الخوف أم لا. ومثال المثبتين قولك: \"لو أهنتني لأثنيت عليك\" أي ثنائي عليك مستمر سواء أهنتني أم لا. ومثال كون الشرط مثبتاً والجزاء منفياً قوله سبحانه وتعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله((45) \"فإن المقصود منه –والله تعالى أعلم- أن عدم نفاد كلمات الله تعالى أمر مستمر لازم الوجود سواء [أ] كان وجود جميع الشجر أقلاماً تكتب كلمات الله تعالى بمداد الأبحر الثمانية أم لا وكقول الصديق –رضي الله عنه- لمَّا طوَّل في صلاة الصبح وقيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: \"لو طلعت ما وجدتنا غافلين\"(46). أي انتفاء الغفلة عنا بحمد الله أمر لازم الوجود سواء [أ] طلعت الشمس أم لا [72، أ]، فقد ظهر أن ما اعترض به العلاَّمتان ابن الحاجب وابن هشام رحمهما الله تعالى","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"خارج عن الاستعمال الشائع في \"لو\". وأنه مندرج في الاستعمال الآخر، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. تمت هذه الرسالة المباركة المسماة بكشف الضو في معنى \"لو\" تأليف شيخ الإسلام والمسلمين، صدر المدرسين وفخر العلماء الراسخين، الفقيه الذي تزينت بدروسه المساجد والمدارس واحتاج إلى تصحيح منطوقه ومفهومه كل مذاكر ومدارس، أحيا دروس المدارس وزان دروسها وجمَّل صدور المجالس وأطلع شموسها، ورفع منار الإفادة وضاعف عظامها، أمجد الفضلاء المدرسين وتاج النبلاء المتصدرين، فخر ذوي الإفتاء والتدريس، حامل لواء الشريعة وناشره بفهمه الثاقب النفيس. إذا ألقى الدروس أحيا رباع العلم بعد الدروس. مولانا وأستاذنا الشيخ عثمان الحنبلي النجدي، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته. آمين. بحمده وعونه وحسن توفيقه والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وسلِّم تسليماً كثيراً.\rالحواشي:\r(1)-تختلف العلة عن السبب في كتب النحو، فالسبب مجوز وهو أقل من العلة. وانظر مقدمة الأمالي الشجرية.\r(2)-الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي ج3 ص 689.\r(3)-كذا في الأصل، والكلام يستغني عن الواو.\r(4)-في الأصل \"توليني\"، وهو تحريف لا يستقيم مع السجع والسياق.\r(5)-سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام العربية، صاحب الكتاب. ت 180هـ. وانظر ترجمته في البلغة ص 173.\r(6)-انظر كتاب سيبويه 4/224.\r(7)-يعني سيبويه.\r(8)-في الأصل سقطت همزة ابن، وكذا في معظم المواضع.\r(9)-محمد بن عبد الله بن مالك الطائي ت:672هـ. وانظر ترجمته في البلغة ص 229.\r(10)-انظر التسهيل 240.\r(11)-جمال الدين بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله المصري ت761هـ.\r(12)-مغني اللبيب 343.\r(13)-سقطت من الأصل، فزدتها من مغني اللبيب 337.\r(14)-في الأصل ولا \"تدل إن\" والكلام يستغني عنها.\r(15)-في الأصل لا توجد (أي) والكلام بحاجة إليها.","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"(16)-في الأصل \"من\" وهو تحريف.\r(17)-في الأصل \"قريب\".\r(18)-اشتهر هذا القول في كتب الأصوليين من حديث عمر وبعضهم يرفعه إلى النبي (. انظر كشف الخفاء للعجلوني رقم 2831 ص 323.\r(19)-في الأصل \"هو\". وهو خطأ.\r(20)-صهيب بن سنان. صحابي عربي، شهد بدراً وأحداً ت38هـ.\r(21)-الأول مر قبل قليل وهو: أحدهما ما يراد فيه تقدير الجزاء..\r(22)-الأنعام/ 28.\r(23)-مغني اللبيب 341-342، والكلام متصرف فيه من قبل المؤلف.\r(24)-السعد التفتازاني: سعد الدين بن عمر. له تهذيب المنطق، وشرح الكشاف وغيرهما ت791هـ.\r(25)-سقطت في الأصل.\r(26)-قال السيوطي في الرياض النضرة أخرجه العقيلي.\r(27)-في الأصل \"أكثر\".\r(28)-السجدة/ 13.\r(29)-الأنفال/ 43.\r(30)-هو قريط بن أنيف من بني بلعنبر، والبيتان في شرح الحماسة للتبريزي ج1/5، وهما في الخزانة 3/332، 569.\r(31)-لم أجد البيت فيما رجعت إليه.\r(32)-سقط الزند/ 109.\r(33)-في الأصل \"أسباب\".\r(34)-أي الضرب الثاني.\r(35)-في الأصل: \"ادعى\".\r(36)-في الأصل \"لها إليه\" والكلام بغنى عن \"لها\".\r(37)-عثمان بن عمر 570-646هـ.\r(38)-شرح الكافية 2/389.\r(39)-الأنبياء/ 22.\r(40)-مغني اللبيب ص 339 والمؤلف يتصرف بالعبارة.\r(41)-الغزي: عثمان بن علي بن محمد الغزي، مالكي، ت 1009هـ، 1600م.\r*-المطول أحد شروح تلخيص القزويني في علوم البلاغة. والمختصر شرح آخر للتلخيص وضعه التفتازاني أيضاً.\r(42)-صواب الكلام: \"سواء أكان..\" وسواء كان أسلوب مستحدث أجازه مجمع اللغة.\r(43)-في الأصل بيت وهو تحريف.\r(44)-حديث صحيح أخرجه البخاري في النكاح والمغازي ومسلم في الرضاع.\r(45)-لقمان/ 27.\r(46)-لم أجده فيما رجعت إليه.\r***\rالمراجع:\r-القرآن الكريم.\r-الأشباه والنظائر في النحو. للسيوطي ج 3 ت: محمد إبراهيم العبد الله. طبع مجمع اللغة بدمشق 1986.\r-الأعلام. خير الدين الزركلي. ط 4 دار العلم للملايين 1979.","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"-الأمالي الشجرية. ابن الشجري. دار المعرفة. بيروت - لبنان.\r-البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروز آبادي. ت محمد المصري. وزارة الثقافة دمشق 1972.\r-تاريخ آداب اللغة العربية جرجي زيدان. مكتبة الحياة بيروت 1983.\r-تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد. ابن مالك. القاهرة 1968.\r-خزانة الأدب للبغدادي. بولاق. مصورة بلا تاريخ.\r-سقط الزند للمعري. ت طه حسين دار صادر بيروت 1957.\r-شرح ديوان الحماسة لأبي تمام. للخطيب التبريزي. عالم الكتب - بيروت.\r-شرح كافية ابن الحاجب للاستراباذي. دار الكتب العلمية. بيروت ط 3 - 1982.\r-صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي. بيروت. لبنان.\r-صحيح مسلم. دار الفكر. بيروت. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\r-فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية. وضعته أسماء الحمصي. مجمع اللغة بدمشق 1393هـ.\r-كتاب سيبويه. ت عبد السلام هارون. عالم الكتب بيروت.\r-كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. للعجلوني. مكتبة القدسي -القاهرة 1352هـ.\r-معجم المؤلفين. عمر رضا كحالة. نسخة مصورة مكتبة.\r-المعجم المفهرس لألفاظ القرآن. محمد فؤاد عبد الباقي. استانبول 1984.\r-مغني اللبيب. ابن هشام الأنصاري. ت د: محمد مازن المبارك. دار الفكر.","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"أصالةُ اللِّسان العَربيّ ـــ د. جَعفر دك الباب\r\nفي المقالة الأولى(1) من دراساتي اللسانية بحثت في إعجاز القرآن وترجمته، انطلاقاً من نظرية الإمام الجرجاني اللغوية التي اشتمل عليها كتابه \"لدلائل الإعجاز في علم المعاني\". وقررت في ختامها أن الترجمة الجيدة للقرآن يجب أن تكون للمعاني وأن تعتمد على فهم الخصائص البنيوية للغة التي تتم الترجمة منها واللغة التي يترجم إليها.\r\nوأشرت في المقالة الثانية(2) إلى أني أنطلق في دراسة البنية اللغوية للعربية من نظرية الإمام الجرجاني التي تميز مستويين في بنية الجملة: مستوى البنية النحوية (الساكنة) ومستوى البنية الإخبارية (المتغيرة). وعرضت بإيجاز المنهج البنيوي الوظيفي للإمام الجرجاني في الدراسة النحوية، كما لخصت نظرته الوظيفية في الإعراب. وكشفت في تلك المقالة تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية وعلم اللغة الأوربي. وحددت خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي، ثم بحثت في ضوئها أنماط التراكيب العربية وفي ختام المقالة وعدت أن أقوم في مقالة تالية بعرض نظرة جديدة في النحو العربي تبين كيف ترتبط البنية النحوية للجملة ببنيتها الإخبارية.\rولكني عدت في المقالة الثالثة(3) من السلسلة إلى البحث مجدَّداً في إعجاز القرآن البلاغي وتحديد مزايا اللغة التي أنزل القرآن بها. فتحدثت عن اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين. وأشرت إلى المنهج التاريخي العلمي في الدراسة اللغوية الذي يمكن استنباطه من التنام بين نظريتي ابن جني والجرجاني. ولدى دراسة لغة القرآن الكريم باستخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، بينت بالدليل العلمي والفقهي أن (القرآن الكريم أنزل بلسان عربي مبين). وفندت خطاً القول أن \"القرآن الكريم أُنزل بلسان قريش\". وعرضت نظرة جديدة في تاريخ اللسان العربي كشفت عن ثلاثة أطوار مرَّ بها اللسان العربي في مسار تطوره التاريخي (القديم والأوسط والحديث) تتميز بوجود اختلافات في نمط البنية الصرفية والنحوية.\n","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"ولدى البحث في مزايا اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن به، بينت أن سبب تسمية لغة القرآن الكريم (اللسان العربي المبين) يرجع إلى أن لغة القرآن ليست في الواقع لغة (لهجة) عربية واحدة، بل هي عبارة عن مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في بداية الاسم. وبما أن هذه المجموعة من اللغات العربية تمثل طوراً حديثاً من اللسان العربي أعلى من الطورين السابقين (الأوسط والقديم) من حيث الفصاحة والإبانة، فقد سميت الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن (اللسان العربي المبين). وبهذا المعنى يصح وصف القرآن بأنه (عربي) لأنه أنزل باللسان العربي المبين الذي صار اللسان العربي الواحد المشترك لجميع العرب، وصار يطلق عليه فيما بعد تسمية (اللغة العربية الفصحى).\rوفي ضوء النظرة الجديدة في تاريخ اللسان العربي، سأعمد في هذه المقالة – الرابعة – إلى البحث في أصالة اللسان العربي وارتباط نشأته ببداية تشكل الكلام الإنساني.","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"إني أرى أن العرب بأمس الحاجة اليوم إلى الاستفادة من معطيات اللسانيات الحديثة، ليتمكنوا في ضوئها من فهم خصائص بنية العربية بشكل صحيح، وليفهموا بالتالي تراثهم اللساني بشكل علمي. لذا دعوت إلى إعادة قراءة الأبحاث اللسانية العربية في ضوء اللسانيات الحديثة، من أجل تحديد المسار التاريخي لتطور الآراء اللسانية العربية. ولدى القيام بذلك استطعت الكشف عن ثلاث مراحل مرت بها دراسة اللسان العربي (الوصفية التحليلية الشاملة، النحوية المتخصصة، الوظيفية)، وتمكنت من تحديد الملامح العامة لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية التي بلورها ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين، كما بلورت مبادئ المنهج التاريخي العلمي والمنهج الوصفي الوظيفي في الدراسات اللسانية. وبذا تظهر الفائدة التي تجنيها اللسانيات العربية من اللسانيات الحديثة. ونرى بالمقابل أن الدراسات اللسانية العربية المنطلقة من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية يمكنها أن تسهم بدورها في تطوير النظريات اللسانية الحديثة في المجالين التاليين:\r1-ربط دراسة اللغة بوظيفة الاتصال، وبالتالي ربط دراسة بنية الجملة بوظيفتها التي يحددها الموقف الكلامي باستخدام المنهج الوصفي الوظيفي الذي اعتمدته نظرية الإمام الجرجاني اللغوية.\r2-تقديم التفسيرات العملية لجميع الظواهر اللغوية باستخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية لدى دراسة النظام اللغوي.\rلذا فإن الأُسس اللسانية التي نستند إليها في دراسة بنية اللسان العربي تأخذ بآخر ما وصلت إليه الدراسات اللسانية الحديثة (نظرية القواعد التحويلية التوليدية ونظرية التقسيم الوظيفي للجملة) وتنبع في الوقت نفسه من تراثنا اللساني العربيّ (وبالتحديد من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية)(4).","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"ذكرنا أعلاه أن نظرتنا الجديدة في تاريخ اللسان العربي (التي اعتمدت المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية) قد كشفت عن ثلاثة أطوار مرّ بها اللسان العربيّ في مسار تطوره التاريخي (القديم والأوسط والحديث). ويعني ذلك أن اللسان العربي موغل في القدم. وإذا أخذنا بالحسبان أن اللسان العربي لا يزال حياً حتى يوم الناس هذا، تظهر لنا أصالة اللسان العربي. وحين نصف لساناً ما بالأصالة نقصد أنه يتوافر فيه عنصران هما: الإيغال في القدم من ناحية، والاستمرار في الحياة من ناحية أخرى. وعليه فإن بنية اللسان الأصيل بهذا المعنى يجب أن تتمتع بجملة خصائص من حيث المفردات والأصوات والصرف والنحو تشير إلى إيغاله في القدم. وأول قرينة على إيغال لسان ما في القدم هي وجود شبه بين ألفاظه وأصوات الحيوان والطبيعة، لأن هذا الشبه يدل على محاكاة الإنسان البدائي لأصوات الحيوان والطبيعة، ويؤكد بالتالي بدائية نشأة ذلك اللسان.\rتكشف دراسة مفردات المعجم العربي عن وجود شبه واضح بين كثير من ألفاظ اللسان العربي وبين أصوات الحيوان والطبيعة، مما يشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. وأرى أن خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي (التي عرضتها في المقالة الثانية من السلسلة) تعكس خصائص البنية الصوتية للسان العربي التي تشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. لذا فإن القول بأصالة اللسان العربي لا يحيلنا فقط إلى البحث في نشأة اللسان العربي نفسه، بل يحيلنا بالضرورة أيضاً إلى البحث في نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني. وأول ما يعترضنا هنا السؤال التالي: هل تدخل مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) من حيث المبدأ في الموضوعات التي يدرسها علم اللسان؟\rأولاً: هل تبحث اللسانيات في نشأة الألسن؟","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"اتسمت الأبحاث اللسانية الأوروبية في القرن الثامن عشر بالتهافت على النظريات العقلانية التي تبحث في أصول اللغات. لذا اختصتها الموسوعة الفرنسية مثلاً بثلث مادة (لغة). وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة (المحدثين من علماء القواعد) التي قالت بالحتمية المطلقة للقوانين الصوتية. اعتبرت هذه المدرسة أن غاية البحوث اللسانية الأساسية هي الوصول إلى كشف القوانين التي تخضع لها الظواهر اللغوية، ودعت إلى تخليص اللسانيات من جميع المسائل الفلسفية التي لا يتفق منهج البحث فيها مع مناهج البحث في العلوم. وكان من آثار ذلك الاتجاه أن انصرف اللسانيون عن البحث في موضوع نشأة الألسن وتركوا دراسته للمختصين بالفلسفة.\rثم عادت المدرسة اللسانية السوفييتية التي تنطلق من الفلسفة الماركسية – اللينينية – إلى البحث النظري العام في نشأة الألسن، بعد أن فصلته عن مسألة تشكل اللغات الطبيعية (الموجودة إلى الآن أو التي ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة). فترى المدرسة اللسانية السوفييتية أن علم اللسان يدرس تاريخ تشكل اللغات الطبيعية انطلاقاً من الحقائق الفعلية لوجودها (أصواتها وقواعد صرفها ونحوها، والشواهد الكتابية)، في حين يدرس مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) في نطاق الفرضيات العامة والنظريات.\rوتقضي تقاليد علوم اللغة العربية بإدخال مسألة (نشأة اللغات) في الدراسات اللسانية(5). هذا وننطلق في دراسة مسألة (نشأة الألسن) من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"يرى بعض الباحثين العرب أن ابن جني يفتقر إلى رؤية لغوية موحدة. يكتب مثلاً الدكتور محمد خير الحلواني ما يلي: \"وقد جمع ابن جني في تراثه منحى أهل اللغة ومنهج أهل النظر. فهو لغوي فذ كما أنه معتزلي كبير، إلا أنه لم يخرج عن سنن اللغويين في تحليله للظواهر ولم يلحق بأهل النظر في تفسيرهم لنشأة اللغة. وربما كان امتزاج هذين الموروثين في نفسه سبباً في اضطراب رؤيته اللغوية العامة. وأول ما يلقانا في عرضه للنظريات الثلاث السابقة (التوقيفية، الاصطلاحية أو التواطئية، المحاكاة) تردده في الإيمان بواحدة منها، وتأرجحه بينها.. إنه لا يعرض في البدء غير نظريتين: الإلهية والتواطئية.. ونخلص من هذا كله إلى أن رؤية ابن جني اللغوية ليست سوية ولا مطردة، بل ليست موحدة. وعلة ذلك عندي شيئان: أولهما أن البحث في أصل اللغة سيقود حتماً إلى مثل هذه الرؤى المضطربة وثانيهما أن الموروث اللغوي والفلسفي قد غمس ابن جني في تياره، فما استطاع أن ينجو منه ولا استطاع أن يحوّل مجراه\"(6).","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"إننا نرى أن ابن جني قد انطلق في كتابه (الخصائص) من منطلق بنيوي حين بحث في نطاق الكلمة المفردة. وأوصله ذلك المنطلق إلى ضرورة أخذ عامل الزمن بعين الاعتبار – ولو لم يصرح بذلك دائماً – لأن الاشتقاق يرتبط حتماً بالزمن. ولدى البحث في التقليبات الممكنة للكلمة الواحدة اكتشف أن الشيء الذي يجمع تلك التقليبات هو وحدة المعنى. ولدى البحث في النظريات المتعلقة بنشأة اللغات، ذكر ابن جني نظرية التوقيف وناقشها، كما ذكر نظرية الاصطلاح وناقشها. ولكنه لم يجزم في الأخذ بواحدة منهما، بل جوّزهما معاً. ويرجع ذلك – برأيي – إلى أن اهتمام ابن جني كان منصباً على اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة وتوضح أسباب الأخذ ببعض التقليبات وترك بعضها الآخر، فيقول مثلاً: \"أما إهمال ما أُهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أو المستعملة، فأكثره متروك للاستثقال وبقيته ملحقة به ومقفاة على أثره\"(7).\rوبما أن الجزم في الأخذ بإحدى النظريتين (التواضع أو الإلهام) لا يغير من حقيقة القوانين اللغوية واتساقها، فقد جوّزهما ابن جني على حد سواء. ولكنه أكدّ بشكل قاطع على أمرين:\r1-لم تنشأ اللغة في وقت واحد، بل نشأت في أوقات متلاحقة.\r2-كانت اللغة باستمرار تحافظ على اتساق قوانينها.\rفقال في باب (في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط؟) ما يلي: \"قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوّزنا الأمرين جميعاً. وكيف تصرف الحال وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بدّ أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئاً فشيئاً، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه..\"(8).","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"وهكذا نرى أن ابن جني استطاع بمنهجه اللساني العلمي أن يكتشف من ناحية عامل الزمن الذي تجلى في أن نشأة اللغة لم تتم في وقت واحد، بل بدأت ثم اكتملت في أوقات متلاحقة. كما استطاع أن يكتشف من ناحية أخرى اتساق النظام اللغوي. وقد حاول ابن جني أن يوحد هذين الجانبين (التطوري والتزامني) في إطار واحد، بفرض أن واضع اللغة، عرف سلفاً ما يتعارض مع النظام العام للغة فاستبعده وعرف ما ينسجم مع ذلك النظام فأبقاه، فقال: \"اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها وترتيب أحوالها، هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بدّ من رفض ما شنع تألفه منها\"(9).\rوبسبب عدم ترجيح ابن جني لإحدى النظريتين في نشأة اللغة (التوقيف أو الاصطلاح، اضطر إلى ذكر نظرية تقليد أصوات الحيوان والطبيعة التي قال بها الرواقيون علماء مدرسة الإسكندرية. وذلك لأن تلك النظرية يمكن أن تأخذ بعين الاعتبار من ناحية عامل الزمن الذي يتجلى في أن تقليد جميع الأصوات لم يتم طفرة واحدة. وتأخذ بالاعتبار من ناحية أخرى الجانب المادي (الصوتي) للغة الذي يمكن أن يخضع للتحليل والدراسة. وعلق ابن جني على نظرية المحاكاة بقوله: \"وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل\"(10).\rوهكذا نرى أن رؤية ابن جني اللغوية فذة وموحدة (غير مضطربة) لأنها علمية تنطلق من منطلق صوتي (مادي) وفهم منظومي للغة. وهذا هو السبب في أن ابن جني قد تبوأ في الماضي ذروة الدرس اللغوي. ويجب أن يتبوأ في الحاضر المكانة التي يستحقها في علم اللسان الحديث، إذا استطعنا أن نكشف عن قيمة دراساته اللغوية الرائدة في ضوء منجزات اللسانيات الحديثة.","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"أما الإمام عبد القاهر الجرجاني فقد انطلق في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) من منطلق بنيوي وظيفي، لأن بحثه لم يتحدد في نطاق الكلمة المفردة بل شمل نظم الكلم. لذا عمد الجرجاني إلى بيان ارتباط خصائص بنية الكلمة المفردة بالوظيفة التي تؤديها في الكلام، انطلاقاً من الوظيفة الأساسية للغة باعتبارها وسيلة لاتصال الناس بعضهم ببعض(11).\rلقد انصبّ اهتمام الجرجاني – مثل ابن جني – على اكتشاف القوانين اللغوية. وأشار إلى ارتباط اللغة بالتفكير، وبيَّن دور التفكير في نشوء اللغة. وبما أن القول بأن اللغة تواضع أو الهام لا يغير من حقيقة القوانين اللغوية، فقد جوّز الجرجاني – كما فعل ابن جني – القولين. وحين تطرق الجرجاني إلى بحث (سبب وضع مفردات اللغة وحكمته)، ذكر الأصل التالي: \"إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم\"(12).\rوباعتماد هذا الأصل ناقش الجرجاني سبب وضع مفردات اللغة على فرض القول بأن اللغة مواضعة ثم على فرض أنها إلهام، فبيَّن ارتباط الكلمة المفردة في نشأتها بالكلام أي بالجملة. ويعني ذلك أن الكلمة المفردة كانت بالضرورة في نشأتها تفيد مع السياق الذي وضعت فيه معنى جملة (كلام). وعليه فإن مهمة الكلمات المفردة لم تقتصر منذ نشأتها على وظيفة (التسمية) فقط بل كانت مهمتها أيضاً القيام بوظيفة الإخبار (الاتِصال).","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"ويعني ذلك أن اللغة عند الجرجاني نظام لربط الكلمات بعضها ببعض. ولدى السعي لاكتشاف هذا النظام، لم يكن الجرجاني بحاجة إلى أخذ عامل الزمن بالاعتبار، فأكتفي بالوصف التزامني للنظام اللغوي. وأدى ذلك بالجرجاني إلى القول باعتباطية العلامة اللغوية، فقال: \"إن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضى عن معنى ولا الناظم لها يحقق في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد\"(13).\rوهكذا نرى أن نظريتي ابن جني والجرجاني متتامتان، بل يصح القول إنهما تؤلفان جانبين لنظرية لغوية واحدة تعبِّر عن اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. ويظهر التئام بين نظريتي ابن جني والجرجاني في ضرورة ربط الدراسة التزامنية للغة (التي تقدمها نظرية الجرجاني) بالدراسة التطورية للغة (التي تقدمها نظرية ابن جني). لقد أكدت نظرية ابن جني أن اللغة لم تنشأ دفعة واحدة، في حين أكدت نظرية الجرجاني ارتباط نشأة اللغة بالتفكير ووظيفة الاتصال. ويظهر التتام بين النظريتين في تقرير أن اللغة قد نشأت وتطور نظامها واكتمل تدريجياً بشكل مواز لنشأة التفكير الإنساني وتطور نظامه واكتماله.\rذكرنا أعلاه أننا ننطلق في دراسة مسألة (نشأة الألسن) من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوي. لذا نرى أنه ليس مهماً (أي لا يدخل في مهمة علم اللسان) الفصل في القول بأن اللغة تواضع أو إلهام، لأن تبني إحدى النظريتين لا يغير من حقيقة القوانين اللغوية واتساقها. وبالمقابل يعتبر مهماً (أي يدخل في مهمة علم اللسان) اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة وبيان أُسس التطور اللغوي.","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"ويعني ذلك أن مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) تدخل من حيث المبدأ في الموضوعات التي يدرسها علم اللسان، شريطة ألا تستهدف الفصل في القول بالإلهام أو التواضع، بل تستهدف اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة. ويعني ذلك أن البحث في مسألة نشأة الألسن يحيل بالضرورة إلى البحث في الجانب المادي (الصوتي) للغة.\rثنياً: بدائية نشأة اللسان العربي.\rأوجد الأستاذ عبد الحق فاضل في كتابه، مغامرات لغوية (مَلِكة اللغات)(14) فرعاً جديداً في علم اللسان سمّاه (الترسيس). ويميز الأستاذ فاضل دراسة أصول الكلمات أو التأثيل Etymology عن الترسيس. فالترسيس هو إعادة اللفظة إلى جدتها الأولى في صورتها التي نطق بها الإنسان الأول (البدائي) تقليداً لأحد الأصوات المسموعة مثل محاكاة أصوات الطبيعة أو الحيوانات، مع تعقب المراحل التطورية التي قطعتها تلك اللفظية حتى وصلت إلى الصورة التي نعرفها في إحدى اللغات. أما التأثيل (أي دراسة أصول الكلمات) فهو رد الكلمة إلى أمها المباشرة أو إلى جدتها المباشرة أو القريبة.\rوكان الأستاذ فاضل قد ذكر أمثلة عن الترسيس في مقالة بعنوان: \"آثار حيوانية في اللغة العربية\"(15).\rيرى الأستاذ فاضل \"أن اللغة العربية ما زالت تحتفظ بالألفاظ البدائية – الرسية – الأولى إلى جانب الألفاظ الراقية الحضارية المتفرعة منها. فهي لذلك تمكننا من إقامة علم (نشأة اللغة) على أركان وطيدة بالطريقة الترسيسية. وهي وحدها تمدنا بمادة (علم الترسيس)، بينما جميع بناتها الساميات والحاميات والآريات وغيرها من لغات بني آدم لا تكفي إلا للتأثيل\"(16).","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"كما يرى الأستاذ فاضل أنه \"لما كان الترسيس هو الأساس الذي سيقوم عليه علم (نشأة اللغة) وما يتصل به من علوم اللغة، وبما أن الترسيس سيهدم كذلك بعض النظريات اللغوية السائدة ويجلو بعض الغوامض ويملأ بعض الثغرات في (فقه اللغة) البشري، فإن اللغة العربية وتطوراتها وتفرعاتها وهجراتها ستكون الأساس المكين لعلم (فقه اللغة) العالمي العام الذي سيعاد النظر فيه بجملته ومختلف فروعه ويعاد تخطيطه وتشييد صرحه على تصميم جديد من قوانين اللغة العربية وإيحاءاتها. وسيتضح كم سيرتقي (علم اللغة) ويصحح الكثير من أخطائه ويقضي على الكثير من تلكئه هنا وتردده هناك، وبأي سرعة، حالما يأخذون بسلوك الطريق الاستقرائي العلمي الصحيح في دراسته ابتداءً من اللغة العربية\"(17).\rوكتب الأستاذ عبد الحق فاضل مقالة بعنوان: \"حول (المغامرات اللغوية(18)\" جاء فيها: \"المعروف أن اللغات البدائية هي التي يقرب الشبه بين ألفاظها والأصوات الطبيعية التي نشأت منها. أما اللغات الراقية فقد ذهبت أصواتها وبقيت الكلمات الحضارية الراقية التي تولدت منها، لا سيما وأن الأمم المتحضرة قد تنقلت منذ أقدم العصور من مكان إلى مكان واختلطت لغاتها بغيرها. ولكن العربية وحدها تقدم لنا أرقى الكلمات الحضارية والثقافية مع الحلقات المتسلسلة التي تقودنا إلى البدايات الأولى. وسبب ذلك هو الظروف الفريدة التي تلابس الجزيرة العربية، فقد بقي وسطها الرملي المجدب محافظاً على حياة البداوة والبدائية على حين راحت أطرافها المتحضرة تصنع من تلك الخامة اللغوية مفردات حضارية باذخة، وإذ بهذه العربية تغدو لغة الراعي والفيلسوف في وقت واحد\".","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"وأشار الأستاذ فاضل في تلك المقالة إلى أن العلماء قرروا أن اللغة البشرية تكونت من أصول خمسة بوجه العموم، نجدها كلها صريحة واضحة في العربية، على حين أن أية لغة حية أخرى لا توجد فيها إلا بعض هذه الأصول إن وجدت. والواقع أنهم إنما توصلوا إلى هذه الأصول الخمسة من استقراء عدد غير قليل من اللغات البدائية التي لا تزال تحتفظ بجذورها الصوتية لعدم ارتقائها وابتعادها عن صورة ولادتها. وهذه الأصول الخمسة هي:\r1-محاكاة أصوات الطبيعة: وكمثل تذكر صوت الماء (شلشل) ومنه ترشرش الماء، ثم رش ورشاش، ثم رذ ورذاذ، ثم ذر وذرى ومذارة وذرة..\r2-تقليد أصوات الحيوانات: وتذكر من الأسماء التي سميت بأصواتها: البلبل واللقلق والجدجد والصرصر.\r3-تقليد الأصوات المصطنعة: أي الأصوات التي يحدثها الإنسان في بعض أعماله. مثل صوت القطع (قط) و(صج) و(طق).\r4-تقليد الإنسان لنفسه في الأصوات الطبيعية التي تصدر عنه تلقائياً في مختلف حالاته. مثل (قهقه) و(قاء) و(أنّ) و(عطس).\r5-تقليد أصوات الطفل: (لغ لغ) و(بابا) و(تاتا) و(دادا).\rإننا نرى أن الأستاذ عبد الحق فاضل بنى نظريته القائلة بأن اللغة العربية (مَلِكة اللغات) بعد دراسة صوتية مقارنة للفظ كلمات مفردة في عديد من اللغات بالطريقة الترسيسية. وقد سمى كتابه (مغامرات لغوية) لأن النظرية التي يقترحها تحتاج من أجل تدعيهما إلى الكشف عن حقائق في اللغة العربية نفسها تؤكد أنها اللغة الإنسانية الأولى، وتبين نشأتها ومراحل اكتمال نظامها اللغوي.\rدفعتنا آراء الأستاذ عبد الحق فاضل (الجريئة) – ولا نقول (المغامرة) – إلى طرح السؤال التالي: هل ترتبط بدائية نشأة اللسان العربي ببداية تشكل الكلام الإنساني؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من دراسة نشأة الألسن دراسة موضوعية، انطلاقاً من دراسة الأصوات اللغوية وباعتماد المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"تستوجب دراسة نشأة الألسن من هذا المنطلق ما يلي:\r1-تحديد المراحل التي مرت بها بداية تشكل الكلام الإنساني.\r2-تحديد الصفات الموضوعية التي يجب أن يتصف بها أصل الكلام الإنساني في كل مرحلة.\r3-تحديد الصيغة اللغوية – الأصل للكلام الإنساني في كل مرحلة.\r4-بيان كيف تتطور الصيغة اللغوية – الأصل للكلام الإنساني وتؤلف نظاماً لغوياً مكتملاً.\rإنه ليصعب نظرياً تصور استمرار وجود لغة طبيعية حية حتى الوقت الراهن، تحمل مادتها عناصر تتوافر فيها الصفات الموضوعية لأصل الكلام الإنساني، ويمكن أن تكون نموذجاً لبداية تشكل الكلام الإنساني. إلا أنه لا يوجد برأينا ما يحرّم من حيث المبدأ دراسة مادة لغوية للغة طبيعية، من أجل بيان هل تقدم مادتها العناصر التي تتوافر فيها الصفات الموضوعية لأصل الكلام الإنساني.\rثالثاً: نشأة الكلام الإنساني:\rلدى دراسة نشأة الكلام الإنساني نعتمد المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. وسنقتصر في هذه المقالة على عرض الفقرات الثلاث التالية:\r1-مراحل بداية تشكل الكلام الإنساني.\r2-الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية – الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني.\r3-تحديد الصيغة اللغوية – الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني.\rآ-مراحل بداية تشكل الكلام الإنساني(19):\rكانت اللغة الصوتية (لغة الألفاظ) اللغة الإنسانية الأصلية المستخدمة وسيلة لاتصال الناس بعضهم ببعض. ويعني ذلك أن اللغة في نشأتها الأولى كانت منطوقة. ولما كانت البنية اللغوية تتألف من جانبين: صوتي (مادي) ودلالي (معنوي)، فمن الطبيعي أن يبدأ البحث في نشأة الألسن بتحليل الجانب المادي (الصوتي) للغة لأنه يمكن أن يخضع للتحليل والدراسة بشكل علمي (موضوعي).\rونرى أن فهم العلاقة المتبادلة بين التفكير واللغة يلقي الضوء على بداية تشكل الكلام الإنساني. توجد ثلاثة اتجاهات حول علاقة اللغة بالتفكير هي التالية:","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"1-فصل اللغة والتفكير بعضهما عن بعض. يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأفكار تنشأ في رأس الإنسان قبل أن يتم التعبير عنها بالكلام، أي أنها تنشأ من دون مادة لغوية (بشكل عار من دون غلاف لغوي). وترى أن ما يدعو إليه هذا الاتجاه غير صحيح على الإطلاق، لأن الأفكار لا يمكن أن تنشأ وتوجد إلا بوساطة المادة اللغوية (أي المصطلحات والعبارات اللغوية)، ولا توجد أفكار عارية.\r2-التطابق بين اللغة والتفكير. حاول كثير من النحويين والمناطقة إيجاد موازاة بين المفاهيم والكلمات وموازاة بين المحاكمات والجمل. ولكن الكلمات لا تعبر دائماً عن مفاهيم (مثال ذلك أدوات التعبير عن الشعور والتمني أو أسماء الإشارة)، كما أن أجزاء المحاكمات المنطقية لا تتطابق دائماً مع أجزاء الجملة. صحيح أن الأفكار تتولد بوساطة المادة اللغوية وتتثبت فيها، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق أن اللغة والتفكير هما شيء واحد (أي متطابقان). إن قوانين المنطق قوانين عامة للبشر جميعاً (لأن البشر جميعاً يفكرون بشكل واحد)، ولكن التعبير عن الأفكار يتم بأشكال مختلفة في شتى اللغات (تبعاً للخصائص البنيوية لكل لغة).\r3-اللغة والتفكير يشكلان وحدة لا انفصام فيها. لا يمكن أن تكون عمليات التفكير التي تتم في رؤوس الناس مجالاً لمراقبة موضوعية، لذا فإن التفكير يدرس قبل كل شيء من خلال اللغة، وبشكل أدقّ من خلال استخدامه في الكلام. ويرجع السبب في ذلك إلى أن اللغة والتفكير يكوّنان وحدة لا انفصام فيها: فاللغة تعتبر ظاهرة مستقلة على الرغم من التأثير الرئيسي للتفكير فيها، كما تقوم اللغة في الوقت نفسه بتأثير معاكس في التفكير. ويعني ذلك أنه لا يمكن أن توجد اللغة من دون التفكير، كما أن التفكير غير ممكن من دون اللغة، وقد نشأ كل من اللغة والتفكير في وقت واحد، ولا توجد أفكار عارية من دون غلاف لغوي.","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"إننا نتبنى المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي يقضي بأن يقوم البحث في نشأة الألسن على التلازم في الوجود بين اللغة والتفكير ووظيفة الاتصال.\rلذا نرى أن تأكيد العلاقة المتبادلة بين تشكل الكلام الإنساني وتكوّن التفكير الإنساني يجب أن يقترن بتأكيد ارتباطهما بوظيفة الاتصال. ومن أجل بيان ارتباط اللغة والتفكير ووظيفة الاتصال، يرجع عادة إلى دراسة لغات الشعوب البدائية التي لا تزال توجد في بعض الأصقاع من المعمورة.\rذكر (ول ديورانت) أن \"عند سكان استراليا الأصليين: ذيل الكلب له تسمية، وذيل البقرة له تسمية أخرى، ولا توجد كلمة تدل على (ذيل) بشكل عام. وأهل تسمانيا: يطلقون على كل نوع من الشجر اسماً، وليس لديهم كلمة واحدة تدل على (الشجرة) بصفة عامة. وهنود تشكتو: يطلقون اسماً على السنديانة السوداء وآخر على السنديانة البيضاء وثالثاً على السنديانة الحمراء، ولا يعرفون كلمة واحدة تدل على (السنديانة) بصفة عامة. وليس لديهم كلمة تدل على (الشجرة) بصفة عامة. وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة.. فمثل هذه الألفاظ المجردة تتكون وتتزايد – فيماً يظهر – مع تقدم الفكر لأن بينها وبين الفكر علاقة السبب والمسبب\"(20).\rوذكر ارنست فيشير أن \"اللغة البدائية كانت مجموعة كلمات وتنغيمات موسيقية وحركات محاكاة. وبهذا يقول هيردر (تكونت مفردات اللغة الأولى ابتداءً من الأصوات الموجودة في الطبيعة. وكانت فكرة الموضوع ذاتها ما تزال معلقة بين الفعل والفاعل: كان على الصوت أن يدل على الموضوع، مثلما الموضوع ينتج الصوت)\"(21).","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"وحين وصف الأستاذ ليفي برول أشكال الاتصال بين أفراد قبيلة في استراليا، أشار إلى أن لغات المجتمعات البدائية تعبِّر دائماً عن تصورات عن الأشياء والأفعال بنفس الشكل الذي تُدرَك فيه بالعين والأذن. والاتجاه العام في تلك اللغات ينحصر في وصف كل ما يمكن إدراكه بالحواس. وقد أشار الأكاديمي السوفييتي مارّ إلى أن البشرية في مرحلة ما قبل التاريخ كانت تفكر تفكير ما قبل المنطق، أي من دون مفاهيم مجردة. ويرى أنه يقابل تلك المرحلة من تطور التفكير مرحلة خاصة في تطور اللغة سماها مرحلة الكلام المؤلف من عناصر متصلة.\rوهكذا يتبين أن الاتجاه العام في اللغات البدائية ينطلق من وصف كل ما يمكن إدراكه بالعين والأذن معاً، أي ينطلق من الشخص. ويعني ذلك أن مرحلة بداية تشكل الكلام الإنساني كانت مرتبطة بالمرحلة التي لم تكن قد ظهرت فيها المفاهيم المجردة.\rفإذ أخذنا بالاعتبار أن خط السير العام لتطور التفكير الإنساني انطلق من المشخّص المحدد واكتمل بالانتقال إلى المجرد العام، تبين لنا أن إدراك العلاقة الذهنية بين الصوت وما يرمز إليه كان بداية تشكل التفكير الإنساني. ويعني ذلك أن بداية تشكل الكلام الإنساني قد مرت بالضرورة بطور أولي كانت فيه الصيغة اللغوية – الأصل للكلام الإنساني عبارة عن محاكاة لأصوات الحيوان والطبيعة، لأن تلك المحاكاة كانت بمثابة قرينة تساعد الإنسان البدائي القديم في الإدراك الذهني للعلاقة بين الصوت وما يرمز إليه، بحيث ينبثق المعنى من الصوت بشكل يكاد يكون عفوياً في الموقف الكلامي الذي يرتبط به، مما يمكِّن الصيغة اللغوية – الأصل للكلام الإنساني من أداء وظيفة الاتصال. ويعني ذلك أن تلك الصيغة كانت بالضرورة صيغة لغوية حقيقية تؤدي وظيفة اتصال، ولم تكن مطلقاً صيغة مثالية مفترضة غير مرتبطة بوظيفة الاتصال.","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"إن الصيغة اللغوية – الأصل للكلام الإنساني في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني (التي توجد فيها علاقة مناسبة طبيعية بين الصوت والمدلول نتيجة لمحاكاة أصوات الحيوان ثم أصوات الطبيعة) كانت تؤدي وظيفة اتصال في نطاق ضيق جداً. ولكن بالمقابل لعبت دورين هامين: الأول – تجلى في البدء باستخدام الأصوات في الكلام الإنساني، والثاني – تجلى في بداية تشكل التفكير الإنساني عن طريق إدراك العلاقة بين الصوت والمدلول.\rونرى أن الحاجة إلى التوسع في وظيفة الاتصال التي تؤديها اللغة قد اقتضت الانتقال من محاكاة أصوات الحيوان والطبيعة إلى عدم محاكاتهما. ويعني ذلك أن بداية تشكل الكلام الإنساني مرت بالضرورة بطور ثنِ ظهرت فيه صيغة لغوية – أصل للكلام الإنساني جديدة لا توجد فيها بين الصوت والمدلول علاقة مناسبة طبيعية، بل كانت العلاقة بينهما اصطلاحية.\rب-الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية – الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني(22).\rإن أهم طرق التعبير الإنساني(23) نوعان: تعبير طبيعي عن الانفعالات وتعبير إرادي. يشمل التعبير الطبيعي عن الانفعالات جميع الأمور الفطرية غير المقصودة التي تصحب مختلف الانفعالات السارة والأليمة. وتشترك معظم فصائل الحيوان مع الإنسان في التعبير الطبيعي عن الانفعالات. كما تشترك بعض فصائل الحيوان مع الإنسان في التعبير الإرادي البصري، أي التعبير بالإشارة. وقد أنكر بعض العلماء وجود الإشارات ذات الدلالة المقصودة عند الحيوانات. ويرون أن كل الإشارات الحيوانية التي يخيل أنها من هذا النوع هي في الحقيقة فطرية وأنها لا تدل المخاطب على شيء معين، بل تقتصر على إثارة نشاطه في ناحية يحددها العمل الذي سيتلو الإشارة.","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"وقد اختص الإنسان من سائر الفصائل الحيوانية بالتعبيرات الإرادية السمعية (التي هي أصوات مركبة ذات مقاطع تتألف منها الكلمات). تتميز أصوات الحيوان بأنها أصوات مبهمة عارية عن المقاطع والكلمات. إنها أصوات غير متميزة العناصر، أي هي عبارة عن مجموعة من الأصوات المندمجة بعضها ببعض. أما اللغة الإنسانية الصوتية فتتميز بأنها أصوات غير مبهمة، مركبة وذات مقاطع تتألف منها كلمات وجمل. هذا وتصدر عن بعض طوائف الحيوان أصوات شبيهة في ظاهرها بالتعبيرات الإرادية السمعية. ولكن يتبين بالتأمل في تلك الأصوات أنها عارية عن خصائص اللغة التي يجب أن تتصف بأنها:\r1-مكتسبة لا فطرية.\r2-إرادية تصدر عن قصد لا عن طريق آلي.\r3-تتمثل في أصوات مركبة ذات مقاطع تتألف منها كلمات وجمل، لا في أصوات مبهمة.\r4-تعبِّر عن معان لا عن انفعالات.\rهذا ولا يمتاز الإنسان عن بقية فصائل الحيوان باللغة الصوتية فحسب، بل يمتاز عنها أيضاً بطائفة من المراكز المخية التي تشرف على مختلف مظاهر اللغة الصوتية(24).\rوقد ثبت أن هذه المراكز لا يوجد لها نظير في مخ أي فصيلة حيوانية أخرى حتى الفصائل العليا من القردة نفسها. واختلف الباحثون اختلافاً كبيراً في نشأة مراكز اللغة (مركز الكلام، مركز حفظ الأصوات مركز الكلمات المرئية..) في الفصيلة الإنسانية.","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"ويبرز لدى بحث نشأة اللغة الصوتية السؤال التالي: كيف يتم الربط بين الصوت وما يدل عليه؟ يعتبر نشوء الكلام الإنساني من حيث آليته الفيزيولوجية والنفسية نتيجة لتثبيت وطيد في الدماغ للعلاقة الانعكاسية الشرطية أو للاقتران بين صوت معين يسمعه الإنسان أو يلفظه وحركة عضلات أعضاء النطق، بينه وبين صورة الشيء الذي يستدعي ذلك الفعل المنعكس، وكذلك بينه وبين الانطباعات عن النتائج التي ترافق ذلك الصوت. ونظراً لكون عمليات الكبح الداخلية ضعيفة النمو في قشرة دماغ الإنسان القديم البدائي، فإن الانفعالات التي لا يمكن إخفاؤها كانت تسيطر على كل نشاطه. ويتم التعبير عن تلك الانفعالات بشتى أنواع حركات أعضاء جسم الإنسان (تعابير الوجه، التمثيل الصامت، إشارات اليد، حركات عضلات جهاز النطق). وكانت الأصوات (التي يكرر إصدارها الإنسان البدائي في وضعية معينة) تؤثر على قشرة الدماغ وتستدعي تشكيل ارتباط مؤقت بين هذه الأصوات وما كان يصاحبها. ثم أدت الخبرة الحياتية للإنسان إلى تطوير النشاط التحليلي – التركيبي للمكونات السمعية والكلامية والحركية.\rولا بد من الإشارة إلى أن إدراك علاقة الأصوات الملفوظة بما تعبر عنه وبالنتيجة المتوقعة لتأثيرها على الآخرين أمر اقتضته طبيعة اتصال الناس بعضهم ببعض. وأرى أن محاكاة الإنسان البدائي القديم لأصوات الحيوان والطبيعة كانت قرينة ساعدته في إدراك العلاقة بين الصوت وما صار يرمز إليه. فظهرت بذلك البداية الأولى في تكون التفكير الإنساني وتشكل الكلام الإنساني.","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"وننوه بأن الدراسات الأنثروبولوجية أثبتت أن الإنسان القديم لم يكن بمقدوره أن ينطق أصواتاً منفصلة بعضها عن بعض، لأن البنية التشريحية لأعضاء النطق عنده كانت تمكنه فقط من نطق أصوات مندمجة بعضها ببعض. فإذا أخذنا هذه الحقيقة العلمية بعين الاعتبار، تبين لنا أن الفترة التاريخية التي انفصلت فيها مجموعة الأصوات المندمجة بعضها بعض عن ارتباطها بالانفعال وارتبطت بالأشياء الموجودة في الواقع (أو بشكل أدق برموز تلك الأشياء) كانت تمثل نقطة انعطاف هام باعتبارها بداية تشكل الكلام الإنساني. فقد انتقل الصوت حينئذٍ من كونه وسيلة للتعبير العفوي عن الانفعال وأصبح وسيلة للتعبير الإرادي السمعي. ولعب أشكال ملامح الوجه وإشارات اليد المختلفة دوراً كبيراً في ذلك الانتقال.\rيميز عالم النفس ليف فيجوتسكي مستويين للكلام: المستوى الدلالي المتصل بالمعنى والمستوى الصوتي الخارجي. ويرى أن هذا التمييز لا ينفي الوحدة بينهما، ويؤكد أنها ليست وحدة تجانس وإنما هي وحدة تركيب. ويتحرك هذان المستويان في اتجاهين: فمن ناحية الكلام الخارجي يتقدم الطفل من الجزء إلى الكل، فهو يبدأ بكلمة واحدة ويتجه نحو الجمل. أما من ناحية المعنى، فيسير في الاتجاه المعاكس. فالكلمة الأولى تمثل بالنسبة للطفل جملة كلية، ثم يأخذ في التمكن من الوحدات الدلالية المنفصلة.\rيوضح هذا التحليل ضرورة التمييز بين الجانبين الصوتي والدلالي، ويشير إلى أن هذا التمييز هو أساس وحدتهما. فتفكير الطفل الذي يكون في البداية كلاً غير متميز ينبغي أن يجد تعبيراً في كلمة مفردة. وكلما صار تفكير الطفل أكثر تمايزاً يقل ميله إلى التعبير عنه بكلمات مفردة. ومن ناحية أخرى يساعد التقدم في الكلام إلى الكل المتميز في الجملة أفكار الطفل كي تتقدم من الكل المتجانس إلى أجزاء أكثر تحديداً.\r\rويرى فيجوتسكي أنه لا يمكن فهم العلاقة بين التفكير والكلام من دون فهم واضح للطبيعة النفسية للكلام الداخلي. ويعرّف الكلام الداخلي بأنه كلام للذات، أما الكلام الخارجي فهو كلام للآخرين. إن الكلام الخارجي هو تحويل للتفكير إلى كلمات، أما في الكلام الداخلي فتنعكس العملية إذ يتحول الكلام إلى تفكير داخلي. ويعني ذلك أن تركيبهما يجب أن يختلف.\rوهكذا يتبين أن الوحدة بين مستوى الصوت ومستوى المعنى في الكلام هي وحدة تركيب، وأن الكلمة الأولى تمثل بالنسبة للطفل جملة كاملة لأن تفكيره ينطلق في البداية من الكل غير المتميز(25).\rفي ضوء ما تقدم، واستناداً إلى المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، نرى أن الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني هي التالية:\r1-أن تكون تعبيراً عمّا يمكن إدراكه بالعين والأذن معاً، أي عن شخص محدد بحاستي السمع والبصر معاً.\r2-أن تكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة وتفيد من ناحية المعنى كلاماً تاماً (أي جملة) يشتمل على فائدة (أي يؤدي وظيفة اتصال).\r3-وبما أن البنية التشريحية لأعضاء النطق عند الإنسان كانت تمكنه فقط من نطق أصوات مندمجة بعضها ببعض (كما أثبتت ذلك الدراسات الأنثروبولوجية)، فإن ذلك يعني أن الصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني كانت تلفظ بالضرورة في مجموعة واحدة من الأصوات المتصلة. فالكلمة كانت في الطور الأول تتألف من مجموعة واحدة من الأصوات المتصلة.بعضها عن بعض وكانت لذلك تلفظ في مقطع صوت واحد. ولا يتحقق ذاك إلا في تقليد أصوات الحيوان.\rجـ-تحديد الصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني(26).\rتقسم الكلمات في أي لغة إلى مجموعتين كبيرتين:\r1-كلمات مستقلة بالفهم Autosemantic words.\r2-كلمات غير مستقلة بالفهم Syntactic words.\rوتبعاً لوجود (أو عدم وجود) إمكانية للتعبير عن الربط الإسنادي بوساطة صيغة الكلمة المستقلة بالفهم نفسها، يمكن تقسيم الكلمات المستقلة بالفهم إلى فئتين:\rالأولى - الصيغ الشخصية المصرفة للفعل. تشير إلى الربط الإسنادي (وتقابلها صيغ الفعل العربي).\rالثانية - جميع صيغ الكلمات المستقلة بالفهم باستثناء الصيغ الشخصية المصرفة لفعل. لا تشير إلى الربط الإسنادي (وتقابلها صيغ الاسم العربي).\rتقسم الكلمات المستقلة بالفهم في العربية إلى صنفين - الفعل والاسم. ويتميز الفعل في العربية بأنه يكون دائماً في صيغة شخصية مصرفة. لذا فإن صيغة الفعل العربي تفيد جملة لأنها تشتمل على مسند ومسند إليه.\rهل الاسم (أي صيغ الكلمات المستقلة بالفهم باستثناء الصيغ المصرفة للفعل) هو أصل الكلام الإنساني؟\rالاسم نوعان: اسم عين واسم معنى. لا يمكن أن يكون اسم المعنى أصلاً للكلام الإنساني، لأنه لا تتوافر فيه خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني في الطور الأول:\rآ)لا يمكن أن يكون تعبيراً عمّا يدرك بالعين والأذن معاً لأنه مجرد (أي غير مشخص على الإطلاق).\rب)لا يفيد معنى كلام تام (أي جملة) لأن صيغته لا تفيد الإسناد.\rكما أن اسم العين لا يمكن أن يكون أصلاً للكلام الإنساني في الطور الأول، لأنه لا تتوافر فيه كذلك خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني:\rآ)يمكن أن يكون تعبيراً عما يدرك فقط بالعين دون الأذن،أي يكون مشخصاً بحاسة البصر فقط.\rب)لا يفيد معنى كلام تام (أي جملة) لأنه يفيد معنى العين فقط، ولا بد في الكلام من مسند ومسند إليه.\rويعني ذلك أن الاسم (سواء أكان اسم معنى أم اسم عين) لا يمكن أن يكون أصلاً للكلام الإنساني في الطور الأول. ولا يبقى أمامنا سوى البحث عمّا إذا كانت الصيغ الشخصية المصرفية للفعل تصلح أصلاً للكلام الإنساني في الطور الأول.\rهل الصيغ الشخصية المصرفية للفعل هي أصل الكلام الإنساني؟\rيمكن أن تتوافر في الصيغ الشخصية المصرفة للفعل الخاصة الثالثة المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول، إذا كانت تقليداً لأصوات الحيوان، لأنها تلفظ حينئذ مندمجة في مقطع صوتي واحد. ويمكن أن تتوافر فيها الخاصة الأولى المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول (بن تكون تعبيراً عن مشخص محدد بحاستي السمع والبصر معاً)، إذا كانت تفيد حدثاً جرى في الزمن الماضي قد سمعه وشاهد الحيوان الذي قام به كل من المتكلم والمخاطب، أي إذا كانت صيغة الفعل الماضي تحمل خبراً غير ابتدائي بالنسبة للسامع. ولا حاجة في مثل هذا الموقف الكلامي أن تشتمل صيغة ذلك الفعل الماضي الذي قام به ثالث (غير المتكلم وغير المخاطب) على ما يتصل بها لفظاً للإشارة إلى المسند إليه، لأن الموقف الكلامي الراهن يشير إلى أنها تتضمن ذهنياً (لا صوتياً) الإشارة إلى المسند إليه. وبذا تتوافر في هذه الصيغة للفعل الخاصة الثانية المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول، لأن صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث في الخبر غير الابتدائي عبارة عن كلمة واحدة من الناحية الصوتية، ولكنها تفيد من حيث المعنى كلاماً تاماً (أي جملة) يشتمل على المسند (الحدث) والمسند إليه (الفاعل) الذي تتضمنه ذهنياً صيغة الفعل في ذلك الموقف الكلامي (حين يكون الخبر غير ابتدائي).\rوهكذا يمكننا أن نقرر أن الصيغ الشخصية المصرفية للفعل تصلح من حيث المبدأ أن تكون أصلاً في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني، إذا توافرت فيها ثلاثة شروط:\r1-أن تكون تقليداً لأصوات الحيوان فتلفظ مندمجة في مقطع صوتي واحد.\r2-أن تكون صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث.\r3-أن تكون مستخدمة في خبر غير ابتدائي، أي أن يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث الذي يتم تقليد صوته وشاهد الحيوان الذي قام به.\rرابعاً: أصالة اللسان العربي تكشف أن بدائية نشأته ترجع إلى الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني.\rذكرنا أعلاه أن دراسة مفردات المعجم العربي تكشف بجلاء عن وجود شبه بين كثير من ألفاظ اللسان العربي وأصوات الحيوان والطبيعة، الأمر الذي يشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. وبما أن نظام المعجم في العربية يقوم على الرجوع إلى أصل الفعل الثلاثي المجرد من حروف الزيادة، فقد طرحت السؤال التالي: هل تتوافر في أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني؟\rأجبت عن هذا السؤال في مقالتي \"أصل الفعل العربي وأصل الكلام الإنساني(27)\". وبرهنت على أنه تتوافر في صيغة أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة التي هي عبارة عن محاكاة لأصوات الحيوان (شحج، نزب) الصفات الموضوعية الثلاث للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني. وأكتفي هنا بإحالة القارئ إلى تلك المقالة.\rوفي ضوء إثبات أن نشأة اللسان العربي تعود إلى الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني، سأطرح في المقالة التالية نظرة جديدة في دراسة بنية اللسان العربي.\r***\rالحواشي والهوامش\r1-بعنوان \"إعجاز القرآن وترجمته\" نشرت في مجلة (العربي) العدد 7/ نيسان 1982.\r2-بعنوان \"الخصائص البنيوية للفعل والاسم في العربية\" نشرت في مجلة (التراث العربي) العدد 8/ تموز 1982.\r3-بعنوان \"اللسان العربي المبين\" نشرت في مجلة (التراث العربي) العدد 9/ تشرين الأول 1982.\r4-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي \"مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية\" المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق - العدد المزدوج 135-136/ تموز وآب 1982.\r5-لخص السيوطي في كتابه \"المزهر\" الآراء المختلفة لعلماء العربية في هذا الموضوع. ويمكن بهذا العدد الرجوع مثلاً إلى: آ)مقالة الأستاذ صلاح الدين الزعبلاوي \"مذاهب وآراء حول نشوء اللغات\" المنشورة في مجلة (التراث العربي) العدد 7/ نيسان 1982. ب)مقالتي \"تحديد أصل الكلام الإنساني\" المنشورة في (المعرفة) بدمشق - العدد 227/ تشرين الثاني 1981.\r6-\"ابن جني والرؤية اللغوية\" مقالة منشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - 216/ شباط 1980.\r7-\"الخصائص\" تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى - بيروت - الطبعة الثانية، جـ 1/54.\r8-\"الخصائص\" جـ 2/28.\r9-\"الخصائص\" جـ 1/64.\r10-\"الخصائص\" جـ 1/47.\r11-ارجع إلى كتابي \"الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني\" - مطبعة الجليل - دمشق 1980.\r12-\"دلائل الإعجاز في علم المعاني\" تحقيق الإمام محمد عبده - الناشر مكتبة القاهرة - 1961/ ص 353.\r13-\"دلائل الإعجاز\" /ص 35.\r14-دار العلم للملايين - بيروت.\r15-نشرت في مجلة (المعرفة) بدمشق - عدد تشرين الأول 1962.\r16-\"مغامرات لغوية\"، ص 366.\r17-\"مغامرات لغوية\"، ص 242.\r18-نشرت في مجلة (اللسان العربي) بالرباط - عدد يناير 1972.\r19-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي بعنوان \"مراحل نشأة الكلام الإنساني\" التي ستنشر في مجلة (المعرفة) بدمشق.\r20-\"قصة الحضارة\" الجزء الأول من المجلد الأول. ترجمة د. زكي نجيب محمود. لجنة النشر والتأليف - الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية - الطبعة الثالثة - القاهرة 1965/ ص 125.\r21-\"ضرورة الفن\" نقله إلى العربية د. ميشال سليمان - دار الحقيقة - بيروت/ ص 28-29.\r22-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي \"الخصائص المميزة الأصل الكلام الإنساني\" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - العدد 229/ آذار 1981.\r23-للتوسع في الموضوع ارجع إلى كتاب د. علي عبد الواحد وافي \"علم اللغة\" - دار نهضة مصر - الطبعة السابعة - فصل (أنواع التعبير الإنساني).\r24-ارجع إلى \"علم اللغة\" للدكتور وافي، فصل (نشأة مراكز اللغة).\r25-ارجع إلى مراجعة بلال الجيوسي لكتاب فيجوتسكي \"التفكير واللغة\" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - العدد 178/ كانون الأول 1976.\r26-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي \"تحديد أصل الكلام الإنساني\" المشار إليها أعلاه.\r27-المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق - العدد 122/ حزيران 1981.","part":1,"page":337}],"titles":[{"id":1,"title":"التَّنْغيم ودلالته في العربيَّة","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"العوامل والعلل في \"الردّ على النحاة\"","lvl":1,"sub":0},{"id":23,"title":"اللسان العربي المبين","lvl":1,"sub":0},{"id":53,"title":"اللغَة العربيّة بَين الأصالة والإعجاز والحَداثة","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"الحَرفُ العَرَبي بَين الأصَالة والحَداثة","lvl":1,"sub":0},{"id":124,"title":"الرُّبَاعيّ المضَاعَف وَالثلاثي المضّعَّف","lvl":1,"sub":0},{"id":143,"title":"الصوت والدلالة","lvl":1,"sub":0},{"id":164,"title":"الأضداد.. في اللغة العربية","lvl":1,"sub":0},{"id":185,"title":"أثر حروف المعاني في تعدد المعنى","lvl":1,"sub":0},{"id":210,"title":"أسلوب الشرط بين التعقيد والتيسير","lvl":1,"sub":0},{"id":254,"title":"أصل الفعل العربي وأصل الكلام الإنساني","lvl":1,"sub":0},{"id":274,"title":"نسبة الألفاظ إلى اِلمَعاني عند المناطِقة العَرب","lvl":1,"sub":0},{"id":282,"title":"بين اللازم و المتعدي","lvl":1,"sub":0},{"id":303,"title":"كَشف الضّوّْ.. في مَعنى لَوْ","lvl":1,"sub":0},{"id":317,"title":"أصالةُ اللِّسان العَربيّ","lvl":1,"sub":0}]}